{"ً":{"ٌ":1503,"ٍ":"تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/ibnkatheer_jawzee/","files":["00_113015.pdf","01_113015p.pdf|المقدمة","01_113015.pdf","02_113016.pdf","03_113017.pdf","04_113018.pdf","05_113019.pdf","06_113020.pdf","07_113021.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تفسير القرآن العظيم\nالمؤلف: ابن كثير\nالمحقق: حكمت بن بشير بن ياسين\n(اختصر عمل الشيخ أبي إسحاق الحويني من أول الكتاب إلى الآية ١٤١ من سورة البقرة (وهو جـ ١ هذه الطبعة) ثم أكمل تحقيق الكتاب)\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع - السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣١ هـ\nعدد الأجزاء: ٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":3,"ٕ":3,"ٖ":1770153558,"ٗ":59},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1","2","3","4","5","6","7"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الناشر","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة المحقق","level":1,"page":3},{"title":"أسباب تحقيق الكتاب","level":2,"page":16},{"title":"الفصل الأول ترجمة مختصرة للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى","level":2,"page":19},{"title":"الفصل الثاني دراسة مختصرة للتفسير","level":2,"page":23},{"title":"المبحث الأول منهج الحافظ ابن كثير في التفسير","level":3,"page":23},{"title":"المبحث الثاني منهج الحافظ في الترجيح","level":3,"page":30},{"title":"المبحث الثالث القيمة العلمية للتفسير","level":3,"page":33},{"title":"المبحث الرابع وصف النسخ الخطية","level":3,"page":37},{"title":"نماذج مصورة من لوحات النسخ المستخدمة في التحقيق","level":3,"page":43},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":59},{"title":"فصل","level":2,"page":66},{"title":"كتاب فضائل القرآن","level":1,"page":75},{"title":"الحديث الأول","level":2,"page":76},{"title":"الحديث الثاني","level":3,"page":78},{"title":"الحديث الثالث","level":3,"page":79},{"title":"الحديث الرابع","level":3,"page":82},{"title":"الحديث الخامس","level":3,"page":83},{"title":"جمع القرآن","level":2,"page":85},{"title":"فصل","level":2,"page":115},{"title":"فصل","level":2,"page":121},{"title":"تأليف القرآن","level":2,"page":121},{"title":"فصل","level":2,"page":126},{"title":"القراء من أصحاب النبي ﷺ","level":2,"page":128},{"title":"نزول السكينة والملائكة عند القراءة","level":2,"page":132},{"title":"من قال: لم يترك النبي ﷺ إلا ما بين الدفتين","level":2,"page":136},{"title":"فضل القرآن على سائر الكلام","level":2,"page":136},{"title":"الوصاة بكتاب الله","level":2,"page":138},{"title":"من لم يتغن بالقرآن","level":2,"page":138},{"title":"فصل في إيراد أحاديث في معنى الباب وذكر أحكام التلاوة بالأصوات","level":2,"page":140},{"title":"اغتباط صاحب القرآن","level":2,"page":148},{"title":"خيركم من تعلم القرآن وعلمه","level":2,"page":150},{"title":"القراءة عن ظهر قلب","level":2,"page":152},{"title":"استذكار القرآن وتعاهده","level":2,"page":154},{"title":"القراءة على الدابة","level":2,"page":158},{"title":"(تعلم الصبيان القرآن)","level":2,"page":159},{"title":"نسيان القرآن وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا؟ وقول الله: ﴿سنقرئك فلا تنسى (٦) إلا ما شاء الله﴾.","level":2,"page":160},{"title":"من لم ير بأسا أن يقول: سورة البقرة وسورة كذا وكذا.","level":2,"page":161},{"title":"الترتيل في القراءة","level":2,"page":162},{"title":"مد القراءة","level":2,"page":164},{"title":"الترجيع","level":2,"page":165},{"title":"حسن الصوت بالقراءة","level":2,"page":166},{"title":"من أحب أن يسمع القراءة من غيره","level":2,"page":166},{"title":"قول المقرئ للقارئ: حسبك","level":2,"page":166},{"title":"في كم يقرأ القرآن؟ وقول الله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾","level":2,"page":167},{"title":"فصل","level":2,"page":172},{"title":"البكاء عند قراءة القرآن","level":2,"page":174},{"title":"من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فخر به","level":2,"page":174},{"title":"اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم","level":2,"page":176},{"title":"كتاب الجامع لأحاديث شتى تتعلق بتلاوة القرآن وفضائله وفضل أهله","level":2,"page":178},{"title":"فصل","level":2,"page":178},{"title":"ذكر الدعاء المأثور لتحفظ القرآن وطرد النسيان","level":2,"page":185},{"title":"مقدمة مفيدة تذكر في أول التفسير قبل الفاتحة","level":1,"page":196},{"title":"فصل","level":2,"page":197},{"title":"فصل","level":2,"page":199},{"title":"سورة الفاتحة","level":1,"page":200},{"title":"﷽","level":2,"page":200},{"title":"(ثم) الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة من وجوه","level":2,"page":212},{"title":"(الكلام على تفسير أحكام الاستعاذة)","level":2,"page":216},{"title":"[مسألة","level":3,"page":222},{"title":"مسألة","level":3,"page":222},{"title":"[مسألة","level":3,"page":223},{"title":"فصل","level":3,"page":223},{"title":"﷽","level":2,"page":226},{"title":"فصل في فضلها","level":3,"page":231},{"title":"فصل","level":2,"page":275},{"title":"فصل","level":2,"page":275},{"title":"تفسير سورة البقرة","level":1,"page":283},{"title":"ذكر ما ورد في فضلها","level":2,"page":283},{"title":"فصل","level":2,"page":294},{"title":"ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه","level":2,"page":343},{"title":"ذكر الحديث الوارد في ذلك","level":2,"page":347},{"title":"ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة","level":2,"page":354},{"title":"[تنبيه ينبغي الوقوف عليه","level":2,"page":363},{"title":"ذكر أقوال المفسرين (ببسط) ما ذكرناه","level":2,"page":382},{"title":"[ذكر بسط القصة]","level":2,"page":495},{"title":"[(مسألة)","level":2,"page":506},{"title":"[(مسألة)","level":2,"page":509},{"title":"ذكر الحديث الوارد في ذلك إن صح سنده ورفعه وبيان الكلام عليه","level":2,"page":579},{"title":"ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين","level":2,"page":581},{"title":"فصل","level":2,"page":594},{"title":"فصل","level":2,"page":601},{"title":"مسألة","level":2,"page":602},{"title":"(فائدة)","level":2,"page":634},{"title":"ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل ﵇، بمدد طويلة وقبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين وقد نقل معهم في الحجارة، وله من العمر خمس وثلاثون سنة","level":2,"page":690},{"title":"ذكر الدليل على ذلك","level":2,"page":920},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما.","level":2,"page":1008},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":1014},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":1211},{"title":"ذكر الأحاديث في ذلك","level":2,"page":1244},{"title":"أحاديث في ذلك مرسلة","level":2,"page":1245},{"title":"تفسير هذه السبع","level":2,"page":1279},{"title":"(ذكر أقوال السلف في ذلك)","level":2,"page":1288},{"title":"أقوال ابن عباس في ذلك","level":2,"page":1290},{"title":"(أقوال التابعين)","level":2,"page":1291},{"title":"ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة","level":2,"page":1363},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":1463},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":1465},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له","level":2,"page":1466},{"title":"صفة عيسى ﵇","level":2,"page":1476},{"title":"ذكر الكلام على معناها","level":2,"page":1495},{"title":"سورة المائدة وهي مدنية","level":1,"page":1499},{"title":"ذكر الآثار بذلك","level":2,"page":1529},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه","level":2,"page":1548},{"title":"ذكر أقوال المفسرين ههنا","level":2,"page":1575},{"title":"سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات","level":2,"page":1609},{"title":"قاعدة مهمة","level":2,"page":1614},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة في بيان تحريم الخمر","level":2,"page":1668},{"title":"ذكر قوال السلف في هذا المقام","level":2,"page":1683},{"title":"ذكر أخبار رويت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين","level":2,"page":1714},{"title":"سورة الأنعام وهي مكية","level":1,"page":1725},{"title":"تفسير سورة الأعراف","level":1,"page":1864},{"title":"فصل","level":2,"page":1866},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":2009},{"title":"سورة التوبة","level":1,"page":2102},{"title":"فصل","level":2,"page":2146},{"title":"بيان أن المراد بالسياحة الصيام","level":2,"page":2214},{"title":"سورة يونس","level":1,"page":2239},{"title":"سورة هود","level":1,"page":2289},{"title":"سورة يوسف ﵇","level":1,"page":2347},{"title":"سورة الرعد","level":1,"page":2408},{"title":"سورة إبراهيم","level":1,"page":2454},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":2496},{"title":"سورة النحل","level":1,"page":2526},{"title":"تفسير سورة سبحان","level":1,"page":2583},{"title":"فصل","level":2,"page":2618},{"title":"فصل","level":2,"page":2634},{"title":"فصل","level":2,"page":2636},{"title":"سورة الكهف","level":1,"page":2711},{"title":"ذكر ما ورد في فضلها والعشر الآيات من أولها وآخرها وأنها عصمة من الدجال","level":2,"page":2711},{"title":"سورة مريم","level":1,"page":2784},{"title":"سورة طه","level":1,"page":2846},{"title":"سورة الأنبياء","level":1,"page":2900},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":2956},{"title":"سورة المؤمنون","level":1,"page":3024},{"title":"سورة النور","level":1,"page":3064},{"title":"سورة الفرقان","level":1,"page":3154},{"title":"سورة الشعراء","level":1,"page":3196},{"title":"سورة النمل","level":1,"page":3238},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":3277},{"title":"سورة العنكبوت","level":1,"page":3319},{"title":"سورة الروم","level":1,"page":3349},{"title":"سورة لقمان","level":1,"page":3380},{"title":"فصل في الخمول والتواضع","level":2,"page":3391},{"title":"باب ما جاء في الشهرة","level":2,"page":3393},{"title":"فصل في حسن الخلق","level":2,"page":3395},{"title":"فصل في ذم الكبر","level":2,"page":3397},{"title":"فصل في الاختيال","level":2,"page":3398},{"title":"سورة السجدة","level":1,"page":3410},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":3426},{"title":"فصل","level":2,"page":3516},{"title":"فرع","level":2,"page":3517},{"title":"سورة سبإ","level":1,"page":3531},{"title":"سورة فاطر","level":1,"page":3568},{"title":"سورة يس","level":1,"page":3597},{"title":"سورة الصافات","level":1,"page":3635},{"title":"فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو؟","level":2,"page":3662},{"title":"ذكر من قال: هو إسحاق ﵊","level":2,"page":3662},{"title":"ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵊ وهو الصحيح المقطوع به","level":2,"page":3663},{"title":"سورة ص","level":1,"page":3678},{"title":"سورة الزمر","level":1,"page":3710},{"title":"ذكر سعة أبواب الجنة - نسأل الله من فضله العظيم أن يجعلنا من أهلها -","level":2,"page":3746},{"title":"سورة غافر","level":1,"page":3750},{"title":"سورة فصلت","level":1,"page":3783},{"title":"سورة الشورى وهي مكية","level":1,"page":3809},{"title":"سورة الزخرف وهي مكية","level":1,"page":3836},{"title":"سورة الدخان وهي مكية","level":1,"page":3862},{"title":"سورة الجاثية","level":1,"page":3880},{"title":"سورة الأحقاف","level":1,"page":3889},{"title":"سورة القتال","level":1,"page":3920},{"title":"سورة الفتح","level":1,"page":3937},{"title":"سورة الحجرات","level":1,"page":3974},{"title":"سورة ق","level":1,"page":4002},{"title":"سورة الذاريات","level":1,"page":4023},{"title":"سورة الطور","level":1,"page":4037},{"title":"سورة النجم","level":1,"page":4051},{"title":"سورة القمر","level":1,"page":4078},{"title":"سورة الرحمن","level":1,"page":4096},{"title":"سورة الواقعة","level":1,"page":4121},{"title":"سورة الحديد","level":1,"page":4163},{"title":"سورة المجادلة","level":1,"page":4191},{"title":"سورة الحشر","level":1,"page":4212},{"title":"سورة الممتحنة","level":1,"page":4237},{"title":"سورة الصف","level":1,"page":4258},{"title":"سورة الجمعة","level":1,"page":4268},{"title":"سورة المنافقون","level":1,"page":4277},{"title":"سورة التغابن","level":1,"page":4286},{"title":"سورة الطلاق","level":1,"page":4293},{"title":"سورة التحريم","level":1,"page":4309},{"title":"سورة الملك","level":1,"page":4325},{"title":"سورة ﴿ن﴾","level":1,"page":4334},{"title":"سورة الحاقة","level":1,"page":4359},{"title":"سورة ﴿سأل سائل﴾","level":1,"page":4371},{"title":"سورة نوح","level":1,"page":4383},{"title":"سورة الجن","level":1,"page":4390},{"title":"سورة المزمل","level":1,"page":4401},{"title":"سورة المدثر","level":1,"page":4413},{"title":"سورة القيامة","level":1,"page":4428},{"title":"سورة الإنسان","level":1,"page":4440},{"title":"سورة المرسلات","level":1,"page":4450},{"title":"سورة النبإ","level":1,"page":4456},{"title":"سورة النازعات","level":1,"page":4467},{"title":"سورة عبس","level":1,"page":4475},{"title":"سورة التكوير","level":1,"page":4485},{"title":"سورة الانفطار","level":1,"page":4499},{"title":"سورة المطففين","level":1,"page":4504},{"title":"سورة الانشقاق","level":1,"page":4513},{"title":"سورة البروج","level":1,"page":4522},{"title":"سورة الطارق","level":1,"page":4533},{"title":"سورة الأعلى","level":1,"page":4537},{"title":"سورة الغاشية","level":1,"page":4545},{"title":"سورة الفجر","level":1,"page":4551},{"title":"سورة البلد","level":1,"page":4564},{"title":"سورة الشمس وهي مكية","level":1,"page":4573},{"title":"سورة الليل","level":1,"page":4579},{"title":"سورة الضحى وهي مكية","level":1,"page":4586},{"title":"سورة الشرح وهي مكية","level":1,"page":4592},{"title":"سورة ﴿والتين والزيتون﴾ وهي مكية","level":1,"page":4597},{"title":"سورة ﴿اقرأ﴾ -وهي أول شيء نزل من القرآن-","level":1,"page":4600},{"title":"سورة القدر [وهي] مكية","level":1,"page":4604},{"title":"[فصل]","level":2,"page":4609},{"title":"[فصل]","level":2,"page":4610},{"title":"[فصل]","level":2,"page":4613},{"title":"سورة ﴿لم يكن﴾ وهي مدنية","level":1,"page":4618},{"title":"سورة ﴿إذا زلزلت﴾ وهي مكية","level":1,"page":4623},{"title":"سورة العاديات وهي مكية","level":1,"page":4629},{"title":"سورة القارعة وهي مكية","level":1,"page":4633},{"title":"سورة التكاثر وهي مكية","level":1,"page":4637},{"title":"سورة العصر [وهي] مكية","level":1,"page":4645},{"title":"سورة ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ وهي مكية","level":1,"page":4647},{"title":"سورة الفيل وهي مكية","level":1,"page":4649},{"title":"سورة ﴿لإيلاف قريش﴾ وهي مكية","level":1,"page":4657},{"title":"تفسير السورة التي يذكر فيها الماعون [وهي] مكية","level":1,"page":4659},{"title":"سورة الكوثر مدنية، وقيل: مكية","level":1,"page":4665},{"title":"سورة ﴿قل ياأيها الكافرون﴾ وهي مكية","level":1,"page":4673},{"title":"سورة ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وهي مدنية","level":1,"page":4676},{"title":"سورة ﴿تبت﴾ وهي مكية","level":1,"page":4681},{"title":"سورة الإخلاص وهي مكية","level":1,"page":4685},{"title":"تفسير سورتي المعوذتين وهما مدنيتان","level":1,"page":4698}],"ٛ":{"المقدمة,3":1,"المقدمة,4":2,"المقدمة,5":3,"المقدمة,6":4,"المقدمة,7":5,"المقدمة,8":6,"المقدمة,9":7,"المقدمة,10":8,"المقدمة,11":9,"المقدمة,12":10,"المقدمة,13":11,"المقدمة,14":12,"المقدمة,15":13,"المقدمة,16":14,"المقدمة,17":15,"المقدمة,18":16,"المقدمة,19":17,"المقدمة,20":18,"المقدمة,21":19,"المقدمة,22":20,"المقدمة,23":21,"المقدمة,24":22,"المقدمة,25":23,"المقدمة,26":24,"المقدمة,27":25,"المقدمة,28":26,"المقدمة,29":27,"المقدمة,30":28,"المقدمة,31":29,"المقدمة,32":30,"المقدمة,33":31,"المقدمة,34":32,"المقدمة,35":33,"المقدمة,36":34,"المقدمة,37":35,"المقدمة,38":36,"المقدمة,39":37,"المقدمة,40":38,"المقدمة,41":39,"المقدمة,42":40,"المقدمة,43":41,"المقدمة,44":42,"المقدمة,45":43,"المقدمة,46":44,"المقدمة,47":45,"المقدمة,48":46,"المقدمة,49":47,"المقدمة,50":48,"المقدمة,51":49,"المقدمة,52":50,"المقدمة,53":51,"المقدمة,54":52,"المقدمة,55":53,"المقدمة,56":54,"المقدمة,57":55,"المقدمة,58":56,"المقدمة,59":57,"المقدمة,60":58,"1,3":59,"1,4":60,"1,5":61,"1,6":62,"1,7":63,"1,8":64,"1,9":65,"1,10":66,"1,11":67,"1,12":68,"1,13":69,"1,14":70,"1,15":71,"1,16":72,"1,17":73,"1,18":74,"1,19":75,"1,20":76,"1,21":77,"1,22":78,"1,23":79,"1,24":80,"1,25":81,"1,26":82,"1,27":83,"1,28":84,"1,29":85,"1,30":86,"1,31":87,"1,32":88,"1,33":89,"1,34":90,"1,35":91,"1,36":92,"1,37":93,"1,38":94,"1,39":95,"1,40":96,"1,41":97,"1,42":98,"1,43":99,"1,44":100,"1,45":101,"1,46":102,"1,47":103,"1,48":104,"1,49":105,"1,50":106,"1,51":107,"1,52":108,"1,53":109,"1,54":110,"1,55":111,"1,56":112,"1,57":113,"1,58":114,"1,59":115,"1,60":116,"1,61":117,"1,62":118,"1,63":119,"1,64":120,"1,65":121,"1,66":122,"1,67":123,"1,68":124,"1,69":125,"1,70":126,"1,71":127,"1,72":128,"1,73":129,"1,74":130,"1,75":131,"1,76":132,"1,77":133,"1,78":134,"1,79":135,"1,80":136,"1,81":137,"1,82":138,"1,83":139,"1,84":140,"1,85":141,"1,86":142,"1,87":143,"1,88":144,"1,89":145,"1,90":146,"1,91":147,"1,92":148,"1,93":149,"1,94":150,"1,95":151,"1,96":152,"1,97":153,"1,98":154,"1,99":155,"1,100":156,"1,101":157,"1,102":158,"1,103":159,"1,104":160,"1,105":161,"1,106":162,"1,107":163,"1,108":164,"1,109":165,"1,110":166,"1,111":167,"1,112":168,"1,113":169,"1,114":170,"1,115":171,"1,116":172,"1,117":173,"1,118":174,"1,119":175,"1,120":176,"1,121":177,"1,122":178,"1,123":179,"1,124":180,"1,125":181,"1,126":182,"1,127":183,"1,128":184,"1,129":185,"1,130":186,"1,131":187,"1,132":188,"1,133":189,"1,134":190,"1,135":191,"1,136":192,"1,137":193,"1,138":194,"1,139":195,"1,140":196,"1,141":197,"1,142":198,"1,143":199,"1,145":200,"1,146":201,"1,147":202,"1,148":203,"1,149":204,"1,150":205,"1,151":206,"1,152":207,"1,153":208,"1,154":209,"1,155":210,"1,156":211,"1,157":212,"1,158":213,"1,159":214,"1,160":215,"1,161":216,"1,162":217,"1,163":218,"1,164":219,"1,165":220,"1,166":221,"1,167":222,"1,168":223,"1,169":224,"1,170":225,"1,171":226,"1,172":227,"1,173":228,"1,174":229,"1,175":230,"1,176":231,"1,177":232,"1,178":233,"1,179":234,"1,180":235,"1,181":236,"1,182":237,"1,183":238,"1,184":239,"1,185":240,"1,186":241,"1,187":242,"1,188":243,"1,189":244,"1,190":245,"1,191":246,"1,192":247,"1,193":248,"1,194":249,"1,195":250,"1,196":251,"1,197":252,"1,198":253,"1,199":254,"1,200":255,"1,201":256,"1,202":257,"1,203":258,"1,204":259,"1,205":260,"1,206":261,"1,207":262,"1,208":263,"1,209":264,"1,210":265,"1,211":266,"1,212":267,"1,213":268,"1,214":269,"1,215":270,"1,216":271,"1,217":272,"1,218":273,"1,219":274,"1,220":275,"1,221":276,"1,222":277,"1,223":278,"1,224":279,"1,225":280,"1,226":281,"1,227":282,"1,228":283,"1,229":284,"1,230":285,"1,231":286,"1,232":287,"1,233":288,"1,234":289,"1,235":290,"1,236":291,"1,237":292,"1,238":293,"1,239":294,"1,240":295,"1,241":296,"1,242":297,"1,243":298,"1,244":299,"1,245":300,"1,246":301,"1,247":302,"1,248":303,"1,249":304,"1,250":305,"1,251":306,"1,252":307,"1,253":308,"1,254":309,"1,255":310,"1,256":311,"1,257":312,"1,258":313,"1,259":314,"1,260":315,"1,261":316,"1,262":317,"1,263":318,"1,264":319,"1,265":320,"1,266":321,"1,267":322,"1,268":323,"1,269":324,"1,270":325,"1,271":326,"1,272":327,"1,273":328,"1,274":329,"1,275":330,"1,276":331,"1,277":332,"1,278":333,"1,279":334,"1,280":335,"1,281":336,"1,282":337,"1,283":338,"1,284":339,"1,285":340,"1,286":341,"1,287":342,"1,288":343,"1,289":344,"1,290":345,"1,291":346,"1,292":347,"1,293":348,"1,294":349,"1,295":350,"1,296":351,"1,297":352,"1,298":353,"1,299":354,"1,300":355,"1,301":356,"1,302":357,"1,303":358,"1,304":359,"1,305":360,"1,306":361,"1,307":362,"1,308":363,"1,309":364,"1,310":365,"1,311":366,"1,312":367,"1,313":368,"1,314":369,"1,315":370,"1,316":371,"1,317":372,"1,318":373,"1,319":374,"1,320":375,"1,321":376,"1,322":377,"1,323":378,"1,324":379,"1,325":380,"1,326":381,"1,327":382,"1,328":383,"1,329":384,"1,330":385,"1,331":386,"1,332":387,"1,333":388,"1,334":389,"1,335":390,"1,336":391,"1,337":392,"1,338":393,"1,339":394,"1,340":395,"1,341":396,"1,342":397,"1,343":398,"1,344":399,"1,345":400,"1,346":401,"1,347":402,"1,348":403,"1,349":404,"1,350":405,"1,351":406,"1,352":407,"1,353":408,"1,354":409,"1,355":410,"1,356":411,"1,357":412,"1,358":413,"1,359":414,"1,360":415,"1,361":416,"1,362":417,"1,363":418,"1,364":419,"1,365":420,"1,366":421,"1,367":422,"1,368":423,"1,369":424,"1,370":425,"1,371":426,"1,372":427,"1,373":428,"1,374":429,"1,375":430,"1,376":431,"1,377":432,"1,378":433,"1,379":434,"1,380":435,"1,381":436,"1,382":437,"1,383":438,"1,384":439,"1,385":440,"1,386":441,"1,387":442,"1,388":443,"1,389":444,"1,390":445,"1,391":446,"1,392":447,"1,393":448,"1,394":449,"1,395":450,"1,396":451,"1,397":452,"1,398":453,"1,399":454,"1,400":455,"1,401":456,"1,402":457,"1,403":458,"1,404":459,"1,405":460,"1,406":461,"1,407":462,"1,408":463,"1,409":464,"1,410":465,"1,411":466,"1,412":467,"1,413":468,"1,414":469,"1,415":470,"1,416":471,"1,417":472,"1,418":473,"1,419":474,"1,420":475,"1,421":476,"1,422":477,"1,423":478,"1,424":479,"1,425":480,"1,426":481,"1,427":482,"1,428":483,"1,429":484,"1,430":485,"1,431":486,"1,432":487,"1,433":488,"1,434":489,"1,435":490,"1,436":491,"1,437":492,"1,438":493,"1,439":494,"1,440":495,"1,441":496,"1,442":497,"1,443":498,"1,444":499,"1,445":500,"1,446":501,"1,447":502,"1,448":503,"1,449":504,"1,450":505,"1,451":506,"1,452":507,"1,453":508,"1,454":509,"1,455":510,"1,456":511,"1,457":512,"1,458":513,"1,459":514,"1,460":515,"1,461":516,"1,462":517,"1,463":518,"1,464":519,"1,465":520,"1,466":521,"1,467":522,"1,468":523,"1,469":524,"1,470":525,"1,471":526,"1,472":527,"1,473":528,"1,474":529,"1,475":530,"1,476":531,"1,477":532,"1,478":533,"1,479":534,"1,480":535,"1,481":536,"1,482":537,"1,483":538,"1,484":539,"1,485":540,"1,486":541,"1,487":542,"1,488":543,"1,489":544,"1,490":545,"1,491":546,"1,492":547,"1,493":548,"1,494":549,"1,495":550,"1,496":551,"1,497":552,"1,498":553,"1,499":554,"1,500":555,"1,501":556,"1,502":557,"1,503":558,"1,504":559,"1,505":560,"1,506":561,"1,507":562,"1,508":563,"1,509":564,"1,510":565,"1,511":566,"1,512":567,"1,513":568,"1,514":569,"1,515":570,"1,516":571,"1,517":572,"1,518":573,"1,519":574,"1,520":575,"1,521":576,"1,522":577,"1,523":578,"1,524":579,"1,525":580,"1,526":581,"1,527":582,"1,528":583,"1,529":584,"1,530":585,"1,531":586,"1,532":587,"1,533":588,"1,534":589,"1,535":590,"1,536":591,"1,537":592,"1,538":593,"1,539":594,"1,540":595,"1,541":596,"1,542":597,"1,543":598,"1,544":599,"1,545":600,"1,546":601,"1,547":602,"1,548":603,"1,549":604,"1,550":605,"1,551":606,"1,552":607,"1,553":608,"1,554":609,"1,555":610,"1,556":611,"1,557":612,"1,558":613,"1,559":614,"1,560":615,"1,561":616,"1,562":617,"1,563":618,"1,564":619,"1,565":620,"1,566":621,"1,567":622,"1,568":623,"1,569":624,"1,570":625,"1,571":626,"1,572":627,"1,573":628,"1,574":629,"1,575":630,"1,576":631,"1,577":632,"1,578":633,"1,579":634,"1,580":635,"1,581":636,"1,582":637,"1,583":638,"1,584":639,"1,585":640,"1,586":641,"1,587":642,"1,588":643,"1,589":644,"1,590":645,"1,591":646,"1,592":647,"1,593":648,"1,594":649,"1,595":650,"1,596":651,"1,597":652,"1,598":653,"1,599":654,"1,600":655,"1,601":656,"1,602":657,"1,603":658,"1,604":659,"1,605":660,"1,606":661,"1,607":662,"1,608":663,"1,609":664,"1,610":665,"1,611":666,"1,612":667,"1,613":668,"1,614":669,"1,615":670,"1,616":671,"1,617":672,"1,618":673,"1,619":674,"1,620":675,"1,621":676,"1,622":677,"1,623":678,"1,624":679,"1,625":680,"1,626":681,"1,627":682,"1,628":683,"1,629":684,"1,630":685,"1,631":686,"1,632":687,"1,633":688,"1,634":689,"1,635":690,"1,636":691,"1,637":692,"1,638":693,"1,639":694,"1,640":695,"1,641":696,"1,642":697,"1,643":698,"1,644":699,"1,645":700,"1,646":701,"1,647":702,"1,648":703,"1,649":704,"1,650":705,"1,651":706,"1,652":707,"1,653":708,"1,654":709,"2,5":710,"2,6":711,"2,7":712,"2,8":713,"2,9":714,"2,10":715,"2,11":716,"2,12":717,"2,13":718,"2,14":719,"2,15":720,"2,16":721,"2,17":722,"2,18":723,"2,19":724,"2,20":725,"2,21":726,"2,22":727,"2,23":728,"2,24":729,"2,25":730,"2,26":731,"2,27":732,"2,28":733,"2,29":734,"2,30":735,"2,31":736,"2,32":737,"2,33":738,"2,34":739,"2,35":740,"2,36":741,"2,37":742,"2,38":743,"2,39":744,"2,40":745,"2,41":746,"2,42":747,"2,43":748,"2,44":749,"2,45":750,"2,46":751,"2,47":752,"2,48":753,"2,49":754,"2,50":755,"2,51":756,"2,52":757,"2,53":758,"2,54":759,"2,55":760,"2,56":761,"2,57":762,"2,58":763,"2,59":764,"2,60":765,"2,61":766,"2,62":767,"2,63":768,"2,64":769,"2,65":770,"2,66":771,"2,67":772,"2,68":773,"2,69":774,"2,70":775,"2,71":776,"2,72":777,"2,73":778,"2,74":779,"2,75":780,"2,76":781,"2,77":782,"2,78":783,"2,79":784,"2,80":785,"2,81":786,"2,82":787,"2,83":788,"2,84":789,"2,85":790,"2,86":791,"2,87":792,"2,88":793,"2,89":794,"2,90":795,"2,91":796,"2,92":797,"2,93":798,"2,94":799,"2,95":800,"2,96":801,"2,97":802,"2,98":803,"2,99":804,"2,100":805,"2,101":806,"2,102":807,"2,103":808,"2,104":809,"2,105":810,"2,106":811,"2,107":812,"2,108":813,"2,109":814,"2,110":815,"2,111":816,"2,112":817,"2,113":818,"2,114":819,"2,115":820,"2,116":821,"2,117":822,"2,118":823,"2,119":824,"2,120":825,"2,121":826,"2,122":827,"2,123":828,"2,124":829,"2,125":830,"2,126":831,"2,127":832,"2,128":833,"2,129":834,"2,130":835,"2,131":836,"2,132":837,"2,133":838,"2,134":839,"2,135":840,"2,136":841,"2,137":842,"2,138":843,"2,139":844,"2,140":845,"2,141":846,"2,142":847,"2,143":848,"2,144":849,"2,145":850,"2,146":851,"2,147":852,"2,148":853,"2,149":854,"2,150":855,"2,151":856,"2,152":857,"2,153":858,"2,154":859,"2,155":860,"2,156":861,"2,157":862,"2,158":863,"2,159":864,"2,160":865,"2,161":866,"2,162":867,"2,163":868,"2,164":869,"2,165":870,"2,166":871,"2,167":872,"2,168":873,"2,169":874,"2,170":875,"2,171":876,"2,172":877,"2,173":878,"2,174":879,"2,175":880,"2,176":881,"2,177":882,"2,178":883,"2,179":884,"2,180":885,"2,181":886,"2,182":887,"2,183":888,"2,184":889,"2,185":890,"2,186":891,"2,187":892,"2,188":893,"2,189":894,"2,190":895,"2,191":896,"2,192":897,"2,193":898,"2,194":899,"2,195":900,"2,196":901,"2,197":902,"2,198":903,"2,199":904,"2,200":905,"2,201":906,"2,202":907,"2,203":908,"2,204":909,"2,205":910,"2,206":911,"2,207":912,"2,208":913,"2,209":914,"2,210":915,"2,211":916,"2,212":917,"2,213":918,"2,214":919,"2,215":920,"2,216":921,"2,217":922,"2,218":923,"2,219":924,"2,220":925,"2,221":926,"2,222":927,"2,223":928,"2,224":929,"2,225":930,"2,226":931,"2,227":932,"2,228":933,"2,229":934,"2,230":935,"2,231":936,"2,232":937,"2,233":938,"2,234":939,"2,235":940,"2,236":941,"2,237":942,"2,238":943,"2,239":944,"2,240":945,"2,241":946,"2,242":947,"2,243":948,"2,244":949,"2,245":950,"2,246":951,"2,247":952,"2,248":953,"2,249":954,"2,250":955,"2,251":956,"2,252":957,"2,253":958,"2,254":959,"2,255":960,"2,256":961,"2,257":962,"2,258":963,"2,259":964,"2,260":965,"2,261":966,"2,262":967,"2,263":968,"2,264":969,"2,265":970,"2,266":971,"2,267":972,"2,268":973,"2,269":974,"2,270":975,"2,271":976,"2,272":977,"2,273":978,"2,274":979,"2,275":980,"2,276":981,"2,277":982,"2,278":983,"2,279":984,"2,280":985,"2,281":986,"2,282":987,"2,283":988,"2,284":989,"2,285":990,"2,286":991,"2,287":992,"2,288":993,"2,289":994,"2,290":995,"2,291":996,"2,292":997,"2,293":998,"2,294":999,"2,295":1000,"2,296":1001,"2,297":1002,"2,298":1003,"2,299":1004,"2,300":1005,"2,301":1006,"2,302":1007,"2,303":1008,"2,304":1009,"2,305":1010,"2,306":1011,"2,307":1012,"2,308":1013,"2,309":1014,"2,310":1015,"2,311":1016,"2,312":1017,"2,313":1018,"2,314":1019,"2,315":1020,"2,316":1021,"2,317":1022,"2,318":1023,"2,319":1024,"2,320":1025,"2,321":1026,"2,322":1027,"2,323":1028,"2,324":1029,"2,325":1030,"2,326":1031,"2,327":1032,"2,328":1033,"2,329":1034,"2,330":1035,"2,331":1036,"2,332":1037,"2,333":1038,"2,334":1039,"2,335":1040,"2,336":1041,"2,337":1042,"2,338":1043,"2,339":1044,"2,340":1045,"2,341":1046,"2,342":1047,"2,343":1048,"2,344":1049,"2,345":1050,"2,346":1051,"2,347":1052,"2,348":1053,"2,349":1054,"2,350":1055,"2,351":1056,"2,352":1057,"2,353":1058,"2,354":1059,"2,355":1060,"2,356":1061,"2,357":1062,"2,358":1063,"2,359":1064,"2,360":1065,"2,361":1066,"2,362":1067,"2,363":1068,"2,364":1069,"2,365":1070,"2,366":1071,"2,367":1072,"2,368":1073,"2,369":1074,"2,370":1075,"2,371":1076,"2,372":1077,"2,373":1078,"2,374":1079,"2,375":1080,"2,376":1081,"2,377":1082,"2,378":1083,"2,379":1084,"2,380":1085,"2,381":1086,"2,382":1087,"2,383":1088,"2,384":1089,"2,385":1090,"2,386":1091,"2,387":1092,"2,388":1093,"2,389":1094,"2,390":1095,"2,391":1096,"2,392":1097,"2,393":1098,"2,394":1099,"2,395":1100,"2,396":1101,"2,397":1102,"2,398":1103,"2,399":1104,"2,400":1105,"2,401":1106,"2,402":1107,"2,403":1108,"2,404":1109,"2,405":1110,"2,406":1111,"2,407":1112,"2,408":1113,"2,409":1114,"2,410":1115,"2,411":1116,"2,412":1117,"2,413":1118,"2,414":1119,"2,415":1120,"2,416":1121,"2,417":1122,"2,418":1123,"2,419":1124,"2,420":1125,"2,421":1126,"2,422":1127,"2,423":1128,"2,424":1129,"2,425":1130,"2,426":1131,"2,427":1132,"2,428":1133,"2,429":1134,"2,430":1135,"2,431":1136,"2,432":1137,"2,433":1138,"2,434":1139,"2,435":1140,"2,436":1141,"2,437":1142,"2,438":1143,"2,439":1144,"2,440":1145,"2,441":1146,"2,442":1147,"2,443":1148,"2,444":1149,"2,445":1150,"2,446":1151,"2,447":1152,"2,448":1153,"2,449":1154,"2,450":1155,"2,451":1156,"2,452":1157,"2,453":1158,"2,454":1159,"2,455":1160,"2,456":1161,"2,457":1162,"2,458":1163,"2,459":1164,"2,460":1165,"2,461":1166,"2,462":1167,"2,463":1168,"2,464":1169,"2,465":1170,"2,466":1171,"2,467":1172,"2,468":1173,"2,469":1174,"2,470":1175,"2,471":1176,"2,472":1177,"2,473":1178,"2,474":1179,"2,475":1180,"2,476":1181,"2,477":1182,"2,478":1183,"2,479":1184,"2,480":1185,"2,481":1186,"2,482":1187,"2,483":1188,"2,484":1189,"2,485":1190,"2,486":1191,"2,487":1192,"2,488":1193,"2,489":1194,"2,490":1195,"2,491":1196,"2,492":1197,"2,493":1198,"2,494":1199,"2,495":1200,"2,496":1201,"2,497":1202,"2,498":1203,"2,499":1204,"2,500":1205,"2,501":1206,"2,502":1207,"2,503":1208,"2,504":1209,"2,505":1210,"3,5":1211,"3,6":1212,"3,7":1213,"3,8":1214,"3,9":1215,"3,10":1216,"3,11":1217,"3,12":1218,"3,13":1219,"3,14":1220,"3,15":1221,"3,16":1222,"3,17":1223,"3,18":1224,"3,19":1225,"3,20":1226,"3,21":1227,"3,22":1228,"3,23":1229,"3,24":1230,"3,25":1231,"3,26":1232,"3,27":1233,"3,28":1234,"3,29":1235,"3,30":1236,"3,31":1237,"3,32":1238,"3,33":1239,"3,34":1240,"3,35":1241,"3,36":1242,"3,37":1243,"3,38":1244,"3,39":1245,"3,40":1246,"3,41":1247,"3,42":1248,"3,43":1249,"3,44":1250,"3,45":1251,"3,46":1252,"3,47":1253,"3,48":1254,"3,49":1255,"3,50":1256,"3,51":1257,"3,52":1258,"3,53":1259,"3,54":1260,"3,55":1261,"3,56":1262,"3,57":1263,"3,58":1264,"3,59":1265,"3,60":1266,"3,61":1267,"3,62":1268,"3,63":1269,"3,64":1270,"3,65":1271,"3,66":1272,"3,67":1273,"3,68":1274,"3,69":1275,"3,70":1276,"3,71":1277,"3,72":1278,"3,73":1279,"3,74":1280,"3,75":1281,"3,76":1282,"3,77":1283,"3,78":1284,"3,79":1285,"3,80":1286,"3,81":1287,"3,82":1288,"3,83":1289,"3,84":1290,"3,85":1291,"3,86":1292,"3,87":1293,"3,88":1294,"3,89":1295,"3,90":1296,"3,91":1297,"3,92":1298,"3,93":1299,"3,94":1300,"3,95":1301,"3,96":1302,"3,97":1303,"3,98":1304,"3,99":1305,"3,100":1306,"3,101":1307,"3,102":1308,"3,103":1309,"3,104":1310,"3,105":1311,"3,106":1312,"3,107":1313,"3,108":1314,"3,109":1315,"3,110":1316,"3,111":1317,"3,112":1318,"3,113":1319,"3,114":1320,"3,115":1321,"3,116":1322,"3,117":1323,"3,118":1324,"3,119":1325,"3,120":1326,"3,121":1327,"3,122":1328,"3,123":1329,"3,124":1330,"3,125":1331,"3,126":1332,"3,127":1333,"3,128":1334,"3,129":1335,"3,130":1336,"3,131":1337,"3,132":1338,"3,133":1339,"3,134":1340,"3,135":1341,"3,136":1342,"3,137":1343,"3,138":1344,"3,139":1345,"3,140":1346,"3,141":1347,"3,142":1348,"3,143":1349,"3,144":1350,"3,145":1351,"3,146":1352,"3,147":1353,"3,148":1354,"3,149":1355,"3,150":1356,"3,151":1357,"3,152":1358,"3,153":1359,"3,154":1360,"3,155":1361,"3,156":1362,"3,157":1363,"3,158":1364,"3,159":1365,"3,160":1366,"3,161":1367,"3,162":1368,"3,163":1369,"3,164":1370,"3,165":1371,"3,166":1372,"3,167":1373,"3,168":1374,"3,169":1375,"3,170":1376,"3,171":1377,"3,172":1378,"3,173":1379,"3,174":1380,"3,175":1381,"3,176":1382,"3,177":1383,"3,178":1384,"3,179":1385,"3,180":1386,"3,181":1387,"3,182":1388,"3,183":1389,"3,184":1390,"3,185":1391,"3,186":1392,"3,187":1393,"3,188":1394,"3,189":1395,"3,190":1396,"3,191":1397,"3,192":1398,"3,193":1399,"3,194":1400,"3,195":1401,"3,196":1402,"3,197":1403,"3,198":1404,"3,199":1405,"3,200":1406,"3,201":1407,"3,202":1408,"3,203":1409,"3,204":1410,"3,205":1411,"3,206":1412,"3,207":1413,"3,208":1414,"3,209":1415,"3,210":1416,"3,211":1417,"3,212":1418,"3,213":1419,"3,214":1420,"3,215":1421,"3,216":1422,"3,217":1423,"3,218":1424,"3,219":1425,"3,220":1426,"3,221":1427,"3,222":1428,"3,223":1429,"3,224":1430,"3,225":1431,"3,226":1432,"3,227":1433,"3,228":1434,"3,229":1435,"3,230":1436,"3,231":1437,"3,232":1438,"3,233":1439,"3,234":1440,"3,235":1441,"3,236":1442,"3,237":1443,"3,238":1444,"3,239":1445,"3,240":1446,"3,241":1447,"3,242":1448,"3,243":1449,"3,244":1450,"3,245":1451,"3,246":1452,"3,247":1453,"3,248":1454,"3,249":1455,"3,250":1456,"3,251":1457,"3,252":1458,"3,253":1459,"3,254":1460,"3,255":1461,"3,256":1462,"3,257":1463,"3,258":1464,"3,259":1465,"3,260":1466,"3,261":1467,"3,262":1468,"3,263":1469,"3,264":1470,"3,265":1471,"3,266":1472,"3,267":1473,"3,268":1474,"3,269":1475,"3,270":1476,"3,271":1477,"3,272":1478,"3,273":1479,"3,274":1480,"3,275":1481,"3,276":1482,"3,277":1483,"3,278":1484,"3,279":1485,"3,280":1486,"3,281":1487,"3,282":1488,"3,283":1489,"3,284":1490,"3,285":1491,"3,286":1492,"3,287":1493,"3,288":1494,"3,289":1495,"3,290":1496,"3,291":1497,"3,292":1498,"3,293":1499,"3,294":1500,"3,295":1501,"3,296":1502,"3,297":1503,"3,298":1504,"3,299":1505,"3,300":1506,"3,301":1507,"3,302":1508,"3,303":1509,"3,304":1510,"3,305":1511,"3,306":1512,"3,307":1513,"3,308":1514,"3,309":1515,"3,310":1516,"3,311":1517,"3,312":1518,"3,313":1519,"3,314":1520,"3,315":1521,"3,316":1522,"3,317":1523,"3,318":1524,"3,319":1525,"3,320":1526,"3,321":1527,"3,322":1528,"3,323":1529,"3,324":1530,"3,325":1531,"3,326":1532,"3,327":1533,"3,328":1534,"3,329":1535,"3,330":1536,"3,331":1537,"3,332":1538,"3,333":1539,"3,334":1540,"3,335":1541,"3,336":1542,"3,337":1543,"3,338":1544,"3,339":1545,"3,340":1546,"3,341":1547,"3,342":1548,"3,343":1549,"3,344":1550,"3,345":1551,"3,346":1552,"3,347":1553,"3,348":1554,"3,349":1555,"3,350":1556,"3,351":1557,"3,352":1558,"3,353":1559,"3,354":1560,"3,355":1561,"3,356":1562,"3,357":1563,"3,358":1564,"3,359":1565,"3,360":1566,"3,361":1567,"3,362":1568,"3,363":1569,"3,364":1570,"3,365":1571,"3,366":1572,"3,367":1573,"3,368":1574,"3,369":1575,"3,370":1576,"3,371":1577,"3,372":1578,"3,373":1579,"3,374":1580,"3,375":1581,"3,376":1582,"3,377":1583,"3,378":1584,"3,379":1585,"3,380":1586,"3,381":1587,"3,382":1588,"3,383":1589,"3,384":1590,"3,385":1591,"3,386":1592,"3,387":1593,"3,388":1594,"3,389":1595,"3,390":1596,"3,391":1597,"3,392":1598,"3,393":1599,"3,394":1600,"3,395":1601,"3,396":1602,"3,397":1603,"3,398":1604,"3,399":1605,"3,400":1606,"3,401":1607,"3,402":1608,"3,403":1609,"3,404":1610,"3,405":1611,"3,406":1612,"3,407":1613,"3,408":1614,"3,409":1615,"3,410":1616,"3,411":1617,"3,412":1618,"3,413":1619,"3,414":1620,"3,415":1621,"3,416":1622,"3,417":1623,"3,418":1624,"3,419":1625,"3,420":1626,"3,421":1627,"3,422":1628,"3,423":1629,"3,424":1630,"3,425":1631,"3,426":1632,"3,427":1633,"3,428":1634,"3,429":1635,"3,430":1636,"3,431":1637,"3,432":1638,"3,433":1639,"3,434":1640,"3,435":1641,"3,436":1642,"3,437":1643,"3,438":1644,"3,439":1645,"3,440":1646,"3,441":1647,"3,442":1648,"3,443":1649,"3,444":1650,"3,445":1651,"3,446":1652,"3,447":1653,"3,448":1654,"3,449":1655,"3,450":1656,"3,451":1657,"3,452":1658,"3,453":1659,"3,454":1660,"3,455":1661,"3,456":1662,"3,457":1663,"3,458":1664,"3,459":1665,"3,460":1666,"3,461":1667,"3,462":1668,"3,463":1669,"3,464":1670,"3,465":1671,"3,466":1672,"3,467":1673,"3,468":1674,"3,469":1675,"3,470":1676,"3,471":1677,"3,472":1678,"3,473":1679,"3,474":1680,"3,475":1681,"3,476":1682,"3,477":1683,"3,478":1684,"3,479":1685,"3,480":1686,"3,481":1687,"3,482":1688,"3,483":1689,"3,484":1690,"3,485":1691,"3,486":1692,"3,487":1693,"3,488":1694,"3,489":1695,"3,490":1696,"3,491":1697,"3,492":1698,"3,493":1699,"3,494":1700,"3,495":1701,"3,496":1702,"3,497":1703,"3,498":1704,"3,499":1705,"3,500":1706,"3,501":1707,"3,502":1708,"3,503":1709,"3,504":1710,"3,505":1711,"3,506":1712,"3,507":1713,"3,508":1714,"3,509":1715,"3,510":1716,"3,511":1717,"3,512":1718,"3,513":1719,"3,514":1720,"3,515":1721,"3,516":1722,"3,517":1723,"3,518":1724,"3,519":1725,"3,520":1726,"3,521":1727,"3,522":1728,"3,523":1729,"3,524":1730,"3,525":1731,"3,526":1732,"3,527":1733,"3,528":1734,"3,529":1735,"3,530":1736,"3,531":1737,"3,532":1738,"3,533":1739,"3,534":1740,"3,535":1741,"3,536":1742,"3,537":1743,"3,538":1744,"3,539":1745,"3,540":1746,"3,541":1747,"3,542":1748,"3,543":1749,"3,544":1750,"3,545":1751,"3,546":1752,"3,547":1753,"3,548":1754,"3,549":1755,"3,550":1756,"3,551":1757,"3,552":1758,"3,553":1759,"3,554":1760,"3,555":1761,"3,556":1762,"3,557":1763,"3,558":1764,"3,559":1765,"3,560":1766,"3,561":1767,"3,562":1768,"3,563":1769,"3,564":1770,"3,565":1771,"3,566":1772,"3,567":1773,"3,568":1774,"3,569":1775,"3,570":1776,"3,571":1777,"3,572":1778,"3,573":1779,"3,574":1780,"3,575":1781,"3,576":1782,"3,577":1783,"3,578":1784,"3,579":1785,"3,580":1786,"3,581":1787,"3,582":1788,"3,583":1789,"3,584":1790,"3,585":1791,"3,586":1792,"3,587":1793,"3,588":1794,"3,589":1795,"3,590":1796,"3,591":1797,"3,592":1798,"3,593":1799,"3,594":1800,"3,595":1801,"3,596":1802,"3,597":1803,"3,598":1804,"3,599":1805,"3,600":1806,"3,601":1807,"3,602":1808,"3,603":1809,"3,604":1810,"3,605":1811,"3,606":1812,"3,607":1813,"3,608":1814,"3,609":1815,"3,610":1816,"3,611":1817,"3,612":1818,"3,613":1819,"3,614":1820,"3,615":1821,"3,616":1822,"3,617":1823,"3,618":1824,"3,619":1825,"3,620":1826,"3,621":1827,"3,622":1828,"3,623":1829,"3,624":1830,"3,625":1831,"3,626":1832,"3,627":1833,"3,628":1834,"3,629":1835,"3,630":1836,"3,631":1837,"3,632":1838,"3,633":1839,"3,634":1840,"3,635":1841,"3,636":1842,"3,637":1843,"3,638":1844,"3,639":1845,"3,640":1846,"3,641":1847,"3,642":1848,"3,643":1849,"3,644":1850,"3,645":1851,"3,646":1852,"3,647":1853,"3,648":1854,"3,649":1855,"3,650":1856,"3,651":1857,"3,652":1858,"3,653":1859,"3,654":1860,"3,655":1861,"3,656":1862,"3,657":1863,"4,5":1864,"4,6":1865,"4,7":1866,"4,8":1867,"4,9":1868,"4,10":1869,"4,11":1870,"4,12":1871,"4,13":1872,"4,14":1873,"4,15":1874,"4,16":1875,"4,17":1876,"4,18":1877,"4,19":1878,"4,20":1879,"4,21":1880,"4,22":1881,"4,23":1882,"4,24":1883,"4,25":1884,"4,26":1885,"4,27":1886,"4,28":1887,"4,29":1888,"4,30":1889,"4,31":1890,"4,32":1891,"4,33":1892,"4,34":1893,"4,35":1894,"4,36":1895,"4,37":1896,"4,38":1897,"4,39":1898,"4,40":1899,"4,41":1900,"4,42":1901,"4,43":1902,"4,44":1903,"4,45":1904,"4,46":1905,"4,47":1906,"4,48":1907,"4,49":1908,"4,50":1909,"4,51":1910,"4,52":1911,"4,53":1912,"4,54":1913,"4,55":1914,"4,56":1915,"4,57":1916,"4,58":1917,"4,59":1918,"4,60":1919,"4,61":1920,"4,62":1921,"4,63":1922,"4,64":1923,"4,65":1924,"4,66":1925,"4,67":1926,"4,68":1927,"4,69":1928,"4,70":1929,"4,71":1930,"4,72":1931,"4,73":1932,"4,74":1933,"4,75":1934,"4,76":1935,"4,77":1936,"4,78":1937,"4,79":1938,"4,80":1939,"4,81":1940,"4,82":1941,"4,83":1942,"4,84":1943,"4,85":1944,"4,86":1945,"4,87":1946,"4,88":1947,"4,89":1948,"4,90":1949,"4,91":1950,"4,92":1951,"4,93":1952,"4,94":1953,"4,95":1954,"4,96":1955,"4,97":1956,"4,98":1957,"4,99":1958,"4,100":1959,"4,101":1960,"4,102":1961,"4,103":1962,"4,104":1963,"4,105":1964,"4,106":1965,"4,107":1966,"4,108":1967,"4,109":1968,"4,110":1969,"4,111":1970,"4,112":1971,"4,113":1972,"4,114":1973,"4,115":1974,"4,116":1975,"4,117":1976,"4,118":1977,"4,119":1978,"4,120":1979,"4,121":1980,"4,122":1981,"4,123":1982,"4,124":1983,"4,125":1984,"4,126":1985,"4,127":1986,"4,128":1987,"4,129":1988,"4,130":1989,"4,131":1990,"4,132":1991,"4,133":1992,"4,134":1993,"4,135":1994,"4,136":1995,"4,137":1996,"4,138":1997,"4,139":1998,"4,140":1999,"4,141":2000,"4,142":2001,"4,143":2002,"4,144":2003,"4,145":2004,"4,146":2005,"4,147":2006,"4,148":2007,"4,149":2008,"4,150":2009,"4,151":2010,"4,152":2011,"4,153":2012,"4,154":2013,"4,155":2014,"4,156":2015,"4,157":2016,"4,158":2017,"4,159":2018,"4,160":2019,"4,161":2020,"4,162":2021,"4,163":2022,"4,164":2023,"4,165":2024,"4,166":2025,"4,167":2026,"4,168":2027,"4,169":2028,"4,170":2029,"4,171":2030,"4,172":2031,"4,173":2032,"4,174":2033,"4,175":2034,"4,176":2035,"4,177":2036,"4,178":2037,"4,179":2038,"4,180":2039,"4,181":2040,"4,182":2041,"4,183":2042,"4,184":2043,"4,185":2044,"4,186":2045,"4,187":2046,"4,188":2047,"4,189":2048,"4,190":2049,"4,191":2050,"4,192":2051,"4,193":2052,"4,194":2053,"4,195":2054,"4,196":2055,"4,197":2056,"4,198":2057,"4,199":2058,"4,200":2059,"4,201":2060,"4,202":2061,"4,203":2062,"4,204":2063,"4,205":2064,"4,206":2065,"4,207":2066,"4,208":2067,"4,209":2068,"4,210":2069,"4,211":2070,"4,212":2071,"4,213":2072,"4,214":2073,"4,215":2074,"4,216":2075,"4,217":2076,"4,218":2077,"4,219":2078,"4,220":2079,"4,221":2080,"4,222":2081,"4,223":2082,"4,224":2083,"4,225":2084,"4,226":2085,"4,227":2086,"4,228":2087,"4,229":2088,"4,230":2089,"4,231":2090,"4,232":2091,"4,233":2092,"4,234":2093,"4,235":2094,"4,236":2095,"4,237":2096,"4,238":2097,"4,239":2098,"4,240":2099,"4,241":2100,"4,242":2101,"4,243":2102,"4,244":2103,"4,245":2104,"4,246":2105,"4,247":2106,"4,248":2107,"4,249":2108,"4,250":2109,"4,251":2110,"4,252":2111,"4,253":2112,"4,254":2113,"4,255":2114,"4,256":2115,"4,257":2116,"4,258":2117,"4,259":2118,"4,260":2119,"4,261":2120,"4,262":2121,"4,263":2122,"4,264":2123,"4,265":2124,"4,266":2125,"4,267":2126,"4,268":2127,"4,269":2128,"4,270":2129,"4,271":2130,"4,272":2131,"4,273":2132,"4,274":2133,"4,275":2134,"4,276":2135,"4,277":2136,"4,278":2137,"4,279":2138,"4,280":2139,"4,281":2140,"4,282":2141,"4,283":2142,"4,284":2143,"4,285":2144,"4,286":2145,"4,287":2146,"4,288":2147,"4,289":2148,"4,290":2149,"4,291":2150,"4,292":2151,"4,293":2152,"4,294":2153,"4,295":2154,"4,296":2155,"4,297":2156,"4,298":2157,"4,299":2158,"4,300":2159,"4,301":2160,"4,302":2161,"4,303":2162,"4,304":2163,"4,305":2164,"4,306":2165,"4,307":2166,"4,308":2167,"4,309":2168,"4,310":2169,"4,311":2170,"4,312":2171,"4,313":2172,"4,314":2173,"4,315":2174,"4,316":2175,"4,317":2176,"4,318":2177,"4,319":2178,"4,320":2179,"4,321":2180,"4,322":2181,"4,323":2182,"4,324":2183,"4,325":2184,"4,326":2185,"4,327":2186,"4,328":2187,"4,329":2188,"4,330":2189,"4,331":2190,"4,332":2191,"4,333":2192,"4,334":2193,"4,335":2194,"4,336":2195,"4,337":2196,"4,338":2197,"4,339":2198,"4,340":2199,"4,341":2200,"4,342":2201,"4,343":2202,"4,344":2203,"4,345":2204,"4,346":2205,"4,347":2206,"4,348":2207,"4,349":2208,"4,350":2209,"4,351":2210,"4,352":2211,"4,353":2212,"4,354":2213,"4,355":2214,"4,356":2215,"4,357":2216,"4,358":2217,"4,359":2218,"4,360":2219,"4,361":2220,"4,362":2221,"4,363":2222,"4,364":2223,"4,365":2224,"4,366":2225,"4,367":2226,"4,368":2227,"4,369":2228,"4,370":2229,"4,371":2230,"4,372":2231,"4,373":2232,"4,374":2233,"4,375":2234,"4,376":2235,"4,377":2236,"4,378":2237,"4,379":2238,"4,380":2239,"4,381":2240,"4,382":2241,"4,383":2242,"4,384":2243,"4,385":2244,"4,386":2245,"4,387":2246,"4,388":2247,"4,389":2248,"4,390":2249,"4,391":2250,"4,392":2251,"4,393":2252,"4,394":2253,"4,395":2254,"4,396":2255,"4,397":2256,"4,398":2257,"4,399":2258,"4,400":2259,"4,401":2260,"4,402":2261,"4,403":2262,"4,404":2263,"4,405":2264,"4,406":2265,"4,407":2266,"4,408":2267,"4,409":2268,"4,410":2269,"4,411":2270,"4,412":2271,"4,413":2272,"4,414":2273,"4,415":2274,"4,416":2275,"4,417":2276,"4,418":2277,"4,419":2278,"4,420":2279,"4,421":2280,"4,422":2281,"4,423":2282,"4,424":2283,"4,425":2284,"4,426":2285,"4,427":2286,"4,428":2287,"4,429":2288,"4,430":2289,"4,431":2290,"4,432":2291,"4,433":2292,"4,434":2293,"4,435":2294,"4,436":2295,"4,437":2296,"4,438":2297,"4,439":2298,"4,440":2299,"4,441":2300,"4,442":2301,"4,443":2302,"4,444":2303,"4,445":2304,"4,446":2305,"4,447":2306,"4,448":2307,"4,449":2308,"4,450":2309,"4,451":2310,"4,452":2311,"4,453":2312,"4,454":2313,"4,455":2314,"4,456":2315,"4,457":2316,"4,458":2317,"4,459":2318,"4,460":2319,"4,461":2320,"4,462":2321,"4,463":2322,"4,464":2323,"4,465":2324,"4,466":2325,"4,467":2326,"4,468":2327,"4,469":2328,"4,470":2329,"4,471":2330,"4,472":2331,"4,473":2332,"4,474":2333,"4,475":2334,"4,476":2335,"4,477":2336,"4,478":2337,"4,479":2338,"4,480":2339,"4,481":2340,"4,482":2341,"4,483":2342,"4,484":2343,"4,485":2344,"4,486":2345,"4,487":2346,"4,488":2347,"4,489":2348,"4,490":2349,"4,491":2350,"4,492":2351,"4,493":2352,"4,494":2353,"4,495":2354,"4,496":2355,"4,497":2356,"4,498":2357,"4,499":2358,"4,500":2359,"4,501":2360,"4,502":2361,"4,503":2362,"4,504":2363,"4,505":2364,"4,506":2365,"4,507":2366,"4,508":2367,"4,509":2368,"4,510":2369,"4,511":2370,"4,512":2371,"4,513":2372,"4,514":2373,"4,515":2374,"4,516":2375,"4,517":2376,"4,518":2377,"4,519":2378,"4,520":2379,"4,521":2380,"4,522":2381,"4,523":2382,"4,524":2383,"4,525":2384,"4,526":2385,"4,527":2386,"4,528":2387,"4,529":2388,"4,530":2389,"4,531":2390,"4,532":2391,"4,533":2392,"4,534":2393,"4,535":2394,"4,536":2395,"4,537":2396,"4,538":2397,"4,539":2398,"4,540":2399,"4,541":2400,"4,542":2401,"4,543":2402,"4,544":2403,"4,545":2404,"4,546":2405,"4,547":2406,"4,548":2407,"4,549":2408,"4,550":2409,"4,551":2410,"4,552":2411,"4,553":2412,"4,554":2413,"4,555":2414,"4,556":2415,"4,557":2416,"4,558":2417,"4,559":2418,"4,560":2419,"4,561":2420,"4,562":2421,"4,563":2422,"4,564":2423,"4,565":2424,"4,566":2425,"4,567":2426,"4,568":2427,"4,569":2428,"4,570":2429,"4,571":2430,"4,572":2431,"4,573":2432,"4,574":2433,"4,575":2434,"4,576":2435,"4,577":2436,"4,578":2437,"4,579":2438,"4,580":2439,"4,581":2440,"4,582":2441,"4,583":2442,"4,584":2443,"4,585":2444,"4,586":2445,"4,587":2446,"4,588":2447,"4,589":2448,"4,590":2449,"4,591":2450,"4,592":2451,"4,593":2452,"4,594":2453,"4,595":2454,"4,596":2455,"4,597":2456,"4,598":2457,"4,599":2458,"4,600":2459,"4,601":2460,"4,602":2461,"4,603":2462,"4,604":2463,"4,605":2464,"4,606":2465,"4,607":2466,"4,608":2467,"4,609":2468,"4,610":2469,"4,611":2470,"4,612":2471,"4,613":2472,"4,614":2473,"4,615":2474,"4,616":2475,"4,617":2476,"4,618":2477,"4,619":2478,"4,620":2479,"4,621":2480,"4,622":2481,"4,623":2482,"4,624":2483,"4,625":2484,"4,626":2485,"4,627":2486,"4,628":2487,"4,629":2488,"4,630":2489,"4,631":2490,"4,632":2491,"4,633":2492,"4,634":2493,"4,635":2494,"4,636":2495,"4,637":2496,"4,638":2497,"4,639":2498,"4,640":2499,"4,641":2500,"4,642":2501,"4,643":2502,"4,644":2503,"4,645":2504,"4,646":2505,"4,647":2506,"4,648":2507,"4,649":2508,"4,650":2509,"4,651":2510,"4,652":2511,"4,653":2512,"4,654":2513,"4,655":2514,"4,656":2515,"4,657":2516,"4,658":2517,"4,659":2518,"4,660":2519,"4,661":2520,"4,662":2521,"4,663":2522,"4,664":2523,"4,665":2524,"4,666":2525,"4,667":2526,"4,668":2527,"4,669":2528,"4,670":2529,"4,671":2530,"4,672":2531,"4,673":2532,"4,674":2533,"4,675":2534,"4,676":2535,"4,677":2536,"4,678":2537,"4,679":2538,"4,680":2539,"4,681":2540,"4,682":2541,"4,683":2542,"4,684":2543,"4,685":2544,"4,686":2545,"4,687":2546,"4,688":2547,"4,689":2548,"4,690":2549,"4,691":2550,"4,692":2551,"4,693":2552,"4,694":2553,"4,695":2554,"4,696":2555,"4,697":2556,"4,698":2557,"4,699":2558,"4,700":2559,"4,701":2560,"4,702":2561,"4,703":2562,"4,704":2563,"4,705":2564,"4,706":2565,"4,707":2566,"4,708":2567,"4,709":2568,"4,710":2569,"4,711":2570,"4,712":2571,"4,713":2572,"4,714":2573,"4,715":2574,"4,716":2575,"4,717":2576,"4,718":2577,"4,719":2578,"4,720":2579,"4,721":2580,"4,722":2581,"4,723":2582,"5,5":2583,"5,6":2584,"5,7":2585,"5,8":2586,"5,9":2587,"5,10":2588,"5,11":2589,"5,12":2590,"5,13":2591,"5,14":2592,"5,15":2593,"5,16":2594,"5,17":2595,"5,18":2596,"5,19":2597,"5,20":2598,"5,21":2599,"5,22":2600,"5,23":2601,"5,24":2602,"5,25":2603,"5,26":2604,"5,27":2605,"5,28":2606,"5,29":2607,"5,30":2608,"5,31":2609,"5,32":2610,"5,33":2611,"5,34":2612,"5,35":2613,"5,36":2614,"5,37":2615,"5,38":2616,"5,39":2617,"5,40":2618,"5,41":2619,"5,42":2620,"5,43":2621,"5,44":2622,"5,45":2623,"5,46":2624,"5,47":2625,"5,48":2626,"5,49":2627,"5,50":2628,"5,51":2629,"5,52":2630,"5,53":2631,"5,54":2632,"5,55":2633,"5,56":2634,"5,57":2635,"5,58":2636,"5,59":2637,"5,60":2638,"5,61":2639,"5,62":2640,"5,63":2641,"5,64":2642,"5,65":2643,"5,66":2644,"5,67":2645,"5,68":2646,"5,69":2647,"5,70":2648,"5,71":2649,"5,72":2650,"5,73":2651,"5,74":2652,"5,75":2653,"5,76":2654,"5,77":2655,"5,78":2656,"5,79":2657,"5,80":2658,"5,81":2659,"5,82":2660,"5,83":2661,"5,84":2662,"5,85":2663,"5,86":2664,"5,87":2665,"5,88":2666,"5,89":2667,"5,90":2668,"5,91":2669,"5,92":2670,"5,93":2671,"5,94":2672,"5,95":2673,"5,96":2674,"5,97":2675,"5,98":2676,"5,99":2677,"5,100":2678,"5,101":2679,"5,102":2680,"5,103":2681,"5,104":2682,"5,105":2683,"5,106":2684,"5,107":2685,"5,108":2686,"5,109":2687,"5,110":2688,"5,111":2689,"5,112":2690,"5,113":2691,"5,114":2692,"5,115":2693,"5,116":2694,"5,117":2695,"5,118":2696,"5,119":2697,"5,120":2698,"5,121":2699,"5,122":2700,"5,123":2701,"5,124":2702,"5,125":2703,"5,126":2704,"5,127":2705,"5,128":2706,"5,129":2707,"5,130":2708,"5,131":2709,"5,132":2710,"5,133":2711,"5,134":2712,"5,135":2713,"5,136":2714,"5,137":2715,"5,138":2716,"5,139":2717,"5,140":2718,"5,141":2719,"5,142":2720,"5,143":2721,"5,144":2722,"5,145":2723,"5,146":2724,"5,147":2725,"5,148":2726,"5,149":2727,"5,150":2728,"5,151":2729,"5,152":2730,"5,153":2731,"5,154":2732,"5,155":2733,"5,156":2734,"5,157":2735,"5,158":2736,"5,159":2737,"5,160":2738,"5,161":2739,"5,162":2740,"5,163":2741,"5,164":2742,"5,165":2743,"5,166":2744,"5,167":2745,"5,168":2746,"5,169":2747,"5,170":2748,"5,171":2749,"5,172":2750,"5,173":2751,"5,174":2752,"5,175":2753,"5,176":2754,"5,177":2755,"5,178":2756,"5,179":2757,"5,180":2758,"5,181":2759,"5,182":2760,"5,183":2761,"5,184":2762,"5,185":2763,"5,186":2764,"5,187":2765,"5,188":2766,"5,189":2767,"5,190":2768,"5,191":2769,"5,192":2770,"5,193":2771,"5,194":2772,"5,195":2773,"5,196":2774,"5,197":2775,"5,198":2776,"5,199":2777,"5,200":2778,"5,201":2779,"5,202":2780,"5,203":2781,"5,204":2782,"5,205":2783,"5,206":2784,"5,207":2785,"5,208":2786,"5,209":2787,"5,210":2788,"5,211":2789,"5,212":2790,"5,213":2791,"5,214":2792,"5,215":2793,"5,216":2794,"5,217":2795,"5,218":2796,"5,219":2797,"5,220":2798,"5,221":2799,"5,222":2800,"5,223":2801,"5,224":2802,"5,225":2803,"5,226":2804,"5,227":2805,"5,228":2806,"5,229":2807,"5,230":2808,"5,231":2809,"5,232":2810,"5,233":2811,"5,234":2812,"5,235":2813,"5,236":2814,"5,237":2815,"5,238":2816,"5,239":2817,"5,240":2818,"5,241":2819,"5,242":2820,"5,243":2821,"5,244":2822,"5,245":2823,"5,246":2824,"5,247":2825,"5,248":2826,"5,249":2827,"5,250":2828,"5,251":2829,"5,252":2830,"5,253":2831,"5,254":2832,"5,255":2833,"5,256":2834,"5,257":2835,"5,258":2836,"5,259":2837,"5,260":2838,"5,261":2839,"5,262":2840,"5,263":2841,"5,264":2842,"5,265":2843,"5,266":2844,"5,267":2845,"5,268":2846,"5,269":2847,"5,270":2848,"5,271":2849,"5,272":2850,"5,273":2851,"5,274":2852,"5,275":2853,"5,276":2854,"5,277":2855,"5,278":2856,"5,279":2857,"5,280":2858,"5,281":2859,"5,282":2860,"5,283":2861,"5,284":2862,"5,285":2863,"5,286":2864,"5,287":2865,"5,288":2866,"5,289":2867,"5,290":2868,"5,291":2869,"5,292":2870,"5,293":2871,"5,294":2872,"5,295":2873,"5,296":2874,"5,297":2875,"5,298":2876,"5,299":2877,"5,300":2878,"5,301":2879,"5,302":2880,"5,303":2881,"5,304":2882,"5,305":2883,"5,306":2884,"5,307":2885,"5,308":2886,"5,309":2887,"5,310":2888,"5,311":2889,"5,312":2890,"5,313":2891,"5,314":2892,"5,315":2893,"5,316":2894,"5,317":2895,"5,318":2896,"5,319":2897,"5,320":2898,"5,321":2899,"5,322":2900,"5,323":2901,"5,324":2902,"5,325":2903,"5,326":2904,"5,327":2905,"5,328":2906,"5,329":2907,"5,330":2908,"5,331":2909,"5,332":2910,"5,333":2911,"5,334":2912,"5,335":2913,"5,336":2914,"5,337":2915,"5,338":2916,"5,339":2917,"5,340":2918,"5,341":2919,"5,342":2920,"5,343":2921,"5,344":2922,"5,345":2923,"5,346":2924,"5,347":2925,"5,348":2926,"5,349":2927,"5,350":2928,"5,351":2929,"5,352":2930,"5,353":2931,"5,354":2932,"5,355":2933,"5,356":2934,"5,357":2935,"5,358":2936,"5,359":2937,"5,360":2938,"5,361":2939,"5,362":2940,"5,363":2941,"5,364":2942,"5,365":2943,"5,366":2944,"5,367":2945,"5,368":2946,"5,369":2947,"5,370":2948,"5,371":2949,"5,372":2950,"5,373":2951,"5,374":2952,"5,375":2953,"5,376":2954,"5,377":2955,"5,378":2956,"5,379":2957,"5,380":2958,"5,381":2959,"5,382":2960,"5,383":2961,"5,384":2962,"5,385":2963,"5,386":2964,"5,387":2965,"5,388":2966,"5,389":2967,"5,390":2968,"5,391":2969,"5,392":2970,"5,393":2971,"5,394":2972,"5,395":2973,"5,396":2974,"5,397":2975,"5,398":2976,"5,399":2977,"5,400":2978,"5,401":2979,"5,402":2980,"5,403":2981,"5,404":2982,"5,405":2983,"5,406":2984,"5,407":2985,"5,408":2986,"5,409":2987,"5,410":2988,"5,411":2989,"5,412":2990,"5,413":2991,"5,414":2992,"5,415":2993,"5,416":2994,"5,417":2995,"5,418":2996,"5,419":2997,"5,420":2998,"5,421":2999,"5,422":3000,"5,423":3001,"5,424":3002,"5,425":3003,"5,426":3004,"5,427":3005,"5,428":3006,"5,429":3007,"5,430":3008,"5,431":3009,"5,432":3010,"5,433":3011,"5,434":3012,"5,435":3013,"5,436":3014,"5,437":3015,"5,438":3016,"5,439":3017,"5,440":3018,"5,441":3019,"5,442":3020,"5,443":3021,"5,444":3022,"5,445":3023,"5,446":3024,"5,447":3025,"5,448":3026,"5,449":3027,"5,450":3028,"5,451":3029,"5,452":3030,"5,453":3031,"5,454":3032,"5,455":3033,"5,456":3034,"5,457":3035,"5,458":3036,"5,459":3037,"5,460":3038,"5,461":3039,"5,462":3040,"5,463":3041,"5,464":3042,"5,465":3043,"5,466":3044,"5,467":3045,"5,468":3046,"5,469":3047,"5,470":3048,"5,471":3049,"5,472":3050,"5,473":3051,"5,474":3052,"5,475":3053,"5,476":3054,"5,477":3055,"5,478":3056,"5,479":3057,"5,480":3058,"5,481":3059,"5,482":3060,"5,483":3061,"5,484":3062,"5,485":3063,"5,486":3064,"5,487":3065,"5,488":3066,"5,489":3067,"5,490":3068,"5,491":3069,"5,492":3070,"5,493":3071,"5,494":3072,"5,495":3073,"5,496":3074,"5,497":3075,"5,498":3076,"5,499":3077,"5,500":3078,"5,501":3079,"5,502":3080,"5,503":3081,"5,504":3082,"5,505":3083,"5,506":3084,"5,507":3085,"5,508":3086,"5,509":3087,"5,510":3088,"5,511":3089,"5,512":3090,"5,513":3091,"5,514":3092,"5,515":3093,"5,516":3094,"5,517":3095,"5,518":3096,"5,519":3097,"5,520":3098,"5,521":3099,"5,522":3100,"5,523":3101,"5,524":3102,"5,525":3103,"5,526":3104,"5,527":3105,"5,528":3106,"5,529":3107,"5,530":3108,"5,531":3109,"5,532":3110,"5,533":3111,"5,534":3112,"5,535":3113,"5,536":3114,"5,537":3115,"5,538":3116,"5,539":3117,"5,540":3118,"5,541":3119,"5,542":3120,"5,543":3121,"5,544":3122,"5,545":3123,"5,546":3124,"5,547":3125,"5,548":3126,"5,549":3127,"5,550":3128,"5,551":3129,"5,552":3130,"5,553":3131,"5,554":3132,"5,555":3133,"5,556":3134,"5,557":3135,"5,558":3136,"5,559":3137,"5,560":3138,"5,561":3139,"5,562":3140,"5,563":3141,"5,564":3142,"5,565":3143,"5,566":3144,"5,567":3145,"5,568":3146,"5,569":3147,"5,570":3148,"5,571":3149,"5,572":3150,"5,573":3151,"5,574":3152,"5,575":3153,"5,576":3154,"5,577":3155,"5,578":3156,"5,579":3157,"5,580":3158,"5,581":3159,"5,582":3160,"5,583":3161,"5,584":3162,"5,585":3163,"5,586":3164,"5,587":3165,"5,588":3166,"5,589":3167,"5,590":3168,"5,591":3169,"5,592":3170,"5,593":3171,"5,594":3172,"5,595":3173,"5,596":3174,"5,597":3175,"5,598":3176,"5,599":3177,"5,600":3178,"5,601":3179,"5,602":3180,"5,603":3181,"5,604":3182,"5,605":3183,"5,606":3184,"5,607":3185,"5,608":3186,"5,609":3187,"5,610":3188,"5,611":3189,"5,612":3190,"5,613":3191,"5,614":3192,"5,615":3193,"5,616":3194,"5,617":3195,"5,618":3196,"5,619":3197,"5,620":3198,"5,621":3199,"5,622":3200,"5,623":3201,"5,624":3202,"5,625":3203,"5,626":3204,"5,627":3205,"5,628":3206,"5,629":3207,"5,630":3208,"5,631":3209,"5,632":3210,"5,633":3211,"5,634":3212,"5,635":3213,"5,636":3214,"5,637":3215,"5,638":3216,"5,639":3217,"5,640":3218,"5,641":3219,"5,642":3220,"5,643":3221,"5,644":3222,"5,645":3223,"5,646":3224,"5,647":3225,"5,648":3226,"5,649":3227,"5,650":3228,"5,651":3229,"5,652":3230,"5,653":3231,"5,654":3232,"5,655":3233,"5,656":3234,"5,657":3235,"5,658":3236,"5,659":3237,"5,660":3238,"5,661":3239,"5,662":3240,"5,663":3241,"5,664":3242,"5,665":3243,"5,666":3244,"5,667":3245,"5,668":3246,"5,669":3247,"5,670":3248,"5,671":3249,"5,672":3250,"5,673":3251,"5,674":3252,"5,675":3253,"5,676":3254,"5,677":3255,"5,678":3256,"5,679":3257,"5,680":3258,"5,681":3259,"5,682":3260,"5,683":3261,"5,684":3262,"5,685":3263,"5,686":3264,"5,687":3265,"5,688":3266,"5,689":3267,"5,690":3268,"5,691":3269,"5,692":3270,"5,693":3271,"5,694":3272,"5,695":3273,"5,696":3274,"5,697":3275,"5,698":3276,"6,5":3277,"6,6":3278,"6,7":3279,"6,8":3280,"6,9":3281,"6,10":3282,"6,11":3283,"6,12":3284,"6,13":3285,"6,14":3286,"6,15":3287,"6,16":3288,"6,17":3289,"6,18":3290,"6,19":3291,"6,20":3292,"6,21":3293,"6,22":3294,"6,23":3295,"6,24":3296,"6,25":3297,"6,26":3298,"6,27":3299,"6,28":3300,"6,29":3301,"6,30":3302,"6,31":3303,"6,32":3304,"6,33":3305,"6,34":3306,"6,35":3307,"6,36":3308,"6,37":3309,"6,38":3310,"6,39":3311,"6,40":3312,"6,41":3313,"6,42":3314,"6,43":3315,"6,44":3316,"6,45":3317,"6,46":3318,"6,47":3319,"6,48":3320,"6,49":3321,"6,50":3322,"6,51":3323,"6,52":3324,"6,53":3325,"6,54":3326,"6,55":3327,"6,56":3328,"6,57":3329,"6,58":3330,"6,59":3331,"6,60":3332,"6,61":3333,"6,62":3334,"6,63":3335,"6,64":3336,"6,65":3337,"6,66":3338,"6,67":3339,"6,68":3340,"6,69":3341,"6,70":3342,"6,71":3343,"6,72":3344,"6,73":3345,"6,74":3346,"6,75":3347,"6,76":3348,"6,77":3349,"6,78":3350,"6,79":3351,"6,80":3352,"6,81":3353,"6,82":3354,"6,83":3355,"6,84":3356,"6,85":3357,"6,86":3358,"6,87":3359,"6,88":3360,"6,89":3361,"6,90":3362,"6,91":3363,"6,92":3364,"6,93":3365,"6,94":3366,"6,95":3367,"6,96":3368,"6,97":3369,"6,98":3370,"6,99":3371,"6,100":3372,"6,101":3373,"6,102":3374,"6,103":3375,"6,104":3376,"6,105":3377,"6,106":3378,"6,107":3379,"6,108":3380,"6,109":3381,"6,110":3382,"6,111":3383,"6,112":3384,"6,113":3385,"6,114":3386,"6,115":3387,"6,116":3388,"6,117":3389,"6,118":3390,"6,119":3391,"6,120":3392,"6,121":3393,"6,122":3394,"6,123":3395,"6,124":3396,"6,125":3397,"6,126":3398,"6,127":3399,"6,128":3400,"6,129":3401,"6,130":3402,"6,131":3403,"6,132":3404,"6,133":3405,"6,134":3406,"6,135":3407,"6,136":3408,"6,137":3409,"6,138":3410,"6,139":3411,"6,140":3412,"6,141":3413,"6,142":3414,"6,143":3415,"6,144":3416,"6,145":3417,"6,146":3418,"6,147":3419,"6,148":3420,"6,149":3421,"6,150":3422,"6,151":3423,"6,152":3424,"6,153":3425,"6,154":3426,"6,155":3427,"6,156":3428,"6,157":3429,"6,158":3430,"6,159":3431,"6,160":3432,"6,161":3433,"6,162":3434,"6,163":3435,"6,164":3436,"6,165":3437,"6,166":3438,"6,167":3439,"6,168":3440,"6,169":3441,"6,170":3442,"6,171":3443,"6,172":3444,"6,173":3445,"6,174":3446,"6,175":3447,"6,176":3448,"6,177":3449,"6,178":3450,"6,179":3451,"6,180":3452,"6,181":3453,"6,182":3454,"6,183":3455,"6,184":3456,"6,185":3457,"6,186":3458,"6,187":3459,"6,188":3460,"6,189":3461,"6,190":3462,"6,191":3463,"6,192":3464,"6,193":3465,"6,194":3466,"6,195":3467,"6,196":3468,"6,197":3469,"6,198":3470,"6,199":3471,"6,200":3472,"6,201":3473,"6,202":3474,"6,203":3475,"6,204":3476,"6,205":3477,"6,206":3478,"6,207":3479,"6,208":3480,"6,209":3481,"6,210":3482,"6,211":3483,"6,212":3484,"6,213":3485,"6,214":3486,"6,215":3487,"6,216":3488,"6,217":3489,"6,218":3490,"6,219":3491,"6,220":3492,"6,221":3493,"6,222":3494,"6,223":3495,"6,224":3496,"6,225":3497,"6,226":3498,"6,227":3499,"6,228":3500,"6,229":3501,"6,230":3502,"6,231":3503,"6,232":3504,"6,233":3505,"6,234":3506,"6,235":3507,"6,236":3508,"6,237":3509,"6,238":3510,"6,239":3511,"6,240":3512,"6,241":3513,"6,242":3514,"6,243":3515,"6,244":3516,"6,245":3517,"6,246":3518,"6,247":3519,"6,248":3520,"6,249":3521,"6,250":3522,"6,251":3523,"6,252":3524,"6,253":3525,"6,254":3526,"6,255":3527,"6,256":3528,"6,257":3529,"6,258":3530,"6,259":3531,"6,260":3532,"6,261":3533,"6,262":3534,"6,263":3535,"6,264":3536,"6,265":3537,"6,266":3538,"6,267":3539,"6,268":3540,"6,269":3541,"6,270":3542,"6,271":3543,"6,272":3544,"6,273":3545,"6,274":3546,"6,275":3547,"6,276":3548,"6,277":3549,"6,278":3550,"6,279":3551,"6,280":3552,"6,281":3553,"6,282":3554,"6,283":3555,"6,284":3556,"6,285":3557,"6,286":3558,"6,287":3559,"6,288":3560,"6,289":3561,"6,290":3562,"6,291":3563,"6,292":3564,"6,293":3565,"6,294":3566,"6,295":3567,"6,296":3568,"6,297":3569,"6,298":3570,"6,299":3571,"6,300":3572,"6,301":3573,"6,302":3574,"6,303":3575,"6,304":3576,"6,305":3577,"6,306":3578,"6,307":3579,"6,308":3580,"6,309":3581,"6,310":3582,"6,311":3583,"6,312":3584,"6,313":3585,"6,314":3586,"6,315":3587,"6,316":3588,"6,317":3589,"6,318":3590,"6,319":3591,"6,320":3592,"6,321":3593,"6,322":3594,"6,323":3595,"6,324":3596,"6,325":3597,"6,326":3598,"6,327":3599,"6,328":3600,"6,329":3601,"6,330":3602,"6,331":3603,"6,332":3604,"6,333":3605,"6,334":3606,"6,335":3607,"6,336":3608,"6,337":3609,"6,338":3610,"6,339":3611,"6,340":3612,"6,341":3613,"6,342":3614,"6,343":3615,"6,344":3616,"6,345":3617,"6,346":3618,"6,347":3619,"6,348":3620,"6,349":3621,"6,350":3622,"6,351":3623,"6,352":3624,"6,353":3625,"6,354":3626,"6,355":3627,"6,356":3628,"6,357":3629,"6,358":3630,"6,359":3631,"6,360":3632,"6,361":3633,"6,362":3634,"6,363":3635,"6,364":3636,"6,365":3637,"6,366":3638,"6,367":3639,"6,368":3640,"6,369":3641,"6,370":3642,"6,371":3643,"6,372":3644,"6,373":3645,"6,374":3646,"6,375":3647,"6,376":3648,"6,377":3649,"6,378":3650,"6,379":3651,"6,380":3652,"6,381":3653,"6,382":3654,"6,383":3655,"6,384":3656,"6,385":3657,"6,386":3658,"6,387":3659,"6,388":3660,"6,389":3661,"6,390":3662,"6,391":3663,"6,392":3664,"6,393":3665,"6,394":3666,"6,395":3667,"6,396":3668,"6,397":3669,"6,398":3670,"6,399":3671,"6,400":3672,"6,401":3673,"6,402":3674,"6,403":3675,"6,404":3676,"6,405":3677,"6,406":3678,"6,407":3679,"6,408":3680,"6,409":3681,"6,410":3682,"6,411":3683,"6,412":3684,"6,413":3685,"6,414":3686,"6,415":3687,"6,416":3688,"6,417":3689,"6,418":3690,"6,419":3691,"6,420":3692,"6,421":3693,"6,422":3694,"6,423":3695,"6,424":3696,"6,425":3697,"6,426":3698,"6,427":3699,"6,428":3700,"6,429":3701,"6,430":3702,"6,431":3703,"6,432":3704,"6,433":3705,"6,434":3706,"6,435":3707,"6,436":3708,"6,437":3709,"6,438":3710,"6,439":3711,"6,440":3712,"6,441":3713,"6,442":3714,"6,443":3715,"6,444":3716,"6,445":3717,"6,446":3718,"6,447":3719,"6,448":3720,"6,449":3721,"6,450":3722,"6,451":3723,"6,452":3724,"6,453":3725,"6,454":3726,"6,455":3727,"6,456":3728,"6,457":3729,"6,458":3730,"6,459":3731,"6,460":3732,"6,461":3733,"6,462":3734,"6,463":3735,"6,464":3736,"6,465":3737,"6,466":3738,"6,467":3739,"6,468":3740,"6,469":3741,"6,470":3742,"6,471":3743,"6,472":3744,"6,473":3745,"6,474":3746,"6,475":3747,"6,476":3748,"6,477":3749,"6,478":3750,"6,479":3751,"6,480":3752,"6,481":3753,"6,482":3754,"6,483":3755,"6,484":3756,"6,485":3757,"6,486":3758,"6,487":3759,"6,488":3760,"6,489":3761,"6,490":3762,"6,491":3763,"6,492":3764,"6,493":3765,"6,494":3766,"6,495":3767,"6,496":3768,"6,497":3769,"6,498":3770,"6,499":3771,"6,500":3772,"6,501":3773,"6,502":3774,"6,503":3775,"6,504":3776,"6,505":3777,"6,506":3778,"6,507":3779,"6,508":3780,"6,509":3781,"6,510":3782,"6,511":3783,"6,512":3784,"6,513":3785,"6,514":3786,"6,515":3787,"6,516":3788,"6,517":3789,"6,518":3790,"6,519":3791,"6,520":3792,"6,521":3793,"6,522":3794,"6,523":3795,"6,524":3796,"6,525":3797,"6,526":3798,"6,527":3799,"6,528":3800,"6,529":3801,"6,530":3802,"6,531":3803,"6,532":3804,"6,533":3805,"6,534":3806,"6,535":3807,"6,536":3808,"6,537":3809,"6,538":3810,"6,539":3811,"6,540":3812,"6,541":3813,"6,542":3814,"6,543":3815,"6,544":3816,"6,545":3817,"6,546":3818,"6,547":3819,"6,548":3820,"6,549":3821,"6,550":3822,"6,551":3823,"6,552":3824,"6,553":3825,"6,554":3826,"6,555":3827,"6,556":3828,"6,557":3829,"6,558":3830,"6,559":3831,"6,560":3832,"6,561":3833,"6,562":3834,"6,563":3835,"6,564":3836,"6,565":3837,"6,566":3838,"6,567":3839,"6,568":3840,"6,569":3841,"6,570":3842,"6,571":3843,"6,572":3844,"6,573":3845,"6,574":3846,"6,575":3847,"6,576":3848,"6,577":3849,"6,578":3850,"6,579":3851,"6,580":3852,"6,581":3853,"6,582":3854,"6,583":3855,"6,584":3856,"6,585":3857,"6,586":3858,"6,587":3859,"6,588":3860,"6,589":3861,"6,590":3862,"6,591":3863,"6,592":3864,"6,593":3865,"6,594":3866,"6,595":3867,"6,596":3868,"6,597":3869,"6,598":3870,"6,599":3871,"6,600":3872,"6,601":3873,"6,602":3874,"6,603":3875,"6,604":3876,"6,605":3877,"6,606":3878,"6,607":3879,"6,608":3880,"6,609":3881,"6,610":3882,"6,611":3883,"6,612":3884,"6,613":3885,"6,614":3886,"6,615":3887,"6,616":3888,"6,617":3889,"6,618":3890,"6,619":3891,"6,620":3892,"6,621":3893,"6,622":3894,"6,623":3895,"6,624":3896,"6,625":3897,"6,626":3898,"6,627":3899,"6,628":3900,"6,629":3901,"6,630":3902,"6,631":3903,"6,632":3904,"6,633":3905,"6,634":3906,"6,635":3907,"6,636":3908,"6,637":3909,"6,638":3910,"6,639":3911,"6,640":3912,"6,641":3913,"6,642":3914,"6,643":3915,"6,644":3916,"6,645":3917,"6,646":3918,"6,647":3919,"6,648":3920,"6,649":3921,"6,650":3922,"6,651":3923,"6,652":3924,"6,653":3925,"6,654":3926,"6,655":3927,"6,656":3928,"6,657":3929,"6,658":3930,"6,659":3931,"6,660":3932,"6,661":3933,"6,662":3934,"6,663":3935,"6,664":3936,"6,665":3937,"6,666":3938,"6,667":3939,"6,668":3940,"6,669":3941,"6,670":3942,"6,671":3943,"6,672":3944,"6,673":3945,"6,674":3946,"6,675":3947,"6,676":3948,"6,677":3949,"6,678":3950,"6,679":3951,"6,680":3952,"6,681":3953,"6,682":3954,"6,683":3955,"6,684":3956,"6,685":3957,"6,686":3958,"6,687":3959,"6,688":3960,"6,689":3961,"6,690":3962,"6,691":3963,"6,692":3964,"6,693":3965,"6,694":3966,"6,695":3967,"6,696":3968,"6,697":3969,"6,698":3970,"6,699":3971,"6,700":3972,"6,701":3973,"6,702":3974,"6,703":3975,"6,704":3976,"6,705":3977,"6,706":3978,"6,707":3979,"6,708":3980,"6,709":3981,"6,710":3982,"6,711":3983,"6,712":3984,"6,713":3985,"6,714":3986,"6,715":3987,"6,716":3988,"6,717":3989,"6,718":3990,"6,719":3991,"6,720":3992,"6,721":3993,"6,722":3994,"6,723":3995,"6,724":3996,"6,725":3997,"6,726":3998,"6,727":3999,"6,728":4000,"6,729":4001,"7,5":4002,"7,6":4003,"7,7":4004,"7,8":4005,"7,9":4006,"7,10":4007,"7,11":4008,"7,12":4009,"7,13":4010,"7,14":4011,"7,15":4012,"7,16":4013,"7,17":4014,"7,18":4015,"7,19":4016,"7,20":4017,"7,21":4018,"7,22":4019,"7,23":4020,"7,24":4021,"7,25":4022,"7,26":4023,"7,27":4024,"7,28":4025,"7,29":4026,"7,30":4027,"7,31":4028,"7,32":4029,"7,33":4030,"7,34":4031,"7,35":4032,"7,36":4033,"7,37":4034,"7,38":4035,"7,39":4036,"7,40":4037,"7,41":4038,"7,42":4039,"7,43":4040,"7,44":4041,"7,45":4042,"7,46":4043,"7,47":4044,"7,48":4045,"7,49":4046,"7,50":4047,"7,51":4048,"7,52":4049,"7,53":4050,"7,54":4051,"7,55":4052,"7,56":4053,"7,57":4054,"7,58":4055,"7,59":4056,"7,60":4057,"7,61":4058,"7,62":4059,"7,63":4060,"7,64":4061,"7,65":4062,"7,66":4063,"7,67":4064,"7,68":4065,"7,69":4066,"7,70":4067,"7,71":4068,"7,72":4069,"7,73":4070,"7,74":4071,"7,75":4072,"7,76":4073,"7,77":4074,"7,78":4075,"7,79":4076,"7,80":4077,"7,81":4078,"7,82":4079,"7,83":4080,"7,84":4081,"7,85":4082,"7,86":4083,"7,87":4084,"7,88":4085,"7,89":4086,"7,90":4087,"7,91":4088,"7,92":4089,"7,93":4090,"7,94":4091,"7,95":4092,"7,96":4093,"7,97":4094,"7,98":4095,"7,99":4096,"7,100":4097,"7,101":4098,"7,102":4099,"7,103":4100,"7,104":4101,"7,105":4102,"7,106":4103,"7,107":4104,"7,108":4105,"7,109":4106,"7,110":4107,"7,111":4108,"7,112":4109,"7,113":4110,"7,114":4111,"7,115":4112,"7,116":4113,"7,117":4114,"7,118":4115,"7,119":4116,"7,120":4117,"7,121":4118,"7,122":4119,"7,123":4120,"7,124":4121,"7,125":4122,"7,126":4123,"7,127":4124,"7,128":4125,"7,129":4126,"7,130":4127,"7,131":4128,"7,132":4129,"7,133":4130,"7,134":4131,"7,135":4132,"7,136":4133,"7,137":4134,"7,138":4135,"7,139":4136,"7,140":4137,"7,141":4138,"7,142":4139,"7,143":4140,"7,144":4141,"7,145":4142,"7,146":4143,"7,147":4144,"7,148":4145,"7,149":4146,"7,150":4147,"7,151":4148,"7,152":4149,"7,153":4150,"7,154":4151,"7,155":4152,"7,156":4153,"7,157":4154,"7,158":4155,"7,159":4156,"7,160":4157,"7,161":4158,"7,162":4159,"7,163":4160,"7,164":4161,"7,165":4162,"7,166":4163,"7,167":4164,"7,168":4165,"7,169":4166,"7,170":4167,"7,171":4168,"7,172":4169,"7,173":4170,"7,174":4171,"7,175":4172,"7,176":4173,"7,177":4174,"7,178":4175,"7,179":4176,"7,180":4177,"7,181":4178,"7,182":4179,"7,183":4180,"7,184":4181,"7,185":4182,"7,186":4183,"7,187":4184,"7,188":4185,"7,189":4186,"7,190":4187,"7,191":4188,"7,192":4189,"7,193":4190,"7,194":4191,"7,195":4192,"7,196":4193,"7,197":4194,"7,198":4195,"7,199":4196,"7,200":4197,"7,201":4198,"7,202":4199,"7,203":4200,"7,204":4201,"7,205":4202,"7,206":4203,"7,207":4204,"7,208":4205,"7,209":4206,"7,210":4207,"7,211":4208,"7,212":4209,"7,213":4210,"7,214":4211,"7,215":4212,"7,216":4213,"7,217":4214,"7,218":4215,"7,219":4216,"7,220":4217,"7,221":4218,"7,222":4219,"7,223":4220,"7,224":4221,"7,225":4222,"7,226":4223,"7,227":4224,"7,228":4225,"7,229":4226,"7,230":4227,"7,231":4228,"7,232":4229,"7,233":4230,"7,234":4231,"7,235":4232,"7,236":4233,"7,237":4234,"7,238":4235,"7,239":4236,"7,240":4237,"7,241":4238,"7,242":4239,"7,243":4240,"7,244":4241,"7,245":4242,"7,246":4243,"7,247":4244,"7,248":4245,"7,249":4246,"7,250":4247,"7,251":4248,"7,252":4249,"7,253":4250,"7,254":4251,"7,255":4252,"7,256":4253,"7,257":4254,"7,258":4255,"7,259":4256,"7,260":4257,"7,261":4258,"7,262":4259,"7,263":4260,"7,264":4261,"7,265":4262,"7,266":4263,"7,267":4264,"7,268":4265,"7,269":4266,"7,270":4267,"7,271":4268,"7,272":4269,"7,273":4270,"7,274":4271,"7,275":4272,"7,276":4273,"7,277":4274,"7,278":4275,"7,279":4276,"7,280":4277,"7,281":4278,"7,282":4279,"7,283":4280,"7,284":4281,"7,285":4282,"7,286":4283,"7,287":4284,"7,288":4285,"7,289":4286,"7,290":4287,"7,291":4288,"7,292":4289,"7,293":4290,"7,294":4291,"7,295":4292,"7,296":4293,"7,297":4294,"7,298":4295,"7,299":4296,"7,300":4297,"7,301":4298,"7,302":4299,"7,303":4300,"7,304":4301,"7,305":4302,"7,306":4303,"7,307":4304,"7,308":4305,"7,309":4306,"7,310":4307,"7,311":4308,"7,312":4309,"7,313":4310,"7,314":4311,"7,315":4312,"7,316":4313,"7,317":4314,"7,318":4315,"7,319":4316,"7,320":4317,"7,321":4318,"7,322":4319,"7,323":4320,"7,324":4321,"7,325":4322,"7,326":4323,"7,327":4324,"7,328":4325,"7,329":4326,"7,330":4327,"7,331":4328,"7,332":4329,"7,333":4330,"7,334":4331,"7,335":4332,"7,336":4333,"7,337":4334,"7,338":4335,"7,339":4336,"7,340":4337,"7,341":4338,"7,342":4339,"7,343":4340,"7,344":4341,"7,345":4342,"7,346":4343,"7,347":4344,"7,348":4345,"7,349":4346,"7,350":4347,"7,351":4348,"7,352":4349,"7,353":4350,"7,354":4351,"7,355":4352,"7,356":4353,"7,357":4354,"7,358":4355,"7,359":4356,"7,360":4357,"7,361":4358,"7,362":4359,"7,363":4360,"7,364":4361,"7,365":4362,"7,366":4363,"7,367":4364,"7,368":4365,"7,369":4366,"7,370":4367,"7,371":4368,"7,372":4369,"7,373":4370,"7,374":4371,"7,375":4372,"7,376":4373,"7,377":4374,"7,378":4375,"7,379":4376,"7,380":4377,"7,381":4378,"7,382":4379,"7,383":4380,"7,384":4381,"7,385":4382,"7,386":4383,"7,387":4384,"7,388":4385,"7,389":4386,"7,390":4387,"7,391":4388,"7,392":4389,"7,393":4390,"7,394":4391,"7,395":4392,"7,396":4393,"7,397":4394,"7,398":4395,"7,399":4396,"7,400":4397,"7,401":4398,"7,402":4399,"7,403":4400,"7,404":4401,"7,405":4402,"7,406":4403,"7,407":4404,"7,408":4405,"7,409":4406,"7,410":4407,"7,411":4408,"7,412":4409,"7,413":4410,"7,414":4411,"7,415":4412,"7,416":4413,"7,417":4414,"7,418":4415,"7,419":4416,"7,420":4417,"7,421":4418,"7,422":4419,"7,423":4420,"7,424":4421,"7,425":4422,"7,426":4423,"7,427":4424,"7,428":4425,"7,429":4426,"7,430":4427,"7,431":4428,"7,432":4429,"7,433":4430,"7,434":4431,"7,435":4432,"7,436":4433,"7,437":4434,"7,438":4435,"7,439":4436,"7,440":4437,"7,441":4438,"7,442":4439,"7,443":4440,"7,444":4441,"7,445":4442,"7,446":4443,"7,447":4444,"7,448":4445,"7,449":4446,"7,450":4447,"7,451":4448,"7,452":4449,"7,453":4450,"7,454":4451,"7,455":4452,"7,456":4453,"7,457":4454,"7,458":4455,"7,459":4456,"7,460":4457,"7,461":4458,"7,462":4459,"7,463":4460,"7,464":4461,"7,465":4462,"7,466":4463,"7,467":4464,"7,468":4465,"7,469":4466,"7,470":4467,"7,471":4468,"7,472":4469,"7,473":4470,"7,474":4471,"7,475":4472,"7,476":4473,"7,477":4474,"7,478":4475,"7,479":4476,"7,480":4477,"7,481":4478,"7,482":4479,"7,483":4480,"7,484":4481,"7,485":4482,"7,486":4483,"7,487":4484,"7,488":4485,"7,489":4486,"7,490":4487,"7,491":4488,"7,492":4489,"7,493":4490,"7,494":4491,"7,495":4492,"7,496":4493,"7,497":4494,"7,498":4495,"7,499":4496,"7,500":4497,"7,501":4498,"7,502":4499,"7,503":4500,"7,504":4501,"7,505":4502,"7,506":4503,"7,507":4504,"7,508":4505,"7,509":4506,"7,510":4507,"7,511":4508,"7,512":4509,"7,513":4510,"7,514":4511,"7,515":4512,"7,516":4513,"7,517":4514,"7,518":4515,"7,519":4516,"7,520":4517,"7,521":4518,"7,522":4519,"7,523":4520,"7,524":4521,"7,525":4522,"7,526":4523,"7,527":4524,"7,528":4525,"7,529":4526,"7,530":4527,"7,531":4528,"7,532":4529,"7,533":4530,"7,534":4531,"7,535":4532,"7,536":4533,"7,537":4534,"7,538":4535,"7,539":4536,"7,540":4537,"7,541":4538,"7,542":4539,"7,543":4540,"7,544":4541,"7,545":4542,"7,546":4543,"7,547":4544,"7,548":4545,"7,549":4546,"7,550":4547,"7,551":4548,"7,552":4549,"7,553":4550,"7,554":4551,"7,555":4552,"7,556":4553,"7,557":4554,"7,558":4555,"7,559":4556,"7,560":4557,"7,561":4558,"7,562":4559,"7,563":4560,"7,564":4561,"7,565":4562,"7,566":4563,"7,567":4564,"7,568":4565,"7,569":4566,"7,570":4567,"7,571":4568,"7,572":4569,"7,573":4570,"7,574":4571,"7,575":4572,"7,576":4573,"7,577":4574,"7,578":4575,"7,579":4576,"7,580":4577,"7,581":4578,"7,582":4579,"7,583":4580,"7,584":4581,"7,585":4582,"7,586":4583,"7,587":4584,"7,588":4585,"7,589":4586,"7,590":4587,"7,591":4588,"7,592":4589,"7,593":4590,"7,594":4591,"7,595":4592,"7,596":4593,"7,597":4594,"7,598":4595,"7,599":4596,"7,600":4597,"7,601":4598,"7,602":4599,"7,603":4600,"7,604":4601,"7,605":4602,"7,606":4603,"7,607":4604,"7,608":4605,"7,609":4606,"7,610":4607,"7,611":4608,"7,612":4609,"7,613":4610,"7,614":4611,"7,615":4612,"7,616":4613,"7,617":4614,"7,618":4615,"7,619":4616,"7,620":4617,"7,621":4618,"7,622":4619,"7,623":4620,"7,624":4621,"7,625":4622,"7,626":4623,"7,627":4624,"7,628":4625,"7,629":4626,"7,630":4627,"7,631":4628,"7,632":4629,"7,633":4630,"7,634":4631,"7,635":4632,"7,636":4633,"7,637":4634,"7,638":4635,"7,639":4636,"7,640":4637,"7,641":4638,"7,642":4639,"7,643":4640,"7,644":4641,"7,645":4642,"7,646":4643,"7,647":4644,"7,648":4645,"7,649":4646,"7,650":4647,"7,651":4648,"7,652":4649,"7,653":4650,"7,654":4651,"7,655":4652,"7,656":4653,"7,657":4654,"7,658":4655,"7,659":4656,"7,660":4657,"7,661":4658,"7,662":4659,"7,663":4660,"7,664":4661,"7,665":4662,"7,666":4663,"7,667":4664,"7,668":4665,"7,669":4666,"7,670":4667,"7,671":4668,"7,672":4669,"7,673":4670,"7,674":4671,"7,675":4672,"7,676":4673,"7,677":4674,"7,678":4675,"7,679":4676,"7,680":4677,"7,681":4678,"7,682":4679,"7,683":4680,"7,684":4681,"7,685":4682,"7,686":4683,"7,687":4684,"7,688":4685,"7,689":4686,"7,690":4687,"7,691":4688,"7,692":4689,"7,693":4690,"7,694":4691,"7,695":4692,"7,696":4693,"7,697":4694,"7,698":4695,"7,699":4696,"7,700":4697,"7,701":4698,"7,702":4699,"7,703":4700,"7,704":4701,"7,705":4702,"7,706":4703,"7,707":4704,"7,708":4705,"7,709":4706,"7,710":4707,"7,711":4708,"7,712":4709,"7,713":4710},"ٜ":{"المقدمة":[3,60],"1":[3,654],"2":[5,505],"3":[5,657],"4":[5,723],"5":[5,698],"6":[5,729],"7":[5,713]},"ٝ":["المقدمة,3","المقدمة,4","المقدمة,5","المقدمة,6","المقدمة,7","المقدمة,8","المقدمة,9","المقدمة,10","المقدمة,11","المقدمة,12","المقدمة,13","المقدمة,14","المقدمة,15","المقدمة,16","المقدمة,17","المقدمة,18","المقدمة,19","المقدمة,20","المقدمة,21","المقدمة,22","المقدمة,23","المقدمة,24","المقدمة,25","المقدمة,26","المقدمة,27","المقدمة,28","المقدمة,29","المقدمة,30","المقدمة,31","المقدمة,32","المقدمة,33","المقدمة,34","المقدمة,35","المقدمة,36","المقدمة,37","المقدمة,38","المقدمة,39","المقدمة,40","المقدمة,41","المقدمة,42","المقدمة,43","المقدمة,44","المقدمة,45","المقدمة,46","المقدمة,47","المقدمة,48","المقدمة,49","المقدمة,50","المقدمة,51","المقدمة,52","المقدمة,53","المقدمة,54","المقدمة,55","المقدمة,56","المقدمة,57","المقدمة,58","المقدمة,59","المقدمة,60","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619","4,620","4,621","4,622","4,623","4,624","4,625","4,626","4,627","4,628","4,629","4,630","4,631","4,632","4,633","4,634","4,635","4,636","4,637","4,638","4,639","4,640","4,641","4,642","4,643","4,644","4,645","4,646","4,647","4,648","4,649","4,650","4,651","4,652","4,653","4,654","4,655","4,656","4,657","4,658","4,659","4,660","4,661","4,662","4,663","4,664","4,665","4,666","4,667","4,668","4,669","4,670","4,671","4,672","4,673","4,674","4,675","4,676","4,677","4,678","4,679","4,680","4,681","4,682","4,683","4,684","4,685","4,686","4,687","4,688","4,689","4,690","4,691","4,692","4,693","4,694","4,695","4,696","4,697","4,698","4,699","4,700","4,701","4,702","4,703","4,704","4,705","4,706","4,707","4,708","4,709","4,710","4,711","4,712","4,713","4,714","4,715","4,716","4,717","4,718","4,719","4,720","4,721","4,722","4,723","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","5,560","5,561","5,562","5,563","5,564","5,565","5,566","5,567","5,568","5,569","5,570","5,571","5,572","5,573","5,574","5,575","5,576","5,577","5,578","5,579","5,580","5,581","5,582","5,583","5,584","5,585","5,586","5,587","5,588","5,589","5,590","5,591","5,592","5,593","5,594","5,595","5,596","5,597","5,598","5,599","5,600","5,601","5,602","5,603","5,604","5,605","5,606","5,607","5,608","5,609","5,610","5,611","5,612","5,613","5,614","5,615","5,616","5,617","5,618","5,619","5,620","5,621","5,622","5,623","5,624","5,625","5,626","5,627","5,628","5,629","5,630","5,631","5,632","5,633","5,634","5,635","5,636","5,637","5,638","5,639","5,640","5,641","5,642","5,643","5,644","5,645","5,646","5,647","5,648","5,649","5,650","5,651","5,652","5,653","5,654","5,655","5,656","5,657","5,658","5,659","5,660","5,661","5,662","5,663","5,664","5,665","5,666","5,667","5,668","5,669","5,670","5,671","5,672","5,673","5,674","5,675","5,676","5,677","5,678","5,679","5,680","5,681","5,682","5,683","5,684","5,685","5,686","5,687","5,688","5,689","5,690","5,691","5,692","5,693","5,694","5,695","5,696","5,697","5,698","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,554","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,562","6,563","6,564","6,565","6,566","6,567","6,568","6,569","6,570","6,571","6,572","6,573","6,574","6,575","6,576","6,577","6,578","6,579","6,580","6,581","6,582","6,583","6,584","6,585","6,586","6,587","6,588","6,589","6,590","6,591","6,592","6,593","6,594","6,595","6,596","6,597","6,598","6,599","6,600","6,601","6,602","6,603","6,604","6,605","6,606","6,607","6,608","6,609","6,610","6,611","6,612","6,613","6,614","6,615","6,616","6,617","6,618","6,619","6,620","6,621","6,622","6,623","6,624","6,625","6,626","6,627","6,628","6,629","6,630","6,631","6,632","6,633","6,634","6,635","6,636","6,637","6,638","6,639","6,640","6,641","6,642","6,643","6,644","6,645","6,646","6,647","6,648","6,649","6,650","6,651","6,652","6,653","6,654","6,655","6,656","6,657","6,658","6,659","6,660","6,661","6,662","6,663","6,664","6,665","6,666","6,667","6,668","6,669","6,670","6,671","6,672","6,673","6,674","6,675","6,676","6,677","6,678","6,679","6,680","6,681","6,682","6,683","6,684","6,685","6,686","6,687","6,688","6,689","6,690","6,691","6,692","6,693","6,694","6,695","6,696","6,697","6,698","6,699","6,700","6,701","6,702","6,703","6,704","6,705","6,706","6,707","6,708","6,709","6,710","6,711","6,712","6,713","6,714","6,715","6,716","6,717","6,718","6,719","6,720","6,721","6,722","6,723","6,724","6,725","6,726","6,727","6,728","6,729","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","7,504","7,505","7,506","7,507","7,508","7,509","7,510","7,511","7,512","7,513","7,514","7,515","7,516","7,517","7,518","7,519","7,520","7,521","7,522","7,523","7,524","7,525","7,526","7,527","7,528","7,529","7,530","7,531","7,532","7,533","7,534","7,535","7,536","7,537","7,538","7,539","7,540","7,541","7,542","7,543","7,544","7,545","7,546","7,547","7,548","7,549","7,550","7,551","7,552","7,553","7,554","7,555","7,556","7,557","7,558","7,559","7,560","7,561","7,562","7,563","7,564","7,565","7,566","7,567","7,568","7,569","7,570","7,571","7,572","7,573","7,574","7,575","7,576","7,577","7,578","7,579","7,580","7,581","7,582","7,583","7,584","7,585","7,586","7,587","7,588","7,589","7,590","7,591","7,592","7,593","7,594","7,595","7,596","7,597","7,598","7,599","7,600","7,601","7,602","7,603","7,604","7,605","7,606","7,607","7,608","7,609","7,610","7,611","7,612","7,613","7,614","7,615","7,616","7,617","7,618","7,619","7,620","7,621","7,622","7,623","7,624","7,625","7,626","7,627","7,628","7,629","7,630","7,631","7,632","7,633","7,634","7,635","7,636","7,637","7,638","7,639","7,640","7,641","7,642","7,643","7,644","7,645","7,646","7,647","7,648","7,649","7,650","7,651","7,652","7,653","7,654","7,655","7,656","7,657","7,658","7,659","7,660","7,661","7,662","7,663","7,664","7,665","7,666","7,667","7,668","7,669","7,670","7,671","7,672","7,673","7,674","7,675","7,676","7,677","7,678","7,679","7,680","7,681","7,682","7,683","7,684","7,685","7,686","7,687","7,688","7,689","7,690","7,691","7,692","7,693","7,694","7,695","7,696","7,697","7,698","7,699","7,700","7,701","7,702","7,703","7,704","7,705","7,706","7,707","7,708","7,709","7,710","7,711","7,712","7,713"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"16":[3],"19":[4],"23":[5,6],"30":[7],"33":[8],"37":[9],"43":[10],"59":[11],"66":[12],"75":[13],"76":[14],"78":[15],"79":[16],"82":[17],"83":[18],"85":[19],"115":[20],"121":[21,22],"126":[23],"128":[24],"132":[25],"136":[26,27],"138":[28,29],"140":[30],"148":[31],"150":[32],"152":[33],"154":[34],"158":[35],"159":[36],"160":[37],"161":[38],"162":[39],"164":[40],"165":[41],"166":[42,43,44],"167":[45],"172":[46],"174":[47,48],"176":[49],"178":[50,51],"185":[52],"196":[53],"197":[54],"199":[55],"200":[56,57],"212":[58],"216":[59],"222":[60,61],"223":[62,63],"226":[64],"231":[65],"275":[66,67],"283":[68,69],"294":[70],"343":[71],"347":[72],"354":[73],"363":[74],"382":[75],"495":[76],"506":[77],"509":[78],"579":[79],"581":[80],"594":[81],"601":[82],"602":[83],"634":[84],"690":[85],"920":[86],"1008":[87],"1014":[88],"1211":[89],"1244":[90],"1245":[91],"1279":[92],"1288":[93],"1290":[94],"1291":[95],"1363":[96],"1463":[97],"1465":[98],"1466":[99],"1476":[100],"1495":[101],"1499":[102],"1529":[103],"1548":[104],"1575":[105],"1609":[106],"1614":[107],"1668":[108],"1683":[109],"1714":[110],"1725":[111],"1864":[112],"1866":[113],"2009":[114],"2102":[115],"2146":[116],"2214":[117],"2239":[118],"2289":[119],"2347":[120],"2408":[121],"2454":[122],"2496":[123],"2526":[124],"2583":[125],"2618":[126],"2634":[127],"2636":[128],"2711":[129,130],"2784":[131],"2846":[132],"2900":[133],"2956":[134],"3024":[135],"3064":[136],"3154":[137],"3196":[138],"3238":[139],"3277":[140],"3319":[141],"3349":[142],"3380":[143],"3391":[144],"3393":[145],"3395":[146],"3397":[147],"3398":[148],"3410":[149],"3426":[150],"3516":[151],"3517":[152],"3531":[153],"3568":[154],"3597":[155],"3635":[156],"3662":[157,158],"3663":[159],"3678":[160],"3710":[161],"3746":[162],"3750":[163],"3783":[164],"3809":[165],"3836":[166],"3862":[167],"3880":[168],"3889":[169],"3920":[170],"3937":[171],"3974":[172],"4002":[173],"4023":[174],"4037":[175],"4051":[176],"4078":[177],"4096":[178],"4121":[179],"4163":[180],"4191":[181],"4212":[182],"4237":[183],"4258":[184],"4268":[185],"4277":[186],"4286":[187],"4293":[188],"4309":[189],"4325":[190],"4334":[191],"4359":[192],"4371":[193],"4383":[194],"4390":[195],"4401":[196],"4413":[197],"4428":[198],"4440":[199],"4450":[200],"4456":[201],"4467":[202],"4475":[203],"4485":[204],"4499":[205],"4504":[206],"4513":[207],"4522":[208],"4533":[209],"4537":[210],"4545":[211],"4551":[212],"4564":[213],"4573":[214],"4579":[215],"4586":[216],"4592":[217],"4597":[218],"4600":[219],"4604":[220],"4609":[221],"4610":[222],"4613":[223],"4618":[224],"4623":[225],"4629":[226],"4633":[227],"4637":[228],"4645":[229],"4647":[230],"4649":[231],"4657":[232],"4659":[233],"4665":[234],"4673":[235],"4676":[236],"4681":[237],"4685":[238],"4698":[239]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,55,56,57,58]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة الناشر</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد؛\nفإن كتاب \"تفسير القرآن العظيم\" للحافظ ابن كثير ﵀ من أحسن وأنفع كتب تفسير القرآن، وأوسعها وأكثرها تداولًا وانتشارًا، ولا يزال كتابه مقصد اهتمام للراغبين في معرفة تفسير كتاب الله تعالى بالمأثور عن السلف، من تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة، وأقوال الصحابة والتابعين.\nكما أن كتابه هذا يعد من المراجع المهمة في هذا العلم، وفي غيره من العلوم الأخرى، ومنزلته العلمية عند أهل العلم أعلى وأرفع من أن ينوه بها، فقد وصفه السيوطي فقال: \"له في التفسير الذي لم يؤلف على نمطه\" وقال الشوكاني في وصفه: \"وهو من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسنها\". وقال أحمد شاكر عنه: \"فإن تفسير الحافظ ابن كثير من أحسن التفاسير التي رأينا وأجودها وأدقها، بعد تفسير إمام المفسرين أبي جعفر الطبري … \".\nومما يزيد من القيمة العلمية للكتاب وأهميته منزلة مؤلفه ﵀ فهو من كبار العلماء وأحد الأئمة الحفاظ المبرِّزين. قال ابن قاضي شهبة عنه: \"إسماعيل بن عمر بن كثير الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ شيخ المفسرين، عمدة المحدثين والمؤرخين مفتي المسلمين … \".\nوثناء العلماء على هذا الكتاب وعلى مؤلفه أمر مشهور ومعلوم، كله يدل على جلالة هذا التفسير العظيم وعظيم قدره عند الناس.\nولذلك فقد رأت دار ابن الجوزي نشر هذا التفسير وطبعه طبعة علمية محققة ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا، فكان أول من هيأ الله لنا لتحقيق هذا الكتاب فضيلة الشيخ أبا إسحاق الحويني -حفظه الله ورعاه- سنة ١٤١٢ هـ، فقمنا بإحضار النسخ الخطية للكتاب من مكة والقاهرة والكويت وإستنبول. ثم قام الشيخ -حفظه الله- بضبط النص وتخريج الأحاديث والآثار ودراستها والحكم عليها، وقد صدر منه جزءان، ونسأل الله تعالى أن يعينه على إتمام تحقيق الأجزاء المتبقية منه.\nثم لما رأينا أن هذا العمل سوف يستغرق وقتًا طويلًا من الشيخ للمنهج الذي سلكه في التحقيق، ولانشغاله بأعمال الدعوة أشار علينا أن نكلف من نراه من أهل العلم بتحقيق الكتاب على أن يستمر هو بعمله.","vol":"المقدمة","page":3},{"text":"فيسر الله لنا فضيلة الشيخ الدكتور حكمت بن بشير بن ياسين، واتفقنا معه على تحقيق الكتاب وطبعه طبعة علمية محققة، وفق المنهج الذي ذكره في مقدمته العلمية.\nهذا وقد استفدنا من عمل الشيخ أبي إسحاق الحويني -حفظه الله- مما طبعناه سابقًا وفي جزء ثالث سيصدر قريبًا إن شاء الله، فقام فضيلة الشيخ الدكتور حكمت باختصار تخريجات الشيخ لهذه الأجزاء ثم عرضنا العمل على الشيخ أبي إسحاق فوافقنا عليه فجزاه الله خيرًا.\nوهذه الطبعة كما ترى طبعة تتميز عن الطبعات الأخرى بالعناية اللائقة بها، من حيث الإخراج الفني والألوان وجودة الطباعة والتجليد، وهو عمل لابد منه لهذا السفر العظيم.\nوأخيرًا: \"فلا يكاد كتاب من كتب التراث يخرج إلى الوجود حتى تتناوله أقلام النقد في ترحيب ومبادرة لكي تشارك في تقويمه\" (^١).\nفلذلك نود من أهل العلم أن لا يبخلوا علينا بملاحظاتهم، لنتمكن من استدراكها في طبعات قادمة إن شاء الله.\nوالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\n\nالناشر\nسعد بن فواز الصميل\n١/ ٢/ ١٤٣١ هـ\n_________\n(^١) انظر: \"قطوف أدبية\" دراسات نقدية في التراث العربي حول تحقيق التراث، لعبد السلام هارون (ص ٦).","vol":"المقدمة","page":4},{"text":"﷽\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه؛ أما بعد:\nفقد سطع علم التفسير منذ نزول القرآن الكريم إذ بيّن النبي ﷺ للصحابة ﵃ ما يحتاجون من بيان، ولما كان الصحابة ﵃ من أعرق القبائل العربية وحظوا بذلك البيان، فقد غدو من أعلم الناس بالتفسير ثم تلاهم تلاميذهم من التابعين الذين أخذوا هذا العلم عن الصحابة، وكتبوه عنهم فحازوا قصب السبق بكتابة التفسير فقد كان بعضهم يكتب التفسير مع عرض القرآن، إذ صحَّ عن مجاهد بن جبر المخزومي أنه عرض القرآن على ابن عباس ﵄ ثلاث عرضات، ويسأله عن كل آية فيجيبه ابن عباس ﵄ ويقول له: اكتب فيكتب (^١)، فكانت هذه البداية المبكرة لكتابة التفسير عن ابن عباس ثم تلاه التابعي الجليل سعيد بن جبير الأسدي فقد أمره الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أن يكتب التفسير، وكتب التفسير وأودعه في ديوان الخليفة (^٢)، واعتنى التابعون بإملاء التفسير على تلاميذهم فقد أملى مجاهد التفسير على بعض تلاميذه (^٣) وكذلك الحسن البصري أملى التفسير على تلاميذه (^٤).\nوقد انتشر علم التفسير مع انتشار الإسلام في الأرض، وكان التابعون عند فتوحهم البلدان لدخول الناس في دين الله تعالى يرفعون نداء الحق لإقامة الصلاة وقراءة القرآن الكريم والبيان لفهمه والعمل به.\nإن هذا العلم والعمل أفرز جيلًا من العلماء المفسرين من أتباع التابعين إذ تسلموا قيادة التعليم والإرشاد في أرجاء الخلافة الإسلامية فكان في مكة المكرمة ابن أبي نجيح عبد الله بن يسار راوي التفسير عن مجاهد، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج صاحب \"التفسير\"، وسفيان بن عيينة صاحب \"التفسير\".\nوكان في المدينة ثلة من المفسرين منهم: الإمام مالك بن أنس أول من صنف التفسير رواية بالإسناد.\nوعبد الرحمن بن زيد بن أسلم صاحب \"التفسير\"، ونافع بن أبي نعيم القارئ صاحب \"التفسير\"، ومصنف كتاب \"الوقف والابتداء\"، وكتاب \"عدد المدني\".\nوكان في القدس عطاء بن أبي مسلم الخراساني صاحب \"التفسير\".\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح \"التفسير\" رقم (١٠٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٣٢).\n(^٣) انظر: \"المعرفة والتاريخ\" للفسوي (٢/ ١٥٤).\n(^٤) انظر: \"جامع العلم وفضله\" لابن عبد البر (١/ ٨٩).","vol":"المقدمة","page":5},{"text":"وفي حمص علي بن أبي طلحة صاحب الصحيفة الشهيرة في التفسير المروية عن ابن عباس ﵄، وكتاب \"الوجوه والنظائر\"، وكتاب \"الناسخ والمنسوخ\".\nوفي دمشق عطاء بن دينار الهذلي صاحب \"التفسير والمغازي\" وأغلب تفسيره رواية عن سعيد بن جبير وجادة، وهارون بن موسى الأعور مصنف \"الوجوه والنظائر في القرآن\" (^١).\nوكان في اليمن معمر بن راشد صاحب التفسير والمغازي وأغلب تفسيره رواية عن قتادة بن دعامة السدوسي، ومن اليمن أيضًا وهب بن منبه وله تفسير القرآن (^٢).\nوكان في البصرة سعيد بن أبي عروبة راوي التفسير عن قتادة، وعمرو بن عبيد بن باب مصنف التفسير، ومبارك بن فضالة راوي التفسير عن الحسن البصري، وواصل بن عطاء المعتزلي مصنف \"معاني القرآن\"، ومحمد بن سيف الأزدي صاحب \"التفسير\"، ومعمر بن المثنى مصنف \"مجاز القرآن\" (^٣).\nوفي الكوفة سفيان الثوري صاحب \"التفسير\" (^٤)، وعاصم بن أبي النجود المقري صاحب \"التفسير\"، وجويبر بن سعيد الأزدي صاحب \"التفسير\" وغالب تفسيره عن الضحاك، ومحمد بن السائب الكلبي مصنف \"أحكام القرآن\"، و\"تفسير الذي نزل في أقوام بعينهم\" و\"ناسخ القرآن ومنسوخه\".\nوفي بغداد محمد بن إسحاق (ت ١٥٠ هـ) صاحب \"التفسير\" و\"المغازي\" (^٥)، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي وأغلب تفسيره عن قتادة.\nوفي واسط هشيم بن بشير السلمي صاحب \"التفسير\".\nوفي مصر عبد الله بن لهيعة صاحب \"التفسير\" وغالب تفسيره عن عطاء بن دينار الهذلي عن سعيد بن جبير.\nوفي القيروان يحيى بن سلام صاحب \"التفسير\" (^٦) وكتاب \"التصاريف في القرآن\" (^٧).\nوفي مرو عبد الله بن المبارك صاحب \"التفسير\".\nوفي خراسان الضحاك بن مزاحم صاحب \"التفسير\" وكتاب \"نزول القرآن\"، والربيع بن أنس البكري صاحب التفسير وغالب تفسيره يرويه عن أبي العالية.\nوفي بلخ مقاتل بن سليمان البلخي صاحب \"التفسير\"، وتفسير \"خمسمائة آية في الحلال والحرام\" و\"الأشباه والنظائر\" (^٨) وهذه التفاسير خالية مما نسب إليه من التجسيم والتشبيه، وفي بلخ أيضًا: مقاتل بن حيان صاحب \"التفسير\".\n_________\n(^١) منه نسخة خطية في مكتبة تشستربتي \"الفهرس الشامل\" (١/ ٢٠).\n(^٢) منه نسخة خطية في الهند في مكتبة سالارجنك \"الفهرس الشامل\" (١/ ١٧)، وقد نسب \"تفسير غريب القرآن\" لزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ولم تصح نسبته إليه.\n(^٣) طبع بتحقيق أ. د. محمد فؤاد سزكين.\n(^٤) طبع بتحقيق أ. امتياز عرشي.\n(^٥) وكتاب \"المغازي\" له علائق بالتفسير وأسباب النزول، ومن أتباع التابعين الذين صنفوا في السير والمغازي أبو معشر نجيح السندي (ت ١٧٠ هـ، ويحيى بن سعيد الأموي ت ١٩٤ هـ).\n(^٦) منه نسخة فريدة في مراكش.\n(^٧) طبع بتحقيق أ. د. هند شلبي.\n(^٨) هذه الكتب الثلاثة مطبوعة.","vol":"المقدمة","page":6},{"text":"وهذا الإنتاج كان من أوائل المؤلفات في هذه العلوم في القرن الثاني الهجري، وقد ساعد على فهم القرآن وتيسير التفسير، إذ كانت التفاسير في هذه الفترة تتكون من قطع وأجزاء وصحف ونسخ تتفاوت أحجامها ما بين الصغير والوسط، إذ لم تبلغ الموسوعات والجوامع التي ظهرت في القرن الثالث الهجري.\nومن خلال الاطلاع على الموجود من هذه التفاسير نجدها تنقسم إلى قسمين:\n• قسم يعتمد على النقل للأثر وأغلب التفاسير من هذا النوع.\n• والقسم الآخر يقتصر على اللغة العربية فقط وهو قليل كصنيع معمر بن المثنى في (مجاز القرآن) الذي اقتصر على البيان اللغوي معتمدًا على دواوين الشعراء المتقدمين.\nوقد تعرض مسلك أبي عبيدة لكثير من النقد فأثار الفراء إذ قال: لو حُملَ إلى أبو عبيدة لضربته عشرين في كتاب \"المجاز\" (^١)، ولكن الثروة الشعرية وضروب البلاغة التي تضمنها هذا الكتاب، تعطيه قيمة علمية لغوية وبلاغية وخصوصًا أن أبا عبيدة هو أول من فتح أبواب البلاغة في التفسير على الإطلاق، فله قصب السبق، فقد ذكر أنواعًا من علم المعاني كالاستفهام، والتقرير، والتنبيه، والنهي، والتحذير، والإنكار، والتسوية، والتحقيق، والتوعد، والأمر، والتهديد، والتمني، والإشارة إلى القريب بلفظ البعيد، والتقديم والتأخير، والقلب والتغليب، والالتفات، والحذف، والزيادة، والتوكيد.\nكما ذكر أنواعًا من علم البيان كالتشبيه، والتمثيل، والاستعارة التصريحية، والاستعارة في الحرف، والاستعارة المكنية، وإجراء لفظ من يعقل على الجماد وما لا يعقل، والمجاز، والمرسل، والكناية، كما ذكر من علم البديع: المشاكلة (^٢).\nوكذلك كتاب \"معاني القرآن\" (^٣) للأخفش (ت ٢١٥ هـ) صنّفه في فترة حياة الإمام الكسائي (ت ١٨٩ هـ) وقد تناول جملةً من ضروب البلاغة، فمن علم المعاني ذكر الاستفهام والمعاني المجازية التي يخرج إليها ومن تلك المعاني: التقرير، والسؤال بمعنى الطلب، والخبر، والإنكار والتوبيخ، والتعظيم والتهويل، ومن علم المعاني أيضًا: التقديم والتأخير، والقلب، والالتفات، والإظهار في مقام الإضمار، والفصل والوصل، وإيجاز الحذف، والإطناب.\nوتناول ضروبًا من علم البيان كالتشبيه والمثل والاستعارة التصريحية والمجاز المرسل والكناية.\nكما تناول ضربًا في علم البديع وهو المشاكلة (^٤).\n_________\n(^١) \"معجم الأدباء\" (٧/ ١١٧).\n(^٢) وقد استخرج جميع هذه الأنواع فضيلة الدكتور أحمد عبد الواحد في كتابه القيم \"الدراسات البيانية في المصنفات الأُول فى معانى القرآن\" (ص ٣٢ - ١٢٦).\n(^٣) مطبوع.\n(^٤) ينظر: \"الدراسات البيانية في المصنفات الأولى في معاني القرآن\" (ص ١٣٥ - ٣٠٥).","vol":"المقدمة","page":7},{"text":"وهذا الإنتاج التفسيري انتشر في البلدان وازدانت به المراكز العلمية ففتح آفاقًا عظيمة في القرنين: الثاني والثالث الهجري فظهرت تفاسير نفيسة أفادت ممن تقدم ذكرهم كتفسير ابن أبي شيبة وسُنيد ومحمد بن يوسف الفريابي والإمام أحمد بن حنبل وأبي جعفر الرازي وآدم بن أبي إياس العسقلاني وعبد الرزاق بن همام الصنعاني. ثم ظهرت كتب في أحكام القرآن منها ما هو مسند للإمام الجهضمي وعنوانه \"أحكام القرآن\" (^١)، وفي علوم القرآن كتاب \"فهم القرآن\" (^٢) للمحاسبي وهو أول كتاب \"صنف في علوم القرآن\"، تلا ذلك تفسير عبد بن حميد (^٣) ثم تفسير الطبري.\nوظهرت كتب مسندة مساعدة لعلم التفسير مثل كتاب \"أسباب النزول\" لعلي بن المديني، و\"الناسخ والمنسوخ\" للقاسم بن سلام (^٤)، وأحمد بن حنبل وأبي داود (^٥).\nوفي بداية هذا القرن الثالث الهجري كان الفراء يملي كتاب \"معاني القرآن\" من حفظه كما صرح الراوي لهذا الكتاب واسمه أبو عبد الله محمد بن الجهم بن هارون السَّمري إذ قال: هذا الكتاب فيه معاني القرآن، أملاه علينا أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء يرحمه الله عن حفظه من غير نسخة، في مجالسه أول النهار من أيام الثلاثاوات وبالجُمع من شهر رمضان، وما بعده من سنة اثنتين، وفي شهور سنة ثلاث، وشهور من سنة أربع ومائتين (^٦).\nودخل التفسير في هذا القرن في طور جديد من حيث الموسوعية فإن الإمام الطبري لم يدع كلمة إلا وبينها، وقد نافت عدد رواياته على الستين ألف، وأما تفسير الإمام أحمد فبلغت رواياته مائة وعشرين ألف (^٧)، وتفسير بقي بن مخلد (ت ٢٧٦ هـ) الذي يقع في سبعين جزء (^٨)، وبلغت عدد مرويات عبد بن حميد في تفسيره أكثر من ثلاثة آلاف في \"الدر المنثور\" فقط، وقد جعلت تفسير الطبري في هذا القرن مع أن وفاته كانت سنة (٣١٠ هـ) لأنه أملى تفسيره في سنة (٢٨٣ هـ) إلى سنة (٢٩٠ هـ)؛ أي: مكث سبع سنوات في إملاء التفسير، وكان ذلك في بغداد كما نقل المؤرخون، ومنهم ياقوت الحموي الذي حبر ترجمة حافلة شاملة وافية للإمام الطبري.\nإضافة إلى هذه التفاسير النفيسة فقد ظهرت كتب الحديث الشريف التي تبوب كتاب \"التفسير\" مثل: الصحيحين وسنن الترمذي والسنن الكبرى للنسائي وسنن سعيد بن منصور ومصنف ابن أبي شيبة (^٩).\nكما ظهر في هذا القرن أول مصنف يعتني ببيان مشكل القرآن إذ صنف ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ)،\n_________\n(^١) عندي منه قطعة مخطوطة مصورة من مكتبة جامع الزيتونة وقد أعطيتها لفضيلة أ. د. عامر حسن صبري لتحقيقها وقام بذلك على أحسن وجه، جزاه الله خيرًا.\n(^٢) مطبوع.\n(^٣) توجد قطعة منه في حاشية تفسير ابن أبي حاتم وقد حققت وطبعت.\n(^٤) مطبوع.\n(^٥) وكلا الكتابين مفقود.\n(^٦) \"معاني القرآن الكريم\" (ص ١).\n(^٧) ينظر تفصيل ذلك في \"مقدمة مرويات الإمام أحمد بن حنبل في التفسير\".\n(^٨) \"جذوة المقتبس\" (ص ٣٥١).\n(^٩) كلها مطبوعة.","vol":"المقدمة","page":8},{"text":"كتاب \"تأويل مشكل القرآن\". وقد صنف أيضًا كتاب \"تفسير غريب القرآن\" (^١) ونقد فيه بعض التفاسير ومنها معاني القرآن للفراء والأخفش، ومجاز القرن لمعمر بن المثنى (^٢).\nوبهذا نستنتج أن ظاهرة النقد للتفاسير برزت جلية في القرن الثالث الهجري.\nلقد بلغ تطور التفسير في القرآن الثالث مرحلة راقية من الشمول والجمع بين مدرستي الأثر والرأي، وأرى أن كتب المحدثين من الصحاح والجوامع التي جمعت حديث النبي ﷺ وأقوال الصحابة ﵃، ساعدت على إثراء التفسير بروايات غزيرة دونت في كتب \"التفسير\"، ونقلت التفسير المأثور إلى طور الشمول والكمال؛ لأن في هذا القرن تضمنت كتب \"التفسير: الأحاديث النبوية المفسرة وأقوال الصحابة التفسيرية\" وكذا أقوال التابعين.\nوالعجيب أن بعض مؤلفات القرن الثالث في التفسير لم نجد لها نسخة بل لم نجد نقلًا أو اقتباسًا عنها! فهل هذه الكتب منسوبة؟ أم هي مندثرة؟ ولا شك أن البحث العلمي هو الذي يأتي بالجواب، فقد عثرنا على بعض النقولات من تفسير ابن ماجه، ومن تفسير الإمام أحمد بن حنبل، والتفسير الكبير للطبراني وتفسير الفريابي، وتفسير عبد بن حميد وغيرها من التفاسير التي ذكرتها وبينت طرق جمع نصوصها في كتابي الموسوم \"القواعد المنهجية في التنقيب عن المفقود من الأجزاء والكتب التراثية\".\nوفي القرن الرابع تطور التصنيف في التفسير فظهرت بعض التفاسير الفقهية مثل: كتب \"أحكام القرآن\" التي تتسم بالميل للمذهب الفقهي كالإمام الجصاص في كتابه \"أحكام القرآن\" (^٣)، فقد مال للمذهب الحنفي بل نال من الإمام الشافعي، بينما نجد الإمام الطحاوي الحنفي صنف في \"أحكام القرآن\" (^٤) على طريقة المحدثين يرويه بأسانيده إلى الصحابة والتابعين دون النيل من أي أحد من العلماء.\nوفي القرن نفسه ظهرت بعض التفاسير اتسمت بتحري الحق وعدم التأثر بأحد المذاهب الفقهية، بل سلكت مسلكًا صحيحًا في تتبع الدليل والراوية الصحيحة كتفسير ابن أبي حاتم الرازي (^٥). واعتمد في تفسيره على الرواية فقط، وكذا تفسير ابن المنذر (^٦) وتفسير القاضي البستي (ت ٣٠٧ هـ) (^٧).\nوقد تضخمت كتب \"الناسخ والمنسوخ\" المروية بالإسناد مما أثرت علم التفسير مثل كتاب \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس فإنه أضعاف كتاب أبي عبيد (^٨).\n_________\n(^١) كلاهما مطبوع.\n(^٢) وللمزيد ينظر مقدمة: \"تفسير غريب القرآن\" (ص ٤ - ٥)، و\"تأويل مختلف الحديث\" (٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٥، ٤٣٩، ٤٤٠، ٤٤١).\n(^٣) مطبوع.\n(^٤) مطبوع.\n(^٥) يوجد نصفه مخطوطًا وقد حقق وتقوم بنشره دار ابن الجوزي.\n(^٦) توجد قطعة منه وقد قام بتحقيقها فضيلة د. سعد السعد.\n(^٧) يوجد نصفه وقد حققه فضيلة د. عوض العمري وفضيلة د. عثمان وقد نالا درجة الدكتوراه من كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n(^٨) كلاهما مطبوع.","vol":"المقدمة","page":9},{"text":"وظهرت كتب بعنوان \"معاني القرآن\" معتمدة على الأثر مثل كتاب النحاس، كما صُنفت مؤلفات في إعراب القرآن منها كتاب \"إعراب القرآن\" (^١) للنحاس، وكان التأليف في الإعراب في هذا القرن مختصرًا على قدر البيان لا يعربون كل كلمة وكل حرف كما في عهدنا الحاضر، وكتب الإعراب تساعد المفسرين في تصنيف تفاسيرهم، وللنحاس أيضًا كتاب \"القطع والائتناف\" (^٢) وقد أفاد كثيرًا من كتاب \"التمام في علم الوقف والابتداء\" لنافع بن أبي نعيم القاري المدني، وأفاد أيضًا من كتاب \"الوقف\" ليعقوب بن إسحاق الحضرمي وكلاهما مفقود.\nوفي هذا القرن بدأ منهج الاختصار للتفاسير يظهر بوضوح، ومن الذين سلكوا هذا المنهج محمد بن عبد الله بن عيسى المعروف بابن أبي زمنين (ت ٣٩٩ هـ) في اختصاره لتفسير يحيى بن سلام ت ٢٠٠ هـ، وهود بن محكم المتوفى في أواخر القرن الرابع الذي اختصر تفسير يحيى بن سلام أيضًا (^٣).\nوفي هذا القرن كثرت وتوافرت التفاسير المسندة ونافت على المائة والعشرين تفسيرًا فهذا أبو بكر محمد بن القاسم المعروف بابن الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) كان يحفظ مائة وعشرين تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها (^٤)، وهذه الكثرة فيها الغث والسمين ولهذا انبرى الإمام الناقد ابن أبي حاتم إلى تصنيف تفسير بأصح الأسانيد وهذه الظاهرة لم يسبق إليها وقد أفصح عن سبب تأليفه \"الجرح والتعديل\" لبيان معاني كلام الله تعالى وسنن المصطفى ﷺ كما صرح في مقدمة الكتاب.\nوفي هذا القرن انبرى بعض المفسرين للرد على المعتزلة والقدرية والجهمية كالإمام محمد بن علي بن محمد أبي أحمد الكَرَجي (^٥) المعروف بالقصاب (ت ٣٦٠ هـ) تقريبًا في كتابه القيم \"نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام\" ويكاد أن لا يترك تفسير آية إلا ويرد فيها على المعتزلة والقدرية والجهمية والمرجئة، وهو من العلماء الذين برعوا في الردِّ بالأدلة النقلية العقلية.\nوفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير الضعيفة بسبب ضعف مؤلفيها كتفسير \"شفاء الصدور\" لأبي بكر النقاش (ت ٣٥١ هـ) (^٦).\nوقد قلَّ الاهتمام بإيراد الأسانيد وفي بعض التفاسير ظهر فيها قلة إيراد الأسانيد في بعض التفاسير مثل كتاب \"بحر العلوم\" للسمرقندي، وكتاب \"نكت القرآن\" للكَرَجي، \"ومعاني القرآن\" للنحاس، وكان بعضهم يختصر الإسناد فيقتصر على ذكر الطريق وهذا الاختصار غير مخل إذ يعرف من خلال ذكر الطريق درجته من الصحة أو الضعف.\nوظهر في هذا القرن بعض كتب \"الاستدراك أو الردود\" وقد انبرى علي بن حمزة البصري (ت ٣٧٥ هـ) في كتابه \"التنبيهات على أغاليط الرواة\" لنقد أبي عبيدة في كتابه \"مجاز القرآن\" (^٧).\n_________\n(^١) مطبوع.\n(^٢) مطبوع.\n(^٣) وكلا المختصرين مطبوع.\n(^٤) الرسالة المستطرفة (ص ٧٩).\n(^٥) بفتح الكاف والراء وقد حقق كتابه في عدة رسائل في كلية القرآن في الجامعة الإسلامية بتحقيق أصحاب الفضيلة: د. علي بن غازي التويجري ود. إبراهيم بن منصور الجنيدل وأ. د. شايع بن عبده الأسمري.\n(^٦) يحقق في جامعة الإمارات المتحدة.\n(^٧) مقدمة المجاز (ص ١٧).","vol":"المقدمة","page":10},{"text":"وفي هذا القرن تطور علم غريب القرآن على يد المفسر أبي بكر محمد بن عُزيز السجستاني (ت ٣٣٠ هـ) (^١) فقد قام بتصنيف كتابه \"غريب القرآن\" على طراز جديد في الترتيب إذ رتبه على حروف المعجم ألفبائيًا ويعتبر ابن عُزيز أول من فعل ذلك في كتاب \"غريب القرآن\"؛ لأن من سبقه رتَّبه على سور وآيات القرآن.\nوفي آخر هذا القرن ضمّن بعض المحدثين في رواياتهم كتاب \"التفسير\" كصنيع الحاكم في المستدرك فقد تضمن كتاب \"التفسير\" قرابة ٣٠٠ صفحة من طبعة الهند.\nثم دخل القرن الخامس وفيه ازدادت ظاهرة حذف الإسناد بسبب طول الإسناد واختلط الصحيح بالسقيم في كثير من التفاسير كتفسير \"العيون والنكت\" للماوردي، وتفسير السمعاني (^٢)، و\"تفسير ضياء القلوب\" لسليم بن أيوب الرازي (ت ٤٤٧ هـ) (^٣)، وتفسير مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧ هـ) \"الهداية إلى بلوغ النهاية\" (^٤)، وبعض التفاسير تارة يسوق الراوية بإسناده وغالبًا يحذف الإسناد كتفسير الكفاية للحيري (ت ٣٤٠ هـ) (^٥)، وبعض التفاسير حافظت على إيراد الإسناد كصنيع الثعلبي في كتابه \"الكشف والبيان\"، ومن أهم مزايا هذا التفسير أنه ذكر مصادره في مقدمة تفسير، وهذه المصادر من الكتب العتيقة القديمة في علم القراءات وعلوم القرآن والتفسير وغريب القرآن والناسخ والمنسوخ وإعراب القرآن والوقف والابتداء وغيرها من الكتب النفيسة التي صنفت في القرن الثاني والثالث والرابع وساقها كلها بأسانيده.\nوأغلبها من قبيل المفقود مما يضفي قيمة علمية، أما ما ورد في هذا الكتاب من الحكايات العجيبة والروايات الغريبة والأحاديث الموضوعة والضعيفة فإنه قد اشتهر عنه ذلك لكن لم يشتهر عنه ذكر المصادر العتيقة القديمة والأسانيد القويمة، من أجل ذلك اقترحت تحقيق فحقق والحمد لله (^٦).\nوفي هذا القرن برزت ظاهرة جديدة وهي: تعدد التفاسير للمصنف الواحد كما صنع الواحدي في \"الوجيز\" و\"الأوسط\" و\"المبسوط\" (^٧) فصنف ثلاثة تفاسير أحدها مختصر والآخر متوسط والثالث كبير إضافة إلى تصنيف كتاب \"أسباب النزول\" (^٨) وهذا التصنيف فيه تخيير حسب همة ورغبة طالب العلم وفيه تسهيل للمبتدئين وتذكير للمتبصرين.\nكما ظهرت بعض التفاسير اللغوية الجامعة مثل كتاب \"المفردات\" (^٩) للأصفهاني فإنه من التفاسير اللغوية المعتبرة، ولا يخلو من بعض التأويل بسبب نقله عن بعض الفلاسفة، ولكن تبقى\n_________\n(^١) مطبوع.\n(^٢) كلاهما مطبوع.\n(^٣) مخطوط حقق في كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية ونال به فضيلة أ. د. ملفي بن ناعم الصاعدي درجة الماجستير.\n(^٤) مطبوع.\n(^٥) مخطوط حقق في كلية القرآن الكريم، وقد حقق منه جزءًا فضيلة الدكتور علي بن غازي التويجري.\n(^٦) مطبوع وحقق في جامعة أُم القرى وهو في طريقه إلى الطبع.\n(^٧) هذه الكتب الثلاثة مطبوعة.\n(^٨) مطبوع.\n(^٩) مطبوع.","vol":"المقدمة","page":11},{"text":"فوائده تُميزه على الكتب السابقة، فهو من أحسنها وأفضلها وقد رتبه كترتيب ابن عُزيز على حروف المعجم ألفبائيًا.\nوفي القرن الخامس ازدادت تفاسير المعتزلة وكثر انتشارها ومن أهمها: \"التهذيب فى التفسير\" للحاكم الجشمي (ت ٤٩٤ هـ) أحد أساطين الاعتزال، والكتاب مخطوط وقد قدم له دراسة د. عدنان زرزور، وله أيضًا \"متشابه القرآن\" انتصر فيه لمذهبه. وهو شيخ الزمخشري، وحجم تفسير الحاكم أكبر من ضعف تفسير الزمخشري (^١)، وقد حشد في تفسيره تفاسير رؤساء المعتزلة كالقاضي أبي علي الجبائي، والقاضي عبد الجبار، وأبي مسلم الأصفهاني، وأبي القاسم البلخي، وغيرهم.\nوفي مطلع هذا القرن ظهر اختصار لتفسير الإمام الطبري للتُجيبي (ت ٤١٩ هـ) وقد اختصره اختصارًا شديدًا، وقد طبع في مجلد لطيف، في حاشية المصحف.\nوفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير الضعيفة مثل كتاب \"حقائق التفسير\" وهو من التفاسير المنحرفة لأبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي (ت ٤١٢ هـ) قال الذهبي: إنه تحريف وقرمطة (^٢).\nكما ظهرت كتب الاستدراك في علم الوجوه والنظائر مثل كتاب \"وجوه القرآن\" للدامغاني لأبي عبد الله الحسين بن محمد الحنفي (ت ٤٧٨ هـ)، فقد استدرك ما فات مقاتل بن سليمان في كتابه \"الوجوه والنظائر\" (^٣).\nكما ظهرت في هذا القرن بعض تفاسير المتكلمين كتفسير ابن فورك محمد بن الحسن الأصبهاني (ت ٤٠٦ هـ) (^٤).\nوظهر أيضًا التفسير الإشاري أوسع مما في القرن الثالث وذلك في كتاب \"لطائف الإشارات\" لأبي القاسم القشيري (ت ٤٦٥ هـ) (^٥)، وله التيسير في علم التفسير ومنه عدة نسخ خطية عديدة.\nوفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير ترد على التعصب المذهبي بتعصب مذهبي أيضًا كما في أحكام القرآن للكياالهراسي فقد ردَّ على الجصاص في \"أحكام القرآن\" (^٦) في انتقاده للشافعي ومدرسته، وتعصب في الوقت نفسه للمدرسة الشافعية، والعجيب أن الكياالهراسي نقل جلَّ الكتاب عن الجصاص بنصه وفصه، ولم يتعقبه في كثير من المسائل المهمة التي لا تتعلق في الخلاف بين الحنفية والشافعية، ومن تلك المسائل المهمة: إنكار السحر، والنيل من معاوية بن أبي سفيان ﵁.\nوفي هذا القرن برزت ظاهرة جمع النصوص التفسيرية كما قام الإمام البيهقي بجمع نصوص\n_________\n(^١) الحاكم الجشمي (ص ٤٨٠).\n(^٢) ينظر: \"مقدمة شيخ الإسلام\" (ص ٩٢، ٩٣) تحقيق د. عدنان زرزور، والكتاب مطبوع.\n(^٣) كلاهما مطبوع.\n(^٤) حقق في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n(^٥) طبع بتحقيق د. إبراهيم بسيوني في ستة مجلدات.\n(^٦) كلاهما مطبوع.","vol":"المقدمة","page":12},{"text":"تفسيرية في أحكام القرآن عن الإمام الشافعي (^١)، وهذه النصوص كلها آثار يرويها بسنده إلى الشافعي، ويرويها الشافعي عن السلف.\nكما ظهر في هذا القرن مؤلفات تفسيرية أُفردت لتفسير جزء أو سورة كصنيع أبي القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي (ت ٤٨٦ هـ) إذ فسر سورة التكوير، وتوجد منه نسخ في جامعة إسلامبول، وبعضهم يفرد تفسيرًا لجزء كصنيع أبي يوسف عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار (ت ٤٨٣ هـ) فقد صنف \"حدائق التفسير لجزء عمّ\"، وهذه التفاسير ورد ذكر نسخها الخطية في الفهرس الشامل للتراث.\nثم دخل القرن السادس وظهر فيه منهج مبتكر في التفسير كصنيع الزمخشري فقد سلك منهجًا جديدًا في عرض التفسير جذب فيه ألباب العلماء والمتعلمين والمثقفين قديمًا وحديثًا إذ استخدم ضروب البلاغة من البديع والبيان والمعاني، واستفاد من مدرستي الرأي والأثر، وصاغ ما أفاده بأسلوب جزل وقول فصل، وباختصار دون تطويل في إيراد خلاف المفسرين، وهذا الذي ذكرته فيما لا يصطدم مع الاعتزال الذي رفع رايته، أما إذا تعارض التفسير مع مذهبه الاعتزالي فإنه يلوي التفسير ويثور على مخالفيه ويشكك بالأثر بل ينكر بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة التي تنسف تأويلات المعتزلة من جذورها، وبهذا فقد رسخ الزمخشري آراء المعتزلة في هذا القرن.\nوفي هذا القرن ظهر ابتكار في نظم المتشابه اللفظي فصنف علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي (٥٥٨ - ٦٤٣ هـ) كتابًا منظومًا بعنوان \"هداية المرتاب وغاية الحفاظ والطلاب\" وقد طبع مع شرحه بعنوان: \"التسهيل في ما يشتبه على القارئ من أي تنزيل\".\nوفي هذا القرن برزت بعض التفاسير التي تعتمد على تصفية واختصار وتنقية تفسير سابق كصنيع الإمام البغوي فقد اختصره من كتاب \"الكشاف والبيان\" للثعلبي، وحاول أن ينقّيه من الحكايات العجيبة والأحاديث الموضوعة، وحذف الكثير من الروايات الإسرائيلية ولكن بقي فيه مئات الإسرائيليات مما يدل على غزارة الإسرائيليات في تفسير الثعلبي.\nوفي آخر هذا القرن بدأ الفخر الرازي بتصنيف تفسيره المبتكر، فقد صرح في آخر تفسير سورة البقرة أنه تمَّ يوم الخميس في المعسكر المتاخم للقرية المسماة بأرصف سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وفي آخر تفسير سورة آل عمران ورد أنه تمَّ يوم الخميس أول ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة، ثم فسر بعض السور في مطلع القرن السابع في يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر سنة اثنتين وستمائة في بلد غزنين -أي: بلد غزنة كما صرح ياقوت الحموي (^٢) -. ولم يتمه واختلف في الذي أتمه وذهب يحيى المعلمي بأن تلميذه قاضي القضاة أحمد بن خليل الخوبي (ت ٦٣٧ هـ) هو الذي أتمه، وقد سبقه في ذلك ابن أبي أُصيبعة في عيون الأنباء (^٣) وقد عاصر الشيخ والتلميذ وقيل: إن الذي أتمه أحمد بن محمد القمولي كما في طبقات السبكي (^٤) وسواء أتمه الخوبي أو القمولي فإن ظاهرة إكمال التفسير بدأت في هذا القرن السابع (^٥).\n_________\n(^١) مطبوع.\n(^٢) \"معجم البلدان\" (٤/ ٢٠١).\n(^٣) (٢/ ٢٩).\n(^٤) \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٣٥).\n(^٥) مجموع فيه عدة كتب ليحيى المعلمي ومنها بحث حول تفسير الرازي (ص ١٠٥ - ١١٠).","vol":"المقدمة","page":13},{"text":"ولقد اتسم تفسير الرازي بمنهج جديد في التفسير وهو الاعتناء بإيراد تناسب الآيات والسور والتركيز على الآيات الكونية بالاستفادة من علم الفلك والطب والهندسة والفلسفة، والاعتماد على علم أصول الفقه، ويعتبر من رواد علم التناسب بين السور وبين الآيات، وأن اهتمامه بتفسير الآيات الكونية يشكل عرضًا مبتكرًا لتوحيد الربوبية.\nوفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير المقتصرة على تفسير آية كالبسملة وآية الكرسي وغيرها، أو تفسير سورة كسورة الفاتحة وغيرها، أو تفسير جزء من القرآن كتفسير جزء عمّ أو جزء تبارك، وهي تفاسير أغلبها خطيّة مذكورة في الفهرس الشامل.\nوفي القرن السابع ظهر نقد يؤكد على أهمية التفسير الأثري وتقديمه على التفسير اللغوي إذ حُذر من التسارع إلى اللغة العربية قبل النظر إلى الأثر، ومن هؤلاء الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره، وابن الأثير في جامع الأصول في الجزء الثاني في مطلع قسم التفسير، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، وفي كتابه مقدمة في أصول التفسير نقد بعض التفاسير كالزمخشري والثعلبي.\nوتكررت ظاهرة الاختصار فقد اختصر العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) تفسير النكت والعيون للماوردي.\nكما ظهرت كثرة المختصرات فقد اختصر الملك الصالح أبو الفتح محمد بن محمد بن قراسلان الأرتقي (ت ٦١٩ هـ) كتاب \"أسباب النزول\" للواحدي في كتابه \"أسباب نزول الآي\" منه نسخة فريدة في إمبروز يانا تقع في ١٥٤ ورقة كتبت ٧٨٢ هـ (^٢).\nوكذلك قام أحمد بن محمود النعماني الذي كان حيًا في سنة (٦٢٦ هـ) باختصار كتاب \"الموجز في التفسير\" لأسعد بن محمود أبي الفضائل العجلي الأصبهاني (ت ٦ هـ) فقد اختصره في كتاب \"الموجز من موجز التفسير\" (^٣).\nوفي هذا القرن ظهر تفسير الكواشي الموصلي الموسوم بتبصرة المتذكرة وتذكرة المتبصر، وقد اهتم اهتمامًا بالغًا في علم الوقف والابتداء في كتابه هذا (^٤)، وصنع كالواحدي في تفاسيره الثلاثة، فألف ثلاثة تفاسير المختصر والمتوسط والمطول كالوجيز والوسيط والمبسوط.\nوفي هذا القرن برزت ظاهرة الجمع من تفسيرين أو أكثر كما صنع ابن الأثير في كتابه \"الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف\" جمع فيه بين تفسير الثعلبي والزمخشري (^٥).\nوكذا صنع البيضاوي في تفسيره \"أنوار التنزيل وأسرار التأويل\" فقد جمع أغلب تفسيره من\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (١/ ٣٥٥، ٣٥٦).\n(^٢) ينظر: \"الفهرس الشامل\" (ص ٢١٤ - ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(^٣) وتوجد منه نسخة فريدة في تشتستربتي في ١٧٧ ورقة بخط يده، أما الأصل فمنه نسخة يتيمة في مكتبة الوزيري بطهران في (٢٢٠) ورقة. ينظر: \"الفهرس الشامل\" (ص ٢١٤ - ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(^٤) وقد حققه فضيلة الدكتور عبد الله بن نافع العمري ونال به درجة الماجستير من كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية.\n(^٥) \"معجم المفسرين\" (ص ٤٦٢).","vol":"المقدمة","page":14},{"text":"الكشاف ثم من كتاب مفاتح الغيب للفخر الرازي ومن تفسير الراغب الأصفهاني. وأضاف عليها بعض الآثار واللطائف والنكات والاستنباطات، وأغلبها من الكتب المذكورة بعد الكشاف.\nوكذا صنع النسفي (ت ٧٠١ هـ) في تفسيره \"مدارك التنزيل وحقائق التأويل\" حيث جمع بين الكشاف وتفسير البيضاوي وحذف الاعتزاليات والتفاسير الموضوعة.\nكما ظهرت تفسير آية أو سورة أو تفسير جزء كما سبق في القرن السادس.\nوفي هذا القرن اعتنى بعض المفسرين ببيان المشكل كالعز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) فصنف كتاب \"فوائد في مشكل القرآن\" أجاب فيه على إشكالات قد ترد على بعض الآيات. وجلُّ هذه الإشكالات لغوية أو نحوية أو بلاغية (^١).\nوفي هذا القرن صنف أبو شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي (ت ٦٦٥ هـ) كتاب \"تتمة البيان لما أشكل من متشابه القرآن\" (^٢)، وله أيضًا تفسير آية الإسراء وهو مطبوع.\nوقد ظهر في هذا القرن بعض التفاسير المنحرفة كتفسير محيي الدين بن عربي (ت ٦٣٨ هـ) إذ شحن تفسيره بالمجازفات والخرافات.\nوفي مطلع القرن الثامن ولد الحافظ ابن كثير وحظي بنشأة علمية راقية، أهلته أن يكون أحد مشاهير علماء ذلك القرن، كما سيأتي في قسم الدراسة.\nوقبل الدخول في قسم الدراسة أذكر الخطة ومنهج التحقيق، أما الخطة فقد جعلتها في مقدمة وقسمين وفهارس، أما المقدمة فقد توجتها بنبذة عن بداية نشأة تصنيف التفسير، وعن تطوره إلى زمن الحافظ ابن كثير، وذكرت فيها الخطة، ومنهج التحقيق، وأسباب تحقيق الكتاب، أما القسم الأول فيتضمن دراسة عن الحافظ ابن كثير ومنهجه والقيمة العلمية للكتاب، وأما القسم الثاني فيشمل تحقيق النص.\n• وأما منهج التحقيق فهو كما يلي:\n١ - الاعتماد على نسخة آيا صوفيا وسيأتي أسباب ذلك في وصف النسخ الخطية.\n٢ - ضبط النص بالمقابلة بين الأصل والنسخ المساعدة وهي نسخة شستربتي ونسخة الحرم المكي والحميدية والمحمودية، وقد اعتمد على غير هذه النسخ عند الحاجة، ولا أُكثر من ذكر الفروق إلا ما له أهمية ولعدم إثقال الحواشي، فلم أذكر الاختلاف بين النسخ في عبارات الثناء\nعلى الله تعالى كلفظ ﷿، ﷾، والصلاة على الرسول، والترضي على الصحابة ﵃. وقد رمزت لهذه النسخ الرموز الآتية:\nأ - نسخة آيا صوفيا الكاملة: الأصل.\nب - نسخة تشسشربتي العتيقة: عش.\nت - نسخة الحرم المكي العتيقة: عم.\n_________\n(^١) وفي دار الكتب في القاهرة نسخة بعنوان \"كشف الإشكالات عن بعض الآيات\"، \"الفهرس الشامل\" (١/ ٢٥٦).\n(^٢) ومنه نسخة في الظاهرية كتبت في عهد المؤلف، \"الفهرس الشامل\" (١/ ٢٥٧).","vol":"المقدمة","page":15},{"text":"ث - نسخة آيا صوفيا العتيقة الناقصة: عف.\nج - نسخة الحرم المكي: ح.\nح - نسخة المحمودية: مح.\nخ - نسخة الحميدية: حم (^١).\n٣ - لم أذكر أرقام اللوحات لأن الأصل وقع فيه خطأ في الترقيم.\n٤ - كتابة الآيات القرآنية بالرسم العثماني مع عزوها إلى سورها وبيان رقم الآية.\n٥ - تخريج الأحاديث: بما أن الهدف من التخريج في تحقيق تفسير ابن كثير هو الوصول إلى درجة الحديث فقد كان الضابط للتخريج هو معرفة صحة الحديث أو ضعفه (^٢).\nوراعيت في التخريج ذكر السند والمتن غالبًا، فإذا وقفت على السند والمتن فإني أنصُّ على ذلك بقولي على سبيل المثال: أخرجه البخاري بسنده ومتنه، وفي هذا التخريج زيادة توثيق وتحقيق.\nوبالنسبة للتخريج من مسند الإمام أحمد فقد كان من عدة طبعات فإذا ذكرت الجزء الأول والصفحة فقط فهو من الطبعة القديمة الميمنية، وإذا ذكرت رقم الحديث فقط فهو من طبعة الأستاذ أحمد شاكر، وإذا ذكرت الجزء والصفحة والرقم فهو من طبعة الرسالة بإشراف معالي الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي حفظه الله.\nوقد ذكرت الحكم على الحديث بالاعتماد على أقوال النقاد المعتبرين من المتقدمين، والمتأخرين، والمعاصرين.\n٦ - تخريج الآثار تخريجًا يوصل إلى درجة الحكم، وقد اعتنيت بذلك عناية خاصة لأهمية الحكم على الآثار، وقد استفدت من مقدمتي للتفسير الصحيح وأضفت الأحكام في الأسانيد التي لم ترد في التفسير الصحيح، وأعتبر هذا التخريج من المميزات التي تفردت بها هذه الطبعة عن جميع الطبعات السابقة.\n_________\n(^١) وأما رموز النسخ التي اعتمدها فضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني الأثري في الجزء الأول فهي كما يلي: النسخة الأولى: ورمزت لها بحرف \"أ\"، النسخة الثّانية: ورمزت لها بحرف \"ب\"، النسخة الثّالثة: ورمزت لها بحرف \"جـ\"، النسخة الرَّابعة: ورمزتُ لها بحرف \"د\"، النسخة الخامسة: ورمزت لها بحرف \"ز\"، النسخة السادسة: رمزت لها برمز \"ر\"، النسخة السابعة: ورمزت لها بالرمز \"س\"، النسخة الثامنة: ورمزت لها بالرمز \"ش\". النسخة التاسعة: ورمزت لها بالرمز \"ص\"، النسخة العاشرة: ورمزت لها بالرمز \"ط\"، النسخة الحادية عشرة: ورمزت لها بالرمز \"ع\"، النسخة الثانية عَشْرَةَ: ورمزت لها بالرمز \"ف\"، النسخة الثالثة عَشْرة: ورمزت لها بالرمز \"ق\"، النسخة الرَّابعة عشرة: ورمزت لها بالرمز \"ك\"، النسخة الخامسة عشرة: ورمزت لها بالرمز \"ل\"، النسخة السادسة عشرة: ورمزت لها بالرمز \"م\"، النسخة السابعة عشرة، ورمزت لها بالرمز \"ن\"، النسخة الثامنة عشرة: ورمزتُ لها بالرمز \"هـ\"، النسخة التّاسعة عشرة: ورمزت لها بالرمز \"و\"، والنسخة العشرون: ورمزت لها بالرمز \"ى\".\n(^٢) وعلى هذا المنهج اختصرت الجزء الأول من تفسير القرآن الكريم الذي قام بتحقيقه فضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني الأثري. فقد اختصرت التخريج وجعلت الهدف هو الحكم على الحديث، وقد حكمتُ على الأسانيد التي لم يذكر لها حكمًا وجعلتها بين معقوفين للتمييز.","vol":"المقدمة","page":16},{"text":"٧ - الاستفادة من مصادر المؤلف لتحرير النص.\n٨ - الاختصار في العزو إلى المصادر: إذا كان المصدر من كتب التفسير التي تكرر كثيرًا ومرتبة على سور المصحف فإني لا أذكر الصفحة والجزء كما في تفسير عبد الرزاق والطبري وابن أبي حاتم وغيره، وكذلك في النقل من تقريب التقريب لأنه مرتب على حروف المعجم، وأحيانأ أذكر الجزء والصفحة والطبعة لبيان الفوائد في التحقيق ولأُبرهن أن الحافظ ابن كثير ينقل من تفسير الطبري بالمعنى، فيكون ما كتبه من حفظه أو قد يكون اعتمد على نسخة غير النسخ الخطية التي اعتمدها معالي أ. د. التركي والأستاذ أحمد شاكر، وهذا الأمر بعيد الاحتمال.\n٩ - عزو الشعر إلى الدواوين.\n١٠ - بيان القراءات المتواترة والشاذة.\n١١ - التعليق على بعض الروايات، وإذا كانت الرواية من الإسرائيليات نبَّهت على ذلك غالبًا.\n١٢ - بيان الغريب، وإذا لم أذكر المصدر في بيان الغريب فهو غالبًا من كتاب \"النهاية\" لابن الأثير أو \"حاشية السندي على مسند الإمام أحمد\" نقلًا من المسند المطبوع بإشراف معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي.\n١٣ - ضبط ما يحتاج إلى ضبطه من الأسماء والكنى والألقاب والبلدان ونحو ذلك، مع ضبط ما يشكل من كلمات في الروايات وغيرها.\n١٤ - عزو أقوال المفسرين إلى مصادرها.\n١٥ - عمل الفهارس الفنية التي تساعد القارئ في البحث، وهي كما يلي:\nفهرس الآيات المستشهد بها.\nفهرس الأحاديث.\nفهرس الآثار.\nفهرس الأعلام.\nفهرس مصادر الحافظ ابن كثير.\nفهرس الشعر.\nفهرس الأمثال.\nفهرس البلدان.\nفهرس المصادر والمراجع.\nفهرس الموضوعات.\nوهذه الفهارس ستكون في الطبعة الثانية إن شاء الله تعالى.","vol":"المقدمة","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>أسباب تحقيق الكتاب</span>\nلقد درَّست تفسير ابن كثير مدة عشرين سنة، وفي هذه الفترة كان كثير من الزملاء الأساتذة وكثير من الطلاب الذين درّستهم في الدراسات العليا وفي كلية القرآن الكريم وكلية الحديث الشريف، يقترحون عليَّ تحقيق الكتاب والحكم على أحاديثه وآثاره، ثم ازداد هذا الاقتراح حينما نشرت كتابي \"التفسير الصحيح\"، كما طلب مني الشيخ الفاضل سعد الصميل مدير عام دار ابن الجوزي سنة (١٤١٥ هـ) أن أقوم بتحقيق الكتاب ولكني اعتذرت لانشغالي ببعض المهام العلمية، وفي سنة (١٤٢٦ هـ) أعاد عليَّ الاقتراح أن أُحقق التفسير بالاعتماد على نسخ خطية قديمة قيّمة حصل عليها، وأن يطبع الكتاب بطراز متميز.\nولما انتهيت من تلك المهام العلمية رأيت أن أقوم بهذه المهمة مستعينًا بالله تعالى واستجبت لذلك الطلب، وجمعت ما كتبته من التعليقات والتخريجات والدراسات حول تفسير ابن كثير، وكان من أسباب تحقيق هذا الكتاب أن الآثار الواردة فيه تبلغ ألوف الروايات لم يحكم عليها المحققون.\nومن الأسباب المهمة التي تشجع على إعادة تحقيق الكتاب وقوع بعض الأخطاء في جميع الطبعات بسبب التأثر بالطبعات السابقة، فيتكرر الخطأ في الطبعات اللاحقة بالاعتماد على الطبعات السابقة، وهذه بعض النماذج التي وقفت عليها:\n١ - في تفسير سورة النساء آية [٩٥] عند قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فقد سقط تفسير ابن عباس ﵄ وهو قوله: \"أهل العذر\".\n٢ - وكذا في تفسير قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة] فقد ذكر الحافظ رواية عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا بلفظ: \"أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر\" ثم ذكر رواية أصح بلفظ: \"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر\" وفي جميع الطبعات وردت الروايتان بلفظ: \"كلمة حق\" وهو خطأ في الرواية الأولى وصحيح في الثانية.\n٣ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] نقل الحافظ ابن كثير عن الإمام أحمد رواية من حديث عبد الله بن عمر ﵄ وقد صُحفت في جميع الطبعات إلى: عبد الله بن عمرو.\n٤ - وفي تفسير سورة التوبة آية [٣٢، ٣٣] وقع تصحيف في كل الطبعات في اسم رجل ورد باسم: ابن حذيفة فصُحف إلى: أبي حذيفة كما في (ص ٤٠) في الحاشية رقم (٤)، والرواية في المسند وردت بدون تصحيف (المسند ٣٩/ ٣٦ - ح ٢٣٨١٤).","vol":"المقدمة","page":18},{"text":"٥ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة] نقل الحافظ ابن كثير رواية الإمام مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللّات والعزّى\" فقلت: يا رسول الله إن كنت لا أظن حين أنزل الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ أن ذلك تام.\nكذا في جميع الطبعات، والصحيح: تامًّا، كما في صحيح مسلم.\n٦ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١]، ورد شعر ثم ذكر بعده لفظ: (كما قال الآخر) كذا في النسخ الخطية وجميع الطبعات وهو خطأ، والصواب أن يقال: كما قال الشاعر أو الراجز، والسبب في ذكر الآخر أنه التبس مع ما يليه لأنه قال: (قال الآخر) ثم ذكر له شعرًا.\n٧ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف]، ذكر الحافظ ابن كثير رواية من طريق حماد بن سلمة عن عاصم الأحول عن عزرة، وقد حُرفت في النسخ الخطية وجميع الطبعات إلى: عاصم بن أبي النجود عن عروة.\n٨ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١] وردت رواية الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال يعني: \"ولي السلطان يكون عليه الحرس\" فقد ورد في جميع الطبعات بلفظ: \"الشيطان\" إلا في طبعة الحلبي.\n٩ - وكذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد] فقد أخرج الإمام أحمد حديثًا بسنده عن أبي أيوب ﵁ مرفوعًا: (أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح والسواك والختان) فورد في النسخ الخطية وجميع الطبعات بلفظ: (الحناء) بدل: (الختان)، وهو تصحيف.\n١٠ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم]، ذكر الحافظ ابن كثير رواية من طريق الربيع بن أنس عن كعب، كذا في النسخ الخطية وجميع الطبعات، والصواب: من طريق الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب، وهو طريق مشهور يتكرر كثيرًا جدًا في كتب التفسير بالمأثور.\n١١ - في تفسير قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا﴾ [الحجر: ٢]، نقل الحافظ رواية عن الطبري من طريق ابن أبي جروة العبدي عن ابن عباس وأنس بن مالك، وقد صُحفت في النسخ الخطية وجميع الطبعات إلى \"ابن أبي فروة\".\n١٢ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وردت رواية الطبري بسند من طريق حُديد أبي الخطاب، وقد صحف إلى جرير أبي الخطاب في كل الطبعات والتصويب من النسخة الأم ومن طبعة تفسير الطبري المحققة. وهذه من مزايا هذه النسخة المعتمدة في التحقيق لتفسير ابن كثير.","vol":"المقدمة","page":19},{"text":"• ومن الأسباب أيصًا أن النسخة المعتمدة تفرّدت ببعض المزايا كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ [يوسف] فقد ورد في تفسير ابن مسعود ﵁ بلفظ: \"ما رأى صاحبا يوسف شيئًا، إنما كان تحالما ليجربا علمه\" فقد ورد في كثير من النسخ الخطية وتبعتها جميع الطبعات بلفظ: \"ليجربا عليه\" والصواب ما أثبت كما في التخريج من المصادر الأصلية القديمة، وينظر أيضًا في سورة الرعد آية [٣٨، ٣٩] رواية الإمام أحمد عن أبي أيوب ﵁، وسورة التوبة آية [٣٣] في آخرها رواية الإمام مسلم.","vol":"المقدمة","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>الفصل الأول ترجمة مختصرة للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى</span>\nإن الشذرات المذكورة في المقدمة من النشاط العلمي في تصنيف التفسير تفصح عن الجهود التي بذلت في القرون السبعة الأولى الهجرية، وتتجلى فيها الهمم العالية لأرباب الأقلام التي حبَّرت تلك الكتب التي استفاد منها الحافظ ابن كثير مباشرة أو بواسطة كما استفاد من غيرها؛ لأن تفسيره اشتمل على أكثر من مائتين وخمسين مصدرًا.\nوقد ساعد الحافظ ابن كثير على هذه الاستفادة من ذلك النشاط العلمي موقع بلده بين أربع حضارات عريقة إذ تقع بلاد الشام بين العراق ومصر والجزيرة العربية وتركيا مركز الدولة العثمانية.\nلقد أطلَّ الحافظ ابن كثير من نافذة دمشق إلى تلك الحضارات المجاورة واطلع على التفاسير المذكورة سابقًا فانتقى منها اللباب وجمع منها ما لذّ وطاب، وأتى بالعجب العجاب، وأكبر دليل على ذلك قبول الأُمة لكتبه عامة وتفسيره خاصة. هذا التفسير الذي طار في كل مطار وكثر قصّاده في الأقطار، وارتشف من رحيقه طلاب العلم الكبار والصغار، حتى بلغت طبعاته العشرات لفترة عشرات السنوات، منذ سنة (١٣٠٠ هـ) طبعة بولاق في مصر وإلى عامنا هذا في هذه الطبعة الجديدة، ويستنتج من كثرة الطبعات إقبال القراء على هذا الكتاب وكثرة اقتنائهم له، ولا شك أن هذا الإقبال والقبول يدل على القيمة العلمية للكتاب، ونجاح مؤلفه في منهجه في التفسير.\nوقبل التعرف على منهجه والقيمة العلمية أذكر ترجمة مختصرة للحافظ رحمه الله تعالى.\nفمن هو الحافظ ابن كثير؟\nهو فقيه المفسرين ومفسر المحدثين، وأديب المؤرخين وخطيب الشاميين، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي (^١).\nوصفه الإمام الذهبي: بالإمام الفقيه المحدث الأوحد البارع (^٢).\nووصفه الحافظ ابن حجر فيما نقله عن الإمام الذهبي بقوله: الإمام المفتي المحدث البارع فقيه متفنن محدث متقن مفسر (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: \"البداية والنهاية\" (٤/ ٣٣، ٣٤)؛ و\"تاريخ ابن قاضي شهبة\" (٣/ ٤١٦)؛ و\"طبقات المفسرين\" للسيوطي، رقم (١٦١).\n(^٢) \"المعجم المختص\" (ل ٢٤ ب) صورة في الجامعة الإسلامية عن المكتبة الناصرية برقم (١٥٢).\n(^٣) \"الدرر الكامنة\" (١/ ٥٧٤).","vol":"المقدمة","page":21},{"text":"* ولادته ونشأته وعائلته:\nولد الحافظ ابن كثير في مطلع القرن الثامن سنة (٧٠١ هـ) على الراجح (^١) في منطقة بُصرى قرب دمشق، وقد نشأ في عائلة علمية مرموقة، إذ اتسمت عائلة الحافظ ابن كثير بقيادة المنابر ورفع لواء العلم، فقد تسلم أبوه أحد منابر العلم إذ كان خطيبًا (^٢)، ومن أعضاء عائلته الذين تأثر بهم: أخوه الأكبر عبد الوهاب الذي أخذ عنه الحافظ وحظي برعايته والاستفادة من علمه بعد وفاة أبيه، وخصوصًا أن أباه قد توفي مبكرًا سنة (٧٠٣ هـ) وعمر الحافظ سنتان.\nومن عائلته زوجته الصالحة زينب بنت يوسف المزي وكانت حافظة للقرآن الكريم، قرأت القرآن على أُمها عائشة بنت صديق زوجة الشيخ جمال الدين المزي، وأُمها قرأت على الشيخة الصالحة العابدة الناسكة فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح بن محمد البغدادية (^٣).\n* طلبه للعلم:\nقضى الحافظ ابن كثير ست سنوات في بُصرى ثم انتقل إلى دمشق سنة (٧٠٧ هـ)، وقد بدأ الحافظ طلبه للعلم بحفظ القرآن الكريم وأتمَّ حفظه ولم يتجاوز العاشرة من عمره، إذ ختم القرآن الكريم في سنة إحدى عشرة وسبعمائة على الشيخ المقرئ المحدث أبي عبد الله محمد بن حسين بن غيلان الحنبلي (ت ٧٣٠ هـ)، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تأريخه، ووصفه بالشيخ الصالح العابد الناسك الخاشع إمام مسجد السلالين (^٤).\nثم أخذ عن الشيخ محمد بن جعفر بن فرعوش ابن اللباد (ت ٧٢٤ هـ) فقرأ عليه شيئًا من القراءات (^٥).\nويعتبر حفظ القرآن دعامة أساسية لمن يريد أن يلج باب التفسير وخاصة في تفسير القرآن بالقرآن حيث يسهل عليه استحضار الآيات التي تفسر بعضها بعضًا، ويعرف ما تقدم تفسيره فيسهل عليه الوقوف على تكرار بعض الألفاظ والآيات بسهولة، كما يسهل عليه سياق الروايات حيث يرتب الروايات التي سمعها أو كتبها حسب علاقتها بالآي القرآني، فمتى ما أراد مراجعتها فباستحضاره الآية يستطيع أن يستحضر الروايات المتعلقة بها.\nوالعجيب أن الحافظ ابن كثير ترجم للحافظ برهان الدين الدمياطي (ت ٧٠٥ هـ) ووصفه بقوله: شيخنا العلامة برهان الدين الحافظ الكبير الدمياطي، حامل لواء هذا الفن -أعني صناعة الحديث وعلم اللغة- في زمانه مع كبر السن والقدر، وعلو الإسناد وكثرة الرواية، وجودة الدراية، وحسن\n_________\n(^١) إن تحديد سنة مولد الحافظ ابن كثير اختلف فيه الذين ترجموا له إلى عصرنا الحاضر فمنهم من قال: إنه في سنة (٧٠٠ هـ)، وبعضهم جعله في سنة (٧٠١ هـ)، وبعضهم قال: إنه في (٧٠٢ هـ)، ومنهم من قال: إنه في سنة (٧٠٣ هـ)، والقول الفيصل ما قاله الحافظ ابن كثير عن نفسه فهو أدرى من غيره على الإطلاق فقد صرح أنه ولد سنة (٧٠١ هـ) بل كتب ذلك بخط يده كما وجدته في ثبت النذرومي \"الأعلام للزركلي\" (١/ ٣٢٠).\n(^٢) ينظر: \"البداية والنهاية\" (١٤/ ٣١ - ٣٣).\n(^٣) ينظر: \"البداية والنهاية\" (١٤/ ٧٢).\n(^٤) ينظر: \"البداية والنهاية\" (١٤/ ١١٨).\n(^٥) ينظر: المصدر السابق.","vol":"المقدمة","page":22},{"text":"التأليف وانتشار التصانيف، وتردد الطلبة إليه من سائر الآفاق (^١).\nفإذا ثبت ذلك أنه شيخه فيدل أنه قد أخذ علم الحديث الشريف مبكرًا جدًا وهو في سن الرابعة من عمره.\nويكون بذلك قد بدأ بتعلم القرآن الكريم والسنة المشرفة مبكرًا جدًا ليمتلأ قلبه بالنور والهداية، إنها بداية عظيمة وانطلاقة حكيمة حظي بها الحافظ بتدبير من الله تعالى لتهيئة هذا الحافظ لمهمة عظيمة كما سيأتي ذكره في أعماله ومصنفاته.\nوفي العقد الثاني من عمره أخذ ينهل مبكرًا من كبار علماء دمشق في شتى العلوم ومنها أنه تدرب على الكتابة بالأخذ عن الشيخ نجم الدين موسى بن علي بن محمد الجيلي ثم الدمشقي، فقد وصفه في تاريخه بقوله: الكاتب الفاضل المعروف بابن البصيص، شيخ صناعة الكتابة في زمانه، وقد أقام يُكتِّب الناس خمسين سنة، وأنا ممن كتب عليه أثابه الله. اهـ. وقد ذكره ضمن الذين ماتوا سنة (٧١٦ هـ)، وقد يكون هذا التدريب في العقد الأول من عمره (^٢).\nوكذلك في هذه الفترة من عمره أخذ عن الشيخ عيسى بن المطعم (ت ٧١٩ هـ) الذي اشتهر بسماعه لصحيح البخاري (^٣).\nكما سمع مبكرًا أيضًا سنة (٧٢٤ هـ) صحيح مسلم من الوزير العالم محمد بن محمد الغرناطي الأندلسي في تسعة مجالس على الشيخ العلامة نجم الدين العسقلاني (^٤)، وسمع سنن الدارقطني من الشيخ الحافظ أبي زكريا محيي الدين يحيى بن الفاضل جمال الدين الشيباني الشافعي (ت ٧٢٤ هـ) (^٥).\nوقد واكب هذه القراءة والحفظ للقرآن والسنة سلوك عملي يتحرك في شخصية الحافظ ابن كثير منذ صغره، حيث أدرك شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) وحظي بالتفقه عليه، وتأثر بشخصيته وعلمه وعمله، وكان معجبًا بمقدمة شيخ الإسلام في أصول التفسير، ولهذا توّج بها مقدمة تفسيره، ولم ينسبها إلى شيخ الإسلام ليستفيد منها أكبر عدد ممكن من الناس لأن البعض كان لا يعرف حقيقة شيخ الإسلام ابن تيمية بل كان التشويش حول شيخ الإسلام يعتري أسماع بعضهم، ومن هنا تتجلى شخصية الحافظ ابن كثير منذ ريعان شبابه لأنه تأثر بذلك الإمام المجدد.\nقال الحافظ ابن حجر: وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه وامتحن لسببه (^٦)، وخصوصًا عندما أفتى في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، كما حظي بملازمة الحافظ المزي وقرأ عليه \"تهذيب الكمال\" وصاهره على ابنته (^٧).\nوقد أخذ أيضًا عن كبار شيوخ الشام آنذاك كالحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، وابن الشحنة (ت ٧٢٠ هـ)، والفزاري (ت ٧٢٩ هـ)، وابن قاضي شهبة (ت ٧٢٦ هـ)، والإمام الأصولي شمس الدين\n_________\n(^١) \"البداية والنهاية\" (١٤/ ٤٠).\n(^٢) \"البداية والنهاية\" (١٤/ ٧٥ - ٧٩).\n(^٣) ينظر: \"معجم الشيوخ\" للإمام الذهبي (ل ١٠٩).\n(^٤) ينظر: \"البداية والنهاية\" (١٤/ ١٤٩).\n(^٥) ينظر: \"البداية والنهاية\" (١٤/ ١١٥).\n(^٦) \"الدرر الكامنة\" (١/ ٣٧٤).\n(^٧) ينظر: المصدر السابق.","vol":"المقدمة","page":23},{"text":"محمود بن عبد الرحمن الأصبهاني (ت ٧٤٩ هـ)، وغيرهم كثير، وقد سرد ذكرهم في البداية والنهاية حسب تاريخ وفياتهم. إضافة إلى أولئك فقد رافق جمعًا من الفقهاء في رحلته إلى الحج (^١)، ولا شك أن هذه الرحلة زادته اطلاعًا على الفتاوى وخصوصًا ما يخص المناسك.\nإن هذه المسيرة والمصابرة في طلب العلم والجثو على الركب بين أيدي العلماء الأكابر أعطى الحافظ ابن كثير علمًا غزيرًا، وفهمًا كبيرًا، وعلومًا كريمة، وفهومًا حكيمة جعلته يتربع الكراسي العلمية في أشهر جوامع الشام كالجامع الأموي، وجامع تنكز، ومسجد ابن هشام، كما قام بالتدريس في المدرسة النجيبية والعزية والنورية، ثم بلغ مرتبة كبار النقاد الحفاظ إذ تولى مشيخة أُم الصالح والمشيخة التنكزية بعد الإمام الحافظ الذهبي (^٢).\nوتتجلى جوانب أخرى من شخصية الحافظ ابن كثير بالنظر في إنتاجه العلمي من المصنفات المتميزة في موضوعاتها النافعة، ومنهجيتها البارعة، ومحتوياتها الماتعة، وموسوعيتها الجامعة، وعلى سبيل المثال في تفسيره نرى القيمة العلمية العالية، وكذا بقية كتبه فكتابه جامع المسانيد حاول فيه جمع حديث الرسول ﷺ، وكتابه البداية النهاية أرخ فيه من بدء الخلق إلى زمانه ويعتبر من التواريخ المعتمدة والمعتبرة في منهجه وموسوعته وقوة مصادره وسهولة أسلوبه، إن هذا الإنتاج الكثير والتنوع المنير ذاع صيته في الآفاق وكثر قصاده حتى بلغت كتبه بلاد خراسان وتبريز وقصده طلاب العلم من تلك البلاد (^٣)، وهذا ينطق ويفصح عن مقام مؤلفه العلمي ويظهر مكانته المرموقة.\nوإذا تفحصنا مؤلفات الحافظ ابن كثير نراها ذات طابع موسوعي في كثير من مؤلفاته كالتفسير، والسيرة النبوية، وجامع المسانيد، والبداية والنهاية، وطبقات الفقهاء الشافعيين وغيرها، ولقد أدرك الحافظ خطورة الهجوم على العلوم بتدمير وإحراق وإغراق الكتب، كهجوم التتار والحملات الصليبية والخلافات المذهبية، لذا انبرى لحفظ الكثير من الكتب في بطون تلك الموسوعات النفيسة.\nأما عن عدد مؤلفات الحافظ ابن كثير فقد أحصاها ووصفها فضيلة الدكتور محمد بن عبد الله بن صالح الفالح فلا داعي لسردها وقد ذكر (٦٩) مؤلفًا (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: \"البداية والنهاية\" (١٤/ ١٥٤).\n(^٢) ينظر: \"ذيل تذكرة الحفاظ\" (ص ٥٨، ٥٩).\n(^٣) ينظر: \"البداية والنهاية\" (١٤/ ٢٩٤).\n(^٤) \"حياة ابن كثير وكتابه تفسير القرآن العظيم\" (ص ٤٠ - ٦٣).","vol":"المقدمة","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>الفصل الثاني دراسة مختصرة للتفسير</span>\n<span data-type='title' id=toc-6>المبحث الأول منهج الحافظ ابن كثير في التفسير</span>\nسلك الحافظ ابن كثير منهجًا علميًا دقيقًا في إيراد التفسير فتناول جميع ضروب البيان، وأذكرها مرتبةً حسب أهميتها، وهي كما يلي:\nأولًا: تفسير القرآن بالقرآن:\nحرص الحافظ ابن كثير أن يصدر تفسيره بالبيان القرآني، وهو منهج مثالي قد رسمه الإمام الشافعي في كتابه القيم \"الرسالة\" وجعله البيان الأول من أنواع البيان، وتبعه أفذاذ المفسرين وأكّد على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمته الشهيرة في أصول التفسير، وقد توّج بها الحافظ ابن كثير مقدمة تفسيره، وأخذ بهذا المنهج في بداية كل تفسيره فكلما وجد آية مبيّنة للآية التي يريد تفسيرها فإنه يوردها ويصرح بها، بل ويذكر مرادفاتها ليوضح المعنى بالآيات القرآنية، وقد يشير إلى تفسير القرآن بالقرآن ولا يصرح كما في تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ [الإسراء] فقال الحافظ: وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات. اهـ. فهذه إشارة إلى الآيات التي فيها الإطلاق مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وكقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥]، وفي هذا تنشيط للقارئ بأن يبحث عن هذه الآيات.\nوتفسير القرآن بالقرآن له أهميته وقيمته العلمية، وتتجلى فيما يلي:\n١ - أهميته في أمر التدبر فكلما جال النظر والفكر في تفسير القرآن بالقرآن زاد تدبرًا وتأثرًا.\n٢ - أجمع العلماء على أنه أحسن طرق التفسير، وذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاه الزركشي في البرهان والسيوطي في الإتقان ومن بعدهم.\n٣ - السهولة وخصوصًا في البيان المتصل، لأنك تجد تفسير الآية في لاحقها في آية أو في بضع آيات.\n٤ - يضع الحد الفيصل للخلاف في تفسير بعض القضايا، كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى","vol":"المقدمة","page":25},{"text":" (٧)﴾ [الضحى] يفسرها قوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وكذلك تفسير ﴿الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] فهو الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ [الإخلاص]، وكلا المسألتين فيهما خلاف طويل قل من يصل إلى القول الراجح فيهما.\n٥ - يفتح آفاقًا لمن ينشد التفسير ويكون مستنده فيها قويًا، وذلك في التفسير الموضوعي والتحليلي والفقهي.\nمن أجل ذلك فإن الحافظ ابن كثير حرص على هذا المنهج العلمي.\nثانيًا: التفسير النبوي:\nاعتنى الحافظ بالبيان النبوي حسب منهج شيخه ابن تيمية وإمامه الشافعي، ولو أحصينا الأحاديث التي سردها الحافظ ابن كثير في تفسيره لبلغت ألوف الأحاديث، ولا غرابة من ذلك فقد تميز التفسير النبوي في أهميته الكبرى في التفسير، ومن معالم أهميته ما يلي:\n١ - أنه وحي يوحى، فكما أن القرآن وحي فكذلك البيان النبوي وحي.\n٢ - أن النبي ﷺ مكلف من عند الله أن يبين لصحابته ما يحتاجونه من البيان، وكان يبين لهم على قدر الحاجة؛ لأنهم لا يحتاجون تفسير كل آية فهم من أعرق القبائل العربية.\n٣ - دقة فهم النبي ﷺ لتفسير القرآن، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يدارس جبريل في كل رمضان، من حيث التنزيل واللفظ والتلاوة والبيان والناسخ والمنسوخ، فيكون قد دارس جبريل القرآن أربعًا وعشرين مرة.\n٤ - الغزارة التي وردت من هذا النوع كثيرة ولم تحص، وما ورد عن عائشة ﵂ قالت: (ما كان النبي ﷺ يفسر شيئًا من القرآن إلا آيًا بعدد علمهن إياه جبريل ﵇) فضعيف ولا يصح ومنكر، وردَّ الطبري على من قال هذا القول، ووصفه بالغباء، وضعفه أيضًا الحافظ ابن كثير في المقدمة، واعلم أن هذه الروايات التفسيرية المرفوعة وما في حكم الرفع تبلغ المئات.\n٥ - أن الحديث الشريف الواحد قد يُبيِّن عشرات الآيات، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة] هو الإسلام كما بينه رسول الله ﷺ، وورد ذكر الصراط المستقيم في القرآن عشرات الآيات، فيكون قد بيَّن تفسير جميع تلك الآيات.\n٦ - أن بعض الآيات لا يمكن أن تُفهم بدون البيان النبوي، مثاله في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة].\nيقول الشوكاني ﵀ عن هذه الآيات: قال مكي: (هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعرابًا ومعنًى وحكمًا. قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له النتاج في","vol":"المقدمة","page":26},{"text":"تفسيرها، وذلك في كتابه ﵀ -يعني في كتاب مكي- قال القرطبي: ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضًا. قال السعد في حاشيته على الكشاف: واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابًا ونظمًا وحكمًا). ا هـ (^١).\nونقل الحافظ ابن حجر عن أبي إسحاق الزجاج: (هذا الموضع من أصعب ما في القرآن إعرابًا)، قال الشهاب السمين: (ولقد صدق والله فيما قال).\nوقال السخاوي: لم أر أحدًا من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها.\nوقال الواحدي: وهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن معنى وإعرابًا (^٢).\nولكن بالرجوع إلى الرواية النبوية الشريفة يفهم المعنى، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا من فضة مخوصًا من الذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ ثم وجد الجام بمكة فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] (^٣)، واستنادًا على هذا الحديث يكون اختيار وجه الإعراب، فيزول الإشكال باختيار ذلك الوجه من الإعراب.\nومثال آخر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وقوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤]. فإن بيانه من الحديث المتفق عليه الذي سيأتي ذكره عند تفسير هذه الآيات، فقد بيّن ذلك الحديث سبب قول موسى لفتاه: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ …﴾ وهذه الأحاديث قد يسبقها تفسير قرآني ويلحقها بيان الصحابة ﵃.\nمنهجه في إيراد الأحاديث الشريفة:\nيعتني الحافظ ابن كثير بإيراد الأحاديث الشريفة من مسند الإمام أحمد والكتب الستة والموطأ وغيرها من الكتب المسندة، ويعتمد على الأحاديث الصحيحة، وأحيانًا يسوق حديثًا واحدًا أو أكثر لبيان الآية.\nوأحيانًا يأتي بعشرات الأحاديث في تفسير آية واحدة، فعلى سبيل المثال أطال الحافظ ابن كثير النفس في سرد روايات الإسراء والمعراج، وقد يستغرب القارئ من هذه الإطالة، ولكن إذا عرف السبب بطل العجب. فالحافظ ابن كثير له في ذلك مآرب سديدة وغايات رشيدة، فمن المعروف أن قصة الإسراء والمعراج دارت بها الألسن وكثرت فيها الحكايات والروايات فأراد الحافظ ابن كثير أن يفرق بين الصحيح والسقيم، وأن يكشف علل الروايات الضعيفة، فساق روايات صحيحة متواترة وروايات ضعيفة متناثرة، وذلك من كتب الصحيحين والسنن والمسانيد\n_________\n(^١) \"فتح القدير\" (٢/ ٨٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٤١٠).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"المقدمة","page":27},{"text":"والتفاسير وغيرها فما كان في الصحيح لم يحكم عليه وما كان في غيره فإنه يحكم عليه عن طريق الإسناد أو عن طريق بيان نكارة المتن، فإذا لم يذكر ذلك فإنه يردفه بالشواهد. وهذه الصناعة من مآربه فهو حينما يتقصى الروايات فإنه يريد أن يجمع جزئيات قصة الإسراء والمعراج لأنها متفرقة ومنثورة في عشرات الروايات وبذلك تظهر القصة متكاملة بجزئياتها، ومغربلةً بنقد أسانيدها ومتونها.\nوأحيانًا يذكر عدة روايات متشابهة ليبين الغريب، وأما ما عرضه من طرق كثيرة مروية عن جمع من الصحابة ليبرهن التواتر الوارد في هذه القصة، إنه منهج دقيق في النقد.\nوهكذا فلو تتبعنا مواطن سرد الأحاديث وكثرة إيرادها نجد لذلك منهجًا علميًا دقيقًا، وأحيانًا يصنع ذلك لتشنيف الأسماع، ولفت الأنظار إلى أهمية ذلك الموضوع الذي تناولته تلك الأحاديث مثل موضوع: الكبائر، والإنفاق في سبيل الله تعالى ونحوه.\nوقد يقال: إنه يسوق بعض الأحاديث الضعيفة، فإن ذلك له أسبابه فإنه إما ليؤكد أنه ضعيف الإسناد وأن الرأي الذي يستشهد به هو مرجوح، أو أنه يذكر الضعيف ثم يذكر له الشواهد ليبرهن على تقويته، وأحيانًا يسوق الحديث الضعيف لأن بعض العلماء قد استشهد به كما في تفسير سورة الإسراء آية [١٦].\nثالثًا: تفسير الصحابة ﵃:\nبما أن الصحابة ﵃ هم أعرف الناس في التفسير بعد النبي ﷺ فقد اعتمد الحافظ على تفاسيرهم، وأكثر النقل عنهم حتى بلغت النقول عنهم ألوف الروايات، فعلى سبيل المثال نقل عن ابن عباس ﵄ (١٧١٦) أثرًا (^١)، ومن أوجه أهمية تفسير الصحابي:\n١ - أن أقوالهم في أسباب النزول لها حكم الرفع، وكذلك أقوالهم في الأمور الغيبية غير الإسرائيليات لها حكم الرفع.\n٢ - أنهم من أعرق القبائل العربية وقد نزل القرآن بلغتهم، فلهم قدرةٌ على فهم القرآن واستنباط الأحكام.\n٣ - حجية قول الصحابي في التفسير وخصوصًا إذا لم يعارضه صحابي آخر أعلم منه في التفسير، وهذه الحجية متفاوتة بتفاوت علمهم بالتفسير، ففي المرتبة الأولى: الخلفاء الأربعة، والمرتبة الثانية: المكثرون كابن عباس وابن مسعود وأبي هريرة، وعائشة ﵃ أجمعين.\nومما يدل على تفاوت الصحابة في التفسير: إدخال عمر بن الخطاب لابن عباس ﵄ مع أشياخ بدر في مجلسه، وسؤاله عن مطلع سورة النصر كما سيأتي في تفسيرها.\n٤ - بعض هؤلاء الصحابة بل الكثير منهم حظي بكتابة الوحي، وهذا يساعد على بيان الناسخ والمنسوخ وبيان المشكل، وتقييد المطلق، وتخصيص العام، والمكي والمدني، وكتابة القرآن الكريم وقت نزوله يعين على فهمه.\n_________\n(^١) حسب إحصائية فضيلة الدكتور محمد بن عبد الله الخضيري في كتابه القيم \"تفسير التابعين\".","vol":"المقدمة","page":28},{"text":"٥ - قوة استنباط الصحابة كما سنري رأي ابن عباس في تفسير سورة النصر.\n٦ - أن النبي ﷺ قد دعا لبعض هؤلاء كما دعا لعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود ﵃.\n٧ - خلو تفاسيرهم من التأويل المذموم.\n٨ - قوة منجهيتهم ومنها النقد المبكر والتثبت من الرواية.\nفنرى قوة النقد عند الصحابة، في نقدهم للآخرين من التابعين أو من صغار الصحابة، وهذا المنهج أثرى علم التفسير بالتحذير من الرواة الضعفاء، وتصحيح أخطاء التلاميذ المفسرين بتمييز الضعفاء وبعض الروايات الغريبة والمرجوحة.\nفروى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي -كان يعتني بقراءة كتب أهل الكتاب- يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل فقال ابن عباس: كذب عدو الله.\nوسيأتي هذا الحديث في تفسير سورة الكهف آية [٦٠].\nوصحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فأجاب سعيد بن جبير: قربى آل محمد. فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم قرابة (^١).\nوقال معاوية بن أبي سفيان لكعب الأحبار: أنت الذي قلت أن ذي القرنين ربط فرسه بالثريا؟\nوقال ابن عباس: كذبت اليهود بأن إسحاق هو الذبيح.\nوقال ابن عباس: إذا جاءنا الثبت عن أبي الحسن لم نعدل به.\nوإضافة إلى اهتمام الحافظ ابن كثير وعنايته بإيراد تفاسير الصحابة فقد تفنن في إيراد أقوال الصحابة، فهو تارة يسوق قول الصحابي مسندًا مختصرًا بذكر الطريق كطريق الضحاك عن ابن عباس، وطريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وطريق العوفي عن ابن عباس، وذلك لبيان نقد السند، وقد حكم على هذه الطرق وغيرها الحافظ ابن حجر في مقدمته النفيسة لكتابه القيم (العجاب في بيان الأسباب) فقد حبَّر تلك القطعة النقدية التي لا يستغني عنها طالب العلم وخصوصًا المتخصص في علم التفسير.\nوأحيانًا يذكر طريقًا ضعيفًا عن الصحابي ثم يردفه بشاهد من الشعر الأصيل كما فعل في مطلع تفسير سورة الأنفال فقد ساق طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: \"الأنفال\": الغنائم، ثم ساق الشعر عن لَبِيد ﵁:\nإن تقوى ربنا خير نفل … وبإذن الله ريثي وعجل\nوبهذا فقد سلك مسلكًا ذكيًا في اختصار السند وذكر الطريق كي يتبين درجته من الصحة، وهذا في غاية الإتقان والبيان.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب التفسير، عند تفسير هذه الآية.","vol":"المقدمة","page":29},{"text":"رابعًا: تفسير التابعين:\nإن طبقة التابعين من المفسرين أخذت التفسير عن الصحابة ﵃ فقد روى التفسير عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح كلهم رووا عن ابن عباس ﵄، وكذلك أخذ أبو العالية عن أُبي بن كعب، كما أخذ كل من مسروق ومُرّة الهمداني وعَبيدة السلماني عن ابن مسعود ﵁، وقوة تفاسيرهم تأتي بعد الصحابة ﵃ ولهذا اعتمد الحافظ ابن كثير على تفاسيرهم وأكثر النقل عنهم، وذلك للقيمة العلمية لأقوالهم، ومن وجوه القيمة العلمية ما يأتي:\n١ - قول النبي ﷺ: \"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم … \".\n٢ - أن التابعين لهم روايات في أسباب النزول لها حكم الرفع، وذلك إذا جاءت روايات بأسانيد ثابتة عن أكثر من تابعي فإنها تقوي بعضها بعضًا ويكون لها حكم الرفع.\n٣ - إذا وردت الرواية الضعيفة عن الصحابي فإن الرواية الصحيحة عن التابعي تقويها وتكون كالشاهد لها، وخصوصًا إذا كان التابعي تلميذًا لذلك الصحابي.\n٤ - غزارة أقوالهم في التفسير: ففي تفسير الطبري توجد (١٨٨٥٤) رواية، ذكرها فضيلة د. محمد بن عبد الله الخضيري في كتابه تفسير التابعين، وهو أفضل من كتب في دراسة منهج التابعين المفسرين.\n٥ - ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (طالعت مائة كتاب في التفسير لم أجد فيه تأويلًا عن الصحابة والتابعين).\nخامسًا: التفسير اللغوي:\nإن الاستفادة من المصادر السابقة أغنت الحافظ ابن كثير لأن أغلب الاستفادة من التفسير اللغوي في مجال غريب القرآن، وقد تناولت المصادر السابقة كثيرًا من غريب القرآن يروي بعضه عن النبي ﷺ ويروي كثيرًا منه عن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وأغلبهم من قبائل عربية عريقة أو من علماء لهم دراية عظيمة باللغة العربية، ومع هذا فإن الحافظ ابن كثير أثرى تفسيره بالبيان اللغوي، مستشهدًا بالشعر العربي نقلًا من دواوين الشعر الأصيلة، أو أنه يفسر مضمنًا أساليب الأعراب فيجعله كالملح في الطعام في تذوقه وفي قلته وعند الحاجة دون إفراط أو تفريط، كما سنرى في تفسير البسملة في بيان لفظ الجلالة الله فقد نقل أقوال أساطين اللغة كالخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه، وبرهن على أنه مشتق واستشهد بالشعر وهكذا في ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة] وتفسير سورة الفاتحة كما سيأتي في بداية تفسيره.\nوقد كان منهج الحافظ ابن كثير فيما تقدم في غاية الدقة إذ راعى ضوابط التفسير اللغوي، فهو لا يتسارع إلى اللغة قبل الأثر، فقد حذر من ذلك كبار المفسرين:\nقال الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره في سياق كلامه عن ضوابط التفسير اللغوي وهو يحذر: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية، كثر غلطه،","vol":"المقدمة","page":30},{"text":"ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي … والنقل والسماع لابدّ له منه في ظاهر التفسير أولًا، لِيُتَقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع.\nوقد ذكر مثل هذا التنبيه المحدث ابن الأثير الجزري في كتابه \"جامع الأصول\" في بداية الجزء الثاني وفيه كتاب \"التفسير\".\nوقد يُلاحظ أن الحافظ ابن كثير لا يهتم بالإعراب واللغة كاهتمامه بالرواية، وهذا صحيح فإن الرواية هي أساس التفسير وتحت لوائها ينضوي علم أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والتفسير النبوي، وتفاسير الصحابة والتابعين، ثم يثني باللغة والإعراب ويجعلها كالملح في الطعام، ويحتاج القارئ إلى تذوق ذلك حتى يرى هذا الاهتمام الثاني، فهو أحيانًا يسوق التفسير معتمدًا على الإعراب كما في قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] قال الحافظ: تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح. اهـ. فهذه الصياغة مبنية على الإعراب بأنه منصوب على الإغراء، ويستنبط من ذلك أن الحافظ ابن كثير لم يترك التفسير اللغوي بل اعتمده بعد الأثر.\nإضافة لذلك فإن كثيرًا من غريب القرآن يأخذه من المفسرين من الصحابة ﵃ والتابعين ﵏.\nهذا بالنسبة لمنهج الحافظ ابن كثير في جمعه بين ضروب البيان، وإضافة إلى ذلك فقد كان من منهجه تحرّي المصادر التي يرجع إليها، فكان إذا رجع إلى نسخة ضعيفة فإنه يصرح بذلك وهذا من الأمانة العلمية، فقد نقل رواية من كتاب مغازي الأموي ضعَّف إسنادها ثم قال: كذا كتبته من نسخة مغلوطة، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ …﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٧] تحت عنوان: ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵊، وهو الصحيح المقطوع به.","vol":"المقدمة","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>المبحث الثاني منهج الحافظ في الترجيح</span>\nعند سياق الاختلاف بين المفسرين فإن الحافظ ابن كثير ينبري إلى دراستها وينتقي أقواها ويرجح أعلاها بالأدلة الثابتة والاعتماد على القواعد الراسخة. فقد اطلعت على ترجيحاته كلها ورأيتها منتظمة في الوجوه والقواعد التالية (^١).\n١ - الترجيح بالنظائر من الآيات، مثاله: في سورة البقرة آية (٦).\n٢ - إذا أثبت الحديث وكان نصًّا في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره، مثاله: في تفسير سورة آل عمران آية (١٨٠).\n٣ - إذا صحَّ سبب النزول الصريح فهو مرجح لما وافقه، كما في سورة النساء الآية رقم (٢٤).\n٤ - استدلاله بالشعر، كما في سورة النساء الآية رقم (٣).\n٥ - دلالة سياق الكلام، كما في سورة النساء الآية (١٥٩).\n٦ - أن يكون القول هو المتبادر إلى الأذهان، كما سورة الأنفال في الآية رقم (٤٣).\n٧ - أن يكون المعنى هو المستفيض عن سلف الأُمة، كما في سورة البقرة الآية رقم (٧٤).\n٨ - أن يكون القول لأكثر المفسرين، كما في سورة البقرة الآية رقم (٣).\n٩ - أن يكون القول قول من يقتدى به من الصحابة ﵃، كما في سورة البقرة الآية (٩٤).\n١٠ - إذا وقع اللفظ بين التقييد والإطلاق فإنه يحمل على إطلاقه، كما في سورة آل عمران الآية (١٤٥).\n١١ - تقديم العموم على الخصوص، كما في سورة النساء الآية (١٩).\n١٢ - الأصل في آيات القرآن الإحكام لا النسخ، كما في سورة الأنعام الآية (١٤٥).\n١٣ - تقديم الاستقلال على الإضمار إلا أن يدل دليل على الإضمار، كما في سورة النساء الآية رقم (٤٣).\n١٤ - الأصل في النظم أن يُحمل على ترتيبه، كما في سورة التوبة الآية رقم (٥٥).\n١٥ - حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التأكيد، كما في سورة الأعراف الآية رقم (٨٦).\n_________\n(^١) وقد درس هذه الترجيحات فضيلة الدكتور عبد الله بن عبد العزيز العواجي وفضيلة الدكتور آدم عثمان علي، في رسالتيهما لنيل درجة الدكتوراه بعنوان: ترجيحات الحافظ ابن كثير في التفسير. وقد أخذت معظمها من رسالة فضيلة د. آدم.","vol":"المقدمة","page":32},{"text":"أما أساليب الحافظ ابن كثير لاستعراض الترجيح فهي كما في الألفاظ التالية (^١):\nأولًا: الترجيح بلفظ صريح:\n١ - الصحيح.\n٢ - الظاهر.\n٣ - الصواب.\n٤ - الحق.\n٥ - يتعين كذا.\n٦ - الواقع كذا.\n٧ - الراجح كذا.\nوقد يؤكد بعض هذه الألفاظ بنحو قوله: الصحيح الذي لا شكَّ فيه، أو المقطوع به، أو الحق الذي لا مرية فيه، أو الصواب الذي لا شكَّ فيه، أو لا مرية فيه، أو الحق الذي لا محيد عنه، أو المشهور الصحيح.\nثانيًا: الترجيح بأفعال التفضيل:\n١ - الأظهر.\n٢ - الأولى.\n٣ - الأصح.\n٤ - الأقرب.\n٥ - الأشبه.\n٦ - الأقوى.\n٧ - الأرجح.\n٨ - الأمشى على الظاهر.\n٩ - الأنسب.\n١٠ - الأجود.\nثالثًا: ذكر القول ببعض أوصاف المدح:\nأكثر ما كان الإمام ابن كثير يمتدح به القول: بأنه حسن، وذلك في نحو عَشْرِ مسائل، أو القول: (إنه جيد)، وقد يقول: (حسن قوي).\nوقد يصفه بالحسن والقوة والظهور، أو بالحسن والجودة والقوة، أو يصفه بالحسن والجودة، وبالحسن والتوجه، أو بالجودة والقوة.\n_________\n(^١) هذه الأساليب منقولة باختصار من كتاب \"ترجيحات الحافظ ابن كثير\" لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد العزيز العواجي (ص ٣٠ - ٣٢).","vol":"المقدمة","page":33},{"text":"رابعًا: تأييد اختيار يذكره:\nأكثر الإمام ابن كثير من ذكر اختيارات ابن جرير خاصة، وقلما ذكر اختيار غيره، وقد ينقل اختيار ابن جرير ويوافقه بقوله: (فأصاب)، أو (لا شك أن هذا اللائق)، ونحو ذلك.\nخامسًا: تضعيف مقابله:\nأكثر الإمام ابن كثير من تضعيف الأقوال، وإنما يدخل في هذا الباب ما ذكر فيه قولًا وضعف مقابله، أو أقوالًا وضعفها إلا واحدًا.\nسادسًا: البدء بالمختار ثم إيراد الأقوال أو عكسه:\nأكثر ما كان يرجح به ابن كثير من الأساليب هو البدء بالمختار على سبيل ارتضائه وتقريره ثم يذكر غيره من الأقوال محكية بالقول.\nوقد يذكر الخلاف ثم يقول: (والمعنى -أو- المقصود كذا).","vol":"المقدمة","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>المبحث الثالث القيمة العلمية للتفسير</span>\nتتجلى القيمة العلمية لتفسير الحافظ ابن كثير في كثير من المسائل أهمها ما يلي:\n١ - جودة المنهج والتزامه به، فقد التزم بمنهج علمي راقٍ كما تقدم في دراسة منهجه.\n٢ - سلامة التفسير من التأويل والتحريف في مسائل العقيدة.\n٣ - شهرة الكتاب: لقد انتشرت نسخه الخطية التي تقارب المائة نسخة، كما انتشرت طبعاته وتحقيقاته.\n٤ - كثرة الدراسات التي قام بها الباحثون وأثره فيمن بعده: فقد تزاحمت أقلام الباحثين وعكف عليه الدارسون، ومن أهم الدراسات ما يلي:\nأ - الإمام ابن كثير المفسر: للدكتور مطر بن أحمد الزهراني -رسالة ماجستير- جامعة أُم القرى.\nب - منهج ابن كثير في التفسير: للدكتور سليمان بن إبراهيم اللاحم -رسالة ماجستير- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض.\nج - ابن كثير ومنهجه في التفسير: تأليف الدكتور إسماعيل سالم عبد العال -مطبوع في القاهرة- مكتبة الملك فيصل الإسلامية.\nد - حياة ابن كثير وكتابه تفسير القرآن العظيم: للدكتور محمد بن عبد الله صالح الفالح - طبعة الرياض - مكتبة دار البيان.\nهـ - ابن كثير الدمشقي: للدكتور محمد الزحيلي - دار القلم - دمشق.\nوقام البعض بالشرح ومن أهم الشروح ما يلي:\nأ - البدر المنير الملخص من تفسير ابن كثير (وهو تلخيص تفسير القرآن العظيم لابن كثير ت ٧٧٤ هـ) للكازروني (عفيف الدين سعيد بن محمد بن مسعود، ت ٧٥٨ هـ). منه نسخة في مكتبة نور عثمانية ٢٥ (٣٨٤) في تركيا (^١).\nب - العلم الغزير في تفسير ابن كثير (وهي حاشية على تفسير ابن كثير، ت ٧٧٤ هـ) للزرعي (إسماعيل \"خطيب جامع الديلع\").\nمنه نسخة في مدينة تريم ٥٢ (٢٥٩) في حضرموت (^٢).\n_________\n(^١) الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط (ج ١).\n(^٢) الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط (ج ١).","vol":"المقدمة","page":35},{"text":"٥ - غزارة مصادره وأصالتها: أما مصادره فقد أحصاها فضيلة الدكتور إسماعيل سالم عبد العال وبلغت (٢٤١) مصدرًا وقد رتبها حسب العلوم والموضوعات، وهذه المصادر من الكتب الأمهات في علم التفسير والحديث والفقه والتاريخ والعقيدة وغيرها.\n٦ - كثرة المختصرات لتفسير ابن كثير، وهي كما يلي:\nأ - عمدة التفسير: للأستاذ أحمد محمد شاكر.\nب - تيسير العلي القدير لاختصار ابن كثير: للشيخ محمد نسيب الرفاعي.\nج - مختصر تفسير ابن كثير: للشيخ محمد علي الصابوني.\nد - مختصر تفسير ابن كثير: للشيخ محمد كريم راجح.\nهـ - لباب التفسير من ابن كثير: للدكتور عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن إسحاق آل الشيخ.\nو- فتح القدير تهذيب تفسير ابن كثير: لمحمد أحمد كنعان.\nز - المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير: بإشراف فضيلة الشيخ صفي الرحمن المباركفوري.\nوكل هذه المختصرات مطبوعة.\nوقد لاحظ بعض الدارسين للتفسير بعض المآخذ لكنها ليست بمآخذ وقد أجبت عليها كما يلي:\nالإجابة عن المآخذ التي نسبت إلى الحافظ ابن كثير في التفسير\nذكر فضيلة د. إسماعيل عبد العال في دراسته لتفسير ابن كثير ﵀ جملة من المسائل ظنَّ أنها من المآخذ على ابن كثير ﵀، ومنها بعض الروايات المنكرة في متنها، والإسرائيليات التي أوردها الحافظ ابن كثير وسكت عنها، ومنها ما يلي:\nذكر ابن كثير ﵀ رواية عن ابن أبي حاتم قال فيها: \"حدثني محمد بن قيس أن محمد بن كعب قرأ سورة يونس على عمر بن عبد العزيز حتى بلغ: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ [يونس]. فقال عمر: يا أبا حمزة أي شيء الطمس؟ قال: عادت أموالهم كلها حجارة. فقال عمر بن عبد العزيز لغلام: ائتني بكيس. فجاء بكيس فإذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة\".\nولم يعلق ابن كثير على هذه الرواية كما اعتاد أن يفعل مع الروايات الغريبة فكيف يطمس هذا البيض والحمص في عهد عمر بن عبد العزيز العادل وخامس الخلفاء الراشدين؟! ثم عدم معرفة عمر بن عبد العزيز للطمس شيء لا نقبله بسهولة. فلعل هذه الرواية مختلقة ومكذوبة على عمر ﵁ (^١). ا هـ.\n_________\n(^١) ينظر: \"ابن كثير ومنهجه في التفسير\" (ص ٤١٣).","vol":"المقدمة","page":36},{"text":"ولو أعطى الدكتور هذه المسائل مزيدًا من البحث لوجدها مسائل منهجية سلكها الحافظ ابن كثير فإن الروايات المنكرة في متنها ساقها بالإسناد وسمى الرجال فكأنه يشير بأصابع الاتهام إلى موطن الإنكار حينما يسمي رجال الإسناد، وما ذكره فضيلته فيه بتر للإسناد فقد حذف الراوي الضعيف، فالرواية رواها ابن أبي حاتم: عن إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكر، عن أبي معشر، حدثني محمد بن قيس، به.\nوالراوي الضعيف هو أبو معشر، واسمه: نجيح بن عبد الرحمن السندي (^١).\nثم ذكر فضيلته مسألة أخرى فقال:\nوفي نفس الآية ذكر ابن كثير أن قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩] فسره ابن جريج بقوله: \"يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة. وقال محمد بن كعب وعلي بن الحسين: أربعين يومًا\".\nولم يعقب ابن كثير على الروايتين. والفرق بينهما كالفرق بين طفل يقال عنه: إنه ولد منذ أربعين يومًا. ويقال عنه أيضًا: إنه ولد منذ أربعين سنة. ولا شك أنه فرق صارخ (^٢).\nوالجواب ما ذكره الحافظ عن ابن جريج ومحمد بن كعب واضح أنه من الإسرائيليات لأن الراويين مشهوران برواية الإسرائيليات وكفى.\nوقال فضيلته: وذكر محمد بن إسحاق أن إسافا ونائلة كانا بشرين فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عُبدا ثم حولا إلى الصفا والمروة فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما.\nولم ينتقد ابن كثير هذه الرواية على ما فيها من ضعف، إذ كيف يقتنع المرء بأن إسافا ونائلة كانا بشرين قد مسخا. وما الدليل على ذلك؟ وفي أي كتاب صحيح موثوق به ذكر هذا؟ فليأتوا بآثارة من علم إن كانوا صادقين (^٣). ا هـ.\nوالجواب: أن هذه الرواية ضعفها جلي لا يخفى لأنه مروي عن ابن إسحاق ولم يروه عن أحد، وهو معروف أيضًا برواية الإسرائيليات، وما ذكره لا يؤخذ إلا بالوحي عن النبي ﷺ، وبين ابن إسحاق والنبي ﷺ ثلاثة رواة على الأقل.\nوقد ذكر فضيلته أيضًا رواية إسرائيلية عن وهب بن منبه ساقها الحافظ ابن كثير ولم ينبه عليها (^٤) ا هـ.\nأقول: إن ذكر وهب بن منبه يغني عن التنبيه؛ لأنه كان مولعًا برواية الإسرائيليات، وما ذكره من أخطاء أخرى شبيهة بما سبق.\nثم ذكر أخطاء عامة -حسب ظنه-، ومنها:\nالنسخ، وذكر مثالًا ثم قال: إنها وجهة نظر وليس خطأ مؤكدًا.\n_________\n(^١) ينظر: \"تقريب التهذيب\" (ص ٥٥٩).\n(^٢) المصدر السابق (ص ٤٣٢).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٤٣٣).\n(^٤) المصدر السابق (ص ٤٣٥).","vol":"المقدمة","page":37},{"text":"وقوله ﷿: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء فأمر ﵎ برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل، والقسط، والبر.\nلكن هذه الدعوة مرفوضة لأن الآية لا تنسخ حكمًا إسلاميًا، وإنما يقبل النسخ للحكم الذي شرعه الله في الإسلام أو شرعه رسول الله ﷺ، ثم شرع بعده في موضوعه حكمًا آخر يخالفه ويناقضه. لكنا نستطيع -مع هذا- أن نقول: إنها وجهة نظر وليس خطأً مؤكدًا (^١). ا هـ.\nوالجواب: أن فضيلته صرّح بأنها وجهة نظر وليس خطأً مؤكدًا، وكذلك فإن الحافظ ابن كثير استدل بحديث متفق عليه عن سالم بن عبد الله بن عمر أن زيدًا بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].\nوتبقى قصة العتبي التي ساقها في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤].\nوقد وفّى الشيخ الفاضل سامي بن محمد السلامة هذه القصة حقها في تحقيقه لتفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وبرهن على بطلانها ناقلًا أقوال العلماء المعتبرين من المتقدمين والمعاصرين، ثم أضاف فضيلة الدكتور محمد بن عبد الله الفالح أن الحافظ ابن كثير لم يستحسن ذلك، ووضح معتقده الذي يأبى مثل تلك القصة (^٢).\nوأضيف على ما ذكره أن هذه الحكاية يرويها بعضهم عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي.\nوقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان بإسناد مظلم بن روح بن يزيد البصري، حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي … فذكرها (^٣).\nوأما ما ذكر أنه يستطرد في إيراد سرد الأحاديث الشريفة الكثيرة، وأنه يستشهد ببعض الروايات الضعيفة، وأنه لا يعتني بالإعراب فقد أجبت عن ذلك في مبحث منهج الحافظ ابن كثير، في البيان النبوي واللغوي.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في تفسير سورة الأحزاب آية [٥].\n(^٢) حياة ابن كثير في كتابه \"تفسير القرآن العظيم\" (ص ٣١ - ٣٣).\n(^٣) ينظر: \"الصارم المنكي في الرد على السبكي\" (ص ٣٣٧، ٣٣٨).","vol":"المقدمة","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>المبحث الرابع وصف النسخ الخطية</span>\nلقد أتحفني مدير عام دار ابن الجوزي الأستاذ الفاضل: سعد الصميل حفظه الله بعدة نسخ، ووصفها كما يلي:\n١ - نسخة تشستربتي برقم (٣٤٣٠) وتبدأ من بداية التفسير إلى سورة البقرة آية [٢١٨] وعليها تعليقات بخط المؤلف، وقد كتبت في عهد المؤلف بخط الكاتب أحمد بن محمد بن أحمد بن المحب بن عبد الله المقدسي (ت ٧٧٦ هـ) (^١)، وتقع في (٢٢٤) ورقة.\n٢ - نسخة ولي الدين جار الله، منها مجلدان: أحدهما برقم (٥) [٦٨] بخط الكاتب علي بن يعقوب بن عبد الله وانتهى من نسخها (١٣ رجب سنة ٧٩٩ هـ)، وتبدأ من تفسير سورة القصص إلى آخر سورة الحجرات، ومجلد آخر برقم (٤) [٦٦] كتب سنة (٨٣٧ هـ).\n٣ - نسخة الحرم المكي العتيقة برقم (٩١) يوجد منها المجلد الثالث: يبدأ من بداية سورة الأعراف إلى نهاية تفسير سورة التوبة، كتب سنة (٧٨٠ هـ) ويقع في (٢٢٨) ورقة.\n٤ - نسخة الحرم المكي العتيقة الأخرى يوجد منها أربع مجلدات:\nالمجلد الرابع: يبدأ من أول تفسير سورة الأنعام، وينتهي بسورة الأنفال آية [٦٠]، ويقع في (٢٣٠) ورقة.\nالمجلد الثامن: يبدأ من تفسير سورة سبأ وينتهي بتفسير سورة فصلت كتب سنة (٧٦٩ هـ) ويقع في (١٧٨) ورقة، وفي آخره تعليق ينصّ أن المجلد مقابل على نسخة المؤلف، وهي بخط الكاتب محمد بن بهاء الدين بن عبد الله الشجاعي.\nالمجلد التاسع: يبدأ بتفسير سورة الشورى وينتهي بتفسير سورة الطلاق، ويقع في (٢٧٥) ورقة، وقد كتبه الكاتب محمد بن أحمد بن معمر المقري البغدادي سنة ٧٥٩ هـ، وهذا المجلد من أقدم النسخ المعاصرة للمؤلف.\nالمجلد العاشر: ويبدأ بسورة التحريم وينتهي بنهاية التفسير، ويقع في (٢٣٨) ورقة.\n٥ - نسخة آياصوفيا برقم (١٢٢) وتبدأ من أول التفسير إلى نهاية تفسير سورة آل عمران كتبت سنة (٨٠٦ هـ)، وتقع في (٤١٨) ورقة.\n٦ - نسخة المحمودية (الأولى): وهي محفوظة في مكتبة الملك عبد العزيز في المدينة المنورة، وتقع في (٧) مجلدات:\n_________\n(^١) ينظر: \"الدرر الكامنة\" (١/ ٢٤٤).","vol":"المقدمة","page":39},{"text":"المجلد الأول: برقم (٢٨٠) ويبدأ من أول القرآن إلى ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [٤١] من سورة المائدة، ويقع في (٤٧٩) ورقة.\nالمجلد الثاني: برقم (٢٨١) ويبدأ من تفسير أول القرآن إلى آل عمران، ويقع في (٣٥٩) ورقة كتب في شهر ذي القعدة سنة (١٣٤٩ هـ).\nالمجلد الثالث: برقم (٢٨٢) وببدأ من تفسير أول القرآن إلى بعض سورة آل عمران، ويقع في (١٩٩) ورقة.\nالمجلد الرابع: برقم (٢٨٣) ويبدأ من تفسير سورة آل عمران وينتهي إلى سورة الأعراف، ويقع في (١٧٢) ورقة.\nالمجلد الخامس: برقم (٢٨٤) ويبدأ من تفسير سورة النساء إلى بعض سورة الأنعام، ويقع في (٢٣٧) ورقة كتب في شهر ذي القعدة سنة (١٣٤٩ هـ).\nالمجلد السادس: برقم (٢٨٥) ويبدأ من تفسير سورة الأحزاب إلى آخر سورة الذاريات، ويقع في (٢٤٨) ورقة.\n٧ - نسخة المحمودية الثانية وهي محفوظة في مكتبة الملك عبد العزيز في المدينة المنورة، وتقع في (٤) مجلدات:\nالمجلد الأول: برقم (١٩٢) ويبدأ من سورة الفاتحة إلى سورة التوبة، ويقع في (٢٣٠) ورقة.\nالمجلد الثاني: برقم (١٩٤) ويبدأ من سورة الأنفال إلى آخر سورة الشعراء، ويقع في (١٩٩) ورقة.\nالمجلد الثالث: برقم (١٩٥) ويبدأ من أول سورة النمل إلى بعض الذاريات إلى جزء ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾، ويقع في (٢٨١) ورقة.\nالمجلد الرابع: برقم (١٩٧) ويبدأ من آية [١٣٧] من سورة الأنعام إلى بداية الإسراء، ويقع في (٢٥٢) ورقة كتب في شهر ذي القعدة سنة (١٣٤٩ هـ).\n٨ - نسخة الحميدية برقم (٤٣) تقع في مجلدين وهي كاملة كُتبت سنة (١١٦٤ هـ - ١٢ شعبان)، وتقع في (١٠٤٤) ورقة.\n٩ - نسخة آياصوفيا الكاملة برقم (١٢٤) بخط الكاتب محمد الشاذلي بن الشيخ جاد الكريم الشافعي الأشعري بدأ بنسخه يوم الأحد ١٣ جمادي الثانية سنة (١٠٨٢ هـ). وانتهى من نسخه يوم الثلاثاء (١٠ جمادي الأولى سنة ١٠٨٤ هـ) كما في آخر المجلد الثاني، وقد ورد في المجلد الأول فيه تمليك: من كتب الفقير بحصر محمد عيسى بن الشيخ عفان عُفي عنهما من كتب أفقر الورى عثمان عُفي [عنهما] (^١)، وختم فيه نص: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ثم توقيع لم أعرف قراءته لأنه مدمج.\n_________\n(^١) لعله سقط لفظ: عنه.","vol":"المقدمة","page":40},{"text":"وهي نسخة خزائنية سلطانية موقوفة إذ ورد في آخر الكتاب ما نصه: قد وقف هذه النسخة الجليلة سلطاننا الأعظم والخاقان المعظم مالك البرين والبحرين خادم الحرمين الشريفين السلطان بن السلطان الغازي: محمود خان (^١)، وقفًا صحيحًا شرعيًا لمن طالع وتلا وأكرمه الله تعالى بالرفق والحسنى.\nحرره الفقير أحمد شيخ زادة المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين. ا هـ (^٢).\nوتحت هذا النص ختم لكاتب الوقف: أحمد شيخ زادة وهذا نصه: يارب ربو وتوفيق تمنا كند أحمد (^٣).\nوتقع هذه النسخة في مجلدين: الأول: يقع في (٥٨٠) ورقة من بداية التفسير إلى آخر سورة النحل، والمجلد الثاني: يقع في (٥٤٥) ورقة من بداية تفسير سورة الإسراء إلى آخر تفسير القرآن.\nوتوجد بعض التصحيحات كما في ل (٢٢٠ أ) ول (١٢٠ ب) ول (٣٦٠ أ) ول (٢٢٨ أ) وغيرها إلا أنها قليلة.\nمن أجل ذلك جعلت هذه النسخة هي الأصل، وخصوصًا أني لم أفلح بنسخة دار الكتب المصرية التي أعتبرها من أقوى النسخ حسب النسخ المذكورة.\nوكنت أتوقع أن أحصل على نسخ أخرى كنسخة دار الكتب المصرية ولكن بلغني عن طريق الأستاذ سعد الصميل أنه حاول أن يصورها ولكن فوجئ أن النسخة الخطية لا توجد في دار الكتب ومكانها فارغ!!\nوقد انتشرت النسخ الخطية للتفسير في أنحاء العالم وقد ورد ذكرها في فهارس المكتبات كما في الفهرس الشامل، وسأذكر منه غير النسخ المذكورة وأسوقها كما وردت في هذا الفهرس، وهي كما يلي:\n١ - نسخة متحف طوبقبوسراي تقع في (٧) مجلدات:\nأحدها برقم (١/ ٥٤٥) [٢/ ٥٦ - ٢٠٣٥  a]،  يقع في (٣١٢) ورقة كتب في عصر المؤلف سنة ٧٦٧ هـ.\nومجلد آخر برقم (١/ ٤٥٦) [٤/ ٥٦ - ٢٠٣٧  a]،  ويقع في (٢٥٥) ورقة وكتب سنة (٨٩٦ هـ).\nومجلد آخر برقم (١/ ٥٤٥٩) [٥٦١٣ - ٢٠٣٦  a]،  ويقع في (٣٤٣) ورقة كتب في القرن التاسع الهجري.\n_________\n(^١) هو السلطان الرابع والعشرين من الخلفاء العثمانيين واسم أبيه مصطفى الثاني واسم أُمه صالحة سلطان، ولد في الثالث من محرم (١١٠٨ هـ) واستلم الخلافة في (١٨ أو ١٩ ربيع الأول سنة ١١٤٣ هـ وتوفي في ٢٧ صفر سنة ١١٦٨ هـ). انظر: \"سلاطين العثمانيين\" باللغة التركية بالخط العربي وليس اللاتيني طبعة اسطنبول.\n(^٢) أحمد شيخ زادة له ترجمة مختصرة في كتاب \"سجل عثماني باللغة التركية\" (١/ ١٧).\n(^٣) وقد رأيت هذا الختم في مخطوطات كثيرة في المكتبة السليمانية ضمن كتب آيا صوفيا وقد سألت بعض القدماء من الموظفين المختصين عن هذا الختم فعرفوه فأخبروني بأن ختم أحمد شيخ زادة المفتش المشهور في أوقاف الحرمين الشريفين في اسطنبول.","vol":"المقدمة","page":41},{"text":"ومجلد آخر برقم (١/ ٥٤٦) [k ٢٠٣٨٥٩١]،  ويقع في (٣١٩) ورقة كتب في القرن التاسع الهجري.\nوآخر برقم (١/ ٥٤٦) [٢٠٣٨  k ٥٩٢]،  ويقع في (٥٦٣) ورقة كتب في القرن التاسع الهجري.\nوآخر برقم (١/ ٥٦) [٢٠٣٤  a]،  ويقع في (٣٥٢) ورقة كتب سنة (٨٦١ هـ).\nوآخر برقم (١/ ٥٤٦) [٥٩٣ - ٢٠٤٠  k]،  ويقع في (٢٢٦) ورقة بدون تاريخ نسخ.\n٢ - نسخة الأزهرية برقم (١/ ٢١٨) [(١٦٨) ٢٩٤٠] كتبت سنة (٨٢٥ هـ) وتقع في في (٧) أجزاء:\nالجزء الأول يقع في (٣١١) ورقة.\nالجزء الثاني يقع في (٣٣٠) ورقة.\nالجزء الثالث يقع في (٣٢٨) ورقة.\nالجزء الرابع يقع في (٣٢٢) ورقة.\nالجزء الخامس يقع في (٣٢٨) ورقة.\nالجزء السادس يقع في (٢٧٩) ورقة.\nالجزء السابع يقع في (٢٩٧) ورقة.\nونسخة أخرى برقم (١/ ٢١٨) [(١٢٣) ١٩٦٥] كتب سنة (٨٣٤ هـ) أو قبل ذلك، وتقع في (٣٤٤) ورقة من سورة الأنعام إلى سورة التوبة.\nونسخة أخرى برقم (١/ ٢١٨) [(٤١) ٦٥٩]، الجزء الأول يقع في (٣٤٥) ورقة.\nونسخة أخرى برقم (١/ ٢١٩) [(١٧٣٠٩ الجوهري ٤١٧٧٤)] تقع في (١٩٨) ورقة من سورة الكهف إلى آخر سورة النور.\n٣ - نسخة دار الكتب المصرية - القاهرة - برقم (١/ ٣٧) [١] تقع في سبعة أجزاء، وأخرى برقم (١/ ٣٧) [٢] تقع في أربعة أجزاء، وأخرى برقم (١/ ٣٧) [٨٥] تقع في جزء واحد برقم (٢).\n٤ - نسخة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم (٢/ ٧٢ - ٧٥) [٣٦٤٤] تقع في (٢٣٠) ورقة كتب في القرن التاسع الهجري.\nومجلد آخر برقم (٢/ ٧٢ - ٧٥) [٣٦١٤] يقع في (٣٣٠) ورقة في سنة (١٢٠٠ هـ) من سورة (ص) إلى آخر القرآن.\nومجلد آخر برقم (٢/ ٧٢ - ٧٥) [٣٦١٢] يقع في (٢٣٦) ورقة كتب من الآية [٢] من سورة النساء إلى آخر سورة الأعراف.\nومجلد آخر برقم (٢/ ٧٢ - ٧٥) [٣٦١٣] يقع في (٢٠٥) ورقة من سورة الفاتحة إلى آخر سورة آل عمران.\nومجلد آخر برقم (٢/ ٧٢ - ٧٥) [٣٦٤٣] يقع في (١٢٠) ورقة من أول سورة الطلاق إلى سورة البروج.","vol":"المقدمة","page":42},{"text":"ومجلد آخر برقم (٢/ ٧٢ - ٧٥) [٣٩٧٧] يقع في (١٩٨) ورقة.\n٥ - نسخة رستم باشا برقم (٣٦) [١٧]، المجلد الأول كتب سنة (٨٩٤ هـ).\nوالمجلد الثالث برقم (٣٦) [١٨].\nوالمجلد الرابع برقم (٣٦) [١٩].\nوالمجلد الخامس برقم (٣٦) [٢٠].\nوالمجلد السادس برقم (٣٦) [٢١].\n٦ - نسخة جامعة الملك سعود برقم (٢/ ١٣٠) [(٢٩٩) ١٥٠٤]، المجلد الخامس يقع في (١٦٧) ورقة، كتب في القرن العاشر الهجري تقريبًا.\n٧ - نسخة خدا بخش - الهند - المجلد الأول برقم (١٨) (٢/ ٨٥) [١٤١٠]، ويقع في (٣٠٦) ورقة كتب في القرن الثاني عشر الهجري.\nالمجلد الثاني برقم (١٨) (٢/ ٨٦) [١٤١١] ويقع في (٤٨٧) ورقة، كتب في القرن الثاني عشر الهجري.\nالمجلد الرابع برقم (١٨) (٢/ ٨٦) [١٤١٣] ويقع في (٢٤٩) ورقة، كتب سنة (١١٥٨ هـ) من سورة المؤمن إلى آخر القرآن.\n٨ - نسخة رامبور - الهند - برقم (١/ ٢٦٠) [tafsir ٢٢١٢ m]  تقع في (٢٨١) ورقة كتبت في القرن الثاني عشر الهجري.\n٩ - نسخة السليمانية - تركيا - برقم (٨/ ٦٧) بدون بيانات أخرى.\n١٠ - نسخة السليمية - تركيا - تقع في أربعة أجزاء برقم (٢٩) [٨] و(٢) [٩] و(٢) [١٠] و(٢) [١١].\n١١ - نسخة عاطف أفندي - تركيا - تقع في مجلدين؛ أحدهما برقم (٦) [٢٤٠]، والثاني برقم (١٦) [٢٤١].\n١٢ - نسخة فيض الله أفندي - تركيا - برقم (٣١٤) [٥٤] تقع في (٢٣١) ورقة.\n١٣ - نسخة نور عثمانية - تركيا - تقع في مجلدين؛ أحدهما برقم (١٣) [١٨٧]، والآخر برقم (١٣) [١٨٨] (^١).\nوهذه النسخ فيها الكاملة وأغلبها ناقصة والكاملة هي: الأزهرية، ودار الكتب المصرية، والحميدية، وآيا صوفيا، وهذه النسخة المعتمدة - آيا صوفيا - هي أقرب إلى نسخة دار الكتب المصرية.\nوهذه النسخ فيها اختلاف من حيث الاختصار والتصحيح وزيادة بعض النصوص مما يدل أن الحافظ ابن كثير كان يتعهد هذا التفسير، وكذلك تفاوتت بعض الطبعات من حيث الاختصار فمن اعتمد النسخة الأزهرية غير من اعتمد نسخة دار الكتب فإن نسخة دار الكتب المصرية أكمل.\n_________\n(^١) الفهرس الشامل للتراث العربي المخطوط التفسير (١/ ٤٢٠ - ٤٢٢).","vol":"المقدمة","page":43},{"text":"قال الأستاذ الفاضل أحمد محمد شاكر ﵀ عن النسخة الأزهرية:\nفإني وجدتها قد خلت من كثير مما رأيت حذفه، كأنها مختصرة من الكتاب، وما هي بمختصرة. ولكني رجحت -كأنه اليقين- أن الحافظ ﵀ كان لا يزال ينظر في كتابه، فيزيد فيه ما يرى زيادته، من أبحاث كلامية، وفروع فقهية، وأبحاث لغوية، وأقوال وآراء للعلماء والأئمة. فخرجت نسخ الكتاب مختصرة ومطوّلةً. كما هو شأن كثير من العلماء الكبار الذين يحرصون على العلم والمعرفة. والمُثُل في ذلك حاضرةٌ، لا نطيل بذكرها (^١).\nوبهذا المبحث تنتهي الدراسة ويليها نماذج مصورة من لوحات النسخ المستخدمة في التحقيق.\n_________\n(^١) \"عمدة التفسير\" (ص ١٣).","vol":"المقدمة","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>نماذج مصورة من لوحات النسخ المستخدمة في التحقيق</span>","vol":"المقدمة","page":45},{"text":"صورة العنوان واسم الكاتب وختم التمليك من نسخة آياصوفيا (الأصل)","vol":"المقدمة","page":46},{"text":"صورة لوحة بداية الجزء الثاني من نسخة آياصوفيا (الأصل)","vol":"المقدمة","page":47},{"text":"صورة الوجه الأيمن من اللوحة الأولى من نسخة الحميدية","vol":"المقدمة","page":48},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الحميدية","vol":"المقدمة","page":49},{"text":"صورة لوحة العنوان من النسخة العتيقة في تشستربتي","vol":"المقدمة","page":50},{"text":"صورة اللوحة الأولى من النسخة العتيقة في تشستربتي","vol":"المقدمة","page":51},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من النسخة العتيقة في تشستربتي","vol":"المقدمة","page":52},{"text":"صورة من اللوحة الأولى من المجلد الثاني من النسخة العتيقة في الحرم المكي","vol":"المقدمة","page":53},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من المجلد الثاني من نسخة الحرم المكي العتيقة","vol":"المقدمة","page":54},{"text":"صورة اللوحة الأولى من المجلد الرابع من نسخة الحرم المكي العتيقة","vol":"المقدمة","page":55},{"text":"صورة اللوحة الأولى من الجزء التاسع من نسخة الحرم المكي العتيقة","vol":"المقدمة","page":56},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من الجزء التاسع من نسخة الحرم المكي العتيقة","vol":"المقدمة","page":57},{"text":"صورة العنوان للمجلد الأول من النسخة المحمودية في المدينة المنورة","vol":"المقدمة","page":58},{"text":"صورة اللوحة الأولى للمجلد الأول من النسخة المحمودية","vol":"المقدمة","page":59},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من المجلد الأول لنسخة المحمودية","vol":"المقدمة","page":60},{"text":"<span class='title'>المقدمة </span>\nقَالَ (^١) الشَّيخُ، الإِمَامُ، العالِمُ، العلَّامَةُ، الأوْحَدُ، البارعُ، الحافظُ، المُتْقِنُ، المجتهدُ، القُدْوةُ، علَّامةُ العُلمَاءِ، وَارِثُ الأَنْبِيَاءِ، بَرَكَةُ الإسلامِ، وَحُجَّةُ الأعْلَام، محيي السُّنَّةِ، ومَنْ عَظُمَتْ بِهِ لله علينا المِنَّةُ، عِمَادُ الدِّينِ (أَبُو الفِدَاءِ) (^٢) إسمَاعيلُ بْنُ الخَطِيب أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ البَصْرَاوِيُّ الشَّافِعِيُّ، نَفَعَ اللهُ بِهِ، وحَفِظَهُ بِعَيْنِهِ، وأَمَدَّهُ بِقُوَّتِهِ، وَأَدْخَلَهُ الجَنَّة بِمَنّهِ وَكَرَمِهِ:\nالحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة] وقال (تعالى) (^٣): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف].\nوافتتح خَلْقه بالحمد، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام].\nواختتمه بالحمد، فقال -بعد ما ذكر مآلَ أهلِ الجنة وأهل النار-: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر]. ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القصص].\nكما قال (تعالى) (^٤): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ].\nفله الْحَمْدُ في الأولى والآخرة؛ أي: في جميع ما خلق وما هو خالقٌ، وهو المحمودُ في ذلك كلِّه، كما يقولُ المُصَلِّي: \"اللَّهمَّ ربَّنا لك الحمدُ، ملءَ السَّمواتِ وملءَ الأرضِ وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بَعْدُ\" (^٥).\nولهذا يُلْهَمُ أهلُ الجنَّة تسبيحَهُ وتحمِيْدَهُ، كما يُلهَمُونَ النَّفَسَ؛ أي: يسبِّحونه ويحمدونه عددَ\n_________\n(^١) هذه الألقاب لم تنتظم كلها في نسخة واحدة، وقد لفقتها من (ج) و(ك) و(ل) و(ى).\n(^٢) وقع في (ج) و(ل): \"أبو الفضل\" وفي (ى): \"أبو الوفاء\"!\n(^٣) من (ك) و(ن) و(ى).\n(^٤) من (ن).\n(^٥) هذا جزء من حديث طويل: أخرجه مسلم (٧٧١/ ٢٠١، ٢٠٢)، من حديث علي بن أبي طالب ﵁ وقد ورد عن ثمانية من الصحابة، استوفيت أحاديثهم تخريجًا في \"تسلية الكظيم\" فللَّه الحمد.","vol":"1","page":3},{"text":"أنفاسهم؛ لما يرون من عظيم نعمِهِ عليهم، وكمالِ قدرته، (ودوام) (^١) سلطانه، وتوَالى مِنَنه، (وإحسانِهِ) (^٢)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس].\nوالحمد لله الذي أرسل رسُلَه ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وختمهم بالنَّبي الأمي العربي، المكيِّ الهادي لأوضح السُّبُلِ، أرسَلهُ إلى جميع خَلْقه من الإنْسِ والجنِّ من لَّدُنْ بعثته إلى قيام السَّاعةِ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف] وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فمن بلَغَهُ هذا القرآنُ من عربٍ وعَجمٍ، وأسودَ وأحمرَ، وإنْسٍ وجانٍّ، فهو نذيرٌ له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] فمن كفر بالقرآن مِمَّنْ ذكرنا فالنَّارُ موعِدُه بنصِّ اللهِ تعالى؛ وكما قال (تعالى) (^٣): ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ (^٤) [القلم: ٤٤، ٤٥].\nوقال رسولُ الله ﷺ: \"بُعِثْتُ إِلى الأَحْمَرِ والأسْوَدِ\" (^٥) قال مجاهدٌ (١/ ٢/ ١): يعني الإنسَ والجنَّ؛ فهُو، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ، رسولُ اللهِ إلى جميع الثَّقَلين: الإنسِ والجنِّ، مُبَلِّغًا لهم عن اللهِ تعالى ما أوحاهُ إليه من هذا الكتابِ العزيزِ الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت].\nوقد أعلمهم فيه عن الله تعالى أنه ندبهم (إلى) (^٦) تَفَهُّمِهِ؛ فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء]. وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص] وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد].\nفالواجبُ على العلماءِ الكشفُ عن معاني كلامِ اللهِ، وتفسيرُ ذلكَ، وطلبُه من مَظَانّهِ، وتعلُّمُ ذلك وتعليمُه؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران] فذمَّ الله تعالى أهلَ الكتابِ قَبْلَنَا بإعراضِهِم عن كتابِ الله (المنزل) (^٧) (عليهم) (^٨)، وإقبالِهم\n_________\n(^١) في (ك) و(ن) و(ى): \"عظيم\"، وأشار في حاشية (ى) أنه وقع في نسخة: \"دوام\".\n(^٢) في (ن): \"ودوام إحسانه إليهم\".\n(^٣) من (ن).\n(^٤) من (ز).\n(^٥) أخرجه مسلم (٥٢١/ ٣)، والبخاري (١/ ٤٣٥، ٤٣٦، ٥٣٣) من حديث جابر ﵁.\n(^٦) في (ز): \"فيه\"!\n(^٧) ساقط من (ز) و(ك).\n(^٨) في (ز) و(ك): \"إليهم\".","vol":"1","page":4},{"text":"على الدنيا وجَمْعِها، واشتغالِهم بغيرِ ما أُمروا به من اتِّباع كتاب الله.\nفعلينا أيُّها المسلمُون أنْ ننتهيَ عمَّا ذمَّهُمُ الله تعالى بِهِ، وأَنْ نَأْتِمرَ بما (أَمَرَنَا اللهُ به) (^١) من تعلُّم كتابِ الله المنَزَّلِ إلينا وتعليمِهِ، وتفهُّمِه وتفهيمه؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧﴾ [الحديد] ففي ذِكْره -تعالى- لهذه الآية بعدَ الَّتي قبلَهَا تنبيهٌ على أنَّه -تعالى- كما يُحْيي الأرضَ بعدَ مَوتها كذلك يُليِّنُ القلوبَ بالإِيمانِ والهُدَى بعد قَسْوتها من الذنوب والمعاصي؛ والله المؤَمَّلُ المسؤولُ أنْ يفعل بِنَا (ذلك) (^٢)، إنه جوادٌ كريمٌ.\nفإنْ قَالَ قائلٌ: فَمَا أَحْسَنُ طرقِ التَّفسيرِ؟\nفالجوابُ: أَنَّ أصحَّ (الطُّرُقِ) (^٣) في ذَلِكَ أن يفسَّرَ القرآنُ بالقرآنِ، فما أُجْمِلَ في مكانٍ فَإِنَّه قد (فُسِّرَ) (^٤) في مَوْضعٍ آخرَ. (وما اختصر في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر) (^٥) فإنْ أعياكَ ذلك فَعَليْكَ بالسُّنَّةِ، فإنَّها شارحةٌ للقرآنِ وموضِّحَةٌ له؛ بل قد قال الإمامُ أبو عبدِ الله محمد بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعيُّ رحمهُ اللهُ تعالى: كُلُّ ما حكمَ به رَسُولُ الله ﷺ فهو مما فَهِمه مِنَ القرآنِ؛ قَالَ اللهُ تَعالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].\nولهذا قال رسولُ الله ﷺ: \"أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ ومِثْلَه مَعَهُ\" (^٦)؛ يعني: السنَّة.\n_________\n(^١) في (ز) و(ن) و(ى): \"أمرنا به\" لما لم يسم فاعله.\n(^٢) في (ن): \"هذا\".\n(^٣) في (ن): \"الطريق\".\n(^٤) في (ن) و(ى): \"بِسط\".\n(^٥) ساقط من (ك) و(ن) و(ز).\n(^٦) حديث صحيح.\nأخرجه أبو داود (٤٦٠٤) واللفظ له، وأحمد (٤/ ١٣١)؛ وابن حبان (١٢)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٠/ رقم ٦٦٩، ٦٧٠)، وفي \"مسند الشاميين\" (١٠٦١)؛ والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٤/ ٢٠٩)؛ والآجري في \"الشريعة\" (٥١)؛ والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٣٢)؛ وفي \"الدلائل\" (٦/ ٥٤٩)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (١/ ١٥٠) من طريقين عن عبد الرحمن بن أبي عوف الحمصي، عن المقدام بن معدي كرب مرفوعًا: \"ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه\". وهو عند بعضهم مختصر.\nوأخرج ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٨٥٨) الفقرة الأخيرة منه. وسنده جيد. وله طريق آخر.\nأخرجه الترمذي (٢٦٦٤)؛ وابن ماجه (١٢)؛ والدارمي (١/ ١٤٤)؛ وأحمد (٤/ ١٣٢)؛ والطحاوي (٤/ ٢٠٩)؛ والحاكم (١/ ١٩٠)؛ والطبراني (ج ٢٠/ رقم ٦٤٩)؛ وابن عبد البر في \"الجامع\" (١/ ١٠٩)؛ والبيهقي (٧/ ٧٦)، و(٩/ ٣٣١) من طرق عن معاوية بن صالح، عن الحسن بن جابر، عن المقدام بنَ معدي كرب مرفوعًا نحوه.","vol":"1","page":5},{"text":"والسُّنةُ -أيضًا- تنزلُ عليه بالوحي، كما ينزِلُ القرآنُ، إِلَّا أنَّها لا تُتْلى كما يُتْلَى القرآنُ (١/ ٢/ ٢). وقد استدلَّ الإمامُ الشافعيُّ ﵀ وغيرُهُ من الأئمَّةِ على ذلكَ بأدلةٍ كثيرةٍ ليس هذا موضعَ (ذكرِ) (^١) ذلك.\nوالغرضُ أنَّكَ تطلبُ تفسيرَ القرآنِ منه، فإنْ لم تجدْهُ فمن السُّنَّةِ كما قال رسولُ الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"فَبِم تحكُمُ؟ \" قال: بكتابِ اللهِ. قَالَ: \"فإنْ لم تجِدْ؟ \" قال: بِسُنَّةِ رسولِ اللهِ، قال: \"فإن لم تجد؟ \" قال: أجتهدُ رَأْيي. قال: فَضَربَ رسولُ الله ﷺ في صَدْرِهِ، وقال: \"الحمدُ لله الَّذي وَفَّقَ رسولَ رسولِ الله لما يُرضي رسولَ اللهِ\" (^٢).\nوهذا الحديث في (المسانِدِ) (^٣) و\"السنن\" بإسنادٍ جَيِّدٍ كما هُوَ مقَرَّرٌ في مَوْضِعِه.\nوحينئذٍ: إذا لم نجد التفسيرَ في القرآن ولا في السنَّة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أَدْرَى بذلك؛ لما شاهدوا من القرائنِ والأحوالِ التي اختصُّوا بها، ولما لهم من الفَهْم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لاسيما علماؤهم وكبراؤهم؛ كالأئمَّة الأربعةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ، والأئمةِ المَهْدِيِّين، وعبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵃.\nقال الإمامُ أبو جعفرٍ (محمَّدُ) (^٤) بنُ جريرٍ الطبري: حدثنا أبو كُرَيب، ثَنَا جابرُ بنُ نوحٍ، ثَنَا الأعمشُ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ؛ قال: قال عبدُ الله -يعني ابنَ مسعودٍ-: والَّذي لا إلهَ غيرُهُ، ما (نزلت) (^٥) آيةٌ من كتاب الله إلا وَأَنَا أعلمُ (فيمن) (^٦) نَزَلتْ، (وأين نَزَلَت) (^٧)، ولو أَعلمُ (مكان) (^٨) أحدٍ أعلمَ بكتابِ الله منِّي تنالُهُ المطايا لَأَتيْتُهُ (^٩).\n_________\n= قال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\".\nوقال الحاكم: \"إسناده صحيح\". كذا! وفيه تسامح ذكرته في \"الأصل\".\nوفي الباب عن جماعة من الصحابة ﵃، منهم: أبو هريرة، وأبو رافع، وجابر، والعرباض بن سارية.\n(^١) من (ج) و(ل).\n(^٢) منكر.\nأخرجه أبو داود (٣٥٩٢، ٣٥٩٣)؛ والترمذي (١٣٢٧)؛ وأحمد (٥/ ٢٣٠، ٢٤٢)؛ والدارمي (١/ ٥٥)؛ والطيالسي (٥٥٩)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ١٧٧)؛ وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣٤٧، ٥٨٤)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ٢١٥)؛ وابن عبد البر في \"الجامع\" (٢/ ٥٥، ٥٦)؛ والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١٥٤، ١٥٥)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (١٠/ ١١٤)؛ والجوزقاني في \"الأباطيل\" (١٠١)؛ وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (١٢٦٤) من طرق عن شعبة، عن أبي عون الثقفى، عن الحارث بن عمرو، عن ناس من أصحاب معاذ، عن معاذ .. فذكره.\nوعزاه المصنف في \"تفسير سورة الحجرات\" لابن ماجه فوهم.\nوهذا حديث منكر، ضعفه صيارفة هذا الفن: البخاري، والترمذي، والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني في آخرين ذكرهم شيخنا أبو عبد الرحمن الألباني في بحث ممتع له حول هذا الحديث في \"الضعيفة\" (٨٨١) فانظره لزامًا.\n(^٣) وقع في (ك) و(ل) و(ن): \"المسانيد\"، وأشار في هامش (ن) أن في بعض النسخ \"المسند\".\n(^٤) زيادة من (ز) و(ع) و(ك) و(ى).\n(^٥) في (ج): \"نزل\".\n(^٦) في (ك): \"فيم\".\n(^٧) ساقط من (ج).\n(^٨) ساقط من (ن).\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٨٣). وأخرجه البخاري (٩/ ٤٧)؛ ومسلم (٢٤٦٣/ ١١٥)، من طريق الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق به.","vol":"1","page":6},{"text":"وقال الأعمش (^١) أيضًا، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان الرَّجُلُ منَّا إذا تعلَّمَ عشرَ آياتٍ لم يُجاوزْهُنَّ حتَّى يعرفَ معانِيهِنَّ والعَمَلَ بِهِنَّ.\nوقال أبو عبدِ (^٢) الرَّحمن السُّلَمي: حدَّثنا الذين كانوا يُقرِئُونَنَا أَنَّهم كانُوا يستقرئون من النَّبي ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عَشْرَ آياتٍ لم يخلِّفُوها حتى يعملوا بما فيها من العمَل، فتعلَّمنَا القرآنَ والعَمَلَ جَمِيعًا.\nومنهم: الحبرُ البَحْرُ (^٣) عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ ابنُ عمِّ رسولِ الله ﷺ وترجمانُ القرآنِ ببركةِ دعُاءِ رسولِ اللهِ ﷺ له حيثُ قال: \"اللَّهُمَّ فَقِّههُ في الدِّينِ وعَلِّمهُ التَّأوِيلَ\" (^٤).\nوقال ابنُ (^٥) جريرٍ: حدثنا محمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، ثَنَا وَكيعٌ، ثَنَا سفيانٌ، عن الأعمش، عن مسلم\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٨١) من طريق الحسين بن واقد، عن الأعمش به وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح.\nأخرجه ابن جرير (٨٢) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي فذكره.\nقال الشيخ أبو الأشبال ﵀: \"هذا إسناد صحيح متصل\"! كذا قال! ومحمد بن حميد شيخ الطبري واه، وقد كذبه جماعة من أهل الري، وطوح الشيخ بقول الجارحين له إذ قال في \"شرح الترمذي\" (٢/ ٥٠٣، ٥٠٤): \"ونستخير الله في أنه ثقة\"! وقد ناقشته في \"بذل الإحسان\" (١/ ٢٠٣ - ٢٠٥) فراجعه.\nولكن له طريق آخر.\nفأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٦/ ١٧٢) قال: أخبرنا حفص بن عمر الحوضي، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن السلمي قال: فذكره بنحوه وزاد: \"وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز تراقيهم، بل لا يجاوز هاهنا\". ووضع يده على الحلق.\nوهذا إسناد صحيح، وحماد بن زيد كان ممن سمع من عطاء قبل اختلاطه كما قال النسائي والعقيلي.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٤١٠)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٦٠)؛ وعبد الرزاق (٣/ ٣٨٠)؛ والحاكم (١/ ٥٥٧). وعنه البيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٥١٠) من طرق عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن به.\n(^٣) كذا سماه مجاهد بن جبر: أخرجه أحمد في \"فضائل الصحابة\" (١٩٢٠)؛ وابن سعد (٢/ ٣٦٦)؛ ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة\" (١/ ٤٩٦)؛ والطبري في \"تهذيب الآثار\" (٢٧٦ - مسند ابن عباس)؛ والبلاذري في \"أنساب الأشراف\" (٣٣)؛ والحاكم (٣/ ٥٣٥)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣١٦)؛ والخطيب في \"تاريخه\" (١/ ١٧٤) بسند صحيح عن مجاهد قال: \"كان ابن عباس ﵁ يسمى \"البحر\" من كثرة علمه\". وأخرج نحوه أحمد في \"الفضائل\" (١٨٧٥)؛ وابن سعد (٢/ ٣٦٦) عن عطاء.\n(^٤) صحيح.\nأخرجه أحمد (١/ ٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥)؛ وفي \"الفضائل\" (١٨٥٦، ١٨٥٨، ١٨٨٢)؛ وابن أبي شيبة (١٢/ ١١١، ١١٢)؛ وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣٦٥)؛ ويعقوب بن سفيان في \"تاريخه\" (١/ ٤٩٣، ٤٩٤). وكذا ابن حبان (٧٠٥٥)؛ والحاكم (٣/ ٥٣٤)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٠/ رقم ١٠٥٨٧) من طريق حماد بن سلمة وزهير بن معاوية، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كنت في بيت ميمونة بنت الحارث، فوضعت لرسول الله ﷺ طهورًا، فقال: \"من وضع هذا؟ \" قالت ميمونة: عبد الله. فقال: \"اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل\".\nوهذا سند جيد وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٥) صحيح.\nأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٠٤).\nوأخرجه أحمد في \"الفضائل\" (١٨٦٠، ١٨٦١)؛ وأبو خيثمة في \"كتاب العلم\" (٤٨)، وابن سعد =","vol":"1","page":7},{"text":"- قال:- قال عبد الله؛ يعني: ابْنَ مسْعُودٍ: نِعْمَ ترجمان القرآنِ ابنُ عَبَّاسٍ. ثم رواه (^١) عن يحيى بن داود، عن إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عَنْ مسلمِ بنِ صُبَيحٍ، أَبي الضُّحى، عن مسروقٍ، عن ابنِ مسعودٍ- أنه قَالَ: نِعْمَ التُّرجُمانِ للقرآنِ ابنُ عبَّاسٍ. ثم رواهُ (^٢) عن بُنْدارٍ، عن جعفر بن عون، عن الأعمش به، كذلك.\nفهذا إسنادٌ صحيح إلى ابن مسعود أنَّهُ قال عن ابنِ عبَّاسٍ هذه العبارة. وقد مات ابنُ مسعودٍ ﵁ في سنة اثنتينِ وثلاثينَ على الصَّحيح، وعُمِّر بعدَهُ عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ ستًّا وثلاثينَ سنةً؛ فما ظَنُّك بما كسبَهُ من العلوم بعد ابنِ مسعودٍ (﵄) (^٣)؟!\nوقال الأعمش (^٤)، عن أبي وائل: استخلفَ عليٌّ عبدَ الله بْنَ عبَّاسٍ على الموسم، فخطبَ النَّاسَ، فقرأَ في خطبته سورةَ البَقَرةِ؛ وفي روايةٍ سورةَ النُّورِ، ففسَّرها تَفْسيرًا لو سَمِعهُ الرُّومُ والتُّركُ والدَّيلمُ لأَسْلَموا.\nولهذا غالبُ (١/ ٣/ ١) ما يرويه إسماعيلُ بنُ عبدِ الرَّحمن السُّدِّيُّ الكبيرُ في \"تَفْسيره\" عن هذين الرجلين (عبد الله) (^٥) بن مسعود، وابنِ عبَّاسٍ؛ ولكن في بعض الأحيان ينقلُ عنهم ما يحكونه من أقاويل أهلِ الكتابِ التي أباحَهَا رسولُ الله ﷺ حيثُ قَالَ: \"بَلِّغُوا عَنِّي وَلَو آيةً، وحدِّثوا عن بني إِسرَائيلَ ولا حَرَجَ، ومن كذَبَ عَليَّ مُتعمِّدًا فليتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ\" رواهُ البُخَاري (^٦) عن عبد الله بن عمرو.\nولهذا كان عبدُ الله بنُ عمرٍو ﵄ (^٧) (قد أصابَ يوم اليَرْمُوك) (^٨) زَامِلَتَينِ من كُتُبِ أهلِ\n_________\n= (٢/ ٣٦٦)؛ وابن أبي شيبة (١٢/ ١١٠، ١١١)؛ ويعقوب بن سفيان في \"تاريخه\" (١/ ٤٩٤، ٤٩٥)؛ والطبري في \"التهذيب\" (٢٦٨ - ٢٧١ مسند ابن عباس)؛ والبلاذري في \"أنساب الأشراف\"؛ والحاكم (٣/ ٥٣٧)؛ والبيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ١٩٣)؛ والخطيب (١/ ١٧٤) من طرق عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود. وعند بعضهم: \"لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا أحد، ونعم ترجمان القرآن … إلخ\".\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي.\nوأخرجه ابن سعد (٢/ ٣٦٦) من طريق مالك بن مغول، عن سلمة بن كهيل، قال: قال عبد الله: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.\nقال الحافظ في \"الإصابة\" (٤/ ١٤٦): \"سنده حسن\".\n(^١) رقم ١٠٥.\n(^٢) رقم ١٠٦.\n(^٣) ساقط من (ز) و(ن).\n(^٤) أخرجه الطبري (٨٥، ٨٦، ٨٧). وكذلك يعقوب بن سفيان في \"المعرفة\" (١/ ٤٩٥، ٤٩٦)؛ وأبو العباس السراج، كما في \"الإصابة\" (٤/ ١٤٩)، من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن عباس. وهذا سند صحيح.\n(^٥) من (ز).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٦/ ٤٩٦ - فتح).\nوأخرجه أيضًا الترمذي (٢٦٦٩)؛ والدارمي (١/ ١١١)؛ وأحمد (٢/ ١٥٩، ٢٠٢، ٢١٤)؛ وابن حبان (٦٢٥٦) في آخرين من طريق أبي كبشة السلولي، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا.\n(^٧) في (ك) و(ن): \"عنهما\" وسقطت الترضية من (ز).\n(^٨) في (ز): \"يوم اليرموك قد أصاب\".","vol":"1","page":8},{"text":"الكتابِ، فكانَ يحدِّثُ منهُمَا بما فَهِمهُ من هذا الحديثِ من الإذْنِ في ذلكَ.\nولكنَّ هذه الأحاديثَ الإسرائيليَّة تُذْكَرُ للاستشهادِ تُذْكَرُ للاستشهادِ لا للاعتِضَادِ؛ فإنَّها على ثَلاثَةَ أقسامٍ:\nأَحدُهَا: ما عَلِمْنَا صحَّتَه مما بأيدينا ممَّا يشهدُ له بالصِّدْقِ، فذاك صحيحٌ.\nوالثَّانِي: ما علمنا كَذِبَهُ مما عندنا مما يُخالفُهُ.\nوالثَّالثُ: ما هو مسكوتٌ عنه، لا من هَذا القبيلِ (ولا مِنْ هَذا القَبِيلِ) (^١)، فلا نُؤْمِنُ به ولا نُكَذِّبُهُ؛ ويجوزُ حكايَتُهُ لما تَقَدَّم؛ وغالبُ ذلك ممَّا لا فَائِدَةَ فيه تعُودُ إلى أمْرٍ دِينيِّ.\nولهذا يختلف علماءُ أهلِ الكتاب في هَذا كَثِيرًا؛ ويأتي عن المفَسِّرينَ خِلافٌ بسببِ ذلكَ، كما يذكُرُون في مِثْل هذا أسماءَ أصحَاب الكَهْفِ، ولَوْنَ كلبِهِم، وعِدَّتَهْم، وَعَصَا موسى من أيِّ (شَجَرٍ) (^٢) كانت، وأسماءَ الطُّيورِ التيَ أحياها الله لإِبْرَاهِيمَ، وتعيينَ البَعْضِ الذي ضُرِبَ به القتيلُ من البَقَرةِ، ونوعَ الشَّجرةِ التي كلَّمَ اللهُ منها مُوْسَى إِلى غيرِ ذلك مما أبهَمَهُ الله تعالى في القرآنِ، مما لا فائدةَ في تعيينِهِ تعودُ على المكلَّفين في دينِهم ولا دُنْيَاهم؛ ولكنَّ نَقْلَ الخلاف عنهم في ذلك جائزٌ، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ [الكهف] فقد اشتملت هذه الآيةُ الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليمِ ما ينبغي في مِثْلِ هذا؛ فإنه تعالى (حكى) (^٣) عنهم ثلاثةَ أقوال، ضعَّف القولين الأولين، وسكت عن الثالث؛ فدلَّ على صحته؛ إذ لو كان باطلًا لردَّه كما ردَّها.\nثم أرشد (إلى) (^٤) أَنَّ الاطِّلاعَ على عِدَّتهم لا طائلَ تحته (^٥) [(فيقال) (^٦) في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم ذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائلَ تحته] (٥) ولا تسألهم عن ذلك؛ فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رَجْم الغيب.\nفهذا أحسنُ ما يكون في حكاية الخلاف: أن تَسْتَوْعِب الأقوالَ في ذلك المقام، وأن تُنَبِّه على الصحيح منها، وتبطل الباطل، وتذكر فائدةَ الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاعُ والخلافُ فيما لا فائدةَ تحته؛ فتشتغل به عن \"الأهم\" (^٧).\nفأما مَنْ حكى خلافًا في مسألة، ولم يستوعب أقوالَ الناس فيها، فهو ناقص؛ (^٨) [إذ (قد) (^٩) يكون الصوابُ في الذي تركه؛ أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا ينبِّه على الصحيح من الأقوالِ، فهو ناقص] (٨) أيضًا، فإنْ صحَّحَ غَيْرَ الصحيح عامدًا فقد (١/ ٣/ ٢) تعمَّد الكذبَ، أو جاهلًا فقد\n_________\n(^١) ساقط من (ج).\n(^٢) في (ز) و(ن): \"الشجر\".\n(^٣) كذا في (ج) و(ل). ووقع في \"ع\" و(ك) و(ى) و(ز): \"أخبر\" وأشار في هامش (ع) و(ى) إلى اللفظ الآخر.\n(^٤) في (ز) و(ن): \"على\".\n(^٥) ساقط من (ك).\n(^٦) في (ز): \"فقال\".\n(^٧) في (ز) و(ن): \"الأهم فالأهم\" وهي زيادة قلقة.\n(^٨) ساقط من (ك).\n(^٩) ساقط من (ج).","vol":"1","page":9},{"text":"أخطَأَ، وكذلك مَنْ نصب الخلافَ فيما لا فائدةَ تحته، أو حكى أقوالًا متعددة لفظًا ويرجع حاصلها إلى قولٍ أو قولين معنًى فقد ضيَّعَ الزمان، وتكثَّرَ بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثَوْبى زُور (^١). والله الموفق للصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>فَصلٌ</span>\nإذا لم تجد التَّفسير في القرآنِ ولا في السُّنَّةِ، ولا وجدتَّهُ عن الصَّحابَةِ، فقد رجع كثير (مِن) (^٢) الأئمَّةِ في ذلكَ إلى أقوالِ التَّابعينَ، كمجاهدِ بنِ جَبْرٍ؛ فإنَّهُ كان آيةً في التَّفْسِيرِ، كما قال محمَّدُ بْنُ إسحاقَ (^٣): حدَّثنا أَبانُ بنُ صالحٍ، عن مُجَاهِدٍ؛ قال: عرضتُ المصحفَ على ابنِ عبَّاسٍ ثلاثَ عَرْضاتٍ مِنْ فاتِحتِه إلى خاتِمَتِهِ، أُوقِفُهُ عند كُلِّ آيةٍ منه، وأسألُهُ عنها.\nوقَالَ ابنُ جَرير (^٤): حدثنا أبو كُرَيبٍ، ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّام، عن عثمَانَ المكيِّ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ؛ قَالَ: رَأَيتُ مجاهدًا سأَلَ ابْنَ عبَّاسٍ عن تفسيرِ القرآنِ ومعه ألواحُهُ؛ قَالَ: فيقولُ له ابنُ عبَّاسٍ: اكتُبْ، حتَى سألَهُ عن التَّفسيرِ كُلِّهِ.\nولهذا كان سفيانُ (^٥) الثَّوريُّ يقولُ: إذا جاءَكَ التفسيرُ عن مُجاهدٍ فحَسْبُكَ بِهِ.\nوكسعيدِ بنِ جُبيرٍ، وعِكْرمةَ مولى ابنِ عبَّاسٍ، وعَطاءِ بنِ أبي رباحٍ، والحسنِ البصريِّ، ومسروقِ بنِ الأجْدَعِ، وسَعِيدِ بنِ المسيَّب، وأَبي العالية، والرَّبيعِ بْنِ أَنسٍ، وقَتَادةَ، والضحاكِ بن مُزَاحمٍ، وغيرِهِم من التَّابعين وتابعيهم ومَنْ بعدهم، فَتُذْكرُ أقوالُهُم في الآيةِ فيقَعُ في عِبَاراتِهِم تبَاينٌ في الألفاظ يَحْسَبُها (بعض) (^٦) مَنْ لا عِلْمَ عندَهُ اختلافًا فيحكيها أَقْوَالًا؛ وليسَ كذلكَ؛ فإنَّ منهم من يعبِّرُ عن الشَّيءِ بلازمِهِ أو بِنَظيرِهِ، ومنهم من يَنُصُّ على الشَّيءِ بعينِهِ، والكلُّ بمعنىً واحدٍ (في كثيرٍ من) (^٧) الأماكنِ، فَلْيتَتَفطَّنِ اللَّبيبُ لذلك. والله الهادي.\nوقال شعبةُ بنُ الحجَّاجِ وغيرُهُ: أقوالُ التَّابعينَ في الفُرُوعِ ليست حُجَّةً، فكيفَ تكون حجةً في التفسير؟ يعنى أنها لا تكون حجةً على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على\n_________\n(^١) إشارة إلى ما أخرجه البخاري (٩/ ٣١٧)؛ ومسلم (٢١٣٠/ ١٢٧).\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) أخرجه الطبري (١٠٨)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٢٧٩، ٢٨٠)، ومن طريقه الذهبي في \"التذكرة\" (٢/ ٧٠٦)؛ وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (ج ١٦/ ل ٢٥٢) من طريق ابن إسحاق بسنده سواء.\nقال الذهبي: \"هذا حديث حسن الإسناد\"، وأخرجه أحمد في \"الفضائل\" (١٨٦٦)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٥٩) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.\n(^٤) في \"تفسيره\" (١٠٧)، ورجاله ثقات إلا عثمان المكي، ولعله عثمان بن أبي الكنات. ترجمه ابن أبي حاتم (٣/ ١/ ١٦٥) وقال: \"روى عن ابن أبي مليكة، روى عنه البصريون ويسرة بن صفوان\" وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٢٠١).\nويحتمل أن يكون: عثمان بن الأسود المكي، أو عثمان بن صفوان. والله أعلم.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٠٩) قال: حدثني عبيد الله بن يوسف الجبيري، عن أبي بكر الحنفي، قال: سمعت سفيان الثوري فذكره. وسنده جيد.\n(^٦) زيادة من (ح) و(ل).\n(^٧) في (ن): \"في أكثر\".","vol":"1","page":10},{"text":"الشيء فلا يرتابُ في كونه حجة؛ فإن اختلفوا فلا يكون قولُ بعضِهِمْ حجةً على (قول) (^١) بعض، ولا على مَنْ بعدهم؛ ويُرجع في ذلك إلى لغةِ القرآن، أو السنَّة، أو عموم لغةِ العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك.\nفأما تفسيرُ القرآنِ بمجرَّدِ الرَأي فحرامٌ لما رواهُ (الإمامُ) (^٢) محمدُ بنُ جريرٍ ﵀ (تعالى) (^٣) حيث قال (^٤):\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سفيان، حدثني عبد الأعلى -هو ابن عامر الثعلبي- عن سعيد بن جُبير، عن ابنِ عبَّاسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ؟ قال: \"مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأيِهِ، أَوْ بِمَا لا يَعْلَمُ، فليتبوَّأ مقعدَهُ مِنَ النَّارِ\".\nوهَكَذَا أخرجهُ التِّرمِذِيُّ (^٥)، والنسائيُّ (^٦) من طُرُقٍ عن سُفيانَ الثَّوريِّ، به؛ ورواه أبو دَاوُدَ (^٧)، عن مُسَدَّدٍ، عن أبي عَوَانَةَ، عن عبدِ الأعلى، به، (مَرْفُوعًا) (^٨).\nوَقَالَ التِّرمِذِيُّ: \"هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ\".\nوهكذا رواهُ ابن جرير (^٩) أيضًا عن يحيى بن طلحة اليَرْبُوعي، عن شَريك، عن عبد الأعلى، به، مرفوعًا؛ ولكن رواه (^١٠) عن محمدِ بْنِ حُميدٍ، عن الحكم بن بشير، عن عمرو بنِ قيسٍ المَلائيِّ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدٍ، عن ابْنِ عبَّاسٍ فَوَقَفَهُ، (١/ ٤/ ١).\n_________\n(^١) زيادة من (ن). ووقعت في (ز): \"فلا يكون بعضهم حجةً على بعض\".\n(^٢) زيادة من (ل).\n(^٣) زيادة من (ن).\n(^٤) في \"تفسيره\" (٧٤).\n(^٥) في \"سننه\" (٢٩٥١).\n(^٦) في \"فضائل القرآن\" (١٠٩، ١١٠).\n(^٧) كما في \"أطراف المزي\" (٤/ ٤٢٣). وهذا الحديث لا يوجد في نسخ السنن التي بأيدينا؛ لأنها من رواية اللؤلؤي، وقد وقع في رواية ابن العبد كما قال العراقي في \"تخريج الإحياء\" (١/ ٣٧)، والزبيدي في \"الإتحاف\" (٤/ ٥٢٦).\nوابن العبد؛ هو: علي بن الحسن بن العبد الأنصاري، أحد رواة \"سنن أبي داود\" والله الموفق.\n(^٨) زيادة من (ك) و(ن).\n(^٩) في \"تفسيره\" (٧٣).\nوأخرجه أيضًا أحمد (٢٠٦٩، ٢٤٢٩، ٢٩٧٦، ٣٠٢٥)؛ وأبو يعلى (ج ٤/ رقم ٢٥٨٥) بزيادة في أوله، والبزار في \"مسنده\" (ج ٢/ ق ٢٦٥، ٢٩٣)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (١/ ١٦٧، ١٦٨)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٢٣٩٢)؛ وأبو يعلى الخليلي في \"الإرشاد\" (١/ ٣٩٦)؛ وابن بطة في \"الإبانة\" (٧٩٩، ٨٠٥) وآخرون من طرق عن عبد الأعلى بن عامر بسنده سواء. وسنده ضعيف لأجل عبد الأعلى هذا، ووهم المنذري ﵀ وهمًا شديدًا إذ قال في \"الترغيب\" (١/ ١٢١): \"رواه أبو يعلى ورواته ثقات محتج بهم في الصحيح\"!! كذا قال! وعبد الأعلى بن عامر ما أخرجا له شيئًا أصلًا، لا احتجاجًا ولا متابعة.\n(^١٠) يعني ابن جرير (رقم ٧٦) وسنده ضعيف جدًا، ومحمد بن حميد واه.\nورواه وكيع بن الجراح، عن الثوري، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٢) ونجم الدين النسفي في \"ذكر علماء سمرقند\" (رقم ٨٠٧) عن وكيع هكذا موقوفًا وقد رواه عن الثوري جماعة من الثقات مرفوعًا كما مر ذكره، وهذا الاختلاف من عبد الأعلى بن عامر.","vol":"1","page":11},{"text":"وعن (^١) محمد بن حُميدٍ، عن جرير، عن ليثٍ، عن بكرٍ، عن سعيدِ بْنِ جُبير، عن ابنِ عبَّاسٍ من قوله. فالله أعلم.\nوقال ابن (^٢) جرير: حدَّثنا العباس بن عبد العظيم العَنْبَرِي، حدثنا حَبَّان (^٣) بن هلالٍ، حدثنا سهيلٌ أخو حزمٍ، حدَّثنا أبو عِمْران الجَوْنى، عن جُنْدَبٍ -أنَ رسولَ الله ﷺ- قال: \"مَنْ قَالَ في القُرْآنِ برأيِهِ فقد أَخْطَأَ\" (^٤).\nوقد روى هَذَا الحديثَ أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ، والنَّسائيُّ، مِنْ حديثِ سهيلِ بن أَبِي حَزْم (القُطعي) (^٥).\nوقال الترمذيُّ: \"غريبٌ. وقد تكلَّم بعضُ أهلِ العلم في سُهَيْلٍ\".\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير أيضًا (٧٧) بلفظ: \"من تكلم في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار\" وسنده كسابقه، وليث هو ابن سليم، والكلام فيه مشهور. وبكر هو ابن سوادة. وزعم محقق أبي يعلى (٤/ ٢٢٨) أن بكرًا تابع عبد الأعلى الثعلبي، وهو قد خالفه فأوقفه كما ترى. والله أعلم.\nوهذا الحديث لا يصح مرفوعًا ولا موقوفًا، إذ مداره على عبد الأعلى وقد ضعفه أحمد وأبو زرعة وابن سعد. وقال أبو حاتم، وابن معين، والنسائي، والدارقطني: \"ليس بالقوي\".\nوقال الحافظ في \"التهذيب\": \"وصحح له الحاكم، وهو من تساهله\".\nولكن وجدت له طريقًا آخر مرفوعًا.\nأخرجه ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٣٦٨) قال: حدثنا محمد بن المنذر، عن عبد الله بن شيبة الصغاني عن أبي عاصم النبيل، ثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا: \"من قال في القرآن برأيه … الحديث\".\nوهذا إسناد ضعيف أيضًا. وعبد الله بن شيبة لا أعرف من حاله شيئًا. وابن جريج مدلس وقد عنعنه. والله أعلم.\n(^٢) في \"تفسيره\" (رقم ٨٠).\n(^٣) وقع في (ن): \"حيان\" بالياء وهو خطأ.\n(^٤) ضعيف.\nأخرجه أبو داود (٣٦٥٢)؛ والنسائي في \"الفضائل\" (١١١)؛ والترمذي (٢٩٥٣) من طرق عن سهيل بن أبي حزم، ثنا أبو عمران الجوني، عن جندب مرفوعًا.\nومن هذا الوجه:\nأخرجه ابن أبي حاتم في \"العلل\" (ج ٢/ رقم ١٦٨٠)؛ وأبو يعلى في \"المسند\" (٣/ ٩٠)؛ وفي \"المفاريد\" (٣٢)؛ والروياني في \"مسنده\" (ج ٢٨/ ق ١٧٣/ ٢)؛ والطبراني في (ج ٢/ رقم ١٦٧٢)؛ وفي (الأوسط) (ج ٢/ ق ١٠/ ٢)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٢٨٨)؛ وابن بطة في \"الإبانة\" (٧٩٨، ٨٠٦)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٠٨١) وآخرون.\nوعزاه الزبيدي في \"الإتحاف\" (٤/ ٥٢٦) لابن حبان فوهم.\nوقال البغوي في شرح السنة (١/ ٢٥٩): \"غريب\" وكذا نقل المصنف عن الترمذي وسبقه المزي في \"الأطراف\" (٢/ ٤٤٤) ولكني لم أجد هذا النقل في \"المطبوعة، وفيها سقط كثير\". فالله المستعان. وعلى كل حال فالسند ضعيف، وسهيل بن أبي حزم ضعفه أحمد والبخاري وأبو حاتم وغيرهم وقد خالفه حماد بن زيد في إسناده ومتنه كما شرحته في \"تسلية الكظيم\".\nوأخرج ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢١٣٠) من طريق محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس مرفوعًا: \"من قال في القرآن برأيه، فإن أصاب لم يؤجر\". وسنده ساقط، والكلبي تالف البتة، فكذبه غير واحد من النقاد. وفي الباب شواهد أخرى واهية.\n(^٥) في (ل) و(ن): \"القطيعي\" وهو خطأ.","vol":"1","page":12},{"text":"وفي لفظٍ لهم: \"مَنْ قَالَ فِي كِتَاب اللهِ بِرَأيِهِ فَأَصَابَ فَقَد أَخْطَأَ\"؛ أَيْ: لأنَّهُ قد تكلَّفَ مَا لَا عِلْمَ له به، وسلكَ غيرَ مَا أُمرَ به، فلَو أنَّهُ أصابَ المعنى في نفْسِ الأَمْرِ لكَانَ قد أَخْطَأَ؛ لأنَّهُ لم يأْتِ الأمرَ من بَابِهِ، كمن حَكَمَ بين النَّاس على جَهْل فهو في النَّار، وإنْ وَافَقَ حكمُهُ الصَّوَابَ في نَفْسِ الأمْرِ، لكن يكونُ أَخَفَّ جُرْمًا ممَّنْ أخَطَأَ. والله أعلَمُ.\nوهكذا سمى الله القَذَفَةَ: كاذِبِينِ؛ فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] فالقاذفُ كاذبٌ ولو كان قد قَذَفَ مَنْ زَنَى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحلُّ له الإخبارُ به؛ ولو كان أخبر بما يعلم؛ لأنه تكلَّفَ ما لا علم له به. والله أعلم.\nولهذا تحرَّج جماعةٌ من السَّلَفِ عن تفسيرِ ما لا عِلْمَ لهم به، كما روى شُعبةُ (^١)، عن سليمان، عن عبد الله بن مُرّة، عن أبي مَعْمَر؛ قال: قال أبو بكر الصِّدِّيقُ ﵁: أيُّ أرضٍ تُقِلُّني؛ وأيُّ سماءٍ تظلُّني، إذَا قُلتُ في كتابِ اللهِ (بِمَا) (^٢) (لا) (^٣) أعلم.\nوقال أبو عبيدٍ (^٤) القاسمُ بنُ سَلَّامٍ: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن العوَّم بنِ حَوْشب، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، أن أبا بكر الصدِّيقَ سُئل عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس] فقال: أيُّ سماءٍ تظلُّني؛ وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني، إذا أَنَا قلتُ في كتابِ الله ما لا أعلمُ. مُنْقَطِعٌ.\n_________\n(^١) إسناده ضعيف.\nأخرجه ابن جرير (٧٩) قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة بإسناده سواء. وأخرجه مسدد في \"مسنده\" كما في \"المطلب العالية\" (٣/ ٣٠٠) وعبد بن حميد - كما في \"الفتح\" (١٣/ ٢٧١) وهذا سند رجاله ثقات، ولكنه منقطع بين أبي معمر، -واسمه: عبد الله بن سخبرة-، وبين أبي بكر الصديق ﵁، كما صرح به الحافظ.\n(^٢) في (ن): \"ما\".\n(^٣) في (ع): \"لم\".\n(^٤) إسناده ضعيف.\nأخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (٥٨/ ١)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٣)؛ وعبد بن حميد، كما في \"الدر المنثور\" (٦/ ٣١٧)، وهو منقطع كما ذكر المصنف ﵀، وسبقه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في \"أصول التفسير\" (١٠٨) وتلاهما ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ٢٧١) وقد خولف العوام بن حوشب فيه. خالفه الحسن بن عبيد الله، فرواه عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن أبي بكر الصديق ﵁. فزاد: \"أبا معمر\" في سنده.\nأخرجه ابن جرير (٧٨)؛ وابن عبد البر في \"الجامع\" (٢/ ٥٢) من طريق حفص بن غياث، عن الحسن به وهو منقطع أيضًا كما تقدم.\nوأخرج البيهقي في \"المدخل\" (٧٩٢) عن سعيد بن منصور وهو في \"تفسيره\" (٣٩) ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، قال: سئل أبو بكر الصديق عن آية من كتاب الله ﷿ … فذكر نحوه.\nقال البيهقي في \"الشعب\" (٥/ ٢٢٨): \"ابن أبي مليكة عن أبي بكر مرسل\".\nوأخرج ابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٢)؛ والخطيب في \"الجامع\" (٢/ ١٩٣) من طريقين عن الحسن بن عمرو، عن عامر الشعبي، عن أبي بكر ﵁ نحوه. وهذا منقطع أيضًا.\nوأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٠٨٢) من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم، عن أبي بكر به.\nورواية حماد بن سلمة عن علي بن زيد مقاربة، فقد كان أثبت الناس فيه كما قال أبو حاتم، لكنه منقطع بين القاسم وجده ﵁.","vol":"1","page":13},{"text":"[وقال أبو (^١) عبيدٍ أيضًا: حدثنا يزيدٌ، عن حُميدٍ، عن أنسٍ -أنَّ عمرَ بْنَ الخطَّابِ قرأ على المنبر ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ فقال: هذه الفاكهةُ قد عرفناهَا، فما الأبُّ؟ ثم رجَعَ إلى نفسِهِ، فقال: إنَّ هذا لهو التكلُّفُ يا عمرُ!\nوقال (محمد بن سعدٍ) (^٢): حدَّثنَا سليمانُ بنُ حرب، حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ؛ قال: كُنَّا عند عمرَ بْنِ الخطَّاب ﵁ وفي ظَهْرِ قميصِهِ أربعُ رِقاعٍ، فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ فقال: فما الأبُّ؛ ثم قال: إنَّ هذا لهو التكلُّف؛ فما عليكَ أن لا تَدْريه؟] (^٣).\nوهذا كُلُّه محمولٌ على أنَّهُما ﵄ إنما أرادَا استكشافَ عِلْم كيفيَّةِ الأبِّ، وإلّا فكونه نَبْتًا من الأرضِ ظَاهرٌ لا يُجْهَل؛ (لقوله) (^٤) تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ [عبس: ٢٧، ٢٨].\nوقال ابنُ جريرٍ (^٥): حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدثنا ابنُ عُلَيَّة، عن أيُّوبَ، عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ سُئل عن آيةٍ لو سُئلَ عنها بعضُكُم لقال فيها، فأبى أن يقولَ فيها.\n\"إسْنَادٌ\" (^٦) صَحِيْحٌ.\nوقال أبو عبيدٍ: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مُليكة، قال: سأل رجل ابْنَ عباس عن ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]؟ فقال له ابن عباس: فما ﴿يَوْمٍ كَانَ (١/ ٤/ ٢) مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]؟ فقال له الرَّجُلُ: إِنَّما سألتُك لتحدِّثني؛ فقال ابنُ عبَّاسٍ: هما يومانِ ذكرهُما الله في كِتَابه الله أعلمُ بهما، فكره أنْ يقولَ في كتاب الله ما لا يعلم.\nوقال (أيضًا) (^٧) ابنُ جريرٍ (^٨): حدَّثني يعقوبُ -يعني: ابنَ إبراهيمَ- ثنَا ابنُ عُلَيَّة، عن مَهْديِّ بنِ\n_________\n(^١) إسناده صحيح.\nأخرجه أبو عبيد (٥٨/ ١)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٢، ٥١٣)؛ وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ق ١٨٦/ ١)؛ والحاكم (٢/ ٥١٤)، وعنه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٠٨٤) من طريق يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس.\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي.\n(^٢) ووقع في (ز) و(ك): \"عبد بن حميد\".\nوقد أخرجه عبد بن حميد في \"تفسيره\" - كما في \"الفتح\" (١٣/ ٢٧١)؛ وابن سعد (٣/ ٣٢٧) قالا: حدثنا سليمان بن حرب بسنده سواء.\nوأخرجه البخاري (١٣/ ٢٦٤، ٢٦٥) قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنا عند عمر فقال: \"نهينا عن التكلف\". هكذا أخرجه البخاري مختصرًا. وتكلم عليه الحافظ في \"الفتح\" بما يجدر أن يراجع.\nوأخرجه ابن جرير (٣٠/ ٦٠، ٦١)؛ وعبد بن حميد كما في \"الفتح\"؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٠٨٤)؛ والجوزقاني في \"الأباطيل\" (٧٠٤) من طرق عن الزهري، عن أنس. وسنده صحيح أيضًا. وقال الجوزقاني: \"هذا حديث صحيح\".\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) في (ن): \"كقوله\".\n(^٥) في \"تفسيره\" (٩٨) وسنده صحيح.\n(^٦) في (ل) و(ن): \"إسناده\".\n(^٧) في (ن): \"ابن جرير أيضًا\".\n(^٨) في \"تفسيره\" (٩٩) وسنده صحيح. والوليد بن مسلم هو ابن شهاب العنبري أبو بشر البصري وثقه ابن معين وأبو حاتم وابن حبان.","vol":"1","page":14},{"text":"ميمونٍ، عن الوليدِ بنِ مسلمٍ؛ قال: جاء طَلْقُ بن حبيبٍ إلى جُنْدُب بنِ عبد الله، فسأله عن آيةٍ من القرآنِ. فقال: أُحرِّجُ عليك إن كنْتَ مسلمًا لما قمْتَ عني -أو قالَ-: أَن تُجالسني.\nوقال مالك (^١)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب - أنه كان إذا سُئلَ عن تفسير آيةٍ من القرآنِ قال: إنَّا لا نقولُ في القرآنِ شَيئًا.\nوقال الليث (^٢)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب - إنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن.\nوقال شعبة (^٣)، عن عمرو بن مرة؛ قال: سأل رجلٌ سعيدَ بن المسيَّب عن آيةٍ من القرآنِ، فقال: لا تسألني عن القرآن، وسَلْ مَنْ يزعُم أنَّه لا يخفى عليه منه شيءٌ -يعني عِكْرمةَ-.\nوقال ابن شَوْذَب (^٤): حدَّثني يزيد (بن أبي يزيد) (^٥)، قال: كُنَّا نَسألُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ عن الحرَامِ والحَلَالِ، وكانَ أعلمَ النَّاسِ، فإذا سألناهُ عن تفسيرِ آيةٍ من القرآن سكت كأن لم يسمع.\nوقال ابنُ جريرٍ (^٦): حدَّثني أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، ثَنَا حمَّادُ بن زيدٍ، ثَنَا عبيد الله بن عمر؛ قال: لقد أدركتُ فُقَهاءَ المدينةِ وإِنَّهم لُيَعظِّمونَ القولَ في التفسير؛ منهم سالمُ بنُ عبدِ الله، والقاسمُ بنُ محمدٍ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، ونَافعٌ.\nوقَالَ أبو عبيدٍ (^٧): حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، عن (الليث) (^٨)، عن هشام بن عُرْوَة، قال: ما سمعت أبي يؤوِّل آيةً من كتابِ الله قطُّ.\nوقال أيوبُ (^٩)، وابنُ عَوْنٍ، وهشامٌ الدَّسْتُوائيُّ، عن محمدِ بنِ سيرينَ؛ سألتُ عَبِيدة -يعني: السلْمَانِيَّ- عن آيةٍ من القرآنِ، فقال: ذَهَبَ الذينَ كانوا يعلمُون فيمَ أنْزِل القرآنُ. فاتَّق الله، وعليك بالسَّدادِ.\nوقال أبو عُبيدٍ (^١٠): حدَّثنا معاذٌ، عن ابن عَوْنٍ، عن عبدِ الله بنِ مسلم بن يَسَارٍ، عن أَبِيهِ؛ قال: إذا حدّثْتَ عن الله حديثًا فقِفْ حتَّى تنظُرَ ما قبلَهُ وما بعدَهُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٩٣، ٩٤)؛ وابن سعد (٥/ ١٣٧) من طرق عن مالك بسنده سواء. وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٩٥) قال: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت الليث … فذكره وهذا سند صحيح. وتابعه عبد الله بن صالح، عن الليث به.\nأخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (٥٨/ ١، ٢).\n(^٣) أخرجه أبو عبيد (ق ٥٨/ ٢)؛ وابن جرير (١٠١)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١١) من طريق محمد بن جعفر، أخبرنا شعبة بسنده سواء. وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٠٠) قال: حدثني عباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنا عبد الله بن شوذب بسنده سواء. وسنده صحيح.\n(^٥) ساقط من (ج).\n(^٦) في \"تفسيره\" (٩٢) وسنده صحيح.\n(^٧) في \"فضائل القرآن\" (٥٨/ ٢) وسنده جيد.\n(^٨) في (ن): \"ليث\".\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٩٧) قال: حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، وابن عون، عن ابن سيرين به. وأخرجه أبو عبيد (٥٨/ ٢)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١١)؛ وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (٤٤)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٠٨٥) من طريق آخر عن ابن عون به. وسنده صحيح.\n(^١٠) في \"الفضائل\" (٥٨/ ٢) وسنده صحيح.","vol":"1","page":15},{"text":"حدَّثَنا (^١) هُشيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبْرَاهيمَ؛ قال: كانَ أصحابنا يتَّقُونَ التَّفسيرَ ويهابُونَه.\nوقال شعبة (^٢)، عن عبد الله بن أبي السّفَر؛ قال: قال الشعبي: والله ما من آيةٍ إلا وقد سألتُ عنها، ولكنَّها الرِّوايةُ عن الله ﷿.\nوقال أبو عُبيدٍ (^٣): حدَّثنا هُشَيمٌ، حدثنا عمرُ بنُ أَبِي زَائِدَةَ، عن الشَّعبيِّ، عن مسروقٍ؛ قال: اتَّقُوا التفسيرَ؛ فَإنَّما هو الرِّوايةُ عنِ الله.\nفهذه الآثارُ الصَّحيحةُ وما شَاكَلَهَا عن أئمَّة السَّلفِ محمولةٌ على تحرُّجِهِم عن الكلامِ في التفسيرِ بما لا علم لهم فِيهِ.\nفأما مَنْ تكلَّم بما يعلمُ من ذلك لُغةً وشَرْعًا فلا حَرجَ عليه؛ ولهذا رُوى عن هؤلاءِ وغيرِهِم أقوالٌ في التفسيرِ؛ ولا مُنافَاةَ؛ لأنَّهم تكلَّموا فيما عَلِموهُ وسكَتُوا عما جَهِلوهُ. وهذا هو الواجبُ على كلِّ أحدٍ؛ فإنَّه كما يجبُ السكوتُ عما لا علم له به فكذلك يجبُ القولُ فيما سُئل عنه بما يعلمُهُ؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]؛ ولمَا جَاءَ في الحديثِ (المرويِّ) (^٤) (١/ ٥/ ١) من طرقٍ: \"مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلجِمَ يومَ القِيَامَةِ بلجامٍ من نَّارٍ\" (^٥).\n(فَأَمَّا) (^٦) الحديثُ الَّذي رواه أبو جعفر (^٧) بنُ جريرٍ: حدَّثنا عبَّاسُ بنُ عبدِ العظيمِ، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (٥٨/ ٢).\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٢)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (٢٠٨٩) عن الثوري؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٢٢٢) عن جرير كلاهما عن مغيرة، عن إبراهيم فذكره. وإسناده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٠٢) قال: حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن شعبة بسنده سواء. وإسناده صحيح.\n(^٣) في \"الفضائل\" (ق ٥٨/ ٢) وسنده صحيح.\nتنبيه: شيخ هشيم في هذا الأثر هو: عمر بن أبي زائدة، ووقع في \"المطبوعات\" التي وقفت عليها من \"تفسير ابن كثير\": \"عمرو\" بالواو، فرجح الشيخ مقبل بن هادي حفظه الله في تحقيقه لـ\"التفسير\" أنه عمرو بن دينار قال: \"قد ذكروه من مشايخ هشيم ويكون السند هكذا: هشيم، حدثنا عمرو وابن أبي زائدة. وابن أبي زائدة هو زكريا\". اهـ. وقد علمت الصواب وأنه عمر بن أبي زائدة وهو أخو زكريا وقد وثقه ابن معين وغيره وأثنى عليه أحمد.\n(^٤) في (ن): \"الذي روى\".\n(^٥) حديث صحيح.\nأخرجه أبو داود (١٠/ ٩١ - عون)؛ والترمذي (٧/ ٤٠٧، ٤٠٨ تحفة)؛ وابن ماجه (٢٦١)؛ وأحمد (٢/ ٢٩٦، ٢٩٩، ٥٠٨)؛ والطيالسي (٢٥٣٤)؛ وأبو يعلى (١١/ ٢٦٨)؛ وابن حبان (٩٥)؛ والحاكم (١/ ١٠١) وخلق آخرون من طرق كثيرة عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره.\nقال المصنف في \"تفسير سورة البقرة. الآية ١٥٩\": \"وقد ورد الحديث في \"المسند\" من طرق يشد بعضها بعضًا\". وقال العقيلي: \"إسناده صالح\".\nوقال الحافظ في \"القول المسدد\": \"والحديث صالح للحجة\".\nوقد ورد الحديث من طريق جماعة من الصحابة، منهم: \"عبد الله بن عمرو، وابن عباس، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وعمرو بن عبسة، وطلق بن علي، وسعد بن المدحاس ﵃\"، أتيت على تخريجها كلها في \"تسلية الكظيم\". فلله الحمد.\n(^٦) في (ن): \"وأما\".\n(^٧) منكر. =","vol":"1","page":16},{"text":"محمدُ بنُ خالدِ بن عَثْمَةَ، حدَّثنا (جعفر) (^١) بنُ محمدٍ الزُّبيريُّ، حدَّثني هشامُ بنُ عروةَ، عن أَبيه، عن عَائشةَ؛ قالت: ما كَانَ النّبيُّ ﷺ يُفسِّرُ شَيئًا من القرآنِ إلا آيًا (بعَدَدٍ) (^٢) علَّمهنَّ إِيَّاهُ جبربلُ ﵇.\nثمَّ رواهُ (^٣) عن أبي بكر محمد بن يزيد الطَّرْسُوسي، عن مَعْن بن عيسى، عن جعفر بن خالد، عن هشام، به.\nفإنَّهُ حَديثٌ مُنْكَرٌ غَرِيبٌ.\nوجعفرٌ هذا هو ابنُ محمدِ بنِ خالدِ بنِ الزُّبيرِ بنِ العوَّامِ القُرشيُّ الزُّبيريُّ. قال البُخاريُّ: \"لا يُتَابَعُ في حديثهِ\". وقال الحافظُ أبو الفتحِ الأَزديُّ: \"مُنْكَرُ الحديثِ\"، وتكلَّم عليه الإمامُ أبو جعفرٍ بما حاصِلُهُ أنَّ هذهِ الآياتِ مما لا يُعْلَمُ إلَّا بالتَّوقيفِ عن الله تعالى مما وقفه عليها (جبريلُ) (^٤).\nوهذا تأويلٌ صحيحٌ لو صحَّ الحديثُ فإنَّ من القرآنِ ما استأثَرَ الله تعالى بعلمِه.\nومنه ما يعلمُهُ العلماءُ، ومنه ما تعلمُهُ العربُ من لُغاتِها، ومنه ما لا يُعذَرُ أحدٌ في \"جَهْلِهِ\" (^٥)؛\n_________\n= أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٩٠) قال: حدثنا العباس بن عبد العظيم، قال: حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: حدثني جعفر بن محمد الزبيري، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. كذا رواه العباس.\nوخالفه محمد بن المثنى فقال: حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، ثنا حفص، أظنه ابن عبد الله، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. فجعل شيخ \"ابن عثمة\" هو \"حفص بن عبد الله\" بدل \"جعفر بن محمد الزبيري\". أخرجه البزار (ج ٣/ رقم ٢١٨٥).\nوأخشى أن يكون هذا من البزار نفسه.\nفقد رواه معن القزاز عن فلان بن محمد بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. أخرجه أبو يعلى (ج ٨/ رقم ٤٥٢٨) قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا معن القزاز. و\"فلان\" هذا هو جعفر.\nفقد أخرجه الطبري (٩١) قال: حدثنا أبو بكر محمد بن يزيد الطرسوسي، قال: أخبرنا معن، عن جعفر بن خالد، عن هشام بسنده سواء.\nوأخرجه ابن شاهين في \"الأفراد\" (ج ٥/ ق ١٠٩/ ٢ - ١١٠/ ١) قال: حدثنا البغوي، قال: ثنا هارون بن عبد الله، قال: ثنا معن بن عيسى، قال: ثنا جعفر بن محمد بن خالد الزبيري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا.\nقال ابن شاهين: \"وهذا حديث غريب من حديث المدينة، لا أعلم رواه عن جعفر بن محمد الزبيري إلا معن بن عيسى وخالد بن مخلد القطواني\". ثم رواه من طريق القطواني وقال: قال لنا عبد الله بن محمد؛ يعني: البغوي، هذا حديث غريب لم نسمعه إلا منه؛ يعني: من هارون بن عبد الله. اهـ. وقول ابن شاهين: \"لا أعلم رواه عن جعفر إلا معن وخالد، متعقب بأن محمد بن خالد بن عثمة رواه أيضًا عن جعفر كما مر ذكره\".\nفيترجح من هذا أنه \"جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري\" كما قال ابن كثير: ﵀.\nقال البخاري: \"لا يتابع على حديثه\".\nوقال الأزدي: \"منكر الحديث\".\nوقال الطبري (١/ ٨٩ - شاكر): \"وجعفر بن محمد الزبيري لا يعرف في أهل الآثار\".\n(^١) في (ن): \"أبو جعفر\" وهو خطأ.\n(^٢) في (ز) و(ك): \"تعد\" وهي مخالفة لما في \"الطبري\" وبقية الأصول.\n(^٣) رقم ٩١.\n(^٤) في (ى): \"جبرائيل\".\n(^٥) في (ن): \"جهالته\".","vol":"1","page":17},{"text":"كما صرَّحَ بِذلكَ ابنُ عبَّاسٍ فيما (^١) قال ابنُ جريرٍ (^٢): حدَّثَنَا (محمدُ) (^٣) بنُ بَشَّارٍ، حدّثنا مُؤَمَّلٌ، حدّثنا سُفَيانُ، عن أبي الزِّنِادِ؛ قال: قال ابنُ عبَّاسٍ: التَّفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ: وجهٌ تعرفُهُ العربُ من كلامِهَا، وتفسيرٌ لا يُعْذرُ أحدٌ بِجَهَالتِهِ، وتفسيرٌ يعلمُهُ العلماءُ، وتفسيرٌ (لا يعلمُهُ) (^٤) إلَّا اللهُ.\nوقال ابنُ جَريرٍ (^٥): وقد رُوى نحوُهُ في حديثٍ في إسْنَادِهِ نظرٌ؛ حدَّثني (يونسُ) (^٦) بنُ عبدِ الأعلى الصَّدفيُّ، أنبأنا ابنُ وهب (قال) (^٧): سمِعتُ عمرو بنَ الحارثِ يحدِّث عن الكَلْبي، عن أبي صالح (مولى أم هانئ) (^٨) عن ابنِ عبَّاسٍ -أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"أُنزِلَ القُرآنُ على أَرْبَعَةِ أحرُفٍ: حلالٌ وحرامٌ لا يُعْذَر أحدٌ بالجهالة بِهِ، وتفسيرٌ: تفسِّرُهُ العربُ، وتفسيرٌ تفسِّرُهُ العلماءُ، ومتشابِهُ لا يعلمُهُ إلّا الله ﷿، وَمَنِ ادَّعى علمَهُ سوى الله فهو كاذبٌ\".\nوالنَّظَرُ الذي أشارَ إليه في إسنادِهِ هو من جِهَةِ محمَّدِ بنِ السَّائِبِ الكَلْبِيِّ، فإنَّه متروكُ الحديثِ، لكن قد يكونُ إنَّما وَهِمَ في رَفعِهِ؛ ولعلَّه من كلامِ ابنِ عبَّاسٍ كما تقدَّمَ. والله أعلمُ.\n_________\n(^١) من أول هنا: بداية النسخة (هـ).\n(^٢) في \"تفسيره\" (٧١) وسنده ضعيف لانقطاعه، فإن أبا الزناد لم يسمع من ابن عباس فقد قال أبو حاتم الرازي، كما في \"المراسيل\": (١١١): \"أبو الزناد لم ير ابن عمر\" وكلاهما مدني، فأولى أن لا يرى ابن عباس، وذلك لأن ابن عمر مات سنة (٧٣) ومات ابن عباس بالطائف سنة (٦٨). وقال البخاري: \"أبو الزناد لم يسمع من أنس\" ومات أنس سنة (٩٢) أو بعدها بسنة، فأولى أن لا يسمع من ابن عباس، والله أعلم.\n(^٣) ساقط من (هـ).\n(^٤) في (ن): \"يعلمه أحد\".\n(^٥) في \"تفسيره\" (٧٢)، وأخرجه ابن المنذر، وأبو نصر السجزي، وابن الأنباري في \"الوقف\"، كما في \"الكنز\" (٢/ ٥٥)، وإسناده ساقط، ومحمد بن السائب تالف.\n(^٦) في (ى): \"يوسف\"! وهو خطأ ظاهر.\n(^٧) زيادة من (ز) وهي ثابتة في \"الطبري\".\n(^٨) كذا في \"الطبري\" و(ج) و(ك) و(ل) و(ن) وهو الصواب. ووقع في (ز) و(ع) و(ى): \"عن أم هانئ\" وهو خطأ ظاهر. ووقع في (هـ): \"عن مرة الهمداني\"!! وهو خطأ فاحش!","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>كتاب فضَائِلِ القرآن</span>\n﷽\nقال البخاري (^١) ﵀: \"كيف (نزول) (^٢) الوحي؟ وأول ما نزل\" قال ابن عباس: المهيمن الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله.\nحدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، قال: أخبرتني عائشة، وابن عباس قالا: لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة (عشرًا) (^٣). اهـ.\nذكر البخاري ﵀ كتاب \"فضائل القرآن\" بعد \"كتاب التفسير\"، لأن التفسير أهمُّ، فلهذا بدأ به. (ونحن قدمنا \"الفضائل\" قبل \"التفسير\"، وذكرنا فضل كلِّ سورةٍ قبل تفسيرها، ليكون ذلك باعثًا على حفظ القرآن وفهمه والعمل بما فيه. والله المستعانُ) (^٤). وقولُ ابنِ عباسٍ في تفسير: \"المهيمن\": إنما يريدُ به البُخاريُّ قوله تعالى في: \"المائدة\" بعد ذكر التوراة والإنجيل ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: ثنا المثنى، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية عن علي -يعني: ابن أبي طلحة- عن ابن عباس (في) (^٥) قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال: المهيمنُ الأمينُ قال: القرآنُ أمينٌ على كلِّ كتابٍ قبله، وفي روايةٍ شهيدًا عليه.\nوقال سفيانُ الثَّوْريُّ وغيرُ واحدٍ من الأئمة عن أبي إسحاق السبيعي، عن التميمي، عن ابن عبَّاسٍ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال: مؤتمنًا، وبنحو ذلك قال مجاهد والسُّدِّيُّ وقتادةُ وابنُ جريج والحسنُ البصريُّ وغيرُ واحدٍ من أئمة السَّلَفِ.\nوأصلُ الهيمنة: الحفظُ والارتقابُ، يُقالُ: (إذا رقب) (^٦) الرَّجلُ الشيء وحفظه وشهده: قد هيمن فلانٌ عليه، فهو مهيمنٌ هيمنةً، وهو عليه مهيمنٌ.\nوفي أسماء الله تعالى ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] وهو الشهيدُ على كلِّ شيءٍ القريبُ الحفيظُ بِكُلِّ شيءٍ.\n_________\n(^١) في \"كتاب فضائل القرآن\" من \"صحيحه\" (٩/ ٣).\n(^٢) كذا في \"الأصول\" كلها. وفي \"البخاري\" (٩/ ٣): \"نزل\". قال الحافظ في \"الفتح\": \"كذا لأبي ذر: \"نزل\" بلفظ الفعل الماضي، ولغيره: \"كيف نزول الوحي\" بصيغة الجمع\". اهـ.\n(^٣) كذا في \"الأصول\". وفي \"البخاري\": \"عشر سنين\".\nقال الحافظ: \"عشر سنين، كذا للكشميهني، ولغيره: \"وبالمدينة عشرًا\" بإبهام المعدود\". اهـ.\n(^٤) وقع في (أ): \"فلهذا بدأ به، فجرينا على منواله وسننه مقتدين به\".\nوما أثبته من (ج) و(ط) و(ل) وهي متأخرة عن (أ) فهذا يدل على أن ابن كثير هو الذي غير موضع \"الفضائل\"، فنقلها إلى أول الكتاب بدل آخره، وقد أحسن بذلك ﵀. والله أعلم.\n(^٥) من (ج).\n(^٦) في (ج): \"أرقب\".","vol":"1","page":19},{"text":"وأما الحديث الذي أسنده البخاري أنه ﵇ أقام بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرًا، فهو مما انفرد به البخاري (^١) دون مسلم، وإنما رواه النسائي من حديث شيبان وهو ابن عبد الرحمن، عن يحيى وهو (ابن أبي كثير) (^٢) عن أبي سلمة عنهما.\nوقال أبو عبيد القاسم (^٣) بن سلام: حدثنا يزيد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثم قرأ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء] هذا إسناد صحيح.\nأما إقامتُهُ بالمدينة عشرًا فهذا مما لا خلافَ فيه. وأما إقامتُهُ بمكَّةَ بعد النُّبُوةِ فالمشهورُ ثلاثَ عَشرَةَ سنةً؛ لأنه ﵇ أوحي إليه وهو ابن أربعين سنة، وتوفي وهو ابن ثلاثٍ وستينَ سنةً على الصَّحيحِ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٩/ ٣ - فتح).\nوأخرجه النسائي في \"الفضائل\" (رقم ١) عن حسين بن محمد. وأحمد (٢٦٩٦) حدثنا حسن؛ يعني: ابن موسى الأشيب، قالا: حدثنا شيبان … فذكره.\nوهذا إسناد صحيح.\nوقال المصنف في \"تاريخه\" (٥/ ٢٥٧): \"لم يخرجه مسلم\".\nوأخرج ابن الضريس في \"فضائل القرآن\" (١٢٦) بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: \"كان يقال: أنزل القرآن على نبي الله ﷺ في ثماني سنين بمكة، وعشرًا بعد ما هاجر\". وكان قتادة يقول: \"عشر بمكة وعشر بالمدينة\".\n(^٢) في (أ): \"ابن كثير\".\n(^٣) في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٢٢).\nوأخرجه النسائي في \"الفضائل\" (١٤، ١٥)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣٣)؛ والطبري في \"تفسيره\" (١٥/ ١١٩)؛ والحاكم (٢/ ٢٢٢) من طريق عن داود بن أبي هند بسنده سواء.\nوقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي؛ وهو كما قالا.\nوعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٠٥) لابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي.\nوأخرج الطبراني في \"الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٢٣٨٢) من طريق عمرو بن عبد الغفار، ثنا الأعمش، ثنا حسان أبو الأشرس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر] قال: \"أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا، ونزله جبريل ﵇ على محمد ﷺ بجواب كلام العباد وأعمالهم\".\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٤٠): \"في إسناده عمرو بن عبد الغفار وهو ضعيف\".\nقلت: لم يتفرد به. فتابعه جرير بن عبد الحميد، وعمار بن رزيق، وأبو بكر بن عياش والثوري فرووه عن الأعمش بسنده سواء تامًا ومختصرًا.\nأخرجه النسائي (١٦)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣٣)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢٢٩٠)؛ والحاكم (٢/ ٢٢٣) وقال: \"صحيح الإسناد\".\nوتابعه منصور بن المعتمر عن سعيد بن جبير بسنده سواء.\nأخرجه الطبري (٣٠/ ١٦٦، ١٦٧)؛ والحاكم (٢/ ٢٢٢، ٥٣٠) وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي.\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٥٣٠) من طريق حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي! وليس كما قالا؛ فلم يخرج الشيخان لحكيم بن جبير شيئًا، ثم هو ضعيف.","vol":"1","page":20},{"text":"ويحتملُ أنَّهُ حذف ما زاد على العشر اختصارًا في الكلام؛ لأن العرب كثيرًا ما يحذفون الكسور في كلامهم، أو أنَّهما إنما اعتبرا قرن جبريل ﵇ (به ﵇ (^١).\nفإنه قد روى الإمام أحمدُ أنَّه قرن به ﵇ ميكائيل في ابتداء الأمر يلقى إليه (الكلمة) (^٢) والشيء ثم قرن به جبريل. ووجهُ مناسبة هذا الحديث بفضائل القرآن أنه ابتدئ بنزوله في مكان شريف وهو البلد الحرام، كما أنه (كان) (^١) في زمن شريف، وهو شهر رمضان، فاجتمع له شرف الزمان والمكان.\nولهذا يُستحبُّ إكثارُ تلاوة القرآن في شهر رمضانَ؛ لأنَّهُ ابتدئ بنزوله. ولهذا كان جبريلُ (^٣) يعارضُ به رسول الله ﷺ (^١) في كل سنة في شهر رمضان، فلما كانت السنة التي توفي فيها عارضه (به) (^١) مرتين تأكيدًا وتثبيتًا.\nوأيضًا ففي (هذا) (^١) الحديث بيانٌ أنه من القرآن مكي، ومنه مدني. فالمكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة سواء كان بالمدينة أو بغيرها من أي البلاد كان، حتى ولو كان بمكة أو عرفة.\nوقد أجمعوا على سُورٍ أنَّها من المكيِّ، وأُخَر أنَّها من المَدَنِيِّ، واختلفُوا في أُخَر. وأراد بعضهم ضَبْطَ ذلكَ بضوابطَ في تقييدِهَا عُسْرٌ ونَظَرٌ.\nولكنْ قَالَ بَعضُهُم: كلُّ سورةٍ في أوَّلها شيءٌ من الحروفِ المقَطَّعة فهي مكيَّةٌ، إلَّا البقرة وآل عمران، كما أن كل سورة فيها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهي مدنية، وما فيه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فيحتمل أن يكون من هذا ومن هذا، والغالب أنه مكي. وقد يكون مدنيًّا كما في البقرة ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة].\nقال أبو عبيد (^٤): حدثنا أبو معاوية، حدثنا من سمع الأعمش يحدث عن إبراهيم، عن علقمة: كل شيء في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه أنزل بالمدينة، وما كان منها ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فإنه أنزل بمكة.\nثم قال (^٥): حدثنا علي بن معبد، عن أبي المليح، عن ميمون بن مهران، قال: ما كان في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ -و- ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] فإنه مكي.\n_________\n(^١) ساقط من (أ).\n(^٢) في (ج): \"الحكمة\".\n(^٣) ورد هذا من حديث فاطمة الزهراء، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃ وتأتي أحاديثهم قريبًا إن شاء الله تعالى.\n(^٤) في \"الفضائل\" (ص ٢٢٢).\nوأخرجه أيضًا ابن الضريس في \"فضائل القرآن\" (٢٦) قال: أنبأنا ابن نمير، قال: حدثنا أبو معاوية بسنده سواء. هكذا رواه أبو معاوية، عن رجل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قوله. ورواه قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود فذكر مثله.\nأخرجه البزار (ج ٣/ رقم ٢١٨٦) وقال: \"لا نعلم أحدًا أسنده إلا قيس، وغيره يرسله\" والبزار يشير إلى رواية أبي معاوية السابقة، لكن قيسًا لم يتفرد به كما قال، فتابعه الجراح بن مليح الرؤاسي، فرواه عن الأعمش مثل رواية قيس.\nأخرجه الحاكم (٣/ ١٨) من طريق يحيى بن معين، ثنا وكيع بن الجراح، عن أبيه. وسنده صحيح.\n(^٥) في \"الفضائل\" (ص ٢٢٢).","vol":"1","page":21},{"text":"وما كان ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه مدني.\nومنهم من يقول: إن بعض السور نزل مرتين: مرة بالمدينة ومرة بمكة، والله أعلم. ومنهم من يستثنى من المكي آيات، يدعى أنها من المدني، كما في سورة الحج وغيرها.\nوالحق في ذلك ما دل عليه الدليل الصحيح، فالله أعلم.\nوقال أبو عبيد (^١): حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة قال: نزلت بالمدينة سورةُ البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والحج، والنور، والأحزاب، والذين كفروا (^٢)، والفتح، والحديد، والمجادلة، والحشر والممتحنة، والحواريون (^٣)، والتغابن، و﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق] و﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم] والفجر، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل] و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر] و﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة] (^٤) و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة] و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر]. وسائر ذلك بمكة.\nهذا إسناد صحيح عن ابن أبي طلحة مشهور، وهو أحد أصحاب ابن عباس الذين رووا عنه التفسير.\nوقد ذكر في المدني سورًا في كونها مدنية نظر.\n(وفاته) (^٥) الحجرات والمعوذات.\n\n<span data-type='title' id=toc-15>الحديث الثاني</span>\nوقال البخاري: حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدثنا معتمرٌ، قال: سمعتُ أَبِي، عن أبي عثمان، قال: أُنبئتُ أَنَّ جبريلَ ﵇ أتى النَّبيَّ ﷺ وعنده أمُّ سلَمَةَ فجعل يتحدَّثُ، فقال النبَّي ﷺ: \"من هذا؟ \" أو كما قال، قالت: هذا دِحْيَةُ، فلمَّا قام قالت: والله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي ﷺ بخبر جبريل أو كما قال.\nقال أُبي (^٦): فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد ﵁.\nوهكذا رواه أيضًا في \"علامات النبوة (^٧) \" عن عباس بن الوليد النرسي، ومسلم في \"فضائل أم سلمة\" عن عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن عبد الأعلى كلُّهم عن معتمر بن سليمان به.\nوالغرضُ من إيراده هذا الحديثَ ههنا أنَّ السفيرَ بين الله وبين محمد ﷺ جبريلُ ﵇، وهو مَلكٌ كريمٌ، ذو وَجَاهةٍ وجلالةٍ ومكانةٍ، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ الآيات [التكوير].\n_________\n(^١) في \"الفضائل\" (ص ٢٢١).\n(^٢) يعني: سورة محمد ﷺ.\n(^٣) يعني: سورة الصف.\n(^٤) سقط من (أ) و(ط).\n(^٥) في (أ): \"وما به\".\n(^٦) القائل: هو معتمر بن سليمان.\n(^٧) من \"صحيحه\" (٦/ ٦٢٩ - فتح).\nوأخرجه أيضًا في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٣)؛ ومسلم (٢٤٥١/ ١٠٠) من طرق عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد. وعند مسلم زيادة في أوله.","vol":"1","page":22},{"text":"فمدح الربُّ ﵎ عبديه ورسوليه جبريل ومحمدًا (صلوات الله وسلامه عليهما) (^١)، وسنستقصى الكلام على تفسير هذا المكان في موضعه إذا وصلنا إليه إن شاء الله تعالى وبه الثقةُ.\nوفي الحديث فضيلة عظيمة لأم سلمة ﵄، كما بينه مسلم ﵀ لرؤيتها هذا الملك العظيم، وفضيلة -أيضًا- لدحية بن خليفة الكلبي، وذلك أن جبريل ﵇ (كثيرًا) (^٢) ما (كان يجيء) (^٣) إلى رسول الله ﷺ على (صورته) (^٤)، وكان جميل الصورة ﵁، وكان من قبيلة أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، كلهم ينسبون إلى كلب بن وبرة، وهم قبيلة من قضاعة، وقضاعة قيل إنهم من عدنان، وقيل من قحطان، وقيل بطن مستقل بنفسه، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-16>الحديث الثالث</span>\nحدثنا (^٥) عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثنا سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ: \"ما من الأنبياء نبي إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\".\nورواه أيضًا في \"الاعتصام\" عن عبد العزيز بن عبد الله. ومسلمٌ والنسائيُّ، عن قتيبة جميعًا عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه واسمه كيسان المقبري به.\nوفي هذا الحديث فضيلةٌ عظيمةٌ للقرآنِ المجيدِ على كُلِّ معجزةٍ أُعطيها نبيٌّ من الأنبياءِ وعلى كلِّ كتابٍ أنزلَهُ.\nوذلكَ أنَّ مَعْنَى الحديثِ: \"مَا مِنْ نبَّي إلَّا أُعْطِيَ -؛ أَيْ: مِنَ المعجزاتِ- ما آمنَ عليه البَشَرُ\"؛ أي: ما كان دَليلًا على تصديقِهِ فيما جاءَهُم به واتَّبعَهُ مَنِ اتَبَعَهُ من البَشَر، ثم لما مات الأنبياءُ لم تبقَ لهم معجزةٌ بعدهم إلا ما يحكيه أتباعُهُم عما شاهدوهُ في زمانِهِ.\nوأما الرسولُ الخاتَمُ للرسالةِ محمدٌ ﷺ فَإِنَّما كان معظمُ ما آتاهُ الله وَحْيًا منه إليهِ منقُوْلًا إلى النَّاس بالتواتُرِ، ففي كلِّ حينٍ هو كما أُنزِلَ. فلهذا قَالَ: \"فَأَرجُو أنْ أكُوْنَ أَكْثَرَهُمُ تَابِعًا\" وكذلك وَقَعَ. فإنَّ أتباعَهُ أكثرُ من أتباعِ الأَنْبياء لعمومِ رسالتِهِ، ودوامِها إلى قيام السَّاعة واستمرارِ معجزتِهِ. ولهذَا قال الله (تبارك و) (^٦) تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء].\n_________\n(^١) في (أ): \"صلى الله وسلم عليهما\".\n(^٢) في (أ): \"كان كثيرًا\".\n(^٣) في (أ): \"يأتي\".\n(^٤) في (أ): \"على صورة دحية\".\n(^٥) القائل هو البخاري، رحمه الله تعالى، في \"صحيحه\" (٩/ ٣ - فتح).\nوأخرجه أيضًا \"كتاب الاعتصام\" (١٣/ ٢٤٧)؛ ومسلم (١٥٢/ ٢٣٩)؛ والنسائي في \"التفسير\" (١٤٩)؛ وفي \"فضائل القرآن\" (٢)؛ وأحمد (٢/ ٣٤١، ٤٥١)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (١٠/ ٢٣٣)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٩/ ٤)؛ وفي \"الدلائل\" (٧/ ١٢٩)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (١٣/ ١٩٥، ١٩٦) من طرق عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nقال أبو نعيم: \"صحيح ثابت\".\n(^٦) من (ج).","vol":"1","page":23},{"text":"ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود] ثم تحداهم إلى أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس] وقصر التحدي على هذا المقام في السور المكية. كما ذكرنا في المدينة أيضًا، كما في سورة البقرة حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة] وأخبر أنهم عاجزون عن معارضته بمثله وأنهم لا يفعلون ذلك في المستقبل أيضًا.\nهذا وهم أفصحُ الخلقِ وأعلمهُمُ بالبلاغة والشعر (وقريظ) (^١) الكلامِ وضُرُوبِهِ، لكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحدٍ من البشر به من الكلام الفصيحِ البليغِ الوجيزِ المحتوى على العلومِ الكثيرةِ الصحيحة النَّافِعَةِ، والأخبارِ الصَّادقة، عن الغيوب الماضية والآتية، والأحكامِ العادلة المحكمةِ، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].\nوقال الإمامُ أحمدُ بنُ حَنْبلٍ (^٢): حدثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدّثنا أبي، حدّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ قال: ذكر محمدُ بنُ كعب القُرَظِيُّ عن الحارثِ بن عبد الله الأعور قال: قلت: لآتينَّ أميرَ المؤمنين فَلَأسألنَّه عمَّا سمعتُ العشيَّةَ، قال: فجئتُهُ بعد العشاء فدخلتُ عليه، فذكرَ الحديثَ. قال: ثم قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: \"أَتَانِي جِبريلُ فقال: يا محمدُ أُمَّتُكَ مختلفةٌ بعدكَ -قال:- فقلت له: فأينَ المخرجُ يا جبريلُ؟ -قال:- فقال: (كتاب الله) (^٣)، به يقصِمُ الله كلَّ جبَّارٍ، من اعتَصَمَ به نَجَا، ومن تركَهُ هَلَكَ -مَرَّتينِ- قولٌ فَصْلٌ، وليس بالهَزْلِ، لا تخلُقُه الألسنُ، ولا تفنى عجائبُهُ، فيه نبأُ ما كان قبلكم، وفصلُ ما بينكم، وخبرُ ما هو كائنٌ بعدكم\". هَكَذَا رواهُ الإمامُ أحمدُ.\nوقد قَالَ أبو عيسى التّرمِذِيُّ (^٤): حدثنا عبدُ بنُ حُمَيدٍ، حدَّثَنا حسينُ بنُ عليٍّ الجُعِفيُّ، حدّثنا\n_________\n(^١) في (أ): \"قريض\" وهما بمعنىً.\n(^٢) أخرجه أحمد في \"المسند\" (١/ ٩١) ومن طريقه ابن بشران في \"الأمالي\" (ج ١/ ق ٦/ ٢) بسنده سواء. وهذا سند ضعيف جدًا، وابن إسحاق مدلس، وقد استخدم ما يدل على التدليس قطعًا، لكنه متابع كما يأتي. والحارث الأعور واهي الحديث.\n(^٣) في (أ): \"في كتاب الله\"؛ وحرف الجر مقحم، ليس في \"الأصول\" ولا في \"المسند\".\n(^٤) في \"سننه\" (٢٩٠٦).\nوأخرجه الدارمي (٢/ ٣١٢، ٣١٣)؛ وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\"، كما في \"النكت الظراف\" (٧/ ٣٥٧)، وعنه ابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ٧٥)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٢)؛ وأبو طاهر المخلص في \"الفوائد\" (ج ٩/ ق ٢٠٤/ ١، ٢)؛ وابن الأنباري في \"الوقف والابتداء\" (ق ٢/ ١، ٢)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٧٨٨)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٤٣٧، ٤٣٨)؛ والشجري في \"الأمالي\" (١/ ٩١) من طريق حمزة بن حبيب الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث، عن علي فذكره.\nقال الترمذي: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول وفي حديث الحارث مقال\". اهـ.\n* قلت: وهذا سند ضعيف جدًا. والحارث الأعور متروك الحديث.","vol":"1","page":24},{"text":"حمزةُ الزَّيَّاتُ عن أبي المختار الطَّائي، عن ابنِ أخي الحارثِ الأعورِ، عن الحارثِ الأعورِ قال: مررتُ في المسجد فإذا النَّاسُ يخوضون في الأحاديثِ، فدخلتُ على عَليٍّ فقلتُ: يا أمير المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: (وقد) (^١) فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنها ستكون فتنة\" فقلت: ما المخرجُ منها يا رسول الله؟ قال: \"كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبرُ ما بعدكم، وحكمُ ما بينكم، هو الفصلُ، ليس بالهزل، من تركه من جبارٍ قصمهُ الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلَّهُ الله. وهو حبلُ الله المتينُ، وهو الذكرُ الحكيمُ، وهو الصراطُ المستقيمُ، هو الذي لا تزيغُ به الأهواءُ، ولا تلتبسُ به الألسِنَةُ، ولا يشبَعُ منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١، ٢] من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم\" خذها إليك يا أعور. ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال.\n(قُلْتُ) لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات بل قد رواه محمدُ بنُ إسحَاقَ، عن محمد بن كعب القُرظي، عن الحارث الأعور فبرئ حمزةُ من عهدته. على أَنَّهُ وإن كان ضعيف الحديث (إلَّا أنه) (^٢) إمام في القراءة. والحديثُ مشهورٌ من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه بل (قد) (^٣) كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه (يتعمد) (^٤) الكذب في الحديث فلا، والله أعلم.\nوقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين عليَّ ﵁، وقد وهم بعضُهم في رفعه، وهو كلام حسن (^٥) صحيح على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ.\nقال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه \"فَضَائلُ (^٦) القُرْآنِ\": حدثنا أبو اليقظان، حَدَّثنا عمار بن محمد الثوري أو غيره عن إسحاق الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"إن هذا القرآن مأدبةُ الله فتعلَّموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمةٌ لمن تمسك به، ونجاةٌ لمن\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(ل) و\"الترمذي\". وفي (أ) و(ط): \"أو قد\".\n(^٢) في (أ): \"فإنه\".\n(^٣) ساقط من (ج).\n(^٤) في (أ): \"تعمد\".\n(^٥) يقصد: معناه، لا ثبوته.\n(^٦) \"الفضائل\" (ص ٢١).\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٢، ٤٨٣) وعند ابن شاهين في \"الترغيب\" (٢٠١)؛ وابن الضريس في \"فضائل القرآن\" (٥٨) مختصرًا، وابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ١٠٠)، وابن نصر في \"قيام الليل\" (٧٠)؛ والحاكم (١/ ٥٥٥)؛ وأبو بكر الكلاباذي في \"معاني الأخبار\" (ق ٢٠٩/ ٢ - ٢٣٨/ ١)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٧٨٦)؛ وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ٢٧٨)؛ والخطيب في \"الجامع\" (١/ ١٠٧)؛ وابن الجوزي في \"الواهيات\" (١/ ١٠١)؛ والشجري في \"الأمالي\" (١/ ٨٤) من طرقٍ عن إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص عن ابن مسعود مرفوعًا.\nوعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٣٣٧) لابن الأنباري في \"المصاحف\" ولا يصح كما يأتي ذكره.","vol":"1","page":25},{"text":"(تبعه) (^١)، لا يَعْوَجُّ فيقوَّمُ، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلَقُ عن كثرة الرَّدِّ، فاتْلُوهُ، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا (أقول) (^٢): ألم (حرف) (^٣)، ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر\".\nوهذا غريب (^٤) من هذا الوجه، ورواه محمد بن فضيل عن أبي إسحاق الهجري، واسمه إبراهيم بن مسلم وهو أحد التابعين، ولكن تكلموا فيه كثيرًا، وقال أبو حاتم الرازي: لين ليس (بقوي) (^٥). وقال أبو الفتح الأزدي: رفَّاعٌ كثيرُ الوَهَم.\n(قلت): فيُحتملُ -والله أعلم- أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما هو من كلام ابن مسعود، ولكن له شاهد من وجه آخر، والله أعلم.\nوقال أبو عبيد (^٦) أيضًا: حدثنا حجَّاجٌ، عن إسرائيلَ، عن أَبي إسحَاقَ، عن عبدِ الله بنِ يزيدَ، عن عبدِ الله بنِ مسعُودٍ قال: لا يَسْأَلُ عَبْدٌ عن نَفْسِهِ إلا القُرْآنَ، فإِنْ كَانَ يحبُّ القرآنَ فإنَّه يحبُّ اللهَ ورسولَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-17>الحديث الرَّابعُ</span>\nقال البخاريُّ (^٧): حدَّثنا عمرو بنُ محمدٍ، حدّثنا يعقوبُ بنُ إبرَاهِيمَ، ثنا أَبي عن صَالح بنِ كَيْسَانَ، عن ابنِ شهابٍ قال: أخبرني أنسُ بنُ مالكٍ أنَّ الله تابَعَ الوَحْى على رسولِهِ ﷺ قبل وَفَاتِهِ حتَّى توفَّاهُ أكْثَرَ مَا كَانَ الوَحْيُ، ثم تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ بَعْدُ.\nوهكذا رواه مسلمٌ، عن عمرو بن محمدٍ هَذَا -وهو النَّاقدُ- وحسنٍ الحُلْوَانِيِّ وعبدِ بن حُميدٍ. والنَّسائيُّ، عن إسحاقَ بنِ مَنْصُورٍ الكَوْسَجِ، أربعتُهُم عن يعقوبَ بنِ إبراهِيمَ بنِ سعدِ الزُّهْرِيّ به.\nومعناهُ: أنَّ الله -تعالى- تَابَع نُزُولَ الوَحْي على رسوله ﷺ شَيْئًا بعد شيءٍ كلُّ وقتٍ بما يَحتاجُ إليهِ، ولم تقع فترةٌ بعد الفَتْرَة الأولى التي كانت بعد نُزُولِ الملَكِ أولَ مَرَّةٍ بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (١)﴾ [العلق: ١] فإنه استلْبَثَ الوحيُ بعدها حِيْنًا، يقال: قَرِيْبًا من سنتين وأكثرَ، ثم حَمِيَ الوحيُ وتتابع، وكان أولُ شيءٍ نَزَلَ بعد تلك الفترة: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر].\n_________\n(^١) في (ج): \"اتبعه\".\n(^٢) في (ل): \"أقول لكم\".\n(^٣) من هامش (أ). وليس هذا الحرف في (ج) و(ط) و(ل)؛ ولعله: \"عشر\".\n(^٤) وقال ابن الجوزي: \"لا يصح\".\nأما الحاكم فقال: \"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بصالح بن عمر\". ورده الذهبي بضعف الهجري.\n(^٥) في (أ): \"بالقوي\". وفي \"الجرح والتعديل\" (١/ ١/ ١٣٢): \"ليس بقوي، لين الحديث\".\n(^٦) في \"فضائل القرآن\" (ص ٢١، ٢٢).\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٦٥٧) من طريق شعبة عن أبي إسحاق بسنده سواء بلفظ: \"من أحب أن يعلم أنه يحب الله ورسوله فلينظر، فإن كان يحب القرآن، فهو يحب الله ورسوله ﷺ\".\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٦٥): \"رجاله ثقات\".\n* قلت: وسنده صحيح.\n(^٧) في \"الفضائل\" (٩/ ٣ - فتح).\nوأخرجه مسلم (٣٠١٦/ ٢)؛ والنسائي في \"فضائل القرآن\" (٨)؛ وأحمد (٣/ ٢٣٦) من طريق يعقوب بن إبراهيم بسنده سواء.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>الحديث الخامس</span>\nحدثنا (^١) أبو نعيم، حدَّثَنا سفيان، عن الأسود بن قيس قال: سمعت جُنْدَبًا يقول: اشتكى (النبي) (^٢) ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأةٌ فقالت: يا محمَّدُ ما أرى شيطانك إلا تركك، فأنزل الله تعالى ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى].\nوقد رواهُ البُخَاريُّ في \"غيْرِ موضع\" (^٣) -أيضًا- ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسَائِيُّ من طرقٍ أُخَرَ عن سفيانَ وهو الثَّوريُّ وشعبةَ بْنِ الحجَّاجِ، كلاهُمَا عن الأسودِ بنِ قَيْسٍ العَبْديِّ، عن جُنْدَب بنِ عبدِ الله البجليِّ به. (وسيأتي) (^٤) الكلامُ على هَذَا الحديثِ في تفسير سورة الضحىَ (إنْ شاء اللهُ) (^٥).\nوالمناسبة في ذكر هذا الحديث والذي قبله في فضائل القرآن أن الله تعالى له برسوله عناية عظيمة ومحبة شديدة، حيث جعل الوحي متتابعًا عليه ولم يقطعه عنه، ولهذا إنما أنزل عليه القرآن مفرقًا ليكون ذلك أبلغ في العناية والإكرام.\nقال البخاري ﵀ (^٦): نزل القرآن بلسان قريش والعرب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء].\nحدثنا أبو اليمان، حَدَّثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك قال: فأمر عثمانُ بْنُ عفان زيدَ بْنَ ثابتٍ وسعيدَ بْنَ العاص وعبدَ الله بْنَ الزُّبير وعبْدَ الله بْنَ الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم، ففعلوا.\nهذا الحديث قطعةٌ (^٧) من حديث سيأتي قريبًا الكلام عليه، ومقصودُ البُخاريِّ منه ظاهرٌ، وهو أنَّ القرآنَ نَزَلَ بلُغَةِ قريشٍ، وقريشٌ خلاصةُ العرب.\nولهذا قال أبو بكر بن أبي داود (^٨): حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، ثنا يزيد، ثنا شيبان\n_________\n(^١) قائل هذا هو البخاري ﵀ في \"الفضائل\" (٩/ ٣ - فتح).\n(^٢) في (أ): \"رسول الله\".\n(^٣) من \"صحيحه\" في \"التهجد\" (٣/ ٨) وفي \"التفسير\" (٨/ ١٧٠، ١٧١).\nوأخرجه مسلم (١٧٩٧/ ١١٤، ١١٥)، من حديث عن جندب بن عبد الله فذكره.\n(^٤) في (أ): \"وقد تقدم\" وهذا بناءً على ما قدمناه أن \"الفضائل\" كانت في آخر التفسير ثم قدمها الحافظ المصنف ﵀.\n(^٥) من (ج) و(ط) و(ل).\n(^٦) في \"الصحيح\" هنا كلمة \"باب\"، وجرى المصنف على إغفالها.\n(^٧) يأتي تخريجه في \"جمع القرآن\" إن شاء الله تعالى.\n(^٨) في \"المصاحف\" (ص ١١) وإسناده صحيح كما قال المصنف ﵀.\nوأخرجه ابن أبي داود أيضًا قال: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت عبد الملك بن عمير يحدث عن عبد الله بن المغفل، عن عمر بن الخطاب مثله.\nوسنده صحيح أيضًا.","vol":"1","page":27},{"text":"(عن) (^١) عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا يمليَّن في مصاحفنا هذه إلا غلمانُ قريش أو غلمانُ ثقيف.\nوَهَذا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.\nوقال أيضًا (^٢): حدثنا إسماعيل بن أسد، حدثنا هوذة، حدّثنا عوف، عن عبد الله بن فضالة قال: لما أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفرًا من أصحابه وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾ [الزمر] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء] وقال تعالى: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ الآية [فصلت: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات الدّالَّة على ذلك.\nثم ذكر البخاري (^٣) ﵀ حديث يعلى بن أمية أنه كان يقول: لَيْتَني أَرَى رسولَ الله- ﷺ حين يَنْزِلُ عليه الوحيُ، فذكر الحديث (في) (^٤) الذي سَأَلَ عمَّن أحرَمَ بعُمْرةٍ وهُوَ متضمخ بطِيْبٍ وعليه جُبَّةٌ، قال: فَنَظَر رسولُ الله ساعةً ثم (فَجِئَهُ) (^٥) الوحيُ فأشار عمرُ إلى يَعْلَى -أي: تعال- فجاء يعلى فأدخَل رأسهُ فإذا هو مُحمَرُّ الوَجْهِ يَغُطُّ كذلك ساعةً، ثم سُرِّي عنه فقال: \"أَيْنَ الَّذِي سَأَلَني عَنِ العُمْرَةِ آنِفًا؟ \" فَذَكَرَ أَمْرَهُ بِنَزْع الجُبَّةِ وَغَسْلِ الطِّيْبِ.\nوَهَذَا الحَديثُ رواهُ جماعة من طرقٍ عديدةٍ، والكلامُ عَلَيْهِ في \"كِتَاب الحَجِّ\"، ولا تظهرُ مُنَاسبة (^٦) ما بينَهُ وبينَ هذه التَّرجَمَةِ، ولا يكادُ، ولو ذُكِرَ في التَّرجَمَةِ التَي قبلَهَا لكانَ أَظْهرَ وَأَبْيَنَ، واللهُ أعلَمُ.\n_________\n(^١) في (أ): \"ابن\" وهو تصحيف.\n(^٢) يعني: ابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ١١) وسنده صحيح.\n(^٣) ويأتي تخريجه عند الآية (١٩٦) من سورة البقرة إن شاء الله تعالى.\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) في (ج): \"جاءه\".\n(^٦) وصدق يرحمه الله.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٠).\n\"وقد خفى وجه دخوله في هذا الباب على كثير من الأئمة حتى قال ابن كثير في \"تفسيره\": ذكر هذا الحديث في الترجمة التي قبلها أظهر وأبين، فلعل ذلك وقع من بعض النساخ. وقيل: بل أشار المصنف بذلك إلى أن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] لا يستلزم أن يكون النبي ﷺ أرسل بلسان قريش فقط لكونه منهم، بل أرسل بلسان جميع العرب؛ لأنه أرسل إليهم كلهم بدليل أنه خاطب الأعرابي الذي سأله بما يفهمه بعد أن نزل الوحي عليه بجواب مسألته، فدل على أن الوحي كان ينزل عليه بما يفهمه السائل من العرب قرشيًا كان أو غير قرشي، والوحي أعم من أن يكون قرآنا يتلى أو لا يُتلى. قال ابن بطال: مناسبة الحديث للترجمة أن الوحي كله متلوًا كان أو غير متلو إنما نزل بلسان العرب، ولا يرد على هذا كونه ﷺ بعث إلى الناس كافة عربًا وعجمًا وغيرهم؛ لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي، وهو يبلغه إلى طوائف العرب وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم، ولذا قال ابن المنير: كان إدخال هذا الحديث في الباب الذي قبله أليق، لكن لعله قصد التنبيه على أن الوحي بالقرآن والسنة كان على صفة واحدة ولسان واحد\". اهـ.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>جَمْعُ القُرْآنِ</span>\n(١) [قال المؤلفُ الشيخُ عماد الدين بن كثير ﵀ فيما وُجد على ظهر الجزء الأول من \"تفسيره\":\n\"فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ حَسَنَةٌ\" ثبت في \"الصحيحين\" عن أنسٍ ﵁ قال: جمع القرآن على عهد النبيِّ ﷺ أربعةٌ كلُّهم من الأنصار: أُبَيُّ بنُ كعب، ومعاذُ بن جبلٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو زيد. فقيل له: مَنْ أبو زيدٍ؛ قال: أحدُ عمومتي. وفي لفظٍ للبخاريّ، عن أنسٍ، قال: لم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبلٍ، وزيد بن ثابت، وأبو زيدٍ، ونحن ورثناهُ.\nقُلْتُ: أبو زيدٍ هذا ليس بمشهورٍ؛ لأنَّه مات قديمًا، وقد ذكروه في أهل بدرٍ، وسمَّاهُ بعضُهم: \"سعيد بن عبيد\".\nومعنى قول أنس: \"لم يجمع القرآن\" -يعني: من الأنصار- سوى هؤلاء، وإلَّا فمن المهاجرين جماعةٌ كانوا يجمعون القرآن: كالصديق، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم.\nقال الشيخ أبو الحسن الأشعريُّ ﵀: قد عُلم بالاضطرار أن] (^١).\n(٢) [رسول الله ﷺ قدَّم أبا بكر في مرض الموت ليصلي بالنَّاس، وقد ثبت في الخبر المتواتر أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"ليؤم الناس أقرؤهم\". فلو لم يكن الصدِّيقُ أقرأ القوم، لما قدَّمهُ عليهم.\nنقله أبو بكر بن زنجويه في كتاب \"فضائل الصديق\" عن الأشعريِّ.\nوحكى القرطبيُّ في أوائل \"تفسيره\" عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنَّهُ قال بعد ذكره حديث أنس بن مالك هذا: \"فقد ثبت بالطرق المتواترة أنَّهُ جمع القرآن: عثمانُ، وعليٌّ، وتميمٌ الداريّ، وعبادةُ بنُ الصامت، وعبدُ الله بن عمرو بن العاص. فقولُ أنس: لم يجمعه غير أربعة، يحتمل أنه لم يأخذه تلقيًا من فيِّ رسول الله غير هؤلاء الأربعة، وأنَّ بعضهم تلقى بعضه عن بعضٍ. قال: وقد تظاهرت الرواياتُ بأنَّ الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبيِّ ﷺ؛ لأجل سبقهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول لهم\".\nقال القرطبيُّ: \"لم يذكر القاضي ابنَ مسعودٍ، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وهما ممن جمع القرآن\". آخر الفائدة] (^٢).\n(قال البخاري) (^٣): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا إبراهيم بن سعد، حدّثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق أن زيد بن ثابت قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتانى، فقال: إن القتل قد استحرّ (^٤) بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهبَ كثير من القرآن، وإني أرى أن\n_________\n(^١) ساقط من (أ) و(ط) واستدركته من (ل) وحاشية (ج).\n(^٢) ساقط من (أ) و(ط) واستدركته من (ل) وحاشية (ج).\n(^٣) ساقط من (ج) و(ط) و(ل).\n(^٤) يعني: اشتد.","vol":"1","page":29},{"text":"تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمر: هذا والله خير؛ فلم يزل عمرُ يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فأجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان على أثقل مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللِّخاف (^١) وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره (^٢) ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة.\nفكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر ﵃.\nوقد روى البخاري (^٣) هذا في غير موضع من \"كتابه\". ورواه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ والنسائيُّ من طرق عن الزهري به.\nوهذا من أحسن وأجلِّ وأعظم ما فعلَهُ الصِّدِّيقُ ﵁، فإنَّه أقامَهُ الله -تعالى- بعد النَّبي ﷺ مَقَامًا لا يَنْبَغي لأحَدٍ من بعدِهِ: قاتَلَ الأعداء من مانعي الزكاة والمرتدين والفرس والروم، ونفذ الجيوش، وبعث البعوث والسرايا، ورد الأمر إلى نصابه، بعد الخوف من تفرقه وذهابه، وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتى تمكن القارئ من حفظه كله. وكان هذا من سر قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر].\nفجمع الصديق الخير وكف الشرور ﵁ وأرضاه- ولهذا روي عن غير واحد من الأئمة منهم وكيع (وابن مهدي) (^٤) وقبيصة، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن (عبد) (^٥) خير، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: أعظمُ النَّاس أجْرًا في المَصَاحِفِ أبو بَكرٍ، إنَّ أبا بكرٍ كان أوَّلَ من جمع القرآن بين اللوحين (^٦).\nهذا إسْنادٌ صَحِيحٌ.\nوقال أبو بكر بن أبي داود في \"كتاب المصاحف\" (^٧): حدثنا هارون بن إسحاق، حدّثنا عبدة،\n_________\n(^١) اللخاف: بكسر اللام؛ جمع \"لخفة\"، وهي صفائح الحجارة الرقاق، وتجمع على \"لخف\" بضمتين.\n(^٢) يعني: مكتوبة، صرح به جماعة منهم الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٥).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٩/ ١٠، ١١ و١٣/ ١٨٣، ٤٠٤ فتح).\n(^٤) وقع في (أ): \"ابن زيد\" وهو خطأ واضح.\n(^٥) ساقط من (ج).\n(^٦) أخرجه ابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ٥) من طريق وكيع وأبي أحمد الزبيري، وعبد بن سليمان، وقبيصة بن عقبة، وخلاد بن يحيى، كلهم من طريق الثوري، عن السدي الكبير، عن عبد خير، عن علي فذكره.\nوهذا سند حسن، والسدي مختلف فيه، ولا بأس به.\nفتصحيح المصنف ﵀ للسند فيه نوع تسامح. والله أعلم.\n(^٧) (ص ٦) وسنده منقطع؛ لأن عروة بن الزبير لم يدرك أبا بكر ﵁، فقول المصنف: \"صحيح\" فيه نظر، فكان ينبغي تقييده بأن يقول: \"صحيح إلى عروة\" والله أعلم.","vol":"1","page":30},{"text":"عن هشام، عن أبيه أن أبا بكر ﵁ هو الذي جمع القرآن بعد النبي ﷺ يقول: ختمه. صحيح أيضًا، وكان عمر بن الخطاب ﵁ هو الذي تنبه لذلك لما استحر القتل بالقراء؛ أي: اشتد القتل وكثر في قرَّاء القرآن يوم اليمامة؛ يعني: يوم قتال مسيلمة الكذاب وأصحابه (من) (^١) بني حنيفة، بأرض اليمامة في حديقة الموت.\nوذلك أن مسيلمة التف معه من المرتدين قريب من مائة ألف. فجهز الصديق لقتاله خالد بن الوليد في قريب من ثلاثة عشر ألفًا، فالتقوا معهم، فانكشف الجيش الإسلامي لكثرة من فيه من الأعراب. فنادى القراء من كبار الصحابة: يا خالدُ! أخلصنا، يقولون ميزنا من هؤلاء الأعراب. فتميزوا منهم وانفردوا، فكانوا قريبًا من ثلاثة آلاف. ثم صدقوا الحملة وقاتلوا قتالًا شديدًا، وجعلوا يتنادون: يا أصحاب سورة البقرة، فلم يزل ذلك دأبهم، حتى فتح الله عليهم، وولى جيش الكفر فارًّا، وأتبعتهم السيوفُ المسلمةُ في أقفيتهم قتلًا وأسرًا؛ وقتل الله مسيلمة وفرق شمل أصحابه، ثم رجعوا إلى الإسلام.\nولكن قتل من القراء يومئذ قريب من خمسمائة ﵃، فلهذا أشار عمر على الصديق، بأن يجمع القرآن لئلا يذهب منه (شيء) (^٢) بسبب موت من يكون يحفظه من الصحابة بعد ذلك في مواطن القتال. فإذا كتب وحفظ صار ذلك محفوظًا، فلا فرق بين حياة من بلغه أو موته. فراجعه الصديق قليلًا ليستثبت الأمر، ثم وافقه، وكذلك راجعهما زيد بن ثابت في ذلك. ثم صار إلى ما رأياه ﵃ أجمعين وهذا المقام من أعظم فضائل زيد بن ثابت الأنصاري.\nولهذا قال أبو بكر (^٣) بن أبي داود: حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، حدّثنا يزيد، (حدَّثَنَا) (^٤) مبارك (بن) (^٥) فضالة، عن الحسن أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: إنا لله، (فأمر) (^٦) بالقرآن فجمع فكان أول من جمعه في المصحف.\nوهذا منقطع؛ فإنَّ الحسن لم يدرك عمر. ومعناه أنه أشار بجمعه فجمع، ولهذا كان مهيمنًا على حفظه وجمعه، كما:\nرواه ابنُ أبي (^٧) داود حيث قال: حدثنا أبو الطاهر، حدَّثَنَا ابن وهب، حَدَّثَنا عمرو بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو، عن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عمر لما جمع القرآن، كان لا يقبل من أحدٌ شيئًا حتى يشهد شاهدان، وذلك عن أمر الصديق له في ذلك كما قال أبو بكر بن أبي داود:\n_________\n(^١) ساقط من (أ) و(ط).\n(^٢) ساقط من (أ).\n(^٣) في \"كتاب المصاحف\" (ص ١٠) وضعفه المصنف بالانقطاع وكذا ضعفه في \"مسند عمر\" (٢/ ٥٦١)، ويضاف إليه أن المبارك بن فضالة مع ضعفه فهو مدلس. والله أعلم.\n(^٤) في (أ): \"ابن\"!!.\n(^٥) في (أ): \"عن\" وكلاهما خطأ.\n(^٦) في (أ): \"ثم أمر\". وفي \"المصاحف\": \"وأمر\".\n(^٧) في \"المصاحف\" (ص ٦) وتحسين المصنف إنما هو بسبب أن لرواية عروة أصلًا صحيحًا، قد مر ذكره، فهو يقول: \"منقطع حسن الإسناد\".","vol":"1","page":31},{"text":"حدثنا أبو الطاهر، أنا ابن وهب، أخبرني ابنُ أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما استحر القتل بالقراء يومئذٍ فرق (^١) أبو بكر ﵁ أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه.\nمنقطع حسن.\nولهذا قال زيد بن ثابت: ووجدت آخر سورة التوبة -يعني قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ …﴾ إلى آخر الآيتين [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] مع أبي خزيمة الأنصاري (^٢). وفي روايةٍ مع خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين لم أجدها مع غيره، فكتبوها عنه؛ لأنه جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين في قصة الفرس الذي ابتاعها رسول الله ﷺ من الأعرابي، فأنكر الأعرابي البيع، فشهد خزيمة هذا بتصديق رسول الله ﷺ، فأمضى شهادته وقبض الفرس من الأعرابي.\nوالحديث رواه \"أهل السنن\" (^٣) وهو مشهورٌ.\n_________\n(^١) يعني: خاف.\n(^٢) قال: الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٥)، قوله: (وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري) وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن إبراهيم بن سعد \"مع خزيمة بن ثابت\" أخرجه أحمد والترمذي. ووقع في رواية شعيب، عن الزهري كما تقدم في سورة التوبة \"مع خزيمة الأنصاري\" وقد أخرجه الطبراني في \"مسند الشاميين\" من طريق أبي اليمان، عن شعيب فقال فيه: \"خزيمة بن ثابت الأنصاري\" وكذا أخرجه ابن أبي داود من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، وقول من قال عن إبراهيم بن سعد \"مع أبي خزيمة\" أصح، وقد تقدم البحث فيه في تفسير سورة التوبة وأن الذي وجد معه آخر سورة التوبة غير الذي وجد معه الآية التي في الأحزاب، فالأول اختلف الرواة فيه على الزهري، فمن قائل: \"مع خزيمة\" ومن قائل: \"مع أبي خزيمة\" ومن شاك فيه يقول: \"خزيمة أو أبي خزيمة\" والأرجح أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة أو خزيمة بالكنية، والذي وجد معه الآية من الأحزاب خزيمة.\n(^٣) كذا! ولم يروه منهم إلا أبو داود (٣٦٠٧)؛ والنسائي (٧/ ٣٠١، ٣٠٢) من طريق الزهري، عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي ﷺ:\n\"أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله ﷺ المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله ﷺ، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس وإلا بعته، فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، فقال: أو ليس قد ابتعته منك؟ فقال الأعرابي: لا والله ما بعتكه، فقال النبي ﷺ: بلى قد ابتعته منك، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد ابتعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: بم تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ شهادة وزاد أحمد وغيره: خزيمة بشهادة رجلين\".\n\"فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي، وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك، فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك! النبي ﷺ لم يكن ليقول إلا حقًا، حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي ﷺ، ومراجعة الأعرابي، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا، يشهد أني بايعتك\" وأخرجه من هذا الوجه: أحمد (٥/ ٢١٥، ٢١٦)؛ وابن سعد في \"الطبقات\" (٤/ ٣٧٨، ٣٧٩)، ومحمد بن يحيى الذهلي في \"جزئه\"، كما في \"الفتح\" (٨/ ٥١٨)؛ وابن أبي عمر في \"مسنده\"، كما في \"المطالب العالية\" (٤/ ٩٣)؛ وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢٠٨٥)، وعنه أبو الشيخ في \"الأخلاق\" (٤٥، ٤٦)؛ والطحاوي في \"الشرح\" (٤/ ١٢٦)؛ والحاكم (٢/ ١٧)؛ والبيهقي (٧/ ٦٦ و١٠/ ١٤٥، ١٤٦)؛ =","vol":"1","page":32},{"text":"وروى أبو جعفر الرازي (^١)، عن الربيع، عن أبي العالية أن أُبي بن كعب أملاها عليهم مع خزيمة بن ثابت.\nوقد روى ابن وهب عن عمرو بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عثمان شهد بذلك أيضًا.\nوأما قول زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال. وفي رواية: من العُسب والرقاع والأضلاع. وفي رواية: من الأكتاف والأقتاب وصدور الرجال.\nأما العسب فجمع \"عسيب\"، قال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: وهو من السعف فويق الكرب، لم ينبت عليه الخوص، وما نبت عليه الخوص فهو السعف. واللِّخاف: جمع لخفة، وهي: القطعة من الحجارة مستدقة، كانوا يكتبون عليها وعلى العسب وغير ذلك مما يمكنهم الكتابة عليه بما يناسب ما يسمعونه من القرآن من رسول الله ﷺ.\nومنهم من لم يكن يحسن الكتابة أو يثق بحفظه، فكان يحفظه، فتلقاه زيد هذا من عسبه، وهذا من لخافه، ومن صدر هذا؛ أي: من حفظه وكانوا أحرص شيء على أداء الأمانات. وهذا من أعظم الأمانة؛ لأن الرسول ﷺ أودعهم ذلك ليبلغوه إلى من بعده، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ففعل صلوات الله وسلامه عليه.\nولهذا سألهم في حجة الوداع يوم عرفة على رؤوس الأشهاد، والصحابة أوفر ما كانوا مجتمعين، فقال: \"إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ \" قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت. فجعل يشير بإصبعه إلى السماء وينكتها عليهم ويقول: \"اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد\".\nرواه مسلم (^٢)، عن جابر.\nوقد أمر أمته أن يبلغ الشاهد الغائب وقال: \"بلغوا عني ولو آية\" (^٣)؛ يعني: ولو لم يكن مع أحدكم سوى آية واحدة، فليؤدها إلى من وراءه، فبلغوا عنه ما أمرهم به. فأدوا القرآن قرآنًا، والسنة سنةً، لم يلبسوا هذا بهذا.\n_________\n=والخطيب في \"المبهمات\" (ص ١٢٠)؛ وابن بشكوال في \"الغوامض\" رقم (١٠٩)؛ وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (ج ٥/ ق ٦١٢).\nقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد، ورجاله باتفاق الشيخين ثقات، ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي، وهو كما قالا: وله طرق أخرى وشواهد. ذكرتها في \"التسلية\".\n(^١) أخرجه ابن الضريس في \"الفضائل\" (٢٧)؛ وعبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (٥/ ١٣٤)؛ وابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ٩)؛ والبيهقي في \"الدلائل\" (٧/ ١٣٨، ١٣٩)؛ والخطيب في \"التلخيص\" (١/ ٤٠٣)؛ والضياء في \"المختارة\" (ج ٢/ رقم ١١٥٥)، وابن مردويه في \"تفسيره\" كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٣١)؛ وعنه الضياء في \"المختارة\" (١١٥٦) من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب. ويأتي سياقه في آخر سورة التوبة إن شاء الله.\nوقال المصنف في \"سورة التوبة\" (٤/ ١٨٠): \"غريب\". اهـ. ويشير بذلك إلى ضعف سنده وأبو جعفر الرازي سيئ الحفظ.\n(^٢) في \"صحيحه (١٢١٨/ ١٤٧) \". وهو جزء من حديث جابر بن عبد الله الطويل في حجة الوداع.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦/ ٤٩٦ - فتح). قد مر تخريجه.","vol":"1","page":33},{"text":"ولهذا قال ﵇: \"من كتب عني سوى القرآن فليمحه\" (^١)؛ أي: لئلا يختلط بالقرآن، وليس معناه أن لا يحفظوا السنة ويرووها، والله أعلم. فلهذا نعلم بالضرورة أنه لم يبق من القرآن مما أداه الرسول ﷺ إليهم إلا وقد بلغوه إلينا، ولله الحمد والمنة.\nفكان الذي فعله الشيخان أبو بكر وعمر ﵄ من أكبر المصالح الدينية وأعظمها من حفظهما كتاب الله في الصحف؛ لئلا يذهب منه شيء بموت من تلقاه عن رسول الله ﷺ ثم كانت تلك الصحف عند الصديق أيام حياته، ثم أخذها عمر بعده، فكانت عنده محروسة معظمة مكرمة، فلما مات كانت عند حفصة أم المؤمنين؛ لأنها كانت وصيته من أولاده على أوقافه وتركته، وكانت (عند) (^٢) أم المؤمنين حتى أخذها أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ كما سنذكره إن شاء الله.\nقال البخاري (^٣) ﵀: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا إبراهيم، (حدّثنا) (^٤) ابن شهاب، أن أنس بن مالك حدثه، أنَّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان رضي الله (عنهما) (^٥)، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق؛ فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهود والنَّصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف (ننسخها) (^٦) ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.\nوقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما أنزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرَقَ.\nقال ابن شهاب الزهري: فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، سمع زيد بن ثابت، (قال) (^٧): فقدت آيةً من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فألحقناها في سورتها \"في المصحف\" (^٨).\nوهذا أيضًا من أكبر مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٠٠٤/ ٧٢).\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) في \"الفضائل\" (٩/ ١١ - فتح)؛ وأخرجه الترمذي (٣١٠٤)؛ والنسائي (١٣)؛ وأبو عبيد (ص ١٥٣) كلاهما في \"الفضائل\" وعمر بن شبة في \"تاريخ المدينة\" (٣/ ٩٩١)؛ وأبو يعلى (٨٧)؛ وابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ١٩)؛ والبيهقي (٢/ ٣٨٥)؛ والطبراني في \"مسند الشاميين\"؛ والخطيب في \"المدرج\"، كما في \"الفتح\" (٩/ ١٦).\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) في (ج): \"عنه\".\n(^٦) في (أ): \"فننسخها\".\n(^٧) في (ط): \"يقول\".\n(^٨) في (أ): \"بالمصحف\".","vol":"1","page":34},{"text":"فإن الشيخين سبقاه إلى حفظ القرآن؛ أن يذهب منه شيء. وهو جمع الناس على قراءة واحدة؛ لئلا يختلفوا في القرآن، ووافقه على ذلك جميع الصحابة. وإنما روى عن عبد الله بن مسعود (^١) شيء من التغضب بسبب أنه لم يكن ممن كتب المصاحف، وأمر أصحابه بغل مصاحفهم لما أمر عثمان بحرق ما عدا المصحف الإمام. ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق (^٢)، حتى قال علي (^٣) بن أبي طالب: \"لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا\".\nفاتفق الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على أن ذلك من مصالح الدين. وهم الخلفاء الذين قال رسول الله ﷺ: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\" (^٤) وكان\n_________\n(^١) يشير المصنف رحمه الله تعالى إلى ما أخرجه مسلم (٢٤٦٢/ ١١٤) والسياق له، والنسائي في \"الفضائل\" (٢٢) قالا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا عبدة بن سليمان، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود أنه قال:\n﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. ثم قال: على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟ فلقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة. ولقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني أعلمهم بكتاب الله. ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه.\nقال شقيق: فجلست في حلق أصحاب محمد ﷺ. فما سمعت أحدًا يرد ذلك عليه، ولا يعيبه وتابعه هارون بن إسحاق، ثنا عبدة بن سليمان بسنده سواء.\n(^٢) ويأتي تخريجه قريبًا.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ١٥٧)؛ وابن أبي داود في \"المصاحف\" (١٢، ٢٣) من طرق عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن رجل، عن سويد بن غفلة، عن علي أنه قال حين أحرق عثمان المصاحف: \"لو لم يصنعه هو لصنعته\".\nوهكذا رواه عن شعبة ثقات أصحاب منهم: \"محمد بن جعفر غندر، وأبو داود الطيالسي، وعبد الرحمن بن مهدي\". وخالفهم يعقوب بن إسحاق الحضرمي وهو صدوق، فرواه عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سويد بن غفلة، عن علي.\nفأسقط الواسطة بين علقمة وسويد.\nأخرجه ابن أبي داود (ص ١٢) ورواية الجماعة أرجح من غير شك.\nولكن أخرج عمر بن شبة في \"تاريخ المدينة\" (٣/ ٩٩٤، ٩٩٥، ٩٩٦)؛ وابن أبي داود (ص ٢٣)؛ والبيهقي (٢/ ٤٢) من طريق محمد بن أبان، قال: أخبرني علقمة بن مرثد، قال: سمعت العيزار بن حريث، يقول: لما خرج المختار … فذكره مطولًا.\nوفيه: \"قال علي: أيها الناس! إياكم والغلو في عثمان؛ تقولون: أحرق المصاحف؟! والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد ﷺ، ولو وليت مثل ما ولى، لفعلت مثل الذي فعل\".\nقلت: وهذا سند رجاله ثقات، إلا محمد بن أبان وهو ابن صالح الكوفي، ترجمه ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢/ ١٩٩) ونقل عن أبيه قال: \"ليس هو بقوي في الحديث، يكتب حديثه على سبيل المجاز\"!. وقال أحمد: \"لم يكن يكذب\".\nفالحديث محتمل للتحسين بالطريقين معًا، والله أعلم.\n(^٤) حديث صحيح.\nأخرجه أبو داود (٤٦٠٧)؛ والترمذي (٢٦٧٦)؛ وابن ماجه (٤٢، ٤٣، ٤٤)؛ والدارمي (١/ ٤٣، ٤٤)؛ وأحمد (٤/ ١٢٦، ١٢٧)؛ وأبو عبيد في \"الخطب والمواعظ\" (٢)؛ وابن حبان في \"صحيحه\" (١٠٢) وفي \"الثقات\" (١/ ٤)؛ والطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ٢١٢)؛ وابن نصر في \"السنة\" (٢١، ٢٢)؛ وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ١٩، ٢٦، ٢٧، ٢٩، ٣٠) وآخرون عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ =","vol":"1","page":35},{"text":"السبب في هذا حذيفة بن اليمان ﵁ فإنه لما كان غازيًا في فتح أرمينية وأذربيجان وكان قد اجتمع هناك أهل الشام والعراق، وجعل حذيفة يسمع منهم قراءات على حروف شتى، ورأى منهم اختلافًا (كثيرًا) (^١) وافتراقًا، فلما رجع إلى عثمان أعلمه، وقال لعثمان: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.\nوذلك أن اليهود والنصارى مختلفون فيما بأيديهم من الكتب، فاليهود بأيديهم نسخة من التوراة والسامرة يخالفونهم في ألفاظ كثيرة ومعاني أيضًا، وليس في توراة السامرة حروف الهمزة، ولا حرف الهاء ولا الياء، والنصارى أيضًا بأيديهم توراة يسمونها العتيقة وهي مخالفة لنسختي اليهود والسامرة.\nوأما الأناجيل التي بأيدي النصارى فأربعة: إنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل متى، وإنجيل يوحنا، وهي مختلفة أيضًا اختلافًا كثيرًا. وهذه الأناجيل الأربعة كل منها لطيف الحجم. منها ما هو قريب من أربع عشرة ورقة بخط متوسط، ومنها ما هو (أكبر) (^٢) من ذلك، إما بالنصف أو الضعف. ومضمونها سيرة عيسى ﵇، وأيامه، وأحكامه، وكلامه، ومعه شيء قليل مما يدعون أنه كلام الله، وهي مع هذا مختلفة كما قلنا. وكذلك التوراة مع ما فيها من التحريف والتبديل، ثم هما منسوختان بعد ذلك بهذه الشريعة المحمدية المطهرة.\nفلما قال حذيفة لعثمان ذلك أفزعه، وأرسل إلى حفصة أم المؤمنين أن ترسل إليه بالصحف التي عندها مما جمعه الشيخان؛ ليكتب ذلك في مصحف واحد، وينفذه إلى الآفاق ويجمع الناس على القراءة به وترك ما سواه، ففعلت حفصة. وأمر عثمان هؤلاء الأربعة، وهم زيد بن ثابت الأنصاري، أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ، وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أحد فقهاء الصحابة ونجبائهم علمًا وعملًا، وأصلًا وفضلًا. وسعيدُ بن العاص بن أمية القرشي الأموي وكان كريمًا جوادًا ممدحًا، وكان أشبه الناس لهجة برسول الله ﷺ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي.\nفجلس هؤلاء النفر الأربعة يكتبون بالقرآن نسخًا، وإذا اختلفوا في (وضع) (^٣) الكتابة على أي لغة رجعوا إلى عثمان، كما اختلفوا في التابوت (^٤)، أيكتبونه بالتاء أو الهاء؟ فقال زيد بن ثابت:\n_________\n= يومًا بعد صلاة الغداة موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: \"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافًا كثيرًا. وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ\".\nقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\nوقال أبو نعيم: \"هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين\" نقله ابن رجب في \"جامع العلوم\" (ص ٢٢٦).\n(^١) ساقط من (أ) و(ط) و(ل).\n(^٢) في (أ) و(ل): \"أكثر\".\n(^٣) في (أ): \"موضع\".\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣١٠٤)؛ وعمر بن شبة في \"تاريخ المدينة\" (٣/ ١٠٠٠ - ١٠٠١)؛ وابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ١٩)؛ والبيهقي (٢/ ٣٨٥) من قول الزهري.","vol":"1","page":36},{"text":"إنما هو التابوه، وقال الثلاثة القرشيون: إنما هو التابوت، (فترافعوا) (^١) إلى عثمان فقال: اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم. وكأن عثمان (﵁) (^٢) -والله أعلم- رتب السور في المصحف، وقدم السبع الطوال، وثنى بالمئين.\nولهذا روى ابنُ جرير وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث غير واحد من الأئمة الكبار، عن عوف الأعرابي، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس (^٣) قال: قلت لعثمان بن عفان: \"ما حملكم\" (^٤) (على) (^٥) أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: \"ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا\".\nوكانت الأنفال من أول ما (نزل) (^٦) بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهةً بقصتها، وحسبت أنها منها، (فقبض) (^٧) رسول الله ﷺ ولم (يبين) (^٨) لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، فوضعتها في السبع الطوال.\n_________\n= قال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٢٠): \"قال الخطيب: إنما رواها ابن شهاب مرسلة\". اهـ.\nوأخرجه البيهقي من طريق أبي الوليد، عن إبراهيم بن سعده عن الزهري قوله، وصنيعه يرجح الإرسال. والله أعلم.\n(^١) في (أ) و(ط): \"فتراجعوا\".\n(^٢) من (أ).\n(^٣) حديث منكر.\nأخرجه أبو داود (٧٨٦، ٧٨٧)؛ والنسائي في \"الفضائل\" (٣٢)؛ والترمذي (٣٠٨٦)؛ وأحمد (١/ ٥٧، ٦٩)؛ وأبو عبيد في \"الفضائل\" (٤٧/ ٢)؛ وعمر بن شبة في \"تاريخ المدينة\" (٣/ ١٠١٥، ١٠١٦)؛ وابن حبان (٤٣)؛ وابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ٣١، ٣٢)؛ والحاكم (٢/ ٢٢١، ٢٣٠)؛ والبيهقي (٢/ ٤٢)؛ والخطيب في \"الموضح\" (١/ ٣٣٨) من طريق عوف الأعرابي، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس، فذكره.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس، ويزيد الفارسي هو من التابعين من أهل البصرة، ويزيد بن أبان الرقاشي، هو من التابعين من أهل البصرة، وهو أصغر من يزيد الفارسي، ويزيد الرقاشي إنما يروى عن أنس بن مالك\". اهـ.\nقلت: فاختلف العلماء هل يزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز، أم هما رجلان؟! فذهب ابن مهدي، وأحمد، وابن المديني، ومحمد بن المثنى، وابن سعد إلى أنهما واحد، وأنكر ذلك يحيى القطان، وابن معين، وأبو حاتم، والترمذي، وعمرو بن علي الفلاس، ومال إليه البخاري والخطيب، وإقامة البرهان على ذلك فيه طول ذكرته في \"التسلية\" والخلاصة أن يزيد الفارسي شبه المجهول، فتفرده بهذا الحديث الخطير لا يقبل منه، وتصحيح الحاكم ومن قبله ابن حبان مردود، وكذلك تجويد ابن كثير له فيما يأتي، ولعل مستندهم هو عدم التفريق بين الفارسي وابن هرمز، والله أعلم.\n(^٤) ساقط من (ط).\n(^٥) ساقط من (ج).\n(^٦) في (أ): \"نزلت\".\n(^٧) في (ج): \"وقبض\".\n(^٨) في (أ) و(ط): \"تبين\".","vol":"1","page":37},{"text":"ففهم من هذا الحديث أن ترتيب الآيات في السور أمر توقيفي متلقًى عن النبي ﷺ.\nوأما ترتيب السور، فمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله (^١) عنه - ولهذا ليس لأحد أن يقرأ القرآن إلا مرتبًا آياته فإن نكسه أخطأ خطأً كبيرًا. وأما ترتيب السور فمستحب؛ اقتداءً بعثمان ﵁. والأولى إذا قرأ: أن يقرأ متواليًا، كما قرأ ﵇ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين (^٢)، وتارة (^٣) بـ ﴿سَبِّحِ﴾ [الأعلى: ١] و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية] فإن فرق جاز، كما صح (^٤) أن رسول الله ﷺ قرأ في العيد بـ ﴿ق﴾ [ق: ١] و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] رواه مسلم، عن أبي (واقد) (^٥).\nوفي \"الصحيحين\" (^٦) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم (١)﴾ السجدة و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] وإن قدم بعض السور على بعض جاز أيضًا، فقد روى حذيفة أن رسول الله ﷺ قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران، أخرجه (^٧) مسلم.\nوقرأ عمر (^٨) في الفجر بسورة النحل ثم بيوسف.\nثم إن عثمان ﵁ ردَّ الصحف إلى حفصة ﵄ فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم يطلبها فلم تعطه حتى ماتت، فأخذها من عبد الله بن عمر فحرقها؛ لئلا يكون فيها شيء يخالف المصاحف الأئمة التي نفذها عثمان إلى الآفاق، مصحفًا إلى مكة، ومصحفًا إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين؛ وترك عند أهل المدينة مصحفًا.\n_________\n(^١) بل الصواب أن ترتيب السور توقيفي أيضًا، وللشيخ أبي الأشبال أحمد بن محمد شاكر بحث مانع قوي حول هذا الموضوع.\n(^٢) صحيح.\nأخرجه مسلم (٨٧٩/ ٦٤) والسياق له.\n(^٣) صحيح.\nأخرجه مسلم (٨٧٨/ ٦٢) واللفظ له.\n(^٤) صحيح.\nأخرجه مسلم (٨٩١/ ١٤).\n(^٥) وقع في \"الأصول\" كلها: \"عن أبي قتادة\" وهو سبق قلم، صوابه: \"أبو واقد\".\n(^٦) صحيح.\nأخرجه البخاري (٢/ ٣٧٧، ٥٥٢)؛ ومسلم (٨٨٠/ ٦٥، ٦٦) من حديث أبي هريرة.\n(^٧) صحيح.\nأخرجه مسلم (٧٧٢/ ٢٠٣).\nوعزاه المصنف ﵀ في مطلع تفسير سورة البقرة لـ\"الصحيحين\" فوهم.\n(^٨) أخرجه البخاري (٧/ ٥٩ - ٦١)؛ وابن حبان (٦٩١٧) في قصة مقتل عمر ﵁، عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة … وساق الحديث وفيه: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين، قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهم خللًا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس … الحديث\".\nولم أقف على ما ذكره المصنف ﵀ أنه قرأ بالسورتين في ركعة وأنه قدم النحل على يوسف. فالله أعلم.\nوأخرجه مسلم (٤٧٣/ ١٩٦)؛ وأحمد (٣/ ٢٤٧) من طريق حماد بن سلمة نا ثابت البناني عن أنس بسياق أطول.","vol":"1","page":38},{"text":"رواه أبو بكر بن أبي داود (^١)، عن أبي حاتم السجستاني؛ سمعه يقوله.\nوصحح (^٢) القرطبي أنه إنما نفذ إلى الآفاق أربعة مصاحف -وهذا غريب- وأمر بما عدا ذلك من مصاحف الناس أن تحرق لئلا تختلف قراءاتُ الناس في الآفاق. وقد وافقه الصحابة في عصره على ذلك ولم ينكره أحدٌ منهم. وإنما نقم عليه ذلك (أولئك) (^٣) الرهط الذين تمالؤوا عليه وقتلوه -قاتلهم الله- وذلك في جملة ما أنكروا مما لا أصل له. وأما ساداتُ المسلمين من الصحابة ومن نشأ في عصرهم ذلك من التابعين، فكلهم وافقوه.\nقال أبو داود (^٤) الطيالسي وابن مهدي وغندر، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن رجل، عن سويد بن غفلة قال علي حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته.\nوقال أبو بكر بن أبي داود (^٥): حدثنا أحمد بن سنان، حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد.\nوهذا إسناد صحيح.\nوقال أيضًا (^٦): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدّثنا يحيى بن كثير، حدّثنا ثابت بن عمارة الحنفي قال: سمعت غنيم بن قيس المازني قال: قرأت القرآن على الحرفين جميعًا، والله ما يسرني أن عثمان لم يكتب المصحف وأنه ولد لكل مسلم كلما أصبح غلام فأصبح له مثل ماله. قال: قلنا له: يا أبا العنبر لم؟ قال: لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرؤون الشعر.\nوحدثنا يعقوب بن (^٧) سفيان، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثني عمران بن حدير، عن أبي\n_________\n(^١) في \"المصاحف\" (ص ٣٤).\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ٥٤) وعبارته: \"ونسخ منها عثمان نسخًا، قال غيره: قيل: سبعة، وقيل: أربعة، وهو الأكثر\".\n(^٣) سقط من (أ).\n(^٤) مر تخريجه آنفًا.\n(^٥) في \"المصاحف\" (ص ١٢).\nوأخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ١٥٦، ١٥٧)؛ وعمر بن شبة في \"تاريخ المدينة\" (٣/ ١٠٠٤) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد فذكره وإسناده صحيح.\n(^٦) أخرجه ابن أبي داود (ص ١٣) ومن طريقه المزي في \"التهذيب\" (٢٣/ ١٢٣) وسنده جيد. ويحيى بن كثير هو ابن درهم العنبري؛ وثقه عباس العنبري، وابن حبان.\nوقال النسائي: \"ليس به بأس\" وقال أبو حاتم: \"صالح الحديث\".\nوثابت بن عمارة وثقه ابن معين والدارقطني وابن حبان. وقال أحمد والنسائي: \"لا بأس به\" وقال أبو حاتم: \"ليس عندي بالمتين\" وأبو حاتم جراح!\nورفع شأنه شعبة بن الحجاج، فقال: \"تأتوني وتدعون ثابت بن عمارة\".\nوغنيم بن قيس أدرك النبي ﷺ ولم يره، ووفد على عمر بن الخطاب، وغزا مع عتبة بن غزوان؛ ووثقه النسائي.\n(^٧) أخرجه ابن أبي داود (ص ١٣) وسنده صحيح.\nومحمد بن عبد الله هو الأنصاري، وعمران بن جرير وثقه الجمع.\nقال يزيد بن هارون: \"كان عمران أصدق الناس\".\nوأبو مجلز، هو: لاحق بن حميد، ثقة معروف.","vol":"1","page":39},{"text":"مجلز قال: لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرؤون الشعر.\nوحدثنا (^١) أحمد بن سنان، سمعت ابن مهدي يقول: خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبى بكر ولا لعمر: صبره نفسه حتى قتل مظلومًا. وجمعه الناس على المصحف.\nوأما عبد الله بن مسعود ﵁ فقد قال إسرائيل، عن أبي إسحاق عن حميد بن مالك قال: لما أمر عثمان بالمصاحف -يعني: بتحريقها- ساء ذلك عبد الله بن مسعود وقال: من استطاع منكم أن يغل مصحفًا فليغلل، فإنه من غل شيئًا جاء بما غل يوم القيامة، ثم قال عبد الله: لقد قرأت القرآن من فِي رسول الله ﷺ سبعين سورة وزيد صبي، أفأترك ما أخذت من فِي رسول الله ﷺ (^٢)؟\nوقال أبو بكر (^٣): حدثنا (عبد الله بن محمد) (^٤) بن النعمان، حدّثنا سعيد بن سليمان، حدّثنا (أبو) (^٥) شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: خطبنا ابن مسعود على المنبر فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] غلوا مصاحفكم، وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت القرآن من فِي رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، وما أنا بخيركم، ولو أعلم مكانًا تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته. قال أبو وائل: فلما نزل عن المنبر جلست في الحلق، فما أحد ينكر ما قال.\nأصل هذا مخرج في \"الصحيحين\" (^٦)، وعندهما: \"ولقد علم أصحاب محمد ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله\".\nوقول أبي وائل: فما أحد ينكر ما قال؛ يعني: من فضله وحفظه وعلمه، والله أعلم، وأما أمره بغل المصاحف وكتمانها فقد أنكره عليه غير واحد.\nقال الأعمش (^٧)، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء فقال: كنا نعد\n_________\n(^١) ابن أبي داود (ص ١٣) وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٩، ٤٠٥، ٤١٤)؛ والطيالسي (٤٠٥) ومن طريقه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١/ ٢٤٧)؛ وابن أبي داود (ص ١٥)؛ والدارقطني في \"المؤتلف\" (ص ٦٧٢)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ١٢٥)؛ والحاكم (٢/ ٢٢٨) وصححه؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٤٣٤، ٨٤٣٥)؛ والهيثم بن كليب في \"المسند\" (ق ٩٩/ ١، ٢) من طرق عن أبي إسحاق، عن خمير بن مالك، عن ابن مسعود فذكره، وهذا سند رجاله ثقات، إلا خمير بن مالك فترجمه ابن أبي حاتم (١/ ٢/ ٣٩١) ولم يحك فيه شيئًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٢١٤) وقال ابن سعد: \"له حديثان\".\n(^٣) ابن أبي داود (ص ١٥، ١٦).\n(^٤) وقع في (أ): \"محمد بن عبد بن محمد\"! و\"محمد\" الأولى مقحمة.\n(^٥) في (أ) و(ط): \"ابن\" وهو خطأ.\n(^٦) أخرجه البخاري (٩/ ٤٦ - فتح)؛ ومسلم (٢٤٦٢/ ١١٤) من حديث عن ابن مسعود.\n(^٧) أخرجه ابن أبي داود (ص ١٨) قال: حدثنا عمي وحمدان بن علي قالا: حدثنا ابن الأصبهاني عن عبد السلام بن حرب، عن الأعمش بسنده سواء.\nوهذا سند صحيح، وعم ابن أبي داود هو: \"محمد بن الأشعث\"، وابن الأصبهاني هو محمد بن سعيد بن سليمان.","vol":"1","page":40},{"text":"عبد الله (جبانًا) (^١) فما باله يواثب الأمراء؟\nوقال أبو بكر بن أبي داود (^٢): باب رضى عبد الله بن مسعود بجمع عثمان المصاحف بعد ذلك:\nحدثنا عبد الله بن سعيد ومحمد بن عثمان العجلي قالا: حدّثنا أبو أُسامة، حدثني زهير، حدثني الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامري، عن فلفلة الجعفي قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف، فدخلنا عليه فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين، ولكننا جئنا حين راعنا هذا الخبر، فقال: إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبوابٍ على سبعة أحرف - أو حروف - وإن الكتاب قبلكم كان ينزل - أو نزل - من باب واحد على حرف واحد.\nوهذا (^٣) الذي استدل به أبو بكر ﵀ على رجوع ابن مسعود فيه نظر من جهة أنه لا يظهر من هذا اللفظ رجوع عما كان يذهب إليه، والله أعلم.\n_________\n(^١) كذا في \"الأصول\" كلها؛ من \"الجبن\" بالجيم والباء، ووقع في \"كتاب المصاحف\" \"حنانًا\" بالحاء المهملة والنون، فكأنه تصحيف، فإن لم يكن فتوجيهه ظاهر والله أعلم.\n(^٢) أخرجه أحمد في \"العلل\" (٣٧٢٥ - رواية عبد الله) وفي \"المسند\" (١/ ٤٤٥)؛ وابن أبي داود (ص ١٨)؛ وعمر بن شبة في \"تاريخ المدينة\" (٣/ ١٠٠٦)؛ والهيثم بن كليب في \"مسنده\" (٨٨١)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٨٢) من طريق زهير بن معاوية، حدثني الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامري، عن فلفلة الجعفي فذكره.\nوخالفه سفيان الثوري، فرواه عن الوليد بن قيس، عن القاسم بن حسان، عن فلفلة، أخرجه النسائي في \"الفضائل\" (٩) من طريق أبي داود وأحمد في \"العلل\" (٣٧٢٣) عن إسحاق بن يوسف كلاهما، عن الثوري.\nونظر الدارقطني، كما في \"العلل\" (٥/ ٢٣٧)، في هذا الاختلاف، ورجح رواية الثوري، ويقصد الدارقطني أن شيخ الوليد بن قيس هو \"القاسم\" وذلك أنه قد وقع في اسمه اختلاف هل هو \"عثمان بن حسان\" أو \"القاسم بن حسان\". فقال ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١/ ١٤٨): \"عثمان بن حسان العامري، ويقال: القاسم بن حسان، وبعثمان أشبه، روى عن فلفلة الجعفي، روى عنه أبو همام الوليد بن قيس. سمعت أبي يقول ذلك\". اهـ.\nوأخرج البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢/ ٢١٩) هذا الحديث مختصرًا في ترجمة عثمان بن حسان العامري، وأشار إلى رواية سفيان، فالظاهر من صنيعهما أن الأصوب أنه \"عثمان\" لا \"القاسم\" وقد رواه أحمد في \"العلل\" (٣٧٢٤) قال: حدثنا أبو أسامة بحفظه، قال: أخبرني سفيان وزهير، عن الوليد بن قيس، عن القاسم بن حسان، عن فلفلة الجعفي … فذكره؛ فهذا يؤيد ما ذهب إليه الدارقطني، إلا أن يكون أبو أسامة وهم على زهير فيه والله أعلم، وسواء كان هذا أو ذاك فهو مجهول الحال. وفلفلة الجعفي ذكره ابن حبان في \"الثقات\" وروى عنه جمع من الثقات، وقال ابن سعد: \"قليل الحديث\". وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٥٢، ١٥٣): \"فيه عثمان بن حسان العامري، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات\"! وقال شيخنا أبو عبد الرحمن الألباني رحمه الله تعالى في \"الصحيحة\" (٢/ ١٣٥): \"وهذا إسناد جيد موصول، رجاله كلهم ثقات معروفون غير فلفلة هذا. . .\" كذا! ولم يلتفت شيخنا، ﵀، إلى الاختلاف على الوليد بن قيس في إسناده. وسواء كان شيخه القاسم أو عثمان فهل في أحدهما توثيق معتبر؟!\n(^٣) قلت: هذا الذي عقب به المصنف ﵀ على استدلال ابن أبي داود له وجه قوي، فإن قيل: قول ابن مسعود هذا يدل على أنه رضي بحرف غيره، فهذا نقيض اعتراضه الأول؟! قيل: إنما أنكر أن يقرأ هو على =","vol":"1","page":41},{"text":"وقال أبو بكر (^١) أيضًا: حدثني عمي، حدثنا أبو رجاء، أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: قام عثمان فخطب الناس فقال: (يا أيها) (^٢) الناس (عهدكم) (^٣) نبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن وتقولون: قراءة أبي وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، وأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به، فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى تجمع من ذلك كثرة، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلًا رجلًا فناشدهم: لسمعتَ رسول الله ﷺ وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك عثمان قال: من أكتب الناس؟ قال: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت، قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص؛ قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد. فكتب زيد مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: قد أحسن.\nإسناد صحيح.\nوقال أيضًا (^٤): حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، ثنا أبو بكر (حدّثنا) (^٥) هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثنى عشر رجلًا من قريش والأنصار فيهم أُبي بن كعب وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها، قال: وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه، قال محمد: فقلت لكثير وكان فيهم فيمن يكتب: هل تدرون لم كانوا يؤخرونه؟ قال: لا، قال محمد: فظننت ظنًا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الأخيرة فيكتبونها على قوله.\nصحيح أيضًا.\n(قلت): الربعة هي الكتب المجتمعة، وكانت عند حفصة ﵂؛ فلما جمعها عثمان ﵁ في المصحف ردها إليها ولم يحرقها في جملة ما حرقه مما سواها؛ لأنها هي بعينها (التي) (^٦) كتبه وإنما رتبه، ثم إنه كان قد عاهدها على أن يردها إليها، فما زالت عندها حتى ماتت؛ ثم أخذها مروان بن الحكم فحرقها وتأول في ذلك ما تأول عثمان.\n_________\n= حرف زيد بن ثابت ولم ينكر على غيره أن يقرأ، لذلك فهذا الأثر غير صريح في الرجوع، وأقصى ما فيه الإيماء إلى ذلك وكأن ابن مسعود ﵁ أراد تسكين الفتنة، كما فعل في زمان الحج مع عثمان لما أتم الصلاة في منى. وقال: \"الخلاف شر\". فرضي الله عنهم أجمعين.\n(^١) أخرجه ابن أبي داود (ص ٢٣، ٢٤) وصحح المصنف ﵀ سنده وفيه شيء؛ لأن سماع إسرائيل من جده كان بأخرة، نعم؛ كان الذهبي وغيره يرجح إسرائيل في جده على سفيان وشعبة، ويصفه بأنه \"عكاز جده\". وقد توبع إسرائيل، فتابعه غيلان بن جامع، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد فذكر نحوه أخرجه ابن أبي داود أيضًا (ص ٢٤) من طريق يحيى بن يعلى بن الحارث، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا غيلان به. وهذا سند رجاله ثقات.\n(^٢) في (أ) و(ط): \"أيها\".\n(^٣) في (أ): \"عهد\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي داود (ص ٢٥، ٢٦) وصححه المصنف وفي إسناده أبو بكر بن عياش، وهو ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح. فالله أعلم.\n(^٥) في (أ): \"ابن\" وهو خطأ.\n(^٦) في (أ): \"الذي\".","vol":"1","page":42},{"text":"كما رواه أبو بكر بن أبي داود (^١): حدثنا محمد بن عوف، حدّثنا أبو اليمان، حدّثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها عن الصحف التي كتب منها القرآن فتأبى حفصة أن تعطيه إياها، قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها، أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسلن إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشققت.\nوقال مروان: إنما فعلت هذا؛ لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب، أو يقول: إنه قد كان شيء منها لم يكتب. إسناد صحيح.\nوأما ما رواه الزهري عن خارجة عن أبيه في شأن آية الأحزاب وإلحاقهم إياها في سورتها، فذكره لهذا بعد جمع عثمان فيه نظر، وإنما هذا كان حال جمع الصديق الصحف كما جاء مصرحًا به في غير هذه الرواية، عن الزهري، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت، والدليل على ذلك أنه قال: فألحقناها في سورتها من المصحف، وليست هذه الآية ملحقة في الحاشية في المصاحف العثمانية.\nفهذه الأفعال من أكبر القربات التي بادر إليها الأئمة الراشدون: أبو بكر وعمر ﵄، حَفِظا على الناس القرآن وجمعاه؛ لئلَّا يذهب منه شيء؛ وعثمان ﵁ جمع قراءات الناس على مصحف واحد ووضعه على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان من عمره ﵇، فإنه عارضه به عامئذ مرتين، ولهذا قال رسول الله ﷺ لفاطمة ابنته لما مرض \"وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي\".\nأخرجاه في \"الصحيحين\" (^٢).\nوقد روي أن عليًا ﵁ أراد (أن) (^٣) يجمع القرآن بعد رسول الله ﷺ مرتبًا بحسب نزوله أولًا فأولًا، كما رواه ابن أبي داود (^٤) ﵀ حيث قال:\n_________\n(^١) في \"المصاحف\" (ص ٢٤، ٢٥) وسنده صحيح كما قال المصنف رحمه الله تعالى.\nوأخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ١٥٦)؛ وعمر بن شبة في \"تاريخ المدينة\" (٣/ ١٠٠٣، ١٠٠٤)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٨/ ٣٠٠).\n(^٢) صحيح.\nأخرجه البخاري (١١/ ٧٩، ٨٠)؛ ومسلم (١٦/ ٥ - نووي).\n(^٣) ساقط من (ج).\n(^٤) ضعيف منقطع.\nأخرجه ابن أبي داود (ص ١٠) ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (ج ١٢/ ق ٣٢٧، ٣٢٨)، وأما تليين ابن أبي داود لأشعث، فالجواب عنه أنه متابع. فأخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٨/ ٣٠٠، ٣٠١) من طريق إسماعيل بن علية قال: حدثنا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين قال: لما بويع أبو بكر أبطأ علي عن بيعته .. ثم ساق نحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٤٥) أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا ابن عون، عن ابن سيرين مثله. وأخرجه ابن عساكر (١٢/ ٣٢٨) من طريق ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن ابن سيرين، قال: نبئت أن عليًا … فذكره وهذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين، لكنه منقطع =","vol":"1","page":43},{"text":"حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدّثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن محمد بن سيرين قال: لما توفي النبي ﷺ أقسم علي أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف ففعل، فأرسل إليه أبو بكر ﵁ بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ فقال: لا والله إلا إني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا لجمعة، فبايعه ثم رجع.\nهكذا رواه وفيه انقطاع.\nثم قال: لم يذكر (المصحف) (^١) أحد إلا أشعث وهو لين الحديث، وإنما رووا: حتى أجمع القرآن؛ يعني: أتم حفظه، فإنه يقال للذي (يحفظ) (^٢) القرآن قد جمع القرآن.\n(قلت): وهذا الذي قاله أبو بكر أظهر، والله أعلم، فإن عليًا لم ينقل عنه مصحف على ما قيل ولا غير ذلك ولكن قد توجد مصاحف على الوضع العثماني يقال: إنها بخط علي ﵁، وفي ذلك نظر فإن في بعضها: كتبه علي بن (أبو) (^٣) طالب! وهذا لحن من الكلام، وعلي ﵁ من أبعد الناس عن ذلك، فإنه كما هو المشهور عنه هو أول من وضع علم النحو فيما رواه عنه (أبو) (^٤) الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي، وأنه قسم الكلام إلى اسم وفعل وحرف، وذكر أشياء أخر تممها أبو الأسود بعده، ثم أخذ الناس عن أبي الأسود فوسعوه ووضحوه، وصار علمًا مستقلًا.\nوأما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن، شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديمًا بمدينة طبرية، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمسمائة، وقد رأيته كتابًا عزيزًا جليلًا عظيمًا ضخمًا بخط حسن مبين قوي بحبر محكم، في رق أظنه من جلود الإبل، والله أعلم، زاده الله تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا.\nفأما عثمان ﵁، فما يعرف أنه كتب بخطه هذه المصاحف، وإنما كتبها زيد بن ثابت في أيامه وغيره، فنسبت إلى عثمان؛ لأنها بأمره وإشارته، ثم قرئت على الصحابة بين يدي عثمان، ثم نفذت إلى الآفاق ﵁.\nوقد قال أبو بكر بن أبي داود (^٥): حدثنا علي بن حرب الطائي، حدّثنا قريش بن أنس، حدّثنا\n_________\n= كما قال المصنف رحمه الله تعالى. وأخرجه ابن الضريس في \"فضائل القرآن\" (ص ٣٦) من طريق هوذة بن خليفة، ثنا عوف، عن محمد بن سيرين، عن عكرمة فيما أحسب قال: لما كان بعد بيعة أبي بكر ﵁ قعد علي بن أبي طالب في بيعته … وساق نحوه وفيه: قال أبو بكر: ما أقعدك عني؟ قال: رأيت كتاب الله يزاد فيه، فحدثت نفسي ألا ألبس ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمعه، فقال له أبو بكر: فإنك نعم ما رأيت.\nقال محمد بن سيرين: فقلت له: ألفوه كما أنزل الأول فالأول؟ قال: لو اجتمعت الإنس والجن على أن يؤلفوه ذلك التأليف ما استطاعوا. قال محمد: أراه صادقًا وهو منقطع أيضًا.\n(^١) في (ط): \"الصحف\".\n(^٢) من (ل) وهو الموافق لما في \"المصاحف\" (ص ١٠)، ووقع في (أ) و(ج) و(ط): \"يجمع\" وهو سبق قلم. والله أعلم.\n(^٣) في (ج): \"أبي\"؛ وفيه تضييع لهذا التعقب.\n(^٤) ساقط من (أ).\n(^٥) وأخرجه الطبري في \"تاريخه\" (٤/ ٣٨٣) من طريق معتمر بن سليمان التيمي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا =","vol":"1","page":44},{"text":"سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى بني أسيد قال: لما دخل المصريون على عثمان ضربوه بالسيف على يده، فوقعت على ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] فمد يده وقال: والله إنها لأول يد خطت المفصل.\nوقال أيضًا (^١): حدثنا أبو الطاهر، حدّثنا ابن وهب قال: سألت مالكًا عن مصحف عثمان فقال لي: ذهب.\nيحتمل أنه سأله عن المصحف الذي كتبه بيده ويحتمل أن يكون سأله عن المصحف الذي تركه في المدينة، والله أعلم.\n(قلت): وقد كانت الكتابة في العرب قليلةً جدًا، وإنما أول ما تعلموا ذلك ما ذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبي وغيره أن بشر بن عبد الملك أخا أكيدر دومة تعلم الخط من الأنبار، ثم قدم مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، فعلمه حرب بن أمية وابنه سفيان، وتعلمه عمر بن الخطاب من حرب بن أمية، وتعلمه معاوية من عمه سفيان بن حرب.\nوقيل: إن أول من تعلمه من الأنبار قوم من \"طيء\" من قرية هناك يقال لها: \"بقة\"، ثم هذبوه ونشروه في جزيرة العرب، فتعلمه الناس.\nولهذا قال أبو بكر بن أبي داود (^٢)، حدثنا عبد الله بن محمد الزهري (إن شاء الله) (^٣)، حدّثنا سفيان، عن مجاهد، عن الشعبي قال: سألنا المهاجرين: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار.\n(قلت): والذي كان يغلب على زمان السلف الكتابة المتكوفة، ثم هذبها أبو علي بن مقلة الوزير، وصار له في ذلك منهج وأسلوب في الكتابة، ثم قربها علي بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب، وسلك الناس وراءه، وطريقته في ذلك واضحة جيدة (^٤).\nوالغرض أن الكتابة لما كانت في ذلك الزمان لم تحكم جيدًا، وقع في كتابة المصاحف اختلاف في وضع الكلمات من حيث صناعة الكتابة لا من حيث المعنى، وصنف الناس في ذلك. واعتنى بذلك الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه: \"فضائل القرآن\"،\n_________\n= أبو نضرة، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد فذكره.\nوأخرجه عمر بن شبة في \"تاريخ المدينة\" (٣/ ١١٣٨، ١١٣٩) من طريق سعيد بن يزيد، حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد به؛ وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ١/ رقم ١١٩) من طريق الزهري عن أبي سلمة قال: لما ضرب الرجل يد عثمان قال: إنها لأول يد خطت المفصل. وحسنه الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٩٤) وليس بحسن؛ لأنه منقطع بين أبي سلمة وعثمان. والله أعلم.\n(^١) أخرجه ابن أبي داود (ص ٣٥) وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي داود (ص ٤) وسنده صحيح إلى الشعبي.\n(^٣) ساقط من (أ) و(ل).\n(^٤) وقال ابن خلكان في \"وفيات الأعيان\" (٣/ ٣٤٢): \"هذب ابن البواب طريقة ابن مقلة نقحها، وكساها طلاوة وبهجة\".","vol":"1","page":45},{"text":"والحافظ أبو بكر بن أبي داود ﵀، فبوبا على ذلك، وذكرا قطعةً صالحةً هي من صناعة القرآن ليست مقصدنا ههنا.\nولهذا نص الإمام مالك (﵀) (^١) على أنه لا توضع المصاحف إلا على وضع كتابة الإمام. ورخص غيره في ذلك، واختلفوا في الشكل والنقط، فمن مرخص ومن مانع.\nفاما كتابة السورة وآياتها والتعشير والأجزاء والأحزاب (فكثر) (^٢) في مصاحف زماننا. والأولى اتباع السلف الصالح.\nثم قال البخاري (^٣): ذكر كُتَّابِ النبي ﷺ.\nوأورد فيه من حديث الزهري، عن ابن السباق، عن زيد بن ثابت أن أبا بكر الصديق قال له: وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، وذكر نحو ما تقدم في جمعه القرآن وقد تقدم، وأورد حديث زيد بن ثابت (^٤) في نزول ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ولم يذكر البخاري أحدًا من الكُتَّاب في هذا الباب سوى زيد بن ثابت، وهذا عجب، وكأنه لم يقع له حديث يورده سوى هذا، والله أعلم. وموضع هذا في \"كتاب السيرة\" عند ذكر كُتَّابه عليه (الصلاة) (^٥) والسلام.\nثم قال البخاري (^٦) ﵀:\nأنزل القرآن على سبعة أحرف:\nحدثنا سعيد بن عفير، حدّثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن\n_________\n(^١) ساقط من (أ) و(ط).\n(^٢) في (أ): \"فكثير\".\n(^٣) كذا نقل ابن كثير المصنف ﵀ عن \"صحيح البخاري\"، والذي فيه: \"باب: كاتب النبي ﷺ\" هكذا بالإفراد، وليس بالجمع. ونقل الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٢٢) هذا عن المصنف هنا، ثم قال: \"لم أقف في شيء من النسخ إلا بلفظ: \"كاتب\"، بالإفراد وهو مطابق لحديث الباب؛ نعم قد كتب الوحي لرسول الله ﷺ جماعة غير زيد بن ثابت، أما بمكة فلجميع ما نزل بها لأن زيد بن ثابت إنما أسلم بعد الهجرة، وأما بالمدينة فأكثر ما كان يكتب زيد، ولكثرة تعاطيه ذلك أطلق عليه الكاتب بلام العهد كما في حديث البراء بن عازب ثاني حديثي الباب، ولهذا قال له أبو بكر: إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ. وكان زيد بن ثابت ربما غاب فكتب الوحي غيره. وقد كتب له قبل زيد بن ثابت أُبي بن كعب وهو أول من كتب له بالمدينة، وأول من كتب له بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح، وممن كتب له في الجملة الخلفاء الأربعة والزبير بن العوام وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية وحنظلة بن الربيع الأسدي ومعيقيب بن أبي فاطمة وعبد الله بن الأرقم الزهري وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن رواحة في آخرين، وروى أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عباس عن عثمان بن عفان قال: \"كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا، الحديث\". اهـ.\n(^٤) صحيح.\nأخرجه البخاري (٦/ ٤٥ و٨/ ٢٥٩).\n(^٥) ساقط من (ج) و(ط) و(ل).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٩/ ٢٣ - فتح).\nوأخرجه أيضًا في \"بدء الخلق\" (٦/ ٣٠٥)؛ ومسلم (٨١٩/ ٢٧٢).","vol":"1","page":46},{"text":"عبد الله أن عبد الله بن عباس حدثه أن رسول الله ﷺ قال: \"أقرأني جبريل ﵇ على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف\".\nوقد رواه أيضًا في \"بدء الخلق\"، ومسلم من حديث يونس ومسلم أيضًا عن معمر، كلاهما عن الزهري بنحوه.\nورواه ابن جرير من حديث الزهري به.\nثم قال الزهري: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون وحدًا لا يختلف في حلال ولا في حرام، وهذا مبسوط في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد (^١) القاسم بن سلام حيث قال:\nحدثنا يزيد ويحيى بن سعيد، كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن أُبي بن كعب قال: ما حك في صدري شيء منذ أسلمت، إلا أنني قرأت آيةً وقرأها آخر غير قراءتي، فقلت: أقرأنيها رسول الله ﷺ، فقال: أقرأنيها رسول الله ﷺ، فأتينا رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أقرأتني آية كذا وكذا: قال: \"نعم\". وقال الآخر: أليس تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: \"نعم\" فقال: \"إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف، وكل حرف كاف شاف\".\nوقد رواه النسائي (^٢) من حديث يزيد - وهو ابن هارون - ويحيى بن سعيد القطان، كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس، عن أُبي بن كعب بنحوه.\nوكذا رواه (^٣) ابن أبي عدي (ومحمد) (^٤) بن ميمون الزعفراني ويحيى بن أيوب، كلهم عن حميد به.\n_________\n(^١) في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٠١).\n(^٢) في \"المجتبى\" (٢/ ١٥٤) قال: أخبرني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى القطان.\nوأخرجه في \"الفضائل\" (١١) قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا يزيد بن هارون كلاهما عن حميد الطويل، بسنده سواء.\nوأخرجه أحمد (٥/ ١١٤، ١٢٢) حدثنا يحيى القطان؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٧)؛ وعبد بن حميد (١٦٤)؛ وابن حبان (٧٣٧)؛ والضياء في \"المختارة\" (١١٢٩) (١١٣٠)؛ والبيهقي في \"السنن الصغرى\" (١٠١٠) عن يزيد بن هارون، كلاهما عن حميد الطويل به.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٢٦) قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي. وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا محمد بن ميمون الزعفراني، جميعًا عن حميد بسنده سواء وهذه الأسانيد كلها صحاح.\nوأخرجه عبد الله بن أحمد (٥/ ١٢٢)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٨٩)؛ وابن أبي حاتم في \"العلل\" (ج ٢/ رقم ١٧٤٥)؛ وابن جرير (٢٧) من طريق أخرى عن حميد الطويل به. ورواه عن حميد: \"بشر بن المفضل، ومعتمر بن سليمان، وعبد الله بن بكر السهمي، ويحيى بن أيوب\".\nقلت: فقد رواه عن حميد الطويل: \"يحيى القطان، ويزيد بن هارون، وبشر بن المفضل، ويحيى بن أيوب، وعبد الله بن بكر السهمي، ومعتمر بن سليمان، وابن أبي عدي، ومحمد بن ميمون\" ثمانيتهم، عن حميد، عن أنس، عن أُبي بن كعب. وخالفهم حماد بن سلمة، فرواه عن حميد الطويل، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عن أُبي بن كعب فذكره، ويأتي الكلام عليه.\n(^٤) في (أ): \"محمود\"! وهو خطأ.","vol":"1","page":47},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن مرزوق، حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنزل القرآن على سبعة أحرف\".\nفأدخل بينهما عبادة بن الصامت.\nوقال الإمام أحمد بن حنبل (^٢) ﵀: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثني عبد الله بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُبي بن كعب، قال: كنت في المسجد، فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فقمنا جميعًا فدخلنا على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن هذا قرأ قراءة أنكرتُها عليه، ثم دخل هذا فقرأ (غير) (^٣) قراءة صاحبه، فقال لهما النبي ﷺ: \"اقرءا - فقرءا فقال:- أصبتما\" فلما قال لهما النبي ﷺ الذي قال: كبر عليَّ ولا إذا كنت في الجاهلية، فلما رأى الذي غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقًا. وكأنما أنظر إلى الله فرقًا، فقال: \"يا أُبي إن الله أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هوِّن على أمتي، فأرسل إلي أن أقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي، فأرسل إلي أن أقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة تسألنيها - قال - قلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليه فيه الخلق حتى إبراهيم ﵇\".\nوهكذا رواه مسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد به.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدّثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: خفف (عن) (^٤) أمتي، فقال: اقرأه على حرفين، فقلت: رب خفف (عن) (^٤) أمتي، فقال: اقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنة، كلها شافٍ كافٍ\".\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٢٨).\nوأخرجه أحمد (٥/ ١١٤)؛ وابن حبان (٧٤٢)؛ وتمام الرازي في \"الفوائد\" (١٧٠٦)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٧٩)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٨٢) من طرق عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عن أُبي بن كعب فذكره. فزاد في الإسناد \"عبادة بن الصامت\"، ولعل هذا مما وهم فيه حماد، وكان تغير حفظه قليلًا ويؤيده إيراد ابن عدي للحديث في ترجمته ولم أجد من تابعه مع مخالفة هذا الجمع.\nوذكر أبو حاتم، كما في \"العلل\" (١٧٤٥) رواية حماد من غير ترجيح، فإن كان يرجح روايته على زهير، فلم يتفرد زهير به، فتابعه من قدمنا ذكرهم، وهم أكثر عددًا وأشد إتقانًا. والله أعلم.\n(^٢) صحيح.\nأخرجه أحمد (٥/ ١٢٧) قال: حدثنا يحيى بن سعيد، بسنده سواء.\nوأخرجه مسلم (٨٢٠/ ٢٧٣).\nورواه عن إسماعيل بن أبي خالد: \"وكيع، ويحيى القطان، وابن نمير، ومحمد بن بشر، ومحمد بن يزيد الواسطي، وخالد بن عبد الله، ومحمد بن فضيل، ومحمد بن عبيد\".\n(^٣) في (أ): \"سوى\".\n(^٤) في (ج): \"على\".","vol":"1","page":48},{"text":"وقال ابن جرير (^١):\n(حدثنا) (^٢) يونس، عن ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُبي بن كعب أنه قال: سمعت رجلًا يقرأ في سورة النحل قراءةً تخالف قراءتي، ثم سمعت آخر يقرؤها بخلاف ذلك، فانطلقت بهما إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذين يقرآن في سورة النحل، فسألتهما: من أقرأهما؟ فقالا: رسول الله ﷺ، فقلت: لأذهبن بكما إلى رسول الله ﷺ إذ خالفتما ما أقرأني رسول الله، فقال رسول الله ﷺ لأحدهما: \"اقرأ - فقرأ فقال:- أحسنت - ثم قال للآخر:- اقرأ - فقرأ - فقال: - أحسنت\" قال أُبي: فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمر وجهي، فعرف ذلك رسول الله ﷺ في وجهي، فضرب يده في صدري، ثم قال: \"اللهم أخسئ الشيطان عنه، يا أُبي أتاني آت من ربي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف (عن أمتي) (^٣)، ثم أتاني الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على (حرفين) (^٤)، فقلت: رب خفف عن أمتي، ثم أتاني الثالثة فقال مثل ذلك، وقلت مثل ذلك، ثم أتاني الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف ولك بكل ردة مسألة - فقال:- يا رب اللهم اغفر لأمتي، يا رب اغفر لأمتي، واختبأت الثالثة شفاعةً لأمتي يوم القيامة\".\nإسناد صحيح.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" رقم (٣٨).\nوصرح المصنف بصحة سنده، ولكن قال إبراهيم الحربي، كما في \"التهذيب\" (٧/ ٤٠)، \"لم يدرك عبيد الله عبد الرحمن بن أبي ليلى\" فأجاب عنه الشيخ العلامة أبو الأشبال ﵀ بقوله: \"وأنا أرجح أن هذا خطأ من الحربي، فإن عبد الرحمن مات سنة (٨٢) أو (٨٣) وعبيد الله مات سنة (١٤٤) أو (١٤٥) فالمعاصرة ثابتة، وهي كافية في إثبات اتصال الرواية، إذا لم يكن الراوي مدلسًا، وما كان عبيد الله ذلك قط، ولذلك جزم ابن كثير بصحة الإسناد\". اهـ.\nقلت: لا يتم لك الأمر إلا إذا أثبت أن عبيد الله عُمِّر، وقد صرح الذهبي في \"السير\" (٦/ ٣٠٤) \"أن عبيد الله ولد بعد السبعين أو نحوها\" فمن المحتمل أن يكون في أول السبعين أو في آخرها، وعلى أي تقدير فيكون تجاوز العاشرة بسنين قليلة، سنتين أو ثلاثة، وهذا وإن كان أدرك الزمان، لكن لعل الحربي قصد \"إدراك السماع\"، فإذا أضفت إلى هذا أن عبد الرحمن كوفي، وعبيد الله مدني، ويبعد أن يرحل ابن عشر سنين أو فوقها بقليل لطلب الحديث ترجح لك كلام الحربي، ثم فوق كل هذا فإن هشام بن سعد قد خولف في روايته عن عبيد الله بن عمر، خالفه المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عبيد الله بن عمر، عن سيار أبي الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رفعه إلى النبي ﷺ فذكره. أخرجه ابن جرير (٣٩) قال: حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، ثنا المعتمر. فخالفه المعتمر في موضعين:\nالأول: أنه أثبت الواسطة بين عبيد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى وهو يؤيد كلام الحربي في الانقطاع.\nالثاني: أنه أرسله، ورواية المعتمر أرجح، فهو أوثق من هشام بن سعد، بل تكلم أحمد وابن معين والنسائي في حفظ هشام وضعفوه، ومشاه غيرهم: فتصحيح المصنف للإسناد لا يخفى ما فيه. والله تعالى أعلم.\n(^٢) في (أ): \"حدثني\".\n(^٣) في (ج): \"عنى\".\n(^٤) في (ج): \"حرف واحد\" وهو سبق قلم.","vol":"1","page":49},{"text":"(قلت): وهذا الشك الذي حصل لأُبي في تلك الساعة هو - والله أعلم - السبب الذي لأجله قرأ عليه رسول الله ﷺ قراءة (إبلاغ وإعلام) (^١) ودواء لما كان حصل له سورة ﴿لَمْ يَكُنِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) (^٢) مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ). . .﴾ إلى آخرها [البينة: ١] (^٣)، لاشتمالها على قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ [البينة] وهذا نظير تلاوته سورة الفتح حين أنزلت مرجعه (﵇) (^٤) من الحديبية على عمر بن الخطاب، وذلك لما كان تقدم له من الأسئلة لرسول الله ﷺ (ثم) (^٥) لأبي بكر الصديق، وفيها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].\nوقال ابن جرير (^٦): حدثنا محمد بن مثنى، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أُبي بن كعب أن رسول الله كان عند إضاة بني غفار، فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، قال: \"أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك\" قال: ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، قال: \"أسأل الله معافاته ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك\"، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، قال: \"أسأل الله معافاته ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك\" ثم جاءه الرابعة فقال: \"إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا\".\nوأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية شعبة به.\nوفي لفظ لأبي داود (^٧)، عن أُبي بن كعب قال: قال (لي) (^٨) رسول الله ﷺ: \"إني أقرئت القرآن، (فقيل) (^٩) لي: على حرف أو حرفين؟ فقال الملك الذي معي: قل: على حرفين، فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: قل: على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف إن قلت: سميعًا عليمًا عزيزًا حكيمًا ما لم تخلط آية عذاب برحمة أو آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب\".\nوقد روى ثابت (^١٠) بن قاسم نحوًا من هذا عن أبي هريرة (^١١)، عن النبي ﷺ ومن كلام ابن مسعود نحو ذلك.\n_________\n(^١) في (أ): \"إعلام وإبلاغ\".\n(^٢) ساقط من (أ).\n(^٣) ساقط من (ط).\n(^٤) ساقط من (أ).\n(^٥) في (أ): \"و\".\n(^٦) صحيح وهو في \"تفسيره\" رقم (٣٥).\nوأخرجه مسلم (٨٢١/ ٢٧٤).\n(^٧) أخرجه أبو داود (١٤٧٧) من طريق سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب، ويأتي تخريجه قريبًا.\n(^٨) ساقط من (أ).\n(^٩) في (ج): \"قيل\".\n(^١٠) كذا في \"الأصول\" كلها، وليس هو، كما يتبادر، التابعي الذي يروى الحديث عن أبي هريرة، ولكنه كما يبدو لي أحد العلماء المصنفين، وقد روى الحديث بسنده إلى أبي هريرة في \"مصنفه\"، ويقع لي، والله أعلم، أنه: \"قاسم بن ثابت السرقسطي\" صاحب كتاب \"الدلائل\" في غريب الحديث، فلعل اسمه انقلب على المصنف أو الناسخ، فإن كان ذلك كذلك، وإلا فليحرر. والعلم عند الله تعالى.\n(^١١) حسن. =","vol":"1","page":50},{"text":"وقال الإمام (^١) أحمد: حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن زر، عن أُبي قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المراء فقال رسول الله ﷺ لجبريل: \"إني بعثت إلى أمة أميين، فيهم الشيخ العامي والعجوز الكبيرة والغلام، فقال: مرهم فليقرؤوا القرآن على سبعة أحرف\".\nوأخرجه الترمذي من حديث عاصم بن أبي النجود، عن زر (^٢)]، [عن (أُبي) (^٣) به، وقال: \"حسن صحيح\".\nوقد رواه أبو عبيد (^٤)، عن أبي النضر، عن شيبان، عن عاصم بن أبي النجود، عن\n_________\n= أخرجه أحمد (٢/ ٢٣٢ - ٤٤٠)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٦)؛ وابن حبان (٧٤٣)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢٣١٣)؛ والطبري (٨، ٩) من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"أنزل القرآن على سبعة أحرف، حكيمًا، عليمًا، غفورًا، رحيمًا\".\nقال ابن حبان: \"حكيمًا عليمًا غفورًا رحيمًا قول محمد بن عمرو، أدرجه في الخبر، والخبر إلى سبعة أحرف\" وسنده حسن، ويأتي الكلام عن طرقه قريبًا إن شاء الله.\nوأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٠٧٣) من كلام ابن مسعود نحوه. ورجال إسناده ثقات، وفي أبي بكر بن عياش كلام.\n(^١) في \"مسنده\" (٥/ ١٣٢).\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٨)؛ وابن حبان (٧٣٩)؛ وابن جرير (٢٩)؛ وأبو الفضل الزهري في \"حديثه\" (ج ٣/ ق ٧٣/ ٢) من طريق زائدة بن قدامة بسنده سواء. وتابعه شيبان بن عبد الرحمن، عن عاصم بن أبي النجود به. أخرجه الترمذي (٢٩٤٤)، والضياء في \"المختارة\" (١١٦٨) من طريق الحس بن موسى، نا شيبان بسنده سواء. وقال الترمذي: \"حسن صحيح\".\nوتابعه عبيد الله بن موسى، وأبو النضر هاشم بن القاسم، كلاهما عن شيبان بسنده سواء أخرجه الهيثم بن كليب في \"مسنده\" (١٤٨٠، ١٤٨١). ووقع عنده في رواية أبي النضر، قال: \"نا أبو معاوية، عن عاصم\". وأبو معاوية هذا ليس هو الضرير محمد بن خازم، بل هو شيبان بن عبد الرحمن وهذه كنيته. والله أعلم. واختلف على شيبان كما يأتي.\nوقد توبع شيبان. تابعه أبو عوانة الوضاح اليشكري فرواه عن عاصم، بسنده سواء أخرجه الضياء في \"المختارة\" (١١٦٩) وتابعهما حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن أُبي بن كعب فذكره. أخرجه الطيالسي (٥٤٣). واختلف فيه على حماد، كما يأتي إن شاء الله تعالى.\n(^٢) ساقط من (أ).\n(^٣) وقع في \"الأصول\": \"ابن مسعود\" وهو خطأ، فلم يقع في \"الترمذي\" حديث ابن مسعود هذا؛ نعم أخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٨/ ٢٨٩) من طريق يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن عبد الله قال: أتيت المسجد فجلست إلى ناس وجلسوا إلي … وذكر حديثًا فيه أنهم اختلفوا في القراءة.\nوهذا لون آخر من الاختلاف في إسناده ومتنه، فهل وهم يحيى بن أبي بكير على شيبان فيه؟ أو لعله من سوء حفظ عاصم، وهذا أقوى. والمحفوظ أن هذا يرويه الأعمش وأبو بكير بن عياش، وإسرائيل بن يونس وغيرهم عن عاصم، عن زر، عن عبد الله وليس فيه ذكر الأحرف السبعة. أخرجه أحمد (١/ ٤١٩، ٤٢١)؛ وابن حبان (٧٤٦، ٧٤٧)؛ والطبري (١٢، ١٣)؛ والحاكم (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤) وصححه. وأصله في \"البخاري\" من حديث النزال بن سبرة، عن ابن مسعود. والله أعلم.\n(^٤) في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٠٢، ٢٠٣).\nفهكذا رواه أبو النضر هاشم بن القاسم، عن شيبان. =","vol":"1","page":51},{"text":"زر] (^١)، عن حذيفة، أن رسول الله ﷺ لقي جبريل عند أحجار المراء. فذكر الحديث والله أعلم.\nوهكذا رواه الإمام (^٢) أحمد، عن (عفان) (^٣)، عن حماد، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة أن رسول الله ﷺ قال: \"لقيت جبريل عند أحجار المراء فقلت يا جبريل إني أرسلت إلى أمة أمية، الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ العامي الذي لم يقرأ كتابًا قط؛ فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف\".\nوقال أحمد (^٤) أيضًا:\nحدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن ربعي بن حراش قال: حدثني من لم يكذبني (يعني) (^٥) - حذيفة - قال: \"لقي النبي ﷺ، جبريل عند أحجار المراء فقال: إن أمتك يقرؤون القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ منهم فليقرأ كما علم ولا يرجع عنه\".\n_________\n= وخالفه عبيد الله بن موسى والحسن بن موسى الأشيب فروياه عن شيبان، عن عاصم، عن زر، عن أُبي بن كعب. وقد مر ذكره آنفًا. وكلهم من الثقات الأثبات فيترجح لي أن الاضطراب من عاصم بن أبي النجود. وعندي أنه من \"مسند أبي بن كعب\" أشبه لكثرة الطرق بذلك. والله أعلم.\n(^١) ساقط من (أ).\n(^٢) في \"مسنده\" (٥/ ٣٩١، ٤٠٠) قال: حدثنا عفان بإسناده سواء.\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٣/ رقم ٣٠١٩) قال: حدثنا محمد بن العباس المؤدب، ثنا عفان بن مسلم بسنده سواء.\nوتابعه عبد الصمد بن عبد الوارث، وهدبة بن خالد، ومنصور بن سقير، كلهم عن حماد بن سلمة بسنده سواء.\nأخرجه أحمد (٥/ ٤٠٥، ٤٠٦)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢٣١٠)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٨٢)؛ وابن قانع في \"معجم الصحابة\" (١/ ٣٧/ ١).\nوخالفهم جميعًا أبو داود الطيالسي، فرواه في \"مسنده\" (٥٤٣)؛ عن حماد بن سلمة بسنده سواء لكنه جعله عن \"أُبي بن كعب\" وهم يترجحون عليه في حماد لا سيما \"عفان بن مسلم\" هذا إن لم يكن الاضطراب فيه من عاصم كما سبق ذكره والله أعلم.\nوقال البزار: \"هكذا رواه حماد بن سلمة، ورواه أبو معاوية عن عاصم عن زر عن أُبي بن كعب\" فكأنما يشير إلى أن الوهم فيه من حماد وليس من الرواة عنه، وأبو معاوية التي أشار البزار إلى روايته هو، عندي، شيبان بن عبد الرحمن، مع أن هذه الكنية إذا أطلقت عُني بها \"الضرير محمد بن خازم\" لكني لم أجد له رواية عن عاصم بن بهدلة، مع شهرة رواية شيبان بن عبد الرحمن لهذا الحديث، فهذا هو الذي حدا بي أن أرجح هذا الرأي والله أعلم.\n(^٣) ساقط من (ج) و(ل).\n(^٤) في \"مسنده\" (٥/ ٣٨٥، ٤٠١) ولم يجمع الإمام حديث شيخيه في سياق واحد، إنما فرقه، وهذا الجمع من تصرف المصنف ﵀.\nوهذا إسناد رجاله ثقات، إلا إبراهيم بن مهاجر فقد لينه أكثر النقاد، فتصحيح المصنف لإسناده لا يخفى ما فيه، أما الهيثمي فقال في \"المجمع\" (٧/ ١٥١): \"رواه أحمد وفيه راوٍ لم يسم\"! وهذا وهم عجيب، أظنه بسبب عجلة الهيثمي النظر في السند، فقد وقع في السند: \". . . ربعي بن حراش، حدثني من لم يكذبني، يعني حذيفة\" فلما وقع بصره على قوله: \"من لم يكذبني\" قال ما قال!! وقد علمت أنه سمي. فرحمه الله تعالى.\n(^٥) ساقط من (أ).","vol":"1","page":52},{"text":"وقال عبد الرحمن: \"إن من أمتك الضعيف فمن قرأ على حرف فلا يتحول عنه إلى غيره رغبة عنه\".\nهذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه.\n(حديث آخر) في معناه عن سليمان بن صرد.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا إسماعيل بن موسى السدي، حدّثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد يرفعه قال: \"أتاني ملكان فقال أحدهما: اقرأ، قال: على كم؟ قال: على حرف، قال: زده، حتى انتهى إلى سبعة أحرف\".\nورواه النسائي (^٢) في \"اليوم والليلة\" عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، عن إسحاق الأزرق،\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" رقم (٢١).\nوأخرجه الطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٨٩) قال: حدثنا فهد، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل ابن بنت السدي بإسناده سواء.\nوخالفه محمد بن جعفر الوركاني، فرواه عن شريك، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب رفعه. أخرجه عبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (٥/ ١٢٥) عن الوركاني. ورواية الوركاني أولى، فهو أوثق من إسماعيل بن موسى.\nوقد توبع شريك على جعله من \"مسند سليمان بن صرد\". فتابعه زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق عن سليمان بن صرد، قال: أتى محمدًا ﷺ الملكان ثم ذكر نحوه.\nأخرجه أبو القاسم البغوي في \"معجم الصحابة\" (ج ١٠/ ق ١١٨/ ٢)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٨٩) من طريق أبي نصر التمار، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة.\nوتابعه عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو بسنده سواء.\nأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (١١٨٩)؛ وقال الهيثمي (٧/ ١٥٣): \"رواه الطبراني وفيه جعفر، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات\". وقد وقع سقط نحو ورقة من \"نسخة الأوسط\" فكان مما سقط، والله أعلم: \"عبد الله بن\" وبقي: \"جعفر\"، لذلك لم يعرفه الهيثمي رحمه الله تعالى.\nولكن خالفهما العوام بن حوشب، فرواه عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب فذكره. ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.\n(^٢) أخرجه النسائي في \"اليوم والليلة\" (٦٧١) قال: أخبرنا عبد الرحمن بن سلام، قال: حدثنا إسحاق الأزرق، حدثنا العوام بسنده سواء.\nهكذا رواه إسحاق الأزرق، فجعل العوام بن حوشب متابعًا لشريك وزيد بن أبي أنيسة على جعل الحديث من \"مسند سليمان بن صرد\".\nوخالفه يزيد بن هارون، فرواه عن العوام بن حوشب، قال: حدثني أبو إسحاق الهمداني، عن سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب فذكره. فجعله من \"مسند أُبي بن كعب\".\nأخرجه النسائي (٦٧٠) أيضًا، قال: أخبرنا أبو داود، قال: حدثنا يزيد.\nوأخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٢٠١)؛ وأحمد بن منيع في \"مسنده\"، كما في \"إتحاف المهرة\" (ق ٢٢٩/ ١)؛ ومن طريقه أبو القاسم البغوي في \"معجم الصحابة\" (ج ٩/ ق ١١٨/ ١)؛ والضياء في \"المختارة\" (١١٧٦)؛ وابن الأعرابي، ومن طريقه الخطابي في \"الغريب\" (١/ ٥٨٧)؛ والبيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ١٨٨).\nوهذا الوجه أشبه، وإسحاق الأزرق وإن كان ثقةً مأمونًا، فقد قال ابن سعد: \"ربما غلط\"، ويحتمل أن يصح الوجهان معًا كما أشار إلى ذلك المصنف ﵀، ويكون الحديث بـ \"أُبي بن كعب\" أشهر وأكثر. والله أعلم.","vol":"1","page":53},{"text":"عن العوام بن حوشب، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، قال: أتى أُبي بن كعب رسول الله ﷺ برجلين اختلفا في القراءة، فذكر الحديث.\nوهكذا رواه أحمد بن منيع، عن يزيد بن هارون، عن العوام [ابن حوشب به.\nورواه أبو عبيد، عن يزيد بن هارون، عن العوام] (^١)، (عن) (^٢) أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أُبي أنه أتى النبي ﷺ برجلين، فذكره.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن فلان العبدي - قال ابن جرير: ذهب عني اسمه - عن سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب، قال: رحت إلى المسجد فسمعت رجلًا يقرأ، فقلت: من أقرأك؟ قال: رسول الله ﷺ، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ فقلت: استقرئ هذا، قال: فقرأ، فقال: \"أحسنت\" قال [قلت: إنك أقرأتني كذا وكذا، فقال: \"وأنت قد أحسنت\" (قال: فقلت) (^٤) قد أحسنت! قد أحسنت!؟ قال] (^٥) فضرب بيده على صدري ثم قال: \"اللهم أذهب عن أُبي الشك\" قال: ففضت عرقًا، وامتلأ جوفي فرقًا، قال: ثم قال: \"إن الملكين أتياني، فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف، وقال الآخر: زده، قال: قلت: زدني، فقال: اقرأه على حرفين، حتى بلغ سبعة أحرف، اقرأه على سبعة أحرف\".\nوقد رواه أبو عبيد، عن حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن (سقير) (^٦) العبدي، عن سليمان بن صرد، عن أُبي (^٧) [عن النبي ﷺ بنحو ذلك.\nورواه أبو داود (^٨)، عن أبي الوليد الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صرد، عن أُبي] (٧) بن كعب بنحوه.\n_________\n(^١) ساقط من (أ).\n(^٢) في (ج): \"ابن\" وهو خطأ.\n(^٣) في \"تفسيره\" رقم (٢٥).\nوأخرجه أبو عبيد (ص ٢٠٢)؛ وعبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (٥/ ١٢٤)؛ والهيثم بن كليب في \"مسنده\" (١٤٣٩)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٨/ ٢٨٥، ٢٨٦) من طرق عن إسرائيل بن يونس بسنده سواء.\nوسقير، ويقال: صقير، قال فيه الحسيني: \"مجهول\" فرد عليه الحافظ في \"التعجيل\" (٣٨٥) قائلًا: \"ولم يصب في ذلك، فقد ذكروه في حرف الصاد المهملة، ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم فيه قدحًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٣٨٥) \". اهـ.\nقلت: وما ذكره ابن حجر لا يخرجه عما قاله الحسيني كما لا يخفى، فأما ابن حبان فخطته معروفة، وأما تبييض البخاري وابن أبي حاتم للراوي فليس أمارة توثيق؛ لأن البخاري قد يبيض للراوي ويضعفه في \"ضعفائه\"؛ وأما ابن أبي حاتم فقد صرح في مطلع \"كتابه\" أنه يبيض للراوي إذا لم يعلم فيه شيئًا. والله الموفق. وهذا الوجه أيضًا من وجوه الاختلاف على أبي إسحاق في إسناده، ولعله منه فقد كان حفظه تغير، ونازع الذهبي في اختلاطه. ولعل هذا الوجه هو أشبه الوجوه كلها لمكان إسرائيل بن يونس من جده، وملازمته إياه. والله أعلم.\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) ساقط من (أ) وفي (ط): \"فقلت\".\n(^٦) في (أ): \"ستير\"!\n(^٧) ساقط من سياق (أ)، وقيد بخط دقيق في الحاشية.\n(^٨) في \"سننه\" (١٤٧٧).","vol":"1","page":54},{"text":"فهذا الحديثُ محفوظ من حيث الجملة عن أُبي بن كعب، والظاهر أن سليمان بن صرد الخزاعي شاهد ذلك، والله أعلم.\n(حديث آخر عن أبي بكرة):\nقال الإمام (^١) أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \"أتاني جبريل وميكائيل ﵉، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف واحد، فقال ميكائيل: استزده، قال: اقرأ القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب برحمة\" وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب، عن حماد بن سلمة به، وزاد في آخره \"كقولك: هلم وتعال\".\n(حديث آخر عن سمرة):\nقال الإمام (^٢) أحمد: حدثنا بهز وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة، أنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: \"أنزل القرآن على سبعة أحرف\".\n_________\n= وأخرجه أحمد (٥/ ١٢٤)؛ وابنه في \"زوائد المسند\"؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٨٩)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٣٨٤)؛ وفي \"الصغرى\" (١٠٠٩)؛ والضياء في \"المختارة\" (١١٧٣ - ١١٧٥) من طرق عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب فذكره. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.\n(^١) في \"مسنده\" (٥/ ٤١).\nوأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٥١)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٩١) من طريق عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة به. وتابعه زيد بن الحباب، عن حماد.\nأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٧)؛ وابن جرير (٤٠ - ٤٧). وتوبع حماد بن سلمة؛ تابعه عبد الوارث بن سعيد، عن علي بن زيد به.\nأخرجه مسدد بن مسرهد في \"مسنده\"، كما في \"إتحاف المهرة\" (ق ٢٢٩/ ١)، قال: ثنا عبد الوارث.\nوعزاه الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٥١) للطبراني، وقال: \"فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو سيء الحفظ، وقد توبع، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح\". اهـ.\n(^٢) في \"مسنده\" (٥/ ١٦، ٢٢) ورواية بهز وعفان وقعت في \"المسند\" مفرقة في موضعين، وهذا الجمع بينهما من صنيع المصنف رحمه الله تعالى، ولم يصب في صنيعه هذا، فإن رواية بهز بن أسد عن حماد: \"سبعة أحرف\" ورواية عفان عنه: \"ثلاثة أحرف\" فقد اختلفا في هذا الحرف فلا يصح جمع روايتهما في سياق واحد. والله أعلم.\nوأخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٢٠٣)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٧)؛ وتمام الرازي في \"الفوائد\" (٧٤٢)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢٣١٤)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٧/ رقم ٦٨٥٣)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٧٩)؛ والحاكم (٢/ ٢٢٣)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٩٥) من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا: \"أنزل القرآن على ثلاثة أحرف\".\nورواه عن حمادٍ هكذا: \"حجاج بن منهال، وعفان بن مسلم\" وخالفهما بهز، كما تقدم، فقال: \"سبعة أحرف\".\nقال البزار: \"لا نعلم يروى هذا اللفظ إلا عن سمرة، ولا رواه عن قتادة إلا حماد\".\nوقال الحاكم: \"قد احتج البخاري برواية الحسن عن سمرة، واحتج مسلم بأحاديث حماد بن سلمة، وهذا الحديث صحيح، وليس له علة\". ووافقه الذهبي! =","vol":"1","page":55},{"text":"إسناد صحيح، ولم يخرجوه.\n(حديث آخر عن أبي هريرة):\nقال الإمام (^١) أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حازم، عن أبي سلمة لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"نزل القرآن على سبعة أحرف، مراء في القرآن كفر - ثلاث مرات - فما علمتم منه فاعملوا وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه\".\nورواه النسائي، عن قتيبة، عن أبي ضمرة أنس بن عياض به.\n(حديث آخر عن أم أيوب):\nقال الإمام (^٢) أحمد: حدثنا سفيان، عن عبيد الله - وهو ابن أبي يزيد - عن أبيه، عن أم أيوب - يعني: امرأة أبي أيوب - الأنصارية أن رسول الله ﷺ قال: \"أنزل القرآن على سبعة أحرف أيها قرأت أجزأك\".\nوهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.\n(حديث آخر عن أبي جهيم):\nقال أبو عبيد (^٣): حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن مسلم بن سعيد مولى\n_________\n= كذا قالا! وقد قال الذهبي في \"السير\" (٤/ ٥٨٨): \"قال قائل: إنما أعرض أهل الصحيح عن كثير مما يقول فيه الحسن: \"عن فلان\" وإن كان مما قد ثبت لقيه فيه لـ \"فلان\" المعين؛ لأن الحسن معروف بالتدليس، ويدلس عن الضعفاء، فيبقى في النفس من ذلك، فإننا وإن ثبتنا سماعه من سمرة، يجوز أن يكون لم يسمع فيه غالب النسخة التي عن سمرة، والله أعلم\". اهـ.\n(^١) في \"مسنده\" (٢/ ٣٠٠).\nوأخرجه النسائي في \"الفضائل\" (١١٨)؛ وابن حبان (٧٤)؛ وابن جرير (٧)؛ وأبو يعلى في \"مسنده\" (ج ١٠/ رقم ١٠١٦)؛ والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١١/ ٢٦) من طرق عن أنس بن عياض بسنده سواء. وإسناده صحيح.\nوتابعه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"أنزل القرآن على سبعة أحرف، حكيمًا عليمًا، غفورًا رحيمًا\"، لفظ ابن حبان.\n(^٢) في \"مسنده\" (٦/ ٤٣٣، ٤٦٢، ٤٦٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٥، ٥١٦)؛ والحميدي (٣٣٨)؛ وابن جرير (٢٠ - ٢٣)؛ وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٣٣٢٠)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٨٣) من طريق سفيان بن عيينة بإسناد سواء. وهذا سند حسن. وتابعه أبو الربيع السمان، قال: حدثني عبيد الله بن أبي يزيد بسنده سواء أخرجه ابن جرير (٢٤)؛ وأبو الربيع السمان متروك.\n(^٣) في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٠٢).\nوأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١/ ٢٦٢)؛ والحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" (ق ٩٠/ ١ - زوائده)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (٦٠٦٩)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٥٠٥، ٥٠٦) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن مسلم بن سعيد، عن أبي جهيم فذكره.\nورواه عن إسماعيل بن جعفر هكذا: \"أبو عبيد، وعلي بن حجر، وعاصم بن علي\" وخالفهم خالد بن القاسم المدائني فرواه عن إسماعيل بن جعفر، أنبأ يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، مولى الحضرميين، عن أبي جهيم الأنصاري فذكره.\nفجعل شيخ يزيد: \"بسرًا\" لا \"مسلمًا\".\nأخرجه الحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" (ق ٩٠/ ١) لكن خالدًا المدائني كذبه إسحاق بن راهويه وقال =","vol":"1","page":56},{"text":"الحضرمي - وقال غيره عن بسر بن سعيد - عن أبي جهيم الأنصاري أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله ﷺ فمشيا جميعًا حتى أتيا رسول الله ﷺ فذكر أبو جهيم أن رسول الله ﷺ قال: \"إن هذا القرآن (نزل) (^١) على سبعة أحرف، فلا تماروا فإن مراءً فيه كفر\".\nوهكذا رواه أبو عبيد على الشك.\nوقد رواه الإمام أحمد على الصواب، فقال: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدّثنا سليمان بن بلال، حدثني يزيد بن خصيفة، أخبرني بسر بن سعيد، حدثني أبو جهيم أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، قال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ وقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ، فسألا النبي ﷺ فقال: \"القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراءً في القرآن كفر\".\nوهذا إسناد صحيح أيضًا، ولم يخرجوه.\nثم قال أبو عبيد (^٢): حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن رجلًا قرأ آيةً من القرآن\n_________\n= يعقوب بن شيبة: \"تركه الناس أجمع، وكان علي ابن المديني حسن الرأي فيه\".\nوقد خولف إسماعيل بن جعفر في إسناده على الوجه الأول.\nخالفه سليمان بن بلال، فرواه يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، عن أبي جهيم به.\nأخرجه أحمد (٤/ ١٦٩، ١٧٠)؛ والطبري (٤١)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٨/ ٢٨٢)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٨٣).\nولعل هذا الاختلاف من يزيد بن خصيفة، فهو وإن كان ثقةً إلا أن أحمد قال في رواية: \"منكر الحديث\" وقد خولف فيه كما يأتي.\nوزعم المعلق على \"تهذيب الكمال\" (٣٢/ ١٧٣) أن هذا لم يثبت عن أحمد، ولم يبد حجة سوى قوله: \"فيما أرى\"! وبان أحمد قال: \"لا أعلم إلا خيرًا\"، وهذا القول لا يمنع أن يكون لأحمد فيه قول آخر. والله أعلم. وقد رجح المصنف رواية سليمان بن بلال وصحح الإسناد لذلك.\n(^١) في (أ): \"أنزل\".\n(^٢) في \"فضائل القرآن\" \"ص ٢٠٢\" وعبد الله بن صالح كاتب الليث فيه مقال شهير، لكنه كان من ألزم الناس لليث، لزمه عشرين سنة، ولم يتفرد به.\nفأخرجه أحمد (٤/ ٢٠٤، ٢٠٥)؛ وابن أبي عمر في \"مسنده\"، كما في \"إتحاف المهرة\" (ق ٢٣٠/ ١)، من طريق عبد الله بن جعفر، والدراوردي كلاهما عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو، عن عمرو بن العاص.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٢٦): \"إسناده حسن\".\n* قلت: لكن خولف محمد بن إبراهيم التيمي فيه. خالفه يزيد بن خصيفة وهو أوثق منه، فرواه عن بسر بن سعيد، عن أبي جهيم. وهذا أولى والله أعلم.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٢٨) قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن سعد مولى عمرو بن العاص قال: تشاجر رجلان في آية فارتفعا إلى رسول الله ﷺ فقال: \"لا تماروا في القرآن؛ فإن المراء فيه كفر\".\nوسئل عنه أبو حاتم، كما في \"العلل\" (١٧٨٢)، فقال: \"هذا وهم؛ إنما رواه يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ\". اهـ.","vol":"1","page":57},{"text":"فقال عمرو - يعني: ابن العاص -: إنما هي كذا وكذا بغير ما قرأ الرجل، فقال الرجل: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ فخرجا إلى رسول الله ﷺ حتى أتياه، فذكرا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ: \"إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فأي ذلك قرأتم أصبتم، فلا تماروا في القرآن فإن مراءً فيه كفر\".\nورواه الإمام أحمد، عن أبي سلمة الخزاعي، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص به نحوه، وفيه \"فإن المراء فيه كفر إنه الكفر به\".\nوهذا أيضًا (حديث) (^١) جيد.\n(حديث آخر عن ابن مسعود):\nقال ابن جرير (^٢): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن عقيل بن خالد، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: \"كان الكتاب الأول نزل من باب واحد، وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا\".\nثم رواه (^٣) عن أبي كريب، عن المحاربي، عن ضمرة بن حبيب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود من كلامه وهو أشبه، والله أعلم.\n_________\n(^١) ساقط من (أ) و(ط).\n(^٢) في \"تفسيره\" رقم (٦٧).\nوأخرجه ابن حبان (٧٤٥)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٨٤، ١٨٥)؛ وأبو نصر السجزي في \"الإبانة\"، كما في \"الدر\" (٢/ ٦)؛ والهروي في \"ذم الكلام\" (ق ٦٢/ ٢)، كما في \"الصحيحة\" (٥٨٧)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٨/ ٢٧٥)؛ والحاكم (١/ ٥٥٣، ٢/ ٢٨٩، ٢٩٠) وصححه ولم يوافقه الذهبي في الموضع الثاني وتعقبه الحافظ، أعني الحاكم، في \"الفتح\" (٩/ ٢٩) وقال: \"في تصحيحه نظر، لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود\". وسبقه ابن عبد البر والطحاوي إلى هذا الإعلال. فقال الأول في \"التمهيد\" (٨/ ٢٧٥): \"وهذا حديث عند أهل العلم لا يثبت؛ لأنه يرويه حيوة عن عقيل، عن سلمة هكذا، ويرويه الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سلمة بن أبي سلمة، عن أبيه عن النبي ﷺ، وأبو سلمة لم يلق ابن مسعود، وابنه سلمة ليس ممن يحتج به\". اهـ.\n(^٣) يعني ابن جرير رقم (٧٠)؛ وأخرجه ابن الضريس في \"الفضائل\" (١٢٩) من هذا الوجه ورجاله ثقات، لكنه منقطع بين القاسم وابن مسعود، فلم يدركه. قال ابن المديني: \"لم يلق القاسم من أصحاب النبي ﷺ غير جابر بن سمرة\"؛ وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٠٩٥) من طريق معارك بن عباد، حدثني عبد الله بن سعيد المقبري، حدثني أبي، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"أعربوا القرآن واتبعوا غرائبه وفرائضه وحدوده فإن القرآن نزل على خمسة أوجه .. وساقه بمثل كلام ابن مسعود.\nوسنده ضعيف جدًا، ومعارك ضعيف، وعبد الله بن سعيد متروك.\nثم رأيته في \"الضعيفة\" (١٣٤٦) لشيخنا الألباني ﵀، وضعفه جدًا وعزاه لابن جبرون المعدل في \"الفوائد العوالي\" (١/ ٢٨/ ١)، والثقفي في \"الثقفيات\" (ج ٩/ رقم ١٤) من طريق معارك بن عباد به\".","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>فصل</span>\nقال أبو عبيد (^١): قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة إلا ما حدثني عفان، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: \"نزل القرآن على (ثلاثة) (^٢) أحرف\".\nقال أبو عبيد (^٣): ولا نرى المحفوظ إلا السبعة؛ لأنها المشهورة وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه، وهذا شيء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف الواحد منها بلغة قبيلة، والثاني بلغة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة أخرى سواهما كذلك إلى السبعة، وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظًا فيها من بعض، وذلك بيِّن في أحاديث تترى.\nقال: وقد روى الكلبي (^٤)، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل القرآن على سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوازن.\nقال أبو عبيد (^٥): والعجز هم بنو سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية وثقيف وهم علياء هوازن الذين قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب علياء هوازن وسفلى تميم يعني بني دارم.\nولهذا قال عمر (^٦): لا يملي في مصاحفنا إلا غلمان قريش أو ثقيف، (^٧) [قال ابن جرير (^٨): واللغتان الأخريان قريش وخزاعة، رواه قتادة، عن ابن عباس ولكن لم يلقه] (٧).\n_________\n(^١) في \"الفضائل\" (ص ٢٠٣) ورواه عنه البيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٣٨٥) و\"الصغرى\" (١٠٠٣).\n(^٢) في \"الأصول\": \"سبعة\" وهو سبق قلم من المصنف أو الناسخ.\n(^٣) في \"الفضائل\" (ص ٢٠٣) ورواه عنه البيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٣٨٥)؛ و\"الصغرى\" (١٠٠٣).\n(^٤) انظر: \"التمهيد\" (٨/ ٢٨٠)؛ و\"فتح الباري\" (٩/ ٢٦، ٢٧) وسنده ضعيف جدًا، والكلبي هو محمد بن السائب، تالف البتة.\n(^٥) في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٠٤).\n(^٦) أخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٢٠٤)؛ وعمر بن شبة في \"تاريخ المدينة\" (٣/ ١٠١٤)؛ وابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ١١)؛ والخطيب في \"تاريخه\" (٧/ ٤٥٠) من طريق جرير بن حازم، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن معقل، عن عمر بن الخطاب ﵁. وقد خول جرير بن حازم في إسناده.\nخالفه شيبان بن عبد الرحمن وأبو عوانة فروياه عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، عن عمر بن الخطاب به. وهذا أصح.\nأخرجه أبو عبيد (ص ٢٠٤) معلقًا وابن أبي داود (ص ١١) وقال ابن كثير في \"مسند عمر\" (٢/ ٥٦٢): \"إسناده صحيح\" وتابعهما جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك، عن جابر، عن عمر. أخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (٤١٩) قال: نا جرير بن عبد الحميد.\n(^٧) سقط من سياق (ط) وألحق بالهامش.\n(^٨) في \"تفسيره\" (١/ ٦٦) ونقل المصنف عبارته بشيء من التصرف وحديث قتادة عن ابن عباس أخرجه ابن جرير (٦٥). وأخرجه أبو عبيد (ص ٢٠٤) قال: وكذلك يحدثون عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عمن سمع ابن عباس فذكر نحوه. فهذا يؤيد كلام ابن جرير.","vol":"1","page":59},{"text":"قال أبو عبيد (^١): وحدثنا هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أنه كان يسئل عن القرآن فينشد فيه الشعر، قال أبو عبيد: يعني أنه كان يستشهد به على التفسير.\nوحدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد - أو مجاهد - عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ [الانشقاق] قال: وما جمع. وأنشد:\nقد اتسقن لو يجدن سائقًا (^٢)\nحدثنا هشيم (^٣): أنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات] قال: الأرض.\nقال: وقال ابن عباس: قال أمية بن أبي الصلت:\nعندهم لحم بحر ولحم ساهرة\nحدثنا يحيى (^٤) بن سعيد، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن (مجاهد عن) (^٥) ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض؟ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أنا ابتدأتها.\nإسناد جيد أيضًا.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري ﵀ بعد ما أورد طرفًا مما تقدم: \"وصح وثبت أن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب البعض منها دون (الجميع) (^٦)، إذ كان معلومًا أن ألسنتها ولغاتها أكثر من سبع بما يعجز عن إحصائه\".\nثم قال: \"وما برهانك على ما قلته دون أن يكون معناه ما قاله مخالفوك من أنه نزل بأمر\n_________\n(^١) في \"الفضائل\" (ص ٢٠٥) وإسناده جيد.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ٥١٧، ٥١٨ و١٠/ ٤٧٤) قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن مسمع بن مالك اليربوعي، سمعت عكرمة، عن ابن عباس فذكره، ومسمع بن مالك ترجمه ابن عساكر (ج ١٦/ ل ٤٩٩، ٥٠٠) ولم يذكر فيه شيئًا يتعلق بروايته.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في \"فضائله\" (ص ٢٠٥). هكذا رواه هشيم بن بشير بالشك.\nوأخرجه ابن جرير (٣٠/ ٧٦) من طريق شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره وسنده صحيح، ووقع عند ابن جرير: \"مستوسقات لو يجدن سائقًا\".\nوهذا عجز بيت صدره: \"إن لنا قلائصًا حقائقًا\". عزاه ابن منظور في \"لسانه\" (٥/ ٤٨٣٧)، للعجاج وعزاه في \"الدر المنثور\" (٦/ ٣٣٠) لابن صرمة ومطلعه عنده: \"إن لنا قلائصًا نقانقا\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد (ص ٢٠٥) وهذا الشطر مكسور، ليس بموزون. ووقع في \"اللسان\" (٣/ ٢١٣٢). قال ابن عباس وأنشد:\nوفيها لحم ساهرة وبحر … وما فاهوا به أبدًا مقيم\nوأخرج ابن أبي شيبة (٨/ ٥١٦، ١٠/ ٤٧٥) عن الشعبي أنه أنشد في تفسير هذه الآية أبياتًا لأمية بن أبي الصلت: \"وفيها لحم ساهرة وبحر\".\n(^٤) أخرجه أبو عبيد أيضًا. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٢٤٤) لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر، والبيهقي في \"الشعب\". وإبراهيم بن مهاجر فيه ضعف من قبل حفظه.\n(^٥) ساقط من (أ).\n(^٦) في (أ) \"الجمع\".","vol":"1","page":60},{"text":"وزجر وترغيب وترهيب وقصص ومثل، ونحو ذلك من الأقوال فقد علمت قائل ذلك عن سلف الأمة وخيار الأئمة؟\nقيل له: إن الذين قالوا ذلك لم يدعوا أن تأويل الأخبار التي تقدم ذكرها هو ما زعمت أنهم قالوه في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن دون غيره، فيكون ذلك لقولنا مخالفًا، وإنما أخبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجه، والذي قالوا من ذلك كما قالوا، وقد روينا بمثل الذي قالوا من ذلك عن رسول الله ﷺ وعن جماعة من الصحابة من أنه نزل من سبعة أبواب الجنة كما تقدم\".\nيعني كما تقدم في رواية (عن) (^١) أُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود أن القرآن نزل من سبعة أبواب الجنة.\nقال ابن جرير: والأبواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها من الأمر والنهي، والترغيب والترهيب، والقصص والمثل، التي إذا عمل بها العامل وانتهى إلى حدودها المنتهى استوجب به الجنة.\nثم بسط (^٢) القول في هذا بما حاصله أن الشارع رخص للأمة التلاوة على سبعة أحرف.\nثم لما رأى الإمام أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ اختلاف الناس في القراءة، وخاف من تفرق كلمتهم. جمعهم على حرف واحد، وهو هذا المصحف الإمام. قال: واستوسقت له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعله من ذلك الرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف الستة، التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له، ونظرًا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأُمة معرفتها، (وتعفت) (^٣) آثارها. فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها، لدثورها وعفو آثارها - إلى أن قال:\nفإن قال من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها؟\nقيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة؛ لأن القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم لوجب أن يكون العمل بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من يقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر ويزيل الشك من قراءة الأمة. وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين، - إلى أن قال:- فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه وجره، وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة، فمن معنى قول النبي ﷺ: \"أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف\" بمعزل؛ لأن المراء في مثل هذا ليس بكفر في قول أحد من علماء الأمة. وقد أوجب ﷺ بالمراء في الأحرف السبعة الكفر كما تقدم (^٤).\n_________\n(^١) ساقط من (أ).\n(^٢) (١/ ٥٧ - ٦٧) فأطنب وأطاب رحمه الله تعالى، ورضي عنه.\n(^٣) في (أ): \"وانعفت\".\n(^٤) هذا كله من كلام ابن جرير، لم ينقله المصنف بلفظه، بل تصرف فيه.","vol":"1","page":61},{"text":"الحديث الثاني: قال البخاري (^١) ﵀: حدّثنا سعيد بن عفير، حدّثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: (أخبرني) (^٢) عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة (رسول الله) (^٣) ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة. فتصبرت حتى سلم فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ (قال) (^٤): أقرأنيها رسول الله ﷺ، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ: \" (أرسله) (^٥) اقرأ يا هشام\" فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال ﷺ \"كذلك أنزلت\" ثم قال: (اقرأ يا عمر) فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ: \"كذلك أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه\".\nوقد رواه الإمام أحمد (^٦) والبخاري أيضًا ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي من طرق عن الزهري.\nورواه الإمام أحمد (^٧) (أيضًا) (^٨)، عن ابن مهدي، عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد، عن عمر، فذكر الحديث بنحوه.\nوقد قال الإمام أحمد (^٩): حدثنا عبد الصمد، حدّثنا حرب بن ثابت، حدّثنا إسحاق بن\n_________\n(^١) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٢٣ - فتح).\n(^٢) في \"الصحيح\" \"حدثني\".\n(^٣) في (أ): \"النبي\".\n(^٤) في (ج) و(ط): \"فقال\".\n(^٥) ساقط من (أ).\n(^٦) في \"مسنده\" (٢٩٧).\nأخرجه البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٨٧)، وفي \"استتابة المرتدين\" (١٢/ ٣٠٣) معلقًا، وفي \"التوحيد\" (١٣/ ٥٢٠)؛ ومسلم (٨١٨/ ٢٧١).\n(^٧) في \"مسنده\" (٢٧٧).\nوأخرجه البخاري في \"الخصومات\" (٥/ ٧٣)؛ ومسلم (٨١٨/ ٢٧٠).\n(^٨) ساقط من (ج) و(ط) و(ل).\n(^٩) في \"مسنده\" (٤/ ٣٠). وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٦) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث بسنده سواء.\nووقع عند ابن جرير: \"فوقع في صدر عمر شيء، فعرف النبي ﷺ ذلك في وجهه\"، قال: فضرب صدره وقال: \"ابعد شيطانًا\" - قالها ثلاثًا - ثم قال: \"يا عمر! … فذكره\".\nوقد خولف عبد الصمد في إسناده.\nخالفه موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حرب بن ثابت المنقري، قال: حدثني إسحاق الأنصاري، عن أبيه، عن جده وكانت له صحبة عن النبي ﷺ فذكره.\nأخرجه البغوي في \"معجمه\" - كما في \"الكنز\" (١/ ٦١٨) -، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١/ ٣٨٢) وقال:\n\"وقال عبد الصمد: حدثنا حرب أبو ثابت، سمع إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ مثله. وقال بعضهم: لقن عبد الصمد، فقال: ابن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يكن في كتابه =","vol":"1","page":62},{"text":"عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده قال: قرأ رجل عند عمر فغير عليه، فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فلم يغير علي، قال: فاجتمعا عند النبي ﷺ فقرأ الرجل على النبي ﷺ فقال له: \"قد أحسنت\" قال: فكأن عمر وجد من ذلك، فقال رسول الله ﷺ: \"يا عمر إن القرآن كله صواب ما لم تجعل عذاب مغفرةً، ومغفرةً عذاب\".\nوهذا إسناد حسن. وحرب بن ثابت هذا يكنى بأبي ثابت، لا نعرف أحدًا جرحه.\nوقد اختلف العلماء في معنى هذه السبعة الأحرف وما أُريد منها على أقوال.\nقال أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري القرطبي المالكي في \"مقدمات تفسيره\": وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البُستي، ونحن نذكر منها خمسة أقوال.\n(قلت): ثم سردها القرطبي وحاصلها ما أنا مورده ملخصًا:\n(فالأول) وهو قول أكثر أهل العلم منهم سفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب وأبو جعفر محمد بن جرير والطحاوي أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعال وهلم.\nوقال الطحاوي: وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة (^١) قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: اقرأ على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده. حتى بلغ سبعة أحرف فقال: اقرأ فكل كاف شاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمةٍ، (على) (^٢) نحو هلم وتعال وأقبل، واذهب وأسرع وعجل.\nوروى ورقاء (عن) (^٣) (ابن أبي) (^٤) نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب أنه كان يقرأ ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا (نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) (٣)﴾ [الحديد: ١٣] للذين آمنوا أمهلونا، للذين آمنوا أخرونا، للذين آمنوا ارقبونا، وكان يقرأ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] مروا فيه، سعوا فيه.\n_________\n= \"ابن عبد الله\". وقال الحسن بن علي، حدثنا يزيد بن هارون، عن حرب، عن إسحاق بن جارية، قال: لقيته بواسط القصب، أو كما قال\". اهـ.\nقلت: فالبخاري يشير إلى الاختلاف في نسب \"إسحاق\"، وكأن البخاري يرجح أنه \"إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة\"، فإنه نقل توهيم عبد الصمد بعبارة قلقة، فقال: \"وقال بعضهم\" وفي ترجمة \"حرب بن أبي حرب أبي ثابت\" (٢/ ١/ ٦٢) قال: \"وقال مسلم: حدثنا حرب بن ثابت، سمع إسحاق بن عبد الله. حدثني إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الصمد، قال: حدثنا حرب أبو ثابت، قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. ويقال: إن هذا إسحاق ليس بـ \"ابن أبي طلحة\"، وهم فيه عبد الصمد من حفظه، وأصله صحيح\". اهـ.\nفقد استفدنا من ترجمة البخاري هذه أن عبد الصمد توبع على جعله \"إسحاق بن عبد الله\"، تابعه مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وكأن البخاري يضعف دعوى توهيم عبد الصمد، إذ إنه نقله بلفظ \"يقال\" الذي يفيد التضعيف غالبًا.\n(^١) مرّ تخريجه آنفًا، وكلام الطحاوي هذا ذكره في \"المشكل\" (٤/ ١٩١ - ١٩٤).\n(^٢) ساقط من (أ).\n(^٣) ساقط من (ج) و(ط) و(ل).\n(^٤) في (أ): \"أبي نجيح\".","vol":"1","page":63},{"text":"قال الطحاوي وغيره: وإنما كان ذلك رخصةً أن يقرأ الناس القرآن على سبع لغات، وذلك لما كان يتعسر على كثير من الناس التلاوة على لغة قريش وقراءة رسول الله ﷺ لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ، وقد ادعى الطحاوي والقاضي الباقلاني والشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ذلك كان رخصةً في أول الأمر، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة.\n(قلت): وقال بعضهم: إنما كان الذي جمعهم على قراءة واحدة أمير المؤمنين عثمان بن عفان أحد الخلفاء الراشدين المهديين المأمور باتباعهم. وإنما جمعهم عليها لما رأى من اختلافهم في القراءة المفضية إلى تفرق الأمة وتكفير بعضهم بعضًا. فرتب لهم المصاحف الأئمة على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان كان من عمره ﵇ وعزم عليهم أن لا يقرؤوا بغيرها. وأن لا يتعاطوا الرخصة التي كانت لهم (فيها) (^١) سعة. ولكثها أدت إلى الفرقة والاختلاف، كما ألزم عمر بن الخطاب الناس [بالطلاق الثلاث المجموعة حتى تتابعوا فيها وأكثروا منها قال: فلو أنا أمضيناه عليهم، وأمضاه عليهم. وكذلك كان ينهى] (^٢) عن المتعة في أشهر الحج؛ لئلا تقطع زيارة البيت في غير أشهر الحج. وقد كان أبو موسى (يفتي) (^٣) بالتمتع، فترك فتياه اتباعًا لأمير المؤمنين وسمعًا وطاعةً للأئمة المهديين.\n(القول الثاني): أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وليس المراد أن جميعه يقرأ على سبعة أحرف، ولكن بعضه على حرف وبعضه على حرف آخر.\nقال الخطابي: وقد يقرأ بعضه بالسبع لغات كما في قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] و﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢].\nقال (^٤) القرطبي: ذهب إلى هذا القول أبو عبيد واختاره ابن عطية.\nقال أبو عبيد (^٥): وبعض اللغات أسعد به من بعض.\nوقال القاضي الباقلاني: ومعنى قول عثمان إنه نزل بلسان قريش؛ أي: معظمه ولم يقم دليل على أن جميعه بلغة قريش كله، قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] ولم يقل: قرشيًا، قال: واسم العرب يتناول جميع القبائل تناولًا واحدًا؛ يعني: حجازها ويمنها.\nوكذا قال الشيخ (^٦) أبو عمر ابن عبد البر، قال: لأن لغة غير قريش موجودة في صحيح القراءات كتحقيق الهمزات فإن قريشًا لا تهمز.\nوقال ابن عطية: قال ابن عباس: ما كنت أدري معنى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] حتى سمعت أعرابيًا يقول لبئر ابتدأ حفرها: أنا فطرتها.\n(القول الثالث): أن لغات القرآن السبع منحصرة في مضر على اختلاف قبائلها خاصةً، لقول عثمان: إن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش هم بنو النضر بن الحارث على الصحيح من أقوال أهل النسب، كما ينطق به الحديث في \"سنن ابن ماجه\" وغيره.\n_________\n(^١) ساقط من (ج).\n(^٢) سقط من سياق (ط) وقيد بالحاشية.\n(^٣) في (أ) و(ط): \"يبيح\".\n(^٤) في \"تفسيره\" (١/ ٤٣، ٤٤).\n(^٥) في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٠٣) وعبارته هناك: \"وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظًا فيها من بعض\".\n(^٦) في \"التمهيد\" (٨/ ٢٨٠).","vol":"1","page":64},{"text":"(القول الرابع): وحكاه الباقلاني عن بعض العلماء أن وجوه القراءات ترجع إلى سبعة أشياء منها ما (تتغير) (^١) حركته ولا تتغير صورته ولا معناه، مثل ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ [الشعراء: ١٣] ويضيق. ومنها ما لا تتغير صورته ويختلف معناه. مثل ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ - (وباعد (^٢» - بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] وقد يكون الاختلاف في الصورة والمعنى بالحرف، مثل ﴿نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] و(ننشزها) أو بالكلمة مع بقاء المعنى مثل ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]- أو - (كالصوف المنفوش) أو باختلاف الكلمة واختلاف (المعنى) (^٣)، مثل ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة] (وطلع منضود) أو بالتقدم والتأخر: مثل ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] أو (سكرة الحق بالموت) أو بالزيادة، مثل ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً - أنثى﴾ [ص: ٢٣] ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ - كافرًا وكان - أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٠] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ - لهن - غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].\n(القول الخامس): أن المراد بالأحرف السبعة معاني القرآن، وهي أمر، ونهي، ووعد ووعيد، وقصص، ومجادلة، وأمثال.\nقال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن هذه لا تسمى حروفًا، وأيضًا فالإجماع أن التوسعة لم تقع في تحليل (حرام) (^٤)، ولا في تغيير شيء من المعاني، وقد أورد القاضي الباقلاني في هذا حديثًا، ثم قال: وليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-21>فَصلٌ</span>\nقال القرطبي: قال كثير من علمائنا (الداودي) (^٥) وابن أبي صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف من السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف، ذكره ابن النحاس وغيره.\nقال القرطبي: وقد سوغ كل واحد من القراء السبعة قراءة الآخر وأجازها وإنما اختار القراءة المنسوبة إليه؛ لأنه رآها أحسن (والأولى) (^٦) عنده، قال: وقد أجمع المسلمون في هذه الأمصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة فيما رووه ورأوه من القراءات، وكتبوا في ذلك مصنفات، واستمر الإجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله من حفظه الكتاب (^٧).\nقال البخاري (^٨) ﵀:\n\n<span data-type='title' id=toc-22>تأليف القرآن</span>\nحدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال:\n_________\n(^١) في (أ): \"لا تتغير\" وهو خطأ.\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) في (أ): \"المعاني\".\n(^٤) في (أ) و(ط): \"حلال\"؛ ولا معنى لها، ثم وقفت على عبارة ابن عطية في \"تفسيره\" (١/ ٣٥) ففال: \"وأيضًا فالإجماع أن التوسعة لم تقع في تحريم حلال، ولا تحليل حرام\".\n(^٥) في (ط): \"المداوردي\"!\n(^٦) في (أ): \"وأولى\". وفي \"تفسير القرطبي\" (١/ ٤٦)، \"ما هو الأحسن عنده والأولى\".\n(^٧) كتب على حاشية (ج): \"آخر الجزء الأول من أجزاء المؤلف\".\n(^٨) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٣٨، ٣٩ فتح) وحذف المصنف، كعادته، من كلام البخاري كلمة \"باب\". وأخرجه النسائي في \"فضائل القرآن\" (١٢) من طريق حجاج، عن الأعور، عن ابن جريج بسنده سواء.","vol":"1","page":65},{"text":"(وأخبرني) (^١) يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين ﵂ إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك ما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك، فقالت: لم؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أَيُّهُ قرأت قبل؟ إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول (شيء) (^٢): لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا. لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ [القمر] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده، قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور.\nوالمراد من التأليف ههنا ترتيب سوره؛ وهذا العراقي سأل أولًا عن أي الكفن خير أو أفضل، فأخبرته عائشة ﵂ أن هذا مما لا ينبغي أن يعتنى (^٣) بالسؤال عنه ولا القصد له ولا الاستعداد له، فإن في هذا تكلفًا لا طائل تحته، وكانوا في ذلك الزمان يصفون أهل العراق بالتعنت في الأسئلة، كما سأل بعضهم (^٤) عبد الله بن عمر عن دم البعوض [يصيب الثوب، فقال ابن عمر: انظروا إلى أهل العراق يسألون عن دم البعوض] (^٥) وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ!! ولهذا لم تبالغ معه عائشة ﵂ في الكلام؛ لئلا يظن أن ذلك أمر مهم (^٦)، وإلا:\nفقد روى أحمد (^٧) وأهل السنن من حديث سمرة وابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: \"البسوا\n_________\n(^١) كذا أداة التحمل مسبوقة بواو العطف، قال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٣٩). \"كذا عندهم، وما عرفت ماذا عطف عليه، ثم رأيت الواو ساقطة في رواية النسفي وما وقفت عليه من طرق هذا الحديث\". اهـ فتعقبه البدر العيني، كعادته، في \"العمدة\" (٢٠/ ٢٢) فقال: \"وقال بعضهم، وهو يعني: الحافظ، ما عرفت. . . إلخ قلت: يجوز أن يكون معطوفًا على محذوف تقديره أن يقال: قال ابن جريج: أخبرني فلان بكذا وأخبرني يوسف بن ماهك .. \" إلى آخره. انتهى كلام البدر، ولا يخفى ما فيه؛ لأن الحافظ قصد أنه ما وقف على رواية تعين له من الذي عناه ابن جريج لما قال: \"وأخبرني\" وهذا التجويز الذي ذكره العيني لا يعجز عن تقديره الطالب المبتدئ، فكيف بالحافظ ابن حجر؟ وقد ظهر لي جليًا حرص البدر العيني على تعقب الحافظ ما أمكنه ذلك، ولو بأوهى التعقبات، وذلك أثناء تصنيفي لكتاب \"صفو الكدر في المحاكمة بين العيني وابن حجر\" وهو خاص بالمسائل الحديثية وما يلتحق بها من أصول ونحوه. فالله المسؤول أن يغفر لنا وإياهم. إنه جواد كريم.\n(^٢) في (أ): \"شيء نزل\"؛ وزيادة \"نزل\" مقحمة لا معنى لها.\n(^٣) ولهذا كانوا يصرفون السائل إلى ما ينفعه، ومثاله ما رواه الشيخان، عن أنس أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: متى الساعة؟ فقال له: \"وما أعددت لها؟ \". فانظر يرحمك الله كيف صرفه عن السؤال الذي لا طائل تحته، ووجهه إلى ما ينبغي له أن يعتني به. وهكذا فليكن الدعاة إلى الله تعالى مع الناس.\n(^٤) يشير إلى الحديث الذي رواه البخاري في (ح) صحيحه (٧/ ٩٥، ١٠/ ٤٢٦)؛ وفي \"الأدب المفرد\" (٨٥)؛ والنسائي في \"الخصائص\" (١٤١)؛ والترمذي (٣٧٧٠) وغيرهم من طريق محمد بن أبي يعقوب، عن عبد الرحمن بن أبي نعيم؛ قال: كنت شاهدًا لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض؟ فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق! قال: انظروا إلى هذا؛ يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبي ﷺ، وسمعت النبي ﷺ يقول: \"هما ريحانتاي من الدنيا\".\n(^٥) ساقط من (ج).\n(^٦) وهذا أصل مهم جدًا من أصول الدعوة، فتأمله.\n(^٧) أما حديث ابن عباس، فأخرجه أحمد (١/ ٢٣١، ٢٤٧، ٣٢٨، ٣٥٥، ٣٦٣)؛ وأبو داود (٣٨٧٨)؛ =","vol":"1","page":66},{"text":"من ثيابكم البياض، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها أطهر وأطيب\" وصححه الترمذي من الوجهين.\nوفي \"الصحيحين\" (^١) عن عائشة أنها قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وهذا محرر في \"باب الكفن\" من \"كتاب الجنائز\".\nثم سألها عن ترتيب القرآن، فانتقل إلى سؤال كبير، وأخبرها أنه يقرأ غير مؤلف؛ أي: مرتب السور، وكان هذا قبل أن يبعث أمير المؤمنين عثمان ﵁ إلى الآفاق بالمصاحف الأئمة المؤلفة على هذا الترتيب المشهور اليوم وقبل الإلزام (^٢) به، والله أعلم، ولهذا أخبرته إنه لا يضرك بأي سوره بدأت، وإن أول سورة نزلت فيها ذكر الجنة والنار، وهذه إن لم تكن ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١] فقد يحتمل أنها أرادت اسم جنس لسور المفصل التي فيها الوعد والوعيد ثم لما انقاد الناس إلى التصديق أمروا ونهوا بالتدريج أولًا فأولًا، وهذا من حكمة الله ورحمته.\nومعنى هذا الكلام أن هذه السورة أو السور التي فيها ذكر الجنة والنار ليست البداءة بها في أوائل المصاحف مع أنها من أول ما نزل، \"وهذه البقرة والنساء من أوائل ما في المصحف وقد نزلت عليه في المدينة وأنا عنده\".\nفأما ترتيب الآيات في السور، فليس في ذلك رخصة بل هو أمر توقيفي عن رسول الله ﷺ كما تقدم تقرير ذلك، ولهذا لم ترخص له في ذلك، بل أخرجت له مصحفها فأملت عليه آي السور، والله أعلم.\nوقول عائشة: لا يضرك بأي سورة بدأت يدل على أنه لو قدم بعض السور أو أخر كما\n_________\n= والنسائي (٨/ ١٤٩، ١٥٠)؛ والترمذي (٩٩٤)؛ وفي \"الشمائل\" (٥١)؛ وابن ماجه (١٤٧٢، ٣٤٩٧)؛ وابن حبان (١٤٣٩، ١٤٤٠، ١٤٤١)؛ والحاكم (١/ ٣٤٥ و٤/ ١٨٥) وآخرون من طرق عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا فذكره.\nوصححه الترمذي، والحاكم: على شرط مسلم، وابن القطان كما في \"التلخيص\" (٢/ ٦٩) وجود المصنف إسناده عند الآية رقم (٣١) من سورة الأعراف.\nوأما حديث سمرة بن جندب؛ فأخرجه النسائي (٤/ ٣٤، ٨/ ٢٠٥)؛ وأحمد (٥/ ٢٠، ٢١)؛ وعبد الرزاق (٦١٩٨)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٧/ رقم ٦٩٧٥، ٦٩٧٦)؛ والحاكم (٤/ ١٨٥)؛ والبيهقي (٣/ ٤٠٣) من طريق أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن سمرة مرفوعًا.\nوصححه الحاكم على شرط الشيخين، وقد اختلف في إسناده وقد فصلت ذلك في \"التسلية\".\n(^١) أخرجه البخاري (٣/ ١٣٥، ٤٠)؛ ومسلم (٩٤١/ ٤٥)؛ وأبو نعيم في \"المستخرج\" (ج ١٦/ ق ٢٤/ ١)؛ وأبو داود (٣١٥١، ٣١٥٢)؛ والنسائي (٤/ ٣٥، ٣٦)؛ والترمذي (٩٩٦)؛ وابن ماجه (١٤٦٩)؛ وأحمد (٦/ ١١٨، ٢١٤) وآخرون من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.\n(^٢) كذا قال المصنف، وتعقبه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٣٩، ٤٠) قائلًا: \"كذا قال! وفيه نظر فإن يوسف بن ماهك لم يدرك زمان إرسال عثمان المصاحف إلى الآفاق، فقد ذكر المزي أن روايته عن أُبي بن كعب مرسلة، وأُبي عاش بعد إرسال المصاحف على الصحيح، وقد صرح يوسف في هذا الحديث أنه كان عند عائشة حين سألها هذا العراقي، والذي يظهر لي أن هذا العراقي كان يأخذ بقراءة ابن مسعود لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة، لم يوافق على الرجوع عن قراءته ولا على إعدام مصحفه فكان تأليف مصحفه مغايرًا لتأليف مصحف عثمان، ولا شك أن تأليف المصحف العثماني أكثر مناسبة من غيره، فلهذا أطلق العراقي أنه غير مؤلف\". اهـ. ونقله العيني في \"العمدة\" (٢٠/ ٢٢) ملخصًا، ولم يعزه لقائله!","vol":"1","page":67},{"text":"(دل) (^١) عليه حديث حذيفة (وابن مسعود) (^٢) وهو في \"الصحيح\" (^٣) أنه ﵇ قرأ في قيام الليل البقرة ثم النساء ثم آل عمران.\nوقد حكى (^٤) القرطبي، عن أبي بكر بن الأنباري في \"كتاب الرد\" أنه قال: فمن أخر سورةً مقدمةً أو قدم أخرى مؤخرةً كمن أفسد نظم الآيات، وغيَّر الحروف والآيات، وكان مستنده اتباع مصحف عثمان ﵁، فإنه مرتب على هذا النحو المشهور.\nوالظاهر أن ترتيب السور (فيه) (^٥) منه ما هو راجع إلى رأي عثمان ﵁، وذلك ظاهر في سؤال ابن عباس له عن ترك البسملة في أول براءة وذكره الأنفال من الطول، والحديث في الترمذي وغيره بإسناد جيد (^٦) قوي.\nوقد ذكرنا عن علي أنه كان قد عزم على ترتيب القرآن بحسب نزوله ولهذا حكى القاضي الباقلاني أن أول مصحفه كان ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق] وأول مصحف ابن مسعود ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة] ثم البقرة ثم النساء [على ترتيب مختلف، وأول مصحف أُبي (الحمد لله) ثم النساء] (^٧) ثم آل عمران ثم الأنعام ثم المائدة ثم كذا على اختلاف شديد.\nثم قال (^٨) القاضي: ويحتمل أن ترتيب السور في المصحف على ما هو عليه اليوم من اجتهاد الصحابة ﵃. وكذا ذكر مكي في تفسير سورة براءة، قال: فأما ترتيب الآيات والبسملة في الأوائل فهو من النبي ﷺ.\nوقال ابن (^٨) وهب في (جامعه) (^٩): سمعت سليمان بن بلال يقول: سئل ربيعة لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورةً؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه، وقد أجمعوا على العلم بذلك، فهذا مما ينتهى إليه ولا يسئل عنه.\nقال ابن وهب: وسمعت مالكًا يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ.\nقال أبو الحسن بن بطال (^١٠): (إنما يجب) (^١١) تأليف سوره في الرسم والخط خاصةً، ولا نعلم أن أحدًا قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة وفي القرآن ودرسه، وإنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ولا الحج بعد الكهف، ألا ترى إلى قول عائشة: لا يضرك أيه قرأت قبل، وقد كان النبي ﷺ يقرأ في الصلاة السورة في ركعة، ثم يقرأ في الركعة الأخرى بغير السورة التي تليها.\n_________\n(^١) في (أ): \"يدل\".\n(^٢) ساقط من (أ).\n(^٣) يعني: \"صحيح مسلم\" وهو يقصد حديث حذيفة الذي مضى تخريجه. والحمد لله.\n(^٤) انظر هذا النقول في \"تفسير القرطبي\" (١/ ٦٠، ٦١) ولم ينقلها المصنف بنصها، إنما تصرف فيها.\n(^٥) ساقط من (أ).\n(^٦) كذا قال! وقد ذكرنا قبل ذلك أنه حديث منكر، فراجعه.\n(^٧) ساقط من (ج).\n(^٨) انظر هذه النقول في \"تفسير القرطبي\" (١/ ٦٠، ٦١) ولم ينقلها المصنف بنصها، إنما تصرف فيها.\n(^٩) في (أ): \"طائفة\"!!\n(^١٠) انظر هذه النقول في \"تفسير القرطبي\" (١/ ٦٠، ٦١) ولم ينقلها المصنف بنصها، إنما تصرف فيهما.\n(^١١) في (أ): \"إنا نجد\"!","vol":"1","page":68},{"text":"قال: وأما ما روي عن ابن مسعود (^١) وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن (منكوسًا) (^٢)، وقالا: إنما ذلك منكوس القلب، فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة فيبتدئ بآخرها إلى أولها، فإن ذلك حرام محظور\" (^٣).\n(ثم قال البخاري): حدثنا آدم، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت ابن مسعود يقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: \"إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي\".\nانفرد بإخراجه البخاري (^٤).\nوالمراد منه ذكر ترتيب هذه السور في مصحف ابن مسعود كالمصاحف العثمانية.\nوقوله: \"من العتاق الأول\"؛ أي: من قديم ما نزل.\nوقوله: \"وهن من تلادي\"؛ أي: من قديم ما قنيت وحفظت، والتالد في لغتهم: قديم المال والمتاع، والطارف: حديثه وجديده، والله أعلم.\nحدثنا أبو (^٥) الوليد، حدّثنا شعبة، أنا أبو إسحاق سمع البراء بن عازب الله ﵁ يقول: تعلمت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ قبل أن يقدم النبي ﷺ.\nوهذا متفق عليه وهو قطعة من حديث الهجرة. والمراد منه أن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى] سورة مكية نزلت قبل الهجرة، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (ج ٤/ رقم ٧٩٤٧)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٦٤)؛ وأبو عبيد (ص ٦٥) من طريق الثوري وأبي معاوية معًا عن الأعمش، عن شقيق أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: يا أيها الناس تعلموا القرآن، فإن أحدكم لا يدري متى يخيل إليه. قال: وجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن أرأيت إلى رجل يقرأ القرآن منكوسًا؟ قال: ذلك منكوس القلب. وأتى بمصحف قد ذهب وزين فقال عبد الله: \"إن أحسن ما زين به المصحف تلاوته بالحق\". هذا لفظ عبد الرزاق. ولفظ ابن أبي شيبة مختصر. وسنده صحيح.\n(^٢) في (ج) و(ل): \"مقلوبًا\".\n(^٣) إلى هنا انتهى كلام ابن بطال.\n(^٤) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٣٩ - فتح)، وأخرجه أيضًا في (٨/ ٣٨٨، ٤٣٥)، وأخرجه ابن الضريس في \"فضائل القرآن\" (٢١٠) قال: أخبرنا عمرو بن مرزوق، أنبأ شعبة به وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٣٦) لابن مردويه، وعزاه الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٤٣٥) للإسماعيلي وقد خولف شعبة فيه. خالفه المسعودي، فرواه عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود فذكره. أخرجه أبو عبيدة في \"الفضائل\" (ص ١٣٣) وقال: \"كان شعبة يخالفه في الإسناد\" ولا شك أن رواية شعبة أقوى، وهي المحفوظة. والمسعودي كان اختلط.\nوقال أبو عبيد: \"قوله: \"من تلادي\"؛ يعني: من قديم ما أخذت من القرآن، وذلك أن هذه السور نزلت بمكة\". اهـ.\n(^٥) أخرجه البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٣٩).\nوأخرجه البخاري أيضًا (٥/ ٩٣ و٦/ ٦٢٢ و٧/ ٢٤٠، ٢٥٥ و١٠/ ٧٠ - فتح)؛ ومسلم في \"الأشربة\" (٩ - ٢٠/ ٩٠، ٩١)؛ وفي \"الزهد\" (٩ - ٢٠/ ٧٥).\nوقول المصنف ﵀: \"متفق عليه\"؛ يعني: على أصل الحديث، وإلا فلم يرو مسلم قول البراء الذي أخرجه البخاري. والله أعلم.","vol":"1","page":69},{"text":"(ثم قال) (^١): حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن شقيق قال: قال عبد الله: لقد (علمت) (^٢) النظائر التي كان النبي ﷺ يقرؤهن اثنين اثنين في كل ركعة، فقام عبد الله ودخل معه علقمة، وخرج علقمة فسألناه، فقال: عشرون سورةً من أول المفصل على تأليف ابن مسعود، آخرهن من الحواميم (حم الدخان وعم يتساءلون).\nهذا التأليف الذي عن ابن مسعود غريب مخالف لتأليف عثمان ﵁، فإن المفصل في مصحف عثمان ﵁ من سورة الحجرات إلى آخره، وسورة الدخان لا تدخل فيه بوجه، والدليل على ذلك ما:\nرواه الإمام أحمد (^٣) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة قال: كنت في الوفد الذين أتوا (النبي) (^٤) ﷺ فذكر حديثًا فيه أن النبي ﷺ كان يسمر معهم بعد العشاء، فمكث عنا ليلةً لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله؟ قال: \"طرأ عليَّ حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه\".\nقال: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورةً، وثلاث عشرة سورةً، وحزب المفصل من (ق) حتى يختم.\nورواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي به. وهذا إسناد حسن.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>فَصْلٌ</span>\nفأما نقط المصحف وشكله، فيقال: إن أول من أمر به عبد الملك بن مروان، فتصدى لذلك الحجاج وهو بواسط، فأمر الحسن البصري ويحيى بن يعمر ففعلا ذلك، ويقال إن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي، وذكروا أنه كان لمحمد بن سيرين مصحف قد نقطه له يحيى بن يعمر، والله أعلم.\n_________\n(^١) يعني: البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٣٩ - فتح).\nوأخرجه مسلم (٧٢٢/ ٢٧٥ - ٢٧٨)؛ وأبو داود (١٣٩٦)؛ والنسائي (٢/ ١٧٤ - ١٧٦)؛ والترمذي (٦٠٢)؛ وأحمد (١/ ٣٨٠، ٤١٧، ٤٢٧، ٤٣٦، ٤٥٥) وغيرهم، وقد سقت طرقه وألفاظه في \"التسلية\".\n(^٢) كذا في \"الأصول\" كلها، والذي في \"البخاري\": \"تعلمت\" ولم يشر الحافظ إلى وقوع هذا اللفظ في إحدى روايات \"الصحيح\" فالله أعلم.\n(^٣) في \"مسنده\" (٤/ ٩، ٣٤٣) ومن طريقه المزي في \"التهذيب\" (١٩/ ٤١١).\nوأخرجه أبو داود (١٣٩٣)؛ وابن ماجه (١٣٤٥)؛ والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢/ ١٦)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠١، ٥٠٢)؛ والطيالسي (١١٠٨)؛ وابن سعد في \"الطبقات\" (٥/ ٥١٠)؛ وأبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٩٢، ٩٣) في آخرين من طرق عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده أوس بن حذيفة فذكره.\nوإسناده محتمل للتحسين، لولا الاختلاف الذي وقع في إسناده والذي يترجح لدي ضعف إسناده. والله أعلم.\n(^٤) في (ج): \"رسول الله\"؛ وكتب فوقها بخط دقيق: \"النبي\".","vol":"1","page":70},{"text":"وأما كتابة الأعشار على الحواشي، فينسب إلى الحجاج أيضًا.\nوقيل: بل أول من فعله المأمون.\nوحكى أبو عمرو الداني، عن ابن مسعود أنه كره التعشير في المصحف وكان يحكه، وكره مجاهد ذلك أيضًا.\nوقال مالك: لا بأس به بالحبر. فأما بالألوان المصبغة فلا. وكره تعداد آي السور في أولها في المصاحف الأمهات، فأما ما يتعلم فيه الغلمان فلا أرى به بأسًا.\nوقال قتادة: بدأوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا.\nوقال يحيى بن (أبي) (^١) كثير: أول ما أحدثوا النقط، وقال: هو نور له، ثم أحدثوا النقط عند آخر الآي، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم.\nورأى إبراهيم النخعي: فاتحة سورة كذا، فأمر بمحوها، وقال: قال ابن مسعود: لا تخلطوا بكتاب الله ما ليس فيه.\nقال أبو عمرو الداني: ثم قد أطبق المسلمون في ذلك في سائر الآفاق على جواز ذلك في الأمهات وغيرها.\nثم قال البخاري ﵀: (^٢) كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ.\nقال مسروق عن فاطمة، عن عائشة: أسر إلي رسول الله ﷺ: \"إن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي\".\nهكذا ذكره (^٣) معلقًا، وقد أسنده (^٤) في (موضع) (^٥) آخر.\nثم قال (^٦): حدثنا يحيى بن قزعة، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في (شهر) (^٧) رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة.\nوهذا الحديث متفق (^٨) عليه.\nوقد تقدم الكلام عليه في أول الصحيح وما فيه من الحكم والفوائد، والله أعلم.\nثم قال (^٩): حدثنا خالد بن يزيد، حدّثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي\n_________\n(^١) ساقط من (أ).\n(^٢) أسقط المصنف من كلام البخاري كلمة: \"باب\"، وقد نبهنا عليه قبل ذلك.\n(^٣) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٤٣ - فتح).\n(^٤) في \"كتاب الاستئذان\" (١١/ ٧٩، ٨٠). وأخرجه مسلم (١٦/ ٥ - نووي).\n(^٥) في (أ): \"مواضع\".\n(^٦) يعني: البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٤٣).\n(^٧) ساقط من (أ).\n(^٨) أخرجه البخاري (١/ ٣٠ و٤/ ١١٦ و٦/ ٣٠٥، ٥٦٥)؛ وفي \"الأدب المفرد\" (٢٩٢)؛ ومسلم (٢٣٠٨/ ٥٠)؛ والنسائي (٤/ ١٢٥)؛ والترمذي في \"الشمائل\" (٣٤٦)؛ وأحمد (١/ ٢٨٨، ٣٢٦، ٣٦٣، ٣٦٦، ٣٦٧، ٣٧٣) وآخرون من طرق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس فذكره.\n(^٩) يعني: البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٤٣).","vol":"1","page":71},{"text":"هريرة قال: كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرةً، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرًا؛ فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه.\nورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من غير وجه عن أبي بكر - وهو ابن عياش - عن أبي حصين واسمه عثمان بن عاصم به.\nوالمراد من معارضته له بالقرآن كل سنة مقابلته على ما أوحاه إليه عن الله تعالى ليبقى ما بقي، ويذهب ما نسخ توكيدًا واستثباتًا وحفظًا.\nولهذا عرضه في السنة الأخيرة من عمره ﵇ (اقتراب أجله) (^١) على جبريل مرتين وعارضه به جبريل كذلك، ولهذا فهم ﵇ اقتراب أجله.\nوعثمان ﵁ جمع المصحف الإمام على العرضة الأخيرة ﵁ وأرضاه، وخص بذلك رمضان من بين الشهور؛ لأن ابتداء الإيحاء كان فيه. ولهذا يستحب دراسة القرآن وتكراره فيه، ومن ثم كثر اجتهاد الأئمة في تلاوة القرآن، كما تقدم ذكرنا لذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>القراء من أصحاب النبي ﷺ </span>-\nحدثنا (^٢) حفص بن عمر، حدّثنا شعبة، عن عمرو، عن إبراهيم، عن مسروق ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي ﷺ يقول: \"خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب ﵃\".\nوقد أخرجه (^٣) البخاري في \"المناقب\" في غير موضع، ومسلم والنسائي من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق به.\nفهؤلاء أربعة: اثنان من المهاجرين الأولين: عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، وقد كان سالم هذا من سادات المسلمين، وكان يؤم الناس قبل مقدم النبي ﷺ (في) (^٤) المدينة، واثنان من الأنصار: معاذ بن جبل وأُبي بن كعب، وهما سيدان كبيران ﵃ أجمعين.\nثم قال (^٥): حدثنا عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدّثنا شقيق بن سلمة قال: خطبنا عبد الله فقال: والله لقد أخذت من فِي رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون فما سمعت رادًا يقول غير ذلك.\n_________\n(^١) ساقط من (أ) و(ط) و(ل) وهي زيادة قلقة، وإن كان لها وجه في الكلام.\n(^٢) البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٦٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧/ ١٠٢)؛ ومسلم (٢٤٦٤/ ١١٦، ١١٧).\n(^٤) ساقط من (أ).\n(^٥) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٤٦، ٤٧).\nوأخرجه مسلم (٢٤٦٢/ ١١٤)؛ والنسائي (٨/ ١٣٤) وفي \"الفضائل\" (٢٢)؛ وأحمد (١/ ٤١١)؛ وابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ١٥) من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود وتقدم طرق أخرى لهذا الحديث.","vol":"1","page":72},{"text":"حدثنا (^١) محمد بن كثير، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فقال: \"أحسن\" ووجد منه ريح الخمر، فقال: أتجترئ أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر؟ (فجلده) (^٢) الحد.\nحدثنا (^٣) عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدّثنا مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه.\nوهذا كله حق وصدق، وهو من إخبار الرجل (بما) (^٤) يعلم من نفسه مما قد يجهله غيره، فيجوز ذلك للحاجة كما قال تعالى إخبارًا عن يوسف لما قال لصاحب مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].\nويكفيه مدحًا وثناءً قول رسول الله ﷺ: \"استقرئوا القرآن من أربعة\" فبدأ به.\nوقال أبو (^٥) عبيد: حدثنا مصعب بن المقدام، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر، عن النبي ﷺ: \"من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد\".\nوهكذا رواه الإمام (^٦) أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش به مطولًا وفيه قصة.\n_________\n(^١) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٤٧).\nوأخرجه مسلم، والنسائي في \"فضائل القرآن\" (١٠٥)؛ وأحمد (٣٥٩١، ٤٠٣٣)؛ والإسماعيلي وأبو عوانة، وأبو نعيم جميعًا في \"المستخرج\"، كما في \"الفتح\" (٩/ ٤٩) من طرق عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود به.\n(^٢) كذا في \"الأصول\" كلها، وفي \"الصحيح\": \"فضربه\".\n(^٣) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٤٧). وقد تقدم تخريجه.\n(^٤) في (أ): \"مما\".\n(^٥) في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٥٥) ومن طريقه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٤٢١). وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٨٢٥٦)؛ والبرجلاني في \"الكرم والجود\" (٧٨)؛ والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٢٧ و٣/ ٣١٨)؛ والخطيب في \"تاريخه\" (٤/ ٣٢٦) وفي \"التلخيص\" (٣٨٨/ ١) من طرق عن مصعب بن المقدام بسنده سواء. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٦) في \"مسنده\" (٢٥، ٢٦) قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: جاء رجل إلى عمر وهو بعرفة. قال أبو معاوية: وحدثنا الأعمش، عن خيثمة، عن قيس بن مروان أنه أتى عمر فقال … وساق حديثًا طويلًا ذكرته في \"التسلية\" وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٨٢٥٧)؛ وأبو يعلى (١٩٤)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٥٥٩٤)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٤٢٢)؛ والضياء في \"المختارة\" (٢٦٥، ٢٦٦، ٦٢٨) من طرق عن الأعمش بالوجهين معًا. وإسنادهما صحيح.\nوأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٨٢٥٦)؛ والترمذي (١٦٩)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٢٨٠ و١٠/ ٥٢٠)؛ وأبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٢٢٤، ٢٢٥)؛ وابن خزيمة (١١٥٦، ١٣٤١)؛ وابن حبان (٢٠٣٤)؛ وأبو يعلى (١٩٥)؛ والبرجلاني في \"الكرم والجود\" (٧٨) في آخرين من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر … فذكره.\nووهم ابن التركماني في \"الجوهر النقي\" (١/ ٤٥٢) إذ ظن أن علقمة الذي روى هذا الحديث عن عمر هو: =","vol":"1","page":73},{"text":"وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبي معاوية به.\nوصححه الدارقطني وقد ذكرته في \"مسند عمر\" (^١).\nوفي \"مسند الإمام أحمد\" (^٢) أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد\".\nوابن أم عبد؛ هو عبدُ الله بن مسعود كان يعرف بذلك.\nثم قال البخاري (^٣): حدثنا حفص بن عمر، حدّثنا همام، حدّثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي ﷺ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.\nورواه مسلم من حديث (همام) (^٤)، (حدّثنا قتادة، قال: سألت …) (^٥).\nثم قال البخاري: تابعه الفضل (^٦)، عن حسين بن واقد، عن ثمامة، عن أنس بن مالك.\nحدثنا معلى بن أسد، حدّثنا عبد الله بن المثنى، حدّثنا ثابت وثمامة، عن أنس بن مالك (^٧) قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعةٍ: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال: ونحن ورثناه.\nفهذا الحديث ظاهره أنه لم يجمع القرآن من الصحابة سوى هؤلاء الأربعة فقط، وليس هذا هكذا بل الذي لا يشك فيه أنه جمعه غير واحد من المهاجرين أيضًا، ولعل مراده لم يجمع\n_________\n= \"علقمة بن وقاص الليثي\" راوي حديث: \"إنما الأعمال بالنيات\" والصحيح أنه \"علقمة بن قيس\". والله أعلم.\n(^١) (١/ ١٧١ - ١٧٣) وقال بعد ذكر بعض طرقه: \"وهذا الحديث لا يشك أنه محفوظ، وهذا الاضطراب لا يضر صحته، والله أعلم\". اهـ.\n(^٢) \"المسند\" (٢/ ٤٤٦) قال: حدثنا وكيع، عن جرير بن أيوب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره. ووقع في \"المطبوع\": \"غريضًا\" ثم أعقبه المحقق بقوله: \"كذا قال\" وصواب اللفظ: \"غضًا\" وأخرجه أحمد أيضًا في \"فضائل الصحابة\" (١٥٣٧)؛ وأبو يعلى (ج ١٠/ رقم ٦١٠٦)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ١٩٧، ١٩٨)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢٦٨٢) من طرق عن جرير بن أيوب بسنده سواء.\nوقال البزار: \"جرير ليس بالحافظ\". اهـ. وتركه النسائي وضعفه ابن السكن والساجي وقال: \"جدًا\" وقال أبو حاتم والبخاري وغيرهما: \"منكر الحديث\" بل اتهمه الفضل بن دكين بوضع الحديث فالسند ضعيف جدًا. والله أعلم.\n(^٣) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٤٧ - فتح).\nوأخرجه مسلم (٢٤٦٥/ ١٢٠)؛ وأبو يعلى (ج ٥/ رقم ٢٨٧٨) من طريقين آخرين عن همام بن يحيى بسنده سواء.\nوأخرجه البخاري (٧/ ١٢٧)؛ ومسلم (٢٤٦٥/ ١١٩) من طرق عن شعبة، عن قتادة بسنده سواء.\n(^٤) في (ج): \"هشام\" وهو تصحيف.\n(^٥) ساقط من (أ) و(ط).\n(^٦) وهذه المتابعة أخرجها إسحاق بن راهويه في \"مسنده\" عن الفضل وهو ابن موسى السيناني أفاده الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٥٢) ثم رواه موصولًا في \"التغليق\" (٤/ ٣٨٣) من طريق علي بن الحسن بن شقيق، ثنا الحسين بن واقد فذكره.\n(^٧) أخرجه البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٤٧) وانفرد به.","vol":"1","page":74},{"text":"القرآن من الأنصار، ولهذا ذكر الأربعة من الأنصار وهم أُبي بن كعب في الرواية الأولى المتفق عليها، وفي الثانية من أفراد البخاري أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، وكلهم مشهورون، إلا أبا زيد هذا فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث، وقد اختلف في اسمه.\nفقال الواقدي: واسمه قيس بن السكن ابن قيس بن زعورا بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار.\nوقال ابن نمير: اسمه سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أُمية من الأوس.\nوقيل: هما اثنان جمعا القرآن، حكاه أبو عمر ابن عبد البر.\nوهذا بعيد، وقول الواقدي أصح؛ لأنه خزرجي لأن أنسًا قال: نحن ورثناه وهم من الخزرج.\nوفي بعض الألفاظ: وكان أحد عمومتي.\nوقال قتادة (^١): عن أنس قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنا الذي حمته الدبر عاصم بن ثابت، ومنا الذي اهتز لموته العرش سعد بن معاذ، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت.\nفقالت الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، فهذا كله يدل على صحة قول الواقدي.\nوقد شهد أبو زيد هذا بدرًا فيما ذكره غير واحد.\nوقال موسى بن عقبة الزهري: قتل أبو زيد قيس بن السكن يوم جسر أبي عبيد على رأس خمس عشرة سنة من الهجرة.\nوالدليل على أن من المهاجرين من جمع القرآن أن الصديق ﵁ قدمه رسول الله ﷺ في مرضه إمامًا على المهاجرين والأنصار مع أنه قال: \"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله\" (^٢) فلولا أنه كان أقرأهم لكتاب الله لما قدمه عليهم.\nهذا مضمون ما قرره الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وهذا التقرير لا يدفع ولا يشك فيه وقد جمع الحافظ ابن السمعاني في ذلك جزءًا.\nوقد بسطت تقرير ذلك في (كتاب) (^٣) \"مسند الشيخين\" ﵄.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (ج ٥/ رقم ٢٩٥٣)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢٨٠٢)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٤/ رقم ٣٤٨٨)؛ وأبو نعيم في \"المعرفة\" (ج ١/ ق ١٨٦/ ١) من طريق عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس فذكره.\nقال الهيثمي (١٠/ ٤١): \"رجاله رجال الصحيح\". وحسن إسناده البوصيري في \"الإتحاف\" وهو كما قال. والله أعلم.\n(^٢) أخرجه مسلم (٥/ ١٧٢، ١٧٣ نووي)؛ وأبو عوانة (٢/ ٣٥، ٣٦)؛ وأبو داود (٥٨٢)؛ والنسائي (٢/ ٧٦)؛ والترمذي (١/ ٤٥٩ - ٥٤٨)؛ وابن ماجه (٩٨٠)؛ وأحمد (٤/ ١١٨، ١٢١، ٢٧٢)؛ وابن خزيمة (٣/ ١٠)؛ وابن حبان (٣/ ٤٤٦، ٤٤٧)؛ وابن الجارود (٣٠٨) وآخرون من طرق عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود البدري فذكره بتمامه.\n(^٣) ساقط من (أ).","vol":"1","page":75},{"text":"ومنهم (^١) عثمان بن عفان قد قرأه في ركعة كما سنذكره، وعلي بن أبي طالب (^٢)، يقال: إنه جمعه على ترتيب ما أنزل، وقد قدمنا هذا.\nومنهم (^٣) عبد الله بن مسعود وقد تقدم عنه أنه قال: ما من آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيم أنزلت، ولو علمت أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه المطي لذهبت إليه.\nومنهم سالم مولى (^٤) أبي حذيفة، كان من السادات النجباء، والأئمة الأتقياء وقد قتل يوم اليمامة شهيدًا.\nومنه الحبر البحر (^٤) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم الرسول وترجمان القرآن، قد تقدم عن مجاهد أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس مرتين أقفه عند كل آية وأسأله عنها.\nومنهم عبد الله بن عمرو (^٥)، كما رواه النسائي وابن ماجه من حديث ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن يحيى بن حكيم بن صفوان، عن عبد الله بن عمرو قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: \"أقرأه في شهر\" وذكر تمام الحديث.\nثم قال البخاري (^٦): حدثنا صدقة بن الفضل، أنا يحيى، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر: علي أقضانا، وأُبي أقرؤنا، وإنا لندع من لحن أُبي. وأُبي يقول: أخذته من فِي رسول الله ﷺ فلا أتركه لشيء؛ قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].\nوهذا يدل على أن الرجل الكبير قد يقول الشيء يظنه صوابًا وهو خطأ في نفس الأمر، ولهذا قال الإمام مالك: ما من أحد إلا يؤخذ من قوله ويرد إلا قول صاحب هذا القبر؛ أي: فكله مقبول صلوات الله وسلامه عليه.\nثم ذكر البخاري فضل فاتحة الكتاب وغيرها، وذكرنا في تفسيرها فضل كل سورة عندها ليكون ذلك أنسب.\nثم قال:\n\n<span data-type='title' id=toc-25>نزول السكينة والملائكة عند القراءة</span>\nوقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن الحضير قال: بينا هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن\n_________\n(^١) ويأتي تخريجه.\n(^٢) ولم يصح عنه كما تقدم ذكره.\n(^٣) وهو صحيح عنهم كما تقدم.\n(^٤) وهو صحيح كما تقدم.\n(^٥) أخرجه النسائي في \"فضائل القرآن\" (٨٩)؛ وابن ماجه (١٣٤٦)؛ وأحمد (٦/ ٦٥)؛ وعبد الرزاق (٥٩٥٦)؛ وابن حبان (٧٥٦، ٧٥٧)؛ والفريابي في \"فضائل القرآن\" (١٢٧)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٨٥) من طريق ابن جريج، سمعت ابن أبي مليكة، عن يحيى بن حكيم بن صفوان، عن ابن عمرو فذكره.\nوهذا سند متصل رجاله ثقات إلا يحيى بن حكيم بن صفوان فلم يوثقه إلا ابن حبان ولم يرو عنه إلا ابن أبي مليكة. ولكنه متابع.\n(^٦) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٤٧). وأخرجه البخاري في \"التفسير\" (٨/ ١٦٧).","vol":"1","page":76},{"text":"تصيبه، فلما (أخره) (^١) رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال: \"اقرأ يا بن حضير، اقرأ يا بن حضير\" قال: فأشفقت أن تطأ يحيى وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها، قال: \"أو تدري ما ذاك؟ \" قال: لا، قال: \"تلك الملائكة دنت لصوتك، لو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم\".\nقال ابن الهاد: وحدثني هذا الحديث عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري عن أسيد بن الحضير.\nهكذا أورد البخاري (^٢) هذا الحديث معلقًا وفيه انقطاع في الرواية الأولى، فإن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المدني تابعي صغير لم يدرك أسيدًا؛ لأنه مات سنة عشرين، وصلى عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵄.\nثم فيه غرابة من حيث إنه قال: وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد، ولم أره بسند متصل عن الليث (كذلك) (^٣) إلا ما ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في \"الأطراف\" أن يحيى بن عبد الله بن بكير رواه عن الليث كذلك.\nوقد رواه الإمام (^٤) أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" فقال: وحدثنا عبد الله بن صالح ويحيى بن بكير، عن الليث، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أسيد بن حضير، فذكر الحديث إلى آخره.\nثم قال: قال ابن الهاد: وحدثني عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد عن أسيد بن حضير بهذا.\nوقد رواه النسائي (^٥) في \"فضائل القرآن\" عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، وعن علي بن محمد بن علي، عن داود بن منصور، كلاهما عن الليث، عن خالد بن\n_________\n(^١) كذا وقع في (أ)، وكتب بخط دقيق جدًا في (ج). ونص الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٦٤) على أن هذا اللفظ وقع في رواية القابسي. ووقع في \"الصحيح\": \"اجتره\"؛ يعني: جره عن المكان الذي هو فيه، خشية أن تطأه الفرس. ووقع في (ج) و(ط): \"أخذه\" ولم ينبه عليها الحافظ في الفتح. فالله أعلم.\n(^٢) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٦٣) وقد صرح الإسماعيلي في \"المستخرج\"؛ والضياء في \"المختارة\"؛ والحافظ في \"الفتح\" أن الإسناد منقطع بين محمد بن إبراهيم التيمي وأسيد بن حضير، وعندي أن البخاري خرج هذا الإسناد عرضًا لأجل الإسناد الموصول الذي ذكره في آخر الحديث، لذا فالتعويل على الإسناد الموصول كما قال الحافظ وغيره. وقد أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٥٦٢) من طريق محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم، عن محمود بن لبيد أن أسيد بن حضير فساقه فهذا يؤيد الانقطاع.\n(^٣) في (أ): \"بذلك\".\n(^٤) (ص ٢٦) وأخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٧/ ٨٤)؛ وأبو نعيم في \"المعرفة\" (٨٧٦)، وفي \"الدلائل\" (٥٠٢)، والحافظ في \"التغليق\" (٤/ ٣٨٧) من طريق يحيى بن بكير، حدثنا الليث بن سعد بسنده سواء.\n(^٥) في \"فضائل القرآن\" (٤١، ٩٩) وعنه الضياء في \"المختارة\" (١٤٦٤) من طريق سعيد بن أبي هلال عن يزيد بن الهاد بسنده سواء.\nوتابعه الدراوردي ويحيى بن أيوب كلاهما عن يزيد بن الهاد مثله.\nأخرجه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (١٩٢٨، ١٩٢٩)، والطبراني في \"الكبير\" (٥٦١).","vol":"1","page":77},{"text":"يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله - وهو ابن الهاد - عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد، عن أسيد به.\nورواه يحيى بن بكير، عن الليث كذلك أيضًا فجمع بين الإسنادين.\nورواه في \"المناقب\" (^١) عن أحمد بن سعيد الرباطي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد أن أسيد بن حضير بينما هو ليلةً يقرأ في مربده … الحديث.\nولم يقل: \"عن أسيد\"، ولكن ظاهره أنه عنه، والله أعلم.\nوقال أبو (^٢) عبيد: حدثني عبد الله بن صالح، عن الليث، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أسيد بن حضير أنه كان يقرأ على ظهر بيته، يقرأ القرآن وهو حسن الصوت. ثم ذكر مثل هذا الحديث أو نحوه.\nوحدثنا (^٣) قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير قال: قلت: يا رسول الله بينا أنا أقرأ البارحة بسورة، فلما انتهيت إلى آخرها سمعت وجبةً من خلفي حتى ظننت أن فرسي تطلق، فقال رسول الله: \"اقرأ أبا عتيك مرتين\"، قال: فالتفت فرأيت إلى أمثال المصابيح ما بين السماء والأرض، فقال رسول الله: \"اقرأ أبا عتيك\" فقال: والله ما استطعت أن أمضي، فقال: \"تلك الملائكة تنزلت لقراءة القرآن، أما إنك لو مضيت لرأيت الأعاجيب\".\nوقال أبو داود (^٤) الطيالسي: حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق سمع البراء يقول: بينما رجل يقرأ\n_________\n(^١) في \"فضائل الصحابة\" رقم (١٤٠).\nوأخرجه مسلم (٧٩٦/ ٢٤٢)؛ وأحمد (٣/ ٨١) من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن الخباب، عن أبي سعيد أن أسيدًا … وساق الحديث.\n* قلت: هكذا رواه إبراهيم بن سعد، عن يزيد بن الهاد فجعله من مسند \"أبي سعيد\" وكأن الوجهين محفوظان، قال الضياء في \"المختارة\" (٤/ ٢٦٨): \"إنه بمسند أسيد أشبه وذلك أن في الحديث قال: فغدوت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! بينما أنا البارحة … وساق الحديث\".\n(^٢) في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٧).\nوأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١/ ٣١٣) قال: وقال ابن يوسف: ثنا الليث، حدثني ابن شهاب، عن ابن كعب، هو ابن مالك، أن أسيدًا … فذكره.\nوابن يوسف هو عبد الله بن يوسف التنيسي.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٢٧).\nوأخرجه ابن حبان (١٧١٦)؛ وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (١٩٣٠)؛ والدولابي في \"الكنى\" (١/ ٨٣)؛ والطبراني في \"الكبير\" (٥٦٦)؛ والحاكم (١/ ٥٥٤)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٨٢٤) من طرق عن حماد بن سلمة بسنده سواء.\nورواه عن حمادٍ: \"عفان بن مسلم، والتبوذكي، وهدبة بن خالد\".\n(^٤) في \"مسنده\" (٧١٤).\nوأخرجه مسلم (٧٩٥/ ٢٤١)؛ والترمذي (٢٨٨٥)؛ والبيهقي في \"الدلائل\" (٧/ ٨٣)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٤٢) من طريق الطيالسيّ بسنده سواء.\nوأخرجه البخاري (٦/ ٦٢٢)؛ ومسلم (٧٩٥/ ٢٤١).","vol":"1","page":78},{"text":"سورة الكهف ليلة إذ رأى دابته تركض - أو قال: فرسه يركض - فنظر فإذا مثل الضبابة أو مثل الغمامة، فذكر ذلك لرسول الله، فقال: \"تلك السكينة تنزلت للقرآن - أو تنزلت على القرآن -\".\nوقد أخرجه صاحبا \"الصحيح\" من حديث شعبة.\nوالظاهر أن هذا هو أسيد بن الحضير ﵁.\nفهذا مما يتعلق بصناعة الإسناد، وهذا من أغرب تعليقات البخاري ﵀، ثم سياقه ظاهر فيما ترجم عليه من نزول السكينة والملائكة عند القراءة.\nوقد اتفق نحو هذا الذي وقع لأسيد بن الحضير لثابت بن قيس بن شماس، كما:\nقال أبو عبيد (^١): حدثنا عباد بن عباد، عن جرير بن حازم، عن عمه جرير بن يزيد أن أشياخ أهل المدينة حدثوه أن رسول الله قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس؟ لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح قال: \"فلعله قرأ سورة البقرة\"، قال: فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة.\nوفي الحديث المشهور الصحيح \"ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا تنزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده\".\nرواه مسلم (^٢) عن أبي هريرة.\nولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] جاء في بعض التفاسير أن الملائكة تشهده.\nوقد جاء في \"الصحيحين\" (^٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيعرج إليه الذين نزلوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون\".\n_________\n(^١) في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٧).\nوعزاه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٧٥) لأبي داود، وقال: \"من طريق مرسلة\".\nوقال الحافظ ابن كثير في أول سورة البقرة: \"هذا إسناد جيد، إلا أن فيه إبهامًا، ثم هو مرسل\". اهـ.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢٦٩٩/ ٣٨) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا مطولًا. وأخرجه الترمذي (٢٩٤٥)؛ وابن ماجه (٢٢٥)؛ وأحمد (٢/ ٢٥٢، ٤٠٧) وغيرهم من طريق الأعمش. وهو عند أبي داود (١٤٥٥، ٤٩٤٦)؛ والنسائي، كما في \"الأطراف\" (٩/ ٣٧٥)، مختصرًا.\nوعزاه الزيلعي في \"نصب الراية\" (٣/ ٣٠٧) للبخاري فوهم، وقد قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ١٧٤): \"لم يخرجه المصنف، يعني: البخاري، لاختلاف فيه\". اهـ.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢/ ٣٣، ١٣/ ٤١٥، ٤٦١)؛ ومسلم (٦٣٢/ ٢١٠) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا … فذكره.\nوأخرجه النسائي (١/ ٢٤٠، ٢٤١)؛ وأحمد (٢/ ٤٨٦)؛ وأبو عوانة (١/ ٣٧٨)؛ وابن حبان (١٧٣٧) وغيرهم عن أبي الزناد. وللحديث طرق عن أبي هريرة.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>من قال: لم يترك النبي ﷺ إلا ما بين الدفتين</span>\nحدثنا قتيبة (^١)، حدّثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد بن معقل: أترك النبي ﷺ من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين. قال: ودخلنا على محمد ابن الحنفية فسألناه، فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين.\nتفرد به البخاري (^٢)، ومعناه أنه ﵇ ما ترك مالًا ولا شيئًا يورث عنه، كما قال عمرو (^٣) بن الحارث أخو جويرية: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمةً ولا شيئًا.\nوفي حديث (^٤) أبي الدرداء \"إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذه بحظ وافر\".\nولهذا قال ابن عباس: وإنما ترك ما بين الدفتين يعني القرآن، والسنة مفسرة له ومبينة وموضحة؛ أي: تابعة له، والمقصود الأعظم كتاب الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية [فاطر ٣٢].\nفالأنبياء ﵈ لم يخلقوا للدنيا يجمعونها ويورثونها، وإنما خلقوا للآخرة يدعون إليها ويرغبون فيها، ولهذا قال (^٥) رسول الله ﷺ: \" (لا نورث) (^٦) ما تركنا فهو صدقة\".\nوكان أول من أظهر هذه المحاسن من هذا الوجه أبو بكر الصديق ﵁ لما سئل ميراث رسول الله ﷺ فأخبر عنه بذلك، ووافقه على نقله عنه ﵇ غير واحد من الصحابة منهم عمر وعثمان وعلي والعباس وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبو هريرة وعائشة وغيرهم، وهذا ابن عباس يقوله أيضًا عنه ﵇، ﵃ أجمعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-27>فضل القرآن على سائر الكلام</span>\nحدثنا هدبة بن خالد أبو خالد، حدّثنا همام، (حدّثنا قتادة) (^٧)، حدّثنا أنس بن مالك، عن أبي موسى ﵄، عن النبي ﷺ: \"مثل الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل\n_________\n(^١) في \"البخاري\": \"قتيبة بن سعيد\".\n(^٢) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٦٤).\nوأخرجه الإسماعيلي في \"مستخرجه\"، كما في \"الفتح\"، و\"عمدة القاري\" (٢٠/ ٣٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥/ ٣٥٦ و٦/ ٧٥، ٩٧، ٢٠٩ و٨/ ١٤٨)؛ والنسائي (٦/ ٢٢٩)؛ والترمذي في \"الشمائل\" (٣٨١)؛ وأحمد (٤/ ٢٧٩) وغيرهم من طرق عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن الحارث.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٦٤١)؛ وابن ماجه (٢٢٣)؛ والدارمي (١/ ٨٣)؛ والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢/ ٣٣٧)؛ وابن حبان (٨٠) وهو حديث حسن، ووقع في إسناده اختلاف ذكرته في \"التسلية\" فاطلبه هناك. والله الموفق.\n(^٥) أخرجه مالك (٢/ ٩٩٣/ ٢٧)؛ والبخاري (٦/ ١٩٦، ١٩٧، ٧/ ٧٧، ٧٨، ٣٣٦، ٤٩٣ و١٢/ ٥)؛ ومسلم (١٧٨٥/ ٥١ - ٥٤).\n(^٦) ساقط من (أ).\n(^٧) ساقط من (أ).","vol":"1","page":80},{"text":"الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها\".\nوهكذا رواه (^١) في مواضع أخر مع بقية الجماعة من طرق عن قتادة به.\nووجه مناسبة الباب لهذا الحديث أن طيب الرائحة دار مع القرآن وجودًا وعدمًا، فدلَّ على شرفه على ما سواه من الكلام الصادر من البر والفاجر.\n(ثم قال) (^٢): حدثنا مسدد، حدّثنا يحيى، عن سفيان، حدثني عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس، ومثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالًا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، فقال: من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر؟ فعملت النصارى، ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين، قالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً، قال: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذاك فضلي أوتيه من شئت\".\nتفرد به من هذا الوجه ومناسبته للترجمة أن هذه الأمة مع قصر مدتها فضلت الأمم الماضية مع طول مدتها، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\nوفي \"المسند\" (^٣) و\"السنن\" عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنتم توفون سبعين أمةً، أنتم خيرها وأكرمها على الله\".\nوإنما فازوا بهذا ببركة الكتاب العظيم القرآن الذي شرفه الله على كل كتاب أنزله وجعله مهيمنًا عليه وناسخًا له وخاتمًا له؛ لأن كل الكتب المتقدمة نزلت إلى الأرض جملةً واحدةً، وهذا القرآن نزل منجمًا بحسب الوقائع لشدة الاعتناء به وبمن أنزل عليه، فكل مرة كنزول كتاب من الكتب المتقدمة.\n_________\n(^١) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٦٥، ٦٦).\nوأخرجه البخاري أيضًا في \"التوحيد\" (٩/ ٥٣٥)؛ ومسلم (٧٩٧/ ٢٤٣).\n(^٢) البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٦٦).\nوأخرجه أحمد (٢/ ١١١، ١١٢) من طريق سفيان، حدثني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.\nوأخرجه البخاري في \"الإجازة\" (٤/ ٤٤٦، ٤٤٧)؛ والترمذي (٢٨٧١) من طريق مالك، عن عبد الله بن دينار وتابعه إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار به. أخرجه ابن حبان (٦٦٣٩، ٧٢١٧) وله طرق أخرى عن ابن عمر.\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ٣، ٥)؛ والترمذي (٣٠٠١)؛ وابن ماجه (٤٢٨٧، ٤٢٨٨)؛ وعبد بن حميد (٤٠٩)؛ والطبري في \"تفسيره\" (١/ ٢٠٩، ٤/ ٣٠)؛ ونعيم بن حماد في \"زوائد الزهد\" (٣٨٢)؛ والحاكم (٤/ ٨٤)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٩/ رقم ١٠١٢، ١٠١٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥)؛ والبيهقي (٩/ ٥)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (ج ٤/ ق ٤٤٣)؛ وابن الجوزي في \"الموضوعات\" (١/ ٣٠) من طرق عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا فذكره.\nقال الترمذي: \"حديث حسن\" وهو كما قال: وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وله طرق أخرى عن حكيم بن معاوبة.\nتنبيه: قول المصنف: \"والسنن\" فيه تسامح، فلم يخرجه من أهل السنن غير اثنين حسب.","vol":"1","page":81},{"text":"وأعظم الأمم المتقدمة هم اليهود والنصارى، فاليهود استعملهم الله من لدن موسى إلى زمان عيسى، والنصارى من ثم إلى أن بعث محمدًا ﷺ ثم استعمل أمته إلى قيام الساعة، وهو المشبه بآخر النهار، وأعطى المتقدمين قيراطًا قيراطًا، وأعطى هؤلاء قيراطين قيراطين ضعفي ما أعطى أولئك، فقالوا: أي ربنا ما لنا أكثر عملًا وأقل أجرًا؟ فقال: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذاك فضلي؛ أي: الزائد على ما أعطيتكم أوتيه من أشاء، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الحديد].\n\n<span data-type='title' id=toc-28>الوصاة بكتاب الله</span>\nحدثنا (^١) محمد بن يوسف، حدّثنا مالك بن مغول، حدّثنا طلحة هو ابن مصرف، سألت عبد الله بن أبي أوفى: أوصى النبي ﷺ؟ قال: لا، قال: قلت: فكيف كتب على الناس الوصية أمروا بها ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله ﷿.\nوقد رواه في مواضع أخر مع بقية الجماعة إلا أبا داود من طرق عن مالك بن مغول به.\nوهذا نظير ما تقدَّم عن ابن عباس أنه ما ترك إلا ما بين الدفتين. وذلك أن الناس كتب عليهم الوصية في أموالهم كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وأما هو ﷺ فلم يترك شيئًا يورث عنه، (وإنما) (^٢) ترك ماله صدقةً جاريةً من بعده فلم يحتج إلى وصية في ذلك.\nولم يوص إلى خليفة يكون بعده على التنصيص؛ لأن الأمر كان ظاهرًا من إشاراته وإيماءاته إلى الصديق، ولهذا لما هم بالوصية إلى أبي بكر ثم عدل عن ذلك قال: \"يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر\" (^٣) وكان كذلك وإنما أوصى الناس باتباع كلام الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>من لم يتغن بالقرآن</span>\nوقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].\nحدثنا يحيى (^٤) بن بكير، حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن\". وقال صاحب له: يريد يجهر به، فرد من هذا الوجه.\n_________\n(^١) البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٦٧).\nوأخرجه أيضًا في \"الوصايا\" (٥/ ٣٥٦) وفي \"المغازي\" (٨/ ١٤٨)؛ ومسلم (١٦٣٤/ ١٦، ١٧).\n(^٢) في (أ): \"وأما\"!\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠/ ١٢٣، ١٣/ ٢٠٥)؛ ومسلم (٢٣٧٨/ ١١).\n(^٤) البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٦٨). وأخرجه أيضًا في \"التوحيد\" (١٣/ ٤٥٣) وفي \"خلق الأفعال\" (٢٤٢)؛ ومسلم (٧٩٢/ ٢٣٢).","vol":"1","page":82},{"text":"ثم رواه عن علي بن عبد الله المديني، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به. قال سفيان: تفسيره يستغني به.\nوقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به.\nومعناه: أن الله تعالى ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك، وهو ﷾ يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم.\nكما قالت عائشة ﵂: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات. ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية [يونس: ٦١]، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم.\nومنهم من فسر الأذن ههنا بالأمر.\nوالأول أولى لقوله: \"ما أذن الله لشيء، ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن\" أيْ: يجهر به، والأذن: الاستماع؛ لدلالة السياق عليه، وكما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ [الانشقاق] أي: استمعت لربها. وحقت أي وحق لها أن تستمع أمره وتطيعه، فالأذن ههنا هو الاستماع.\nولهذا جاء في حديث رواه ابن ماجه (^١) بسند جيد عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"لله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته\".\nوقول سفيان بن عيينة: إن المراد بالتغني يستغنى به، فإن أراد أنه يستغنى به عن الدنيا وهو الظاهر من كلامه الذي تابعه عليه أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره، فخلاف الظاهر من مراد\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٣٤٠)؛ وأحمد (٦/ ٢٠)؛ والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١/ ١٢٤)؛ وابن حبان (٦٥٩)؛ وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ٥٨)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٨/ رقم ٧٧٢)؛ والبيهقي (١٠/ ٢٣٠)؛ والسمعاني في \"أدب الإملاء\" (ص ٩٣، ٩٤) من طرق عن الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن ميسرة مولى فضالة عن فضالة بن عبيد مرفوعًا … فذكره.\nقال البوصيري في \"الزوائد\" (٤٣٦/ ١): \"هذا إسناد حسن\" وجوده المصنف كما رأيت وفي قولهما تسامح؛ لأن ميسرة هذا قال الذهبي في \"الميزان\": \"ما حدث عنه سوى إسماعيل بن عبيد الله\" فهو مجهول العين وإن وثقه ابن حبان كما هو معروف. كيف وقد اختلف على الوليد بن مسلم في إسناده فقد رواه دحيم وإسحاق بن إبراهيم الطالقاني عن الوليد، ثنا الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله عن فضالة بن عبيد مرفوعًا. فسقط ذكر \"ميسرة\". أخرجه أحمد (٦/ ١٩)؛ والحاكم (١/ ٥٧٠، ٥٧١) وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\" فرده الذهبي بقوله: \"منقطع\" وهذا الوجه أرجح من الأول؛ لأن يحيى بن حمزة والوليد بن مزيد وبشر بن بكر ومحمد بن شعيب بن شابور رووه عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد عن فضالة بن عبيد مثله.\nأخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٧٧، ٧٨)؛ والحاكم (١/ ٥٧٠، ٥٧١)؛ والآجري في \"أخلاق حملة القرآن\" (٨٠)؛ والبيهقي في الشعب (ج ٥/ رقم ١٩٥٧). وتابعه ثور بن يزيد، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن فضالة. أخرجه البخاري في \"الكبير\" (٤/ ١/ ١٢٤). فهذا الوجه أقوى بلا ريب فالصواب في الإسناد أنه ضعيف من الوجهين. والله أعلم.","vol":"1","page":83},{"text":"الحديث؛ لأنه قد فسره بعض رواته بالجهر وهو تحسين القراءة والتحزين بها.\nقال حرملة: سمعت ابن عيينة يقول: معناه: يستغني به، فقال لي الشافعي: ليس هو هكذا ولو كان هكذا لكان يتغانى، إنما هو يتحزن ويترنم به.\nقال حرملة: وسمعت ابن وهب يقول: يترنم به، وهكذا نقل المزني والربيع، عن الشافعي ﵀.\nوعلى هذا فتصدير البخاري الباب بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت] فيه نظر؛ لأن هذه الآية الكريمة ذكرت ردًا على الذين سألوا آيات تدل على صدقه حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٥٠، ٥١] ومعنى ذلك: أولم يكفهم آية دالة على صدقك إنزالنا القرآن عليك وأنت رجل أمي؟ ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت] أي: وقد جئت فيه بخبر الأولين والآخرين فأين هذا من التغني بالقرآن وهو تحسين الصوت به أو الاستغناء به عما عداه من أمور الدنيا؟ فعلى كل تقدير تصدير الباب بهذه الآية فيه نظر.\n\n<span data-type='title' id=toc-30>فَصْلٌ في إيراد أحاديث في معنى الباب وذكر أحكام التلاوة بالأصوات</span>\nقال أبو عبيد (^١): حدثنا عبد الله بن صالح، عن قباث بن رزين، عن علي بن رباح اللخمي، عن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا ونحن في المسجد نتدارس القرآن قال: \"تعلموا كتاب الله واقتنوه - قال: وحسبت أنه قال: وتغنوا به - فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من المخاض من العقل\".\nوحدثنا عبد الله (^٢) بن صالح، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة، عن رسول الله ﷺ مثل ذلك إلا أنه قال: \"واقتنوه وتغنوا به\" ولم يشك.\n_________\n(^١) في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٩). وأخرجه النسائي في \"فضائل القرآن\" (٦٠، ٧٤)؛ وأحمد (٤/ ١٥٠، ١٥٣)؛ وأبو يعلى (ج ٣/ رقم ١٧٤٠)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٨/ رقم ٨٠٠، ٨٠٢) من طرق عن قباث بن رزين، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر فذكره، ورواه عن قباث: \"عبد الله بن صالح، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن المبارك، والليث بن سعد\" وسنده جيد، وقباث وثقه بن معين وابن حبان. وقال أحمد وأبو حاتم: \"لا بأس به\" وتوبع كما يأتي.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٩).\nوأخرجه النسائي في \"فضائل القرآن\" (٥٩)؛ والدارمي (٢/ ٣١٦)؛ وأحمد (٤/ ١٤٦)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠٠، ١٠/ ٤٧٧)؛ وابن حبان (١٧٨٨)؛ وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ٩٧)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٨/ رقم ٨٠١)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٨١٥) من طرق عن موسى بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر مثله. وسنده جيد أيضًا. وموسى بن علي فيه كلام يسير، وهو متابع كما مر آنفًا.","vol":"1","page":84},{"text":"وهكذا رواه (أحمد) (^١) والنسائي في (كتاب) (^٢) \"فضائل القرآن\" من حديث موسى بن علي، عن أبيه به، ومن حديث عبد الله بن المبارك عن قباث بن رزين، عن علي بن رباح، عن عقبة.\nوفي بعض ألفاظه: خرج علينا ونحن نقرأ القرآن فسلم علينا وذكر الحديث.\nففيه دلالة على السلام على القارئ.\n(ثم قال) (^٣) أبو عبيد (^٤): حدثنا أبو اليمان عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن (المهاصر) (^٥) بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أهل القرآن لا توسدوا القرآن واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار، وتغنوه وتقنوه واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون\".\nوهذا مرسل.\nثم قال أبو عبيد: قوله: \"تغنوه\"؛ أي: اجعلوه غناءكم من الفقر ولا تعدوا الإقلال معه فقرًا.\nوقوله: \"وتقنوه\" يقول: اقتنوه كما تقتنوا الأموال، اجعلوه مالكم.\nوقال أبو عبيد (^٦): حدثني هشام بن عمار، عن علي بن حمزة، عن الأوزاعي قال: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن فضالة بن عبيد، عن النبي ﷺ قال: \"الله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته\".\nقال أبو عبيد: هذا الحديث بعضهم يزيد في إسناده. يقول: \"عن إسماعيل بن عبيد الله، عن مولى فضالة، عن فضالة\".\nوهكذا رواه ابن ماجه، عن راشد بن سعيد بن أبي راشد، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن ميسرة مولى فضالة، عن فضالة، عن النبي ﷺ \"لله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته\".\n_________\n(^١) ساقط من (أ) و(ط) ولم أر واو العطف بينهما، فيكون الإمام أحمد رواه هو والنسائي، ويحتمل أنه يقصد: \"رواه أحمد النسائي\"، والنسائي اسمه \"أحمد بن شعيب\" واستبعد أن يعني ابن كثير هذا، فلم يجر على هذا التعبير، إلا أن يكون سقط من السياق: \"ابن شعيب\" وعلى كل حال فقد رواه الإمام أحمد والنسائي كما مر بك. والحمد لله.\n(^٢) ساقط من (ج) و(ط).\n(^٣) في (أ): \"وقال\".\n(^٤) في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٩). كذا رواه أبو اليمان الحكم بن نافع مرسلًا.\nوخالفه بقية بن الوليد والوليد بن مسلم فروياه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن المهاصر بن حبيب، عن عبيدة الأملوكي مرفوعًا فذكره.\nأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٨٥٢)؛ وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٢٦٠)؛ وأبو القاسم الأصبهاني في \"الترغيب\" (٢٢٧٠)؛ وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (ج ٤/ ق ٥٩٦)؛ وعزاه الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٥٢)؛ للطبراني في \"الكبير\" وضعفه بـ \"أبي بكر بن أبي مريم\". وخالفهما عيسى بن يونس وموسى بن أعين فروياه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن المهاصر بن حبيب، عن عبيدة الأملوكي صاحب النبي ﷺ فذكره موقوفًا.\nأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢/ ٨٤)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (١٨٥٣، ١٨٥٤)؛ وأخرجه البخاري أيضًا من طريقين آخرين عن عبيدة قوله. والموقوف أشبه.\n(^٥) في (أ): \"المهاجر\".\n(^٦) مرّ تخريجه آنفًا.","vol":"1","page":85},{"text":"قال أبو عبيد: يعني الاستماع.\nوقوله في الحديث الآخر: \"ما أذن الله لشيء\"؛ أي: ما استمع.\nوقال أبو القاسم البغوي (^١): حدثنا محمد بن حميد، حدّثنا سلمة بن الفضل، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة، حدثنا القاسم بن محمد، حدثني السائب قال: قال لي سعد: يا بن أخي هل قرأت القرآن؟ قلت: نعم، قال: غن به فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"غنوا بالقرآن، ليس منا من لم يغن بالقرآن، وابكوا فإن لم تقدروا على البكاء فتباكوا\".\nوقد روى أبو داود من حديث الليث (وعمرو بن دينار كلاهما) (^٢) عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس منا من لم يتغن بالقرآن\" (^٣).\n(^٤) [ورواه ابن ماجه (^٥) من حديث ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن بن السائب، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ] (^٦): \"إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه، فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا\".\n(^٧) (وقال أحمد (^٨): حدثنا وكيع، حدّثنا سعيد بن حسان المخزومي، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس منا من لم يتغن بالقرآن\".\nقال وكيع: يعني يستغنى به.\nورواه أحمد (^٩) أيضًا عن حجاج وأبي النضر، كلاهما عن الليث بن سعد.\nوعن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار كلاهما عن عبد الله بن أبي مليكة به) (^١٠) وفي هذا الحديث كلام طويل يتعلق بسنده، ليس هذا موضعه. والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه المخلص في \"الفوائد\" (ق ٥٢/ ١) من طريق محمد بن حميد بسنده سواء. وسنده واهٍ، وابن حميد متروك، وكذبه جماعة من أهل الري.\n(^٢) ساقط من (أ).\n(^٣) في \"سننه\" (١٤٦٩، ١٤٧٠) وسنده صحيح وقد اختلف على ابن أبي مليكة في سنده اختلافًا كثيرًا ذكرته في \"التسلية\" وأقوى الوجوه في هذا الاختلاف ما رواه أبو داود هنا ولله الحمد.\n(^٤) ساقط من (أ).\n(^٥) في \"سننه\" (١٣٣٧) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا أبو رافع، عن ابن أبي مليكة به. وأخرجه أبو يعلى (٩٨٦)؛ والآجري في \"أخلاق حملة القرآن\" (٨٥)؛ وأبو العباس الأصم في \"الثاني من حديثه\" (ق ١٧١/ ١)؛ والبيهقي (١٠/ ٢٣٠) من طرق عن الوليد بن مسلم وعزاه البوصيري في \"الزوائد\" (٤٣٤/ ١) للحاكم في \"المستدرك\" وقال: \"هذا إسناد فيه أبو رافع واسمه إسماعيل بن رافع ضعيف متروك\". اهـ.\n(^٦) ساقط من (أ).\n(^٧) ساقط من (أ) و(ط).\n(^٨) في \"مسنده\" (١٤٧٦) وإسناده صحيح.\nوأشار الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥٦٩) إلى رواية سعيد بن حسان.\n(^٩) في \"مسنده\" (١٥١٢، ١٥٤٩) ولم يروه مجموعًا هكذا، بل هذا من تصرف المصنف ﵀.\n(^١٠) ساقط من (أ) و(ط).","vol":"1","page":86},{"text":"وقال أبو داود (^١): حدثنا عبد الأعلى بن حماد، حدّثنا عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبيد الله بن أبي زيد: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته، فدخلنا عليه، فإذا رجل رث البيت، رث الهيئة، فانتسبنا له، فقال: تجار كسبة (تجار كسبة) (^٢) فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ليس منا من لم يتغن بالقرآن\" قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت، قال: يحسنه ما استطاع.\nتفرد به أبو داود، فقد فهم من هذا أن السلف ﵃ إنما فهموا من التغني بالقرآن إنما هو تحسين الصوت به وتحزينه، كما قاله الأئمة ﵏.\nويدل على ذلك أيضًا ما رواه أبو داود (^٣) حيث قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ: \"زينوا القرآن بأصواتكم\".\nوأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث شعبة، عن طلحة وهو ابن مصرف، به.\nوأخرجه النسائي من طرق أخرى عن طلحة وهذا إسناد جيد.\nوقد وثق النسائي وابن حبان عبد الرحمن بن عوسجة هذا. ونقل الأزدي عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: سألت عنه بالمدينة فلم أرهم يحمدونه.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام (^٤): حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث \"زينوا القرآن بأصواتكم\".\nقال أبو عبيد: وإنما كره أيوب فيما نرى أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به.\n(قلت): ثم إن شعبة ﵀، روى الحديث متوكلًا على الله كما روي له، ولو ترك كل حديث يتأوله مبطل لترك من السنة شيء كثير، بل قد تطرقوا إلى تأويل آيات كثيرة من القرآن وحملوها\n_________\n(^١) في \"سننه\" (١٤٧١). وأخرجه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (١٩٠٣)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٢/ ١٢٨)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٥/ رقم ٤٥١٤)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٥٤، ١٠/ ٢٣٠) وفي \"الصغرى\" (٩٨٣) من طريق عبد الجبار بن الورد بسنده سواء. قال الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٧١) \"ورجاله ثقات\".\n* قلت: وهو أحد وجوه الاختلاف على ابن أبي مليكة في إسناده.\n(^٢) من (ج) و(ط) واعلم أن هذه العبارة: \"فانتسبنا فقال: تجار كسبة\" ليست موجودة في نسخ \"أبي داود\" المطبوعة، والله أعلم. ثم رأيت الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٦٩) عزاه لأبي داود وابن الضريس في \"فضائل القرآن\"؛ وأبي عوانة في \"مستخرجه\" من طريق ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهيك قال: \"لقيني سعد بن أبي وقاص وأنا في السوق فقال: تجار كسبة … ثم ساق الحديث\" والاختلاف في صحابي الحديث واضح، ولم أجد الحديث في كتاب ابن الضريس المطبوع. والله أعلم.\n(^٣) في \"سننه\" (١٤٦٨). وأخرجه البخاري في \"خلق الأفعال\" (٦٨)؛ والنسائي في \"سننه\" (٢/ ١٧٩، ١٨٠)، وفي \"فضائل القرآن\" (٧٥)، وفي \"مجلسان من إملائه\" (٤٦)؛ وابن ماجه (١٣٤٢)؛ والدارمي (٢/ ٤٧٤)؛ وأحمد (٤/ ٢٨٣، ٢٨٥، ٣٠٤) وآخرون من طرق عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب مرفوعًا … فذكره.\n(^٤) في \"فضائل القرآن\" (ص ٨١).","vol":"1","page":87},{"text":"على غير محاملها الشرعية المرادة، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوالمراد من تحسين الصوت بالقرآن: تطريبه وتحزينه والتخشع به، كما رواه الحافظ الكبير بقي بن مخلد ﵀ حيث قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم [حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدّثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبي بردة بن أبي موسى] (^١)، عن أبيه، قال: قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: \"يا أبا موسى لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة\" قلت: أما والله لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرًا.\nورواه مسلم (^٢) من حديث طلحة به. وزاد \"لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود\" وسيأتي هذا في بابه حيث يذكره البخاري.\nوالغرض أن أبا موسى قال: لو أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرًا، فدل على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى - كما قال- ﵇: قد أعطي صوتًا حسنًا، كما سأذكره إن شاء الله مع خشية تامة ورقة أهل اليمن (الموصوفة) (^٣) فدل على أن هذا من الأمور الشرعية.\nقال أبو عبيد (^٤): وحدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده.\nقال أبو عبيد (^٥): (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال) (^٦): حدّثنا سليمان التيمي أو نبئت عنه، حدّثنا أبو عثمان النهدي قال: كان أبو موسى يصلي بنا، فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنج (^٧) قط ولا بربط (^٨) قط ولا شيئًا قط أحسن من صوته.\n_________\n(^١) ساقط من (أ).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٧٩٣/ ٢٣٦). وأخرجه أيضًا ابن حبان (٧١٩٨)؛ والبيهقي (١٠/ ٢٣٠، ٢٣١) بهذا التمام ويأتي تخريجه قريبًا.\n(^٣) ساقط من (أ).\n(^٤) في \"فضائل القرآن\" (٣ - ٧٩) وليس عنده لفظة: \"ربنا\".\nوأخرجه الدارمي (٢/ ٣٣٩) قال: حدثنا عبد الله بن صالح بسنده سواء.\nوأخرجه ابن سعد (٤/ ١٠٩)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٥٨)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٢/ ١٦١) من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة أن عمر بن الخطاب. . . إلخ.\nوأخرجه عبد الرزاق (ج ٢/ رقم ٤١٧٩، ١٤٨٠، ٤١٨١)؛ وابن حبان (٢٢٦٤) من طريق معمر بن راشد وابن جريج وعمرو بن الحارث ثلاثتهم عن الزهري بسنده سواء. وهو منقطع بين أبي سلمة وعمر بن الخطاب ﵁، ولم يسمع أيضًا من أبي موسى كما قال أحمد على ما ذكره ابن أبي حاتم في \"المراسيل\" (ص ٢٥٥) وله طريقان آخران عند ابن سعد (٤/ ١٠٩) أحدهما معضل والآخر منقطع.\n(^٥) في \"فضائل القرآن\" (ص ٧٩). وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٤/ ١٠٨) قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي - وهو ابن علية بسنده سواء. هكذا شك ابن علية أسمعه من التيمي أم بلغه عنه، لكن أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٥٨) من طريق صفوان بن عيسى والبخاري في \"خلق الأفعال\" (٢٩١) عن المعتمر بن سليمان قالا: ثنا سليمان قالا، ثنا سليمان التيمي بسنده سواء.\nوعزاه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٩٣)؛ لابن أبي داود وقال: \"سنده صحيح\".\n(^٦) ساقط من \"الأصول\" كلها واستدركته من \"الفضائل\".\n(^٧) الصنج بفتح المهملة وسكون النون بعدها جيم هو آلة تتخذ من النحاس كالطبقين يضرب أحدهما بالآخر.\n(^٨) البربط: بالموحدتين بينهما راء ساكنة ثم طاء مهملة بوزن: \"جعفر\" وهو آلة تشبه العود. فارسي معرب. =","vol":"1","page":88},{"text":"وقال ابن ماجه (^١): حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة قالت: أبطأت على رسول الله ﷺ ليلةً بعد العشاء، ثم جئت فقال: \"أين كنت؟ \" قلت: كنت أسمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد، قالت: فقام فقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إلي فقال: \"هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا\".\nإسناد جيد.\nوفي \"الصحيحين\" (^٢) عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءةً منه.\nوفي بعض ألفاظه: فلما سمعته قرأ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور] خلت أن فؤادي قد انصدع.\nوكان جبير لما سمع هذا بعد مشركًا على دين قومه وإنما كان قدم في فداء الأسارى بعد بدر، وناهيك بمن تؤثر قراءته في المشرك المصر على الكفر، فكان هذا سبب هدايته، ولهذا كان أحسن القراءات ما كان عن خشوع من القلب كما:\nقال أبو عبيد (^٣): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن طاوس قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله.\n_________\n= وانظر: \"النهاية\" (١/ ١١٢).\n(^١) في \"سننه\" (١٣٣٨). وقال البوصيري في \"الزوائد\" (٤٣٥/ ١): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات\" وأخرجه الحاكم (٣/ ٢٢٥، ٢٢٦)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣٧١) من طرق عن الوليد بن مسلم، ثنا حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط يحدث عن عائشة به قال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي وليس كما قالا؛ لأن عبد الرحمن بن سابط لم يخرج له البخاري شيئًا، ولم يحتج الشيخان ولا أحدهما برواية الوليد، عن حنظلة ولا حنظلة عن عبد الرحمن، ولا عبد الرحمن عن عائشة. فالصواب أن السند صحيح مطلقًا وصرح الوليد في جميع الإسناد، ثم هو لم يتفرد به، فقال أبو نعيم عقبه: \"ورواه ابن المبارك، عن حنظلة\" قلت: وهو عنده في \"الجهاد\" (١٢٠) ووقع في سنده اختلاف وأخرجه أحمد (٦/ ١٦٥) قال: حدثنا ابن نمير، ثنا حنظلة بسنده سواء. وهو صحيح أيضًا وأخرجه البزار (ج ٣/ رقم ٢٦٩٤) من وجه آخر عن عائشة بأخصر من حديث ابن سابط قال الهيثمي (٩/ ٣٠٠): \"رجاله رجال الصحيح\". وقال الحافظ في \"الإصابة\" (٣/ ١٦): \"رجاله ثقات\" وليس في هذا تصحيح للإسناد، لأجل عنعنة ابن جريج. والله أعلم.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢/ ٢٤٧، ٦/ ١٨٦، ٧/ ٣٢٣، ٨/ ٦٠٣)؛ ومسلم (٤٦٣) من طريق الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه.\nوأخرجه أبو داود (٨١١)؛ والنسائي في \"سننه\" (٢/ ١٦٩)، وفي \"تفسيره\" (٥٤٩)؛ وابن ماجه (٨٣٢)؛ وأحمد (٤/ ٨٠، ٨٤) من هذا الوجه.\n(^٣) في \"فضائل القرآن\" (ص ٨٠) وفي \"غريب الحديث\" (٢/ ١٤١)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٦٤).\nقال: حدثنا حفص، عن ليث، عن طاوس، قال: كان يقال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله. وسنده ضعيف؛ لأجل ليث بن أبي سليم وقد خولف فيه كما يأتي.","vol":"1","page":89},{"text":"(١) [وحدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله] (^١).\nوحدثنا قبيصة (^٢)، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، وعن الحسن بن مسلم، عن طاوس قال: سئل رسول الله ﷺ أي الناس أحسن صوتًا بالقرآن؟ فقال: \"الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله\".\nوقد روي هذا متصلًا من وجه آخر.\nفقال ابن ماجه (^٣): حدثنا بشر بن معاذ الضرير، حدّثنا عبد الله بن جعفر المديني، حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله\".\nولكن عبد الله بن جعفر هذا - وهو والد علي ابن المديني - وشيخه ضعيفان والله أعلم.\nوالغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة.\nفأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب.\nوقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك كما قال الإمام العلم أبو عبيد (^٤) القاسم بن سلام ﵀:\nحدثنا نعيم بن حماد، عن بقية بن الوليد، عن حصين بن مالك الفزاري قال: سمعت شيخًا يكنى أبا محمد يحدث عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجئ قوم من بعدي يرجعون\n_________\n(^١) ساقط من (ج) و(ط) وهو عندي خطأ من الناسخ فقد انتقل بصره إلى السند التالي له، وألحق به متن الأثر السابق، ولم أجد في \"كتاب أبي عبيد إلا الرواية التي يرويها ابن جريج، عن ابن طاوس وعن الحسن بن مسلم، كلاهما عن طاوس\". فالله أعلم.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد (ص ٨٠) أيضًا. وهذه الرواية أرجح من رواية ليث بن أبي سليم مع إرسالها.\n(^٣) في \"سننه\" (١٣٣٩). وأخرجه الآجري في \"أخلاق حملة القرآن\" (٨٣)، وفي \"فوائده\"؛ وابن أبي داود في \"كتاب الشريعة\"، كما في \"إتحاف السادة\" (٤/ ٥٢١) وضعف إسناده البوصيري في \"الزوائد\" (٤٣٦/ ١) وسبقه شيخه العراقي في \"تخريج الأحياء\" (١/ ٢٨٦) والصواب أنه ضعيف جدًا. والله أعلم.\n(^٤) في \"فضائل القرآن\" (ص ٨٠).\nوأخرجه ابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ٣٥)؛ ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة\" (٢/ ٤٨٠)؛ والحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" (ج ٣/ ق ١٠٤/ ٢)؛ والطبراني في \"الأوسط\" (ج ٢/ ق ١٥٤/ ١)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٥١٠، ٥١١)؛ البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٤٠٦)؛ والجوزقاني في \"الأباطيل\" (٧٢٣)؛ وابن الجوزي في \"الواهيات\" (١/ ١١٨) من طريق بقية بن الوليد عن الحصين بن مالك الفزاري، عن أبي محمد، عن حذيفة مرفوعًا به.\nقال الطبراني: \"لا يروى هذا الحديث عن حذيفة إلا بهذا الإسناد، تفرد به بقية\".\nقلت: وهو صدوق لكنه يدلس تدليس التسوية كما صرح به أبو حاتم في \"العلل\" (١٩٥٧) وشيخ بقية وشيخه مجهول، والخبر منكر كما قال الذهبي. والله أعلم.","vol":"1","page":90},{"text":"بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم\".\nوحدثنا (^١) يزيد، عن شريك، عن أبي اليقظان عثمان بن عمير، عن زاذان أبي عمر، عن عليم قال: كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب النبي ﷺ قال يزيد: لا أعلمه إلا قال: عابس الغفاري - فرأى الناس يخرجون في الطاعون قال: ما هؤلاء؟ قال: يفرون من الطاعون فقال: يا طاعون خذني، فقالوا: أتتمنى الموت وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يتمنين أحدكم الموت\"؟ فقال: إني أبادر خصالًا، سمعت رسول الله ﷺ يتخوفهن على أمته: بيع الحكم، والاستخفاف بالدم وقطيعة الرحم وقوم يتخذون القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناءً، وذكر خلتين آخرتين.\nوحدثنا يعقوب بن (^٢) إبراهيم، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن زاذان، عن عابس الغفاري، عن النبي ﷺ مثل ذلك أو نحوه.\nوحدثنا (^٣) يعقوب، عن إبراهيم، عن الأعمش، عن رجل، عن أنس أنه سمع رجلًا يقرأ القرآن بهذه الألحان التي أحدث الناس فأنكر ذلك ونهى عنه.\nوهذه طرق حسنة (^٤) في باب الترهيب.\nوهذا يدل على أنه محذور كبير وهو قراءة القرآن بالألحان التي يسلك بها مذاهب الغناء، وقد نص الأئمة ﵏ على النهي عنه، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفًا أو ينقص حرفًا فقد اتفق العلماء على تحريمه، والله أعلم.\n_________\n(^١) أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ٨١) وفي \"الغريب\" (٢/ ١٤١).\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٩٤)؛ والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢/ ٨٠)؛ وعنه البيهقي في \"الشعب\" (٥/ ٥٨٣)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٢/ ١٦٠)؛ وأبو غرزة الحافظ في \"مسند عابس\"؛ وابن أبي الدنيا في \"العقوبات\" (٧٨/ ١)؛ كما في \"الصحيحة\" (٩٧٩)؛ والجوزقاني في \"الأباطيل\" (٧٢٤) من طريق شريك النخعي بسنده سواء. وسنده ضعيف، وقال الجوزقاني: \"باطل\" وليس كما قال والصواب أنه حديث حسن أو صحيح كما حققته في \"التسلية\".\n(^٢) أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٨١). وأخرجه البخاري في \"الكبير\" (٤/ ١/ ٨٠)؛ وعنه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٤٠٩)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٨/ رقم ٥٨، ٥٩) من طرق عن ليث بن أبي سليم وقد خالف شريكًا بإسقاط \"عليم\" من السند، وروايته أرجح من رواية شريك. فقد تابعه سليمان التيمي عند الطبراني (٦٠) وله طريق قوي يرويه موسى بن عبد الله الجهني عن زاذان عابس الغفاري.\nأخرجه الخراطي في \"مساوئ الأخلاق\" (٢٧٧)؛ والطبراني في \"الكبير\" (١٨/ رقم ٦٢، ٦٣)، وفي \"الأوسط\" (٦٨٩)؛ وقال الهيثمي (٥/ ٢٤٥): \"رجاله رجال الصحيح\" وله شواهد عن جماعة من الصحابة.\n(^٣) أبو عبيد (ص ٨١).\nوخولف يعقوب بن إبراهيم. خالفه عبد الله بن إدريس فرواه عن الأعمش قال: قرأ رجل عند أنس بلحن من هذه الألحان فكره أنس ذلك. أخرجه الدارمي (٢/ ٣٤٠) والمخالفة أن ابن إدريس جعله عن الأعمش عن أنس. ولم يسمع منه. والصواب أنه يروى عنه بالواسطة وأخرجه أيضًا ابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ٢٣٧).\n(^٤) يعني: بتعاضدها، والله أعلم.","vol":"1","page":91},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر البزار (^١): حدّثنا محمد بن معمر، حدّثنا روح، حدّثنا عبيد الله بن الأخنس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس منا من لم يتغن بالقرآن\".\nثم قال: \" (وإنما) (^٢) ذكرناه؛ لأنهم اختلفوا على ابن أبي مليكة فيه فرواه عبد الجبار بن الورد عنه، عن ابن أبي مليكة، عن أبي لبابة ورواه عمرو بن دينار، والليث عنه، عن ابن أبي نهيك، عن سعد، ورواه عسل بن سفيان عنه عن عائشة، ورواه نافع مولى ابن عمر عنه عن ابن الزبير\".\n\n<span data-type='title' id=toc-31>اغتباط صاحب القرآن</span>\nحدثنا (^٣) أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، حدثني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب (فقام به) (^٤) آناء (الليل) (^٥) ورجل أعطاه الله مالًا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار\".\nانفرد به البخاري من هذا الوجه، واتفقا على إخراجه من رواية سفيان، عن الزهري.\nثم قال البخاري (^٦): حدّثنا علي بن إبراهيم، حدّثنا روح، حدّثنا شعبة، عن سليمان قال: سمعت ذكوان، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل (وآناء) (^٧) النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل؛ ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل\".\nومضمون هذين الحديثين أن صاحب القرآن في غبطة، وهي حسن الحال، فينبغي أن يكون شديد الاغتباط بما هو فيه، ويستحب تغبيطه بذلك، يقال: غبطه يغبطه (بكسر الباء) (^٨) غبطًا: إذا تمنى مثل ما هو فيه من النعمة، وهذا بخلاف الحسد المذموم، وهو تمني زوال نعمة المحسود عنه سواء حصلت لذلك الحاسد أو لا، وهذا مذموم شرعًا مهلك، وهو أول معاصي إبليس حين حسد آدم ما منحه الله تعالى من الكرامة والاحترام والإعظام.\n_________\n(^١) في \"مسنده\" (ج ٣/ رقم ٢٣٣٢، كشف الأستار).\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ١١/ رقم ١١٢٣٩) من طرق عن ابن الأخنس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس مرفوعًا. قال الهيثمي (٧/ ١٧٠): \"رجال البزار رجال الصحيح\".\nقلت: وقد مر الكلام عنه، وهذا أحد وجوه الاختلاف على ابن أبي مليكة في إسناده، وقد فصلته في \"التسلية\". ولله الحمد.\n(^٢) في (أ): \"ولنا ما\".\n(^٣) البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٧٣).\nوأخرجه أيضًا في \"كتاب التوحيد\" (١٣/ ٥٠٢)؛ ومسلم (٨١٥)؛ والنسائي في \"فضائل القرآن\" (٩٧)؛ والترمذي (١٩٣٦)؛ وابن ماجه (٤٢٠٩)؛ وأحمد (٢/ ٩)؛ والحميدي (٢/ ٢٧٨)، وآخرون من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا. وله طرق أخرى عن الزهري.\n(^٤) في (أ): \"فهو يقوم به\" وهو مخالف لرواية \"الصحيح\" ولباقي (الأصول).\n(^٥) في (أ): \"الليل والنهار\" وليس \"للنهار\" ذكر.\n(^٦) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٧٣).\n(^٧) ساقط من (أ).\n(^٨) في (أ): \"بالكسر\".","vol":"1","page":92},{"text":"والحسد الشرعي الممدوح هو تمني حال مثل ذاك الذي هو على حالة سارة، ولهذا قال ﵇: \"لا حسد إلا في اثنتين\" فذكر النعمة القاصرة وهو تلاوة القرآن آناء الليل والنهار والنعمة المتعدية، وهي إنفاق المال بالليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر].\n(^١) [وقد روي نحو هذا من وجه آخر.\nفقال عبد الله (^٢) ابن الإمام أحمد: وجدت في كتاب أبي بخط يده]:\n[كتب إلي أبو توبة الربيع بن نافع، فكان في كتابه: حدثنا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن سليمان بن موسى، عن كثير بن مرة، عن يزيد بن الأخنس أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تنافس بينكم إلا في اثنتين: رجل أعطاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ويتبع ما فيه فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانًا، فأقوم به كما يقوم به؛ ورجل أعطاه الله مالًا فهو ينفق ويتصدق، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانًا فأتصدق به\"] (^١).\nوقريب من هذا ما قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الله بن نمير، حدّثنا عبادة بن مسلم، حدثني يونس بن خباب، عن سعيد أبي البختري الطائي، عن أبي كبشة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، فأما الثلاث التي أقسم عليهن فإنه ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم أحد مظلمةً فيصبر عليها إلا زاده الله بها عزًا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر - وأما الذي أحدثكم حديثًا فاحفظوه فإنه قال - إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه ويصل رحمه ويعلم (لله) (^٤) فيه حقه - قال - فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو يقول: لو كان لي مال عملت بعمل فلان - قال:- فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقى فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل، وعبد\n_________\n(^١) ساقط من سياق (ط) وقيد في الحاشية.\n(^٢) في \"المسند\" (٤/ ١٠٤، ١٠٥).\nوأخرجه الفريابي في \"فضائل القرآن\" (١٠٧)؛ وأبو الشيخ في \"الأمثال\" (١٩٩)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٢/ رقم ٦٢٦)، وفي \"الأوسط\" (٢٩٩٢)؛ وفي \"مسند الشاميين\" (١٢١٢)؛ وعنه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (ج ١٨/ ل ٢٣٣)؛ والخطابي في \"الغريب\" (١/ ١٩٤)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٨٢٠) من طريق الهيثم بن حميد بسنده سواء.\nقال المنذري في \"الترغيب\" (١/ ٤٣٩)؛ والهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٥٦): \"رجاله ثقات\". قلت: ولكنه منقطع، قال أبو مسهر: \"سليمان بن موسى لم يدرك كثير بن مرة\". ولكن له طريق آخر أخرجه ابن قانع في \"معجم الصحابة\" (ج ١١/ ق ١٩٢/ ٢ - ١٩٣/ ١) وإسناده جيد. والله أعلم.\n(^٣) في \"المسند\" (٤/ ٢٣١).\nوأخرجه الترمذي (٢٣٢٥)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٢/ رقم ٨٥٥، ٨٦٨)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (١٤/ ٢٨٩، ٢٩٠) من طريق عبادة بن مسلم بسنده سواء قال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\nقلت: لكن يونس بن خباب ضعيف، ولكن له طريق آخر ويأتي.\n(^٤) من (ج) و(ط) و(ل).","vol":"1","page":93},{"text":"لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو كان لي مالك لفعلت بعمل فلان - قال:- هي نيته فوزرهما فيه سواء\".\nوقال أيضًا (^١): حدّثنا وكيع، حدّثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي كبشة الأنماري قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا، فهو يعمل به (في) (^٢) ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل - قال: قال رسول الله - فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علمًا، فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه؛ ورجل لم يؤته الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل - قال: قال رسول الله - فهما في الوزر سواء\".\nإسناد صحيح، (ولله الحمد والمنة) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-32>خيركم من تعلم القرآن وعلمه</span>\nحدثنا (^٤) حجاج بن منهال، حدّثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد، سمعت سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان بن عفان ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان ﵁ حتى كان الحجاج، قال: وذلك الذي أقعدني مقعدي هذا.\nوقد أخرج الجماعة هذا الحديث سوى مسلم من رواية شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن وهو عبد الله بن حبيب السلمي ﵀.\nوحدثنا (^٥) أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه\".\nوهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق، عن سفيان، عن علقمة، عن أبي عبد الرحمن من غير ذكر \"سعد بن عبيدة\"، كما رواه شعبة ولم يختلف عليه فيه.\nوهذا المقام مما حكم لسفيان الثوري فيه على شعبة. وخطأ بندار يحيى (^٦) بن سعيد في روايته\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٣٠، ٢٣١).\nوأخرجه ابن ماجه (٤٢٢٨)؛ وأبو عوانة في \"صحيحه\"؛ كما في \"الفتح\" (٩/ ٧٤)؛ ووكيع (٢٤٠)؛ وهناد بن السري (٥٨٦) كلاهما في \"الزهد\"؛ والمروزي في \"زوائد الزهد\" (٩٩٩)؛ والفريابي في \"الفضائل\" (١٠٥، ١٠٦)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٢٦٣)؛ والطبراني في \"الكبير\" (٨٦٧)؛ وابن الأعرابي في \"معجمه\" (ج ٤/ ق ٦٤/ ٢ - ١٠/ ١٨٩/ ١)؛ والبيهقي (٤/ ١٨٩) وسنده صحيح كما قال المصنف؛ وأعله الحافظ في \"النكت الظراف\" (٩/ ٢٧٤) بما ينظر فيه. والله أعلم.\n(^٢) في (ج) و(ط) و(ل): \"فيهما\"!\n(^٣) من (أ).\n(^٤) البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٧٤).\n(^٥) البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٧٤)؛ وأخرجه النسائي في \"الفضائل\" (٦٣)؛ والترمذي (٢٩٠٨)؛ وأحمد (١/ ٥٧) وغيرهم من طرق عن سفيان الثوري بسنده سواء.\n(^٦) كلا لم يخطئ يحيى القطان في روايته، وقد استوفيت تخريج الحديث، وتعليله وترجيح الراجح في \"تسلية الكظيم\" فللَّه الحمد.","vol":"1","page":94},{"text":"ذلك عن سفيان، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، وقال: رواه الجماعة من أصحاب سفيان عنه بإسقاط \"سعد بن عبيدة\" ورواية سفيان أصح.\nوفي هذا المقام المتعلِّق بصناعة الإسناد طول لولا الملالة لذكرناه. وفيما ذكر كفاية وإرشاد إلى ما ترك، والله أعلم.\nوالغرض أنه ﵊ قال: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" وهذه صفات المؤمنين المتبعين للرسل وهم الكمل في أنفسهم المكملون لغيرهم، وذلك جمع بين النفع القاصر والمتعدي، وهذا بخلاف صفة الكفار الجبارين الذين لا ينفعون ولا يتركون أحدًا ممن أمكنهم أن ينتفع، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]، وكما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] في أصح قولي المفسرين في هذا هو أنهم ينهون الناس عن اتباع القرآن مع نأيهم وبعدهم عنه أيضًا، فجمعوا بين التكذيب والصد، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الأنعام: ١٥٧] فهذا شأن شرار الكفار، كما أن شأن الأخيار الأبرار أن يتكمل في نفسه، وأن يسعى في تكميل غيره كما قال ﵇: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت] فجمع بين الدعوة إلى الله سواء كان بالأذان أو بغيره من أنواع الدعوة إلى الله تعالى من تعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك مما يبتغى به وجه الله، وعمل هو في نفسه صالحًا، وقال قولًا صالحًا أيضًا فلا أحد أحسن حالًا من هذا. وقد كان أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي أحد أئمة الإسلام ومشايخهم ممن رغب في هذا المقام فقعد يعلم الناس من إمارة عثمان إلى أيام الحجاج.\n[قالوا: وكان مقدار ذلك الذي مكث يعلم فيه القرآن سبعين سنة] (^١)، ﵀ (وأثابه) (^٢)، وآتاه ما طلبه ورامه آمين.\n(٣) [ثم قال البخاري (^٣): حدثنا عمرو بن عون، حدّثنا حماد، عن أبي] (^٤). [حازم عن سهل بن سعد قال: أتت النبي ﷺ امرأة فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله، فقال: \"ما لي في النساء من حاجة\" فقال رجل: زوجنيها؟ قال: \"أعطها ثوبًا\" قال: لا أجد، قال: \"أعطها ولو خاتمًا من حديد\" فاعتل له، فقال: \"ما معك من القرآن؟ \" قال: كذا وكذا، قال: \"قد زوجتكها بما معك من القرآن؟ \".\nوهذا الحديث متفق على صحة إخراجه من طرق عديدة.\nوالغرض منه الذي قصده البخاري أن هذا الرجل تعلم الذي تعلمه من القرآن، وأمره النبي ﷺ] (^٥).\n_________\n(^١) سقط من سياق (أ) واستدرك في الحاشية.\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٧٤)؛ وأخرجه مالك (٢/ ٥٢٦/ ٨) و(١/ ٥٧٢، رواية أبي مصعب)؛ والبخاري (٤/ ٤٨٦، ٩/ ٧٨، ١٣١، ١٧٥، ١٨٠، ١٨١، ١٨٨، ١٩٠، ١٩١، ١٩٨، ٢٠٥، ٢١٦؛ و١٠/ ٣٢٢، ٣٢٣؛ و١٣/ ٤٠٢ فتح)؛ ومسلم (١٤٢٥/ ٧٧).\n(^٤) من أول هنا إلى آخر الفصل ساقط من (ج).\n(^٥) ساقط من (ج).","vol":"1","page":95},{"text":"[أن يعلم تلك المرأة ويكون ذلك صداقًا لها على ذلك، وهذا فيه نزاع بين العلماء: هل يجوز أن يجعل (مثل هذا) (^١) صداقًا؟ أو هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ وهل هذا كان خاصًا بذلك الرجل؟ وما معنى قوله ﵇: \"زوجتكها بما معك من القرآن\" أي: بسبب ما معك، كما قاله أحمد بن حنبل: نكرمك بذلك أو بعوض ما معك، وهذا أقوى لقوله في \"صحيح مسلم\" \"فعلمها\" وهذا هو الذي أراده البخاري ههنا، وتحرير باقي الخلاف مذكور في باب النكاح والإجارات، وبالله المستعان] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-33>القراءة عن ظهر قلب</span>\nإنما (أفرد) (^٣) البخاري في هذه الترجمة حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد الحديث الذي تقدم الآن، وفيه أنه ﵇ قال للرجل: \"فما معك من القرآن؟ \" قال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا لسور عدها، قال: \"أتقرأهن عن ظهر قلب؟ \" قال: نعم، قال: \"اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن\".\nوهذه الترجمة من البخاري ﵀ مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل، والله أعلم.\nولكن الذي صرح به كثيرون من العلماء أن قراءة القرآن من المصحف أفضل؛ لأنه يشتمل على التلاوة والنظر في المصحف، وهو عبادة كما صرح به غير واحد من السلف، وكرهوا أن يمضي على الرجل يوم لا ينظر في مصحفه.\nواستدلوا على أفضلية التلاوة في المصحف بما رواه الإمام (العلم) (^٤) أبو عبيد ﵀ في كتابه (فضائل القرآن) (^٥):\nحدثنا نعيم بن حماد، عن بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن (سليمان بن سليم) (^٦)، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ: \"فضل قراءة القرآن نظرًا على من يقرؤه ظهرًا كفضل الفريضة على النافلة\".\nوهذا الإسناد فيه ضعف، فإن معاوية بن يحيى هذا هو الصدفي أو الأطرابلسي وأيًا ما كان فهو ضعيف.\nوقال الثوري (^٧)، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أديموا النظر في المصحف.\nوقال حماد (^٨) بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس، عن عمر\n_________\n(^١) بياض في (أ).\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) في (أ): \"أورد\".\n(^٤) في (ل): \"العالم\".\n(^٥) (ص ٤٦) وأخرجه ابن شاهين في \"الترغيب\" (١٩٤) من طريق أبي عبيد بسنده سواء وسنده ضعيف جدًا، وليس كما قال المصنف: \"فيه ضعف\"؛ وضعفه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٧٨)؛ والزبيدي في \"إتحاف السادة\" (٤/ ٤٩٥).\n(^٦) وقع اضطراب في هذا الاسم، ففي (أ) و(ط): (سليم بن مسلم)، وفي (ج): \"سليمان بن مسلم\".\n(^٧) أخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٤٦)؛ وعبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٥٩٧٩)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣١)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٦٨٧، ٨٦٩٦) من طرق عن الثوري به وسنده حسن.\n(^٨) أخرجه أبو عبيد (ص ٤٦) قال: حدثنا حجاج، عن حماد بن سلمة بسنده سواء. وهذا سند مقارب، ورواية =","vol":"1","page":96},{"text":"أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه.\nوقال حماد (^١) أيضًا، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن مسعود أنه كان إذا اجتمع إليه إخوانه نشروا المصحف (فقرأوا) (^٢) وفسر لهم.\nإسناد صحيح.\nوقال حماد بن سلمة (^٣)، عن حجاج بن أرطاة، عن ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر، قال: إذا رجع أحدكم من سوقه فلينشر المصحف وليقرأ.\nوقال الأعمش (^٤)، عن خيثمة: دخلت على ابن عمر وهو يقرأ في المصحف فقال: هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة.\nفهذه الآثار تدل على أن هذا أمر مطلوب لئلا يعطل المصحف فلا يقرأ منه ولعله قد يقع لبعض الحفظة نسيان فيستذكر منه، أو تحريف كلمة أو آية أو تقديم أو تأخير فالاستثبات أولى والرجوع إلى المصحف أثبت من أفواه الرجال.\nفأما تلقين القرآن فمن فم الملقن أحسن؛ لأن الكتابة لا تدل على الأداء كما أن المشاهد من كثير ممن يحفظ من الكتابة فقط يكثر تصحيفه وغلطه، وإذا أدَّى الحال إلى هذا منع منه إذا وجد شيخًا يوقفه على ألفاظ القرآن. فأما عند العجز عمن يلقن فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فيجوز عند الضرورة ما لا يجوز عند الرفاهية، فإذا قرأ في المصحف والحالة هذه فلا حرج عليه، ولو فرض أنه قد يحرف بعض الكلمات عن لفظها على لغته ولفظه، فقد:\nقال الإمام أبو عبيد (^٥): حدثني هشام بن إسماعيل الدمشقي عن محمد بن شعيب، عن الأوزاعي أن رجلًا صحبهم في سفر، قال: فحدثنا حديثًا ما أعلمه إلا رفعه إلى رسول الله ﷺ قال: \"إن العبد إذا قرأ فحرف أو أخطأ، كتبه الملك كما أنزل\".\nوحدثنا حفص بن غياث، عن الشيباني عن بكر بن الأخنس قال: كان يقال إذا قرأ الأعجمي والذي لا يقيم القرآن كتبه الملك كما أنزل.\nوقال بعض العلماء: المدار في هذه المسألة على الخشوع، فإن (كان) (^٦) الخشوع أكثر عند\n_________\n= حماد بن سلمة، عن علي بن زيد متماسكة، والله أعلم.\n(^١) أخرجه أبو عبيد (ص ٤٧) أيضًا قال: حدثنا حجاج، عن حماد بسنده سواء.\n(^٢) في (أ): \"فقراء\" بالإفراد.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد (ص ٤٦) قال: حدثنا حجاج، عن حماد بن سلمة بسنده سواء وسنده ضعيف. وابن أرطاة وثوير ضعيفان وحجاج أمثلهما.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد (ص ٤٧)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣٠، ٥٣١) من طريق عن الأعمش بسنده سواء. وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه أبو عبيد (ص ٤٧) وسنده ضعيف لإعضاله.\nوعزاه السيوطي في \"الجامع\" للديلمي في \"مسند الفردوس\"، عن ابن عباس، فقال المناوي في \"فيض القدير\" (١/ ٤١٦): \"فيه هشيم بن بشير قال الذهبي: حافظ حجة مدلس، عن أبي بشر مجهول\". اهـ. كذا قال! وأبو بشر هذا هو جعفر بن إياس وهو ثقة فإن كان رواه عن مجاهد، عن ابن عباس ففي روايته عن مجاهد ضعف، وإن كان يرويه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فسنده قوي. والله أعلم.\n(^٦) ساقط من (ج).","vol":"1","page":97},{"text":"القراءة عن ظهر قلب؛ فهو أفضلُ وإن كان عند النظر في المصحف أكثر فهو أفضل. فإن استويا فالقراءة نظرًا أولى؛ لأنها أثبت، وتمتاز بالنظر إلى المصحف.\nقال الشيخ أبو زكريا النواوي ﵀ في \"التبيان\": والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل.\nتنبيه: إن كان البخاري ﵀ أراد بذكره حديث سهل الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل منها في المصحف ففيه نظر:\nلأنها (^١) قضية عين، فيحتمل أن ذلك الرجل كان لا يحسن الكتابة ويعلم ذلك رسول الله ﷺ منه، فلا يدل على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل مطلقًا في حق من يحسن ومن لا يحسن، إذ لو دل على هذا لكان ذكر حال رسول الله ﷺ وتلاوته عن ظهر قلب - لأنه أمي لا يدرك الكتابة - أولى من ذكر هذا الحديث بمفرده.\nالثاني: أن سياق الحديث إنما هو لأجل استثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب ليمكنه تعليمها لزوجته، وليس المراد ههنا أن هذا أفضل من التلاوة نظرًا ولا عدمه، والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-34>استذكار القرآن وتعاهده</span>\nحدثنا (^٢) عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت\".\nهكذا رواه مسلم والنسائي من حديث مالك به.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار كمثل رجل له إبل، فإن عقلها حفظها وإن أطلق عقالها ذهبت، فكذلك صاحب القرآن\".\nأخرجاه، قاله ابن الجوزي في \"جامع المسانيد\" وإنما هو من أفراد مسلم من حديث عبد الرزاق به.\nحدثنا (^٤) محمد بن عرعرة، حدّثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: \"بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت بل نسي، واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم\".\nتابعه (^٤) بشر هو ابن محمد السختياني، عن ابن المبارك، عن شعبة.\n_________\n(^١) يعني: أولًا؛ لأنه سيذكر وجهًا آخر بعده.\n(^٢) البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٧٩)؛ وأخرجه أيضًا مسلم (٧٨٩/ ٢٢٦، ٢٢٧)؛ ومالك (١/ ٢٠٢/ ٦)؛ والنسائي (٢/ ١٥٤)؛ وفي \"فضائل القرآن\" (٦٦، ٦٨)؛ وابن ماجه (٣٧٨٣)؛ وأحمد (٢/ ١٧، ٢٣، ٢٦، ٣٠، ٦٤، ١١٢) وغيرهم من طريق نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.\n(^٣) في \"المسند\" (٢/ ٣٥، ٣٦)؛ وأخرجه عبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٥٩٧١)؛ ومسلم؛ وابن ماجه (٣٧٨٣) عن معمر بسنده سواء.\n(^٤) البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٧٩، ٨٠)، وأخرجه مسلم (٧٩٠/ ٢٢٨ - ٢٣٠).","vol":"1","page":98},{"text":"وقد رواه الترمذي، عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به، وقال: حسن صحيح.\nوأخرجه النسائي من رواية شعبة.\nوحدثنا (^١) عثمان (حدّثنا) (^٢) جرير، عن منصور مثله.\nوتابعه (^٣) ابن جريج، عن عبدة، عن شقيق قال: سمعت عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ. وهكذا أسنده مسلم من حديث ابن جريج به.\nورواه النسائي في \"اليوم والليلة\" من حديث محمد بن جحادة، عن عبدة وهو ابن أبي لبابة به.\nوهكذا رواه مسلم، عن عثمان وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم، عن جرير به.\nوستأتي رواية البخاري له عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري، عن منصور به.\nوالنسائي من رواية ابن عيينة، عن منصور به.\nفقد رواه هؤلاء عن منصور به مرفوعًا في رواية هؤلاء كلهم.\nوقد رواه النسائي (^٤) عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله موقوفًا.\nوهذا غريب.\nوفي \"مسند أبي يعلى\" (^٥) \"فإنما هو نسي\" بالتخفيف.\nحدثنا (^٦) محمد بن العلاء، حدثنا أبو أُسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: \"تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده (لهو) (^٧) أشد تفصيًا من الإبل في عقلها\".\nوهكذا رواه مسلم، عن أبي كريب محمد بن العلاء وعبد الله بن براد الأشعري، كلاهما عن أبي أسامة حماد بن أسامة به.\nوقال الإمام أحمد (^٨): حدثنا علي بن إسحاق، أنا عبد الله بن المبارك، حدّثنا موسى بن\n_________\n(^١) البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٧٩، ٨٠)، وأخرجه مسلم (٧٩٠/ ٢٢٨ - ٢٣٠).\n(^٢) في (أ): \"ابن\"!!\n(^٣) في \"اليوم والليلة\" (٧٢٨) وقد خولف قتيبة، خالفه عفان بن مسلم فرواه عن حماد بن زيد بسنده سواء مرفوعًا بأتم منه. أخرجه أحمد (١/ ٤٦٣) ولا تعل إحدى الروايتين الأخرى لثقة الذين رووا الوجهين فكأن ابن مسعود كان يرفعه مرة، ويحكيه من قبل نفسه أخرى. والله أعلم.\n(^٤) في \"المسند\" (ج ٩/ رقم ٥١٣٦)؛ وعزاه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٨٠)؛ لابن أبي داود في \"كتاب الشريعة\" قال: \"بخط موثوق به، على كل سين علامة التخفيف.\n(^٥) ذكره البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٧٩)؛ ووصله مسلم (٧٩٠/ ٢٣٠).\n(^٦) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٩٧)؛ وأخرجه مسلم (٧٩١/ ٢٣١).\n(^٧) في (ج): \"هو\".\n(^٨) في \"مسنده\" (٤/ ١٤٦). =","vol":"1","page":99},{"text":"علي، سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله ﷺ: \"تعلموا كتاب الله وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من المخاض في العقل\".\nومضمون هذه الأحاديث الترغيب في كثرة تلاوة القرآن واستذكاره وتعاهده لئلا يعرضه حافظه للنسيان، فإن ذلك خطأ كبير نسأل الله العافية منه.\nفإنه قال الإمام أحمد (^١): حدثنا خلف بن الوليد، حدّثنا خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه من ذلك الغل إلا العدل (وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه، وهو أجذم) \" (^٢).\nوهكذا رواه جرير بن (^٣) عبد الحميد ومحمد (^٤) بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، كما رواه خالد بن عبد الله.\nوقد أخرجه أبو داود (^٥)، عن محمد بن العلاء، عن (ابن إدريس) (^٦)، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن سعد بن عبادة، عن النبي ﷺ بقصة نسيان القرآن، ولم يذكر الرجل المبهم.\nوكذا رواه أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، وقد رواه شعبة، عن زيد، فوهم (^٧) في إسناده.\nورواه وكيع، عن أصحابه، عن يزيد (عن) (^٨) عيسى بن فائد، عن النبي ﷺ، مرسلًا.\nوقد رواه الإمام (^٩) أحمد في \"مسند عبادة بن الصامت\" فقال: حدثنا عبد الصمد، حدّثنا عبد العزيز بن مسلم، حدّثنا يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت قال:\n_________\n= وأخرجه النسائي في \"الفضائل\" (٦٠)؛ والدارمي (٢/ ٣١٦)؛ وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ١٤٠)؛ وابن حبان (١٧٨٨)؛ والفريابي في \"فضائل القرآن\" (١٦٢، ١٦٣)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠٠ و١٠/ ٤٧٧)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٧/ رقم ٨٠١)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (١٨١٥) وسنده صحيح.\n(^١) في \"المسند\" (٥/ ٣٨٥)؛ وأخرجه الحربي في \"الغريب\" (٢/ ٤٢٨)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٦/ رقم ٥٣٨٩، ٥٣٩٢)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٨١٨) من طريق خالد بن عبد الله الطحان بسنده سواء وهذا سند ضعيف جدًا، ويزيد بن أبي زياد ضعيف، وعيسى بن فائد مجهول ثم جهالة شيخه أيضًا ثم الاضطراب في إسناده، وقد فصلت كل ذلك في \"التسلية\" ولكن للشطر الأول بعض الشواهد تصححه، منها حديث أبي أمامة، قواه شيخنا أبو عبد الرحمن الألباني، حفظه الله، في \"الصحيحة\" (٣٤٩) فراجعه.\n(^٢) ساقط من (أ).\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ١٠٣، ١٠٤) قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد عمن سمع سعد بن عبادة فذكره.\n(^٤) أما طريق محمد بن فضيل فأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٧٨ و١٢/ ٢١٩)؛ والبزار (ج ٢/ رقم ١٦٤٢)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٦/ رقم ٥٣٨٨، ٥٣٩١).\n(^٥) في \"سننه\" (١٤٧٤) ومن طريقه الخطيب في \"الجامع\" (١/ ١١٠).\n(^٦) في (ج): \"ابن أبي إدريس\"!!\n(^٧) راجع \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٢٧٤) للمزي.\n(^٨) في (أ): \"ابن\"!!\n(^٩) في \"مسنده\" (٥/ ٣٢٣).","vol":"1","page":100},{"text":"قال رسول الله ﷺ: \"ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه منها إلَّا عدله، وما من رجل تعلم القرآن ثم نسيه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم\".\nوكذا رواه أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد.\nففيه اختلاف لكن هذا في باب الترهيب مقبول (^١)، والله أعلم.\nلا سيما إن كان له شاهد من وجه آخر، كما:\nقال أبو عبيد (^٢): حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: حدثت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة والبعرة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أكبر من آية أو سورة من كتاب الله أوتيها رجل فنسيها\".\nقال ابن (^٣) جريج: وحدثت عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أكبر (ذنب) (^٤) توافي به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها\".\nوقد روى أبو داود والترمذي وأبو يعلى والبزار وغيرهم من حديث ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها\".\nقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به البخاري فاستغربه.\n_________\n(^١) في هذا القول نظر، فلا يثبت وعيد إلا بنص صحيح، وقد قدمنا أن إسناد الحديث ضعيف جدًا للضعف والجهالة والاضطراب، نعم قد يستفاد الوعيد من ظاهر نصوص أخرى كما يأتي.\n(^٢) في \"فضائل القرآن\" (ص ١٠٣) وسنده ضعيف معضل أو منقطع؛ ولكن أخرجه أبو داود (٤٦١)؛ والترمذي (٢٩١٦)؛ وابن خزيمة (ج ٢/ رقم ١٢٩٧)؛ وأبو يعلى (ج ٧/ رقم ٤٢٦٥)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (١٨١٤)؛ وفي \"الكبرى\" (٢/ ٤٤٠)؛ والخطيب في \"الجامع\" (١/ ١٠٩)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٣٦٤)؛ وابن الجوزي في \"الواهيات\" (١/ ١٠٩) من طريق عبد المجيد بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله عن أنس. وقال الترمذي: \"غريب\" واستغربه البخاري أيضًا وأعله بالانقطاع بين المطلب وأنس، وأعله الدارقطني بالانقطاع بين ابن جريج والمطلب. وقد اختلف فيه على عبد المجيد بن أبي رواد، وعلى ابن جريج كما ذكرته في \"التسلية\"، وأقوى الوجوه عندي ما رواه عبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٥٩٧٧) وعنه الطبراني والخطيب في \"الجامع\" (١/ ١٠٨) عن ابن جريج، عن رجل عن أنس. والحديث على أي وجه كان لا يصح والله أعلم.\n(^٣) في \"فضائل القرآن\" (ص ١٠٣) وسنده ضعيف معضل أو منقطع؛ ولكن أخرجه أبو داود (٤٦١)؛ والترمذي (٢٩١٦)؛ وابن خزيمة (ج ٢/ رقم ١٢٩٧)؛ وأبو يعلى (ج ٧/ رقم ٤٢٦٥)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (١٨١٤)، وفي \"الكبرى\" (٢/ ٤٤٠)؛ والخطيب في \"الجامع\" (١/ ١٠٩)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٣٦٤)؛ وابن الجوزي في \"الواهيات\" (١/ ١٠٩) من طريق عبد المجيد بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله عن أنس. وقال الترمذي: \"غريب\" واستغربه البخاري أيضًا وأعله بالانقطاع بين المطلب وأنس، وأعله الدارقطني بالانقطاع بين ابن جريج والمطلب. وقد اختلف فيه على عبد المجيد بن أبي رواد، وعلى ابن جريج كما ذكرته في \"التسلية\"، وأقوى الوجوه عندي ما رواه عبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٥٩٧٧) وعنه الطبراني والخطيب في \"الجامع\" (١/ ١٠٨) عن ابن جريج، عن رجل عن أنس. والحديث على أي وجه كان لا يصح والله أعلم.\n(^٤) في (أ): \"ذنوب\".","vol":"1","page":101},{"text":"وحكى البخاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أنه أنكر سماع المطلب من أنس بن مالك.\n(قلت): وقد رواه محمد بن يزيد الأدمي، عن ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ به، فالله أعلم.\nوقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه].\nوهذا الذي قاله هذا وإن لم يكن هو المراد جميعه فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير وتفريط شديد نعوذ بالله منه.\nولهذا قال ﵇: \"تعاهدوا القرآن\" وفي لفظ: \"استذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم\".\nالتفصي: التخلص، يقال: تفصى فلان من البلية إذا تخلص منها، ومنه: تفصى النوى من الثمرة إذا تخلص منها؛ أي: إن القرآن أشد تفلتًا من الصدور من النعم إذا أرسلت من غير عقال.\nوقال أبو عبيد (^١): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله - يعني: ابن مسعود - إني لأمقت القارئ أن أراه سمينًا نسيًّا للقرآن.\nوحدثنا (^٢) عبد الله بن المبارك، عن عبد العزيز بن أبي روَّاد قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: ما من أحد تعلم القرآن (ثم) (^٣) نسيه إلا بذنب يحدثه؛ لأنه الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب.\nولهذا قال إسحاق بن راهويه وغيره: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يومًا لا يقرأ فيها القرآن، كما أنه يكره له أن يقرأه في أقل من ثلاثة أيام، كما سيأتي هذا حيث يذكره البخاري بعد هذا، وكان الأليق أن يتبعه هذا الباب، ولكن ذكر بعد هذا قوله:\n\n<span data-type='title' id=toc-35>القراءة على الدابة</span>\nحدثنا (^٤) حجاج، حدّثنا شعبة، أخبرني أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح.\n_________\n(^١) في \"فضائل القرآن\" (ص ١٠٤)؛ وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٢٢٧) من طريق جرير، عن الأعمش بسنده سواء ورجاله ثقات، لكنه منقطع بين إبراهيم النخعي وابن مسعود، فلم يدركه والله أعلم.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ١٠٤) وفي \"غريب الحديث\" (١/ ١٤٥)؛ وأخرجه ابن المبارك (٨٥)؛ ووكيع (٩٥) كلاهما في \"الزهد\"؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٧٨، ٤٧٩)؛ وابن أبي حاتم في \"تفسيره\"؛ كما في \"ابن كثير\" (٧/ ١٩٦)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٨١٣) من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، سمعت الضحاك بن مزاحم … فذكره وسنده جيد.\n(^٣) في (أ): \"فنسيه\".\n(^٤) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٨٣، ٩٢)، ومسلم (٧٩٤/ ٢٣٧، ٢٣٨، ٢٣٩).","vol":"1","page":102},{"text":"وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن شعبة، عن أبي إياس وهو معاوية بن قرة به.\nوهذا أيضًا له تعلق بما تقدم من تعاهد القرآن وتلاوته سفرًا وحضرًا، ولا يكره ذلك عند أكثر العلماء إذا لم يتله القارئ في الطريق، وقد نقله ابن أبي داود، عن أبي الدرداء أنه كان يقرأ في الطريق، وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أذن في ذلك، وعن الإمام مالك أنه كره ذلك.\nكما قال ابن أبي داود: وحدثني أبو الربيع، أخبرنا ابن وهب قال: سألت مالكًا عن الرجل يصلي من آخر الليل، فيخرج إلى المسجد وقد بقي من السورة التي كان يقرأ منها شيء فقال: ما أعلم القراءة تكون في الطريق.\nوقال الشعبي: تكره قراءة القرآن في ثلاثة مواطن: في الحمام، وفي الحشوش، وفي بيت الرحى وهي تدور.\nوخالفه في القراءة في الحمام كثير من السلف أنها لا تكره، وهو مذهب مالك والشافعي وإبراهيم النخعي وغيرهم.\nوروى ابن أبي داود، عن علي بن أبي طالب أنه كره ذلك، ونقله ابن المنذر، عن أبي وائل شقيق بن سلمة والشعبي والحسن البصري ومكحول وقبيصة بن ذؤيب وهو رواية عن إبراهيم النخعي، ويحكى عن أبي حنيفة، ﵏: أن القراءة في الحمام تكره.\nوأما القراءة في الحش فكراهتها ظاهرة ولو قيل بتحريم ذلك صيانةً لشرف القرآن لكان مذهبًا. وأما القراءة في بيت الرحى وهي تدور فلئلا يعلو غير القرآن عليه، والحق يعلو ولا يعلى، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-36>(تعلم الصبيان القرآن)</span>\nحدثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم.\nقال: وقال ابن عباس: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم.\nحدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا هشيم أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمعت المحكم في عهد النبي ﷺ فقلت له: وما المحكم؟ قال: المفصل.\nانفرد بإخراجه البخاري (^١)، وفيه دلالة على جواز تعلم الصبيان القرآن؛ لأن ابن عباس أخبر عن سنه حين موت رسول الله ﷺ وقد كان جمع المفصل وهو من الحجرات، كما تقدم ذلك، وعمره إذ ذاك عشر سنين.\nوقد روى (^٢) البخاري أنه قال: توفي رسول الله ﷺ وأنا مختون، وكانوا لا يختنون حتى\n_________\n(^١) في \"الفضائل\" (٩/ ٨٣).\n(^٢) في \"كتاب الاستئذان\" (١١/ ٨٨) عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض =","vol":"1","page":103},{"text":"يحتلم، فيحتمل أنه احتلم لعشر سنين جمعًا بين هذه الرواية وتلك ويحتمل أنه تجوز في هذه الرواية بذكر العشر وترك ما زاد عليها من الكسر، والله أعلم.\nوعلى كل تقدير ففيه دلالة على جواز تعليم القرآن في الصبا، وهو ظاهر بل قد يكون مستحبًا أو واجبًا؛ لأن الصبي إذا تعلم القرآن بلغ وهو يعرف ما يصلي به، وحفظه في الصغر أولى من حفظه كبيرًا وأشد علوقًا بخاطره، وأرسخ وأثبت كما هو المعهود من حال الناس.\nوقد استحب بعض (^١) السلف أن يترك الصبي في ابتداء عمره قليلًا للعب، ثم توفر همته على القراءة لئلا يلزم أولًا بالقراءة فيملها ويعدل عنها إلى اللعب.\nوكره (^٢) بعضهم تعليمه القرآن وهو لا يعقل ما يقال له، ولكن يترك حتى إذا عقل وميز علم قليلًا قليلًا بحسب همته ونهمته وحفظه وجودة ذهنه.\nواستحب (^٣) عمر بن الخطاب ﵁ أن يلقن خمس آيات خمس آيات.\nرويناه عنه بسند جيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-37>نسيان القرآن وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا؟ وقول الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾.</span>\nحدثنا (^٤) الربيع بن يحيى، حدّثنا زائدة، حدّثنا هشام (عن) (^٥) عروة، عن عائشة قالت: لقد سمع النبي ﷺ رجلًا يقرأ في المسجد فقال: \" (يرحمه) (^٦) الله لقد أذكرني آية كذا وكذا من سورة كذا\".\nانفرد به.\nوحدثنا (^٧) محمد بن عبيد بن ميمون، حدّثنا عيسى بن يونس، عن هشام وقال: \"أسقطتهن من سورة كذا وكذا\".\nانفرد به أيضًا.\n_________\n= النبيُّ ﷺ؟ قال: \"أنا يومئذٍ مختون. . .\" إلخ.\nثم روى عن ابن عباس قال: قبض النبي ﷺ وأنا ختين.\n(^١) منهم سعيد بن جبير. وانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٨٣).\n(^٢) منهم إبراهيم النخعي، أخرجه ابن أبي داود كما في \"الفتح\".\n(^٣) أخرجه الإسماعيلي، كما في \"مسند الفاروق\" (١/ ١٧٠) للمصنف؛ والبيهقي في \"الشعب\" (١٨٠٧)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٣١٩)؛ والخطيب في \"تاريخه\" (١٣/ ٢٨٧) من طريق عليّ بن بكار، عن أبي خلدة خالد بن دينار، عن أبي العالية، عن عمر بن الخطاب قال: تعلموا القرآن خمسًا خمسًا، فإن جبريل ﵇ نزل بالقرآن على النبي ﷺ خمسًا خمسًا.\nوقد جود المصنف سنده، وفيه نظر، فقد خولف علي بن بكار. خالفه وكيع ومسلم بن إبراهيم والفضل بن دكين فرووه عن أبي خلدة عن أبي العالية قوله: أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٦١)؛ وابن أبي حاتم في \"العلل\" (ج ٢/ رقم ١٧٤٩)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (١٨٠٦) وقال: \"رواية وكيع أصح\" وكذا رجحَ أبو زرعة أنه من قول أبي العالية ليس عن عمر. والله أعلم.\nوعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٠٥) نحوه لأبي سعيد الخدري.\n(^٤) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٨٤، ٨٥).\n(^٥) في (أ): \"ابن\"!!\n(^٦) في (أ): \"رحمه\".\n(^٧) البخاري في \"كتاب الشهادة\" (٥/ ٢٦٤).","vol":"1","page":104},{"text":"تابعه علي (^١) بن مسهر (^٢) وعبدة، عن هشام وقد أسندهما البخاري في موضع آخر ومسلم معه في عبدة.\nحدثنا أحمد (١) بن أبي رجاء، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يقرأ في سورة بالليل، فقال: \"يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا (آيةً) (^٣) كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا\".\nورواه مسلم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة.\nالحديث الثاني (^٤): حدثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت كيت وكيت بل هو نسي\".\nورواه مسلم والنسائي من حديث منصور به، وقد تقدم.\nوفي \"مسند أبي يعلى\": \"فإنما هو نسي\" بالتخفيف. هذا لفظه.\nوفي هذا الحديث والذي قبله دليل على أن حصول النسيان للشخص ليس بنقص له (إذا كان) (^٥) بعد الاجتهاد والحرص.\nوفي حديث ابن مسعود أدب في التعبير عن حصول ذلك، فلا يقول: نسيت كذا، فإن النسيان ليس من فعل العبد، وقد تصدر عنه أسبابه من التناسي والتغافل والتهاون المفضي إلى ذلك، فأما النسيان نفسه فليس بفعله، ولهذا قال: بل هو نسي، مبني لما لم يسم فاعله، وأدب أيضًا في ترك إضافة ذلك إلى الله تعالى، وقد أسند النسيان إلى العبد في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وهو - والله أعلم - من باب المجاز الشائع بذكر المسبب وإرادة السبب؛ لأن النسيان إنما يكون عن سبب قد يكون ذنبًا، كما تقدم عن الضحاك بن مزاحم، فأمر الله تعالى بذكره ليذهب الشيطان عن القلب كما يذهب عند النداء بالأذان، والحسنة تذهب السيئة، فإذا زال السبب للنسيان انزاح فحصل الذكر للشيء بسبب ذكر الله تعالى، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-38>من لم ير بأسًا أن يقول: سورة البقرة وسورة كذا وكذا.</span>\nحدثنا (^٦) عمر بن حفص بن غياث، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدثني إبراهيم، عن علقمة وعبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: \"الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه\".\nوهذا الحديث قد أخرجه الجماعة من حديث عبد الرحمن بن يزيد.\n_________\n(^١) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٨٧).\n(^٢) في \"كتاب الدعوات\" (١١/ ١٣٦)؛ وأخرجه مسلم (٧٨٨/ ٢٢٤، ٢٢٥).\n(^٣) كذا في \"الأصول\" وليست هذه اللفظة في \"البخاري\" من حديث أبي أسامة عن هشام، ووقعت في رواية علي بن مسهر.\n(^٤) مرّ تخريجه في باب: \"استذكار القرآن وتعاهده\".\n(^٥) ساقط من (ج).\n(^٦) البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٨٧)؛ وأخرجه أيضًا في \"الفضائل\" (٩/ ٥٥) باب: فضل سورة البقرة من طريق شعبة، عن الأعمش به؛ وأخرجه أيضًا ومسلم (٧٠٨/ ٢٥٥).","vol":"1","page":105},{"text":"وصاحبا الصحيح (^١) والنسائي وابن ماجه من حديث علقمة، كلاهما عن أبي مسعود (عقبة) (^٢) بن عمرو الأنصاري البدري.\nالحديث الثاني: (^٣) ما رواه من حديث الزهري عن عروة، عن المسور وعبد الرحمن بن عبد القارئ، كلاهما عن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان وذكر الحديث بطوله كما تقدم وكما سيأتي.\nالحديث الثالث: ما رواه من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، سمع رسول الله ﷺ قارئًا يقرأ من الليل في المسجد فقال: (يرحمه) (^٤) الله (لقد) (^٥) أذكرني كذا وكذا آيةً، كنت أسقطتهن من سورة كذا وكذا.\nوهكذا في \"الصحيحين\" (^٦) عن ابن مسعود أنه كان يرمى الجمرة من الوادي ويقول: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة.\nوكره بعض السلف ذلك، ولم يروا أن يقال إلا السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، كما جاء وتقدم من رواية يزيد (^٧) الفارسي، عن ابن عباس، عن عثمان أنه قال: إذا نزل من القرآن شيء يقول رسول الله ﷺ: \"اجعلوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا\".\nولا شك أن هذا أحوط وأولى، ولكن قد صحت الأحاديث بالرخصة في الآخرة، وعليه عمل الناس اليوم في ترجمة السور في مصاحفهم وبالله التوفيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-39>الترتيل في القراءة</span>\nوقوله ﷿: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤].\nوقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] وما يكره أن يهذ كهذ الشعر.\n(يفرق) (^٨): يفصل، قال ابن عباس: ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ فصلناه.\nحدثنا (^٩) أبو النعمان، حدّثنا مهدي بن ميمون، حدّثنا واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: غدونا على عبد الله فقال رجل: قرأت المفصل البارحة، فقال: هذا كهذ الشعر؟ إنا قد سمعنا القراءة وإني لأحفظ القراءات اللاتي كان يقرأ بهن النبي ﷺ ثماني عشرة سورةً من المفصل، وسورتين من آل حم.\nورواه مسلم، عن شيبان بن فروخ، عن مهدي بن ميمون، عن واصل وهو ابن حيان الأحدب، عن أبي وائل، عن شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود به.\n_________\n(^١) معطوف على قوله: \"وأخرجه\".\n(^٢) في (أ): \"عتبة\" بالتاء وهو تصحيف.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) في (أ): \"رحمه\".\n(^٥) ساقط من (أ).\n(^٦) أخرجه البخاري (٣/ ٥٨٠، ٥٨١)؛ ومسلم (١٢٩٦/ ٣٠٧، ٣٠٨، ٣٠٩).\n(^٧) سبق تخريجه وذكرنا هناك أنه حديث منكر، والله أعلم.\n(^٨) في \"الصحيح\": \"فيها يفرق\".\n(^٩) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٨٨)؛ وأخرجه مسلم (٨٢٢/ ٢٧٨).","vol":"1","page":106},{"text":"وقال الإمام (^١) أحمد: حدثنا قتيبة، حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن زياد بن نعيم، عن مسلم بن مخراق، عن عائشة أنه ذكر لها أن ناسًا يقرؤون القرآن في الليل مرةً أو مرتين، فقالت: أولئك قرأوا ولم يقرأوا، كنت أقوم مع النبي ﷺ ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآيةٍ فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه.\nالحديث الثاني: حدثنا (^٢) قتيبة، حدّثنا جرير، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة] كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه.\nوذكر تمام الحديث كما سيأتي وهو متفق عليه.\nوفيه وفي الذي قبله دليل على استحباب ترتيل القراءة والترسل فيها من غير هذرمة ولا (سرعة) (^٣) مفرطة بل بتأمل وتفكر.\nقال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص].\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها\".\nوقال أبو عبيد (^٥): حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: قرأ علقمة على عبد الله فكأنه عجل، فقال عبد الله: فداك أبي وأمي، رتل فإنه زين القرآن.\n_________\n(^١) في \"مسنده\" (٦/ ٩٢، ١١٩)؛ وأخرجه ابن المبارك في \"مسنده\" (٥٧)؛ وأحمد بن منيع، كما في \"المطالب العالية\" (١/ ١٤٢)؛ وأبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٦٧)؛ وأبو يعلى (ج ٨/ رقم ٤٨٤٢)؛ وعنه أبو الشيخ في \"الأخلاق\" (٥٣٨)؛ والفريابي في \"فضائل القرآن\" (١١٦)؛ والبيهقي (٢/ ٣١٠) من طريق ابن لهيعة بسنده سواء.\nوقد رواه عن ابن لهيعة ابن المبارك من قدماء أصحابه وقد تابعه يحيى بن أيوب، عن الحارث بن يزيد بسنده سواء.\nأخرجه ابن الضريس في \"فضائل القرآن\" (٧)؛ والفريابي (١١٧)؛ والبيهقي (٢/ ٣١٠) ولكن مسلم بن مخراق ترجمه البخاري في \"الكبير\" (٤/ ١/ ٢٧١)؛ وابن أبي حاتم (٤/ ١/ ١٩٤) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ أما ابن حبان فذكره في \"الثقات\" (٥/ ٣٩٧) على قاعدته في توثيق المجاهيل!\n(^٢) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٨٨)؛ وأخرجه أيضًا في (١/ ٢٩، ٨/ ٨٦٠، ٨٦١، ٨٦٢، ١٣/ ٤٩٩)؛ وأخرجه مسلم (٤٤٨/ ١٤٧، ١٤٨)\n(^٣) في (أ): \"بسرعة\".\n(^٤) في \"مسنده\" (٢/ ١٩٢) وسنده حسن لأجل عاصم بن أبي النجود؛ وأخرجه النسائي في \"الفضائل\" (٨)؛ والترمذي (٥/ ١٧٨)؛ وابن حبان (١٧٩٠) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به؛ وأخرجه أبو داود (١٤٦٤)؛ والترمذي (٢٩١٤)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٩٨)؛ والبيهقي في \"سننه\" (٢/ ٥٣)؛ والحاكم \"١/ ٥٥٢، ٥٥٣\"؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٤٣٥) من طريق عن الثوري؛ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي! وله شواهد عن أبي سعيد وأبي هريرة.\n(^٥) في \"فضائل القرآن\" (ص ٧٤).","vol":"1","page":107},{"text":"قال: وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن.\nوحدثنا (^١) إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن (أبي جمرة) (^٢) قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول.\nوحدثنا (^٣) حجاج، عن شعبة وحماد بن سلمة، عن أبي (جمرة) (^٤)، عن ابن عباس نحو ذلك، إلا أن في حديث حماد: \"أحب إلي من أن أقرأ القرآن أجمع هذرمةً\".\nثم قال البخاري ﵀:\n\n<span data-type='title' id=toc-40>مد القراءة</span>\nحدثنا (^٥) مسلم بن إبراهيم، حدّثنا جرير بن حازم الأزدي، حدّثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك، عن قراءة النبي ﷺ فقال: كان يمد مدًا.\nوهكذا رواه أهل السنن من حديث جرير بن حازم به.\nحدثنا عمرو بن عاصم، حدّثنا همام، عن قتادة قال: سئل أنس بن مالك: كيف كان قراءة النبي ﷺ؟ فقال: كانت مدًا ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم.\nانفرد به البخاري (^٦) من هذا الوجه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٧٤)؛ وأخرجه الآجري في \"أخلاق حملة القرآن\" (٨٩)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٣٩٦)؛ وفي \"الشعب\" (١٨٨٢) من طريق الحسن بن محمد الزعفراني، قال: نا ابن علية بسنده سواء. وإسناده صحيح.\n(^٢) في (ج): \"أبي حمزة\" بالحاء المهملة والزاي، وهو يروى أيضًا عن ابن عباس ولكن الذي يروي هذا الأثر هو أبو جمرة بالجيم والراء المهملة.\n(^٣) أبو عبيد (ص ٧٤)؛ وأخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٣٩٦ و٣/ ١٣)؛ وفي \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ١٩٧١، ١٩٧٢) من طريق حماد وشعبة كلاهما عن أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، فربما قرأت القرآن في ليلة مرةً أو مرتين! فقال ابن عباس: لأن أقرأ بسورة واحدة أعجب إلي من أن أفعل مثل الذي تفعل، فإن كنت فاعلًا لا بد، فاقرأه قراءةً تسمع أذنيك ويعيه قلبك.\nلفظ حديث شعبة، وإسناده صحيح؛ وأخرج ابن المبارك في \"الزهد\" (١١٩٣)؛ وعبد الرزاق في \"المصنف\" (ج ٢/ رقم ٤١٨٧) من طريق معمر، عن أبي جمرة نحوه.\nووقع عند البيهقي في \"الكبرى\": \"أبو حمزة\"!!\n(^٤) في (ح): \"أبي حمزة\" بالحاء المهملة والزاي، وهو يروى أيضًا عن ابن عباس ولكن الذي يروي هذا الأثر هو أبو جمرة بالجيم والراء المهملة.\n(^٥) البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٩١).\n(^٦) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٩١)؛ وأخرجه ابن المظفر في \"غرائب شعبة\" (١١٣)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٤٨١)؛ وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٣٧٦)؛ وابن أبي داود، كما في \"الفتح\" (٩/ ٩١)؛ والدارقطني (١/ ٣٠٨)؛ وابن حبان (٦٣١٧) من طريق عمرو بن عاصم عن همام بن يحيى وجرير بن حازم عن قتادة، عن أنسٍ به.","vol":"1","page":108},{"text":"وفي معناه الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد (^١).\nحدثنا أحمد بن عثمان، عن عبد الله بن المبارك، عن الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ مفسرةً حرفًا حرفًا.\nوهكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل، عن يحيى بن إسحاق، وأبو داود، عن يزيد بن خالد الرملي والترمذي والنسائي، كلاهما عن قتيبة كلهم عن الليث بن سعد به.\nوقال الترمذي: \"حسن صحيح\".\nثم قال أبو عبيد (^٢): وحدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة].\nوهكذا رواه أبو داود من حديث ابن جريج.\nوقال الترمذي: \"غريب وليس إسناده بمتصل\".\nيعني أن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة لم يسمعه من أم سلمة إنما رواه عن يعلى بن مملك كما تقدم، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>الترجيع</span>\nحدثنا (^٣) آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، حدثنا أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل قال: رأيت النبي ﷺ وهو على ناقته - أو جمله - يسير به وهو يقرأ سورة الفتح - أو من سورة الفتح - قراءةً لينةً وهو يرجع.\nوقد تقدم هذا الحديث في القراءة على الدابة، وأنه من المتفق عليه، وفيه أن ذلك كان يوم الفتح.\nوأما الترجيع فهو الترديد في الصوت، كما جاء أيضًا في البخاري أنه جعل يقول: آاآ وكأن ذلك صدر من حركة الدابة تحته، فدل على جواز التلاوة عليه وإن أفضى إلى ذلك.\nولا يكون ذلك من باب الزيادة في الحروف بل ذلك مغتفر للحاجة كما يصلي على الدابة حيث توجهت به مع إمكان تأخير ذلك، والصلاة إلى القبلة، والله أعلم.\n_________\n(^١) في \"فضائل القرآن\" (ص ٧٤)؛ وأخرجه أبو داود (١٤٦٦)؛ والنسائي (٢/ ١٨١)، وفي \"فضائل القرآن\" (٨٢)؛ والترمذي (٢٩٢٣)؛ وفي الشمائل (٣٠٧)؛ والبخاري في \"خلق الأفعال\" (١٧١، ١٧٢)؛ وأحمد (٦/ ٢٩٤، ٣٠٠)؛ وابن خزيمة (ج ٢/ رقم ١١٥٨)؛ وصححه الحاكم (١/ ٣٠٩، ٣١٠) على شرط مسلم ووافقه الذهبي وليس كما قالا؛ لأن يعلى بن مملك لم يخرج له مسلم ثم فيه جهالة ولم يرو عنه إلا ابن أبي مليكة وقد اختلف في إسناده كما يأتي.\n(^٢) في \"فضائل القرآن\" (ص ٧٥)؛ وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٣/ رقم ٦٠٣)؛ وأبو عمرو الداني في \"الوقف والابتداء\" (ص ١١٠، ١١١) عن أبي عبيد به وأخرجه أبو داود (٤٠٠١)؛ والترمذي (٢٩٢٧)؛ وفي \"الشمائل\" (٣٠٩)؛ وأحمد (٦/ ٣٠٢، ٣٢٣) وغيرهم من طريق يحيى بن سعيد الأموي بسنده سواء وضعفه الترمذي بالانقطاع وأصاب في ذلك لما ذكرته في \"تسلية الكظيم\" والله أعلم.\n(^٣) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٩٢) وقد مر تخريجه.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>حسن الصوت بالقراءة</span>\nحدثنا (^١) محمد بن خلف أبو بكر، حدثنا (أبو) (^٢) يحيى الحماني، حدّثنا (بريد) (^٣) بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: \"يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود\".\nوهكذا رواه الترمذي، عن موسى بن عبد الرحمن الكندي، عن أبي يحيى الحماني واسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن، وقال: \"حسن صحيح\".\nوقد رواه مسلم من حديث طلحة (بن يحيى بن طلحة) (^٤)، عن أبي بردة، عن أبي موسى وفيه قصة.\nوقد تقدم الكلام على تحسين الصوت عند قول البخاري: من لم يتغن بالقرآن، وذكرت هناك أحكامًا أغنى عن إعادتها ههنا، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-43>من أحب أن يسمع القراءة من غيره</span>\nحدثنا (^٥) عمر بن حفص بن غياث، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال: قال لي النبي ﷺ: \"اقرأ علي القرآن\" قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: \"إني أحب أن أسمعه من غيري\".\nوقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن الأعمش، وله طرق يطول بسطها، وقد تقدم فيما رواه مسلم من حديث طلحة (بن يحيى بن طلحة) (^٦) عن أبي بردة، عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال له: \"يا أبا موسى لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة\" فقال: أما والله لو أعلم أنك تستمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرًا (^٧).\nوقال الزهري، عن أبي سلمة: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكّرنا ربنا يا أبا موسى (^٧)، فيقرأ عنده.\nوقال أبو عثمان النهدي: كان أبو موسى يصلي بنا فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنج قط ولا بربط قط ولا شيئًا قذ أحسن من صوته (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>قول المقرئ للقارئ: حسبك</span>\nحدثنا (^٨) محمد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"اقرأ علي\" فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال:\n_________\n(^١) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٩٢) وقد مر تخريجه.\n(^٢) ساقط من (أ).\n(^٣) في (أ): \"يزيد\".\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٩٣، ٩٤، ٩٨)؛ وأخرجه مسلم (٨٠٠/ ٢٤٧).\n(^٦) سقط من سياق (ج) واستدركته من الحاشية.\n(^٧) تقدم تخريج هذه الأخبار.\n(^٨) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٩٤).","vol":"1","page":110},{"text":"\"نعم\" فقرأت عليه سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء] قال: \"حسبك الآن\" فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.\nأخرجه الجماعة إلا ابن ماجه من رواية الأعمش به.\nووجه الدلالة ظاهر.\nوكذا الحديث الآخر: \"اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-45>في كم يقرأ القرآن؟ وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾</span>\nحدثنا (^٢) علي، حدثنا سفيان قال: قال لي ابن شبرمة: نظرت كم يكفي الرجل من القرآن؟ فلم أجد سورةً أقل من ثلاث آيات. فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات.\nقال سفيان (^٣): أخبرنا منصورٌ عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد أخبره علقمة، عن أبي مسعود فلقيته وهو يطوف بالبيت، فذكر النبي ﷺ أن: \"من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه\".\nوقد تقدم أن هذا الحديث متفق عليه.\nوقد جمع البخاري فيما بين عبد الرحمن بن يزيد وعلقمة، عن أبي مسعود، وهو صحيح؛ لأن عبد الرحمن سمعه أولًا من علقمة، ثم لقي أبا مسعود وهو يطوف فسمعه منه.\nوعلي هذا هو ابن المديني وشيخه: سفيان بن عيينة، وما قاله عبد الله بن (شبرمة) (^٤) فقيه الكوفة في زمانه استنباط حسن.\nوقد جاء في حديث في \"السنن\" (^٥): \"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات\" ولكن هذا الحديث أعني حديث أبي مسعود أصح وأشهر وأخص، ولكن وجه مناسبته للترجمة التي ذكرها البخاري (^٦) فيه نظر، والله أعلم.\n_________\n(^١) يأتي تخريجه.\n(^٢) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٩٤).\n(^٣) قائل ذلك هو علي ابن المديني، ووقع هذا صريحًا في سائر روايات \"الصحيح\"، إلا رواية أبي ذر، فلم يذكر علي ابن المديني، والله أعلم.\n(^٤) في (أ): \"الكوفة\"!!\n(^٥) كذا قال ابن كثير ﵀: \"السنن\" وهذا يعني الأربعة، ولم أجد الحديث فيها ولا في أحدها، إنما أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٦٨٧) من طريق عمر بن يزيد المدائني، عن عطاء، عن ابن عمر مرفوعًا: \"لا تجزئ في المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب، وثلاث آيات فصاعدًا\".\nوأخرجه ابن الجوزي في \"الواهيات\" (١/ ٤١٩) من طريق ابن عدي وقال: \"هذا حديث لا يصح، ومحمد بن معاوية قال محمد بن عبد الله الحضرمي، لا نريده كان واقفيًا. وعمر بن يزيد انفرد بما لا يرويه غيره\". اهـ والصواب إعلاله بعمر بن يزيد، فقد قال ابن عدي: \"منكر الحديث\".\nوما أورده ابن عدي في ترجمته يدل على وهائه. والله أعلم.\n(^٦) كذا قال المصنف ﵀، وتعقبه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٩٥) فقال: \"وقد خفيت مناسبة حديث أبي مسعود بالترجمة على ابن كثير، والذي يظهر أنها من جهة أن الآية المترجم بها تناسب ما استدل به ابن عيينة من =","vol":"1","page":111},{"text":"والحديث الثاني أظهر في المناسبة وهو قوله:\nحدثنا (^١) موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: أنكحني أبي امرأةً ذات حسب، فكان يتعاهد كنته فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشًا ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتيناه. فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ فقال: \"القني به\" فلقيته بعد فقال: \"كيف تصوم؟ \" قال: كل يوم. قال: \"كيف تختم؟ \". قال: كل ليلة، قال: \"صم كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر\" قال: قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: \"صم ثلاثة أيام في الجمعة\" قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: \"أفطر يومين وصم يومًا\" قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: \"صم، أفضل الصوم صوم داود: صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرةً\" فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ وذلك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرأ يعرضه بالنهار ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئًا فارق عليه النبي ﷺ.\nوقال (^٢) بعضهم: في ثلاث وفي خمس وأكثرهم على سبع.\nوقد رواه في \"الصوم\" (^٣)، والنسائي أيضًا عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن مغيرة، والنسائي من حديث حصين، كلاهما عن مجاهد به.\nثم روى البخاري (^٤) ومسلم وأبو داود من حديث يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن مولى (بني زهرة) (^٥)، عن أبي سلمة قال: وأحسبني سمعت أنا من أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ: \"اقرأ القرآن في شهر\" قلت: إني أجد قوةً، قال: \"فاقرأ في سبع، ولا تزد على ذلك\".\nفهذا السياق ظاهره يقتضي المنع من قراءة القرآن في أقل من سبع.\nوهكذا الحديث الذي رواه أبو عبيد (^٦).\nحدثنا حجاج وعمر بن طارق ويحيى بن بكير كلهم عن ابن لهيعة، عن حبان بن واسع، عن\n_________\n= حديث أبي مسعود، والجامع بينهما أن كلًا من الآية والحديث يدل على الاكتفاء بخلاف ما قال ابن شبرمة\". اهـ.\n(^١) البخاري في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٩٤، ٩٥).\n(^٢) القائل هو البخاري.\n(^٣) (٤/ ٢٢٤)؛ وأخرجه النسائي (٤/ ٢٠٩، ٢١٠)؛ وفي \" فضائل القرآن\" (٩١) وآخرون تقدم ذكرهم.\n(^٤) أخرجه البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٩٥)؛ ومسلم (١١٥٩/ ١٨٤)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٣٩٦ و٤/ ٢٩٩)؛ وفي \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٩٧٥).\n(^٥) في (أ): \"أبي هريرة\"!\n(^٦) في \"فضائل القرآن\" (ص ٨٧)؛ وأخرجه يعقوب الفسوي في \"التاريخ\" (١/ ٢٩٨)؛ وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢٠٠٨)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٨/ رقم ٨٧٧) من طرق عن ابن لهيعة، حدثني حبان بن واسع، عن أبيه، عن قيس بن أبي صعصعة فذكره.\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٦٩): \"فيه ابن لهيعة، وفيه كلام\".\nقلت: وقد اضطرب في إسناده كما يأتي إن شاء الله تعالى، وقد ذكر ابن السكن، كما في \"الإصابة\" (٥/ ٤٧٩)، أن ابن لهيعة تفرد به.","vol":"1","page":112},{"text":"أبيه، عن قيس بن صعصعة أنه قال للنبي ﷺ: يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ قال: \"في كل خمس عشرة\" قال: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: \"ففي كل جمعة\".\nوحدثنا (^١) حجاج، عن شعبة، عن محمد بن ذكوان - رجل من أهل الكوفة - قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يقول: كان عبد الله بن مسعود يقرأ القرآن في غير رمضان من الجمعة إلى الجمعة.\nوعن (^٢) حجاج، عن شعبة، عن أيوب، سمعت أبا قلابة، عن (أبي المهلب) (^٣) قال: كان أُبي بن كعب يختم القرآن في كل ثمان، وكان (^٤) تميم الداري يختمه في كل سبع.\nوحدثنا (^٥) هشيم، عن الأعمش، عن إبراهيم (^٦) [أنه كان يقرأ القرآن في كل سبع.\nحدثنا (^٧) جرير، عن منصور، عن إبراهيم)] (٦) قال: كان الأسود يختم القرآن في كل ست.\nوكان علقمة يختمه في كل خمس، فلو تركنا ومجرد هذا لكان الأمر في ذلك جليًا، ولكن دلت أحاديث أخر على جواز قراءته فيما دون ذلك، كما:\n_________\n(^١) أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٨٧) ويأتي الكلام عليه قريبًا إن شاء الله تعالى.\n(^٢) أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٨٨)؛ وأخرجه عبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٥٩٤٩)؛ وأبو القاسم البغوي في \"الجعديات\" (١٢٠٩)؛ وابن سعد (٣/ ٥٠٠)؛ والفريابي في \"فضائل القرآن\" (١٣٣، ١٣٤، ١٣٥، ١٣٦)؛ وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ١٥٦)؛ وأبو عمرو الداني في \"البيان في عد آي القرآن\" (ص ٣٢٣) من طرق عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن أُبي بن كعب فذكره. وهذا سند ظاهره الصحة، وقد صرح أبو المهلب بالسماع من أُبي بن كعب في رواية معمر بن راشد والثوري عن أيوب وكلاهما من الثقات الأثبات، ولكن قال شعبة: \"أبو المهلب لم يسمع من أُبي بن كعب\". كذا في \"المراسيل\" (ص ١٤٣)؛ لابن أبي حاتم، وزاد في \"مقدمة الجرح والتعديل\" (ص ١٢٩)، \"أبو المهلب لم يسمع من أبي حديثه أنه كان يقرأ القرآن في ثمان\" ومثل هذا النفي الخاص يقدَّم على مطلق القول بالسماع عند بعض العلماء، فلعل الثوري ومعمرًا حفظًا ما لم يحفظه شعبة، والعبرة في إثبات السماع بالأسانيد الصحيحة، إذ لعل النافي لم يطلع على مثل هذا الإسناد، أو وقع له الإسناد بواسطة بينهما، فإذا رآه مرةً بغير واسطة جزم بالانقطاع، والذي عندي أن الإسناد صحيح ما لم يقع التصحيف في الكتاب. والله أعلم. وقد خولف أيوب. خالفه خالد الحذاء فرواه عن أبي قلابة، قال: كان أُبي بن كعب يختم في كل ثمانٍ .. أخرجه أبو عبيد (ص ٨٨) وعنه أبو عمرو الداني في \"البيان\" (ص ٣٢٥) من طريق علي بن عاصم، عن خالد. وقد توبع علي بن عاصم. تابعه هشيم، عن خالد الحذاء أخرجه أبو عمرو الداني أيضًا وخالفهما وهيب فرواه عن خالد عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن أُبي بن كعب أخرجه الفريابي في \"الفضائل\" (١٣٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٩٥)؛ ومسلم (١١٥٩/ ١٨٤).\n(^٤) أخرجه أبو عبيد (ص ٨٨)؛ وأبو عمرو الداني في \"البيان\" (ص ٣٢٥)؛ والفريابي (١٣٦).\n(^٥) أخرجه أبو عبيد (ص ٨٨)، وعنه الداني (ص ٣٢٨٨) وسنده صحيح.\n(^٦) ساقط من (أ).\n(^٧) أخرجه أبو عبيد (ص ٨٨)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠١)؛ والفريابي (١٣٩)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٩٩، ١٠٣)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (٢٠٠٠)؛ وأبو عمرو الداني (ص ٣٢٦، ٣٢٧)؛ وابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٣١) من طرق عن منصور، عن إبراهيم. وسنده صحيح. وتابعه الأعمش عن إبراهيم به. أخرجه الداني (ص ٣٢٧).","vol":"1","page":113},{"text":"رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" (^١)، حدثنا حسن، حدّثنا ابن لهيعة، حدثنا حبان بن واسع، عن أبيه، عن سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال: يا رسول الله أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: \"نعم\" قال: فكان يقرؤه حتى توفي.\nوهذا إسناد جيد قوي (حسن (^٢)، فإن) حسن (ابن (^٣) موسى) الأشيب ثقة متفق على جلالته، روى له الجماعة وابن لهيعة، إنما يخشى من تدليسه أو سوء حفظه، وقد صرح ههنا بالسماع، وهو من أئمة العلماء بالديار المصرية في زمانه، وشيخه حبان بن واسع بن حبان وأبوه كلاهما من رجال مسلم، والصحابي لم يخرج له أحد من أهل الكتب الستة، وهذا على شرط كثير منهم، والله أعلم.\nوقد رواه أبو عبيد ﵀، عن ابن بكير، عن ابن لهيعة، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال: يا رسول الله أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: \"نعم إن استطعت\" قال: فكان يقرؤه كذلك حتى توفي.\nحديث آخر: قال أبو عبيد (^٤): حدثنا يزيد، عن همام، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث\".\nوهكذا أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة من حديث قتادة به.\nوقال الترمذي: \"حسن صحيح\".\nحديث آخر: قال أبو (^٥) عبيد، حدثنا يوسف بن الغرق (^٦)، عن الطيب بن سلمان قال: حدثتنا عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ لا يختم القرآن في أقل من ثلاث.\n_________\n(^١) سقط هذا الحديث من \"المسند\" المطبوع، وقد ذكره الحافظ في \"أطراف المسند\" (٢/ ٤٦٥) وكذا عزاه الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٦٨) إلى أحمد؛ وأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٢٧٤)؛ وأبو عبيد (ص ٨٨)؛ والفريابي (١٢٨) كلاهما في \"فضائل القرآن\"؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٦/ رقم ٥٤٨١)؛ والداني في \"البيان\" (ص ٣٢٦) من طريق عن ابن لهيعة بسنده سواء. وقد أجاب المؤلف ﵀ عن ابن لهيعة فقال: وابن لهيعة إنما يخشى من تدليسه أو سوء حفظه وقد صرح ها هنا بالسماع، وهو من أئمة العلماء بالديار المصرية. اهـ فلم يجب ابن كثير على اتهامه بسوء الحفظ إلا بقوله: هو من أئمة العلماء، وهذا لا يعني أنه حافظ ثبت، فكم من عالم فقيه وصالح ديِّن لم يقبل العلماء روايته لخفة ضبطه، وهذا الحديث قد اضطرب فيه ابن لهيعة في تسمية صحابي الحديث، وإن كان الأشبه أنه \"سعد بن المنذر\" لرواية ابن المبارك وهو من قدماء أصحاب ابن لهيعة. فالله أعلم.\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) في (ج): \"ابن أبي موسى\"!!\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٨٩)؛ وأخرجه أبو داود (١٣٩٠، ١٣٩٤)؛ والترمذي (٢٩٤٩)؛ والنسائي في \"الفضائل\" (٩٢)؛ وابن ماجه (١٣٤٧)؛ والدارمي (١/ ٢٨٩)؛ وأحمد (٦٥٣٥، ٦٥٤٦، ٦٧٧٥)؛ والطيالسي (٢٢٧٥)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠٠، ٥٠١)؛ وابن حبان (٧٥٨)؛ والفريابي (١٤٢ - ١٤٥)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ١٩٨١)؛ وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٢٦٥) من طرق عن قتادة بسنده سواء وقد اختلف في إسناده وهذا أرجح الوجوه والله أعلم ومن ثم صححه الترمذي.\n(^٥) في \"الفضائل\" (ص ٨٨، ٨٩). وشيخ أبي عبيد: \"يوسف بن الغرق\" كذبه أبو الفتح الأزدي، وقال أبو علي الحافظ \"منكر الحديث\" ووثقه ابن حبان، ومشاه ابن عدي (٧/ ٢٦٢٥) ولينه أبو حاتم الرازي.\n(^٦) الغرق: بالغين المعجمة والقاف بينهما راء مكسورة. وانظر: \"تبصير المنتبه\" (٣/ ١٠٤١).","vol":"1","page":114},{"text":"هذا حديث غريب جدًا وفيه ضعف، فإن الطيب بن سلمان هذا بصري ضعفه الدارقطني وليس هو بذاك المشهور، والله أعلم.\nوقد كره غير واحد من السلف قراءة القرآن في أقل من ثلاث، كما هو مذهب (أبي عبيد) (^١) وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الخلف أيضًا.\nقال أبو عبيد (^٢)، حدثنا يزيد، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أبي العالية، عن معاذ بن جبل أنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث. صحيح.\nوحدثنا (^٣) يزيد، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة قال عبد الله: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز.\nوحدثنا (^٤) حجاج، عن شعبة، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله مثله (سواء) (^٥).\nوحدثنا حجاج (^٦)، عن شعبة، عن محمد بن ذكوان، عن (عبد الرحمن بن) (^٧) عبد الله بن مسعود، عن أبيه أنه كان يقرأ القرآن في رمضان في ثلاث.\nإسناد صحيح.\n[وفي \"المسند\" (^٨) عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا: \"اقرأوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به\"] (^٩).\n_________\n(^١) في (ج): (أبو عبيد) على حكاية الحال.\n(^٢) في \"فضائل القرآن\" (ص ٨٩). وأخرجه أبو عمرو الداني في \"البيان\" (ص ٣٢٥، ٣٢٦) من طريق سفيان، عن هشام، عن أم الهذيل عن أبي العالية، عن معاذ أنه كان يقرأه في ثلاث.\nووقع في \"الكتاب\": \"أم البديل\" وهو تصحيف. وأم الهذيل هي حفصة بنت سيرين، وقد صحَّحه المؤلف ﵀، ولكن نقل ابن أبي حاتم في \"المراسيل\" (ص ٥٨) عن شعبة أنه قال: \"قد أدرك أبو العالية رفيع بن مهران علي بن أبي طالب ولم يسمع منه شيئًا\" وقد قتل أمير المؤمنين علي ﵁ في رمضان سنة أربعين، ومات معاذ بن جبل ﵁ سنة ثماني عشرة في خلافة عمر، وقد أدرك أبو العالية الجاهلية، فإدراكه لمعاذ صحيح، والله أعلم.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد (ص ٨٩).\n(^٤) يأتي تخريجه في آخر كتاب \"فضائل القرآن\".\n(^٥) ساقط من (أ).\n(^٦) أخرجه أبو عبيد (ص ٨٧)؛ وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ١٥٥)؛ والفريابي (١٣٢)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٧٠٦)؛ وابن أبي داود، وأبو عمرو الداني في \"البيان\" (ص ٣٢٥) من طرق عن شعبة، عن محمد بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه. وأخرجه البخاري في \"التاريخ\" (١/ ١/ ٧٨) من هذا الوجه بلفظ: \"كان عبد الله يختم في جمعة\".\nوقد صحح إسناده المؤلف ﵀، وقد قال الذهبي: \"محمد بن ذكوان ما روى عنه غير شعبة\" فهذا يعني أنه مجهول، وقد تبع الذهبي ابن أبي حاتم في هذا، وقد وقع لابن أبي حاتم خلط فنقل ما قيل في محمد بن ذكوان بياع الأكيسة، نقله في محمد بن ذكوان خال والد حماد بن زيد وهذا ضعيف، وذاك وثقه ابن معين وابن حبان وقال شعبة: \"كان كخير الرجال\"، فالصواب أن إسناد الحديث حسن والله أعلم.\n(^٧) ساقط من (أ).\n(^٨) أخرجه أحمد (٣/ ٤٤٤)؛ وأبو يعلى (ج ٣/ رقم ١٥١٨)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٣٨٣) من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن شبل … فذكره. وسنده صحيح وقد اختلف في إسناده وهذا أثبت الوجوه.\n(^٩) ساقط من (أ) و(ط).","vol":"1","page":115},{"text":"(١) [فقوله: \"لا تغلوا فيه\"؛ أي: لا تبالغوا في تلاوته بسرعة في أقصر مدة، فإن ذلك ينافي التدبر غالبًا، ولهذا قابله بقوله: \"ولا تجفوا عنه\"؛ أي: لا تتركوا تلاوته] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-46>فَصْلٌ</span>\nوقد ترخص جماعات من السلف في تلاوة القرآن في أقل من ذلك، منهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.\nقال أبو عبيد (^٢) ﵀: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن خصيفة، عن السائب بن يزيد أن رجلًا سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن صلاة طلحة بن عبيد الله فقال: إن شئت أخبرتك عن صلاة عثمان ﵁، فقال: نعم، قال: قلت: لأغلبن الليلة على الحجر فقمت، فلما قمت إذا أنا برجل مقنع يزحمني، فنظرت فإذا عثمان بن عفان ﵁، فتأخرت عنه فصلى، فإذا هو يسجد سجود القرآن حتى إذا قلت: هذه هوادي الفجر أوتر بركعة لم يصل غيرها.\nوهذا إسناد صحيح.\nثم قال (^٣): حدثنا هشيم، أنا منصور، عن ابن سيرين قال: قالت نائلة بنت الفرافصة الكلبية حيث دخلوا على عثمان ليقتلوه: إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحيي الليل كله بركعة يجمع فيها القرآن.\nوهذا حسن.\nوقال (^٤) أيضًا: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم بن سليمان، عن ابن سيرين أن تميمًا الداري قرأ القرآن في ركعة.\nحدثنا (^٥) حجاج، عن شعبة، عن حماد، عن سعيد بن جبير أنه قال: قرأت القرآن في ركعة في البيت؛ يعني: الكعبة.\n_________\n(^١) ساقط من (أ) و(ط).\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٩٠)؛ وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (ج ٣/ رقم ٤٦٥٣) من طريق ابن جريج بسنده سواء. وصحح المؤلف سنده وهو كما قال، ولكن ليس في هذه الرواية دلالة على أن عثمان ﵁ ختم القرآن في ركعة، بل فيها عكسه، فهي تدل بجلاء على أنه صلى أكثر من ركعة لكنه أوتر بواحد لم يصل غيرها، ولو أنه أثبت بدلها رواية ابن المنكدر عن عبد الرحمن بن عثمان لكان أولى من هذه في مقام الاحتجاج، وقد سقت لفظها مع طرق أخرى في \"تسلية الكظيم\" فللَّه الحمد.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد (ص ٩٠، ٩١)؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٧) قال: حدثنا هشيم بإسناده سواء؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٥٠٣) أيضًا؛ وابن سعد (٣/ ٧٥، ٧٦)؛ وعمر بن شبة في \"تاريخ المدينة\" (٤/ ١٢٧٢)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١/ رقم ١٣٠)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٥٧) من طرق عن ابن سيرين فذكره.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد (ص ٩١)؛ وأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٢٧٧)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠٢)، وعنه ابن حبان في \"الثقات\" (٣/ ٤٠)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٣/ ٢٥)؛ وفي \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ١٩٩٤) من طريق عاصم الأحول بسنده سواء.\n(^٥) أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٩١)؛ وأخرجه ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٢٧٦) عن وكيع؛ والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٣٤٨) من طريق أبي نعيم؛ وابن سعد (٦/ ٢٥٩)، حدثنا يزيد بن هارون جميعًا عن =","vol":"1","page":116},{"text":"وحدثنا (^١) جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ القرآن في ليلة، طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام فصلى عنده [فقرأ بالطول، ثم طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام فصلى عنده] (^٢)، فقرأ بالمئين، ثم طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام. فصلى عنده فقرأ بالمثاني، ثم طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام. فصلى عنده فقرأ بالمثاني، ثم طاف بالبيت أسبوعًا ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بقية القرآن.\nوهذه كلها أسانيد صحيحة.\nومن أغرب ما ههنا ما رواه أبو (^٣) عبيد ﵀، حدثنا سعيد بن غفير، عن بكر بن مضر أن سليم بن عتر التجيبي كان يقرأ القرآن في ليلة ثلاث مرات، ويجامع ثلاث مرات، قال: فلما مات قالت امرأته: رحمك الله إن كنت لترضى ربك وترضي أهلك، قالوا: وكيف ذلك؟ قالت: كان يقوم من الليل فيختم بالقرآن، ثم يلم بأهله، ثم يغتسل ويعود فيقرأ حتى يختم، ثم يلم بأهله، ثم يغتسل ويعود فيقرأ حتى يختم، ثم يلم بأهله، ثم يغتسل ويخرج إلى صلاة الصبح.\nقلت: كان سليم بن عتر تابعيًا جليلًا ثقةً نبيلًا وكان قاضيًا بمصر أيام معاوية وقاصها.\nقال أبو حاتم (^٤): روى عن أبي الدرداء وعنه ابن زحر.\nثم قال: حدثني محمد بن عوف، عن أبي صالح كاتب الليث، حدثني حرملة بن عمران، عن كعب بن علقمة قال: كان سليم بن عتر من خير التابعين.\nوذكره ابن يونس في \"تاريخ مصر\".\nوقال: روى ابن أبي داود، عن مجاهد أنه كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء.\nوعن منصور (^٥) قال: كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان.\nوعن إبراهيم بن سعد قال: كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن.\nقلت: وروي عن منصور (^٦) بن زاذان أنه كان يختم فيما بين الظهر والعصر، ويختم أخرى فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرونها قليلًا.\n_________\n= الثوري، عن حماد مثله؛ وأخرجه عبد الله بن أحمد في \"زواهد الزهد\" (ص ٣٠٧)؛ وعنه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٢٧٣) من طريق إسحاق مولى عبد الله بن عمر، عن هلال بن يساف قال: دخل سعيد بن جبير الكعبة فقرأ القرآن في ركعة؛ وعلق الذهبي في \"السير\" (٤/ ٣٢٥) بقوله: \"هذا خلاف السنة\".\n(^١) أخرجه أبو عبيد (ص ٩١)؛ وعنه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (ج ١١/ ق ٨٢٢)؛ وأخرجه الفريابي في \"فضائل القرآن\" (١٤٠) قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٢٠٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا جرير بسنده سواء.\n(^٢) ساقط من (أ)، وليس هو في \"كتاب أبي عبيد\" أيضًا، فالله أعلم.\n(^٣) في \"الفضائل\" (ص ٩١) وهو غريب جدًا، لا أصدقه فإنه لا يكاد المرء يفعل ذلك ولو قرأ القرآن هذًّا هذًّا. نعم! ذكر الذهبي في \"السير\" (٤/ ١٣٢) عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد أن سليم بن عتر كان يقرأ القرآن كله كل ليلة ثلاث مرات وسنده ضعيف.\n(^٤) في \"الجراح والتعديل\" (٢/ ١/ ٢١١، ٢١٢).\n(^٥) أخرجه ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ١٦٤، ١٦٥) من طريق ابن أبي شيبة، ثنا عبيدة بن حميد، عن منصور به وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه بحشل في \"تاريخ واسط\" (ص ٨١)؛ وابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٤٧٤)؛ والبيهقي في \"الشعب\" =","vol":"1","page":117},{"text":"وعن الإمام الشافعي ﵀ أنه كان يختم في اليوم والليلة من شهر رمضان ختمتين وفي غيره ختمة.\nوعن أبي عبد الله البخاري صاحب \"الصحيح\" أنه كان يختم في الليلة ويومها من رمضان ختمةً.\nومن غريب هذا وبديعه ما ذكره الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي قال: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول: كان ابن الكاتب يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات.\nوهذا نادر جدًا، فهذا وأمثاله من الصحيح عن السلف محمول إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم، أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرؤونه (مع) (^١) هذه السرعة، والله ﷾ أعلم.\nقال الشيخ أبو زكريا النواوي في كتابه \"التبيان\" (^٢) بعد ذكر طرف مما تقدم: والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له كمال فهم ما يقرؤه وكذا من كان مشغولًا بنشر العلم وغيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة.\nثم قال البخاري (^٣) ﵀:\n\n<span data-type='title' id=toc-47>البكاء عند قراءة القرآن</span>\nوأورد فيه من رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقرأ علي\" قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: \"إني أشتهي أن أسمعه من غيري\" قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ قال لي: \"كف أو أمسك\" (فرأيت) (^٤) عينيه تذرفان.\nوهذا من المتفق عليه كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-48>من (^٥) راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فخر به</span>\nحدثنا (^٦) محمد بن كثير، أنا سفيان، حدّثنا الأعمش، عن خيثمة، عن سويد بن غفلة، عن علي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان\n_________\n= (ج ٥/ رقم ١٩٩٩)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٥٧، ٥٨) من طريق هشام بن حسان ويزيد بن هارون عن منصور.\n(^١) في (ج): \"في\".\n(^٢) (ص ٧٦).\n(^٣) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٨٩) وتقدم تخريجه.\n(^٤) في (أ): \"فإذا\".\n(^٥) الذي في \"البخاري\": \"باب إثم من راءى. . . إلخ\".\n(^٦) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٩٩)؛ وأخرجه البخاري أيضًا في \"المناقب\" (٦/ ٦١٨)، وفي \"استتابة المرتدين\" (٢/ ٢٨٣)؛ ومسلم (١٠٦٦).","vol":"1","page":118},{"text":"سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة\".\nوقد روى في موضعين آخرين، ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن الأعمش به.\nحدثنا (^١) عبد الله بن يوسف، حدّثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئًا، وينظر في القدح فلا يرى شيئًا، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق\".\nورواه في موضع آخر ومسلم أيضًا والنسائي من طرق عن الزهري، عن أبي سلمة به.\nوابن ماجه من رواية محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة به.\nحدثنا (^٢) مسدد بن مسرهد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي موسى ﵄، عن النبي ﷺ قال: \"المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به، كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر - أو خبيث - وريحها مر\".\nورواه في \"مواضع أخر\" مع بقية الجماعة من طرق عن قتادة به.\nومضمون هذه الأحاديث التحذير من المراءاة بتلاوة القرآن التي هي من أعظم القرب، كما جاء في الحديث (^٣):\n\"واعلم أنك لن تتقرب إلى الله بأعظم مما خرج منه\" يعني القرآن. والمذكورون في حديث علي وأبي سعيد هم الخوارج وهم الذين لا يجاوز إيمانهم حناجرهم.\nوقد قال في الرواية الأخرى: \"يحقر أحدكم قراءته مع قراءتهم، وصلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم\".\nومع هذا أمر بقتلهم؛ لأنهم مراءون في أعمالهم في نفس الأمر وإن كان بعضهم قد لا يقصد ذلك إلا أنهم أسسوا أعمالهم على اعتقاد غير صالح، فكانوا في ذلك كالمذمومين في قوله:\n_________\n(^١) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ٩٩).\n(^٢) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ١٠٠)؛ وأخرجه مسلم (٧٩٧/ ٢٤٣).\n(^٣) أخرجه البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ١٠٠)، وأخرجه مسلم (٧٩٧/ ٢٤٣)، وأبو داود (٤٨٣٠)، والنسائيُّ في \"فضائل القرآن\" (١٠٦) وابن ماجه (٢١٤)، وأحمد (٤/ ٤٠٨)، والفريابي في \"صفة المنافق\" (٤٠)، والشجري في \"الأمالي\" (١/ ٨٣) من طرقٍ عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى به، ورواه همام بن يحيى، وأبو عوانة، وأبان بن يزيد العطار، وسعيد بن أبي عروبة ومعمر بن راشد وأبو هلال الراسبي جميعًا عن قتادة. وقد ذكرت أحاديثهم في \"التسلية\".","vol":"1","page":119},{"text":"﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)﴾ [التوبة].\nوقد اختلف العلماء في تكفير الخوارج وتفسيقهم ورد رواياتهم، كما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله (تعالى) (^١) (^٢).\nوالمنافق المشبه بالريحانة (التي) (^٣) لها ريح ظاهر وطعمها مر: هو المرائي بتلاوته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء].\nثم قال البخاري:\n\n<span data-type='title' id=toc-49>اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم</span>\nحدثنا (^٤) أبو النعمان (محمد بن الفضل عارم) (^٥)، حدّثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن جندب بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه\".\nحدثنا عمرو بن علي (بن بحر الفلاس) (^٦)، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سلام بن أبي مطيع، عن أبي عمران الجوني، عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا\" (^٧) [عنه].\nتابعه الحارث بن عبيد وسعيد بن زيد، عن أبي عمران ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان.\nوقال غندر، عن شعبة، عن أبي عمران قال: سمعت جندبًا قوله.\nوقال ابن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قوله، وجندب أكثر وأصح.\nوقد رواه في مواضع أخر ومسلم، كلاهما عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد، عن همام، عن أبي عمران به.\n_________\n(^١) من (أ) و(ط).\n(^٢) هذا حديث ضعيفُ الإسناد أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٨)، والترمذيُّ (٢٩١١)، وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ٤١، ٤٢، ١٢٢)، وفي \"تعظيم قدر الصلاة\" (١٧٨)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٨ - الرد على الجهمية)، والخطيبُ (٧/ ٨٨، ١٢/ ٢٢٠) من حديث أبي أمامة واستغربه الترمذي وقد اختلف في سنده فمرة عن أبي أمامة، ومرة عن جبير بن نوفل، ومرة عن أبي ذر ومرة عن عقبة بن عامرة، ومرة عن جبير بن نفير مرسلًا، فهو حديث مضطربٌ لا يصح كما قال الإمام البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (٥٠٩)، والله أعلم.\n(^٣) في (جـ): \"إلى\".\n(^٤) البخاري في \"الفضائل\" (٩/ ١٠١)؛ ومن طريقه أبو بكر الكلاباذي في \"معاني الأخبار\" (٢٢٣/ ١)؛ وأخرجه أيضًا في \"الاعتصام\" (١٣/ ٣٣٥، ٣٣٦)؛ ومسلم (٢٦٦٧/ ٤).\nوقد اختلف في هذا الحديث وقفًا ورفعًا، واختلف أيضًا في صاحبي الحديث والصواب ما رجحه الإمام البخاري ﵀ أنه عن جندب بن عبد الله مرفوعًا، وقد أشبعت المقام تحريرًا في \"تسلية الكظيم\" فللَّه الحمد.\n(^٥) كذا وقع في \"الأصول\": الاسم واللقب، والذي في \"الصحيح\" الكنية حسب، فهي زيادة من المصنف، وكذا الترضي على الصحابي ليس في \"الصحيح\".\n(^٦) ليس في \"الصحيح\".\n(^٧) في \"الصحيح\": \"فقوموا عنه\".","vol":"1","page":120},{"text":"ومسلم أيضًا عن يحيى بن يحيى، عن الحارث بن عبيد أبي قدامة، عن أبي عمران (به) (^١).\nورواه مسلم أيضًا عن أحمد بن سعيد بن حبان بن هلال، عن أبان العطار، عن أبي عمران به مرفوعًا.\nوقد حكى البخاري أن أبان وحماد بن سلمة لم يرفعاه، فالله أعلم.\nورواه النسائي والطبراني من حديث مسلم بن إبراهيم، عن هارون بن موسى الأعور النحوي، عن أبي عمران به.\nورواه النسائي أيضًا من طرق عن سفيان، عن الحجاج بن قرافصة، عن أبي عمران به مرفوعًا.\nوفي رواية: عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، عن سفيان، عن حجاج، عن أبي عمران، عن جندب موقوفًا.\nورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن إسحاق بن الأزرق، عن عبد الله بن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قوله.\nقال أبو بكر بن أبي داود: لم يخطئ ابن عون في حديث قط إلا في هذا، والصواب عن جندب.\n[(ورواه الطبراني عن علي بن عبد العزيز، عن مسلم بن إبراهيم وسعيد بن منصور قالا: حدّثنا الحارث بن عبيد، عن أبي عمران، عن جندب مرفوعًا)] (^٢).\nفهذا ما تيسر من ذكر طرق هذا الحديث على سبيل الاختصار.\nوالصحيح منها ما أرشد إليه شيخ هذه الصناعة أبو عبد الله البخاري من الأكثر والأصح أنه (عن) (^٣) جندب بن عبد الله مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ.\nومعنى الحديث أنه ﵇ أرشد (وحض) (^٣) أمته على تلاوة القرآن إذا كانت القلوب مجتمعةً على تلاوته (متفكرةً) (^٤) متدبرةً له لا في حال شغلها وملالها، فإنه لا يحصل المقصود من التلاوة بذلك.\nكما ثبت في الحديث (^٥) أنه قال ﵇: \"اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا\".\nوقال (^٦): \"أحب الأعمال إلى الله ما دام عليه صاحبه\".\nوفى اللفظ الآخر: \"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل\".\nثم قال البخاري (^٧): حدثنا سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن\n_________\n(^١) ساقط من (أ) و(ط).\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) في (ج) و(ط): \"وحظ\".\n(^٤) في (ج): \"مفكرة\".\n(^٥) أخرجه البخاري (١/ ١٠١، ٣/ ٣٦)؛ ومسلم (٧٨٥/ ٢٢١).\n(^٦) أخرجه الشيخان وغيرهما، وفصلت تخريجه في \"التسلية\".\n(^٧) في \"الفضائل\" (٩/ ١٠١). وأخرجه أيضًا في \"الخصومات\" (٥/ ٧٠)، وفي \"أحاديث الأنبياء\" (٦/ ٥١٣، ٥١٤).","vol":"1","page":121},{"text":"النزال بن سبرة، عن عبد الله - هو ابن مسعود - أنه سمع رجلًا يقرأ آيةً (سمع) (^١) النبي ﷺ (قرأ) (^٢) خلافها، فأخذت بيده فانطلقت إلى النبي ﷺ فقال: \"كلاكما محسن فاقرآ - أكبر علمي قال - فإن من قبلكم اختلفوا فيه فأهلكهم (الله ﷿) (^٣).\nوأخرجه النسائي من رواية شعبة به.\nوهذا في معنى الحديث الذي تقدمه، وأنه ينهى عن الاختلاف في القراءة والمنازعة في ذلك والمراء فيه، كما تقدم في النهي عن ذلك، والله أعلم.\nوقريب من هذا ما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في \"مسند أبيه\" (^٤)، حدثنا أبو محمد سعيد بن محمد الجرمي، حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن الأعمش، عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود: تمارينا في سورة من القرآن فقلنا: خمس وثلاثون آية، ست وثلاثون آية، قال: فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فوجدنا عليًا يناجيه، فقلنا له: اختلفنا في القراءة فاحمر وجه رسول الله ﷺ فقال عليّ: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرءوا كما علمتم.\nوهذا آخر ما أورده البخاري ﵀ في \"كتاب فضائل القرآن\"، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-50>كتاب الجامع لأحاديث شتى تتعلق بتلاوة القرآن وفضائله وفضل أهله</span>\n<span data-type='title' id=toc-51>فَصْلٌ</span>\nقال (^٥) أحمد: حدثنا معاوية بن هشام، حدّثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال نبي الله ﷺ: \"يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: (اقرأ) (^٦) واصعد، فيقرأ ويصعد بكل آية درجةً حتى يقرأ آخر شيء معه\".\n_________\n(^١) في (أ): \"سمع من النبي ﷺ خلافها\".\n(^٢) ساقط من \"الأصول\" واستدركته من \"الصحيح\".\n(^٣) هذا مما زاده المصنف ﵀ على ما في \"الصحيح\".\n(^٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (١/ ١٠٥، ١٠٦).\nوكان الأولى أن يعزوه لأحمد فقد أخرجه في \"المسند\" (٣٩٩٢، ٣٩٩٣) من طريق حماد بن سلمة وأبي بكر بن عياش معًا عن عاصم بسنده سواء.\nوأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١/ ١٢)؛ وأبو يعلى (ج ٨/ رقم ٥٠٥٧)؛ وابن حبان (١٧٨٣)؛ وأبو عبيد (ص ٢١١)؛ والحاكم (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤) وصححه؛ والخطيب في \"المبهمات\" (ص ٢٠٢، ٢٠٣) من طرق عن عاصم. وسنده حسن.\n(^٥) في \"مسنده\" (٣/ ٤٠)؛ وأخرجه ابن ماجه (٣٧٨٠)؛ وأبو يعلى (ج ٢/ رقم ١٠٩٤، ١٣٣٨)؛ وأبو نعيم الأصبهاني في \"مسانيد فراس بن يحيى\" (ص ١١٧، ١١٨) من طرق عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي، عن فراس بن يحيى، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا؛ وضعف إسناده البوصيري في \"الزوائد\" (١٨٧/ ٣) لضعف العوفي، لكن له شواهد عن عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وبريدة بن الحصيب يصح بها الحديث، ومن ثم صححه الترمذي والحاكم.\n(^٦) في (أ): \"ارق\" وهو مخالف لما في \"المسند\".","vol":"1","page":122},{"text":"وقال (^١) أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثني بشير بن أبي عمرو الخولاني أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يكون خلف من بعد الستين سنةً، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق، وفاجر\" قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به.\nوقال (^٢) أحمد: حدّثنا حجاج، حدّثنا ليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي الخطاب، عن أبي سعيد أنه قال: إن رسول الله عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة، فقال: \"ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؟ إن (من) (^٣) خير الناس رجلًا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلًا فاجرًا (جريئًا) (^٤) يقرأ كتاب الله ولا يرعوى إلى شيء منه\".\nوقال الحافظ أبو بكر (^٥) البزار: حدثنا محمد بن عمر بن هياج الكوفي، حدّثنا الحسين بن (عبد الأول) (^٦)، حدّثنا محمد بن الحسن الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٣/ ٣٨، ٣٩)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\"؛ كما في \"ابن كثير\" (٥/ ٢٣٩)؛ والبخاري في \"خلق الأفعال\" (٦١٠)؛ والحاكم (٢/ ٣٧٤ و٤/ ٥٤٧)؛ وعنه البيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ٤٦٥)؛ وفي \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٣٨٥)؛ وابن حبان (٧٥٥) من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا حيوة بن شريح بإسناده سواء.\nقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح رواته حجازيون وشاميون أثبات\" وصححه في الموضع الثاني ووافقه الذهبي في الموضعين، والوليد بن قيس التجيبي روى عنه جماعة ووثقه ابن حبان، فحديثه محتمل وله ما يعضده. فاخرج أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ١٠٦)؛ وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ١٢٨)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٤٣٩) من طرق عن ابن لهيعة، عن موسى ابن وردان، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: \"تعلموا القرآن، واسألوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله ﷿\" وهذا سند فيه ضعف، لكنه يتقوى بالطريق الماضي.\n(^٢) في \"مسنده\" (٣/ ٣٧، ٤١، ٤٢، ٥٧، ٥٨)؛ وأخرجه النسائي (٦/ ١١، ١٢)؛ وابن أبي شيبة (٥/ ٣٤٠، ٣٤١)؛ والحاكم (٢/ ٦٧)؛ والبيهقي (٩/ ١٦٠)؛ وابن عساكر في \"الأربعون في الجهاد\" (٨٣) من طرق عن الليث بن سعد به وسنده ضعيف؛ لجهالة أبي الخطاب راويه عن أبي سعيد، فقد صرح بجهالته ابن المديني والنسائي والذهبي.\n(^٣) ساقط من (أ).\n(^٤) ساقط من (أ).\n(^٥) وأخرجه الترمذي (٢٩٢٦)؛ والدارمي (٢/ ٣١٧)؛ وعبد الله بن أحمد في \"السنة\" (١٢٨)؛ وأبو سعيد الدارمي في \"الرد على الجهمية\" (٢٨٥، ٣٣٩)؛ وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ١٢٢)؛ والحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" (ج ٣/ ق ١٠٣/ ٢)؛ وابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٢٧٢) وآخرون من طرق عن محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد وهذا سند ضعيف جدًا، ومحمد بن الحسن متروك وقال أبو حاتم كما في \"العلل\" (١٧٣٨): \"منكر\" ولكنه توبع وانحصرت علة هذا الإسناد في عطية العوفي، وللحديث شواهد من حديث عمر بن الخطاب وحذيفة بن اليمان وجابر بن عبد الله وحكيم بن حزام ومن مرسل عمرو بن مرة ومالك بن الحارث. والحديث حسن بجملة هذه الشواهد كما حققته في \"التسلية\" والله أعلم.\n(^٦) في \"الأصول\": \"عبد الأعلى\" وهو خطأ.","vol":"1","page":123},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى: من شغله قراءة القرآن عن دعائي أعطيته أفضل ثواب السائلين\" وقال رسول الله ﷺ: \"إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه\".\nثم قال: تفرد به محمد بن الحسن ولم يتابع عليه.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثني عبد الرحمن بن بديل بن ميسرة، حدثني أبي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لله أهلين من الناس\" قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: \"أهل القرآن هم أهل الله وخاصته\".\nوقال أبو القاسم (^٢) الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدّثنا خالد بن خداش، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت (أن) (^٣) أنس بن مالك ﵁ كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده فدعا لهم.\nوقال الحافظ (^٤) أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثنا محمد بن عباد\n_________\n(^١) في \"مسنده\" (٣/ ١٢٧، ١٢٨).\nوأخرجه أيضًا (٣/ ١٢٧، ٢٤٢) قال: حدثنا عبد الصمد ومؤمل قالا: ثنا عبد الرحمن بن بديل بسنده سواء؛ وأخرجه النسائي في \"فضائل القرآن\" (٥٦)؛ وابن ماجه (٢١٥)؛ وأبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٣٨)؛ والطيالسي (٢١٢٤)؛ وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ١٢١)؛ والآجري في \"أخلاق حملة القرآن\" (٧)؛ والحاكم (١/ ٥٥٦) من طرق عن عبد الرحمن بن بديل بسنده سواء.\nوصحح إسناده الدمياطي في \"المتجر الرابح\" (١١٨٣)؛ والمنذري في \"الترغيب\" (٢/ ٣٥٤)، وكذلك البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٩١/ ١)؛ وحسنه العراقي في \"تخريج الأحياء\" (١/ ٢٨٠)؛ وجوده شيخنا الألباني في \"الضعيفة\" (٤/ ٨٥)؛ وقال الذهبي في \"الميزان\" (٣/ ٦٢٦): \"إسناده صالح\"؛ ووافقه الحافظ في \"اللسان\" (٥/ ٢٥٤). وقال الحاكم بعد تخريجه للحديث: \"قد روي هذا الحديث من ثلاثة أوجه عن أنس هذا أمثلها\". وله شاهد من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا مثله. أخرجه الحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" (ق ٩١/ ١ - زوائده) بسند ضعيف جدًا.\n(^٢) في \"المعجم الكبير\" (ج ١/ رقم ٦٧٤). وقال الهيثمي في (المجمع) (٧/ ١٧٢): \"رجاله ثقات\" وأخرجه الدارمي (٢/ ٣٣٦) قال: حدثنا عفان. والفريابي في \"الفضائل\" (٨٣) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قالا: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس. وسنده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أبو عبيد (ص ٤٨)؛ والفريابي (٨٤) من طريق ابن المبارك، أخبرنا همام، عن ثابت، عن أنس مثله. وأخرجه ابن الضريس (٨٤)؛ والفريابي (٨٥، ٨٦) من طريق وكيع بن الجراح، عن مسعر، عن قتادة، عن أنس مثله وهذه أسانيد صحيحة.\n(^٣) في (أ) و(ط): \"عن\".\n(^٤) في \"المعجم الكبير\" (ج ١/ رقم ٧٣٨)؛ وأخرجه ابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ١٢٤)؛ وأبو يعلى (ج ٥/ رقم ٢٧٧٣)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٣٧٦)؛ والشجري في \"الأمالي\" (١/ ٨٢) من طرق عن شريك النخعي، عن الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن أنس؛ وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٣٤٩) لأبي نعيم في \"فضل العلم\" وفي \"رياض المتعلمين\".\nوهذا سند ضعيف جدًا، ويزيد الرقاشي متروك، وشريك سيء الحفظ وقد خولف فنقل القضاعي في \"مسند الشهاب\" (٢٧٦) عن الدارقطني أنه قال: \"ورواه أبو معاوية عن الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن الحسن مرسلًا وهو أشبههما بالصواب\". اهـ. ثم وقفت على هذه المخالفة، فرواها سعيد بن منصور في \"تفسيره\" رقم (٥) قال: نا أبو معاوية بسنده سواء وهذا الوجه مع إرساله فهو ضعيف جدًا لأجل الرقاشي، فالحديث لا يصح بوجه. والله أعلم.","vol":"1","page":124},{"text":"المكي، حدّثنا حاتم بن إسماعيل، عن شريك، عن الأعمش، عن يزيد بن أبان، عن الحسن، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"القرآن غنى لا فقر بعده ولا غنى دونه\".\nوقال الحافظ أبو بكر (^١) البزار: حدثنا سلمة بن شبيب، حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا عبد الله بن المحرر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لكل شيء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن\".\nابن المحرر ضعيف.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسن، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثنا بكر بن سوادة، عن وفاء الخولاني، عن أنس بن مالك قال: بينما نحن (نقرأ) (^٣) فينا العربي والعجمي والأسود والأبيض إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: \"أنتم في خير تقرءون كتاب الله وفيكم رسول الله، وسيأتي على الناس زمان يثقفونه كما يثقف القدح يتعجلون أجورهم ولا يتأجلونها\".\nوقال الحافظ أبو بكر (^٤) البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدّثنا عبد الله بن الجهم، حدّثنا عمرو بن أبي قيس، عن عبد ربه بن عبد الله، عن عمر بن نبهان، عن الحسن، عن أنس أن النبي ﷺ قال: \"إن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يكثر خيره، والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يقل خيره\".\n_________\n(^١) في \"مسنده\" (٢٣٣٠ - كشف الأستار).\nوأخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٤٨٤)؛ وابن عدي (٤/ ١٤٥٢)؛ والقشيري في \"الرسالة\" (٢/ ٦٤٠) من طريق عبد الله بن محرر، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا.\nقال البزار: \"تفرد به عبد الله بن المحرر وهو ضعيف الحديث\". وبه أعله الهيثمي (٧/ ١٧١)؛ وأخرجه الطيوري في \"الطيوريات\" (ج ٥/ ق ٨١/ ٢)؛ والخطيب (٧/ ٢٦٨) من طريق الفضل بن حرب، عن عبد الرحمن بن بديل عن أبيه عن أنس مرفوعًا مثله. والفضل مجهول بالنقل كما قال العقيلي وقد خالفه عبد الرحمن بن مهدي وعبد الصمد بن عبد الوارث وجماعة في لفظه، وروايتهم هي الراجحة على نحو ما فصلته في \"التسلية\" وله شاهد من حديث ابن عباس وسنده واهٍ.\n(^٢) في \"مسنده\" (٣/ ١٤٦) قال: حدثنا حسن، ثنا ابن لهيعة به.\nوأخرجه أيضًا (٣/ ١٥٥) قال: حدثنا يحيى بن إسحاق أنا ابن لهيعة به؛ وقد اضطرب فيه ابن لهيعة فأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٣٣٨) قال: حدثنا حسن ثنا ابن لهيعة، ثنا بكر بن سوادة، عن وفاء بن شريح، عن سهل بن سعد فذكره مرفوعًا فجعله من \"مسند سهل\" وهذا هو الصواب فقد رواه عمرو بن الحارث عن بكر بن سوادة عن وفاء بن شريح عن سهل بن سعد مثله.\nأخرجه أبو داود (٨٣١)؛ وعنه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٤٠٤)؛ وابن حبان في \"صحيحه\" (١٧٨٧)؛ وفي \"الثقات\" (٥/ ٤٩٨)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٦/ رقم ٦٠٢٤) من طرق عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث به؛ وأخرجه ابن حبان (١٧٨٦) أيضًا من طريق حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث وآخر معه، عن بكر بن سوادة مثله. وهذا \"الآخر\" هو ابن لهيعة. وله شاهد من حديث جابر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والعجمي فقال: \"اقرأوا فكل حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه\". أخرجه أبو داود (٨٣٠)؛ وأحمد (٣/ ٣٩٧)؛ وابن بشران في \"الأمالي\" (ج ٤/ ق ٣٨/ ٢)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٣٩٩)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٨٨) من طرق عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن حميد الأعرج، عن ابن المنكدر، عن جابر.\n(^٣) في (أ): \"نفر\"!\n(^٤) في \"مسنده\" (ج ٣/ رقم ٢٣٢١ - كشف) وقال: \"لم يروه إلا أنس\" وأعله الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٧١) بعمر بن نبهان فقد ضعفه أبو حاتم والبخاري وغيرهما.","vol":"1","page":125},{"text":"وقال الحافظ أبو يعلى (^١): حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا أبو عبيدة، (عن محتسب) (^٢)، حدثني يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قعد أبو موسى في بيت واجتمع إليه ناس، فأنشأ يقرأ عليهم القرآن قال: فأتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله ألا أعجبك من أبي موسى أنه قعد في بيت فاجتمع إليه ناس، فأنشأ يقرأ عليهم القرآن قال: فقال رسول الله ﷺ: \"أتستطيع أن تقعدني حيث لا يراني منهم أحد؟ \" قال: نعم، قال: فخرج رسول الله ﷺ فأقعده الرجل حيث لا يراه منهم أحد، فسمع قراءة أبي موسى فقال: \"إنه ليقرأ على مزمار من مزامير داود ﵇\".\nهذا حديث غريب، ويزيد الرقاشي ضعيف.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا مصعب بن سلام، حدّثنا جعفر هو ابن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: \"أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة\" ثم يرفع صوته وتحمر وجنتاه ويشتد غضبه إذا ذكر الساعة [كأنه منذر جيش، قال: ثم يقول: \"أتتكم الساعة، بعثت أنا والساعة هكذا] (^٤) - وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى - صبحتكم الساعة ومستكم، من ترك مالًا فلأهله ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليّ وعلي\".\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عبد الوهاب - يعني ابن عطاء - أنا أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، فإذا قوم يقرءون القرآن قال: \"اقرءوا القرآن وابتغوا به الله ﷿ من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه\".\nوقال أحمد أيضًا (^٦): حدثنا خلف بن الوليد، حدّثنا خالد، عن حميد الأعرج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا العجمي والأعرابي قال: فاستمع، قال: فقال: \"اقرءوا فكل حسن، وسيأتي قوم يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه\".\n_________\n(^١) في \"مسنده\" (ج ٧/ رقم ٤٠٩٦)؛ وحسنه الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٣٦٠) ووهم في ذلك بل السند واهٍ ويزيد الرقاشي متروك ومحتسب ضعيف الحفظ أيضًا أما آخر الحديث فقد ثبت في \"الصحيحين\" وغيرهما كما تقدم تخريجه والحمد لله رب العالمين.\n(^٢) ساقط من (أ).\n(^٣) في \"مسنده\" (٣/ ٣١٠، ٣١١)؛ وأخرجه مسلم (٨٦٧)؛ والنسائي (٣/ ١٨٨، ١٨٩).\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) في \"مسنده\" (٣/ ٣٥٧)؛ وأخرجه أبو يعلى (ج ٤/ رقم ٢١٩٧)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٤٠٠، ٢٤٠١) من طريق آخرين عن أسامة بن زيد به، وأسامة في حفظه ضعف لكنه متابع من حميد بن قيس الأعرج كما مرّ ذكره. والله أعلم.\n(^٦) في \"مسنده\" (٣/ ٣٩٧)؛ وأخرجه أبو داود (٨٣٠)؛ وابن بشران في \"الأمالي\" (ج ٤/ ف ٣٨/ ٢)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٣٩٩)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٨٨) من طرق عن خالد بن عبد الله الواسطي بسنده سواء. وقد خولف حميد الأعرج كما مر ذكره.","vol":"1","page":126},{"text":"وقال أبو بكر (^١) البزار: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدّثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن المعلى الكندي، عن عبد الله بن مسعود قال: إن هذا القرآن شافع مشفع، من اتبعه قاده إلى الجنة، ومن تركه أو أعرض عنه - أو كلمة نحوها - زخَّ في قفاه إلى النار.\nوحدثنا (^٢) أبو كريب، حدّثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن عبد الله، عن النبي ﷺ بنحوه.\nوقال الحافظ أبو يعلى (^٣): حدّثنا أحمد بن عبد العزيز بن مروان أبو صخر، حدثني (بكر) (^٤) بن يونس، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن يحيى بن (أبي) (^٥) كثير اليمامي، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ ألف آية كتب (الله) (^٦) له قنطارًا، والقنطار مائة رطل، والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية ستة دنانير، والدينار أربعة وعشرون قيراطًا، والقيراط مثل أحد، ومن قرأ ثلاثمائة قال الله لملائكته: نصب عبدي (لي) (^٧) أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت له، ومن بلغه عن الله فضيلة فعمل بها إيمانًا (به) (^٨) ورجاء ثوابه أعطاه الله ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك، وإن لم يكن ذلك كذلك\".\n_________\n(^١) في \"مسنده\" (ج ١/ رقم ١٢١) ورجاله ثقات إلى المعلى الكندي فلم يوثقه إلا ابن حبان وله طريق آخر؛ أخرجه الدارمي (٢/ ٣١١)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٩٧) من طريق الشعبي، عن ابن مسعود، وهو منقطع؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٩٧، ٤٩٨) من طريق زبيد اليامي عن ابن مسعود، وهو منقطع كسابقه؛ وأخرجه عبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٦٠١٠) من طريق الثوري عن أبي إسحاق وغيره عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود. وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه البزار (١٢٢)؛ وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٧١): \"رجاله ثقات\"؛ وسبقه المنذري فقال في \"الترغيب\" (١/ ٨٠): \"إسناده جيد\".\n(^٣) في \"معجم شيوخه\" (٧٤) ولم يسقه كاملًا، إنما ذكره من أوله إلى قوله: \"الرطل اثنتا عشرة أوقية\". وسنده ضعيف جدًا وبكر بن يونس قال البخاري: \"منكر الحديث\" وضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: \"عامة ما يرويه لا يتابع عليه\"، ويحيى بن أبي كثير لم يسمع جابر بن عبد الله؛ وأخرجه ابن السني في \"اليوم والليلة\" (٦٩٩) من طريق أبي يعلى بسنده سواء بلفظ: \"من قرأ ثلاثمائة آية إلى قوله: قد غفرت له\"؛ ثم رأيته في \"كنز العمال\" (٢/ ١٩/ ٢٩٧٣) من عند قوله: \"القنطار مائة رطل … إلى قوله: والدينار أربعة وعشرون قيراطًا\" فعزاه للديلمي عن جابر قال: وفيه الخليل بن مرة؛ قال البخاري: \"منكر الحديث\".\nوأما قوله: \"ومن بلغه عن الله فضيلة .. إلخ\" فاخرج هذا القدر الخطيب في \"تاريخه\" (٨/ ٢٩٦)؛ والأصبهاني في \"الترغيب\" (٥٧)، وصدر الدين أبو علي البكري في \"الأربعين\" (ص ٣٩، ٤٠) من طريق الحسن بن عرفة؛ وهو في \"جزئه\" (٦٣) قال: حدثنا أبو يزيد خالد بن حيان الرقي، عن فرات بن سلمان وعيسى بن كثير كليهما عن أبي رجاء، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر مرفوعًا فذكره وأبو رجاء هذا لا أعرفه؛ وروى هذا الحديث ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (١/ ٢٥٨) وقال: \"لا يصح، أبو رجاء كذاب\"؛ ووافقه السيوطي في \"اللآلئ\" (١/ ٢١٤)؛ ولكن صرح السخاوي في \"المقاصد\" (ص ١٩١)؛ وفي \"القول البديع\" (ص ١٩٧) أنه لا يعرف، أفاده شيخنا أبو عبد الرحمن الألباني حفظه الله في الضعيفة (٤٥١) وزعم ابن طولون أن الحديث جيد الإسناد، ورده شيخنا فراجع بحثه هناك. والحاصل أن الحديث لا يصح، والله أعلم.\n(^٤) في (أ): \"بكير\" وهو خطأ.\n(^٥) ساقط من (أ).\n(^٦) من (ج) و(ط) و(ل).\n(^٧) في (أ): \"كي\".\n(^٨) ساقط من (ج).","vol":"1","page":127},{"text":"وقال أحمد (^١): حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب\".\nقال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه.\nوقال الطبراني (^٢): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثني أبي قال: وجدت في كتاب أبي بخطه عن عمران بن أبي عمران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة، ووقاه سوء الحساب يوم القيامة، وذلك أن الله ﷿ يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] \".\nوقال الطبراني (^٣): حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدّثنا أبي، حدّثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن يتحزن به\".\nوقال أيضًا (^٤): حدثنا أبو يزيد القراطيسي، حدّثنا نعيم بن حماد، حدّثنا عبد الله بن سليمان، عن سعيد أبي سعد البقال، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أحسنوا الأصوات بالقرآن\".\n_________\n(^١) في \"مسنده\" (١/ ٢٢٣)؛ وأخرجه الترمذي (٢٩١٣) وقال: \"حسن صحيح\"؛ والدارمي (٢/ ٣٠٨)؛ والحاكم (١/ ٥٥٤) وقال: \"صحيح الإسناد\"؛ والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ رقم ١٢٦١٩)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٠٨٢)؛ والسهمي في \"تاريخ جرجان\" (ص ٤١٢)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٧٩٣)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٤٤٣) من طرق عن جرير بن عبد الحميد، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعًا، وإسناده ضعيف لأجل قابوس هذا فقد لينه النسائي، وقال أبو حاتم: \"رديء الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، فربما رفع المرسل، وأسند الموقوف\". وكان ابن معين شديد الحط عليه، وقد وثقه في رواية. وله شاهد موقوف عن ابن مسعود سبق تخريجه عند حديث: \"إن هذا القرآن مأدبة الله\" والحمد لله. ولما صحح الحاكم إسناده رده الذهبي بقوله: \"قابوس لين\".\n(^٢) في \"المعجم الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٢٤٣٧) وفي \"الأوسط\" (ج ٢/ ق ٣٤/ ٢).\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٦٩): \"فيه أبو شيبة وهو ضعيف جدًّا\". كذا قال! وإنما قال عثمان بن أبي شيبة: \"وجدت في كتاب أبي\" وأبوه: محمد بن إبراهيم بن عثمان، وهو ثقة، وثقه ابن معين وابن حبان ولكن عمران بن أبي عمران ما عرفته والله أعلم.\nوالصواب أنه موقوف، فقد أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٦٧، ٤٦٨)؛ وعبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٦٠٣٣)؛ وابن جرير (١٦/ ٣٢٥)؛ والحاكم (٢/ ٢٨١)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٨٧١) من طرق عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله. وهذا سند رجاله ثقات، إلا عطاء بن السائب كان اختلط. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣١١)؛ لابن أبي شيبة مرفوعًا، والذي فيه الموقوف حسب، والله تعالى أعلم.\n(^٣) في \"المعجم الكبير\" (ج ١١/ رقم ١٠٨٥٢)؛ ومن طريقه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١٩)؛ وقال الهيثمي (٧/ ١٧٠): \"فيه ابن لهيعة وهو حسن الحديث، وفيه ضعف\"!\nقلت: وقد تقدم تخريجه، فاطلبه هناك.\n(^٤) في \"الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٢٦٤٣)؛ وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٢٢١ و٦/ ٢٤٣٩)؛ والخطيب في \"الموضح\" (٢/ ١٣٢) من طريق أبي سعد البقال بسنده سواء: \"زينوا أصواتكم بالقرآن\" وسنده ضعيف جدًا وأبو سعد البقال اسمه سعيد بن المرزبان ضعيف، ولعله واهٍ، والضحاك بن مزاحم لم يسمع ابن عباس والله أعلم.","vol":"1","page":128},{"text":"وروى أيضًا (^١) بسنده إلى الضحاك، عن ابن عباس مرفوعًا: \"أشراف أمتي حملة القرآن\".\nوقال الطبراني (^٢): حدّثنا معاذ بن المثنى، حدّثنا إبراهيم بن أبي سويد الذارع، حدّثنا صالح المري، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: \"الحال المرتحل\" قال: يا رسول الله ما الحال المرتحل؟ قال: \"صاحب القرآن يضرب في أوله حتى يبلغ آخره، وفي آخره حتى يبلغ أوله\".\n\n<span data-type='title' id=toc-52>ذكر الدعاء المأثور لتحفظ القرآن وطرد النسيان:</span>\nقال أبو القاسم الطبراني (^٣) في \"معجمه الكبير\": حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدّثنا هشام بن عمار، حدّثنا محمد بن إبراهيم القرشي، حدثني أبو صالح وعكرمة، عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب: يا رسول الله القرآن يتفلت من صدري، فقال النبي ﷺ: \"أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع من علمته؟ - قال: نعم بأبي أنت وأمي قال:- صل ليلة الجمعة أربع ركعات تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب ويس، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وبحم الدخان. وفي الثالثة بفاتحة الكتاب وبحم تنزيل السجدة، وفي الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل، فإذا فرغت من التشهد، فاحمد الله وأثن عليه وصل على النبيين واستغفر للمؤمنين، ثم قل: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتني، وارحمني من أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللهم بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حب كتابك كما علمتني وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني، وأسألك أن تنور بالكتاب بصري، وتطلق به لساني، وتفرج به عن قلبي، وتشرح به صدري، وتستعمل به بدني، وتقويني على ذلك\n_________\n(^١) يعني الطبراني في \"الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٢٦١٢) من طريق سعد بن سعيد الجرجاني، عن نهشل أبي عبد الله، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعًا فذكره؛ وأخرجه الإسماعيلي في \"معجمه\" (ج ١/ ق ٤/ ١، ٢)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ١١٩٤ و٧/ ٢٥٢١)؛ والسهمي في \"تاريخ جرجان\" (ص ٢١٨، ٤٩٤)؛ والخطيب (٤/ ١٢٤، ٨/ ٨٠) من هذا الوجه. قال ابن عدي: \"حديث غير محفوظ\"؛ وقال الهيثمي (٧/ ١٦١): \"فيه سعد بن سعيد الجرجاني وهو ضعيف\"!! وقصر جدًا، فنهشل متروك، بل كذبه إسحاق بن راهويه. والضحاك لم يسمع من ابن عباس فالحديث ضعيف جدًا، لذلك قال البخاري: \"لا يصح\". والله أعلم.\n(^٢) في \"المعجم الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٢٧٨٣)؛ وعنه أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٢٦٠)؛ وأخرجه الترمذي (٢٩٤٨)؛ وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ١٨٨)؛ والحاكم (١/ ٥٦٨)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٨٤٦ وج ٥/ رقم ١٩٠٦)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١٧٤) من طرق عن صالح المري بسنده سواء. وسنده ضعيف لذلك استغربه الترمذي وقد رواه الترمذي والدارمي (٢/ ٣٣٧) من طريقين عن صالح المري عن قتادة، عن زرارة بن أوفى مرسلًا، ورجح الترمذي المرسل. والحديث ضعيف على الوجهين والله أعلم.\n(^٣) في \"المعجم الكبير\" (ج ١١/ رقم ١٢٠٣٦)؛ وفي \"الدعاء\" (١٣٣٣)؛ ومن طريقه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ١٣٨) وقال \"هذا حديث لا يصح، ومحمد بن إبراهيم مجروح، وأبو صالح لا نعلمه إلا إسحاق بن نجيح وهو متروك\". اهـ.\nوأخرجه ابن السني في \"اليوم والليلة\" (٥٧٩)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" من طريقين آخرين عن هشام بن عمار بسنده سواء. وقال العقيلي: \"الحديث غير محفوظ وليس له أصل\".","vol":"1","page":129},{"text":"وتعينني عليه، فإنه لا يعينني على الخير غيرك، ولا يوفق له إلا أنت، فافعل ذلك ثلاث جمع أو خمسًا أو سبعًا تحفظه بإذن الله وما أخطأ مؤمنًا قط\" فأتى النبي ﷺ بعد ذلك بسبع جمع فأخبره بحفظ القرآن والحديث، فقال النبي ﷺ: \"مؤمن ورب الكعبة، علم أبا الحسن علم أبا الحسن\".\nهذا سياق الطبراني.\nوقال أبو عيسى الترمذي (^١) في \"كتاب الدعوات\" من \"جامعه\": حدثنا أحمد بن الحسن، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه علي بن أبي طالب فقال: بأبي أنت وأمي، تفلت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه؟ فقال له رسول الله ﷺ: \"يا أبا الحسن، أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وتنفع بهن من علمته ويثبت ما تعلمت في صدرك؟ - قال: أجل يا رسول الله فعلمني، قال:- إذا كانت ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب، وقال أخي يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة، فإن لم تستطع فقم في وسطها، فإن لم تستطع فقم في أولها فصل أربع ركعات، تقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان، وفي الثالثة بفاتحة الكتاب وألم تنزيل السجدة، وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل، فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله وأحسن الثناء على الله، وصل عليّ وأحسن وعلى سائر النبيين، واستغفر للمؤمنين\n_________\n(^١) في \"سننه\" (٣٥٧٠) وقال: \"حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم\"؛ وأخرجه الحاكم (١/ ٣١٦، ٣١٧)؛ والشجري في \"الأمالي\" (١/ ١١٣/ ١١٤)؛ والدارقطني في \"الأفراد\"؛ وعنه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ١٣٨، ١٣٩) من طريق الوليد بن مسلم به ومنهم من يرويه عن عطاء وحده ونقل ابن الجوزي عن الدارقطني أنه قال: \"تفرد به هشام بن عمار عن الوليد\" وليس كما قال، فقد رواه سليمان بن عبد الرحمن عن الوليد أيضًا وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين فتعقبه الذهبي بقوله: هذا حديث منكر شاذ أخاف لا يكون موضوعًا، فقد حيرني والله جودة إسناده ثم ذكر سند الحاكم وقال: ذكره الوليد مصرحًا بقوله: \"ثنا ابن جريج فقد حدث به سليمان قطعًا وهو ثبت\". اهـ. وقال الذهبي أيضًا في ترجمة سليمان بن عبد الرحمن من \"الميزان\" (٢/ ٢١٣، ٢١٤) بعد ذكره للحديث: \"وهو مع نظافة سنده حديث منكر جدًا في نفسي منه شيء فالله أعلم فلعل سليمان شبه له كما قال في أبو حاتم: لو أن رجلًا وضع لي حديثًا لم يفهم\". اهـ.\nوقال المنذري في \"الترغيب\" (٢/ ٣٦١): \"طرق وأسانيد هذا الحديث جيدة، ومتنه غريب جدًا\". وقال الحافظ في \"اللسان\": \"لعل الوليد دلسه عن ابن جريج فقد ذكر ابن أبي حاتم في ترجمة محمد بن إبراهيم القرشي أنه روى عنه الوليد بن مسلم وهشام بن عمار\". اهـ.\nقلت: وهذا الحديث منكر، وليس إسناده نظيفًا كما قال الذهبي: أو جيدًا كما قال المنذري: فإن الوليد بن مسلم دلسه ولم يصرح إلا في شيخه حسب، والمعروف أن مدلس التسوية ينبغي أن يصرح في كل طبقات السند، وقد صرح بذلك الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣١٨) في حديث آخر رواه الوليد بن مسلم فقال: \"وقد صرَّح بالتحديث في جميع الإسناد\". اهـ. فقول الذهبي: إن الوليد صرَّح بالتحديث لا يخفى ما فيه، فإن الوليد لا يدلس تدليس الإسناد حسب حتى يقال فيه ذلك. والله أعلم. ثم ابن جريج مدلس وقد عنعنه في جميع طرقه، وتدليسه قبيح كما قال الدارقطني فقد يكون أسقط من الإسناد متهمًا أو نحوه فتكون البلية من ذلك الساقط وبالجملة فالحديث لا يصح سندًا ولا متنًا والله أعلم.","vol":"1","page":130},{"text":"والمؤمنات ولإخوانك الذين سبقوك بالإيمان، ثم قل في آخر ذلك: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتني، وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللهم بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تنور بكتابك بصري، وأن تطلق به لساني، وأن تفرج به عن قلبي، وأن تشرح به صدري، وأن تغسل به بدني، فإنه لا يعينني على الخير غيرك ولا يؤتيه إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا أبا الحسن تفعل ذلك ثلاث جمع أو خمسًا أو سبعًا تجاب بإذن الله والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمنًا قط\" قال ابن عباس: فوالله ما لبث علي إلا خمسًا أو سبعًا حتى جاء رسول الله ﷺ في المجلس فقال: يا رسول الله، والله إني كنت فيما خلا لا آخذ إلا أربع آيات أو نحوهن فإذا قرأتهن على نفسي تفلتن، وأنا أتعلم اليوم أربعين آية أو نحوها فإذا قرأتها على نفسي فكأنما كتاب الله بين عيني، ولقد كنت أسمع الحديث فإذا رددته تفلت؛ وأنا اليوم أسمع الأحاديث فإذا تحدثت بها لم أخرم منها حرفًا. فقال له رسول الله ﷺ عند ذلك \"مؤمن ورب الكعبة أبا الحسن\".\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم. كذا قال. وقد تقدم من غير طريقة.\nورواه الحاكم في مستدركه من طريق الوليد، ثم قال: على شرط الشيخين، ولا شك أن سنده من الوليد على شرط الشيخين حيث صرح الوليد بالسماع من ابن جريج فالله أعلم فإنه من البين غرابته بل نكارته والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدّثنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل القرآن مثل الإبل المعقلة إن تعاهدها صاحبها أمسكها، وإن تركها ذهبت\".\nورواه أيضًا (^٢) عن محمد بن عبيد ويحيى بن سعيد، عن عبيد الله العمري به.\nورواه أيضًا (^٣) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بنحوه.\nوقال البزار (^٤): حدثنا محمد بن معمر، حدّثنا حميد بن حماد بن أبي الخوار، حدّثنا مسعر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سئل رسول الله: أي الناس أحسن قراءة؟ قال: \"من إذا سمعته يقرأ رؤيت أنه يخشى الله ﷿\".\nقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ٢٣).\n(^٢) (٢/ ١٧، ٣٠).\n(^٣) (٢/ ٣٥، ٣٦) وأخرجه أيضًا (٢/ ٦٤، ١١٢) عن عبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن عيسى كلاهما عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا. وقد تقدم تخريجه.\n(^٤) في \"مسنده\" (ج ٣/ رقم ٢٣٣٦ - كشف).\nوأخرجه الروياني في \"مسنده\" (ج ٣١/ ق ٢٤١/ ١)؛ والطبراني في \"الأوسط\" (١/ ١١٤/ ٢ و٢/ ٨٤/ ١، ٢)؛ وتمام الرازي في \"الفوائد\" (١٤٥٨)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٩٣)؛ والخطيب في \"تاريخه\" (٣/ ٢٠٨)؛ وفي \"التلخيص\" (١٢٩/ ١) من طريق محمد بن معمر البحراني بسنده سواء. وسنده ضعيف أو واه لأجل حميد بن حماد فإنه ضعيف ثم إنه خولف فيه. وقد بسطت ذلك في \"التسلية\" فللَّه الحمد.\n(^٥) في \"المسند\" (٢/ ١٩٢). وقد تقدم تخريجه.","vol":"1","page":131},{"text":"عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها\".\nوقال أحمد (^١): حدثنا حسن، حدّثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أقرأ القرآن فلا أجد قلبي يعقل عليه، فقال رسول الله ﷺ: \"إن قلبك حشى الإيمان وإن العبد يعطى الإيمان قبل القرآن\".\nوبهذا الإسناد (^٢) أن رجلًا جاء بابن له فقال: يا رسول الله إن ابني يقرأ المصحف بالنهار، ويبيت بالليل، فقال رسول الله ﷺ: \"ما تنقم؟ إن ابنك يظل ذاكرًا ويبيت سالمًا\".\nوقال أحمد (^٣): حدثنا موسى بن داود، حدّثنا ابن لهيعة، عن حيي، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: \"الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه - قال:- فيشفعان\".\nوقال أحمد (^٤):. . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ١٧٢) ووقع عنده: \"وإن الإيمان يعطى العبد قبل القرآن\"؛ قال الهيثمي (١/ ٦٣): \"فيه ابن لهيعة\" وهو يشير إلى ضعفه. والله أعلم.\n(^٢) يعني في \"المسند\" (٢/ ١٧٣)؛ وقال الهيثمي (٢/ ٢٧٠): \"فيه ابن لهيعة وفيه كلام\". اهـ.\n(^٣) في \"مسنده\" (٢/ ١٧٤).\nوقال الهيثمي (١٠/ ٣٨١): إسناده حسن على ضعف في ابن لهيعة وقد وثق.\nقلت: لم يتفرد به فتابعه ابن وهب قال: حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن، عن ابن عمرو مرفوعًا أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٨٨ - الجزء المفقود)؛ وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ٢٣)؛ والحاكم (١/ ٥٥٤)؛ وعنه البيهقي في \"الشعب\" (١٨٣٩) قال الحاكم: \"على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي؛ وقال الهيثمي (٣/ ١٨١): \"رجاله رجال الصحيح\"! وسبقه المنذري في \"الترغيب\" (٢/ ٨٤) فقال: \"رجاله محتج بهم في الصحيح\"! كذا قالوا وحيي بن عبد الله ما احتج به مسلم ولا البخاري، وهو حسن الحديث.\nوأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (٣٨٥ - زوائد نعيم)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ١٦١)؛ والجوزقاني في \"الأباطيل\" (٦٨٣) من طريق رشدين بن سعد، عن حيي بن عبد الله بسنده سواء.\nقال الجوزقاني: \"هذا حديث باطل ونقل عن ابن معين قال: رشدين بن سعد لا يكتب حديثه\" ولم يتفرد به رشدين كما رأيت، وقال المنذري في \"الترغيب\": \"رواه ابن أبي الدنيا في \"كتاب الجوع\" وغيره بإسناد حسن\". اهـ. ووقع في \"الترغيب\" للمنذري \"ابن عمر\" وصحابي الحديث: \"ابن عمرو\".\n(^٤) في \"مسنده\" (٢/ ١٧٥)؛ وأخرجه ابن بطة في \"الإبانة\" (٩٤٢) من طريق ابن وهب نا ابن لهيعة بسنده سواء. وقد اضطرب فيه ابن لهيعة، فرواه ابن وهب عنه، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر الجهني مرفوعًا فذكر؛ أخرجه ابن بطة (٩٤٤) أيضًا ولعل هذا الوجه أرجح من الأول فقد رواه عبد الله بن المبارك وعبد الله بن يزيد المقرئ وقتيبة بن سعيد ثلاثتهم عن ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر مرفوعًا.\nأخرجه أحمد (٤/ ١٥١، ١٥٤ - ١٥٥)؛ والفريابي في \"صفة المنافق\" (٣٢، ٣٣، ٣٤)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٧/ رقم ٨٤١)؛ وابن قتيبة في \"غريب الحديث\" (١/ ١٨٤)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٤٦٦)؛ والخطيب (١/ ٣٥٧)؛ وابن وضاح في \"البدع\" (٢٨٠) وهذا سند لا بأس به، ورواية العبادلة عن =","vol":"1","page":132},{"text":"حدثنا حسن، حدّثنا ابن لهيعة (حدّثنا دراج) (^١)، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أكثر منافقي أمتي قراؤها\".\nوقال أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثني همام، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه\".\nورواه أيضًا (^٢) عن غندر، عن شعبة، عن قتادة به.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال أبو القاسم الطبراني (^٣): حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه، حدّثنا أبي، حدّثنا عيسى بن يُونس ويحيى بن أبي الحجاج التميمي، عن إسماعيل بن رافع، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ القرآن فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه. ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدًا أعطى أفضل مما أعطى، فقد\n_________\n= ابن لهيعة أمثل من غيرها، وقد توبع ابن لهيعة تابعه الوليد بن المغيرة وهو ثقة، عن مشرح بن هاعان بسنده سواء.\nأخرجه البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (٦١٤)؛ والفريابي (٣٥)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (٦٥٦١) من طريق أبي سلمة الخزاعي، ثنا الوليد. وأخرجه أحمد (٤/ ١٥٥) من هذا الوجه. وسنده جيد. ومشرح بن هاعان صدوق في حفظه مقال يسير. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وابن عباس وعصمة بن مالك.\n(^١) سقط من \"الأصول\" كلها، واستدركته من \"المسند\".\n(^٢) في \"مسنده\" (٢/ ١٦٤، ١٩٣، ١٩٥). وأخرجه أيضًا (٢/ ١٦٥، ١٨٩) عن يزيد وبهز عن همام به. وتقدم تخريجه.\n(^٣) في \"المعجم الكبير\" وقد سقط من \"المطبوع\" في جملة المفقود من \"المعجم\"، وعزاه الزبيدي في \"الإتحاف\" (٤/ ٤٦٦) لمحمد بن نصر في \"كتاب الصلاة\"؛ وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٥٩): \"فيه إسماعيل بن رافع وهو متروك\".\nقلت: ولم أجده في \"كتاب الصلاة\" لكن رواه ابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ٧٦) قال: حدثنا إسحاق أخبرنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن رافع بسنده سواء. ولم يتفرد به إسماعيل فتابعه علي بن هاشم عن إسماعيل بن عبيد الله به. أخرجه الشجري في \"الأمالي\" (١/ ٩٢) من طريق إسماعيل بن عمرو البجلي. قال: حدثنا علي بن هاشم. والبجلي ضعيف. وقد أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (٧٩٩) قال: أخبرنا إسماعيل بن رافع، عن إسماعيل بن رافع، عن رجل عن عبد الله بن عمرو موقوفًا مختصرًا. وهذا \"المبهم\" هو \"إسماعيل بن عبيد الله عن عبد الله بن عمرو موقوفًا بطوله. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٦٧)؛ والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٥٧) من طريق وكيع، قال: حدثنا إسماعيل بن عبيد الله.\nوأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٣٥٢) من طريق محمد بن عبيد، حدثنا محرز أبو رجاء الشامي، عن إسماعيل بن عبيد الله عن ابن عمرو موقوفًا. ورجاله ثقات.\nوأخرجه الحاكم (١/ ٥٥٢)؛ وعنه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١/ ٤٠٣) من طريق عمرو بن الربيع بن طارق، ثنا يحيى بن أيوب، عن خالد بن أبي يزيد، عن ثعلبة بن يزيد، عن ابن عمرو مرفوعًا فذكره. قال الحاكم: \"صحيح الإسناد\"! وهذا سند ضعيف، ويحيى بن أيوب فيه لين، وثعلبة بن يزيد ما عرفته، وليس هو ثعلبة بن يزيد الحماني إنما هو فيما يظهر لي: ثعلبة بن أبي الكنود المترجم في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢/ ١٧٥) ونص في \"الجرح والتعديل\" (١/ ١/ ٤٦٣) أنه يروى عن عبد الله بن عمرو. وفي \"التهذيب\" (٨/ ٢٠٩) في ترجمة خالد بن يزيد أنه يروي عن \"ثعلبة بن أبي حكيم الحمراوي أبي الكنود\". ولم يوثقه إلا ابن حبان (٤/ ٩٩) والله أعلم. والصواب في هذا الحديث الوقف والله أعلم.","vol":"1","page":133},{"text":"عظم ما صغر الله وصغر ما عظم الله، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يسفه فيمن يسفه، أو يغضب فيمن يغضب، أو يحتد فيمن يحتد، ولكن يعفو ويصفح لفضل القرآن\".\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو سعيد مولى بن هاشم، حدّثنا عباد بن ميسرة، عن الحسن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة\".\nوقال البزار (^٢): حدثنا محمد بن حرب، حدّثنا يحيى بن المتوكل، حدّثنا عنبسة بن مهران، عن الزهري، عن (سعيد) (^٣) وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"مراء في القرآن (^٤) كفر\".\nثم قال عنبسة: هذا ليس بالقوي، وعنده في إسناد آخر.\nوقال الحافظ (^٥) أبو يعلى: حدّثنا أبو بكر (حدّثنا ابن) (^٦) إدريس، حدّثنا المقبري، عن\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ٣٤١)؛ وأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ١٣٣)؛ وابن مردويه كما في \"إتحاف السادة\" (٤/ ٥٠٠)، من هذا الوجه. قال العراقي في \"تخريج الإحياء\" (١/ ٢٨١): \"فيه ضعف وانقطاع\" وأعله الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٦٢) بعباد بن ميسرة. وقال المنذري في \"الترغيب\" (٢/ ٣٤٥) \"رواه أحمد عن عباد بن ميسرة واختلف في توثيقه، عن الحسن عن أبي هريرة، والجمهور على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة\" ولم يتفرد به عباد؛ فتابعه صالح بن مقسم، عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره. أخرجه ابن منده في \"الرد على من يقول (الم) حرف\" (٢٤) من طريق هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صالح بن مقسم فذكره.\nوقد خولف هشام في إسناده. خالفه سعيد بن منصور فرواه في \"تفسيره\" (٩) قال: نا إسماعيل ابن عياش، عن ليث وهو ابن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"من تلا آية … الحديث\" وتابعه الهيثم بن خارجة قال: حدثنا إسماعيل بن عياش بسنده سواء أخرجه الشجري (١/ ٧٦) ورواية سعيد والهيثم أرجح، وهشام بن عمار فيه مقال من قبل حفظه، ولعل هذا الاختلاف يكون من إسماعيل بن عياش. وبالجملة فليس للحديث إسناد حسن ولا صحيح والله أعلم.\n(^٢) في \"مسنده\" (ج ٢/ ق ١٢٨/ ٢) وقال: \"وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة إلا عنبسة وهو رجل ليس بالقوي، وعنده فيه إسناد آخر\". اهـ. والإسناد الذي أشار البزار أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ١٩٢) من طريق محمد بن حرب الواسطي، عن يحيى بن المتوكل، عن عنبسة بن مهران، عن مكحول، عن ابن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا مثله. وقال أبو نعيم: \"غريب من حديث مكحول لم نكتبه إلا من حديث ابن حرب\". وآفة هذه الأسانيد هو عنبسة هذا، فقد قال أبو حاتم: \"منكر الحديث\" وضعفه أبو داود وغيره.\nوأخرجه أبو داود (٤٦٠٣)؛ وأحمد (٢/ ٢٥٨، ٢٨٦، ٤٢٤، ٤٧٥، ٤٧٨، ٤٩٤، ٥٠٣، ٥٢٨)؛ وابن حبان (٥٩)، وغيرهم من طرق عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا وهذه طرق بعضها صحيح وبعضها حسن، ذكرتها في \"التسلية\".\n(^٣) في (أ): \"شعبة\"! ووقع في (ج): \"سعيد بن أبي سلمة\"!!\n(^٤) إلى هنا انتهت النسخة (ط).\n(^٥) في \"مسنده\" (ج ١١/ رقم ٦٥٦٠)؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٥٦)؛ والحاكم (٢/ ٤٣٩)؛ وعنه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٠٩٣، ٢٠٩٤، ٢٠٩٥)؛ وأحمد بن منيع في \"مسنده\"، كما في \"المطالب\" (٣/ ٢٩٨)؛ والخطيب (٨/ ٧٧، ٧٨)؛ وابن الأنباري في \"الوقف والابتداء\" (ص ٥) من طرق عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوسنده ضعيف جدًا، وعبد الله بن سعيد متروك، وبه أعله الهيثمي (٧/ ١٦٣). أما الحاكم فصححه فرده الذهبي بقوله: \"بل أجمع على ضعفه\".\n(^٦) في (أ): \"ابن أبي\"!","vol":"1","page":134},{"text":"جده، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه\".\nوقال الطبراني (^١): حدثنا موسى بن خازم الأصبهاني، حدّثنا محمد بن بكير الحضرمي، حدّثنا إسماعيل بن (عياش) (^٢)، عن يحيى بن الحارث (الذماري) (^٣)، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن فضالة بن عبيد وتميم الداري، عن النبي ﷺ قال: \"من قرأ عشر آيات في ليلة، كتب له قنطار، والقنطار خير من الدنيا وما فيها، فإذا كان يوم القيامة يقول ربك ﷿: اقرأ وارق بكل آية درجة حتى ينتهي إلى آخر آية معه، يقول ربك: اقبض، فيقول العبد بيده: يا رب أنت أعلم، فيقول: بهذه الخلد وبهذه النعيم\" (^٤).\n[وروى الحافظ (^٥) ابن عساكر في ترجمة: \"معقس بن عمران بن حطان\" قال: دخلت مع أبي على أم الدرداء ﵂، فسألها أبي: ما فضل من قرأ القرآن على من لم يقرأ؟ قالت: حدثتني عائشة قالت: جعلت درج الجنة على عدد آي القرآن فمن قرأ ثلث القرآن ثم دخل الجنة كان على الثلث من درجها، ومن قرأ نصف القرآن كان على النصف من درجها، ومن قرأ كله كان في عليين، لم يكن فوقه إلا نبي أو صديق أو شهيد\" (^٦).\nوقال الطبراني (^٧): حدثنا مسعدة بن سعد العطار المكي، حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي،\n_________\n(^١) في \"المعجم الكبير\" (ج ٢/ رقم ١٢٥٣)؛ وعنه الشجري في \"الأمالي\" (١/ ٧٧)؛ وأخرجه أيضًا في \"الأوسط\" (ج ٢/ ق ٢٣٤/ ١) وقال: \"لا يروى هذا الحديث عن فضالة وتميم إلَّا بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل\". فقال الهيثمي (٢/ ٢٦٧): \"فيه إسماعيل بن عياش ولكنه من روايته عن الشاميين وهي مقبولة\". اهـ. وعزاه المنذري في \"الترغيب\" (١/ ٤٣٩)؛ للطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" وقال: \"بإسناد حسن وفيه إسماعيل بن عياش عن الشاميين وروايته عنهم مقبولة عند الأكثرين\". اهـ. وكذا حسنه الدمياطي في \"المتجر الرابح\" (٣٨٧)؛ وشيخ الطبراني ترجمه أبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ٣١٢) ولم يذكر فيه شيئًا. ولكنه لم يتفرد به في الجملة، فأخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (٢٣) وعنه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٠٠٦، ٢٠٠٧) قال: نا إسماعيل بن عياش به وأعله أبو حاتم الرازي في \"العلل\" (ج ١/ رقم ٤٢٢) بالوقف، والرواية الموقوفة عند الدارمي في \"سننه\" (٢/ ٣٣٢، ٣٣٣، ٣٣٥).\n(^٢) في (أ): \"عباس\"!\n(^٣) في (أ): \"المذماري\"!\n(^٤) في حاشية (ج): \"آخر الجزء الثاني من أجزاء المؤلف أثابه الله\".\nوبهذا انتهى ما في النسخة (أ) وجاء في آخرها: \"آخر فضائل القرآن، وبه تم التفسيرُ للحافظ العلامة الرُّحْلَةَ الجهبذ، مفيد الطالبين الشيخ عماد الدين إسماعيل الشهير بابن كثير، كثر الله فوائده، على يد أفقر العباد إلى الله الغني محمد بن أحمد بن معمر المقرئ البغدادي، عفا الله عنه، ونفعه بالغ ووفقه للعمل به آمين، وحرس الله مجد مالكه. آمين، بتاريخ يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة من سنة تسع وخمسين وسبعمائة هلالية هجرية صلوات الله وسلامه على مشرفها، والحمد لله أولًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا\". اهـ.\n(^٥) في \"تاريخ دمشق\" (ج ١٧/ ق ١٠)؛ وأخرجه أبو عبيده في \"فضائل القرآن\" (ص ٣٧)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٦٧) من طريق محمد بن عبد الرحمن السدوسي، عن معقس بن عمران بن حطان، قال: سمعت أم الدرداء تقول: سألت عائشة .. فذكره. وأخرجه ابن عساكر من طرق أخرى عن محمد بن عبد الرحمن ومعقس - بالقاف - ابن عمران لا أعرف من حاله شيئًا يوجب قبول خبره، ولم يذكر ابن عساكر في ترجمته شيئًا. فالله أعلم.\n(^٦) من أول هنا إلى آخر \"فضائل القرآن\" من (ج) و(ل) وسقط من (أ) ولا أدري هل كان في (ط)؟ ففيها سقط.\n(^٧) في \"المعجم الكبير\" (ج ٣/ رقم ٢٨٩٩) ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (ص ١٥٥ - تراجم النساء) =","vol":"1","page":135},{"text":"حدّثنا إسحاق بن إبراهيم مولى جميع بن حارثة الأنصاري، حدثني عبد الله بن ماهان الأزدي، حدثني فايد مولى عبيد الله بن أبي رافع، حدثتني سكينة بنت الحسين بن علي، عن أبيها قال: قال رسول الله ﷺ: \"حملة القرآن عرفاء أهل الجنة يوم القيامة\".\nوروى الطبراني (^١) من حديث بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن المهاصر بن حبيب، عن عبيدة المليكي، عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: \"يا أهل القرآن! لا توسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته من آناء الليل والنهار، وتغنوه وتقنوه، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون، ولا تستعجلوا ثوابه، فإن له ثوابًا\".\nوفي حديث عقبة (^٢) بن عامر نحوه كما تقدم.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو سعيد، حدّثنا ابن لهيعة، عن مشرح، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو أن القرآن جعل في إهاب، ثم ألقي في النار ما احترق\".\nتفرد به.\nقيل: معناه: أن الجسد الذي يقرأ القرآن لا تمسه النار.\nوفي \"سنن ابن ماجه\" (^٤) من طريق المغيرة بن نهيك، عن عقبة بن عامر مرفوعًا: \"من تعلم القرآن ثم تركه، فقد عصاني\".\nوفي حديث رواه \"أبو يعلى\" (^٥). . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأعله الهيثمي (٧/ ١٦١) بإسحاق بن إبراهيم مولى جميع بن حارثة فهو ضعيف وأخرجه الخطيب ومن طريقه ابن عساكر (ص ١٥٥)؛ وابن الجوزي في \"الموضوعات\" (١/ ٢٥٣) من هذا الوجه وقال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح، وفائد ليس بشيء، قال أحمد: هو متروك الحديث، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به\". وأخطأ ابن الجوزي، فالواقع في السند هو فائد أبو الورقاء أما الواقع في السند فهو فائد المدني روى عنه القعنبي وزيد بن الحباب وجماعة، ووثقه ابن معين وقال أبو حاتم: لا بأس به. وللحديث شواهد كلها ساقطة، والحديث من جميع طرقه لا يصح. والله أعلم.\n(^١) في \"المعجم الكبير\"، كما في \"المجمع\" (٢/ ٢٥٢)، وقال: \"فيه أبو بكر بن أبي مريم\"؛ وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٨٥٢)؛ وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٢٦٠)؛ وكذا أبو القاسم الأصبهاني في \"الترغيب\" (٢٢٧٠)؛ وابن عساكر في \"تاريخه\" (ج ٤/ ق ٥٩٥، ٥٩٦) وقد اختلف في إسناده، والحديث لا يصح بوجه من الوجوه. والله أعلم.\n(^٢) يشير إلى حديثه \"تعلموا كتاب الله واقتنوه. . .\" وقد تقدم تخريجه.\n(^٣) في \"مسنده\" (٤/ ١٥١، ١٥٥)؛ وأخرجه الدارمي (٢/ ٣٠٩)؛ وأبو عبيد (ص ٢٢، ٢٣)؛ والفريابي (١/ ٢) كلاهما في الفضائل؛ والروياني في \"مسنده\" (ج ١٩/ ق ٤٨/ ٢)؛ والحكيم الترمذي في \"النوادر\" (ج ٣/ ق ١٠١/ ٢)؛ وأبو يعلى (ج ٣/ رقم ١٧٤٥)؛ وأبو الشيخ في الطبقات (٧٤٠)؛ وابن شاهين في \"الترغيب\" (١٩٦)؛ وابن عدي (٦/ ٢٤٦٠)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (١/ ٣٩٠) وآخرون من طرق عن ابن لهيعة عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر، وقد اختلف في سنده، والصواب في هذا الحديث الوقف، كما حققته في \"تسلية الكظيم\" والحمد لله وله شاهدان عن سهل بن سعد وعصمة بن مالك، ولا يثبت واحد منهما والله أعلم.\n(^٤) كذا قال المصنف ﵀: \"من تعلم القرآن. . .\" والذي في \"سنن ابن ماجه\" (٢٨١٤) \"من تعلم الرمي ثم تركه. . . إلخ\".\n(^٥) في \"مسنده\" (ج ٢/ رقم ١٠٠٠)؛ وأخرجه الطبراني في \"الصغير\" (٢/ ٦٦، ٦٧)؛ والخطيب (٧/ ٣٩٢، =","vol":"1","page":136},{"text":"من طريق ليث، عن مجاهد، عن (أبي) (^١) سعيد مرفوعًا: \"عليك بتقوى الله فإنها رأس كل خير، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه نور لك في الأرض، وذكر لك في السماء، واخزن لسانك إلا من خير، فإنك بذلك تغلب الشيطان\".\nوهذا ذكر آثار مرويةٍ عن ابن أم عبد: عبد الله بن مسعود أحد قراء القرآن من الصحابة المأمور بالتلاوة على نحوهم.\nروى الطبراني (^٢)، عن الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق قال: قال ابن مسعود: \"كل آية خير مما في السماء والأرض\".\nومن طريق شعبة (^٣)، عن أبي إسحاق، عن مرَّة، قال ابن مسعود: \"من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين\".\nومن طريق سفيان (^٤) وشعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ قال: \"إن هذا القرآن ليس فيه حرف إلا له حد، ولكل حد مطلع\".\nومن حديث (^٥) الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سيار أبي الحكم، عن ابن مسعود،\n_________\n= ٣٩٣) من طريق عبد الأعلى بن حماد، حدثنا يعقوب القمي، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي سعيد مرفوعًا قال الطبراني: \"لا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به يعقوب القمي\".\nقلت: يعقوب لا بأس به كما قال النسائي ووثقه ابن حبان والطبراني ولينه الدارقطني ولكن ليث بن أبي سليم ضعيف. وله طريق آخر عند أحمد (٣/ ٨٢) نحو لكنه معل بالانقطاع.\n(^١) ساقط من \"الأصل\".\n(^٢) في \"المعجم الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٦٦٢) من طريق عبد الرزاق وهو في \"مصنفه\" (ج ٣/ رقم ٥٩٩٢) عن معمر، عن أبي إسحاق عن ابن مسعود وإسناده منقطع بين أبي إسحاق وابن مسعود ثم رواه الطبراني عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه وهو منقطع أيضًا فأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. وأعلم أن لفظ الرواية مطول وقد اختصر المصنف منه هذه الجملة بالمعنى، وإلا فلفظ الرواية: \"ثم يقول، يعني ابن مسعود، تعلمها فإنها خير لك مما بين السماء والأرض\".\n(^٣) الطبراني في \"المعجم الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٦٦٦) من طريق محمد بن كثير، ثنا شعبة فذكره؛ وأخرجه عبد الله بن أحمد في \"زوائد الزهد\" (ص ١٥٧) عن يحيى بن سعيد القطان، ثنا شعبة به وسنده صحيح؛ وأخرجه الطبراني أيضًا (٨٦٦٤، ٨٦٦٥) من طريق إسرائيل وزهير عن أبي إسحاق بسنده سواء. وهو عند ابن أبي شيبة (١٤/ ٩٤) من طريق زهير.\nوأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (٨١٤)؛ وأبو عبيد (ص ٨٩)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٥)؛ والفريابي في \"الفضائل\" (٧٨) والنحاس في \"القطع والائتناف\" (ص ٨٤) من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق بسنده سواء. وسنده صحيح أيضًا.\n(^٤) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٦٦٧، ٨٦٦٨) وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٦٨٦) قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن يوسف الفريابي، ثنا الثوري بسنده سواء.\nقلت: وشيخ الطبراني واهٍ، فقد قال ابن عدي: \"يحدث عن الفريابي وغيره بالبواطيل\" وقد أخرجه الفسوي في \"تاريخه\" (٣/ ١٤٦)؛ وعنه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٠١) من طريق قبيصة عن الثوري، عن إسماعيل عن سيار أبي حمزة، عن ابن مسعود مثله. ورجاله ثقات الإسناد إلا سيارًا أبا حمزة فشبه المجهول، والظاهر أنه لم يدرك ابن مسعود. =","vol":"1","page":137},{"text":"قال: \"أعربوا هذا القرآن، فإنه عربي، وسيجيء قوم يثقفونه، وليسوا بخياركم\".\nوالثوريّ (^١)، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود، قال: \"أديموا النظر في المصحف، وإذا اختلفتم في \"ياء\" و\"تاء\" فاجعلوها \"ياءً\"، \"ذكِّروا القرآن، فإنه مذكر\".\nوقال عبد الرزاق (^٢)، عن إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن شداد بن معقل، سمعت ابن مسعود يقول: \"إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما يبقى من دينكم الصلاة، وليصلين قوم لا خلاق لهم، ولينزعن القرآن من بين أظهركم\". قالوا: يا أبا عبد الرحمن! ألسنا نقرأ القرآن وقد أثبتناه في مصاحفنا؟! قال: يُسرى على القرآن ليلًا، فيذهب به من أجواف الرجال، فلا يبقى في الأرض منه شيء، ويصبح الناس نفرًا كالبهائم، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦)﴾ [الإسراء].\nوقال الطبراني (^٣): حدثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا شعبة، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه، قال: \"من قرأ القرآن في أقل من ثلاث، فهو راجز\".\nوقال هشام (^٤)، عن الحسن أنه بلغه عن ابن مسعود مثل ذلك.\n_________\n= وقد خولف الثوري في إسناده خالفه هشيم بن بشير فرواته عن إسماعيل، عمن حدثه عن ابن مسعود؛ أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٠٠)؛ وأخرجه أبو عبيد (ص ٢٠٨)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٥٧) من طريق الثوري عن عقبة الأسدي، عن أبي العلاء عن ابن مسعود قال: \"أعربوا القرآن فإنه عربي\" وسنده ضعيف وعقبة هذا شبه المجهول؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٥٦)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٦٨٥) من طريق ليث بن أبي سليم وهو ضعيف عن طلحة بن مصرف، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله قال: \"أعربوا القرآن\"؛ وأخرجه الطبراني (٨٦٨٤) من هذا الوجه مرفوعًا وهو منكر وله طريق آخر عند أبي نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٠٩).\n(^١) أخرجه الطبراني (٨٦٨٧) من طريق شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، وقد قدمنا أنه واه ولكنه لم يتفرد بأصله، فأخرجه أبو عبيد (ص ٤٦)؛ وعبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٥٩٧٩)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣١)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٠٢٨)؛ والطبراني في \"الكبير\" (٨٦٩٦) من طريق الثوري بسنده سواء؛ وأخرجه البيهقي (٢٠٢٩) من طريق مفضل بن صدقة عن عاصم به، وسنده حسن. وله طرق أخرى تقدم ذكرها.\n(^٢) وأخرجه الطبراني (ج ٩/ رقم ٨٧٠٠)؛ وأخرجه عبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٥٩٨٦)؛ والضياء المقدسي في \"اختصاص القرآن بعوده إلى الرحيم الرحمن\" (١٩). وله طرق أخرى ذكرتها في \"التسلية\" يثبت بها.\nقال الهيثمي (٧/ ٥٢، ٣٣٠): \"رجاله رجال الصحيح غير شداد بن معقل وهو ثقة\" قلت: وشداد هذا لم يوثقه إلا ابن حبان (٤/ ٣٥٧) وقال ابن سعد: \"قليل الحديث\".\n(^٣) \"المعجم الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٧٠٢)؛ وأخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٨٩) قال: حدثنا حجاج؛ وأخرجه ابن المقري في \"معجمه\" (ج ٧/ ق ١٣٣/ ١)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ١٩٨٣) من طريق يعقوب بن إسحاق الحضرمي، كلاهما عن شعبة بسنده سواء؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٥٠١)؛ والفريابي (١٤٦)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٧٠٣، ٨٧٠٤) من طريق الثوري ومسعر كلاهما عن علي بن بذيمة به.\nوأخرجه الفريابي (١٤٧، ١٤٨)؛ وأبو عمرو الداني في \"البيان في عد آي القرآن\" (ص ٣٢٢) من طريق إسرائيل وأبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود فذكره. وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه بين أبي عبيدة وأبيه، ووهم محقق \"الشعب\" ففال: \"إسناده لا بأس به\"!\n(^٤) أخرجه الطبراني (ج ٩/ رقم ٨٧٠٥) وضعفه ظاهر.","vol":"1","page":138},{"text":"ومن طريق الأعمش (^١)، عن أبي وائل، قال: كان عبد الله بن مسعود يقل الصوم، فيقال له في ذلك، فيقول: \"إني إذا صمت ضعفت عن القرآن والصلاة، والقراءة والصلاة أحب إلي\".\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٨٦٨) من طريق زائدة، عن الأعمش به؛ وأخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٢٦)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٠٩)؛ وابن جرير في \"تهذيب الآثار\" (٥٢١ - مسند عمر) من طريق أبي معاوية والثوري معًا عن الأعمش به.\nوابن جرير في \"التهذيب\" (٥٢٠، ٥٢١ - مسند عمر)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٨٦٩، ٨٨٧٠، ٨٨٧٥) من طريق الثوري وشعبة وزهير بن معاوية ثلاثتهم عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود مثله وهذان إسنادان صحيحان.\nوزاد زهير في روايته: قال ما رأيت فقيهًا أقل صومًا من عبد الله بن مسعود فقيل له: لم لا تصوم؟ قال: إني أختار الصلاة … وذكر نحوه ولم يذكر القراءة.\nوأخرجه الطبراني (٨٨٧١) من طريق بكير بن عامر عن الشعبي عن ابن مسعود قال: \"الصلاة أحب إلي من الصوم، ولم يكن يصلي الضحى\"؛ قال الهيثمي (٢/ ٢٥٧): \"فيه بكير بن عامر وثقه أحمد وضعفه ابن معين وغيره\".\nثم أخرجه الطبراني (٨٨٧٢) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي حمزة عن إبراهيم، عن ابن مسعود فذكره. وسنده ضعيف جدًا. وأبو حمزة هو ميمون ضعيف ولعله واهٍ، ثم هو منقطع بين إبراهيم النخعي وابن مسعود. فالعمدة على ما تقدم والحمد لله.","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>مقدمة مفيدة تذكر في أول التفسير قبل الفاتحة </span>(^١)\nقال أبو بكر بن الأنباري: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا همام، عن قتادة؛ قال: نزل في المدينة من القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وبراءة، والرعد، والنحل، والحج، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات، والرحمن، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن والطلاق و﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: ١] إلى رأس العشر، ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة]، و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر] هؤلاء السور نزلت بالمدينة، وسائر السور بمكة.\nفأما عدد آيات القرآن العظيم فستة آلاف آيةً؛ ثم اختلف فيما زاد على ذلك على أقوال؛ فمنهم من لم يزد على ذلك، ومنهم من قال: ومائتا [آية وأربع آيات.\nوقيل: وأربع عشرة آيةً. وقيل: ومائتان وتسع عشرة آيةً. وقيل: ومائتان وخمس وعشرون آيةً، أو ست وعشرون آيةً. وقيل: ومائتا آية] (^٢) وست وثلاثون آيةً، حكى ذلك أبو عمرو الداني في كتابه \"البيان\". وأما كلماته فقال الفضل بن شاذان، عن عطاء بن يسار: سبع وسبعون ألف كلمةً وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمةً.\nوأما حروفه (^٣) فقال عبد الله بن كثير، عن مجاهد: هذا ما أحصينا من القرآن، وهو ثلاثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف ومائة وثمانون حرفًا.\nوقال الفضل (^٤)، عن عطاء بن يسار: ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألفًا وخمسة عشر حرفًا.\n_________\n(^١) هذا العنوان بكامله من (ن). ووقع في (ج) و(ل): \"مقدمة مفيدة\" واعلم أن هذه المقدمة بكاملها ساقطة من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي).\n(^٢) ساقط من (ن) وفيها: \"مائتان وست. . .\".\n(^٣) وقد ورد في عدد حروفه حديث مرفوع لكنه منكر؛ أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (ج ٢/ ق ١١٤/ ١) قال: حدثنا محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثني أبي، عن جدي آدم بن أبي إياس، ثنا حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: \"القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابرًا محتسبًا كان له بكل حرف زوجة من الحور العين\". قال الطبراني: \"لا يروى هذا الحديث عن عمر ﵁ إلا بهذا الإسناد، تفرد به: حفص بن ميسرة\". اهـ. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٤٢٢) لابن مردويه.\n* قلت: وهذا سند رجاله ثقات إلا شيخ الطبراني: \"محمد بن عبيد\" أورده الذهبي في \"الميزان\" (٣/ ٦٣٩) وقال: تفرد بخبر باطل ثم ذكر الحديث؛ وقال الهيثمي (٧/ ١٦٣) \"شيخه، يعني الطبراني ذكره الذهبي في \"الميزان\" بهذا الحديث ولم أجد لغيره في ذلك كلامًا، وبقية رجاله ثقات\".\n(^٤) في (ن): \"ابن\" وهو خطأ.","vol":"1","page":140},{"text":"وقال سلام أبو محمد الحماني (^١): إن الحجاج جمع القراء والحفاظ والكتاب؛ فقال: أخبروني عن القرآن كله؛ كم من حرف هو؟ قال: فحسبنا فأجمعوا أنه ثلاثمائة ألف وأربعون ألفًا وسبعمائة وأربعون حرفًا.\nقال: فأخبروني عن نصفه فإذا هو إلى الفاء من قوله في الكهف: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [الآية: ١٩] وثلثه الأول عند رأس مائة آية من براءة والثاني على رأس مائة أو إحدى ومائة من الشعراء، والثالث إلى آخره.\nوسبعه الأول إلى الدال من (^٢) قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ﴾ [النساء: ٥٥] والسُّبُع الثاني إلى التاء من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿(أُوْلَئِكَ) (^٣) حَبِطَتْ﴾ [الآية: ١٤٧] والثالث إلى الألف الثانية من قوله (تعالى) (^٣) في الرعد (^٤): ﴿أُكُلُهَا﴾ [الرعد: ٣٥].\nوالرابع إلى الألف من قوله في (الحج) (^٥): ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الآية: ٣٤].\nوالخامس إلى الهاء من قوله في الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الآية: ٣٦]. والسادس إلى الواو من قوله (تعالى) (^٦) في الفتح: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الآية: ٦]. والسابع إلى آخر القرآن.\nقال سلام أبو محمد: عملنا ذلك في أربعة أشهر؛ قالوا: وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ربع القرآن؛ فالأول إلى آخر الأنعام، والثاني إلى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ من سورة الكهف، والثالث إلى آخر الزمر، والرابع إلى آخر القرآن.\nوقد ذكر (^٧) الشيخ أبو عمرو الداني في كتابه (البيان) خلافًا في هذا كله. فالله أعلم.\nوأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها، وقد ذكرنا فيما تقدم الحديث الوارد في تحزيب الصحابة للقرآن؛ والحديث في \"مسند (الإمام) (^٨) أحمد\"، و\"سنن أبي داود\" و\"ابن ماجه\"، و(غيرهم) (^٩)؛ عن أوس بن حذيفة أنه سأل أصحاب رسول الله ﷺ في حياته: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث (^١٠) عشرة، وحزب المفضل [من ﴿ق﴾] (^١١) حتى تختم.\n\n<span data-type='title' id=toc-54>فصل </span>(^١٢)\nواختلف في معنى السورة مم هي مشتقة؛ فقيل: من الإبانة والارتفاع؛ قال النابغة:\nألم ترى أن الله أعطاك سورةً … ترى كل ملك دونها يتذبذب\nفكأن القارئ ينتقل بها من منزلة إلى منزلة. وقيل: لشرفها وارتفاعها كسور البلد. وقيل:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ١١٩).\n(^٢) في (ج): \"إلي\"!\n(^٣) من (ن).\n(^٤) في (ل): \"من أكلها في الرعد\".\n(^٥) في (ن): \"الألف في الحج من قوله\".\n(^٦) من (ن).\n(^٧) في (ن): \"حكى\".\n(^٨) من (ن).\n(^٩) في (ل): \"وغيرهما\".\n(^١٠) في (ن): \"ثلاثة عشر\".\n(^١١) ساقط من (ن).\n(^١٢) ساقط من (ل).","vol":"1","page":141},{"text":"سميت سورة لكونها قطعةً من القرآن وجزءًا منه مأخوذ من أسآر الإناء وهو البقية. وعلى هذا فيكون أصلها مهموزًا؛ وإنما (خففت) (^١)، فأبدلت الهمزة واوًا لانضمام ما قبلها. وقيل: لتمامها وكمالها؛ لأن العرب يسمون الناقة التامة سورةً.\nقلت: ويحتمل أن يكون من الجمع والإحاطة لآياتها، كما يسمى سور البلد، لإحاطته بمنازله ودوره، (والله أعلم) (^٢).\nوجمع السورة: سور -بفتح الواو-، وقد يجمع على سُوْرات وسُوَرات.\nوأما الآية فمن العلامة على انقطاع الكلام الذي قبلها عن الذي بعدها، (وانفصالها) (^٣)؛ أي: هي بائنة (من) (^٤) أختها ومنفردة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٨].\nوقال النابغة:\nتوهمت آيات لها فعرفتها … لستة أعوام وذا العام سابع\nقيل: لأنها جماعة حروف من القرآن وطائفة منه، كما يقال: خرج القوم بآياتهم؛ أي: بجماعاتهم؛ وقال الشاعر:\nخرجنا من النقبين لا حي مثلنا … بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا\nوقيل: سميت آية؛ لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها؛ قال سيبويه: وأصلها أيية مثل أكمة وشجرة، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فصارت آية بهمزة بعدها مدة. وقال الكسائي: أصلها آيية، على وزن آمنة، فقلبت ألفًا، ثم حذفت لالتباسها. وقال الفراء: أصلها أييّة بتشديد الياء الأولى، فقلبت ألفًا كراهية (التشديد) (^٥)، فصارت آية. وجمعها آيٌ، وآياي، وآيات.\nوأما الكلمة فهي (اللفظه الواحده) (^٦) وقد يكون على حرفين مثل: ما، ولا، (ولك) (^٧) (ونحو ذلك) (^٨). وقد يكون أكثر، وأكثر ما تكون عشرة أحرف مثل: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ [النور: ٥٥]، و﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: ٢٨]، ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢].\nوقد تكون الكلمة الواحدة آية مثل: ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾ ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾ وكذلك ﴿الم (١)﴾ و﴿طه (٢)﴾ و﴿يس (١)﴾ و﴿حم (١)﴾ في قول الكوفيين: و﴿حم (١) عسق (٢)﴾ عندهم كلمتان.\nوغيرهم لا يسمى هذه آيات؛ بل يقول: هذه فواتح السور.\nوقال أبو عمرو الداني: لا أعلم كلمةً هي وحدها آية إلا قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ بسورة [الآية: ٦٤].\n_________\n(^١) في (ج): \"خفف\" وفي (ن): \"خففت الهمزة\"!\n(^٢) ساقط من (ن).\n(^٣) في (ج) و(ل): \"انفصاله\".\n(^٤) في (ن): \"عن\".\n(^٥) في (ن): \"للتشديد\".\n(^٦) في (ن): \"اللفظة الواحدة\".\n(^٧) ساقط من (ل) و(ن).\n(^٨) ساقط من (ج) و(ن).","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>فصل </span>(^١)\nقال القرطبي (^٢): أجمعوا على أنه ليس في القرآن شيء من (التراكيب) (^٣) الأعجمية، وأجمعوا أن فيه أعلامًا من الأعجمية؛ كإبراهيم، ونوح، ولوط. واختلفوا: هل فيه شيء من غير ذلك بالأعجمية؟ فأنكر ذلك الباقلاني، (والطبري) (^٤)؛ وقالا: ما وقع فيه (مما) (^٥) يوافق الأعجمية فهو من باب ما توافقت فيه اللغات (١).\n_________\n(^١) هذا الفصل ساقط من (ج) وهو مقدم في الذكر على الفصل السابق عليه في (ل).\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ٦٨).\n(^٣) في (ل): \"الكتب\"!\n(^٤) في (ل): \"الطبراني\"!!.\n(^٥) في (ل): \"ما\".","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>سُورَةُ الفَاتِحَةِ </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-57>(بسم الله الرحمن الرحيم)</span> (^٢)\n[يقال لها: الفاتحة؛ أي: فاتحة الكتاب خطًّا، وبها (تفتتح) (^٣) القراءة في (الصلاة) (^٤) ويقال لها أيضًا: أم الكتاب عند الجمهور؛ (وكره) (^٥) أنس، والحسن، وابن سيرين كرها؛ (تسميتها) (^٦) بذلك؛ قال الحسن، وابن سيرين: إنما ذلك اللوح المحفوظ.\nوقال الحسن: الآيات المحكمات هن أم الكتاب، و(كذا كرها) (^٧) أيضًا أن يقال لها: أم القرآن.\nوقد ثبت في (الحديث) (^٨) عند الترمذي (^٩)، وصححه عن أبي] (^١٠) (^١١) [هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \" (الحمد لله رب العالمين) (^١٢) أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني\" (ويقال لها: السبع المثاني) (^١٣) والقرآن العظيم (١١).\nويقال لها: \"الحمد\" و(يقال لها) (^١٤): \"الصلاة\"؛ لقوله (ﷺ) (^١٥) عن ربه (^١٦): \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي. . .\" الحديث؛ فسميت الفاتحة صلاةً؛ لأنها شرط فيها] (^١٠).\n_________\n(^١) كذا في الأصول، وفي (ز): \"فاتحة الكتاب\".\n(^٢) من (ن).\n(^٣) في (ل): \"تفتح\".\n(^٤) في (ل) و(ن): \"الصلوات\".\n(^٥) في (ل) و(ن): \"ذكره\"!\n(^٦) وقع في (ن): \"كرها تسميتها\" ولفظة \"كرها\" مقحمة لا معنى لها وقد قيدت بهامش النسخة وأشار الناسخ إلى أنها سقطت من السياق، وجاءت هذه اللفظة على التثنية إشارة إلي الحسن وابن سيرين فقط.\n(^٧) يعني الحسن وابن سيرين، ووقعت في (ن): \"ولذاكرها\"! وفي (ك): \"وكذا كروها\" وفي (ل): \"وكذا كره\".\n(^٨) في (ن): \"الصحيح\"!\n(^٩) في \"سننه\" (٣١٢٤)؛ وأخرجه البخاري (٨/ ٣٨١) وفي \"جزء القراءة\" (١٤٩)؛ وأبو داود (١٤٥٧)؛ والدارمي (٢/ ٣٢١)؛ وأحمد (٢/ ٤٤٨)؛ وأبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ١١٧، ١١٨)؛ وابن جرير في \"تفسيره\" (١٤/ ٤٠، ٤١)؛ والبغوي الكبير في \"مسند ابن الجعد\" (٢٩٤٥)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٢/ ٧٨)؛ والدارقطني في \"العلل\" (ج ٣/ ق ١٤/ ١)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٠/ ٢٠١، ٢٠٢)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (٢١٣٧، ٢١٤٠)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٤٤٥) من طرق عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا وليس عند البخاري: \"الحمد لله\".\n(^١٠) ساقط من (ز)، و(ع)، و(ص) و(ي).\n(^١١) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).\n(^١٢) في (ن): \"الحمد لله رب العالمين\".\n(^١٣) ساقط من (ك) و(ن).\n(^١٤) ساقط من (ل).\n(^١٥) في (ج) و(ل): \"﵇\".\n(^١٦) أخرجه البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (١٣٢)، وفي \"جزء القراءة\" (٧٢)؛ ومسلم (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":145},{"text":"[ويقال لها: \"الشفاء\" لما رواه الدارمي (^١)، عن أبي سعيد، مرفوعًا:] (^٢) [\"فاتحة الكتاب شفاء من كل سم\". ويقال لها: \"الرقية\" لحديث أبي سعيد (في) (^٣) \"الصحيح\" (^٤) حين رقى بها الرجل السليم، فقال له رسول الله ﷺ: \"وما يدريك أنها رقية؟ \".\nوروى الشعبي (^٥)، عن ابن عباس أنه سماها \"أساس القرآن\"؛ قال: (وأساسها) (^٦) بسم الله الرحمن الرحيم. وسماها سفيان بن عيينة \"بالواقية\" (^٧).\nوسماها يحيى (^٨) بن أبي كثير \"الكافية\"؛ لأنها تكفي عما عداها، ولا يكفي ما سواها عنها، كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة (^٩): \"أم القرآن عوض من غيرها، وليس غيرها] (^٢)\n_________\n(^١) كذا قال ابن كثير ﵀، ووهم في ذلك؛ لأن الدارمي رواه في \"سننه\" (٢/ ٣٢٠) عن عبد الملك بن عمير قال: قال رسول الله ﷺ. . . فذكره هكذا معضلًا أو مرسلًا وليس عند الدارمي: \"سم\" بل \"داء\".\nثم تبين لي أن ابن كثير تبع القرطبي في هذا الوهم، فقد ذكره الأخير في \"تفسيره\" (١/ ١١٢) وعزاه للدارمي عن أبي سعيد مرفوعًا بلفظه. وأثر عبد الملك بن عمير أخرجه أيضًا البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٥٤) وقال السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٥): \"رجاله ثقات\" أما حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: \"فاتحة الكتاب شفاء من السم\" فأخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (١٧٨) وعنه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٥٣)؛ والثعلبي في \"تفسيره\" (ج ١/ ق ٦/ ٢ - ١٤/ ١) قال: حدثنا سلام الطويل، عن زيد العمي، عن ابن سيرين عن أبي سعيد مرفوعًا به. وسنده واه جدًّا، وسلام الطويل متروك وزيد العمى ضعيف، ورجح البيهقي أن هذا الحديث مختصر من حديث اللديغ، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.\n(^٢) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).\n(^٣) ساقط من (ك).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤/ ٤٥٣، ١٠/ ١٩٨، ٢٠٩)؛ ومسلم (٢٢٠١/ ٦٥)، وله طرق وألفاظ. ووقع في إسناده اختلاف لا يضر.\n(^٥) أخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" (ج ١/ ق ١٤/ ١) مطولًا بسند رجاله ثقات إلا مزاحم بن محمد فلم أعرفه ويكنى بـ \"أبي هريرة\".\n(^٦) في (ك): \"وأسمائها\"!!\n(^٧) أخرجه الثعلبي (١/ ١٤/ ١) من طريق أبي يزيد حاتم بن محبوب المسامي، نا عبد الجبار بن العلاء، قال: كان سفيان بن عيينة يسمى فاتحة الكتاب: الواقية. وحاتم بن محبوب لم أجد له ترجمة، والله أعلم.\n(^٨) كذا وقع في جميع \"الأصول\"، والصواب أنه: \"عبد الله بن يحيى بن أبي كثير\" فأخرجه الثعلبي (١/ ١٤/ ١) من طريق علي بن حجر، نا عفيف بن سالم، قال: سألت عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن قراءة الفاتحة خلف الإمام؟ فقال: عن الكافية تسأل؟ قلت: وما الكافية؟ قال: \"الفاتحة، أما علمت أنها تكفي عن سواها، إياك أن تصلي إلا بها\". وهذا سند جيد إن كان من دون علي بن حجر ثقات. والله أعلم.\n(^٩) كذا قال ابن كثير ﵀ \"المرسلة\" ولا وجه لهذه اللفظة؛ لأن الحديث متصل كما يأتي ليس بمرسل، ولعل المصنف لما نظر في \"تفسير القرطبي\" (١/ ١١٣) فوجده يقول: \"يدل عليه ما روى محمد بن خلاد الإسكندراني قال: قال رسول الله ﷺ. . . فذكره\" أقول: لعله لما رأى هذا قال ما قال! وفي عبارة القرطبي خلل، ولعله سقط منها: \". . . الإسكندراني بسنده قال. . . إلخ\" والله أعلم.\nثم إن هذا الحديث منكر، أخرجه الدارقطني (١/ ٣٢٢)؛ والحاكم (١/ ٢٣٨)؛ والثعلبي (١/ ١٤/ ١) من طريق محمد بن خلاد الإسكندراني، ثنا أشهب بن عبد العزيز، حدثني سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت مرفوعًا فذكره.\nقال الحاكم: \"رواة هذا الحديث كلهم أئمة وكلهم ثقات على شرطهما\" كذا قال! ومحمد بن خلاد وشيخه=","vol":"1","page":146},{"text":"[(عوضًا) (^١) منها\" ويقال لها: سورة الصلاة، والكنز؛ ذكرهما الزمخشري (^٢) في كشافه] (^٣) وهي مكية؛ (قاله ابن عباس، وقتادة وأبو العالية) (^٤)، وقيل: مدنية؛ (قاله أبو هريرة، ومجاهد، وعطاء بن يسار، والزهري) (^٤).\nويقال: نزلت مرتين؛ مرةً بمكة، ومرةً بالمدينة. والأول أشبه، (^٥) (لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]) (والله تعالى أعلم) (^٦).\n(وحكى أبو الليث السمرقندي أن نصفها نزل بمكة، ونصفها الآخر نزل بالمدينة؛ وهو غريب جدًّا، نقله القرطبي (^٧) عنه) (^٦).\nوهي سبع آيات بلا خلاف [(وقال عمرو بن عبيد: ثمانٍ. وقال حسين الجعفي: ستة. وهذان (القولان) (^٨) شاذان) (^٩). وإنما اختلفوا في البسملة؛ هل هي آية مستقلة من أولها كما هو (المشهور) (^١٠) عن جمهور قراء الكوفة، وقول جماعة من الصحابة والتابعين، وخلق من الخلف. أو بعض آية، (أو لا) (^١١) تعد من أولها بالكلية، كما هو قول أهل المدينة من القراء والفقهاء؟ على ثلاثة أقوال، كما سيأتي تقريرها في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\nقالوا: وكلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفًا.\nقال البخاري في أول \"كتاب التفسير\" (^١٢): وسميت أم الكتاب؛ لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة.\nوقيل: إنما سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته.\nقال ابن جرير (^١٣): والعرب تسمى كل جامع أمرًا -أو مقدم لأمر، إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع- \"أُمًّا\"؛ فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ: \"أم الرأس\"، ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها \"أمًّا\"؛ واستشهد بقول ذي الرمة:\n_________\n= لم يخرج لهما الشيخان شيئًا، وقال الدارقطني: \"تفرد به محمد بن خلاد، عن أشهب، عن ابن عيينة\". قلت: ومحمد بن خلاد قال ابن يونس: \"يروي مناكير\". وقال الذهبي: \"لا يدري من هو وانفرد بهذا الخبر\" وتعجب الحافظ في \"اللسان\" (٥/ ١٥٦) من قول الذهبي، وابن خلاد وثقه العجلي وكذا ابن حبان. قال الحافظ: \"وما أعرف للمؤلف -يعني الذهبي- سلفًا في ذكره في الضعفاء سوى قول ابن يونس. . . إلخ\" والمحفوظ ما رواه الحفاظ عن ابن عيينة بالسند المتقدم: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\". والله أعلم وقد رواه أصحاب الزهري الثقات هكذا.\n(^١) في (ن): \"عوض\"!\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤).\n(^٣) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).\n(^٥) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).\n(^٦) ساقط من (ك) و(ز) و(ع) و(هـ) و(ى).\n(^٧) في \"تفسيره\" (١/ ١١٥).\n(^٨) من (ن) وسقط من (ك).\n(^٩) ساقط من (ج) و(ز) و(ع) و(هـ) و(ى).\n(^١٠) ساقط من (ن) وفيها: \"كما هو عند الجمهور. . . إلخ\" وكذا سقط من (ع) و(هـ).\n(^١١) في (ز): \"ولا\".\n(^١٢) يعني: من \"صحيحه\" (٨/ ١٥٥).\n(^١٣) في \"تفسيره\" (١/ ١٠٧، ١٠٨).","vol":"1","page":147},{"text":"على رأسه أم لنا نقتدي بها … جماع أمور ليس نعصي لها أمرًا\nيعني: الرمح.\nقال: وسميت مكة أم القرى؛ لتقدمها أمام جميعها، وجمعها ما سواها.\nوقيل: لأن الأرض دحيت (منها) (^١).\nويقال لها أيضًا: الفاتحة؛ لأنها تفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام، وصح تسميتها بالسبع المثاني؛ قالوا: لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعةٍ، وإن كان للمثاني معنى آخر غير هذا كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله (تعالى) (^٢).\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا ابن أبي ذئب، وهاشم بن هاشم، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، أنه قال في أم القرآن: \"هي أم القرآن وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم\".\nثم رواه (^٤) عن إسماعيل بن عمر، عن ابن أبي ذئب، به.\nوقال أبو جعفر (^٥) محمد بن جرير الطبري: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ؛ قال: \"هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني\".\nوقال الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في \"تفسيره\": حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، حدثنا محمد بن غالب بن (حرب) (^٦)، حدثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي، حدثنا المعافى بن عمران، عن عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، عن المقبري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الحمد لله رب العالمين سبع آيات: بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم؛ وهي أم الكتاب، (وفاتحة الكتاب) \" (^٧).\nوقد رواه الدارقطني (^٨) أيضًا عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه أو مثله؛ وقال: \"كلهم ثقات\".\n_________\n(^١) في (ز) و(ك): \"من تحتها\".\n(^٢) من (ك) و(ن).\n(^٣) في مسنده (٢/ ٤٤٨).\n(^٤) في \"مسند\" (٢/ ٤٤٨).\n(^٥) في \"تفسيره\" (١/ ٤٠، ٤١) وقد تقدم تخريجه في أول السورة.\n(^٦) في (ن): \"حارث\" وهو خطأ، وهو محمد بن غالب بن حرب المعروف بـ \"تمتام\" أحد الحفاظ له ترجمة في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١/ ٥٥) و\"تاريخ بغداد\" (٣/ ١٤٣ - ١٤٦).\n(^٧) ساقط من (ج).\n(^٨) في \"سننه\" (١/ ٣١٢)؛ وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (ج ٢/ ق ١٠/ ٢ - ١١/ ١)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٤٥، ٣٧٦، ٣٧٧)؛ وفي \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٢١)؛ والثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ٦/ ١) من طريق عبد الحميد بن جعفر سنده سواء. ونقل المصنف ﵀ عن الدارقطني أنه قال: \"كلهم ثقات\" ولم أجد هذا القول في \"سننه\" وإنما قاله في الحديث الذي بعده، فلعلَّ نظر المصنف انتقل حال النقل، والله أعلم. =","vol":"1","page":148},{"text":"وروى البيهقي (^١) عن علي، وابن عباس، وأبي هريرة؛ أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] بالفاتحة، وأن البسملة هي الآية السابعة منها وسيأتي تمام هذا عند البسملة.\n[وقد روى الأعمش (^٢)، عن إبراهيم؛ قال: قيل لابن مسعود:] (^٣) (^٤) [لم لم تكتب الفاتحة في مصحفك؟ فقال: لو كتبتها لكتبتها في أول كل سورة. قال أبو بكر بن داود: يعني حيث يقرأ في الصلاة، قال: واكتفيت بحفظ المسلمين لها عن كتابتها.\nوقد قيل: إن الفاتحة أول شيء أنزل من القرآن، كما ورد في حديث رواه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (^٥)، ونقله الباقلاني أحد أقوال ثلاثة. (هذا أحدها) (^٦)؛ وقيل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر] كما في حديث جابر في \"الصحيح\" (^٧). وقيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق] وهذا هو الصحيح (^٨) كما سيأتي تقريره في موضعه، والله المستعان] (٤).\n_________\n= وقد رواه أبو بكر الحنفي، كما عند الدارقطني، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا. قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد المقبري عن أبي هريرة بمثله ولم يرفعه، وهذا هو الصواب، وعندي أن عبد الحميد بن جعفر وهم في رفعه، فهو وإن كان وثقه غير واحد فقد ضعفه الثوري ولينه النسائي، وقال ابن حبان: \"ربما أخطأ\" ومما يدل على وهمه أن أبا بكر الحنفي وهو أوثق منه لقي نوحًا فحدثه به موقوفًا، ويتأيد هذا البحث بما رواه الثعلبي (١/ ٩/ ١) من طريق يزيد بن سنان، نا أبو بكر الحنفي، نا نوح بن أبي بلال قال: سمعت سعيدًا المقبري.\nعن أبي هريرة قال: \"إذا قرأتم أم القرآن فلا تدعوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها إحدى آياتها، وإنها السبع المثاني\" هكذا ذكره موقوفًا، ويزيد بن سنان أبو خالد القزاز وثقه النسائي، وابن حبان وابن أبي حاتم وزاد: \"صدوق\"، ومما يدل على هذا أيضًا أن الثقات رووه عن ابن أبي ذئب عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا ولم يذكر أحد منهم: \"إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم\". والله أعلم. ثم رأيت البيهقي (٢/ ٤٥) صحح وقفه فللَّه الحمد.\n(^١) في \"سننه\" (٢/ ٤٥). وأخرجه هذه الآثار أيضًا سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ق ١٤٦/ ١)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٢/ ٧٩)؛ وعبد الرزاق في \"المصنف\" (ج ٢/ رقم ٢٦٠٩)؛ والطبري (١٤/ ٥٤، ٥٥)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (٢١٤١، ٢١٤٢)؛ والحاكم (٢/ ٢٥٧)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٠/ ٢١٢).\nوإسناد أثر علي بن أبي طالب جيد، أما أثر ابن عباس فصححه الحاكم ووافقه الذهبي! وفيه والد ابن جريج تكلم فيه البخاري والعقيلي.\n(^٢) لكنه منقطع، وإبراهيم النخعي لم يدرك ابن مسعود.\n(^٣) ساقط من (ز) و(هـ) و(ي).\n(^٤) ساقط من (ز) و(هـ) و(ي).\n(^٥) انظر: \"الدلائل\" (٢/ ١٥٨) وقال البيهقي: \"فهذا منقطع\".\nوقال المصنف في \"البداية والنهاية\" (٣/ ٩) بعد أن عزاه لأبي نعيم أيضًا: \"وهو مرسل، وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل\". وزعم الزمخشري في \"الكشاف\" (٤/ ٢٢٣) أن أكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ما نزل من القرآن، هو خطأ واضح، وكان الرجل مزجى البضاعة في النقل، تام الفقر في هذا الباب، وهذا سمت عام للمعتزلة وهو الجهل بالنقل، لذلك ضلوا، فنسأل الله أن يربط على قلوبنا حتى نلقاه.\nوتعقبه الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٧١٤) وقال بعد حكاية مقالته: \"كذا قال! والذي ذهب أكثر الأئمة إليه هو الأول؛ يعني: أن سورة العلق أول ما نزل، وأما الذي نسبه إلى الأكثر فلم يقل به إلا عدد أقل من القليل بالنسبة إلى من قال بالأول\". اهـ.\n(^٦) ساقط من (ن) وسقط لفظ \"أحدها\" من (ج) و(ك) و(ى).\n(^٧) أخرجه البخاري (٨/ ٦٧٦، ٦٧٧)؛ ومسلم (٢٥٧/ ٧٣) ويأتي تخريجه بعد إن شاء الله.\n(^٨) وثبت فيه حديث عائشة وغيره، ويأتي تخريجه في موضعه إن شاء الله.","vol":"1","page":149},{"text":"ذكر ما ورد في فضل الفاتحة:\nقال الإمام أحمد (^١) (بن محمد بن حنبل) (^٢) رحمه الله تعالى في \"مسنده\": \"حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى (﵁) (^٣) قال: كنت أصلي، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه حتى صليت؛ قال: (وأتيته) (^٤) فقال: \"ما منعك أن تأتيني\"؟ قال: قلت: يا رسول الله؛ إني كنت أصلي. قال: \"ألم يقل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] \"، ثم قال: \"لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد\"؛ قال: (٢/ ٤٣/ ٢)؛ فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله؛ إنك قلت: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن. قال: \"نعم، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته\" وهكذا رواه البخاري عن مسدد وعلي ابن المديني، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان، به. ورواه في موضع آخر من \"التفسير\" وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طرق عن شعبة، به.\nورواه الواقدي (^٥)، عن محمد بن معاذ الأنصاري، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى، عن أُبي بن كعب، فذكر نحوه.\nوقد وقع في \"الموطأ\" (^٦) للإمام مالك (بن أنس) (^٧) (﵀) (^٨) ما ينبغي التنبيه عليه؛ فإنه رواه مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي أن أبا سعيد مولى (عامر) (^٩) بن كريز، أخبرهم أن رسول الله ﷺ نادى أُبي بن كعب وهو يصلي في المسجد، فلما فرغ من صلاته لحقه؛ فوضع النبي ﷺ يده على يدي وهو يريد أن يخرج من باب المسجد، ثم قال (ﷺ) (٧): \"إني لأرجو أن لا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في (القرآن) (^١٠) مثلها\".\nقال أُبي (﵁) (٧): فجعلت أُبطئُ في المشي رجاء ذلك؛ ثم قلت: يا رسول الله،\n_________\n(^١) في \"مسنده\" (٤/ ٢١١) وأخرجه أيضًا (٣/ ٤٥٠) قال: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة بمثله وأخرجه البخاري (٨/ ١٥٦، ١٥٧، ٣٠٧، ٣٨١، ٩/ ٥٣)؛ وأبو داود (١٤٥٨)؛ والنسائي (٢/ ١٣٩)؛ وفي \"فضائل القرآن\" (٣٥)، وفي \"تفسيره\" (١، ٢٩)؛ وابن ماجه (٣٧٨٥)؛ والدارمي (١/ ٣٨٩، ٢/ ٣٢٠) وغيرهم من هذا الوجه.\n(^٢) ساقط من (ل).\n(^٣) ساقط من (ل) و(هـ).\n(^٤) في (هـ) و(ن): \"فأتيته\".\n(^٥) والواقدي متروك وشيخه مجهول كما صرح بذلك الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ١٥٧) وتلقفه منه البدر العيني في \"العمدة\" (١٨/ ٨١) والمحفوظ رواية شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن.\n(^٦) (١/ ٨٣/ ٣٧)؛ وأخرجه من طريق مالك إسحاق بن راهويه، كما في \"إتحاف المهرة\" (ق ١٢٥/ ٢)؛ للبوصيري وأبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ١١٧) وقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٠/ ٢١٧): \"أبو سعيد مولى عامر. . . حديثه هذا مرسل\" وقد خولف مالك في إسناده. خالفه شعبة والدراوردي، وعبد الرحمن بن إبراهيم، وإسماعيل بن جعفر وإبراهيم بن طهمان وجماعة فرووه عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: مرَّ النبي ﷺ على أُبي بن كعب وهو قائم يصلي .. وساق الحديث بنحوه؛ أخرجه النسائي في \"تفسيره\" (٢٢٥)؛ والترمذي (٢٨٧٥) وقال: \"حسن صحيح\"؛ والدارمي (٢/ ٣٢٠، ٣٢١)؛ وأحمد (٢/ ٤١٢، ٤١٣)، وغيرهم. واختلف في إسناده أيضًا.\n(^٧) ساقط من (ك).\n(^٨) من (ن).\n(^٩) وقع في (ك) و(ن): \"ابن عامر\".\n(^١٠) كذا في (هـ) و(ى) وهو الموافق لما في \"الموطأ\" ووقع في (ج) و(ز) و(ك) و(ل): \"الفرقان\".","vol":"1","page":150},{"text":"(السورة) (^١) التي وعدتني؟ قال: \"كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ \" قال: فقرأت عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ حتى أتيت على آخرها؛ فقال رسول الله ﷺ: \"هي هذه السورة، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيت\".\nفأبو سعيد هذا ليس بأبي سعيد بن المعلى كما اعتقده ابن (^٢) الأثير في \"جامع الأصول\" ومن تبعه؛ فإن ابن المعلى صحابي أنصاري، وهذا تابعي من موالي خزاعة، وذاك الحديث متصل صحيح، وهذا ظاهره أنه منقطع إن لم يكن سمعه أبو سعيد هذا من أُبي بن كعب؛ فإن كان قد سمعه منه فهو على شرط (^٣) مسلم. والله أعلم.\nعلى أنه قد روى عن أُبي بن كعب من غير وجه، كما قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: خرج رسول الله ﷺ على أُبي بن كعب وهو يصلي؛ فقال، يا أُبي. فالتفتَ ثم لم يجبه؛ ثم (صلى) (^٥) أُبي، فخفف ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ، فقال: السلام عليك أي رسول الله.\n[(فقال: \"وعليك السلام. ما منعك أي أُبي (إذ) (^٦) دعوتك أن تجيبني؟ \" فقال: أي رسول الله؛ إني)] (^٧) كنت في الصلاة. قال: \"أولست تجد فيما أوحى الله تعالى إليّ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] \" قال: بلى يا رسول الله؛ لا أعود، قال: \"أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ \" قلت: نعم أي رسول الله. قال رسول الله ﷺ: \"إني لأرجو ألا أخرج من هذا الباب حتى تعلمها\". قال: فأخذ رسول الله ﷺ بيدي يحدثني وأنا (أتبطأ) (^٨) مخافة أن يبلغ قبل أن يقضى\n_________\n(^١) وقع في (ز) و(ن) و(هـ): \"ما السورة\".\n(^٢) وكذلك نبه على خطأ ابن الأثير: الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" (١/ ٢٩)، والحافظ في \"الفتح\" (٨/ ١٥٧).\n(^٣) كذا قال! وهو مذهب جماعة من العلماء منهم الحاكم النيسابوري صاحب \"المستدرك\" أنهم إذا رأوا رجال الإسناد رجال الصحيح قالوا على شرطه، والصواب: مراعاة الترجمة، فإذا كان صاحب \"الصحيح\" مثلًا أخرج هذه الترجمة قيل: إنها على شرطه، وليس مجرد الرجال حسب وخذ مثلًا: فهشيم بن بشير من رجال \"الصحيحين\" وكذا الزهري، ومع ذلك فلو رأينا الإسناد: \"هشيم عن الزهري\" فلا يقال: على شرطهما؛ لأنهما ما أخرجا شيئًا لهشيم عن الزهري إنما أخرج هذه الترجمة النسائي والترمذي، فبعد هذا نقول: لو سمعه أبو سعيد مولى عامر من أُبي بن كعب لم يكن على شرط مسلم؛ لأنه لم يخرج هذه الترجمة، إنما روى حديثًا واحدًا لأبي سعيد هذا ولكن عن أبي هريرة. والله أعلم.\n(^٤) في \"مسنده\" (٢/ ٤١٢، ٤١٣)؛ وأخرجه النسائي في \"تفسيره\" (٢٢٥)؛ والترمذي (٢٨٧٥)؛ والدارمي (٢/ ٣٢٠، ٣٢١)؛ وأبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ١١٦، ١١٧)؛ وابن جرير في \"تفسيره\" (١٤/ ٤٠)؛ وابن خزيمة (٢/ ٣٧، ٣٨)؛ وأبو يعلى (١١/ ٣٦٧)؛ والسراج في \"تاريخه\"، كما في \"التمهيد\" (٢٠/ ٢١٨)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (١/ ٤٦٧، ٤٦٨)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٠/ ٢١٨، ٢١٩)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٤٤٤، ٤٤٥، ٤٤٦)، وفي \"تفسيره\" (١/ ٤٢، ٤٣) من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن به وصححه الترمذي والبغوي.\n(^٥) في كل (الأصول): \"قال\"، وما ذكرته من \"المسند\".\n(^٦) في (ج) و(ل): \"أن\".\n(^٧) ساقط من (ك).\n(^٨) كذا في (ز) وهو الموافق لما في \"المسند\" وفي سائر (الأصول): \"أتباطأ\" وهما بمعنى.","vol":"1","page":151},{"text":"الحديث. فلما دنونا من الباب قلت: أي رسول الله؛ ما السورة التي وعدتني؟ قال: \"ما تقرأ في الصلاة؟ \" قال: فقرأت عليه أم القرآن. قال: \"والذي نفسي بيده! ما (أنزل الله) (^١) في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؛ إنها السبع المثاني\".\nورواه الترمذي، عن قتيبة، عن الدراوردي، عن العلاء، (عن أبيه) (^٢)، عن أبي هريرة (﵁) (^٣). . . فذكره.\nوعنده: \"أنها من السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيته\".\nثم قال: هذا حديث حسن صحيح.\nوفي الباب عن أنس (^٤) بن مالك.\nورواه عبد (^٥) الله ابن الإمام أحمد، عن إسماعيل (أبي معمر) (^٦)، عن أبي أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أُبي بن كعب فذكره مطولًا بنحوه أو (قريب) (^٧) منه.\n_________\n(^١) كذا في (ز) وهو الموافق لرواية \"المسند\"، وفي سائر (الأصول): \"أنزل\".\n(^٢) من أول سورة الفاتحة إلى هذا الموضع ساقط من النسخة (ع).\n(^٣) زيادة من (ن).\n(^٤) أخرجه النسائي في \"فضائل القرآن\" (٣٦)؛ وفي \"اليوم والليلة\" (٧٢٣)؛ وابن حبان (١٧١٣)؛ والحاكم (١/ ٥٦٠)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٥١٤٤)؛ والضياء في \"المختارة\" (١٧١٨، ١٧١٩، ١٧٢٠) من طريق علي بن عبد الحميد المعني، بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النون، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن أنس قال: كان النبي ﷺ في مسير، فمشى ورجل من أصحابه إلى جنبه، فالتفت إليه وقال: \"ألا أخبرك بأفضل القرآن؟ قال: فتلا: الحمد لله رب العالمين\". وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم قلت: بل صحيح فقط، وعلي بن عبد الحميد لم يخرج له مسلم شيئًا، وعلق له البخاري، والله أعلم.\nوالحديث عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ١٥)؛ لأبي ذر الهروي في \"الفضائل\".\n(^٥) في \"زوائد المسند\" (٥/ ١١٤، ١١٥)؛ وأخرجه النسائي (٢/ ١٣٩)؛ والترمذي (٣١٢٥)؛ والدارمي (٢/ ٣٢٠)؛ وابن خزيمة (ج ١/ رقم ٥٠٠، ٥٠١)؛ وابن حبان (١٧١٤ - موارد)؛ وابن المنذر في (الأوسط) (٣/ ٩٩)؛ وعبد بن حميد (١٦٥)؛ وابن الضريس في \"فضائل القرآن\" (١٤٦)؛ وابن جرير (١٤/ ٤١)؛ والحاكم (١/ ٥٥٨، ٢/ ٢٥٨)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٠/ ٢١٨، ٢١٩)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٣٩)، وفي \"القراءة خلف الإمام\" (١٠٣) من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أُبي بن كعب. . . فذكره.\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم\"!\nقلت: وقد خولف عبد الحميد، خالفه جماعة كثر منهم الدراوردي وإسماعيل بن جعفر وآخرون سبق ذكر أسمائهم فرووه عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن أُبيًّا. . . الحديث. فجعلوه من \"مسند أبي هريرة\".\nورجح الترمذي رواية الدراوردي ومن معه، وخالفه ابن عبد البر فقال في \"التمهيد\": \"رواية عبد الحميد بن جعفر أشبه عندي\". وحكم الترمذي أصح وأسد؛ لأن عبد الحميد بن جعفر وإن كان ثقة فقد قال ابن حبان: \"ربما أخطأ\" وقد خالفه عشرة من الثقات فروايتهم أولى، وتتأيد روايتهم بشيء آخر ذكرته في \"التسلية\" والمقام هنا لا يحتمل البسط. والله الموفق.\n(^٦) وقع في (ز) و(ن): \"ابن أبي معمر\" وهو خطأ، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن معمر أبو معمر القطيعي الهروي نزيل بغداد، قال ابن معين: \"ثقة مأمون\".\n(^٧) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى). ووقع في (ز) و(ن) و(هـ): \"قريبًا\".","vol":"1","page":152},{"text":"وقد رواه الترمذي والنسائي جميعًا عن أبي عمار حسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أُبي بن كعب؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي نصفين\". هذا لفظ النسائي.\nوقال الترمذي: \" (حديث) (^١) حسن غريب\".\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا هاشم -يعني ابن البريد، حدثنا عبد الله بن محمد (بن) (^٣) عقيل، عن (ابن) (^٤) جابر؛ قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وقد أهراق الماء فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليّ (قال) (^٥): فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد (علي) (^٦). قال: فانطلق رسول الله ﷺ يمشي وأنا خلفه حتى دخل رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلست كئيبًا حزينًا، فخرج علي رسول الله ﷺ (و) (^٧) قد تطهر، فقال: \"عليك السلام ورحمة (^٨) الله؛ وعليك السلام ورحمة الله\"؛ ثم قال: \"ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر (بأخير) (^٩) سورة في القرآن؟ \" قلت: بلى يا رسول الله قال: \"اقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ حتى تختمها\".\nهذا إسناد جيد، وابن عقيل (^١٠) هذا يحتج به الأئمة الكبار، وعبد الله بن جابر هذا (هو) (^١١) الصحابي ذكر ابن الجوزي أنه هو العبدي. والله أعلم. ويقال: إنه عبد الله بن جابر الأنصاري (^١٢) البياضي فيما ذكره الحافظ ابن عساكرٍ.\n_________\n(^١) زيادة من (ن) و(هـ).\n(^٢) في \"مسنده\" (٤/ ١٧٧). وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٥٣) من طريق علي بن هاشم، عن هاشم بن البريد بسنده سواء. وقد اختلف في إسناده كما يأتي.\n(^٣) في (ج): \"عن\" وهو خطأ.\n(^٤) ساقط من (ن).\n(^٥) من (ز) و(ل) و(ن) و(هـ).\n(^٦) ساقط من (ج).\n(^٧) من (ن).\n(^٨) في (ن) زيادة \"وبركاته\" في الموضعين، ولم يقع هذا اللفظ في \"المسند\".\n(^٩) كذا في \"الأصول\" كلها، وفي \"المسند\": \"بخير\"، وفي (ل): \"ما خير\".\n(^١٠) لكن اختلف عليه في إسناده فقد رواه محمد بن عبيد وعلي بن هاشم كلاهما عن هاشم بن البريد عن ابن عقيل، عن عبد الله بن جابر. وخالفهما عيسى بن يونس فرواه عن هاشم بن البريد، عن ابن عقيل، عن جابر بن عبد الله الأنصاري فذكر نحوه من أوله فقط ولم يذكر \"ألا أخبرك. . . إلخ\" أخرجه ابن ماجه (٣٥٢)؛ وأبو يعلى، كما في \"زوائد البوصيري\"، وابن أبي حاتم في \"العلل\" (٦٨)؛ وابن عدي (٧/ ٢٥٧٤)؛ والخطيب في \"تلخيص المتشابه\" (٧٦٦/ ٢). وحسن إسناده البوصيري في \"الزوائد\" وقال مغلطاي في \"شرح ابن ماجه\" (ج ١/ ق ٦٨/ ١) \"هذا الحديث إسناده لا بأس\". اهـ. ولعل هذا الاختلاف من عبد الله بن محمد بن عقيل مع أنه يلوح لي أنهما حديثان لا حديث واحد، لاشتمال حديث محمد بن عبيد وعلي بن هاشم على زيادة في المتن ليست في حديث عيسى بن يونس. والله أعلم.\n(^١١) زيادة من (ز).\n(^١٢) ولعل هذا هو الصواب، وقد ذكر الحافظ في \"الإصابة\" (٤/ ٣٣، ٣٤) هذا الحديث في ترجمة \"البياضي\" دون العبدي. والله أعلم.","vol":"1","page":153},{"text":"[واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض، كما هو المحكي عن كثير من العلماء؛ منهم إسحاق بن] (^١) [راهويه، وأبو بكر بن العربي، وابن (^٢) الحصار من المالكية.\nوذهبت طائفة أخرى إلى أنه لا تفاضل في ذلك؛ لأن الجميع كلام الله، ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه، وإن كان الجميع فاضلًا. نقله القرطبي عن الأشعري، وأبي بكر الباقلاني، وأبي حاتم (ابن حبان) (^٣) البستي، ويحيى بن يحيى، وروايةً عن الإمام مالك (أيضًا) (^٤)] (^٢).\nحديث آخر: قال البخاري في \"فضائل القرآن\" (^٥): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا وهب، حدثنا هشام، عن محمد، عن معبد، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: كنا في مسير لنا، فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم، وإن نفرنا غيب، فهل (منكم) (^٦) راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأْبِنُهُ (^٧) برقية، فرقاه فبرأ؛ فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنًا؛ فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقيةً؟ أو كنت ترقى؟ قال: لا ما رقيت إلا بأم الكتاب. قلنا: لا تحدثوا شيئًا حتى نأتي (أو) (^٨) نسأل رسول الله ﷺ.\n(فلما قدمنا إلى المدينة ذكرناه للنبي ﷺ) (^٩) فقال: \"وما كان يدريه أنها رقية؟، اقسموا واضربوا لي بسهم\".\nوقال أبو معمر (^١٠): حدثنا عبد الوارث، حدثنا هشام، حدثنا محمد بن سيرين، حدثني معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري بهذا.\n_________\n(^١) ساقط من (ع).\n(^٢) ساقط من (ع) ووقع في (ن): \"ابن الحضار\" بالضاد المعجمة، وهو تصحيف وصوابه بالصاد المهملة وهو أبو المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن محمد القرطبي المالكي كان أحد الأذكياء. قال ابن حزم: \"ما لقيت أشد إنصافًا في المناظرة من ابن بشر، ولقد كان أعلم من لقيته بمذهب مالك مع قوته في علم اللغة والنحو ودقة فهمه\". وانظر: \"السير\" (١٧/ ٤٧٣ - ٤٧٥). قلت: وهذه شهادة من بين فكي أسد، فللَّه دره.\n(^٣) ساقط من (هـ) و(ى) وفي (ن) زيادة: \"وأبي حيان\" وأظنه تكرير من الناسخ.\n(^٤) ساقط من (ز).\n(^٥) يعني: من \"صحيحه\" (٩/ ٥٤)؛ وهشام هو ابن حسان، ومحمد ومعبد هما ابنا سيرين؛ وأخرجه مسلم (٢٢٠١/ ٦٦)؛ وأبو داود (٣٤١٩)؛ وأحمد (٣/ ٨٣)؛ وابن حبان (٦١١٣) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا هشام بن حسان بسنده سواء نحوه.\n(^٦) في (ج): \"معكم\" بالعين المهملة بدل النون، والذي في \"البخاري\" وسائر (الأصول): \"منكم\".\n(^٧) نأبنُهُ برقيةٍ: أي ما كنا نعلم أنه يرقى فنعيبه بذلك. كذا في \"النهاية\" (١/ ١٧).\n(^٨) كذا في \"البخاري\" وفي سائر (الأصول)، وفي (ن): \"ونسأل\" بواو العطف.\n(^٩) ساقط من (ج).\n(^١٠) وهذا التعليق وصله الإسماعيلي في \"مستخرجه\" من طريق محمد بن يحيى الذهلي، عن أبي معمر قال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٥٤، ٥٥): \"أراد؛ يعني: البخاري، بهذا التعليق التصريح من محمد بن سيرين لهشام، ومن معبد لمحمد، فإنه في الإسناد الذي ساقه أولًا بالعنعنة في الموضعين\".","vol":"1","page":154},{"text":"وهكذا رواه مسلم، وأبو داود، من رواية هشام - وهو ابن حسان، عن ابن سيرين، به.\nوفي بعض روايات \"مسلم\" (^١) لهذا الحديث أن أبا سعيد الخدري هو الذي رقى ذلك السليم؛ يعني: اللديغ؛ يسمونه بذلك تفاؤلًا.\nحديث آخر: روى \"مسلم\" (^٢) في \"صحيحه\"، والنسائي في \"سننه\"، من حديث أبي الأحوص سلام بن سليم، عن عمار بن رزيق، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: بينا رسول الله ﷺ وعنده جبرائيل إذ سمع نقيضًا (^٣) فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط. قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي ﷺ فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفًا منها إلا أوتيته.\nوهذا لفظ النسائي ولمسلم نحوه.\nحديث آخر: قال مسلم (^٤): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -هو ابن راهويه، حدثنا سفيان بن عيينة، عن العلاء- يعني ابن عبد الرحمن بن يعقوب (الحرقي) (^٥)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداع -ثلاثًا- غير تمام\".\nفقيل لأبي هريرة: إنا نكون (وراء) (^٦) الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله ﷿: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ \" (قال) (^٧): مجدني عبدي.\n_________\n(^١) كذا! وهو وهم، ولم يقع ذلك في \"صحيح مسلم\" إنما أخرجه النسائي في \"اليوم والليلة\" (١٠٢٧، ١٠٣٠)؛ والترمذي (٢٠٥٣)؛ وابن ماجه (٢١٥٦)؛ وأحمد (٣/ ١٠) وغيرهم من طريق الأعمش، عن أبي بشر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد فذكره وفيه: \"فأتونا فقالوا: هل أحد منكم يرقي؟ قلت: أنا راق. . . الحديث\". وأخرجه أحمد (٣/ ٥٠)؛ والدارقطني (٣/ ٦٤) من طريق عبد الرحمن بن النعمان أبي النعمان الأنصاري، قال: سمعت سليمان بن قتة، بالقاف والتاء المثناة من فوق، قال: نا أبو سعيد الخدري فذكر الحديث وفيه: \"فمر بنا رجل من أهل القرية، فقال: يا معشر العرب هل منكم أحد يحسن أن يرقي؟ إن الملك يموت. فقال أبو سعيد: فأتيته فقرأ عليه فاتحة الكتاب فأفاق وبرأ. . . الحديث\".\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٠٦).\n(^٣) نقيضًا؛ أي: صوتًا كصوت الباب إذا فتح.\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣٩٥/ ٣٨)؛ وأخرجه البخاري في \"جزء القراءة\" (١١، ٧١، ٧٤، ٧٨، ٢٦١)؛ وأبو عوانة (٢/ ١٢٧)؛ والترمذي (٢٩٥٣)؛ وأحمد (٢/ ٢٤١)؛ والحميدي (٩٧٣، ٩٧٤)؛ وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢٣)؛ والسراج في \"حديثه\" (ج ١٠/ ق ١٩٠/ ١، ٢) وآخرون من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مطولًا ومختصرًا.\n(^٥) الحرقي، بضم الحاء المهملة وفتح الراء، ووقع في (ن): \"الخرقي\" بالخاء المعجمة وهو تصحيف.\n(^٦) كذا في \"صحيح مسلم\" وفي سائر (الأصول). ووقع في (ن): \"خلف\" وهو شاذ.\n(^٧) كذا في \"صحيح مسلم\" وهو كذلك في (ز) و(ع) و(ى). ووقع في (ج) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ): \"قال الله\".","vol":"1","page":155},{"text":"وقال مرةً: فوض إلي عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) (^١)﴾ (قال) (^٢): هذا لعبدي ولعبدي ما سأل\".\nوهكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، وقد روياه (^٣) أيضًا عن قتيبة، عن مالك، عن العلاء، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، (به) (^٤).\nوفي هذا السياق: \"فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل\".\n(وهكذا) (^٥) رواه ابن إسحاق (^٦) عن العلاء.\nوقد رواه (مسلم) (^٧) من حديث ابن جريج، عن العلاء، عن أبي السائب هكذا.\nورواه أيضًا (^٨) من حديث ابن أبي أويس، عن العلاء، عن أبيه وأبي السائب، كلاهما عن أبي هريرة.\nوقال الترمذي (^٩): \"هذا حديث حسن. وسألت أبا زرعة عنه، فقال: كلا الحديثين صحيح: من قال: عن العلاء، عن أبيه، وعن العلاء، عن أبي السائب\".\nوقد روى هذا الحديث عبد (^١٠) الله ابن الإمام أحمد من حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أُبي بن كعب مطولًا.\nوقال ابن جرير (^١١): حدثنا صالح بن مسمار المروزي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عنبسة بن\n_________\n(^١) وقع في (ج)، و(ع) و(ل) و(ى) بعد قوله الضالين: \"آمين\".\n(^٢) وكذا في \"مسلم\" وفي سائر الأصول أيضًا، ووقع في (ع) و(ن): \"قال الله\".\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٩٥/ ٣٩)؛ والنسائي (٢/ ١٣٥، ١٣٦) كلاهما عن قتيبة بن سعيد عن مالك.\n(^٤) ساقط من (ل) و(ن).\n(^٥) كذا في (ل) و(ن) و(هـ) ووقع في (ج) و(ز) و(ع) و(ى): \"كذا\".\n(^٦) أما رواية بن إسحاق فأخرجها أحمد (٢/ ٢٨٦)؛ والبخاري في \"جزء القراءة\" (٧٣)؛ وابن جرير (١/ ٨٦)؛ والبيهقي في \"القراءة\" (٥٧، ٥٨).\nوهكذا رواه الوليد بن كثير وورقاء بن عمر، ومحمد بن عجلان، جميعًا عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب عن أبي هريرة.\n(^٧) في \"صحيحه\" (٣٩٥/ ٤٠)؛ البخاري في \"جزء القراءة\" (٧٥).\n(^٨) يعني: مسلمًا في \"صحيحه\" (٣٩٥/ ٤١).\n(^٩) وكذا قال في \"العلل الكبير\" (١/ ٢٣٥)؛ وصححه أحمد أيضًا كما في \"مسائل أبي داود\" (ص ٣١٢) وقال الحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" (ج ٣/ ق ٢٠١/ ٢): \"فالحديث صحيح من كلا الوجهين كأن العلاء سمعه من أبيه عن أبي هريرة، وسمعه من أبي السائب وهو عبد الله بن السائب الجهني، عن أبي هريرة، فمرة رواه عن أبيه ومرة رواه عن أبي السائب\". اهـ.\n(^١٠) في \"زوائد المسند\" (٥/ ١١٤، ١١٥) وقد تقدم تخريجه قريبًا.\n(^١١) في \"تفسيره\" (١/ ٨٦)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١٩)؛ والإسماعيلي في \"معجمه\" (ج ٢/ ق ٨٠/ ١، ٢) وعنه السهمي في \"تاريخ جرجان\" (ص ١٨٥)؛ والحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" (ج ٣/ ق ٢٠١/ ٢، ٢٠٢/ ١) من طريق زيد بن الحباب بسنده سواء. وقال الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (١/ ٢٠١)، هذا إسناد جيد صالح، ثم نقل قول ابن كثير بالغرابة وقال: \"ولعله يريد=","vol":"1","page":156},{"text":"سعيد، عن مطرف بن طريف، عن (سعد) (^١) بن إسحاق (بن) (^٢) كعب بن عجرة، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، وله ما سأل؛ فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قال: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ قال: أثنى علي عبدي ثم قال: هذا لي وله ما بقي\".\nوهذا غريب من هذا الوجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-58>(ثم) (^٣) الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة من وجوه:</span>\nأحدها - أنه قد أطلق فيه لفظ الصلاة، والمراد القراءة؛ (كقوله) (^٤) تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] أي: بقراءتك، كما جاء مصرحًا به في \"الصحيح\" (^٥)، عن ابن عباس. وهكذا قال في هذا الحديث: \"قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل\".\nثم بين تفصيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة؛ فدل على (عظمة) (^٦) القراءة في الصلاة، وأنها من أكبر أركانها إذ أطلقت العبادة وأريد بها جزء واحد منها؛ وهو القراءة، كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، والمراد: صلاة الفجر، كما جاء مصرحًا به في \"الصحيحين\" (^٧): (إنه) (^٨) يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.\nفدل هذا كله على أنه لا بدّ من القراءة في الصلاة، وهو اتفاق من العلماء، ولكن اختلفوا في مسألة نذكرها في:\nالوجه الأول: وذلك أنه هل يتعين للقراءة في الصلاة (فاتحة) (^٩) الكتاب أم تجزئ هي (و) (^١٠) غيرها؟ على قولين مشهورين؛ فعند أبي حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم؛ أنها لا تتعين، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة. واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ\n_________\n= أنه لم يروه أحد من حديث جابر إلا بهذا الإسناد، وليس من ذلك بأس، وقد ثبت معناه من حديث أبي هريرة، فهو شاهد قوي لصحته\". اهـ.\n(^١) وقع في (ك) و(ن): \"سعيد\" وهو خطأ.\n(^٢) وقع في (ن): \"عن\" وهو خطأ.\n(^٣) بياض في (ك).\n(^٤) في (ك): \"لقوله\".\n(^٥) أخرجه البخاري (٨/ ٤٠٤، ٤٠٥، ١٣/ ٤٦٣، ٥٠٠، ٥١٨)؛ ومسلم (٤٤٦/ ١٤٥).\nتنبيه: وقع في النسخة المطبوعة من \"سنن الترمذي\" رواية شعبة موصولة بذكر ابن عباس ونص المزي في \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٣٩٧) أن رواية شعبة ليس فيها ذكر \"ابن عباس\" والنسخة كثيرة التحريف والسقط. والله أعلم.\n(^٦) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى) ووقع في (ز): \"عظيم\".\n(^٧) أخرجه البخاري (٢/ ١٣٧، ٨/ ٣٩٩)؛ ومسلم (٦٤٩/ ٢٤٦)؛ وأبو عوانة (١/ ٣٧٧، ٣٧٨)؛ والنسائي (١/ ٢٤١)، وفي \"تفسيره\" (٣١٣)؛ والترمذي (٣١٣٥)؛ وابن ماجه (٦٧٠)؛ وأحمد (٢/ ٤٧٤) من حديث أبي هريرة. وله طرق.\n(^٨) في (ز): \"من أنه\".\n(^٩) في (ن): \"غير فاتحة. . . إلخ\" وهذه اللفظة لا معنى لها.\n(^١٠) في (ز) و(ن): \"أو\".","vol":"1","page":157},{"text":"مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وبما ثبت في \"الصحيحين\" (^١) من حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته - أن رسول الله ﷺ قال له: \"إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن\"؛ قالوا: فأمره بقراءة ما تيسر، ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها، فدل على ما قلنا.\nوالقول الثاني: أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، ولا تجزئ الصلاة بدونها؛ وهو قول بقية الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم، وجمهور العلماء.\nواحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور حيث قال صلوات الله وسلامه عليه: \"من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج\" (^٢). والخداج: هو الناقص، كما فسر به في الحديث \"غير تمام\".\nواحتجوا أيضًا بما ثبت في \"الصحيحين\" (^٣) من حديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\".\nوفي \"صحيح ابن خزيمة\" (^٤)، وابن حبان، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن\". والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ووجه المناظرة ههنا يطول ذكره. وقد أشرنا إلى مأخذهم في ذلك ﵏.\nثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أنه تجب قراءتها في كل ركعةٍ. وقال آخرون: إنما تجب قراءتها في معظم الركعات. وقال الحسن، وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها في ركعة (واحدة) (^٥) (من الصلاة) (^٦) أخذًا بمطلق الحديث: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\".\n(^٧) (وقال أبو حنيفة (وأصحابه) (^٨)، والثوري، والأوزاعي: لا تتعين قراءتها؛ بل لو قرأ بغيرها أجزأه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] (كما تقدم) (^٩)، والله أعلم) (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ٢٣٧، ٢٧٦، ٢٧٧، ١١/ ٣٦) وفي \"جزء القراءة\" (١١٣) مختصرًا؛ ومسلم (٣٩٧/ ٤٥).\n(^٢) مر تخريجه أثناء الحديث القدسي: \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. . . الحديث\".\n(^٣) أخرجه البخاري (٢/ ٢٣٦، ٢٣٧)، وفي \"خلق أفعال العباد\" (٥٢٠، ٥٢١)، وفي \"جزء القراءة\" (٨١)؛ ومسلم (٣٩٤/ ٣٤).\n(^٤) أخرجه ابن خزيمة (٤٩٠)؛ وابن حبان (٤٥٧ - موارد)؛ وأحمد (٢/ ٤٥٧، ٤٧٨)؛ وأبو عوانة (٢/ ١٢٧)؛ والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢١٦)؛ وفي \"المشكل\" (٢/ ٢٣)، من طرق عن شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا. قال ابن حبان: \"لم يقل في خبر العلاء هذا: \"لا تجزئ\" إلا شعبة، ولا عنه إلا وهب بن جرير ومحمد بن كثير\". اهـ.\nقلت: رواه عن شعبة أيضًا: \"غندر، وسعيد بن عامر\". ووقع هذا اللفظ أيضًا في رواية زياد بن أيوب، عن ابن عيينة، عن الزهري عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت مرفوعًا. أخرجه الدارقطني (١/ ٣٢١، ٣٢٢) وقال: \"هذا إسناد صحيح\" وقد خولف زياد بن أيوب، خالفه ثلاثون نفسًا من أصحاب ابن عيينة فرووه عنه بالسند المتقدم بلفظ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" وكأن زيادًا رواه بالمعنى وانظر: \"نصب الراية\" (١/ ٣٦٥) وقد صححه ابن قطان أيضا. والله أعلم.\n(^٥) بياض في (هـ).\n(^٦) في (ز) و(ن): \"الصلوات\" وهذا اللفظ سقط من (ى).\n(^٧) ساقط من (ك).\n(^٨) ساقط من (هـ).\n(^٩) ساقط من (ز) و(ك) و(ن) و(هـ) و(ى).\n(^١٠) ساقط من (ك).","vol":"1","page":158},{"text":"وقد روى ابن (^١) ماجه، من حديث أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعًا: \"لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها\". وفي صحة هذا نظر. وموضع تحرير هذا كله في \"كتاب الأحكام الكبير\" (^٢). والله أعلم.\nوالوجه الثالث: هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء:\nأحدها: أنه تجب عليه قراءتها، كما تجب على إمامه، لعموم الأحاديث المتقدمة.\nوالثاني: لا تجب على المأموم قراءة بالكلية (لا الفاتحة) (^٣) ولا غيرها، لا في الصلاة الجهرية ولا في الصلاة السرية، لما رواه الإمام أحمد بن (^٤) حنبل في \"مسنده\"، عن جابر بن\n_________\n(^١) في (سننه) (٨٣٩)؛ وأخرجه الترمذي (٢٣٨)؛ وعنه ابن الجوزي في \"الواهيات\" (٧٠٦)؛ وابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ٣٨١) من طريق أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة، عن سعيد مرفوعًا بلفظ أطول وفيه: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها\". وليس عندهم: \"في كل ركعة\" وهي زيادة منكرة جدًّا، وأبو سفيان السعدي اسمه طريف بن شهاب تركه النسائي وضعفه ابن معين وأحمد، وقال ابن حبان: \"كان شيخًا مغفلًا\".\nوالحديث بهذا السياق منكر، وقد ثبت في \"الصحيحين\" من حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قرأ في الركعتين الأخيرتين من الظهر والعصر بأم الكتاب وحدها. والله أعلم.\nوالحديث ضعفه الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ٢٣٢)؛ والبوصيري في \"الزوائد\" (٢٩١/ ٢) وقال: \"هذا إسناد ضعيف، وأبو سفيان السعدي اسمه طريف بن شهاب، وقيل: ابن سعد، قال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه لكن لم ينفرد ابن ماجه بإخراج هذا الحديث عن أبي سفيان عن أبي نضرة فقد تابع أبا سفيان على روايته لهذا الحديث قتادة كما رواه. . . إلخ\".\nقلت: كذا قال البوصيري! وفي قوله: تسامح، فإن قتادة وإن تابعه على الإسناد لكنه خالفه في لفظه فقد أخرجه أبو داود (٨١٨)؛ والبخاري في \"جزء القراءة\" (١٢)؛ وأحمد (٣/ ٣، ٩٧)؛ وأبو يعلى (ج ٢/ رقم ١٢١٠)، وعنه ابن حبان (١٧٩٠) من طريق همام بن يحيى، قال: ثنا قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: أمرنا نبينا ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر. وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٢٤٣): \"سنده قوي\" وقال في \"التلخيص\" (١/ ٢٣٢): \"إسناده صحيح\".\n(^٢) وهذا الكتاب ما أتمَّه المصنف ﵀، ووصل فيه إلى كتاب الحج كما قال السيوطي في: \"ذيل تذكرة الحفاظ\" (ص ٣٦١)؛ والداودي في \"الطبقات\" (١/ ١١١) وذكر الكتاب أيضًا ابن العماد الحنبلي في \"شذرات الذهب\" (٦/ ٢٣١).\n(^٣) وقع في (ن): \"للفاتحة\" ثم ضبطها بفتح اللام الأولى وسكون اللام الثانية، وبهذا الضبط يلتقى مع بقية الأصول ولكن خالفهم في رسم الحرف.\n(^٤) في \"مسنده\" (٣/ ٣٣٩) قال: حدثنا أسود بن عامر، أنا حسن بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا. . . فذكره.\nقلت: كذا وقع الإسناد في \"المسند\" وسقط منه \"جابر الجعفي\" رواية عن \"أبي الزبير\" وقد أثبته الحافظ في \"أطراف المسند\" (٢/ ١٣٩)، ورواه ابن الجوزي في \"التحقيق\" (١/ ٣٢٠) من طريق أحمد فأثبته. والله أعلم.\nوأخرجه ابن ماجه (٨٥٠)؛ وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (١٠٥٠)؛ والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢١٧)؛ والدارقطني (١/ ٣٣١)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٥٤٢)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٣٣٤) من طرق عن الحسن بن صالح بسنده سواء وسنده ضعيف جدًّا لوهاء جابر الجعفي وتابعه ليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير بسنده سواء.\nأخرجه الطحاوي (١/ ٢١٧)؛ والدارقطني (١/ ٣٣١)؛ وابن عدي (٦/ ٢١٠٧)؛ وابن الأعرابي في \"معجمه\" =","vol":"1","page":159},{"text":"عبد الله، عن النبي ﷺ أنه قال: \"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة\". ولكن إسناده (^١) ضعيف.\nورواه (^٢) مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر من كلامه؛ وقد روي هذا الحديث من طرق، ولا يصح شيء منها عن النبي ﷺ، والله أعلم.\nوالقول الثالث: أنه تجب القراءة على المأموم في السرية لما تقدم، ولا يجب ذلك في الجهرية، لما ثبت في \"صحيح (^٣) مسلم\"، عن أبي موسى الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا؛ وإذا قرأ فأنصتوا. . .\" وذكر بقية الحديث.\nوهكذا رواه بقية \"أهل السنن\" (^٤): أبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة،\n_________\n= (ق ١٧٣/ ١)؛ والبيهقي (٢/ ١٦٠) وضعفه من الوجهين الدارقطني وابن عدي والبيهقي وقد وقع في سنده اختلاف مؤثر، ولا يصح هذا الحديث إلا موقوفًا وقد ضعفه صيارفة هذا الفن، ممن تقدم ذكره ونزيد أيضًا: البخاري وأبا موسى الرازي أحد الحفاظ، وابن المنذر وكثيرًا من المتأخرين منهم والحافظ وغيرهما.\n(^١) في هذا الحكم تسامح، والصواب أنه ضعيف جدًّا كما تقدم.\n(^٢) في \"الموطأ\" (١/ ٨٤/ ٣٨)؛ وأخرجه الطحاوي (١/ ٢١٧)؛ والدارقطني (١/ ٣٢٧)؛ والخلعي في \"الخلعيات\" (٢٠/ ٤٧/ ١)؛ والبيهقي (٢/ ١٦٠) من طريق مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر قال: \"من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن لم يصل إلا وراء الإمام\".\nقال البيهقي: \"هذا هو الصحيح عن جابر من قوله غير مرفوع\".\n(^٣) أخرجه مسلم (٤٠٤/ ٦٣).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٦٠٤)؛ والنسائي (٢/ ١٤١، ١٤٢)؛ وابن ماجه (٨٤٦)؛ وأحمد (٢/ ٤٢٠)؛ وابنه عبد الله في \"زوائد المسند\" في ذات الموضع؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٣٢٦)؛ والطحاوي في \"الشرح\" (١/ ٢١٧)؛ وتمام الرازي في \"الفوائد\" (٩٧٢)؛ والدارقطني (١/ ٣٢٧)؛ والبيهقي (٢/ ١٥٦) من طريق أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره مطولًا.\nوهذا الحديث لم يخرجه الترمذي كما قال المصنف ﵀. قال أبو داود: \"وهذه الزيادة: \"إذا قرأ فأنصتوا\" ليست بمحفوظة، والوهم عندنا من أبي خالد\".\nوقال البخاري في \"جزء القراءة\" (٢٦٧): \"ولم يذكروا \"فأنصتوا\" ولا يعرف هذا من صحيح حديث أبي خالد الأحمر، قال أحمد: أراه يدلس\" ثم قال: \"روى أبو سلمة، وهمم، وأبو يونس وغير واحد عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، ولم يتابع أبو خالد في زيادته\". اهـ.\nونقل البيهقي (٢/ ١٥٦، ١٥٧) عن ابن معين أنه سئل عن هذا الحديث فقال: \"ليس بشيء\". وخالفهم في ذلك الإمام مسلم فسأله أبو بكر ابن أخت أبي النضر فقال له: فحديث أبي هريرة هو صحيح؟ يعني: \"إذا قرأ فأنصتوا\" فقال مسلم: هو عندي صحيح فقال له: لم لم تضعه ههنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا على صحته\". وكذا صححه الإمام أحمد كما قال ابن عبد البر؛ ونقله عنه ابن التركماني في \"الجوهر النقي\" (٢/ ١٥٧)؛ وصححه أيضًا ابن حزم (٣/ ٢٤٠).\nقلت: أما قول أبي داود والبخاري إن أبا خالد الأحمر لم يتابع على روايته وأنه وهم فيها فليس كذلك. فقد تابعه محمد بن سعد الأنصاري، قال: حدثنا ابن عجلان بسنده سواء أخرجه النسائي (٢/ ١٤٢)؛ والدارقطني (١/ ٣٢٨)؛ والخطيب في \"تاريخه\" (٥/ ٣٢٠) ومحمد بن سعد وثقه محمد بن عبد الله المخرمي وابن معين والنسائي كما في \"تاريخ بغداد\" وكذا تابعه الليث بن سعد عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم ومصعب والقعقاع ثلاثتهم عن أبي صالح مثله أخرجه أبو العباس السراج في \"مسنده\"، كما في \"النكت الظراف\" (٩/ ٣٤٣، ٣٤٤)، للحافظ ورواه إسماعيل بن أبان الغنوي ومحمد بن ميسر الصاغاني=","vol":"1","page":160},{"text":"عن النبي ﷺ أنه قال: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" وقد صححه مسلم (^١) بن الحجاج أيضًا، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول؛ وهو قول قديم للشافعي ﵀؛ والله أعلم، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.\nوالغرض من ذكر هذه المسائل ههنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو (^٢) بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا غسان بن عبيد، عن أبي عمران الجوني، عن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا وضعت جنبك على الفراش، وقرأت فاتحة الكتاب، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] فقد أمنت من كل شيء إلا الموت\".\n\n<span data-type='title' id=toc-59>(الكلام على تفسير أحكام الاستعاذة)</span> (^٣).\n[قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف]] (^٤).\n[وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون]. وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت]] (^٥).\n[فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها؛ وهو أن الله (تعالى) (^٦) يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه، ليرده عنه طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة] (^٧)\n_________\n= وهما ضعيفان عن ابن عجلان؛ بسنده أخرجه الدارقطني (١/ ٣٢٩، ٣٣٠) فإعلال الحديث بأبي خالد الأحمر مع ثقته لا يصح لما ذكرت، وإنما الصواب إعلاله بابن عجلان، وبه أعل الحديث أبو حاتم الرازي، فقال كما في \"العلل\" (٤٦٥) لولده: \"ليست هده الكلمة بالمحفوظة وهي من تخاليط ابن عجلان، وقد رواه خارجة بن مصعب أيضًا، وتابع ابن عجلان، وخارجة أيضًا ليس بالقوي\". اهـ. وكذلك قال البيهقي.\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٣٠٤ عبد الباقي) وإن لم يروه في \"كتابه\" وفي هذا دلالة على أن الشيخين تركا من الأحاديث كثيرًا لم يخرجاه في كتابيهما.\n(^٢) في \"مسنده\" (ج ٤/ رقم ٣١٠٩ - كشف الأستار) وقال: \"لا نعلمه بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه عن أنس ولم نسمعه إلا من إبراهيم\". اهـ. وقال الهيثمي (١٠/ ١٢١): \"فيه غسان بن عبيد وهو ضعيف ووثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح\" وضعفه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٥) أما المنذري فقال في \"الترغيب\" (١/ ٤١٦): \"رجاله رجال الصحيح إلا غسان بن عبيد\" فأوهم أنه قوي وقد قال أحمد: \"خرقت حديثه\" وضعفه ابن معين وابن عدي وغيرهما. فهو علة الحديث. والله أعلم.\n(^٣) كذا في (ج) و(ك) و(ل)، ووقع في (ز) و(ع) و(هـ) و(ى): \"الكلام على تفسير الاستعاذة\". وفي (ن): \"أحكام الاستعاذة والكلام على تفسيرها\".\n(^٤) ساقط من (ع).\n(^٥) ساقط من (ع).\n(^٦) من (ك) و(ن).\n(^٧) ساقط من (ع) و(هـ) و(ى).","vol":"1","page":161},{"text":"[به من العدو الشيطاني لا محالة؛ إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم، لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل؛ كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧].\nوقال (تعالى) (^١): ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر].\nوقال (تعالى) (^١): ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] (^٢).\n[وقد أقسم للوالد آدم ﵇ (^٣) أنه له لمن الناصحين وكذب، فكيف معاملته لنا؟ وقد قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص]] (^٤).\nوقال (الله) (^٥) تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل].\nقالت طائفة من القراء وغيرهم: (يتعوذ) (^٦) بعد القراءة، واعتمدوا (على) (^٧) ظاهر سياق الآية، ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة، وممن ذهب إلى ذلك حمزة فيما نقله (ابن قلوقا عنه) (^٨)، وأبو حاتم السجستاني، حكى ذلك أبو القاسم (^٩) يوسف بن علي بن (جبارة) (^١٠) الهذلي المغربي في (كتابه \"الكامل (^١١) \")؛ وروى عن أبي هريرة أيضًا، وهو غريب.\n(^١٢) (ونقله (فخر الدين) (^١٣) محمد بن عمر الرازي في \"تفسيره\"، عن ابن سيرين في رواية عنه؛ قال: وهو قول إبراهيم النخعي، وداود بن علي الأصبهاني الظاهري.\nوحكى القرطبي (^١٤)، عن أبي بكر بن العربي، عن \"المجموعة\"، عن، مالك ﵀ (تعالى) (^١٥): أن القارئ يتعوذ بعد الفاتحة. واستغربه ابن (^١٦) العربي؛ وحكى قولًا ثالثًا؛ وهو\n_________\n(^١) ساقط من (ع) و(هـ) و(ى).\n(^٢) من (ن).\n(^٣) من (ل) و(ن).\n(^٤) ساقط من (ع) و(هـ) و(ي).\n(^٥) من (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ى).\n(^٦) في (ز): \"نتعوذ\".\n(^٧) ساقط من (ع) و(هـ).\n(^٨) في (ن): \"عنه ابن قلوقا\"، ووقع في (ز): \"فلوفا\" بالفاء. وهو عبد الرحمن بن قلوقا، بقافين راوٍ معروف ضابط.\n(^٩) له ترجمة في \"معرفة القراء الكبار\" للذهبي رقم (٣٦٧) وقال في آخر ترجمته: \"وله أغاليط كثيرة في أسانيد القراءات، وحشد في كتابه أشياء منكرة لا تحل القراءة بها ولا يصح لها إسناد\". اهـ.\n(^١٠) في (ن): \"جنادة\" بالنون والدال المهملة وهو تصحيف.\n(^١١) في (ن): \"كتاب العبادة الكامل\"!! واسم الكتاب \"الكامل في القراءات\".\n(^١٢) ساقط من (ز).\n(^١٣) ساقط من (ن).\n(^١٤) في \"تفسيره\" (١/ ٨٨) ونقله الفخر في \"تفسيره\" (٢٠/ ١١٦) عن الواحدي أنه نقله عن مالك أيضًا.\n(^١٥) من (ج) وسقط ذكر الترحم من (هـ) و(ى).\n(^١٦) في \"أحكام القرآن\" (٣/ ١١٧٦) وقال: \"ومن أغرب ما وجدناه قول مالك في \"المجموعة\" ثم نقله وقال:=","vol":"1","page":162},{"text":"الاستعاذة (أولًا) (^١) وآخرًا جمعًا بين الدليلين، نقله (فخر الدين) (^٢) (الرازي (^٣» (^٤).\nوالمشهور الذي عليه الجمهور أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة لدفع (الوسواس) (^٥) (فيها) (^٦)؛ (ومعنى) (^٧) الآية عندهم: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل] أي: إذا أردت القراءة؛ كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦] أي: إذا أردتم القيام.\nوالدليل على ذلك: الأحاديث عن رسول الله ﷺ بذلك؛ قال الإمام أحمد (^٨) بن حنبل ﵀: حدثنا محمد بن الحسن بن (أتش) (^٩)، حدثنا جعفر بن سليمان، عن علي بن علي بن (الرفاعي\n_________\n= \"وهذا قول لم يرد به أثر، ولا يعضده نظر ولو كان هذا كما قال بعض الناس أن الاستعاذة بعد القراءة لكان تخصيص ذلك بقراءة أم القرآن في الصلاة دعوى عريضة لا تشبه أصول مالك ولا فهمه، والله أعلم بسر هذه الرواية\". اهـ.\nقلت: وكتاب \"المجموعة\" هذا تأليف محمد بن إبراهيم بن عبدوس وكان من كبار أصحاب سحنون وأئمة وقته قال ابن فرحون في \"الديباج المذهب\" (٢/ ١٧٥) في ترجمته: \"ألف كتابًا شريفًا سماه \"المجموعة\" على مذهب مالك وأصحابه، أعجلته المنية قبل تمامه\". اهـ.\nوله ترجمة في \"سير النبلاء\" (١٣/ ٦٣، ٦٤) للذهبي، و\"الوافي بالوفيات\" (١/ ٣٤٢) للصفدي.\n(^١) بياض في (هـ).\n(^٢) من (ج) و(ع) و(ل).\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) من (ن).\n(^٥) في (ن): \"الموسوس\" وأشار في الهامش أن في \"نسخة\": \"الوسواس\".\n(^٦) في (ن): \"عنها\" وهذا اللفظ ساقط في (هـ).\n(^٧) ساقط من (ك).\n(^٨) في \"مسنده\" (٣/ ٥٠)؛ وأخرجه أيضًا (٣/ ٦٩) قال: حدثنا حسن بن الربيع ثنا جعفر بن سليمان بسنده سواء حتى قوله: \"لا إله غيرك\".\nوأخرجه أبو داود (٧٧٥)؛ والنسائي (٢/ ١٣٢)؛ والترمذي (٢٤٢)؛ وابن ماجه (٨٠٤)؛ والدارمي (١/ ٢٢٦)؛ وعبد الرزاق (ج ٢/ رقم ٢٥٥٤)؛ وابن أبي شيبة (١/ ٢٣٢)؛ وابن خزيمة (ج ١/ رقم ٤٦٧)؛ والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ١٩٧، ١٩٨)؛ والطبراني في \"الدعاء\" (٥٠١)؛ والدارقطني (١/ ٢٩٨)؛ والبيهقي (٢/ ٣٤، ٣٥)؛ وابن الجوزي في \"الواهيات\" (١/ ٤٢٠) من طرق عن جعفر بن سليمان الضبعي، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري فذكره.\nقال الترمذي: \"وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب؛ قال: وقد تُكُلِّم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي، وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث\". وأجاب عن ذلك الحافظ في \"نتائج الأفكار\" (١/ ٤١٢، ٤١٣) فقال: \"هذا حديث حسن، فأما النسائي فسكت عليه فاقتضى أنه لا علة له عنده، وأما ابن ماجه فلم يتكلم عليه أصلًا كعادته، وأما البيهقي في أصل كلامه في \"السنن الكبير\" و\"الخلافيات\" أن حديث علي: \"وجهت وجهي. . . \" أرجح من هذا الحديث لكون حديث علي مخرجًا في \"الصحيح\" ولكون هذا وإن جاء من طرق متعددة لكن لا يخلو سنده من مقال، وإن أفاد مجموعها القوة، وهذا حاصل كلام ابن خزيمة في \"صحيحه\" وأشار إلى أن حديث أبي سعيد أرجح، وقال العقيلي بعد أن أخرجه من طريق حارثة في ترجمته في \"الضعفاء\": هذا الحديث روى بأحاديث حسان غير هذا. قال الحافظ: وقد وثق علي بن علي: يحيى بن معين وأحمد وأبو حاتم وآخرون، وسائر رواته رواة الصحيح\". اهـ.\n(^٩) كذا في (ج) و(ع) و(ى). ووقع في (ك) و(ل) و(ن) و(هـ) وفي \"المسند\" \"أنس\"، بنون وسين مهملة، وهو تصحيف. و\"أتش\" بالتاء المثناة فوق وشين معجمة. كما في \"تبصير المنتبه\" (١/ ٢٧) للحافظ و\"توضيح المشتبه\" (١/ ٢٧٥)؛ لابن ناصر الدين الدمشقي.","vol":"1","page":163},{"text":"اليشكري) (^١)، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال: \"سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك\" - (ثم يقول) (^٢) \"لا إله إلا الله ثلاثًا\"؛ ثم يقول:- \"أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه\".\n[(ويقول: (الله أكبر) (^٣)؛ ثلاثًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه)] (^٤).\nوقد رواه أهل السنن الأربعة من رواية جعفر بن سليمان، عن علي بن علي وهو الرفاعي. وقال الترمذي: هو أشهر شيء في هذا الباب، وقد فسر الهمز بالموتة، (وهي) (^٥) الخنق، والنفخ بالكبر، والنفث بالشعر. كما رواه أبو (^٦) داود، وابن ماجه، من حديث شعبة، وعن عمرو بن مرة، عن عاصم (العنزي) (^٧)، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه؛ قال: رأيت رسول الله ﷺ حين دخل في الصلاة قال: \"الله أكبر كبيرًا - ثلاثًا، والحمد لله كثيرًا - ثلاثًا، سبحان الله بكرةً وأصيلًا - ثلاثًا، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان، من همزه ونفخه ونفثه\".\nقال عمرو: همزه: الموتة (^٨). ونفخه: الكبر. ونفثه: الشعر.\n_________\n(^١) كذا في (ز) و(ع) و(ن) و(هـ) و(ى)، ووقع في (ن): \"علي بن الرفاعي اليشكري\" وسقط ذكر \"الرفاعي\" من (ج) و(ك) و(ل) و(المسند).\n(^٢) كذا في (ك) و(ن) و(هـ) وهو الموافق لما في \"المسند\"، ووقع في (ج) و(ز) و(ع) و(ل) و(ى): \"ويقول\".\n(^٣) ساقط من (ن) و(هـ).\n(^٤) ساقط من (ج) و(ز) ووقع في (ك) و(ل) تقديم وتأخير في بعض الكلمات.\n(^٥) كذا في (ز) و(ع) و(ن) و(هـ) و(ى)، ووقع في (ج) و(ك) و(ل): \"وهو\".\n(^٦) أخرجه أبو داود (٦٧٤)؛ وابن ماجه (٨٠٧)؛ وأحمد (٤/ ٨٥)؛ وابن خزيمة (٤٦٨)؛ وابن حبان (٤٤٣، ٤٤٤)؛ والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢/ ٤٨٨، ٤٨٩)؛ والطيالسي (٩٤٧)؛ وأبو يعلى (ج ١٣/ رقم ٧٣٩٨)؛ وابن الجارود في \"المنتقى\" (١٨٠)، والطبراني في \"الكبير\" (ج ٢/ رقم ١٥٦٨)؛ والحاكم (١/ ٢٣٥)؛ والبيهقي (٢/ ٣٥)؛ وابن حزم في \"المحلى\" (٣/ ٢٤٨)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٤٣) من طرق عن شعبة بسنده سواء. قال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي! وليس كما قالا؛ لأن عاصمًا العنزي مجهول ما وثقه إلا ابن حبان، وقد اختلف في اسمه. فرواه حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن مرة فقال: \"عن عباد بن عاصم\" عن نافع بن جبير، عن أبيه فذكره.\nأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣١، ٢٣٨ و١٠/ ١٩٢)؛ وأحمد (٤/ ٨٣)؛ وابن خزيمة (٤٦٩)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٢/ رقم ١٥٧٠). ورواه مسعر بن كدام عن عمرو بن مرة فقال: \"عن رجل من عنزة\" عن نافع بن جبير، عن أبيه. أخرجه أبو داود (٧٦٥)؛ وأحمد (٤/ ٨٠، ٨١)؛ والطبراني في \"الكبير\" (١٥٦٩)؛ والخطيب في تاريخه (١٣/ ٤٣٦، ٤٣٧)؛ وذكر البخاري في \"تاريخه\" أن أبا عوانة رواه عن حصين عن عمرو بن مرة عن عمار بن عاصم، عن نافع بن جبير، عن أبيه. ورواه أيضًا زائدة عن عمرو بن مرة عن عمار بن عاصم مثله قال البزار: \"اختلفوا في اسم العنزي الذي رواه وهو غير معروف\". وقال ابن خزيمة: \"وعاصم العنزي وعباد بن عاصم مجهولان لا يدري من هما ولا يعلم الصحيح ما روى حصين أو شعبة\". اهـ. هكذا فرق بينهما ابن خزيمة، وكذا فعل البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان، والذي يبدو لي أنه رجل واحد اضطرب الرواة في تعيينه والله أعلم ولعل الصواب في هذا المتن الوقف كما يأتي. والله أعلم.\n(^٧) في (ك) و(ن): \"الغزى\"! وهو خطأ.\n(^٨) الموتة: يعني الجنون.","vol":"1","page":164},{"text":"وقال ابن ماجه (^١): حدثنا علي بن المنذر، حدثنا ابن فضيل، حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ؛ قال: \"اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه\".\nقال: همزه الموتة، (ونفثه الشعر، ونفخه الكبر) (^٢).\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن رجل حدثه - أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاثًا، ثم قال: \"لا إله إلا الله - ثلاث مرات، [(وسبحان الله وبحمده - ثلاث مرات)] (^٤) ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه\".\nوقال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في \"مسنده\" (^٥): حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان الكوفي، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن يزيد بن زياد، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُبي بن كعب ﵁؛ قال: تلاحى رجلان عند النبي ﷺ\n_________\n(^١) في \"سننه\" (٨٠٨)؛ وأخرجه أحمد (١/ ٤٠٤)؛ وابنه في \"زوائد المسند\"؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ١٨٥، ١٨٦)؛ وأبو يعلى (ج ٨/ رقم ٤٩٩٤، ٩/ رقم ٥٠٧٧)؛ وابن خزيمة (١/ ٢٤٠)؛ والحاكم (١/ ٢٠٧)؛ والبيهقي (٢/ ٣٦) من طريق محمد بن فضيل بسنده سواء.\nقال الحاكم: \"صحيح وقد استشهد البخاري بعطاء بن السائب\" ووافقه الذهبي! كذا قالا! وهذا إسناد ضعيف؛ لأن ابن فضيل سمع من عطاء في الاختلاط كما قال أبو حاتم الرازي وغيره، ولكنه توبع فتابعه ورقاء بن عمر وعمار بن رزيق فروياه عن عطاء بن السائب بسنده سواء.\nأخرجه أحمد (١/ ٤٠٣)؛ وأبو يعلى (ج ٩/ رقم ٥٣٨٠)؛ والبيهقي (٢/ ٣٦) وقد سمعا من عطاء في الاختلاط أيضًا كما يعلم من مطالعة ترجمة \"عطاء\".\nوخالفهم حماد بن سلمة، فرواه عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود أنه كان يتعوذ في الصلاة من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه.\nأخرجه الطيالسي (٣٩٦ - منحة المعبود) وعنه البيهقي (٢/ ٣٦). وهذه الرواية عندي أولى؛ لأن حماد بن سلمة سمع من عطاء قبل الاختلاط وبعده، ولكن أعله البوصيري في \"الزوائد\" (١/ ٣١٠) فقال: \"وقيل: إن أبا عبد الرحمن السلمي لم يسمع من ابن مسعود\". قلت: وهذا القول خطأ من قائله، وقد دللت على ذلك في تخريج حديث: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\". ولله الحمد. ويكفي الآن قول البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١/ ٧٣) وفي \"الصغير\" (١/ ٢٠١): \"سمع عليًّا وعثمان وابن مسعود\".\nوالبخاري حجة في هذا الباب. والله أعلم.\n(^٢) في (ن) و(هـ): \"نفخه الكبر ونفثه الشعر\".\n(^٣) في \"مسنده\" (٥/ ٢٥٣): وشريك النخعي ساء حفظه لكنه لم يتفرد به. فتابعه حماد بن سلمة أنا يعلي بن عطاء بسنده سواء أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٣) قال: حدثنا بهز، ثنا حماد بن سلمة به فانحصرت العلة في جهالة الراوي عن أبي أمامة. والله أعلم.\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) لم أجده في \"مسنده\" المطبوع، فلعله في \"المسند الكبير\".\nوأخرجه الضياء المقدسي في \"المختارة\" (١٢٣٦) من طريق أبي يعلى بسنده سواء. وأخرجه النسائي في \"اليوم والليلة\" (٣٩١)؛ وعنه الضياء في \"المختارة\" (١٢٣٨) من طريق الفضل بن موسى، نا يزيد بن زياد بسنده سواء؛ وهذا سند ظاهره الجودة: ولكنه معل بالمخالفة كما يأتي.","vol":"1","page":165},{"text":"فتمزع (^١) أنف أحدهما غضبًا؛ فقال رسول الله ﷺ: \"إني لأعلم شيئًا لو قاله لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\".\nوكذا رواه النسائي في \"اليوم والليلة\" عن يوسف بن عيسى المروزي، عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، به.\nوقد روى هذا الحديث أحمد (^٢) بن حنبل، عن أبي سعيد، عن زائدة، وأبو داود، عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، والترمذي، والنسائي في \"اليوم والليلة\"، عن بندار، عن ابن مهدي، عن الثوري. والنسائي أيضًا من حديث زائدة بن قدامة، ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁؛. قال: استب رجلان عند النبي ﷺ، فغضب أحدهما غضبًا شديدًا حتى يخيل إلي أن أحدهما يتمزع أنفه من شدة غضبه؛ فقال النبي ﷺ: \"إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه ما يجد من الغضب\". فقال: ما هي يا رسول الله؟ قال: يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم\".\nقال: فجعل معاذ يأمره، فأبى، وجعل يزداد غضبًا. وهذا لفظ أبي داود.\nقال الترمذي: مرسل؛ يعني: أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق معاذ بن جبل، فإنه مات قبل سنة عشرين.\nقلت: وقد يكون (عبد الرحمن) (^٣) بن أبي ليلى (﵀) (^٤) سمعه من أُبي بن كعب، كما تقدم، وبلغه عن معاذ بن جبل؛ فإن هذه القصة شهدها غير واحد من الصحابة ﵃.\nقال البخاري (^٥): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت؛ قال: قال سليمان بن صرد ﵁: استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، فأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه؛ فقال النبي ﷺ: \"إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهبَ عنه ما (يجد) (^٦)؛ لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\". فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول رسول الله ﷺ؟ قال: إني لست بمجنون.\nوقد رواه (^٧) أيضًا مع مسلم وأبي داود والنسائي من طرق متعددة عن الأعمش به، وقد جاء\n_________\n(^١) تمزع: يعني تقطع، وتشقق، يريد: اشتد غضبه.\n(^٢) في \"مسنده\" (٥/ ٢٤٠)؛ وأخرجه أبو داود (٤٧٨٠)؛ والنسائي في \"اليوم والليلة\" (٣٨٩، ٣٩٠)؛ والترمذي (٣٤٥٢)؛ وابن أبي شيبة (٨/ ٣٤٦)؛ وابن السني في \"اليوم والليلة\" (٤٥٤)؛ والضياء في \"المختارة\" (١٢٣٧)؛ وابن مردويه، كما في \"الدر المنثور\" (٥/ ٣٦٥) من طرق عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل. . . فذكره.\nقلت: هكذا رواه سفيان الثوري وزائدة بن قدامة وجرير بن عبد الحميد مخالفين يزيد بن زياد وروايتهم أرجح، فالصواب أن الحديث من \"مسند معاذ بن جبل\" وقد أعلَّه الترمذي بالإرسال؛ لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذًا.\n(^٣) ساقط من (ك).\n(^٤) من (ج).\n(^٥) في \"كتاب الأدب\" من \"الصحيح\" (١٠/ ٥١٨، ٥١٩)؛ وأخرجه أيضًا (٦/ ٣٣٧، ١٠/ ٤٦٥)؛ وفي \"الأدب المفرد\" (٤٣٤، ١٣١٩)؛ ومسلم (٢٦١٠/ ١٠٩، ١١٠).\n(^٦) في (ن): \"يجده\".\n(^٧) يعني: البخاري.","vol":"1","page":166},{"text":"في الاستعاذة أحاديث كثيرة يطول ذكرها هاهنا، وموطنها كتاب الأذكار وفضائل الأعمال. والله أعلم.\nوقد روى أن جبريل ﵇ أول ما نزل بالقرآن على رسول الله ﷺ أمره بالاستعاذة، كما قال الإمام أبو جعفر (^١) بن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس؛ قال: أول ما نزل جبريل على محمد ﷺ قال: \"يا محمد استعذ\".\nقال: \"أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم\"؛ ثم قال: \"قل: بسم الله الرحمن الرحيم\". ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق].\nقال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها (الله) (^٢) على محمد ﷺ بلسان جبريل.\nوهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف؛ فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-60>[مسألة</span>\nوجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة يأثم تاركها. وحكى (فخر الدين) (^٣) (الرازي) (^٤)، عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أراد القراءة! قال: وقال ابن سيرين. إذا تعوذ مرةً واحدةً في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب.\nواحتج (فخر الدين) (^٣) (الرازي) (^٤) لعطاء بظاهر الآية: (فاستعذ)؛ وهو أمر ظاهره الوجوب؛ وبمواظبة النبي ﷺ عليها؛ لأنها تدرأ شر الشيطان؛ وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولأن الاستعاذة أحوط، وهو أحد مسالك الوجوب.\nوقال بعضهم: كانت واجبةً على النبي ﷺ دون أمته. وحكي عن مالك أنه لا يتعوذ في المكتوبة، ويتعوذ لقيام رمضان في أول ليلة منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-61>مسألة</span>\nوقال الشافعي في \"الإملاء\": يجهر بالتعوذ، وإن أسر فلا يضر.\nوقال في \"الأم\" بالتخيير؛ لأنه أسر ابن عمر، وجهر أبو هريرة.\nواختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى؛ هل يستحب التعوذ فيها؟ على قولين؛ ورجح عدم الاستحباب. والله أعلم] (^٥).\n[فإذا قال المستعيذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كفى ذلك عند الشافعي، وأبي حنيفة] (^٦).\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١٣٧، ١٣٨، ١٣٩) وسنده ضعيف جدًّا، وبشر بن عمارة تركه الدارقطني وضعفه النسائي والبخاري وابن حبان. والضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس كما قال الأئمة المحققون، ونازع في ذلك الشيخ أبو الأشبال ﵀ وقد ناقشته في ذلك في \"التسلية\".\n(^٢) زيادة من (ز) و(ل) و(ن).\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).\n(^٥) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).\n(^٦) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).","vol":"1","page":167},{"text":"[زاد بعضهم: أعوذ بالله السميع العليم.\n(وقال آخرون: بل يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ إن الله هو السميع العليم) (^١)؛ قاله الثوري، والأوزاعي.\nوحكى عن بعضهم أنه يقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لمطابقة أمر الآية، ولحديث الضحاك عن ابن عباس المذكور. والأحاديث الصحيحة، كما تقدم، أولى بالاتباع من هذا. والله أعلم] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-62>[مسألة</span>\nثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: بل للصلاة؛ فعلى هذا يتعوذ المأموم وإن كان لا يقرأ، ويتعوذ في العيد بعد الإحرام وقبل تكبيرات العيد. والجمهور بعدها قبل القراءة.\nومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث، وتطييب له. وهو لتلاوة كلام الله، وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطن الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه، ولا يقبل مصانعة، ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان، كما دلت على ذلك] (^٣) [آيات من القرآن في ثلاث من المثاني. وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء].\nوقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشرى (يوم بدر) (^٤)، فمن قتله العدو (الظاهري) (^٥) البشري كان شهيدًا، ومن قتله العدو الباطن كان طريدًا، ومن غلبه العدو (الظاهر) (^٦) كان مأجورًا، ومن قهره العدو الباطني كان مفتونًا أو موزورًا، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان] (^٧).\n\n(^٨)<span data-type='title' id=toc-63> فصل</span>\nوالاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق (بجنابه) (^٩)، من شر كل ذي شر والعياذ يكون لدفع الشر واللياذ (يكون) (^١٠) لطلب جلب الخير، كما قال المتنبي (^١١):\n(١٢) (يا من ألوذ به فيما أؤمله … ومن أعوذ به ممن أحاذره\nلا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره … ولا يهيضون عظمًا أنت جابره) (^١٢)\n_________\n(^١) كذا في (ل) و(ن) وسقط في (ج) و(ك).\n(^٢) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).\n(^٣) ساقط من (ز) و(ع).\n(^٤) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).\n(^٥) في (ن): \"الظاهري\".\n(^٦) ساقط من (ز) و(ع).\n(^٧) ساقط من (ن).\n(^٨) هذا الفصل إلى آخر بيتي المتنبي ساقط من (ز) و(ع).\n(^٩) في (ك) و(ل): \"بجانبه\".\n(^١٠) من (ن) و(هـ).\n(^١١) في \"ديوانه\" (٢/ ٢٢٥ بشرح البرقوقي).\n(^١٢) إلى هنا انتهى السقط من (ز) و(ع) والذي ابتدأ من قوله: \"مسألة، وجمهور العلماء. . . إلخ\" ثم اعلم أن المتنبي قال هذه الأبيات في جعفر بن كيغلغ، فنسأل الله السلامة، ولا ينبغي أن يخاطب بهذا إلا الله تعالى.","vol":"1","page":168},{"text":"ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ أي: أستجير بجناب الله من الشيطان (الرجيم) (^١) أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله، ولهذا أمر (الله تعالى) (^٢) بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن؛ لأنه لا يقبل رشوةً، ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه.\nوهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن، لا أعلم لهن رابعةً.\n(قوله تعالى في الأعراف) (^٣): ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [١٩٩] فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر.\nثم قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف].\nوقال تعالى في سورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون] وقال تعالى في سورة حم السجدة: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت].\nوالشيطان في لغة العرب مشتق من \"شطن\"، إذا بعد؛ فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير.\nوقيل: مشتق من \"شاط\"؛ لأنه مخلوق من نار؛ ومنهم من يقول: كلاهما صحيح في المعنى، ولكن الأول أصح، وعليه يدل كلام العرب؛ قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي سليمان عليه (الصلاة والسلام) (^٤).\nأيما شاطن عصاه عكاه … ثم يلقى في السجن (والأغلال) (^٥)\nفقال: أيما شاطن ولم يقل: أيما شائط.\nوقال النابغة الذبياني، وهو زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع (بن غيظ) (^٦) بن مرة بن سعد بن ذبيان:\n_________\n(^١) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى).\n(^٢) كذا في (ز) و(ع) و(ك) و(ى)، ووقع في (هـ): \"الله سبحانه\" وسقط لفظ \"تعالى\" من (ج) و(ل) وفي (ن) لم يذكر لفظ الجلالة.\n(^٣) كذا في (ع) و(ك) و(هـ) و(ى)، ووقع في (ج) و(ل): \"قوله تعالى\" وفي (ز): \"قوله في الأعراف\" وفي (ن): \"قوله\".\n(^٤) كذا في (ع) و(ك) و(ل) و(ى)، ووقع في (ج): \"السلام والصلاة\". وسقط لفظ \"الصلاة\" من (ز) و(ن) و(هـ).\n(^٥) أشار في (ج) و(ع) و(ى) إلى أنه في نسخة: \"والأكبال\" بدل \"الأغلال\".\n(^٦) بياض في (ج) و(ع) و(ن) و(ى) واستدركته من \"طبقات فحول الشعراء\" (١/ ٥١)؛ لابن سلام الجمحي، ووقع في (ز) و(ك) و(ل): \"يروبع بن مرة\".","vol":"1","page":169},{"text":"نأت بسعاد عنك نوًى شطون … فباتت والفؤاد بها رهين\nيقول: بعدت بها طريق بعيدة.\n(١) (وقال سيبويه: العرب تقول: تشيطن فلان، إذا فعل فعل الشياطين، ولو كان من: \"شاط\" لقالوا: تشيط) (^١).\nفالشيطان مشتق من البعد على الصحيح؛ ولهذا يسمون كل من تمرد من جنيٍّ وإنسيٍّ وحيوان: شيطانًا. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].\nوفي \"مسند (الإمام) (^٢) أحمد\"، عن أبي ذر (﵁) (١)، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن\" فقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: \"نعم\" (^٣).\nوفي \"صحيح مسلم\" (^٤)، عن أبي ذرٍّ (أيضًا) (^٥) قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب الأسود\". فقلت: يا رسول الله، ما بال الكلب الأسود من الأحمر (من) (^٦) الأصفر؟ فقال: \"الكلب الأسود شيطان\".\nوقال ابن وهب (^٧): أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه - أن عمر بن الخطاب ﵁ ركب برذونًا، فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل عنه، وقال: ما حملتوني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي. إسناده صحيح.\nوالرجيم: فعيل بمعنى مفعول؛ أي: إنه مرجوم مطرود عن الخير كله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥].\n_________\n(^١) ساقط من (ز).\n(^٢) من (ز) و(ن).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٧٨، ١٧٩)؛ والنسائي (٨/ ٢٧٥)؛ والطيالسي (٤٧٨)؛ والبزار في \"مسنده\" (١٦٠ - كشف)؛ وابن مردويه في \"تفسيره\"؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٣/ رقم ٣٥٧٦) من طرق عن المسعودي، عن أبي عمر، ويقال: أبو عمرو، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر مطوّلًا ومختصرًا. وسنده واهٍ، وأبو عمر هذا تركه الدارقطني وعبيد بن الخشخاش، بمعجمتين، ويقال: الحسحاس بمهملتين، تركه الدارقطني أيضًا كما في \"سؤالات البرقاني\" (٣٢٧) وأما ابن حبان فوثقه!! وقال البخاري: عبيد بن الخشخاش لم يذكر سماعًا من أبي ذر، أما الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٥٩، ١٦٠) فقال: \"فيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط\" كذا قال!! وكان ينبغي له أن يعل الحديث بواحدة مما ذكرت على الأقل؛ لأن المسعودي واسمه عبد الرحمن بن عبد الله إنما اختلط ببغداد وسماع أهل الكوفة منه جيد كما قال أحمد وغيره وقد رواه عنه: جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى وكلهم كوفيون وقد ذكر المصنف ﵀ (في تفسير الآية ١١٢ من سورة الأنعام) بعدما ذكر الحديث وطرقه: \"فهذه طرق لهذا الحديث ومجموعها يفيد قوته وصحته. والله أعلم\". اهـ.\nكذا! وفيه نظر ذكرته في \"التسلية\"، نعم كثير من فقراته. ثابت بشواهد أخرى. والله أعلم.\n(^٤) أخرجه مسلم (٥١٠/ ٢٦٥).\n(^٥) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).\n(^٦) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى). ووقع في (ز) و(ن) و(هـ): \"والأصفر\".\n(^٧) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (١٣٦) قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب بسنده سواء، وسنده جيد وهشام بن سعد فيه مقال لكنه أثبت الناس في زيد بن أسلم كما قال أبو داود. وروايته هنا عنه، والله أعلم.","vol":"1","page":170},{"text":"وقال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ [الصافات].\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ [الحجر] إلى غير ذلك من الآيات.\n[وقيل: رجيم بمعنى راجم؛ لأنه يرجم الناس بالوسواس (والربائث) (^١). (والأول أشهر) (^٢) (وأصح) (^٣)] (^٤).\n\n<span id=\"aya-1\"></span><span data-type='title' id=toc-64>بسم الله الرحمن الرحيم</span>\nافتتح بها الصحابة كتاب الله، واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل؛ ثم اختلفوا: هل هي آية مستقلة في أول كل سورة، أو من أول كل سورة كتبت في أولها أو أنها بعض آية من (أول) (^٥) كل سورة، أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها، أو أنها إنما كتبت للفصل، لا أنها آية - على أقوال للعلماء؛ سلفًا وخلفًا؛ وذلك مبسوط في غير هذا الموضع.\nوفي \"سنن أبي داود\" (^٦) بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان لا يعرف فصل السور حتى ينزل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾.\n_________\n(^١) جمع: ربيثة، وهي: الخديعة أو ما يحجب المرء عن الخير، ووقع في (ل): \"الرفائث\".\n(^٢) ساقط من (هـ) و(ى).\n(^٣) من (ن).\n(^٤) ساقط من (ز).\n(^٥) ساقط من (ن).\n(^٦) أخرجه أبو داود (٧٨٨) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن محمد المروزي، وابن السرح قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال قتيبة فيه: عن ابن عباس قال: فذكره فهذا يدل على أن رواية أحمد بن محمد وابن السرح مرسلة ليس فيها ذكر \"ابن عباس\". وأخرجه أبو داود أيضًا \"المراسيل\" (٣٦) من طريق أحمد بن محمد المروزي بسنده سواء. وقال: \"قد أسند هذا الحديث، وهذا أصح\" يعني: المرسل. وأخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٤٢)، وفي \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٢٥) من طريق أبي داود السالفة. وأخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٠/ ٢١٠) من طريق أبي داود عن قتيبة بسنده موصولًا.\nورواه أيضًا يونس بن عبد الأعلى والحميدي عن ابن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير مرسلًا. أخرجه الحميدي (٥٢٨)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (١٣٧٦) وخالفهم أبو كريب وأحمد بن عبده وقتيبة بن سعيد ومعلى بن منصور والحسن بن الصباح فرووه عن ابن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موصولًا.\nأخرجه أبو داود (٧٨٨)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢١٨٧)؛ وأبو الشيخ في \"طبقات المحدثين\" (٧٧٩)؛ وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ٢٥٥، ٢٥٦)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٠/ ٢١٠)؛ والحاكم (١/ ٢٣١) وعنه البيهقي في \"المعرفة\" (٢/ ٣٦٥، ٣٦٦) وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" وقال الذهبي: \"أما هذا فثابت\" ويعضد الرواية المرسلة أن ابن جريج رواه عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير مرسلًا أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (ج ٢/ رقم ٢٦١٧) عن ابن جريج وخولف عبد الرزاق، خالفه الوليد بن مسلم فرواه عن ابن جريج، ثنا عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موصولًا. أخرجه الحاكم (١/ ٣٢١، ٣٢٢) وعنه البيهقي (٢/ ٤٣) من طريق محمد بن عمرو الضرير، ثنا الوليد بن مسلم وصرح=","vol":"1","page":171},{"text":"وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في \"مستدركه\" أيضًا. وروى مرسلًا عن سعيد بن جبير.\nوفي \"صحيح ابن خزيمة\" (^١)، عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة، وعدها آية؛ لكنه من رواية عمر (^٢) بن هارون البلخي، وفيه ضعف، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة عنها، وروى له الدارقطني متابعًا (^٣) عن أبي هريرة مرفوعًا. وروى مثله عن علي، وابن عباس، وغيرهما. وممن حكي عنه أنها آية من كل سورة، إلا \"براءة\": ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو هريرة، وعلي. ومن التابعين: عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومكحول، والزهري، وبه يقول عبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام ﵏.\n_________\n= الوليد بالتحديث، ولكن رواه دحيم عن الوليد مثل رواية محمد بن عمرو لكنه أسقط سعيد بن جبير من الإسناد، وقصر في إسناده كما قال البيهقي وصحح الرواية الموصولة في \"المعرفة\" والرواية الموصولة صحيحة، فقد أخرج الطبراني في \"الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٢٥٤٦) من طريق ابن وهب، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان جبريل ﵇ ينزل على رسول الله ﷺ الوحي، فإذا قال: \"بسم الله الرحمن الرحيم افتتح سورة أخرى\". وسنده صحيح.\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٤٩٣) ومن طريقه الحاكم (١/ ٢٣٢) وأخرجه أيضًا ابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ١١٩، ١٢٠)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٤٢)، وفي \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١١٤، ٢١١٥)؛ وأبو أحمد الحاكم في \"شعار أصحاب الحديث\" (ص ٦٣)؛ والثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ٩/ ١) من طريق عمر بن هارون بسنده سواء وقال الحاكم: \"عمر بن هارون أصل في السنة ولم يخرجاه وإنما أخرجته شاهدًا\". اهـ. وهو يشير إلى ضعفه. وقول المصنف ﵀ في عمر بن هارون \"فيه ضعف\" فيه تسامح فقد قال ابن معين وصالح جزرة: \"كذاب\" زاد ابن معين: \"خبيث\" وتركه ابن مهدي وأحمد والنسائي وأبو علي النيسابوري، وضعفه الدارقطني جدًّا، وقال أبو داود: \"غير ثقة\" وختم الذهبي (٣/ ٢٢٩) بقوله: \"وكان من أوعية العلم على ضعفه وكثرة مناكيره، وما أظنه ممن يتعمد الباطل\". اهـ. وقد مضى الحديث في \"فضائل القرآن\" من وجه آخر عن ابن جريج فراجعه إن شئت والحمد لله على التوفيق.\n(^٢) ساقط من (ز).\n(^٣) كذا قال المصنف ﵀، وفيه نظر من وجهين:\nالأول: أن المتابعات تكون في السند خاصة، ولم يتابع عمر بن هارون أحد على عد البسملة آية من الفاتحة، بل خالفه يحيى بن سعيد الأموي فلم يذكرها، فلعل المصنف قصد المتابعة في المعنى، وهو ما يسمى \"الشاهد\"، والخطب في مثل هذا سهل.\nالثاني: أن الشاهد الذي عناه المصنف أخرجه الدارقطني (١/ ٣١٢) من طريق ابن سمعان، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: \"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام. . .\" ثم ذكر الحديث القدسي: \"قال الله ﷿: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها له، يقول عبدي إذا افتتح الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم، فيذكرني عبدي. . . الحديث\". قال الدارقطني: ابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان متروك الحديث وروى هذا الحديث جماعة من الثقات عن العلاء بن عبد الرحمن منهم: مالك بن أنس، وابن جريج، وروح بن القاسم، وابن عيينة، وابن عجلان، والحسن بن الحر وأبو أويس وغيرهم على اختلاف منهم في الإسناد واتفاق منهم على المتن فلم يذكر أحد منهم في حديثه \"بسم الله الرحمن الرحيم\" واتفاقهم على خلاف ابن سمعان أولى بالصواب. اهـ.\nوذكر الدارقطني طريقًا آخر عن أبي هريرة لكنه معل بالوقف، وتقدم الكلام عليه.","vol":"1","page":172},{"text":"وقال مالك، وأبو حنيفة، وأصحابهما: ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور.\nوقال الشافعي في قول في بعض طرق مذهبه: هي آية من الفاتحة، وليست من غيرها. وعنه أنها بعض آية من أول كل سورة، وهما غريبان.\nوقال داود: هي آية مستقلة في أول كل سورة لا منها. وهذا رواية عن الإمام أحمد بن حنبل. وحكاه أبو بكر الرازي، عن أبي الحسن الكرخي، وهما من أكابر أصحاب أبي حنيفة ﵏.\nهذا ما يتعلق بكونها آيةً من الفاتحة أم لا؟\nوأما الجهر بها (فمفرع) (^١) على هذا؛ فمن رأى أنها ليست \"منها\" (^٢) فلا يجهر بها.\nوكذا من قال: إنها آية (في) (^٣) أولها: وأما من قال بأنها من أوائل السور، فاختلفوا؛ فذهب الشافعي (﵀) (^٤) إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة؛ وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين (سلفًا وخلفًا) (^٥) فجهر بها من الصحابة: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وحكاه ابن عبد البر، والبيهقي، عن عمر، وعلي. ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وهو غريب، ومن التابعين عن سعيد بن جبير، وعكرمة، وأبي قلابة، والزهري وعلي بن (الحسين) (^٦)، وابنه محمد، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وسالم، ومحمد بن كعب القرظي (ومحمد بن عبيد) (^٧)، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأبي وائل، وابن سيرين، ومحمد بن المنكدر، وعلي بن عبد الله بن عباس، وابنه محمد، ونافع مولى ابن عمر، وزيد بن أسلم، وعمر بن عبد العزيز، والأزرق بن قيس، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي الشعثاء، ومكحول، وعبد الله بن معقل بن مقرن.\nزاد البيهقي: وعبد الله بن صفوان، ومحمد ابن الحنفية.\nزاد ابن عبد البر: وعمرو بن دينار.\nوالحجة في ذلك أنها بعض الفاتحة، فيجهر بها كسائر أبعاضها.\nوأيضًا فقد روى النسائي في \"سننه\" (^٨)، وابن خزيمة، وابن حبان في \"صحيحيهما\"، والحاكم\n_________\n(^١) كذا في كل \"الأصول\"، ما عدا (ج) و(ل) ففيها \"ففرع\".\n(^٢) وقع في (ن): \"من الفاتحة\" وأشار في (ى) إلى هذه اللفظة.\n(^٣) في (ز): \"من\".\n(^٤) من (ز).\n(^٥) كذا في (ز) و(ن) و(هـ)، ووقع في بقية \"الأصول\": \"خلفًا وسلفًا\" وما أثبته أليق.\n(^٦) وقع في (ن): \"الحسن\" وهو خطأ.\n(^٧) من (ن) وحدها.\n(^٨) أخرجه النسائي (٢/ ١٣٤)؛ وابن خزيمة (١/ ٢٥١)؛ وابن حبان (٤٥١)؛ والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ١٩٩)؛ والحاكم (١/ ٢٣٢)؛ وابن الجارود في \"المنتقى\" (١٨٤)؛ والبيهقي (٢/ ٤٦، ٥٨) من طريق الليث بن سعد، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، عن أبي هريرة فذكره مطولًا ومختصرًا.\nوتابعه حيوة بن شريح عن خالد بن يزيد بسنده سواء. أخرجه ابن حبان (٤٥٠)؛ والدارقطني (١/ ٣٠٦) وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٤٩٧) من طريق رشدين، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال به.\nورشدين بن سعد ضعيف.","vol":"1","page":173},{"text":"في \"مستدركه\"، عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة. وقال بعد أن فرغ: إني لأشبهكم صلاةً برسول الله ﷺ، وصححه الدارقطني، والخطيب، والبيهقي، وغيرهم.\nوروى أبو داود (^١) والترمذي، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم.\nثم قال الترمذي: وليس إسناده بذاك.\nوقد رواه الحاكم في \"مستدركه\" (^٢)، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال: \"صحيح\".\nوفي \"صحيح البخاري\"، عن أنس بن مالك، أنه سئل عن قراءة (رسول الله) (^٣) ﷺ فقال: كانت (قراءته) (^٤) مدًّا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم (^٥).\nوفي \"مسند الإمام أحمد\"، و\"سنن أبي داود\"، و\"صحيح ابن خزيمة\"، و\"مستدرك الحاكم\"، عن أم سلمة ﵂؛ قالت: كان رسول الله ﷺ يقطِّع قراءته: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ (^٦) وقال الدارقطني: إسناده صحيح.\nوروى (الإمام أبو عبد الله) (^٧) الشافعي (﵀) (^٨)؛ والحاكم في \"مستدركه\"، عن أنس؛ أن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كما في \"أطراف المزي\" (٥/ ٢٦٥)؛ والترمذي (٢٤٥)؛ وابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٥٦٤)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٣٠٥)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ٨٠، ٨١)؛ والدارقطني (١/ ٣٠٤)؛ والبيهقي (٢/ ٤٧) من طريق المعتمر بن سليمان، عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان عن أبي خالد عن ابن عباس، فذكره. وضعفه أبو داود وابن عدي والعقيلي وإسماعيل بن حماد ضعيف، وذكر الترمذي أن أبا خالد هذا يقال: أنه الوالبي واسمه هرمز، والصواب أنه غيره وقد فرق بينهما البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان وهو ظاهر صنيع ابن عدي والعقيلي، وجعلهما المزي وابن حجر واحدًا!\n(^٢) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٠٨) من طريق عبد الله بن عمرو بن حسان، ثنا شريك، عن سالم عن ابن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال الحاكم: \"قد احتج البخاري بسالم هذا وهو ابن عجلان الأفطس، واحتج مسلم بشريك وهذا إسناد صحيح وليس له علة\". اهـ. فتعقبه الذهبي بقوله: \"كذا قال المصنف! وابن حسان كذبه غير واحد ومثل هذا لا يخفى على المصنف!! \".\nقلت: وشريك لم يحتج به مسلم كما قال الحاكم وقد خالفه في متنه مبشر بن عبد الله فرواه عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان جبريل ﵇ إذا نزل على رسول الله ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم علم أن السورة قد انقضت. أخرجه الطحاوي في \"المشكل\" (١٣٧٥) وسنده جيد، وقد رواه عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه، ومرّ تخريجه قريبًا والحمد لله.\n(^٣) في (ن): \"النبي\".\n(^٤) كذا في (ز) و(ع) و(ك) و(ن) و(هـ) و(ى) وسقط من (ج) و(ل).\n(^٥) تقدم تخريجهما في كتاب \"فضائل القرآن\" باب: القراءة بالمد.\n(^٦) تقدم تخريجهما في كتاب \"فضائل القرآن\" باب: القراءة بالمد.\n(^٧) زيادة من (ن).\n(^٨) من (ج) و(ز) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ى).","vol":"1","page":174},{"text":"معاوية صلى بالمدينة فترك البسملة، فأنكر عليه من حضره من المهاجرين ذلك، فلما صلى المرة الثانية بسمل (^١).\nوفي هذه الأحاديث والآثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداه.\nفأما المعارضات والروايات الغريبة وتطريقها وتعليلها وتضعيفها وتقريرها فله موضع آخر.\nوذهب آخرون إلى أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة، وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مغفل، وطوائف من سلف التابعين والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري، وأحمد بن حنبل.\nوعند الإمام مالك أنه لا يقرأ البسملة بالكلية لا جهرًا ولا سرًّا، واحتجوا بما في \"صحيح مسلم\" (^٢)، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين.\nوبما في \"الصحيحين\" (^٣)، عن أنس بن مالك؛ قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا (يستفتحون) (^٤) بالحمد لله رب العالمين.\n\"ولمسلم\" (^٥): لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها.\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي في \"كتاب الأم\" (١/ ٣، ٩٣) ومن طريقه الحاكم (١/ ٢٣٣)؛ والدارقطني (١/ ٣١١)؛ والبيهقي قال: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أن أنس بن مالك أخبره قال: صلى معاوية بالمدينة صلاةً فجهر فيها بالقراءة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبر حين يهوى حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين: يا معاوية! أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن، وكبر حين يهوى ساجدًا\".\nقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بعبد المجيد بن عبد العزيز وسائر الرواة متفق على عدالتهم\".\nقلت: وكان ابن أبي رواد أعلم الناس بحديث ابن جريج كما قال ابن معين وتابعه عبد الرزاق عند الدارقطني، وهذا سند جيد رجاله رجال مسلم، لكن في كونه على شرط مسلم نظر، فإن هذه الترجمة: \"ابن جريج عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي بكر بن حفص عن أنس\" ما احتج بها مسلم، إنما احتج بابن أبي رواد عن ابن جريج فقط. والله أعلم. وقال الدارقطني: \"كلهم ثقات\" وقد اختلف في سنده.\n(تنبيه) ظهر لك بعد ذكر سياق هذا الأثر أن المصنف ﵀ اختصره اختصارًا مخلا، فإن ما ذكره المصنف يدل على أن معاوية ترك البسملة بالكلية، وليس كذلك بل تركها عند قراءته للسورة التي بعد أم الكتاب. والله أعلم، نعم ما ذكره المصنف ظاهر في رواية إسماعيل بن عياش عند الدارقطني لكنها معلة.\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٩٨/ ٢٤٠) من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة بسياق أطول.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢/ ٢٢٦، ٢٢٧)، وفي (جزء القراءة) (١١٧)؛ ومسلم (٣٩٩/ ٥٠، ٥١) من طريق شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس فذكره ولم يقع عند البخاري ذكر \"عثمان\" ﵁، نعم أخرجه البخاري في \"جزء القراءة\"، (١١٨) فذكر \"عثمان\".\n(^٤) في (ن): \"يفتتحون\".\n(^٥) في \"صحيحه\" (٣٩٩/ ٥٢) من طريق الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس.","vol":"1","page":175},{"text":"ونحوه في \"السنن\" (^١) عن عبد الله بن مغفل ﵁.\nفهذه مآخذ الأئمة ﵏ في هذه المسألة وهي قريبة؛ لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسر ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>فصل في فضلها</span>\nقال الإمام (^٢) [(العلم) (^٣) الحبر العابد] (٢) أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم ﵀ في \"تفسيره\" (^٤): حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا زيد بن المبارك الصنعاني، حدثنا سلام بن وهب الجندي، حدثنا أبي، عن طاوس، عن ابن عباس: أن عثمان بن عفان سأل رسول الله ﷺ عن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقال: \"هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العينين وبياضهما من القرب\".\nوهكذا رواه أبو بكر بن مردويه، عن سليمان بن أحمد، عن علي بن المبارك، عن زيد بن المبارك، به.\nوقد روى الحافظ بن (^٥) مردويه من طريقين: عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى،\n_________\n(^١) هذا يوهم أن أصحاب السنن الأربعة رووه، ولم يروه منهم أبو داود؛ فأخرجه النسائي (٢/ ١٣٥)؛ والترمذي (٢٤٤)؛ وابن ماجه (٨١٥)؛ وأحمد (٤/ ٨٥)؛ (٥/ ٥٤، ٥٥)؛ والطحاوي في \"الشرح\" (١/ ٢٠٢)؛ والبيهقي (٢/ ٥٠)؛ والقاضي عبد الجبار في \"تاريخ داريا\" (ص ٥٧) من طريق الجريري وعثمان بن غياث عن أبي نعامة الحنفي قيس بن عباية، عن ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة، أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال لي: أي بني! محدث، إياك والحدث، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام؛ يعني: منه، قال: قد صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: \"الحمد لله رب العالمين\". قال الترمذي: \"حديث حسن\"؛ واختلف في إسناده.\nونقل الزيلعي في \"نصب الراية\" (١/ ٣٣٢) عن النووي في \"الخلاصة\" أنه قال: \"وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث وأنكروا على الترمذي تحسينه كابن خزيمة وابن عبد البر والخطيب وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل وهو مجهول\". اهـ. وله متابعات متكلم فيها، والمقام في تحقيقه طويل.\n(^٢) ساقط من (ل).\n(^٣) كذا في (ج) و(ع) و(ى) ووقع في (ز) و(ك) و(ن) و(هـ): \"العالم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" رقم (٥). وأخرجه الحاكم (١/ ٥٥٢) وعنه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٢٣) من طريق جعفر بن مسافر بسنده سواء وصححه الحاكم ووافقه الذهبي! وليس كما قالا، وقد قال الذهبي في ترجمته \"سلام بن وهب\": \"خبر منكر بل كذب\"، وسأل ابن أبي حاتم أباه عنه كما في \"العلل\" (ج ٢/ رقم ٢٠٢٩)، فقال: \"هذا حديث منكر\"؛ وقال الذهبي في \"المغنى\" (١/ ٢٧٢): \"سلام بن وهب عن ابن طاوس بخبر موضوع، لا يعرف\". واختلف في سنده فأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ١٦٢)؛ والخطيب في \"تاريخه\" (٧/ ٣١٣) وعنه الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ١٨٢) من طريق سلام بن وهب عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعًا فذكره، ووجه الاختلاف أن سلام بن وهب رواه أولًا عن أبيه عن طاوس ثم رواه عن ابن طاوس عن أبيه. قال العقيلي: \"سلام بن وهب الجندعي عن ابن طاوس لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به\".\nوجملة القول الثابت أن هذا الحديث باطل. والله أعلم.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١/ ٤١، ٤٢)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٢٩٩)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٢٥١،=","vol":"1","page":176},{"text":"عن مسعر، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن عيسى ابن مريم ﵇ أسلمته أمه (إلى) (^١) الكُتَّاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب (قال) (^٢): ما أكتب؟ قال: بسم الله. قال له عيسى: وما بسم الله؟ قال المعلم: ما أدري\".\nقال له عيسى: \"الباء بهاء الله والسين سناؤه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة\".\nوقد رواه (^٣) ابن جرير (^٤) [من حديث إبراهيم بن العلاء الملقب (زبريق) (^٥)، عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، ومسعر، عن عطية] (٤)، عن أبي سعيد، (عن النبي) (^٦) ﷺ. . . فذكره.\nوهذا غريب جدًّا، وقد يكون (^٧) صحيحًا إلى من دون رسول الله ﷺ. وقد يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات. والله أعلم.\n_________\n= ٢٥٢) وفي \"حديث الكديمي\" (ق ٣٦٠/ ١)؛ وابن الجوزي في \"الموضوعات\" (١/ ٢٠٣، ٢٠٤)؛ والثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ١٨/ ٢) من طريق إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى، عن مسعر، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا. قال ابن عدي: \"باطل بهذا الإسناد، لا يرويه غير إسماعيل\".\nوقال ابن الجوزي: \"هذا حديث موضوع محال، ما يضع هذا الحديث إلا ملحد يريد شين الإسلام، أو جاهل في غاية الجهل وقلة المبالاة بالدين ولا يجوز أن يفرق حروف الكلمة المجتمعة فيقال: الألف من كذا: واللام من كذا، وإنما هذا يكون في الحروف المقطعة. . . ثم قال: فقد جمع واضع هذا الحديث جهلًا وافرًا وإقدامًا عظيمًا، وأتى بشيء لا تخفى برودته والكذب فيه\" وأقرّ السيوطي بوضعه في \"اللآلئ\" (١/ ١٧٢)؛ وقال في \"تدريب الراوي\" (١/ ٥٦): \"غريب جدًّا\" وقال في \"الدر المنثور\" (١/ ٨): \"سنده ضعيف جدًّا\" وعلته إسماعيل بن يحيى هذا فقد كذبه الدارقطني وأبو علي النيسابوري والحاكم، وقال الأزدي: \"ركن من أركان الكذب\" واتهمه صالح جزرة بوضع الحديث وكذلك ابن حبان.\n(^١) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى).\n(^٢) في (ل) و(ن): \"فقال\".\n(^٣) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (١٤٠ - شاكر) قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك، وهو يلقب بزبريق، بسنده سواء.\nوأخرجه أبو نعيم في \"حديث محمد بن يونس الكديمي\" (ق ٣٦٠/ ١) من طريقه، ثنا الحسين بن علي بن مصعب النخعي، ثنا عبد الوهاب بن الضحاك، أنا إسماعيل بن عياش بسنده سواء وسنده تالف، والكديمي واهٍ والحسين بن علي أحد مشايخ الإسماعيلي ذكره في \"معجمه\" (ق ٨٣/ ٣) وقال: \"قد غلب عليه البلغم شيخ كبير\" وقال الذهبي: \"عمر وتغير لا يعتمد عليه\"، وعبد الوهاب بن الضحاك ساقط ألبتة، وزبريق قال الحافظ: مستقيم الحديث إلا في حديث واحد يقال: إن ابنه محمدًا أدخله عليه، ومداره على إسماعيل بن يحيى وقد مرَّ حاله.\n(^٤) ساقط من (هـ).\n(^٥) في (ن): \"ابن زبريق\"!\n(^٦) في (ن): \"قال: قال رسول الله\".\n(^٧) ونقل الشيخ أبو الأشبال في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (١/ ١٢٢) قول ابن كثير هذا وقال: \"وما أدري كيف فات الحافظ ابن كثير أن في إسناده هذا الكذاب فتسقط روايته بمرة، ولا يحتاج إلى هذا التردد\". ا هـ. قلت: فلعل الحافظ ابن كثير يشير إلى سند آخر، فقد رأيت السيوطي قال في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٥): \"وأخرج ابن المنذر بسند صحيح إلى سعيد بن جبير قال: لما ترعرع عيسى جاءت به أمه إلى الكُتّاب، فدفعته إليه. . .\" ثم ساقه بنحوه، فهذا يرجح كونه من الإسرائيليات، ويصدق ظن المصنف ﵀.","vol":"1","page":177},{"text":"وقد روى جويبر (^١)، عن الضحاك نحوه من قبله.\nوقد روى ابن مردويه (^٢) من حديث يزيد بن خالد، عن سليمان بن بريدة، وفي رواية عن عبد الكريم أبي أمية، عن (ابن) (^٣) بريدة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: \"أنزلت عليّ آية لم تنزل على نبي غير سليمان (بن داود) (^٤) وغيري، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم\".\nوروى بإسناده عن (عبد الكبير) (^٥) بن المعافي بن عمران، عن أبيه، عن عمر بن ذر، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله؛ قال: لما نزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله تعالى بعزته وجلاله ألا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه.\n[وقال وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ فيجعل الله له من كل حرف منها جنةً من كل واحد] (^٦).\n[ذكره ابن عطية (^٧) والقرطبي (^٨) ووجهه ابن عطية (ونظره) (^٩) بحديث: \"لقد رأيت بضعة] (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس وساق كلامًا طويلًا، راجع \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦) وسنده تالف جدًّا، وجويبر هالك والضحاك لم يسمع من ابن عباس، وإسحاق بن بشر صاحب \"كتاب المبتدأ\" ساقط أيضًا. وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢) عن جويبر عن الضحاك قوله.\n(^٢) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٦٢٩)؛ وابن الأعرابي في \"معجمه\" (٦/ ١١٨/ ٢)؛ وأبو أحمد الحاكم في \"شعار أصحاب الحديث\" (ص ٦٨)؛ والدارقطني (١/ ٣١٠)؛ والبيهقي (١٠/ ٦٢) من طريق علي بن الجعد وإبراهيم بن مجشر، نا سلمة بن صالح الأحمر، عن يزيد بن أبي خالد، عن عبد الكريم بن أبي أمية عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"لا أخرج من المسجد حتى أعلمك آية من سورة لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري\" قال: فمشى وتبعته حتى انتهى إلى باب المسجد، فأخرج رجله من أسكفة المسجد وبقيت الأخرى؛ فقلت بيني وبين نفسي أنسي؟ قال: فأقبل علي بوجهه وقال: بأي شيء تفتح القراءة إذا افتتحت الصلاة؟ قال: قلت: ببسم الله الرحمن الرحيم، قال: \"هي هي\" ثم خرج. وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٧) لابن أبي حاتم.\nقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن ابن بريدة إلا عبد الكريم، ولا عنه إلا يزيد، تفرد به سلمة\".\nقلت: وسنده ضعيف جدًّا، وسلمة بن صالح، قال الذهبي: تركوه.\nوابن أبي المخارق ضعيف. وقال البيهقي والسيوطي: \"إسناده ضعيف\".\n(^٣) في (ن): \"أبي\"!!\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) وقع في (ن): \"عبد الكريم الكبير\"!! وفي (ز): \"عبد الكريم\"! وهذا السند الذي أورده المصنف جيد، لكني أخشى من دون عبد الكبير وأسانيد ابن مردويه يغلب عليها ما يغلب على أسانيد الطبراني. وأخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" (ج ١/ ق ٦/ ٢) من وجه آخر عن عمر بن ذر بسنده سواء.\n(^٦) ساقط من (ز).\n(^٧) في \"تفسيره\" (١/ ٨٢) وأشار إلى القول دون أن ينسبه إلى ابن مسعود ثم قال: \"وهذا من ملح التفسير، وليست من متين العلم\". ولعله لم يقف على قائله وأنه ابن مسعود ﵁، والسند صحيح إليه، وأخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ٦/ ٢) من طريق عبد الله بن هاشم، ثنا وكيع بإسناده سواء وهذا الأثر له حكم الرفع كما لا يخفى، وقد أشار ابن عطية إلى هذا الأثر بقوله: \"فقال بعض الناس\" فهذا يدل على ما ذكرته والله أعلم.\n(^٨) في \"تفسيره\" (١/ ٩٢).\n(^٩) في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى): \"نظَّره\" بالظاء المعجمة المشددة قبلها نون، ووقع في (ن):=","vol":"1","page":178},{"text":"[وثلاثين ملكًا يبتدرونها\" (^١) لقول الرجل: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، من أجل أنها بضعة وثلاثون حرفًا وغير ذلك] (^٢).\nوقال الإمام أحمد (بن حنبل) (^٣) في \"مسنده\" (^٤): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم؛ قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف النبي ﷺ؛ قال: عثر بالنبي ﷺ (حماره) (^٥)؛ فقلت: تعس الشيطان. فقال النبي ﷺ: \"لا تقل: تعس الشيطان؛ فإنك إذا قلت: تعس الشيطان تعاظم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: باسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب\".\nهكذا وقع في رواية الإمام أحمد.\nوقد روى النسائي في \"اليوم والليلة\"، وابن مردويه في \"تفسيره\"، من حديث خالد الحذاء،\n_________\n= \"ونصره\" بالصاد المهملة وكذا وقع في المطبوعات التي وقعت عليها من \"التفسير\" وهو خطأ فاحش؛ لأن ابن عطية ما نصر هذا القول، كيف وهو يقول: \"هذا من مُلح التفسير وليست من متين العلم\" ولكن معنى \"نظَّره\" أي جعل لهذا القول نظائر. والله أعلم.\n(^١) ساقط من (ز).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢/ ٢٨٤ - فتح).\n(^٣) ساقط من (هـ).\n(^٤) أخرجه أحمد (٥/ ٥٩) قال: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة، عن عاصم قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن ردف النبي ﷺ. قال شعبة: قال عاصم: عن أبي تميمة، عن رجل عن رديف النبي ﷺ. . . وذكر الحديث.\nوأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٧١) قال: حدثنا عفان، حدثنا شعبة مثله على الشك ووافق شعبة على الرواية الأولى من غير شك: سفيان الثوري ومعمر بن راشد فروياه عن عاصم الأحول، عن أبي تميمة الهجيمي، عمن كان ردف النبي ﷺ. . . فذكره. أخرجه عبد الرزاق (ج ١١/ رقم ٢٠٨٩٩)؛ وأحمد (٥/ ٥٩، ٣٦٥)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (١/ ١٥٩)؛ البغوي في \"شرح السنة\" (١٢/ ٣٥٣، ٣٥٤). قال المنذري في \"الترغيب\" (٤/ ٨١): \"إسناده جيد\"! ويأتي ما فيه.\nوقد تابع عاصم الأحول: خالد الحذاء، فرواه عن أبي تميمة، عن رديف النبي ﷺ مثله. أخرجه الحاكم (٤/ ٢٩٢) من طريق يزيد بن زريع، عن خالد الحذاء وقال: \"صحيح الإسناد\" ورده الذهبي بالمخالفة. وقد خولف يزيد بن زريع في إسناده. فخالفه وهب بن بقية وابن المبارك فروياه عن خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن أبي المليح، عن رجل كان ردف النبي ﷺ وساق الحديث.\nأخرجه أبو داود (٤٩٨٢)؛ والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٥٥٤) وخالفهما محمد بن حمران القيسي، فرواه عن خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن أبي المليح، عن أبيه قال: كنت ردف النبي ﷺ فذكره.\nأخرجه النسائي في \"اليوم والليلة\" (٥٥٥)، وعنه ابن السني (٥٠٩)؛ وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (١٠٦٨) وعنه ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (١/ ٨٢)؛ الطحاوي في \"المشكل\" (١/ ١٥٩)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١/ رقم ٥١٦)؛ الحاكم (٤/ ٢٩٢)؛ وأبو عبد الله الصوري في \"جزء من حديثه\" (ق ٣٠٦/ ١).\nقال النسائي: هذا عندي خطأ، والصواب عندنا حديث عبد الله بن المبارك. اهـ. وهذا نقد صحيح، ومحمد بن حمران، قال ابن حبان: \"يخطئ\" فقول الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٣٢): \"محمد بن حمران ثقة\" فيه تسامح وخالف جميع من تقدم عبد الوهاب بن عطاء فرواه عن خالد الحذاء عن أبي تميمة عن أبي المليح قال: كان رجل رديف النبي ﷺ. . . وساقه نحوه.\nأخرجه النسائي (٥٥٦)؛ والخطيب في \"المتفق والمفترق\" (١١/ ١٦١/ ٢) والصواب في كل هذا رواية ابن المبارك ووهب بن بقية، وجهالة الصحابي لا تضر والحمد لله. وبهذا يظهر ما في تجويد المنذري لرواية أحمد من النظر، والله أعلم.\n(^٥) ساقط من جميع \"الأصول\" واستدركته من \"المسند\".","vol":"1","page":179},{"text":"عن أبي تميمة، وهو الهجيمي، عن أبي المليح بن أسامة بن عمير، عن أبيه؛ قال: كنت رديف النبي ﷺ. . . فذكره؛ وقال: \"لا تقل هكذا، فإنه يتعاظم حتى يكون كالبيت؛ ولكن قل: باسم الله، فإنه يصغر حتى يكون كالذبابة\".\nفهذا من تأثير بركة \"باسم الله\"؛ ولهذا تستحب في أول كل عمل وقول؛ فتستحب في أول الخطبة لما جاء: \"كل (أمر) (^١) لا يبدأ فيه ببسم الله (الرحمن الرحيم) (^٢). فهو أجذم\" (^٣).\n[وتستحب البسملة عند دخول الخلاء، لما ورد من الحديث (^٤) في ذلك] (^٥).\nوتستحب في أول الوضوء لما جاء في \"مسند الإمام أحمد\" (^٦)، و\"السنن\"، من رواية أبي\n_________\n(^١) كذا في \"ز\" و(ل) و(ن)، ووقع في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى): \"خطبة\" وأشار في (ج) و(ع) و(ى) إلى أنه وقع في نسخة ما أثبته في المتن.\n(^٢) من (ز).\n(^٣) أخرجه عبد القادر الرهاوي في \"الأربعين\" ومن طريقه ابن السبكي في \"طبقات الشافعية\" (١/ ٦) وسنده ضعيف جدًّا، وعزاه المناوي في \"فيض القدير\" (٥/ ١٤) للخطيب البغدادي في \"تاريخه\"، وأخرجه أبو داود (٤٨٤٠)؛ والنسائي في \"اليوم والليلة\" (٤٩٤)؛ وابن ماجه (١٨٩٤)؛ وأحمد (٢/ ٣٥٩)؛ وابن حبان (١، ٢)؛ وأبو عوانة في \"مستخرجه\"؛ والدارقطني (١/ ٢٢٩)؛ والغافقي في \"مسند الموطأ\" (ق ٢/ ١)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٣/ ٢٠٨، ٢٠٩) والشريف الرضى في \"المجازات النبوية\" (ص ١٦٦، ١٦٧)؛ والخطيب في \"الجامع\" (٢/ ٦٩، ٧٠) من طرق عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع\". واختلف في متنه كثيرًا قال أبو داود: رواه يونس وعقيل وشعيب، وسعيد بن عبد العزيز عن الزهري مرسلًا، وصوب الدارقطني المرسل، وأخرج المرسل النسائي في \"اليوم والليلة\" (٤٩٥، ٤٩٦) وهو الصواب، وقرة بن عبد الرحمن ضعفه أحمد وابن معين وأبو زرعة وآخرون، وقد خالفه الإثبات من أصحاب الزهري فأرسلوه، وبهذا تعلم خطأ من حسنه كابن الصلاح والنووي وابن السبكي في \"الطبقات\" (١/ ٥ - ٢٠) وأطال في غير طائل، وللنووي حجة واهية في تحسينه فقال: \"وهو حديث حسن، وقد روى موصولًا ومرسلًا ورواية الموصول جيدة الإسناد، وإذا روى الحديث موصولًا ومرسلًا فالحكم للاتصال عند الجمهور\". اهـ. كذا قال! وهذا الباب، يعني الاتصال والإرسال إنما يحكم فيه المحدثون دون غيرهم، هم لا يحكمون للموصول إذا خالف المرسل، بل يرجحون بالعدد والحفظ والملازمة ونحو ذلك، فإذا روى الحديث رجل ضعفه النقاد وخالفه الثقات الأثبات فلا يحكم لروايته عليهم أبدًا، وقد أيد النووي الدارقطني في تضعيفه لزيادة \"وإذا قرأ فأنصتوا\" التي رواها مسلم في \"صحيحه\" مع أن راويها هو سليمان التيمي وهو ثقة ثبت؛ لأنه خالف أصحاب قتادة، فكيف يحكم لرواية قرة بن عبد الرحمن ومرَّ حاله على رواية أصحاب الزهري المتقنين؟! هذا ما تأباه الأصول وطرائق المحدثين. والله أعلم، وجملة القول أن الحديث ضعيف، والصواب فيه الإرسال. والحمد لله على التوفيق، وانظر: \"الإرواء\" (١/ ٢٩ - ٣٢) لشيخنا الألباني ﵀.\n(^٤) يشير إلى ما رواه المعمري في \"اليوم والليلة\" من طريق عبد الله بن المختار، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس مرفوعًا: \"إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث\" قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٢٤٤): \"إسناده على شرط مسلم وفيه زيادة التسمية، ولم أرها في غير هذه الرواية\" وقال في \"نتائج الأفكار\" (١/ ١٩٦): \"رواته موثقون\". وقد روى هذا الحديث شعبة وابن علية وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وآخرون فلم يذكروا التسمية، وقد حققت هذا البحث في \"بذل الإحسان\" (١/ ١٩٧ - ١٩٩) فراجعه.\n(^٥) ساقط من (ز).\n(^٦) أما حديث أبي هريرة: فأخرجه أحمد (٢/ ٤١٨)؛ وأبو داود (١٠١)؛ وابن ماجه (٣٩٩)؛ والترمذي في \"العلل الكبير\" (١/ ١١١)؛ وأبو يعلى (ج ١١/ رقم ٦٤٠٩) وغيرهم من طريق يعقوب بن سلمة، عن أبيه،=","vol":"1","page":180},{"text":"هريرة، وسعيد بن زيد، وأبي سعيد - مرفوعًا: \"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه\". وهو حديث حسن.\nومن العلماء من أوجبها عند الذكر ههنا، ومنهم من قال بوجوبها مطلقًا، وكذا تستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة، وأوجبها آخرون عند الذكر ومطلقًا في قول بعضهم كما سيأتي بيانه في موضعه (إن شاء الله) (^١).\n[وقد ذكر الرازي في \"تفسيره\" (^٢) في فضل البسملة أحاديث منها: عن أبي هريرة أن\nرسول الله ﷺ قال: \"إذا أتيت أهلك فسم الله، فإنه إن وجد لك ولد كتب لك بعدد أنفاسه وأنفاس ذريته حسنات\". وهذا لا أصل له، ولا رأيته في شيء من الكتب المعتمد عليها ولا غيرها] (^٣).\nوهكذا تستحب عند الأكل لما في \"صحيح مسلم\" (^٤): أن رسول الله ﷺ قال لربيبه عمر بن أبي سلمة: \"قل: بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك\".\nومن العلماء من أوجبها والحالة هذه، وكذلك تستحب عند الجماع لما في \"الصحيحين\" (^٥) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"لو أن (أحدهم) (^٦) إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله،\n_________\n= عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى\". وصححه الحاكم (١/ ١٤٦) وتعقبه ابن الصلاح والنووي في \"المجموع\" (١/ ٣٤٤)؛ وابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٧٢) وفي \"النتائج\" (١/ ٢٦٦) وله علتان.\nوأما حديث سعيد بن زيد: فأخرجه أحمد (٤/ ٧٠، ٦/ ٣٨٢)؛ والترمذي (٢٥)؛ وابن ماجه (٣٩٨) وآخرون يطول الأمر بذكرهم وهو أمثل أحاديث الباب.\nوأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه أحمد (٣/ ٤١)؛ والترمذي في \"العلل\" (١/ ١١٢، ١١٣)؛ وابن ماجه (٣٩٧)؛ وابن أبي شيبة (١/ ٢، ٣)؛ وأبو عبيد في \"الطهور\" (ق ٧/ ٢)؛ وأبو يعلى (٢/ ٣٢٤، ٤٢٤) وآخرون. وقد استوفيت الكلام على طرقه وشواهده في \"بذل الإحسان\" (٢/ ٣٤٠ - ٣٧١) ولي فيه جزء مفرد باسم \"كشف المخبوء بثبوت حديث التسمية عند الوضوء\" وهو مطبوع وانفصلت فيه على أنه حديث حسن ثابت. والله أعلم.\n(^١) من (ك) و(ن).\n(^٢) انظر تفسير \"الرازي\" (١/ ١١٧) والحديث المذكور أخرجه أبو الحسين بن المهتدي في \"فوائده\" وعنه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ١٨٥، ١٨٦) وساق حديثًا طويلًا، ثم قال ابن الجوزي: \"هذا حديث ليس له أصل، وفي إسناده جماعة مجاهيل لا يعرفون أصلًا ولا نشك أنه من وضع بعض القصاص أو الجهال وقد خلط الذي وضعه في الإسناد، ومن المعروفين في إسناده: حماد بن عمرو، قال يحيى: كان يكذب ويضع الحديث، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث وضعًا على الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على وجه التعجب\" وانظر: \"اللآلئ\" (٢/ ٣٧٧، ٣٧٨)، \"وتنزيه الشريعة\" (٢/ ٣٤٠).\n(^٣) ساقط من (ز) و(ع) و(ل).\n(^٤) لم يخرجه مسلم في \"صحيحه\" بهذا اللفظ، إنما أخرجه (٢٠٢٢/ ١٠٨) بلفظ: \"يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك\".\nأخرجه البخاري (٩/ ٥٢٣)؛ ومسلم (٢٠٢٢/ ١٠٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (٩/ ٢٢٨)؛ ومسلم (١٠/ ٥ - شرح النووي).\n(^٦) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ي) وهو الموافق لما في \"الصحيحين\"، ووقع في (ز) و(ك) و(ن): \"أحدكم\".","vol":"1","page":181},{"text":"اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا\".\nومن ههنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في (تقدير) (^١) المتعلق بالباء في (قولك) (^٢): باسم الله -هل هو اسم أو فعل- متقاربان، وكل قد ورد به القرآن؛ أما من قدره باسم تقديره باسم الله ابتدائي؛ فلقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود] ومن قدره بالفعل (أمرًا أو خبرًا؛ نحو: أبدأ باسم الله، أو ابتدأت بسم الله) (^٣) فلقوله (تعالى) (^٤): ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق] وكلاهما صحيح؛ فإن الفعل لا بدّ له من مصدر؛ فلك أن تقدر الفعل ومصدره، وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله إن كان قيامًا أو قعودًا أو أكلًا أو شربًا، أو قراءةً أو وضوءًا أو صلاةً؛ فالمشروع ذكر (اسم) (^٥) الله في الشروع في ذلك كله؛ تبركًا وتيمنًا واستعانةً على الإتمام والتقبل. والله أعلم.\nولهذا روى ابن جرير (^٦)، وابن أبي حاتم، من حديث بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: إن أول ما نزل به جبريل على محمد ﷺ قال: يا محمد؛ قل: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. ثم قال: قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ قال: قال له جبريل: (قل) (^٧): باسم الله يا محمد.\nيقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله تعالى. لفظ ابن جرير.\nوأما مسألة الاسم؛ هل هو المسمى أو غيره، ففيها للناس ثلاثة أقوال: [أحدها: أن الاسم؛ هل هو المسمى، وهو قول أبي عبيدة، وسيبويه؛ واختاره الباقلاني، وابن فورك. وقال (فخر الدين) (^٨) الرازي] (^٩)؛ [وهو محمد بن عمر المعروف بابن خطيب (الري) (^١٠) في \"مقدمات تفسيره\" (^١١): قالت الحشوية، والكرامية، والأشعرية: الاسم نفس المسمى، (وغير التسمية) (^١٢)، وقالت المعتزلة: الاسم غير المسمى ونفس التسمية.\nوالمختار عندنا أن الاسم غير المسمى وغير التسمية، ثم نقول: إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات متقطعة وحروف مؤلفة فالعلم الضروري حاصل أنه غير المسمّى، وإن] (^١٣)\n_________\n(^١) في (ج): \"تقديم\" وهو تصحيف.\n(^٢) في (ن): \"قوله\" وذكر في الهامش أن في نسخة \"قولك\".\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) من (ل) و(ن).\n(^٥) ساقط من (ز).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٣٨)؛ وابن أبي حاتم (٤) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا بشر بن عمارة بسنده سواء.\nوإسناده ضعيف جدًّا وبشر بن عمارة تركه الدارقطني وضعفه البخاري والنسائي وغيرهما والضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس، وسبق أن نبه المصنف على هذا.\n(^٧) سقط من سائر \"الأصول\" واستدركته من \"الطبري\" و\"ابن أبي حاتم\".\n(^٨) ساقط من (ن).\n(^٩) من أول هنا إلى \"الله علم على الرب ﵎\" ساقط من (ز).\n(^١٠) في (ك): \"الذي\"! وفي (ل): \"ابن الخطيب الرازي\".\n(^١١) انظر: \"تفسيره\" (١/ ١١٤ - ١١٦).\n(^١٢) وقع في (ن): \"غير نفس التسمية\".\n(^١٣) ساقط من (ز).","vol":"1","page":182},{"text":"[كان المراد بالاسم ذات المسمّى فهذا يكون من باب إيضاح الواضحات، وهو عبث، فثبت أن (الخوض) (^١) في هذا (البحث) (^٢) على جميع التقديرات يجري مجرى العبث.\nثم شرع يستدل على مغايرة الاسم للمسمى بأنه قد يكون الاسم موجودًا والمسمى مفقودًا؛ كلفظة المعدوم، وبأنه قد يكون للشيء أسماء متعددة؛ كالمترادفة، وقد يكون الاسم واحدًا والمسميات متعددةً كالمشترك، وذلك دال على تغاير الاسم والمسمّى.\nوأيضًا فالاسم لفظ وهو عرض. والمسمّى قد يكون ذاتًا ممكنةً أو واجبةً بذاتها.\nوأيضًا فلفظ النار والثلج لو كان هو المسمّى لوجد اللافظ بذلك حر النار أو برد الثلج ونحو ذلك؛ ولا يقوله عاقل] (^٣).\n[وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nوقال النبي ﷺ: \"إن لله تسعةً وتسعين اسمًا\" (^٤)؛ فهذه أسماء كثيرة والمسمّى واحد، وهو الله تعالى.\nوأيضًا فقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ (الْحُسْنَى)﴾ (^٥) أضافها إليه، كما قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة] ونحو ذلك؛ فالإضافة تقتضي المغايرة. وقوله (تعالى) (^٦): ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أي: فادعوا الله بأسمائه؛ وذلك دليل على أنها غيره.\nواحتج من قال: الاسم هو المسمى بقوله (تعالى): ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن] والمتبارك هو الله (تعالى) (^٦).\nوالجواب أن الاسم (يعظم) (^٧) لتعظيم الذات المقدسة.\nوأيضًا فإذا قال الرجل: زينب طالق -يعني: امرأته- طلقت، ولو كان غير المسمى لما وقع الطلاق.\nوالجواب أن المراد أن الذات المسماة بهذا الاسم طالق.\nقال الرازي: وأما التسمية فإنها جعل الاسم معينًا لهذه الذات، فهي غير الاسم أيضًا. والله أعلم)] (^٨).\n(الله): علم على الرب ﵎، يقال: إنه الاسم الأعظم. لأنه يوصف بجميع الصفات، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر] فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له، كما قال\n_________\n(^١) في (ع) و(هـ) و(ى): \"المختص\"!! وأشار في (ى) إلى أن الصواب ما أثبته.\n(^٢) ساقط من (ز).\n(^٣) في (ج) و(ل): \"المبحث\".\n(^٤) يأتي تخريجه إن شاء الله بعد قليل.\n(^٥) من (ج) و(ل) و(هـ).\n(^٦) من (ن).\n(^٧) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ى)، ووقع في (ن) و(هـ): \"معظم\".\n(^٨) إلى هنا انتهى السقط الواقع في (ز).","vol":"1","page":183},{"text":"تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].\nوفي \"الصحيحين\" (^١) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة\". وجاء تعدادها في رواية الترمذي (^٢) [وابن ماجه، وبين الروايتين اختلاف زيادة ونقصان.\nوقد ذكر (فخر الدين) (^٣) (الرازي) (^٤) في \"تفسيره\" عن بعضهم] (^٥) أن لله خمسة آلاف اسم، [ألف في الكتاب والسنة الصحيحة، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور، وألف في اللوح المحفوظ] (^٦).\nوهو اسم لم يسم به غيره ﵎، ولهذا لا يعرف في كلام العرب له اشتقاق من فعل يفعل؛ فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له.\n[وقد نقله القرطبي (^٧) عن جماعة من العلماء، منهم الشافعي، والخطابي، وإمام الحرمين، والغزالي وغيرهم.\nوروى عن الخليل وسيبويه أن الألف واللام فيه لازمة، قال الخطابي: ألا ترى أنك تقول: يا الله، ولا تقول: يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام] (^٨).\nوقيل: إنه مشتق، واستدلوا عليه بقول رؤبة بن العجاج:\nلله در الغانيات المدة (^٩) … سبحن واسترجعن من تألهي\nفقد صرح الشاعر بلفظ المصدر، وهو التأله، من أله يأله إلاهةً وتألهًا، كما روي عن ابن عباس (^١٠) أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] قال: عبادتك؛ أي: أنه كان يعبد ولا يعبد. وكذا قال مجاهد وغيره.\n[وقد استدل بعضهم على كونه مشتقًّا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾] (^١١)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥/ ٣٥٤، ١١/ ٢١٤، ١٣/ ٣٧٧)؛ ومسلم (٢٦٧٧/ ٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٠٧) وضعفه وابن ماجه (٣٨٦١)؛ وابن حبان (٨٠٨)؛ والحاكم (١/ ١٦)؛ والبيهقي في \"الأسماء\" (ص ٥)، وكذلك ضعفه سائر أهل العلم، وصححه الحاكم وحسنه النووي، وردوه عليهما، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الأمر في \"سورة الأعراف\" إن شاء الله تعالى.\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) ساقط من (ج) و(ك) و(هـ) و(ى) ووقع في (ل): \"فخر الدين الرازي\".\n(^٥) ساقط من (ز).\n(^٦) ساقط من (ز).\n(^٧) في \"تفسيره\" (١/ ١٠٣).\n(^٨) ساقط من (ز).\n(^٩) المدة: أي المادحات، ومده؛ يعني: مدح، وانظر: \"اللسان\" (٥/ ٤١٦١). ومعنى البيت: أنهن مدحن حسنه وجماله، واسترجعن حسرة عليه، أنه تنسك وطلب العبادة وهجر الدنيا ولم يستفد بحسنه شيئًا.\n(^١٠) ولم تثبت هذه القراءة، ويأتي بيانه في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى.\n(^١١) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).","vol":"1","page":184},{"text":"[الأنعام: ٣] [(أي: المعبود في السماوات والأرض) (^١) كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤].\nونقل سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلًا من الهمزة].\n[قال سيبويه: مثل الناس، أصله أناس. وقيل: أصل الكلمة: \"لاه\"، فدخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه؛ قال الشاعر:\nلاه ابن عمك لا أفضلت في حسب … عنى ولا أنت دياني فتخزوني\nقال القرطبي (^٢): بالخاء المعجمة؛ أي: فتسوسني.\nوقال الكسائي والفراء: أصله الإله، حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية، كما قال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] أي: لكن أنا. وقد قرأها كذلك الحسن.\nقال القرطبي (^٢): ثم قيل: هو مشتق من وله إذا تحير. والوله: ذهاب العقل يقال: رجل واله، وامرأة ولهى، (وماء موله) (^٣) إذا أرسل في] (^٤) [الصحراء. فالله تعالى (تتحير الألباب والفكر) (^٥) في حقائق صفاته؛ فعلى هذا يكون (أصله) (^٦): \"ولاه\"، فأبدلت الواو همزةً، كما قالوا في وشاح: إشاح، ووسادة: إسادة.\nوقال (فخر الدين) (^٧) الرازي (^٨): وقيل: إنه مشتق من: \"ألهت إلى فلان\"؛ أي: سكنت إليه؛ فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره، والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته؛ لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره. قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد: ٢٨، ٢٩].\nقال: وقيل: من \"لاه، يلوه\"، إذا احتجب. وقيل: اشتقاقه من أله الفصيل: أولع بأمه.\nوالمعنى أن العباد (مولهون) (^٩) مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال.\nقال: وقيل: مشتق من أله الرجل يأله، إذا فزع من أمر نزل به، فألهه؛ أي: أجاره، فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨].\nوهو المنعم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]] (^١٠).\n(^١١) [وهو المطعم؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].\nوهو الموجد؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨].\n_________\n(^١) ساقط من (ن).\n(^٢) \"تفسير القرطبي\" (١/ ١٠٢).\n(^٣) في (ن): \"مالوها\"!!\n(^٤) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).\n(^٥) كذا في (ج) و(ل) وفي (ك): \"يتحير أولو الألباب والفكر\" وفي (ن): \"يتحير الفكر\".\n(^٦) ساقط من (ن).\n(^٧) ساقط من (ك) و(ن).\n(^٨) \"تفسير الرازي\" (١/ ١٦٥).\n(^٩) في (ن): \"مألوهون\".\n(^١٠) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).\n(^١١) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).","vol":"1","page":185},{"text":"وقد اختار (فخر الدين) (^١) (الرازي) (^٢) أنه اسم غير مشتق (البتة) (^٣)؛ قال: وهو قول الخليل، وسيبويه، وأكثر الأصوليين والفقهاء؛ ثم أخذ يستدل على ذلك بوجوه، منها أنه لو كان مشتقًّا لاشترك في معناه كثيرون. ومنها أن بقية الأسماء تذكر صفات له، فتقول: الله الرحمن الرحيم الملك القدوس؛ فدل أنه ليس بمشتق؛ قال: فأما قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢] على قراءة الجر، فجعل ذلك من باب عطف البيان. ومنها: قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].\nوفي الاستدلال بهذه على كون هذا الاسم جامدًا غير مشتق نظر. والله أعلم.\n[وحُكي (فخر الدين) (^١) (¬الرازي) (٢) عن بعضهم (أنه ذهب إلى) (^٤) أن اسم الله تعالى عبراني لا عربي، ثم ضعفه، وهو حقيق بالتضعيف، كما قال. وقد] (^٥) حكى (فخر الدين) (^١) (الرازي) (^٢) هذا القول، ثم قال: واعلم أن (الخلق) (^٦) قسمان: واصلون إلى ساحل بحر المعرفة، ومحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة، وتيه الجهالة] (^٧).\n[فكأنهم قد فقدوا عقولهم وأرواحهم. وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور، وفسحة الكبرياء والجلال، فتاهوا في ميادين الصمدية، وبادوا في عرصة الفردانية؛ فثبت أن الخلائق كلهم والهون في معرفته.\nوروي عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه -بنصب اللام (وجرها) (^٨) - لغتان.\nوقيل: إنه مشتق من الارتفاع؛ فكانت العرب تقول لكل شيءٍ مرتفع: لاهًا، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: لاهت.\nوقيل: إنه مشتق من أله الرجل، إذا تعبد، وتأله إذا تنسك. وقرأ ابن عباس ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]] (^٩).\nوأصل ذلك الإله، فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام التي هي عينها مع اللام الزائدة في أولها للتعريف، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارتا في اللفظ لامًا واحدةً مشددةً وفخمت تعظيمًا، فقيل: \"الله\".\n﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة. ورحمن أشد مبالغة من رحيم. وفي كلام ابن جرير ما يفهم (منه) (^١٠) حكاية الاتفاق على هذا. وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك، كما تقدم في الأثر (^١١) عن عيسى ﵇ أنه قال: والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة.\n_________\n(^١) من (ج) و(ك) و(ل).\n(^٢) من (ن).\n(^٣) البتة: بهمزة وصل، وانظر ضبطها في \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٢) للحافظ.\n(^٤) ساقط من (ن).\n(^٥) ساقط من (ك).\n(^٦) في (ن): \"الخلائق\".\n(^٧) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).\n(^٨) كذا في (ج) و(ل) وفي (ك) و(ن): \"كسرها\".\n(^٩) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).\n(^١٠) من (ن).\n(^١١) لكنه لا يصح كما تقدم شرحه، والله أعلم.","vol":"1","page":186},{"text":"[وزعم بعضهم أنه غير مشتق؛ إذ لو كان كذلك لاتصل بذكر المرحوم؛ وقد قال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]] (^١).\n[وحكى ابن الأنباري في \"الزاهر\"، عن المبرد - أن الرحمن اسم عبراني ليس بعربي. وقال أبو إسحاق الزجاج في \"معاني القرآن\": وقال أحمد بن يحيى: الرحيم عربي، والرحمن عبراني، فلهذا جمع بينهما.\nقال أبو إسحاق: وهذا القول مرغوب عنه.\nوقال القرطبي (^٢): والدليل على أنه مشتق ما خرجه الترمذي (^٣)، وصححه عن عبد الرحمن بن عوف ﵁؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسمًا من اسمى، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته\".\nقال: وهذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق.\nقال: وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم بالله، وبما وجب له] (^٤).\n[قال القرطبي (^٥): (ثم قيل) (^٦): هما بمعنًى واحد؛ كندمان ونديم؛ قاله أبو عبيد.\nوقيل: ليس بناء فعلان كفعيل؛ فإن \"فعلان\" لا تقع إلا على مبالغة الفعل، نحو قولك: رجل غضبان، \"للرجل الممتلئ غضبًا\" (^٧). (وفعيل) قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول.\nقال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم (عام) (^٨) في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى. والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر؛ أي: أكثر رحمة.\nثم حكى (^٩) عن الخطابي وغيره أنهم استشكلوا هذه الصفة، وقالوا: لعله أرفق، كما في] (^١٠)\n_________\n(^١) ساقط من (ز).\n(^٢) \"تفسير القرطبي\" (١/ ١٠٤).\n(^٣) في \"سننه\" (١٩٠٧)؛ وأبو داود (١٦٩٤)؛ وأحمد (١/ ١٩٤)؛ وابن أبي شيبة (٨/ ٣٤٧، ٣٤٨)؛ والبزار (ج ١/ ق ١١/ ١)؛ والحميدي (٦٥)؛ والبرتي في \"مسند عبد الرحمن بن عوف\" (ق ١٧٩/ ٢)؛ وأبو يعلى (ج ٢/ رقم ٨٤٠)؛ والخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" (٢٦١) وفي \"المساوئ\" (٢٦٥)؛ والبيهقي في \"الآداب\" (١١)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (١٣/ ٢٢) من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، قال: اشتكى أبو الرداد، فجاءه عبد الرحمن بن عوف عائدًا، فقال: خيرهم وأوصلهم ما علمت أبا محمد فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ يقول:. . . فذكره ولكن عند الترمذي وغالب المخرجين \"بتته\" بدل \"قطعته\" وصححه الترمذي وتعقبه المنذري في \"مختصر سنن أبي داود\" (٢/ ٢٦٢) بأن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئًا كما قال ابن معين\".\nوقد اختلف في إسناده، وللحديث شواهد كثيرة يصح بها.\n(^٤) ساقط من (ز).\n(^٥) في \"تفسيره\" (١/ ١٠٥).\n(^٦) ساقط من (ل) وسقطت لفظة: \"ثم\" من (ج).\n(^٧) ساقط من (ج) و(ل)، وسقطت لفظة \"للرجل\" من (ك) و(هـ) و(ى).\n(^٨) كذا في (ك) و(ن) و(هـ) و(ى) ووقع في (ج) و(ل): \"غاية\".\n(^٩) يعني: القرطبي في \"تفسيره\" (١/ ١٠٦).\n(^١٠) ساقط من (ز).","vol":"1","page":187},{"text":"[الحديث (^١): \"إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وإنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف\".\nوقال ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب. وهذا كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي، وابن ماجه] (^٢)، (^٣) [من حديث أبي صالح الفارسي الخوزي، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لم يسأل الله يغضب عليه\" (^٤). وقال بعض الشعراء:\n_________\n(^١) أخرج ابن ماجه (٣٦٨٨)؛ وابن حبان (١٩١٤ - موارد)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٠٦)؛ والدولابي في \"الكنى\" (٢/ ٤١) من طريقين عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره. وهو حديث صحيح وله شواهد عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن المغفل وأنس، وأبي بكرة ﵃.\n(^٢) ساقط من (ز).\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) أخرجه الترمذيُّ (٣٣٧٣)، والبخاريُّ في \"الأدب المفرد\" (١/ ١١٤) عن حاتم بن إسماعيل، وابن ماجه (٣٨٢٧)، وأحمد (٢/ ٤٤٣، ٤٧٧)، وابنُ أبي شيبة (١٠/ ٢٠٠)، والبزار في \"البحر الزخار\" (ج ٢/ ق ٢٣٢/ ٢)، وابنُ عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٧٥٠)، والبغويُّ في \"شرح السنة\" (٥/ ١٨٨)، وفي \"تفسيره\" (٤/ ١٠٣) عن وكيع، والبخاريُّ في \"الأدب المفرد\" (٦٥٨)، والحاكمُ (١/ ٤٩١)، وأحمد (٢/ ٤٤٢)، ومن طريقه: ابن بشران في \"الأمالي\" (ج ٢٢/ ق ٢٤٤/ ٢)، عن مروان بن معاوية، والبزار (٢/ ٢٣٢/ ٢)، والحاكم (١/ ٤٩١)، وعنه البيهقيُّ في \"الدعوات\" (٢٢)، والطبراني في \"الأوسط\" (٢٤٣١)، ومن طريقه: المزي في \"التهذيب\" (٣٣/ ٤١٨)، والرامهرمزي في \"المحدث الفاصل\" (ص ٢٩٠) عن أبي عاصم النبيل، والرامهرمزي أيضًا عن صفوان بن عيسى، خمستهم عن أبي المليح، عن أبي صالح الخوزي، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره، قال الترمذيُّ: \"لا نعرفُه إلَّا من هذا الوجه\". وقال الطبرانيُّ: \"لم يرو هذا الحديث عن أبي صالح، إلَّا أبو المليح\"، وقال ابنُ عدي: \"وهذا يُعرف بأبي صالحٍ هذا\"، وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد، فإن أبا صالح الخوزي، وأبا المليح الفارسي لم يذكرا بالجرح، إنما هما في عداد المجهولين لقلة الحديث\"، قُلْتُ فإذا كانا في عدادِ المجاهيل فكيف يصحح إسنادُ حديثهما؟ وأخشى أن يكون مذهب الحاكم كمذهب ابن حبان، أنَّ العدل من لم يُعرف منه جرح؛ ولم سلمنا ذلك، فإن أبا صالح الخوزي عُرف بالجرح، فقد ضعَّفه ابنُ معين، ومشاه أبو زرعة، فقال: \"لا بأس به\"، وقال الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٩٥): \"مختلف فيه\"، وقد تفرَّد به كما قال هؤلاء الحفاظ، ومثله لا يحتمل تفرُّده. فإسناد حديثه ضعيفٌ، واللهُ أعلمُ.\nفائدة: قال الحافظ في \"الفتح\": \"ووقع في رواية البزار والحاكم: عن أبي صالح الخوزي: سمعتُ أبا هريرة\". ا هـ.\nقُلْتُ: ولم يقع هذا التصريح بالسماع لا عند البزار، ولا الحاكم، أما \"المستدرك\" فلا أجزم أن اللَّفظة لم تقع فيه، لكثرة التصحيف الواقع فيه.\nوأما \"مسند البزار\" فإنه رواه من طريق وكيع، وأبي عاصم بالإسناد إلى أبي صالح، عن أبي هريرة هكذا بالعنعنة، واللهُ أعلمُ.\nفائدة ثانية: قال البزار: \"وأبو صالح الخوزي إنما قيل: الخوزي، لأنه كان ينزل بمكة في شعب الخوز\".\nفائدة ثالثة: قال الحافظ في \"الفتح\": \"ظنَّ الحافظ ابنُ كثير أنه -يعني: أبا صالح الخوزي- أبو صالح السمان، فجزم بأن أحمد تفرد بتخريجه، وليس كما قال، فقد جزم شيخُه المزي في \"الأطراف\" بما قلتُهُ\" اهـ.\nقُلْتُ: كذا قال الحافظ، وقد قال ابن كثير في \"تفسيره\" (٧/ ١٤٣): \"تفرد به أحمد، وهذا إسناد لا بأس به =","vol":"1","page":188},{"text":"الله يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسأل يغضب] (^١)\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا السري بن يحيى التميمي، حدثنا عثمان بن زفر، سمعت العرزمي يقول: الرحمن الرحيم؛ قال: الرحمن لجميع الخلق، الرحيم قال: بالمؤمنين. قالوا: ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]، فذكر الاستواء باسمه الرحمن، ليعم جميع خلقه برحمته. وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] فخصهم باسمه الرحيم؛ قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغةً في الرحمة؛ لعمومها في الدارين لجميع خلقه. والرحيم خاصة بالمؤمنين؛ لكن جاء في الدعاء المأثور (^٣): \"رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما\".\n_________\n= وقال الحافظ ابن كثير بعد ذلك بسطرين: \"وأما أبو صالح هذا فهو الخوزي، سكن شعب الخوز. قال البزار في \"مسنده\"، فأنت ترى أن ابن كثير لم يشتبه عليه الخوزي بالسمان، ففد صرح بأن أبا صالح هو الخوزي. إلّا أن يكون ابن كثير قد جزم بأن أبا صالح هو السمان في كتاب آخر؛ نعم أخطأ في قوله: \"تفرد به أحمد\" فقد أخرجه الترمذي. وكذلك أيضًا في قوله: \"هذا إسناد لا بأس به\" فقد عرفناك ما فيه من البأس. والله أعلم.\n(^١) في \"تفسيره\" (١٤٦) وسنده جيد والسري بن يحيى هو ابن أخي هناد بن السري قال ابن أبي حاتم - كما في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ١/ ٢٨٥): \"كان صدوقًا\" وعثمان بن زفر وثقه مطين وابن حبان. وقال أبو حاتم: \"صالح الحديث صدوق\"؛ والعرزمي هو محمد بن عبد الله وهو تالف، لكنه لم يرو شيئًا ههنا فلا يضعف الإسناد به والله أعلم.\n(^٢) ورد ذكره في الهامش رقم (٣) في الصفحة السابقة.\n(^٣) لكنه لا يثبت، فأخرجه البزار (ج ٤/ رقم ٣١٧٧)؛ والحاكم (١/ ٥١٥)؛ والبيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ١٧١، ١٧٢)؛ وابن أبي الدنيا في \"الدعاء\" - كما في \"إتحاف السادة\" (٥/ ١٠٠)؛ والأصبهاني في \"الترغيب\" (١٢٥٤)؛ والطبراني في \"الدعاء\" (١٠٤١)؛ والمروزي في \"مسند أبي بكر\" (٤٠) من طريق الحكم بن عبد الله الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن أبا بكر الصديق ﵄ دخل عليها فقال: هل سمعت من رسول الله ﷺ دعاءً كان يعلمناه وذكر أن عيسى ﵇ كان يعلمه أصحابه ويقول: لو كان على أحدكم جبل ذهب دينا لقضاه الله ﷿ عنه: اللهم فارج الهم كاشف الغم مجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت رحماني، فارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك\" قال أبو بكر ﵁: فكان علي بقية من دين وكنت للدين كارهًا فكنت أدعو بذلك حتى قضاه الله ﷿ عني.\nقال البزار: \"لا نعلم أحدًا رواه مرفوعًا إلا أبو بكر، ولا نعلم له عنه إلا هذا الطريق، والحكم ضعيف جدًّا وإنما ذكرناه إذ لم نحفظه عن غيره وقد حدث به أهل العلم على ما فيه\".\nأما الحاكم فزعم أنه حديث صحيح، فرده عليه الذهبي ومن قبله المنذري، أما الذهبي فقال في \"تلخيص المستدرك\": \"الحكم ليس بثقة\" وأما المنذري فقال في \"الترغيب\" (٢/ ٦١٦) بعد ذكر تصحيح الحاكم: \"كيف والحكم متروك متهم والقاسم مع ما قيل فيه لم يسمع من عائشة\"!!\nكان قال المنذري: وهو ذهول غريب؛ لأن القاسم هو ابن محمد بن أبي بكر، وعائشة هي عمته وهو مكثر من الرواية عنها حتى قال ابن معين، كما في \"معجم ابن المقرئ\" (ج ٦/ ق ١٢٣/ ١): \"القاسم عن عائشة؛ مشبك بالذهب\" وهو يشير إلى متانة هذه الترجمة، والله أعلم.\nواقتصر السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٩) على تضعيف الإسناد! والصواب أنه ضعيف جدًّا، وكذلك أعله الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٨٦) فقال: \"فيه الحكم بن عبد الله الأيلي وهو متروك\". وله شاهد عن عبد الرحمن بن سابط مرفوعًا.\nأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠/ ٤٤١) وهو مرسل حسن الإسناد. والله أعلم.","vol":"1","page":189},{"text":"[واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يسم به غيره؛ كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف] ولما تجهرم مسيلمة الكذاب، وتسمى برحمن اليمامة، كساه الله جلباب الكذب، وشهره به، فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب، فسار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر (وأهل المدر) (^١) وأهل (الوبر) (^٢) من أهل البادية والأعراب] (^٣).\nوقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغةً من الرحمن؛ لأنه أُكِّدَ به. (والمؤكد) (^٤) لا يكون إلا أقوى من المؤكد.\nوالجواب: أن هذا ليس من باب (التأكيد) (^٥)، وإنما هو من باب النعت (بعد النعت) (^٦)؛ ولا يلزم فيه ما ذكروه.\nوعلى هذا فيكون (تقديم) (^٧) اسم الله الذي لم يسم به أحد غيره، ووصفه أولًا بالرحمن الذي منع من التسمية به لغيره، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وإنما تجهرم مسيلمة اليمامة في التسمي به، ولم يتابعه على ذلك إلا من كان معه في الضلالة.\nوأما الرحيم فإنه تعالى وصف به غيره حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة] كما وصف غيره (بغير ذلك) (^٨) من أسمائه، (في قوله) (^٩): ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الإنسان].\nوالحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره؛ (كاسمه) (^١٠) الله، والرحمن، والخالق، و(الرزاق) (^١١) ونحو ذلك؛ فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم؛ لأن التسمية أولًا إنما تكون بأشرف الأسماء؛ فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص.\nفإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغةً فهلا اكتفى به عن الرحيم؟ فقد روى عن عطاء الخراساني ما معناه أنه لما تسمى غيره -تعالى- بالرحمن جيء بلفظ الرحيم؛ ليقطع (التوهم) (^١٢)\n_________\n(^١) في (هـ) و(ى): \". . . الحضر من أهل المدر\".\n(^٢) في (ك): \"المدر\".\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) في (ز) و(هـ) و(ى): \"والتأكيد\".\n(^٥) في (ز): \"التوكيد\".\n(^٦) ساقط من (ز) و(ن).\n(^٧) في (ن): \"تقدير\"!! وفي (ك): \"تقدم\"!\n(^٨) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى)، ووقع في (ز) و(ن): \"كما وصف غيره بذلك\". وفي (ل): \"غيره بعد ذلك من أسمائه\".\n(^٩) في (ن): \"كما قال تعالى\".\n(^١٠) ساقط من (ن) وفي (ز): \"كاسم\".\n(^١١) كذا في (ز) و(ع) و(ك)، ووقع في (ج) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى): \"الرازق\" بتقديم الألف على الزاي، ولعله سبق قلم.\n(^١٢) في (ن): \"الوهم\" وأشار في الهامش إلى ما أثبته.","vol":"1","page":190},{"text":"بذلك؛ فإنه لا يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى، كذا رواه ابن جرير (^١)، عن عطاء؛ ووجهه بذلك، والله أعلم.\nوقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن حتى رد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].\nولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله ﷺ لعلي: \"اكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري (^٢). وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾ [الفرقان].\nوالظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جحود وعناد وتعنت في كفرهم، فإنه قد وجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن.\nقال ابن جرير (^٣): وقد أنشد بعض الجاهلية (الجهلاء) (^٤).\nألا ضربت تلك الفتاة هجينها … ألا قضب الرحمن ربي يمينها\nوقال سلامة بن جندب (الطهوي) (^٥):\nعجلتم علينا (عجلتينا) (^٦) عليكم … وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق\nوقال ابن جرير (^٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، حدثنا أبو روق عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس؛ قال: الرحمن الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب، وقال: (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) الرقيق الرفيق لمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه، وكذلك أسماؤه كلها.\nوقال ابن جرير (^٨) أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا حماد بن مسعدة، عن عوف، عن الحسن، قال: الرحمن اسم ممنوع.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١٤٩) ورجاله ثقات إلا نصر بن عمرو اللخمي الفلسطيني فلم أجد فيه إلا ما ذكره الدولابي في \"الكنى\" (١/ ١١٠) من أنه روى عنه يحيى بن صالح الوحاظي.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٥/ ٣٢٩ - ٣٣٣).\nوأخرجه مسلم (١٧٨٤/ ٩٣)؛ وأحمد (٣/ ٢٦٨) من طريق عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة بسنده سواء وفيه: \"ما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم\".\n(^٣) في \"تفسيره\" (١/ ١٣١ - شاكر).\n(^٤) كذا في (ج) و(ل) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\"، ووقع في (ز) و(ع) و(ك) و(ن) و(هـ) و(ى): \"الجهال\".\n(^٥) هذه النسبة ثابتة في كل \"الأصول\" وأنكرها الشيخ محمود شاكر في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (١/ ١٣١).\n(^٦) في (ك) و(ل) و(ن): \"عجلنا\".\n(^٧) في \"تفسيره\" (١٤٨) وسنده ضعيف جدًّا وتقدم القول فيه.\n(^٨) في \"تفسيره\" (١٥٠) وإسناده صحيح، وعوف هو ابن أبي جميلة الأعرابي.","vol":"1","page":191},{"text":"وقال ابن أبي (^١) حاتم: حدثنا أبو سعيد (بن) (^٢) يحيى بن سعيد القطان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو الأشهب، عن الحسن؛ قال: (الرحيم) (^٣) اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تسمى به ﵎.\n[وقد جاء في حديث (^٤) أم سلمة أن رسول الله ﷺ كان يقطع قراءته حرفًا حرفًا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ فقرأ بعضهم كذلك، وهم طائفة. ومنهم من وصلها بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ وكسرت] (^٥) (^٦) [الميم لالتقاء الساكنين وهم الجمهور، وحكى الكسائي من الكوفيين عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة، فيقولون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ فنقلوا حركة الهمزة إلى الميم بعد تسكينها، كما قرئ قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١، ٢].\nقال ابن عطية (^٧): ولم ترد هذه قراءةً عن أحد فيما علمت.\n\n<span id=\"aya-2\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.\n(القراء) (^٨) السبعة على ضم الدال في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وهو مبتدأ وخبر.\nوروى عن سفيان بن عيينة بن العجاج أنهما قالا: (الحمد لله) - بالنصب، وهو على إضمار فعل. وقرأ ابن أبي عبلة \"الحمد لله\" بضم الدال واللام إتباعًا للثاني الأول، وله شواهد لكنه شاذ. وعن الحسن وزيد بن علي (الحمد لله) بكسر الدال إتباعًا للأول الثاني] (^٧).\nقال أبو جعفر بن جرير (﵀) (^٩): معنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولًا وآخرًا.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" رقم (٧) وإسناده صحيح، وأبو سعيد بن يحيى، هو أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، قال ابن أبي حاتم: \"كان صدوقًا\" وقال ابن حبان: \"كان متقنًا. وأبو الأشهب، هو جعفر بن حيان السعدي\".\n(^٢) ساقط من (ز).\n(^٣) وقع في (ز) و(ن) و(هـ): \"الرحمن\"، وما أثبته وقع في سائر الأصول، وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ولما في \"الدر المنثور\" (١/ ٩)، وإن كان كلام الحسن أليق أن يجعل لاسم: \"الرحمن\" والله أعلم.\n(^٤) ساقط من (ز).\n(^٥) مرّ تخريجه في أول الفاتحة.\n(^٦) ساقط من (ز).\n(^٧) في \"تفسيره\" (١/ ٩٣).\n(^٨) في (ك): \"القرأة\".\n(^٩) ساقط من (ز) و(هـ).","vol":"1","page":192},{"text":"[وقال ابن جرير (﵀) (^١): الحمد لله حدّثناء أثنى به على نفسه. وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا: الحمد لله] (^٢).\nقال: وقد قيل: إن قول القائل: الحمد لله ثناء عليه (بأسمائه الحسنى وصفاته العلى) (^٣).\nوقوله: الشكر لله ثناء عليه بنعمه وأياديه.\nثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلًّا من الحمد والشكر مكان الآخر. [وقد نقل السلمي هذا المذهب: أنهما سواء، عن جعفر الصادق، وابن عطاء من الصوفية.\nوقال ابن عباس: الحمد لله كلمة كل شاكر. وقد استدل القرطبي (^٤) لابن جرير بصحة قول القائل: الحمد لله شكرًا] (^١).\nوهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان واللسان والأركان؛ كما قال الشاعر:\nأفادتكم النعماء منى ثلاثةً … يدى ولساني والضمير المحجبا\nولكنهم اختلفوا أيهما أعم: الحمد أو الشكر؟ على قولين: والتحقيق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول: حمدته لفروسيته، وحمدته لكرمه، وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه؛ لأن يكون بالقول والفعل والنية كما تقدم. وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية، لا يقال: شكرته لفروسيته؛ وتقول: شكرته على كرمه وإحسانه إليَّ.\nهذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين (^٥). والله أعلم.\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) ساقط من (ز).\n(^٣) كذا في \"الأصول\" كلها، ووقع في (ز): \"بأسمائه وصفاته الحسنى\"، وهذا هو الموافق لما في \"تفسير الطبري\" (١/ ١٣٧).\n(^٤) في \"تفسيره\" (١/ ١٣٣).\n(^٥) لكن هذا التحرير فيه إبهام وأوضح منه ما قاله الإمام المحقق ابن القيم ﵀، فقال في \"مدارج السالكين\" (٢/ ٢٥٦، ٢٥٧): \"وتكلم الناس في الفرق بين الحمد والشكر أيهما أعلى وأفضل؟ وفي الحديث: \"الحمد رأس الشكر فمن لم يحمد الله لم يشكره\" والفرق بينهما أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه وأخص من جهة متعلقاته والحمد أعم من جهة المتعلقات وأخص من جهة الأسباب، ومعنى هذا أن الشكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانة، وباللسان ثناءً واعترافًا، وبالجوارح طاعة وانقيادًا، ومتعلقه: النعم، دون الأوصاف الذاتية، فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه، وهو المحمود عليها كما هو محمود على إحسانه وعدله، والشكر يكون على الإحسان والنعم، فكل ما يتعلق به الشكر من غير عكس، فإن الشكر يقع بالجوارح، والحمد يقع بالقلب واللسان. اهـ.","vol":"1","page":193},{"text":"وقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: الحمد: نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل أحمده حمدًا (ومحمدة) (^١)، فهو حميد، ومحمود. والتحميد: أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر.\nوقال في الشكر: هو الثناء على المحسن بما (أولاكه) (^٢) من المعروف، يقال: شكرته وشكرت له، وباللام أفصح. [وأما المدح فهو أعم من الحمد؛ لأنه يكون للحي وللميت وللجماد أيضًا، كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك ويكون قبل الإحسان وبعده، وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضًا؛ فهو أعمُّ] (^٣).\nذكر (أقوال) (^٤) السلف في الحمد:\nقال ابن أبي (^٥) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر القطيعي، حدثنا حفص، عن حجاج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄؛ قال: قال عمر ﵁: قد علمنا سبحان الله، ولا إله إلا الله، فما الحمد لله؟ فقال علي: كلمة رضيها الله لنفسه.\n[(ورواه (غير) (^٦) أبي معمر)] (^٧) عن حفص؛ فقال: قال عمر (^٨) لعلي -وأصحابه عنده- لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر - قد عرفناها، فما الحمد لله؟ قال علي: كلمة أحبها الله تعالى لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال.\nوقال علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران؛ قال ابن عباس: الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد: \"الحمد لله\" قال: شكرني عبدي. رواه ابن أبي (^٩) حاتم.\nوروى أيضًا هو (^١٠)، وابن جرير، من حديث بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك،\n_________\n(^١) ساقط من (ج) ووقع في (ل): \"مجدته\"!!\n(^٢) في (ن) و(هـ): \"أولاه\".\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) في (ج) و(ل): \"قول\".\n(^٥) في \"تفسيره\" (١٢).\n(^٦) في (ج) و(ل): (عن)! وهو خطأ واضح.\n(^٧) كذا في (ز) و(ك) و(ن) و(ى)، ووقع في (هـ): \"ورواه غيره عن أبي معمر\" وهو خطأ.\n(^٨) كذا نقله المصنف عن \"تفسير ابن أبي حاتم\"، وسبق قلمه في نقل النص فقد أخرجه ابن أبي حاتم (١٣) قال: وحدثنا به الأشج فقال: ثنا حفص، وخالفه فيه، فقال فيه: قال عمر لعلي ﵄ وأصحابه عنده: لا إله إلا الله والحمد لله والله أكبر قد عرفناها؟ فما: \"سبحان الله؟ \" فقال علي، كلمة أحبها لنفسه ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال. وكذا رواه ابن أبي حاتم (٣٤٧) بذات السند في تفسير قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [البقرة: ٣٢] فأنت ترى أن عمر سأل عن معنى \"سبحان الله\" بينما ابن كثير نقل أن عمر سأل عن معنى \"الحمد لله\" وفي سنده هذا الأثر أو ذاك ضعف؛ لأجل الحجاج وهو ابن أرطاة.\n(^٩) في \"تفسيره\" (٨) قال: حدثنا أبي، ثنا أبو معمر المنقري، ثنا عبد الوارث، ثنا علي بن زيد بن جدعان بسنده سواء وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ١١) لابن جرير وابن المنذر وسنده ضعيف لأجل علي بن زيد.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٩)؛ وابن جرير (١٥١) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، ثنا بشر بن عمارة بسنده سواء وسنده ضعيف جدًّا لوهاء بشر بن عمارة والانقطاع بين الضحاك وابن عباس. وقد تقدم هذا الإسناد.","vol":"1","page":194},{"text":"عن ابن عباس - أنه قال: الحمد لله هو الشكر لله، والاستخذاء له، والإقرار له بنعمته وهدايته وابتدائه وغير ذلك.\nوقال كعب (^١) الأحبار: الحمد لله ثناء الله. وقال الضحاك (^٢): الحمد لله رداء الرحمن وقد ورد الحديث بنحو ذلك.\nقال ابن (^٣) جرير: حدثنا سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير، وكانت له صحبة، قال: قال (النبي) (^٤) ﷺ: \"إذا قلت: الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك\".\nوقد روى الإمام أحمد (^٥) بن حنبل: حدثنا روح، حدثنا عوف، عن الحسن، عن الأسود بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٥٣)؛ وابن أبي حاتم (١٠) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن السلولي، عن كعب. وسنده صحيح، وتكلم الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ في رواية كعب الأحبار وقوله، وأسقطه كله، فلو أنه تحفظ قليلًا؟!!\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١١) من طريق بزيع أبي حازم، عن يحيى بن عبد الرحمن أبي بسطام، عن الضحاك بن مزاحم. وسنده ضعيف، وبزيع ضعفه ابن معين والنسائي وكان أبو نعيم الفضل يتكلم فيه، ويحيى بن عبد الرحمن قال أبو حاتم: \"ليس بالقوى\".\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٥٢) وسنده ضعيف جدًّا وله علل:\nالأولى: عنعنه. بقية بن الوليد، فينبغي أن يصرح في كل طبقات السند؛ لأنه كان يدلس تدليس التسوية.\nوالثانية: عيسى بن إبراهيم: هو ابن طهمان تركه النسائي وأبو حاتم.\nوقال البخاري: \"منكر الحديث\".\nالثالثة: ضعف موسى بن أبي حبيب، ضعفه أبو حاتم.\nالرابعة: قال الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ٢٠٢): \"وله، يعني لموسى هذا، عن الحكم بن عمير رجل قيل: له صحبة، والذي أرى أنه لم يلقه، وموسى مع ضعفه متأخر عن لقي صحابي كبير، وإنما أعرف له رواية عن علي بن الحسين. . .\" وبالجملة فالحديث ضعيف جدًّا.\n(^٤) في (ن): \"رسول الله\".\n(^٥) في \"المسند\" (٣/ ٤٣٥). وأخرجه النسائي في \"النعوت\" (٤/ ٤١٦ - السنن الكبرى)؛ والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٨٥٩)؛ وابن سعد (٧/ ٤٢)؛ وابن منده في \"التوحيد\" (٧٥٤، ٧٥٥)؛ وأبو أحمد الحاكم في \"الكنى\" (ج ١٧/ ق ٢٩٧/ ١)؛ وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (١١٥٩)؛ وابن جرير في \"تفسيره\" (١٥٤)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١/ رقم ٨٢٠ - ٨٢٥، ٨٣٦)؛ والسهمي في \"تاريخ جرجان\" (ص ٤١٣)؛ وأبو نعيم في \"المعرفة\" (٨٩٧)؛ والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٤/ ٢٩٨)؛ وابن قانع في \"معجم الصحابة\" (ج ١/ ٤/ ١)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٨/ رقم ٤٠٥٧)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٧٦٣)؛ وأبو محمد الجوهري في \"حديث أبي الفضل الزهري\" (ج ٦/ ق ١٠١/ ١)؛ والحاكم (٣/ ٦١٤)؛ والمحاملي في \"الآمالي\" (ق ٧٨/ ٢)؛ والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١٠٨٢)؛ وعبد الغني المقدسي في \"أحاديث الشعر\" (٣٠) من طرق كثيرة عن الحسن، عن الأسود بن سريع فذكره.\nقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي! وليس كما قالا فقد قال علي ابن المديني وأبو داود والبزار وعباس الدوري وابن منده: \"لا يصح سماع الحسن من الأسود\" قال ابن المديني: \"الأسود بن سريع قتل أيام الجمل، وإنما قدم الحسن البصرة بعد ذلك\". قال الحافظ في \"التهذيب\" (١/ ٣٣٩) بعد ذكر أشياء: \"وكل هذا يدل على أن الحسن وأقرانه لم يلحقوه\".\nقلت: ولكن قال البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١/ ٤٤٥): \"وقال لنا مسلم: حدثنا السري بن يحيى، حدثنا الحسن، حدثنا الأسود بن سريع أنه غزا مع النبي ﷺ أربع غزوات\".=","vol":"1","page":195},{"text":"سريع؛ قال: قلت: يا رسول الله؛ ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي ﵎؟ فقال: \"أما إن ربك يحب الحمد\".\nورواه النسائي عن علي بن حجر، عن ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، به. (أبو عيسى الحافظ) (^١) الترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير، عن طلحة بن خراش، عن جابر بن (^٢) عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله\".\nوقال الترمذي: \"حسن غريب\".\n[وروى ابن ماجه (^٣)، عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال] (^٤) [رسول الله ﷺ: \"ما أنعم الله على عبد نعمةً، فقال الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضل ما أخذ\".\nوقال القرطبي في \"تفسيره\" (^٥): وفي \"نوادر الأصول\"، عن أنس (^٦)] (^٧) [عن النبي ﷺ] (^٨)،\n_________\n= وهذا سند صحيح يثبت سماع الحسن من الأسود في الجملة ولكن الحسن مدلس فنحتاج إلى تصريحه بالسماع، ولم يتفرد به الحسن، فتابعه عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن الأسود بن سريع قال: قدمت على نبي الله ﷺ فذكره وفيه: \"فجعلت أنشده فدخل رجل طوال أقنى، فقال لي: \"أمسك\" فلما خرج قال: \"هات\" فجعلت أنشده، فلم ألبث أن عاد! فقال لي: \"أمسك\" فلما خرج قال: \"هات\" فقلت: من هذا يا نبي الله الذي دخل قلت: \"أمسك\" وإذا خرج قلت: \"هات\"؟ قال: \"هذا عمر بن الخطاب، وليس من الباطل في شيء\".\n(^١) من (ن).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٣٨٣)؛ والنسائي في \"اليوم والليلة\" (٨٣١)؛ وابن ماجه (٣٨٠٠)؛ وابن حبان (٢٣٢٦ - موارد)؛ والخرائطي في \"فضيلة الشكر\" (٧)؛ وابن أبي الدنيا في \"الشكر\" (١٠٢)؛ والحاكم (١/ ٤٩٨، ٥٠٣)؛ والطبراني في \"الدعاء\" (١٤٨٣)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٦/ ٤٢، ٤٣)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٨/ رقم ٤٠٦١)؛ وفي \"الأسماء والصفات\" (١/ ١٧٩)؛ وفي \"الدعوات الكبير\" (١١٧)؛ والأصبهاني في \"الترغيب\" (٢٤٨١)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ٤٩) وفي \"تفسيره\" (٤/ ١٥٥)؛ والشجري في \"الأمالي\" (١/ ١٣) من طرق عن موسى بن إبراهيم الأنصاري بسنده سواء. وحسنه الترمذي كما رأيت وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وقد تفرد به موسى بن إبراهيم هذا، ولم يوثقه إلا ابن حبان (٧/ ٤٤٩) ورغم ذلك قال: \"كان ممن يخطئ\" وتسامح الحافظ فقال في \"التقريب\": \"صدوق يخطئ\" فمثل هذا الراوي المقل في روايته إذا غمزه ابن حبان مع تسامحه، فلا ينبغي تحسين حديثه إلا بالشواهد المجدية. فالصواب أن سنده ضعيف، ولعل الترمذي حسنه لوجود شواهد. والله أعلم.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٥)؛ والخرائطي في \"فضيلة الشكر\" (١)؛ وابن السني في \"اليوم والليلة\" (٣٥٦)؛ والطبراني في \"الأوسط\" (١٣٧٩)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٨/ رقم ٤٠٩١)؛ والضياء في \"المختارة\" (٢١٩٤، ٢١٩٥، ٢١٩٦) من طرق عن الضحاك بن مخلد أبي عاصم، عن شبيب بن بشر، عن أنس بن مالك مرفوعًا فذكره.\nقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن شبيب إلا أبو عاصم\".\nوقال البوصيري في \"زوائد ابن ماجه\" (١٩٢/ ٣): \"هذا إسناد حسن، شبيب بن بشر مختلف فيه\". وقال الضياء: \"رواه أبو مسلم الكشي عن أبي عاصم فلم يرفعه\".\n(^٤) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).\n(^٥) \"تفسير القرطبي\" (١/ ١٣١).\n(^٦) وأخرجه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٥/ ٢٧٦/ ٢) بسند مظلم. وانظر: \"الضعيفة\" (٨٧٥) لشيخنا أبي عبد الرحمن الألباني ﵀.\n(^٧) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي).\n(^٨) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي).","vol":"1","page":196},{"text":"[قال: \"لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي، ثم قال: الحمد لله، لكان الحمد لله أفضل من ذلك\". قال القرطبي (^١) وغيره: أي لكان إلهامه الحمد لله أكبر نعمةً عليه من نعم الدنيا؛ لأن ثواب الحمد لا يفنى، ونعيم الدنيا لا يبقى؛ قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف].\nوفي \"سنن ابن ماجه\" (^٢)، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ حدثهم أن \"عبدًا من عباد الله قال: يا رب؛ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فعضلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى الله، فقالا: يا ربنا، إن عبدًا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها. قال الله - وهو أعلم بما قال عبده: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب، إنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما: \"اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها\"\".\nوحكى القرطبي (^٣) عن طائفة أنهم قالوا: قول العبد: الحمد لله رب العالمين أفضل من قوله: لا إله إلا الله، لاشتمال: \"الحمد لله رب] (^٤) [العالمين\" على التوحيد مع الحمد] (^٥).\n[وقال آخرون: لا إله إلا الله أفضل؛ لأنها (الفصل) (^٦) بين الإيمان والكفر، وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، كما ثبت في الحديث \"المتفق عليه\" (^٧).\nوفي الحديث (^٨) الآخر] (^٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) \"تفسير القرطبي\" (١/ ١٣١).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٠١)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٣٢٩٧)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٨/ رقم ٤٠٧٧) من طريق إبراهيم بن المنذر حدثني صدقة بن بشير قال: سمعت قدامة بن إبراهيم الجمحي يحدث عن عبد الله بن عمر فذكره مرفوعًا.\nقال البوصيري في \"الزوائد\" (١٩١/ ٣): \"هذا إسناد فيه مقال، قدامة بن إبراهيم ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وصدقه بن بشير لم أر من جرحه ولا من وثقه وباقي رجال الإسناد ثقات، ورواه الإمام أحمد في \"مسنده\" من هذا الوجه\". اهـ.\nقلت: فالإسناد ضعيف، ولم أجده عند أحمد، ولم يذكره الحافظ في \"أطراف المسند\". فالله أعلم.\n(^٣) في \"تفسيره\" (١/ ١٣٢).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).\n(^٥) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).\n(^٦) كذا في (ج) و(ل) وفي (ن): \"التفصيل\"!\n(^٧) أخرجه البخاري (٣/ ٢٦٢ و١٢/ ٢٧٥ و١٣/ ٢٥٠)؛ ومسلم (٢٠/ ٣٢، ٢١/ ٣٣، ٣٤، ٣٥).\n(^٨) أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٥٩٩ - ١٦٠٠)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٨/ رقم ٣٧٧٨) من طريق عبد الرحمن بن يحيى المدني، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل قولي وقول الأنبياء قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير\".\nقلت: كذا روى عبد الرحمن بن يحيى عن مالك ووهم عليه قال ابن عدي: \"حدث عن الثقات بالمناكير\".\nوقال العقيلي: \"مجهول لا يقيم الحديث من جهته\" وصرح بغلطه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٦/ ٣٩)؛ والبيهقي في \"السنن\" (٥/ ١١٧) وفي \"الشعب\" وقال: \"هكذا رواه عبد الرحمن بن يحيى وغلط فيه إنما رواه مالك في \"الموطأ\" مرسلًا\".\nوقال ابن عدي: \"هذا منكر عن مالك .. لا يرويه غير عبد الرحمن هذا، وعبد الرحمن غير معروف\".\nوقال ابن عبد البر: \"لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، ولا أحفظه بهذا الإسناد مسندًا من=","vol":"1","page":197},{"text":"[في \"السنن\" (^١): \"أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له\".\nوقد تقدم عن جابر مرفوعًا \"أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله\" وحسنه الترمذي] (^٢).\nوالألف واللام في \"الحمد\" لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى، كما جاء في الحديث (^٣): \"اللهم لك (الحمد كله، ولك الملك كله) (^٤)، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله\". الحديث.\nوالرب: هو المالك المتصرف. ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح؛ وكل\n_________\n= وجه يحتج بمثله\".\nفقد رواه يحيى بن يحيى وأبو مصعب أحمد بن أبي بكر ويحيى بن بكير وعبد الرزاق ومطرف بن عبد الله جماعتهم عن مالك وهو في \"الموطأ\" (١/ ٢١٤، ٢١٥/ ٣٢ و١/ ٤٢٢/ ٢٤٦) عن زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن النبي ﷺ قال: \"أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له\".\nوأخرجه من طريق مالك عبد الرزاق في \"المصنف\" (ج ٤/ رقم ٨١٢٥): والمحاملي في \"الدعاء\" (٦٣)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٥/ ١١٧) وفي \"فضائل الأوقات\" (١٩١) وفي \"الدعوات الكبير\"، كما في \"إتحاف السادة\" (٤/ ٣٧٣)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٧/ ١٥٧) وقال البيهقي: \"هذا مرسل حسن\" وله شاهد عن علي بن أبي طالب مرفوعًا مثله أخرجه الطبراني في \"الدعاء\" (٨٧٤) وفي \"فضل عشر ذي الحجة\" (١٣/ ٢) بسند قال فيه الترمذي (٣٥٢٠): \"ليس إسناده بالقوي\" وشاهد آخر عن عبد الله بن عمرو أخرجه الترمذي (٣٥٨٥)؛ وأحمد (٦٩٦١)؛ والمحاملي في \"الدعاء\" (٦٤)؛ والبيهقي في \"فضائل الأوقات\" (١٩٢) بإسناد ضعيف وشاهد ثالث عن ابن عمر أخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٤٦٢)؛ والطبراني في \"الدعاء\" (٨٧٥) وفي \"كتاب المناسك\" كما في \"الإتحاف\" (٤/ ٣٧٣) بسند فيه الفرج بن فضالة وهو منكر الحديث. وله شاهد رابع من مرسل المطلب بن عبد الله بن حنطب. أخرجه الأصبهاني في \"الترغيب\" (٢٤٨٢) وهو مرسل حسن الإسناد، فالحديث محتمل للتحسين بهذا المرسل، ومرسل طلحة بن عبيد الله بن كريز، بفتح الكاف، والله أعلم.\n(^١) ساقط من (ن) وفي قوله: \"السنن\" تساهل إذ لم يخرجه إلا الترمذي كما مر بك.\n(^٢) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي).\n(^٣) أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٨/ رقم ٤٠٨٨) من طريق خالد بن يزيد، حدثنا ابن أبي ذئب عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أي الدعاء خير أدعو به في صلاتي؟ قال: نزل جبريل ﵇ فقال: \"إن خير الدعاء أن تقول في الصلاة: اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، ولك الخلق كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله\".\nونقل البيهقي عن الحاكم أنه قال: \"تفرد به خالد بن يزيد العمري، عن ابن أبي ذئب\".\nقلت: وسنده ضعيف جدًّا، وخالد بن يزيد كذبه أبو حاتم وقال البخاري: \"ذاهب الحديث\" وقال ابن حبان: \"منكر الحديث، يروى الموضوعات عن الثقات\" وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص أن أعرابيًّا قال للنبي ﷺ: علمني دعاءً لعل الله أن ينفعني به قال: \"قل: اللهم لك الحمد كله، وإليك يرجع الأمر كله\".\nأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٤٠٨٧) وسنده مقارب. والله أعلم.\n(^٤) في (ج) و(ل): \"الملك كله، والحمد كله\".","vol":"1","page":198},{"text":"ذلك صحيح في حق الله تعالى، [ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة؛ تقول: رب الدار ورب كذا. وأما الرب فلا يقال إلا لله ﷿، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم] (^١).\nوالعالمين: جمع عالم، [وهو كل موجود سوى الله ﷿] (^١).\nوالعالم: جمع لا واحد له من لفظه. والعوالم أصناف المخلوقات في السماوات وفي البر والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى عالمًا أيضًا.\nوقال بشر بن عمارة (^٢)، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: \"الحمد لله رب العالمين\": الحمد لله الذي له الخلق كله: السماوات (والأرضون) (^٣) (ومن فيهن) (^٤) وما بينهن مما نعلم ومما لا نعلم.\nوفي رواية سعيد بن (^٥) جبير، وعكرمة (^٦)، عن ابن عباس: رب الجن والإنس. وكذلك قال سعيد (^٧) بن جبير، ومجاهد (^٨)، وابن جريج (^٩)، وروي عن علي نحوه. (قال) (^١٠) ابن أبي حاتم،\n_________\n(^١) ساقط من (ز).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٥٦)؛ وابن أبي حاتم (١٤) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، حدثنا عثمان بن سعيد الزيات، ثنا بشر بن عمارة بسنده. وسنده ضعيف جدًّا، ومرّ الكلام عليه.\n(^٣) في (ن): \"الأرض\".\n(^٤) ساقط من (هـ) ووقع في (ن): \"وما فيهن\".\n(^٥) رواية سعيد بن جبير: أخرجها ابن جرير (١٥٨)؛ وابن أبي حاتم (١٨)؛ والحاكم (٢/ ٢٥٨) من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره وسنده صحيح وعطاء بن السائب وإن كان اختلط فقط رواه عنه سفيان الثوري عند الحاكم وسمع منه قديمًا، وقد أردف الحاكم هذا الأثر بقوله: \"ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند\" وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ١٣) للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وزعم أن ابن أبي حاتم صححه! ونسب الشوكاني في \"فتح القدير\" (١/ ٢١) التصحيح إلى الحاكم وهو أقرب وإن لم أر تصحيحه في \"المستدرك\" فلعله سقط منه فإنه كثير السقط والتحريف.\n(^٦) ورواية عكرمة: أخرجها ابن جرير (١٥٧) من طريق الضحاك بن مخلد، عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله ورجاله ثقات إلا شبيب بن بشر فمختلف فيه فوثقه ابن معين وابن شاهين ولينه أبو حاتم وغمزه ابن حبان وضعفه ابن الجوزي.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٥٩، ١٦٠) من طريق عطاء بن السائب وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير، ورواية عمرو بن دينار فيها زيادة والأثر حسن بمجموع الطريقين. والله أعلم.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٦١) قال: حدثني محمد بن حميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد فذكره. وسنده ضعيف جدًّا. وابن حميد الرازي واهٍ، ومهران هو ابن أبي عمر في روايته عن الثوري اضطراب وقد خالفه أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري، عن رجل، عن مجاهد أخرجه ابن جرير (١٦٢) قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، ثنا أبو أحمد الزبيري وهذه الرواية أولى من الأولى مع ضعف سندها، فإن الثوري لم يسمع من مجاهد شيئًا؛ لأن الثوري ولد سنة (٩٧) ومات مجاهد سنة (١٠٠) أو بعدها بقليل كما قال الشيخ أحمد شاكر وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ١٣) لعبد بن حميد.\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٦٥) من طريق الحسين بن داود قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج به وسنده جيد، والحسين هو \"سنيد\" وسماعه من حجاج الأعور صحيح كما بين ذلك الشيخ العلامة ذهبي العصر المعلمي اليماني ﵀ في \"التنكيل\" (١/ ٢٢٦، ٢٢٧).\n(^١٠) في (ج) و(ز): \"قاله\".","vol":"1","page":199},{"text":"بإسناد لا يُعتمد عليه [واستدل القرطبي لهذا القول بقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وهم الجن والإنس. قال الفراء، وأبو عبيدة: العالم عبارة عما يعقل، وهم الإنس والجن، والملائكة، والشياطين؛ ولا يقال للبهائم عالم] (^١).\n[وعن زيد بن أسلم (وأبي عمرو بن العلاء) (^٢)، (وأبى محيصن) (^٣): العالم كل ما له روح ترفرف] (^٤).\nوقال قتادة (^٥): رب العالمين: كل صنف عالم [وقال الحافظ (ابن عساكر) (^٦) في \"ترجمة مروان بن الحكم\" (^٧)، وهو (أحد) (^٨) خلفاء بني أمية، وهو يعرف (بالجعدي) (^٩) ويلقب بالحمار: أنه قال: خلق الله سبعة عشر ألف عالم؛ أهل السماوات وأهل الأرض عالم واحد، وسائرهم لا يعلمهم إلا الله ﷿] (^١٠).\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية -في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ - قال: الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف، أو أربعة عشر ألف عالم -هو يشك- الملائكة على الأرض، وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة عالم، خلقهم الله لعبادته رواه ابن (^١١) جرير، وابن أبي حاتم.\n[وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح] (^١٢).\nوقال ابن أبي (^١٣) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الفرات - يعني ابن الوليد، عن (مغيث) (^١٤) بن سمي عن تبيع -يعني الحميري- في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: العالمين ألف أمة، فستمائة في البحر وأربعمائة في البر.\n[وحكى مثله عن سعيد بن المسيب] (^١٥).\nوقد روى نحو هذا مرفوعًا، كما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في \"مسنده\" (^١٦): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد، حدثني محمد بن\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ع).\n(^٢) من (ج) و(ك) و(ل).\n(^٣) من (ن) و(هـ) و(ى).\n(^٤) ساقط من (ز).\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٦٣) بسند صحيح.\n(^٦) ساقط من (ن).\n(^٧) في \"تاريخ دمشق\" (ج ١٦/ ل ٣٣٨ - ٣٦٣).\n(^٨) كذا في (ن) و(هـ) و(ى) ووقع في (ج) و(ل): \"آخر\" وهو خطأ.\n(^٩) في (ن): \"الجعد\".\n(^١٠) ساقط من (ز) و(ع) و(ك).\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٦٤)؛ وابن أبي حاتم (١٥) وسنده جيد.\n(^١٢) ساقط من (ز) و(ى).\n(^١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦)؛ وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٩٤٥) من طريق أبي حاتم الرازي بسنده سواء ورجاله ثقات إلا فرات بن الوليد فلم أجد له ترجمة، ولعله \"فرات الجبيلي\" المترجم في \"تاريخ دمشق\" (ج ١٤/ ل ٢٠٤) لابن عساكر فقد ذكر أن الوليد بن مسلم روى عنه والله أعلم وسقط ذكره في \"مختصر تاريخ دمشق\" (٢٠/ ٢٦١) لابن منظور.\n(^١٤) في (ز) و(ك): \"معتب\"! وهو خطأ ظاهر.\n(^١٥) ساقط من (ز) و(ى).\n(^١٦) لم أجده في \"مسنده\" المطبوع، فلعله في \"المسند الكبير\" وقد نسبه لأبي يعلى: السيوطي في \"الدر المنثور\"=","vol":"1","page":200},{"text":"عيسى بن كيسان، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قل الجراد في سنة من سني عمر التي وُلي فيها، فسأل عنه فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكبًا يضرب إلى كدا (^١)، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل: هل رؤى من الجراد شيء أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه؛ فلما رآها كبر، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"خلق الله ألف أمة؛ ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر؛ فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد؛ فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه\". محمد بن عيسى هذا وهو الهلالي، ضعيف (^٢).\n[وحكى البغوي (^٣)، عن سعيد بن المسيب -أنه قال: لله ألف عالم: ستمائة في البحر وأربعمائة في البر. وقال وهب (^٤) بن منبه: لله ثمانية عشر ألف عالم؛ الدنيا عالم منها. وقال مقاتل: العوالم ثمانون ألفًا. وقال كعب الأحبار: لا يعلم عدد العوالم إلا الله ﷿- (نقله كله البغوي) (^٥).\nوحكى القرطبي (^٦) عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن لله أربعين ألف عالم، الدنيا من شرقها إلى مغربها عالم واحد منها.\nوقال الزجاج: العالم: (كل ما خلق الله) (^٧) في الدنيا والآخرة] (^٨).\n_________\n= (١/ ١٣)، وفي \"اللآلئ المصنوعة\" (١/ ٨١)؛ والحافظ في \"المطالب العالية\" (٢٣٣٩)؛ وأخرجه ابن أبي عاصم في \"الأوائل\" (ق ١٣/ ١، ٢)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٩٩٠، ٦/ ٢٢٤٨)؛ ونعيم بن حماد في \"الفتن\" (٦٧٤)؛ وابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٢٥٦، ٢٥٧)؛ والدولابي في \"الكنى\" (٢/ ٢٥)؛ وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٩٣٨)؛ والحكيم الترمذي في \"النوادر\"، كما في \"تنزيه الشريعة\" (١/ ١٩٠)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٧/ رقم ١٠١٣٢ - ١٠١٣٥)؛ والخطيب في \"تاريخه\" (١١/ ٢١٧، ٢١٨) من طريق عبيد بن واقد بسنده سواء.\nووقع عند الخطيب: \"جابر عن ابن عمر\" وأرى أن ذكر \"ابن عمر\" خطأ في الإسناد وهذا حديث باطل، قال ابن حبان: \"موضوع لا شك فيه\" وكذلك قال ابن الجوزي، ومحمد بن عيسى ذاهب الحديث تالف.\n(^١) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى): وكذلك وقع في \"المجروحين\" من رواية أبي يعلى. ووقع في (ز) و(ن): \"اليمن\" وكذا وقع في \"المطالب\" وعند البيهقىِّ والخطيب وابن عدي فكأن قوله: \"اليمن\" تفسير لهذا الإبهام، ووقع في \"الدر المنثور\": \"كداء\" فإن صح هذا فلعله يفسر ما في (ع) فقد رسمت الكلمة فيها هكذا \"كدى\" فلعله أراد \"كدى\" وهي مناخ من خرج من مكة يريد اليمن كما في \"مراصد الاطلاع\" (٣/ ١١٥١) وبهذا تجتمع الروايتان والله أعلم.\n(^٢) في هذا التضعيف تسامح، فالرجل ضعيف جدًّا كما يعلم من كلمات العلماء فيه.\n(^٣) في \"تفسيره\" (١/ ٤٠).\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" (٩٤٦)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٧٠) من طريق عبد المنعم بن إدريس وحماد بن سلمة، عن إدريس بن سنان، عن وهب بن منبه. وسنده ضعيف أو واهٍ وإدريس بن سنان ضعفه ابن عدي وتركه الدارقطني، وقال ابن معين: \"يكتب من حديثه الرقاق\" وهذا تضعيف له.\n(^٥) من (ج) و(ل) و(ى).\n(^٦) في \"تفسيره\" (١/ ١٣٨).\n(^٧) كذا في (ن). وفي (ى): \"ما خلقه\" وكذلك في (ج) ولكنه لم يذكر لفظ الجلالة. وفي (ك): \"العالم كلما خلقه في الدنيا. . .\"! وفي (ل): \"العالم كلما خلقه الله\"!!\n(^٨) ساقط من (ز) و(هـ).","vol":"1","page":201},{"text":"[قال القرطبي (^١): وهذا هو الصحيح أنه شامل لكل العالمين؛ كقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ [الشعراء].\nوالعالم: مشتق من العلامة. قلت: لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته؛ كما قال ابن المعتز:\nفيا عجبًا كيف يعصى الإلـ … ـه أم كيف يجحده الجاحد\nوفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد] (^٢)\n\n<span id=\"aya-3\"></span>﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ تقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن الإعادة.\n[قال القرطبي (^١): إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب؛ كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥] قال: فالرب فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب] (^٣).\n[وفي \"صحيح مسلم\" (^٤)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد\"] (^٥).\n\n<span id=\"aya-4\"></span>﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.\nقرأ بعض القراء: \"مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ\" وقرأ آخرون ﴿مَالِكِ﴾ وكلاهما صحيح متواتر في السبع [ويقال: \"مَلِكِ\" (^٦) - بكسر اللام وبإسكانها، ويقال: \"مليك\" أيضًا، وأشبع نافع كسرة الكاف؛ فقرأ \"ملكي يوم الدين\". وقد رجح كلًّا من القرائتين مرجحون من حيث المعنى، وكلاهما (صحيحة) (^٧) حسنة. ورجح الزمخشري (^٨): \"ملك\"؛ لأنها قراءة أهل الحرمين؛ ولقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] وقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: ٧٣].\nوحُكي عن أبي حنيفة أنه قرأ \"مَلَك يوم الدين\" عن أنه فعل وفاعل ومفعول وهذا شاذ غريب جدًّا\" (^٥).\nوقد روى أبو بكر بن أبي داود (^٩) في ذلك شيئًا غريبًا حيث قال: حدثنا أبو عبد الرحمن\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ١٣٩).\n(^٢) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^٣) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٧٥٥/ ٢٣) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا. وأخرجه البخاري (١١/ ٣٠١) من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة وفيه زيادة.\n(^٥) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^٦) في \"الكشاف\" (١/ ٧).\n(^٧) وقع في (ن): \"مالك\" وهو تحريف.\n(^٨) في (ك): \"صحيح\"!\n(^٩) في \"المصاحف\" (ص ٩٣).","vol":"1","page":202},{"text":"(الأذرمي) (^١)، حدثنا عبد الوهاب (عن) (^٢) عدي بن الفضل، عن أبي المطرف، عن ابن شهاب (^٣) - أنه بلغه أن رسول الله ﷺ وأبا بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية، كانوا يقرؤون ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ قال ابن شهاب: وأول من أحدث \"ملك\" مروان.\nقلت: مروان عنده علم بصحة ما قرأه، لم يطلع عليه ابن شهاب. والله أعلم.\nوقد روى من طرق (^٤) متعددة أوردها مردويه أن رسول الله ﷺ كان يقرؤها ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ ومالك مأخوذ من المُلْك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ [مريم]. وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾ [الناس] و\"ملك\" مأخوذ من الملك. كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وقال: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ (^٥) [الفرقان].\nوتخصيص المُلْك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه؛ لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين؛ لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال (تعالى) (^٦): ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ] وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ [هود].\nوقال الضحاك (^٧) عن ابن عباس: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ يقول: لا يملك أحد في ذلك\n_________\n(^١) وقع في (ل) و(ن): \"الأزدي\"! وهو تصحيف.\n(^٢) وقع في جميع \"الأصول\": \"ابن\" وهو تصحيف.\n(^٣) وسنده ضعيف جدًّا، وهو مع إرساله أو إعضاله، فإن عدي بن الفضل ساقط، لكنه توبع تابعه عبد الوارث بن سعيد ووهيب بن خالد، وهارون الأعور ثلاثتهم عن أبي المطرف طلحة بن عبيد الله بن كريز، بفتح الكاف، عن الزهري أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقرؤون \"مالك\". ولم يذكر \"عثمان\" في رواية عبد الوارث. أخرجه أبو عمر الدوري في \"جزء فيه قراءات النبي ﷺ\" (٤، ٥، ٦) وأخرجه الدوري (٨) قال: حدثنا عفان، ثنا خالد بن يزيد، عن شيخ يكنى أبا مطرف، أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ومعاوية قرأوا \"مالك\" وأول من قرأها \"ملك\" مروان. وأخرجه أبو داود (٤٠٠٠) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال معمر: وربما ذكر ابن المسيب، فساقه مثله.\n(^٤) ومدارها على الزهري، واختلف عليه فيه اختلافًا كثيرًا، فمرة يروونه عنه عن أنس ومرة عنه عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، ومرة عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومرة عنه عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وتارة يروونه عنه معضلًا أو مرسلًا، والحديث لا يصح من جميع وجوهه وقد فصلتها في \"التسلية\" والحمد لله.\n(^٥) من (ن) و(هـ).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٦٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٤) من طريق أبي كريب، ثنا عثمان بن سعيد الزيات، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس فذكره. وسنده ضعيف جدًّا، وبشر بن عمارة واهٍ. والضحاك لم يسمع من ابن عباس ومرّ الكلام عليه.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٦٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٤) من طريق أبي كريب، ثنا عثمان بن سعيد الزيات، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس فذكره. وسنده ضعيف جدًّا، وبشر بن عمارة واهٍ. والضحاك لم يسمع من ابن عباس ومرّ الكلام عليه.","vol":"1","page":203},{"text":"اليوم معه (^١) حكمًا، كملكهم في الدنيا؛ قال: ويوم الدين: يوم الحساب للخلائق؛ وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، إلا من عفا عنه. وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف، وهو ظاهر.\nوحكى ابن جرير عن بعضهم أنه ذهب إلى أن تفسير ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ أنه القادر على إقامته، ثم شرع يضعفه.\nوالظاهر أنه لا منافاة بين هذا القول وما تقدم، وأن كلًّا من القائلين (بهذا) (^٢) القول وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر، ولا ينكره؛ ولكن السياق أدل على المعنى الأول من هذا كما قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا) (^٣)﴾ [الفرقان: ٢٦].\nوالقول الثاني يشبه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: ٧٣] والله أعلم.\n[والملِكُ في الحقيقة هو الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ. . .﴾ [الحشر: ٢٣].\nوفي \"الصحيحين\" (^٤)] (^٥).\n[عن أبي هريرة (﵁) (^٦) مرفوعًا: \"أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك، ولا (مالك) (^٧) إلا الله (تعالى) (^٦) \".\n\"وفيهما\" (^٨) عنه عن رسول الله ﷺ قال: \"يقبض الله الأرض،] (^٩) [ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ \".\nوفي القرآن العظيم ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]. وفي \"الصحيحين\" (^١٠): \"مثل الملوك على الأسرة\".\nوالدين: الجزاء والحساب كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥] وقال: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أي: مجزيون محاسبون. وفى الحديث (^١١): \"الكيس من دان نفسه، وعمل لما] (^١٢). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) ساقط من (ك) ووقعت العبارة في (ن): \"لا يملك أحد معه في ذلك. . . إلخ \".\n(^٢) في (ن): \"لهذا\".\n(^٣) زيادة من (ن).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٠/ ٥٨٨)؛ ومسلم (٢١٤٣/ ٢٠).\n(^٥) ساقط من (ز).\n(^٦) من (ن).\n(^٧) كذا وقع في \"ن\" ووقع في سائر \"الأصول\": \"ملك\" وإنما أثبت ما في (ن)؛ لأنها الموافقة لما في \"مسلم\" و\"البيهقي\" في كتابيه فقد رواه كلاهما عن ابن أبي شيبة بلفظ: \"مالك\".\n(^٨) يعني: في \"الصحيحين\". فأخرجه البخاري (١١/ ٣٧٢، ١٣/ ٣٦٧)؛ ومسلم (٢٧٨٧/ ٢٣).\n(^٩) ساقط من (ز).\n(^١٠) أخرجه البخاري (٦/ ١٠ و١٢/ ٣٩١)؛ ومسلم (١٩١٢/ ١٦٠).\n(^١١) لكنه حديث ضعيف.\n(^١٢) ساقط من (ز).","vol":"1","page":204},{"text":"[بعد الموت\"؛ أي: حاسب نفسه؛ كما قال عمر (^١) ﵁:] (^٢) [\"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر (على من لا تخفى عليه أعمالكم) (^٣) ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة].\n\n<span id=\"aya-5\"></span>﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.\nقرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من ﴿إِيَّاكَ﴾ وقرأ عمرو بن فايد بتخفيها مع الكسر، وهي قراءة شاذة (مرذولة) (^٤)؛ لأن \"إيا\" ضوء الشمس. وقرأ بعضهم أياك - بفتح الهمزة وتشديد الياء. وقرأ بعضهم هياك؛ فالهاء بدل الهمزة، كما قال الشاعر:\nفهياك والأمر الذي إن تراحبت (^٥) … موارده ضاقت عليك مصادره\nو﴿نَسْتَعِينُ﴾ بفتح النون أول الكلمة في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب، والأعمش، فإنهما كسراها؛ وهي لغة بني أسد وربيعة وبنى تميم (وقيس) (^٦)] (^٧).\nوالعبادة في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبد، وبعير معبد؛ أي: مذلل.\nوفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.\n_________\n= أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وحسنه؛ وابن ماجه (٤٢٦٠)؛ وأحمد (٤/ ١٢٤)؛ وفي \"الزهد\" (ص ٣٨)؛ وابن المبارك في \"الزهد\" (١٧١)؛ والطيالسي (١١٢٢)؛ وابن أبي الدنيا في \"محاسبة النفس\" (١)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٧/ رقم ٧١٤٣)؛ وفي \"مسند الشاميين\" (١٤٨٥)؛ والحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\"؛ والحاكم (١/ ٥٧ - ٤/ ٢٥١)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٣/ ٣٦٩)؛ وفي \"الشعب\" (ج ٧/ رقم ١٠٥٤٦)؛ وفي \"الآداب\" (١١٣٠)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٦٧، ٢٦٨، ٨/ ١٧٤)؛ والعسكري في \"الأمثال\"؛ والخطيب في \"تاريخه\" (١٢/ ٥٠)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (١٤/ ٣٠٨، ٣٠٩)؛ والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١٨٥)؛ وأبو يعلى الفراء في \"الأمالي\" (ج ٦/ ق ٤١/ ١)؛ وابن الجوزي في \"ذم الهوى\" (ص ٣٦، ٣٧) من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب، عن شداد بن أوس مرفوعًا وتمامه: \"والعاجز من أتبع نفسه هواها، ثم تمني على الله\". قال الحاكم: \"صحيح على شرط البخاري\" فرده الذهبي بقوله: \"لا والله! وأبو بكر واهٍ\" وقال ابن طاهر: مدار هذا الحديث عليه وهو ضعيف جدًّا، كما في \"إتحاف السادة\" (٧/ ٤٤)، وقال ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٤٧٣): \"ولأبي بكر بن أبي مريم غير ما ذكرت من الحديث والغالب على حديثه الغرائب، وقل ما يوافقه الثقات، وأحاديثه صالحة، وهو ممن لا يحتج بحديثه\". ونقل الزبيدي في \"إتحاف السادة\" (٨/ ٤٢٨) عن أبي نعيم الأصبهاني أن للحديث طريقًا آخر وذكره فعلق الزبيدي قائلًا: وكأنه نظر إلى هذا الحاكم فصححه وتعقبه الذهبي بأن ابن أبي مريم واهٍ وكذا قال ابن طاهر: إن مداره على أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف جدًّا وكأنهم لم يروا ما توبع عليه فتأمل\". اهـ.\n(^١) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٣٨) معلقًا بصيغة التمريض ووصله ابن أبي الدنيا في \"محاسبة النفس\" قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، قال: قال عمر بن الخطاب فذكره وفيه: \"قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم .. \" وأخرجه أبو الليث السمرقندي في \"تنبيه الغافلين\" (ص ٤٤٢، ٤٤٣) من طريق سفيان به. وهذا سند رجاله ثقات لكنه منقطع بين ثابت بن الحجاج وعمر بن الخطاب فلم يدركه.\n(^٢) ساقط من (ز).\n(^٣) من (ن) و(هـ) و(ى).\n(^٤) كذا في (ج) و(ل) و(هـ) و(ى) ووقع في (ك) و(ن): \"مردودة\".\n(^٥) في \"تفسير القرطبي\" (١/ ١٤٦): \"توسعت\".\n(^٦) من (ج) و(ل).\n(^٧) ساقط من (ز).","vol":"1","page":205},{"text":"وقدم المفعول، وهو \"إياك\"، وكرر؛ للاهتمام والحصر؛ أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك؛ وهذا هو كمال الطاعة.\nوالدين كله يرجع إلى هذين المعنيين.\nوهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن وسرها هذه الكلمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله ﷿. وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالي: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩] ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل] وكذلك هذه الآية الكريمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾\nوتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو (مناسب) (^١)؛ لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.\nوفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك؛ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه، كما جاء في \"الصحيحين\" (^٢)، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (^٣) من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل؛ إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة] قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل\".\nوقال الضحاك (^٤)، عن ابن عباس ﵄: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعني: إياك نوحد ونخاف (ونرجو) (^٥) يا ربنا لا غيرك، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على طاعتك، وعلى أمورنا كلها.\nوقال قتادة (^٦): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يأمركم أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه على أموركم.\n_________\n(^١) في (ز) و(ع) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى): \"مناسبة\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٢/ ٢٣٦، ٢٣٧)؛ ومسلم (٣٩٤/ ٣٤) وقد مضى تخريجه.\n(^٣) (٣٩٥/ ٣٩) ومضى تخريجه.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٧١، ١٧٢)؛ وابن أبي حاتم (٢٧) من طريق أبي كريب، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس. وسنده ضعيف جدًّا وتقدم مرارًا.\n(^٥) في (ن): \"نرجوك\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨) من طريق مطر الوراق عن قتادة. وسنده لا بأس به ومطر الوراق كان أكبر أصحاب قتادة كما قال أبو حاتم، وقال ابن معين: \"صالح\" وضعفه غيره وروايته عن عطاء ضعيفة.","vol":"1","page":206},{"text":"وإنما قدم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم تقديم ما هو الأهم فالأهم، والله أعلم.\n[فإن قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام؟] (^١).\n[وقد أجيب بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فرد منهم، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم؛ فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها، وتوسط لهم بخير.\nومنهم من قال: يجوز أن تكون للتعظيم، كأن العبد قيل له: إذا كنت داخل العبادة فأنت شريف وجاهك عريض؛ فقل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.\nوإن كنت خارج العبادة فلا تقل: نحن، ولا فعلنا، ولو كنت في مائة ألف، أو ألف ألف، (لافتقار الجميع إلى الله ﷿) (^٢).\nومنهم من قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ألطف في التواضع من \"إياك (أعبد) (^٣) \"؛ لما في الثاني من (تعظيمه) (^٤) نفسه من جعله نفسه وحده أهلًا لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته، ولا يثني عليه كما يليق به؛ والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد، لانتسابه إلى جناب الله تعالى؛ كما قال بعضهم:] (^٥)\n[لا تدعني إلا بيا عبدها … فإنه أشرف أسمائي\nوقد سمى الله رسوله ﷺ بعبده في أشرف مقاماته؛ (فقال) (^٦): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] فسماه: عبدًا عند إنزاله عليه، وقيامه في الدعوة، وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر].\nوقد حكى (فخر الدين) (^٧) (الرازي) (^٨) في \"تفسيره\" (^٩) عن بعضهم أن مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة، لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من (الحق إلى الخلق) (^١٠)؛ قال: ولأن الله (يتولى) (^١١) مصالح عبده، والرسول (يتولى) (^١١) مصالح (أمته) (^١٢).\nوهذا القول خطأ، والتوجيه أيضًا ضعيف لا حاصل له، ولم يتعرض] (^١٣) [له (فخر الدين) (^١٤)] (^١٥)\n_________\n(^١) ساقط من (ز).\n(^٢) وقع في (ن): \"لاحتياج الجميع إلى الله ﷿ وفقرهم إليه\".\n(^٣) في (ن): \"عبدنا\".\n(^٤) في (ن): \"تعظيم\".\n(^٥) ساقط من (ز).\n(^٦) من (ن) و(هـ) و(ى).\n(^٧) ساقط من (ن).\n(^٨) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى)\n(^٩) \"تفسير الرازي\" (١/ ٢٥٤).\n(^١٠) ساقط من (هـ).\n(^١١) في (ج) و(ل): \"متولى\".\n(^١٢) في (هـ) و(ى): \"العبد\" وهو سبق قلم.\n(^١٣) ساقط من (ز).\n(^١٤) ساقط من (ن).\n(^١٥) ساقط من (ز).","vol":"1","page":207},{"text":"[(الرازي) (^١) بتضعيف ولا رد.\nوقال بعض الصوفية: العبادة إما لتحصيل ثواب (ورد) (^٢) عقاب؛ قالوا: وهذا ليس بطائل؛ (إذ مقصوده تحصيل مقصوده) (^٣) وإما (للتشرف) (^٤) بتكاليف الله تعالى؛ وهذا أيضًا عندهم ضعيف؛ بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال؛ قالوا: ولهذا يقول المصلي: أصلي لله، ولو كان لتحصيل الثواب (ودرء العذاب) (^٥) لبطلت (صلاته) (^٦).\nوقد رد ذلك عليهم آخرون، وقالوا: كون العبادة لله ﷿ لا ينافي أن يطلب معها ثوابًا، ولا أن يدفع عذابًا، كما قال ذلك الأعرابي: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ؛ إنما أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار؛ فقال النبي ﷺ: \"حولها ندندن\" (^٧)] (^٨).\n\n<span id=\"aya-6\"></span>﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.\n[(قراءة الجمهور بالصاد) (^٩)، وقرئ السراط؛ وقرئ بالزاي. قال الفراء: وهي لغة بني عذرة وبني كلب] (^٨). لما تقدم الثناء على المسؤول ﵎ ناسب أن يعقب بالسؤال؛ كما قال: \"فنصفها لي؛ ونصفها لعبدي؛ ولعبدي ما سأل\". وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته [وحاجة إخوانه المؤمنين (بقوله) (^١٠): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ (^١١)] (^٨)؛ لأنه أنجح للحاجة؛ وأنجع للإجابة؛ ولهذا أرشد الله إليه؛ لأنه الأكمل؛ وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسى (﵇) (^١٢): ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ\n_________\n(^١) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى).\n(^٢) في (ن) و(ى): \"أو درء\".\n(^٣) كذا في (ج) و(ل) و(ن) ووقع في (ك): \"إذ يحصل مقصوده\"، ووقع في (هـ) و(ى): \"إذ تحصيله تحصيل مقصوده\".\n(^٤) في (ن) و(ك): \"للتشريف\".\n(^٥) كذا في (ج) و(ل) و(ى) وفي (هـ): \"درء عقاب\" وفي (ن): \"درء العقاب\" وفي (ك): \"رد العذاب\".\n(^٦) في (ن): \"الصلاة\".\n(^٧) أخرجه ابن ماجه (٩١٠، ٣٨٤٧)؛ وابن خزيمة (٧٢٥)؛ وابن حبان (٥١٤) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: \"ما تقول في الصلاة؟ \" قال: أتشهد ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار. . . الحديث. وإسناده صحيح، وصححه النووي والبوصيري في \"الزوائد\" ولكن خولف جرير بن عبد الحميد، خالفه زائدة بن قدامه، فرواه عن الأعمش، عن أبي صالح عن بعض أصحاب النبي ﷺ. . . فذكره، أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٤)؛ وأبو داود (٧٩٢)، ويمكن حمل إحدى الروايتين على الأخرى مع أن رواية زائدة أشبه، والحديث صحيح على كل حال، فقد أخرجه أبو داود (٧٩٣)؛ وابن خزيمة (١٦٣٣، ١٦٣٤)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٧٤)؛ والبيهقي (٣/ ١١٦، ١١٧) بسند جيد. من حديث جابر وأصلحه في \"الصحيحين\" من وجه آخر. وأخرجه أحمد (٥/ ٧٤) عن رجل من بني سلمة يقال له: سليم فذكر نحوه. ورجاله ثقات.\n(^٨) ساقط من (ز).\n(^٩) من (ن) و(هـ).\n(^١٠) في (ج): \"فقوله\"!\n(^١١) من (ن).\n(^١٢) من (ز) و(ن).","vol":"1","page":208},{"text":"﴿فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] وقد يتقدمه مع ذلك وصف مسؤول؛ كقول ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول؛ كقول (^١) الشاعر:\nأأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء\nإذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضه الثناء\nوالهداية ههنا: الإرشاد والتوفيق، وقد تتعدى الهداية بنفسها، كما هنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا، أو أرزقنا أو أعطنا: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد] أي: بيِّنا له الخير والشر. وقد تُعدى بإلى؛ كقوله (تعالى) (^٢): ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة؛ وكذلك قوله (تعالى) (^٣): ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقد تعدى باللام؛ كقول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] أي: وفقنا لهذا، وجعلنا له (أهلا) (^٤).\nوأما الصراط المستقيم فقال الإمام أبو جعفر (^٥) بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه؛ (وكذلك) (^٦) في لغة جميع العرب؛ فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي:\nأمير المؤمنين على صراط … إذا اعوج الموارد مستقيم\nقال: والشواهد على ذلك أكثر من أن (تحصر) (^٧) قال: ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل ووصف باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوج باعوجاجه.\nثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله وللرسول؛ فروي أنه كتاب الله؛ قال ابن أبي (^٨) حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني يحيى بن يمان، عن حمزة الزيات، عن سعد - وهو أبو المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الصراط المستقيم كتاب الله\".\nوكذلك رواه ابن جرير من حديث حمزة بن حبيب الزيات، وقد [تقدم في فضائل القرآن فيما] (^٩) رواه أحمد والترمذي، من رواية الحارث الأعور عن علي مرفوعًا؛ \"وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم\".\n_________\n(^١) هو أُمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان. وهي في \"ديوانه\" (١٧) وهذان البيتان من أعذب الشعر وأجمله. ووقع في بعض الكتب: \"الحباء\" بالموحدة بدل التحتانية وهو تصحيف.\n(^٢) من (ز) و(ن).\n(^٣) من (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى).\n(^٤) ساقط من (ع) و(هـ) و(ى). وفي (ج): \"وجعلنا أهلًا له\".\n(^٥) في \"تفسيره\" (١/ ١٧٠ - شاكر).\n(^٦) في (ن): \"وذلك\".\n(^٧) كذا في سائر \"الأصول\"، ووقع في (ك): \"تحصى\" وهو الموافق لما في \"تفسير ابن جرير\".\n(^٨) في \"تفسيره\" (٣٢) وهو حديث ضعيف جدًّا وقد تقدم تخريجه في أوائل \"فضائل القرآن\".\n(^٩) ساقط من (ز).","vol":"1","page":209},{"text":"وقد روي موقوفًا (على) (^١) علي ﵁؛ وهو أشبه (^٢). والله أعلم.\nوقال الثوري (^٣)، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: الصراط المستقيم كتاب الله. وقيل: هو الإسلام.\nوقال الضحاك (^٤)، عن ابن عباس؛ قال: قال جبريل لمحمد ﵈: \"قل يا محمد: اهدنا الصراط المستقيم\"، يقول: (ألهمنا) (^٥) الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا (عوج) (^٦) فيه.\nوقال ميمون بن (^٧) مهران، عن ابن عباس -في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ - قال: ذاك الإسلام.\nوقال إسماعيل (^٨) بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن\n_________\n(^١) في (ز) و(ك): \"عن\".\n(^٢) كذا قال المصنف ﵀! ولا يصح الموقوف أيضًا؛ لأن مداره على الحارث الأعور، وهو واهٍ.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٧٧)؛ والحاكم (٢/ ٢٥٨)؛ البيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٧٩٠) من طريق سفيان الثوري بسنده سواء.\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي.\nقلت: إن كان بالنظر إلى الإسناد من عند سفيان الثوري فصاعدًا فنعم، وإلا فقد رواه الحاكم من طريق الحسن بن علي بن عفان العامري عن أبي داود الحفري عمر بن سعد عن الثوري. والعامري من رجال ابن ماجه وحده، والحفري من أفراد مسلم دون البخاري فليس الإسناد على شرط واحد منهما وإن كان صحيحًا.\nوأخرجه ابن نصر في \"السنة\" (٢٤)؛ وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ١٠٣)؛ والثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ١٢/ ٢) من طريق مسعر بن كدام عن منصور مثله. وأخرجه ابن نصر في \"السنة\" (٢١) عن إسحاق بن راهويه. والآجري في \"الشريعة\" (ص ١٢)؛ وعنه ابن بطة في \"الإبانة\" (١٣٥) عن عثمان بن أبي شيبة كلاهما عن جرير، عن منصور عن أبي وائل، عن عبد الله قال: إن هذا الصراط محتضر يحتضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله! هلم هذا الصراط ليصدوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله هو كتاب الله. وهذا لفظ ابن أبي شيبة.\nوأخرجه ابن نصر (٢٢) من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود مثله وهذه أسانيد صحيحة وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ١٥) لوكيع وابن المنذر وعبد بن حميد وابن الأنباري في \"كتاب المصاحف\".\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٧٩)؛ وابن أبي حاتم (٣١، ٣٦) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، ثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك به وسنده ضعيف جدًّا وقد تقدم مرارًا.\n(^٥) كذا في سائر \"الأصول\" وقع في (ز): \"اهدنا\".\n(^٦) في (ن): \"اعوجاج\".\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٨٠) من طريق الفرات بن السائب، عن ميمون بن مهران به. وسنده ضعيف جدًّا لأجل الفرات هذا فقد قال البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١/ ١٣٠) \"تركوه، منكر الحديث\" وقال أحمد: \"قريب من محمد بن زياد الطحان في ميمون يتهم بما يتهم به ذاك\". والطحان هذا قال فيه أحمد: \"كذاب أعور يضع الحديث\" وتركه الدارقطني وغيره. وقال ابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٢٠٧): \"كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، ويأتي بالمعضلات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه ولا كتب حديثه إلا على سبيل الاختبار\".\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٦٨، ١٨٢)؛ والحاكم (٢/ ٢٥٨)، من طريق عمرو بن حماد بن طلحة القناد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي فذكره.\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي.\nوالصواب أنه حسن الإسناد، وأوجز الكلام على هذا الإسناد لكثرة دورانه في كتب التفسير، وقد اختلف=","vol":"1","page":210},{"text":"عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ قالوا: هو الإسلام.\nوقال عبد (^١) الله بن محمد بن عقيل، عن جابر: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ (^٢) [قال: (الإسلام هو أوسع) (^٣) مما بين السماء والأرض.\nوقال ابن (^٤) الحنفية في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾] (٢)، قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره.\n_________\n= فيه العلماء، وفهمت عبارات بعضهم خطأ.\nفاعلم أيها المسترشد أن ابن جرير يروي تفسير السدي من طريق شيخه موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثني عمرو بن حماد القناد، قال: \"حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي-ﷺ\". . .\nفالإسناد إلى السدي واحد، ثم يتفرع من عنده. ولتنظر فيه.\nفاعلم أن السدي يروي تفسيره بعدة أسانيد وبيانها هكذا:\n١ - السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس.\n٢ - السدي عن أبي صالح، عن ابن عباس.\n٣ - السدي عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود.\n٤ - السدي عن ناس من أصحاب النبي-ﷺ.\nفأما الإسناد الأول: فأبو مالك هو الغفاري، واسمه غزوان وثقه ابن معين وابن حبان، وقال ابن سعد (٦/ ٢٩٥): \"كان قليل الحديث\".\nوأما الإسناد الثاني: ففيه أبو صالح وهو مولى أم هانئ، واسمه باذام ويقال: باذان وفيه كلام كثير والصواب في حاله أنه ضعيف، وهو يروي في التفسير ما لم يتابعه أهل التفسير عليه كما قال ابن عدي، لكنه متابع بأبي مالك الغفاري.\nوأما الإسناد الثالث: فمرة الهمداني هو ابن شراحيل، وهو من كبار التابعين الثقات.\nوأما الإسناد الرابع: فمنقطع، فإن السدي لم يدرك كبير أحدٍ من أصحاب النبي ﷺ وجملة الكلام أن السدي يروي تفسير القرآن عن اثنين من التابعين عن ابن عباس، وعن تابعي واحد عن ابن مسعود، ومن رواية نفسه عن ناس من الصحابة.\nفالإسنادان الأول والثالث جيدان، والثاني والرابع ضعيفان.\nوقد أثنى العلماء على تفسير السدي، فقال أبو يعلى الخليلي في \"الإرشاد\" (١/ ٣٩٧، ٣٩٨): \"وتفسير إسماعيل بن عبد الرحمن السدي فإنما يسنده بأسانيد إلى عبد الله بن مسعود وابن عباس وروى عن السدي الأئمة مثل: الثوري وشعبة، لكن التفسير الذي جمعه رواه عنه أسباط بن نصر وأسباط لم يتفقوا عليه، غير أن أمثل التفاسير تفسير السدي\". اهـ.\nوجملة القول: أن إسناد تفسير السدي جيد حسن. والله أعلم.\n(^١) أخرجه ابن نصر في \"السنة\" (٢٥)؛ وابن جرير (١٧٨)؛ والحاكم (٢/ ٢٥٨، ٢٥٩)؛ والثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ١٢/ ٢) من طريق الحسن بن صالح، زاد ابن جرير: وعلي بن صالح، كلاهما عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر. قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي، والصواب: أن إسناده حسن؛ لأجل الكلام الذي قيل في ابن عقيل. والله أعلم. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ١٤، ١٥) لـ \"وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والمحاملي في \"الأمالي\"\".\n(^٢) ساقط من (ل).\n(^٣) في (ن): \"هو الإسلام أوسع\" وفي (هـ): \"هو الإسلام هو أوسع\".\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٨١) من طريق إسماعيل الأزرق، عن أبى عمر البزار، عن ابن الحنفية. وإسناده واهٍ، وإسماعيل الأزرق هو ابن سلمان تركه ابن نمير والنسائي. وقال ابن معين: \"ليس حديثه بشيء\" وقال=","vol":"1","page":211},{"text":"وقال عبد الرحمن (^١) بن زيد بن أسلم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ قال: هو الإسلام.\nوفي معنى هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" (^٢) حيث قال: حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء، حدثنا ليث -يعني: ابن سعد، عن معاوية بن صالح- أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله ﷺ، قال: \"ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا، ولا تعوجوا، وداع يدعو من (جوف) (^٣) الصراط؛ فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه؛ فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله؛ وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم\".\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، من حديث [الليث بن سعد، به ورواه الترمذي، والنسائي، جميعًا، عن علي بن حجر، عن بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن] (^٤) [النواس بن سمعان، به وهو إسناد حسن صحيح والله أعلم.\nوقال مجاهد (^٥): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ قال: الحق، وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم] (^٦).\n_________\n= ابن حبان: \"ينفرد بمناكير يرويها عن المشاهير\".\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٨٥) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ١٨٢، ١٨٣).\nوأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٧٢١٦)؛ وابن مردويه وعنه الأصبهاني في \"الترغيب\" (٤٧٣) من طريق إسحاق بن الحسن ثنا الحسن بن سوار بسنده سواء ثم أخرجه البيهقي والطحاوي في \"المشكل\" (٢١٤٢)؛ وابن جرير (١٨٧)؛ والآجري في \"الشريعة\" (ص ١١، ١٢)؛ ومحمد بن نصر في \"السنة\" (١٧) من طريق آدم بن أبي إياس، عن الليث بن سعد بسنده سواء. وتوبع الليث بن سعد. تابعه عبد الله بن صالح أبو صالح كاتب الليث، فرواه عن معاوية بن صالح به أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣٣)؛ وابن جرير (١٨٦)؛ والطحاوي (٢٠٤٣، ٢١٤١)؛ وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١٩)؛ وابن نصر في \"السنة\" (١٦)؛ والآجري في \"الشريعة\" (ص ١٢، ١٣)؛ والرامهرمزي في \"الأمثال\" (٣)؛ والحاكم (١/ ٧٣)؛ وابن مردويه وعنه الأصبهاني في \"الترغيب\" (٤٧٣)؛ والثعلبي (١/ ١٢/ ٢)؛ وابن بطة في \"الإبانة\" (١٣١) من طرق عن عبد الله بن صالح.\nوأخرجه النسائي في \"التفسير\" (٢٥٣)؛ والترمذي (٢٨٥٩)؛ وأحمد (٤/ ١٨٣)؛ والطحاوي (٢١٤٣)؛ وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١٨)؛ وأبو الشيخ في \"الأمثال\" (٢٨٠)؛ والطبراني في \"مسند الشاميين\" (١١٤٧)؛ وابن نصر في \"السنة\" (١٨) من طرق عن بقية بن الوليد، قال: حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان فذكره مرفوعًا. قال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب\" كذا في \"أطراف المزي\" (٩/ ٦١) ووقع في \"المطبوعة\": \"حديث غريب\" وهي كثيرة السقط والتحريف.\n(^٣) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ن) و(ى) ووقع في (ز) و(ل) و(هـ): \"فوق\" وأشار في (ن) إلى أنه ورد في نسخة \"فوق\".\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣٥) من طريق خالد بن عبد الرحمن المخزومي، ثنا عمر بن ذر، عن مجاهد فذكره. وسنده ضعيف جدًّا والمخزومي تالف. قال أبو حاتم: \"تركوا حديثه\" وقال البخاري: \"ذاهب الحديث\". وأما عمر بن ذر فثقة، لكن قال البرديجي: \"روى عن مجاهد أحاديث مناكير\" ويبدو أنه قصد الأحاديث المرفوعة كما هو ظاهر.\n(^٦) ساقط من (ج).","vol":"1","page":212},{"text":"[وروى ابن أبي (^١) حاتم، وابن جرير، من حديث] (^٢) أبي النضر هاشم بن القاسم، حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ قال: هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده. قال عاصم: فذكرنا ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية ونصح.\nوكل هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة، فإن من اتبع النبي ﷺ، واقتدى باللذين من بعده: أبي بكر، وعمر - فقد اتبع الحق؛ [ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن] (^٢)؛ وهو كتاب الله، وحبله المتين، وصراطه المستقيم؛ فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضًا، ولله الحمد.\nوقال الطبراني (^٣): حدثنا محمد بن الفضل السقطي، حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله؛ قال: الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله ﷺ.\nولهذا قال الإمام أبو جعفر (^٤) بن جرير ﵀: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أعني: ﴿(اهْدِنَا) (^٥) الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أن يكون معنيًّا به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل؛ وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به، والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهاج النبي ﷺ ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد صالح؛ وكل ذلك من الصراط المستقيم.\nفإن قيل: (فكيف) (^٦) يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك؟ فهل هذا من تحصيل الحاصل أم لا؟ فالجواب: أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في (تثبيته) (^٧) على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله؛ فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٢٢٩) معلقًا؛ ووصله ابن جرير (١٨٤)؛ وابن أبي حاتم (٣٤)؛ وابن نصر في \"السنة\" (٢٧) من طرق عن هشام بن القاسم بسنده سواء؛ وأخرجه الحاكم (٢/ ٢٥٩) من طريق الحارث بن أبي أسامة عن هاشم بن القاسم بسنده سواء لكنه جعله عن \"أبي العالية عن ابن عباس\"، وكأن ذكر \"ابن عباس\" مقحم في السند؟! وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي وإسناده جيد، وحمزة بن المغيرة بن نشيط وثقه ابن حبان، وقال ابن معين: \"ليس به بأس\".\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) في \"معجمه الكبير\" (ج ١٠/ رقم ١٠٤٥٤) وسنده صحيح. ومحمد بن الفضل هو ابن جابر السقطي شيخ الطبراني، قال الدارقطني: \"صدوق\" ووثقه الخطيب في \"تاريخه\" (٣/ ١٥٣) ومن فوقه ثقات.\n(^٤) في \"تفسيره\" (١/ ١٧١).\n(^٥) ساقط من (ج).\n(^٦) في (ز): \"كيف\".\n(^٧) في (ج): \"تثبته\".","vol":"1","page":213},{"text":"بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه (الله تعالى) (^١) لسؤاله؛ فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار.\nوقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [النساء: ١٣٦] فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس من باب تحصيل الحاصل؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك. والله أعلم.\n[(وقد) (^٢) قال تعالى آمرًا لعباده المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران] وقد كان الصديق (^٣) (رضي الله] (^٤) [عنه) (^٥) يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرًّا؛ فمعنى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ استمر بنا عليه، ولا تعدل بنا إلى غيره، (ولا تضلنا عنه) (^٦)] (^٧).\n\n<span id=\"aya-7\"></span>﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.\nقد تقدم الحديث فيما إذا قال العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦). . .﴾ إلى آخرها أن الله (تعالى) (^٨) يقول: \"هذا لعبدي ولعبدي ما سأل\".\nوقوله (تعالى) (^٨): ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مفسر للصراط المستقيم، هو بدل منه عند النحاة. ويجوز أن يكون عطف بيان، والله أعلم.\nوالذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في \"سورة النساء\" حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾.\n_________\n(^١) كذا في (ز) و(ك) و(ن) ووقع في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ى): \"من وفقه لسؤاله\".\n(^٢) من (هـ).\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٧٩/ ٢٥) ومن طريقه عبد الرزاق في \"المصنف\" (ج ٢/ رقم ٢٦٩٨)؛ وابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ١١٢) بسند صحيح عن أبي عبد الله الصنابحي قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن وبهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران] زاد عبد الرزاق: قال أبو عبيد: يعني شيخ مالك، وأخبرني عبادة؛ يعني: ابن نسي، أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، فقال عمر لقيس؛ يعني: ابن الحارث، كيف أخبرتني عن أبي عبد الله؛ يعني: الصنابحي، فحدثه، فقال عمر: ما تركناها منذ سمعناها، وإن كنت قبل ذلك لعلى غير ذلك، فقال رجل: وعلى أي شيء كان أمير المؤمنين قبل ذلك؟ قال: كنت أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص]، وأخرجه عبد الرزاق (٢٦٩٩)؛ وابن أبي شيبة (١/ ٣٧١) من طريق عن ابن عون، عن رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، أن الصنابحي قال: صليت مع أبي بكر المغرب، فدنوت منه. . . وساقه مثله وسنده صحيح أيضًا، زاد عبد الرزاق: عن محمد بن راشد قال: سمعت رجلًا يحدث به مكحولًا عن سهل بن سعد الساعدي أنه سمع أبا بكر قرأها في الركعة الثالثة، فقال له مكحول: إنه لم يكن من أبي بكر قراءة، إنما كان دعاءً منه.\n(^٥) ساقط من (ج) و(ل).\n(^٦) ساقط من (ن).\n(^٧) ساقط من (ز).\n(^٨) من (ج) و(ع) و(ل) و(ى).","vol":"1","page":214},{"text":"وقال الضحاك (^١)، عن ابن عباس: صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين؛ وذلك نظير ما قال ربنا تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. . .﴾ الآية.\nوقال أبو جعفر (^٢) الرازي، عن الربيع بن أنس: (﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) قال: هم النبيُّون.\nوقال ابن (^٣) جريج، عن ابن عباس: هم المؤمنون، وكذا قال مجاهد (^٤). وقال وكيع (^٥): هم المسلمون. وقال عبد الرحمن (^٦) بن زيد بن أسلم: هم النبي ﷺ ومن معه.\nوالتفسير المتقدم عن ابن عباس ﵁ أعم وأشمل. والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^٧) [قرأ الجمهور \"غير\" بالجر على النعت. قال الزمخشري (^٨): وقرئ بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله ﷺ، وعمر بن الخطاب، ورويت (^٩) عن ابن كثير؛ وذو الحال الضمير في عليهم، والعامل أنعمت] (٧).\n(والمعنى) (^١٠) اهدنا الصراط المستقيم صراط الذي أنعمت عليهم، ممن تقدم وصفهم ونعتهم؛ وهم أهل الهداية والاستقامة، والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم؛ وهم الذين فسدت (إراداتهم) (^١١)، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين؛ وهم الذين فقدوا العلم؛ فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق.\nوأكد الكلام بـ \"لا\" ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين؛ وهما طريقة اليهود والنصارى.\nوقد زعم بعض النحاة أن \"غير\" هاهنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم، وليسوا منهم؛ وما أوردناه أولى؛ لقول الشاعر (^١٢):\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٨٨)؛ وابن أبي حاتم (٣٨) وسنده ضعيف جدًّا كما تقدم.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٨٩)؛ وأبو جعفر الرازي وثقه جمع وتكلم فيه آخرون بسوء الحفظ، ولكن روايته هنا جيدة، فقد كان عالمًا بتفسير القرآن معتنيًا به، وتفسير أبي العالية نسخة يرويها عنه أبو جعفر، وهذا أحرى أن يكون جودها واعتنى بها بخلاف الحديث السرد. والله أعلم.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٩٠) وإسناده ضعيف لانقطاعه بين ابن جريج وابن عباس.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩) بسند ضعيف.\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٩١، ١٩٢) وإسناداه صحيحان.\n(^٧) ساقط من (ز).\n(^٨) في \"الكشاف\" (١/ ٩).\n(^٩) واختلف عن ابن كثير في هذا الحرف، فروى عنه الوجهان معًا: النصب والجر.\nوانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" (١/ ١٤٢ - ١٦٢)؛ لأبي علي الفارسي. وابن كثير هو عبد الله بن كثير بن عمرو المكي، أحد القراء السبعة المشاهير، قرأ على مجاهد وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء. توفي سنة (١٢٢ هـ) ﵀.\n(^١٠) في (ز): \"يعني\".\n(^١١) كذا في (ج) و(ع) و(ى) ووقع في (ز) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ): \"إرادتهم\" وأشار في (ى) أنه وقع في \"نسخة\": \"آراؤهم\".\n(^١٢) هو النابغة الذبياني، وهو في \"ديوانه\" (١٩٨) وهو يصف عيينة بن حصن بالجبن والجور كأنه جمل من=","vol":"1","page":215},{"text":"كأنك من جمال بني أقيش … يقعقع عند رجليه بشن\nأي: كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحذف الموصوف، واكتفى بالصفة. وهكذا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أي: غير صراط المغضوب عليهم، اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف. وقد دل عليه سياق الكلام؛ وهو قوله (تعالى) (^١): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ثم قال (تعالى) (^١) ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾.\nومنهم من زعم أن \"لا\" في قوله (تعالى) (^١): ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ زائدة وأن تقدير الكلام عنده: \"غير المغضوب عليهم والضالين\"؛ واستشهد ببيت العجاج:\nفي بئر لا حور … سعى وما شعر\nأي: في بئر حور. والصحيح ما قدمناه، ولهذا روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب \"فضائل القرآن\" (^٢) عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن الخطاب ﵁ - أنه كان يقرأ: \"غير المغضوب عليهم وغير الضالين\". وهذا إسناد صحيح.\nوكذلك حُكي عن أُبي بن كعب أنه قرأ كذلك، وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير. فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء بـ \"لا\" لتأكيد النفي [لئلا يتوهم أنه معطوف على: \"الذين أنعمت عليهم\"] (^٣)، وللفرق بين الطريقتين؛ ليجتنب كل (واحد) (^٤) منهما؛ فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق، والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى؛ لأن من علم وترك استحق الغضب بخلاف من لم يعلم؛ والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه؛ لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع (الرسول) (^٥) الحق، ضلوا. وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب، [كما قال (تعالى) (^٦) عنهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]] (^٧)، وأخص أوصاف النصارى الضلال، [كما قال (تعالى) (^٨) عنهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]] (^٧).\nوبهذا جاءت الأحاديث والآثار؛ [وذلك واضح بيِّن فيما] (^٧) قال الإمام أحمد (^٨): حدثنا\n_________\n= جمال بني أقيش، وهم حي من اليمن في إبلهم نفار شديد، وكانت إبلهم إذا سمعت صوت الشن، وهو القربة البالية، نفرت نفورًا شديدًا.\n(^١) من (ز) و(ن).\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ١٦٢)؛ وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (١٧٧)؛ وابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ٥١) من طرق عن الأعمش، بسنده سواء وسنده صحيح، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ١٥) لوكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في \"المصاحف\".\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) من (ن).\n(^٥) ساقط من (ن).\n(^٦) من (ز) و(ن).\n(^٧) ساقط من (ز).\n(^٨) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٣٧٨، ٣٧٩)؛ وعنه الطبراني في \"الكبير\" (ج ١٧/ رقم ٢٣٧)؛ والبيهقي في \"الدلائل\" (٥/ ٣٣٩، ٣٤٠) مطولًا.\nوأخرجه الترمذي (٨/ ٢٨٩، ٢٩٠ تحفة الأحوذي)؛ وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤٠)؛ وابن جرير (١٩٤،=","vol":"1","page":216},{"text":"محمد بن جعفر، حدثنا شعبة؛ قال: سمعت سماك بن حرب يقول: سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم؛ قال: جاءت خيل رسول الله ﷺ فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم إلى رسول الله ﷺ صفوا له، فقالت: يا رسول الله؛ ناء الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة، فمُنَّ علي، مَنَّ الله عليك. قال: \"من وافدك؟ \" قالت: عدي بن حاتم. قال: \"الذي فرّ من الله ورسوله\"! قالت: فمُنَّ عليّ. فلما رجع ورجل إلى جنبه ترى أنه علي، قال سليه حملانًا، فسألته فأمر لها؛ قال: فأتتني فقالت: لقد فعلت فعلةً ما كان أبوك يفعلها فإنه قد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان. . . وذكر قربهم من النبي ﷺ؛ قال: فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر؛ فقال: يا عدي، ما أفرك؟ أن يقال: لا إله إلا الله؛ فهل من إله إلا الله؟ ما أفرك؟ أن يقال: الله أكبر، فهل شيء أكبر من الله ﷿؟ قال: فأسلمت فرأيت وجهه استبشر. وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى. وذكر الحديث.\nورواه الترمذي من حديث سماك بن حرب. وقال: \"حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه\".\nقلت: وقد رواه حماد (^١) بن سلمة، عن سماك، عن مرى بن قطري، عن عدي بن أبي حاتم؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: هم اليهود. ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؟ قال: النصارى هم الضالون.\nوهكذا رواه سفيان (^٢) بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، به.\n_________\n= ٢٠٨)؛ وابن حبان (١٧١٥)؛ والثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ١٣/ ١) من طريق شعبة، عن سماك بن حرب بسنده سواء مختصرًا ولم يذكروا القصة. ثم أخرجه الترمذي (٨/ ٢٨٦، ٢٨٩) من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك بن حرب بسنده سواء مطولًا. وأخرجه ابن أبي حاتم (٤١) من هذا الوجه مختصرًا. وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب\".\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ١٧/ رقم ٢٣٦) من طريق قيس بن الربغ عن سماك به مطولًا.\nقلت: وهذا سند ضعيف، ومداره على عباد بن حبيش فهو وإن وثقه ابن حبان وتبعه الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٣٣٥) فقد جهله ابن القطان وقال الذهبي: \"لا يعرف\" وقع في سنده اختلاف يأتي ذكره إن شاء الله.\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٩٥، ٢٠٩) من طريق محمد بن مصعب، عن حماد بن سلمة بسنده سواء قلت: وخولف حماد بن سلمة في إسناده، فخالفه شعبة وعمرو بن أبي قيس، وقيس بن الربيع ثلاثتهم رووه عن سماك، عن عباد بن حبيش، عن عدي بن حاتم كما تقدم تخريجه وحماد بن سلمة ثقة تغير في آخر حياته ﵀، ولكن ليس عليه عهدة هذا الاختلاف إذ الراوي عنه هو محمد بن مصعب القرقساني ضعفه النقاد أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم لغفلته عن ضبط الحديث، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر فلم يصب! وخالفهم جميعًا عمرو بن ثابت فرواه عن سماك عمن سمع عدي بن حاتم فذكره. أخرجه الطيالسي في \"سنده\" (١٠٤٠) وعمرو بن ثابت الكوفي متروك، ورواية شعبة ومن معه هي الراجحة وقد مرّ ذكر ما فيها.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٩٣، ٢٠٧) قال: حدثني أحمد بن الوليد الرملي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقيّ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة بسنده سواء وأخرجه تمام الرازي في \"الفوائد\" (١٤٨) عن أحمد بن الوليد به وصحح إسناده الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ لكنه معل بالمخالفة فقد خولف عبد الله بن جعفر، خالفه سعيد بن منصور فرواه في \"تفسيره\" (١٧٩) قال: نا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد أن رسول الله ﷺ فذكره هكذا معضلًا، ورواية سعيد أرجح للتفاوت بينه وبين عبد الله بن جعفر في الحفظ،=","vol":"1","page":217},{"text":"وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها.\nوقال عبد (^١) الرزاق: أخبرنا معمر، عن بديل العقيلي، أخبرني عبد الله بن شقيق - أنه أخبره من سمع رسول الله ﷺ وهو بوادي القرى على فرسه، وسأله رجل من بني القين؛ فقال: يا رسول الله؛ من هؤلاء؟ قال: \" ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ \". وأشار إلى اليهود، \"والضالون هم النصارى\".\nوقد رواه الجريري، وعروة، وخالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، فأرسلوه ولم يذكروا من سمع النبي ﷺ.\nووقع في رواية عروة تسمية عبد الله (بن عمر) (^٢). فالله أعلم.\nوقد روى ابن مردويه (^٣) من حديث إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم. قال: \"اليهود\". قلت: الضالين؟ قال: \"النصارى\".\nوقال السدي (^٤)، عن أبي مالك؛ عن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أنس من أصحاب النبي ﷺ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هم النصارى.\n_________\n= لا سيما أن هذا مع ثقته كان اختلط وبقي في اختلاطه إلى أن مات ﵀، كما قال ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٣٥١، ٣٥٢).\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٣٧) ومن طريقه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٣٢، ٣٣)؛ وابن جرير (١٩٨، ٢١٢)؛ والثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ١٣/ ١). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣١١): \"رجاله رجال الصحيح\".\nقلت: خولف فيه بديل العقيلي. خالفه سعيد بن إياس الجريري وخالد الحذاء فروياه عن عبد الله بن شقيق أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر وادي القرى وساقه. أخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" (٧٦٥)؛ وابن جرير (١٩٦، ١٩٩، ٢١٠). وأخرجه أيضًا (١٩٧، ٢١١) من طريق ابن علية عن الجريري عن عروة بن عبد الله بن قشير، عن عبد الله بن شقيق أن رجلًا أتى النبي ﷺ فذكره. والوجهان ثابتان عن الجريري وأنه يرويه مرة عن عبد الله بن شقيق ومرة عن عروة بن عبد الله عن عبد الله بن شقيق؛ لأن ابن علية روى عنه الوجهين، وابن علية سمع من الجريري قبل الاختلاط. فالذين أرسلوا الحديث أكثر عددًا مع الثقة والضبط، لولا أنه اختلف على خالد الحذاء فيه فرواه حماد بن زيد عنه وعن بديل بن ميسرة والزبير بن الخريت عن عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين أنه أتى النبي ﷺ بوادي القرى. . . فذكره.\nأخرجه حميد بن زنجويه في \"الأموال\" (١١٣٦)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٦/ ٣٣٦) ورواه خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين، عن ابن عم له فساقه. أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٨/ رقم ٤٠٢٠). والذي عندي أن رواية الوصل أشبه. والله أعلم.\n(^٢) في (ن): \"ابن عمرو\".\n(^٣) وعزاه إلى ابن مردويه: الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ١٥٩) وقال: \"بإسناد حسن\".\nقلت: وهذا أحد وجوه الاختلاف في هذا الحديث. وقد خولف إبراهيم بن طهمان كما مرّ بك مخالفة معمر بن راشد له وروايته أشبه، ولعلَّ الراوي عن إبراهيم بن طهمان فيه كلام والله أعلم.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٢١٧) وسنده لا بأس به. والاعتماد في رواية ابن عباس على رواية أبي مالك عنه، وليس علي رواية أبي صالح باذام.","vol":"1","page":218},{"text":"وقال الضحاك (^١)، وابن جريج (^٢)، عن ابن عباس: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ النصارى.\nوكذلك قال الربيع (^٣) بن أنس، وعبد الرحمن بن (^٤) زيد بن أسلم، وغير واحد.\nوقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا. وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، النصارى ضالون الحديث المتقدم.\nوقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في \"سورة البقرة\": ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ وقال في \"المائدة\": ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة].\nوفي [\"السيرة\"] (^٥) عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف قالت له اليهود: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. فقال: أنا من غضب الله أفر. وقالت له النصارى: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سخط الله. فقال: لا أستطيعه. فاستمر على فطرته، وجانب عبادة الأوثان، ودين المشركين، ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى. وأما أصحابه فتنصروا ودخلوا في دين النصرانية؛ لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك، وكان منهم ورقة بن نوفل حتى هداه الله بنبيه لما بعثه آمن بما وجد من الوحي ﵁.\n\n[(مسألة) والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء، لقرب مخرجيهما؛ وذلك أن الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا؛ ولأن كلًّا من الحرفين من الحروف المجهورة، ومن الحروف الرخوة، ومن الحروف المطبقة؛ فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك والله أعلم.\nوأما حديث: \"أنا أفصح من نطق بالضاد\" (^٦) فلا أصل له، والله أعلم] (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٢١٥)؛ وابن أبي حاتم (٤٢) بسند ضعيف جدًّا.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٢١٦) وهو منقطع بين ابن جريج وابن عباس.\n(^٣) أخرجهما ابن جرير (٢١٨، ٢١٩).\n(^٤) وقع في (ج) و(ل) و(ى):\"أأنبئكم\" وهو سبق قلم.\n(^٥) وقع في (ج) و(ل): \"السنن\" وهو خطأ.\nوأخرجه البخاري (٧/ ١٤٢، ١٤٣) مطولًا.\n(^٦) ولم أقف له على إسناد، ونقل العجلوني في \"كشف الخفا\" (١/ ٢٠٠، ٢٠١) عن السيوطي أنه قال في \"اللآلئ\": \"معناه صحيح ولكن لا أصل له كما قال ابن كثير وغيره من الحفاظ وأورده أصحاب الغريب ولا يعرف له إسناد\" وقال مثله الشوكانى فى \"الفوائد المجموعة\" (ص ٣٢٧).\n(^٧) ساقط من (ز).","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>فَصْلٌ</span>\nاشتملت هذه السورة الكريمة، وهي سبع آيات، على حمد الله وتمجيده، والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته (العلى) (^١) وعلى ذكر المعاد، وهو يوم الدين؛ وعلى إرشاده (عبيده) (^٢) إلى سؤاله والتضرع إليه، والتبرئ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له، وتوحيده بالألوهية ﵎، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه، حتى (يفضي بهم ذلك) (^٣) إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.\nواشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل؛ لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم، والضالون.\nوما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. . .﴾ الآية [المجادلة: ١٤] وكذلك إسناد الضلال إلى من قام به وإن كان هو الذي أضلهم بقدره؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ [الأعراف] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال، لا كما تقول الفرقة القدرية ومن حذا حذوهم من أن العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلونه؛ ويحتجون على بدعتهم بمتشابه من القرآن؛ ويتركون ما يكون فيه صريحًا في الرد عليهم وهذا حال أهل الضلال والغي.\nوقد ورد في الحديث الصحيح (^٤): \"إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم\" - يعني في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] فليس، بحمد الله، لمبتدع في القرآن حجة صحيحة؛ لأن القرآن جاء ليفصل الحق من الباطل، مفرقًا بين الهدى والضلال؛ وليس فيه تناقض ولا اختلاف؛ لأنه من عند الله ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-67>فَصْلٌ</span>\nيستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها: \"آمين\"، (مثل يس) (^٥). ويقال: أمين - بالقصر أيضًا. ومعناه: اللهم استجب.\n_________\n(^١) في (ز) و(ن): \"العليا\".\n(^٢) في (ك) و(ل): \"عبده\".\n(^٣) في (ن): \"يقضي لهم بذلك\".\n(^٤) أخرجه البخاري (٨/ ٢٠٩)؛ ومسلم (٢٦٦٥/ ١).\n(^٥) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).","vol":"1","page":220},{"text":"والدليل (على استحباب التأمين) (^١) ما رواه الإمام (^٢) أحمد، وأبو داود، والترمذي، عن وائل بن حجر؛ قال: سمعت النبي ﷺ قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين - مد بها صوته، \"ولأبي داود\": \"رفع بها صوته\". وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن\". وروي عن علي (^٣) وابن مَسعود، وغيرهم.\nوعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: \"آمين\"\n_________\n(^١) في (ز) و(ع) و(هـ) و(ى): \"والدليل على ذلك\".\n(^٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣١٦، ٣١٧)؛ ومسلم في \"التمييز\" (ص ١٨٠)؛ وأبو داود (٩٣٢)؛ والترمذي (٢٤٨)؛ والدارمي (١/ ٢٢٨)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٢٥)؛ وابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ١٣١)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٥)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٢/ رقم ١١١)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٧/ ١٤)؛ والدارقطني (١/ ٣٣٤)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٥٧)؛ وفي \"المعرفة\" (٢/ ٣٩٠)؛ والثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ١٣/ ٢)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٥٨) من طرقٍ عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر فذكره ورواه الثوري باللفظين معًا: \"يمد بها صوته\" و\"يرفع بها صوته\" ورواه أصحابه عنه هكذا: فرواه يحيى القطان وابن مهدي ووكيع والمحاربي والأشجعي عنه بلفظ: \"يمد بها\" ورواه قبيصة بن عقبة ومحمد بن كثير والفريابي وخلاد بن يحيى وأبو داود الحفري عنه بلفظ: \"يرفع\" فهذا يدل على أن المقصود بـ \"المد\" هنا: رفع الصوت. قال الترمذي: \"حديث حسن\" وصحح إسناده الدارقطني. وقد رواه العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل كلاهما عن سلمة بن كهيل بسنده سواء نحوه. أخرجه أبو داود (٩٣٣)؛ والترمذي (٢٤٩)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٢/ رقم ١١٣، ١١٤)، وخالفهم في هذا الحرف: شعبة بن الحجاج فرواه عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، قال: حدثني علقمة بن وائل، عن وائل بن حجر فذكره لكن قال: \"وقال آمين وأخفى بها صوته\".\nأخرجه مسلم في \"التمييز\" (ص ١٨٠)؛ أحمد (٤/ ٣١٦)؛ والطيالسي (١٠٢٤)، وابن حبان (١٨٠٥)؛ والدارقطني (١/ ٣٣٤)، والحاكم (٢/ ٢٣٢)، وصححه على شرط الشيخين، والطبراني (ج ٢٢/ رقم ١٠٩، ١١٠، ١١٢)؛ وأبو حفص الدوري في \"جزء فيه قراءات النبي ﷺ\" (١١)؛ والبيهقي (٢/ ٥٧) من طرق عن شعبة. وقد تكلم العلماء في رواية شعبة وغلطوه فيها منهم البخاري ومسلم والدارقطني والبيهقي وغيرهم ولكن قال البيهقي في \"المعرفة\" (٢/ ٣٩٢): \"وقد رويناه بإسناد صحيح عن أبي الوليد الطيالسي عن شعبة كما رواه الثوري\". اهـ.\nثم أخرجه في \"سننه\" (٢/ ٥٨) ثم إن شعبة خالف الثوري في موضعين من الإسناد، وقد فصلته في \"التسلية\" ولله الحمد.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٨٥٤)؛ وابن أبي حاتم في \"العلل\" (ج ١/ رقم ٢٥١) من طريق ابن أبي ليلى، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال: \"آمين\" قال البوصيري في \"الزوائد\" (٢٩٧/ ١): \"هذا إسناد ضعيف فيه مقال، وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعفه الجمهور، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وباقي رجاله ثقات؛ وله شاهد من حديث وائل بن حجر. . .\". اهـ.\nقلت: حديث وائل لا يشهد له؛ لأن ابن أبي ليلى خالف شعبة والثوري والعلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل فأربعتهم، على خلاف بينهم وبين شعبة في الإسناد، رووه عن سلمة بن كهيل فجعلوه من مسند \"وائل بن حجر\" وخالفهم ابن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ فرواه عن سلمة بن كهيل فجعله من \"مسند علي\" فروايته منكرة والله أعلم.\nوقال أبو حاتم: \"هذا عندي خطأ، إنما هو سلمة، عن حجر أبي العنبس عن وائل بن حجر، عن النبي ﷺ ثم قال أبو حاتم: كان ابن أبي ليلى سيئ الحفظ\".","vol":"1","page":221},{"text":"حتى يسمع من يليه من الصف الأول. رواه أبو داود (^١)، وابن ماجه -وزاد فيه: \" (فيرتج) (^٢) بها المسجد\"- والدارقطني، وقال: \"هذا إسناد حسن\".\nوعن بلال أنه قال: يا رسول الله، لا تسبقني بآمين. رواه أبو داود (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٩٣٤)؛ وعنه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٧/ ١٣)؛ وابن ماجه (٨٥٣)؛ وأبو يعلى (ج ١١/ رقم ٦٢٢٠)؛ والمزي في \"التهذيب\" (٣٤/ ٢٨) من طريق صفوان بن عيسى عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة فذكره. وما ذكره المصنف هو لفظ أبي داود. وعند ابن ماجه، قال: ترك الناس التأمين ثم ساق مثله.\nقال البوصيري في \"الزوائد\" (٢٩٦/ ١): هذا إسناد ضعيف، أبو عبد الله لا يعرف حاله، وبشر ضعفه أحمد، وقال ابن حبان: \"يروي الموضوعات\". اهـ.\nفأما نقل المصنف تحسين الدارقطني للإسناد ففيه تسامح؛ لأن طريق الدارقطني مختلف عن طريق أبي داود وابن ماجه. فقد أخرجه في \"سننه\" (١/ ٣٣٥) وكذلك ابن حبان (٤٦٣ - موارد)؛ والحاكم (١/ ٢٢٣)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٧/ ١٤)؛ والبيهقي (٢/ ٥٨) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، قال: حدثنا عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال: \"آمين\" وهذا الطريق قال فيه الدارقطني: \"هذا إسناد حسن\" وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي! وليس كما قالوا: فأما قول الحاكم فخطأ؛ لأن هذه الترجمة: \"إسحاق بن إبراهيم عن عمرو بن الحارث الحمصي، عن عبد الله بن سالم عن الزبيدي\" ما خرجها الشيخان ولا أحدهما، بل ولا احتجا برواتها عدا الزبيدي فمن رجالهما وعبد الله بن سالم الأشعري من رجال البخاري وحده، ثم إسحاق بن إبراهيم الملقب بـ (زبريق) ضعيف وعمرو بن الحارث هو الحمصي وليس المدني فإن هذا أعلى منه في الطبقة، وهذا الحمصي وثقه ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٤٨٠) وقال: \"مستقيم الحديث\" فرده الذهبي في \"الميزان\" فقال: \"تفرد بالرواية عنه إسحاق بن إبراهيم زبريق ومولاة له اسمها علوة فهو غير معروف العدالة وابن زبريق ضعيف\". اهـ. وبهذا يظهر ما في قول الدارقطني أيضًا. والله أعلم.\nوقوله: \"فيرتج المسجد\" لا يصح في المرفوع، إنما أخرج البخاري (٢/ ٢٦٢) معلقًا ووصله عبد الرزاق (ج ٢/ رقم ٢٦٤٠)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٧) في \"مصنفيهما\"؛ وابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ١٣٢)؛ والفاكهي في \"أخبار مكة\" (٣/ ٩٦)؛ والبيهقي (٢/ ٥٩) من طريق ابن جريج عن عطاء أن ابن الزبير كان يؤمن ويؤمن من خلفه حتى إن للمسجد للجة. وفي رواية: \"لرجة\" قلتُ وسنده صحيح لولا عنعنة ابن جريج فإنه قبيح التدليس، وكان شيخنا أبو عبد الرحمن الألباني، ﵀، يمشيها عن عطاء وحده. وأخرج البيهقي (٢/ ٥٩) من طريق أبي حمزة السكري محمد بن ميمون، عن مطرف بن طريف عن خالد بن أبي أيوب، عن عطاء قال: أدركت مائتين من أصحاب النبي ﷺ في هذا المسجد إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] سمعت لهم رجةً بـ\"آمين\" وهذا سند رجاله ثقات خلا خالد بن أبي أيوب، ما عرفته ثم ظهر لي أنه تصحيف وصوابه خالد بن أبي نوف. ووقع في ترجمة عطاء بن أبي رباح من \"التهذيب\" (٢٠/ ٧٣) \" .. ابن أبي عوف\" وكل هذا خطأ، وخالد بن أبي نوف هذا ما وثقه إلا ابن حبان فهو مجهول الحال، وأشار المزي في \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٣٨٧) إلى الحديث الوحيد الذي رواه له النسائي (١/ ١٧٤) وقال: \"وإسناده مجهول\" وكل رجال الإسناد معروفون، فيتجه الكلام إلى ابن أبي نوف، والظاهر عندي أن قوله: \"إسناده مجهول\" من كلام النسائي كما يعرف من عادة المزي في كتابه، فلو صح هذا الأثر لكان له حكم الرفع كما لا يخفى والله أعلم.\n(^٢) في (ز): \"يرتج\".\n(^٣) أخرجه أبو داود (٩٣٧) قال: حدثنا إسحاق بن راهويه، حدثنا وكيع، عن الثوري: عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن بلال فذكره. وتوبع وكيع. تابعه عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوري بسنده=","vol":"1","page":222},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مثله. أخرجه ابن خزيمة (ج ١/ رقم ٥٧٣) قال: حدثنا محمد بن حسان الأزرق بخبر غريب غريب، إن كان حفظ اتصال الإسناد، حدثنا ابن مهدي. ثم أبان بن خزيمة عن وجه الغرابة فقال عقب تخريجه للحديث: \"هكذا أملى علينا محمد بن حسان هذا الحديث من أصله عن ابن مهدي، عن الثوري، عن عاصم فقال: \"عن بلال\" والرواة إنما يقولون في هذا الإسناد: \"عن أبي عثمان أن بلالًا قال للنبي ﷺ \".\n* قلت: محمد بن حسان الأزرق ثقة مأمون، وثقه الدارقطني، وابن حبان وابن أبي حاتم وزاد: \"صدوق\" والعجلي وقال عبد الله بن أحمد: \"كان صدوقًا لا بأس به\"، وفي رواية إسحاق بن راهويه عن وكيع ما يشد روايته. وخالفهما، أعني: وكيعًا وابن مهدي: عبد الرزاق فرواه عن الثوري عن عاصم، عن أبي عثمان أن بلالًا قال للنبي ﷺ فأرسله أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ١/ رقم ١١٢٤)؛ والبيهقي (٢/ ٥٦) من طريق عبد الرزاق وهو في \"مصنفه\" (ج ٢/ رقم ٢٦٣٦) ثم قال البيهقي: \"ورواية عبد الرزاق أصح\" ووكيع أثبت في الثوري من عبد الرزاق لولا أنه اختلف عليه.\nفرواه موسى بن معاوية، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان أن بلالًا قال للنبي ﷺ. . . فذكره. أخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٧/ ١٥) وموسى هذا ما عرفته ويغلب على ظني أنه مصحَّفٌ، ومهما كان من أمر فإن إسحاق بن راهويه راويه عن وكيع إمام حافظ يقظ فالراجح روايته عن وكيع، ثم رواية وكيع عندي أرجح من رواية عبد الرزاق لا سيما وقد رواه شعبة عن عاصم، عن أبي عثمان عن بلال. أخرجه الحاكم (١/ ٢١٩) وعنه البيهقي (٢/ ٥٦) من طريق روح بن عبادة وآدم بن أبي إياس كلاهما عن شعبة. وخالفهما غندر فرواه عن شعبة، عن عاصم عن أبي عثمان: قال بلال للنبي ﷺ فذكره أخرجه أحمد (٦/ ١٥).\nوتابع شعبة على هذه الرواية عبد الواحد بن زياد، عن عاصم به أن بلالًا فذكره.\nأخرجه البيهقي (٢/ ٢٣) وتابع شعبة على الرواية الأولى وهي: \"عن بلال\" القاسم بن معن وعباد بن عباد كلاهما عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان عن بلال به.\nأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ١/ رقم ١١٢٥)؛ وفي \"الأوسط\" (ج ٢/ ق ١٧/ ١)؛ والبيهقي (٢/ ٢٢، ٢٣).\nوأخرجه أحمد (٦/ ١٢) من طريق محمد بن فضيل، عن عاصم، عن أبي عثمان قال: قال بلال يا رسول الله لا تسبقني بآمين. وكذا وقع في \"أطراف المسند\" (١/ ٦٤٥) للحافظ وأشار المحقق أنه وقع في أحد النسخ: \"أن رسول الله ﷺ قال لبلال: \"لا تسبقني بآمين\" فصار قائل هذا القول هو النبي ﷺ ليس بلالًا، وهذا هو الصواب في رواية محمد بن فضيل عن عاصم يدل عليه أن البيهقي قال (٢/ ٢٣): ورواه محمد بن فضيل عن عاصم بلفظ آخر .. ثم رواه من طريق \"مسند أحمد\" فجعل المقالة من لفظ النبي ﷺ، وكذلك رواه (٢/ ٥٦) بهذا السياق. ثم قال: \"فكأن بلالًا كان يؤمن قبل تأمين النبي ﷺ فقال: لا تسبقني بآمين، كما قال إذا أمن الإمام فأمنوا\". اهـ.\nوأشار الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٢٦٣) إلى هذا الحديث وقال: \"ورجاله ثقات لكن قيل: إن أبا عثمان لم يلق بلالًا، وقد روى عنه بلفظ: أن بلالًا قال: وهو ظاهر الإرسال، ورجحه الدارقطني وغيره على الموصول\" والصواب أن الوجهين متكافئان، بل جهة الوصل أقوى، فيبقى قول من قال: \"أبو عثمان لم يلق بلالًا\" وهو قول ضعيف، وكأنه لذلك مرَّضه الحافظ، فإن أبا عثمان مخضرم أدرك الجاهلية وهو أكبر سنًّا من عائشة ومن أنس وابن عباس وثبت سماعه من عمر بن الخطاب في \"صحيح البخاري\" وغيره ورد الحاكم على هذه المقالة فقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأبو عثمان النهدي مخضرم قد أدرك الطائفة الأولى من الصحابة\". اهـ.\nوفي تصحيحه الحديث على شرط الشيخين نظر من جهة أن الشيخين لم يحتجا بـ \"أبي عثمان عن بلال\" ولكن الإسناد صحيح والحمد لله. ثم قال البيهقي (٢/ ٢٣): \"وروى بإسناد ضعيف عن عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال: قال بلال. . . وليس بشيء إنما رواه الجماعة الثقات عن عاصم دون ذكر سلمان\".\nقلت: ما أشار إليه البيهقي: أخرجه الطبراني (ج ٦/ رقم ٦١٣٦) قال: حدثنا محمد بن العباس الأخرم=","vol":"1","page":223},{"text":"[ونقل أبو نصر القشيري عن الحسن، وجعفر الصادق، أنهما شددا الميم من \"آمين\"؛ مثل: ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]] (^١).\nقال أصحابنا وغيرهم: ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلِّي، وسواء كان منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، وفي جميع الأحوال؛ لما جاء في \"الصحيحين\" (^٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا أمن الإمام فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه\".\n\"ولمسلم\" (^٣) أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين والملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه\" [قيل: بمعنى من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزمان] (^٤). [وقيل: في الإجابة. وقيل (^٥): في صفة الإخلاص] (^٦).\nوفي\"صحيح (^٧) مسلم\" عن أبي موسى - مرفوعًا: \"إذا قال -يعني الإمام- ولا الضالين فقولوا: آمين يجبكم الله\".\nوقال جويبر (^٨)، عن الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: قلت: يا رسول الله؛ ما معنى آمين؟ قال: \"رب افعل\".\n[وقال الجوهري: معنى آمين: كذلك فليكن. وقال الترمذي (^٩): معناه: لا تخيب رجاءنا. وقال الأكثرون: معناه: اللّهم استجب لنا] (^١٠).\n_________\n= ثنا أحمد بن يحيى الصوفي، ثنا سعيد بن عمرو الأشعثي ثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان أن بلالًا قال للنبي ﷺ: \"لا تسبقني بآمين\"، وأخرجه أبو بكر الشافعي في \"الغيلانيات\" (ج ٢/ ق ٣٨/ ١) من طريق ابن أبي عمر ثنا سفيان بن عيينة به ولكن شيخ أبي بكر الشافعي فيه ضعيف. قال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١١٣): \"رجاله موثقون\". وسنده صحيح كلهم أئمة أثبات، ولا يتجه إعلاله بالشذوذ مع إمكان الجمع، وهذا الإمكان ظاهر بل راجح. والله أعلم.\n(^١) ساقط من (ز).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢/ ٢٦٢، ٢٦٦)؛ ومسلم (١/ ٣٠٧ - عبد الباقي).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٤٠٩/ ٧٥)؛ والثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ١٣/ ٢).\n(^٤) ساقط من (ز).\n(^٥) هذا قول ابن حبان، فقال في \"صحيحه\" (٥/ ١٠٨): \"معنى قوله ﷺ: \"فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة\" أن الملائكة تقول: آمين من غير علة: من رياء وسمعة، أو إعجاب، بل تأمينها يكون خالصًا لله، فإذا أمن القارئ لله من غير أن يكون فيه علة من إعجاب أو رياء أو سمعة كان موافقًا تأمينه في الإخلاص تأمين الملائكة، غفر له حينئذٍ ما تقدم من ذنبه\". اهـ. وتعقبه الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٢٥٦) ورجح أن الموافقة في القول والزمان. وما ذهب إليه الحافظ هو الحق. والله أعلم.\n(^٦) ساقط من (ز).\n(^٧) أخرجه مسلم (٤٠٤/ ٦٢).\n(^٨) يعني: في \"تفسيره\" كما في \"الدر المنثور\" (١/ ١٧) وجويبر هالك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس كما مرّ ذكره وله طريق آخر عن ابن عباس. أخرجه الثعلبي (١/ ١٣/ ٢) من طريق محمد بن فضيل، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس مثله. وسنده ساقط. والكلبي تالف.\n(^٩) هو محمد بن علي المعروف بـ\"الحكيم الترمذي\"، وليس صاحب \"السنن\"، كما عند الثعلبي (١/ ١٣/ ٢) وله ترجمة في \"سير النبلاء\" (١٣/ ٤٣٩ - ٤٤٢).\n(^١٠) ساقط من (ز).","vol":"1","page":224},{"text":"[وحكى القرطبي (^١) عن مجاهد (^٢)، وجعفر الصادق، وهلال (^٣) بن يساف أن آمين اسم من أسماء الله تعالى. وروى عن ابن عباس مرفوعًا، ولا يصح؛ قاله أبو بكر (^٤) بن العربي المالكي] (^٥).\nوقال أصحاب مالك: لا يؤمن الإمام ويؤمن المأموم، لما رواه (^٦) \"مالك\" عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [\"وإذا قال - يعني الإمام: ولا الضالين فقولوا: آمين. . .\" الحديث] (^٥).\n[واستأنسوا أيضًا بحديث أبى موسى (عند مسلم) (^٧): \"وإذا قرأ ولا الضالين فقولوا: آمين\"] (^٨).\nوقد قدمنا في \"المتفق عليه\": \"إذا أمن الإمام فأمنوا\"، وأنه عليه (الصلاة) (^٩) والسلام كان يؤمن إذا قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.\nوقد اختلف أصحابنا في الجهر بالتأمين للمأموم في الجهرية. وحاصل الخلاف أن الإمام إن نسي التأمين جهر المأموم به قولًا واحدًا؛ وإن أمن الإمام جهرًا فالجديد أنه لا يجهر المأموم، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن مالك؛ لأنه ذكر من الأذكار فلا يجهر به كسائر أذكار الصلاة. والقديم أنه يجهر (به) (^١٠)، وهو مذهب (الإمام) (^١١) أحمد بن حنبل، والرواية الأخرى عن مالك لما تقدم: \"حتى يرتج المسجد\" (^١٢). ولنا قول آخر ثالث أنه إن كان المسجد صغيرًا لم يجهر المأموم؛ لأنهم يسمعون قراءة الإمام، وإن كان كبيرًا جهر، ليبلغ التأمين من في أرجاء المسجد. والله أعلم.\nوقد روى الإمام أحمد في \"مسنده\" (^١٣) عن عائشة ﵂ - أن رسول الله ﷺ ذكرت عنده\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ١٢٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٦) ووكيع في \"تفسيره\" من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد. وليث ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٦) عن وكيع وهذا في \"تفسيره\"، كما في \"الدر المنثور\" (١/ ١٧)، قال: ثنا سفيان عن منصور، عن هلال بن يساف به. وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (ج ٢/ رقم ٢٦٥٠)؛ والثعلبي (١/ ١٣/ ٢) من طريق سفيان الثوري وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن جرير عن منصور بسنده. وسنده صحيح. ولكن هذا الباب لا يقبل فيه إلا الصحيح المرفوع كما هو معلوم. والله الموفق. وأخرجه عبد الرزاق (ج ٢/ رقم ٢٦٥١) موقوفًا على أبي هريرة بسند ضعيف جدًّا.\n(^٤) في \"أحكام القرآن\" (١/ ٦) وظاهر من نقل المصنف عن ابن العربي أنه عني بقوله: \"لا يصح\" حديث ابن عباس المرفوع، وليس هذا في عبارة ابن العربي فقد قال: \"المسألة الرابعة:. . . قيل إنها اسم من أسماء الله تعالى، ولا يصح نقله، ولا ثبت قوله\". اهـ.\n(^٥) ساقط من (ز).\n(^٦) في \"الموطأ\" (١/ ٨٧/ ٤٥) ومرّ تخريجه آنفًا.\n(^٧) ساقط من (ز) و(ل).\n(^٨) ساقط من (ل).\n(^٩) من (ز) و(ن) وفي (ك): \"ﷺ\".\n(^١٠) ساقط من (ج).\n(^١١) من (ن).\n(^١٢) وقد قدمنا أن هذا الحديث لا يصح. والله أعلم.\n(^١٣) أخرجه أحمد (٦/ ١٣٤، ١٣٥)؛ والبيهقي (٢/ ٥٦) مطولًا، والبخاري في \"التاريخ\" (١/ ١/ ٢٢) مختصرًا من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن عمر بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة وفيه قصة=","vol":"1","page":225},{"text":"اليهود، فقال: \"إنهم لن يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله (^١) (ولها) وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين\".\nورواه ابن ماجه، ولفظه: \"ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين\".\n\"وله\" (^٢) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول آمين، فأكثروا من قول آمين\". وفي إسناده طلحة بن عمرو، وهو ضعيف.\nوروى ابن مردويه (^٣)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"آمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين\".\nوعن أنس (^٤) قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعطيت آمين في الصلاة، وعند الدعاء، لم يعط أحد\n_________\n= وأخرجه البخاري والبيهقي من طريق مجاهد عن محمد بن الأشعث عن عائشة مختصرًا ومحمد بن الأشعث لم يوثقه إلا ابن حبان، وترجمه البخاري وابن أبي حاتم (٣/ ٢/ ٢٠٦) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nولكن للحديث طريق آخر. أخرجه ابن ماجه (٨٥٦)؛ والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٨٨)؛ وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (١١٢٢)؛ وابن خزيمة (١٥٨٥) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره. وسياق ابن خزيمة مطول قال البوصيري في \"الزوائد\" (٢٩٧/ ١): \"هذا إسناد صحيح احتج مسلم بجميع رواته\".\n(^١) ساقط من (ج) و(ز).\n(^٢) يعني: ابن ماجه، وقد أخرجه في \"سننه\" (٨٥٧) من طريق خالد بن يزيد بن صبيح المري، أنبأنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا به.\nقال البوصيري (٢٩٨/ ١): \"هذا إسناد ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف طلحة بن عمرو\" قلت: فالصواب أن الإسناد ضعيف جدًّا، وطلحة هذا متروك، تركه أحمد والنسائي وغيرهما وضعفه ابن معين وأبو داود وابن سعد وزاد: \"جدًّا\" والكلام فيه طويل الذيل.\n(^٣) أخرجه الطبراني في \"الدعاء\" (٢١٩)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٤٣٢)؛ والثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ١٣/ ٢) من طريق المؤمل بن عبد الرحمن، عن أبي أمية بن يعلى الثقفي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nقال ابن عدي: \"هذا الحديث بهذا الإسناد لا يرويه عن أبي أمية بن يعلى، وإن كان ضعيفًا، غير مؤمل هذا\".\nقلت: وسنده ضعيف جدًّا. ومؤمل بن عبد الرحمن ضعفه أبو حاتم الرازي. وقال ابن عدي: \"عامة حديثه غير محفوظ\" وشيخه أبو أمية اسمه \"إسماعيل\" تركه ابن معين في رواية والنسائي والدارقطني، وقال البخاري: \"سكتوا عنه\" وأورد له ابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٣٠٩ - ٣١١) أحاديث تدل على أنه واهٍ، وهذا الحديث منكر جدًّا، والله أعلم.\n(^٤) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" (ق ١٩/ ١، ٢ زوائده) قال: حدثنا عبد العزيز بن أبان، ثنا زربي مولى خالد، ثنا أنس مرفوعًا: \"أعطيت ثلاث خصال: صلاة في الصفوف، وأعطيت السلام، وأعطيت آمين، ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم، إلا أن يكون الله أعطاها هارون، فإن موسى كان يدعو، ويؤمن هارون\".\nوهذا سنده واهٍ جدًّا، وعبد العزيز بن أبان متروك، لكنه لم يتفرد به، فتابعه حرمي بن عمارة وعبد الصمد بن عبد الوارث كلاهما عن زربي بن عبد الله عن أنس قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسًا فقال: \"إن الله أعطاني خصالًا ثلاثة، فقال رجل من جلسائه: وما هذه الخصال يا رسول الله؟! قال: \"أعطاني صلاةً في الصفوف، وأعطاني التحية، إنها لتحية أهل الجنة وأعطاني التأمين، ولم يعطه أحدًا من النبيين قبل، إلا أن يكون الله أعطى هارون؛ يدعو موسى ويؤمن هارون\" أخرجه ابن خزيمة (١٥٨٦) والسياق له وقال: \"إن=","vol":"1","page":226},{"text":"قبلي إلا أن يكون موسى؛ كان موسى يدعو وهارون يؤمن، فاختموا الدعاء بآمين؛ فإن الله يستجيبه لكم\".\nقلت: ومن هنا نزع بعضهم (^١) في الدلالة بهذه الآية الكريمة؛ وهي قوله تعالي: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [يونس] فذكر الدعاء عن موسى وحده، ومن سياق الكلام ما يدل على أن هارون أمن، فنزل منزلة من دعا؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ فدل ذلك على أن من أمن على دعاء فكأنما قاله؛ فلهذا قال من قال: إن المأموم لا يقرأ؛ لأن تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها؛ ولهذا جاء في الحديث: \"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة [رواه أحمد في \"مسنده\"] (^٢). وكان بلال يقول: \"لا تسبقني بآمين (يا رسول الله) (^٣) \".\nفدل هذا المنزع على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية. والله أعلم.\nولهذا قال ابن مردويه (^٤): حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن (ليث بن أبي سليم) (^٥)، عن كعب، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، آمين، فوافق \"آمين\" أهل الأرض \"آمين\" أهل السماء غفر الله للعبد ما تقدم من ذنبه ومثل من لا يقول: آمين كمثل رجل غزا مع قوم، فاقترعوا، فخرجت سهامهم ولم يخرج سهمه، فقال: لم لم يخرج سهمي؟ فقيل: إنك لم تقل: آمين (^٦) \".\n* * *\n_________\n= ثبت الخبر\" وابن مردويه، والحكيم الترمذي في \"النوادر\" كما في \"الدر\" (١/ ١٧)؛ وابن عدي (٣/ ١٠٩٤) فانحصرت العلة في زربي بن عبد الله فهو واهٍ، قال ابن حبان: \"منكر الحديث على قلته، ويروي عن أنس ما لا أصل له فلا يحتج به\". وقال البخاري: \"فيه نظر\" وقال ابن عدي: \"ولزربي من الحديث قليل، وأحاديثه وبعض متون أحاديث منكرة\". وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (ج ٢/ رقم ٢٦٥١) عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله، عن أبي هريرة: قال: كان موسى بن عمران إذا دخل أمَّن هارون على دعائه، قال: وسمعت أبا هريرة: آمين اسم من أسماء الله ﷿. وسنده واهٍ. وبشر بن رافع ضعفه أحمد وقال ابن حبان: \"يروي الموضوعات\" وأبو عبد الله هو ابن عم أبي هريرة اختلف في اسمه وقال ابن القطان والذهبي: \"لا يعرف\".\n(^١) انظر: \"التمهيد\" (٧/ ١٢، ٢٢/ ١٦)؛ لابن عبد البر ﵀.\n(^٢) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).\n(^٣) من (ن).\n(^٤) وأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (ج ١١/ رقم ٦٤١١) قال: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير بسنده سواء قال السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ١٧): \"إسناده جيد\"! وليس كما قال فإن ليث بن أبي سليم ضعيف، وقد صح أوله كما مرّ قريبًا. والله أعلم.\n(^٥) في (ن): \"ليث عن ابن أبي سليم\" وهو خطأ ظاهر.\n(^٦) في حاشية (ج): \"آخر الجزء الثالث من أجزاء المؤلف\" وفي حاشية (ع): \"بلغ مقابلة بقراءة المصنف معارضًا بأصله\".","vol":"1","page":227},{"text":"(رب يسر وأعن يا كريم) (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-68>تفسير سُورَةُ البَقَرَة</span>\n<span data-type='title' id=toc-69>ذكر ما ورد في فضلها:</span>\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عارم، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار. أن رسول الله ﷺ قال: \"البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آيةٍ منها ثمانون ملكًا، واستخرجت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ من تحت العرش، فوصلت بها، أو فوصلت بسورة البقرة، و﴿يس (١)﴾ [يس] قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم\". انفرد به أحمد.\nوقد رواه أحمد (^٣) أيضًا -عن عارم، عن عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي\n_________\n(^١) من \"ن\".\n(^٢) في \"مسنده\" (٥/ ٢٦).\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٠/ رقم ٥١١، ٥٤١) من طريق محمد بن عبد الأعلى ومحمد بن أبي بكر المقدمي كليهما عن معتمر بن سليمان بسنده سواء تامًّا.\nوأخرجه النسائي في \"اليوم والليلة\" (١٠٧٥) قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتمر بسنده سواء من قوله: \"يس قلب القرآن. . . إلخ\"؛ وأخرجه الروياني (٣٠/ ٢٢٣/ ٢) عن عمرو بن علي عن المعتمر به إلى قوله: \"من تحت العرش\".\nوأخرجه أبو الشيخ في \"الأمثال\" (٢٧٤) عن محمد بن عبد الأعلى بسنده سواء بلفظ: \"البقرة سنام القرآن وذروته\"؛ وأخرجه الروياني في \"مسنده\" (ج ٣٠/ ق ٢٢٢/ ١) قال: نا أبو عبد الله الزيادي، نا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن معقل بن يسار مرفوعًا بتمامه. فأسقط شيخ الروياني \"والد\" شيخ سليمان التيمي، والأشبه إثباته، وانظر \"التسلية\".\nوتوبع معتمر على الوجه الأول فتابعه ابن المبارك، فرواه عن سليمان التيمي، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار مرفوعًا: \"اقرأوا يس على موتاكم\".\nأخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (٩٣١)، عن ابن المبارك، وخالفه جماعة عن ابن المبارك كما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وأغرب السيوطي فقال في \"الدر المنثور\" (١/ ٢٠): \"وإسناده صحيح\"!! ويأتي ما فيه.\n(^٣) في \"مسنده\" (٥/ ٢٧).\nوأخرجه البخاري في \"الكنى\" (٥٠٥) معلقًا ووصله أبو داود (٣١٢١)؛ وابن ماجه (١٤٤٨)؛ عن ابن أبي شيبة، وهذا في \"مصنفه\" (٣/ ٢٣٧)؛ وأبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ١٣٦)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٠/ رقم ٥١٠)؛ والحاكم (١/ ٥٦٥)؛ وعنه البيهقي في \"سننه الكبرى\" (٣/ ٣٨٣)؛ وفي \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٢٣٠)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ٢٩٥) من طرق عن ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان وليس بالنهدي، عن أبيه، عن معقل بن يسار مرفوعًا فذكره.\nوقد رواه عن ابن المبارك هكذا جمع يترجحون على الطيالسي، وللوليد بن مسلم فيه وجه آخر ثم الترجيح في كل ذلك نظري؛ يعني: لا يفيد الحديث قوةً إذ له ثلاث علل لخصها الحافظ ابن حجر، فقال في \"التلخيص\" (٢/ ١٠٤): \"وأعله ابن القطان بالاضطراب، وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه، ونقل=","vol":"1","page":228},{"text":"عثمان -وليس بالنهدي- عن أبيه، عن معقل بن يسارٍ؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقرؤوها على موتاكم\" - يعني: يس.\nفقد تبيَّنا بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى.\nوقد أخرج هذا الحديث على هذه الصفة في الرواية الثانية أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.\nوقد روى الترمذي (^١) من حديث حكيم بن جبير، وفيه ضعف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آيِ القرآن: آية الكرسي\".\nوفي \"مسند أحمد\" (^٢)، و\"صحيح مسلم\"؛ والترمذي، والنسائي، من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا؛ فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان\".\nوقال الترمذي: \"حسن صحيح\".\nوقال أبو عبيد (^٣) القاسم بن سلام: حدثني ابن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي\n_________\n= أبو بكر ابن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن، ولا يصح في هذا الباب حديث\". اهـ.\n(^١) في \"سننه\" (٢٨٧٨).\nوأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٦٠١٩)؛ وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ١١٧)؛ والحاكم (١/ ٥٦٠، ٥٦١، ٢/ ٢٥٩)؛ عن الحميدي وهذا في \"مسنده\" (٩٩٤)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٣٧)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٥٨)؛ من طريق حكيم بن جبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٢٠) لابن المنذر.\nوقال الترمذي: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير وضعفه\". اهـ وهذا هو الصواب أما الحاكم فقال: \"صحيح الإسناد، والشيخان لم يخرجا عن حكيم بن جبير لوهن في رواياته، إنما تركاه لغلوه في التشيع\". اهـ.\n* قلت: كذا قال! ولو كان ثقةً غالٍ في تشيعه لم يضره ذلك على الصحيح من أقوال أهل العلم منهم البخاري ومسلم، ولكن ضعفه جماهير النقاد مثل أحمد وابن معين وأبي داود والنسائي وغيرهم ولأوله شاهد من حديث سهل بن سعد لكنه ضعيف أيضًا ويأتي تخريجه قريبًا.\nواعلم أن الراجح في هذا الحديث الوقف كما يأتي إن شاء الله، ثم قوله: \"وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي\" صحيح وله شواهد نذكرها إن شاء الله عند تفسير هذه الآية الكريمة والله الموفق.\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٨٠/ ٢١٢)، من طرق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا. وصححه أيضًا: البغوي في \"شرح السنة\".\n(^٣) في \"فضائل القرآن\" (ص ١٢١).\nوابن لهيعة سيء الحفظ، وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن أبي مريم، وليس من قدماء أصحابه ولم يتفرد به ابن لهيعة فتابعه عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب بسنده سواء. أخرجه الفريابي في \"الفضائل\" (٣٨) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب به وابن وهب من قدماء أصحاب ابن لهيعة فيبقى الكلام على سنان بن سعد، ويقال: سعد بن سنان، وبه ترجم المزي في \"التهذيب\" وذكره باسم \"سعد\": الترمذي في \"سننه\" (٦٤٦)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١١٩١).\nوأما ابن حبان فقال في (الثقات): \"أرجو أن يكون الصحيح: سنان بن سعد، وقد اعتبرت حديثه فرأيت ما=","vol":"1","page":229},{"text":"حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه\". سنان بن سعد، ويقال بالعكس، وثقه ابن معين، واستنكر حديثه: أحمد بن حنبل وغيره.\nوقال أبو عبيد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله -يعني: ابن مسعود- ﵁؛ قال: إن الشيطان يفر من البيت يسمع فيه سورة البقرة.\nورواه النسائي في \"اليوم والليلة\". وأخرجه الحاكم في \"مستدركه\" من حديث شعبةَ؛ ثم قال الحاكم: \"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\".\nوقال ابن مردويه (^٢): حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا أيوب بن\n_________\n= روى سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات، وما روى سعد بن سنان وسعيد بن سنان فيه المناكير، كأنهما اثنان\". والظاهر من تصرف العلماء أنهما رجل واحد كما رجحه الخطيب في \"موضح الأوهام\" (٢/ ١٦٤، ١٦٥)، وهو ظاهر صنيع ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ١/ ٢٥١) واختلف العلماء في حاله، وجملة القول فيه أنه مقارب الحديث ولمتن حديثه شواهد صحيحة كثيرةٌ يأتي بعضها إن شاء الله تعالى.\n(^١) في \"فضائل القرآن\" (ص ١٢١).\nوأخرجه النسائي في \"اليوم والليلة\" (٩٦٤) قال: أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد؛ يعني: ابن جعفر، حدثنا شعبة بسنده سواء بلفظ: \"جددوا القرآن ليربوا فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يفر. . .\" الحديث.\nوأخرجه الدارمي (٢/ ٣٢١)؛ والحاكم (١/ ٥٦١) عن الفضيل بن دكين؛ والحاكم (٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠) عن آدم بن أبي إياس كلاهما عن شعبة بسنده سواء بلفظ: \"اقرأوا سورة البقرة في بيوتكم فإن الشيطان لا يدخل بيتًا. . .\" الحديث وقال في الموضع الأول: \"صحيح على شرط الشيخين\" وقال في الموضع الثاني: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي في الموضعين!، وحكمه في الموضع الثاني أسد، لأن البخاري ما احتج برواية أبي الأحوص -واسمه عوف بن مالك- عن ابن مسعود، بل مسلم، ثم الشيخان ما أخرجا شيئًا لسلمة بن كهيل عن أبي الأحوص. والله أعلم.\nويرويه عاصم بن بهدلة عن أبي الأحوص، ويأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.\n(^٢) أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٦٢) من طريقين عن أبي إسماعيل الترمذي قال: حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال بسنده سواء.\nوأخرجه النسائي في \"اليوم والليلة\" (٩٦٣) قال: أخبرنا محمد بن نصر، قال: حدثنا أيوب بن سليمان بسنده سواء.\nوقد توبع ابن عجلان. تابعه حلو بن السري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله مرفوعًا فذكره.\nأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٢٢٤٨، ٧٧٦٦)؛ وفي \"الصغير\" (١٤١) من طريق يعقوب بن إسحاق أبي يوسف القلوسي قال: نا الحارث بن محمد الكوفي، قال: نا حلو بن السري.\n* قلت: وحلو بن السري وثقه الطبراني في \"الصغير\"؛ وابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٢٤٨) وخالفهما -أعني ابن عجلان وحلو بن السري- شعبة بن الحجاج، فرواه عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص قال: كان عبد الله يقول: \"لا ألفين أحدكم يتعشى ثم يضطجع، فيضع رجلًا على رجل ويتغنى، ويدع سورة البقرة أن يقرأها، فإن الشيطان ليفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة\". أخرجه ابن الضريس في \"الفضائل\" (١٧٥) قال: أخبرنا أبو عمر وهو حفص بن عمر، ثنا شعبة. وهذا سند صحيح، وهو أقوى من رواية ابن عجلان وحلو بن السري ويؤيده ما أخرجه ابن الضريس أيضًا (١٦٤) قال: أخبرنا أبو غسان، ثنا جرير،=","vol":"1","page":230},{"text":"سليمان بن بلال، حدثني أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن عجلان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا ألفين أحدكم يضع إحدى رجليه على الأخرى يتغنى ويدع سورة البقرة يقرؤها؛ فإن الشيطان ينفر من البيت تقرأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت الجوف الصفر من كتاب الله\".\nوهكذا رواه النسائي في \"اليوم والليلة\" عن محمد بن نصر، عن أيوب بن سليمان، به.\n[وروى الدارمي في \"مسنده\" (^١)، عن ابن مسعود؛ قال: \"ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان، وله ضراط\".\nوقال (^٢): \"إن لكل شيء سنامًا، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن لكل شيء لبابًا وإن لباب القرآن المفصل\".\nوروى أيضًا (^٣) من طريق الشعبي؛ قال: قال عبد الله بن مسعود:] (^٤) [\"من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة، أربع من أولها وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاثُ آيات من آخرها\" - وفي رواية: \"لم يقربه ولا أهله يومئذٍ شيطان، ولا شيء يكرهه ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق\"] (^٥).\nوعن سهل بن سعد؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لكل شيء سنامًا، وإن سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها في بيته ليلةً لم يدخله (شيطان) (^٦) ثلاث ليالٍ، ومن قرأها في بيته نهارًا لم يدخله (شيطان) (^٦) ثلاثة أيام\".\nرواه أبو القاسم الطبراني (^٧)،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن إبراهيم التيمي، عن أبي الأحوص قال: سمعت عبد الله يقول: إن أصفر البيوت الجوف الصفر من كتاب الله ولا ألفين أحدكم يضع إحدى رجليه على الأخرى. . . وساقه. وهذا سند صحيح أيضًا، فهذا يدل على أن الصحيح في هذا الحديث الوقف، ويأتي له شواهد تؤيد ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.\n(^١) أخرجه الدارمي في \"سننه\" (٢/ ٣٢١) بسند حسن.\n(^٢) أخرجه الدارمي وابن الضريس (١٧٧، ١٧٨)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٦٤٤)؛ والجوزقاني في \"الأباطيل\" (٧٠٦) من طريق حماد بن سلمة وحماد بن زيد كليهما عن عاصم، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود فذكره موقوفًا. وتابعهما أبو بكر بن عياش عن عاصم مثله. أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٢٢٥٨) وسنده حسن، قال الدارمي عقبة: واللباب: الخالص.\n(^٣) يعني: الدارمي (٢/ ٣٢٢) قال: حدثنا جعفر بن عون، أنا أبو العميس، عن الشعبي فذكره وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٦٧٣) من طريق أبي نعيم، ثنا أبو العميس به، وسنده جيد، وأبو العميس هو عتبة بن عبد الله بن عتبة، أخو عبد الرحمن المسعودي وهو ثقة، تكلم فيه أبو نعيم الفضل بن دكين، وقد توبع فتابعه عاصم بن بهدلة، عن الشعبي فذكر مثله.\nأخرجه الدارمي وابن الضريس (١٦٦، ١٧٩) من طريقين عن عاصم. وسنده حسن.\n(^٤) ساقط من (ز).\n(^٥) ساقط من (ز).\n(^٦) في (ز) و(ل) و(ك): \"الشيطان\".\n(^٧) في \"المعجم الكبير\" (ج ٦/ رقم ٥٨٦٤).\nوأخرجه ابن حبان (١٧٢٧ - موارد) عن أبي يعلى وهو في \"مسنده\" (ج ١٣/ رقم ٧٥٥٤)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٦)؛ وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ١٠١)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٦١) من=","vol":"1","page":231},{"text":"وأبو حاتم بن حبان في \"صحيحه\"، [وابن مردويه من حديث الأزرق بن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا خالد بن سعيد (المدني) (^١) عن أبي حازم، عن سهل، به. وعند ابن حبان: خالد بن سعيد (المديني) (^٢)] (^٣).\nوقد روى الترمذي (^٤)، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة (﵁) (^٥)؛ قال: \"بعث رسول الله ﷺ بعثًا وهم ذوو عدد فاستقرأهم؛ فاستقرأ كل واحد منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنًّا، فقال: ما معك يا فلان؟ فقال: معي كذا وكذا وسورة البقرة. فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم. قال: اذهب فأنت أميرهم\". فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا أني خشيت أن لا أقوم بها. فقال رسول الله ﷺ: \"تعلموا القرآن، واقرءوه؛ فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشوٍّ مسكًا يفوح ريحه في كل مكان. ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك\". هذا لفظ رواية الترمذي. ثم قال: \"هذا حديث حسن\".\nثم رواه من حديث الليث، عن سعيد، عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلًا. فالله أعلم (^٦).\nقال البخاري (^٧): وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن حضير ﵁، قال: بينما هو يقرأ (من) (^٨) الليل سورة البقرة -وفرسه مربوطة عنده- إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت [فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت] (^٩)، ثم قرأ فجالت الفرس\n_________\n= طريق خالد بن سعيد المدني، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد مرفوعًا قال العقيلي: \"خالد بن سعيد لا يتابع على حديثه\"، وقال ابن المديني: \"لا نعرفه\" وكذلك جهله ابن القطان، وبه ضعف الهيثمي الحديث في \"المجمع\" (٦/ ٣١٢).\n(^١) كذا في (ن) و(هـ) ووقع في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى): \"المديني\".\n(^٢) كذا في (ك) و(ن) وفي (ع) و(هـ) و(ى): \"المدني\" وفي (ج) و(ل): \"المزني\".\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٨٧٦)؛ والنسائي في \"كتاب السير\"، كما في \"أطراف المزي\" (١٠/ ٢٨٠)؛ وابن خزيمة (ج ٣/ رقم ١٥٠٩) وعنه ابن حبان (١٧٨٩ - موارد)؛ والبزار في \"مسنده\" (ج ٢/ ق ١٧١/ ١، ٢)؛ وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ٢٥) من طرق عن عبد الحميد بن جعفر بطوله؛ وأخرجه ابن ماجه (٢١٧)؛ والحاكم (١/ ٤٤٣)؛ وأبو الشيخ في \"الأمثال\" (٣٣٤) مختصرًا.\nقال البزار: \"وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من حديث أبي هريرة بهذا الإسناد، وعطاء مولى أبي أحمد لا نعلمه حدث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، ولا حدث عنه إلا سعيد المقبري\".\nوقال الترمذي: \"هذا حديث حسن\".\nوقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي.\n(^٥) من (ن).\n(^٦) وقع في (ج) و(ل) بعد هذا عنوان: \"ما ورد في فضلها مع آل عمران\" وهذا خطأ، لأن حديث أسيد بن حضير ليس فيه ذكر لـ \"آل عمران\"، والصواب ما ورد في سائر النسخ أن هذا العنوان موضعه بعد ذلك كما يأتي، والحمد لله تعالى.\n(^٧) في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٦٣) ومر تخريجه في كتاب \"فضائل القرآن\" (١/ ٢٤٦).\n(^٨) في (ج) و(ل): \"في\".\n(^٩) ساقط من (ج).","vol":"1","page":232},{"text":"فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال: \"اقرأ يا ابن حضير\". قال: (فأشفقت) (^١) يا رسول الله (على يحيى) (^٢)، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها. قال: \"وتدري ما ذاك؟ \" قال: لا. قال: \"تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم\".\nوهكذا رواه الإمام العالم أبو عبيد (^٣) القاسم بن سلام في كتاب \"فضائل القرآن\" عن عبد الله بن صالح، ويحيى بن بكير عن الليث، به.\nوقد روى من وجه آخر عن أسيد بن حضير كما تقدم. والله أعلم.\nوقد وقع نحو من هذا لثابت بن قيس بن (شماس) (^٤) ﵁؛ وذلك فيما رواه أبو عبيد (^٥): حدثنا عباد بن عباد، عن جرير بن حازم، عن (عمه) (^٦) جرير بن يزيد - أن أشياخ أهل المدينة حدثوه أن رسول الله ﷺ قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح. قال: \"فلعله قرأ سورة البقرة\".\nقال: (فسئل ثابت) (^٧)، فقال: قرأت سورة البقرة\".\nوهذا إسناد جيد إلا أن فيه إبهامًا، ثم هو مرسل. والله أعلم.\nذكر ما ورد في فضلها مع آل عمران:\nقال الإمام أحمد (^٨): حدثنا أبو نعيم، حدثنا بشير بن مهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة، عن\n_________\n(^١) في (ن): \"قد أشفقت\".\n(^٢) في (ز): \"أن تطأ يحيى\".\n(^٣) في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٦).\nوأخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٧/ ٨٤)؛ وأبو نعيم في \"المعرفة\" (٥٠٢)؛ والحافظ في \"التغليق\" (٤/ ٣٨٧) من طريق يحيى بن بكير وحده، ثنا الليث بن سعد بسنده سواء.\n(^٤) في (ج) و(ع) و(ك) و(ن) و(ي): \"الشماس\".\n(^٥) في \"الفضائل\" (ص ٢٧). وعزاه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٥٧) لأبي داود وقال: \"من طريق مرسلة\" فالله أعلم، ولم أجده في \"المراسيل\" له، فلعله أراد \"ابن أبي داود\".\n(^٦) ساقط من (ز).\n(^٧) في (ن): \"فسألت ثابتًا\".\n(^٨) في \"مسنده\" (٥/ ٣٤٨).\nوأخرجه الدارمي (٢/ ٣٢٤)؛ وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠/ ٤٩٢، ٤٩٣)، ومن طريقه ابن الضريس في \"الفضائل\" (٩٩)؛ والثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ٥/ ٢)؛ وأبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٣٦، ٣٧) قالوا: حدثنا أبو نعيم بسنده سواء. وأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ١٤٤)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (١٨٣٥) من طريق خلاد بن يحيى، ثنا بشير بن المهاجر بسنده سواء بطوله.\nوأخرج بعضه: ابن ماجه (٣٧٨١)؛ وأحمد (٥/ ٣٥٢، ٣٦١)؛ والحاكم (١/ ٥٥٦)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٤٥٤) من طرق أخرى عن بشير بن المهاجر.\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم\" وسكت عنه الذهبي.\nوأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٤٥٣) من طريق حميد بن زنجويه، نا أبو نعيم مثل رواية أحمد وقال: \"هذا حديث حسن غريب\".\nوقال البوصيري في \"الزوائد\" (١٨٧/ ٣): \"رجاله ثقات\"، وقال الهيثمي (٧/ ١٥٩): \"رجاله رجال=","vol":"1","page":233},{"text":"أبيه؛ قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعته يقول: \"تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة\".\nقال: ثم سكت ساعة، ثم قال: \"تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف؛ وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بِمَ كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها؛ فهو في صعود ما دام يقرأ هذَّا كان أو ترتيلًا\".\nوروى ابن ماجه، من حديث بشير بن المهاجر بعضه. وهذا إسناد (حسن) (^١) على شرط مسلم؛ (^٢) [فإن بشيرًا هذا (أخرج) (^٣) له مسلم] (٢)، ووثقه ابن معين. وقال النسائي: ما به بأس، إلا أن الإمام أحمد قال فيه: \"هو منكر الحديث، قد اعتبرت أحاديثه فإذا هي (تجيئ) (^٤) بالعجب\".\nوقال البخاري: \"يخالف في بعض حديثه\". وقال أبو حاتم الرازي: \"يكتب حديثه ولا يحتج به\".\nوقال ابن عدي: \"روى ما لا يتابع عليه\". وقال الدارقطني: \"ليس بالقوى\".\nقلت: ولكن لبعضه (^٥) شواهد؛ فمن ذلك حديث أبي أُمامة الباهلي: قال الإمام أحمد (^٦):\n_________\n= الصحيح\"، وقال السيوطي في \"اللآلئ\" (١/ ٢٤٤): \"سنده صحيح\".\n(^١) كذا في سائر \"الأصول\"، ووقع في (ل): \"جيد\".\n(^٢) ساقط من (ض).\n(^٣) في (ن): \"خرج\" ولم يرو مسلم لبشير بن المهاجر غير حديث واحد في \"كتاب الحدود\" (١٦٩٥/ ٢٣) عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه في رجم الغامدية، وفي سياقه مخالفة لما رواه سليمان بن بريدة عن أبيه.\nوضبط محمد فؤاد عبد الباقي ﵀ \"بشيرًا\" بضم الباء وهو خطأ، والصواب فتحها. والله أعلم.\n(^٤) في (ن): \"تأتي\". وفي \"تهذيب الكمال\" (٤/ ١٧٧): \"فإذا هو يجيئ بالعجب\".\n(^٥) يعني: لأوله، أما آخره فلم يات له المصنف بشاهد.\n(^٦) في \"مسنده\" (٥/ ٢٤٩).\nوأخرجه أيضًا في (٥/ ٢٥٥ - ٢٥٧)؛ وحميد بن زنجويه في \"فضائل القرآن\"، كما في \"الدر المنثور\" (١/ ١٨)، ومن طريقه البغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٢٥٦)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٨/ رقم ٧٥٤٢، ٧٥٤٣)؛ وابن الضريس (٩٨)؛ والحاكم (١/ ٥٦٤)؛ والروياني في \"مسنده\" (ج ٣٠/ ق ٢١٨/ ٢، ٢٢٠/ ٢)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (١٨٢٧)؛ والفلاكي في \"الفوائد\" (ق/ ١١٠/ ١) من طرق عن يحيى بن أبي كثير بسنده سواء.\nورواه عن يحيى: \"أبان بن يزيد، وعلي بن المبارك، وسعيد بن أبي هلال، وهشام الدستوائي\".\nوخالفهم معمر بن راشد، فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي أمامة مرفوعًا مثله؛ أخرجه أحمد (٥/ ٢٥١)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٨/ رقم ٨١١٨) من طريق عبد الرزاق وهو في \"مصنفه\" (ج ٣/ رقم ٥٩٩١)، ويحتمل أن يكون ليحيى بن أبي كثير شيخان فيه. والله أعلم.\nوأخرجه ابن الضريس في \"الفضائل\" (٩٢) من طريق عطاء بن عجلان عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة مرفوعًا بطوله.","vol":"1","page":234},{"text":"حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام، عن أبي أُمامة؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"اقرءوا القرآن فإنه شافع (لأصحابه) (^١) يوم القيامة، اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، يحاجان عن (أهلهما) (^٢). ثم قال: اقرءوا البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة\".\nوقد رواه مسلم (^٣) في \"الصلاة\" من حديث معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده [أبي سلام ممطور الحبشي، عن أبي أُمامة صدي بن عجلان الباهلي، به. الزهراوان: المنيرتان] (^٤). والغياية: ما أظلك من فوقك. والفرق: القطعة من الشيء. والصواف: المصطفة المتضامة. والبطلة: السحرة. ومعنى لا تستطيعها؛ أي: لا يمكنهم حفظها. وقيل لا تستطيع النفوذ في قارئها. والله أعلم.\nومن ذلك: حديث النواس بن سمعان، قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير؛ قال: سمعت النواس بن سمعان الكلابي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمهم سورة البقرة وآل عمران\". وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد؛ قال: \"كأنهما غمامتان، أو ظلتان سوداوان بينهما (شرق) (^٦) أو كأنهما فرقان من طير (صواف) (^٧) يحاجان عن صاحبهما\".\nورواه مسلم، عن إسحاق بن منصور، عن يزيد بن عبد ربه، به.\nوالترمذي من حديث الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، به. وقال: \"حسن غريب\" (^٨).\n_________\n(^١) في (ن): \"لأهله\" وفي (هـ): \"لصاحبه\" بالإفراد.\n(^٢) في (ل) و(ن): \"أهلهما يوم القيامة\" وهذه الزيادة ليست في \"المسند\" أيضًا.\n(^٣) في \"صحيحه\" (٨٠٤/ ٢٥٢).\nوأخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ١٢١، ١٢٢، ١٢٥، ١٢٦)؛ والحاكم (٢/ ٢٨٧).\nومن طريقه البيهقي في \"الشعب\" (٢١٥٦)؛ وفي \"الكبرى\" (٢/ ٣٩٥)؛ وفي \"الصغرى\" (٩٥٦)؛ وفي \"الأسماء\" (٢/ ٢١٤)؛ والطبراني في \"الكبير\" (٧٥٤٤) وفي \"الأوسط\" (٤٦٨)؛ وابن عساكر في \"تاريخه\" (ج ٦/ ق ٦٢٨)؛ والجورقاني في \"الأباطيل\" (٦٧٨) من طرق عن معاوية بن سلام بسنده سواء. وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن زيد إلا معاوية بن سلام\".\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) في \"مسنده\" (٤/ ١٨٣).\nوأخرجه مسلم (٨٠٥/ ٢٥٣)؛ والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢/ ١٤٧، ١٤٨)؛ والترمذي (٢٨٨٣)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٥٧) من طريق الوليد بن عبد الرحمن بسنده سواء.\n(^٦) في (ك): \"شرف\" بالفاء! والشرق، بسكون الراء: الضوء كما في \"النهاية\" (٢/ ٤٦٤).\n(^٧) في (ج): \"صاف\".\n(^٨) ووقع في مطبوعة \"السنن\": \"غريب\" وهي كثيرة السقط والتصحيف.\nوقال الترمذي عقب الحديث: \"ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم أنه يجيئ ثواب قراءته، كذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث وما يشبه هذا من الأحاديث أنه يجيئ ثواب قراءة القرآن، وفي حديث النواس عن النبي ﷺ ما يدل على ما فسروا، إذ قال النبي ﷺ: \"وأهله الذين يعملون به في الدنيا\" ففي هذا دلالة أنه يجيئ ثواب العمل\".","vol":"1","page":235},{"text":"وقال أبو عبيد (^١): حدثنا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير؛ قال: قال حماد: أحسبه عن أبي منيب، عن عمه - أن رجلًا قرأ البقرة وآل عمران، فلما قضى صلاته قال له كعب: أقرأت البقرة وآل عمران؟ قال: نعم. قال: فوالذي نفسي بيده، إن فيهما اسم الله الذي إذا دعي به (استجاب) (^٢).\nقال: فأخبرني به. قال: لا، والله لا أخبرك به، ولو أخبرتك به لأوشكت أن تدعوه بدعوة أهلكُ فيها أنا وأنت.\nوحدثنا (^٣) عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر - أنه سمع أبا أُمامة يقول: إن أخًا لكم أُرى في المنام أن الناس يسلكون في صدع جبل وعر طويل، وعلى رأسى الجبل شجرتان خضراوان يهتفان: هل فيكم (من) (^٤) يقرأ سورة البقرة؟ وهل فيكم (من) (٢) يقرأ سورة آل عمران؟ قال: فإذا قال الرجل نعم دنتا منه بأعذاقهما حتى يتعلق بهما فتخطران به الجبل.\nوحدثنا (^٥) عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي عمران -أنه سمع أم الدرداء- تقول: إن رجلًا ممن قرأ القرآن أغار على جار له فقتله، وإنه أُقيد (منه) (^٦) فقتل؛ فما زال القرآن ينسل منه سورةً سورةً حتى بقيت البقرة وآل عمران جمعة؛ ثم إن آل عمران انسلت منه وأقامت البقرة جمعة؛ فقيل لها: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق] قال: فخرجت كأنها السحابة العظيمة.\nقال أبو عبيد: أراه يعني أنهما كانتا معه في قبره تدفعان عنه وتؤنسانه، فكانتا من آخر ما بقي معه من القرآن.\nوقال أيضًا (^٧): حدثنا (أبو مسهر) (^٨) الغساني، عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي - أن يزيد بن الأسود الجرشي كان يحدث أنه من قرأ البقرة وآل عمران في يوم برئ من النفاق حتى يمسي، ومن قرأهما في ليلة برئ من النفاق حتى يصبح. قال: فكان يقرؤهما كل يوم وليلة سوى جزئه.\n_________\n(^١) في \"فضائل القرآن\" (ص ١٢٦).\nوأخرجه ابن الضريس (١٧٠) قال: أخبرنا علي بن عثمان، ثنا حماد بسنده سواء.\nوأخرجه أيضًا (١٦٩) عن موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن عبد الملك بن عمير، عن رجل أن رجلًا قام فقرأ البقرة وآل عمران وكعب جالس. وساقه مثله.\n(^٢) كذا في كل \"الأصول\" وهو الموافق لما في \"فضائل أبي عبيد\". ووقع في (ج): \"أجاب\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد (ص ١٢٦)؛ والدارمي (٢/ ٣٢٤) قالا: حدثنا عبد الله بن صالح بسنده سواء وسنده جيد.\n(^٤) في (ن): \"قارئ\".\n(^٥) أخرجه أبو عبيد (ص ١٢٦، ١٢٧) وسنده حسن. وأبو عمران الأنصاري مختلف في اسمه، وثقه ابن حبان وقال أبو حاتم: \"صالح\".\n(^٦) في (ز) و(ن): \"به\".\n(^٧) يعني أبا عبيد في \"فضائله\" (ص ١٢٧) ولم يعزه السيوطي في \"الدر\" (١/ ١٩) لغيره ورجاله ثقات، لكنه منقطع فيما يظهر لي بين سعيد بن عبد العزيز ويزيد بن الأسود.\n(^٨) في (ن): \"أبو سمير\".","vol":"1","page":236},{"text":"وحدثنا (^١) يزيد عن (وقاء) (^٢) بن إياس، عن سعيد بن جبير؛ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان -أو كتب- من القانتين.\nفيه انقطاع، ولكن ثبت في \"الصحيحين\" (^٣) أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في ركعة واحدة.\nذكر ما ورد في فضل السبع الطول:\nقال أبو عبيد (^٤): حدثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي، عن محمد بن شعيب، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ؛ قال: \"أعطيت السبع الطِّوَل مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل\".\nهذا حديث غريب (^٥). وسعيد بن بشير فيه لين.\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ١٢٧).\nوأخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (٤٨٥) ومن طريقه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٢٠١) من طريق مروان بن معاوية قال: نا وقاء بن إياس الأسدي، قال: سمعني سعيد بن جبير ليلة وأنا أقرأ البقرة وآل عمران والنساء، قال: ألم أسمعك قرأت البارحة البقرة والنساء وآل عمران؟ قلت: بلى قال: فلا تفعل، عليك بآل حم والمفصل، فقد قال عمر بن الخطاب ﵁: من قرأ البقرة والنساء وآل عمران كتب عند الله من الحكماء. وسنده ضعيف ومنقطع. ووقاء بن إياس مشاه أبو حاتم وابن عدي وضعفه يحيى القطان وأحمد والنسائي والساجي وغيرهم. وسعيد بن جبير لم يدرك عمر. والله أعلم واختصر البيهقي المحاورة التي بين وقاء وسعيد بن جبير.\n(^٢) كذا في (ع) و(ن) و(هـ) و(ي) ووقع في (ح) و(ز) و(ك) و(ل): \"ورقاء\" وهو خطأ.\n(^٣) كذا قال! وعزوه للبخاري وهم، فقد انفرد به مسلم، وتقدم تخريجه، ولله الحمد.\n(^٤) في \"فضائل القرآن\" (ص ١٢٠).\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ١٧/ رقم ١٨٧) من طريق هشام بن عمار، ثنا محمد بن شعيب بن شابور بسنده سواء؛ وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٢٦)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (٢٢٥٦) من طريقين آخرين عن سعيد بن بشير بسنده سواء.\nوهذا سند واهٍ، وسعيد بن بشير واه في قتادة، ومن ثم استغربه المصنف وكان الأولى أن يورد رواية عمران بن داور القطان، عن قتادة بسنده مثله، فإنها أقوى من رواية سعيد بن بشير. ورواية عمران هذه أخرجها أحمد (٤/ ١٠٧)؛ وابن جرير في \"تفسيره\" (١٢٦)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٢/ ١٥٤)؛ والبيهقى في \"الشعب\" (٢١٩٢)؛ وأبو جعفر النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (٥٥٧) من طريق الطيالسي، وهو في \"مسنده\" (١٠١٢) قال: حدثنا عمران بن داور فذكره. وتوبع الطيالسي.\nتابعه عمرو بن مرزوق، قال: أخبرنا عمران بن داور بسنده سواء.\nأخرجه الطبراني في \"الكسر\" (ج ٢٢/ رقم ١٨٦)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٢٥٥).\nوصحح إسناده الشيخ العلامة أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (١/ ١٠٠) وفيه تساهل، لأن عمران بن داور مختلف فيه فقد ضعفه ابن معين والنسائي وأبو داود والعقيلي وغيرهم ووثقه ابن حبان ومشاه أحمد وابن عدي وغيرهما.\nوعزاه شيخنا أبو عبد الرحمن الألباني، حفظه الله، في \"الصحيحة\" (١٤٨٠)؛ لابن منده في \"المعرفة\" (٢/ ٢٠٦/ ٢) وقال: \"وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عمران القطان فهو حسن الحديث للخلاف المعروف فيه\".\n(^٥) تعقبه الشيخ أبو الأشبال ﵀ في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (١/ ١٠٠) بقوله: \"وهو تعليل غير محرر! فإن سعيد بن بشير لم يتفرد به كما هو ظاهر\". اهـ.","vol":"1","page":237},{"text":"وقد رواه أبو عبيد (^١) عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن سعيد بن أبي هلال؛ قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ-قال:. . . فذكره. والله أعلم.\nثم قال (^٢): حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن حبيب بن هند الأسلمي، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ؛ قال: \"من أخذ السبع فهو حبر\".\nوهذا أيضًا غريب. وحبيب بن هند بن أسماء بن (هند) (^٣) بن حارثة الأسلمي. وروى عنه عمرو بن (أبي) (^٤) عمرو، وعبد الله بن أبي بكرة، وذكره أبو حاتم الرازي ولم يذكر فيه جرحًا. فالله أعلم.\nوقد رواه الإمام أحمد، عن سليمان بن داود، وحسين؛ كلاهما عن إسماعيل بن جعفر، به.\nورواه أيضًا عن أبي سعيد، عن سليمان بن بلال، عن حبيب بن هند، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: \"من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حبر\".\nقال أحمد (^٥): وحدثنا حسين، حدثنا ابن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (مثله) (^٦) قال عبد الله بن أحمد: وهذا أرى فيه: \"عن أبيه عن الأعرج\"، ولكن كذا كان في الكتاب، فلا أدري أغفله أبي أو كذا هو مرسل؟\n[وروى الترمذي (^٧)، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ بعث بعثًا وهم ذوو عدد وقدَّم عليهم أحدثهم سنًّا لحفظه سورة البقرة؛ وقال له: \"اذهب فأنت أميرهم\". وصححه الترمذي] (^٨).\n_________\n(^١) في \"فضائل القرآن\" (ص ١٢٠) وقال عقبه: قال عبد الله؛ يعني: ابن صالح، لم يحفظ الليث عن سعيد إلا أحاديث، هذا أحدها. اهـ وسنده ضعيف معضل. والله أعلم.\n(^٢) يعني: أبا عبيد في \"الفضائل\" (ص ١٢٠).\nوأخرجه أحمد (٦/ ٧٢، ٧٣)؛ وابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ١٢٠)؛ والحاكم (١/ ٥٦٤)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٢/ ١٥٤)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢١٩١)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٤٦٨) من طريق إسماعيل بن جعفر بسنده سواء.\nقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي!\nووقع عند الحاكم والبغوي: \"خير\" بالخاء المعجمة والياء بدل \"حبر\" بالمهملة والموحدة.\nوتوبع إسماعيل بن جعفر. تابعه اثنان ممن وقفت عليهما.\nأولهما: عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو.\nأخرجه الفريابي في \"فضائل القرآن\" (٦٥)؛ والبزار في \"مسنده\" (ج ٣/ رقم ٢٣٢٧)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٢/ ١٥٣، ١٥٤)؛ والبغوي (٤/ ٤٦٨).\nثانيهما: سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو.\nأخرجه أحمد (٦/ ٨٢)؛ والخطيب في \"تاريخه\" (١٠/ ١٠٨)؛ وابن الجوزي في \"الواهيات\" (١٤٩).\nقلت: وهذا سند ضعيف وحبيب بن هند ترجمه البخاري في \"الكبير\" (١/ ٢/ ٣٢٧)؛ وابن أبي حاتم (١/ ٢/ ١١٠) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وهو مجهول الحال، ولا أعلم أحدًا تابعه عليه. والله أعلم.\n(^٣) في (ن): \"هندب\"!\n(^٤) ساقط من (ن).\n(^٥) في \"المسند\" (٦/ ٧٣).\n(^٦) ساقط من (ج) و(ل).\n(^٧) مرّ تخريجه في أول السورة.\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":238},{"text":"ثم قال أبو عبيد (^١): حدثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير - في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] قال: هي السبع الطول: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس. قال: وقال مجاهد: هي السبع الطول. وهكذا قال مكحول، وعطية بن قيس، وأبو محمد (الفارسي) (^٢)، وشداد بن أوس، ويحيى بن الحارث الذماري في تفسير الآية بذلك وفي تعدادها وأن يونس هي السابعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-70>فصل</span>\nوالبقرة جميعها مدنية بلا خلاف؛ (^٣) [وهي من أوائل ما نزل بها، لكن قوله تعالى فيها: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ. . .﴾ الآية [البقرة: ٢٨١] يقال: إنها آخر ما نزل من القرآن. ويحتمل أن تكون منها؛ وكذلك آيات الربا من (أواخر) (^٤) ما نزل؛ وكان خالد بن معدان يسمى البقرة فسطاط القرآن] (٣).\nقال بعض العلماء: وهي مشتملة على ألف خبر، وألف أمر، وألف نهى.\nوقال العادون: آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات. وكلماتها ستة آلاف كلمة (ومائة) (^٥) وإحدى وعشرون كلمةً. وحروفها خمسة وعشرون ألفًا وخمسمائة - حرف فالله أعلم.\nقال ابن جريج (^٦)، عن عطاء، عن ابن عباس: نزلت بالمدينة سورة البقرة.\nوقال خصيف (^٧)، عن مجاهد، عن عبد الله بن الزبير؛ قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة.\nوقال الواقدي (^٨): حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه؛ قال: نزلت البقرة بالمدينة. وهكذا قال غير واحد من الأئمة والعلماء والمفسرين؛ ولا خلاف فيه.\nوقال ابن مردويه (^٩): حدثنا محمد بن معمر، حدثنا الحسن بن علي بن الوليد\n_________\n(^١) في \"الفضائل\" (ص ١٢٠).\nوأخرجه ابن جرير (٤/ ٥٣)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (٢١٩٥) من طريق سعيد بن منصور، وهذا في \"تفسيره\" (ق ١٤٦/ ١) قال: حدثنا هشيم فذكره ووقع عند سعيد مختصرًا جدًّا وعزاه السيوطي في \"الدر\" (٤/ ١٠٥)؛ لابن الضريس وابن المنذر وابن أبي حاتم. ويأتي تخريجه في سورة الحجر إن شاء الله تعالى.\n(^٢) كذا في (ز) و(ك) و(ن) ووقع في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ى): \"القاري\".\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) في (ن): \"آخر\".\n(^٥) في (ن): \"مائتان\".\n(^٦) أخرجه ابن الضريس في \"الفضائل\" (١٨) من طريق ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، وعزاه في \"الدر\" (١/ ١٧) لأبي جعفر النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\"؛ وابن مردويه؛ والبيهقي في \"الدلائل\" من طرق عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه ابن مردويه، كما في \"الدر المنثور\" (١/ ١٧).\n(^٨) والواقدي متروك.\n(^٩) في \"تفسيره\"، كما في \"اللآلئ المصنوعة\" (١/ ٢٣٩)؛ وأخرجه ابن الضريس، كما في \"الدر المنثور\" (١/ ١٨)؛ والطبراني في \"الأوسط\" (ج ٢/ ق ٥٢/ ٢)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٤١٨)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٣٤٦)؛ وابن قانع في \"فوائده\"، كما في \"الفتح\" (٩/ ٨٨)، وعنه ابن الجوزي في=","vol":"1","page":239},{"text":"(الفارسي) (^١)، حدثنا خلف بن هشام؛ وحدثنا (عُبيس) (^٢) بن ميمون، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقولوا سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذا القرآن كله؛ ولكن قولوا: السورة التي يذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران؛ وكذا القرآن كله\".\nهذا حديث غريب لا يصح رفعه (عبيس) (^٣) بن ميمون هذا (هو) (^٤) (أبو) (^٥) سلمة الخواص، وهو ضعيف الرواية لا يحتج به.\nوقد ثبت في (\"الصحيح\") (^٦)، عن ابن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه؛ ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. أخرجاه.\nوروى ابن مردويه (^٧). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= \"الموضوعات\" (١/ ٢٥٠) من طريق عبيس بن ميمون، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه مرفوعًا.\nقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن موسى بن أنس إلا عبيس بن ميمون، تفرد به خلف بن هشام، ولا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد\".\n* قلت: أما قول الطبراني: تفرد به خلف، فليس كذلك فتابعه جعفر بن عبد الله بن الزبرقان، حدثني أبو عبيدة عبيس الخزاز فذكره. أخرجه البيهقي في \"الشعب\".\nوهذا حديث منكر، قال البيهقي: \"عبيس بن ميمون منكر الحديث، وهو لا يصح وإنما يروى فيه عن ابن عمر من قوله\".\nونقل العقيلي عن عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: \"هذا منكر\" وكذلك نقل ابن الجوزي عن أحمد. ونقل السيوطي في \"اللآلئ\" (١/ ٢٣٩) عن الحافظ ابن حجر أنه انتقد ابن الجوزي في إيراده الحديث في \"الموضوعات\"، فقال في \"الأمالي\": \"أفرط ابن الجوزي في إيراد هذا الحديث في \"الموضوعات\"، ولم يذكر مستنده، إلا قول أحمد وتضعيف عبيس، وهذا لا يقتضي وضع الحديث، وقد قال الفلاس في عبيس: هو صدوق يخطئ كثيرًا\". اهـ ولذلك ضعف إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ١٨) وسبقه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٨٨).\nوالصواب في هذا الحديث الوقف، فقد أخرج البيهقي في \"الشعب\" (ج ٥/ رقم ٢٣٤٧) بسند صحيح عن ابن عمر قال: \"لا تقولوا سورة البقرة، ولكن قولوا السورة التي يذكر فيها البقرة\" وكان الحجاج بن يوسف الثقفي تلقى هذا عن ابن عمر، فكان ينهى أن يقال: \"سورة كذا\" كما يأتي ذكره قريبًا إن شاء الله تعالى.\n(^١) ساقط من (ز).\n(^٢) تصحف في \"الأصول\" إلى \"عيسى\".\n(^٣) تصحف في \"الأصول\" إلى \"عيسى\".\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) في (ز): \"ابن\"!!\n(^٦) في (ز): \"الصحيحين\" وهو فيهما وقد مرّ تخريجه.\n(^٧) وأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (ج ٦/ رقم ٣٦٠٦)؛ والطبراني في \"الأوسط\" (٢٧٥٨) من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا عمرو بن عاصم، ثنا أبو العوام عمران القطان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: لما كان يوم حنين، انهزم الناس عن رسول الله ﷺ إلا العباس بن عبد المطلب وأبا سفيان بن الحارث، وأمر رسول الله ﷺ أن ينادي: يا أصحاب سورة البقرة، يا معشر الأنصار!، ثم استحر النداء في بني الحارث بن الخزرج، فلما سمعوا النداء أقبلوا، فوالله ما شبهتهم إلا بالإبل تحن إلى أولادها، فلما التقوا التحم القتال فقال رسول الله ﷺ: \"الآن حمي الوطيس\" وأخذ كفًّا من حصًى أبيض، فرمى به وقال: \"هزموا ورب الكعبة\" وكان علي بن أبي طالب ﵁ يومئذٍ أشد الناس قتالًا بين يديه.\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ١٨١): \"رجالهما رجال الصحيح غير عمران بن داور القطان وهو أبو العوام وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين وغيره\"، وحسنه محقق مسند \"أبي يعلى\" ولم يصب لأنه معل، فقد=","vol":"1","page":240},{"text":"من حديث شعبة، عن عقيل بن طلحة، عن عتبة بن (فرقد) (^١) قال: رأى النَّبِيّ ﷺ في أصحابه تأخرًا، فقال: \"يا أصحاب سورة البقرة\". وأظن هذا كان يوم حنين (حين) (^٢) ولّوا مدبرين أمر العباس، فناداهم: [\"يا أصحاب الشجرة\"؛ يعني: أهل بيعة الرضوان. وفي رواية] (^٣): \"يا أصحاب (سورة) (^٤) البقرة\" (ينشطهم) (^٥) بذلك؛ فجعلوا يقبلون من كل وجه. وكذلك يوم اليمامة (^٦) مع أصحاب مسيلمة جعل الصحابة يفرون لكثافة (جيش) (^٧) بني حنيفة؛ فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون: يا أصحاب سورة البقرة، حتَّى فتح الله عليهم، رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.\n﷽\n\n<span id=\"aya-8\"></span>﴿الم (١)﴾\nقد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور؛ فمنهم من قال: هي مما استأثر الله بعلمه، فردوا علمها إلى الله، ولم يفسروها [حكاه القرطبي في \"تفسيره\" (^٨)، عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود ﵃ (أجمعين) (^٩)؛ وقاله عامر الشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن خثيم. واختاره أبو حاتم بن حبان] (^١٠). ومنهم من فسرها؛ واختلف هؤلاء في معناها؛ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما هي أسماء السور [قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في \"تفسيره\" (^١١): وعليه إطباق الأكثر، ونقل عن سِيْبَويَه أنه نص عليه] (^١٠).\nويعتضد (هذا) (^١٢) بما ورد في \"الصحيحين\" (^١٣) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم (١)﴾ و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.\n_________\n= خولف عمران القطان، خالفه عبد الرزاق، فرواه في \"مصنفه\" (ج ٥/ رقم ٩٧٤١) عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب، عن أبيه العباس قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فساقه مطولًا. وليس فيه: \"يا أصحاب سورة البقرة\".\nومن طريق عبد الرزاق: أخرجه مسلم (١٢/ ١١٧ - شرح النووي)؛ وأحمد (١٧٧٥) وأبو عوانة (٤/ ٢٠١ - ٢٠٣) وتابعه ابن المبارك، ومحمد بن ثور، ومحمد بن حميد العبدي جميعًا عن معمر عن الزهري بسنده سواء.\n(^١) وقع في (ج) و(ل) و(ن): \"مرثد\". وفي (ع) و(هـ) و(ي): \"مزيد\" ووقع في (ز) و(ك): \"مربد\" وكله خطأ، والصواب أنه: \"عتبة بن فرقد\"، وانظر لذلك \"الإصابة\" (٤/ ٤٣٩) للحافظ ابن حجر ﵀.\n(^٢) في (ن): \"يوم\".\n(^٣) ساقط من (ج).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ك) و(ل).\n(^٥) في (ز) و(ن): \"لينشطهم\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (ج ٥/ رقم ٩٤٦٥) عن معمر. وابن أبي شيبة (١٢/ ٥٠٣)، عن وكيع وسعيد بن منصور في \"سننه\" (ج ٢/ رقم ٢٩٠٨) عن يعقوب بن عبد الرحمن ثلاثتهم عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان شعار المسلمين يوم مسيلمة: يا أصحاب سورة البقرة. وهو مرسل.\n(^٧) في (ز): \"حشر\".\n(^٨) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١/ ١٥٤).\n(^٩) زيادة من (ن).\n(^١٠) ساقط من (ز).\n(^١١) في \"الكشاف\" (١/ ١٠).\n(^١٢) في (ن): \"لهذا\".\n(^١٣) أخرجه البخاري (٢/ ٣٧٧، ٥٥٢)؛ ومسلم (٨٨٠/ ٦٥، ٦٦) وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":241},{"text":"وقال سفيان (^١) الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال: ﴿الم (١)﴾ و﴿حم (١)﴾ و﴿المص (١)﴾ و﴿ص﴾ فواتح افتتح الله بها القرآن. وكذا قال غيره (^٢) عن مجاهد.\nوقال مجاهد (^٣) - في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عنه أنه قال -: ﴿الم (١)﴾ اسم من أسماء القرآن.\nوهكذا قال قتادة (^٤)، وزيد بن أسلم (^٥): ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن (^٥) بن زيد (بن أسلم) (^٦): إنه اسم من أسماء السور؛ فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون ﴿المص (١)﴾ اسمًا للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت ﴿المص (١)﴾ أنما ذلك عبارة (عن) (^٧) سورة الأعراف لا لمجموع القرآن. واللّه أعلم.\nوقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى؛ (قال) (^٨) الشعبي (^٩): فواتح السور من أسماء الله (تعالى) (^١٠) وكذلك قال سالم بن عبد الله، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي (^١١) الكبير.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٢٣٠) بسند قوي. وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٢٣)؛ لابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) كابن جريج. أخرجه ابن جرير (٢٣١)؛ وابن أبي حاتم (٥١) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله وصرح ابن جريج بالتحديث عند ابن أبي حاتم؛ وأخرجه ابن جرير (٢٢٨) عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن جريج.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٢٢٦) قال: حدثني المثنى بن إبراهيم الآملي، ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود به وشيخ ابن جرير: المثنى لم أجد له ترجمة، ولم يزد الشيخ أبو الأشبال ﵀ في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (١/ ١٧٦) إلا أن قال: \"يروى عنه الطبري كثيرًا في التفسير و\"التاريخ\"، وقد راجعت\"التاريخ\" و\"تهذيب الآثار\" فلم يتكلم المحققون عليه بشيء، ثم وقفت له على متابع والحمد لله. فتابعه أبو حاتم الرازي قال: ثنا أبو حذيفة بسنده سواء. أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥٠).\nوأبو حذيفة مختلف فيه، وهو جيد الحديث إلا عن الثوري، وشيخه هنا؛ هو شبل بن عباد المكي وبقية رجال السند معروفون، فالإسناد حسن والله أعلم. ثم رأيت في \"كتاب الإرشاد\" (ص ٣٩٣) لأبي يعلى الخليلي أنه قال: \"وتفسير ابن عباد المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: قريب من الصحة\". اهـ.\nفالحمد لله على التوفيق.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٣٩) ومن طريقه ابن جرير (٢٢٥) عن معمر، عن قتادة.\nوسنده صحيح، وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٢٢)؛ لابن أبي حاتم وعبد بن حميد، أما ابن أبي حاتم فلم يروه، إنما أشار إلى القول فقط.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٢٣٢).\n(^٦) زيادة من (ن).\n(^٧) ساقط من (ز).\n(^٨) في (ز) و(ن): \"فقال\".\n(^٩) أخرجه ابن أبي شيبة في \"تفسيره\"، وعبد بن حميد، وابن المنذر، كما في \"الدر\" (١/ ٢٢). [أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي شيبة عن سويد بن عمرو، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم عن عامر الشعبي].\n(^١٠) من (ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(ي).\n(^١١) أخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١/ ١٦٥) من طريق محمد بن سليمان الباغندي الكبير، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن السدي. وسنده جيد. وعزاه السيوطي في \"الدرر\" (١/ ٢٢) لأبي الشيخ.","vol":"1","page":242},{"text":"وقال شعبة، عن السدي: بلغني أن ابن عباس قال: ﴿الم (١)﴾ اسم من أسماء الله (تعالى) (^١) الأعظم؛ هكذا رواه ابن أبي حاتم (^٢)، من حديث شعبة.\nورواه ابن جرير (^٣)، عن بندار، عن ابن مهدي، عن شعبة؛ قال: سألت السدي عن ﴿حم (١)﴾ [غافر: ١] و﴿طس﴾ [النمل: ١] و﴿الم (١)﴾ فقال: قال ابن عَبَّاس: هي اسم الله الأعظم.\nوقال ابن جرير (^٤): وحدثنا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا أبو النعمان، حَدَّثَنَا شعبة، عن إسماعيل السدي، عن مرة الهمداني؛ قال: قال عبد الله … فذكر نحوه.\n[وَحُكِىَ مثله عن علي، وابن عباس] (^٥).\nوقال علي بن أبي طلحة (^٦)، عن ابن عباس: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى.\n_________\n(^١) زيادة من (ج) و(ل) و(هـ).\n(^٢) في \"تفسيره\" (٤٤) من طريق يحيى بن عباد، عن شعبة. [وسنده ضعيف لأن السدي رواه بلاغًا].\n(^٣) في \"تفسيره\" (٢٣٣) قال: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة. فقول ابن كثير: \"رواه ابن جرير عن بندار\" سبق قلم، و\"بندار\" لقب لمحمد بن بشار، وهو من شيوخ الطبري أيضًا، وإنما رواه الطبري عن محمد بن المثنى، لا عن محمد بن بشار إلا أن يكون التصحيف وقع في \"تفسير الطبري\" والله أعلم، ثم ابن مهدي أثبت في شعبة من يحيى بن عباد الضبعي، ولكن رواية ابن مهدي تؤول إلى رواية يحيى بن عباد، فإنه يبعد سماع السدي من ابن عباس، إنما يروى عنه بواسطة، وليس له عن ابن عباس في الكتب الستة ولا في مسند أحمد غير حديث واحد رواه أبو داود (٣٠٤١) في \"كتاب الخراج\"، فعلق عليه المنذري في \"تهذيب سننن أبي داود\" (٤/ ٢٥١) بقوله: \"في سماع السدي من عبد الله بن عباس نظر، وإنما قيل: إنه رآه، ورأى ابن عمر، وسمع من أنس بن مالك ﵃ \". اهـ.\n(^٤) في \"تفسيره\" (٢٣٤).\n(^٥) ساقط من (ز).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٢٣٦) من طريق أبي صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة وهذه الصحيفة عن ابن عباس، والتي يرويها علي بن أبي طلحة في ثبوتها اختلاف بين أهل العلم، لأنهم أجمعوا على أن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، ولم يره. صرّح بذلك دحيم وأبو حاتم الرازي، كما في \"المراسيل\" (ص ١٤٠)؛ وابن معين، كما في سؤالات يزيد بن الهيثم، رقم (٢٦٠)؛ وابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٢١١)؛ والخطيب في \"الموضح\" (١/ ٣٥٥)، ونقل الإجماع أبو يعلى الخليلي في \"الإرشاد\" (ص ٣٩٤) وتبعهم في ذلك الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٥١)؛ والشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٢٧، ٥٢٨؛ و٣/ ٢٢٣ و٧/ ٥٣٨)، وشيخنا الألباني في \"الصحيحة\" (١٥٧٥).\nبينما يقول السيوطي في \"الإتقان\" (٢/ ٥): \"وطريق علي بن أبى طلحة عن ابن عباس من أصح الطرق عنه\". وعليها اعتمد البخاري في \"صحيحه\". اهـ. وأومأ الحافظ ابن حجر إلى ثبوتها فقال في \"الفتح\" (٨/ ٤٣٨، ٤٣٩): \"وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث، رواها عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهي عند البخاري، عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في \"صحيحه\" فيما يعلقه عن ابن عباس\". وقد أسند أبو جعفر النحاس في \"معاني القرآن\" عن أحمد بن حنبل قال: \"إن بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا، ما كان كثيرًا\" وليس قول أحمد صريحًا في ثبوتها، ما فيها إلا الإيماء، وإنما صححها من قبلها من العلماء على اعتبار أن عليًا يرويها عن مجاهد، فقد ذكر المزي في \"التهذيب\" (٢٠/ ٤٩٠) رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ثم قال: \"مرسل بينهما مجاهد\"، ولو ثبت عندنا أن الواسطة مجاهد لحكمنا بقوة هذا الإسناد، وقال السيوطي =","vol":"1","page":243},{"text":"وروى ابن أبي حاتم، وابن جرير (^١)، من حديث ابن عُلية، عن خالد الحذاء، عن عكرمة - أنه قال: ﴿الم (١)﴾ قسمٌ.\nورَويا (^٢) أيضًا من حديث شريك بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: ﴿الم (١)﴾ قال: أنا الله أعلم. وكذا قال سعيد بن جبير (^٣).\nوقال السدي (^٤)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ ﴿الم (١)﴾ قال: أما ﴿الم (١)﴾ فهي حروف استفتحت من حروف هجاء (اسم) (^٥) الله تعالى.\nوقال أبو جعفر (^٦) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿الم (١)﴾ - قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفًا: دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.\nقال عيسى بن مريم ﵇، وعجب؛ فقال: وأعجب أنهم ينطقون بأسمائه، ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون به؟ فالألف مفتاح (اسمه) (^٧) \"الله\"، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، فالألف آلاء الله، واللام لطف الله، والميم مجد الله، والألف سنة، واللام (ثلاثون) (^٨)\n_________\n= في \"الإتقان\" (٤/ ٢٠٧): \"وقال قوم: لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير، وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير، قال ابن حجر: بعد أن عرفت الواسطة، وهو ثقة، فلا ضير من ذلك\". اهـ. وقد علقها البخاري بصيغة الجزم عن ابن عباس، ولم يمرض الصيغة إلا في موضعين (٨/ ٢٤٥، ٥٦٣) ومرضها أيضًا في موضعين آخرين (٨/ ٦٨٥، ٧١١) من طريق آخر عن ابن عباس، وفي النفس غصة من تجويد هذا الإسناد، ولم أقف على قائل هذا القول: أن الواسطة بين ابن أبي طلحة وابن عباس هو مجاهد أو سعيد بن جبير، ولا على دليله على ذلك، ولقد مررت على كثير من كتب الحديث فلم أر لعلي بن أبي طلحة عن مجاهد إلا الحرف بعد الحرف، ولو سلمنا أنه روى عن مجاهد هذه الصحيفة، وهي طويلة، فما المصلحة من إسقاطه، وجعل السند منقطعًا؛ والذي يترجح عندي هو ضعف هذا الإسناد واللّه أعلم. [يمكن الوقوف على ذكر الواسطة بأنه مجاهد في مقدمة التفسير الصحيح فقد صرّح النسائي في تفسيره وابن زنجويه في الأموال].\n(^١) في \"تفسيره\" (٥٢) قال: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج. وابن جرير (٢٣٧) قال: حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم كلاهما قال: ثنا ابن علية بسنده سواء. وإسناده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣)؛ وابن جرير (٢٣٨)؛ والنحاس في \"القطع والائتناف\" (ص ١٩١)؛ والبيهقي في \"الصفات\" (١/ ١٦٤) وسنده ضعيف، لضعف شريك النخعي، واختلاط عطاء بن السائب.\nوعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٢٢) لوكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٢٣٩) وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٢٤٠)؛ والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١/ ١٦٥) وسنده حسن.\n(^٥) في (ز) و(ن): \"أسماء\". [وسنده ضعيف لأن السدي خلط بين الأسانيد].\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩). وهو عند ابن جرير (٢٤٣، ٢٤٤) من وجهين آخرين عن أبي جعفر الرازي لكنه جعله من قول الربيع بن أنس حسب. [وسنده جيد].\n(^٧) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ي) ووقع في (ز) و(ك) و(ن): \"اسم\".\n(^٨) ساقط من (ج).","vol":"1","page":244},{"text":"سنة، والميم أربعون (سنة) (^١).\nهذا لفظ ابن أبي حاتم. ونحوه رواه ابن جرير؛ ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال، ويوفق بينها، وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخَر، وأن الجمع ممكن؛ فهي أسماء للسور، ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور؛ فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته؛ كما افتتح سورًا كثيرةً بتحميده وتسبيحه وتعظيمه؛ قال: ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله، وعلى صفة من صفاته، وعلى مدة؛ وغير ذلك؛ كما ذكره الربيع بن أنس، عن أبي العالية؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على (معان) (^٢) كثيرة؛ كلفظة \"الأمة\"؛ فإنها تطلق ويراد به الدين؛ كقوله (تعالى) (^٣): ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] وتطلق ويراد بها الرجل المطيع للّه؛ كقوله (تعالى) (^٢): ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ [النحل] وتطلق ويراد بها الجماعة؛ كقوله (تعالى) (^٢): ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وقوله (تعالى) (^٢): ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] وتطلق ويراد بها الحين من الدهر؛ كقوله (تعالى) (^٢): ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أي: بعد حين، على أصح القولين - قال: فكذلك هذا.\nهذا حاصل كلامه موجهًا؛ ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية؛ فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معًا، (ولفظ) (^٤) \"الأمة\" وما (أشبهه) (^٥) من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دلَّ في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول، ليس هذا موضع البحث فيها. والله أعلم.\nثم إن (لفظ) (^٦) \"الأمة\" يدلُّ على كل من (معانيه) (^٧) في سياق الكلام بدلالة الوضع، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدلُّ على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخَر في التَّقديرُ أو الإضمار بوضع ولا بغيره؛ فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف.\nوالمسألة مختلف فيها، وليس فيها إجماع حتَّى يحكم به، وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدلُّ على ما حذف بخلاف هذا؛ كما قال الشاعر (^٨):\nقلنا لها قفى لنا فقالت قاف … لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف\nتعني: وقفت.\n_________\n(^١) ساقط من (ز).\n(^٢) في (ج): \"معاني\" بإثبات الياء.\n(^٣) من (ن).\n(^٤) كذا في (ص) وفي سائر \"الأصول\": \"لفظة\" وقد اخترت ما في (هـ) لأن المصنف سيكررها.\n(^٥) كذا في سائر \"الأصول\"، وفى (ز) و(ن): \"أشبهها\".\n(^٦) في (ك) و(ن): \"لفظة\".\n(^٧) كذا في سائر \"الأصول\"، وفي (ن): \"معانيها\".\n(^٨) هذا الرجز للوليد بن عقبة كما ذكر الشيخ محمود شاكر في تحقيقه \"الطبري\" (١/ ٢١٢). والإيجاف: حث الدابة على سرعة السير.","vol":"1","page":245},{"text":"وقال الآخر (^١):\nما للظليم عال؟ كيف لايا … ينقد عنه جلده إذا يا\nفقال ابن جرير: كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من يفعل.\nوقال الآخر (^١):\nبالخير خيرات وإن شرًّا فا … ولا أريد الشر إلا أن تا\nيقول: وإن شرًا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام. واللّه أعلم.\n[قال القرطبي (^٢): وفي الحديث (^٣): \"من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة … \" الحديث، قال (سفيان) (^٤): هو أن يقول في \"أقتل\" \"أق\"] (^٥).\nوقال خصيف (^٦)، عن مجاهد: إنه قال: فواتح السور كلها: ﴿قَ﴾ و﴿ص﴾ و﴿حمَ (١)﴾ و﴿طسم (١)﴾ و﴿الر﴾ وغير ذلك، هجاء موضوع.\nوقال بعض أهل العربية: هي حروف من حروف المعجم، استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا؛ كما يقول القائل: ابني يكتب في - أب ت ث -؛ أي: في حروف المعجم الثمانية والعشرين، فيستغني بذكر بعضها عن\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٢١٣).\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ١٥٦).\n(^٣) أخرجه ابن ماجة (٢٦٢٠)؛ وأبو يعلى (ج ١٠/ رقم ٥٩٠٠)؛ وابن أبي عاصم في \"الديات\" (ص ٢٣)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٣٨٢)؛ وابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ١٠٤)؛ عن ابن عدي وهذا في \"الكامل\" (٧/ ٢٧١٤، ٢٧١٥)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٢) من طريق يزيد بن زياد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره ونقل الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ٤٢٥)؛ والحافظ في \"التلخيص\" (٤/ ١٤) أن أبا حاتم الرازي قال: \"باطل موضوع\" وعزا الحافظ هذا النقل لـ\"علل الحديث\"؛ لابن أبي حاتم ولم أجده فيه، ولكن نقل ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٢/ ٢٦٣)، عن أبيه أنه قال في يزيد بن أبي زياد \"ضعيف الحديث، كأنه حديثه موضوع\" ونقل ابن الجوزي عن الإمام أحمد أنه قال: \"ليس هذا الحديث بصحيح\" وقال ابن عدي: \"ليس بمحفوظ، وليزيد غير هذين الحديثين، وكل رواياته مما لا يتابع عليه في مقدار ما يرويه\". ونقل العقيلي عن البخاري قال: \"يزيد هذا منكر الحديث\" قال العقيلي: \"ولا يتابعه إلا من هو نحوه\"؛ وأخرجه نعيم بن حماد في \"الفتن\" (ص ١٠٥) عن سعيد بن المسيب مرسلًا ولا يصح أيضًا. واختلف في سنده فرواه سالم الأفطس عن سعيد بن المسيب عن عمر مرفوعًا. أخرجه ابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٧٥) وقال: \"هذا حديث موضوع لا أصل له من حديث الثقات\"؛ وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٧٤) عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعًا مثله. وهو منكر أيضًا، وللحديث شواهد عن ابن عباس وابن عمر، وكلها ساقطة، لا يلتفت لواحد منها، فالصواب أن هذا الحديث منكر.\nوقد فصلت الكلام عليه في \"تسلية الكظيم\" فللَّه الحمد.\n(^٤) كذا في (ن) و(هـ) وهو الصواب، ووقع في بقية \"الأصول\": \"شقيق\" وهو خطأ، وقائل هذه العبارة هو سفيان بن عيينة كما في \"التلخيص\" (٤/ ١٥) للحافظ.\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٢٤٢) بسند ضعيف. وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٢٣) لابن المنذر.","vol":"1","page":246},{"text":"مجموعها؛ حكاه ابن جرير (^١).\nقلت: مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفًا وهي - ا ل م ص ر ك هـ ي م ط (س) (^٢) ح ق ن - يجمعها قولك: \"نص حكيم قاطع له سر\"؛ وهي نصف الحروف عددًا، والمذكور منها أشرف من المتروك؛ وبيان ذلك من صناعة التصريف.\n[قال الزمخشري (^٣): وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على (أنصاف) (^٤) أجناس الحروف؛ يعني: من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة، ومن المستعلية والمنخفضة،] (^٥) [ومن حروف القلقلة. وقد سردها مفصلةً؛ ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته. وهذه الأجناس المعدودة (مكثورة) (^٦) بالمذكورة منها؛ وقد \"علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله] (^٧).\nومن هاهنا (لخص) (^٨) بعضهم في هذا المقام كلامًا؛ فقال: لا شكَّ أن هذه الحروف لم ينزلها ﷾ عبثًا ولا سدًى؛ ومن قال من الجهلة: (إن) (^٩) في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأً كبيرًا، فتعين أن لها معنًى في نفس الأمر؛ فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين؛ وإنما اختلفوا؛ فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتَّى يتبين. هذا مقام.\nالمقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي؟ مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها.\nفقال بعضهم: إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور. حكاه ابن جرير (^١٠)؛ (وهذا ضعيف) (^١١)؛ لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوةً وكتابةً.\nوقال آخرون: بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن، حتَّى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه.\nحكاه ابن جرير (^١٢) أيضًا؛ وهو ضعيف أيضًا؛ لأنَّهُ لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك؛ ولو كان كذلك أيضًا لا نبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٢٠٩ - شاكر).\n(^٢) في (ح): (م) وهو سبق قلم.\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٧).\n(^٤) في (ن) و(ص): \"أصناف\".\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٦) كذا في (ع) و(ن) و(هـ) و(ي) وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ١٧) ووقع في (ج) و(ك) و(ل): \"ثلاثون\".\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٨) كذا في (ع) و(ن) و(ص) و(ي) ووقع في \"ز\" و(ك): \"لحظ\" وفي (ج) و(ل): \"يخص\"!\n(^٩) وقع في (ج) و(ز) و(ك) و(ل): \"إنه\".\n(^١٠) في \"تفسيره\" (١/ ٢٢٠ - ٢٢٤).\n(^١١) في (ج): \"وهذا حكاه ضعيف\" وكأن صوابه: \"وهذا الذي حكاه ضعيف\".\n(^١٢) في \"تفسيره\" (١/ ٢١٠ - شا كر).","vol":"1","page":247},{"text":"ثم إن هذه السورة والتي تليها - أعني البقرة وآل عمران - مدنيتان ليستا خطابًا للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.\nوقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله؛ هذا مع أنه (مركب) (^١) من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. [وقد حكى هذا المذهب (فخر الدين) (^٢) الرازي في \"تفسيره\" عن المبرد وجمع من المحققين] (^٣).\n[وَحكى القرطبي (^٤) عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري (^٥) في \"كشافه\"، ونصره أتم نصر. وإليه ذهب الشيخ (الإمام) (^٦) العلامة (شيخ الإسلام) (^٧) أبو العباس (أحمد) (^٨) (بن عبد الحليم) (^٩) لابن تيمية، وشيخنا الحافظ (الجهبذ) (^١٠) (الإمام) (^١١) أبو الحجاج (المزي) (^١٢)، وحكاه لي عن (أبي العباس) (^١٣) ابن تيمية.\nقال الزمخشري (^٦): ولم ترد كلها مجموعةً في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي (والتبكيت) (^١٤)، كما كررت قصص كثيرة، وكرر (التحدي) (^١٥) (بالتصريح) (^١٦) في أماكن؛ قال: وجاء (منها) (^١٧) على حرف واحد؛ كقوله: ﴿ص﴾، ﴿ن﴾، ﴿ق﴾. وحرفين، مثل: ﴿حم (١)﴾. وثلاثة، مثل: ﴿الم (١)﴾. وأربعة، مثل: ﴿المر﴾ و﴿المص (١)﴾] (^١٨).\n(١٩) [وخمسة، مثل: ﴿كهيعص (١)﴾ و﴿حم (١)﴾ ﴿عسق (٢)﴾؛ لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات؛ ما هو على حرف، وعلى حرفين، وعلى ثلاثة، وعلى أربعة، وعلى خمسة؛ لا أكثر من ذلك.\nقلت] (^١٩) ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف، فلا بدّ أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته؛ وهذا معلوم بالاستقراء؛ وهو الواقع في تسع وعشرين سورةً، ولهذا يقول تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢] ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ١ - ٣] ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١، ٢] ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١] ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾\n_________\n(^١) كذا في (ك) و(ن) و(ي) وفي (هـ): \"ركب\" وفي (ج) و(ل): \"تركب\" وسقط هذا اللفظ من (ز).\n(^٢) ساقط من (ن) و(هـ).\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) في \"تفسيره\" (١/ ١٥٥).\n(^٥) في \"الكشاف\" (١/ ١٢).\n(^٦) ساقط من (ى).\n(^٧) من (ك).\n(^٨) ساقط من (ك) و(ن).\n(^٩) من (ك) و(هـ).\n(^١٠) ساقط من (هـ) ووقع في (ن): \"المجتهد\".\n(^١١) من (ي).\n(^١٢) في (ك): \"النرى\"!\n(^١٣) من (هـ).\n(^١٤) في (ك): \"التسكيت\".\n(^١٥) في (ك): \"البخاري\"\n(^١٦) كذا في (ج) و(ل) و(هـ) وفي باقي \"الأصول\": \"بالصريح\".\n(^١٧) في (ج): \"فيها\".\n(^١٨) ساقط من (ز).\n(^١٩) ساقط من (ز).","vol":"1","page":248},{"text":"[السجدة] ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت: ١، ٢] ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ [الشورى: ١ - ٣] وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن (أنعم) (^١) النظر. واللّه أعلم.\nوأما من زعم أنها دالة على معرفة المُدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له؛ وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف (^٢)؛ وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب \"المغازي\": حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب؛ قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله ﷺ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود؛ فقال: تعلمون والله، لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أنزل (الله) (^٣) (تعالى) (^٤) عليه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم. قال: فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من (يهود) (^٥) إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا محمد؛ ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"بلى\". فقالوا: جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: \"نعم\". قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بيَّن لنبي منهم ما مدة ملكه، وما أجل أمته غيرك!\n(فقال) (^٦) حُيي بن أخطب، وأقبل على من كان معه، فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون؛ فهذه إحدى وسبعون سنةً؛ أفتدخلون في دين نبيٍّ إنما مدة ملكه، وأجل أمته، إحدى وسبعون سنةً؛ ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد؛ هل مع هذا غيره؟ فقال: نعم، قال: ما ذاك؟ قال: ﴿المص (١)﴾ [الأعراف]. قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون. فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة. هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم. قال ما ذاك؟ قال: الر. قال: هذا أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنةً، فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: \"نعم\". قال: ماذا؟ قال: ﴿المر﴾ [الرعد: ١] قال: هذا أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان؛ فهذه إحدى وسبعون ومائتان.\nثم قال: لقد لبَّس علينا أمرك يا محمد حتَّى ما ندري أقليلًا أعطيت أم كثيرًا. ثم قال: قوموا عنه.\n_________\n(^١) كذا في (ج) و(ع) وأشار إليها في (ى) ووقع في (ز) و(ك) وال) و(ن) و(هـ) و(ي): \"أمعن\" وأشار إليه ناسخ (ع) وهما بمعنى. والله أعلم.\n(^٢) بل منكر، أخرجه ابن جرير (٢٤٦) وأطال الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر في نقده (١/ ٢١٨ - ٢٢٥) فراجعه.\n(^٣) من (ز) و(ع) و(ك) و(ن) و(ي). وفي (ج) و(ل) و(هـ): \"أنزل عليه\" لما لم يسم فاعله.\n(^٤) من (ن).\n(^٥) في (ز) و(ن): \"اليهود\".\n(^٦) في (ز): \"فقام\".","vol":"1","page":249},{"text":"ثم قال أبو ياسر لأخيه حُيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمدٍ كله إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان؛ فذلك سبعمائة وأربع سنين.\nفقالوا: لقد تشابه علينا أمره؛ فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].\nفهذا (الحديث) (^١) مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به. ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حسبت مع التكرار فأطم وأعظم (^٢). واللّه أعلم.\n[قال الطبراني (^٣): حَدَّثَنَا فضيل بن محمد، حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا أبو العميس، سمعت الشعبي يقول: (قال عبد الله) (^٤): \"من قرأ عشر آيات من البقرة في بيت، لم يدخله شيطان تلك الليلة حتَّى يصبح: أربعًا من أولها، وآية الكرسي، (وآيتين) (^٥) بعدها، وخواتيمها\"] (^٦).\n\n<span id=\"aya-9\"></span>﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾.\nقال (ابن جريج) (^٧): قال ابن عَبَّاس: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (أي) (^٨) هذا الكتاب. وكذا قال مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وابن جريج أن \"ذلك\" بمعنى هذا؛ والعرب (تقارض) (^٩) بين (هذين الاسمين) (^١٠) الإشارة؛ فيستعملون كلًّا منهما مكان الآخر. وهذا معروف في كلامهم [وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى أبي عبيدة] (^١١).\n[وقال (^١٢) [الزمخشري (^١٣): ذلك إشارة إلى ﴿الم (١)﴾، كما قال (تعالى) (^١٤): ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] وقال (تعالى) (^١٤)] (^١٣): ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ [غافر: ٦٢] وأمثال ذلك (^١٥) [مما أشير به إلى ما تقدم ذكره (^١٥). والله أعلم] (^١٦).\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) في (ع): \"بلغ مقابلة بنسخة المصنف فسح الله في مدته\".\n(^٣) في \"المعجم الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٦٧٣).\nوأخرجه الدارمي (٢/ ٣٢٢) قال: حَدَّثَنَا جعفر بن عون، أنا أبو العميس به وسنده جيد، وتكلمت عليه في أول السورة، وذكرت له متابعًا آخر هناك. فالحمد للّه.\n(^٤) سقط من (ج) و(ل) واستدركته من \"المعجم\".\n(^٥) في (ل): \"اثنين\".\n(^٦) من (ج) و(ل).\n(^٧) في (ك): \"ابن جرير\"! [سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس، ويتقوى بالآثار التي تليه].\n(^٨) من (ن).\n(^٩) في (ن): \"تعارض\".\n(^١٠) كذا في سائر \"الأصول\"، وفي (ن): \"بين اسمى الإشارة\".\n(^١١) ساقط من (ز).\n(^١٢) ساقط من (هـ).\n(^١٣) في \"الكشاف\" (١/ ١٤).\n(^١٤) من (ن).\n(^١٥) ساقط من (ك).\n(^١٦) ساقط من (ز).","vol":"1","page":250},{"text":"[وقد ذهب بعض المفسرين فيما) (^١) حكاه القرطبي (^٢) وغيره] (^٣) [أن \"ذلك\" إشارة إلى القرآن الذي وُعِد الرسول ﷺ بإنزاله عليه، أو التوراة، أو الإنجيل، أو نحو ذلك في أقوال عشرة. وقد ضعف هذا المذهب كثيرون. واللّه أعلم] (^٤).\nوالكتاب: القرآن. ومن قال: إن المراد بـ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير (^٥) وغيره، فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلف ما لا علم له به.\nوالريب (^٦): الشك. قال السدي (^٧)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شكَّ فيه.\nوقاله أبو الدرداء (^٨)، وابن عباس (^٩)، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، (ونافع) (^١٠) مولى ابن عمر، وعطاء، وأبو العالية، والربيع (^١١) بن أنس، ومقاتل بن حيان، والسدي، وقتادة (^١٢)، وإسماعيل بن أبي خالد، وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافًا.\n_________\n(^١) في (ج): \"مما\".\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ١٥٧، ١٥٨).\n(^٣) ساقط من (ك).\n(^٤) ساقط من (ز).\n(^٥) انظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٢٢٧، ٢٢٨ - شاكر).\n(^٦) جاء في حاشية النسخة (ع): \"قال الشيخ الإمام شمس الدين بن القيم عليه الرحمة: الريب ضد الطمأنينة واليقين، فهو قلق واضطراب وانزعاج، كما أن اليقين والطمأنينة ثبات واستقرار، والفرق بين الشك والريب من وجوه: أحدها: أنه يقال: شك مريب، ولا يقال: ريب مشك.\nالثاني: أن يقال: رابني أمر كذا، ولا يقال: شككني.\nالثالث: أن يقال: رابه يريبه، إذا أزعجه وأقلقه، ومنه قول النَّبِيّ ﷺ وقد مر بظبي خائف في أصل شجرة: \"لا يريبه أحد\"، ولا يحسن هنا أن يقال: لا يشككه أحد.\nالرابع: أنه لا يقال للشاك في طلوع الشمس أو غروبها، أو دخول الشهر، أو وقت الصلاة: هو مرتاب في ذلك، وإن كان شاكًا فيه.\nالخامس: أن يقال: رابني مجيئه وذهابه وفعله، ولا يقال: شككني، فإن الشك سبب الريب، فإنه يشك أولًا، فيوقعه شكه في الريب، فالشك مبدأ الريب، كما أن العلم مبدأ اليقين\". اهـ.\n(*) قلت: ثم وجدت كلام ابن القيم، بحمد الله، في \"بدائع الفوائد\" (٤/ ١٠٧) فأضاف سادسًا، وهو في ترتيبها \"خامسًا\" قال: \"إن الريب ضد الطمأنينة واليقين، فهو قلق واضطراب وانزعاج كما أن اليقين والطمأنينة ثبات واستقرار\". وقد مضى في مطلع كلام الناقل عن ابن القيم فكأنه تصرف في عبارته. واللّه أعلم.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٢٥٤). وقال ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥٥): \"ولا أعلم في هذا الحرف اختلافًا بين المفسرين\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥٥) من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع، ثنا حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن عبد الرحمن بن مسعود الفزاري، عن أبي الدرداء قال: الريب؛ يعني: الشك من الكفر وأخرجه أحمد في \"الزهد\" (ص ١٤١) وقال: حَدَّثَنَا هاشم بن القاسم، ثنا حريز بسنده سواء ولم يذكر الشك. وذكر كلامًا آخر. ورجاله ثقات، إلا عبد الرحمن بن مسعود الفزاري، فذكره ابن حبان في (الثقات\" (٥/ ١٠٨) وقال: \"يروى عن أبي الدرداء، عداده في أهل الشام\". [ويتقوى بما يليه].\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٢٥٥، ٢٥٦) بسندين ضعيفين. [ويتقوى بما يليه].\n(^١٠) ساقط من (ج).\n(^١١) أخرجه ابن جرير (٢٥٨) بسند منقطع.\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (٢٥٧) وعبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٣٩) بسند قوي.","vol":"1","page":251},{"text":"[وقد يستعمل الريب في التهمة؛ قال جميل (^١):\nبثينة قالت: يا جميل أربتني … فقلت كلانا يا بثين مريب\nواستعمل أيضًا في الحاجة، كما قال بعضهم (^١):\nقضينا من تهامة كل ريب … وخيبر ثم (أجمعنا) (^٢) السيوفا] (^٣)\nومعنى الكلام (هنا) (^٤) أنه هذا الكتاب، وهو القرآن لا شكَّ فيه أنه (منزل) (^٥) من عند الله، كما قال (تعالى) (^٦) في السجدة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.\n[وقال بعضهم: هذا خبر، ومعناه النهي؛ أي: لا ترتابوا فيه] (^٣).\nومن القراء من يقف على قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ﴾ ويبتدئ بقوله تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والوِقف على (قوله تعالى) (^٧): ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أولى للآية التي ذكرناها، ولأنه يصير قوله تعالى: ﴿هُدًى﴾ صفة للقرآن؛ وذلك أبلغ من (كون) (^٨) ﴿فِيهِ هُدًى﴾.\nوهدًى: يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعًا على النعت، ومنصوبًا على الحال، وخصت الهداية للمتقين، كما قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنَّهُ هو في نفسه هدىً، ولكن لا يناله إلا الأبرار؛ كما قال (تعالى) (^٩): ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧].\nوقد قال السُّدي (^١٠)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مُرَّةَ الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني: نورًا للمتقين.\nوقال الشعبي: هدى من الضلالة (^١١).\nوقال سعيد بن جبير: تبيان للمتقين، وكل ذلك صحيح. وقال السدي (^١٢): عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس. وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١/ ١٥٩)، وعزا في \"اللسان\"، مادة: ريب، البيت الثاني إلى كعب بن مالك الأنصاري، وكذلك عزاه إليه ابن الأنباري في \"الْوَقْف والابتداء\" (ص ٥٧).\n(^٢) في (ك) و(ص): \"أجمعنا\" وهو تصحيف ظاهر.\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) زيادة من (*) و(ل) و(ن).\n(^٥) في (ز) و(ن): \"نزل\".\n(^٦) زيادة من (ز) و(ن).\n(^٧) من (ز) و(ن)، وفي (ل): \"قوله\" ولم يذكر \"تعالى\".\n(^٨) في (هـ): \"كونه\".\n(^٩) زيادة من (ن) و(ص).\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٢٦٠، ٢٦٣). [وسنده ضعيف].\n(^١١) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق بيان عن الشعبي].\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (٢٦٠ - ٢٦٣).","vol":"1","page":252},{"text":"رسول الله ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾: قال: هم المؤمنون (^١).\n[وقال أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿هُدًى﴾ (^٢) ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ قال (للمؤمنين) (^٣) ﴿الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٣] (يتقون) (^٤) الشرك بي، ويعملون بطاعتي] (^٥).\nوقال محمد بن (^٦) إسحاق، عن محمد (بن أبي محمد) (^٧) مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو (عن) (^٨) سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به.\n[وقال سفيان (^٩) الثوري، عن رجل، عن الحسن البصري - قوله تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ - قال: اتقوا ما حرم (الله) (^١٠) عليهم] (^١١)، [وأدوا ما افترض عليهم] (^١٢).\nوقال أبو بكر بن (^١٣) عياش: سألني الأعمش عن المتقين. قال: فأجبته، فقال لي: سل عنها الكلبي، فسألته، فقال: الذين يجتنبون كبائر الإثم. قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: (نرى) (^١٤) أنه كذلك ولم ينكره.\nوقال قتادة (^١٥): ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ هم الذين نعتهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] الآية والتي بعدها.\nواختيار ابن (^١٦) جرير أن الآية تعم ذلك كله؛ وهو كما قال.\nوقد روى الترمذي (^١٧)، ..................................................\n_________\n(^١) [وسنده ضعيف].\n(^٢) من (ص).\n(^٣) في (ن): \"هم المؤمنون\".\n(^٤) في (ل): \"يتعوذون\".\n(^٥) هذا المقطع في (ز) متأخر عن الذي بعده. [وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس].\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٢٦٢)؛ وابن أبي حاتم (٦٢) وسنده ضعيف تقدم التنبيه عليه. [لكن حسنه الحافظ ابن حجر والسيوطي، واعتبره الشيخ محمد نسيب الرفاعي من الأسانيد الثابتة، وحسنه ابن بشير كما في مقدمة التفسير الصحيح ١/ ٣٨، ٣٩].\n(^٧) ساقط من (ز).\n(^٨) ساقط من (ز) و(ن).\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٢٦١) قال: حَدَّثَنَا سفيان بن وكيع، ثنا أبي، عن الثوري به وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، ولجهالة شيخ الثوري.\n(^١٠) من (ز) و(ن).\n(^١١) هذه الفقرة مقدمة في (ج) و(ل) على الفقرة السابقة عليها.\n(^١٢) (هذه الفقرة مقدمة في (ج) و(ل) على الفقرة السابقة عليها.\n(^١٣) أخرجه ابن جرير (٢٦٤).\n(^١٤) في (ن): \"يرى\".\n(^١٥) أخرجه ابن جرير (٢٦٥). [وسنده صحيح].\n(^١٦) (١٦) في \"تفسيره\" (١/ ٢٣٣، ٢٣٤).\n(^١٧) أخرجه الترمذي (٢٤٥١) وقال: \"حسن غريب\"؛ وابن ماجة (٤٢١٥)؛ وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٤٨٤)؛ والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١/ ١٥٨)؛ وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦٠)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٧/ رقم ٤٤٦)؛ والحاكم (٤/ ٣١٩)؛ والبيهقي في \"سننه\" (٥/ ٣٣٥)، وفي \"الشعب\" (ج ١٠/ رقم ٥٣٦١)؛ والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (٩٠٩، ٩١٠، ٩١١، ٩١٢) من طريق هاشم بن القاسم قال: ثنا أبو عقيل عبد الله بن عقيل بسنده سواء. قال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي!! وليس كما =","vol":"1","page":253},{"text":"وابن ماجة، من رواية أبي عقيل - (عبد الله بن عقيل) (^١)، عن عبد الله بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد، وعطية بن قيس، عن عطية السعدي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتَّى يدع ما لا بأس به حذرًا (لما) (^٢) به بأس\". ثم قال الترمذي: \"حسن غريب\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٣): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبد الله بن عمران، حدّثنا إسحاق بن سليمان؛ يعني: الرازي، عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون أبي حمزة؛ قال: كنت جالسًا عند أبي وائل، فدخل علينا رجل يقال له: أبو عفيف من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف!، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن، لا يحتجب الله منهم ولا يستتر.\nقلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا للّه العبادة؛ فيمرون إلى الجنة.\n[ويطلق الهدى ويراد به (ما يقر في) (^٤) القلب من الإيمان؛ وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله ﷿. قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] إلى غير ذلك من الآيات.\nويطلق ويراد به بيان الحق، وتوضيحه والدلالة عليه، والإرشاد إليه؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد] على تفسير من قال: المراد بهما الخير والشر؛ وهو الأرجح. واللّه أعلم.\nوأصل التقوى التوقي مما يكره؛ لأن أصلها: \"وقى\" من الوقاية؛ قال النابغة (^٥)] (^٦):\n[سقط النصيف ولم ترد إساقطه … فتناولته واتقتنا باليد\nوقال (آخر) (^٧)] (^٨):\n_________\n= قالا، وعبد الله بن يزيد ترجمه ابن عدي (٤/ ١٥٥١) وقال: \"سمعت ابن حماد؛ يعني: الدولابي، يقول: عبد الله بن يزيد الذي يروى عنه أبو عقيل الثقفي أحاديثه منكرة. قاله السعدي. وهذا الذي حكاه عن السعدي، لا أقف على معرفة ذلك\". اهـ.\nوالحديث رواه الدولابي في \"الكنى\" (٢/ ٣٤) وسقط بعض رجال السند، وليس عنده ما ذكره عنه ابن عدي. فالله أعلم، والكتاب كثير السقط والتحريف. فالحاصل أن السند ضعيف، لضعف عبد الله.\n(^١) ساقط من (ج) ووقع في (هـ): \"أبي عقيل عن عبد الله بن عقيل\" وزيادة (عن) خطأ.\n(^٢) في (ز) و(ن): \"مما\".\n(^٣) في \"تفسيره\" (٦١) وسنده ضعيف، وميمون الأعور ضعيف، وأبو عفيف لم أعرفه، وما وجدت له ترجمةً. والله أعلم.\n(^٤) كذا في (ن) و(هـ) و(ي) ووقع في (ج) و(ك): \"ما ينزل\". وفي (ل) بياض.\n(^٥) وهو في \"ديوانه\" (ص ٣٤)، وانظر \"تفسير القرطبي\" (١/ ١٦١).\n(^٦) ساقط من (ز).\n(^٧) في (ن) و(هـ): \"الآخر\".\n(^٨) ساقط من (ز).","vol":"1","page":254},{"text":"[فألقت قناعا دونه الشمس وأتقت … بأحسن موصولين كفٍّ ومعصم\nوقد قيل (^١): إن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أُبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى.\nوقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز؛ فقال:\nخل الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى\nواصنع كماش فوق أر … ض الشوك يحذر ما يرى\nلا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى\nوأنشد أبو الدرداء (^٢) يومًا:\nيريد المرء أن يؤتى مناه … ويأبى الله إلا ما أرادا\nيقول المرء فائدتي ومالي … وتقوى الله أفضل ما استفادا] (^٣)\n[وفي \"سنن ابن ماجة\" (^٤)، عن أبي أُمامة ﵁؛ قال] (^٢): [قال رسول الله ﷺ: \"ما استفاد المرء بعد تقوى الله (خيرًا) (^٥) (له) (^٦) من زوجة صالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله\"] (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في \"كتاب التقوى\"، كما في \"الدر\" (١/ ٢٥)، عن محمد بن يزيد الرحبي قال: قيل لأبي الدرداء! إنه ليس أحد له بيت في الأنصار إلا قال شعرًا فما لك لا تقول؟ قال: وأنا قلت فاستمعوه، وذكره.\nوسنده ضعيف، ومحمد بن يزيد الرحبي ترجمه البخاري (١/ ١/ ٢٦١)؛ وابن حبان في \"الثقات\" (٩/ ٣٥)، وقالا: \"يروى عن عروة بن رويم روى عنه إسماعيل بن عياش\" فمع جهالته فظاهر أنه لم يدرك أبا الدرداء. واللّه أعلم.\n(^٢) ساقط من (ز).\n(^٣) وأخرج ابن أبي الدنيا في \"كتاب التقوى\"، كما في \"الدر\" (١/ ٢٤)، عن أبي هريرة أن رجلًا قال له: ما التقوى؟ قال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه. قال: ذاك التقوى.\n(^٤) أخرجه ابن ماجة (١٨٥٧)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٨/ رقم ٧٨٨١) من طريق هشام بن عمار، ثنا صدقة بن خالد، ثنا عثمان بن أبي عاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٧٠/ ٢): \"هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه\". اهـ.\n(*) قلت: كذا قال البوصيري: \"علي بن زيد بن جدعان\" وهو خطأ واضح، وكنت أظن الخلل من مطبوعة \"الزوائد\"، فراجعت مخطوطة الكتاب، وعندي نسختان، كلاهما بخط ولد البوصيري واسمه \"محمد\" النسخة الأولى كتبت سنة ٨٤ والنسخة الثانية كتبت في رمضان (٨٥٦) وكلتاهما اتفقتا على هذا الخطأ، والصواب أنه علي بن يزيد الألهاني، وهو واهٍ، وعثمان بن أبي العاتكة متماسك، لكن روايته عن علي بن يزيد ضعيفة أو واهية، وهشام بن عمار يضعف من قبل حفظه. فالسند ضعيف جدًّا.\n(^٥) في (ك) و(ص): \"خير\".\n(^٦) ساقط من (ن) و(ي).\n(^٧) ساقط من (ز).","vol":"1","page":255},{"text":"<span id=\"aya-10\"></span>﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.\nقال أبو جعفر (^١) الرازي، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ قال: الإيمان: التصديق. وقال علي (^٢) بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس ﵄: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدقون. وقال معمر (^٣)، عن الزهري: الإيمان: العمل.\nوقال أبو جعفر (^٤) الرازي، عن الربيع بن أنس: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يخشون.\nقال ابن جرير (^٥) (وغيره) (^٦): والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولًا واعتقادًا وعملًا؛ (قال) (^٦) وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل.\nوالإيمان كلمة جامعة (للإقرار) (^٧) باللّه وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل.\nقلت: أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] وكذلك إذا استعمل مقرونًا مع الأعمال؛ كقوله (تعالى) (^٨): ﴿(إلَّا) (^٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٣] فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا.\nهكذا ذهب إليه أكثر الأئمة؛ بل قد حكاه الشافعي، وأحمد بن حنبل، (وأبو عبيد) (^١٠)، وغير واحد إجماعًا: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.\nوقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أفردنا الكلام فيها في أول \"شرح البخاري\"؛ وللّه الحمد والمنة.\nومنهم من فسره بالخشية؛ (لقوله) (^١١) تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الملك: ١٢] وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾ [ق: ٣٣].\nوالخشية: خلاصة الإيمان والعلم؛ كما قال (تعالى) (^١٢): ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].\n[وقال بعضهم: يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة، وليسوا كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ [البقرة: ١٤] وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١] فعلى هذا يكون قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ (^١٣)\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٢٧١) قال: حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي جعفر، عن أبيه وسنده ضعيف للانقطاع، وأبو إسحاق تغير.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٢٦٨). [وسنده ثابت].\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٢٧٠) وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٢٦٩). [وسنده جيد].\n(^٥) في \"تفسيره\" (١/ ٢٣٥ - شاكر).\n(^٦) ساقط من (ن).\n(^٧) في (ن): \"للإيمان\".\n(^٨) من (ن).\n(^٩) في (ك): \"ن\".\n(^١٠) في (ن): \"أبو عبيدة\"، وهو أبو عبيد القاسم بن سلام.\n(^١١) في (ن) و(ص): \"كقوله\".\n(^١٢) من (ز) و(ن).\n(^١٣) ساقط من (ز).","vol":"1","page":256},{"text":"[﴿بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ حالًا؛ أي: في حال كونهم غيبًا عن الناس] (^١).\nوأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه؛ وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد: قال أبو جعفر (^٢) الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قال: يؤمنون باللّه وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره، ولقائه؛ ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله.\nوكذا قال قتادة (^٣) بن دعامة.\nوقال السدي (^٤)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ: أما الغيب: فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار، وما ذكر في القرآن.\nوقال محمد بن (^٥) إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ - قال: بما جاء منه -؛ يعنى: من الله تعالى.\nوقال سفيان (^٦) الثوري، عن عاصم، عن زر؛ قال: الغيب: القرآن.\nوقال عطاء بن (^٧) أبي رباح: من آمن باللّه فقد آمن بالغيب.\nوقال إسماعيل (^٨) بن أبي خالد: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، قال: بغيب الإسلام.\nوقال زيد بن (^٩) أسلم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، قال: بالقدر؛ فكل هذه متقاربة في معنًى واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به.\nوقال سعيد بن منصور (^١٠): حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن (يزيد) (^١١)؛ قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحاب النَّبِيّ ﷺ\n_________\n(^١) ساقط من (ز).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٢٧٦)؛ وابن أبي حاتم (٦٧) من طريقين عن أبي جعفر الرازي. وسنده حسن. [وقال الحافظ ابن حجر: سنده جيد. ينظر مقدمة التفسير الصحيح].\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٢٧٥) وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٢٧٣). [وسنده ضعيف].\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٢٧٢) وسنده [حسن].\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٢٧٤)؛ وابن أبي حاتم (٦٩) من طريق أبي أحمد الزبيري، ثنا سفيان. وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٠) بسند قوي.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٧١). [بسند صحيح من طريق إبراهيم بن حميد عن إسماعيل بن أبي خالد].\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٢) بسند ضعيف، فيه عبد الله بن جعفر السعدي.\n(^١٠) في \"تفسيره\" (١٨٠).\nوأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦٦)؛ وابن منده في \"الإيمان\" (٢٠٩)؛ والحاكم (٢/ ٢٦٠) من طرق عن الأعمش به قال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي وهو كما قالا. [وصحح سنده الحافظ ابن حجر في الكافي الشافي ص ٤، ٥ (ح ٢٢)].\n(^١١) في (ك): \"زيد\" وهو خطأ.","vol":"1","page":257},{"text":"وما (سبقوا) (^١) به؛ فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بيّنًا لمن رآه؛ والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب؛ ثم قرأ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب …﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥].\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم في \"مستدركه\" من طرق، عن الأعمش، به.\nوقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\".\nوفي معنى هذا: الحديث الذي رواه (الإمام) (^٢) أحمد (^٣): حَدَّثَنَا أبو المغيرة، حَدَّثَنَا الأوزاعي، حدثني (أسيد) (^٤) بن عبد الرحمن، عن خالد بن دريك، عن ابن محيريز؛ قال: قلت لأبي جمعة: حَدَّثَنَا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ. قال: نعم، أحدثك حديثًا جيدًا: تغدينا مع رسول الله ﷺ، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح؛ فقال: يا رسول الله؛ (أحد) (^٥) خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك! قال: \"نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني\".\nطريق أخرى: قال أبو بكر بن مردويه في \"تفسيره\" (^٦): حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا\nإسماعيل (بن) (^٧) عبد الله بن مسعود، حَدَّثَنَا عبد الله بن صالح، حَدَّثَنَا معاوية بن صالح، عن صالح بن جبير؛ قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ببيت المقدس\n_________\n(^١) في (ن): \"سبقونا\".\n(^٢) زيادة من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).\n(^٣) في \"مسنده\" (٤/ ١٠٦).\nوأخرجه الدارمي (٢/ ٢١٧)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٤/ رقم ٣٥٣٨)؛ وابن قانع في \"معجم الصحابة\" (ج ٣/ ق ٣٦/ ١)؛ وأبو نعيم في \"المعرفة\" (ج ١/ ق ١٧٩/ ١)؛ وفي \"الحلية\" (٥/ ١٤٨، ١٤٩)؛ وابن عساكر في \"تاريخه\" (ج ٨/ ق ١٨٨)؛ ونجم الدين النسفي في \"ذكر علماء سمرقند\" (٧٦٧) من طرق عن الأوزاعي بسنده سواء.\nوقوى هذا الوجه: الحافظ في \"الفتح\" (٧/ ٧) وقد اختلف في إسناده على الأوزاعي وفصلته في \"التسلية\".\n[حسنه الحافظ ابن حجر الفتح ٧/ ٦].\n(^٤) في (ز) و(ك) و(ن): \"أسد\" مكبرًا، وهو خطأ.\n(^٥) في (ز) و(ن): \"هل أحد\" وفي (ك): \"أأحد\"، وأشار إلى هذه في (ي).\n(^٦) وعبد الله بن جعفر هو ابن أحمد بن فارس الأصبهاني أحد الثقات كما في \"السير\" (١٥/ ٥٥٣) وشيخه إسماعيل هو الملقب بـ\"سمويه\" صاحب الأجزاء والفوائد التي تنبئ بحفظه وسعة علمه وثقه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وغيرهما. وانظر \"السير\" (١٣/ ١٠، ١١)؛ وأخرجه البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (١٢٤)، وفي \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢/ ٣١١)؛ وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢١٣٦) والروياني في \"مسنده\" (ج ٣٣/ ق ٢٦٥/ ٢ - ٢٦٦/ ١)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٤/ رقم ٣٥٤٠)؛ والهروى في \"ذم الكلام\" (ق ١٤٨/ ١، ٢)؛ وابن عساكر في \"تاريخه\" (ج ٨/ ق ١٨٧، ١٨٨)؛ والنسفي في \"الأربعين من حديث السلفي\"، كما في \"الإصابة\" (٧/ ٦٧) للحافظ، من طريق عبد الله بن صالح بسنده سواء.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٧/ ٧): \"وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة\".\n(*) قلت: يعني الحافظ ﵀ بالرواية المتقدمة هي التي حكم بحسن إسنادها ويرويها أسيد بن عبد الرحمن، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة وفيها: \"هل أحد خير منا؟ قال: نعم\" أما في رواية معاوية بن صالح، عن صالح بن جبير ففيها: \"هل قوم أعظم أجرًا منا؟ \"، فليس هناك خير من الصحابة، وإن زاد بعضهم في الأجر عليهم في بعض العمل. هذا مراد الحافظ والله أعلم.\n(^٧) في (ن): \"عن\" وهو خطأ ظاهر.","vol":"1","page":258},{"text":"(ليصلي) (^١) فيه، ومعنا يومئذٍ رجاء بن (حيوة) (^٢) (﵁) (^٣)؛ فلما انصرف خرجنا نشيعه؛ فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزةً وحقًا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ. قلنا: هات رحمكَ الله. قال: كنا مع رسول الله ﷺ، ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم منا أجرًا؟ آمنا باللّه واتبعناك. قال: \"ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحى من السماء؛ بل قوم (من) (^٤) بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به، ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا\" - مرتين.\nثم رواه من حديث (^٥) ضمرة بن ربيعة، عن مرزوق بن نافع، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة، بنحوه.\nوهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث، كما قررته في أول \"شرح البخاري\"؛ لأنَّهُ مدحهم على ذلك، وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقًا.\nوكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة (^٦) العبدي، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ قال: قال رسول الله ﷺ: أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟ قالوا: الملائكة. قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم! قالوا: فالنبيون. قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم! قالوا: فنحن. قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قال: فقال رسول اللّه ﷺ: \"ألا إن أعجب الخلق إليَّ إيمانًا لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها\".\nقال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث.\nقلت: ولكن قد روى أبو يعلى في \"مسنده\" (^٧)، وابن مردويه في \"تفسيره\"؛ والحاكم في\n_________\n(^١) في (ن): \"يصلى\".\n(^٢) في (هـ): \"حياة\"!\n(^٣) من (ن)، وقد استقر أن الترضى خاص بالصحابة دفعًا للإيهام، ورجاء بن حيوة تابعي.\n(^٤) ساقط من (ن)، والعبارة فيها: \"قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين\".\n(^٥) أخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢/ ٣١٠) معلقًا، ووصله ابن قانع في \"معجم الصحابة\" (٣/ ٣٦/ ١)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٤/ رقم ٣٥٤١)؛ وأبو نعيم في \"المعرفة\" (١/ ١٧٩/ ١)؛ وابن عساكر في \"تاريخه\" (ج ٨/ ق ١٨٧) من طرق عن ضمرة بن ربيعة.\nومرزوق بن نافع ترجمه البخاري في \"الكبير\" (٤/ ١/ ٣٨٣، ٣٨٤)؛ وابن أبي حاتم (٤/ ١/ ٢٦٥) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٩/ ١٨٩) على طريقته في توثيق المجاهيل ولكنه متابع.\n(^٦) في \"جزئه\" المشهور (١٩).\nووقع في \"الدر المنثور\" (١/ ٢٦): \"الحسن بن عروة في حزبه\"!\nومن طريقه إسماعيل الصفار في \"جزئه\" (٩٠/ ٢)؛ والبيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ٥٣٨)؛ والخطيب في \"شرف أصحاب الحديث\" (٦١)؛ وطراد أبو الفوارس في \"ما أملاه يوم الجمعة ١٤ شعبان سنة ٤٧٨\"، كما في \"الضعيفة\" (٦٤٧)، وأبو القاسم الأصبهاني في \"الترغيب\" (٤٨)، وسنده ضعيف وله علتان:\nالأولى: أن رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين والعراقيين منكرة، وهذه منها، والمغيرة بن قيس بصري.\nالثانية: أن المغيرة ترجمه ابن أبي حاتم (٤/ ٢٢٧/١) ونقل عن أبيه قال: \"هو منكر الحديث\"، وقد اختلف في إسناده.\n(^٧) أبو يعلى في \"مسنده\" (ج ١/ رقم ١٦٠). =","vol":"1","page":259},{"text":"\"مستدركه\"، من حديث محمد بن أبي حميد - وفيه ضعف - عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه.\nوقال الحاكم: \"صحيح الإسناد. ولم يخرجاه\".\nوقد روى نحوه (^١) عن أنس بن مالك - مرفوعًا. واللّه أعلم.\nوقال ابن أبي (^٢) حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد المسندي، حَدَّثَنَا إسحاق بن\n_________\n= وأخرجه أبو القاسم البغوي في \"حديث مصعب بن الزبير\" (١٥٢/ ٢)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢٨٣٩)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٢٣٨)؛ والحاكم (٤/ ٨٥، ٨٦)؛ والهروى في \"ذم الكلام\" (ق ١٤٨/ ١)؛ وابن أبي شريح في \"جزء بيبي\" (١٠٤)؛ والخطيب في \"شرف أصحاب الحديث\" (٣٦، ٣٧)؛ وابن عساكر (ج ١٦/ ق ٥٤٨) من طريق محمد بن أبي حميد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب مرفوعًا.\nقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" فرده الذهبي قائلًا: \"بل محمد ضعفوه\".\n(*) قلت: وهو واه قال البزار: \"إنما نعرف هذا من حديث محمد بن أبي حميد وهو مدني ليس بالقوي حدث بهذا وبحديث آخر لم يتابع عليه\".\nوقد توبع تابعه يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم بسنده سواء.\nأخرجه البزار (٢٨٣٩)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٢٣٨) من طريق منهال بن بحر، قال: حَدَّثَنَا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير به.\nقال العقيلي: \"وهذا الحديث إنما يعرف بمحمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم، وليس بمحفوظ من حديث يحيى بن أبي كثير، ولا يتابع منهال عليه أحد\".\nوقال البزار: \"لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، وحديث المنهال بن بحر يرويه الحفاظ الثقات، عن هشام، عن يحيى، عن زيد مرسلًا\".\nأما الهيثمي فقال في \"المجمع\" (١٠/ ٦٥) أشار إلى هذا الإسناد: \"أحد إسنادي البزار المرفوع حسن، المنهال بن بحر وثقه أبو حاتم وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح\". اهـ.\n(*) قلت: وكيف يكون حسنًا مع وجود هذه العلة التي أشار إليها البزار، وهي المخالفة، لا سيما قد قال: يرويه الحفاظ الثقات عن هشام مرسلًا، ومع تصريح العقيلي أن الحديث غير محفوظ عن يحيى بن أبي كثير؟!\n(^١) أخرجه البزار (٢٨٤٠) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا مثله. وقال: \"غريب من حديث أنس\".\nأما الهيثمي فقال (١٠/ ٦٥): \"فيه سعيد بن بشير، وقد اختلف فيه، فوثقه قوم وضعفه آخرون، وبقية رجاله ثقات\". اهـ.\n(*) قلت: رواية سعيد بن بشير عن قتادة خاصة تكثر فيها المناكير، ولذلك استغربها البزار.\n(^٢) في \"تفسيره\" (٧٣).\nوأخرجه الطبراني، ومن طريقه ابن مردويه في \"تفسيره\"، كما عند المصنف (١/ ٢٧٩)، قال: حَدَّثَنَا الحسين بن إسحاق التستري، حَدَّثَنَا رجاء بن محمد السقطي، حَدَّثَنَا إسحاق بن إدريس به. وأخرجه ابن أبي عاصم، وعنه ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٧/ ٢٨٤) من وجه آخر عن إسحاق بن إدريس.\nوسنده ضعيف جدًّا، وإسحاق كذبه ابن معين، ووهاه أبو زرعة وتركه النسائي وغيره لكنه لم يتفرد به.\nفتابعه إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن إبراهيم بن جعفر بسنده سواء ولم يذكر \"أولئك قوم آمنوا بالغيب\". أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٤/ (رقم ٥٣٠)؛ وابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٧/ ٤٤)؛ وإبراهيم بن حمزة ثقة، وثقه ابن سعد، وابن حبان، ومسلمة بن قاسم.\nوقال أبو حاتم: \"صدوق\"، وقال النسائي: \"لا بأس به\". =","vol":"1","page":260},{"text":"إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن جدته (نويلة) (^١) بنت أسلم؛ قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن (مستقبلوا) (^٢) البيت الحرام. قال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة أن رسول الله ﷺ حين بلغه ذلك قال: \"أولئك قوم آمنوا بالغيب\".\nهذا حديث غريب من هذا الوجه.\n﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾.\nقال ابن عَبَّاس: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي: يقيمون الصلاة بفروضها (^٣).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: (إقامة) (^٤) الصلاة: (إتمام) (^٥) الركوع والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإقبال عليها فيها.\nوقال قتادة (^٦): (إقامة) (^٧) الصلاة: المحافظة على مواقيتها [ووضوئها، وركوعها وسجودها. وقال مقاتل (^٨) بن حيان: إقامتها المحافظة على مواقيتها] (^٩)، وإسباغ الطهور (فيها) (^١٠)، وتمام\n_________\n= وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٤): \"رجاله موثقون\".\nوإبراهيم بن جعفر ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٧)، وترجمه البخاري في \"الكبير\" (١/ ٢٧٨/١، ٢٧٩)؛ وابن أبي حاتم (١/ ١/ ٩١) ونقل عن أبيه قال: \"هو صالح\" وأبوه جعفر بن محمود ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ١٠٧)، وترجمه البخاري (١/ ٢/ ١٩٩)؛ وابن أبي حاتم (١/ ١/ ٤٨٩) ونقل عن أبيه قال: \"محله الصدق\" ووقع عندهما: \"مسلمة\" بدل \"سلمة\" وهذا الإسناد حسن، وهو أجود من الذي أورده المصنف، لكن عذر المصنف في عدم إيراده، والله أعلم، أنه ليس فيه محل الشاهد الذي أورده من أجله وهو قوله: \"أولئك قوم آمنوا بالغيب\".\n(^١) في (ن): \"بديلة\" وهو وجه في اسمها، ووجه ثان: \"تويلة\" بالتاء.\n(^٢) في (ز) و(ل) و(ن): \"مستقبلون\".\n(^٣) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس].\n(^٤) في (ج) و(ل): \"إقام\".\n(^٥) في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ص): \"تمام\".\n[وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ومعناه صحيح].\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٧٥) بسند صحيح.\nوعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٢٧) لعبد بن حميد وحده.\n(^٧) في (ج): \"إقام\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٦) من طريق محمد بن مزاحم أنبأ بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان وهذا سند جيد، وبكير بن معروف متماسك، قال أحمد وأبو داود والنسائي: \"لا بأس به\" وضعفه أحمد في رواية وابن المبارك، وقال ابن عدي: \"بكير بن معروف ليس بكثير الرواية، وأرجو أنه لا بأس به، وليس حديثه بالمنكر جدًّا\". وهذا الذي قاله ابن عدي يتعلق بالأحاديث المرفوعة، والرجل فكان صاحب تفسير، اهتم به وعانى عليه، ولا شكَّ أنه في تفسيره أضبط وأحفظ، والله أعلم.\n(^٩) ساقط من (ج).\n(^١٠) أشار في (ج) و(ع) أنه وقع في نسخة: \"لها\".","vol":"1","page":261},{"text":"ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النَّبِيّ ﷺ؛ فهذا إقامتها.\nوقال علي بن أبي (^١) طلحة وغيره (^٢)، عن ابن عباس: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: زكاة أموالهم.\nوقال السدي (^٣)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: نفقة الرجل على أهله. وهذا قبل أن تنزل الزكاة.\nوقال جويبر (^٤)، عن الضحاك: كانت النفقات (قربات) (^٥) يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتَّى نزلت فرائض الصدقات: سبع آيات في سورة براءة مما يذكر فيهن الصدقات هن الناسخات المثبتات.\nوقال قتادة (^٦): ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم يوشك أن تفارقها.\nواختار ابن جرير (^٧) أن الآية عامة في الزكاة والنفقات؛ فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين - زكاةً (كان) (^٨) ذلك، أو نفقة من لزمته نفقته، من أهل (و) (^٩) عيال وغيرهم ممن يجب عليهم نفقته بالقرابة والملك، وغير ذلك؛ لأن الله تعالى عم وصفهم، ومدحهم بذلك. وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه.\nقلت: كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال؛ فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده، والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه. والإنفاق: هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثم الأجانب؛ فكل من النفقات الواجبة، والزكاة المفروضة، داخل في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\nولهذا ثبت في \"الصحيحين\" (^١٠)، عن ابن عمر (﵄) (^١١): أن رسول الله ﷺ قال: \"بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت\".\nوالأحاديث في هذا كثيرة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٢٨٦) [وسنده ثابت].\n(^٢) أخرجه ابن إسحاق، ومن طريقه الطبري (٢٨٥)؛ وابن أبي حاتم (٧٧) قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه، [وسنده حسن].\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٢٨٨) وهو حسن، وأخرجه ابن أبي حاتم (٧٨) من قول السدي.\n[وسنده ضعيف لخلط السدي بين الأسانيد].\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٢٨٧) وجويبر تالف.\n(^٥) كذا في (ز)، وفي سائر \"الأصول\": \"قرباتًا\"!!\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٩) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وسنده صحيح.\n(^٧) في \"تفسيره\" (١/ ٢٤٤ - شاكر).\n(^٨) في (ن): \"كانت\"، وسقط اللفظ من (ل).\n(^٩) في (ز) و(ن): \"أو\".\n(^١٠) أخرجه البخاري (١/ ٤٩)؛ ومسلم (٢٢/ ١٦).\n(^١١) من (ن).","vol":"1","page":262},{"text":"وأصل الصلاة في كلام العرب: الدعاء؛ قال الأعشى (^١):\nلها حارس لا يبرح الدهر بيتها … وإن ذبحت صلى عليها وزمزما\nوقال أيضًا (^١):\nوقابلها الريح في دنها … وصلى على دنِّها وارتسم (^٢)\nأنشدهما ابن جرير مستشهدًا على ذلك.\nوقال الآخر، وهو الأعشى أيضًا (^١):\nتقول بنتي وقد قربت مرتحلًا … يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا\nعليك مثل الذي صليت فاغتمضى … نومًا فإن لجنب المرء مضطجعا\nيقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظاهر.\nثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها وأنواعها المشهورة.\nقال ابن جرير (^٣): (وأرى) (^٤) أن الصلاة (المفروضة) (^٥) سميت صلاة لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه (فيها) (^٦) من حاجته (^٧).\n[وقيل: هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع والسجود، وهما عرقان (يمتدان) (^٨) من الظهر حتَّى يكتنفا عجب الذنب. ومنه سمي المصلي، وهو (التالي) (^٩) للسابق في حلبة الخيل. وفيه نظر.\nوقيل: هي مشتقة من \"الصِلي\"، وهو الملازمة للشيء، من قوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾ [الليل: ١٥] أي: لا يلزمها ويدوم فيها، ﴿إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥].\nوقيل: مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوَّم، كما أن المصلي يقوِّم عوجه بالصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر. واللّه أعلم] (^١٠).\nوأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه إن شاء الله (تعالى) (^١١).\n_________\n(^١) هو في \"ديوانه\" (ص ٢٩٣) و(ص ٣٥) و(ص ١٠١).\n(^٢) في حاشية (ج): \"ارتسم؛ أي: كبر ودعا لها. قالها الجوهري\".\n(^٣) في \"تفسيره\" (١/ ٢٤٣ - شاكر).\n(^٤) في (ن): \"وروى\" وأشار في الحاشية أنه وقع في نسخة: \"أرى\".\n(^٥) ساقط من (ن).\n(^٦) ساقط من (ز) و(ن) وهو الموافق لما في \"تفسير ابن جرير\".\n(^٧) عند \"ابن جرير\" بعدها: \"تعرض الداعي بدعائه ربه استنجاح حاجته وسؤله\".\n(^٨) في (ج) و(ل): \"ممتدان\".\n(^٩) في (ج): \"الثاني\".\n(^١٠) ساقط من (ز).\n(^١١) من (ن).","vol":"1","page":263},{"text":"<span id=\"aya-11\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾.\nقال ابن (^١) عباس: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: (يصدقونك) (^٢) بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم.\n﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان، وإنما سميت الآخرة؛ لأنها بعد الدنيا.\nوقد اختلف المفسرون في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣] ومن هم؟ على ثلاثة أقوالٍ حكاها ابن جرير (^٣):\nأحدها: أن الموصوفين أولًا هو الموصوفون ثانيًا، وهم كل مؤمن؛ مؤمنوا العرب و(مؤمنو) (^٤) أهل الكتاب وغيرهم؛ قاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة.\nوالثاني: هما واحد، وهم مؤمنو أهل الكتاب.\nوعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات، كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥)﴾ [الأعلى] وكما قال الشاعر (^٥):\nإلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم\nفعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد.\nوالثالث: أن الموصوفِين أولًا مؤمنو العرب، والموصوفون ثانيًا بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ (مؤمنوا) (^٦) أهل الكتاب. نقله السدي (^٧) في \"تفسيره\" عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة.\nواختاره ابن جرير (﵀) (^٨)، ويستشهد لما قال بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ …﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩].\nوبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾ [القصص] وبما ثبت في \"الصحيحين\" (^٩) من حديث الشعبي، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٢٨٩)؛ وابن أبي حاتم (٨٠) من طريقين عن سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فيما حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس. [وسنده حسن].\n(^٢) في (ز) و(ن) و(هـ): \"يصدقون\".\n(^٣) في \"تفسيره\" (١/ ٢٤٥).\n(^٤) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).\n(^٥) والبيت في \"خزانة الأدب\" (١/ ٤٠٧) غير منسوب. وانظر \"شواهد الكشاف\" (١/ ١٨).\n(^٦) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٢٩٢) [وسنده ضعيف].\n(^٨) من (ن).\n(^٩) [أخرجه الشيخان من طريق الشعبي به (صحيح البخاري، العلم، باب تعليم الرجل أمته وأهله (ح ٩٧)؛ =","vol":"1","page":264},{"text":"بُردة، عن أبي موسى - أن رسول الله ﷺ قال: \"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بي. ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه. ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها\".\nوأما ابن جرير (^١) فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله (تعالى) (^٢) وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: (منافق، وكافر) (^٣)، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين: عربي، وكتابي.\nقلت: والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري (^٤)، عن رجل، عن مجاهد. ورواه غير (^٥) واحد عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد - أنه قال: أربع آيات من (أول) (^٦) سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، (وثلاث عشرة) (^٧) في المنافقين؛ فهذه الآيات الأربع عامات في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي وكتابي من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى؛ بل كل واحدة مستلزمة للأخرى، وشرط معها؛ فلا يصح الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول (ﷺ) (^٨)، وما جاء به من قبله من الرسل (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) (^٩) والإيقان بالآخرة؛ كما أن هذا لا يصح إلا (بهذاك) (^١٠).\nوقد أمر الله المؤمنين بذلك، كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [النساء: ١٣٦] وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ …﴾ الآية [العنكبوت: ٤٦] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨].\nوأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك؛ فقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقال (تعالى) (^١١): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] إلى غير ذلك من\n_________\n= وصحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ ح ١٥٤)].\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٢٤٨، ٢٤٩).\n(^٢) من (خ) و(ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(ص) و(ي).\n(^٣) في (ن): \"كافر ومنافق\".\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٣١٦) من طريق سفيان بن وكيع قال: ثنا أبي، عن الثوري.\n(^٥) مثل عيسى بن ميمون، وشبل بن عباد المكي. أخرج ذلك ابن جرير (٣١٤، ٣١٥) وهو صحيح الإسناد، وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٢٣) للفريابي وعبد بن حميد وابن الضريس وابن المنذر.\n(^٦) زيادة من (ن).\n(^٧) في (ن): \"ثلاثة عشر\"!\n(^٨) من (ز) و(ن) و(هـ).\n(^٩) من (ن).\n(^١٠) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي)؛ وفي (ز) و(ن): \"بذاك\"، وفي (ل): \"بذلك\".\n(^١١) يعني: \"صحيح البخاري\" ولكن المصنف ﵀ وهم في عزوه هذا اللفظ إلى البخاري، فليس عنده \"إذا حدثكم أهل الكتاب\" وكأن المصنف كتب الحديث من حفظه فلفقه من حديثين كما يأتي وإنما الذي عند =","vol":"1","page":265},{"text":"الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان باللّه ورسوله وكتبه، لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية؛ وذلك أنهم يؤمنون بما بأيديهم مفصلًا؛ فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلًا كان لهم على ذلك الأجر مرتين. وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان بما تقدم مجملًا، كما جاء في \"الصحيح\" (^١): \"إذا حدثكم أهل الكتاب (فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) ولكن قولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ \".\nولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد ﷺ أتم وأكمل، وأعمَّ وأشمل، من إيمان من دخل منهم في الإسلام؛ فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية، فغيرهم (قد) (^٢) يحصل له من التصديق ما ينيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم. واللّه أعلم.\n\n<span id=\"aya-12\"></span>﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.\nيقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق من الذي رزقهم الله، والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل، والإيقان بالدار الآخرة؛ وهو (يستلزم) (^٣) الاستعداد لها من (العمل بالصالحات) (^٤) وترك المحرمات. ﴿عَلَى هُدًى﴾ أي: على نور وبيان وبصيرة من الله تعالى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.\nوقال محمد بن إسحاق (^٥)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم (به) (^٦)؛ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا.\nوقال ابن جرير (^٧): وأما معنى قوله (تعالى) (^٨): ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾.\nفإن معنى ذلك أنهم على نور من ربهم، وبرهان واستقامة، وسداد (بتسديد الله) (^٩) إياهم، وتوفيقه لهم.\nوتأويل قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: المنجحون، المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم، وإيمانهم باللّه وكتبه ورسله من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب.\nوقد حكى ابن جرير (^١٠) قولًا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى\n_________\n= البخاري: عن أبي هريرة ﵁ قال: \"كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام] فقال رسول الله ﷺ: \"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا باللّه وما أنزل إلينا … الآية\".\n(^١) في (ن): \"فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم\".\n(^٢) ساقط من (ز) و(ل) و(ن).\n(^٣) في (ن): \"مستلزم\".\n(^٤) في (ن): \"الأعمال الصالحة\".\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٢٩٣، ٢٩٤)؛ وابن أبي حاتم (٨٤ - ٨٨) من طريق سلمة بن الفضل، قال: حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق به [وسنده حسن].\n(^٦) من (ن).\n(^٧) في \"تفسيره\" (١/ ٢٤٩).\n(^٨) من (ن).\n(^٩) في (ن): \"بتسديده\".\n(^١٠) في \"تفسيره\" (١/ ٢٤٨).","vol":"1","page":266},{"text":"هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله (تعالى (^١): ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ …﴾ [البقرة: ٤] (الآية) (^٢)، [على ما تقدم من الخلاف. وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾] (^٣). منقطعًا مما قبله، وأن يكون مرفوعًا على الابتداء وخبره ﴿[أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾] (^٤) وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ واختار أنه عائد إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب، لما رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ. أما الذين يؤمنون بالغيب فهم المؤمنون من العرب، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين: فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة (المؤمنين) (^٥) عامةً والإشارة عائدة عليهم. واللّه أعلم.\nوقد نقل (هذا) (^٦) عن مجاهد، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة؛ ﵏.\nوقال ابن أبي (^٧) حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن (أبي الهيثم) (^٨) - واسمه سليمان بن (عبد) (^٩)، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبِيّ ﷺ؛ وقيل له: يا رسول الله، إنا نقرأ من القرآن فنرجوا، ونقرأ (من القرآن) (^١٠) فنكاد أن نيأس، أو كما قال. قال: \"أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) …﴾ \" إلى قوله تعالى: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ هؤلاء أهل الجنة. قالوا: إنا نرجوا أن نكون هؤلاء، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ …﴾ [البقرة: ٦] إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] هؤلاء أهل النار. قالوا: لسنا هم يا رسول الله؟ قال: أجل\" (^١١).\n\n<span id=\"aya-13\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: غطوا (الحق) (^١٢) وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم\n_________\n(^١) من (ز) و(ن).\n(^٢) من (ز).\n(^٣) ساقط من (ج).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ن).\n(^٥) في (ز) و(ن): \"للمؤمنين\".\n(^٦) ساقط من (ن).\n(^٧) في \"تفسيره\" (٨٦) ورجاله ثقات غير ابن لهيعة، ففيه مقال مشهور.\n(^٨) في (ج) و(ل): \"أبي القاسم\"! وهو تصحيف.\n(^٩) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(ي) وهو الموافق لما في تفسير ابن أبي حاتم ووقع في (ن) و(هـ): \"عبيد الله\" وكتب ابن المحب في حاشية (ج) وأشار إلى \"عبد\" صوابه \"عمرو \"وهو سليمان بن عمرو بن عبيد أو عبد العتواري.\nقلت: فكأنهم نسبوه إلى جده. واللّه أعلم.\n(^١٠) كذا في (ز) و(ن) وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" وسقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).\n(^١١) [سنده ضعيف].\n(^١٢) في (ز): \"الكفر\" وهو خطأ واضح.","vol":"1","page":267},{"text":"ذلك، سواء عليهم إنذارك وعدمه؛ فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس] وقال تعالى في حق المعاندين من أهل الكتاب: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ …﴾ الآية [البقرة: ١٤٥] أي: إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مسعد له، ومن أضله فلا هادي له؛ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر، ومن تولى فلا تحزن عليهم، (ولا يهمدنك) (^١) ذلك؛ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢].\nوقال علي بن أبي (^٢) طلحة، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى؛ فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول.\nوقال محمد بن (^٣) إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة - أو سعيد بن جبير -، عن ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، وقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟\nوقال أبو جعفر (^٤) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩].\nوالمعنى الذي ذكرناه أولًا، وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة أظهر، (ويفسره (^٥) بقية) الآيات التي في معناها. والله أعلم.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم (^٦) هاهنا حديثًا؛ فقال: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان بن صالح\n_________\n(^١) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(ي)، ووقع في (ص): \"يهدنك\"، وفي (ن): \"يهمنك\"، وسقط هذا اللفظ من (ل).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٢٩٧)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٣٠٢٥)؛ والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١٤٦) من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح [وسقط ذكره عند الطبري] عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. [وسنده ثابت]. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٢٨، ٢٩) لابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٢٩٥)؛ وابن أبي حاتم (٩٢) من طريق سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق به وعزاه السيوطي (١/ ٢٩) لابن إسحاق. [وسنده حسن].\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٣) من طريق آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر الرازي به. [وسنده جيد].\nوأخرجه ابن جرير (٢٩٨) من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس من قوله ولم يذكر \"أبا العالية\".\n(^٥) في (ز) و(ن): \"يفسر ببقية\".\n(^٦) في \"تفسيره\" (٨٦) ومر الكلام عليه آنفًا.","vol":"1","page":268},{"text":"المصري، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قيل: يا رسول الله؛ إنا نقرأ من القرآن فنرجوا؛ ونقرأ فنكاد أن نيأس؛ فقال: \"ألا أخبركم\"؟ ثم قال: \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ هؤلاء أهل النار\". قالوا: لسنا (هم) (^١) يا رسول الله. قال: \"أجل\" (^٢).\n(٣) [وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أي: هم كفار في كلا الحالين؛ فلهذا أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ويحتمل أن يكون \"لا يؤمنون\" خبرًا؛ لأن تقديره إن الذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ جملةً معترضةً. واللّه أعلم] (^٣).\n\n<span id=\"aya-14\"></span>﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾.\nقال السدي (^٤): ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ أي: طبع الله. وقال قتادة في هذا الآية: استحوذ عليهم الشيطان؛ إذ أطاعوه، فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة؛ فهم لا يبصرون هدًى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون (^٥).\nوقال ابن جريج (^٦): قال مجاهد: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال (الطبع) (^٧) ثبتت الذنوب على القلب، فحفت به من كل نواحيه حتَّى تلتقى عليه، فالتقاؤها عليه: الطبع. والطبع: الختم.\nقال ابن جريج (^٨): الختم على القلب والسمع.\nقال ابن جريج (^٩): وحدثني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدًا يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد (من) (^١٠) ذلك كله.\nوقال الأعمش (^١١): أرانا مجاهد بيده؛ فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه - يعني: الكف، فإذا أذنب العبد ذنبًا ضم منه، وقال بإصبعه الخنصر هكذا، فماذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى هكذا، حتَّى ضم أصابعه كلها، قال: ثم يطبع عليه بطابع.\nوقال مجاهد: كانوا يرون أن ذلك الرين. ورواه ابن جرير (^١٢)، عن أبي كريب، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، بنحوه.\n_________\n(^١) في (ن): \"منهم\".\n(^٢) [سنده ضعيف].\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٧) عن السدي، عن أبي مالك قوله. وسنده حسن.\n(^٥) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة].\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٣٠٢)؛ وابن أبي حاتم (٩٩) من طريق حجاج بن محمد، ثنا ابن جريج، عن مجاهد. وابن جريج مدلسٌ، ولم يسمع من مجاهد إلا حرفًا واحدًا.\n(^٧) ساقط من (ز).\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٣٠٢ - ٣٠٦).\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٣٠٣) وسندهُ قويٌّ.\n(^١٠) من (ن).\n(^١١) أخرجه ابن جرير (٣٠٠) من طريق يحيى بن عيسى، عن الأعمش. وسنده حسن.\n(^١٢) في \"تفسيره\" (٣٠١).","vol":"1","page":269},{"text":"قال ابن جرير (^١): وقال بعضهم: إنما معنى قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ إخبار من الله عن تكبرهم، وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق؛ كما يقال: إن فلانًا (لأصم) (^٢) عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهمه تكبرًا؛ قال: وهذا يصح؛ لأن الله (تعالى) (^٣) قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.\n[قلت: وقد أطنب الزمخشري (^٤) في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا، وتأول الآية من خمسة أوجه؛ وكلها ضعيفة جدًّا، وما (حداه) (^٥) على ذلك إلا اعتزاله؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها عن وصول الحق إليها قبيح عنده، يتعالى الله عنه في اعتقاده؛ ولو فهم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠] وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل، وتركهم الحق؛ وهذا عدل منه تعالى حسن، وليس بقبيح، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال واللّه أعلم.\nقال القرطبي (^٦): وأجمعت الأمة على أن الله (تعالى) (^٧) قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاةً لكفرهم، كما] (^٨) [قال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وذكر حديث تقليب القلوب (^٩)، و\"يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك\" (^١٠)] (^١١).\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٢٦٠).\n(^٢) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ي) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\"؛ وفي (ن): \"أصم\"؛ وفي (ك): \"لأهتم\"!!\n(^٣) من (ن).\n(^٤) في \"الكشاف\" (١/ ٢١).\n(^٥) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي)؛ وفي (ن): \"جرأه\".\n(^٦) في \"تفسيره\" (١/ ١٨٧).\n(^٧) كذا في (ك) وهو الموافق لما في \"القرطبي\"، ووقع في (ن): \" ﷿ \" ولم يذكر لا هذا ولا ذاك في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ي).\n(^٨) ساقط من (ز).\n(^٩) يعني حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: \"مثل القلب مثل ريشة، تقلبها الرياح بفلاة\". أخرجه ابن ماجة (٨٨)؛ وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢٢٨) من طريق يزيد الرقاشي، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى.\nويزيد الرقاشي واه، وخالفه سعيد الجريري، فرواه عن غنيم بن قيس قال: قال أبو موسى فذكره موقوفًا.\nأخرجه أحمد في \"الزهد\" (ص ١٩٩) قال: حَدَّثَنَا إسماعيل، عن الجريري. وهذا سند جيد، وإسماعيل بن علية سمع من الجريري قبل الاختلاط، وخالفه يزيد بن هارون فرواه عن الجريري به مرفوعًا. أخرجه أحمد (٤/ ٤١٩)؛ وابن أبي عاصم (٢٢٧) ورواية إسماعيل أصح ويزيد سمع من الجريري في الاختلاط، ومما يؤيد رواية الْوَقْف أن علي بن مسهر رواه عن عاصم الأحول، عن أبي كبشة السدوسي، عن أبي موسى قال: \"إنما سمى القلب لتقلبه … إلخ\". أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٦٣) وتوبع علي بن مسهر. تابعه عبد الله بن المبارك في \"الزهد\" (٣٥٨)، وعزاه السيوطي في \"الجامع الصغير\" للطبراني في \"الكبير\" وصححه قال الشارح المناوي في \"فيض القدير\" (٣/ ٢): \"قال العراقي: إسناده حسن\".\n(^١٠) أخرجه النسائي في \"النعوت\" (٤/ ٤١٤ - الكبرى)؛ وابن ماجة (١٩٩)؛ وأحمد (٤/ ١٨٢)؛ وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢١٩ - ٢٣٠)؛ وابن حبان (٢٤١٩ - موارد)؛ والحاكم (٢/ ٢٨٩ و٤/ ٣٢١)؛ والطبراني في \"الدعاء\" (١٢٦٢)؛ والآجري في \"الشريعة\" (ص ٣١٧) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، سمعت بسر بن عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: حدثني النواس بن سمعان مرفوعًا: \"ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه\" وكان رسول الله ﷺ يقول: \"يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك\" قال: \"والميزان بيد الرحمن يرفع أقوامًا ويخفض آخرين إلى يوم القيامة\".\nقال البوصيري في \"الزوائد\" (٨٧/ ١): \"هذا إسناد صحيح\" ونقل المناوي في \"فيض القدير\" (٥/ ٤٩٣) عن العراقي أنه قال: \"إسناده جيد\" وللحديث شواهد عن جماعة من الصحابة يأتي تخريجها إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الأنفال الآية [٢٤].\n(^١١) ساقط من (ز).","vol":"1","page":270},{"text":"[وذكر حديث حذيفة الذي في \"الصحيح\" (^١) عن رسول الله ﷺ؛ قال: \"تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا؛ فأي قلب أُشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتَّى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا … \" الحديث] (^٢).\nقال (ابن جرير) (^٣): والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله ﷺ؛ وهو ما حدّثنا به محمد بن بشار، حَدَّثَنَا صفوان بن عيسى، حَدَّثَنَا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونزع (واستغفر) (^٤) صقل قلبه، وإن زاد زادت حتَّى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤].\nوهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي، والنسائي، عن قتيبة (عن) (^٥) الليث بن سعد؛ وابن ماجة، عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، والوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان، به. وقال الترمذي: \" (حديث) (^٦) حسن صحيح\".\nثم قال ابن جرير (^٧): فأخبر (رسول الله) (^٨) ﷺ أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا\n_________\n(^١) يعني: \"صحيح مسلم\" وهو في \"كتاب الإيمان\" (١٤٤/ ٢٣١).\n(^٢) ساقط من (ز).\n(^٣) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٣٠٤)؛ وأخرجه الترمذي (٣٣٣٤)؛ والنسائي في \"التفسير\" (٦٧٨)، وفي \"اليوم والليلة\" (٤١٨)؛ وابن ماجة (٤٢٤٤)؛ وأحمد (٢/ ٢٩٧)؛ وابن حبان (١٧٧١ - موارد)؛ وابن جرير (٣٠/ ٦٢)؛ والآجري في \"الشريعة\" (١١١)؛ والحاكم (٢/ ٥١٧)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (١٠/ ١٨٨) وفي \"الشعب\" (٦٨٠٨)، وفي \"الآداب\" (١١٧٩)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ٨٨، ٨٩) من طرق عن محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. وسنده جيد.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\" وصححه الحاكم على شرط مسلم وفيه نظر، فإن مسلمًا لم يحتج بابن عجلان.\n(^٤) كذا في \"تفسير الطبري\" وسائر الكتب التي خرجت هذا الحديث، ووقع في سائر \"الأصول\": \"واستعتب\".\n(^٥) في (ن): \"و\" وهو خطأ فاحش.\n(^٦) من (ج).\n(^٧) في \"تفسيره\" (١/ ٢٦١).\n(^٨) من (ز) و(ن)، ووقع في (ك): \"النَّبِيّ\" وضرب عليها الناسخ.","vol":"1","page":271},{"text":"للكفر (منها) (^١) مخلص؛ فذلك هو الختم والطبع (^٢) [الذي (ذكره الله في قوله) (^٣): ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (وَعَلَى سَمْعِهِمْ)﴾ (^٤) نظير الختم والطبع] (٢) على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا (بفض) (^٥) ذلك عنها ثم حلها؛ فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد (فضه) (^٦) خاتمه وحله رباطه (عنها) (^٧).\nواعلم أن الْوَقْف التام على قوله (تعالى) (^٨): ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ جملة تامة؛ فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة - وهي الغطاء - تكون على البصر، كما قال السدي في \"تفسيره\" (^٩)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ يقول: فلا يعقلون ولا يسمعون. ويقول: \"وجعل على أبصارهم غشاوة\" يقول: على أعينهم فلا يبصرون.\nوقال ابن جرير (^١٠): حدثني محمد بن سعد، حَدَّثَنَا أبي، حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، والغشاوة على أبصارهم.\nقال (^١١): وحدثنا القاسم، حَدَّثَنَا الحسين: يعني: ابن داود، وهو سُنيد، حدثني حجاج، وهو ابن محمد الأعور، حدثني (ابن) (^١٢) جريج؛ قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] وقال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣].\nقال ابن جرير: (ومن) (^١٢) نُصِبَ \"غشاوةً\" من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل؛ تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوةً. ويحتمل أن يكون نصبها على الاتباع على محل ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة: ٢٢].\nوقول الشاعر:\n(علفتها) (^١٣) تبنًا وماء باردًا … حتَّى شتت همالةً عيناها\nوقال الآخر (^١٤):\n_________\n(^١) في (ز) و(ن): و\"عنها\".\n(^٢) ساقط من (ك).\n(^٣) كذا في (ج) و(ل) و(ى) وفي (ز) و(ن): \"ذكر في قوله تعالى\"؛ وفي (هـ): \"قال الله\".\n(^٤) من (ن).\n(^٥) في (ل): \"بنقض\".\n(^٦) كذا في (ج) و(ي)؛ وفي (ز) و(هـ): \"فض\"؛ وفي (ك) \"فض به\"؛ وفي (ن): \"فظ\"؛ وفي (ل): \"نقض\".\n(^٧) ساقط من (ز).\n(^٨) من (ز) و(ن).\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٣٠٨)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٩٥) عن السدي قوله.\n(^١٠) في \"تفسيره\" (٣٠٥) وسنده ضعيف …\n(^١١) يعني: ابن جرير. وهو في \"تفسيره\" (٣٠٦).\n(^١٢) ساقط من (ج). [وسنده ضعيف لضعف سُنيد].\n(^١٣) في (ج) و(ك) و(ل) و(ي): \"فعلفتها\".\n(^١٤) نسبه القرطبي إلى عبد الله بن الزبعري، وهو في \"الكامل\" (١/ ٣٤٤) أيضًا.","vol":"1","page":272},{"text":"ورأيت زوجك في الوغى … متقلدًا سيفًا ورمحا\nتقديره: وسقيتها ماءً باردًا. ومعتقلًا رمحًا.\nلما تقدم وصفُ المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بهاتين الآيتين - شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر. ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة؛ كل منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور تعريفًا لأحوالهم لتجتنب ويجتنب من تلبس بها أيضًا؛ فقال تعالى:\n\n<span id=\"aya-15\"></span>﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾.\nالنفاق: هو إظهار الخير، وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي؛ وهو الذي يخلد صاحبه في النار. وعملي؛ وهو من أكبر الذنوب، كما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله (تعالى) (^١).\nوهذا كما قال (ابن جريج) (^٢): المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه (^٣).\nوإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق؛ بل كان خلافه؛ من الناس من كان يظهر الكفر مستكرهًا وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع حلفاء الخزرج؛ وبنو النضير وبنو قريظة حلفاء الأوس. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقلَّ من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام ﵁، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضًا؛ لأنَّهُ لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف؛ بل قد كان عليه (الصلاة) (^٤) والسلام وادع اليهود وقبائل كثيرةً من أحياء العرب حوالي المدينة؛ فلما كانت وقعة بدر العظمى، وأظهر الله كلمته، (وأعلا) (^٥) الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أُبي بن سلول - وكان رأسًا في المدينة، وهو من الخزرج، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا أن يملكوه عليهم، فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه؛ فبقي في نفسه من الإسلام وأهله. فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر قد توجه؛ فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته، وآخرون من أهل الكتاب؛ فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب.\nفأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد (نافق) (^٦) (لأنه لم يكن أحد) (^٧) يهاجر مكرهًا، بل يهاجر\n_________\n(^١) من (ز) و(ك) و(ن).\n(^٢) في (*): \"ابن جرير\"!\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٣١٩) وسنده قوي.\n(^٤) من (ز) و(ن)؛ وفي (ك): \" ﷺ \".\n(^٥) في (ن): \"وأعز\".\n(^٦) من (ن).\n(^٧) ساقط من (ي).","vol":"1","page":273},{"text":"(فيترك) (^١) ماله وولده وأرضه رغبةً فيما عند الله في الدار الآخرة.\nقال محمد بن إسحاق (^٢): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ يعني: المنافقين من الأوس والخزرج، ومن كان على أمرهم.\nوكذا فسرها بالمنافقين (من الأوس والخزرج) (^٣) أبو العالية والحسن، وقتادة، والسدي؛ ولهذا نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر؛ وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ أي: يقولون ذلك قولًا ليس وراءه شيء آخر كما قال (تعالى) (^٤): ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) (^٥)﴾ [المنافقون: ١] أي: إنما يقولون ذلك إذا جاءوك فقط لا في نفس الأمر؛ ولهذا يؤكدون في الشهادة بـ\"إن\" ولام التأكيد في خبرها، كما أكدوا (قولهم) (^٦): قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وليس الأمر كذلك، كما (أكذبهم) (^٧) الله في شهادتهم، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وبقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-16\"></span>وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه، كما قد يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾ [المجادلة: ١٨].\nولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: ﴿وَمَا (يَخْدَعُونَ) (^٨) إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.\n(٩) [يقول: وما يغرون بصنيعهم هذا، ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون] (^٩) بذلك من أنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ومن (^١٠) القراء من قرأ ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ وكلتا القراءتين ترجع إلى معنًى واحد.\nقال ابن جرير (^١١): فإن قال قائل: كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعًا، وهو لا يظهر\n_________\n(^١) في (ز): \"ويترك\".\n(^٢) أخرجه ابن إسحاق، كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٢٩)، ومن طريقه ابن جرير (٣١٢)؛ وابن أبي حاتم (١٠٤). [وسنده حسن].\n(^٣) ساقط من (ي).\n(^٤) من (ز) و(ن).\n(^٥) من (ن).\n(^٦) في (ن): \"أمرهم\".\n(^٧) في (ن): \"كذبهم\".\n(^٨) في في (ز) و(ل) و(ن) و(هـ) ووقع في (ج) و(ع) و(ك) و(ي): \"يخادعون\" وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو بن العلاء.\n(^٩) ساقط من سياق (ج)، واستدركته من الحاشية.\n(^١٠) وهم بقية السبعة دون من سميتهم آنفًا.\n(^١١) في \"تفسيره\" (١/ ٢٧٣ - شاكر).","vol":"1","page":274},{"text":"بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقيةً؟ قيل: لا تمنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف مخادعًا، فكذلك المنافق سمي مخادعًا للّه وللمؤمنين بإظهار ما ظهره بلسانه تقية بما يخلص به من القتل (والسباء) (^١) والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهره مستبطن؛ وذلك من فعله فين كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا، فهو لنفسه بذلك من فعله خادع؛ لأنَّهُ يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها، ويسقيها كأس سرورها، وهو (مُوردها) (^٢) حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، (ومُزيرها) (^٣) من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به؛ فذلك خديعته نفسه ظنًّا منه، مع إساءته إليها في أمر معادها، أنه إليها محسن؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ إعلامًا منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم، في إسخاطهم عليها ربهم، بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على (عمياء) (^٤) من أمرهم مقيمون.\nومقال ابن أبي (^٥) حاتم: أنبأنا علي بن المبارك فيما كتب إلي، حَدَّثَنَا زيد بن المبارك، حَدَّثَنَا محمد بن ثور، عن ابن جريج - في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ - قال: يظهرون لا إله إلا الله، يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك.\nوقال سعيد (^٦)، عن قتادة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ نعت المنافق عند كثير: خنع الأخلاق، يصدق بلسانه، وينكر بقلبه، ويخالف بعمله، يصبح على حال، ويمسي على غيره، ويمسي على حال، ويصبح على غيره، ويتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح (هب) (^٧) معها.\n\n<span id=\"aya-17\"></span>﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾.\nقال السدي (^٨)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب (النَّبِيّ) (^٩) ﷺ في هذه الآية: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال: شكَّ، ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قال: شكًّا.\nوقال ابن إسحاق (^١٠)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ - قال: شكّ.\n_________\n(^١) في (ك) و(ن): \"السبي\".\n(^٢) في \"تفسير ابن جرير\": \"موردها به\".\n(^٣) في (ك): \"يزيدها\" وفي \"ابن جرير\": \"مذيقها\" وأثبت الشيخ محمود شاكر حفظه الله ما أثبته هنا عن هذا الموضع وأزاره: يعني حمله على الزيارة، وهذا من باب السخرية بهم.\n(^٤) في (ن): \"عمي\".\n(^٥) في \"تفسيره\" (١٠٧) وسنده جيد.\n(^٦) هو سعيد بن أبي عروبة، والخبر أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٨) من طريق يزيد بن زريع، ثنا ابن أبي عروبة. وسنده صحيح.\n(^٧) في (ن): \"هبت\"، ووقع كذلك عند \"ابن أبي حاتم\"، وهو خطأ فإن هذا الفعل عائد على \"المنافق\" والله أعلم.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٣٢٤) [وسنده ضعيف].\n(^٩) في (ن) و(هـ): \"رسول الله\".\n(^١٠) أخرجه ابن إسحاق ومن طريقه ابن جرير (٣٢٢)؛ وابن أبي حاتم (١١٢، ١١٤) [وسنده حسن].","vol":"1","page":275},{"text":"وكذلك قال مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة.\nوعن عكرمة، وطاوس: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: الرياء.\nوقال الضحاك (^١)، عن ابن عباس: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ - قال: نفاق. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ - قال: نفاقًا. وهذا كالأول.\nوقال عبد الرحمن (^٢) بن زيد بن أسلم: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال: هذا مرض في الدين، وليس مرضًا في الأجساد؛ وهم المنافقون. والمرض: الشكُّ الذي دخلهم في الإسلام.\n﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قال: زادهم رجسًا؛ وقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥] قال: شرًّا إلى شرهم، وضلالةً إلى ضلالتهم. وهذا الذي قاله عبد الرحمن ﵀ حسن، وهو الجزاء من جنس العمل. وكذلك قاله الأولون؛ وهو نظير قوله تعالى أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧].\n[وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وقرئ (^٣) \"يُكذِّبون\". وقد كانوا متصفين بهذا وهذا؛ فإنهم كانوا كذبة ويكذبون (بالحق) (^٤)، يجمعون بين هذا وهذا.\nوقد سئل القرطبي (^٥) وغيره من المفسرين عن حكمة كفه عليه (الصلاة) (^٦) والسلام [عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم، وذكروا أجوبةً عن ذلك؛ منها ما ثبت في \"الصحيحين\"] (^٧) أنه] (^٨) [(ﷺ) (^٩) قال لعمر ﵁: \"أكره (^١٠) أن يتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه\".\nومعنى هذا خشية (أن يقع) (^١١) بسبب ذلك (تنفير) (^١٢) لكثير من] (^١٣). [الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر؛ فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون: إن محمدًا يقتل أصحابه] (^١٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٣٢٣)؛ وابن أبي حاتم (١١١) وسنده ضعيف كما تقدم.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٣٢٥) وسنده صحيح.\n(^٣) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وأبي جعفر، ويعقوب.\n(^٤) في (ن): \"بالغيب\".\n(^٥) كما في \"تفسيره\" (١/ ١٩٨، ١٩٩).\n(^٦) من (ن).\n(^٧) ساقط من (ك).\n(^٨) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).\n(^٩) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).\n(^١٠) أخرجه البخاري (٦/ ٥٤٦؛ و٨/ ٦٤٨، ٦٥٢)؛ ومسلم (٦٣/ ٢٥٨٤)، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النَّبِيّ ﷺ في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: ياللأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فقال رسول الله ﷺ: \"ما بال دعوى الجاهلية؟ \" قالوا: يا رسول الله! كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: \"دعوها فإنها منتنة\" فسمعها عبد الله بن أبي فقال: قد فعلوها، والله! لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: \"دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه\" واللفظ لمسلم. وأخرجه البخاري في \"فرض الخمس\" (٦/ ٢٣٨) مختصرًا.\n(^١١) في (ج) و(ل): \"أن لا يقع\".\n(^١٢) كذا في (ج) و(ك) وفي (ل) و(ن): \"تغير\".\n(^١٣) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).\n(^١٤) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).","vol":"1","page":276},{"text":"[قال القرطبي (^١): وهذا قول علمائنا وغيرهم، كما كان يعطي المؤلفة (قلوبهم) (^٢) مع علمه (بسوء) (^٣) اعتقادهم.\nقال ابن عطية (^٤): وهي طريقة أصحاب مالك، نص عليه محمد بن الجهم، والقاضي إسماعيل، (و) (^٥) الأبهري (و) (^٦) ابن الماجشون] (^٧).\n[ومنها: ما قال مالك (﵀) (^٨): إنما كف رسول الله ﷺ عن المنافقين (ليسُن) (^٩) لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه.\nقال القرطبي (^١٠): وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه وإن اختلفوا في سائر الأحكام] (^١١).\n[قال (^١٢): ومنها ما قال الشافعي: إنما منع رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يجب ما قبله.\nويؤيد هذا قوله عليه (الصلاة) (^١٣) والسلام في الحديث المجمع على صحته في \"الصحيحين\" (^١٤) وغيرهما: \"أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إلا الله، فماذا قالوها عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿\".\nومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرًا؛ فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه في الآخرة) (^١٥) جريان الحكم عليه في الدنيا، وكونه كان خليط أهل الإيمان: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية [الحديد: ١٤] (^١٦).\n[فهم يخالطونهم في بعض المحشر، فإذا حقّت المحقوقية تميزوا منهم، وتخلفوا بعدهم، وحيل بينهم وبينهم، ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم، كما نطقت بذلك الأحاديث (^١٧)] (^١٨).\nومنها ما قاله بعضهم: إنه إنما لم يقتلهم؛ لأنَّهُ كان (لا يخاف) (^١٩) من شرهم مع وجوده ﷺ بين أظهرهم، يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيُقتلون إذا أظهروا النفاق، وعلمه\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ١٩٩).\n(^٢) من (ج).\n(^٣) في (ج): \"بشر\".\n(^٤) في \"تفسيره\" (١/ ١٧١).\n(^٥) ساقط من (ج). والأبهري هو الفقيه المحدث محمد بن عبد الله بن محمد أبو بكر، مترجم في \"سير النبلاء\" (١٦/ ٣٣٢).\n(^٦) في (ن): \"وعن\".\n(^٧) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).\n(^٨) من (ج) و(ل).\n(^٩) في (ن): \"ليبين\".\n(^١٠) في \"تفسيره\" (١/ ١٩٨).\n(^١١) ساقط من (ز).\n(^١٢) يعني \"القرطبي\" (١/ ٢٠٠).\n(^١٣) من (ن).\n(^١٤) أخرجه البخاري (٣/ ٢٦٢؛ و١٢/ ٢٧٥؛ و١٣/ ٢٥٠)؛ ومسلم (٢٠/ ٣٢).\n(^١٥) ساقط من (ن).\n(^١٦) ساقط من (ز).\n(^١٧) وقد ذكر المصنف ﵀ بعضها في سورة القلم عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢].\n(^١٨) ساقط من (ز).\n(^١٩) في (ج): \"يخاف\".","vol":"1","page":277},{"text":"[المسلمون؛ قال مالك: المنافق في عهد رسول الله ﷺ هو الزنديق اليوم.\nقلت: وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر؛ هل يستتاب أم لا؟ أو يفرق بين أن يكون داعيةً أم لا؟ أو يتكرر منه ارتداده أم لا؟ أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه، أو بعد أن ظهر عليه؟ على أقوال متعددة، موضع بسطها وتقريرها وعزوها \"كتاب الأحكام\".\nتنبيه: قول من قال: كان عليه (الصلاة) (^١) والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث (^٢) حذيفة بن اليمان في تسمية] (^٣). [أولئك الأربعة عشر منافقًا في غزوة تبوك الذين هموا أن يفتكوا برسول الله ﷺ في ظلماء الليل عند عقبة (هنالك) (^٤) عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها؛ فأوحى (الله) (^٥) إليه أمرهم (وأطلع) (^٦) على ذلك حذيفة. ولعلَّ الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها. واللّه أعلم.\nفأما غير هؤلاء فقد قال الله (تعالى) (^٥): ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١].\nوقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦٠، ٦١] ففيها دليل على أنه لم يغر بهم، ولم (يدل) (^٧) على أعيانهم؛ وإنما كان يذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠].\nوقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أُبي بن سلول، وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين، ومع هذا] (^٣). [لما مات صلى عليه رسول الله ﷺ وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين وقد عاتبه عمر بن الخطاب (﵁) (^٨) فيه، فقال: \"إني أكره أن تتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه\" (^٩).\nوفي رواية في \"الصحيح\" (^١٠): \"إني خيرت فاخترت\". وفي رواية (^١٠): \"لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت\"] (^١١).\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٧٩/ ٩ - ١١).\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) في (ن): \"هناك\".\n(^٥) من (ن).\n(^٦) في (ن): \"فاطلع\".\n(^٧) في (ن): \"يدرك\"!\n(^٨) من (ن).\n(^٩) لم يقل النَّبِيّ ﷺ هذا الكلام في هذا الموضع، فلعل قلم المصنف ﵀ سبقه، وقد مرت مناسبة هذا الحديث منذ قليل. والله أعلم.\n(^١٠) يعني: \"صحيح البخاري\" وقد رواه في \"الجنائز\" (٣/ ٢٢٨)؛ وفي \"التفسير\" (٨/ ٣٣٣).\n(^١١) ساقط من (ز).","vol":"1","page":278},{"text":"<span id=\"aya-18\"></span>﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾.\nقال السدي في \"تفسيره\" (^١)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الطيب (الهمداني) (^٢)، عن ابن مسعود، وعن أنس من أصحاب النَّبِيّ ﷺ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ (قال: هم المنافقون) (^٣).\nأما ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: الفساد هو الكفر، والعمل بالمعصية.\nوقال أبو جعفر (^٤)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: يعني لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنَّهُ من عصى الله في الأرض، (أو) (^٥) (بمعصية الله) (^٦)، فقد أفسد في الأرض لأنَّ صلاح الأرض والسماء بالطاعة.\nوهكذا (^٧) قال الربيع بن أنس، وقتادة.\nوقال ابن (^٨) جريج، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن (على الهدى) (^٩) مصلحون.\nو(قد) (^١٠) قال وكيع، وعيسى بن يونس، وعثام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن سلمان الفارسي (^١١): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ قال سلمان: لم يجئ أهل هذه (الآية) (^١٢) بعد.\nوقال ابن جرير (^١٣): حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي، عن الأعمش، عن زيد بن وهب وغيره، عن سلمان (الفارسي) (^١٤) في هذه الآية، قال: ما جاء هؤلاء.\n_________\n(^١) ومن طريقه: أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٣٣٩).\n(^٢) من (ز) و(ن).\n(^٣) من (ن) وحدها، وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\". [وسنده ضعيف].\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٣٤٠)؛ وابن أبي حاتم (١٢١) من طريقين عن أبي جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية. [وسنده جيد].\n(^٥) في (ج) و(ل): \"و\".\n(^٦) في (ن): \"بمعصيته\".\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١٢٢).\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٣٤٢).\n(^٩) ساقط من (ج)، ووقع في (هـ): \"مصلحون على الهدى\" وأشار الناسخ إلى أنه وقع تقديم وتأخير في الكلام.\n(^١٠) ساقط من (ن).\n(^١١) أخرجه ابن جرير (٣٣٧)؛ وابن أبي حاتم (١٢٣) من طريق ثلاثتهم عن الأعمش به وسنده ضعيف لضعف عباد بن عبد الله ولكن تابعه زيد بن وهب وغيره عن سلمان الفارسي مثله.\nأخرجه ابن جرير (٣٣٨) من طريق عبد الرحمن بن شريك، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حدثني الأعمش، عن زيد بن وهب. وسنده ضعيف أيضًا وعبد الرحمن بن شريك وثقه ابن حبان ولكن وهاه أبو حاتم الرازي، وأبوه شريك النخعي سيء الحفظ وانضمام أحد السندين إلى آخر يشعر أن للكلام أصلًا. والله أعلم.\n(^١٢) في (ك): \"الأمة\"!\n(^١٣) في \"تفسيره\" (٣٣٨).\n(^١٤) ساقط من (ن).","vol":"1","page":279},{"text":"قال ابن جرير: يحتمل أن سلمان (﵁) (^١) أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادًا من الذين كانوا في زمن النَّبِيّ ﷺ، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد.\nقال ابن جرير (^٢): فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد (عملًا) (^٣) إلا بالتصديق به، والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب باللّه وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا؛ فذلك إفساد المنافقين في (الأرض) (^٤)، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها.\nوهذا الذي قاله حسن؛ فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء؛ كما قال تعالى: (﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال: ٧٣] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ [النساء: ١٤٤].\nثم قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء] فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكان الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنَّهُ هو الذي غرَّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له؛ ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على (حاله الأول) (^٥) لكان شره أخف، ولو أخلص العمل للّه وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ أي: نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين؛ ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء؛ كما قال محمد (^٦) بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ أي: إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب.\n\n<span id=\"aya-19\"></span>يقول الله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه، ويزعمون أنه إصلاح، هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا.\n\n<span id=\"aya-20\"></span>﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.\nيقول تعالى: وإذا قيل للمنافقين: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ أي: كإيمان الناس باللّه وملائكته،\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ٢٨٩، ٢٩٠).\n(^٣) كذا في كل \"الأصول\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\"، ووقع في (ز): \"عمل\" بالرفع، على اعتبار أن الفعل مبني لما لم يسم فاعله.\n(^٤) في \"الطبري\": \"أرض الله\".\n(^٥) في (ز) و(هـ): \"حالته الأولى\".\n(^٦) أخرجه ابن إسحاق ومن طريقه: ابن جرير (٣٤١)؛ وابن أبي حاتم (١٢٤). [وسنده حسن].","vol":"1","page":280},{"text":"وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وغير ذلك مما أخبر (المؤمنون) (^١) به وعنه؛ وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ يعنون - لعنهم الله -: أصحاب رسول الله ﷺ ﵃؛ قاله أبو العالية (^٢)، والسدي في \"تفسيره\" (^٣) بسنده عن ابن عباس، وابن مسعود، وغير واحد من الصحابة؛ وبه يقول الربيع بن (^٤) أنس، وعبد الرحمن بن زيد (^٥) بن أسلم، وغيرهم: يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة، وعلى طريقة واحدة، وهم سفهاء؟\nوالسفهاء: جمع سفيه كما أن الحكماء جمع حكيم، (والحلماء جمع حليم) (^٦). والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار؛ ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله (تعالى) (^٧): ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] قال عامة علماء (التفسير) (^٨): هم النساء والصبيان.\nوقد تولى الله (﷾) (جوابهم) (^٩) في هذه المواطن كلها؛ فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ فأكد وحصر السفاهة فيهم.\n﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل؛ وذلك أردى لهم، وأبلغ في العمى والبعد عن الهدى.\n\n<span id=\"aya-21\"></span>﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.\nيقول تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: ﴿آمَنُوا﴾ (أي) (^١٠): أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقًا، ومصانعةً وتقيةً، وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم.\n﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ يعني: وإذا انصرفوا وذهبوا (وخلصوا) (^١١) إلى شياطينهم، فضمن \"خلوْا\" معنى انصرفوا؛ لتعديته بـ\"إلى\"، ليدلَّ على الفعل المضمر، والفعل الملفوظ به.\nومنهم من قال: \"إلى\" هنا بمعنى \"مع\". والأول أحسن. وعليه يدور كلام ابن جرير (^١٢).\nوقال السدي (^١٣)، عن أبي مالك: ﴿خَلَوْا﴾ يعني: مضوا. وشياطينهم: سادتهم وكبراؤهم ورؤساؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين.\n_________\n(^١) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي) ووقع في (ز) و(ل) و(ن): \"المؤمنين\" على اعتبار أن الفعل مبني للمعلوم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٩). [وسنده جيد].\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٣٤٤). [وسنده ضعيف ويتقوى بالآثار التي تليه].\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٣٤٥، ٣٤٦). [وسنده جيد].\n(^٥) ساقط من (ز).\n(^٦) من (ز) و(ن).\n(^٧) في (ز): \"السلف\".\n(^٨) ل في (ع) و(ل) و(هـ) و(ي) وسقط لفظ \"تعالى\" من (ز) و(ن).\n(^٩) في (ل): \"إخوانهم\".\n(^١٠) ساقط من (ن).\n(^١١) في (ز): \"وأخلصوا\".\n(^١٢) في \"تفسيره\" (١/ ٢٩٨).\n(^١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٠). [وسنده حسن].","vol":"1","page":281},{"text":"قال السدي في \"تفسيره\" (^١)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة (الهمداني) (^٢)، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [يعني: هم رؤوسهم في الكفر] (^٣).\n[وقال الضحاك (^٤)، عن ابن عباس: وإذا خلوا إلى أصحابهم وهم شياطينهم] (^٥).\nوقال محمد بن (^٦) إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب، وخلاف ما جاء به الرسول ﷺ.\nوقال مجاهد (^٧): ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين.\nوقال قتادة (^٨): ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ قال: إلى رؤوسهم وقادتهم في الشرك والشر.\nوبنحو ذلك فسره أبو مالك، وأبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس.\nقال ابن جرير: وشياطين كل شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].\nوفي \"المسند\" (^٩)، عن أبي ذرٍّ؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تعوَّذ باللّه من شياطين الإنس والجن\". فقلت: يا رسول الله، أو للإنس شياطين؟ قال: \"نعم\".\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ قال محمد بن إسحاق (^١٠)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أي: إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم.\nوقال الضحاك (^١١)، عن ابن عباس؛ قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ساخرون بأصحاب محمد ﷺ.\n_________\n(^١) ومن طريقه ابن جرير (٣٥١). [وسنده ضعيف، ويشهد له سابقه].\n(^٢) من (ن).\n(^٣) ساقط من (ك).\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٣٤٩)؛ وابن أبي حاتم (١٣٦) وسنده ضعيف.\n(^٥) ساقط من (ك).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٣٥٠)؛ وابن أبي حاتم (١٣٧). [وسنده حسن].\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٣٥٥)؛ وابن أبي حاتم (١٣٩)؛ وعبد بن حميد، كما في \"الفتح\" (٨/ ١٦١)، من طريقين عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٣٥٢)؛ وابن أبي حاتم (١٣٨) من طريق عبد الوهاب بن عطاء ويزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وهذا سند صحيح، وعبد الوهاب ويزيد من قدماء أصحاب سعيد.\n(^٩) للإمام أحمد (٥/ ١٧٨، ١٧٩) وتقدم تخريجه في \"سورة الفاتحة\" عند الكلام على الاستعاذة.\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٣٥٠)؛ وابن أبي حاتم (١٤١). [وسنده حسن].\n(^١١) أخرجه ابن جرير (٣٥٩)؛ وابن أبي حاتم (١٤٢) وسنده ضعيف [ويشهد له ما يليه].","vol":"1","page":282},{"text":"وكذلك قال الربيع (^١) بن أنس، وقتادة.\n\n<span id=\"aya-22\"></span>وقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلةً على صنيعهم: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.\nوقال ابن جرير (^٢): أخبر تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة في قوله (تعالى) (^٣): ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ الآية [الحديد] وقوله (تعالى) (^٣): ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ الآية [آل عمران: ١٧٨].\nقال (^٤): فهذا وما أشبهه من استهزاء الله تعالى ذكره، وسخريته ومكره، وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به، عند قائل هذا القول ومتأول هذا التأويل.\nقال (^٥): وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه والكفر به.\nقال (^٥): وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب؛ كقول الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك. ولم يكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذا صار الأمر إليه.\nقالوا: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران]، و﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على الجواب؛ واللّه لا يكون منه المكر ولا الهزء. والمعنى أن المكر والهزء حاق بهم.\nوقال آخرون: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] و﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وما أشبه ذلك، إخبار من الله تعالى أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، (ومعاقبهم) (^٥) عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن (جزائه) (^٦) إياهم، وعقابه لهم، مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (^٧) [الشورى: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] فالأول ظلم، والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظهما فقد اختلف معناهما. قال: وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك.\nقال (^٨): وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا: إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد (ﷺ) (^٩) وما جاء به وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم مستهزئون؛ فأخبر تعالى أنه يستهزئ بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا - يعني: من عصمة دمائهم وأموالهم - خلاف الذي لهم عنده في الآخرة؛ يعني: من العذاب والنكال.\n_________\n(^١) أخرجهما ابن جرير (٣٦١، ٣٦٢). [بسندين ثابتين].\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ٣٠١).\n(^٣) من (ز) و(ن).\n(^٤) يعني: ابن جرير (١/ ٣٠١، ٣٠٢).\n(^٥) في (ز): \"يعاقبهم\".\n(^٦) في (ز): \"جوابه\".\n(^٧) في (ن): \"فمن عفا وأصلح فأجره على الله\".\n(^٨) يعني: ابن جرير (١/ ٣٠٣).\n(^٩) من (ز) و(ن).","vol":"1","page":283},{"text":"ثم شرع ابن جرير (^١) يوجه هذا القول وينصره، لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب (والعبث) (^٢) (منتف) (^٣) عن الله ﷿ بالإجماع. وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك.\nقال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس (^٤): حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا عثمان، حَدَّثَنَا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قال: يسخر بهم للنقمة منهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال السدي (^٥)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة (الهمداني) (^٦)، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النَّبِيّ ﷺ: يمدهم: يملي لهم. وقال مجاهد (^٧): يزيدهم.\n[وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦] وقال:] (^٨) ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] قال بعضهم: كلما أحدثوا ذنبًا أحدث لهم نعمةً، وهي في الحقيقة نقمة. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ (^٩) [الأنعام].\nقال ابن (^١٠) جرير: والصواب يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم؛ كما قال (تعالى) (^١١): ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠].\nوالطغيان: هو المجاوزة في الشيء، كما قال (تعالى) (^١٢): ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ [الحاقة: ١١].\nوقال الضحاك (^١٣)، عن ابن عباس: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في كفرهم يترددون. وكذا فسره السدي (^١٤) بسنده عن الصحابة، وبه (^١٥) يقول أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس، ومجاهد، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد: في كفرهم وضلالتهم.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٣٠٣).\n(^٢) في (ج): \"العنت\"!\n(^٣) في (ن): \"منتفى\"!\n(^٤) يعني ابن جرير (٣٦٣) وسنده ضعيف.\n(^٥) في (تفسيره)، ومن طريقه ابن جرير (٣٦٤)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٤٤) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].\n(^٦) من (ن).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٣٦٥)؛ وابن أبي حاتم (١٤٥). [وسنده صحيح] وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٣١) للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٨) ساقط من (ز).\n(^٩) ساقط من (ز).\n(^١٠) في \"تفسيره\" (١/ ٣٠٧).\n(^١١) من (ز) و(ن).\n(^١٢) من (ن).\n(^١٣) أخرجه ابن جرير (٣٦٦)؛ وابن أبي حاتم (١٤٨) وسنده ضعيف [ويشهد له ما يليه].\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (٣٦٧). [وسنده ضعيف ويشهد له ما يليه].\n(^١٥) أخرج أقوالهم: ابن جرير (٣٦٨، ٣٦٩، ٣٧٠)؛ وابن أبي حاتم (١٤٧)، [وكلها أسانيد ما بين صحاح وجياد].","vol":"1","page":284},{"text":"قال ابن جرير (^١): والعمه: الضلال، يقال: عَمِه فلان يعمه عمهًا وعموها، إذا ضل. قال: وقوله: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في ضلالتهم، وكفرهم الذي غمرهم دنسه، وعلاهم رجسه، يترددون حيارى ضُلالًا، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلًا؛ لأن الله (تعالى) (^٢) قد طبع على قلوبهم، وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى، وأغشاها؛ فلا يبصرون رشدًا، ولا يهتدون سبيلًا.\n[وقال بعضهم: العمى في العين، والعمه في القلب؛ وقد يستعمل العمى في القلب أيضًا؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].\nوتقول: عمه الرجل يعمه عموهًا فهو عمه وعامه، وجمعه عُمَّهٌ. وذهبت إبله (العمهى) (^٣)؛ إذا لم يدر أين ذهبت] (^٤).\n\n<span id=\"aya-23\"></span>﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾.\nقال السُّدِيُّ في \"تفسيره\" (^٥)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ قال: أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى.\nوقال (محمد) (^٦) بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٧): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: الكفر بالإيمان.\nوقال مجاهد (^٨): آمنوا ثم كفروا.\nوقال قتادة (^٩): استحبوا الضلالة على الهدى.\nوهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].\nوحاصل قول المفسرين فيما تقدم أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة؛ وهو معنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: بذلوا الهدى ثمنًا للضلالة. وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر؛ كما قال (تعالى) (^١٠) فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣] وأنهم استحبوا\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٣٠٩).\n(^٢) ليس في (ن).\n(^٣) في (ن): \"العمهاء\".\n(^٤) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^٥) ومن طريقه ابن جرير (٣٨١)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٥٥) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].\n(^٦) من (ل).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٣٨٠)؛ وابن أبي حاتم (١٥٣) [وسنده حسن].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٣٨٣، ٣٨٤)؛ وابن أبي حاتم (١٥٤) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وسنده صحيح.\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٣٨٢)؛ وابن أبي حاتم (١٥٢) من طريقين عن قتادة، وسنده جيد.\n(^١٠) من (ز) و(ن).","vol":"1","page":285},{"text":"الضلالة على الهدى، كما (قد) (^١) يكون حال فريق آخر منهم؛ فإنهم أنواع وأقسام؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي: ما ربحت (صفقتهم) (^٢) في هذه البيعة.\n﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي: راشدين في صنيعهم ذلك.\nوقال ابن (^٣) جرير: حدثنا (بشر) (^٤)، حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة.\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم (^٥) من حديث يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة بمثله سواء.\n\n<span id=\"aya-24\"></span>﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾.\n[يقال: مثلي ومثل ومثيل أيضًا. والجمع أمثال؛ قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾] (^٦) [العنكبوت: ٤٣].\n(وتقرير) (^٧) هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله، وانتفع بها، وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتأنس بها؛ فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدى؛ وهو مع (ذلك) (^٨) أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصره؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد.\nوفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا، ثم كفروا، كما أخبر (تعالى عنهم) (^٩) في غير هذا الموضع. واللّه أعلم.\n[وقد حكى هذا الذي قلناه (فخر الدين) (^١٠) الرازي في] (^١١» \"تفسيره\" عن السدي (^١٢)؛ ثم قال: والتشبيه ها هنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولًا نورًا، ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك (النور) (^١٣) فوقعوا في حيرة عظيمة؛ فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين] (^١٤).\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ن).\n(^٢) في (ج): \"صفتهم\"!!\n(^٣) في \"تفسيره\" (٣٨٥).\n(^٤) في (ن): \"بشير\" وهو خطأ وفي \"تفسير الطبري\": \"بشر بن معاذ\". [وسنده صحيح].\n(^٥) في \"تفسيره\" (١٥٧) من طريق العباس بن الوليد ثنا يزيد بن زريع به. [وسنده صحيح].\n(^٦) ساقط من (ز).\n(^٧) في (ن): \"وتقدير\".\n(^٨) في (ن): \"هذا\".\n(^٩) كذا في (ل) و(ن) وفي (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي): \"عنهم تعالى\".\n(^١٠) ساقط من (ل) و(ن).\n(^١١) ساقط من (ز).\n(^١٢) وأخرجه ابن جرير (٣٨٨) عن السدي.\n(^١٣) ساقط من (ن).\n(^١٤) ساقط من (ز).","vol":"1","page":286},{"text":"وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل ها هنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات؛ واحتج بقوله (تعالى) (^١): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة].\nوالصواب أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم؛ وهذا لا ينفى أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك ثم سلبوه، وطبع على قلوبهم. ولم يستحضر ابن جرير (﵀) (^١) هذه الآية ها هنا، وهي قوله تعالى: (﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] فلهذا وجه هذا المثل بأنهم استضاءوا بما أظهروه من كلمة الإيمان؛ أي: في الدنيا؛ ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة. قال: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: كدوران الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] [وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].\nوقال بعضهم: تقدير الكلام: مثل قصتهم (كقصة) (^٢) (الذي استوقد) (^٣) نارًا.\nوقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون: \"الذي\" ها هنا بمعنى \"الذين\"، كما قال الشاعر (^٤):\nوإن الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كل القوم يا أم خالد] (^٥)\nقلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ وهذا أفصح في الكلام، وأبلغ في النظام.\nوقوله (تعالى) (^٦): ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي: (أذهب) (^٧) عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان.\n﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ لا يهتدون إلى (سبيل) (^٨) خير، ولا يعرفونها، وهم مع ذلك ﴿صُمٌّ﴾ لا يسمعون خيرًا، ﴿بُكْمٌ﴾ لا يتكلمون بما ينفعهم، (﴿عُمْيٌ﴾) في ضلالة وعماية البصيرة؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ [الحج: ٤٦] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.\n_________\n(^١) من (ز) و(ن).\n(^٢) في (ك): \"كمثل\".\n(^٣) في (ن): \"الذين استوقدوا\".\n(^٤) قال الشيخ محمود شاكر حفظه الله في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (١/ ٣٢٠): \"هذا الشعر للأشهب بن رميلة وعزا ذلك لـ\"الخزانة\" (٢/ ٥٠٧، ٥٠٨)؛ و\"البيان\" (٤/ ٥٥)؛ و\"كتاب سِيْبَويَه\" (١/ ٩٦)؛ و\"المؤتلف والمختلف\" (٣٣) للآمدي، وذكر البغدادي أن أبا تمام أنشد البيت في أبيات لحريث بن محفض في كتابه \"مختار أشعار القبائل\". وروايته \"إن اللألى\" ولا شاهد فيه، وهم يقولون: إن النون حذفت من \"الذين\" فصارت \"الذي لطول الكلام وللتخفيف، وهي بمعنى الجمع لا المفرد، و\"فلج\" وادٍ بين البصرة وحمى ضرية، كانت فيه هذه الواقعة التي ذكرها\". اهـ.\n(^٥) ساقط من (ز).\n(^٦) من (ز) و(ن).\n(^٧) في (ك) و(ن): \"ذهب\"؛ وفي (ن): \"ذهب عنهم بما\".\n(^٨) في (ز): \"سبل\".","vol":"1","page":287},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه:</span>\nقال السدي في \"تفسيره\" (^١)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة (الهمداني) (^٢)، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة - في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ زعم أن ناسًا دخلوا في الإسلام مقدم نبي اللّه ﷺ المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد نارًا؛ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾ (^٣) ما حوله من قذى أو أذًى، فأبصره حتَّى عرف ما يتقى (منها) (^٤) فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقى من أذى (فكذلك) (^٥) المنافق؛ كان في ظلمة الشرك، فأسلم، فعرف الحلال والحرام، والخير والشر؛ فبينما هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر.\n[وقال العوفي، عن ابن عباس (^٦)، في هذه الآية؛ قال: أما النور فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به. وأما الظلمة فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به؛ وهم قوم كانوا على هدًى ثم نزع منهم فعتوا بعد ذلك] (^٧).\nوقال مجاهد (^٨): ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى.\nوقال عطاء (^٩) الخراساني - في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا مثل المنافق يبصر أحيانًا، وبعرف أحيانًا، ثم يدركه عمى القلب.\nوقال ابن أبي حاتم: وروى عن عكرمة، والحسن، والسدي، والربيع (^١٠) بن أنس، نحو قول عطاء الخراساني.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^١١) - في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا …﴾ إلى آخر الآية؛ قال (^١٢): هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتَّى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا (﴿نَارًا﴾) (^١٣)، ثم كفروا، فذهب الله بنورهم، فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون.\n_________\n(^١) وعنه ابن جرير (٣٨٨)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٦٢) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].\n(^٢) من (ن).\n(^٣) في (ز): \"فأضاءت\".\n(^٤) في (ز) و(ن): \"منه\".\n(^٥) كذا في (ز) و(ع) و(هـ) و(ى) ووقع في (ج) و(ك) و(ل) و(ن): \"فذلك\".\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٣٨٩) وسنده ضعيف كما قدمت.\n(^٧) ساقط من (ز).\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٣٩٣)؛ وابن أبي حاتم (١٦١) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وسنده صحيح، وأخرجه ابن جرير (٣٩٥) عن ابن جريج عن مجاهد مثله.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٠) بسند ضعيف. [ويتقوى بالآثار التالية].\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٣٩٦).\n(^١١) وأخطا ناسخ (ن) فجعل قول عطاء الخراساني السابق قولًا لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فكأن نظره انتقل أثناء النسخ.\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (٣٩٧) وسنده صحيح.\n(^١٣) من (ل) و(ن).","vol":"1","page":288},{"text":"وأما قول ابن جرير (^١) فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٢)، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز، كما سلب صاحب النار ضوءه.\nوقال أبو جعفر الرازي (^٣)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ فإنما ضوء النار ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص بلا إله إلا الله أضاء له، فإذا شكَّ وقع في الظلمة.\nوقال الضحاك (^٤): ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ \"أما نورهم\" (^٥) فهو إيمانهم الذي تكلموا به.\nوقال عبد الرزاق (^٦)، عن معمر، عن قتادة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ فهي لا إله إلا الله، أضاءت لهم، فأكلوا بها وشربوا، وأمنوا في الدنيا، (ونكحوا) (^٧) النساء، وحقنوا دماءهم، حتَّى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.\nوقال سعيد (^٨)، عن قتادة في هذه الآية: إن المعنى أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله، فأضاءت له في الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها، وحقن بها دمه وماله؛ فلما كان عند الموت سلبها المنافق؛ لأنَّهُ لم يكن لها أصل في قلبه ولا حقيقة في عمله.\n﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قال علي (^٩) بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ يقول: في عذاب إذا ماتوا.\nوقال (محمد) بن إسحاق (^١٠)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن (^١١) عباس: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ أي: يبصرون الحق ويقولون به، حتَّى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر؛ فهم لا يبصرون هدًى، ولا يستقيمون على حق.\nوقال السدي في \"تفسيره\" (^١٢) بسنده: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ فكانت الظلمة نفاقهم.\nوقال الحسن البصري (^١٣): ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فذلك حين يموت المنافق، فيظلم\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٣٢٤، ٣٢٥).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٣٨٧)؛ وابن أبي حاتم (١٥٨) [وسنده ثابت].\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٩) وهو عند ابن جرير (٣٩٦) عن الربيع بن أنس قوله. [وسنده جيد].\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٣٩٢) وسنده حسن.\n(^٥) من (ن).\n(^٦) في \"تفسيره\" (١/ ٣٩) وعنه ابن جرير (٣٩١)؛ وابن أبي حاتم (١٦٤) وسنده صحيح.\n(^٧) في (ن): \"وأنكحوا\".\n(^٨) هو ابن أبي عروبة. وأخرجه ابن جرير (٣٩٠) عن يزيد بن زريع، عن سعيد به. [وسنده صحيح].\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٣٨٧)؛ وابن أبي حاتم (١٦٧). [وسنده ثابت].\n(^١٠) من (ز) و(ن).\n(^١١) أخرجه ابن إسحاق كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٣٢) ومن طريقه ابن جرير (٣٨٦)؛ وابن أبي حاتم (١٦٨). [وسنده حسن].\n(^١٢) وعنه ابن جرير (٣٨٨)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٧٠) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].\n(^١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧١) بسند ضعيف.","vol":"1","page":289},{"text":"عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملًا من خيرٍ عمل به يصدق به قول لا إله إلا الله.\n\n<span id=\"aya-25\"></span>﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ قال السدي (^١) بسنده: صم بكم عمى؛ فهم خرس عمي.\nوقال علي بن أبي طلحة (^٢)، عن ابن عباس: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يقول: لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه؛ ولا يعقلونه. وكذا قال أبو العالية، وقتادة بن دعامة.\n﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ قال ابن عَبَّاس (^٣): أي لا يرجعون إلى هدًى. وكذا قال الربيع بن أنس.\nوقال السدي (^٤) بسنده: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ إلى الإسلام.\nوقال قتادة (^٥): فهم لا يرجعون؛ أي: لا يتوبون، ولا هم يذكرون.\n\n<span id=\"aya-26\"></span>﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.\nوهذا مثل آخر ضربه (الله) (^٦) تعالى لضربٍ آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارةً، ويشكون تارةً أخرى؛ فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم (﴿كَصَيِّبٍ﴾).\nوالصيب: المطر؛ قاله (^٧) ابن مسعود، وابن (^٨) عباس، وناس من الصحابة، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، والسدي، والربيع بن أنس.\nوقال الضحاك: هو السحاب. والأشهر هو المطر نزل من السماء، في حال ظلمات؛ وهي الشكوك، والكفر، والنفاق.\n﴿وَرَعْدٌ﴾ وهو ما يزعج القلوب من الخوف؛ فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد، والفزع؛ كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ﴾ [المنافقون: ٤] وقال: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ [التوبة].\nوالبرق هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان من نور الإيمان؛\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٤٠٠) وهو عند ابن أبي حاتم (١٧٤) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٣٩٩)؛ وابن أبي حاتم (١٧٣). [وسنده ثابت].\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧٨) وسنده ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم (١٧٩) قوله. [وسنده ضعيف].\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٨٠)؛ وابن جرير (٤٠١) نحوه. [وسنده صحيح].\n(^٦) من (ز) و(ل) و(ن) و(هـ) (ي).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٤٠٨).\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٤٠٥)؛ وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٧٤٣) من طريق محمد بن عبيد عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. وسنده قوي، وبقية الآثار عند ابن جرير وأبي الشيخ (٧٤٤)؛ وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" (١/ ٥٤). [وهذه الآثار أسانيدها ثابتة سوى أثر عطية العوفي ويتقوى بالآثار الأخرى].","vol":"1","page":290},{"text":"ولهذا قال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي: (ولا يجدي) (^١) عنهم حذرهم شيئًا؛ لأن الله محيط بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته؛ كما قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾ (^٢) [البروج].\n\n<span id=\"aya-27\"></span>ثم قال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان.\nوقال علي بن أبي (^٣) طلحة، عن ابن عباس: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يقول يكاد: محكم القرآن يدل على عورات المنافقين.\nوقال ابن (^٤) إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: لشدة ضوء الحق، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه؛ وتارةً تعرض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم، فوقفوا حائرين.\nوقال علي بن (^٥) أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقول: كلما [أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإذا أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلي الكفر؛ كقوله (تعالى) (^٦): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١].\nوقال محمد (^٧) بن إسحاق، عن محمد (بن أبي محمد) (^٨)، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا﴾] (^٩) أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: يعرفون الحق، ويتكلمون به؛ فهم (من) (^١٠) قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا؛ أي: متحيرين.\n_________\n(^١) في (ج) و(ل): \"يجزي\".\n(^٢) قال في حاشية (ج): \"حاشية: الصواعق: جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء في وقت الرعد الشديد، وحكى الخليل بن أحمد عن بعضهم: صاعقة، وحكى بعضهم: صاعقة، وصعقة، وصاقعة ونقل عن الحسن البصري أنه قرأ: من الصواقع حذر الموت؛ بتقديم القاف وأنشدوا لآبي اللحم:\nيحكون بالمصقولة القواطع … تشقق البرق عن الصواقع\nقال النحاس: وهي لغة بني تميم وبعض بني ربيعة. حرر ذلك القرطبي\". اهـ.\nقلت: وقد ثبتت هذه الحاشية في (ى) ولكن ناسخ (ل) وضعها في سياق الكلام، وكذلك ناسخ (ع) كتبها على حاشية نسخته وأشار في السياق إلى موضعها، والصواب أنها حاشية كما صرح به في (ج) والله أعلم.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٤٥٤) مطولًا. واختصره المصنِّف وهو كذلك عند ابن أبي حاتم (٢٠٤). [وسنده ثابت].\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٤٥١) مطولًا؛ وابن أبي حاتم (٢٠٧) مختصرًا. [وسنده حسن].\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٤٥٤)؛ وابن أبي حاتم (٢٠٩). [وسنده ثابت].\n(^٦) من (ن).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٤٥١). وهو عند ابن أبي حاتم (٢١٢) مختصر. [وسنده ثابت]\n(^٨).\n(^٩) ساقط من (ج) و(ع).\n(^١٠) في (ز): \"في\".","vol":"1","page":291},{"text":"وهكذا (^١) قال أبو العالية، والحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي بسنده عن الصحابة؛ وهو أصح وأظهر. واللّه أعلم.\nوهكذا يكونون يوم القيامة عند ما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم؛ فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ، وأكثر من ذلك وأقل من ذلك؛ ومنهم من يطفأ نوره تارة ويضيء (له) (^٢) أخرى، (ومنهم من يمشي) (^٣) على الصراط تارة ويقف أخرى؛ ومنهم من يطفأ نوره بالكلية، وهم الخُلَّص من المنافقين الذين قال (تعالى) (^٤) فيهم: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣].\nوقال في حق المؤمنين: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية [الحديد: ١٢] وقال (تعالى) (^٤): ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-72>ذكر الحديث الوارد في ذلك:</span>\nقال سعيد بن أبي عروبة، (عن قتادة) (^٥) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ …﴾ الآية [الحديد: ١٢]. ذكر لنا أن نبي اللّه ﷺ كان يقول: من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن (أبين) (^٦) فصنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه. رواه ابن جرير (^٧) ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن داور القطان، عن قتادة بنحوه.\nوهذا كما قال المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد اللّه بن مسعود؛ قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يؤتى نوره كالنخل؛ ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم؛ وأدناهم نورًا على إبهامه يطفأ مرةً ويتقد مرةً.\nوهكذا رواه ابن جرير (^٨)، عن ابن مثنى، عن ابن إدريس، عن أبيه، عن المنهال.\n_________\n(^١) أخرج هذه الآثار عنهم ابن جرير (٤٥٢، ٤٥٥، ٤٥٦، ٤٥٧، ٤٥٨، ٤٥٩، ٤٦٠) [وهذه الآثار أسانيدها ثابتة سوى سند السدي فضعيف ويتقوى بتلك الآثار].\n(^٢) ساقط من (ن).\n(^٣) كذا في (ع) و(هـ) و(ي)؛ وفي (ك): \"يمشي\"؛ وفي (ج) و(ز) و(ل): \"فيمشي\".\n(^٤) من (ز) و(ن).\n(^٥) ساقط من جميع الأصول ولا بدّ منه.\n(^٦) ذكر في (ي) أن \"أبين\" اسم رجل نسبت إليه \"عدن\".\n(^٧) في \"تفسيره\" (٢٧/ ١٢٨) وسنده ضعيف لإعضاله وله شواهد يأتي النظر فيها في تفسير سورة الحديد إن شاء الله تعالى.\nوأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٢٧٥) عن معمر، عن قتادة. قال: بلغنا أن المؤمنين … إلخ ولم يذكر رفعًا، مع أن السيوطي لما عزاه في \"الدر المنثور\" (٦/ ١٧٢) إلى عبد الرزاق ذكر \"الرفع\" فلعله تسامح في عزوه هكذا. واللّه أعلم.\n(^٨) في \"تفسيره\" (٢٧/ ١٢٨).\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٩٩) ومن طريقه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤٧٨) قال: حدثنا عبد اللّه بن إدريس بسنده سواء. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ١٧٢)؛ لابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه. قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين\" ووقع في \"تلخيص المستدرك\" أنه على =","vol":"1","page":292},{"text":"قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا (علي بن محمد) (^١) (الطنافسي) (^٢)، حدثنا ابن إدريس، سمعت أبي (يذكر) (^٣) عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد اللّه (بن مسعود) (^٤): ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: ٨]- قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرةً ويطفأ أخرى (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم (أيضًا) (^٦): حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا أبو يحيى الحمَّاني، حدثنا (عتبة) (^٧) بن (اليقطان) (^٨) عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره؛ فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ (^٩) [التحريم: ٨].\nوقال الضحاك بن مزاحم: يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورًا؛ فإذا انتهى إلى الصراط طُفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنين أشفقوا فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ (^١٠) [التحريم: ٨].\nفإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا: مؤمنون خلص، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة. وكفار خلص وهم الموصوفون بالآيتين بعدها. ومنافقون، وهم قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون؛ تارةً يظهر لهم لمع (من) (^١١) الإيمان، وتارةً يخبو؛ وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالًا من الذين قبلهم.\nوهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن، وما جعل اللّه في قلبه من الهدى والنور بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دُري؛ وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان، واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه (^١٢) إن شاء الله.\nثم ضرب مثل العُبَّاد من الكفار الذين يعتقدون أنهم على شيء، وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب في قوله (تعالى) (^١٣): ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ الآية [النور: ٣٩].\n_________\n= شرط البخاري! وكلا القولين خطأ فليس هو على شرط أحدهما والمنهال بن عمرو من مفاريد البخاري، وقيس بن السكن من مفاريد مسلم، وهو سند جيد. والله أعلم.\n(^١) في (ن): \"محمد بن علي بن محمد\" و\"محمد\" الأولى مقحمةٌ.\n(^٢) في (ز) و(ل): \"الطيالسي\" وهو خطأ.\n(^٣) في (ز): \"بكر\"!!\n(^٤) من (ن).\n(^٥) [سنده حسن].\n(^٦) من (ز) و(ع) و(ن) و(هـ) و(ي).\n(^٧) في (هـ): \"عقبة\" بالقاف، وهو خطأ ظاهر.\n(^٨) في (ز): \"القطان\" وهو خطأ أيضًا.\n(^٩) [سنده ضعيف لضعف عتبة بن يقظان (التقريب ص ٢٣٨١)].\n(^١٠) [يشهد له سابقه].\n(^١١) ساقط من (ن).\n(^١٢) في سورة النور عند الآية [٣٥].\n(^١٣) من (ن).","vol":"1","page":293},{"text":"ثم ضرب مثل الكفار الجهال الجهل البسيط، وهم الذين قال (اللّه) (^١) (تعالى) (^٢) فيهم: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور].\nفقسم الكفار ها هنا إلى قسمين: داعيةٍ ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ [الحج]. وقال (بعده) (^٣): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ [الحج].\nوقد قسَّم اللّه المؤمنين في أول الواقعة وفي آخرها. وفي سورة الإنسان إلى قسمين: سابقون وهم المقربون، وأصحاب يمين وهم الأبرار.\nفتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات أن المؤمنين صنفان: مقربون وأبرار، وأن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون، وأن المنافقين أيضًا صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في \"الصحيحين\" (^٤)، عن عبد اللّه بن عمرو، عن النبي ﷺ: \"ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان\".\nاستدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان وشعبة من نفاق؛ إما عملي لهذا الحديث، أو اعتقادي كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء، كما تقدم وكما سيأتي إن شاء اللّه (تعالى) (^٥).\nقال الإمام (^٦) أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية - يعني: شيبان - عن ليث، عن\n_________\n(^١) من (ج) و(ل) و(هـ).\n(^٢) من (ن) ووقع في (ز) و(ع) و(ك) و(ي): \"قال فيهم\".\n(^٣) من (ز) وحدها ووقع ترتيب الآيتين هكذا في (ك) وأما في (ج) و(ع) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ي) فقد ذكرت الآية الثانية قبل الأولى.\n(^٤) كذا عزاه المصنف ﵀ لـ\"الصحيحين\" من حديث ابن عمرو بلفظ: \"ثلاث\" وهو وهم، ولم أر لفظ \"ثلاث\" في حديث ابن عمرو إلا موقوفًا. أخرجه الفريابي في \"صفة المنافق\" (١٦، ١٧)؛ وابن جرير في \"تفسيره\" (١٠/ ١٩٢) بسندين فيهما مقال.\nأما لفظ حديث ابن عمرو في \"الصحيحين\" وفي غيرهما: \"أربع من كن فيه\" أو \"أربع خلال من كن فيه\" أو \"أربعة من كن فيه\" وزاد على ما ذكره المصنف: \"وإذا خاصم فجر\".\nأخرجه البخاري في \"الإيمان\" (١/ ٨٩)؛ وفي \"المظالم\" (٥/ ١٠٧)؛ وفي \"الجزية\" (٦/ ٢٧٩)؛ ومسلم في \"الإيمان\" (٥٨/ ١٠٦)؛ وأبو عوانة (١/ ٢٠)؛ وأبو داود (٤٦٨٨)؛ والنسائي (٨/ ١١٦)؛ والترمذي (٢٦٣٢)؛ وأحمد (٢/ ١٨٩، ١٩٨) وآخرون من طرق عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا فذكره. وقد خرَّجته في \"الصمت\" (٤٧١)؛ لابن أبي الدنيا وعزاه الزبيدي في \"الإتحاف\" (٢/ ٢٦٩) لابن ماجه وهو وهم.\n(^٥) من (ج) و(ك) و(ل) و(هـ).\n(^٦) في \"مسنده\" (٣/ ١٧)؛ وأخرجه الطبراني في \"الصغير\" (٢/ ١٠٩، ١١٠) وعنه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٨٥) من طريق أحمد بن خالد الوهبي قال: ثنا شيبان بن عبد الرحمن بسنده سواء.\nقال الطبراني: \"لم يروه عن شيبان إلا أحمد بن خالد الوهبي، ولا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد\". =","vol":"1","page":294},{"text":"عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح؛ فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن (سراجه) (^١) فيه نوره. وأما القلب الأغلف فقلب الكافر [وأما القلب المنكوس فقلب (المنافق) (^٢)] (^٣)، عرف ثم أنكر. وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم؛ فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\".\nوهذا إسناد جيد حسن.\nوقوله (تعالى) (^٤): ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [قال (محمد) (^٥) بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير؛ عن ابن (^٦) عباس - في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ قال: لما تركوا من (الحق) (^٧) بعد معرفته.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾] (^٨): قال (ابن إسحاق) (^٩): أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير.\nوقال ابن جرير (^١٠): إنما وصف اللّه تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير. ومعنى قدير قادر، كما (أن) (^١١) معنى عليم عالم.\n[وذهب ابن جرير (الطبري) (^١٢) ومن تبعه من كثير من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين، وتكون \"أو\" في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بمعنى الواو؛ كقوله (تعالى) (^١٣): ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أو تكون للتخيير؛ أي: اضرب لهم مثلًا بهذا، وإن شئت بهذا] (^١٤).\n_________\n= (*) قلت: لم يتفرد به الوهبي كما رأيت، وقد تابعه أيضًا هاشم بن القاسم ثنا شيبان. [قال محققو المسند: إسناد ضعيف لضعف ليث وهو ابن أبي سُليم، ولانقطاعه، أبو البختري، وهو سعيد بن فيروز، لم يدرك أبا سعيد الخدري (المسند ١٧/ ٢٠٨ ح ١١١٢٩)].\n(^١) كذا في (ج) و(ز) و(ل) وهو الموافق لما في \"المسند\"؛ ووقع في (ع) و(ك) و(ن) و(هـ) و(ي): \"فسراجه\".\n(^٢) في (ن): \"المنافق الخالص\"!!\n(^٣) ساقط من (ج).\n(^٤) من (ن).\n(^٥) ساقط من (ك).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٤٧٠)؛ وابن أبي حاتم (٢١٤) من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به. [وسنده حسن].\n(^٧) في (ج): \"حق \".\n(^٨) ساقط من (ك).\n(^٩) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ي) و(هـ) وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢١٥). ووقع في (ز) و(ن): \"ابن عباس\"! وهو خطأ.\n(^١٠) في \"تفسيره\" (١/ ٣٦١).\n(^١١) ساقط من (ج).\n(^١٢) من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).\n(^١٣) من (ن).\n(^١٤) ساقط من (ز).","vol":"1","page":295},{"text":"[قال القرطبي (^١): \"أو\" للتساوي، مثل جالس الحسن أو ابن سيرين على ما وجهه الزمخشري (^٢) إن كلا منهما مساوٍ للآخر في إباحة] (^٣) [الجلوس إليه، ويكون معناه على قوله: سواء ضربنا لهم مثلًا بهذا أو بهذا، فهو مطابق لحالهم.\nقلت: وهذا يكونُ باعتبار جنس المنافقين؛ فإنهم أصناف، ولهم أحوال وصفات كما ذكرها اللّه (تعالى) (^٤) في سورة (براءة) (^٥)؛ ومنهم؛ ومنهم؛ ومنهم - يذكر أحوالهم وصفاتهم، وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال؛ فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقةً لأحوالهم وصفاتهم. واللّه أعلم؛ كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين؛ في قوله (تعالى) (^٦): ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ..﴾ إلى أن قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ …﴾ الآية [النور: ٣٩: ٤٠]، فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب. والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين. واللّه أعلم بالصواب (^٧)] (^٣).\n\n<span id=\"aya-28\"></span>\n\n<span id=\"aya-29\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾.\nشرع (^٨) ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشًا؛ أي: مهدًا كالفراش (مقررةً) (^٩) موطأةً، مثبتةً بالرواسي الشامخات، والسماء بناءً وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢] وأنزل لهم من السماء ماءً؛ والمراد به السحاب ها هنا في وقته عند احتياجهم إليه؛ فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد، رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن.\nومن أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤].\n_________\n(^١) في \"الكشاف\" (١/ ٣٣).\n(^٢) ساقط من (ز).\n(^٣) في \"تفسيره\" (١/ ٢١٥).\n(^٤) من (ك) و(ن) و(هـ) و(ي).\n(^٥) في (ج): \"إبراهيم\" وهو خطأ.\n(^٦) من (ن).\n(^٧) في حاشية (ع): \"بلغ مقابلة، قرأه المصنف معارضًا بأصله، فسح اللّه في مدته\".\n(^٨) في حاشية (ج): \"حاشية: قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن عبد الملك الواسطي، ثنا طلق بن غنام، ثنا قيس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عكرمة، عن عبد الله قال: كل شيء نزل ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] فهو بمكة، وكل شيء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] فهو بالمدينة. ثم قال: لا نعلم أحدًا أسنده إلا قيس وغيره يرويه مرسلًا\"، وأدخل ناسخ (ل) هذه الحاشية في سياق كلام المصنف وفيه نظر إذ صرح ابن المحب ناسخ (ج) أنها حاشية، ولم يشر أنها من صنع المؤلف لذلك ما وجدتها في أي نسخة مسبوكة في سياق الكتاب واللّه أعلم.\n(^٩) في (ز): \"مقدرة\". ومعنى \"مقررة\": مسواةً مدحوة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤] ويأتي ذكر المؤلف لها قريبًا إن شاء اللّه تعالى.","vol":"1","page":296},{"text":"ومضمونه أنه الخالق الرازق، مالك الدار وساكنيها، ورازقهم؛ فبهذا يستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك به غيره؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nوفي \"الصحيحين\" (^١)، عن ابن مسعود؛ قال: قلت: يا رسول اللّه أي الذنب أعظم عند اللّه؟ قال: \"أن تجعل للّه ندًا وهو خلقك … \" الحديث.\nوكذا حديث (^٢) معاذ: \"أتدري ما حق الله على عباده؟ … أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا … \" الحديث.\nوفي الحديث (^٣) الآخر: \"لا يقولن أحدكم ما شاء اللّه وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء اللّه ثم شاء فلان\".\nوقال حماد بن (^٤) سلمة: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة أم المؤمنين لأمها؛ قال: رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود؛ فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن اللّه. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء اللّه وشاء محمد.\nقال: ثم مررت بنفر من النصارى [فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى] (^٥) قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن اللّه. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء اللّه وشاء محمد.\nفلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته؛ فقال: \"هل أخبرت بها أحدًا؟ \" قلت: نعم، فقام فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: \"أما بعد؛ فإن طفيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمةً كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها؛ فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء اللّه وحده\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨/ ١٦٣؛ و١٠/ ٤٣٣؛ و١٣/ ٤٩١، ٥٠٣)؛ ومسلم (٨٦/ ١٤١)؛ وأبو عوانة (١/ ٥٦)؛ وأبو داود (٢٣١٠)؛ وأحمد (١/ ٤٣٤) وغيرهم من طريق منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود. ووقع في سنده اختلاف لا يضر، ذكرته في \"التسلية\".\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠/ ٣٩٧، و١١/ ٦٠، ٦١، ٣٣٧)؛ وفي \"الأدب المفرد\" (٩٤٣)، ومسلم (٣٠/ ٤٨) واللفظ له.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٩٨٠)؛ والنسائي في \"اليوم والليلة\" (٩٨٥)؛ وأحمد (٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨)؛ وابن أبي الدنيا في \"الصمت\" (٣٤١)؛ وابن أبي شيبة (٩/ ١١٧؛ و١٠/ ٣٤٦)؛ والطيالسي (٤٣٠)؛ وابن السني في \"اليوم والليلة\" (٦٧١)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (١/ ٩٠)؛ والبيهقي في \"الكبرى\" (٣/ ٢١٦)؛ وفي \"الأسماء والصفات\" (ص ١٤٤)؛ وفي \"الاعتقاد\" (١٥٦، ١٥٧) من طرق عن شعبة، عن منصور بن المعتمر قال: سمعت عبد اللّه بن يسار، عن حذيفة مرفوعًا فذكره. قال الذهبي في \"مهذب سنن البيهقي\" (٣/ ١٩٠): \"إسناده صالح\"!! وصححه النووي في \"الأذكار\" (ص ٣٠٨)، وهو كما قال. ووقع في سنده اختلاف لا يضره. واللّه أعلم.\n(^٤) أخرجه أحمد (٥/ ٧٢)؛ وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢٧٤٣)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٨/ رقم ٨٢١٤)؛ والحاكم (٣/ ٤٦٣)؛ والخطيب في \"الموضح\" (١/ ٣٠٣) من طرق، عن حماد بن سلمة بسنده سواء مطولًا ومختصرًا. [وسكت عنه الحاكم والذهبي ويشهد له سابقه].\n(^٥) ساقط من (ج).","vol":"1","page":297},{"text":"هكذا رواه ابن مردويه (^١) في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة، به. وأخرجه ابن ماجه (^٢) من وجه آخر، عن عبد الملك بن عمير، به، بنحوه.\nوقال سفيان بن سعيد الثوري، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس؛ قال: قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء اللّه وشئت. فقال: \"أجعلتني للّه ندًا؟ (قل) (^٣): ما شاء اللّه وحده\". رواه ابن مردويه، وأخرجه النسائي (^٤)، وابن ماجه، من حديث عيسى بن يونس عن الأجلح، به.\nوهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد. والله أعلم.\nوقال محمد بن إسحاق (^٥): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين؛ أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم.\nوبه (^٦) عن ابن عباس: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من\nالأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم (يرزقكم) (^٧) غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من (توحيده) (^٨) هو الحق الذي لا شك فيه؛ وهكذا قال قتادة.\nوقال ابن أبي (^٩) حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا أبي عمرو، حدثنا أبي الضحاك بن مخلد أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس - في قول اللّه ﷿: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ - قال الأنداد: هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: واللّه وحياتك يا فلان، وحياتي. ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة. ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه ما شاء اللّه وشئت. وقول الرجل لولا اللّه وفلان - لا تجعل فيها \"فلان\"؛ هذا كله به شرك.\n_________\n(^١) هكذا عزاه المصنف لابن مردويه وحده، وفيه قصور لا يخفى، فقد أخرجه من طريق حماد بن سلمة أحمد وغيره كما مر آنفًا.\n(^٢) في \"سننه\" (٢/ ٢١١٨) قال: حدثنا عبد الملك بن محمد بن أبي الشوارب، ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير به مختصرًا. [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٧٢١)].\n(^٣) من (ن). وفي (ل): \"بل\"!\n(^٤) أخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٩٨٨)؛ وابن ماجه (٢١١٧)؛ والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٧٨٣)؛ وأحمد (١/ ٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧)؛ وابن أبي شيبة (٩/ ١١٧، ١١٨؛ و١٠/ ٣٤٦)؛ وابن أبي الدنيا في \"الصمت\" (٣٤٢)؛ وابن السني في \"اليوم والليلة\" (٦٧٢)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (١/ ٩٠)؛ والطبراني في \"الكبير\" (١٣٠٠٥، ١٣٠٠٦)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٩٩)؛ والبيهقي (٣/ ٢١٧) من طرق عن الأجلح عن يزيد الأصم، عن ابن عباس مرفوعًا. وسنده حسن. [وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٦٠١)].\n(^٥) أخرجه ابن إسحاق، كما في \"الدر المنثور\" ومن طريقه ابن جرير (٤٧٢)؛ وابن أبي حاتم (٢١٦).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٤٨٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٣٢) [سنده حسن].\n(^٧) ساقط من (ج) و(ل).\n(^٨) في (ن): \"التوحيد\".\n(^٩) في \"تفسيره\" (٢٣٠) وسنده جيد، وأخرجه الطبري (٤٨٥) عن عكرمة قوله.","vol":"1","page":298},{"text":"وفي الحديث (^١) أن رجلًا قال لرسول اللّه ﷺ: ما شاء اللّه وشئت. قال: \"أجلعتني لله ندًا\". وفي الحديث الآخر (^٢): \"نعم القوم أنتم لولا أنكم تنددون: تقولون: ما شاء اللّه وشاء فلان\". قال أبو العالية (^٣): فلا تجعلوا لله أندادًا؛ أي: عدلاء شركاء.\nوهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، وأبو مالك، وإسماعيل بن أبي خالد.\nوقال مجاهد (^٤): ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-73>ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة:</span>\nقال الإمام (^٥) أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يعد من البدلاء، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلَّام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري - أن نبي اللّه ﷺ قال: \"إن اللّه ﷿ أمر يحيى بن زكريا ﵇ بخمس كلماتٍ أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، (فكان يبطئ) (^٦) بها، فقال له عيسى ﵇: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن. فقال: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أُعذب أو يخسف بي. قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد اللّه وأثنى عليه؛ ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن؛ أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك (مثل) (^٧) رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بورق أو ذهب،\n_________\n(^١) مر تخريجه آنفًا.\n(^٢) أخرجه النسائي (٦/ ٧) بهذا اللفظ وهو من حديث قتيلة بن صيفي. وصححه الحافظ في \"الإصابة\" (٤/ ٣٨٩).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٣١) وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٤٨٨)؛ وابن أبي حاتم (٢٣٣) من طريقين عن سفيان الثوري، عمن حدثه عن مجاهد وسنده ضعيف لجهالة الراوي عن مجاهد؛ وأخرجه ابن جرير (٤٨٩) أيضًا عن قبيصة بن عقبة، عن الثوري، عن مجاهد، فأسقط الواسطة، وهذا الوجه ضعيف أيضًا فإن الثوري لم يدرك مجاهدًا.\n(^٥) في \"مسنده\" (٤/ ١٣٠، ٢٠٢).\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٣/ رقم ٣٤٢٧)؛ وابن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" (١٢٥)؛ وابن الأثير في \"أسد الغابة\" (١/ ٣٨٣) من طريق موسى بن خلف، ثنا يحيى بن أبي كثير بسنده سواء.\nوأخرجه الترمذي (٢٨٦٣، ٢٨٦٤)؛ والبخاري في \"الكبير\" (١/ ٢/ ٢٦٢)؛ والطيالسي (١١٦١، ١١٦٢)؛ وابن خزيمة (ج ٣/ رقم ١٨٩٥)؛ وأبو يعلى (ج ٣/ رقم ١٥٧١)؛ وابن نصر (١٢٤، ١٢٦)؛ وابن حبان (١٢٢٢، ١٥٥٠)؛ وابن منده في \"الإيمان\" (٢١٢)؛ والآجري في \"الشريعة\" (ص ٨)؛ والطبراني في \"الكبير\" (٣٤٢٧، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩)؛ والحاكم (١/ ١١٨، ٤٢١، ٤٢٢) وصححه ووافقه الذهبي كلهم من طرق عن يحيى بن أبي كثير بسنده مثله وصرح يحيى بالتحديث عند أبي يعلى وابن حبان والآجري. وتابعه معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام بسنده سواء مثله.\n(^٦) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(ي)؛ وفي (ن): \"وأنه كاد أن يبطئ\"؛ وفي (هـ): \"كاد أن يبطئ\" وهو الموافق لما في \"المسند\".\n(^٧) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ل) و(ي). وفي (ن) و(هـ): \"كمثل\" وسقط هذا اللفظ من (ك).","vol":"1","page":299},{"text":"فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن اللّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأمركم بالصلاة فإن اللّه ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا.\nوآمُركم بالصيام؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صُرَّةٌ من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك. وإن خلوف فم الصائم عند اللّه أطيب من ريح المسك.\nوآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه. فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فكَّ نفسه.\nوآمركم بذكر الله كثيرًا. وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعًا في أثره فأتى حصنًا حصينًا فتحصن فيه؛ وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر اللّه\".\nقال: وقال رسول اللّه ﷺ: \"وأنا آمركم بخمسٍ الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل اللّه؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلعَ (ربقة) (^١) الإسلام من عنقه إلا أن يراجع. ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جُثَى جهنم\".\nقالوا: يا رسول الله؛ [وإن صام (وإن) (^٢) صلَّى؟ فقال:] (^٣) \"وإن صلَّى وصام، وزعم أنه مسلم؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم (على ما) (^٤) سماهم اللّه ﷿ المسلمين المؤمنين عباد اللّه\".\nهذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: \"وإن اللّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا\".\n[وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع (تعالى) (^٥)، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى؛ فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية، واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها، ومنافعها، ووضْعها في مواضع النفع بها محكمة - علم قدرة خالقها، وحكمته وعلمه، وإتقانه، وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب - وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان اللّه! إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج! ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير!.\nوحكى (فخر الدين) (^٦) (الرازي) (^٧) عن الإمام مالك - أن الرشيد سأله عن ذلك، فاستدل له باختلاف اللغات والأصوات والنغمات] (^٨).\n_________\n(^١) في (ع) و(ل): \"ربق\".\n(^٢) من (ج) و(ك).\n(^٣) ساقط من (ع) و(ى).\n(^٤) كذا في (ز) و(ع) و(ن) و(هـ) و(ى)؛ وفي (ج) و(ك) و(ل): \"بل بما\".\n(^٥) من (ع) و(ن) و(هـ) و(ى)؛ وفي (ل): \"فقال\".\n(^٦) ساقط من (ن).\n(^٧) ساقط من (ج) و(ع) و(ل) و(ى)؛ وفي (هـ): \"فخر الدين الرازي\".\n(^٨) ساقط من (ز) و(ك).","vol":"1","page":300},{"text":"[وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه، ذكروا لي أن سفينةً في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر، وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجئُ وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد] (^١).\n[فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال: ويحكم! هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي، وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع؟! فبهت القوم، ورجعوا إلى الحق، وأسلموا على يديه] (^١).\n[وعن الشافعي أنه سئل عن وجود الصانع، فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد، يأكله الدود فيخرج منه الإ بريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة (والبعير) (^٢) والأنعام فتلفيه بعرًا وروثًا، وتأكله الظباء فيخرج (منها) (^٣) المسك، وهو شيء واحد.\nوعن الإمام أحمد (بن حنبل) (^٤) ﵀ (^٥) أنه سئل عن ذلك، فقال: ها هنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز؛ فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره، فخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح - يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة.\nوسئل أبو نواس عن ذلك، فأنشد:\nتأمل في نبات الأرض وانظر … إلى آثار ما صنع المليك] (^٦)\n[عيون من لجين شاخصات … بأحداق هي الذهب السبيك\nعلى قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك\nوقال ابن المعتز:\nفيا عجبًا كيف يعصى الإلـ … ــه أم كيف يجحده الجاحد\nوفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد\nوقال آخرون: من تأمل هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وما فيها من الكواكب الكبار والصغار (المنيرة) (^٧) من السيارة ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرةً، ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار المكتنفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها، كما قال (تعالى) (^٨): ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨]] (^٩).\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ك).\n(^٢) كذا في (ز) و(ل)؛ وفي (ن): \"البقر\".\n(^٣) كذا في (ج) و(ن)؛ وفي (ل): \"منه\".\n(^٤) من (ن).\n(^٥) من (ل).\n(^٦) ساقط من (ز) و(ك) و(هـ) و(ي).\n(^٧) في (ن): \"النيرة\"\n(^٨) في (ن).\n(^٩) ساقط من (ز) و(ك) و(هـ) و(ى).","vol":"1","page":301},{"text":"[وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قُطر للمنافع؛ وما ذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة، والنبات المختلف الطعوم والأراييح والأشكال، مع اتحاد طبيعة التربة والماء، استدل على وجود الصانع، وقدرته العظيمة، وحكمته، ورحمته ولطفه بهم، وإحسانه إليهم، وبره بهم، لا إله غيره، ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أنيب.\nوالآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًّا] (^١).\n\n<span id=\"aya-30\"></span>\n\n<span id=\"aya-31\"></span>﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾.\nثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو؛ فقال مخاطبًا للكافرين: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: محمد ﷺ فأتوا بسورة من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير اللّه، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون اللّه، فإنكم لا تستطيعون ذلك.\nقال ابن (^٢) عباس: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ أعوانكم [أي: قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك] (^٣).\n[وقال السدي، عن أبي مالك: شركاءكم (^٤) [أي: استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم] (^٥).\nوقال مجاهد: وادعوا شهداءكم، قال: ناس يشهدون به (^٦)؛ (يعني: حكم الفصحاء) (^٧).\nوقد تحداهم الله تعالى بهذا] (^٨) في غير موضع من القرآن، فقال في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ [القصص].\nوقال في سورة سبحان: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء].\nوقال في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود].\nوقال في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ك) و(هـ) و(ى).\n(^٢) أخرجه ابن إسحاق، كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٣٥)، ومن طريقه ابن جرير (٤٩٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٤١) [وسنده حسن].\n(^٣) من (ج) و(ل)؛ وفي (ن): \"قال السدي، عن أبي مالك: شركاءكم؛ أي: قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك؛ أي: استعينوا … إلخ\" فأدخل الناسخ إحدى العبارتين في الأخرى.\n(^٤) من (ج) و(ل).\n(^٥) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق السدي به].\n(^٦) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد].\n(^٧) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي).\n(^٨) ساقط من (هـ).","vol":"1","page":302},{"text":"وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس].\nوكل هذه الآيات مكية.\nثم تحداهم بذلك أيضًا في المدينة؛ فقال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، (أي: شك (^١» ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ يعني: من مثل القرآن؛ قاله مجاهد، وقتادة (^٢)، واختاره ابن جرير [الطبري، والزمخشري (وفخر الدين) (^٣) الرازي، ونقله عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن البصري، وأكثر المحققين؛ ورجح ذلك بوجوه؛ من أحسنها أنه تحداهم كلهم متفرقين ومجتمعين، سواء في ذلك أُميُّهم وكتابيهم؛ وذلك أكمل في التحدي؛ وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئًا من العلوم] (^٤)، وبدليل قوله (تعالى) (^٥): ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] وقال بعضهم: من مثل محمد ﷺ؛ يعني: من رجل أمي مثله.\nوالصحيح الأول؛ لأن التحدي عام لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة مع شدة عداوتهم له، وبغضهم لدينه (وتعصبهم لدينهم) (^٦) ومع هذا عجزوا عن ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ \"ولن\" لنفي التأبيد (في المستقبل) (^٧)؛ أي: ولن تفعلوا ذلك أبدًا.\nوهذه أيضًا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر [خبرًا جازمًا قاطعًا مقدمًا غير خائف ولا مشفق] أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد [الآبدين ودهر الداهرين] (^٨)؛ وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا، ولا يمكن؛ وأنى يتأتى ذلك لأحد والقرآن كلام اللّه خالق كل شيء؟ وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين.\n[ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرةً وخفيةً، من حيث اللفظ، ومن جهة المعنى؛ قال اللّه تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود] فأحكمت ألفاظه، وفصلت معانيه، أو بالعكس على الخلاف؛ فكل من لفظه ومعناه فصيح (لا يجارى) (^٩) ولا يدانى؛ فقد أخبر عن مغيبات ماضية؛ وكانت ووقعت طبق أخبر سواءً بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقًا في الإخبار، وعدلًا في الأحكام؛] (^١٠) [فكله حق وصدق، وعدل وهدًى] (^١١)،\n_________\n(^١) ساقط من (ج).\n(^٢) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة].\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) ساقط من (ز).\n(^٥) من (ن).\n(^٦) ساقط من (ز) و(ن). ووقع في (ل): \"وتعصبهم على دينهم\".\n(^٧) ساقط من (ز).\n(^٨) ساقط من (ز).\n(^٩) في (ن): \"لا يحاذى\".\n(^١٠) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).\n(^١١) ساقط من (ز) و(ع) و(ص) و(ى).","vol":"1","page":303},{"text":"[ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها؛ كما (يقال) (^١) في الشعر: إن أعذبه أكذبه.\nوتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء، أو الخيل، أو الخمر، أو في مدح شخص معين، أو فرس، أو ناقة، أو حرب، أو كائنة (أو سير) (^٢) أو مخافة، أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعيِّنة التي لا تقيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعين على (التعبير عن) (^٣) الشيء الخفي أو الدقيق، وإبرازه إلى الشيء الواضح. ثم تجد له فيه بيتًا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد، وسائرها هذر لا طائل تحته.\nوأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلًا وإجمالًا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير؛ فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة سواء كانت مبسوطةً أو وجيزةً، وسواء تكررت أم لا؛ وكلما تكرر حلا وعلا، لا يخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء؛ وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات؛ فما ظنك بالقلوب الفاهمات؛ وإن وعد أتى بما] (^٤). [يفتح القلوب والآذان، (ويشوق) (^٥) إلى دار السلام، ومجاورة عرش الرحمن؛ كما قال في الترغيب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧] وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١].\nوقال في الترهيب: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ [الملك].\nوقال في الزجر: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠].\nوقال في الوعظ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ [الشعراء].\nإلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة.\nوإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب؛ والنهي عن كل قبيح رذيل دنيءٍ؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت اللّه تعالى يقول في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] فأرعها سمعك، فإنها خير يأمر به، أو شر ينهى عنه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ] (^٦) [عَنِ الْمُنْكَرِ] (^٧) [وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ …﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]] (^٨).\n_________\n(^١) في (ن): \"قيل\".\n(^٢) ساقط من (ن).\n(^٣) ساقط من (ن)؛ وفي (ج): \"التعبير على الشيء\".\n(^٤) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).\n(^٥) في (ج): \"نوف\"!\n(^٦) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).\n(^٧) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).\n(^٨) ساقط من (ج) و(ل).","vol":"1","page":304},{"text":"[وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال (وبيان الأحوال) (^١)، وفي وصف الجنة والنار، وما أعد اللّه فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم (والملاذ) (^٢) والعذاب الأليم؛ بشرت (به) (^٣)، وحذرت وأنذرت؛ ودعت إلى فعل الخيرات، واجتناب المنكرات، وزهَّدت في الدنيا، ورغبَّت في الأخرى، وثبتت على (الطريق) (^٤) المثلى، وهدت إلى صراط اللّه المستقيم، وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم] (^٥).\nولهذا ثبت في \"الصحيحين\" (^٦)، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: \" (ما من الأنبياء من نبي) (^٧) إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه اللّه إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\" - لفظ مسلم.\nوقوله ﷺ: \"وإنما كان الذي أوتيت (وحيًا) (^٨)؛ أي: الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية فإنها ليست معجزةً (عند كثير من العلماء) (^٩) \". واللّه أعلم.\nوله عليه (الصلاة و) (^١٠) السلام من الآيات الدالة على نبوَّته وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر. وللّه الحمد والمنة.\n[وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في (الصرفة) (^١١)؛ فقال: إن كان هذا القرآن معجزًا في نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله، ولا في قواهم معارضته، فقد حصل المدعى وهو المطلوب. وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله، ولم يفعلوا ذلك، مع شدة عداوتهم له، كان ذلك دليلًا على أنه من عند اللّه لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك. وهذه الطريقة، وإن لم تكن مرضيةً؛ لأن القرآن في نفسه معجز، لا يستطيع البشر معارضته كما قررنا، إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة، والمنافحة عن الحق؛ وبهذه الطريقة أجاب (فخر الدين) (^١٢) (الرازي) (^١٣) في \"تفسيره\" (^١٤) عن سؤاله في السور القصار كـ\"العصر\"، و\" ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١] \"] (^١٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أما الوقود - بفتح الواو - فهو ما يلقى في النار لأضرامها؛ كالحطب ونحوه، كما قال (تعالى) (^١٦): ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ\n_________\n(^١) ساقط من (ن).\n(^٢) كذا في (ك) و(ن)؛ وفي (ج) و(ل): \"المداد\".\n(^٣) من (ن).\n(^٤) كذا في (ج) و(ك) و(ل)؛ وفي (ن): \"الطريقة\".\n(^٥) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).\n(^٦) سبق تخريجه في \"فضائل القرآن\" (١/ ١٤٦).\n(^٧) في (ز) و(ن): \"ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر\" وهو مخالف للفظ مسلم.\n(^٨) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).\n(^٩) ساقط من (ز).\n(^١٠) من (ز) و(ن).\n(^١١) كذا في (ك) و(ن) و(ي)؛ وفي (ج) و(ل): \"الصوفية\"! ووقع في (هـ) بياض في موضع هذه الكلمة.\n(^١٢) من (ج) و(ك) و(ل) و(ي).\n(^١٣) من (ل) و(ن)؛ وفي (ص): \"الفخر الرازي\".\n(^١٤) راجع بحثه في \"تفسيره\" (١/ ١٢٦ - ١٢٨).\n(^١٥) ساقط من (ز).\n(^١٦) من (ن).","vol":"1","page":305},{"text":"لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ (^١) [الأنبياء].\nوالمراد بالحجارة ها هنا هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة، وهي أشد الأحجار حرًا إذا حميت، أجارنا الله منها.\nوقال عبد الملك بن ميسرة الزراد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد اللّه بن مسعود - في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين.\nرواه ابن (^٢) جرير؛ وهذا لفظه، وابن أبي حاتم، والحاكم في \"مستدركه\"؛ وقال: \"على شرط الشيخين\".\nوقال السدي في \"تفسيره\" (^٣)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة؛ أما الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود يعذبون به مع النار.\nوقال مجاهد (^٤): حجارة من كبريت أنتن من الجيفة.\nوقال أبو جعفر (^٥) محمد بن علي: حجارة من كبريت.\nوقال ابن جريج (^٦): حجارة من كبريت أسود في النار.\nقال لي عمرو بن دينار: أصلب من هذه الحجارة وأعظم.\n[وقيل: المراد بها حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون الله، كما قال (تعالى) (^٧): ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ …﴾ [الأنبياء: ٩٨] حكاه القرطبي (وفخر الدين) (^٨)] (^٩).\n[(الرازي) (^١٠)، ورجحه على الأول؛ قال: لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمستنكر، فجعلها هذه الحجارة أولى.\nوهذا الذي قاله ليس بقويٍّ؛ وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد] (^١١)\n_________\n(^١) في (ن) بعد هذه الآية \"لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون\".\n(^٢) في \"تفسيره\" (٥٠٣، ٥٠٤، ٥٠٧)؛ وابن أبي حاتم (٢٤٥)؛ والحاكم (٢/ ٢٦١، ٤٩٤) من طرق عن مسعر بن كدام، عن عبد الملك بن ميسرة بسنده سواء.\nومن هذا الوجه: أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤٠)؛ وهناد بن السري في \"الزهد\" (٦٣)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٩٠٢٦)؛ وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ق ١٨٢/ ٢)؛ والبيهقي في \"الشعب\". وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٣٦) لعبد بن حميد وابن المنذر والفريابي. وسنده صحيح.\n(^٣) ومن طريقه ابن جرير (٥٠٥) وسنده حسن. وأخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٦) من قول السدي. [وسنده ضعيف].\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٧) وسنده ضعيف.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم عنه بلا إسناد.\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٥٠٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٤٨) وسنده صحيح.\n(^٧) من (ن).\n(^٨) من (ج) و(ك) و(ل) و(ى).\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٠) من (ن)؛ وفي (ص): \"فخر الدين الرازي\".\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":306},{"text":"[لحرها، وأقوى لسعيرها، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك؛ ثم إن أخذ النار بهذه الحجارة أيضًا مشاهد؛ وهذا الجص يكون أحجارًا، فيعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك. وكذلك سائر الأحجار تفجرها النار وتحرقها؛ وإنما سيق هذا في حر النار التي وعدوا بها وشدة ضرامها وقوة لهبها؛ كما قال (تعالى) (^١): ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] وهكذا رجح القرطبي (^٢) أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها النار لتحمر ويشتد لهبها؛ قال: ليكون ذلك أشد عذابًا لأهلها.\nقال (^٣): وقد جاء في الحديث (^٤) عن النبي ﷺ أنه قال: \"كل مؤذ في النار\"] (^٥).\n[(قلت) (^٦) وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف؛ ثم قال القرطبي: وقد فسر بمعنيين: أحدهما: أن كل من آذى الناس دخل النار. والآخر أن كل ما يؤذي في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك] (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ الأظهر أن الضمير في \"أعدت\" عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة. ويحتمل عوده إلى الحجارة، كما قال ابن مسعود. ولا منافاة بين القولين في المعنى؛ لأنهما متلازمان.\nو﴿أُعِدَّتْ﴾؛ أي: أرصدت وحصلت للكافرين باللّه ورسوله، كما قال ابن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر. [وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن، لقوله (تعالى) (^٧): ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: أرصدت] (^٨).\n[وهيئت، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها: \"تحاجت الجنة والنار\" (^٩). ومنها: \"استأذنت النار ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في] (^١٠)\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ٢٣٥، ٢٣٦).\n(^٣) يعني القرطبي.\n(^٤) حديث باطل. أخرجه الخطيب في \"تاريخه\" (١١/ ٢٩٩)، ومن طريقه ابن الجوزي في \"الواهيات\" (٢/ ٢٦٣) من طريق عثمان بن الخطاب أبي عمرو الأشج المعروف بـ\"أبي الدنيا\" أنهم اجتمعوا عليه في بغداد في دار إسحاق وأحدقوا به وضايقوه، فقال: لا تؤذوني فإني سمعت علي بن أبي طالب يقول: قال رسول الله ﷺ … فذكره.\nقال الخطيب في ترجمة أبي الدنيا هذا: \"والعلماء لا يثبتون قوله ولا يحتجون بحديثه .. ثم قال: وما علمت أن أحدًا ببغداد كتب عنه حرفًا واحدًا، ولم يكن عندي بذاك الثقة\".\nوقال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح، والأشج غير موثوق بقوله عند العلماء\".\nوقال الذهبي في \"الميزان\" (٣/ ٣٣) في ترجمة \"الأشج\": \"حدث بقلة حياء بعد الثلاثمائة عن علي\". اهـ\nونقل المناوي في \"فيض القدير\" (٥/ ٣٣) عن الذهبي في \"ديوان الضعفاء\" أنه قال: \"خبر غريب\" ولم أجد هذا في \"ديوان الضعفاء\" (رقم ٢٧٥٧) بل قال في ترجمة الأشج هذا: \"طرقي كذاب جريء\".\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٦) ساقط من (ن).\n(^٧) من (ن).\n(^٨) ساقط من (ز).\n(^٩) أخرجه البخاري (٨/ ٥٩٥)؛ ومسلم (٢٨٤٦/ ٣٦).\n(^١٠) ساقط من (ز).","vol":"1","page":307},{"text":"[الصيف\" (^١). وحديث ابن مسعود: (سمعنا) (^٢) وجبة، فقلنا: (ما هذا؟ فقال) (^٢)] (^٣) [(رسول اللّه ﷺ) (^٤): \"هذا حجر أُلقى به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها\". وهو عند مسلم (^٥)، وحديث صلاة الكسوف (^٦)؛ وليلة الإسراء (^٧)، وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى. وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا، ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-74>[تنبيه ينبغي الوقوف عليه:</span>\nقوله (تعالى) (^٨): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ وقوله في سورة يونس: ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] يعم كل سورة في القرآن طويلةً كانت أو قصيرةً؛ لأنها نكرة في سياق الشرط فتعم، كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين، كما هو مقرر في موضعه؛ فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها؛ وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين الناس سلفًا وخلفًا.\nوقد قال (العلامة فخر الدين) (^٩) (الرازي) (^١٠) في \"تفسيره\" (^١١): فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون] ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله، أو بما يقرب منه ممكن.\nفإن قلتم: إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدار البشر كان (ذلك) (^١٢) مكابرةً، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق (التهم) (^١٣) إلى الدين] (^١٤).\n[قلنا: فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا: إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حد الإعجاز فقد حصل المقصود؛ وإن لم يكن كذلك كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى (توهين) (^١٥) أمره معجزًا؛ فعلى التقديرين يحصل المعجز. هذا لفظه بحروفه] (^١٦).\n_________\n(^١) ساقط من (هـ).\n(^٢) ساقط من (ز).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢/ ١٨)، والسياق له.\n(^٤) أخرجه في \"صحيحه\" (٢٨٤٤/ ٣١)، ووهم المصنف ﵀ إذ جعله من حديث ابن مسعود وإنما رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظه: كنا مع رسول الله ﷺ، إذ سمع وجبة فقال النبي ﷺ: \"تدرون ما هذا؟ \"قال: قلنا اللّه ورسوله أعلم. قال: \"هذا حجر رمى به في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوى في النار الآن، حتى انتهى إلى قعرها\".\n(^٥) يشير إلى حديث ابن عباس قال: خسفت الشمس على عهد رسول اللّه ﷺ فصلى والناس معه فقام قيامًا طويلًا … الحديث وفيه: \"قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك كعكعت؟ قال رسول اللّه ﷺ: \"إني رأيت الجنة فتناولت عنقودًا، لو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، وأريت النار فلم أر منظرًا قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء … \" الحديث. أخرجه البخاري (١/ ٨٣، ٢/ ٢٣٢، ٥٤٠، و٦/ ٢٩٧، ٩/ ٢٩٨)؛ ومسلم (١٧/ ٩٠٧).\n(^٦) ويأتي تخريج أحاديثها في سورة الإسراء إن شاء اللّه تعالى.\n(^٧) من (ن).\n(^٨) (من (ج) و(ك) و(ل).\n(^٩) من (ل) و(ن).\n(^١٠) راجع بحثه في \"تفسيره\" (١/ ١٢٦ - ١٢٨).\n(^١١) ساقط من (ن).\n(^١٢) ساقط من (ن).\n(^١٣) في (ن): \"بالتهمة\".\n(^١٤) ساقط من (ز) و(هـ) و(ي).\n(^١٥) في (ك) و(ن): \"تهوين\".\n(^١٦) ساقط من (ز) و(هـ) و(ي).","vol":"1","page":308},{"text":"[والصواب أن كل سورة من القرآن معجزة، لا يستطيع البشر معارضتها طويلةً كانت أو قصيرةً [العصر].\nقال الشافعي ﵀: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر].\nوقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة: ماذا أُنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) …﴾ (إلى آخرها) (^١) ففكر ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: ولقد أُنزل علي مثلها؛ فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر. يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر فقر، ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: واللّه إنك لتعلم أني لأعلم أنك تكذب (^٢)] (^٣).\n\n<span id=\"aya-32\"></span>﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾.\nلما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال عطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة؛ وهذا معنى تسمية القرآن مثاني على أصح أقوال العلماء، كما سنبسطه في موضعه؛ وهو أن يذكر الإيمان ويتبع بذكر الكفر أو عكسه، أو حال السعداء، ثم الأشقياء، أو عكسه.\nوحاصله ذكر الشيء ومقابله.\nوأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه، كما سنوضحه إن شاء اللّه؛ فلهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار، [كما وصف النار بأن وقودها الناس والحجارة. ومعنى تجري من تحتها الأنهار] (^٤)؛ أي: من تحت أشجارها وغرفها.\nوقد جاء في الحديث (^٥): ..............................................................\n_________\n(^١) ساقط من (ن).\n(^٢) [سيأتي تخريجه في سورة العصر].\n(^٣) ساقط من (ز) و(هـ) و(ي).\n(^٤) ساقط من (ن).\n(^٥) أخرجه ابن مردويه في \"تفسيره\"، كما في \"ابن كثير\" (٧/ ٢٩٧، طبع الشعب)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٢٠٥) وفي \"صفة الجنة\" من طريق مهدي بن حكيم، ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا الجريري، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك مرفوعًا: \"لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض؟ لا واللّه إنها لسائحة على وجه الأرض، حافتاها خيام اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر\". قلت: يا رسول الله! وما الأذفر؟ قال: \"الذي لا خلط فيه\".\nوعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٣٨) للضياء المقدسي في \"صفة الجنة\".\n(*) قلت: وهذا سند ضعيف، والجريري واسمه سعيد بن إياس كان اختلط، وسماع يزيد بن هارون من متأخر، وقد اضطرب فيه، فقد رواه يعقوب بن عبيدة وبشر بن معاذ كلاهما عن يزيد بن هارون بسنده سواء موقوفًا. أخرجه ابن أبي الدنيا في \"صفة الجنة\" كما في \"ابن كثير\" (٧/ ٢٩٦)، وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" =","vol":"1","page":309},{"text":"\"أن أنهارها تجري في غير أخدود\" وجاء في الكوثر (^١) \"أن (حافتيه) (^٢) قباب اللؤلؤ المجوف\" ولا منافاة بينهما؛ فطينها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر، نسأل اللّه من فضله (وكرمه) (^٣) إنه هو البر الرحيم.\nوقال ابن أبي (^٤) حاتم: قرئ على الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبد اللّه بن ضمرة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنهار الجنة تفجر من (تحت تلال أخر أو من) (^٥) تحت جبال المسك\".\nوقال (أيضًا) (^٦): حدثنا أبو سعيد، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن مرة، عن مسروق؛ قال: قال عبد الله (^٧): \"أنهار الجنة تفجر من جبل مسك\".\nوقوله (تعالى) (^٨): ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قال السدي\n_________\n= (٣١٦)؛ ورجح المنذري في \"الترغيب\" (٤/ ٥١٨) الموقوف وقال: \"هو أشبه بالصواب\" كذا! وطريق الموقوف والمرفوع واحد، فالظاهر أنه لا يصح مرفوعًا ولا موقوفًا، ولكن معنى كلام المنذري أنه إذا تردد الناقد في الحكم بالرفع والوقف فإن الأخذ بالوقف هو الأشبه، لأنه المناسب للاحتياط، إذ الأخذ بالأقل عند الاختلاف هو مذهب الجماهير من أهل الحديث والله أعلم.\nوقد صح هذا من قول مسروق قال: \"أنهار الجنة تجري في غير أخدود وثمرها كالقلال، كلما أخذت ثمرة عادت مكانها أخرى، والعنقود اثنا عشر ذراعًا\"؛ أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٣/ ٩٧)؛ وهناد بن السري في \"الزهد\" (٩٥، ١٠٣)؛ والمروزي في \"زوائد الزهد\" (١٤٨٩)؛ وابن صاعد أيضًا (١٤٩٠)؛ وابن جرير في \"تفسيره\" (٥٠٩، ٥١٠، ٥١١)؛ وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٣١٥)؛ والبيهقي في \"البعث\" (٢٩٢) من طرق عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن مسروق. وسنده صحيح.\n(^١) أخرجه البخاري (١١/ ٤٦٤).\n(^٢) في (ج): \"حافتاه\" بالرفع، وإنما يصح ذلك بحذف \"إن\".\n(^٣) ساقط من (ز) و(ن).\n(^٤) في \"تفسيره\" رقم (٢٥٣).\nوأخرجه ابن حبان (٢٦٢٢)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٣٢٦)؛ والحاكم كما في \"حادي الأرواح\" و\"إتحاف السادة\" (١٠/ ٥٣٤)؛ وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٣١٣)؛ والبيهقي في \"البعث\" (٢٦٦) من طريق أسد بن موسى بسنده سواء. ولفظ البيهقي مطول أخرج بعضه الطبراني في \"الأوسط\" (ج ٢/ ق ١/ ٢٦٦) وقال: \"لم يرو هذا الحديث عن ابن ثوبان إلا أسد بن موسى\".\nوحسن إسناده العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٤/ ٥٢٢) وقال المنذري في \"الترغيب\" (٣/ ١٠٠، ٢٦٢): \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" ورواته ثقات إلا شيخه المقدام بن داود وقد وثق\".\n(*) قلت: تابعه الربيع بن سليمان ويوسف بن يزيد القراطيسي كلاهما عن أسد بن موسى به.\n(^٥) ساقط من (ل).\n(^٦) ساقط من (ج) و(ك).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٥٥)؛ وابن أبي شيبة (١٣/ ٩٦)؛ والبيهقي في \"البعث\" (٢٦٧) من طريقين عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود به قال البيهقي: \"هذا موقوف صحيح\".\nوأخرجه عبد الرزاق (ج ١١/ رقم ٢٠٨٧٣) أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قوله ولم يذكر \"ابن مسعود\" فلعل معمر قصر في إسناده وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٣٧)؛ لأبي الشيخ في \"تفسيره\".\n(^٨) من (ز) و(ن).","vol":"1","page":310},{"text":"في \"تفسيره\" (^١)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة؛ قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل؛ قال: إنهم أتوا بالثمرة في الجنة، فلما نظروا إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا.\nوهكذا قال قتادة (^٢)، وعبد الرحمن بن زيد بن (^٣) أسلم، ونصره ابن (^٤) جرير.\nوقال عكرمة: [﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: معناه مثل الذي كان بالأمس. وكذا قال الربيع بن أنس.\nوقال مجاهد] (^٥): يقولون: ما أشبهه به.\nقال ابن جرير: وقال آخرون: بل تأويل ذلك الذي رزقنا من قبل من ثمار الجنة من قبل هذا، لشدة مشابهة بعضه بعضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال سنيد (^٦) بن داود: حدثنا شيخ من أهل المصيصة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير؛ قال: يؤتى أحدهم بالصحفة من الشيء، فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى، فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل، فتقول الملائكة: كل، فاللون واحد، والطعم مختلف.\nوقال ابن (^٧) أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، قال عشب الجنة الزعفران، وكثبانها المسك، ويطوف عليهم الولدان بالفواكه، فيأكلونها، ثم يؤتون بمثلها؛ فيقول لهم أهل الجنة: هذا الذي أتيتمونا آنفًا به؛ فتقول لهم الولدان: كلوا (فإن) (^٨) اللون واحد، والطعم (مختلف) (^٩)؛ وهو قول اللّه تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.\nوقال أبو جعفر (^١٠) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يشبه بعضه بعضًا، ويختلف في الطعم.\nقال ابن أبي حاتم (^١١): وروي عن مجاهد، والربيع بن أنس، والسدي، نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^١٢) بإسناده، عن السدي في \"تفسيره\" عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٥١٢)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٢٥٨)، عن السدي قوله [وسنده ضعيف].\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٥١٣) وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٥١٦) وسنده صحيح.\n(^٤) في \"تفسيره\" (١/ ٣٨٧، ٣٨٨).\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٥١٤، ٥١٥)؛ وابن أبي حاتم (٢٥٩، ٢٦٠) [وسنده صحيح] وعزاه في \"الدر\" (١/ ٣٨) لعبد بن حميد عن عكرمة.\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٥١٨). [وسنده ضعيف لإبهام شيخ سنيد، ويشهد له ما يليه، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس نحوه].\n(^٧) في \"تفسيره\" (٢٦٢)؛ وأخرجه أبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٣٥٣) عن داود بن رشيد، عن عامر بن يساف. [وسند ابن أبي حاتم حسن].\n(^٨) ساقط من (ن).\n(^٩) ساقط من (ج).\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٥٢٧) بسند ضعيف.\n(^١١) [أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر به وسنده جيد].\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (٥٢٤). [وسنده ضعيف].","vol":"1","page":311},{"text":"ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ يعني: في اللون والمرأى، وليس يشتبه في الطعم وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال عكرمة (^١): ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب.\nوقال سفيان (^٢) الثوري، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: لا يشبه شيء مما في الجنة في الدنيا إلا في الأسماء.\nوفي رواية: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، ورواه ابن جرير من رواية الثوري، وابن أبي حاتم، من حديث أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، به.\nوقال عبد الرحمن (^٣) بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا: الفتاح بالتفاح، والرمان بالرمان، قالوا في الجنة: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، وأتوا به متشابهًا، يعرفونه، وليس هو مثله في الطعم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال ابن أبي (^٤) طلحة، عن ابن عباس: مطهرة من القذر والأذى.\nوقال مجاهد (^٥): من الحيض والغائط، والبول والنخام والبزاق، والمني والولد.\nوقال قتادة (^٦): مطهرة من الأذى والمأثم. وفي رواية عنه: لا حيض ولا كلف.\nوروى عن عطاء، والحسن، والضحاك، وأبي صالح، وعطية، والسدي نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^٧): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: المطهرة التي لا تحيض، قال: وكذلك خلقت حواء ﵍ (فلما) (^٨) عصت قال اللّه تعالى: إني خلقتك مطهرةً وسأُدميك كما أدميت هذه الشجرة. وهذا غريب.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٥٣٣)؛ وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤١) وعنه ابن جرير (٥٣٢) قال: أخبرنا معمر عن قتادة فذكره بلفظه. وتابعه محمد بن ثور عن معمر مثله، [وسنده صحيح]، أخرجه ابن الأنباري في \"الأضداد\" (ص ٣٨٦).\n(^٢) أخرجه وكيع في \"نسخته عن الأعمش\" (١)؛ وابن جرير (٥٣٤) من طريق الثوري به.\nوأخرجه هناد بن السري في \"الزهد\" (٣، ٨)؛ وابن جرير (٥٣٥)؛ وابن أبي حاتم (٢٦١) من طرق عن الأعمش بسنده سواء. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٣٨)؛ لمسدد وابن المنذر والبيهقي في \"البعث\" وهو أثر صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٥٣٦) بسند صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٥٣٩)؛ وابن أبي حاتم (٢٦٥) [وسنده ثابت].\n(^٥) أخرجه هناد في \"الزهد\" (٢٧ - ٢٩)؛ ونعيم بن حماد في \"زوائد الزهد\" (٢٤٣)؛ وعبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤١)؛ وابن جرير (٥٤٢ - ٥٤٥)؛ والبيهقي في \"البعث\" (٣٦٠)؛ وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٣٦٢) من طرق عن مجاهد. وهو صحيح.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤١)؛ وابن جرير (٥٤٦ - ٥٤٨)؛ وأبو نعيم (٣٦١) من طرق عن قتادة. [وسنده صحيح].\n(^٧) في \"تفسيره\" (٥٥٠) وإسناده صحيح، واستغربه المصنف وأصاب، ولا يقبل مثل هذا الكلام إلا من النبي ﷺ أو ينزل به وحي.\n(^٨) في (ز): \"حتى\".","vol":"1","page":312},{"text":"وقال الحافظ أبو بكرة (^١) بن مردويه: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثني جعفر بن محمد بن حرب، وأحمد بن محمد (الجوري) (^٢)؛ قالا: حدثنا محمد بن عبيد الكندي، حدثنا عبد الرزاق بن عمر البزيعي، حدثنا عبد اللّه بن المبارك، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال: من الحيض والغائط، والنخاعة والبزاق.\nهذا حديث غريب. وقد رواه الحاكم في \"مستدركه\" عن محمد بن يعقوب، عن الحسن بن علي بن عفان، عن محمد بن عبيد، به. وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\".\nوهذا الذي ادعاه فيه نظر؛ فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا قال فيه أبو حاتم بن حبان البستي: \"لا يجوز الاحتجاج به\".\nقلت: والأظهر أن هذا من كلام قتادة كما تقدم. واللّه أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذا هو تمام السعادة، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع، فلا آخر له، ولا انقضاء؛ بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام. واللّه المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم، إنه جواد كريم (بر) (^٣) رحيم.\n\n<span id=\"aya-33\"></span>﴿*إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾.\nقال السُّدِّيُّ في \"تفسيره\" (^٤) عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: لما ضرب اللّه هذين المثلين للمنافقين - يعني: قوله (تعالى) (^٥): ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ …﴾ [البقرة: ١٩] الآيات الثلاث - قال المنافقون: اللّه أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال؛ فأنزل اللّه هذه الآية إلى قوله (تعالى) (^٥): ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\". وعزاه له السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٣٩) وقال: \"أخرج الحاكم وابن مردويه وصححه\" ولعل الصواب: \"الحاكم وصححه وابن مردويه\".\nولم أقف عليه في \"المستدرك\" فاللّه أعلم.\nوأخرجه ابن الأعرابي في \"معجمه\" (٢٠٤) قال: نا محمد بن عبيد، نا عبد الرزاق بن عمر بسنده سواء، وأخرجه أبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٣٦٣) من طريق محمد بن عبيد مثله. وذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمة \"البزيعي\" (٢/ ٦٠٨، ٦٠٩) وقال: \"أخطأ\"؛ يعني: في رفعه. وقال الحافظ في \"الفتح\" (٦/ ٣٢٠): \"لا يصح إسناده\" وهو الصواب. وكأنه نسي هذا التحقيق فقال في \"التغليق\" (٣/ ٤٩٩): \"إسناده لا بأس به\"!!\n(^٢) في (ن): \"الخواري\"، في (ج): \"الجوازي\"! وهو أحمد بن محمد بن جوري، ترجمه الخطيب في \"تاريخه\" (٤/ ٤١٠) وقال: \"في حديثه غرائب ومناكير\".\n(^٣) ساقط من (ج).\n(^٤) ومن طريقه ابن جرير (٥٥٤)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٢٧٣) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].\n(^٥) من (ن).","vol":"1","page":313},{"text":"وقال عبد الرزاق (^١)، عن معمر، عن قتادة: لما ذكر اللّه تعالى العنكبوت والذباب قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل اللّه (تعالى) (^٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.\nوقال سعيد (^٣)، عن قتادة: أي إن اللّه لا يستحي من الحق أن يذكر شيئًا ما قل أو كثر، وإن اللّه حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد اللّه من ذكر هذا! فأنزل اللّه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.\nقلت: العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية، وليس كذلك؛ وعبارة رواية سعيد عن قتادة أقرب. واللّه أعلم.\nوروى ابن (^٤) جريج، عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قتادة.\nوقال ابن أبي حاتم: روي عن الحسن، وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي، وقتادة.\nوقال أبو جعفر (^٥) الرازي، عن الربيع بن أنس في هذه الآية - قال: هذا مثل ضربه اللّه للدنيا أن البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت؛ وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضُرب لهم المثل في القرآن: إذا امتلئوا من الدنيا (ريًا) (^٦) أخذهم اللّه (تعالى) (^٧) عند ذلك؛ ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ (^٨) [الأنعام: ٤٤].\nهكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية بنحوه. فاللّه أعلم.\nفهذا اختلافهم في سبب النزول.\nوقد اختار ابن جرير ما حكاه السدي؛ لأنه أمس بالسورة؛ وهو مناسب.\nومعنى الآية أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي \"أي: لا يستنكف. وقيل: لا يخشى، أن يضرب مثلًا ما؛ أي: أي مثل كان بأي شيء كان صغيرًا كان أو كبيرًا\".\nو\"ما\" هاهنا للتقليل (زائدة) (^٩) وتكون \"بعوضةً\" منصوبةً على البدل، كما تقول: لأضربن ضربًا ما؛ فيصدق بأدنى شيء، [أو تكون \"ما\" نكرة موصوفةً ببعوضة] (^١٠).\nواختار ابن جرير أن \"ما\" موصولة، و\"بعوضة\" معربة بإعرابها؛ قال: وذلك سائغ في كلام العرب أنهم يعربون صلةً \"ما\" و\"من\" بإعرابهما؛ لأنهما يكونان معرفةً تارةً ونكرةً أخرى، كما قال حسان بن ثابت:\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٤١) ومن طريقه ابن جرير (٥٥٨)؛ وابن أبي حاتم (٢٧٤) وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٤١) لعبد بن حميد وابن المنذر. [وسنده صحيح].\n(^٢) من (ج)، وفي (ك): \"﷿\".\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٥٥٧) وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٥٦١) [وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد].\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٥٥٥)، وابن أبي حاتم (٢٧١). [وسنده جيد].\n(^٦) ساقط من (ك).\n(^٧) من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).\n(^٨) من (ج).\n(^٩) ساقط من (ز) و(ن) و(هـ).\n(^١٠) ساقط من (ز) و(ي).","vol":"1","page":314},{"text":"(يكفي) (^١) بنا فضلًا على من غيرنا … حب النبي محمد إيانا\nقال: ويجوز أن تكون \"بعوضة\" منصوبةً بحذف الجار وتقدير الكلام: إن اللّه لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بين بعوضة إلى ما فوقها [وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء.\nوقرأ الضحاك، وإبراهيم بن أبي عبلة \"بعوضة\" - بالرفع (^٢). قال ابن جني: وتكون صلةً لـ\"ما\" وحذف العائد، كما في قوله: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] (أي على الذي هو أحسن) (^٣).\nوحكى سيبويه: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا؛ (أي) (^٤) (يعني) (^٥) (بالذي هو قائل لك شيئًا) (^٦)].\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: فيه قولان:\nأحدهما: فما دونها في الصغر والحقارة؛ كما إذا وصف رجل باللؤم والشح، فيقول السامع: نعم، وهو فوق ذلك - يعني: فيما وصفت. [وهذا قول الكسائي، وأبي عبيدة؛ (قاله) (^٧) الرازي (^٨)، وأكثر] (^٩) [المحققين.\n[(وفي الحديث (^١٠): \"لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرًا منها شربة ماء\") (^١١)] (^١٢).\n_________\n(^١) كذا في (ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ)؛ وفي (ج) و(ي): \"فكفى\"؛ وفي (ز): \"وكفى\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\" (١/ ٤٠٤).\n(^٢) [وهي قراءة شاذة].\n(^٣) ساقط من (ج)؛ وفي (ك): \"أي على الذي أحسن هو أحسن\".\n(^٤) ساقط من (ك).\n(^٥) من (ج) و(ك) و(ن).\n(^٦) ساقط من (ك).\n(^٧) كذا في (ن). وفي جميع الأصول: \"قال\".\n(^٨) في \"تفسيره\" (١/ ١٤٨، ١٤٩).\n(^٩) ساقط من (ز).\n(^١٠) أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٤٦)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٩٥٦)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٢٥٣)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ ٣٢٥) عن عبد الحميد بن سليمان.\nوابن ماجه (٤١١٠)؛ والحاكم (٤/ ٣٠٦)؛ والبيهقي في \"الشعب\" عن زكريا بن منظور. والطبراني في \"الكبير\" (ج ٦/ رقم ٥٩٢١) عن زمعة بن صالح ثلاثتهم عن أبي حازم، عن سهل بن سعد مرفوعًا. فذكره. قال الترمذي: \"هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه\".\n(*) قلت: الرواة الثلاثة عن أبي حازم ضعفاء. وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\"! فرده الذهبي بقوله: \"زكريا ضعفوه\" ولكن للحديث شاهد عن أبي هريرة أخرجه البزار (٣٦٩٣)؛ وابن عدي (٦/ ٢٢٣٥)؛ والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١٤٤٠) وفي إسناده صالح مولى التوأمة وكان اختلط؛ وأخرجه ابن أبي الفوارس في \"المنتقى من حديث المخلص\" (ق ٢/ ١٠٥)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٧/ رقم ١٠٤٧٠) من طريق أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا مثله. وأبو معشر ضعيف. ثم وقفت له على طريق آخر صحيح. أخرجه ابن بشران في \"الأمالي (ج ٢٢/ ق ٢/ ٢٤١) قال: أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان ثنا محمد بن بشر، ثنا أحمد بن حاتم، ثنا محمد بن عجلان، ثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله. وهذا سند صحيح، ولم يذكره كل من تكلم على الحديث ممن وقفت عليهم فللَّه الحمد. وأبو سهل القطان ثقة، مترجم في \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٤٥، ٤٦)، ومحمد بن بشر هو ابن مطر أبو بكر الوراق، ترجمه الخطيب (٢/ ٩٠) ونقل عن إبراهيم الحربي: \"صدوق لا يكذب\" وقال الدارقطني: \"ثقة\". وأحمد بن حاتم هو ابن يزيد الطويل، ترجمه الخطيب أيضًا ونقل توثيقه عن عبد الله بن أحمد والدارقطني وابن معين، وبقية رجاله ثقات معروفون. وله طرق أخرى عن أبي هريرة وشواهد عن الصحابة ذكرتها في \"التسلية\".\n(^١١) ساقط من (ك).\n(^١٢) ساقط من (ز).","vol":"1","page":315},{"text":"والثاني: فما فوقها: فما هو أكبر منها؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة؛ وهذا [قول قتادة بن دعامة، و] (^١) اختيار ابن جرير؛] [(ويؤيده) (^٢) ما رواه مسلم (^٣) عن عائشة ﵂ أن رسول اللّه ﷺ قال: \"ما من مسلم يشاك شوكةً فما فوقها إلا كتب له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة\"] (^١)؛ فأخبر أنه لا يستصغر شيئًا يضرب به مثلًا؛ ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة، [وكما (لم) (^٤) يستنكف عن خلقها، كذلك (لا) (^٥) يستنكف من ضرب المثل بها] (^٦)، كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ [الحج] وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [العنكبوت] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم] وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ الآية [النحل:٧٥] ثم قال ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ الآية [النحل: ٧٦] كما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية [الروم: ٢٨].\nوقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ الآية [الزمر: ٢٩].\nوقد قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت].\nوفي القرآن أمثال كثيرة.\nقال بعض السلف: إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي؛ لأن اللّه (يقول) (^٧): ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾.\nوقال مجاهد (في) (^٨) قوله (تعالى) (^٨): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾: الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم اللّه بها (^٩).\nوقال قتادة (^١٠): ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: يعلمون أنه كلام الرحمن، وأنه من عند الله.\n_________\n(^١) ساقط من (ز).\n(^٢) في (ن): \"فإنه يؤيده\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢٥٧٢/ ٤٧) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة مرفوعًا.\n(^٤) في (ن): (لا).\n(^٥) في (هـ): \"لم\".\n(^٦) ساقط من (ز) و(ك).\n(^٧) في (ن): \"قال\".\n(^٨) من (ن).\n(^٩) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد].\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٥٦٥)؛ وابن أبي حاتم (٢٧٧) من طريق يزيد بن زريع ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وسنده صحيح.","vol":"1","page":316},{"text":"وروى (^١) عن مجاهد، والحسن، والربيع بن أنس، نحو ذلك.\nوقال أبو العالية (^٢): ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: هذا المثل ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ كما قال في سورة المدثر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].\nوكذلك قال هاهنا: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾.\nوقال السدي في \"تفسيره\" (^٣)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يضل به كثيرًا؛ يعني (به) (^٤) المنافقين؛ ﴿وَيَهْدِي﴾ كثيرًا؛ يعني (به) (٢) المؤمنين؛ فيزيد هؤلاء ضلالةً إلى (ضلالتهم) (^٥)؛ لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه اللّه (بما ضرب لهم) (^٦)، وأنه لما (ضربه) (^٧) له موافق، فذلك إضلال اللّه إياهم به. ويهدي به - يعني: بالمثل - كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق؛ فيزيدهم هدًى إلى هداهم، وإيمانًا إلى إيمانهم؛ لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافق لما ضربه اللّه له مثلًا، وإقرارهم به؛ وذلك هداية من اللّه لهم به.\n﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ قال: هم المنافقون. وقال أبو العالية (^٨): ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ قال: هم أهل النفاق، وكذا قال الربيع (^٩) بن أنس.\nوقال ابن جريج (^١٠)، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ قال: يقول يعرفه الكافرون فيكفرون به.\nوقال قتادة (^١١): ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ فسقوا، فأضلهم اللّه على فسقهم.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢): حدثت، عن إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن سعد ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يعني: الخوارج.\n\n<span id=\"aya-34\"></span>وقال شعبة (^١٣)، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي، فقلت: قوله\n_________\n(^١) هذه الآثار عند ابن جرير (٥٦٤ - ٥٦٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٧٩). [وأسانيدها ما بين صحيح وجيد].\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٧٦) بسند حسن.\n(^٣) ومن طريقه ابن جرير (٥٦٧) [وسنده ضعيف].\n(^٤) من (ن).\n(^٥) في (ز): \"ضلالهم\".\n(^٦) كذا في (ز) و(ن)؛ وفي (ج) و(ك) و(هـ): \"لما ضرب له\"؛ وفي (ع) و(ي): \"بما ضرب له\".\n(^٧) في (ن): \"ضرب\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٣). [وسنده جيد].\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٥٧٠).\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٧) وفيه عنعنة ابن جريج. [وسنده ضعيف].\n(^١١) أخرجه ابن جرير (٥٦٩)؛ وابن أبي حاتم (٢٨٦) من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة وسنده صحيح.\n(^١٢) في \"تفسيره\" (٢٨٢) وسنده ظاهر الضعف.\n(^١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٨، ٢٩٣) من طرق، عن شعبة بسنده سواء.\nوأخرجه البخاري (٨/ ٤٢٥)؛ والنسائي في \"التفسير\" (٣١٣)؛ وابن أبي حاتم (٢٩٦) مختصرًا من طريق =","vol":"1","page":317},{"text":"تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى آخر الآية؛ فقال: هم الحرورية.\nوهذا الإسناد (إن) (^١) صح عن سعد بن أبي وقاص ﵁، فهو تفسير على المعنى، (لا) (^٢) أن الآية أريد منها التنصيص على الخوارج الذين خرجوا على علي بالنهروان؛ فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية؛ وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سموا خوارج، لخروجهم، عن طاعة الإمام، والقيام بشرائع الإسلام.\nوالفاسق في اللغة: هو الخارج عن الطاعة أيضًا. وتقول العرب: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة لخروجها عن جحرها للفساد.\nوثبت في \"الصحيحين\" (^٣) عن عائشة: أن رسول اللّه ﷺ قال: \"خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور\"؛ فالفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسق الكافر أشد وأفحش، والمراد به من الآية الفاسق الكافر، واللّه أعلم؛ بدليل أنه وصفهم بقوله (تعالى) (^٤): ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾.\nوهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد:\n﴿*أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) …﴾. الآيات، إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد].\nوقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه؛ فقال بعضهم: هو وصية اللّه إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسله؛ ونقضهم ذلك: هو تركهم العمل به.\nوقال آخرون: بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم؛ وعهد اللّه الذي نقضوه هو ما أخذه اللّه عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتباع محمد ﷺ إذا بعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم؛ ونقضهم ذلك: هو جحودُهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك (عن) (^٥) الناس بعد إعطائهم اللّه من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا\n_________\n= شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد قال: سألت أبي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] هم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدًا ﷺ، وأما النصارى كفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعد يسميهم الفاسقين.\n(^١) هكذا في كل \"الأصول\" ووقع في بعض النسخ المطبوعة \"وإن\" بزيادة الواو والفرق بينهما واضح، ولا شك أن هذا التفسير صح عن سعد بن أبي وقاص كما مرَّ بك، وكان اللائق بعلم ابن كثير ﵀ أن تكون العبارة (وإن) لأن صحة هذه الأسانيد لا تخفي على مثله إن شاء الله تعالى. واللّه أعلم.\n(^٢) في (ج): \"إلا\" وقد أفسد المعنى.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤/ ٣٤ و٦/ ٣٥٥)؛ ومسلم (١١٩٨/ ٦٨، ٧٠، ٧١).\n(^٤) من (ن).\n(^٥) كذا في (ج) و(ل) و(هـ)، وسقط من (ز) و(ع) و(ن) و(هـ). ووقع في (ك): \"من\" وأشار إليها في (ي).","vol":"1","page":318},{"text":"يكتمونه؛ فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا.\nوهذا اختيار ابن جرير (^١) ﵀، و(هو) (^٢) قول مقاتل بن حيان.\nوقال آخرون: بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق. وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته؛ وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي (بمثلها) (^٣)، الشاهدة لهم على (صدقهم) (^٤)؛ قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق.\nوروي عن مقاتل بن حيان (أيضًا) (^٥) نحو هذا (^٦). وهو حسن. [وإليه مال الزمخشري (^٧)؛ فإنه قال: فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟ قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمر وصَّاهم به] (^٨).\n[ووثقه عليهم؛ وهو معنى قوله (تعالى) (^٩): ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] إذ أخذ الميثاق عليهم (في) (^١٠) الكتب المنزلة عليهم؛ كقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] (^١١).\nوقال آخرون: العهد الذي ذكره تعالى: هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصف في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيتين. ونقضهم ذلك: تركهم الوفاء به.\nوهكذا روي (^١٢) عن مقاتل بن حيان أيضًا، حكى هذه الأقوال ابن جرير في \"تفسيره\" (^١٣).\nوقال أبو جعفر الرازي (^١٤)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال: هي ست خصال من المنافقين؛ إذا كانت فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا أؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد اللّه من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض؛ وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا أؤتمنوا خانوا.\nوكذا قال الربيع بن أنس (^١٥) أيضًا.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٤١٠، ٤١١).\n(^٢) من (ج) و(هـ) و(ي).\n(^٣) كذا في (ز) و(ن)؛ وفي (ج) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي): \"بمثله\".\n(^٤) كذا في (ز) و(ن)؛ وفي (ج) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي): \"صدقه\".\n(^٥) ساقط من (ز).\n(^٦) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان].\n(^٧) في \"الكشاف\" (١/ ٤٨).\n(^٨) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^٩) من (ن).\n(^١٠) كذا في (ج) و(ي)؛ وفي (ك) و(ل) و(ن): \"من\".\n(^١١) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٥) [بسند جيد].\n(^١٣) (١/ ٤٤١، ٤١٢).\n(^١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٩). [وسنده جيد].\n(^١٥) أخرجه ابن جرير (٥٧٣).","vol":"1","page":319},{"text":"وقال السدي في \"تفسيره\" (^١) بإسناده. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ قال: هو ما عهد إليهم في القرآن، فأقروا به، ثم كفروا فنقضوه.\nوقوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ قيل: المراد به صلة الأرحام والقرابات، كما فسره قتادة (^٢)؛ كقوله (تعالى) (^٣): ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد] ورجحه ابن جرير (^٤).\nوقيل: (المراد) (^٥) أعم من ذلك؛ فكل ما أمر اللّه بوصله وفعله (قطعوه) (^٦) وتركوه.\nوقال مقاتل بن حيان (^٧) في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال: في الآخرة. وهذا كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].\nوقال الضحاك (^٨)، عن ابن عباس: كل شيء نسبه اللّه إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل \"خاسر\" فإنما يعني به الكُفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب.\nوقال ابن جرير (^٩) في قوله (تعالى) (^١٠): ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الخاسرون) (^١١) جمعُ خاسرٍ، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم بمعصيتهم اللّه من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته، بأن يوضع من رأس ماله في بيعه. وكذلك المنافق والكافر خسر بحرمان اللّه إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته. يقال منه: خسر الرجل يخسر خسرًا وخسرانًا وخسارًا، كما قال جرير بن عطية (^١٢):\nإن سليطًا في الخسار إنه … أولاد قوم خلقوا أقنَّه\n\n<span id=\"aya-35\"></span>﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾.\nيقول تعالى: محتجًّا على وجوده وقدرته، وأنه الخالق المتصرف في عباده: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: كيف تجحدون وجوده، أو تعبدون معه غيره؟ ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي: وقد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور] وقال (تعالى) (^١٣): ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] والآيات في هذا كثيرة.\nوقال سفيان الثوري (^١٤): عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه بن مسعود ﵁:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩١) عن السدي قوله، وعادة ابن أبي حاتم أنه يختصر إسناد السدي في \"تفسيره\" فلينتبه لذلك.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٥٧٤) بسند صحيح.\n(^٣) من (ز) و(ن).\n(^٤) في \"تفسيره\" (١/ ٤١٦).\n(^٥) من (ن).\n(^٦) في (ن): \"فقطعوه\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٨) [بسند جيد].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٥٧٥) بسند ضعيف.\n(^٩) في \"تفسيره\" (١/ ٤١٧).\n(^١٠) من (ن).\n(^١١) ساقط من (ج) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).\n(^١٢) هو في ديوانه (٥٩٨). وانظر \"تفسير الطبري\" (١/ ٤١٧).\n(^١٣) من (ن).\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (٥٧٧)؛ وابن أبي حاتم (٣٠١) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان الثوري به؛ =","vol":"1","page":320},{"text":"﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر: ١١] قال: هي التي في البقرة: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.\nوقال (ابن جريج) (^١)، عن عطاء، عن ابن عباس (^٢): كنتم أمواتًا فأحياكم: أمواتًا في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم، قال: وهي مثل قوله (تعالى) (^٣): ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].\n[وقال الضحاك، عن ابن عباس (^٤)، في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾] (^٥) قال: كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة؛ ثم أحياكم فخلقكم، فهذه حياة؛ ثم يميتكم فترجعون إلى القبور؛ فهذه ميتة أخرى؛ ثم يبعثكم يوم القيامة [فهذه حياة (أخرى) (^٦)] (^٧) فهذه ميتتان وحياتان؛ فهو كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.\nوهكذا روي عن السدي (^٨) بسنده عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، وعن أبي العالية، والحسن (البصري) (^٩)، ومجاهد، وقتادة، وأبي صالح، والضحاك، وعطاء الخراساني نحو ذلك.\nوقال الثوري (^١٠)، عن السدي، عن أبي صالح: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ قال: يحييكم في القبر ثم يميتكم.\nوقال ابن جرير (^١١)، عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ قال: خلقهم في ظهر آدم، ثم أخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة؛ وذلك كقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] وهذا غريب، والذي قبله.\nوالصحيح ما تقدم عن ابن مسعود، وابن عباس، وأولئك الجماعة من التابعين؛ وهو كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الجاثية]، [(عبَّر) (^١٢) عن الحال قبل الوجود بالموت، لجامع ما يشتركان فيه من عدم] (^١٣)\n_________\n= وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٩٠٤٤)؛ والحاكم (٢/ ٤٣٧) من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق بسنده سواء. قال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي!\nوليس كما قالا، والصواب أنه على شرط مسلم وهذه الترجمة: \"أبو إسحاق عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود\" لم يخرجها البخاري في \"صحيحه\" بل في \"الأدب المفرد\" والله أعلم.\n(^١) في (ج): \"ابن جرير\"!\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٥٨١) بسند ضعيف.\n(^٣) من (ن).\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٥٨٣)؛ وابن أبي حاتم (٣٠٢) بسند ضعيف.\n(^٥) ساقط من (ج) و(ك) و(ص).\n(^٦) ساقط من (ج) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ي).\n(^٧) ساقط من (ك).\n(^٨) في \"تفسيره\" ومن طريقه ابن جرير (٥٧٦). [وسنده ضعيف ويتقوى بالآثار التي تليه].\n(^٩) ساقط من (ن).\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٥٨٤) بسند حسن.\n(^١١) رقم (٥٨٦) وسنده صحيح.\n(^١٢) في (ك): \"يخبر\".\n(^١٣) ساقط من (ز).","vol":"1","page":321},{"text":"[الإحساس، كما قال في الأصنام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ …﴾ الآية [النحل: ٢١] وقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ (^١) [يس].\n\n<span id=\"aya-36\"></span>﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾.\nلما ذكر تعالى دلالةً من خلقهم، وما يشاهدونه من أنفسهم، ذكر دليلًا آخر مما يشاهدونه من خلق السموات والأرض؛ فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي: قصد إلى السماء. والاستواء ها هنا: (مضمَّنٌ) (^٢) معنى القصد والإقبال؛ لأنه عدي بـ\"إلى\" \"فسواهن\"؛ أي: فخلق السماء سبعًا.\nوالسماء ها هنا: اسم جنس؛ فلهذا قال: (﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾) (^٣)، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: وعلمه محيط بجميع ما خلق؛ كما قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤].\nوتفصيل هذه الآية في سورة \"حم السجدة\" (^٤) وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت:١٢].\nففي هذه دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولًا، ثم خلق السموات سبعًا؛ وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله، ثم أعاليه بعد ذلك.\nوقد صرح المفسرون بذلك، كما سنذكره بعد هذا (إن شاء اللّه) (^٥).\nفأما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (^٦) [النازعات] فقد قيل: إن \"ثُمَّ\" ها هنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر، لا لعطف الفعل على الفعل؛ كما قال الشاعر:\nقل لمن ساد ثم ساد أبوه … ثم قد ساد قبل ذلك جده\nوقيل: إن الدحي كان بعد خلق (السموات) (^٧)؛ رواه علي بن أبي طلحة (^٨)، عن ابن عباس.\nوقد قال السدي في \"تفسيره\" (^٩)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة،\n_________\n(^١) ساقط من (ز).\n(^٢) في (ز): \"تضمن\".\n(^٣) في (ن): \"فسواهن سبع سموات\" ولا يظهر قصد المصنف لإتمامها كما لا يخفى.\n(^٤) من (ز) و(ك) و(ن).\n(^٥) من (ز) و(ك) و(ن).\n(^٦) من (ن).\n(^٧) في (ن): \"السموات والأرض\"!!\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٥٩٤) [وسنده ثابت].\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٥٩١)؛ والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ ١١٨، ١١٩)؛ وابن أبي حاتم (٣٠٧) واختصر هذا سنده كما نبهت عليه. [وسنده ضعيف].","vol":"1","page":322},{"text":"عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١) قال: إن اللّه ﵎ كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء؛ فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق (الماء) (^٢)، فسما عليه، فسماه سماءً، ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدةً، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين، في الأحد والإثنين؛ فخلق الأرض على حوت، والحوت هو الذي ذكره اللّه في القرآن: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]. والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح؛ وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال، فقرت؛ فالجبال تفخر على الأرض؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١]، وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها، وشجرها، وما ينبغي لها في يومين، في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ٩ - ١٠] يقول: أنبت شجرها، ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] [يقول: أقواتها لأهلها] (^٣) ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] يقول: من سأل فهكذا الأمر؛ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] وذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماءً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين، في الخميس والجمعة؛ وإنما سمي يوم الجمعة؛ لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض؛ ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] قال: خلق (اللّه) (^٤) في كل سماء خلقها من الملائكة، والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد ومما لا يعلم؛ ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظًا تحفظ من الشياطين.\nفلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش فذلك حين يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] ويقول: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].\nوقال ابن جرير (^٥): حدثني المثنى، حدثنا عبد اللّه بن صالح، حدثني أبو معشر، عن سعيد بن\n_________\n(^١) من (ل) و(ن).\n(^٢) في (ج): \"السماء\"!\n(^٣) كذا في (ك) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\" (٥٩١) ووقع في (ز) و(ع) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ي): \"لأهلها\" وسقط من (ج).\n(^٤) من (ز) (ن).\n(^٥) في \"تفسيره\" (٥٩٥)؛ وفي \"تاريخه\" (١/ ٤٧، ٥٥).\nوأخرجه أبو الشيخ في \"كتاب العظمة\" (٨٨٢) من طريق محمد بن بكير الحضرمي، ثنا أبو معشر به. وهذا سند ضعيف، لضعف أبي معشر واسمه نجيح بن عبد الرحمن، ولكن تابعه ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبد الله بن سلام فذكره.\nأخرجه ابن منده في \"كتاب التوحيد\" (٦١)؛ والبيهقي في \"الأسماء\" (٢/ ١٢٣، ١٢٤)؛ وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٣/ ٤٨)؛ والفريابي في \"القدر\" (٢ - بتحقيقي) وسنده صحيح.\nولكن رواه حماد بن خالد الخياط، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام فذكره فزاد في الإسناد \"والد سعيد المقبري\".\nأخرجه عباس الدوري في \"تاريخ ابن معين\" (٣/ ٤٩).","vol":"1","page":323},{"text":"أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام - أنه قال: إن اللّه بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين؛ وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عجل؛ فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.\nوقال مجاهد (^١) في قوله (تعالى) (^٢): ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ قال: خلق اللّه الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض (ثار) (^٣) منها دخان؛ فذلك حين يقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قال: بعضهن فوق بعض؛ وسبع أرضين - يعني (بعضهن) (^٤) تحت بعض.\n[(وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كما قال في آية السجدة: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾] (^٥) [﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت] فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير (^٦) عن قتادة - أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي (^٧) في \"تفسيره\" لقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ (^٨) [النازعات] قالوا: فذكر خلق السماء قبل الأرض.\nوفي \"صحيح البخاري\" (^٩) أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه، فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء، وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء.\nوكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا. وقد حررنا ذلك في سورة النازعات] (^١٠).\n[وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله (تعالى) (^١١): ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا] (^١٢)\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٥٩٢)؛ وابن أبي حاتم (٣١٢)؛ وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٨٨٣) من طريق عبد الرزاق وهو في \"تفسيره\" (١/ ٤١، ٤٢) قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد فذكره وسنده صحيح.\n(^٢) من (ن).\n(^٣) في (ز): \"بان\".\n(^٤) كذا في (ز) و(ك)؛ وفي (ن) و(هـ): \"بعضها\" وسقطت الكلمة من (ج) و(ع) و(ل) و(ي).\n(^٥) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^٦) في \"تفسيره\" (١/ ١٥٣).\n(^٧) في \"تفسيره\" (١٩/ ٢٠٤).\n(^٨) في (ن) بعدها: \"والجبال أرساها\".\n(^٩) في \"كتاب التفسير\" (٨/ ٥٥٥، ٥٥٦) قال: حدثنيه يوسف بن عدي، حدثنا عبيد اللّه بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد قال: قال رجل لابن عباس إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي وساق حديثًا طويلًا.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٥٥٩): \"وأخرجه الطبري من رواية مطرف من طريق المنهال بن عمرو بتمامه\".\n(^١٠) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^١١) من (ن).\n(^١٢) ساقط من (ز) و(هـ).","vol":"1","page":324},{"text":"[﴿مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ (^١) [النازعات] ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة إلى الفعل، لما (اكتملت) [صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية دحى بعد ذلك الأرض، فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها، وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت (هذه)] (^٢) الأفلاك، فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة، واللّه ﷾ أعلم] (^٣).\nوقد ذكر ابن أبي (^٤) حاتم، وابن مردويه في تفسير هذه الآية الحديث الذي رواه مسلم، والنسائي، في \"التفسير\" أيضًا، من رواية ابن جريج؛ قال: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد اللّه بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول اللّه ﷺ بيدي، فقال: \"خلق اللّه التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل\".\nوهذا الحديث من غرائب \"صحيح مسلم\"؛ وقد تكلم عليه علي بن المديني، والبخاري، وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار؛ وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعًا؛ وقد حرر ذلك البيهقي.\n\n<span id=\"aya-37\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾.\nيخبر تعالى بامتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة، واقصص على قومك ذلك.\nوحكى ابن جرير (^٥) عن بعض أهل العربية (وهو أبو عبيدة) (^٦) أنه زعم أن \"إذ\" ها هنا زائدة، وأن تقدير الكلام: وقال ربك. ورده ابن جرير] (^٢).\n[قال القرطبي (^٧): وكذا رده جميع المفسرين، حتى قال الزجاج: هذا اجتراء من أبي عبيدة] (^٨).\n﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي: قومًا يخلف بعضهم بعضًا، قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد\n_________\n(^١) في (ك) و(ن): \"أكملت\".\n(^٢) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^٣) من (ك) و(ل) و(ن).\n(^٤) في \"تفسيره\" (٣٠٥).\nوأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١/ ٤١٣) معلقًا ووصله مسلم (٢٧٨٩/ ٢٧).\n(^٥) في \"تفسيره\" (١/ ٤٣٩) وعبارته: \"زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة\" ولم يسمه.\n(^٦) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^٧) في \"تفسيره\" (١/ ٢٦٢).\n(^٨) ساقط من (ز).","vol":"1","page":325},{"text":"جيل؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] وقال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ [الزخرف] وقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩، مريم: ٥٩].\n[وقرئ في الشاذ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - حكاها الزمخشري (^١) وغيره. ونقله القرطبي (^٢) عن زيد بن علي].\nوليس المراد ها هنا بالخليفة آدم ﵇ فقط، [كما يقوله طائفة من المفسرين] (^٣).\n[وعزاه القرطبي إلى ابن عباس، وابن مسعود، وجميع أهل التأويل. وفي ذلك نظر؛ بل الخلاف في ذلك كثير؛ حكاه (فخر الدين) (^٤) الرازي في \"تفسيره\" (^٥) وغيره. والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا]؛ إذ لو كان ذلك لما حسُنَ قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ فإنهم إنما أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو فهموه من الطبيعة البشرية؛ فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حمإ مسنون؛ [أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن المحارم والمآثم؛ قاله القرطبي] (^٦). أو أنهم قاسوهم على من سبق، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك.\nوقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على اللّه، ولا على وجه الحسد لبني آدم كما قد يتوهمه بعض المفسرين؛ [وقد وصفهم اللّه تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول؛ أي: لا يسألونه شيئًا لم يأذن لهم فيه؛ وها هنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا؛ قال قتادة: وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية] (^١).\nوإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا؛ ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض، ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك؛ أي: نصلي لك كما سيأتي؛ أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلَّا وقع الاقتصار علينا؟\nقال اللّه تعالى - مجيبًا لهم عن هذا السؤال -: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون، والعباد والزهاد، والأولياء والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون، والخاشعون، والمحبون له ﵎ المتبعون رسله صلوات اللّه وسلامه عليهم.\n[ولد ثبت في \"الصحيح\" (^٧) أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده يسألهم -] (^٨)\n_________\n(^١) في \"الكشاف\" (١/ ٥٠).\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ٢٦٣).\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) ساقط من (ن).\n(^٥) في \"تفسيره\" (١/ ١٨٠، ١٨١).\n(^٦) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^٧) مرَّ تخريجه في \"كتاب فضائل القرآن\" (١/ ٢٥١).\n(^٨) ساقط من (ز) و(هـ).","vol":"1","page":326},{"text":"[وهو أعلم: \"كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون\". وذلك لأنهم يتعاقبون فينا، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال، كما قال عليه (الصلاة و) (^١) السلام: \"يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل\" (^٢)] (^٣).\n[فقولهم: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله (لهم) (^٤): ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nوقيل: معنى قوله (تعالى) (^٥) - جوابًا لهم -: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إني لي حكمة (مفصلة) (^٦) في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها.\nوقيل: إنه جواب (لقولهم) (^٧) ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من وجود إبليس بينكم، وليس هو كما وصفتم أنفسكم به.\nوقيل: بل تضمَّن قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم؟ فقال اللّه تعالى لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم ذكره (فخر الدين) (^٨) (الرازي) (^٥) مع غيرها من الأجوبة واللّه (سبحانه) (^٩) (وتعالى) (^١٠) أعلم] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-75>ذكر أقوال المفسرين (ببسط) (^١١) ما ذكرناه:</span>\nقال ابن جرير (^١٢): حدثني القاسم بن الحسن، (قال: حدثنا الحسين قال) (^١٣): حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم؛ ومبارك عن الحسن، وأبي بكر، عن الحسن وقتادة؛ قالوا: قال اللّه للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال لهم: إني فاعل، (وهذا) (^١٤) معناه أنه أخبرهم بذلك.\nوقال السدي: استشار الملائكة في خلق آدم، رواه ابن أبي (^١٥) حاتم؛ وقال: وروي عن قتادة نحوه (^١٦)؛ وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل [وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن. والله أعلم] (^١٧).\n_________\n(^١) من (ن). وفي (ك): \" ﷺ \".\n(^٢) أخرجه مسلم (١٧٩/ ٢٩٣، ٢٩٤).\n(^٣) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^٤) ساقط من (ج) و(ل).\n(^٥) من (ن).\n(^٦) في (ك): \"منفصلة\"!\n(^٧) ساقط من (ن).\n(^٨) من (ج) و(ك) و(ل) و(ى).\n(^٩) من (ى).\n(^١٠) من (ل).\n(^١١) في (ل): \"وبسط\".\n(^١٢) في \"تفسيره\" (٥٩٧)؛ وفي \"تاريخه\" (١/ ١٠١) وطريق حجاج، عن جرير، عن الحسن جيد، وأخرجه ابن أبي حاتم (٣١٦) من طريق سعيد بن سليمان، ثنا مبارك بن فضالة، ثنا الحسن. فذكره.\n(^١٣) ساقط من جميع \"الأصول\" وهو ثابت في \"تفسير الطبري\".\n(^١٤) في (ن): \"هذا ومعناه\".\n(^١٥) في \"تفسيره\" (٣١٥) وهو خبر غريب.\n(^١٦) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة].\n(^١٧) ساقط من (ز) و(هـ).","vol":"1","page":327},{"text":"﴿فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن أبي حاتم (^١): حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد، (حدّثنا) (^٢) عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط - أن رسول اللّه ﷺ قال \"دحيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة؛ فقال اللّه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - يعني: مكة\".\nوهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مدرج؛ وهو أن المراد بالأرض مكة. واللّه أعلم؛ فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك.\n﴿خَلِيفَةً﴾ قال السدي في \"تفسيره\" (^٣)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة -: إن اللّه (تعالى) (^٤) قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالوا: ربنا، وما يكون ذاك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا.\nقال ابن جرير (^٥): فكأن تأويل الآية على هذا: إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم (^٦) بين خلفي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة اللّه والحكم بالعدل بين خلقه. وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه.\nقال ابن جرير: وإنما معنى الخلافة التي ذكرها اللّه (تعالى) (^٧) إنما هي خلافة (قرن) (^٨) منهم قرنًا.\nقال (^٩): والخليفة: الفعيلة، من قولك: خلف فلان فلانًا في هذا الأمر، إذا قام مقامه فيه بعده؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [يونس] ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله، فقام (بالأمر) (^١٠)، فكان منه خلفًا.\nقال] (^٩): وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يقول: ساكنًا وعامرًا يعمرها وشمكنها خلقًا ليس منكم.\n(قال ابن جرير) (^١١): وحدثنا أبو كريب، حدثنا (عثمان) (^١٢) بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: إن أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضًا؛ قال: فبعث اللّه إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٣١٨). وأخرجه ابن جرير (٥٩٦) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط. وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٤٦) لابن عساكر.\n(^٢) في (ن): \"ابن\".\n(^٣) ومن طريقه ابن جرير (٦٠٥). [وسنده ضعيف].\n(^٤) من (ن).\n(^٥) في \"تفسيره\" (١/ ٤٥٢).\n(^٦) في (ن): \"في الحكم بالعدل\"، وليس في \"الأصول\" ولا في \"الطبري\".\n(^٧) من (ل).\n(^٨) ساقط من (ل).\n(^٩) يعني ابن جرير (١/ ٤٤٩).\n(^١٠) في \"الطبري\" (١/ ٤٤٩): \"فقام بالأمر مقامه\".\n(^١١) ساقط من (ج) و(ك) و(ل) وهو في \"تفسير ابن جرير\" (٦٠١) وسنده ضعيف.\n(^١٢) في (ز): \"عمر\" كذا نبه محققو طبعة \"الشعب\" ورسمها قريب جدًّا من عثمان، فإنهم يكتبونها هكذا \"عثمن\" فلعلها اشتبهت عليهم. واللّه أعلم.","vol":"1","page":328},{"text":"معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، ثم خلق آدم فأسكنه إياها؛ فلذلك قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.\nوقال سفيان (^١) الثوري، عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: يعنون به بني آدم.\nوقال (^٢) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال الله للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خلقًا، وأجعل فيها خليفة، وليس للّه ﷿ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق. قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾؟.\nوقد تقدم ما رواه السدي، عن ابن عباس، وابن مسعود وغيرهما من الصحابة: أن الله أعلم الملائكة بما (يفعل) (^٣) ذرية آدم؛ فقالت الملائكة ذلك.\nوتقدم (آنفًا) (^٤) ما رواه الضحاك، عن ابن عباس: أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم؛ فقالت الملائكة ذلك، فقاسوا هؤلاء بأولئك.\nوقال ابن أبي (^٥) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن (بكير) (^٦) بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد اللّه بن عمرو؛ قال: كان الجن بنو الجان في الأرض قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء، فبعث اللّه جندًا من الملائكة، فضربوهم حتى (ألحقوهم) (^٧) بجزائر البحور؛ فقال اللّه للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nوقال أبو جعفر (^٨) الرازي، عن الربيع (بن أنس) (^٩)، عن أبي العالية - في قوله (تعالى) (^١٠): ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ..﴾ إلى قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]-، قال: خلق اللّه الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم (فكانت الدماء بينهم) (^١١) وكان الفساد في الأرض؛ فمن ثم قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كما أفسدت الجن ويسفك الدماء كما سفكوا؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٦٠٣ - ٦٠٨)؛ وابن أبي حاتم (٣٢٧)، وسنده جيد.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٦٠٤) وسنده صحيح.\n(^٣) في (ن) و(ل) و(هـ): \"تفعل\".\n(^٤) في (ج) و(ل): \"أيضًا\".\n(^٥) في \"تفسيره\" (٣٢٢) ولكن أخرجه الحاكم (٢/ ٢٦١) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية بسنده سواء لكنه جعل الصحابي \"ابن عباس\" بدل \"ابن عمرو \"فلا أدري هل تصحف في \"المستدرك\" والتصحيف فيه كثير أم هو اختلاف بين ابن أبي شيبة والطنافسي؟! وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي وهو كما قالا وقد أخرجه ابن منده في \"التوحيد\" (٥٧٢) من طريق سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية بسنده سواء عن عبد اللّه بن عمرو.\n(^٦) في (ك): \"بكر\" وهو خطأ.\n(^٧) في (ن): \"لحقوا\" وهو مخالف لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٣)؛ وأخرجه ابن جرير (٦٠٢)؛ وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٨٨٠) من طريق عبد اللّه بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قوله. [وسنده جيد].\n(^٩) من (ع) و(ن) و(هـ) و(ي).\n(^١٠) من (ن).\n(^١١) كذا في \"جميع الأصول\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\" (٦١٢). ووقع في (ن): \"تقاتلهم ببغيهم\".","vol":"1","page":329},{"text":"قال ابن (^١) أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا الحسن؛ قال: قال اللّه للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال لهم: إني فاعل، فآمنوا بربهم، فعلَّمهم علمًا، وطوى عنهم عِلمًا عَلِمه ولم يعلموه، فقالوا بالعلم الذي علمهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال الحسن: إن الجن كانوا في الأرض يفسدون، ويسفكون الدماء، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون؛ فقالوا بالقول الذي علَّمهم.\nوقال عبد الرزاق (^٢)، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كان اللّه أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾؟\nوقال ابن أبي (^٣) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام الرازي، حدثنا ابن المبارك، عن معروف - يعني: ابن خرَّبوذ المكي -، عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول: السجل ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له في كل يوم ثلاث لمحات (ينظرهن) (^٤) في أم الكتاب؛ فنظر نظرةً لم تكن له، فأبصر فيها خلق آدم وما (كان) (^٥) فيه من الأمور، فأسر ذلك إلى هاروت وماروت، وكانا من أعوانه؛ فلما قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - قالا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قالا: ذلك استطالةً على الملائكة.\nوهذا أثر غريب. وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر فهو نقله عن أهل الكتاب، وفيه نكارة توجب رده. واللّه أعلم.\nومقتضاه أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط، وهو خلاف السياق.\nوأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم (^٦) أيضًا حيث قال: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن (عبيد اللّه) (^٧)، حدثنا عبد اللّه بن يحيى بن أبي كثير؛ قال: سمعت أبي يقول: إن الملائكة الذين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ كانوا عشرة آلاف، فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم.\nوهذا أيضًا إسرائيلي منكر كالذي قبله. واللّه أعلم.\nقال ابن جريج (^٨): إنما تكلموا بما أعلمهم اللّه أنه كائن من خلق آدم، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؟\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٣٢٤)؛ وأخرجه ابن جرير (٦١١) من طريق حجاج بن منهال، عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة، عن الحسن، وعن أبي بكر، عن الحسن وقتادة فذكره بأطول من سياق ابن أبي حاتم. [وسنده حسن].\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ٤٢) ومن طريقه ابن جرير (٦١٠)؛ وابن أبي حاتم (٣٢٦). [وسنده صحيح].\n(^٣) في \"تفسيره\" (٣٢٨) وسنده ضعيف ومتنه منكر كما أشار إليه المصنف واللّه أعلم.\n(^٤) ساقط من (ن).\n(^٥) من (ن).\n(^٦) في \"تفسيره\" (٣٢٩).\n(^٧) في (ز) و(ك) و(ل) و(هـ): \"ابن أبي عبد الله\"؛ وفي (ج) و(ع) و(ن) و(ي): \"ابن أبي عبيد الله\" وصوابه: \"ابن عبيد الله\" وهو مترجم في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٦٧/٢).\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٦١٦) وسنده صحيح.","vol":"1","page":330},{"text":"قال ابن جرير (^١): وقال بعضهم: إنما قالت الملائكة ما قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ لأن الله أذن (لها) (^٢) في السؤال عن ذلك بعد ما أخبرهم أن ذلك كائن من بني آدم، فسألته الملائكة، فقالت على التعجب منها: وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم؟ فأجابهم ربهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أن ذلك كائن منهم، وإن لم تعلموه أنتم ومن بعض (من) (^٣) ترونه لي طائعًا.\nقال (^٤): وقال بعضهم: ذلك من الملائكة على وجه [الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا: (يا رب) (^٥)، خبرنا - (مسألة) (^٦) استخبار منهم، لا على وجه] (^٧) الإنكار. واختاره ابن جرير.\n[وقال سعيد (^٨)، عن قتادة؛ قوله (تعالى) (^٩): ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - قال: استشار الملائكة في خلق آدم، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وقد علمت الملائكة (من علم اللّه) (^١٠) أنه لا شيء أكره عند اللّه من سفك الدماء والفساد في الأرض - ونحن نسبح بحمدك، ونقدس لك. قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فكان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنوا الجنة؛ قال: وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول: إن الله لما أخذ في خلق آدم ﵇ (^١١) قالت الملائكة: ما اللّه خالق خلقًا أكرم عليه منا، ولا أعلم منا؛ فابتلوا بخلق آدم، وكل خلق مبتلى، كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة، فقال (الله تعالى) (^١٠): ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]] (^١٢).\n[(وقوله تعالى) (^١٠): ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال عبد الرزاق (^١٣)، عن معمر، عن قتادة، قال: التسبيح: التسبيح. والتقديس: الصلاة.\nوقال السدي (^١٤)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة] (^١٥)، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: يقولون: نصلي لك.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٤٦٩، ٤٧٠).\n(^٢) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي) وهو الموافق لما في \"الطبري\" (٦١٦). ووقع في (ز) و(ن): \"لهم\".\n(^٣) في (ن): \"ما\" وفي (ز): \"ومن يعصيني ممن ترونه\".\n(^٤) يعني: ابن جرير (١/ ٤٧٠).\n(^٥) ساقط من (ج).\n(^٦) في (ل): \"مسألة الملائكة\".\n(^٧) ساقط من (ك).\n(^٨) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٦٠٩)؛ وفي \"التاريخ\" (١/ ١٠٠) وسنده صحيح.\n(^٩) من (ن).\n(^١٠) ساقط من (ن).\n(^١١) ساقط من (ج) و(ع) و(ل).\n(^١٢) ساقط من (ز) و(ض) و(ي).\n(^١٣) في \"تفسيره\" (١/ ٤٢) ومن طريقه ابن جرير (٦٢٠، ٦٢١)؛ وابن أبي حاتم (٣٣٠) (٢٣٦) [وسنده صحيح] وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٤٦) لعبد بن حميد.\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (٦١٩). [وسنده ضعيف].\n(^١٥) هذه الفقرة وما بعدها إلى قوله: \"أهل الكفر بك\" مقدمة في (ك) و(هـ) على قوله في الفقرة السابقة، قال: سعيد … إلخ\".","vol":"1","page":331},{"text":"وقال مجاهد (^١): ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: نعظمك ونكبرك.\nوقال الضحاك (^٢): التقديس: التطهير.\nوقال محمد بن إسحاق (^٣): ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: لا نعصي، ولا نأتي شيئًا تكرهه.\nوقال ابن جرير (^٤): التقديس: هو التعظيم والتطهير. ومنه قولهم: سبوح قدوس: يعني بقولهم: سبوح: تنزيه (للّه) (^٥)، وبقولهم قدوس: طهارة وتعظيم له (ولذلك) (^٦) قيل للأرض: أرض مقدسة؛ يعني بذلك: المطهرة؛ فمعنى قول الملائكة إذًا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأناس، وما أضاف إليك أهل الكفر بك.\n[وفي \"صحيح مسلم\" (^٧)، عن أبي ذر ﵁: أن رسول اللّه ﷺ سُئل أي الكلام أفضل؟ قال: \"ما اصطفى اللّه لملائكته: سبحان اللّه وبحمده\".\nوروى البيهقي (^٨) عن عبد الرحمن بن قرط: أن رسول اللّه ﷺ ليلة أسرى به سمع تسبيحًا في السموات العلى \"سبحان العلي الأعلى، ﷾\"] (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٦٢٣)؛ وابن أبي حاتم (٣٣٣) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وسنده قوي وقد قدمت الدليل على ذلك في أول هذه السورة.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٦٢٥)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٢) لكنه جعله عن الضحاك، عن ابن عباس وسنده ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٦٢٤) بسند ضعيف جدًّا.\n(^٤) في \"تفسيره\" (١/ ٤٧٥).\n(^٥) في (ز) و(ن): \"له\".\n(^٦) في (ن): \"كذلك\".\n(^٧) أخرجه مسلم (٢٧٣١/ ٨٥).\n(^٨) في \"الأسماء والصفات\"، كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٨٣).\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\"، كما في \"ابن كثير\" (٥/ ٧٦ - الشعب)؛ وفي \"الأوسط\" (٣٧٤٢)، ومن طريقه أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٧، ٨)؛ وفي \"عوالي سعيد بن منصور\" (٤)؛ وابن عساكر في \"تاريخه\" (ج ١٠/ ق ١٥٦) كلهم عن سعيد بن منصور، وهذا في \"سننه\"، كما في \"الدر المنثور\" قال: حدثنا ميمون بن مسكين، حدثني عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول اللّه ﷺ ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فلما رجع فكان بين زمزم والمقام وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فطارا به حتى بلغا السموات العلى، فلما رجع قال: \"سمعت تسبيحًا في السموات العلى، مع تسبيح كثير: سبحت السموات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا، سبحان العلي الأعلى، ﷾\".\nوعزاه الحافظ في \"الإصابة\" (٤/ ٣٥٤) للبخاري، يعني في \"تاريخه\"؛ وابن السكن. وعزاه السيوطي في \"الدر\" (٤/ ١٨٣)؛ لابن أبي حاتم، قال الطبراني: \"لا يروى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا بهذا الإسناد، تفرد به سعيد بن منصور\". وقال الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ١٠١): \"مسكين بن ميمون لا أعرفه وخبره منكر\" وذكر له هذا الحديث. وتبعه في هذا الحكم الحافظ في \"اللسان\" (٦/ ٢٨)؛ والهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٧٨). وخالفهم أبو نعيم الأصبهاني فقد نقل عنه الذهبي أنه صححه. وعبارة أبي نعيم في \"عوالي سعيد بن منصور\" هي: \"هذا حديث صحيح غريب لم يروه عن عروة بن رويم غير مسكين بن ميمون فيما قالوا، وعبد الرحمن بن قرط يعد في الصحابة وتفرد بهذا الحديث عن النبي ﷺ في ذكر التسبيح، ومسكين بن ميمون هو الرملي وروى عنه هشام بن عمار وغيره هذا الحديث\". ا هـ ولكن وضع محقق \"عوالي سعيد بن منصور\" كلمة \"صحيح\" بين قوسين، فكأنه سقط من الأصل ولكنه استدركه بدلالة قول الذهبي فالله أعلم لكن الإسناد قوي، وقول الذهبي في مسكين بن ميمون لا أعرفه عجيب فقد وثقه ابن معين كما في \"تاريخ الدوري\" (٤/ ٤٧١) وذكره ابن شاهين في \"الثقات\" وكذلك ابن حبان (٧/ ٥٠٥) وسمى أباه \"صالحًا\" وسبقه البخاري (٤/ ٣/٢) لكن ذكر الحافظ في \"الإصابة\" (٤/ ٣٥٥) أن سعيد بن منصور أخرجه عن مسكين فأرسله فلو صحَّ هذا النقل لكان قد اختلف على سعيد في وصله وإرساله فاللّه أعلم.\n\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).","vol":"1","page":332},{"text":"﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال قتادة (^١): فكان في علم اللّه أنه سيكون في تلك الخليقة أنبياء ورسل، وقوم صالحون وساكنو الجنة.\nوسيأتي عن ابن مسعود، وابن عباس، وغير واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n[وقد استدل القرطبي (^٢) وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة، ليفصل بين الناس فيما (يختلفون) (^٣) فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفاحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nوالإمامة تنال بالنص، كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه، كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده، كما فعل الصديق (في) (^٤) عمر بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته، أو بمبايعة واحد منهم له؛ فيجب التزامها عند الجمهور؛ وحكى على (ذلك) (^٥) إمام الحرمين الإجماع واللّه أعلم.\nأو بقهر واحد (من) (^٦) الناس على طاعته، فتجب، لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف. وقد نص عليه الشافعي؛ وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ فيه خلاف؛ فمنهم من قال: لا يشترط. وقيل: بلى؛ ويكفي شاهدان. وقال الجبائي: يجب أربعة، وعاقد] (^٧) [ومعقود له، كما ترك عمر (﵁) (^٨) الأمر شورى بين ستة؛ فوقع الأمر على عاقد، وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له وهو عثمان (﵁) (^٩)، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين، وفي هذا نظر. واللّه أعلم.\nويجب أن يكون ذكرًا حرًا بالغًا، عاقلًا مسلمًا، عدلًا مجتهدًا، بصيرًا سليم الأعضاء، خبيرًا بالحروب والآراء، قرشيًا على الصحيح؛ ولا يشترط الهاشمي ولا المعصوم من الخطأ خلافًا (لغلاة) (^١٠) الروافض.\nولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف. والصحيح أنه لا ينعزل، لقوله عليه (الصلاة و) (^١١) السلام: \"إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من اللّه فيه برهان\" (^١٢)] (^١٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٦٣٩)؛ وابن أبي حاتم (٣٣٩) من طريقين عن قتادة. [وسنده صحيح].\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ٢٦٤).\n(^٣) في (ن): \"اختلفوا\".\n(^٤) في (ن): \"بعمر\".\n(^٥) في (ك): \"تلك\".\n(^٦) ساقط من (ج).\n(^٧) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^٨) من (ن).\n(^٩) من (ك).\n(^١٠) في (ن): \"للغلاة\".\n(^١١) من (ن): وفي (ك): \" ﷺ \".\n(^١٢) أخرجه البخاري (١٣/ ٥)؛ ومسلم (١٧٠٩/ ٤٢) والسياق له.\n(^١٣) ساقط من (ز) و(هـ).","vol":"1","page":333},{"text":"[وهل له أن يعزل نفسه؛ فيه خلاف، وقد عزل الحسن بن علي (﵁) [نفسه، وسلم الأمر إلى معاوية؛ لكن هذا لعذر؛ وقد مدح على ذلك.\nفأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز، لقوله عليه (الصلاة و)] (^١) السلام: \"من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنًا من كان\" (^٢).\nوهذا قول الجمهور، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، منهم إمام الحرمين.\nوقالت الكرامية: يجوز (اثنان) (^٣) فأكثر، كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة؛ قالوا: وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر جاز ذلك في الإمامة؛ لأن النبوة أعلى رتبةً بلا خلاف] (^٤).\n[وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار، واتسعت الأقاليم بينهما. وتردد إمام الحرمين في ذلك.\nقلت: وهذا يشبه حال (خلفاء) (^٥) بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب، [ولنقرر هذا كله في موضع آخر من \"كتاب الأحكام\" إن شاء اللّه تعالى] (^٦)] (^٧).\n\n<span id=\"aya-38\"></span>﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾.\nهذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصه من علم أسماء كل شيء دونهم. وهذا كان بعد سجودهم له؛ وإنما قدم هذا الفصل على ذاك لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليقة حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون؛ ولهذا ذكر اللّه هذا المقام عقيب هذا، ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم، فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.\nقال السدي (^٨)، عمن حدثه، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: (عرض عليه) (^٩) أسماء ولده إنسانًا إنسانًا، والدواب؛ فقيل: هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس.\nوقال الضحاك (^١٠)، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس؛ إنسان، (ودابة) (^١١)، وسماء، وأرض، وسهل، وبحر، (وجبل) (^١٢)، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٨٥٢/ ٦٠). واللفظ له.\n(^٣) في (ن): \"اثنين\".\n(^٤) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^٥) في (ن): \"الخلفاء\".\n(^٦) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).\n(^٧) ساقط من (ز) و(هـ).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٠) وسنده ضعيف.\n(^٩) في (ن) و(هـ): \"علمه\" وهو مخالف لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\".\n(^١٠) وأخرجه ابن جرير (٦٤٦) وسنده ضعيف.\n(^١١) في (ن): \"دواب\".\n(^١٢) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ)؛ وفي (ز) و(ى): \"جمل\"؛ وفي (ن): \"خيل\"!","vol":"1","page":334},{"text":"وروى (^١) ابن أبي حاتم، وابن جرير، من حديث عاصم بن كليب، عن سعيد بن معبد، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: علمه اسم الصحفة والقدر؟ قال: نعم حتى الفسوة والفسية.\nوقال مجاهد (^٢): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ - قال: علمه اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء.\n[وكذلك روي (^٣) عن سعيد بن جبير، وقتادة وغيرهم من السلف، أنه علمه أسماء كل شيء] (^٤).\nوقال الربيع (^٥) - في رواية عنه -: أسماء الملائكة.\nوقال حميد (^٦) الشامي: أسماء النجوم. وقال عبد الرحمن (^٧) بن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم.\nواختار ابن (^٨) جرير أنه علمه أسماء الملائكة وأسماء الذرية؛ لأنه قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ وهذا عبارة عما يعقل.\nوهذا الذي رجح به ليس بلازم؛ فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب، كما قال (تعالى) (^٩): ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾ [النور].\n[وقد قرأ عبد اللّه بن مسعود: \"ثم عرضهن\". وقرأ أُبي بن كعب: \"ثم عرضها\"؛ أي: المسميات] (^١٠).\nوالصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها؛ وذواتها (وصفاتها) (^١١) وأفعالها، كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفسية؛ يعني: أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر؛ ولهذا قال البخاري (^١٢) في تفسير هذه الآية في \"كتاب التفسير\" من \"صحيحه\": حدثنا مسلم بن إبراهيم،\n_________\n(^١) وأخرجه ابن جرير (٦٥١)؛ وابن أبي حاتم (٣٤١)؛ وسعيد بن معبد ترجمه البخاري في \"الكبير\" (٢/ ١/ ٤٦٨)؛ وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ١/ ٦٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٦٤٧)؛ وابن أبي حاتم (٣٤٢) من طريقين، عن مجاهد. وهو صحيح.\n(^٣) أخرج هذه الآثار ابن جرير (٦٥٠، ٦٥٥، ٦٥٦، ٦٥٧).\n(^٤) ساقط من (ج). [أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة].\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٦٥٩) وسنده ضعيف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٣)؛ وأبو الشيخ في \"العظمة\" (١٠٤٣) وسنده جيد.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٦٦٠) وسنده صحيح.\n(^٨) في \"تفسيره\" (١/ ٤٨٥).\n(^٩) من (ن).\n(^١٠) ساقط من (ز) و(هـ). [وهاتان القراءتان شاذتان تفسيريتان].\n(^١١) من (ن).\n(^١٢) في \"صحيحه\" (٨/ ١٦٠ - فتح) وقد رواه البخاري بإسنادين عن قتادة.\nأحدهما: هشام الدستوائي، عن قتادة.\nوقد رواه أيضًا في \"كتاب التوحيد\" من \"صحيحه\" (١٣/ ٣٩٢، ٣٩٣، ٤٧٧، ٤٧٨)؛ ومسلم (١٩٣/ ٣٢٤، ٣٢٥).","vol":"1","page":335},{"text":"حدثنا هشام، (حدثنا) (^١) قتادة، عن أنس بن مالك: أن رسول اللّه ﷺ قال: [وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ، قال] (^٢): \"يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك اللّه بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا (عند) (^٣) ربِّك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه فيستحيي؛ (فيقول) ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض؛ فيأتونه فيقول: لست هُنَاكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحيي؛ فيقول: ائتوا خليل الرحمن فيأتونه فيقول: لست هناكم، فيقول: ائتوا موسى عبدًا كلَّمه الله، وأعطاه التوراة؛ فيأتونه، فيقول: لست هناكم. ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحيي من ربه؛ (فيقول) (^٤): ائتوا عيسى عبد اللّه ورسوله، وكلمة اللّه وروحه، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدًا عبدًا غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي (فيؤذن) (^٥) لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء اللّه، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل تسمع، واشفع تشفع؛ فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه؛ فإذا رأيت ربي مثله؛ ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة [ثم أعود الثالثة] (^٦) ثم أعود الرابعة، فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود.\nهكذا ساق البخاري هذا الحديث ها هنا، وقد رواه مسلم، والنسائي من حديث هشام، وهو ابن أبي عبد اللّه الدستوائي، عن قتادة، به. وأخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه من حديث سعيد، وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة.\nووجه إيراده ها هنا، والمقصود منه قوله عليه (الصلاة و) (^٧) السلام: فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس؛ خلقك اللّه بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء.\nفدل هذا على أنه علمه أسماء جميع المخلوقات؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ يعني: المسميات، كما قال عبد الرزاق (^٨)، عن معمر، عن قتادة؛ قال: ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة، ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nوقال السدي في \"تفسيره\" (^٩)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة.\n_________\n(^١) في (ن): \"عن\".\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) في (ن): \"إلى\".\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) في (ن): \"فيأذن\".\n(^٦) ساقط من (ن).\n(^٧) من (ز) و(ن)؛ وفي (ك): \" ﷺ \".\n(^٨) في \"تفسيره\" (١/ ٤٢، ٤٣)، ومن طريقه ابن جرير (٦٦٤)؛ وابن أبي حاتم (٣٤٤) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قال: علمه اسم كل شيء؛ هذا بحر، وهذا جبل، وهذا كذا، وهذا كذا؛ لكل شيء، ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة. هذا لفظ عبد الرزاق، واختصره ابن جرير، وابن أبي حاتم. وسنده صحيح.\n(^٩) ومن طريقه ابن جرير (٦٦٢)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٥)؛ عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].","vol":"1","page":336},{"text":"وقال ابن جريج (^١)، عن مجاهد: (ثم عرضهم) (^٢): عرض أصحاب الأسماء على الملائكة.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك بن فضالة، عن الحسن وأبي بكر، عن الحسن، وقتادة؛ قالا: علمه اسم كل شيء، وجعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضت عليه أُمّة أُمة.\nوبهذا الإسناد (^٤) عن الحسن وقتادة - في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ - إني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.\nوقال الضحاك (^٥)، عن ابن عباس: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون أني لم أجعل في الأرض خليفة.\nوقال السدي (^٦)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.\nوقال ابن جرير (^٧): وأولى الأقوال في ذلك تأويل ابن عباس ومن قال بقوله، ومعنى ذلك: فقال أنبئوني بأسماء من عرضته عليكم أيها الملائكة القائلون: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ من غيرنا أم منا؟ فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قيلكم: (إني) (^٨) إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني (ذريته) (^٩)، وأفسدوا، وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني، واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس؛ فإذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضت عليكم وأنتم تشاهدونهم فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد أحرى أن تكونوا غير عالمين.\n\n<span id=\"aya-39\"></span>﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ هذا تقديس وتنزيه من الملائكة للّه تعالى [أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء (أو) (^١٠) أن يعلموا شيئًا إلا ما علمهم اللّه تعالى] (^١١)؛ ولهذا قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٦٦٥)؛ وابن جريج مدلس، ولم يسمع من مجاهد إلا حرفًا.\n(^٢) ساقط من (ن).\n(^٣) في \"تفسيره\" (٦٦٧)؛ والحجاج هو ابن محمد الأعور فيرويه مرة عن جرير بن حازم، ومبارك بن فضالة عن الحسن، ويرويه مرة عن أبي بكر الهذلى عن الحسن، وقتادة.\nوالوجه الأول أجود، وأبو بكر الهذلي متروك.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٦٧٣). [وسنده ضعيف].\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٦٧١)، وسنده ضعيف.\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٦٧٢) [وسنده ضعيف].\n(^٧) في \"تفسيره\" (١/ ٤٩٠، ٤٩١).\n(^٨) كذا في (ز) و(ض) و(ن) و(هـ) و(ى) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\" ووقع في: (ج) و(ك) و(ل): \"أي\".\n(^٩) في (ن): \"وذريته\".\n(^١٠) كذا في (ج) و(هـ) و(ى) ووقع في: (ز) و(ض) و(ل) و(ن): \"و\".\n(^١١) ساقط من (ك).","vol":"1","page":337},{"text":"الْحَكِيمُ﴾ [أي: العليم بكل شيء، الحكيم] (^١) في خلقك وأمرك، وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء، لك الحكمة في ذلك؛ والعدل التام.\nقال ابن أبي حاتم (^٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: سبحان اللّه، قال: تنزيه اللّه نفسه عن السوء (قال) (^٣)؛ ثم قال عمر لعلي وأصحابه عنده: \"لا إله إلا اللّه\" قد عرفناها، فما سبحان اللّه؟ فقال له علي: كلمة أحبها اللّه لنفسه، ورضيها، وأحب أن تقال.\nقال (^٤): وحدثنا أبي، حدثنا (ابن نقيل) (^٥)، (حدثنا) (^٦) النضر بن (عربي) (^٧)؛ قال: سأل رجل ميمون بن مهران عن: \"سبحان اللّه\" قال: اسم يعظم اللّه به، ويحاشي به من السوء.\n\n<span id=\"aya-40\"></span>وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾.\nقال زيد بن أسلم (^٨): قال: أنت جبرائيل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدد الأسماء كلها حتى بلغ الغُراب.\nوقال مجاهد (^٩) - في (قول الله) (^١٠): ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ - قال: اسم الحمامة والغراب، واسم كل شيء.\nوروي عن سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة نحو ذلك (^١١).\n_________\n(^١) ساقط من (ج).\n(^٢) في \"تفسيره\" (٣٤٧)؛ وأخرجه المحاملي في \"الأمالي\" (٤٣٩) قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، ثنا حفص بن غياث بسنده سواء.\nوقد سبق الكلام على هذا الأثر (١/ ٤٥٦).\nوأخرجه ابن جرير (١١/ ٦٤)، قال: حدثنا أبو كريب وأبو السائب، وخلاد بن أسلم قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا قابوس، عن أبيه أن ابن الكوا سأل عليًّا ﵁ عن: \"سبحان الله\" قال: كلمة رضيها الله لنفسه.\nوأخرجه علي بن محمد الحميري في \"جزئه\" رقم (٥) قال: حدثنا أبو كريب، ثنا عبد الله بن إدريس بسنده سواء.\nوعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ١١٠)؛ لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وسنده ضعيف لضعف قابوس بن أبي ظبيان، وهو يمشي في المتابعات ولعل الأثر يتقوى بمجموع الطريقين. والله أعلم.\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٤) يعني: ابن أبي حاتم؛ وهو في \"تفسيره\" (٣٤٨) وسنده جيد.\n(^٥) في (ن): \"ابن فضيل\"!! وهو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، أبو جعفر النفيلي وهو ثقة حافظ.\n(^٦) في (ن): \"ابن\".\n(^٧) في (ن): \"عدي\". [وسنده حسن].\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٤)، وسنده ضعيف، لضعف محمد بن أبان راويه عن زيد بن أسلم. فقد ضعفه ابن معين وأبو داود.\nوقال البخاري: \"ليس بالقوي\".\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٥)، وفي إسناده قيس بن الربيع، وهو سيئ الحفظ. [ويشهد له ما سبق].\n(^١٠) في (ج): \"قوله\".\n(^١١) [ذكره ابن أبي حاتم ونسبه إلى ثلاثتهم بحذف السند].","vol":"1","page":338},{"text":"فلما ظهر فضل آدم ﵇ على الملائكة ﵈ في سرده ما علَّمه اللّه تعالى من أسماء الأشياء قال اللّه تعالى للملائكة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه] وكما قال تعالى إخبارًا عن الهدهد أنه قال لسليمان: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ [النمل].\nوقيل في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ غير ما ذكرناه؛ فروى الضحاك (^١) عن ابن عباس: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ - قال: أعلم السر كما أعلم العلانية؛ يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.\nوقال السدي (^٢)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة؛ قال: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ …﴾ [البقرة: ٣٠] (الآية) (^٣) فهذا الذي أبدوا؛ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.\nوكذلك قال سعيد بن (^٤) جبير، ومجاهد، والسدي، والضحاك، والثوري (^٥). واختار ذلك ابن جرير (^٦).\nوقال أبو العالية (^٧)، والربيع (^٨) بن أنس، والحسن (^٩)، وقتادة (^١٠): هو قولهم: (لن) (^١١) يخلق ربنا خلقًا إلا كنا (نحن) (^١٢) أعلم منه، وأكرم (عليه منه) (^١٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٦٧٨) من طريق بشر بن عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، وسنده ضعيف؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٨) من طريق الفضل بن خالد النحوي، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس، وسنده ضعيف أيضًا، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٦٧٩). و[سنده ضعيف].\n(^٣) من (ن).\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٦٨٠)، وفي إسناده عمرو بن ثابت بن هرمز، وهو متروك؛ رافضي خبيث كما قال أبو داود.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٦٨١)، وسنده جيد.\n(^٦) في (١/ ٥٠٠، ٥٠١).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٠) وسنده حسن.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٦٨٤)؛ وابن أبي حاتم (٣٦١).\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٦٨٢) قال: وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: أخبرنا الحجاج الأنماطي، قال: حدثنا مهدي بن ميمون قال: سمعت الحسن بن دينار قال للحسن، ونحن جلوس عنده في منزله، يا أبا سعيد! أرأيت قول اللّه للملائكة: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] ما الذي كتمت الملائكة؟ فقال الحسن: إن الله لما خلق آدم رأت الملائكة خلقًا عجيبًا، فكأنهم دخلهم من ذلك شيء، فأقبل بعضهم إلى بعض، وأسروا ذلك بينهم، فقالوا: \"وما يهمكم من هذا المخلوق، إن الله لن يخلق خلقًا إلا كنا أكرم عليه منه\".\nورجال السند ثقات معروفون إلا شيخ ابن جرير فلم أعرفه ولم أجد له ترجمة، والحسن بن دينار لا مدخل له في الرواية إنما هو سائل، وإنما يرويه مهدي بن ميمون عن الحسن البصري، وابن دينار تالف البتة.\nوقد نبه على ذلك الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (١/ ٤٩٩).\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٦٨٣) وسنده صحيح.\n(^١١) في (ز)، (ل)، (ن): \"لم\".\n(^١٢) من (ج) و(ى).\n(^١٣) ساقط من (ج).","vol":"1","page":339},{"text":"[وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فكان الذي أبدو هو قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] وكان الذي كتموا بينهم هو قولهم: لن يخلق ربنا خلقًا إلا كنا أعلم منه وأكرم] (^١)؛ فعرفوا أن اللّه فضل عليهم آدم في العلم والكرم.\nوقال ابن جرير (^٢)، حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قصة الملائكة وآدم: فقال اللّه للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمته، (فلذلك) (^٣) أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني.\nقال: وقد سبق من اللّه: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] قال: ولم تعلم الملائكة ذلك، ولم يدروه. قال: فلما رأوا ما أعطى اللّه آدم من العلم أقروا له بالفضل.\nوقال ابن جرير (^٤): وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس؛ وهو أن معنى قوله (تعالى) (^٥): ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ وأعلم - مع علمي غيب السموات والأرض - ما تظهرونه بألسنتكم، وما كنتم (تخفونه) (^٦) في أنفسكم، فلا يخفى علي شيء، سواء عندي سرائركم وعلانيتكم. والذي أظهروه بألسنتهم قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ والذي كانوا يكتمون ما كان (منطويًا) (^٧) (عليه) (^٨) إبليس من الخلاف على الله في (أمره) (^٩) والتكبر عن طاعته.\nقال] (١): وصح ذلك كما تقول العرب: قُتل الجيش وهُزموا، وإنما قتل الواحد أو البعض، وهزم الواحد أو البعض؛ فيخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] ذكر أن الذي نادى إنما كان واحدًا من بني تميم، قال: وكذلك قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-41\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.\nوهذه كرامة عظيمة من اللّه تعالى لآدم امتن بها على ذريته حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، وقد دل على ذلك (أحاديث أيضًا كثيرة) (^١٠)؛ منها حديث الشفاعة المتقدم، وحديث موسى (^١١) ﵇: \"رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة؛ فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقه اللّه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته\"؟ قال: وذكر الحديث كما سيأتي إن شاء اللّه.\n_________\n(^١) ساقط من (ج). [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر به].\n(^٢) في \"تفسيره\" (٦٧٧) وسنده صحيح.\n(^٣) في (ن): \"فكذلك\".\n(^٤) في \"تفسيره\" (١/ ٥٠٠/ ٥٠١).\n(^٥) من (ز) و(ن).\n(^٦) في (ز) و(هـ): \"تخفون\".\n(^٧) في (ج): \"مبطونًا\".\n(^٨) ساقط من (ج).\n(^٩) في (ز) و(ن): \"أوامره\".\n(^١٠) في (ن): أيضًا أحاديث كثيرة.\n(^١١) أخرجه الشيخان ويأتي تخريجه إن شاء اللّه تعالى.","vol":"1","page":340},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم: (الجن) (^٢)، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة؛ وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خُزَّان الجنة؛ قال: وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي؛ قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، [وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت؛ قال: وخلق الإنسان من طين] (^٣).\nفأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضًا؛ قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، وهم هذا الحي الذين يقال لهم: الجن، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال؛ فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه؛ فقال: قد صنعت شيئًا لم يصنعه أحد؛ قال: فاطلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه؛ فقال الله تعالى للملائكة الذين (كانوا) (^٤) معه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].\nفقالت الملائكة - مجيبين له -: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] كما أفسدت الجن وسفكت الدماء؛ وإنما بعثتنا عليهم لذلك؟ فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] يقول: إني قد اطلعت (من) (^٥) قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره.\nقال: ثم أمر بتربة آدم، فرفعت؛ فخلق الله آدم من طين لازب، واللَّازب: (اللزج) (^٦) (الصلب) (^٧) من حمإ مسنون منتن؛ وإنما كان حمأً مسنونًا بعد التراب، فخلق منه آدم بيده.\nقال: فمكث أربعين ليلةً جسدًا ملقىً، وكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل فيصوِّت؛ فهو قول الله تعالى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] يقول: كالشيء (المنفوخ) (^٨) الذي ليس بمصمت.\nقال: ثم يدخل (في فيه) (^٩) ويخرج من دبره، ويدخل من دبره ويخرج من فيه، ثم يقول: لست شيئًا للصلصلة، ولشيء ما خُلقت، ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك.\nقال: فلما نفخ الله فيه من روحه أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض، فلم يقدر؛ فهو قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] قال:\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٦٨٥)، وأيضًا (١٥/ ١٦٩) بطوله، وابن أبي حاتم (٣٦٦)؛ وابن الأنباري في \"الأضداد\" (ص ٣٣٦) مختصرًا جدًّا وسنده ضعيف.\n(^٢) كذا في (ز) بالحاء المهملة وفي باقي الأصول بالجيم، ولعل الصواب بالمهملة، وقد ذكر في \"القاموس\" أن \"الحن\"، بكسر الحاء، حي من أحياء الجن ويدل عليه أن الأثر فرق بينه وبين الجن والله أعلم.\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) من (ن) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).\n(^٥) في جميع الأصول: \"علي\".\n(^٦) في (ن): \"اللازج\".\n(^٧) كذا في \"تفسير الطبري\" (٦٠٦) ووقع في جميع الأصول: \"الطيب\".\n(^٨) كذا في (ج) و(ل) و(هـ) وهو الموافق لما في الطبري. ووقع في (ز) و(ع) و(ك) و(ن) و(ى): \"المنفرج\".\n(^٩) كذا في جميع الأصول وهو الموافق لما في الطبري. وفي (ج): \"ثم يدخل فيه من فيه\".","vol":"1","page":341},{"text":"ضجرًا لا صبر له على سراء ولا ضراء، قال: فلما تمت النفخة في جسده عطس، فقال: \"الحمد لله رب العالمين\" بإلهام الله؛ فقال الله له: \"يرحمك الله يا آدم\".\nقال: ثم قال تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم، فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار؛ فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سنًّا، وأقوى خلقًا؛ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] يقول: إن النار أقوى من الطين.\nقال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله؛ (أي) (^١) آيسه، من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبةً لمعصيته.\nثم علَّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها؛ (ثم) (^٢) عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة - يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس الذين خُلقوا من نار السموم؛ وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١] أي: يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون لِمَ أَجعل في الأرض خليفة.\nقال: فلما علمت الملائكة (مؤاخذة) (^٣) الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره الذي ليس لهم به علم ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ [البقرة:٣٢] تنزيهًا لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، تُبنا إليك، ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] تبريًا منهم من علم الغيب، إلا ما علمتنا كما علمت آدم؛ فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] يقول: أخبرهم بأسمائهم ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ [البقرة: ٣٣] (يقول: أخبرهم) (^٤) ﴿بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٣٣] أيتها الملائكة خاصةً: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] ولا يعلم غيري؛ ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] يقول: ما تظهرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية؛ يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.\nهذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها؛ وهذا الإسناد إلى ابن عباس يُروى به تفسير مشهور.\nوقال السدي في \"تفسيره\" (^٥)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن أنس من أصحاب النبي ﷺ: لما فرغ الله من خلق ما أحبَّ استوى على العرش، فجعل إبليس على ملك السماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن؛ وإنما سموا الجن لأنهم خُزَّان الجنة؛ وكان إبليس مع مُلكه خازنًا، فوقع في صدره (^٦)؛ وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله على ذلك\n_________\n(^١) من (ز) و(ن).\n(^٢) في (ح): \"في\".\n(^٣) كذا في (ك) وهو الموافق لما في الطبري (١/ ٤٥٧) ووقع في (ج) و(ز) و(ع) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى): \"موجدة\".\n(^٤) من (ج) و(ع) و(ك) و(ى) و(هـ) وسقط لفظ: \"يقول\" من (ل).\n(^٥) ومن طريقه ابن جرير (٦٠٧) [وسنده ضعيف، وفي متنه بعض الإسرائيليات].\n(^٦) في \"تفسير الطبري\": \"في صدره كبر\".","vol":"1","page":342},{"text":"منه؛ فقال الله للملائكة ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فقالوا: ربنا، وما يكون (ذلك) (^١) الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربنا؛ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] يعني: من شأن إبليس.\nفبعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن (تنقص) (^٢) مني، أو تشينني. فرجع ولم يأخذ، وقال: (يا) (^٣) رب؛ إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث ميكائيل فعاذت منها فأعاذها؛ فرجع فقال كما قال جبريل. فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلط ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به؛ فبل التراب حتى عاد طينًا لازبًا؛ واللَّازب هو الذي (يلتزق) (^٤) بعضه ببعض، ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [ص] فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه، ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي، ولم أتكبر أنا عنه بخلقه بشرًا؛ فكان جسدًا من طين أربعين سنةً من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة، ففزعوا منه لما رأوه (وكان) (^٥) أشدهم فزعًا منه إبليس؛ فكان يمر به فيضربه فيصوّت الجسد كما يصوت الفخار يكون له صلصلة؛ فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ويقول: لأمر ما خلقت. ودخل من فيه فخرج من دبره. وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صمد، وهذا أجوف؛ لئن سلطت عليه لأهلكنه.\nفلما بلغ الحين الذي يريد الله ﷿ أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له.\nفلما نفخ فيه الروح، فدخل الروح في رأسه عطس؛ فقالت الملائكة: قل الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال له الله: \"يرحمك ربك\". فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح إلى جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾ [الحجر] ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.\nقال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد (لبشر) (^٦) خلقتَه من طين، قال الله له: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣] يعني: ما ينبغي لك، ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]، والصفار: هو الذل.\n_________\n(^١) في (ج): \"ذاك\".\n(^٢) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في الطبري. وفي (ز): \"تقبض\"؛ وفي (هـ): \"تنقصني\".\n(^٣) من (ن).\n(^٤) كذا في جميع الأصول وهو الموافق لما في الطبري. وفي (ج): \"يلتزب\".\n(^٥) في (ن): \"فكان\".\n(^٦) في (ز): \"لمن\".","vol":"1","page":343},{"text":"قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ثم عرض الخلق على الملائكة، ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] أن بني آدم يفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء؛ فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ﴾ [البقرة] الله: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]، قال: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] فهذا الذي أبدوا ﴿وَأَعْلَمُ﴾ [البقرة: ٣٣] ما (كنتم) (^١) ﴿تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] \"؛ يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.\nفهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في \"تفسير السدي\"، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة. والله أعلم.\nوالحاكم يروى في \"مستدركه\" بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول: \" (هو) (^٢) على شرط البخاري\" (^٣).\nوالغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في خطابهم؛ لأنه وإن لم يكن من عنصرهم إلا أنه كان قد تشبه بهم، (وتوسم) (^٤) بأفعالهم؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذُم في مخالفة الأمر. وسنبسط المسألة إن شاء الله تعالى عند قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].\nولهذا قال محمد بن إسحاق (^٥)، عن خلاد، (عن) (^٦) عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس؛ قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه (عزازيل) (^٧)، وكان من سكان الأرض وكان من أشد الملائكة اجتهادًا، وأكثرهم علمًا؛ (فذلك) (^٨) دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون: \"حنًّا\".\nوفي رواية (^٩): عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس أو مجاهد، عن ابن عباس، أو غيره، بنحوه.\n_________\n(^١) ساقط من (ج).\n(^٢) ساقط من (ز) و(ن).\n(^٣) كذا قال ابن كثير ﵀، وقد راجعت \"كتاب التفسير\" من \"المستدرك\" وهو مظنة الإكثار من الرواية بهذا الإسناد، فلم أر الحاكم صرَّح فيه أن هذا الإسناد على شرط البخاري، وإنما يقول: على شرط مسلم.\nوانظر مثلًا (٢/ ٢٥٨، ٢٦٠، ٢٧٣، ٢٧٥، ٣٢٢، ٥٧٩، ٥٩٠ (مرتان)، ٥٩٣) وفي (٢/ ٢٦٦) روى أثرًا من طريق عمرو بن طلحة، ثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد. ولم يقيده بشرط مسلم. وساق في (٢/ ٢٧١) نفس هذا الإسناد وقال: على شرط مسلم.\nوذكره في (٢/ ٥٨٤) ولم يحكم عليه. والصواب أن هذا الإسناد ليس على شرط واحد منهما. وأبو مالك اسمه غزوان، ولم يخرجا له شيئًا. وقد قدمت في (١/ ٤٨٨، ٤٩٠) أن هذا الإسناد حسن، والله أعلم.\n(^٤) كذا في (ز) و(ع) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ي). ووقع في (ج) و(ك): \"ترسم\" بالراء بدل الواو.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٦٨٦) وأيضًا (١٥/ ١٦٩) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق به وهذا سند ضعيف، وابن حميد واهٍ ولكنه توبع كما يأتي، وسلمة ضعيف.\n(^٦) كذا في (ز) و(ك) و(هـ). ووقع في (ج) و(ع) و(ل) و(ن) و(ى): \"ابن\"! وهو تصحيف واضح.\n(^٧) في حاشية (ج): \"عزرائيل\".\n(^٨) من (ز)؛ وفي (ج) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى): \"فلذلك\".\n(^٩) هي عند ابن جرير (٦٨٧) من طريق شيخه محمد بن حميد الرازي، ثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن خلاد به فشك فيه فقال: \"طاوس أو مجاهد\". =","vol":"1","page":344},{"text":"وقال ابن أبي (^١) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد - يعني: ابن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن (مسلم) (^٢)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد.\nوقال سنيد (^٣): عن حجاج، عن ابن جريج؛ قال: قال ابن عباس: كان إبليس من (أشرف) (^٤) الملائكة (و) (^٥) أكرمهم قبيلةً، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض، وهكذا روى الضحاك (^٦) وغيره عن ابن عباس سواء.\nوقال صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس: إن من الملائكة قبيلًا يقال لهم: \"الحن\": وكان إبليس منهم، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فمسخه الله شيطانًا رجيمًا، رواه ابن جرير (^٧).\nوقال قتادة (^٨)، عن سعيد بن المسيب: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا.\nوقال ابن جرير (^٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عدي بن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن؛ قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس.\n_________\n= ولم يتفرد به ابن حميد. فأخرجه ابن الأنباري في \"كتاب الأضداد\" (ص ٣٣٤، ٣٣٥) قال: أخبرنا أبو الحسن بن البراء، قال: حدثنا ابن غانم وابن حميد قالا: ثنا سلمة بن الفضل بسنده سواء، وابن غانم لا أعرفه الآن، فليحرر، ولعله ابن هشام، وهو علي بن هاشم بن مرزوق الرازي فإن يكنه، فقد قال أبو حاتم: \"صدوق\".\n(^١) في \"تفسيره\" (٣٦٥). [وسنده حسن].\nوأخرجه ابن الأنباري في \"الأضداد\" (ص ٣٣٦) من طريق عثمان بن أبي شيبة، والبيهقي في \"الشعب\" (ج ١/ رقم ١٤٤) من طريق حنبل بن إسحاق قالا: حدثنا سعيد بن سليمان بسنده سواء. ووقع عندهم: \"من ذوي الأربعة الأجنحة\".\n(^٢) في (ك): \"مسلمة\"!\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٦٨٩) وسنده ضعيف لانقطاعه. ورواه أيضًا (١٥/ ١٦٩).\n(^٤) في (ز) و(ع): \"إشراف\".\n(^٥) ساقط من (ج).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٦٨٥) وسنده ضعيف.\n(^٧) في \"تفسيره\" (٧٠٠) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر، عن شريك بن عبيد الله بن أبي نمر، عن صالح مولى التوأمة به.\n(*) قلت: هكذا وقع الإسناد: \"شريك عن صالح مولى التوأمة\" وقد أخرجه ابن جرير قبل ذلك (٦٩٠) وأيضًا في \"سورة الكهف\" (١٥/ ١٦٩) من طريق ابن جريج عن صالح مولى التوأمة وشريك بن أبي نمر، أحدهما أو كلاهما، عن ابن عباس فذكره.\nوالسند الأول ضعيف جدًّا لوهاء شيخ الطبري. وسلمة ضعيف.\nوأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" (١١٣٢) من طريق إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن إبليس من الملائكة فلما عصى غضب الله تعالى عليه فصار شيطانًا رجيمًا. وسنده جيد.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٦٩٢)، وأيضًا (١٥/ ١٦٩) ورجاله ثقات.\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٦٩٦)؛ وأبو الشيخ في \"العظمة\" (١١٢٩)؛ وابن الأنباري في \"الأضداد\" (ص ٣٣٧) من طرق عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن الحسن البصري. وسنده صحيح كما قال المصنف.","vol":"1","page":345},{"text":"وهذا إسناد صحيح عن الحسن. وهكذا قال عبد الرحمن (^١) بن زيد بن أسلم سواء.\nوقال شهر بن حوشب (^٢): كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء. رواه ابن جرير.\nوقال سنيد بن داود (^٣): حدثنا هشيم، أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود؛ قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، فسُبي إبليس وكان صغيرًا، فكان مع الملائكة يتعبد معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا، فأبى إبليس؛ فلذلك قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠].\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا محمد بن سنان (القزاز) (^٥)، حدثنا أبو عاصم، عن شريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: إن الله خلق خلقًا، فقال: اسجدوا لآدم، فقالوا: لا نفعل، فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق خلقًا آخر، فقال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١] اسجدوا لآدم. قال: فأبوا، فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق هؤلاء فقال: اسجدوا لآدم. قالوا: نعم. وكان إبليس من أولئك الذين أبَوْ أن يسجدوا لآدم.\nوهذا غريب ولا يكاد يصح إسناده؛ فإن فيه رجلًا (مبهمًا) (^٦)، ومثله لا يحتج به. والله أعلم.\nوقال قتادة (^٧) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾: فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم؛ أكرم الله آدم (بها) (^٨) أن أسجد له ملائكته.\n[وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية، ولكنه (نسخ في ملتنا) (^٩).\nقال (معاذ) (^١٠): قدمت الشام، فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك. فقال: \"لا، لو كنت آمرًا بشرًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد (لبعلها) (^١١) من عظم حقه عليها\" (^١٢)] (^١٣) ..........................\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٧٠١) وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٦٩٨) وسنده ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٦٩٩) وفيه من لم أعرفه، وسياقه غريب جدًّا.\n(^٤) في \"تفسيره\" (٧٠٢)، وسنده ضعيف.\n(^٥) في (ن): \"البزارُ\"؛ وفى (ز): \"العزاز\"!!\n(^٦) في (ل): \"متهمًا\" وهو خطأ فاحش!\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٧٠٧) بسند صحيح عن قتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٤) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس. وسنده منقطع.\n(^٨) من (ز) و(هـ).\n(^٩) في (ك): \"نسخ خفي علينا\"!!\n(^١٠) في (ك): \"معاوية\"!!\n(^١١) في (ن): \"لزوجها\".\n(^١٢) أخرجه الترمذي (١١٥٩)؛ وابن حبان (١٢٩١)؛ والبيهقي في \"السنن الكبير\" (٧/ ٢٩١)؛ وفي \"الصغرى\" (٢٥٩٨)؛ والأصبهاني في \"الترغيب\" (١٤٩٤) من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب\". وكذلك وقع في \"تحفة الأحوذي\" (٤/ ٣٢٤)، وفي \"عارضة الأحوذي\" (٥/ ١١٠)، و\"تحفة الأشراف\" (١١/ ١٨) ولكن نقل المنذري في \"الترغيب\" (٣/ ٥٦) أن الترمذي قال: \"حسن صحيح\" وكذلك وقع في سائر طبعات \"الترغيب\" وراجعت بعض مخطوطات \"الترغيب\" وعندي منها عشرة، فكلها اتفقت على هذا النقل، وكذلك نقل العجلوني في \"كشف الخفا\" (٢/ ١٦٢) فالله أعلم.\nوللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة وشواهد عن كثير من الصحابة. يصفو منها شيء حسن.\n(^١٣) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":346},{"text":"[ورجحه الرازي (^١).\nوقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلةً فيها، كما قال] (^٢) [تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].\nوفي هذا التنظير نظر. والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا، واحترامًا وسلامًا؛ وهي طاعة لله ﷿؛ لأنها امتثال لأمره تعالى.\nوقد قواه (فخر الدين) (^٣) الرازي في \"تفسيره\"، وضعف ما عداه من القولين الآخرين؛ وهما كونه جعل قبلةً؛ إذ لا يظهر في شرف؛ والآخر أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض، وهو ضعيف كما قال] (^٢).\nوقال (قتادة) (^٤): في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حسد عدو الله إبليس آدم ﵇ (على) (^٥) ما أعطاه الله من الكرامة؛ وقال: أنا ناري وهذا طيني. وكان بدء الذنوب الكبر؛ استكبر عدو الله أن يسجد لآدم ﵇.\n[قلت: وقد ثبت في \"الصحيح\" (^٦) \"لا يدخل الجنة من كان] (^٧) [في قلبه مثقال حبة (من) (^٨) خردل من كبر\". وقد كان في قلب إبليس من الكبر، والكفر والعناد، ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس] (^٩).\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا صالح بن حيان، حدثنا عبد الله بن بريدة - قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ من الذين أبوا فأحرقتهم النار.\nوقال أبو جعفر (^١١)، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: من العاصين.\nوقال السدي (^١٢): ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الذين لم يخلقهم الله يومئذ، يكونون بعد.\n[وقال محمد بن كعب (^١٣) القرظي: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة وعمل بعمل] (^١٤)\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ٢٣٠، ٢٣١).\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض).\nوأثر قتادة: أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٨) بسند صحيح.\n(^٥) ساقط من (ج) و(ك) و(هـ) و(ى).\n(^٦) يعني: \"صحيح مسلم\"، وهو فيه (٩١/ ١٤٨) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود مرفوعًا بلفظ: \"لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء\".\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٨) ساقط من (ج) و(ى).\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٠) في \"تفسيره\" (٣٧٠) وسنده ضعيف؛ لضعف صالح بن حيان.\n(^١١) أخرجه ابن جرير (٧٠٥)؛ وابن أبي حاتم (٣٧١) وسنده حسن.\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٣) معلقًا.\n(^١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٢) من طريق موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن كعب. والربذي ضعيف.\n(^١٤) ساقط من (ك) و(ى).","vol":"1","page":347},{"text":"[الملائكة، فصيره الله إلى ما (ابتدأه) (^١) عليه خلقه من الكفر؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾] (^٢).\n[قال محمد بن نصر (^٣) المروزي: حدثنا أبو زرعة، حدّثنا عمرو بن] (^٤) [رافع البجلي، حدّثنا كنانة بن جبلة، عن سهيل بن أبي (حزم) (^٥)، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله أمر آدم بالسجود، فسجد؛ فقال: لك الجنة ولمن سجد من ولدك، وأمر إبليس بالسجود، فأبى أن يسجد، فقال: لك النار ولمن أبى من ولدك أن يسجد\"] (^٦).\n[قال بعض (المعربين) (^٧): ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: وصار من الكافرين بسبب امتناعه؛ كما قال: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] وقال: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقال الشاعر:\nبتيهاء قفر والمطي كأنها … قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها\nأي: قد صارت.\nوقال ابن فورك: تقديره: و(قد) (^٨) كان في علم الله من الكافرين.\nورجحه القرطبي (^٩)، وذكر ها هنا مسألةً، فقال: قال علماؤنا ﵏ (^١٠): من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبيٍّ كراماتٍ وخوارق للعادات؛ فليس ذلك دالًّا على ولايته، خلافًا لبعض الصوفية والرافضة] (^١١).\n_________\n(^١) كذا في (ن)؛ وفي (ز) و(ل): \"أبدى\"؛ وفي (ج): \"بدأ\".\n(^٢) ساقط من (ك) و(ى).\n(^٣) في \"كتاب الصلاة\" (٣١٨).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ) و(ى).\nوأخرجه البزار (٧٥٤ - زوائده)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٠٩٥) من طريق يحيى بن أبى بكير، ثنا كنانة بن جبلة بسنده سواء.\nقال البزار: \"غريب من حديث أنس، لا نعلمه عنه إلا من هذا الوجه؛ تفرد به: كنانة عن سهيل\".\nوقال ابن عدي: \"وهذا لا أعلم يرويه عن سهيل غير كنانة بن جبلة\".\n(*) قلت: وكنانة بن جبلة قال ابن معين: \"كذاب خبيث\" وعلق عثمان الدارمي على مقالة ابن معين قائلًا: \"هو قريب مما قال يحيى: خبيث الحديث\". وقال الجوزجاني: \"ضعيف الأمر جدًّا\".\nأما أبو حاتم الرازي فقال: \"محله الصدق، يكتب حديثه، حسن الحديث\". كذا في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢/ ١٦٩، ١٧٠) لولده عبد الرحمن.\nوقال ابن عدي: \"ولكنانة أحاديث غير هذا، ومقدار ما يرويه غير محفوظ\" وهذا يدل على وهائه. أما صاحبنا عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي أيده الله فسبق قلمه فقال في تعليقه على الحديث في \"كتاب الصلاة\" أن كنانة مجهول!!\nوأيضًا: سهيل بن أبي حزم ضعيف. فسند الحديث واه. والله أعلم.\nوفي معناه حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار\".\nأخرجه مسلم (٨١/ ١٣٣) وغيره ويأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.\n(^٥) في (ج) و(ل): \"حسنة\"! وفي بقية الأصول: \"حثمة\"!!\n(^٦) ساقط من (ز) و(هـ) و(ى).\n(^٧) كذا في (ج) و(ن)؛ وفي (ك) و(ى): \"المفسرين\" وفي (ل): \"المقرئين\".\n(^٨) من (ن).\n(^٩) في \"تفسيره\" (١/ ٢٩٧).\n(^١٠) ساقط من (ن).\n(^١١) ساقط من (ز) و(هـ) و(ى).","vol":"1","page":348},{"text":"[هذا لفظه، ثم استدل على ما قال بأنا لا نقطع (لهذا) (^١) الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافى الله بالإيمان (ولا هو) (^٢) يقطع لنفسه بذلك، يعني: (والولي) (^٣) الذي يقطع له بذلك في نفس الأمر.\nقلت: وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على (يد) (^٤) غير الولي؛ بل قد يكون على (يدي) (^٥) الفاجر والكافر أيضًا بما ثبت (^٦) عن ابن صياد أنه قال: هو الدخ حين خبأ له رسول الله ﷺ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان] وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر؛ وبما ثبتت (^٧) به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة؛ من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب؛ وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه إلى غير ذلك من الأمور المهولة.\nوقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره] (^٨) [على الكتاب والسنة (^٩).\nفقال الشافعي: قصر الليث ﵀؛ بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء فلا تغتروا به، حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة] (^١٠).\n[وقد تكلم كثير من المفسرين عند هذه الآية وهي الأمر بسجود الملائكة لآدم على مسألة تفضيل البشر على الملك أو بالعكس، وقد بسط الكلام فيها فخر الدين الرازي في \"تفسيره\" (^١١)، وحكى عن أكثر أهل السنة أن الأنبياء أفضل من الملائكة، إلا أن أبا بكر الباقلاني، وأبا عبد الله الحليمي، فإنهما ذهبا إلى تفضيل الملائكة على الأنبياء، ثم شرع بذكر دلائل كل قول من الأقوال، وهذه المسألة مقررة في علم الأصول، وفيها أقوال كثيرة منتشرة، ولم يتكلم كثير من السلف فيها، فرأينا الإضراب عن بسط الكلام فيها ها هنا والله أعلم بالصواب] (^١٢).\n[وقد حكى (فخر الدين) (^١٣) (الرازي) (^١٤) وغيره قولين للعلماء، هل المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض، أو عام في ملائكة] (^١٥).\n_________\n(^١) في (ن): \"بهذا\".\n(^٢) في (ن): \"وهو لا\".\n(^٣) في (ن): \"والذي\"!\n(^٤) كذا في (ح)، (ل)؛ وفي (ك) و(ن): \"يدي\".\n(^٥) في (ن): \"يد\".\n(^٦) أخرجه البخاري (٣/ ٢١٨؛ و٥/ ٢٤٩؛ و٦/ ١٦٠، ١٧١، ١٧٢؛ و١٠/ ٥٦٠، ٥٦١؛ و١١/ ٥١٣، ٥١٤)؛ وفي \"الأدب المفرد\" (٩٥٨)؛ ومسلم (٢٩٣٠/ ٩٥، ٩٦).\n(^٧) وأحاديث الدجال متواترة، خلافًا لبعض المبتدعة الذين يزعمون أنها أخبار آحاد لا تقوم بها حجة في العقيدة. ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.\n(^٨) ساقط من (ز) و(هـ) و(ي).\n(^٩) ساقط من (ز) و(هـ) و(ى).\n(^١٠) وقعت العبارة في (ن): \"يمشي على الماء ويطير في الهواء\". وهو سهو من الناسخ ولم يقع الطيران في الهواء في كلام الليث.\n(^١١) (١/ ٢٣٤ - ٢٥٥).\n(^١٢) هذا المقطع من (ج) و(ل). وسقط من (ز) و(ك) و(ن) و(هـ) و(ى)\n(^١٣) ساقط من (ن).\n(^١٤) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).\n(^١٥) ساقط من (ز) و(هـ) و(ى).","vol":"1","page":349},{"text":"(١) [السموات والأرض؟ وقد رجح كلا من القولين طائفة. وظاهر الآية الكريمة العموم: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١] فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم. والله أعلم] (^١).\n\n<span id=\"aya-42\"></span>﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾.\n(يقول الله تعالى) (^٢) - إخبارًا عما أكرم به آدم: بعد أن أمر (ملائكته) (^٣) بالسجود له فسجدوا إلا إبليس: إنه أباحه الجنة؛ يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما (يشاء) (^٤) رغدًا؛ أي: هنيئًا واسعًا طيبًا.\nوروى الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٥)، من حديث محمد بن عيسى الدامغاني، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ميكائيل، عن ليث، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر؛ قال: قلت: يا رسول الله؛ أرأيت آدم؛ أنبيًّا كان؟ قال: \"نعم نبيًّا رسولًا (كلَّمه) (^٦) الله (قِبلًا) (^٧) - يعني: عيانًا) (^٨) فقال: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾.\nوقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم أهي في السماء (أو) (^٩) في الأرض؟ فالأكثرون على الأول.\n_________\n(^١) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).\n(^٢) في (ن):\" يقول تعالى\".\n(^٣) في (ز) و(ض) و(ن): \"الملائكة\".\n(^٤) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) ووقع في (ز) و(ع) و(ن) و(هـ) و(ى): \"شاء\".\n(^٥) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٤٢٥٩) قال: حدثنا العباس بن حمدان، وأيضًا رقم (٧٣٣٥) قال: حدثنا محمد بن أبان قالا: ثنا محمد بن عيسى الدامغاني بسنده سواء. قال الطبراني في \"الموضع الأول\": \"لم يروه عن إبراهيم التيمي إلا ليث، ولا رواه عن ليث إلا ميكال، وهو شيخ كوفي، ولا نعلمه أسند حديثًا غير هذا\".\nوزاد في \"الموضع الثاني\": ولا، يعني: رواه، عن ميكائيل، إلا سلمة بن الفضل.\n(*) قلت: والسند ضعيف جدًّا، ومن دون إبراهيم التيمي هم ما بين ضعيف ومجهول، والدامغاني فيه توثيق لين، وقد خالفه محمد بن حميد الرازي، فرواه عن سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن جعفر بن الزبير، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن أبي ذر فذكر مثله. أخرجه ابن جرير في \"التاريخ\" (١/ ١٥١)؛ وابن حميد واه، وجعفر بن الزبير ساقط ثم رأيت الدامغاني رواه عن سلمة بن الفضل مثل رواية ابن حميد.\nأخرجه أبو الشيخ في \"كتاب العظمة\" (١٠١٦).\nوله طريق آخر عن أبي ذر مثله. أخرجه ابن جرير في \"تاريخه\" (١/ ١٥٠، ١٥١). وقد اختلف في سنده. فأخرجه أحمد (٥/ ٢٦٥، ٢٦٦)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٨/ رقم ٧٨٧١) من طريق معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة وساق حديثًا طويلًا وفيه: \"قلت: يا نبي الله! فأي الأنبياء أول؟ قال: آدم. قلت: يا نبي الله! أو نبي كان آدم؟ قال: نعم نبي مكلم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم قال: يا آدم قبلًا … \".\nوسنده ضعيف جدًّا، وقد تقدم الكلام عليه.\n(^٦) في (ن): \"يكلمه\".\n(^٧) في (ن): \"قبيلًا\".\n(^٨) زيادة من (ن).\n(^٩) في (ز): \"أم\".","vol":"1","page":350},{"text":"[وحكى القرطبي (^١) عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض] (^٢).\nوسيأتي تقرير ذلك في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى.\nوسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة.\nوقد صرح بذلك محمد بن (^٣) إسحاق؛ حيث قال: لما فرغ الله من معاتبة إبليس أقبل على آدم، وقد علَّمه الأسماء كلها؛ فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ …﴾ [البقرة: ٣٣] إلى قوله: [﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ (الْحَكِيمُ) (^٤)﴾ [البقرة: ٣٢]] (^٥) قال: ثم ألقيت السِّنَةُ على آدم فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، (عن ابن عباس وغيره) (^٦)؛ ثم أخذ ضلعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهب من نومه، حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء؛ فسواها امرأةً ليسكن إليها. فلما كشف عنه السنة وهب من نومه رآها إلى جنبه؛ فقال - فيما يزعمون والله أعلم: \"لحمي ودمي (وزوجتي) (^٧) \"؛ فسكن إليها. فلما زوجه الله، وجعل له سكنًا من نفسه، قال له (قبلًا) (^٨): ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\nويقال: إن خلق حواء كان بعد دخول الجنة، كما قال السدي في (خبر) (^٩)، ذكره (^١٠) عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: أُخرج إبليس من الجنة، وأسكن آدم الجنة؛ فكان يمشي فيها (وحشًا) (^١١) ليس له زوج يسكن إليه، فنام نومةً، فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: (تسكن) (^١٢) إليّ. قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء. قالوا: ولم حواء؟ قال: إنها خلقت من شيء حيٍّ (^١٣)، قال الله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٣٠٢) وعبارته هناك: \"ولا التفات لما ذهب إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد، وإنما كان في جنة بأرض عدن، واستدلوا على بدعتهم … إلخ\".\n(^٢) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ)، وسقط من سياق (ع) واستدركه الناسخ في \"الحاشية\" بخط دقيق جدًّا.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٧١١) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، يعني: ابن الفضل، عن ابن إسحاق بسنده سواء. وقد تقدم أن هذا الإسناد ضعيف جدًّا.\n(^٤) كذا في كل \"الأصول\"، وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\" (١/ ٥١٤ - شاكر)، ووقع في (ك): إلى قوله: \" ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] \".\n(^٥) سقطت هذه اللفظة من (هـ).\n(^٦) هذه الجملة ثابتة في كل \"الأصول\"، وضرب عليها ابن المحب في (ج).\n(^٧) كذا في كل \"الأصول\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\"، ووقع في (ز) و(ض): \"روحي\".\n(^٨) في (ن): \"قبيلًا\" وفي هامش (ى): يعني: \"مشافهة\".\n(^٩) في (ز) و(ض): \"تفسيره\".\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٧١٠) [وسنده ضعيف].\n(^١١) في (ن): \"وحيشًا\"؛ وفي \"القاموس\": \"الوحش: حيوان البر، كالوحيش\" ووقع في \"القرطبي\" (١/ ٣٠١): \"مستوحشًا\".\n(^١٢) في (ز) و(ن): \"لتسكن\" وما في سائر \"الأصول\" هو الموافق لما في \"تفسير الطبري\".\n(^١٣) وأخرجه ابن منده في \"التوحيد\" (٨١) من طريق عبد الله بن محمد بن النعمان قال: حدثنا عمرو بن حماد، =","vol":"1","page":351},{"text":"[وأما قوله (تعالى) (^١)] (^٢): ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فهو اختبار من الله تعالى، وامتحان لآدم.\nوقد اختلف في هذه الشجرة ما هي؟ فقال السدي (^٣)، عمن حدثه، عن ابن عباس: الشجرة التي نُهى عنها آدم ﵇ هي الكرم. وكذا قال سعيد بن (^٤) جبير، والسدي، والشعبي، وجعدة بن هبيرة، ومحمد بن قيس.\nوقال السدي أيضًا في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة، ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هي الكرم (^٥).\n(وتزعم) (^٦) يهود أنها الحنطة.\nوقال ابن جرير (^٧)، وابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، حدثنا أبو يحيى الحماني، حدثنا (النضر) (^٨) أبو عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: الشجرة التي نهى (الله) (^٩) عنها آدم (﵇) (^١٠) هي: السنبلة.\nوقال عبد الرزاق (^١١): أنبأنا ابن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، [قال: هي السنبلة.\nوقال محمد بن (^١٢) إسحاق، عن رجل من أهل العلم، عن مجاهد، عن ابن عباس؛] (^١٣) قال: هي البر.\n_________\n= حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدي بسنده سواء. وقال: \"هذا إسناد ثابت\". وهذا يوافق ما سبق أن حققته، وانفصلت على قوة هذا الإسناد فالحمد لله على التوفيق.\n(^١) من (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).\n(^٢) ساقط من (ل).\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٧٣٠)؛ وابن أبي حاتم (٣٨٠) من طريق إسرائيل بن يونس، عن السدي به. وضعفه ظاهر. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٥٣) لابن المنذر.\n(^٤) أخرجه هذه الآثار كلها ابن جرير (٧٣٢، ٧٣٣، ٧٣٤، ٧٣٥، ٧٣٦، ٧٣٨، ٧٣٩) ولم يذكر ابن جرير شيئا عن الشعبي، إنما يرويه الشعبي عن جعدة بن هبيرة. وكذلك أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٣٤) وسنده صحيح.\n(^٥) [وسنده ضعيف].\n(^٦) في (ج) و(ك) و(ل) و(ض): \"يزعم\".\n(^٧) في \"تفسيره\" (٧١٨)؛ وابن أبي حاتم (٣٨١) قالا: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي بسنده سواء. وسنده واه، والنضر بن عبد الرحمن ضعيف جدًّا.\n(^٨) في (ن): \"أبو النضر، وهو خطأ.\n(^٩) من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى)، ووقع في (ز) و(ض) و(ن): \"نهى عنها آدم\".\n(^١٠) من (ز) و(ن).\n(^١١) أخرجه ابن جرير (٧٢٥) وسنده ضعيف جدًّا، والحسن بن عمارة متروك.\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (٧٢٤) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، بسنده سواء وسنده ضعيف جدًّا.\nووقع في (ز) و(ن): \"محمد بن إسحاق، عن رجل من أهل العلم، عن حجاج، عن مجاهد … \".\nهكذا بزيادة: \"حجاج\" في الإسناد وهو خطأ محقق من الناسخ.\n(^١٣) ساقط من (ك).","vol":"1","page":352},{"text":"وقال ابن جرير (^١): وحدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا القاسم، حدثني رجل من بني تميم - أن ابن عباس كتب إلى أبي (الجلد) (^٢) يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدم، والشجرة التي تاب عندها آدم، فكتب إليه أبو (الجلد) (^٢): سألتني عن الشجرة التي نهى عنها آدم، وهي السنبلة، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهو الزيتونة.\nوكذلك (^٣) فسره الحسن البصري، ووهب بن منبه، وعطية العوفي، وأبو مالك، ومحارب بن دثار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.\n(وقال) (^٤) محمد بن إسحاق (^٥)، عن بعض أهل اليمن، عن وهب بن منبه - أنه كان يقول: هي البر، ولكن الحبة منها في الجنة ككلى البقر، (ألين) (^٦) من الزبد، وأحلى من العسل.\nوقال سفيان الثوري (^٧)، عن حصين، عن أبي مالك: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ - قال: النخلة.\nوقال (ابن جريج) (^٨)، عن مجاهد (^٩): ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ - قال: التينة.\nوبه قال قتادة، وابن جريج (^١٠).\nوقال أبو جعفر (^١١) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: كانت الشجرة من أكل منها أحدث، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.\nوقال عبد الرزاق (^١٢): حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن (مهرب) (^١٣)؛ قال: سمعت وهب بن\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٧٢٣) وسنده ضعيف.\n(^٢) في (ض): \"مجلد\"! وهو خطأ ظاهر.\n(^٣) هذه عبارة ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (ص ١٢٧ - البقرة)، وهذه الآثار أسندها ابن جرير في \"تفسيره\" (٧٢٦، ٧٢٨، ٧٢٩).\n(^٤) ساقط من (ض).\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٧٢٦) قال: حدثنا ابن حميد؛ وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣٨٢) عن محمد بن عيسى قالا: ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق به. زاد ابن جرير: \"وأهل التوراة يقولون: هي البر\". وسنده ضعيف.\n(^٦) في (ن): \"وألين\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٤) قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا أبو أحمد، عن سفيان بسنده سواء. وسنده جيد.\n(^٨) في (ز) و(ن): \"ابن جرير\" وهو خطأ، لأن ابن جرير لم يروه عن مجاهد كما يأتي.\n(^٩) أخرجه ابن حاتم (٣٨٣) من طريق ابن أبي زائدة، قال ابن جريج، عن مجاهد. [وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد].\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٧٤٠) من طريق حجاج الأعور، عن ابن جريج عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: \"تينة\" وسنده ضعيف معضل، وواضح أن هذا ليس تفسير ابن جريج، ولكن المصنف تبع ابن أبي حاتم في هذا القول.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٥). [وسنده جيد].\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (٧٤٢) مطولًا؛ وابن أبي حاتم (٣٨٦) من طريقين عن عبد الرزاق به وسنده إلى وهب صحيح.\n(^١٣) وقع في (ل): \"مهدي\" وفي (ن): \"مهران\" وكلاهما خطأ، والصواب ما أثبته، وهو عمر بن عبد الرحمن بن مهرب، ترجمه ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١/ ١٢١) وقال: \"يعرف بابن الدرية … سمع وهب بن منبه، روى عنه إبراهيم بن خالد الصنعاني وعبد الرزاق … ثم نقل عن ابن معين قال: ثقة\". اهـ. =","vol":"1","page":353},{"text":"منبه يقول: لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة، ونهاه عن أكل الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها (في) (^١) بعض، وكان لها ثمر - يأكله الملائكة لخلدهم، وهي (الثمرة) (^٢) التي نهى الله عنها آدم وزوجته.\nفهذه أقوال ستة في (تعيين) (^٣) هذه الشجرة.\nقال الإمام العلامة أبو جعفر (^٤) بن جرير ﵀: والصواب في ذلك أن يقال إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل (شجرة) (^٥) بعينها من أشجار الجنة دون سائر (أشجارها) (^٦)، فأكلا منها ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين؛ لأن الله لم يضع لعباده دليلًا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة. وقد قيل: كانت شجرة البر. وقيل: كانت شجرة العنب. وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدةً منها؛ وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به. والله أعلم.\n[وكذلك رجح (الإبهام) (^٧) (فخر الدين) (^٨) الرازي في \"تفسيره\" (^٩) وغيره وهو الصواب] (^١٠).\n\n<span id=\"aya-43\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ يصح أن يكون الضمير في قوله: \"عنها\" عائدًا إلى الجنة، فيكون معنى الكلام - كما قرأ (حمزة) (^١١) و[عاصم (بن بهدلة (^١٢) وهو ابن أبي النجود)] (^١٣):\n_________\n= وقال الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر: ﵀ في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (١/ ٥٢٥): \"و\"مهرب\" لم أجد نصًا بضبطها في هذا النسب، إلا قول صاحب \"القاموس\" أنهم سموا من مادة: \"هـ ر ب\" بوزن \"محسن\"، يعني: بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه … \". اهـ.\n(^١) في (ز) و(ن): \"من\".\n(^٢) في (ن): \"الشجرة\".\n(^٣) في (ز): \"تفسير\"، وأشار في هامش (ن): إلى أن ذلك وقع في نسخةٍ.\n(^٤) في \"تفسيره\" (١/ ٥٢٠، ٥٢١ شاكر).\n(^٥) في (ج): \"الشجرة\".\n(^٦) في (ج) و(ل): \"الأشجار\".\n(^٧) في (ك): \"الإمام\"!\n(^٨) ساقط من (ن).\n(^٩) انظر: \"تفسير الرازي\" (٢/ ٦).\n(^١٠) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض) و(ك).\n(^١٢) ساقط من (ى) وثبت ذكر \"عاصم بن بهدلة\" في باقي \"الأصول\" والمعروف أن عاصمًا وافق بقية القراء في هذا الحرف، وانفرد عنهم حمزة فقال: \"فأزالهما\". وانظر لذلك: \"السبعة\" لابن مجاهد (ص ١٥٤)، و\"حجة القراءات\" (ص ٩٤)؛ لابن زنجلة، و\"المبسوط في القراءات العشر\" (ص ١١٦)؛ لأبي بكر بن مهران الأصبهاني، و\"الحجة للقراء السبعة\" (٢/ ١٤)؛ لأبي على الفارسي، و\"الدر المصون\" (١/ ٢٨٧)؛ للسمين الحلبي، و\"زاد المسير\" (١/ ٦٧)؛ لابن الجوزي، و\"الكشف\" لمكي (ص ٢٣٥)، و\"القرطبي\" (١/ ٣١١).\nوقال السمين الحلبي في \"الدر المصون في علوم الكتاب المكنون\" (١/ ٢٨٧، ٢٨٨): \"قرأ حمزة ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ والقراءتان يحتمل أن تكونا بمعنًى واحد، وذلك أن قراءة الجماعة ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ [البقرة: ٣٦] يجوز أن تكون من: \"زل عن المكان\" إذا تنحى عنه، فتكون من الزوال كقراءة حمزة، ثم ذكر شعرًا لامرئ القيس ثم قال: فرددنا قراءة الجماعة إلى قراءة حمزة، أو نرد قراءة حمزة إلى قراءة الجماعة بان نقول: معنى: أزالهما؛ أي: صرفهما عن طاعة الله تعالى، فأوقعهما في الزلة، لأن إغواءه وايقاعه لهما في الزلة سبب للزوال\". اهـ. ورجح الطبري في المعنى رواية الجماعة. والله أعلم.\n(^١٣) ساقط من (ن).","vol":"1","page":354},{"text":"(فأزالهما) (^١)؛ أي: فنحاهما.\nويصح أن يكون عائدًا على أقرب المذكورين، وهو والشجرة، فيكون معنى الكلام - كما قال الحسن (^٢)، وقتادة: فأزلهما؛ أي: من (قبل) (^٣) الزلل، فعلى هذا يكون تقدير الكلام: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ أي: بسببها، كما قال (تعالى) (^٤): ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ [الذاريات] أي: يصرف بسببه من هو مأفوك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أي: من اللباس، والمنزل الرحب، والرزق الهنيء، والراحة.\n﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: قرار وأرزاق وآجال.\n﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة.\nوقد ذكر المفسرون من السلف كالسدي بأسانيده، وأبي العالية، ووهب بن منبه، وغيرهم ها هنا أخبارًا إسرائيليةً عن قصة الحية وإبليس، وكيف جرى من دخول إبليس إلى الجنة ووسوسته؛ وسنبسط (^٥) ذلك إن شاء الله في سورة الأعراف؛ فهناك القصة أبسط منها ها هنا. والله الموفق.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^٦) ها هنا: حدثنا علي بن (الحسين) (^٧) بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أُبي بن كعب؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله خلق آدم رجلًا طوالًا كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه؛ فأول ما بدا منه عورته؛ فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة، فنازعها، فناداه الرحمن: يا آدم، مني تفر.\nفلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب؛ لا، ولكن استحياءً\".\nقال (^٨): وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم (القومسي) (^٩) سنة أربع وخمسين مائتين، حدثنا (سليم) (^١٠) بن منصور بن عمار، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد، عن قتادة، عن أُبي بن\n_________\n(^١) في (ز) و(ض) و(ك): \"فأزلهما\" وفيه تضييع لهذا الوجه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٨، ٣٨٩) عنهما.\n(^٣) في (ز) و(ض) و(ى): \"قبيل\".\n(^٤) من (ز) و(ع) و(ن) و(ى).\n(^٥) ويأتي تخريجه أيضًا هناك إن شاء الله تعالى.\n(^٦) في \"تفسيره\" (٣٩٢).\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٦/ ٣٦٧): \"إسناده حسن\".\n(^٧) وقع في (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى): \"الحسن\" وهو خطأ، هو علي بن الحسين بن إبراهيم بن الحر بن زعلان أبو الحسن بن إشكاب البغدادي ثقة مأمون.\n(^٨) يعني: ابن أبي حاتم رقم (٣٩٣).\n(^٩) كذا في (ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى) وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\"، و\"قومس\" بضم القاف وسكون الواو وكسر الميم ثم سين مهملة ناحية تقع بين \"الري\" و\"نيسابور\" كما في \"معجم البلدان\" (٤/ ٤١٤). ووقع في (ض): \"القونسي\" وفي (ز) و(ن): \"القرشي\" وكلاهما خطأ.\n(^١٠) وقع في كل \"الأصول\": \"سليمان\" وهو خطأ، وصوابه: \"سليم\" كما ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ١/ ٢١٦)؛ والخطيب في \"تاريخه\" (٩/ ٢٣٢)؛ و\"الميزان\" (٢/ ٢٣٢)؛ و\"اللسان\" (٣/ ١١٢) وقال ابن أبي حاتم: \"سألت أبي عنه فقلت: أهل بغداد يتكلمون فيه، فقال: مه، سألت ابن أبي الثلج عنه فقلت له: إنهم يقولون: كتب عن ابن علية وهو صغير، فقال: لا، كان هو أسن منا\".","vol":"1","page":355},{"text":"كعب؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما ذاق آدم من الشجرة (فر) (^١) هاربًا، فتعلقت شجرة بشعره، فنودي: يا آدم؛ أفرارًا مني؟ قال: بل حياءً منك. قال: يا آدم، أخرج من جواري، فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني، ولو خلقت مثلك ملء الأرض خلقًا، ثم عصوني، لأسكنتهم دار العاصين\".\nهذا حديث غريب، وفيه انقطاع؛ بل إعضال (^٢) بين قتادة وأُبي بن كعب رضي الله (عنه) (^٣).\nوقال الحاكم (^٤): حدثنا أبو بكر بن (بالويه) (^٥)، عن محمد بن أحمد بن النضير، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عمار بن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما (أُسكن) (^٦) آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. ثم قال: \"صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\".\n[وقال عبد بن حميد في \"تفسيره\": حدثنا روح، عن هشام، عن الحسن؛ قال: لبث آدم في الجنة ساعةً من نهار، تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا] (^٧).\nوقال أبو جعفر (^٨) الرازي: عن الربيع بن أنس، قال: خرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة، فأخرج آدم معه غصنًا من شجرة الجنة على رأسه تاج من شجر الجنة، وهو الإكليل من ورق الجنة.\nوقال السدي (^٩): قال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ فهبطوا، ونزل آدم بالهند، ونزل معه الحجر الأسود، وقبضة من ورق الجنة، فبثه بالهند، فنبتت شجرة الطيب؛ فإنما أصل ما يجاء به من الطيب من الهند من قبضة الورق التي هبط بها آدم، وإنما قبضها آدم أسفًا على الجنة حين أخرج منها.\n_________\n(^١) في (ز) و(ن): \"فر\" وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" وفي سائر \"الأصول\": \"مر\".\n(^٢) [وسنده ضعيف كما قرر الحافظ ابن كثير].\n(^٣) في (ز): \"عنهما\".\n(^٤) في \"كتاب التاريخ من المستدرك\" (٢/ ٥٤٢) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\nوأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (ج ٣/ رقم ٥٥٨٠)؛ عن ابن جريج قال: حدثني حسن بن مسلم، لا أعلمه إلا، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقال ابن جريج: وحدثني عثمان بن أبي سليمان نحوه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وسئل عن تلك الساعة فقال: خلق الله آدم بعد العصر يوم الجمعة، وخلقه من أديم الأرض كلها، أحمرها وأسودها، وطيبها وخبيثها، ولذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث، فأسجد له ملائكته وأسكنه جنته، فللَّه ما أمسى ذلك اليوم حتى عصاه، فأخرجه منها.\nوهو صحيح من الوجهين وحسن بن مسلم وعثمان بن أبي سليمان كلاهما ثقة. ثم أخرجه عبد الرزاق (٥٥٨١) عن إبراهيم بن يزيد قال: حدثني حسن بن مسلم بسنده سواء نحوه. وإبراهيم متروك.\n(^٥) في (ن) و(هـ): \"باكويه\"؛ وفي (ل): \"مالويه\"! وهو خطأ، وهو محمد بن أحمد بن بالويه أبو بكر النيسابوري. مترجم في \"سير النبلاء\" (١٥/ ٤١٩). قال الحاكم: توفي سنة أربعين وثلاثمائة.\n(^٦) في (ض) و(هـ): \"سكن\" وهو الموافق لما في \"المستدرك\"، ولكن في طبعته تحريف كثير.\n(^٧) استدركه ناسخًا (ج) و(ع) في الحاشية، وصرح في (ج) أنها حاشية.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٤) [وسنده جيد] وأخرجه ابن جرير في \"تاريخه\" (١/ ١١٨) مختصرًا.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠١، ٤٢٢) قال: حدثنا أبو زرعة. ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي. وسنده حسن إلى السدي.","vol":"1","page":356},{"text":"وقال عمران (^١) بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: أُهبط آدم بـ \"دحنا\" (^٢): أرض بالهند.\nوقال ابن أبي (^٣) حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس؛ قال: أُهبط آدم ﵇ إلى أرض يقال لها: \"دحنا\" بين مكة والطائف.\nوعن الحسن البصري قال: أُهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بـ \"دست ميسان\" (^٤) من البصرة على أميال، وأُهبطت الحية بأصبهان. رواه ابن أبي (^٥) حاتم.\nوقال (ابن أبي حاتم) (^٦): (حدثنا) (^٧) محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا (عمرو) (^٨) بن أبي قيس، عن (الزبير) (^٩) (بن) (^١٠) عدي، عن ابن عمر (^١١)؛ قال: أُهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة.\nوقال رجاء بن (أبي سلمة) (^١٢): أُهبط آدم ﵇ يداه على ركبتيه مطأطئًا رأسه، وأُهبط إبليس، مشبكًا بين أصابعه، رافعًا رأسه إلى السماء.\nوقال عبد الرزاق (^١٣): قال معمر: أخبرني عوف، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى؛ قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في \"التاريخ\" (١/ ١٢١)؛ والحاكم (٢/ ٥٤٢) عن موسى بن هارون قالا: ثنا عمرو بن علي، ثنا عمران بن عيينة بسنده سواء ولم يذكر الحاكم اسم البلد، ووقع عند ابن جرير \"دهنا\"؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٧) عن المقدمي ثنا عمران بن عيينة به. وعطاء بن السائب كان اختلط، وقد اختلف عليه في تعيين موقع الأرض التي نزل عليها آدم ﵇ كما يأتي.\nأما الحاكم فقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي.\n(^٢) و\"دحنا\" بفتح أوله وسكون المهملة ثم نون وألف أرض خلق الله منها آدم كما في \"معجم البلدان\" (٢/ ٤٤٤) وهي من مخاليف الطائف.\n(^٣) في \"تفسيره\" (٣٩٨) وربما كان هذا السند أمثل من الذي قبله من جهة أن جرير بن عبد الحميد أوثق من عمران بن عيينة، لكنه، أعني جريرًا، سمع من عطاء بعد الاختلاط أيضًا.\n(^٤) وهي محلة جليلة بن \"واسط\" و\"البصرة\" و\"الأهواز\"، وهي إلى الأهواز أقرب (ياقوت) (٢/ ٤٥٥).\n(^٥) في \"تفسيره\" (٣٩٩) وسنده ضعيف.\n(^٦) في (ن): \"محمد بن أبي حاتم\" وهو غلط ظاهر، وقد سقطت أداة الكنية فهو: \"أبو محمد بن أبي حاتم\".\n(^٧) ساقط من (ل).\n(^٨) في (ن): \"عمر\" بدون الواو، غلط.\n(^٩) ساقط من (ض).\n(^١٠) في (ل): \"عن\" غلط.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣٩٦) [وسنده ضعيف لأن الزبير بن عدي لم يسمع من ابن عمر والرواية من الإسرائيليات].\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٥) وسنده قوي. ووقع في كل \"الأصول\": \"رجاء بن سلمة\" والصواب ما أثبته، واسم أبو سلمة مهران الشامي كما في \"التهذيب\" (٩/ ١٦١).\n(^١٣) في \"تفسيره\" (١/ ٤٣، ٤٤) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٤٢١).\nوأخرجه البزار (٢٢٤٥ - كشف)؛ وابن جرير (٥٣٧) عن ابن أبي عدي. والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٥٤٣) وعنه البيهقي في \"البعث والنشور\" (١٨٥) عن هوذة بن خليفة كلاهما عن عوف بن أبي جميلة. عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى الأشعري فذكره موقوفًا. ووقع في \"المستدرك\": \"عن أبي بكر بن أبي موسى\" وهو خطأ.\n(*) قلت: فقد رواه معمر وابن أبي عدي وهوذة بن خليفة ثلاثتهم عن عوف به موقوفًا وخالفهم ربعي بن علية - أخو إسماعيل بن علية - فرواه عن عوف، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى مرفوعًا. أخرجه البزار =","vol":"1","page":357},{"text":"إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض علَّمه صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة؛ فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير.\nوقال الزهري، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، (عن أبي هريرة) (^١)؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها\" رواه مسلم (^٢)، والنسائي.\n[وقال (فخر الدين) (^٣) (الرازي) (^٤): اعلم أن في هذه الآية (تهديدًا) (^٥) عظيمًا عن كل المعاصي من وجوه:] (^٦).\n[الأول - أن من تصور ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة كان على وجل شديد من المعاصي؛ قال الشاعر:\nيا ناظرًا يرنو بعيني راقد … ومشاهدًا للأمر غير مشاهد\nتصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي … درج الجنان ونيل فوز العابد\nأنسيت ربك حين أخرج آدمًا … منها إلى الدنيا بذنب واحد] (^٧)\nقال ابن القاسم:\nولكننا سبى العدو فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلم\n[قال (فخر الدين) (^٨) (الرازي) (^٩)، عن فتح الموصلي، أنه قال: كنا قومًا من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها (^١٠).\nفإن قيل: فإن كانت جنة آدم التي أُخرج منها في السماء كما يقوله الجمهور من العلماء، فكيف تمكن إبليس من دخول الجنة وقد طرد من هناك طردًا قدريًّا؟ والقدريُّ لا يخالف ولا يمانع؟\nفالجواب أن هذا بعينه استدل به من يقول: إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء، كما قد بسطنا هذا في أول (كتاب) (^١١) \"البداية والنهاية\"] (^١٢).\n_________\n= (٢٣٤٤ - كشف) وقال: \"لا نعلم رفعه إلا ربعي\". اهـ. وهو ثقة مأمون كما قال ابن معين، وقال ابن مهدي: \"كنا نعد ربعي بن علية من بقايا شيوخنا\" ذكره عنهما ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (١/ ٢/ ٥١٠)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٢٤٤، ٢٤٥) فكأنه صحيح من الوجهين معًا. والله أعلم.\n(^١) ساقط من (ج).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١٧/ ٨٥٤).\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) ساقط من (ج) و(ع) و(ل) و(ى). وانظر \"تفسير الرازي\" (٢/ ١٩).\n(^٥) هكذا في (ج) و(ع) و(ل) و(ى). ووقع في \"تفسير الرازي\": \"تحذيرًا\".\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^٨) ساقط من (ن).\n(^٩) ساقط من (ج) و(ع) و(ل) و(ى).\n(^١٠) هكذا اقتصر المصنف على نقل الوجه الأول، وترك وجهين آخرين ذكرهما الرازي، ولعله أخذ من كلام الرازي ما اقتضاه المقام. والله أعلم.\nوقد أشار إلى كلام فتح الموصلي الامام المحقق ابن القيم ﵀ في \"الميمية\" فقال:\nولكننا سبي العدو فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلم؟\n(^١١) كذا في (ج) و(ل)؛ وفي (ن) و(ى): \"كتابنا\" وهو فيه (١/ ٧٠ - ٨١).\n(^١٢) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).","vol":"1","page":358},{"text":"[وأجاب الجمهور بأجوبة: أحدها أنه منع من دخول الجنة مكرمًا، فأما على وجه (الرد) (^١) والإهانة فلا يمتنع، ولهذا قال بعضهم - كما جاء في التوراة -: إنه دخل في فم الحية إلى الجنة.\nوقد قال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة] (^٢).\n[وقال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض، وهما في السماء، ذكرها الزمخشري (^٣) وغيره.\nوقد أورد القرطبي (^٤) ها هنا أحاديث في الحيات وقتلهن وبيان حكم ذلك فأجاد وأفاد] (^٢).\n\n<span id=\"aya-44\"></span>﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾.\nقيل: إن (هذه) (^٥) الكلمات مفسرة بقوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف] وروى هذا عن مجاهد (^٦)، وسعيد (^٧) بن جبير، وأبي العالية (^٨)، والربيع بن أنس، والحسن (^٩)، وقتادة (^١٠)، ومحمد (^١١) بن كعب القرظي، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن (^١٢) بن زيد بن أسلم.\nوقال أبو إسحاق (^١٣) السبيعي، عن رجل من بني تميم؛ قال: أتيت ابن عباس، فسألته: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علم شأن الحج.\nوقال سفيان (^١٤) الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، أخبرني من سمع عبيد بن عمير - وفي رواية\n_________\n(^١) في (ن): \"السرقة\"!!\n(^٢) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^٣) في \"الكشاف\" (١/ ٥١).\n(^٤) في \"تفسيره\" (٣١٥١).\n(^٥) في (ج) و(ل): \"هؤلاء\".\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٧٨٧) من طرق عن خصيف، عن مجاهد به.\nوأخرجه ابن أبي حاتم (٤١٤) من طريق ابن مهدي، عن الثوري، عن خصيف، عن مجاهد وسعيد بن جبير معًا، وسنده جيد، وتوبع خصيف. تابعه النضر بن عربي عن مجاهد مثله. أخرجه ابن جرير (٧٨٩) قال: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن النضر بن عربي صدوق متماسك، ولكن ابن وكيع وهو سفيان، كان يلقن، ولا بأس بروايته هنا، فهو متابع وعزاه في \"الدر المنثور\" (١/ ٥٩) لوكيع وعبد بن حميد.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٤) وسنده جيد.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٧٧٩) وسنده حسن.\n(^٩) أخرجه عبد بن حميد في \"تفسيره\" كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٥٩).\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٧٧٨) عن سعيد بن أبي عروبة؛ وأيضًا (٧٩١)؛ وعبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤٤) عن معمر كلاهما عن قتادة.\nوسنده صحيح. وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ١٢/ رقم ٦٧٧٤) عن شيبان عن قتادة بلفظ أطول.\n(^١١) أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، والبيهقي في \"الشعب\" كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٥٩). ثم وقفت على إسناده عند البيهقي (ج ١٢/ رقم ٦٧٧٢) فرواه من طريق جعفر بن عون، أخبرنا موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن كعب القرظي به. والربذي ضعيف. [ويتقوى بما سبق].\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (٧٧٤، ٧٩٢) وسنده صحيح.\n(^١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٢) من طريق زهير بن معاوية ثنا أبو إسحاق السبيعي به وسنده ضعيف وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٧٢) لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (٧٨١، ٧٨٢، ٧٨٣، ٧٨٤)؛ وابن أبي حاتم (٤١٣)؛ وأبو الشيخ في \"العظمة\" =","vol":"1","page":359},{"text":"قال: أخبرني مجاهد، عن عبيد بن عمير أنه قال: قال آدم: يا رب!، خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: بل (كتبته) (^١) عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته عليَّ فاغفره لي قال: فذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.\nقال السدي (^٢)، عمن حدثه، عن ابن عباس: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾، قال: قال آدم ﵇: يا رب، ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى. ونفخت فيَّ من روحك؟ قيل له: بلى. [وعطست فقلت: يرحمك الله، وسبقت رحمتك غضبك؟ (قيل له: بلى)] (^٣). وكتبت عليّ أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى. قال: أرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم.\n(وكذا) (^٤) رواه العوفي (^٥)، وسعيد بن جبير، وسعيد بن معبد، عن ابن عباس، بنحوه.\nورواه الحاكم في \"مستدركه\" (^٦) من حديث ابن جبير، عن ابن عباس؛ وقال: \"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\".\n_________\n= (١٠١١)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٢٧٣) من طرق عن الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عمن سمع عبيد بن عمير فذكره.\nوقد رواه عن الثوري هكذا: وكيع، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وعبد الرحمن بن مهدي، ومؤمل بن إسماعيل، وخالفهم عبد الرزاق فرواه في \"تفسيره\" (١/ ٤٤) وعنه ابن جرير (٧٨٥) فرواه عن الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد بن عمير به فأسقط الواسطة. ورواية الجماعة عن الثوري أقوى، ويحتمل أن يكون للثوري فيه وجهان وإن كان يرجح رواية الجماعة ما ذكره المصنف ﵀ أن الثوري رواه عن مجاهد عن عبيد بن عمير فإن كان راويه عن الثوري ثبتًا فالإسناد متصل. والله أعلم.\n(^١) في (ن): \"شيء كتبته\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١١) من طريق عبيد الله بن موسى ثنا إسرائيل، عن السدي به. وسنده ضعيف لانقطاعه ولكن سيأتي موصولًا إن شاء الله تعالى.\n(^٣) ساقط من (ج).\n(^٤) في (ز) و(ن): \"وهكذا\".\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٧٧٧) بسند ضعيف مسلسل بالضعفاء.\n(^٦) \"المستدرك\" (٢/ ٥٤٥) من طريق الحسن بن علي بن عفان، ثنا الحسن بن عطية، ثنا الحسن بن صالح، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.\nقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n(*) قلت: سنده جيد، والحسن بن عطية هو ابن نجيح القرشي، قال أبو حاتم: \"صدوق\" وقال الذهبي في \"المغني\": \"ضعفه أبو الفتح الأزدي، ولا بأس به\"، وقال الحافظ بن حجر: \"أظنه اشتبه عليه بالذي قبله\" والذي قبله هو الحسن بن عطية بن جندة العوفي.\nوأخرجه ابن جرير (٧٧٥) قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، عن قيس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو بسنده سواء.\nوابن عطية هو محمد بن الفضل بن عطية تالف، قال أحمد: \"حديثه حديث أهل الكذب\" وقال ابن معين والجوزجاني: \"كان كذابًا\" وكذلك قال النسائي، وقال صالح بن محمد الحافظ: \"كان يضع الحديث\"، واتفقوا على طرحه.\nلكنه لم يتفرد به، فتابعه محمد بن يوسف الفريابي، قال: حدثنا قيس بن الربيع بسنده سواء.\nأخرجه الآجري في \"الشريعة\" (ص ٣٠٢، ٣٠٣) ولكن قيس وابن أبي ليلى ضعيفان وقد اختلف على قيس في إسناده كما عند ابن جرير (٧٧٦) أيضًا، ورأيت صاحبنا الشيخ سعد بن عبد الله آل حميد حفظه الله =","vol":"1","page":360},{"text":"وهكذا فسره السدي (^١)، وعطية العوفي.\nوقد روى ابن (^٢) أبي حاتم (ها هنا حديثًا) (^٣) شبيهًا بهذا، فقال: حدثنا علي بن (الحسين) (^٤) بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال آدم ﵇: أرأيت يا رب إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم. فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ \".\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه، وفيه انقطاع.\nوقال أبو جعفر (^٥) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ قال: إن آدم لما أصاب الخطيئة قال: أرأيت يا رب إن تبت وأصلحت؟ قال الله: \"إذًا (أُرجعك إلى) (^٦) الجنة\"؛ فهي من الكلمات.\nومن الكلمات أيضًا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].\nوقال ابن أبي (^٧) نجيح، عن مجاهد - أنه كان يقول في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ - قال: الكلمات: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك؛ رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ أي: إنه يتوب على من تاب إليه وأناب؛ كقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ الآيات [النساء: ١١٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ [الفرقان] وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب، ويتوب على من يتوب؛ وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده، لا إله إلا هو التواب الرحيم (^٨).\n[وذكرنا في \"المسند (^٩) الكبير\" من طريق سليمان بن سليم، عن ابن بريدة - وهو] (^١٠)\n_________\n= خرج الحديث في تحقيقه لـ\"تفسير سعيد بن منصور\" (٢/ ٥٥٥) من رواية ابن جرير وحده ثم قال: \"والحديث لا يصح عن ابن عباس ﵄\"، ولم يطلع حفظه الله على رواية الحاكم. والله الموفق.\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (١٨٦) قال: نا الحسن بن يزيد الأصم قال سمعت السدي … فذكره. وسنده قوي.\n(^٢) في \"تفسيره\" (٤١٠).\n(^٣) في (ك): \"حديثًا ههنا\".\n(^٤) في (ج) و(ز) و\"ع\" و(ك) و(ل) و(ى): \"الحسن\" وهو خطأ.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٧٧٩). [وسنده جيد].\n(^٦) في (ن): \"أدخلك\"، وهو مخالف لسائر الأصول، ولما في \"الطبري\".\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٧٨٨) من طريق شبل، عن ابن أبي نجيح.\nوأخرجه ابن أبي حاتم (٤١٥) من طريق عبد الله بن كثير، عن مجاهد مثله. وهو صحيح.\n(^٨) في (ع): \"بلغ مقابلة بقراءة المصنف، معارضًا بأصله، حرسه الله\".\n(^٩) وهو \"جامع المسانيد والسنن\" (٢/ ١٨١، ١٨٢) للمصنف ﵀.\n(^١٠) ساقط من كل \"الأصول\"، واستدركته من (ج) و(ل).","vol":"1","page":361},{"text":"[سليمان -، عن أبيه، عن النبي ﷺ: \"لما أُهبط آدم إلى الأرض، طاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم قال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي، فأقبل معذرتي، وتعلم حاجتي، فأعطني سؤلي، وتعلم ما عندي، فاغفر ذنوبي، أسألك إيمانًا يباشر قلبي، ويقينًا صادقًا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي. قال: فأوحى الله إليه: إنك قد دعوتني بدعاءٍ استجبت لك فيه، ولمن يدعوني به، وفرجت همومه وغمومه، ونزعت فقره من بين عينيه، (واتجرت) (^١) له من وراء كل تاجر، وأتته الدنيا وهي كارهة، وإن لم يردها\". رواه الطبراني في \"معجمه الكبير (^٢) \"] (^٣).\n\n<span id=\"aya-45\"></span>\n\n<span id=\"aya-46\"></span>﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس (حين) (^٤) أهطبهم من الجنة، والمراد: الذرية: إنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل؛ كما قال أبو العالية: الهدى: الأنبياء، والرسل، (والبيان) (^٥) (^٦).\nوقال مقاتل بن حيان: الهدى: محمد ﷺ (^٧).\nوقال الحسن: الهدى: القرآن (^٨). وهذا القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعم.\n_________\n(^١) في (ج): \"تجرت\".\n(^٢) لم أجده في \"مسند بريدة\" من \"المعجم الكبير\" وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٥٩) للطبراني في \"الأوسط\" عن بريدة، وأظنه وهمًا. وساق المصنف سنده في \"جامع المسانيد\" (٧٤٢) عن الطبراني قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا حميد بن معاذ، عن المنهال بن عمرو، عن سليمان بن سليم، عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعًا وأخرجه ابن مردويه في \"المنتقى من حديث الطبراني\" (ق ١٩٧/ ١) قال - يعني: الطبراني - حدثنا حفص بن عمر بن الصباح الرقي، ثنا محمد بن كثير، ثنا حميد بن معاذ، ثنا المنهال بن عمرو، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه مثله فسقط ذكر \"سليمان بن سليم\" من الإسناد، وكأن الصواب إثباته، والله أعلم. وحميد بن معاذ لم أعرفه. ثم وقفت على الحديث في \"الدعوات الكبير\" (٢٣١) للبيهقي فرواه من طريق محمد بن كثير، حدثنا عبد الله بن المنهال، عن سليمان بن قسيم، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه مرفوعًا مثله.\nوسليمان بن قسيم [ضعيف]، والحديث لا يثبت من أي وجه، وتسامح السيوطي فقال في \"الدر\" (١/ ٥٩): \"إسناده لا بأس به\"! وله شاهد من حديث عائشة مرفوعًا مثله أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٥٩٧٤) من طريق النضر بن طاهر، ثنا معاذ بن محمد الخراساني، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وقال: \"لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا معاذ بن محمد، تفرد به: النضر بن طاهر\". اهـ.\n(*) قلت: وهو متهم بالكذب.\n(^٣) ساقط من كل \"الأصول\"، واستدركته من (ج) و(ل).\n(^٤) في (ز) و(ض): \"حتى\".\n(^٥) في (ن): \"البينات والبيان\".\n(^٦) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية].\n(^٧) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان].\n(^٨) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق البراء بن يزيد عن الحسن (والبراء بن يزيد ضعيف التقريب ص ١١٣١)].","vol":"1","page":362},{"text":"﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي: من أقبل على ما أنزلت به الكتب، وأرسلت به الرسل ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما (يستقبلون) (^١) من أمر الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾.\nقال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (^٢) [طه] كما قال ها هنا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ أي: مخلدون فيها لا محيد لهم عنها ولا محيص.\nوقد أورد ابن (^٣) جرير (﵀) (^٤) ها هنا حديثًا ساقه من (طريقين) (^٥)، عن (أبي مسلمة) (^٦) سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قُطعة، عن أبي سعيد؛ واسمه (سعد) (^٧) بن مالك بن سنان الخدري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن (أقوامًا) (^٨) أصابتهم النار بخطاياهم، فأماتتهم إماتةً حتى إذا صاروا فحمًا أُذن في الشفاعة\".\nوقد رواه مسلم (^٩)، من حديث شعبة، عن (أبي مسلمة) (^١٠) به.\n[وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول. وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير؛ كما يقال: قم، قم. وقال آخرون: بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني عن سماء الدنيا إلى الأرض. والصحيح الأول. والله (تعالى) (^١١) أعلم (بأسرار كتابه) (^١١)] (^١٢).\n\n<span id=\"aya-47\"></span>\n\n<span id=\"aya-48\"></span>﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾.\nيقول تعالى آمرًا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة (وأتم) (^١٣) والسلام، (ومهيجًا) (^١٤) لهم بذكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب ﵇؛ وتقديره:\n_________\n(^١) في (ز) و(ن) و(ص): \"يستقبلونه\".\n(^٢) [سيأتي تخريجه في تفسير سورة طه آية ١٢٣].\n(^٣) في \"تفسيره\" (٧٩٧).\n(^٤) ساقط من (ن).\n(^٥) كذا! وهو عند ابن جرير من ثلاثة طرق عن أبي مسلمة.\nفأخرجه من طريق غسان بن مضر وبشر بن المفضل وإسماعيل بن علية ثلاثتهم عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد.\n(^٦) في (ن): \"أبو سلمة\" وهو خطأ.\n(^٧) في (ل): \"سعيد\" وهو خطأ.\n(^٨) في (ض): \"لكن أقوام\" بالرفع مع تسكين نون \"لكن\"؛ وفي \"مسلم\": \"لكن ناس\".\n(^٩) في \"صحيحه\" (١٨٥/ ٣٠٧) من طريق محمد بن جعفر غندر، ثنا شعبة.\n(^١٠) في (ض) و(ن): \"أبو سلمة\".\n(^١١) من (ل).\n(^١٢) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^١٣) من (ك).\n(^١٤) (في (ك): \"وتهييجًا\".","vol":"1","page":363},{"text":"يا بني العبد الصالح المطيع لله؛ كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا ابن الكريم، افعل كذا؛ يا ابن الشجاع، بارز الأبطال؛ يا ابن العالم، اطلب العلم، ونحو ذلك.\nومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء] فإسرائيل هو يعقوب (﵇) (^١) بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي (^٢): حدثنا (عبد (^٣) الحميد) بن بهرام، عن شهر بن حوشب؛ قال: حدثني عبد الله بن عباس؛ قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ؛ فقال لهم: \"هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ \" قالوا: اللهم نعم، فقال النبي ﷺ: \"اللهم اشهد\".\nوقال الأعمش (^٤)، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن (عبد الله) (^٥) بن عباس أن إسرائيل كقولك: عبد الله.\nوقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قال: مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما وسوى ذلك: أن فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، (وأنجاهم) (^٦) من (عبودة) (^٧) آل فرعون.\nوقال أبو (^٨) العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب.\nقلت: وهذا كقول موسى ﵇ لهم: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِين﴾ [المائدة: ٢٠] يعني: في زمانهم.\nوقال محمد بن (^٩) إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله (تعالى) (^١٠): ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: بلائي عندكم وعند آبائكم\n_________\n(^١) من (ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى).\n(^٢) في \"مسنده\" (٢٧٣١).\nوأخرجه أحمد (٢٥١٤، ٢٥١٥، ٢٤٧١)؛ وابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ١٧٤، ١٧٥)؛ وابن جرير (١٦٠٥، ٧٤٢٠)؛ وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩٥١ - آل عمران)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٣٠١٢)؛ والبيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ٢٦٦، ٢٦٧) من طرق عن عبد الحميد بن بهرام بسنده سواء وهو حديث طويل.\nوعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٨٩) للفريابي، وعبد بن حميد وأبي نعيم في \"الدلائل\". وسنده محتمل للتحسين، ولأكثر فقراته شواهد. وانظر: \"تسلية الكظيم\".\n(^٣) في (ك): \"حماد الحميد\"!!\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٧٩٨) قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن الأعمش به.\nوابن حميد هو محمد، وهو واه.\n(^٥) من (ز) و(ن).\n(^٦) في (ن): \"ونجاهم\".\n(^٧) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض) و(هـ) و(ن): \"عبودية\" وهما بمعنًى. وانظر \"لسان العرب\" (ص ٢٧٧٧).\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٨٠٢)؛ وابن أبي حاتم (٤٣٩). [وسنده جيد].\n(^٩) أخرجه ابن إسحاق كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٦٣) ومن طريقه ابن جرير (٨٠١)؛ وابن أبي حاتم (٤٣٨) [وسنده حسن].\n(^١٠) من (ن).","vol":"1","page":364},{"text":"لما كان نجاهم (به) (^١) من فرعون وقومه.\n﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال (^٢): بعهدي الذي أخذت (في) (^٣) أعناقكم للنبي (محمد) (^٤) ﷺ إذا جاءكم أنجز لكم ما وعدتكم عليه (بتصديقه) (^٥)، واتباعه، بوضع ما كان عليكم من (الإصر) (^٦) والأغلال التي كانت في أعناقكم، بذنوبكم التي كانت (من) (^٧) إحداثكم.\n[وقال الحسن البصري: هو قوله (تعالى): ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢].\nوقال آخرون: هو الذي أخذه الله عليهم في التوراة: أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيًّا عظيمًا يطيعه جميع (العرب) (^٨): (الشعوب) (^٩) (والقبائل) (^١٠)، والمراد به محمد ﷺ؛ فمن اتبعه (غفر) (^١١) له ذنبه، (وأدخل) (^١٢) الجنة، وجعل له (أجران) (^١٣).\nوقد أورد (فخر الدين) (^١٤) الرازي بشارات كثيرةً عن الأنبياء عليهم (الصلاة و) (^١٥) السلام بمحمد ﷺ] (^١٦).\nوقال أبو العالية (^١٧): ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ قال: عهده إلى عباده (دينه) (^١٨) الإسلام، (أن) (^١٩) يتبعوه.\nوقال الضحاك (^٢٠)، عن ابن عباس: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال: أرض عنكم، وأدخلكم الجنة؛ وكذا قال السدي (^٢١)، والضحاك (^٢٢)، ...........................................................\n_________\n(^١) ساقط من (هـ).\n(^٢) يعني: ابن عباس. كما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤٤٥). [والأثر تتمة لسابقه].\n(^٣) كذا في (ن). وفي \"سائر الأصول\": \"من\".\n(^٤) من (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(هـ) و(ى).\n(^٥) في (ن): \"من تصديقه\".\n(^٦) في (ن): \"الآصار\".\n(^٧) في (ج): \"في\".\n(^٨) من (ل) و(ى)، وسقط من (ج) و(ل) و(ن).\n(^٩) ساقط من (ى).\n(^١٠) من (ل).\n(^١١) في (ن): \"غفر الله\".\n(^١٢) في (ن): \"أدخله\".\n(^١٣) في (ن): \"أجرين\" وهذا بناءً على ظهور الفاعل، وعدم استتاره.\n(^١٤) ساقط من (ن). وانظر \"تفسير الرازي\" (٢/ ٤٣).\n(^١٥) من (ن)\n(^١٦) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^١٧) أخرجه ابن جرير (٨٠٦)؛ وابن أبي حاتم (٤٤٣) [وسنده جيد].\n(^١٨) في (ك): \"لدينه\" وفي (ن): \"دين\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\".\n(^١٩) في (ن): \"وأن\".\n(^٢٠) أخرجه ابن جرير (٨٠٩)؛ وابن أبي حاتم (٤٤١، ٤٤٤) من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس. وسنده ضعيف أو واه. وبشر بن عمارة ضعيف، والضحاك لم يسمع من ابن عباس، وأبو روق: اسمه عطية بن الحارث؛ صدوق لا بأس به.\n(^٢١) أخرجه ابن جرير (٨٠٧).\n(^٢٢) أخرجه أبو الشيخ في \"كتاب العظمة\" (١٨٤) من طريق ابن المبارك، عن الحسن بن يحيى، عن الضحاك =","vol":"1","page":365},{"text":"وأبو العالية، والربيع (^١) بن أنس.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: فاخشون؛ قاله أبو العالية (^٢)، والسدي (^٣) والربيع بن أنس، وقتادة.\nوقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: (أن) (^٤) أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم؛ من المسخ وغيره (^٥).\nوهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب؛ فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة لعلهم يرجعون إلى الحق، واتباع الرسول ﷺ، والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره، وتصديق أخباره، والله (الهادي لمن) (^٦) يشاء إلى (صراط) (^٧) مستقيم؛ ولهذا قال: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [ومُصَدِّقًا (منصوب) (^٨) على الحال من \"ما\"؛ أي: بالذي أنزلت مصدقًا؛ أو من الضمير المحذوف من (قوله) (^٩): بما أنزلته مصدقًا، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير الفعل، وهو قوله: لما أنزلت مصدقًا به] (^١٠)؛ ويعني به: القرآن الذي (أنزله) (^١١) على محمد ﷺ النبي الأمي العربي بشيرًا ونذيرًا، وسراجًا منيرًا، مشتملًا على الحق من الله (تعالى) (^١٢)، مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.\nقال أبو العالية (^١٣) ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم؛ يقول: لأنهم يجدون محمدًا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.\nوروى عن مجاهد (^١٤)، والربيع (^١٥) بن أنس، وقتادة، نحو ذلك.\n_________\n= فذكره وسنده حسن. والحسن بن يحيى وثقه ابن معين وابن حبان، ولم يذكر له المزي راويًا إلا ابن المبارك وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٦٤) لعبد بن حميد.\n(^١) أشار إليه ابن أبي حاتم (٤٤٣).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٨١٢)؛ وابن أبي حاتم (٤٤٧). [وسنده جيد].\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٨١٣) [وسنده حسن].\n(^٤) من (ن) وأشار في (ى) إلى أنها كذلك في بعض النسخ.\n(^٥) [هذا الأثر تتمة لرواية ابن إسحاق السابقة].\n(^٦) في (ن): \"يهدى من\".\n(^٧) في (ج) و(ز) و(ض): \"صراطه\".\n(^٨) كذا في (ج) و(ع)؛ وفي (ل): \"منصوبًا\" على تقدير فعل محذوف، كأنه قال: جاء منصوبًا.\n(^٩) في (ل): \"قولهم\"!\n(^١٠) ساقط من سائر (الأصول)، واستدركته من (ل)، ومن حاشية (ج) و(ع).\n(^١١) في (ج): \"أنزل\".\n(^١٢) من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ن).\n(^١٣) أخرجه ابن جرير (٨١٦)؛ وابن أبي حاتم (٤٤٨). [وسنده جيد].\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (٨١٤، ٨١٥)؛ وابن أبي حاتم (٤٤٩) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. [وسنده صحيح].\n(^١٥) أشار إلى رواية الربيع وقتادة: ابن أبي حاتم في \"تفسيره\".","vol":"1","page":366},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [قال بعض (المفسرين) (^١): أول فريق كافر به، أو نحو ذلك] (^٢).\nقال ابن عباس (^٣): ولا تكونوا أول كافر به، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم.\nوقال أبو العالية (^٤): يقول: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ؛ [يعني: من جنسكم أهل الكتاب بعد (سماعكم) (^٥) بمبعثه] (^١)، وكذا قال الحسن، والسدي، والربيع بن أنس.\nواختار ابن جرير (^٦) أن الضمير في قوله: \"به\" عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ وكلا القولين صحيح؛ لأنهما متلازمان؛ لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد ﷺ؛ ومن كفر بمحمد ﷺ فقد كفر بالقرآن.\nوأما قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير؛ وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرةً؛ فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من (كفر به) (^٧) من جنسهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي، وتصديق رسول - بالدنيا وشهواتها؛ فإنها قليلة فانية؛ كما قال عبد الله بن المبارك (^٨): أنبأنا عبد الرحمن بن (يزيد) (^٩) بن جابر، عن هارون بن يزيد؛ قال: سئل الحسن - يعني: البصري - عن قوله تعالى: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ - قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها (^١٠).\nوقال ابن لهيعة (^١١): حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا\n_________\n(^١) كذا في (ك) و(ل) و(ى). ووقع في (ج) و(ن): \"المعريين\".\n(^٢) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٨١٩)؛ وابن أبي حاتم (٤٥٠) وتقدم القول بضعفه.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٨١٨)؛ وابن أبي حاتم (٤٥١). [وسنده جيد].\n(^٥) كذا في (ن)؛ وفي (ج) و(ل) و(ن) و(ى): \"سماعهم\".\n(^٦) في \"تفسيره\" (١/ ٥٦٤ - شا كر).\n(^٧) في (ج): \"كفره\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤٥٦)؛ وابن أبي الدنيا في \"ذم الدنيا\" (٤٩٧) من طريق علي بن الحسن بن شقيق، أنا ابن المبارك بسنده سواء. وسنده ضعيف، وهارون بن يزيد البصري ترجمه البخاري في \"الكبير\" (٤/ ٢/ ٢٢٠)؛ وابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٥٧٩) وقال: \"يروى عن رجل عن أبي هريرة\" ورجح الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي في حاشيته على \"تاريخ البخاري\" أنه هارون بن راشد، وأنه غلط بعض الرواة في اسمه فقلبوه إلى \"هارون بن يزيد\"، وفي النفس غصة من هذا الترجيح، ورسمه رسم المجهول. والله أعلم.\n(^٩) في (ز) و(ن): \"زيد\" وهو خطأ.\n(^١٠) [أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن المبارك به وهو تفسير حسن].\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٤) قال: ذكر عن الحسن بن علي الحلواني، عن سعيد بن أبي مريم، أخبرني ابن لهيعة حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير. وسنده ضعيف، فقد علقه ابن أبي حاتم كما ترى، وحال ابن لهيعة معروفة، وعطاء بن دينار قال أبو حاتم: \"صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا =","vol":"1","page":367},{"text":"بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إن آياته كتابه الذي (أنزل) (^١) إليهم، وإن الثمن القليل الدنيا وشهواتها.\nوقال السدي (^٢): ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا (طمعًا) (^٣) قليلًا، ولا تكتموا اسم الله؛ فذلك الطمع: (وهو) (^٤) الثمن.\nوقال أبو جعفر (^٥)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا؛ قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم، علم مجانًا كما علمت مجانًا.\n[وقيل: معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح، ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس، لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب.\nوفي \"سنن أبي داود\" (^٦)، عن أبي هريرة ﵁؛ قال:] (^٧) [قال رسول الله ﷺ: \"من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة\".\nفأما تعليم العلم بأُجرة فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرةً، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم (بحاله) (^٨) وعياله. فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب فهو كما لم يتعين عليه. (وإذا لم يتعين عليه) (^٩) فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرةً عند مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء، كما في \"صحيح (^١٠) البخاري\":] (^١١)\n_________\n= التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير\". اهـ.\n(^١) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ى)؛ ووقع في (ز) و(ض) (ن): \"أنزله\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٥)؛ وابن جرير (٨٢١) وعنده: \"وذلك الثمن هو الطمع\". [وسنده حسن].\n(^٣) ساقط من (ض)، ووضع محققو \"تفسير ابن كثير، طبعة دار الشعب\" والمرموز لها بالرمز (ز) أقول: وضعوا هذه اللفظة بين معكوفين، وهذا يدل على أنها ساقطة من الأصل، وقد علمت طريقتهم من متابعتي لعملهم، ثم النسخة المرموز لها بـ (ض) كأنها منقولة من (ز) فلا يكون سقط في (ز) إلا وهو في (ض). فالله أعلم.\n(^٤) في (ك): \"هو\".\n(^٥) يعني: الرازي، وليس أبا جعفر بن جرير، وقد أخرجه في \"تفسيره\" (٨٢٠)، وكذلك ابن أبي حاتم (٤٥٣). [وسنده جيد].\n(^٦) رقم (٣٦٦٤) من طريق فليح بن سليمان، عن أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة به. ولكن عنده: \"لم يجد عرف الجنة …، يعني: ريحها\"؛ وأخرجه ابن ماجه (٢٥٢)؛ وأبو الحسن بن سلمة في \"زوائده عليه\" (١/ ٩٣)؛ وأحمد (٢/ ٣٣٨)؛ وابن أبي شيبة (٨/ ٥٤٣)؛ وابن حبان (٨٩)؛ والحاكم (١/ ٨٥)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٤٦٧)؛ وابن المقرئ في \"معجمه\" (ج ١/ ق ٩/ ١، ٢) وآخرون من هذا الوجه.\nقال العقيلي: \"الرواية في هذا الباب لينة\". وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح سنده، ثقات رواته على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أسنده ووصله عن فليح جماعة غير ابن وهب\" ووافقه الذهبي. [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٠٤)].\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^٨) في (ن): \"به حاله\".\n(^٩) ساقط من (ج).\n(^١٠) في \"كتاب فضائل القرآن\" (٩/ ٥٤) وقدم تخريجه في \"تفسير الفاتحة\" (١/ ٣٨٤، ٣٨٥).\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).","vol":"1","page":368},{"text":"[عن أبي سعيد في قصة (اللديغ) (^١) (و) (^٢): \"إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله\" (^٣). وقوله في قصة المخطوبة (^٤): \"زوجتكها بما معك من القرآن\".\nفأما حديث عبادة بن الصامت أنه علَّم رجلًا من أهل الصفة شيئًا من القرآن، فأهدى له قوسًا، [فسأل (عنه) (^٥) رسول الله ﷺ] (^٦)، فقال: (إن) (^٧) أحببت أن (تطوق) (^٨) بقوس من نار فاقبله\"؛ فتركه. رواه أبو (^٩) داود. وروي مثله عن أُبي بن كعب (^١٠) مرفوعًا (^٩)؛ فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء؛ منهم أبو عمر (^١١) ابن عبد البر - على أنه (لما) (^١٢) علَّمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس.\nفأما إذا كان من أول الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث (اللديغ؛ وحديث) (^١٣) سهل في المخطوبة. والله أعلم] (^١٤).\n(وقوله) (^١٥): (﴿وَإِيَّايَ (^١٦» فَاتَّقُونِ﴾ قال ابن (^١٧) أبي حاتم: حدثنا أبو عمر الدوري، حدثنا أبو\n_________\n(^١) في (ك): \"الملدوغ\".\n(^٢) من (ل) وهي زيادة ضرورية، إذ بدونها يكون حديث أبي سعيد هو: \"إن أحق ما أخذتم … إلخ\" وإنما هو حديث ابن عباس كما يأتي، وهذا المتن لم يقع في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ على اختلاف ألفاظه. والله أعلم.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠/ ١٩٨، ١٩٩).\n(^٤) مرّ تخريج القصة في \"فضائل القرآن\" (١/ ٢٨١).\n(^٥) ساقط من (ج) و(ل) و(ى).\n(^٦) في (ك): \"فقال رسول الله ﷺ عن ذلك\".\n(^٧) في (ك): \"إني\"!\n(^٨) في (ك): \"تطوف\".\n(^٩) في \"سننه\" (٣٤١٦) [وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٢٩١٠)].\n(^١٠) أخرجه ابن ماجه (٢١٥٨) قال: حدثنا سهل بن أبي سهل، ثنا يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد، ثنا خالد بن معدان، حدثني عبد الرحمن بن سلم، عن عطية الكلاعي، عن أُبي بن كعب قال: علمت رجلًا القرآن فأهدى إليَّ قوسًا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: \"إن أخذتها أخذت قوسًا من نار\" فرددتها. [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٥١)].\n(^١١) في \"كتاب التمهيد\" (٢١/ ١١٤) وعبارته: \"وحديث عبادة أُبي يحتمل التأويل أيضًا، لأنه جائز أن يكون علمه لله، ثم أخذ عليه أجرًا؛ ونحو هذا\". اهـ. وقول ابن عبد البر هنا يخالف ما نقله عنه ابن كثير، فلعل ابن عبد البر قال ما نقله ابن كثير في موضع آخر، أو في كتاب آخر. والله أعلم.\n(^١٢) في (ك) و(ى): \"كان\".\n(^١٣) ساقط من (ج) و(ل).\n(^١٤) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^١٥) من (ك) و(ن).\n(^١٦) في (ل): \"فإياي\"!!\n(^١٧) في \"تفسيره\" (٤٥٧) وسنده جيد، وأبو عمر الدوري اسمه حفص بن عمر قال أبو حاتم: \"صدوق\" وضعفه الدارقطني، وسمع منه ابن أبي حاتم وهو صغير، فقد ولد ابن أبي حاتم سنة (٢٤٠) وتوفي أبو عمر الدوري سنة (٢٤٦) وقيل: سنة (٢٤٨) ولكن له طريق آخر فأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٣٤٣) قال: أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن بكر بن عبد الله قال: لما كانت فتنة ابن الأشعث، قال طلق: اتقوها بالتقوى. قال بكر له: أجمل لنا التقوى. قال: التقوى عمل بطاعة الله. وساق نحوه.\nوأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٦٤) من طرق قبيصة بن عقبة، عن سفيان الثوري بسنده سواء وسنده صحيح. والله أعلم.","vol":"1","page":369},{"text":"إسماعيل المؤدب، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية، عن (طلق) (^١) بن حبيب؛ قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله (والتقوى) (^٢) أن تترك معصية الله [مخافة عذاب الله، على نور من الله] (^٣).\nومعنى قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ أنه تعالى يتوعدهم فيما (يعتمدونه) (^٤) من كتمان الحق وإظهار خلافه، ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه.\n\n<span id=\"aya-49\"></span>﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾.\nيقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يعتمدونه من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق، وإظهارهم الباطل: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ فنهاهم عن الشيئين معًا، وأمرهم بإظهار الحق، والتصريح به؛ ولهذا قال الضحاك (^٥)، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [إلا تخلطوا الحق بالباطل، والصدق بالكذب] (^٦).\nوقال أبو العالية (^٧): ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقول: ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا النصيحة لعباد الله (في) (^٨) (أمر) (^٩) محمد ﷺ.\n(وروي) (^١٠) عن سعيد بن جبير، والربيع بن أنس، نحوه.\nوقال قتادة (^١١): ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية (^١٢) [بالإسلام ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن دين الله الإسلام، (وأن) (^١٣) اليهودية والنصرانية] (١٢) بدعة ليست من الله.\nوروي عن الحسن البصري نحو ذلك (^١٤).\nوقال محمد (^١٥) بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن\n_________\n(^١) ساقط من (ج).\n(^٢) ساقط من (ن).\n(^٣) كذا في سائر \"الأصول\"، وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\"، ووقع في (ن): \"على نور من الله، تخاف عقاب الله\".\n(^٤) في (ن): \"يتعمدونه\".\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٨٢٣) وسنده واه.\n(^٦) كذا في (ز) و(ن) وسقطت هذه الجملة من (ك) ووقع في سائر \"الأصول\": \"تخلطوا\" والذي في \"تفسير الطبري\": \"لا تخلطوا الصدق بالكذب\".\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٨٢٤)؛ وابن أبي حاتم (٤٥٨) [وسنده جيد].\n(^٨) كذا في (ن) وهو الموافق لما في \"الطبري\" و\"ابن أبي حاتم\" وفي سائر \"الأصول\": \"من\".\n(^٩) كتب ناسخ (ن) فوقها \"أمة\".\n(^١٠) في (ز) و(ن): \"ويروى\" وأشار إلى هذين الأثرين ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" [بحذف السند] (ص ١٤٧ - البقرة).\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٩) [وسنده حسن]. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٦٤) إلى عبد بن حميد.\n(^١٢) ساقط من (ك) والعبارة عنده: \"ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية ببدعة ليست من الله\"!!\n(^١٣) من (ع) و(ن) و(هـ).\n(^١٤) [ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند].\n(^١٥) أخرجه ابن جرير (٨٣٢)؛ وابن أبي حاتم (٤٦١) [وسنده حسن].","vol":"1","page":370},{"text":"ابن عباس: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: (لا تكتموا) (^١) ما عندكم من المعرفة برسولي، وبما جاء به، وأنتم تجدونه مكتوبًا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.\nوروي عن أبي (^٢) العالية نحو ذلك.\nوقال مجاهد (^٣)، والسدي (^٤)، وقتادة، والربيع بن أنس: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ يعني: محمدًا ﷺ.\n[قلت: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ (^٥) يحتمل أن يكون مجزومًا، (ويجوز) (^٦) أن يكون منصوبًا؛ أي: لا تجمعوا بين هذا وهذا؛ كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.\nقال الزمخشري (^٧): وفي مصحف ابن مسعود: وتكتمون الحق (^٨)؛ أي: في حال كتمانكم الحق، \"وأنتم تعلمون\" حال أيضًا، ومعناه: وأنتم تعلمون الحق. ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون ما في ذلك من] (^٩) [الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق، لتروجوه عليهم.\nوالبيان: الإيضاح، (وعكسه) (^١٠) الكتمان، وخلط الحق بالباطل] (^١١).\n\n<span id=\"aya-50\"></span>﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ قال مقاتل (^١٢): قوله: (تعالى) (^١٣) لأهل الكتاب: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أمرهم أن يصلُّوا مع النبي ﷺ، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أمرهم أن يؤتوا الزكاة؛ أي: يدفعونها إلى النبي ﷺ؛ ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد ﷺ. يقول: كونوا (منهم، ومعهم) (^١٤).\nوقال علي (^١٥) بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^١٦) يعني: بالزكاة طاعة الله والإخلاص.\nوقال وكيع (^١٧)، عن (أبي جناب) (^١٨)، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: ما يوجب الزكاة؟ قال: مائتان فصاعدًا.\n_________\n(^١) في (ج): \"لا تكتموا الحق\"!\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٨٢٩)؛ وابن أبي حاتم (٤٦٠). [وسنده جيد].\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٨٣٠، ٨٣١) من طريقين عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. [وسنده صحيح].\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٢). [وسنده حسن].\n(^٥) في (ج) و(ل): \"وتكتموا الحق\" ووقع في (ك): \"وتكونوا\"!!\n(^٦) في (ن): \"ويحتمل\".\n(^٧) في \"الكشاف\" (١/ ٥٣).\n(^٨) [وهي قراءة شاذة].\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٠) في (ل): \"والعكس\".\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٧) من طريق محمد بن علي، أنبأ أبو وهب ثنا بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان به وهذا سند لا بأس به، وأبو وهب هو محمد بن مزاحم صدوق، وبكير بن معروف فيه ضعف يسير مع الصدق والأمانة.\n(^١٣) من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى).\n(^١٤) في (ع) و(ن) و(هـ) و(ى): \"معهم ومنهم\".\n(^١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٨) [وسنده ثابت].\n(^١٦) ساقط من (ز) و(ن).\n(^١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٩) قال: حدثنا علي بن الحسين ثنا أبو بكر وعثمان أبناء أبي شيبة قالا: ثنا وكيع بسنده سواء. وأبو جناب الكلبي اسمه يحيى بن أبي حية ضعفوه لكثرة تدليسه، ولم يصرح بتحديث هنا؛ ورواية وكيع هذه مقدمة في (ك) على رواية مبارك بن فضالة.\n(^١٨) في (ض) و(ك) و(ل) و(هـ): \"أبي خباب\" بالخاء المعجمة والباء وهو تصحيف.","vol":"1","page":371},{"text":"وقال مبارك (^١) بن فضالة، عن الحسن - في قوله (تعالى) (^٢): ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا (بها) (^٣) وبالصلاة.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن أبي حيان التيمي، عن الحارث العكلي - في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: صدقة الفطر.\n[وقوله (تعالى) (^٥): ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخص ذلك (وأكمله) (^٦) الصلاة] (^٧).\n[وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة. (ولبسط) (^٨) ذلك \"كتاب الأحكام الكبير\" إن شاء الله تعالى، وقد تكلم القرطبي (^٩) على (مسائل) (^١٠) الجماعة والإمامة، (فأجاد) (^١١)] (^١٢).\n\n<span id=\"aya-51\"></span>﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾.\nيقول تعالى: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر، وهو جماع الخير - أن تنسوا أنفسكم، فلا (تأتمروا) (^١٣) بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم! فتنتبهوا من رقدتكم، (وتتبصروا) (^١٤) من عمايتكم.\nوهذا كما قال عبد الرزاق (^١٥)، عن معمر، عن قتادة - في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر؛ ويخالفون؛ فعيرهم الله ﷿. وكذلك قال السدي (^١٦).\nوقال ابن جريج (^١٧): ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، ويدعون العمل بما يأمرون به الناس؛ فعيرهم الله بذلك؛ فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعةً.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧١). [وسنده حسن].\n(^٢) من (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(ن).\n(^٣) كذا في (ز) و(ن) وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\"، وفي سائر \"الأصول\": \"به\".\n(^٤) في \"تفسيره\" (٤٧٢)، وأخاف أن يكون أبو حيان التيمي واسمه يحيى بن سعيد بن حيان لم يدرك الحارث بن أقيش العكلى، والناظر في ترجمة أبي حيان يميل إلى هذا. والله أعلم.\n(^٥) من (ز) و(ن).\n(^٦) في (ك): \"وأجمله\"!\n(^٧) ساقط من (ض).\n(^٨) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى)؛ وفي (ل): \"وبسط ذلك\"؛ وفي (ن): \"وأبسط ذلك في\".\n(^٩) في \"تفسيره\" (١/ ٣٥٢).\n(^١٠) في (ل): \"مسألة\".\n(^١١) في (ل): \"وأجاد\".\n(^١٢) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٣) في (ن) و(هـ): (تأتمرون).\n(^١٤) في (ض) و(ن) و(هـ): \"تبصروا\".\n(^١٥) في \"تفسيره\" (١٠/ ٤٤) ومن طريقه ابن جرير (٨٤٣)؛ وابن أبي حاتم (٤٧٨) وسنده صحيح.\n(^١٦) أخرجه ابن جرير (٨٤٢)؛ وابن أبي حاتم (٤٧٩) وسنده جيد.\n(^١٧) أخرجه ابن جرير (٨٤٤) وسنده صحيح.","vol":"1","page":372},{"text":"وقال محمد بن (^١) إسحاق، عن محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تتركون أنفسكم.\n﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة، وتتركون أنفسكم؛ أي: وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، (وتجحدون) (^٢) ما تعلمون من كتابي.\nوقال الضحاك (^٣)، عن ابن عباس في هذه الآية: يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد ﷺ؛ وغير ذلك مما أمرتم به، من إقام الصلاة؛ وتنسون أنفسكم.\nوقال أبو جعفر (^٤) بن جرير (﵀) (^٥): حدثني علي بن الحسن، حدثنا (مسلم) (^٦) الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة - في قول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال (أبو الدرداء) (^٧) (﵁) (^٨): لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا.\nوقال عبد الرحمن (^٩) بن زيد بن أسلم في هذه الآية: هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة (ولا شيء) (^١٠) أمروه بالحق، (فقال الله تعالى) (^١١): ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾.\nوالغرض أن الله تعالى ذمهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه. وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له؛ (بل على تركهم (^١٢) له)؛ فإن الأمر بالمعروف (معروف) (^١٣)؛ وهو واجب على العالم، ولكن (الواجب (^١٤) و) الأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم؛ كما قال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٨٤٠) بطوله؛ وابن أبي حاتم (٤٧٧) حتى قوله: \"العهد من التوراة\". [وسنده حسن].\n(^٢) في (ض): \"وتحجون\"!\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٨٤١) وسنده ضعيف.\n(^٤) في \"تفسيره\" (٨٤٦) ورجاله ثقات لكن رجح الشيخ أبو الأشبال ﵀ في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (٢/\n٩) أن أبا قلابة لم يسمع من أبي الدرداء قال: \"فإن أبا الدرداء مات سنة (٣٢) وأبو قلابة متأخر الوفاة مات سنة (١٠٤) وقيل: (١٠٧) \". اهـ. وأخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ٢١٠)، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٦٤) لعبد الرزاق وابن أبي شيبة. وروى ابن المبارك في \"الزهد\" (٢٩٥) ومن طريقه أبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٢١٢) قال: أخبرنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان قال: \"لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر ثم يعود إلى نفسه فتكون هي أحقر حاقر\". وسنده صحيح.\n(^٥) من (ل).\n(^٦) في (ن): \"سالم\"! وهو خطأ.\n(^٧) في (ك): \"أبو الخالد رداء\"!!\n(^٨) من (ن).\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٨٤٥) قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فذكره. وسنده صحيح.\n(^١٠) ساقط من (ن).\n(^١١) في (ك): \"فقال تعالى\".\n(^١٢) ساقط من (ج).\n(^١٣) ساقط من (ز).\n(^١٤) من (ج) و(ك) و(ل) و(ن).","vol":"1","page":373},{"text":"أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف.\nوذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف. وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية؛ فإنه لا حجة لهم فيها.\nوالصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه؛ [قال مالك، عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر] (^١).\n[قال مالك: وصدق؛ من ذا الذي ليس فيه شيء؟\n(قلت) (^٢)] (^٣): لكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة، وفعله المعصية، لعلمه بها ومخالفته على بصيرة؛ فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم؛ ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك؛ كما قال الإمام أبو القاسم الطبراني في \"معجمه (^٤) الكبير\": حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، والحسن بن علي (المعمري) (^٥)؛ قالا: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا علي بن سليمان الكلبي، حدثنا الأعمش، عن أبي تميمة الهُجيمي، عن جُندب (بن) (^٦) عبد الله (﵁) (^٧)، قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه\".\nهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد بن حنبل في \"مسنده\" (^٨): حدثنا وكيع، حدثنا حماد بن سلمة،\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٢) ساقط من (ك).\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٤) (ج ٢/ رقم ١٦٨١) ومن طريقه الشجري في \"الأمالي\" (١/ ٦٧) مطولًا وفيه قصة.\nوأخرج الخطيب في \"الاقتضاء\" (٧٠)؛ والأصبهاني في \"الترغيب\" (٢١٤٤) منه محل الشاهد. وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٢٣٢): \"فيه علي بن سليمان، ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات\"! كذا قال! وعلي بن سليمان ترجمه ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٨٨/ ١١، ١٨٩) ونقل عن أبيه أنه قال: \"ما أرى بحديثه بأسًا، صالح الحديث ليس بالمشهور\". ونقل الأصبهاني في \"الترغيب\" (٢١٤٤)، عن هشام بن عمار قال: \"ثنا علي بن سليمان وهو من أهل دمشق ثقة\" ونقله ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (ج ١٢/ ق ١٠٩). ثم رأيت الهيثمي ذكر الحديث في موضع آخر من \"المجمع\" (١/ ١٨٤، ١٨٥) وقال: \"رجاله موثقون\"، وحسنه شيخنا الألباني في تعليقه على \"الاقتضاء\"، وجود إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٦٥).\n(^٥) في (ك): \"العمرى\"!\n(^٦) في (ل): \"عن\"! وهو خطأ ظاهر.\n(^٧) ساقط من (ل).\n(^٨) (١/ ١٢٠، ١٨٠) قال: حدثنا وكيع بسنده سواء.\nوأخرجه وكيع في \"الزهد\" (٢٩٧) ومن طريقه أحمد في \"الزهد\" (ص ٤٥)؛ وابن أبي شيبة (١٤/ ٣٠٨) وتابعه عبد الله بن المبارك في \"مسنده\" (٢٧، ١٣٢)؛ وفي \"الزهد\" (٨١٩) ومن طريقه ابن أبي الدنيا في \"الصمت\" (٥٠٩) قال: أخبرنا حماد بن سلمة بسنده سواء.\nوتابعهما عفان بن مسلم وشيبان بن عبد الرحمن كلاهما عن حماد بن سلمة به. أخرجه الخطيب في \"تاريخه\" (٦/ ١٩٩)؛ وفي \"الموضح\" (٢/ ١٧٠). =","vol":"1","page":374},{"text":"عن علي بن زيد - هو ابن جدعان - عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مررت ليلة أسري بي على قوم (تقرض شفاههم) (^١) بمقاريض من نار\".\nقال: \"قلت: من هؤلاء؟ \" قالوا: \"خطباء: (أمتك) (^٢) من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون\".\nورواه عبد (^٣) بن حميد في \"مسنده\" و\"تفسيره\"، عن الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، به.\nورواه ابن مردويه في \"تفسيره\" من حديث يونس بن محمد (^٤) المؤدب، والحجاج بن منهال؛ كلاهما عن حماد بن سلمة به.\nوكذا رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، (به) (^٥)؛ ثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن إبراهيم التستري ببلخ، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عمر بن قيس، عن علي بن زيد، عن ثمامة؛ عن أنس؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار. قلت: من هؤلاء يا جبريل؛ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم\".\nوأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (^٦)، وابن أبي حاتم، وابن مردويه أيضًا، من حديث هشام الدستوائي، عن المغيرة - يعني: ابن حبيب ختن مالك بن دينار - عن مالك بن دينار، عن ثمامة، عن أنس بن مالك؛ قال: لما عرج برسول الله ﷺ مر بقوم تقرض شفاههم؛ فقال: \"يا جبريل؛\n_________\n= وهذا سند فيه ضعف، وحماد بن سلمة كان من أثبت الناس في علي بن زيد، وقد اختلف في إسناده كما يأتي. والحديث صحيح على كل حال فله طرق. وقد ذكرتها في \"التسلية\".\n(^١) كذا في (ع) و(ل) و(ن) و(هـ) وهو الموافق لما في \"المسند\" و(زهد وكيع)، ووقع في (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ى): \"شفاههم تقرض\"، وأشار ناسخ (ع) إلى ذلك.\n(^٢) من (ن) وهو الموافق للرواية الثانية في \"المسند\" (٣/ ١٨٠) عن وكيع. وخلت منها الرواية الأولى في \"المسند\" (٣/ ١٢٠) عن وكيع، وهي كذلك في \"زهد وكيع\".\n(^٣) في \"المنتخب من المسند\" (١٢٢٢)؛ وأخرجه أحمد (٣/ ٢٣٩، ٢٤٠) قال: حدثنا حسن بن موسى بسنده سواء.\n(^٤) وحديث يونس: أخرجه أحمد (٣/ ٢٣١) قال: حدثنا يونس بن محمد، ثنا حماد بن سلمة به وقد توبع حماد بن سلمة، تابعه المبارك بن فضالة، عن علي بن زيد به مختصرًا؛ أخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (٢٠٦٠). والمبارك فيه لين، ثم هو يدلس.\n(^٥) من (ز) و(ن).\n(^٦) رقم (٥٣) من طريق يزيد بن زريع، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا المغيرة ختن مالك بن دينار عن مالك بن دينار، عن أنس فذكره مرفوعًا ثم قال: \"روى هذا الخبر أبو عتاب الدلال، عن هشام، عن المغيرة، عن مالك بن دينار، عن ثمامة، عن أنس، ووهم فيه، لأن يزيد بن زريع أتقن من مائتين من مثل أبي عتاب وذويه\". ونقل كلام ابن حبان هذا الضياء في \"المختارة\" (٧/ ٢٠٨) وبهذا يظهر وهم المصنِّف ﵀ لأنه عزا رواية \"ثمامة عن أنس\" إلى \"صحيح ابن حبان\"؛ وأخرجه أبو يعلى (ج ٧/ رقم ٤١٦٠)؛ والطبراني في \"الأوسط\" (ج ١/ ق ١٦٠/ ٢)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٣٨٦ و٦/ ٢٤٨، ٢٤٩)؛ والضياء في \"المختارة\" (٢٦٤٦، ٢٦٤٧) من طريق يزيد بن زريع عن هشام الدستوائي بسنده سواء. قال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن المغيرة، عن مالك، إلا هشام\" وقال أبو نعيم: \"تفرد به يزيد بن زريع، عن هشام\".","vol":"1","page":375},{"text":"من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم أفلا يعقلون\".\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي وائل؛ قال: قيل لأسامة وأنا رديفه: ألا تكلم عثمان؟ فقال: إنكم ترون أني لا أكلمه إلا أُسمعكم. إني لأكلمه فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرًا لا أحب أن أكون أول من افتتحه، والله لا أقول لرجل: إنك خير الناس، وإن كان عليَّ أميرًا، بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يقول: قالوا: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: \"يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه، فيدور بها في النار، كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار؛ فيقولون: يا فلان؛ ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ (فقال) (^٢): كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه\". ورواه البخاري ومسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش، به، نحوه.\n[(وقال (^٣) أحمد): حدثنا (سيار) (^٤) بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس (^٥)؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء\"] (^٦).\n[وقد ورد في بعض الآثار (^٧) أنه \"يغفر للجاهل سبعين مرةً] (^٨) [حتى يغفر للعالم مرةً واحدةً، ليس من يعلم كمن لا يعلم\"] (^٩).\n_________\n(^١) في \"مسنده\" (٥/ ٢٠٥)؛ وأخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (١٠/ ٩٤، ٩٥) من طريق محمد بن عبد الوهاب، وفي \"الشعب\" (ج ١٣/ رقم ٧١٦١) من طريق محمد بن يحيى قالا: حدثنا يعلى بن عبيد به؛ وأخرجه أحمد (٥/ ٢٠٧، ٢٠٩)؛ والبخاري (٦/ ٣٣١ و١٣/ ٤٨)؛ ومسلم (٨٩٨٩/ ٥١).\n(^٢) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) وهو الموافق لما في \"المسند\"؛ وفي (هـ) و(ى): \"قال\"؛ وفي (ز) و(ض): \"فيقول\".\n(^٣) ساقط من (ع) و(هـ) و(ى).\n(^٤) في (ل): \"يسار\"؛ وفي (ى): \"بشار\" وكلاهما خطأ.\n(^٥) لم يروه أحمد في \"المسند\"؛ وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٣٣١ و٩/ ٢٢٢)؛ والخطيب في \"الاقتضاء\" (٨٠)؛ والضياء في \"المختارة\" (١٦٠٩)؛ وابن الجوزي في \"الواهيات\" (١/ ١٣٣)؛ وابن عساكر في \"ذم من لا يعمل بعلمه\" (١١) كلهم من طريق الإمام أحمد قال: حدثني سيار بن حاتم بسنده سواء؛ وأخرجه الرامهرمزي في \"المحدث الفاصل\" (ص ٤٩٢) من طريق أحمد بن محمد بن الحجاج المروزي بحلب قال: قلت لأحمد بن حنبل: أكتبت عن سيار، عن جعفر، عن ثابت، عن أنس عن النبي ﷺ قال: \"يعفى عن الأميين قبل أن يعفى عن العلماء\"؟ قال: \"نعم\" وقال أبو نعيم في الموضع الأول: \"هذا حديث غريب تفرد به سيار، عن جعفر، ولم نكتبه إلا من حديث أحمد بن حنبل\" وقال في الموضع الثاني: \"غريب من حديث ثابت، تفرد به سيار، عن جعفر. قال عبد الله؛ يعني: ابن الإمام أحمد: قال أبي: هذا حديث منكر، وما حدثني به إلا مرةً\". اهـ.\nوقال ابن عساكر: \"غريب، تفرد ابن سيار العنزي\". وذكره الذهبي في \"الميزان\" (١/ ٤١١) في ترجمة \"جعفر بن سليمان\" وقال: \"قيل: أخطأ من حدث به عن جعفر\"، ونقل ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: \"الخطأ من جعفر\".\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٧) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٢٨٦، ٨/ ١٠٠) من طريقين عن ابن عيينة، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: \"يغفر للجاهل سبعون ذنبًا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد\" وقد ورد بنحوه مرفوعًا عن أبي هريرة وهو منكر لا يصح.\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":376},{"text":"[(وقد) (^١) قال (الله) (^٢) تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]].\n[وروى ابن (^٣) عساكر في \"ترجمة الوليد بن عقبة\"، عن] (^٤) النبي ﷺ؛ قال: \"إن أناسًا من أهل الجنة يطَّلعون (إلى) (^٥) أناس من أهل النار، فيقولون: بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم؟ فيقولون: إنا كنا نقول ولا نفعل\".\nورواه (من حديث (^٦): الطبراني)، عن أحمد بن يحيى (بن حيان (^٧) الرقي)، عن زهير بن عباد الرواسي، عن أبي بكر (الداهري) (^٨) عبد الله بن حكيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن الوليد بن عقبة؛ فذكره] (^٩).\nوقال الضحاك (^١٠)، عن ابن عباس - أنه جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس؛ إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: (أوبلغت) (^١١) ذلك؟ قال: أرجو؟ قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل. قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف] أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ [هود: ٨٨] أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك. رواه ابن مردويه في \"تفسيره\".\n_________\n(^١) من (هـ).\n(^٢) من (ج) و(ع) و(ك) و(ى).\n(^٣) ساقط من (ك).\nفي \"تاريخ دمشق\" (ج ١٧/ ق ٨٦٧).\n(^٤) وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٢/ رقم ٤٠٥)؛ وفي \"الأوسط\" (٩٩)، ومن طريقه الخطيب في \"الاقتضاء\" (٧٣) قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حبان، قال: نا زهير بن عباد، قال: نا أبو بكر الداهري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعب، عن الوليد بن عقبة مرفوعًا.\nقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد، إلا أبو بكر الداهري، تفرد به: زهير\".\n(*) قلت: زهير ثقة، ولكن أبا بكر الداهري متروك ساقط، كذبه الجوزجاني، وقال ابن معين والنسائي.\n\"ليس بثقة\"، وبه أعله الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٧٦) وقال: \"ضعيف جدًّا\"؛ أما السيوطي فإنه اقتصر في \"الدر المنثور\" (١/ ٥٦) على تضعيفه حسب.\n(^٥) في (ن) و(هـ): \"على\".\n(^٦) وقع في \"ن\": \"ابن جرير الطبري\"!!\n(^٧) في (ن): \"الخباز الرملى\"!! وهو أحمد بن يحيى بن خالد بن حبان أبو العباس الرقى، توفي في ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومائتين، ترجمه الذهبي في \"تاريخ الإسلام\" حوادث سنة (٢٩١ - ٣٠٠).\n(^٨) في (ن) و(ى): \"الزاهري\"!!\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٠) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (ج ١٣/ رقم ٧١٦٢) من طريق بشر بن الحسين، حدثنا الزبير بن عدي، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس.\nوعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٦٥)؛ لابن مردويه وابن عساكر. وسنده ساقط، وبشر بن الحسين تالف، قال الدارقطني: \"بشر بن الحسين أصبهاني متروك، عن الزبير بن عدي بواطيل، وله عنه نسخة موضوعة، قال: والزبير ثقة\". والضحاك لم يسمع من ابن عباس.\n(^١١) في (ن): \"أبلغت\".","vol":"1","page":377},{"text":"وقال الطبراني (^١): حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا زيد بن (الحريش) (^٢)، حدثنا عبد الله بن خراش، عن العوام بن حوشب، عن (المسيب) (^٣) بن رافع، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف، أو يعمل ما قال أو دعا إليه\".\n[إسناده فيه ضعف.\nوقال إبراهيم النخعي: إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف] وقوله - إخبارًا عن شعيب -: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود]] (^٤).\n[وما أحسن ما قال مسلم بن عمرو:\nما أقبح التزهيد من واعظ … يزهد الناس ولا يزهد\nلو كان في تزهيده صادقًا … أضحى وأمسى بيته المسجد\nإن رفض الناس فما باله … يستمنح الناس ويسترفد\nالرزق مقسوم على من ترى … يسعى له الأبيض والأسود\nوقال بعضهم: جلس أبو عثمان الحيرى الزاهد يومًا على مجلس للتذكير فأطال السكوت، ثم أنشا يقول] (^٥):\n[وغير تقيٍّ يأمر الناس بالتقى … طبيب يداوي الناس وهو مريض\nقال: فضج الناس بالبكاء.\nوقال أبو العتاهية الشاعر:\nوصفت التقى حتى كأنك ذو تقى … وريح الخطايا من ثيابك يسطع\nوقال أبو الأسود الدؤلي:\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم\nوابدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم\nفهناك يقبل إن وعظت ويقتدى … بالقول منك وينفع التعليم] (^٦)\n_________\n(^١) كما في \"المجمع\" (٧/ ٢٧٦)؛ ومن طريقه أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٧). قال الهيثمي: \"فيه عبد الله بن خراش، وثقه ابن حبان وقال: \"يخطئ\" وضعفه الجمهور وبقية رجاله ثقات\". وضعف إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٦٥). والصواب أن إسناده ضعيف جدًّا، وعبد الله بن خراش قال فيه البخاري: \"منكر الحديث\" وكذلك قال أبو حاتم الرازي وزاد: \"ذاهب الحديث ضعيف الحديث\"، وقال أبو زرعة: \"ليس بشيء ضعيف الحديث\" وضعفه الساجي جدًّا وقال: \"كان يضع الحديث\"، وكذبه ابن عمار الموصلي. فقول المصنف: \"إسناده فيه ضعف\" فيه تسامح. والله أعلم.\n(^٢) في (ن): \"الحارث\" وهو تصحيف.\n(^٣) في (ج): \"سعيد بن المسيب بن رافع\" وهو خطأ واضح.\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٥) من (ج) و(ك) و(ل) و(ى).\n(^٦) من (ج) و(ك) و(ل) و(ى).","vol":"1","page":378},{"text":"[وذكر الحافظ ابن عساكر (^١) في ترجمة \"عبد الواحد بن زيد البصري\" العابد الواعظ قال: \"دعوت الله أن يريني رفيقي في الجنة؛ فقيل لي في المنام: هي امرأة بالكوفة يقال لها: \"ميمونة السوداء\"، فقصدت الكوفة لأراها، فقيل لي: هي ترعى غنمًا بواد هناك، فجئت إليها فإذا هي قائمة تصلي، والغنم ترعى حولها، وبينهن الذئاب لا ينفرن منهن ولا تسطو الذئاب عليهن، فلما سلمت قالت: يا ابن زيد! ليس الموعد هاهنا! إنما الموعد ثم، فسألتها عن شأن الذئاب والغنم، فقالت: إني أصلحت ما بيني وبين سيدي، فأصلح ما بين الذئاب والغنم!، فقلت لها: عظيني، فقالت: يا عجبًا من واعظ يوعظ! ثم قالت: يا ابن زيد! إنك لو وضعت موازين القسط على] (^٢) [جوارحك لخبرتك بمكتوم مكنون ما فيها، يا ابن زيد! إنه بلغني: ما من عبد أعطى من الدنيا شيئًا، فابتغى إليه ثانيًا، إلا سلبه الله حب الخلوة، وبدله بعد القرب البعد، وبعد الأنس الوحشة، ثم أنشأت تقول:\nيا واعظًا قام لاحتساب … يزجر قومًا عن الذنوب\nتنهى وأنت السقيم حقًّا … هذا من المنكر العجيب\nتنهى عن الغي والتمادي … وأنت في النهي كالمريب\nلوكنت أصلحت قبل هذا … عيبك أو تبت من قريب\nكان لما قلت يا حبيبي … موضع صدق من القلوب] (^٣)\n\n<span id=\"aya-52\"></span>﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عبيده فيما يؤملون من خير الدنيا والآخرة بالاستعانة بالصبر والصلاة؛ كما قال مقاتل بن (^٤) حيان في تفسير هذه الآية: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة؛ فأما الصبر فقيل: إنه الصيام، نص عليه مجاهد (^٥).\n[قال القرطبي (^٦) وغيره: ولهذا يسمى رمضان شهر الصبر، كما نطق به الحديث (^٧)] (^٨).\n_________\n(^١) في \"تاريخ دمشق\" (ج ١٠/ ق ٥٦٠، ٥٦١) بسياق أخصر، ولوائح الكذب عليها واضحة!\n(^٢) من (ج) و(ل) و(ى).\n(^٣) من (ج) و(ل) و(ى).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤٨٧)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٧/ رقم ٩٦٨٥). [وسنده جيد].\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٤)؛ وابن شاهين في \"الترغيب\" (٢٧٨) من طريق سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد فذكره وأشار إليه البيهقي في \"الشعب\" (٧/ ١١٣ - طبع بيروت). [وسنده صحيح].\n(^٦) في \"تفسيره\" (١/ ٣٧٣).\n(^٧) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (ج ٣/ رقم ١٨٨٧)؛ وعنه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٧/ رقم ٢٣٣٦)؛ وابن أبي الدنيا (٤١)؛ وابن شاهين (١٦) كلاهما في \"فضائل رمضان\"؛ والواحدي في \"الوسيط\" (ج ١/ ق ٦٤٠/ ١، ٢)؛ والأصبهاني في \"الترغيب\" (١٧٢٦)؛ وابن عساكر في \"جزء فيه أحاديث شهر رمضان وفضل صيامه\" (١٦) من طريق علي بن حجر، ثنا يوسف بن زياد، ثنا همام بن يحيى، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي فذكر حديثًا مرفوعًا في فضل رمضان وفيه: \"وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة … \" قال ابن خزيمة: \"إن صح الخبر\".\n(*) قلت: وهو لم يصح، بل هو حديث منكر كما قال أبو حاتم في \"العلل\" (٧٣٣) ومداره على علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. والله أعلم.\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":379},{"text":"وقال سفيان الثوري (^١)، عن أبي إسحاق، عن جري بن كليب، عن رجل من بني سليم، عن النبي ﷺ؛ قال: \"الصوم نصف الصبر\".\nوقيل: المراد بالصبر الكف عن المعاصي؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات؛ وأعلاها فعل الصلاة.\nقال ابن (^٢) أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا (عبيد الله) (^٣) بن حمزة بن إسماعيل، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن؛ وأحسن منه الصبر عن محارم الله.\n(قال) (^٤): وروي عن الحسن (^٥) البصري نحو قول عمر.\nوقال ابن المبارك (^٦)، عن ابن لهيعة، عن (عطاء) (^٧) بن دينار، عن سعيد بن جبير؛ قال: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب (منه) (^٨)، واحتسابه عند الله، ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه إلا الصبر.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤٨٣) عن وكيع، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (ج ٢/ رقم ٦٢٢) عن محمد بن كثير كلاهما عن سفيان الثوري بسنده سواء.\nوأخرجه الترمذي (٣٥١٩)؛ والدارمي (١/ ١٣٢)؛ وأحمد (٤/ ٢٦٠ و٥/ ٣٧٠)؛ وعبد الرزاق في \"المصنف\" (ج ١١/ رقم ٢٠٥٨٢)؛ وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (ق ٢٩٣/ ٢)؛ وابن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٤٣٢، ٤٣٣) من طرق عن أبي إسحاق السبيعي بسنده سواء.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن، وقد رواه شعبة وسفيان، عن أبي إسحاق\". وهذا سند حسن. وجرى بن كليب وثقه ابن حبان والعجلي، وصحح له الترمذي حديثًا.\n(^٢) في \"تفسيره\" (٤٨٨) وسنده ضعيف للانقطاع بين أبي سنان واسمه سعيد بن سنان البرجمي وبين عمر بن الخطاب ﵁.\n(^٣) في (ن): \"عبد الله\"، وهو خطأ، [والصواب]: عبيد الله بن حمزة، ترجمه ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢/ ٣١٢) وقال: \"سئل أبي عنه فقال: صالح\".\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض) والقائل هو ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٧/ رقم ٩٧٠٩) من طريق عبد الله بن الجراح، نا عمران بن خالد الخزاعي عن عمران القصير، عن الحسن قال: \"الإيمان الصبر والسماحة، الصبر عن محارم الله وأداء فرائض الله\".\nوسنده ضعيف. وعمران بن خالد ضعيف الحديث أو واه وهو يروى عن الحسن وابن سيرين كما في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٩٧/١) وعمران بن مسلم القصير في حفظه ضعف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤٨٩) قال: حدثنا أبي، ثنا هشام بن عبيد الله، ثنا ابن المبارك، وهذا في \"الزهد\" (١١١ - زوائد نعيم) قال: أخبرني ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار أن سعيد بن جبير قال: فذكره. وعطاء بن دينار قال أبو حاتم: \"صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار، فأخذه فارسله عن سعيد بن جبير\". وكذلك قال أحمد بن صالح: \"تفسيره عن سعيد بن جبير صحيفة\". [وسنده حسن].\n(^٧) وقع في سائر \"الأصول\": \"مالك\" وهو خطأ، ولعله سبق قلم من المصنف ﵀.\n(^٨) كذا في (ن) و(هـ) و(ى)، وووقع في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل): \"فيه\".","vol":"1","page":380},{"text":"وقال أبو العالية (^١)، في قوله (تعالى) (^٢): ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال: على مرضاة الله، وعلموا أنها من طاعة الله.\nوأما قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر؛ كما قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٥].\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي؛ قال: قال عبد العزيز أخو حذيفة؛ قال حذيفة - يعني: ابن اليمان (﵁) (^٤) -: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلَّى.\nورواه أبو داود، [عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن زكريا، عن عكرمة بن عمار، كما سيأتي] (^٥).\nوقد رواه ابن جرير (^٦) من حديث ابن جريج، عن عكرمة بن عمار، عن محمد (بن عبيد) (^٧) بن أبي قدامة، عن عبد العزيز بن اليمان، عن حذيفة؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.\n[ورواه بعضهم عن عبد العزيز بن أخي حذيفة، ويقال: أخي حذيفة، مرسلًا، عن النبي]ﷺ.\nوقال محمد بن نصر (^٨) المروزي في \"كتاب الصلاة\": حدثنا سهل بن عثمان (أبو مسعود) (^٩) العسكري، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة؟ قال: قال عكرمة بن عمار: قال محمد بن عبد الله الدؤلي. قال عبد العزيز: قال حذيفة: رجعت إلى النبي ﷺ ليلة الأحزاب، وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى.\nحدثنا (^١٠)] (^١١) .............................................................\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٨٥٣)؛ وابن أبي حاتم (٤٨٥). [وسنده جيد].\n(^٢) من (ن).\n(^٣) في \"مسنده\" (٥/ ٣٨٨).\nوأخرجه ابن جرير (٨٥٠) قال: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا خلف بن الوليد بسنده سواء.\nووقع في إسناد الحديث اضطراب يترشح منه ضعف الحديث. والله أعلم.\n(^٤) من (ن).\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٦) في \"تفسيره\" (٨٤٩) قال: حدثني إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا الحسين بن رتاق الهمداني، عن ابن جريج بسنده سواء. [وصححه أحمد شاكر وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٤/ ٢١٥].\nهكذا وقع في \"مطبوعة الطبري\": \"الحسين بن رتاق\". وهو تصحيف صوابه: \"الحسن بن زياد الهمداني\" كما في \"ثقات ابن حبان\" (٨/ ١٦٨)؛ و\"تحفة الأشراف\" (٣/ ٥٠) للمزي.\n(^٧) في (ن): \"ابن أبي عبيد\".\n(^٨) في \"كتاب تعظيم قدر الصلاة\" (٢١٢).\n(^٩)\nساقط من (ن)، ووقع في (ج) و(ك) و(ل) و(ص): \"ابن مسعود\" وهو خطأ.\n(^١٠) أخرجه ابن نصر (٢١٣) أيضا.\nوأخرجه النسائي في \"الكبرى\"، كما في \"أطراف المزي\" (٧/ ٣٥٨)؛ وأحمد (١٠٢٣، ١١٦١)؛ والطيالسي (١١٦)؛ وأبو يعلى (٢٨٠، ٣٠٥)؛ وابن خزيمة (ج ٢/ رقم ٨٩٩) وعنه ابن حبان (٢٢٥٧)؛ والبيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٤٩) من طرق عن شعبة، عن أبي إسحاق، سمع حارثة بن مضرب، سمع عليًا فذكره. ولفظ النسائي: \"لقد رأيتنا ليلة بدر، وما فينا إنسان إلا نائم إلا رسول الله ﷺ، فإنه كان يصلى إلى سحره، ويدعو حتى أصبح\". وهذا سند صحيح.\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).","vol":"1","page":381},{"text":"[(عبيد الله) (^١) بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع حارثة بن مضرب، سمع عليًّا ﵁ يقول: لقد رأيتنا ليلة بدر، وما فينا إلا نائم، غير رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى أصبح] (^٢).\nقال ابن جرير (^٣): وروي عنه عليه (الصلاة و) (^٤) السلام أنه مر بأبي هريرة وهو منبطح على بطنه، فقال له: [\"اشكنب (^٥) درد\"]، ومعناه: أيوجعك بطنك؟ قال: نعم. قال: \"قم فصل، فإن الصلاة شفاء\".\n_________\n(^١) في (ك) و(ن): \"عبد الله\" وهو خطأ.\n(^٢) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).\n(^٣) في \"تفسيره\" (٨٥١) وتصديره الحديث بصيغة التمريض مشعر بضعفه عنده، وهو حديث منكر؛ أخرجه ابن ماجه (٣٤٥٨)؛ وابن القطان في \"زوائده عليه\"؛ وأحمد (٢/ ٣٩٠، ٤٠٣)؛ والبزار في \"مسنده\" (ج ٢/ ق ٢٢٩/ ١)؛ وابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ١٩٦)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٩٨٥)؛ وتمام الرازي في \"الفوائد\" (١١٤٣)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٤٨)؛ وأبو الشيخ في \"أخلاف النبي\" (ص ٢٥٥)؛ وأبو نعيم في \"الطب\" (ق ٦٤/ ٢)؛ وابن شاهين في \"الأفراد\" (ج ٥/ ق ١١٥/ ١)؛ وابن الجوزي في \"الواهيات\" (١/ ١٧٠، ١٧١) من طريق ذواد بن علبة، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة فذكره.\nومعنى \"إشكنب درد\": أتشتكي بطنك؟ ووقع عند البزار \"دردش كم\" وعند ابن ماجه: \"اشكمت درد\" قال ابن شاهين: هذا حديث غريب الإسناد، حسن المتن، وهذا الحديث منكر غير صحيح، وذواد، بالذال ثم واو مشددة وآخره دال مهملة، هو ابن علبة، بضم العين المهملة وسكون اللام بعدها باء موحدة قال ابن حبان: \"منكر الحديث جدًّا، يروى عن الثقات ما لا أصل له، وعن الضعفاء ما لا يعرف\". وقال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح، وحديث أبي هريرة يرويه ذواد بن علبة أبو المنذر الحارثي. قال يحيى: لا يكتب حديثه، وقال مرة: ليس شيء\".\nقال ابن عدي: \"هذا معروف بـ \"ذواد بن علبة، عن ليث، أسنده. وغيره أوقفه على أبي هريرة\" فقال ابن الجوزي: \"ولعله أخذه من ذوائد\". والصلت بن الحجاج قال فيه ابن عدي: \"في حديثه بعض النكرة .. ثم قال: وللصلت غير ما ذكرت من الحديث، وليس بالكثير، وفي بعض أحاديثه ما ينكر عليه، بل عامته كذلك، ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا فأذكره\". اهـ ..\nثم قال ابن الجوزي: \"وقد روى هذا الحديث عن أبي هريرة موقوفًا وهو أصح\".\n(*) قلت: وهذا الموقوف: أخرجه البخاري في \"التاريخ الصغير\" (٢/ ٢٥٨) ومن طريقه العقيلي (٢/ ٤٨)؛ وابن عدي (٣/ ٩٨٥)؛ وابن الجوزي (١/ ١٧٠) قال: ثنا ابن الأصبهاني، ثنا المحاربي - هو عبد الرحمن بن محمد - عن ليث، عن مجاهد قال: قال لي أبو هريرة: يا فارسي! اشكنب درد؟ قال ابن الأصبهماني: \"رفعه ذواد بن علبة، وليس له أصل، أبو هريرة لم يكن فارسيًا، إنما مجاهد فارسي\".\nوقال العقيلي: \"الموقوف أولى\". وقال ابن عدي: \"وأظن أن بعض الضعفاء أيضًا قد رواه عن ليث فرفعه وأظنه معلى بن هلال\". وقال ابن الجوزي: \"فقد بان بهذا أن المتكلم بالفارسية أبو هريرة لا رسول الله ﷺ، وإنما الذي رفعه وهم\". وقال الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٣٣): \"والأصح ما رواه المحاربي عن ليث عن مجاهد مرسلًا\". اهـ.\nوقد رجح وقفه أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية في \"الاقتضاء\" (ص ٢٠٦) وتلميذه المحقق ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٤/ ٢١٠).\n(^٤) من (ز) و(ض) و(ن).\n(^٥) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\"؛ وفي (ز) و(ض) و(هـ): \"اشكيت درد\"؛ وفي (ن): \"اشكم درد\".","vol":"1","page":382},{"text":"قال ابن جرير (^١): وقد حدثنا محمد بن (العلاء) (^٢)، ويعقوب بن إبراهيم؛ قالا: حدثنا ابن علية، حدثنا (عيينة) (^٣) بن عبد الرحمن، عن أبيه - أن ابن عباس (نُعي) (^٤) إليه أخوه قُثم، وهو في سفر؛ فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته؛ وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾.\nوقال سُنيد (^٥)، عن حجاج، عن ابن جريج: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال: إنهما معونتان على رحمة الله.\nوالضمير في قوله: [\"و﴿وَإِنَّهَا﴾ \"] (^٦) عائد إلى الصلاة؛ نص عليه مجاهد (^٧). واختاره ابن جرير (^٨). ويحتمل أن يكون عائدًا على ما (دل) (^٩) عليه الكلام، وهو الوصية بذلك؛ كقوله تعالى في قصة قارون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ [القصص] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت] أي: وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا، وما يلقاها؛ أي: يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظٍّ عظيم.\nوعلى كل تقدير فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين.\nقال ابن أبي (^١٠) طلحة، عن ابن عباس؛ يعني: المصدقين بما أنزل الله.\nوقال مجاهد (^١١): المؤمنين حقًّا. وقال أبو العالية (^١٢): ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ الخائفين.\nوقال مقاتل (^١٣) بن حيان: إلا على الخاشعين؛ يعني به: المتواضعين.\nوقال الضحاك (^١٤): ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٨٥٢) وإسناده صحيح.\n(^٢) وقع في (ن): \"الفضل\"! وهو خطأ ظاهر.\n(^٣) وقع في (ض): \"ابن عيينة\"!!\n(^٤) في (ك): \"نقى\"، بقاف!!\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٨٥٤) وسنده صحيح.\n(^٦) في (ن) و(هـ): \"وإنها لكبيرة\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم رقم (٤٩٠) وسنده قوي.\n(^٨) في \"تفسيره\" (٢/ ١٥) وقال: \"إنها، وإن الصلاة، فالهاء والألف في \"وإنها\" عائدتان إلى الصلاة. وقد قال بعضهم: إن قوله: \"وإنها\" بمعنى: إن إجابة محمد ﷺ! ولم يجر لذلك بلفظ الإجابة ذكر، فتجعل \"الهاء والألف\" كناية عنه، وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته\". اهـ.\n(^٩) في (ز) و(ن): \"يدل\".\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٨٥٦)؛ وابن أبي حاتم (٤٩٣) [وسنده ثابت].\n(^١١) أخرجه ابن جرير (٨٥٩)؛ وابن أبي حاتم (٤٩٤) من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد. [وسنده صحيح].\nوأخرجه ابن جرير (٨٥٨) من طريق الثوري، عن جابر، عن مجاهد مثله. وجابر هو ابن يزيد الجعفي وهو متروك.\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (٨٥٧)؛ وابن أبي حاتم (٤٩٥) بسند حسن.\n(^١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٦)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (٩٦٨٥) من طريق بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان. ولفظ البيهقي مطول. وسنده حسن، وبكير بن معروف مختلف فيه، ولكنه مشهور برواية التفسير عن مقاتل، فهذا يقوى أمره أن يروى نسخة يتعاهدها. والله أعلم.\n(^١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩١) معلقًا ووصله ابن جرير (٨٥٦) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا جويبر، عن =","vol":"1","page":383},{"text":"(سطواته) (^١)، المصدقين بوعده ووعيده.\nوهذا يشبه ما جاء في الحديث (^٢): \"لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه\".\nوقال ابن جرير (^٣): معنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من (رضا) (^٤) الله (تعالى) (^٥)، (العظيمة) (^٦) إقامتها إلا على (المتواضعين) (^٧) (المستكينين) (^٨) لطاعته المتذللين من مخافته.\nهكذا قال! والظاهر أن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص؛ وإنما هي عامة لهم ولغيرهم. والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-53\"></span>وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ هذا من تمام الكلام الذي قبله؛ أي: إن الصلاة أو الوصاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم؛ أي: (يعلمون أنهم) (^٩) (محشورون) (^١٠) إليه يوم القيامة، معروضون عليه.\n﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله؛ فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سهل عليهم فعل الطاعات، وترك المنكرات.\nفأما قوله: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ قال ابن جرير (^١١) ﵀: العرب قد تسمى اليقين ظنًّا، والشك ظنًّا، نظير تسميتهم الظلمة سُدفةً، (والضياء سدفةً) (^١٢)، والمغيث صارخًا، والمستغيث\n_________\n= الضحاك. وسنده ضعيف جدًّا، وجويبر تالف. ووقع في \"تفسير ابن جرير\": \"ابن يزيد\" والصواب \"يزيد\". هذا، وقد خلط ابن كثير بين عبارة الضحاك وكلام ابن جرير فوصل القولين، والصواب أن العبارة التي نسبت إلى الضحاك: \"إنها لثقيلة\" ثم قال ابن جرير: \"ويعني بقوله: \"إلا على الخاشعين، إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده\".\n(^١) في (ن): \"سطوته\". وفي (ض): \"لسطواته\".\n(^٢) وهو قطعة من حديث: أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٤١٤)؛ والترمذي (٢٦١٦)؛ وابن ماجه (٣٩٧٣)؛ وأحمد (٥/ ٢٣١)؛ وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١١/ (١٩٤)؛ وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (١١٢)؛ وابن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" (١٩٦) وغيرهم من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: \"لقد سألتني عن عظيم … \" الحديث. قال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" كذا قال! وقد نفى المنذري في \"الترغيب\" (٣/ ٥٢٩)؛ وابن رجب في \"جامع العلوم\" (٢/ ١٢٧، ١٢٨) سماع أبي وائل من معاذ. ولكن للحديث طرق أخرى يرتقى بها الحديث إلى درجة الحسن.\nوالحمد لله على توفيقه.\n(^٣) في \"تفسيره\" (٢/ ١٧).\n(^٤) في \"ابن جرير\": \"مراضى\".\n(^٥) من (ع) و(هـ) و(ى).\n(^٦) وقع في (ج) و(ك): \"العظيم\".\n(^٧) في (ن): \"الخاشعين؛ أي: المتواضعين\".\n(^٨) في (ل): \"المسلك\"! وكتب فوقها بخط دقيق جدًّا كلمة ذهبت في التصوير، لعلها كانت تصحيحًا لهذه الكلمة.\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٠) في (ض): \"يحشرون\".\n(^١١) في \"تفسيره\" (٢/ ١٧ - شاكر).\n(^١٢) ساقط من (ج).","vol":"1","page":384},{"text":"صارخًا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده؛ كما قال (دريد) (^١) بن الصمة:\nفقلت لهم ظنوا بألفي مدجج … سراتهم في الفارسي (المسرد) (^٢)\nيعني بذلك: تيقنوا بألفي مدجج يأتيكم.\nوقال (عميرة) (^٣) بن طارق:\nفإن (تغتزوا) (^٤) قومي وأقعد فيكم … وأجعل مني الظن غيبًا مرجمًا\nيعني: وأجعل مني اليقين غيبًا مرجمًا.\nقال (^٥): والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية. ومنه قول الله (تعالى) (^٦): ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣].\nثم قال ابن جرير (^٧): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان، عن جابر، عن مجاهد (قال): \"كل ظن في القرآن يقين؛ أي: ظننت، وظنوا\".\nوحدثني (^٨) المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا أبو داود (الحفري)، عن سفيان، عن (ابن) (^٩) أبي نجيح، عن مجاهد؛ قال: \"كل ظن في القرآن فهو علم\" وهذا سند صحيح.\nوقال أبو جعفر (^١٠) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ قال: الظن ها هنا يقين.\nقال ابن أبي حاتم (^١١): وروي عن مجاهد، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة نحو قول أبي العالية.\nوقال سنيد (^١٢)، عن حجاج، عن ابن جريج: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ (علموا أنهم ملاقو ربهم) (^١٣)؛ كقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة] يقول: \"علمت\". وكذا قال عبد الرحمن بن زيد (^١٤) بن أسلم.\n_________\n(^١) في (ج) و(ل): \"زيد\"!!\n(^٢) في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى): \"المسود\"!\n(^٣) في (ك): \"عمرة\"! وفي \"ض\" و(ع) و(ن) و(ى): \"عمير\"!\n(^٤) كذا في (ج) و(ز) وهو الموافق لما في \"ابن جرير\" وقد وقع اضطراب عجيب في هذه الكلمة ففي (ل): \"نصروا\" وفي (ع): \"تعيروا\"؛ وفي (ض) و(ن): \"يعبروا\"؛ وفي (هـ): \"تفروا\" وف ي (ك): \"يغتروا\"!\n(^٥) يعني: ابن جرير.\n(^٦) من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).\n(^٧) في \"تفسيره\" (٨٦٢) وفي سنده جابر الجعفي وهو متروك.\n(^٨) القائل هو ابن جرير (٨٦٣) وشيخه المثنى هو ابن إبراهيم الآملي يروى عنه ابن جرير كثيرًا في \"التفسير\" و\"التاريخ\" لكني لم أجد له ترجمة، [وصحح سنده الحافظ ابن كثير].\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٨٦١)؛ وابن أبي حاتم (٤٩٧). [وسنده جيد].\n(^١١) في \"تفسيره\" (٤٩٨) وهذه الآثار التي أشار إليها أخرج منها ابن جرير أثر مجاهدٍ (٨٦٢، ٨٦٣)؛ والسدي (٨٦٤) وسند هذا الأخير حسن.\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (٨٦٥) وسنده صحيح. [لكن في سُنيد مقال].\n(^١٣) من (ن) وهو الموافق لما في \"تفسير ابن جرير\"، وسقط من سائر \"الأصول\".\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (٨٦٦) بسند صحيح عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: \"لأنهم لم يعاينوا فكان ظنُّهم يقينًا\".","vol":"1","page":385},{"text":"قلت: وفي \"الصحيح\" (^١): \"أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أُزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أُسخّر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس (وتربع) (^٢)؟ فيقول: بلى؛ (أي رب) (^٣)؛ فيقول (الله) (^٤) (تعالى) (^٥): (أفظننت) (^٦) إنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول الله: اليوم أنساك كما نسيتني.\nوسيأتي مبسوطًا عند قوله (تعالى) (٣): ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] (إن شاء الله تعالى) (^٧) (والله تعالى أعلم) (^٨).\n\n<span id=\"aya-54\"></span>﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾.\nيذكرهم تعالى (بسالف) (^٩) نعمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فضلهم به من إرسال الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢)﴾ [الدخان]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ [المائدة].\nقال أبو جعفر (^١٠) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قال: بما أُعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان؛ فإن لكل زمان عالمًا.\nوروي (^١١) عن مجاهد، والربيع بن أنس، وقتادة، وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك.\nويجب الحمل على هذا؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم؛ لقوله تعالى - خطابًا لهذه الأمة -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠].\n_________\n(^١) يعني: \"صحيح مسلم\"، وهو فيه (٢٩٦٨/ ١٦) عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، وأخرجه الترمذي (٢٤٢٨)؛ وابن أبي داود في \"البعث\" (٣٤) من طريق مالك بن سعير، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة وعن أبي سعيد الخدري مرفوعًا نحوه.\n(^٢) في (ك): \"ترتع\" بتاء قبل العين المهملة، وهو تصحيف. ومعنى قوله: \"تربع\" قال ابن أبي داود في \"البعث\" (ص ٧٤ بتحقيقي): \"وأما قوله: \"تربع\"؛ تأخذ المرباع. والمرباع: كان أهل الجاهلية إذا أغاروا فغنموا غنيمة، أعطوا سيدهم ربع ما غنموا؛ يضيف به الضيف، ويقوم به عن نوائب الحي، فهذا المرباع\". اهـ. ومعنى قوله: \"ترأس\" أي: تكون رئيسًا.\n(^٣) من (ك).\n(^٤) من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى).\n(^٥) من (ز) و(ن).\n(^٦) في (ن): \"أظننت\".\n(^٧) من (ك) و(ن).\n(^٨) كذا في (ل). وفي (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى): \"الله أعلم\".\nووقع في (ع): \"يلغ مقابلة بقراءة المصنف مما رضا بأصله، فسح الله في مدته\".\n(^٩) في (ز) و(ض) و(ل): \"سالف\"؛ وفي (ص): \"سوالف\".\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٨٦٩)؛ وابن أبي حاتم (٥٠١) من طريقين عن آدم بن أبي إياس ثنا أبو جعفر الرازي [وسنده جيد] وأثر قتادة عند عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤٤، ٤٥) وعنه ابن جرير (٨٦٨). [وسند صحيح].\n(^١١) هذا قول ابن أبي حاتم (ص ١٥٨ - البقرة). وأثر مجاهد عند ابن جرير (٨٧٠، ٨٧١). [وسنده صحيح].","vol":"1","page":386},{"text":"وفي \"المساند\" (^١) و\"السنن\" عن معاوية بن (^٢) حيدة القشيري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنتم توفون سبعين أمةً أنتم خيرها وأكرمها على الله\".\nوالأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله (تعالى) (^٣): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\n[وقيل: المراد (تفضيل) (^٤) بنوع ما من الفضل على سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقًا؛ حكاه (فخر الدين) (^٥) الرازي (^٦)، وفيه نظر.\nوقيل: إنهم فضلوا على سائر الأمم لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم، حكاه القرطبي في \"تفسيره\" (^٧). وفيه نظر؛ لأن العالمين عام يشمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء؛ فإبراهيم الخليل قبلهم، وهو أفضل من سائر أنبيائهم. ومحمد بعدهم، وهو أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة صلوات الله وسلامه عليه] (^٨).\n\n<span id=\"aya-55\"></span>﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾.\n[بحث فخر الدين الرازي (^٩) ها هنا مع المعتزلة في إثبات] (^١٠) [الشفاعة، فأورد لهم شبهًا وأجاب عنها.\nقلت: وقد بسطت الكلام على الأحاديث المتواترة في الشفاعة وأقسامها وتعدادها وأنواعها في كتابنا \"البعث والنشور\" ولله الحمد والمنة] (^١١).\nلما ذكرهم (تعالى) (^١٢) بنعمه أولًا عطف على ذلك التحذير من (حلول) (^١٣) نقمه بهم يوم القيامة، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا يغني أحد عن أحد؛ كما قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وغيرها. وقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]، فهذا أبلغ المقامات أن كلًا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئًا.\nوقوله (تعالى) (^١٤): ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ يعني: (عن) (^١٥) الكافرين؛ كما قال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ\n_________\n(^١) في (ض) و(ك) و(ن): \"المسانيد\". ووقع في (ك): \"السنن والمسانيد\".\n(^٢) حديث حسن. وقد مر تخريجه (١/ ٢٥٤، ٢٥٥).\n(^٣) من (ز) و(ن).\n(^٤) في (ج) و(ع) و(ل): \"تفضل\".\n(^٥) ساقط من (ن) و(هـ).\n(^٦) وهو في تفسير الرازي\" (٢/ ٥٦).\n(^٧) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١/ ٣٧٦).\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٩) في \"تفسيره\" (٢/ ٥٩، ٧٠).\n(^١٠) من (ل) وكتبها ناسخ (ج) و(ع) و(ى) في الحاشية.\n(^١١) من (ل) وكتبها ناسخ (ج) و(ع) و(ى) في الحاشية.\n(^١٢) من (ز) و(ع) و(ن) و(هـ) و(ى).\n(^١٣) في (ن): \"طول\".\n(^١٤) من (ز) و(ن).\n(^١٥) في (ن): \"من\".","vol":"1","page":387},{"text":"شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر] وكما قال عن أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء].\nوقوله (تعالى) (^١): ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي: لا يقبل منها فداء، كما قال (تعالى) (^١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ [المائدة] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ …﴾ الآية [الحديد: ١٥].\nفأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله، ويتابعوه على ما بعثه به، ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاهٍ، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهبًا؛ كما قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقال: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١].\n[قال سنيد (^٢): حدثني حجاج، حدثني ابن جريج؛ قال: قال مجاهد: قال ابن عباس: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ قال: بدل، والبدل: الفدية.\nوقال السدي (^٣): أما \"عدل\" فيعدلها من (\"العدل\" (^٤»؛ يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبًا تفتدي به ما تقبل منها.\nوكذا قال عبد الرحمن (^٥) بن زيد بن أسلم] (^٦).\nوقال أبو جعفر (^٧): الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] يعني فداء.\nقال ابن (^٨) أبي حاتم: وروي عن أبي مالك، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس، نحو ذلك.\nوقال عبد (^٩) الرزاق: أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي ﵁ في حديث طويل؛ قال: والصرف والعدل: التطوع والفريضة.\nوكذا قال الوليد (^١٠) بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن عمير بن هانئ. وهذا\n_________\n(^١) من (ز) و(ن).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٨٨٤). [وسنده ضعيف].\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٨٨٢) وسنده حسن.\n(^٤) في (ج) و(ل): \"العذاب\"!!\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٨٨٥) وسنده صحيح.\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٨٨١)؛ وابن أبي حاتم (٥٠٥) وسنده حسن.\n(^٨) في (تفسيره) (ص ١٦٠ - البقرة). وأثر قتادة عند ابن جرير (٨٨٣) من طريق عبد الرزاق، وهذا في \"تفسيره\" (١/ ٤٥). [وسنده صحيح].\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٦) وهذه سند قوي، وعنعنة الأعمش عن شيوخه الذين أكثر عنهم مثل إبراهيم التيمي يمشيها الذهبي وغيره. وقال الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٨٦): \"وعند الجمهور الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة. ورواه ابن خزيمة بإسناد صحيح عن الثوري\". اهـ.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٧) وسنده ضعيف لضعف عثمان بن أبي العاتكة.","vol":"1","page":388},{"text":"القول غريب ها هنا، والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية.\nوقد ورد حديث يقويه (^١)، وهو ما قاله ابن جرير: حدثني نجيح بن إبراهيم، حدثنا علي بن حكيم، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، [عن أبيه، عن عمرو بن قيس الملائي، عن رجل من بني أمية من أهل الشام أحسن عليه الثناء] (^٢)؛ قال قيل: يا رسول الله؛ ما العدل؟ قال: \"العدل: الفدية\".\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء؛ هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم، ولا من غيرهم، كما قال: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ [الطارق] أي: إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فديةً ولا شفاعةً، ولا ينقط أحدًا من عذابه منقذ، (ولا يخلص (^٣) منه أحد)، (ولا يجيره) (^٤) منه أحد؛ كما قال (تعالى) (^٥): ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ [الفجر] وقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ [الصافات] وقال: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) …﴾ [الأحقاف: ٢٨].\nوقال الضحاك (^٦)، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ ما لكم اليوم لا تمانعون منا، هيهات! ليس ذلك لكم اليوم.\nقال ابن جرير (^٧): وتأويل قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يعني: أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية؛ بطلت هنالك المحاباة، واضمحلت الرشا والشفاعات، وارتفع من القوم (التعاون والتناصر) (^٨)، وصار الحكم إلى (العدل الجبار) (^٩) الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء؛ فيجزى بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها. وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ [الصافات].\n\n<span id=\"aya-56\"></span>﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾.\n[آل الرجل من ينتسب إليه بنسب أو سبب؛ وقيل: هم أتباعه وأشياعه؛ وقيل: من هو على] (^١٠)\n_________\n(^١) كذا قال المصنف ﵀ والحديث الذي أشار إليه أخرجه ابن جرير (٨٨٦) وسنده ضعيف جدًّا لجهالة شيخ عمرو بن قيس، ثم لإعضاله فإن بين عمرو بن قيس والنبي ﷺ اثنان على الأقل.\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) من (ن).\n(^٤) في (ن): \"ولا يجير\".\n(^٥) من (ز) و(ن).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٨٨٧) بسند ضعيف.\n(^٧) في \"تفسيره\" (٢/ ٣٥، ٣٦).\n(^٨) في (ن): \"التناصر والتعاون\".\n(^٩) في (ن): \"الجبار العدل\" وفي (ض): \"عدل الجبار\".\n(^١٠) ساقط من (ل)، وهو في حاشية (ج) و(ع).","vol":"1","page":389},{"text":"[دينه وملته، وقد يطلق على الرجل نفسه، ويضاف إلى المعظم، فيقال: آل فلان، ولا يضاف إلى البلدان على المشهور، وجوز بعضهم: \"آل المدينة\"، كما يقال: أهل المدينة، وحكى أبو عبيدة: \"آل مكة آل الله\"، وهكذا يضاف إلى المضمر على الأشهر.\nقال عبد المطلب:\nوانصر على آل الصليـ … ـب وعابديه اليوم آلك\nوقال غيره:\nأنا الفارس الحامي حقيقة والدي … وآلي كما تحمي حقيقة (آلكا) (^١)] (^٢)\nيقول (الله تبارك (^٣) و) تعالى: اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون؛ أي: خلصتكم منهم، وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى ﵇؛ وقد كانوا يسومونكم؛ أي: يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب؛ وذلك أن فرعون - لعنه الله - كان قد رأى رؤيا هالته: رأى نارًا خرجت من بيت المقدس، فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر إلا بيوت بني إسرائيل مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل. ويقال: بل تحدث سُمَّاره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم تكون لهم به دولة ورفعة.\nوهكذا جاء في [\"حديث (^٤) الفتون\"] كما سيأتي في موضعه (في \"سورة (^٥) طه\") إن شاء الله (تعالى) (^٦)؛ فعند ذلك أمر فرعون - لعنه الله - بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال (وأراذلها) (^٧).\nوها هنا فسر العذاب بذبح الأبناء. وفي سورة إبراهيم عطف عليه؛ كما قال: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦] وسيأتي تفسير ذلك في أول \"سورة القصص\" إن شاء الله تعالى. وبه الثقة والمعونة والتأييد.\n[ومعنى يسومونكم: يولونكم؛ قاله أبو عبيدة، كما يقال: سامه خطة خسف؛ إذ أولاه إياها؛ قال عمرو بن كلثوم:\nإذا ما الملك سام الناس خسفًا … أبينا أن نقر الخسف فينا\nوقيل: معناه يديمون عذابكم، كما يقال: سائمة الغنم؛ من إدامتها الرعى؛ نقله القرطبي (^٨)] (^٩).\n_________\n(^١) ساقط من (ل).\n(^٢) ساقط من (ل)، وهو في حاشية (ج) و(ع).\n(^٣) من (ل).\n(^٤) في (ض): \"الحديث المصون\"! وسقطت لفظة \"الفتون\" من (ك)، ويأتي تخريج هذا الحديث إن شاء الله تعالى في موضعه من سورة \"طه\".\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).\n(^٦) من (ن).\n(^٧) في (ن): \"أرذلها\".\n(^٨) في \"تفسيره\" (١/ ٣٨٤).\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ى).","vol":"1","page":390},{"text":"[وإنما قال ها هنا: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ ليكون ذلك تفسيرًا للنعمة عليهم في قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ ثم فسره بهذا لقوله ها هنا: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وأما في سورة إبراهيم فلما قال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] أي: بأياديه ونعمه عليهم؛ فناسب أن يقول هناك: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ فعطف عليه الذبح، ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل] (^١).\nوفرعون: علم على كل من ملك مصر كافرًا من العماليق وغيرهم، كما أن \"قيصر\" علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرًا (وكذلك) (^٢)، \"وكسرى\" لمن ملك الفرس، \"وتُبَّع\" لمن ملك اليمن كافرًا، \"والنجاشي\" لمن ملك الحبشة، (\"وبطليموس\" لمن ملك الهند) (^٣).\nويقال: كان اسم فرعون الذي كان في (زمان) (^٤) موسى ﵇ الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل: مصعب بن الريان، وأيًا ما كان، فعليه لعنة الله [وكان من سلالة عمليق بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح، وكنيته: أبو مرة وأصله فارسي من \"اصطخر\" (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال ابن جرير (^٦): وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون، بلاء لكم من ربكم عظيم؛ أي: نعمة عظيمة عليكم في ذلك.\nوقال علي بن أبي طلحة (^٧)، عن ابن عباس: قوله تعالى: ﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال: نعمة. وقال مجاهد (^٨): ﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال: نعمة من ربكم عظيمة. وكذا قال أبو العالية، وأبو مالك، والسدي (^٩)، وغيرهم.\nوأصل البلاء: الاختبار. وقد يكون بالخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وقال: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] قال ابن جرير (^١٠): وأكثر ما يقال في الشر بلوته أبلوه بلاء، وفي الخير أبليه إبلاءً وبلاءً؛ قال زهير بن أبي سُلمى:\nجزى الله بالإحسان ما فعلا بكم … وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو\nقال: فجمع بين اللغتين؛ (لأنه) (^١١) أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده.\n[وقيل: المراد بقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ (أنه) (^١٢) إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين، من ذبح الأبناء، واستحياء النساء. قال القرطبي (^١٣): وهذا قول الجمهور، ولفظه - بعد ما حكى] (^١٤)\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٢) ساقط من (ن).\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٤) في (ز) و(ن): \"زمن\".\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض)، ووقع تقديم وتأخير في هذه الفقرة في (ن).\n(^٦) في \"تفسيره\" (٢/ ٤٨).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٨٩٩)؛ وابن أبي حاتم (٥١١). [وسنده ثابت].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٩٠١، ٩٠٢). [وسنده صحيح].\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٩٠٠). [وسنده حسن].\n(^١٠) في \"تفسيره\" (٢/ ٤٩). والبيت في ديوان زهير (١٠٩).\n(^١١) في (ج): \"لا أراد\"!\n(^١٢) ساقط من (ى).\n(^١٣) في \"تفسيره\" (١/ ٣٧٨).\n(^١٤) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).","vol":"1","page":391},{"text":"[القول الأول، ثم قال: وقال الجمهور: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء (ها هنا) (^١) في الشر. والمعنى: وفي الذبح مكروه وامتحان] (^٢).\n\n<span id=\"aya-57\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ معناه: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، وخرجتم مع موسى ﵇، خرج فرعون في طلبكم، ففرقنا بكم البحر؛ كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلًا، كما سيأتي في مواضعه. ومن أبسطها ما في \"سورة الشعراء\" إن شاء الله.\n﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ أي: خلصناكم منهم، وحجزنا بينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون؛ ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ في إهانة عدوكم.\nقال عبد الرزاق (^٣): أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عمرو بن ميمون الأودي، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال: لما خرج موسى ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون؛ فقال: لا تتبعوهم حتى تصيح الديكة. قال: فوالله ما صاح ليلتئذ ديك، حتى أصبحوا؛ فدعا بشاة، فذبحت؛ ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط؛ فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط. فلما أتى موسى البحر قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين (أمرك) (^٤) ربك؟ قال: أمامك، يشير إلى البحر، فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغمر؛ فذهب به الغمر؛ ثم رجع فقال: أين (أمرك) (^١) ربك يا موسى؟ فوالله ما كذبت (ولا) (^٥) كُذبت - فعل ذلك ثلاث مرات.\nثم أوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم - يقول: مثل الجبل، ثم سار موسى ومن معه، واتبعهم فرعون في طريقهم حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم؛ فلذلك قال: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.\nوكذلك قال غير واحد من السلف كما سيأتي بيانه في موضعه.\nوقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، كما قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء؛ فقال: \"ما هذا اليوم الذي تصومون؟ \" قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجَّى الله ﷿ فيه بني إسرائيل (من عدوهم) (^٧)، فصامه موسى ﵇؛ فقال رسول الله ﷺ: \"إنا أحق بموسى منكم\". فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصومه.\n_________\n(^١) في (ك): \"هنا\" وهو الموافق لما في \"تفسير القرطبي\"؛ وفي (ج) و(ل): \"هناك\".\n(^٢) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^٣) في \"تفسيره\" (١/ ٤٥، ٤٦) ومن طريقه ابن جرير (٩٠٨)؛ وابن أبي حاتم (٥١٢)؛ وأبو إسحاق السبيعي مدلس. [سنده صحيح لكنه من الإسرائيليات].\n(^٤) في (ز) و(ن): \"أمر\".\n(^٥) كذا في (ل) و(ن) و(هـ) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض): \"وما\"، وسقط هذا الحرف من (ج).\n(^٦) وأخرجه هو أيضًا (١/ ٣١٠، ٣٣٦)؛ والبخاري (٤/ ٢٤٤؛ و٦/ ٤٢٩)؛ ومسلم (١١٣٠/ ١٢٨).\n(^٧) كذا في (ز) و(ن) و(هـ)؛ وفي (ج) و(ض) و(ى): \"من غرقهم\". وقال في حاشية (ج): العله: عدوهم\"؛ وفي (ك): \"من الغرق\".","vol":"1","page":392},{"text":"وروى هذا الحديث البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، من طرق عن أيوب السختياني، به، نحو ما تقدم.\nوقال أبو يعلى (^١) الموصلي: حدثنا أبو الربيع، حدثنا سلَّام - يعني: ابن سليم، عن زيد العمي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي ﷺ؛ قال: \"فلق الله البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء\".\nوهذا ضعيف من هذا الوجه؛ فإن زيدًا العمي فيه ضعف، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه.\n\n<span id=\"aya-58\"></span>\n\n<span id=\"aya-59\"></span>﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾.\nيقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يومًا، وهي المذكورة في \"الأعراف\" في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] قيل إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة؛ وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون، وإنجائهم من البحر.\n\n<span id=\"aya-60\"></span>وقوله (تعالى) (^٢): ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة؛ ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ وهو ما يفرق بين الحق والباطل، والهدى (والضلال) (^٣) ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وكان ذلك أيضًا بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في \"سورة الأعراف\"؛ ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾ [القصص].\n[وقيل: الواو زائدة، والمعنى: وإذ آتينا موسى الكتاب الفرقان. وهذا غريب.\nوقيل: عطفه عليه، وإن كان المعنى واحدًا؛ كما في قول الشاعر (^٤):\nوقدمت الأديم (لراهشيه) (^٥) … فألفى قولها كذبًا ومينًا] (^٦)\n[وقال الآخر (^٧):\nألا حبذا هند وأرض بها هند … وهند أتى من دونها النأي والبعد\nفالكذب هو المين. والنأي هو البعد.\nوقال عنترة (^٨):\nحييت من طلل تقادم عهده … أقوى وأقفر بعد أم الهيثم\nفعطف الإقفار على الإقواء، وهو هو] (^٩).\n_________\n(^١) في \"مسنده\" (ج ٧/ رقم ٤٠٩٤) وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٦٩) لابن مردويه.\nوسنده ضعيف جدًّا. ويزيد الرقاشي متروك، وزيد العمي ضعيف.\n(^٢) من (ن) و(ى).\n(^٣) في (ض) و(ن): \"الضلالة\".\n(^٤) نسبه في \"لسان العرب\" مادة: \"مين\" إلى عدي بن زيد.\n(^٥) في (ن): \"لراقشيه\"! والراهشان: عرقان في باطن الذراعين، أو \"الرواهش\" عروق ظاهر الكف كما في \"القاموس\"، والأديم: الجلد.\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٧) هو الحطيئة. والبيت في \"ديوانه\" (٣٩).\n(^٨) هو في \"ديوانه\" (١٢٢).\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":393},{"text":"<span id=\"aya-61\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.\nهذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل؛ قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ فقال ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع، (حين) (^١) قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (^٢)﴾ [الأعراف: ١٤٩] قال: فذلك حين يقول موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾.\nوقال أبو العالية (^٣)، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ أي: إلى خالقكم.\nقلت: وفي قوله ها هنا: ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ - تنبيه على عظم جرمهم؛ أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره.\nوقد روى النسائي (^٤)، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد الوراق، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: فقال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل (رجل) (^٥) منهم (كل) (^٦) من لقي من ولد (أو) (^٧) والد فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن؛ فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول.\nوهذا قطعة من حديث الفتون. وسيأتي في سورة طه بكماله إن شاء الله.\nوقال ابن جرير (^٨): حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بشار، حدثنا سفيان بن عيينة؛ قال: قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال موسى لقومه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ قال: أمر موسى\n_________\n(^١) في (ن): \"حتى\".\n(^٢) من (هـ)، وسقط من (ج)؛ و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض): \"الآية\" إشارة إلى تتمتها.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٩٤٦)؛ وابن أبي حاتم (٥٣٠). [وسنده جيد].\n(^٤) في \"تفسيره\" (٣٤٦).\nوأخرجه أبو يعلى (ج ٥/ رقم ٢٦١٨)؛ وابن جرير (١٦/ ١٢٥)؛ وابن أبي حاتم (٥٣١)، وبحشل في \"تاريخ واسط\" (ص ٨٦)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٦٦). وسيأتي الكلام عليه في تفسير سورة (طه) إن شاء الله تعالى.\n(^٥) في (ن): \"واحد\".\n(^٦) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (هـ): (ما) وسقطت هذه اللفظة من \"ن\".\n(^٧) كذا في (ج) و(ك) و(ى). ووقع في (ز) و(ض) و(ن) و(هـ): \"و\"؛ وفي (ن): \"والد وولد\".\n(^٨) في \"تفسيره\" (٩٣٦) وسنده صحيح. [والخبر من الإسرائيليات].","vol":"1","page":394},{"text":"قومه عن أمر ربه ﷿ أن يقتلوا أنفسهم. قال: (واحتبى) (^١) الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم (ظلمة) (^٢) شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجلت (الظلمة) (^٣) عنهم، وقد (أجلوا) (^٣) عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة.\nوقال (ابن (^٤) جريج): أخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سمع سعيد بن (^٥) جبير ومجاهدًا يقولان في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قالا: قام بعضهم إلى بعض بالخناجر، يقتل بعضهم بعضًا؛ لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد، حتى (ألوى) (^٦) موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل، وإن الله أوحى إلى موسى أن حسبي؛ فقد اكتفيت؛ فذلك حين ألوى موسى بثوبه [وروي عن علي (^٧) ﵁ نحو ذلك] (^٨).\nوقال قتادة (^٩): أُمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا (يتناجزون) (^١٠) بالشفار يقتل بعضهم بعضًا حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل، فجعل لحيهم توبةً، وللمقتول شهادة.\nوقال الحسن (^١١) البصري: أصابتهم ظلمة (حنْدسٌ) (^١٢)، فقتل بعضهم بعضًا، ثم انكشف عنهم، فجعل توبتهم في ذلك.\nوقال السدي (^١٣): في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدًا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل\n_________\n(^١) كذا في (ج) و(ز) و(ك) و(ل) و(ى) من: الاحتباء؛ وهو أن يضم الرجل رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، وقد يكون الاحتباء باليدين عوضًا عن الثوب. ووقع في (ض) و(هـ): \"اختبى\" بالخاء المعجمة من الاختباء وهو الاختفاء. وفي (ن): \"أخبر\" وكلاهما تصحيف.\n(^٢) في (ز): \"ظلة\".\n(^٣) في (ن): \"جلوا\".\n(^٤) في (ن): \"ابن جرير\".\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٩٣٥) قال: حدثني عباس بن محمد؛ وابن أبي حاتم (٥٣٢) قال: حدثنا الحسن بن الصباح قالا: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج بسنده سواء. وسنده صحيح.\n(^٦) ألوى يعني: أشار.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٦) من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب قال: قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضًا. فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وأمه، ولا يبالي من قتل، حتى قتل منهم سبعون ألفًا، فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم، وقد غفر لمن قتل، وتيب على من بقي. وسنده صحيح لولا تدليس أبي إسحاق، وعمارة بن عبد الكوفي وثقه ابن حبان. وقال أبو حاتم: \"شيخ مجهول لا يحتج بحديثه\" ولكنه متابع كما رأيت. [والخبر من الإسرائيليات].\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٣) وفي إسناده سعيد بن بشير وهو ضعيف خصوصًا في قتادة.\n(^١٠) كذا في (ج) و(ع) و(هـ) و(ى). ووقع في (ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(ن): \"يتناحرون\" بالحاء والراء المهملتين.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٤) وسنده جيد.\n(^١٢) حندس، بالكسر: الليل المظل، والمراد: ظلمة شديدة.\n(^١٣) أخرجه ابن جرير (٩٣٧) مطولًا وابن أبي حاتم (٥٣٧) وسنده حسن.","vol":"1","page":395},{"text":"منهم سبعون ألفًا، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا، البقية، البقية.\nفأمرهم أن (يضعوا) (^١) السلاح، وتاب عليهم؛ فكان من قُتل منهم من الفريقين شهيدًا، ومن بقي مكفرًا عنه؛ فذلك قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\nوقال الزهري (^٢): لما أُمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه حتى إذا (أفنوا) (^٣) بعضهم قالوا: يا نبي الله، ادع الله لنا؛ وأخذوا بعضديه يسندون يديه؛ فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح.\nوحزن موسى (وبنو) (^٤) إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى ما يحزنك؟ أما من قتل منهم فحي عندي يرزقون. وأما من بقي فقد قبلت توبته؛ فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل. رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه.\nوقال ابن إسحاق (^٥): لما رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذراه في اليم، خرج إلى ربه (بمن) (^٦) اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثوا فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل؛ فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم؛ قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله؛ فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده؛ فجلسوا بالأفنية، وأصلت عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم (وبكى) (^٧) موسى، (وبهش) (^٨) إليه النساء والصبيان، يطلبون العفو عنهم، (^٩) [فتاب (الله) (^١٠) عليهم، وعفا عنهم] (٩)؛ وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.\nوقال عبد الرحمن (^١١) بن زيد بن أسلم: لما رجع موسى إلى قومه (وكان) (^١٢) سبعين رجلًا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى (موعد (^١٣) ربكم)؛ فقالوا: يا موسى! ما من توبة؟ قال: بلى؛ ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ …﴾ الآية. فاخترطوا السيوف (والجِرزة) (^١٤) والخناجر والسكاكين.\nقال: وبعث عليهم ضبابةً. قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا.\n_________\n(^١) في (ن): \"يلقوا\".\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٩٤١) وجوَّد المصنف سنده.\n(^٣) في (ن): \"فتر\".\n(^٤) في (ج) و(ع): \"وبنى\"! وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٩٤٤) بسند ضعيف جدًّا.\n(^٦) في (ج) و(ل): \"ثم\".\n(^٧) في (ن): \"فهش\".\n(^٨) كذا في (ج) و(ض) و(ع) و(ى) ومعناه: تهيأ للبكاء. وفي (ل): \"أهش\" وفي (هـ): \"جهش\".\n(^٩) ساقط من (هـ).\n(^١٠) من (ز) و(ن).\n(^١١) أخرجه ابن جرير (٩٤٥) بسند صحيح.\n(^١٢) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ى) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\" وتقديره: وكان القوم. ووقع في (ز) و(ض) و(ل) و(ن) و(هـ): \"وكانوا\".\n(^١٣) في (ج) و(ل): \"موعدكم\".\n(^١٤) الجرزة: في (ك): \"الجرد\"، ووقع في (هـ) بياض موضع هذه الكلمة. والجرزة: عمود من حديدٍ، جمع (جرز)، بضم الجيم.","vol":"1","page":396},{"text":"قال: (و) (^١) يلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو لا يدري. قال: (ويتنادون) (^٢) (فيها) (^٣) رحم الله عبدًا (صبر) (^٤) حتى يبلغ الله رضاه. قال: فقتلاهم شهداء، وتيب على أحيائهم؛ ثم قرأ: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\n\n<span id=\"aya-62\"></span>\n\n<span id=\"aya-63\"></span>﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾.\nيقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق؛ إذ سألتم رؤيتي جهرةً عيانًا مما لا يستطاع لكم، ولا لأمثالكم. كما قال ابن جريج (^٥): قال ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: علانيةً.\nوكذا قال إبراهيم (^٦) بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس - أنه قال في قول الله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: علانيةً؛ أي: حتى نرى الله.\nوقال قتادة (^٧)، والربيع بن أنس: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: عيانًا.\nوقال أبو جعفر (^٨): عن الربيع بن أنس: هم السبعون الذين اختارهم موسى، فساروا معه؛ قال: فسمعوا كلامًا، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: فسمعوا صوتًا فصعقوا، يقول: ماتوا.\nوقال مروان (^٩) بن الحكم فيما خطب به على منبر مكة: الصاعقة صيحة من السماء.\nوقال السدي (^١٠) في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ الصاعقة: نار.\nوقال عروة (^١١) بن رويم في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال: صعق بعضهم، وبعض ينظرون؛ ثم بُعث هؤلاء، وصُعق هؤلاء.\nوقال السدي (^١٢): ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم، وقد أهلكت خيارهم؟ ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا\n_________\n(^١) ساقط من (ج).\n(^٢) في (ل): \"وينادون\".\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٤) في (ن): \"وصبر نفسه\".\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٩٤٧) وسنده ضعيف لإعضاله.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٨) وفي سنده ضعف.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٩٥٠) بسند صحيح، وهو عند ابن أبي حاتم (٥٣٩) بسند فيه سعيد بن بشير. وهو ضعيف في قتادة، ولكنه متابع.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٤٥٢)؛ وابن أبي حاتم (٥٤٣). [وسنده جيد].\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٥) من طريق ابن محيصن، عن أبيه قال: رأيت مروان بن الحكم على منبر مكة … فذكره. وابن محيصن هو عمر بن عبد الرحمن، كذا سماه في \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ٤٢٩) وقال البخاري: ومنهم من قال: محمد بن عبد الرحمن. وبه ترجمه الذهبي في \"معرفة القراء الكبار\" (١/ ٩٨) وهو ثقة احتج به مسلم ولكني لم أجد لأبيه ترجمة. فالله أعلم.\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٩٥٣)؛ وابن أبي حاتم (٥٤٤). [وسنده حسن].\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٠، ٥٤٦) بسند جيد.\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (٩٥٨)؛ وابن أبي حاتم (٥٤٩) وسياق الطبري أطول. [وسنده حسن].","vol":"1","page":397},{"text":"فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن (اتخذ) (^١) العجل؛ ثم إن الله أحياهم، فقاموا (وعاش) (^٢) رجل رجل، ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون؟ قال: فذلك قوله (تعالى) (^٣): ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾.\nوقال الربيع (^٤) بن أنس: كان موتهم عقوبةً لهم، فبعثوا من بعد الموت، ليستوفوا آجالهم. وكذا قال قتادة (^٥).\nوقال ابن (^٦) جرير: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق؛ قال: لما رجع موسى إلى قومه، فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وذراه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلًا الخير فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله، وتوبوا إلى الله مما صنعتم، (وسلوه) (^٧) التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا، وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقَّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم؛ فقال له السبعون - فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمروا به، وخرجوا للقاء الله - قالوا: يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا. فقال: أفعل.\nفلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل - كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه؛ فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فأخذتهم الرجفة، وهي: الصاعقة، فماتوا جميعًا.\nوقام موسى يناشد ربه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] قد سفهوا؛ أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك، واخترت منهم سبعين رجلًا الخير فالخير، أرجع إليهم؛ وليس معي منهم رجل واحد؟ فما الذي يصدقوني به، ويأمنوني عليه بعد هذا؟ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فلم يزل موسى يناشد ربه ﷿، ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم، (^٨) [(فطلب) (^٩) إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل؛ فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم] (٨).\n(هذا سياق محمد بن إسحاق) (^١٠).\n_________\n(^١) في (ز) و(ن): \"اتخذوا\"؛ وفي (ك): \"اتخذتهم\"!\n(^٢) في (ز) و(ض) و(ن) و(هـ): \"عاشوا\".\n(^٣) من (ز) و(ن).\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٩٦١) بسياق أطول؛ وابن أبي حاتم (٥٤٨). [وسنده جيد].\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٩٦٠)؛ وابن أبي حاتم (٥٤٧). [وسنده صحيح].\n(^٦) في \"تفسيره\" (٩٥٧) وسنده ضعيف.\n(^٧) في (ن): \"واسألوه\".\n(^٨) ساقط من (ج).\n(^٩) كذا في (ك) و(ل) و(هـ) و(ى) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\"؛ وفي (ز) و(ن): \"وطلب\".\n(^١٠) ساقط من (ك).","vol":"1","page":398},{"text":"(وقال) (^١) (إسماعيل بن عبد الرحمن) (^٢) السدي (الكبير) (^٢): لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم لبعض، كما أمرهم الله به، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أُناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل؛ (ووعدهم) (^٣) موسى؛ فاختار موسى (قومه) (^٤) سبعين رجلًا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا .. وساق البقية.\n[وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ والمراد: السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه] (^٥).\n[وقد أغرب (فخر الدين) (^٦) الرازي في \"تفسيره\" حين حكى في قصة هؤلاء السبعين أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى؛ إنك لا تطلب من الله شيئًا إلا أعطاك، فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك، فأجاب الله ﷿ (^٧) دعوته.\nوهذا غريب جدًّا؛ إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون، ثم يوشع بن نون.\nوقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله ﷿؛ فإن موسى الكليم ﵇ (^٨) قد سأل ذلك، فمنع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون؟\nالقول الثاني في الآية] (^٩): قال عبد الرحمن (^١٠) بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية: قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كُتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا؛ فتاب الله عليهم؛ فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذي أمركم به، ونهيكم الذي نهاكم عنه؛ فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا، والله حتى نرى الله جهرةً حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه؛ فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟ وقرأ قول الله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: فجاءت غضبة من الله؛ فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصعقتهم فماتوا أجمعون.\nقال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله؛ فقالوا: لا. فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا: أصابنا أنا متنا ثم أحيينا، قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكةً فنتقت الجبل فوقهم.\n[وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا.\nوقد حكى الماوردي (^١١) في ذلك قولين:\nأحدهما: أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرةً حتى صاروا مضطرين إلى التصديق] (^١٢).\n_________\n(^١) بياض في \"ض\".\n(^٢) ساقط من (ك).\n(^٣) كذا في (ج) و(ض) و(هـ) و(ى). وفي (ن): \"وواعدهم\"؛ وفي (ل): \"وعدهم\".\n(^٤) ساقط من (ن).\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٦) ساقط من (ن) و(هـ).\n(^٧) من (ج).\n(^٨) من (ن).\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٩٥٩).\n(^١١) لم أجد قوله هذا في \"تفسيره\" (١/ ١٢٣) عند تفسير هذه الآية، فلعله ذكره في موضع آخر أو في كتاب آخر. وقوله هذا نقله القرطبي في \"تفسيره\" عنه.\n(^١٢) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":399},{"text":"[والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف. قال القرطبي (^١): وهذا هو الصحيح؛ لأن معاينتهم للأمور (القطعية) (^٢) لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات، وهم في ذلك مكلفون. وهذا واضح (^٣). والله أعلم] (^٤).\n\n<span id=\"aya-64\"></span>﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾.\nلما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم شرع يذكرهم أيضًا بما أسبغ عليهم من النعم فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ وهو جمع غمامة، سمي بذلك لأنه يغم السماء؛ أي: يواريها ويسترها، وهو السحاب الأبيض، ظللوا به في التيه ليقيهم حر الشمس، كما رواه النسائي وغيره، عن ابن عباس في \"حديث (الفتون) (^٥) \"؛ قال: ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام.\nقال ابن أبي (^٦) حاتم: وروي عن ابن عمر، والربيع بن أنس، وأبي مجلز، والضحاك، والسدي نحو قول ابن عباس.\nوقال الحسن، وقتادة (^٧): ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس.\nوقال (ابن جريج) (^٨): (وقال آخرون): وهو غمام أبرد من هذا وأطيب.\nوقال ابن أبي (^٩) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: ليس بالسحاب؛ هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم.\nوهكذا رواه ابن جرير عن المثنى بن إبراهيم، عن أبي حذيفة؛ وكذا رواه الثوري (^١٠) وغيره، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ وكأنه يريد - والله أعلم - أنه ليس من زي هذا السحاب؛ بل أحسن منه، وأطيب وأبهى منظرًا؛ كما قال سنيد في \"تفسيره\" (^١١) عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج؛ قال: قال ابن عباس: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي الله فيه في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ (وَالْمَلَائِكَةُ) (^١٢)﴾ [البقرة: ٢١٠] وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٤٠٥).\n(^٢) في (ل) و(هـ) و(ن): \"الفظيعة\".\n(^٣) في حاشية (ج): \"أخر الجزء الخامس من أجزاء المؤلف\".\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٥) في (ك): \"المفتون\".\n(^٦) في \"تفسيره\" (ص ١٧٤ - البقرة).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٢) بسند جيد. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٧٠) لعبد بن حميد وسياقه أطول.\n(^٨) وقع في (ز) و(ن) و(هـ): \"ابن جرير\" وهو خطأ. وقول ابن جريج هذا قاله ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (ص ١٧٥).\n(^٩) في \"تفسيره\" (٥٥٣) وهو عند ابن جرير (٩٦٣). [وسنده صحيح].\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٩٦٢) من طريق أبي أحمد الزبيري، ثنا سفيان الثوري. [وسنده صحيح].\n(^١١) ومن طريقه ابن جرير (٩٦٥) وسنده ضعيف لإعضاله.\n(^١٢) من (ز) و(ن).","vol":"1","page":400},{"text":"قال ابن عباس: وكان معهم في التيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ اختلفت عبارات المفسرين في المن ما هو؟ فقال علي بن أبي (^١) طلحة، عن ابن عباس: كان المن ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه، فيأكلون منه ما شاءوا.\nوقال مجاهد (^٢): المن: صمغة. وقال عكرمة (^٣): المن: شيء أنزله الله عليهم مثل الطل شبه الرُّبِّ الغليظ.\nوقال السدي (^٤): قالوا: يا موسى! كيف لنا بما ها هنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على (الشجرة الزنجبيل) (^٥).\nوقال قتادة (^٦): كان المن ينزل عليهم في محلتهم سقوط الثلج، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك؛ فإذا (تعدى) (^٧) ذلك فسد، (و) (^٨) لم يبق، حتى إذا كان يوم سادسه [اليوم جمعته] (^٩) أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عيد، لا يشخص فيه لأمر معيشته، ولا يطلبه لشيء؛ وهذا كله في البرية.\nوقال الربيع (^١٠) بن أنس: المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه.\nوقال وهب بن (^١١) منبه - وسئل عن المن - فقال: (خبز الرقاق) (^١٢) مثل الذرة، أو مثل النقي.\nوقال أبو جعفر (^١٣) بن جرير: حدثني (أحمد) (^١٤) بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٦). [وسنده ثابت].\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٩٦٦)؛ وابن أبي حاتم (٥٥٧) وهو صحيح، وعزاه الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ١٦٤) للفريابي، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٧٠) لوكيع وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٨) وفي سنده حفص بن عمر العدني وهو متروك. وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٧٠) لعبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٩٧٣)؛ وابن أبي حاتم (٥٥٩). [وسنده حسن].\n(^٥) كذا في (ج) و(ض) و(ع) و(ى) وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\". ووقع في \"تفسير الطبري\": \"شجر الزنجبيل\" وهو الموافق لما في (ز)؛ وفي (ن): \"شجرة الزنجبيل\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٠) وفي إسناده سعيد بن بشير، وهو ضعيف لا سيما في قتادة. وأخرجه ابن جرير (٩٦٨) من وجه آخر جيد مختصرًا.\n(^٧) في (ل): \"بعد\"!\n(^٨) في (ل): \"أو\".\n(^٩) ساقط من (هـ).\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٩٦٩)؛ وابن أبي حاتم (٥٦٢). [وسنده جيد].\n(^١١) أخرجه ابن جرير (٩٧٢)؛ وابن أبي حاتم (٥٦١) من طريقين عن إسماعيل بن عبد الكريم حدثني عبد الصمد بن معقل، سمعت وهبًا فذكره وسنده جيد.\n(^١٢) في (ن): \"خبز رقاق\".\n(^١٣) في \"تفسيره\" (٩٧١) وفي سنده جابر الجعفي، وهو واه.\n(^١٤) في (ن): \"محمد\" وهو خطأ.","vol":"1","page":401},{"text":"إسرائيل، عن جابر، عن عامر - وهو الشعبي - قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءًا من المن.\nوكذا قال عبد الرحمن (^١) بن زيد بن أسلم إنه العسل.\nووقع في شعر أمية بن أبي الصلت حيث قال (^٢):\nفرأى الله أنهم بمضيع … لا بذي مزرع ولا مثمورًا\nفسناها (^٣) عليهم غاديات … ومرى مزنهم خلايا وخورًا\nعسلًا ناطفًا وماءً فراتًا .... وحليبًا ذا بهجة (مرمورًا) (^٤)\nفالناطف هو السائل. والحليب المرمور: الصافي منه.\nوالغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن؛ فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب والظاهر - والله أعلم - أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب، وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد؛ فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعامًا وحلاوةً، وإن مزج مع الماء صار شرابًا طيبًا، وإن ركب مع غيره صار نوعًا آخر؛ ولكن ليس هو المراد من الآية وحده.\nوالدليل على ذلك قول البخاري (^٥): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عبد الملك، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين\".\nوهذا الحديث رواه الإمام (^٦) أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك؛ وهو ابن عمير، به. وأخرجه الجماعة في كتبهم إلا أبا داود من طرق: عن عبد الملك، وهو ابن عمير، به.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٩٧٠) وسنده صحيح.\n(^٢) هو في \"ديوانه\" (ص ٣٤، ٣٥).\n(^٣) في \"الديوان\": \"فعفا لها\" ووقعت الأبيات في \"تفسير الطبري\" مخالفة لبعض ما نفله المصنف هاهنا. ونصها عنده هكذا:\nفرأى الله أنهم بمضيع … لا بذي مزرع ولا معمورا\nفنساها عليهم غاديات … ومرى مزنهم خلايا وخورًا\nعسلًا ناطفًا، وماءً فراتًا … وحليبًا ذا بهجة مثمورًا\nوقد تكلم الأستاذ الألمعي محمود شاكر حفظه الله تعالى في شأن هذا الاختلاف، وزيف بعض الكلمات فيه، وذلك في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (٢/ ٩٤، ٩٥) فراجعه.\n(^٤) كذا في (ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى)، برائين؛ وفي (ج) و(ن): \"مزمورًا\" بزاي ثم راء مهملة. وقال الشيخ محمود شاكر حفظه الله (٢/ ٩٥) بعد أن نقل عن ناسخ مخطوطة \"الطبري\" أنه قال في طرف الصفحة: \"المزمور: الصافي من اللبن. قال: وذلك شيء لا وجود له في كتب اللغة\". ثم جعل مكان هذه اللفظة: \"مثمورًا\" ثم قال: \"ولم أجد \"مثمورًا\" في كتب اللغة، ولكن يقال: الثمر والثميرة: اللبن الذي ظهر زبده وتحبب. قال ابن شميل: إذا مخض رؤي عليه أمثال الحصف في الجلد، ثم يجتمع فيصير زبدًا، وما دامت صغارًا فهو ثمير. ويقولون: إن لبنك لحسن الثمر، وقد أثمر مخاضك. فكأه قال: \"مثمورًا\" ويعني: \"ثميرًا\" لأن \"فعيلًا\" بمعنى \"مفعول\" هنا\". اهـ.\n(^٥) في \"كتاب التفسير\" من \"صحيحه\" (٨/ ١٦٣) وسفيان هنا: هو الثوري. ثم رواه في \"تفسير سورة الأعراف\" (٨/ ٣٠٣) قال: حدثنا مسلم، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير بسنده سواء. وأخرجه في \"الطب\" (١٠/ ١٦٣) عن غندر عن شعبة به.\n(^٦) في \"مسنده\" (١/ ١٨٧) وعنه القطيعي في \"جزء الألف دينار\" (٤٧) قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك به وأخرجه مسلم (٢٠٤٩).","vol":"1","page":402},{"text":"[وقال الترمذي: \"حسن صحيح\".\nورواه البخاري (^١) ومسلم (والنسائي) (^٢) من رواية الحكم عن الحسن العرني، عن عمرو بن حريث، به] (^٣).\nوقال الترمذي (^٤): حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن غيلان؛ قالا: حدثنا سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين\".\nتفرد بإخراجه الترمذي؛ ثم قال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن عمرو، وإلا من حديث (سعيد) (^٥) بن عامر عنه. وفي الباب عن سعيد بن زيد، وأبي سعيد، وجابر - كذا قال!\nوقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في \"تفسيره\" (^٦) من طريق آخر، عن [أبي هريرة، فقال: حدثنا أحمد بن (الحسين) (^٧) بن أحمد البصري، حدثنا أسلم بن سهل، حدثنا القاسم بن عيسى، حدثنا] (^٨) طلحة بن عبد الرحمن، (هذا سلمي واسطي يكنى بأبي محمد) (^٩)، [عن (قتادة) (^١٠)، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين\"] (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"الطب\" من \"صحيحه\" (١٠/ ١٦٣)؛ ومسلم (٢٠٤٩).\n(^٢) ساقط من (ن).\n(^٣) ساقط من (هـ).\n(^٤) في \"سننه\" (٢٠٦٦).\nوأخرجه الطحاوي في \"المشكل\" (٥٦٧٥)؛ وأبو الحسن أحمد بن محمد بن القاسم بن الصلت في \"جزء من حديث ابن عبد العزيز الهاشمي وابن المطيري\" (ق ٧٦/ ١) من طريق سعيد بن عامر بسنده سواء. وقال البغوي في \"شرح السنة\" (١١/ ٣٢٦): \"إسناده غريب\".\n(*) قلت: وهو إسناد حسن.\n(^٥) في (ل): \"محمد\" وهو خطأ.\n(^٦) وإسناده ضعيف جدًّا. وطلحة بن عبد الرحمن هذا، ذكره بحشل في \"تاريخ واسط\" (ص ١٦٣) وترجمه ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٤٣٢، ١٤٣٣) وقال: \"روى عن قتادة شيئًا لا يتابعونه عليه\" ثم روى له بعض المناكير وقال: \"ولطلحة غير ما ذكرت من الحديث مما يرويه عن قتادة، منه ما يتابعونه عليه، ومنه ما لا يتابع عليه\". ثم رواية قتادة عن سعيد بن المسيب، كان ابن المديني يضعفها.\nقال إسماعيل القاضي في \"أحكام القرآن\": سمعت علي بن المديني يضعف أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب تضعيفًا شديدًا وقال: \"أحسب أن أكثرها بين قتادة وسعيد فيها رجال\".\nوهو يشير إلى تدليس قتادة. ولم أقف على من خرّج هذا الوجه عن أبي هريرة ﵁ إلا ما ذكره ابن أبي حاتم الرازي في \"العلل\" (١٦٩٨) وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله قريبًا.\n(^٧) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض) و(ن): \"الحسن\" وهو خطأ.\n(^٨) ساقط من (هـ).\nوانظر: \"ثلاثة مجالس لابن مردويه\" رقم (٤٧) وقال المحقق: \"لم أعرفه\".\n(^٩) من (ج).\n(^١٠) في (ج) و(ل): \"عبادة\"!! وهو خطأ ظاهر.\n(^١١) ساقط من (ك).","vol":"1","page":403},{"text":"[وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرحمن] (^١) هذا (سلمي واسطي) (^٢) يكنى بأبي محمد، وقيل: أبو سليمان المأدب، قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: \"روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها\".\nثم قال الترمذي (^٣): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة - أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: الكمأة جدري الأرض. فقال نبي الله ﷺ: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم\".\n[وهذا الحديث قد رواه النسائي (^٤)، عن محمد بن بشار، به؛ وعنه (^٥)، عن غندر، عن] (^٦)\n_________\n(^١) ساقط من (ك).\n(^٢) في (ن): \"السلمى الواسطي\".\n(^٣) في \"سننه\" (٢٠٦٨).\nوأخرجه أبو نعيم في \"الطب\" (ق ٩٦/ ١) من هذا الوجه بذكر العجوة حسب.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٥١١) قال: حدثنا أبو داود، يعني: الطيالسي، ثنا هشام الدستوائي بسنده سواء بتمامه وتوبع هشام الدستوائي. تابعه أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن شهر، عن أبي هريرة فذكره أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٧) قال: حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبان به. وتابعه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بسنده سواء. أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٦، ٤٩٠) قال: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، ثنا ابن أبي عروبة. وخولف السهمي؛ خالفه روح بن عبادة وعبد الأعلى بن عبد الأعلى فروياه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة فذكره. فزاد في الإسناد: \"عبد الرحمن بن غنم\" بين \"شهر\" و\"أبي هريرة\". أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٦٦٧٠)؛ وأحمد (٢/ ٣٢٥)؛ وأخرجه النسائي أيضًا (٦٧٢١) مختصرًا بذكر العجوة فقط.\nوهذا الوجه أقوى، وعبد الأعلى من قدماء أصحاب سعيد بن أبي عروبة غير أن قتادة توبع على الوجه الأول، وهو أن شهر بن حوشب يرويه عن أبي هريرة بلا واسطة كما يأتي تحقيقه إن شاء الله.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" كما في \"أطراف المزي\" (١٠/ ١١٢) ولم أجد رواية محمد بن بشار عن معاذ بن هشام في \"المطبوعة\"، فلعله سقط منها؛ وأخرجه النسائي أيضًا (٦٦٧١، ٦٧٢٠) قال: أخبرنا نصير بن الفرج، ثنا معاذ بن هشام بسنده سواء. واختصره في الموضع الثاني فذكر العجوة وحدها.\n(^٥) يعني: أن النسائي رواه عن محمد بن بشار أيضًا، لكن عن غندر، وهو محمد بن جعفر، عن شعبة … إلخ. وهو عنده في \"السنن الكبرى\" (٦٦٧٣) ورواه أيضًا من هذا الوجه (٦٧١٩) بشطره الثاني وهو ذكر العجوة.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٣٠١، ٣٠٥، ٤٨٨)؛ والطيالسي (٢٣٩٧)؛ وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (٥٠٧)؛ وأبو يعلى (ج ١١/ رقم ٦٣٩٨)؛ والطبراني في \"الأوسط\" (٣٣٨٨) من طرق عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة. وعند أحمد بتمامه. ورواه عن أبي بشر هكذا: \"شعبة، وحماد بن سلمة، وهشيم بن بشير، وأبان بن تغلب\" وخالفهم الأعمش فرواه عن أبي بشر، عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله مرفوعًا فذكره. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٦٦٧٤) وخالف كل من تقدم: سعَّاد، بتشديد العين المهملة، الكوفي فرواه عن أبي بشر، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فذكره مرفوعًا. ذكره ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١٦٩٨) وسأل عنه أباه فقال: \"إنما هو جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ \". اهـ فحكم أبو حاتم على رواية سعاد بالغلط، ولا جرم، فقد قال أبو حاتم فيه: \"ليس بقوي في الحديث\" كما نقله عنه ابنه في \"الجرح والتعديل\" أما حديث أبي سعيد وجابر فسيأتي الكلام عليه قريبًا إن شاء الله.\n(^٦) ساقط من (ص).","vol":"1","page":404},{"text":"[شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن] (^١) [شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، به، وعن (^٢) محمد بن بشار، عن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن شهر بن حوشب بقصة الكمأة فقط.\n(ورواه) (^٣) النسائي (^٤) أيضًا، وابن ماجه، من حديث محمد بن بشار، عن أبي عبد الصمد (عبد العزيز) (^٥) بن عبد الصمد، عن مطر الوراق، عن شهر بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجه] (١).\nوهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة؛ فإنه لم يسمع (^٦) منه، بدليل ما رواه النسائي (^٧) في \"الوليمة\" من \"سننه\" عن علي بن الحسين الدرهمي، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة؛ قال: خرج رسول الله ﷺ وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول: جدري الأرض. فقال: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين\".\nوروى عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد، وجابر؛ كما قال الإمام أحمد (^٨): حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري؛ قالا: قال رسول الله ﷺ: \"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين. والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم\".\n_________\n(^١) ساقط من (هـ).\n(^٢) يعني: ورواه النسائي أيضًا عن محمد بن بشار، عن عبد الأعلى … إلخ. وهو عنده في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٥٧) ولم يذكر العجوة. وأخرجه إسحاق بن راهويه في \"المسند\" (١٤٨) عن عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء به.\n(^٣) في (ز) و(ن): \"وروى\".\n(^٤) في \"سننه الكبرى\"، كما في \"أطراف المزي\" (١٠/ ١١٢)؛ وابن ماجه (٣٤٥٥)؛ والطبراني في \"مسند الشاميين\" (١٢٩٥)؛ والجرجاني في \"الأمالي\" (ق ٢٧/ ٢ - ٢٨/ ١)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (١١/ ٣٣٣) من طرق عن مطر الوراق، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة فذكره وهو عند النسائي مختصر كما قال المصنف ﵀. [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٧٨٣)].\n(^٥) في (ن): \"ابن عبد العزيز\".\n(^٦) يعني: لم يسمع منه هذا الحديث بخصوصه، لا أنه لم يسمع منه مطلقًا، ولم أر من نفي سماعه من أبي هريرة وقال عبد الحميد بن بهرام، وهو من العالمين بشهر: \"أتى على شهر بن حوشب ثمانون عامًا\" وقال أيضًا: \"مات شهر سنة ثمان وتسعين\" وأقصى ما قيل في تاريخ وفاته، أنه مات سنة (١١٢). ومات أبو هريرة ﵁ سنة (٥٨) وقيل قبلها بسنة أو بعدها بسنة فقد أدركه طويلًا. والله أعلم.\n(^٧) في \"سننه الكبرى\" (٦٦٧٠).\nوأخرجه أحمد (٢/ ٣٢٥) قال: حدثنا روح بن عبادة، ثنا سعيد بن أبي عروبة. بسنده سواء.\nهكذا رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى وروح بن عبادة. وخالفهما عبد الله بن بكر السهمي، فرواه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة به فسقط ذكر \"عبد الرحمن بن غنم\"؛ أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٦، ٤٩٠). ورواية عبد الأعلى وروح أقوى، لا سيما وعبد الأعلى من قدماء أصحاب سعيد بن أبي عروبة، لكن الشأن في شهر بن حوشب كما يأتي إن شاء الله.\n(^٨) في \"مسنده\" (٣/ ٤٨).\nوأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٦٦٧٤، ٦٦٧٦)؛ وابن ماجه (٣٤٥٣)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٥٦٧٤)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ١٢٠) من طرق عن الأعمش بسنده سواء. [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه دون العجوة في الجنة (ح ٢٧٨١)].","vol":"1","page":405},{"text":"وقال النسائي (^١) في \"الوليمة\" أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد وجابر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين\".\nثم رواه أيضًا وابن ماجه من طرق عن الأعمش، عن أبي بشر، عن شَهْرٍ عنهما، به.\n[وقد روياه - أعني النسائي (^٢)] (^٣) - (من حديث جرير) (^٤)، وابن ماجه (من حديث) (^٥) سعيد (بن مسلمة) (^٦)، كلاهما عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد. (زاد) (^٧) النسائي (حديث) (^٨) جابر، عن النبي ﷺ قال: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين\".\nورواه ابن مردويه، عن أحمد بن عثمان، عن عباس الدوري، عن لاحق بن صؤاب، عن عمار بن رزيق، عن الأعمش؛ كابن ماجه.\nوقال ابن مردويه أيضًا: حدثنا أحمد بن عثمان، حدثنا عباس الدوري، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كمآت، فقال: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين\".\nوأخرجه النسائي (^٩) عن عمرو بن منصور، عن الحسن بن الربيع، به.\nثم ابن مردويه رواه أيضًا عن عبد الله بن إسحاق، عن الحسن بن سلام، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، به.\nوكذا رواه النسائي (^١٠)، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عبيد الله بن موسى.\nوقد روي من حديث أنس (^١١) بن مالك ﵁، كما قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن\n_________\n(^١) في \"سننه الكبرى\"، كما في \"أطراف المزي\" (٢/ ١٨٩).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٦٦٧٦)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (٥٦٧٤) من حديث جرير بن عبد الحميد عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد وجابر به.\nوأخرجه ابن ماجه (٣٤٥٣/ ٢) من حديث سعيد بن مسلمة بن هشام عن الأعمش مثله ولم يذكر \"جابرًا\". [وصححه الألباني كما سبق دون ذكر العجوة].\n(^٣) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ل) و(ى)؛ وفي (ك) و(ن) و(هـ): \"ثم رواه\".\n(^٤) من (ل) و(ن) و(ى).\n(^٥) في (ك) و(هـ): \"من طرق\".\n(^٦) في (ن): \"ابن أبي سلمة\" وهو خطأ.\n(^٧) في (ن): \"ورواه\".\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٩) في \"سننه الكبرى\"، كما في \"أطراف المزي\" (٣/ ٣٨٨، ٣٨٩).\nوأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ١٢٠) قال: حدثنا محمد بن إسماعيل ثنا الحسن بن الربيع مثله.\n(^١٠) في \"سننه الكبرى\" رقم (٦٦٧٨).\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٤٤٦)؛ وأبو يعلى (١٣٤٨)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ١٢٠) من طريق عبيد الله بن موسى، ثنا شيبان به.\n(^١١) أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٧٧٩) من طريق محمد بن موسى الجرشي، ثنا حسان بن سياه، ثنا ثابت، عن أنس مرفوعًا … فذكره بتمامه. =","vol":"1","page":406},{"text":"إبراهيم، حدثنا حمدون بن أحمد، حدثنا حوثرة بن أشرس، حدثنا حماد، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس: أن أصحاب رسول الله ﷺ تدارءوا في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار؛ فقال بعضهم: نحسبه الكمأة، فقال رسول الله ﷺ: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين. والعجوة من الجنة وفيها شفاء من السم\".\nوهذا الحديث محفوظ أصله (^١) من رواية حماد بن سلمة.\nوقد روى الترمذي، والنسائي، من طريقه شيئًا من هذا. والله ﵎ (^٢) أعلم.\n(وقد) (^٣) روي عن شهر، عن ابن عباس؛ كما رواه النسائي (^٤) أيضًا في \"الوليمة\" عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد، عن عبد الله بن عون الخراز، عن أبي عبيدة الحداد، عن عبد الجليل بن عطية، عن (شهر) (^٥)، عن عبد الله بن عباس، عن النبي ﷺ؟ قال: \"الكماة من المن وماؤها شفاء للعين\".\nفقد اختلف كما ترى فيه على شهر بن حوشب.\nويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها، وقد سمعه من بعض الصحابة، وبلغه عن بعضهم؛ فإن الأسانيد إليه جيدة؛ وهو لا يتعمد الكذب. وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله ﷺ كما تقدم من رواية سعيد بن زيد (﵁) (^٦).\n_________\n= قال ابن عدي: \"وحسان بن سياه له أحاديث غير ما ذكرت، وعامتها لا يتابعه غيره عليها، والضعف يتبين على رواياته وحديثه\". اهـ.\n(*) قلت: وهو متروك. والله أعلم.\n(^١) يقصد المصنف ﵀ بـ\"أصل الحديث\" ما أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٢٨٢)؛ والترمذي (٣١١٩)؛ وأبو يعلى (٤١٦٥)؛ وابن حبان (٤٧٥)؛ والطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ١٣٦)؛ والحاكم (٢/ ٣٥٢)؛ والضياء في \"المختارة\" (٦/ ١٩٢، ١٩٣) من طرق عن حماد بن سلمة، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس أن رسول الله ﷺ أتى بقناع جزء فقال: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥] فقال: \"هي النخلة\" ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ [إبراهيم: ٢٦] قال: \"هي الحنظلة\". وأعله الترمذي بالوقف ويأتي الكلام عليه في تفسير \"سورة إبراهيم\" إن شاء الله تعالى.\nفظاهر من هذا الحديث أنه لا يشترك مع حديث \"الكمأة\" في شيء من معانيه، اللهم إلا قوله: \"الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض\" وهذا القدر لا يكفي أن يقال فيه: \"أصل الحديث\" إلا إذا كان فيه شيء من صلب معناه والله أعلم.\n(^٢) من (ل).\n(^٣) من (ج).\n(^٤) في \"سننه الكبرى\" (٦٦٦٩).\nوأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٣٠١٠) ومن طريقه الضياء في \"المختارة\" (١٠/ ٢١٥) قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا عبد الله بن عون بسنده سواء.\nوسنده ضعيف. وعبد الجليل بن عطية مختلف فيه فوثقه ابن معين، ولينه البخاري. وقال أبو أحمد الحاكم: \"حديثه ليس بالقائم\". وقال ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٤٢١): \"يعتبر حديثه عند بيان السماع في خبره إذا رواه عن الثقات، وكان من دونه ثقة\" وهذا الشرط مفقود هنا في شيخه. وله طريق آخر عن ابن عباس أخرجه الطبراني في \"معاجمه الثلاثة\" بسند ضعيف.\n(^٥) ساقط من (ن).\n(^٦) من (ل) و(ن).","vol":"1","page":407},{"text":"وأما السلوى فقال علي بن (^١) أبي طلحة، عن ابن عباس: السلوى: طائر (شبيهة) (^٢) بالسماني؛ كانوا يأكلون منه.\nوقال السدي (^٣) في خبر ذكره عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: السلوى: طائر يشبه (^٤) السماني.\nوقال ابن أبي (^٥) حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا قرة بن خالد، عن جهضم، عن ابن عباس؛ قال: السلوى هو السماني.\nوكذا (^٦) قال مجاهد، والشعبي، والضحاك، والحسن، وعكرمة، والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى؛ وعن عكرمة (^٧): أما السلوى فطير كطير يكون بالجنة أكبر من العصفور. أو نحو ذلك.\nوقال قتادة (^٨): السلوى كان من طير إلى الحمرة تحشرها عليهم الريح الجنوب، وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى فسد، ولم يبق عنده، حتى إذا كان يوم سادسه [ليوم (جمعته) (^٩) أخذ ما يكفيه ليوم سادسه] (^١٠) ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه.\nوقال وهب (^١١) بن منبه: السلوى: طير سمين مثل (الحمام) (^١٢)، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت. وفي رواية - عن وهب (^١٣)؛ قال: سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ لحمًا،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٤) وسنده منقطع.\n(^٢) في (ن): \"يشبه\".\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٩٧٩) بسند حسن.\n(^٤) السماني: بتشديد السين المهملة بعدها ميم مخففة. قال الجوهري في \"الصحاح\" (٥/ ٢١٣٨): \"طائر، ولا يقال: سماني بالتشديد\" يعني: بتشديد الميم.\n(^٥) في \"تفسيره\" (٥٦٣) ورجاله مشهورون بالثقة إلا جهضمًا هذا، فلم أستطع تعيينه، وأظنه جهضم أبا رؤبة الباهلي ترجمه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢/ ٢٤٧)؛ وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (١/ ١/ ٥٣٤، ٥٣٥)؛ وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ١١٣، ١١٨) روى عنه محرر بن قعنب وهو من شيوخ عبد الصمد بن عبد الوارث كما عند البخاري، وذكر ابن حبان أن عبد الصمد بن عبد الوارث يروى عنه، وهو مجهول الحال.\n(^٦) وهذا قول ابن أبي حاتم في \"تفسيره\". وأثر مجاهد عند ابن جرير (٩٨٢، ٩٨٣) وكذلك الشعبي (٩٨٧) وسنده ضعيف. وكذلك أثر الضحاك (٩٩٠) وسنده صحيح وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٧١)؛ لأبي الشيخ وعبد بن حميد. وأثر الربيع بن أنس عنده برقم (٩٨٦).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٨) وسنده واه فيه حفص بن عمر العوني وهو متروك.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٦) بطوله وفي سنده سعيد بن بشير وهو ضعيف في قتادة. وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤٦) ومن طريقه ابن جرير (٩٨١) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة بلفظ: \"والسلوى كانت تحشرها عليهم الريح الجنوب\" وفي رواية عبد الرزاق كلام عن \"المن\" تقدم ذكره. وعزاه السيوطي (١/ ٧٠) لعبد بن حميد.\n(^٩) في (ل): \"جمعه\".\n(^١٠) ساقط من (ج).\n(^١١) أخرجه ابن جرير (٩٨٤) مختصرًا وأيضًا (٩٩٥) مطولًا وابن أبي حاتم (٥٦٧) وسنده جيد. وعزاه السيوطي (١/ ٧١) لعبد بن حميد.\n(^١٢) في (ن): \"الحمامة\".\n(^١٣) أخرجه سفيان بن عيينة، كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٧١) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٥٦٥) بسند صحيح.","vol":"1","page":408},{"text":"فقال الله: لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض، فأرسل عليهم ريحًا، فأذرت عند مساكنهم السلوى، وهو السماني، مثل ميل في ميل قيد رمح في السماء، فخبأوا للغد، فنتن اللحم، وخنز الخبز.\nوقال السدي (^١): لما دخل بنو إسرائيل التيه قالوا لموسى ﵇: كيف لنا بما ها هنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان (يسقط) (^٢) على (الشجر) (^٣) (الزنجبيل) (^٤) والسلوى، وهو طائر يشبه السماني أكبر منه؛ فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كما سمينًا ذبحه وإلا أرسله؛ فإذا سمن أتاه فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأُمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فشرب كل سبط من عين، فقالوا: هذا الشراب، فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما يطول الصبيان، ولا (يتخرق) (^٥) لهم ثوب؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ (الآية) (^٦) [البقرة: ٦٠].\nوروي عن وهب (^٧) بن منبه، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدي.\nوقال سنيد (^٨)، عن حجاج، عن ابن جريج؛ قال: قال ابن عباس: خلق لهم في التيه ثياب لا (تخرق) (^٩) ولا تدرن.\nقال ابن جريج: (وكان) (^١٠) الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدًا.\n[قال ابن (^١١) عطية: السلوى طير بإجماع المفسرين؛ وقد غلط الهذلي في قوله: إنه العسل، وأنشد في ذلك مستشهدًا:\nوقاسمها بالله جهدًا لأنتم … ألذ من السلوى إذا ما (أشورها (^١٢»\nقال: فظن أن السلوى عسلًا] (^١٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٩٩١) بسند حسن. واختصره المصنف.\n(^٢) في (ن): \"ينزل\".\n(^٣) في (ل) و(ن): \"شجر\".\n(^٤) في \"تفسير ابن جرير\": \"الترنجيبين\" وأشار المحقق إلى أنه وقع في \"مخطوطة ابن جرير\" أن الكلمة \"الزنجبيل\" وكذلك وقعت الكلمة هكذا في كل أصول \"تفسير ابن كثير\" نقلًا عن \"ابن جرير\" مما يدل على صحتها، وأن ما اختاره المحقق حفظه الله ضعيف والله أعلم.\n(^٥) كذا في (ج) و(ل) و(ن) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض) و(ك) و(هـ): \"ينخرق\".\n(^٦) من (ن).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٩٩٥) مطولًا.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٩٩٧) وسنده ضعيف لإعضاله.\n(^٩) في (ل): \"تخلق\".\n(^١٠) في (ز) و(ن): \"فكان\".\n(^١١) في \"تفسيره\" (١/ ٣٠٥) وقد اختصر المصنف عبارته.\n(^١٢) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي \"تفسير ابن عطية\" و\"القرطبي\": \"نشورها\" بنون في أوله. وفي \"لسان العرب\" (٣/ ٢٣٥٦): \"شار العسل يشوره شورًا وشيارًا وشيارة ومشارًا ومشارةً: استخرجه من الوقبة واجتناه\".\n(^١٣) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).","vol":"1","page":409},{"text":"[قال القرطبي (^١): دعوى الإجماع لا تصح؛ لأن (المؤرج) (^٢) أحد علماء اللغة والتفسير قال: إنه العسل؛ واستدل ببيت الهذلي هذا، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة لأنه (يسلى) (^٣) به، ومنه: عين سلوان.\nوقال الجوهري: السلوى: العسل. واستشهد ببيت الهذلي أيضًا. والسلوانة - بالضم: خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر] (^٤) [فشربها العاشق سلا؛ قال الشاعر:\nشربت على سلوانة ماء مزنة … فلا وجديد العيش يا ميُّ ما أسلو\nواسم ذلك الماء: السلوان.\nوقال بعضهم: السلوان دواء (يشفي) (^٥) الحزين فيسلو، والأطباء يسمونه (\"المفرج\") (^٦).\nقالوا: والسلوى جمع بلفظ الواحد أيضًا، كما يقال: \"سمانا\" للمفرد والجمع [(ودفلى) (^٧) كذلك] (^٨). وقال الخليل: واحده سلواة، وأنشد:\nوإني لتعروني لذكراك هزة … كما انتفض السلواة من بلل القطر\nوقال الكسائي: السلوى واحدة، وجمعه سلاوى: نقله كله القرطبي] (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أمر إباحة وإرشاد وامتنان.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا، كما قال: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [سبأ: ١٥] فخالفوا وكفروا، فظلموا أنفسهم؛ هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات.\nومن ها هنا (تتبين) (^٩) فضيلة أصحاب محمد (ﷺ) (^١٠) و﵃، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، (كما كانوا) (^١١) معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلًا على (الرسول) (^١٢) ﷺ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم، فجمعوا ما معهم، فجاء قدر مبرك الشاة، فدعا الله فيه، وأمرهم فملئوا كل وعاء معهم. وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى، (فجاءت) (^١٣) سحابة فأمطرتهم فشربوا وسقوا الإبل، وملئوا أسقيتهم، ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر.\nفهذا هو الأكمل في الاتباع: المشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول ﷺ.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٤٠٧).\n(^٢) بكسر الراء المشددة، ابن عمرو، أبو فيد السدوسي أحد أصحاب الخليل بن أحمد الفراهيدي، من طبقة سيبويه والنضر بن شميل. توفي سنة (١٩٥) يوم موت أبي نواس الشاعر المعروف.\n(^٣) في (ل): \"سبلى\"!\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^٥) في (ك): \"يسقى\"؛ وفي (ل): \"شفى\".\n(^٦) في (ن): \"مفرج\".\n(^٧) في (ن): \"وويلى\"!\n(^٨) بياض في (ع) و(ى).\n(^٩) في (ج): \"يتبين\".\n(^١٠) في (ج) و(ض) و(ك): \"صلوات الله وسلامه عليه\".\n(^١١) في (ن): \"مع ما كانوا\".\n(^١٢) في (ن): \"النبي\".\n(^١٣) في (ن): \"فجاءتهم\".","vol":"1","page":410},{"text":"<span id=\"aya-65\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾.\nيقول تعالى، لائمًا لهم على نكولهم عن الجهاد، ودخولهم الأرض المقدسة لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ﵇؛ فأُمروا بدخول الأرض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم، وضعفوا، واستحسروا؛ فرماهم الله (تعالى) (^١) في التيه عقوبةً لهم، كما ذكره تعالى في \"سورة المائدة\".\nولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس، كما نص على ذلك السدى (^٢)، والربيع (^٣) بن أنس، وقتادة (^٤)، [أبو مسلم الأصفهاني، وغير واحد. [وقد قال (الله) (^٥) تعالى] (^٦)، حاكيًا عن موسى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ (وَلَا تَرْتَدُّوا) …﴾ الآيات [المائدة: ٢١] (^٧)] (^٨).\nوقال آخرون: هي أريحا، [ويحكى عن ابن عباس، وعبد الرحمن (^٩) بن زيد] (^١٠)، وهذا بعيد؛ لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحا، [وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه (فخر الدين) (^١١) (الرازي) (^١٢) في \"تفسيره\" (^١٣) والصحيح الأول: أنها بيت المقدس] (¬).\n(وكان (^١٤) هذا) لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنةً مع يوشع بن نون ﵇، وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلًا حتى أمكن الفتح (^١٥). [وأما \"أريحا\"، فقرية ليست مقصودةً لبني إسرائيل] (^١٦).\nولما فتحوها أُمروا أن يدخلوا الباب، باب البلد، ﴿سُجَّدًا﴾ أي: شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، ورد بلدهم عليهم، وإنقاذهم من التيه والضلال.\nقال العوفي (^١٧) في \"تفسيره\"، عن ابن عباس إنه كان يقول في قوله (تعالى) (^١٨): ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: ركعًا.\n_________\n(^١) من (ج) و(ض) و(ع) و(ل) و(ى).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٠٠٠) وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٠٠١) وسنده ضعيف لجهالة شيخ الطبري.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤٦) ومن طريقه ابن جرير (٩٩٩)؛ وابن أبي حاتم (٥٧٣). [وسنده صحيح].\n(^٥) لفظ الجلالة من (ن).\n(^٦) ساقط من (هـ).\n(^٧) من (ن).\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٠٠٢) وسنده صحيح.\n(^١١) ساقط من (ن) و(هـ).\n(^١٢) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).\n(^١٣) انظر: \"تفسير الرازي\" (٢/ ٩٤).\n(^١٤) (في (ز) و(ك) و(ن): \"وهذا كان\". وفي (هـ): \"وهذا\".\n(^١٥) وسيأتي الكلام عن هذا مفصلًا في سورة \"المائدة\" إن شاء الله تعالى.\n(^١٦) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٧) ومن طريقه ابن جرير (١٠٠٦) وسنده ضعيف.\n(^١٨) من (ن).","vol":"1","page":411},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -[في قوله (تعالى) (^٢)] (^٣) ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: رُكعًا من باب صغير.\nورواه الحاكم من حديث سفيان به. ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان - وهو الثوري - به؟ وزاد: فدخلوا من قبل أستاههم.\n[وقال الحسن البصري: أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم. واستبعده الرازي (^٤). وحكى عن بعضهم أن المراد بالسجود (ها هنا) (^٥) الخضوع لتعذر حمله على حقيقته] (^٦).\nوقال خصيف (^٧): قال عكرمة: قال ابن عباس: كان الباب قبل القبلة، وقال (ابن عباس، و) (^٨) مجاهد (^٩)، والسدي، وقتادة (^١٠)، والضحاك: هو باب الحطة من باب إيلياء بيت المقدس، [وحكى الرازي عن بعضهم أنه عنى بالباب جهةً من جهات القبلة] (^٨).\nوقال خصيف (^١١): قال عكرمة: قال ابن عباس: فدخلوا على شق.\nوقال السدي (^١٢)، عن أبي سعد الأزدي، عن أبي الكنود، عن عبد الله بن مسعود؛ قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا، فدخلوا مقنعي رؤوسهم؛ أي: رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا.\n[وقوله (تعالى) (^١٣):] (^١٤) ﴿وَقُولُوا (^١٥) حِطَّةٌ﴾ قال الثوري (^١٦)، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال: مغفرة استغفروا.\nوروي عن عطاء (^١٧)، والحسن (^١٨)، وقتادة، والربيع (^١٩) بن أنس نحوه.\nوقال الضحاك (^٢٠)، عن ابن عباس: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال: قولوا هذا الأمر حق، كما قيل لكم.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١٠٠٧) وأخرج نحوه (١٠٠٨) من طريق أبي أسامة عن الثوري بسنده سواء وأخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٧، ٥٨٠، ٥٩٤)؛ والحاكم (٢/ ٢٦٢) من طريق سفيان الثوري به. قال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي.\n(^٢) من (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ل) و(ى).\n(^٣) ساقط من (هـ).\n(^٤) في \"تفسيره\" (٢/ ٩٤).\n(^٥) ساقط من (ع) و(هـ) و(ى). ووقع في (ن): \"هاهنا بالسجود\".\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٧) وسنده صالح.\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٩) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد].\n(^١٠) [ذكرهم ثلاثتهم ابن أبي حاتم بحذف السند].\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨١). [وفي سنده خصيف: سيء الحفظ].\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٣) بسند ضعيف.\n(^١٣) من (ن).\n(^١٤) ساقط من (ج) و(ع) و(ل) و(ى).\n(^١٥) ساقط من (ك).\n(^١٦) أخرجه ابن جرير (١٠١٢، ١٠١٦)؛ وابن أبي حاتم (٥٨٤). [وسنده حسن].\n(^١٧) أخرجه ابن جرير (١٠١٤) بسند جيد.\n(^١٨) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤٧) عن الحسن وقتادة معًا ومن طريقه ابن جرير (١٠٠٩). [وسنده صحيح].\n(^١٩) أخرجه ابن جرير (١٠١٣) بسند ضعيف.\n(^٢٠) أخرجه ابن جرير (١٠١٧)؛ وابن أبي حاتم (٥٨٥) بسند ضعيف.","vol":"1","page":412},{"text":"وقال عكرمة (^١): قولوا: \"لا إله إلا الله\".\n[وقال الحسن، وقتادة: أي: احطط عنا خطايانا] (^٢).\nوقال الأوزاعي (^٣): كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه، يسأله عن قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فكتب إليه أن أقروا بالذنب.\n﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذا جواب الأمر؛ أي: إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات، وضاعفنا لكم الحسنات (^٤).\nوحاصل الأمر أنهم أُمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم، ويستغفروا منها، والشكر على النعمة عندها، والمبادرة إلى ذلك من المحبوب لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر] فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر. وفسره ابن عباس (^٥) بأنه نعى إلى رسول الله ﷺ أجله فيها، وأقره على ذلك عمر ﵁.\nولا منافاة بين أن يكون قد أُمر بذلك عند ذلك، ونُعى إليه روحه الكريمة أيضًا؛ ولهذا كان ﵊ يظهر عليه الخضوع جدًّا عند النصر؛ كما رُوي (^٦) أنه كان يوم الفتح - فتح المكة - داخلًا إليها من الثنية العليا، وإنه لخاضع لربه حتى إن (عثنونه) (^٧) ليمس مورك رحله (يشكر) (^٨) الله على ذلك. ثم لما دخل البلد اغتسل وصلى ثماني ركعات؛ وذلك ضحًى؛ فقال بعضهم: هذه صلاة الضحى. وقال آخرون: بل هي صلاة الفتح (^٩). فاستحبوا للإمام وللأمير إذا\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٠١٥)؛ وابن أبي حاتم (٥٨٦) من طريق حفص بن عمر، ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة. وحفص بن عمر متروك ولكنه لم يتفرد به فتابعه إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه مثله. أخرجه الطبراني في \"الدعاء\" (١٥٦٤)؛ وإبراهيم شبه المتروك. وعزاه السيوطي (١/ ٧١) لعبد بن حميد.\n(^٢) قول الحسن وقتادة متأخر بعد قول الأوزاعي في (ز) و(ض) و(ن). وأخرج قولهما هذا عبد الرزاق (١/ ٤٧) ومن طريقه ابن جرير (١٠٠٩) وتقدم الإشارة إليه. [وسنده صحيح].\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٧) وسنده ضعيف لإعضاله.\n(^٤) جاء بعد هذه الجملة في (ع) و(هـ): \"وحكى الرازي أنه عني بالباب جهة من جهات القرية\" وقد تقدم هذا الكلام في موضعه عند قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾ [النساء: ١٥٤]، ولا معنى لذكره هنا. والله أعلم.\n(^٥) كما أخرجه البخاري (٦/ ٦٢٨؛ و٨/ ٢٠، ١٢٠، ٧٣٥)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه مختصرًا.\n(^٦) أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (٤/ ١٩)؛ والبيهقي في \"الدلائل\" (٥/ ٦٨) من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: \"لما نزل رسول الله ﷺ بذي طوى، ورأى ما أكرمه الله به من الفتح، جعل رسول الله ﷺ يتواضع لله، حتى إنه ليقول: قد كاد عثنونه أن يصيب واسطة الرحل\".\nوهذا مرسل حسن الإسناد، وله شاهد موصول أخرجه البيهقي (٥/ ٦٨، ٦٩) من طرق عبد الله بن أبي بكر المقدمي، ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح، وذقنه على رحله متخشعًا، وسنده صحيح.\n(^٧) في (ل): \"عيونه\"! ووقع في (ك) و(هـ): \"عسنونه\" بالسين وكلاهما تصحيف والعثنون: اللحية، أو ما فضل منها بعد العارضين.\n(^٨) في (ن) و(هـ): \"شكرًا لله\".\n(^٩) وهكذا رجح ابن القيم ﵀. وانظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٤١٠).","vol":"1","page":413},{"text":"فتح بلدًا أن يصلِّي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله، كما فعل سعد بن أبي وقاص (^١) ﵁ لما دخل إيوان كسرى؛ صلى فيه ثماني ركعات. والصحيح أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم؛ وقيل: يصليها كلها بتسليم واحد. والله أعلم.\n[وقد تكلم القرطبي (^٢) ها هنا على مسألة رواية الحديث بالمعنى، وأطال الكلام فيها، وحكى عن الجمهور وعن محمد بن سيرين، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة المنع، واختار ابن العربي (^٣) المالكي أن ذلك يجوز (في زمن) (^٤) الصحابة والتابعين لعلمهم باللغة، وقدرتهم على المطابقة، وأما من بعدهم فلا يجوز وقد أنكر بعض العلماء (^٥) على ابن العربي التفرقة والله أعلم.\nقال وكيع: إن لم تكن الرواية بالمعنى فقد هلك الناس. وصدق وكيع.\nوقال الحسن البصري: إذا أصبت المعنى أجزأك. وقال قتادة عن زرارة: لقيت عدةً من الصحابة، فاختلفوا علي في اللفظ، واجتمعوا في المعنى] (^٦).\n\n<span id=\"aya-66\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾: قال البخاري (^٧): (حدثني) (^٨) محمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، قال: \"قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا حبة في شعرة\".\nورواه النسائي، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن (بن مهدي) (^٩) به - موقوفًا؛ وعن محمد بن عبيد بن محمد، عن ابن المبارك ببعضه مسندًا في قوله تعالى: ﴿حِطَّةٌ﴾ قال: [فبدلوا (فقالوا) (^١٠)] (^١١) حبة.\n_________\n(^١) ذكر المصنف ﵀ خبر سعد ﵁ في \"البداية والنهاية\" (٧/ ٧٤) في أحداث سنة \"ست عشرة\".\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ٤١١ - ٤١٤).\n(^٣) في \"أحكام القرآن\" (١/ ٢٢).\n(^٤) كذا في (ج) و(ى)؛ وفي (ل): \"في المطابقة ومن\"!!\n(^٥) قال القرطبي (١/ ٤١٤) بعد تلخيص كلام ابن العربي: \"قال بعض علمائنا: لقد تعاجم ابن العربي ﵀، فإن الجواز إذا كان مشروطًا بالمطابقة فلا فرق بين زمن الصحابة والتابعين وزمن غيرهم، ولهذا لم يفصل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل. نعم؟ لو قال: المطابقة في زمنه أبعد كان أقرب. والله أعلم\". اهـ.\nوانظر بحث الرواية بالمعنى وجوازه من عدمه في \"الكفاية\" (ص ١٧١ - ٢٠٣) للخطيب البغدادي.\n(^٦) من (ل)، وكتب في (ج) و(ى) في الحاشية.\n(^٧) في \"تفسير سورة البقرة\" من \"صحيحه\" (٨/ ١٦٤).\n(^٨) من (ز) وهو الموافق لما في \"الصحيح\"، وفي بقية الأصول: \"حدثنا\". ومحمد، شيخ البخاري قال الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ١٦٤): \"لم يقع منسوبًا إلا في رواية أبي علي بن السكن، عن الفربري فقال: محمد بن سلام، ويحتمل عندي أن يكون محمد بن يحيى الذهلي فإنه يروى عن عبد الرحمن بن مهدي أيضًا، أما أبو علي الجياني فقال: الأشبه أنه محمد بن بشار\".\n(^٩) ساقط من (ن).\n(^١٠) في (ن): \"وقالوا\".\n(^١١) ساقط من (ج) و(ل).","vol":"1","page":414},{"text":"وقال عبد (^١) الرزاق: أنبأنا معمر، عن همام بن منبه - أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم: فقالوا: حبة في شعرة.\nوهذا حديث صحيح رواه البخاري، عن إسحاق بن نصر، ومسلم، عن محمد بن رافع، والترمذي عن (عبد) (^٢) بن حميد، كلهم عن عبد الرزاق، به.\nوقال الترمذي: \"حسن صحيح\" (^٣).\nوقال محمد بن (^٤) إسحاق: كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، وعمن لا أتهم، عن ابن عباس - أن رسول الله ﷺ قال: \"دخلوا الباب - الذي أُمروا أن يدخلوا فيه سجدًا - يزحفون: على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعيرة\".\nوقال أبو (^٥) داود: حدثنا أحمد بن صالح، وحدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري (﵁) (^٦) عن النبي ﷺ: \"قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولها حطة نغفر لكم خطاياكم\"؛ ثم قال (^٧) أبو داود: حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا ابن أبي فديك، عن هشام (بمثله) (^٨).\nهكذا رواه منفردًا به في \"كتاب الحروف\" مختصرًا.\nوقال ابن مردويه (^٩): حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن (فهد) (^١٠)، حدثنا أحمد بن محمد بن المنذر القزاز، حدثنا محمد بن إسماعيل بن (أبي) (^١١) فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى\n_________\n(^١) أخرجه البخاريُّ (٦/ ٤٣٦).\n(^٢) في (ن): \"عبد الرحمن\"!!\n(^٣) [السنن (٢٩٥٦)].\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٠٢٠) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة وعلي بن مجاهد، قالا: حدثنا محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة مرفوعًا وسنده ضعيف جدًّا، ومحمد بن حميد الرازي شيخ الطبري واه، وصالح مولى التوأمة ضعيف لاختلاطه لأنه طعن في الكبر، حتى قال ابن عيينة: \"سمعت منه ولعابه يسيل من الكبر\" وطعن فيه مالك لأنه أدركه بعد ما تغير واختلط كما قال أحمد وابن معين، فمن سمع منه قبل الاختلاط مثل ابن أبي ذئب فسماعه جيد. والراوي عنه هنا هو صالح بن كيسان، ولم ينصوا أنه سمع منه قبل الاختلاط. والله أعلم.\n(^٥) في \"سننه\" (٤٠٠٦) وسنده جيد، وهشام بن سعد وإن تكلم فيه بعض أهل العلم، فهو من أثبت الناس في زيد بن أسلم وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٧١) للضياء في \"المختارة\". [وقال الألباني: حسن صحيح وصحيح سنن أبي داود ح].\n(^٦) من (ز) و(ن).\n(^٧) رقم (٤٠٠٧).\n(^٨) في (ز) و(ض) و(ك) و(هـ): \"مثله\".\n(^٩) وأخرجه البزار (١٨١٢ - كشف الأستار) قال: حدثنا إسحاق بن بهلول الأنباري، ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك بسنده سواء وفيه قصة. وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" مثله، قال البزار: \"لا نعلم أحدًا رواه هكذا إلا محمد بن إسماعيل\". وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ١٤٤): \"رجاله ثقات\".\n(^١٠) في (ز) و(ن): \"مهدي\".\n(^١١) ساقط من (ك) و(ض).","vol":"1","page":415},{"text":"إذا كان من آخر الليل (أجزنا) (^١) في (ثنية) (^٢) يقال لها: \"ذات الحنظل\"؛ فقال رسول الله ﷺ: \"ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم\".\nوقال سفيان (^٣) الثوري: عن أبي إسحاق، عن البراء: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] قال اليهود: قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا - قال: رُكعًا، وقولوا حطة؛ أي: مغفرة؛ فدخلوا على أستاههم، وجعلوا يقولون: حنطة حمراء فيها شعيرة؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.\nوقال الثوري (^٤)، عن السدي، عن أبي سعد الأزدي، عن أبي الكنود، عن ابن مسعود: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (فقالوا (^٥): حنطة) حبة حمراء فيها شعيرة؛ فأنزل الله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.\nوقال أسباط (^٦)، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود: أنه قال: إنهم قالوا: \"هطا سمعاثا أزبة مزبا\"؛ فهي بالعربية حبة حنطة حمراء (مثقوبة) (^٧) فيها شعرة سوداء؛ فذلك قوله (تعالى) (^٨): ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.\nوقال الثوري (^٩)، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله (تعالى) (٣): ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: رُكعًا من باب صغير، (يدخلون) (^١٠) (فيه) (^١١) من قبل أستاههم،\n_________\n(^١) في (هـ): \"اجتزنا\".\n(^٢) في (ج) و(ض) و(ى): \"سرية\"، وأشار في (ى) إلى أنه وقع في نسخة: \"ثنية\".\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في \"الطبقات\" (٧٨٣) قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جميل، ثنا عبد الله بن عمر، ثنا وكيع، عن سفيان الثوري به. وشيخ أبي الشيخ صدوق، وبقية السند ثقات معروفون، وهو سند صحيح لولا تدليس أبي إسحاق. واستغرب أبو الشيخ هذا الحديث. وأما قوله في الحديث أن السفهاء هم اليهود فقد أخرجه النسائي والترمذي وغيرهما ويأتي تخريجه عند الآية (١٤١) إن شاء الله.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٠٢٣)؛ وابن أبي حاتم (٥٩٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٩٠٢٧) عن محمد بن يوسف الفريابي كلاهما عن سفيان الثوري بسنده سواء.\nووقع عند ابن جرير وابن أبي حاتم: \"عن أبي سعيد الأزدي\" وصوابه: \"أبو سعد\" وقد ترجمه البخاري في \"الكنى\" رقم (٣١٣) وقال: \"سمع زيد بن أرقم، روى عنه السدي ويزيد بن أبي زياد وعن أبي الكنود\". اهـ فقوله: وعن أبي الكنود؛ يعني: أنه روى عن أبي الكنود ولم يذكر فيه شيئًا وترجمه ابن أبي حاتم (٤/ ٢/ ٣٧٨) ولم يحك فيه شيئًا وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٥٦٨)؛ وأبو الكنود وثقه ابن حبان (٥/ ٤٤)؛ وابن سعد في \"الطبقات\" (٦/ ١٧٧) وقال: \"له أحاديث يسيرة\" وقد روى ابن ماجه (٤١٢٧) حديثًا من طريق السدي، عن أبي سعد الأزدي، عن أبي الكنود، عن خباب ﵁، فقال البوصيري في \"الزوائد\" (٢٧٧/ ٣): \"هذا إسناد صحيح\". [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣٢٩)].\n(^٥) ساقط من (ج).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٠٢٩)؛ وابن أبي حاتم (٥٩٣) بسند حسن.\n(^٧) في (ض): \"مستوية\"؛ وفي (ل): \"منقوشة\".\n(^٨) من (ن).\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٠٢٤) عن أبي أحمد الزبيري، وابن أبي حاتم (٥٩٤) عن يحيى بن آدم كلاهما عن سفيان الثوري بسنده سواء. وهذا سياق ابن أبي حاتم وسنده جيد.\n(^١٠) في (ز) و(ن): \"فدخلوا\".\n(^١١) من (هـ).","vol":"1","page":416},{"text":"وقالوا: حنطة؛ (فهو) (^١) قوله (تعالى) (^٢): ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.\nوهكذا روى عن عطاء، ومجاهد (^٣)، وعكرمة (^٤)، والضحاك، والحسن (^٥)، وقتادة (^٥)، والربيع (^٦) بن أنس، ويحيى بن رافع.\nوحاصل ما ذكره المفسرون، وما دل عليه السياق (من الحديث) (^٧) أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم (من قبل أستاههم) (^٨)، رافعي رؤوسهم. وأُمروا أن يقولوا حطة؛ أي: احطط عنا ذنوبنا (وخطايان) (^٩) فاستهزوا فقالوا: حنطة في (شعرة) (^١٠). وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم؛ وهو خروجهم عن طاعته.\nولهذا قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\nوقال الضحاك (^١١)، عن ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب.\nوهكذا روى عن مجاهد، وأبي مالك، والسدي، والحسن، وقتادة (^١٢) - أنه العذاب.\nوقال أبو العالية (^١٣): الرجز: الغضب.\nوقال الشعبي (^١٤): الرجز: إما الطاعون، وإما البرد.\nوقال سعيد بن جبير: هو الطاعون.\nوقال ابن أبي (^١٥) حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد - يعني: ابن أبي وقاص -، عن سعد بن مالك، وأُسامة بن زيد، وخزيمة بن ثابت ﵃؛ قالوا: قال رسول الله ﷺ: \"الطاعون رجز عذاب عُذب به من كان قبلكم\".\nوهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري، به.\n_________\n(^١) في (ن): \"فذلك\".\n(^٢) من (ن).\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٧/ ١٠، ١٠٢٨). [وسنده صحيح].\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٠٣١) من طريق النضر بن عربي، عن عكرمة. وفي إسناده سفيان بن وكيع شيخ ابن جرير وفيه مقال. ووقع عند ابن جرير: \"النضر بن عدي\"! وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤٧) ومن طريقه ابن جرير (١٠٢٦) أنبأنا معمر، عن قتادة والحسن فذكره. [وسنده صحيح].\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٠٣٢) قال: حدثت عن عمار بن الحسن، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس. وهذا إسناد منقطع.\n(^٧) ساقط من (ن).\n(^٨) ساقط من (ج).\n(^٩) من (ن).\n(^١٠) في (ك) و(ل) و(ن): \"شعيرة\".\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٠٤٢)؛ وابن أبي حاتم (٥٩٦) بسند ضعيف.\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (١٠٣٨). [وسنده صحيح].\n(^١٣) أخرجه ابن جرير (١٠٣٨)؛ وابن أبي حاتم (٥٩٧). [وسنده جيد].\n(^١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٨) وسنده ضعيف جدًّا.\n(^١٥) في \"تفسيره\" (٥٩٥). وأخرجه مسلم (٢٢١٨/ ٩٧).","vol":"1","page":417},{"text":"وأصل الحديث في \"الصحيحين\" (^١) من حديث حبيب بن أبي ثابت: \"إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها … \" الحديث.\nقال ابن جرير (^٢): أخبرني يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري؛ قال: (أخبرني) (^٣) عامر بن سعد بن أبي وقاص؛ عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إن هذا الوجع (أو) (^٤) السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم\".\nوهذا الحديث أصله مخرج في \"الصحيحين\" من حديث الزهري؛ ومن حديث مالك (^٥)، عن محمد بن المنكدر، وسالم بن أبي النضر، عن عامر بن سعد بنحوه.\n\n<span id=\"aya-67\"></span>﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾.\nيقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى ﵇ حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم، (وتفجير) (^٦) الماء لكم منه من ثنتي عشرة عينًا، لكل سبط من أسباطكم عين قد (عرفوها) (^٧) فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعى منكم ولا كد، واعبدوا الذي سخر لكم ذلك؛ ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها.\nوقد بسطه المفسرون في كلامهم، كما قال ابن عباس (﵁) (^٨) وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى ﵇، فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، في كل ناحية منه ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها، لا يرتحلون من (مَنْقَلَة) (^٩) إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول.\nوهذا قطعةٌ من الحديث الذي رواه النسائي (^١٠)، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وهو حديث الفتون الطويل.\nوقال عطية (^١١) العوفي: وجعل لهم (حجر) (^١٢) مثل رأس الثور، يحمل على ثور؛ فإذا نزلوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٠/ ١٧٨، ١٧٩)؛ ومسلم (٢٢١٨/ ٩٧).\n(^٢) في \"تفسيره\" (١٠٣٦)؛ وأخرجه أيضًا في \"تهذيب الآثار\" (٨٩ - القسم المتمم).\nوأخرجه البخاري (١٢/ ٣٤٤)؛ ومسلم (٢٢١٨/ ٩٦).\n(^٣) في (خـ): (أخبرنيه).\n(^٤) في (ن): (و).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦/ ٥١٣)؛ ومسلم (٢٢١٨/ ٩٨).\n(^٦) في (ز): \"تفجيرى\".\n(^٧) في (ج): \"عرفوا\".\n(^٨) من (ن).\n(^٩) في (ك): \"مقلة\"!\n(^١٠) ويأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في \"سورة طه\".\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٣) وإسناده حسن. أما المعلق على تفسير ابن أبي حاتم فقال: \"حديث منكر والمتهم به عطية\" فنقول: أين هذا الحديث الذي اتهم به عطية؟ إنما هو قوله، وإنما ينظر في السند إليه، فلو أن كذابًا قال قولًا وصح السند إليه، فهل نقول: لم يقله لأنه كذاب؟!\n(^١٢) في (هـ): \"حجرًا\" على اعتبار أن الفعل \"جعل\" مبني للمعلوم.","vol":"1","page":418},{"text":"منزلًا وضعوه، فضربه موسى (عليه (^١) السلام) بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فإذا ساروا حملوه على ثور، فاستمسك الماء.\nوقال عثمان (^٢) بن عطاء الخراساني، عن أبيه: كان لبني إسرائيل حجر، فكان يضعه هارون، ويضربه موسى بالعصا.\nوقال قتادة (^٣): كان حجرًا طوريًا من الطور، يحملونه معهم، حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه.\n[وقال الزمخشري (^٤): وقيل كان من رخام، وكان ذراعًا في ذراع. وقيل: مثل رأس الإنسان. وقيل: كان من (آس) (^٥) الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار.\nقال (^٦): وقيل: أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا.\nوقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل، فقال له جبريل: ارفع هذا الحجر، فإن فيه قدرةً، ولك فيه معجزة؛ فحمله في مخلاته.\nقال الزمخشري (^٤): ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد؛ أي: اضرب الشيء الذي يقال له: الحجر] (^٧).\n[وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجرًا بعينه.\nقال (^٨): وهذا أظهر في المعجزة، وأبين في القدرة؛ فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر، ثم يضربه فييبس؛ فقالوا: إن فقد موسى (عصاه) (^٩) عطشنا؛ فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر، ولا يمسها بالعصا لعلهم يقرون. والله أعلم] (^١٠).\nوقال يحيى (^١١) بن النضر: قلت لجويبر: كيف علم كل أناس مشربهم؟ قال: كان موسى يضع الحجر، ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينًا، فينضح من كل عين على رجل فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين.\n[وقال الضحاك (^١٢): قال ابن عباس: لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهارًا] (^١٣)، وقال (سفيان) (^١٤) الثوري، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس (^١٥)؛ قال:\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٤) وعثمان بن عطاء متروك.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٠٤٣) وسنده صحيح.\n(^٤) في \"الكشاف\" (١/ ٧١).\n(^٥) ساقط من (ن).\n(^٦) يعني: الزمخشري.\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^٨) يعني: الزمخشري.\n(^٩) في (ن): \"هذا الحجر\".\n(^١٠) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٩) وسنده ضعيف جدًّا. ويحيى بن النضر، هكذا وقع في \"أصول\" التفسير، وصوابه: \"يحيى أبو النضر\" وهو يحيى بن كثير، وهو واه.\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٧) وسنده ضعيف لانقطاعه بين الضحاك وابن عباس.\n(^١٣) هذه الفقرة مؤخرة عن التي تليها في (ج).\n(^١٤) ساقط من (ن).\n(^١٥) أخرجه ابن جرير (١٠٤٥) قال: حدثني عبد الكريم، قال: أخبرنا إبراهيم بن بشار، قال: حدثنا سفيان، =","vol":"1","page":419},{"text":"ذلك في التيه ضرب لهم موسى الحجر، فصار منه اثنتا عشرة عينًا من ماءٍ، لكل سبط منهم عين يشربون منها.\nوقال مجاهد (^١) نحو قول ابن عباس.\nوهذه القصة شبيهة بالقصة التي في \"سورة الأعراف\"، ولكن تلك مكية، فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب؛ لأن الله تعالى يقص على رسوله ﷺ ما فعل بهم.\n(وأما) (^٢) في هذه السورة وهي \"البقرة\" فهي مدنية؛ فلهذا كان الخطاب (فيها) (^٣) متوجهًا إليهم، وأخبر هناك بقوله: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] وهو أول الانفجار. وأخبر ها هنا بما آل إليه الحال آخرًا، وهو الانفجار؛ فناسب ذكر (هذا) (^٤) ها هنا وذاك هناك. والله أعلم. (^٥) [وبين السياقين تباين من عشرة أوجه لفظية ومعنوية، قد سأل عنها (الرازي) (^٦) في \"تفسيره (^٧)، وأجاب عنها بما عنده، والأمر في ذلك قريب. والله أعلم\"] (٥).\n\n<span id=\"aya-68\"></span>﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.\nيقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى طعامًا طيبًا نافعًا، هنيئًا سهلًا؛ واذكروا دَبَركم (^٨) وضجركم مما (رزقناكم) (^٩)، وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنيئة (^١٠) من البقول ونحوها مما سألتم.\nوقال الحسن البصري: فبطروا ذلك (ولم) (^١١) يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه،\n_________\n= عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس. وسفيان الواقع في السند هو ابن عيينة وإبراهيم بن بشار الرمادي من قدماء أصحابه، فقول المصنف ﵀ أن سفيان هو الثوري فيه نظر، فإن الرمادي لم يدرك الثوري وبين وفاتيهما سبع وستون عامًا أو أقل قليلًا. وقد صرح ابن جرير أن سفيان هو ابن عيينة في موضع آخر من \"تفسيره\" (٨٩٢) بذات السند هنا وأبو سعيد هو عبد الكريم بن مالك الجزري. وهذا سند جيد.\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٠٤٦). [بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد].\n(^٢) في (ج): \"وما\".\n(^٣) من (ز) و(ن).\n(^٤) في (ن): \"الانفجار\"!\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).\n(^٦) في (ن): \"الزمخشري\".\n(^٧) انظر: \"تفسير الرازي\" (٢/ ١٠٢ - ١٠٤).\n(^٨) يعني: تألمكم ونفوركم؛ من \"دبر البعير وحفي\".\n(^٩) كذا في (ك) و(ل) و(ن) و(هـ)؛ وفي (ز) و(ض) و(ى): \"رزقتكم\"؛ وفي (ج): \"رزقكم\".\n(^١٠) كذا قال المصنف ﵀: والمعروف أن باء الاستبدال إنما تلتحق بالمتروك، فلا يقال: استبدلت الثوب القديم بثوب جديد، وإنما يقال: استبدلت الثوب الجديد بثوب قديم، فـ\"الباء\" إنما تلتحق بما تركته، وأنت تركت القديم لا الجديد وفي هذه الآية ما يدل على ذلك فقال تعالى: \"أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير\" فهم تركوا الذي هو خير، فالتحقت الباء بما تركوه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] فقد نهوا أن يتركوا الطيب، فالتحقت الباء به. والله أعلم.\n(^١١) في (ن): \"فلم\".","vol":"1","page":420},{"text":"وكانوا قومًا أهل أعداس وبصل (وبقول) (^١) وفوم؛ فقالوا: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ (^٢) [وإنما قالوا على طعام واحد، وهم يأكلون المن والسلوى؛ لأنه لا (يتبدل) (^٣) ولا يتغير كل يوم؛ فهو مأكل واحد] (^٤).\nفالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة.\nوأما الفوم فقد اختلف السلف في معناه؛ فوقع في قراءة (^٥) ابن مسعود؛ \"وثومها\" بالثاء.\nوكذا فسره مجاهد (^٦) في رواية ليث بن أبي سليم عنه بالثوم. وكذا الربيع (^٧) بن أنس، وسعيد بن جبير.\nوقال ابن أبي (^٨) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحاق البصري، عن يونس، عن الحسن في قوله: (﴿وَفُومِهَا﴾)؛ قال: قال ابن عباس: الثوم. قال: وفي اللغة القديمة: فوِّموا لنا بمعنى اختبزوا.\nوقال ابن جرير (^٩): فإن كان ذلك صحيحًا فإنه من الحروف المبدلة؛ كقولهم: وقعوا في عاثور شر وعافور شر، وأثافي وأثاثي، ومغافير ومغاثير، وأشباه ذلك مما تقلب الفاء ثاءً والثاء فاءً لقرب مخرجيهما. والله أعلم.\nوقال آخرون: الفوم: الحنطة، وهو البر الذي يعمل منه الخبز.\nقال ابن أبي (^١٠) حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أنبأنا ابن وهب قراءةً، حدثني\n_________\n(^١) في (ن): \"بقل\".\n(^٢) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق عباد بن منصور عن الحسن البصري].\n(^٣) في (ج): \"يبدل\".\n(^٤) ساقط من (ح) و(ز) و(هـ).\n(^٥) ذكرها ابن جرير (٢/ ١٣٠ - شاكر) بصيغة التمريض فقال: \"وذكر أن ذلك قراءة عبد الله بن مسعود: \"ثومها\"\" بالثاء، فإن كان ذلك صحيحًا، فإنه من الحروف المبدلة، كقولهم: وقعوا في عاثور شر، وعافور شر، وكفولهم: للأثافي، أثاثي؛ وللمغافير: \"مغاثير، وما أشبه ذلك مما تقلب الثاء فاءً، والفاء ثاءً، لتقارب مخرج الفاء مخرج الثاء … \". اهـ. ولم تصح هذه القراءة عن ابن مسعود، وذكرها سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (١٩١)؛ وابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ٥٦) بسندين معضلين إلى ابن مسعود وهذه القراءة التي نسبها ابن جرير إلى ابن مسعود لم يقرأ بها أحد من أصحاب القراءات المتواترة. والله أعلم.\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٠٧٧). وليث بن أبي سليم ضعيف.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٠٧٨) وشيخ ابن جرير: المثنى بن إبراهيم لم أجد له ترجمة. والله أعلم.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٦١٩) ورجاله موثقون؛ إلا أنه منقطع بين الحسن وابن عباس.\n(^٩) في \"تفسيره\" (٢/ ١٣٠ - شا كر).\n(^١٠) في \"تفسيره\" (٦١٨).\nوأخرجه ابن جرير (١٠٧٦) من طريق عبد العزيز بن منصور، عن نافع بن أبي نعيم عن ابن عباس وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ١٠/ رقم ١٠٥٩٧) من طريق جويبر، عن الضحاك بن مزاحم الهلالي قال: خرج نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رؤوس الخوارج لينقروا عن العلم ويطلبوه، حتى قدموا مكة فإذا هم بعبد الله بن عباس، فذكر صحيفة من أسئلتهم له وفيها هذا القدر. والوجه الأول منقطع بين نافع بن أبي نعيم وابن عباس. والوجه الثاني ساقط، لأن جويبرًا هالك. والله أعلم. [وأخرجه نافع بن أبي نعيم متصلًا عن عبد الرحمن الأعرج عن ابن عباس. تفسير نافع بن أبي نعيم بتحقيق حكمت بشير ص ٤٥].","vol":"1","page":421},{"text":"نافع بن أبي نعيم - أن ابن عباس سئل عن قول الله: ﴿وَفُومِهَا﴾ ما فومها؟ قال: الحنطة. قال ابن عباس: أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح، وهو يقول:\nقد كنت أغنى الناس شخصًا واحدًا … ورد المدينة عن زراعة فوم\nوقال ابن (^١) جرير: حدثنا علي بن الحسن، [حدثنا مسلم (الجرمي) (^٢)] (^٣)، حدثنا عيسى بن يونس، عن (رشدين بن كريب) (^٤)، عن أبيه، عن ابن عباس، في قول الله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ (قال: الفوم) (^٥): الحنطة بلسان بني هاشم.\n[وكذا قال علي (^٦) بن أبي طلحة، (و) (^٧) الضحاك (^٨)، عن ابن عباس؛ وعكرمة (^٩)، عن ابن عباس إن الفوم: الحنطة] (^١٠).\nوقال سفيان (^١١) الثوري: عن ابن جريج، عن مجاهد، وعطاء: ﴿وَفُومِهَا﴾ قالا: خبزها.\nوقال هشيم (^١٢)، عن يونس، عن الحسن، وحصين، عن أبي مالك: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: الحنطة. وهو قول عكرمة، والسدي (^١٣)؛ والحسن البصري (^١٤)، وقتادة (^١٤)، وعبد الرحمن (^١٥) بن زيد بن أسلم، وغيرهم. فالله أعلم.\n[وقال الجوهري: الفوم: الحنطة. وقال ابن دريد: السنبلة. وحكى القرطبي (^١٦)، عن عطاء وقتادة - أن الفوم كل حب يختبز. قال: وقال بعضهم: هو الحمص، لغة شامية، ومنه يقال لبائعه: فاميٌّ مغير عن فومي] (^١٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٠٧٥) وسنده ضعيف، لضعف رشدين بن كريب. [ويتقوى بسابقه].\n(^٢) وقع في (ن): \"الجرمي الجهني\"! وهو مسلم بن عبد الرحمن، أو مسلم بن أبي مسلم، ترجمه الخطيب في \"تاريخه\" (١٣/ ١٠٠) وقال: \"كان ثقة\" وترجمه الحافظ في \"اللسان\" (٦/ ٣٢) ونقل توثيقه عن ابن حبان وقال: \"ربما أخطأ\". وقال الأزدي: \"حدث بأحاديث لا يتابع عليها، وكان إمامًا بطرسوس\".\n(^٣) ساقط من (ل).\n(^٤) في (ض): \"زييد بن كعريب\"!! وفي \"ن\": \"رشيد بن كريب\"!.\n(^٥) في (ج): \"فالفوم\"؛ وفي (ل): \"إن الفوم\".\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٠٧٣). [وسنده ثابت].\n(^٧) في (ج): \"عن\"! وهو خطأ.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٠٧٤) وسنده ضعيف.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٦١٧) وسنده واه، في سنده سعيد بن المرزبان متروك. [ويتقوى بما سبق].\n(^١٠) ساقط من (ل).\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٠٦٣)؛ وأخرجه أيضًا (١٠٦٤) من طريق أبي عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. [وسنده صحيح].\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (١٠٦٩) قال: حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا هشيم به. والمثنى بن إبراهيم لم أقف له على ترجمة، ولكن أخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (١٩٠) قال: نا خالد بن عبد الله. وأخرجه ابن جرير (١٠٦٧) عن هشيم كلاهما عن حصين، عن أبي مالك فذكر مثله. وسنده صحيح، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ١٧٧) لعبد بن حميد.\n(^١٣) أخرجه ابن جرير (١٠٦٨) وسنده حسن.\n(^١٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤٧)، ومن طريقه ابن جرير (١٠٦٦) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن. [وسنده صحيح].\n(^١٥) أخرجه ابن جرير (١٠٧٢) وسنده صحيح.\n(^١٦) في \"تفسيره\" (١/ ٤٢٥، ٤٢٦).\n(^١٧) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).","vol":"1","page":422},{"text":"قال البخاري: وقال بعضهم: الحبوب التي تأكل كلها فوم.\nوقوله تعالى: ﴿(قَالَ) (^١) أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (فيه) (^٢) تقريع لهم، وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيئة مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع.\nوقوله (تعالى) (^٣): ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ هكذا هو منونٌ مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور بالصرف.\nقال ابن جرير (^٤): ولا أستجيز القراءة بغير ذلك، لإجماع المصاحف على ذلك.\nوقال ابن عباس: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ قال: مصرًا من الأمصار. رواه ابن (^٥) أبي حاتم من حديث أبي (سعد) (^٦) البقال سعيد بن المرزبان، عن عكرمة، عنه؛ قال (^٧): وروي عن السدي (^٨)، وقتادة (^٩)، والربيع (^١٠) بن أنس نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^١١): وقع في قراءة أُبي بن كعب وابن مسعود \"اهبطوا مصر\" من غير إجراء؛ يعني: من غير صرف؛ ثم روي عن أبي العالية (^١٢) والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك بمصر فرعون.\n[وكذا رواه ابن أبي حاتم (^١٣) عن (أبي العالية) (^١٤)، وعن الأعمش (^١٥) أيضًا.\nقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون] (^١٦) على قراءة الإجراء أيضًا. ويكون ذلك من باب الاتباع لكتابة المصحف؛ كما في قوله (تعالى) (^١٧): ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾ [الإنسان: ١٥، ١٦] ثم توقف في المراد ما هو؟ أمصر فرعون، أم مصر من الأمصار؟\n_________\n(^١) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) من (ن).\n(^٤) في \"تفسيره\" (٢/ ١٣٦).\n(^٥) في \"تفسيره\" (٦٢٢) من طريق ابن عيينة وهذا في \"تفسيره\"؛ كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٧١)، وعزاه السيوطي لابن جرير، ولم أجده فيه. فالله أعلم. وسنده واهٍ وأبو سعد البقال متروك.\n(^٦) في (ز) و(ض): \"أبو سعيد\" وكذلك هو في \"تفسير ابن أبي حاتم\"؛ وفي (ن): \"أبو معبد\" وكلاهما تصحيف.\n(^٧) يعني: ابن أبي حاتم.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٠٨٢) وسنده حسن.\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٠٨١) وسنده صحيح، ثم أخرجه (١٠٨٣) من وجه آخر عن قتادة فيه ضعف. وعزاه السيوطي (١/ ٧٣) لعبد بن حميد.\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٠٨٧) وسنده ضعيف.\n(^١١) في \"تفسيره\" (٢/ ١٣٥). [والقراءة شاذة].\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (١٠٨٦)، وكذلك أخرج أثر الربيع برقم (١٠٨٧). [وسنده جيد].\n(^١٣) في \"تفسيره\" (٦٢٣) [وسنده جيد].\n(^١٤) في (ن): \" … أبي العالية والربيع\"، وذكر \"الربيع\" غلط ولم يرو ابن أبي حاتم أثر الربيع، إنما رواه ابن جرير.\n(^١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٤). وعزاه السيوطي (١/ ٧٣) إلى ابن الأنباري؛ وابن أبي داود في \"المصاحف\" وسنده صالح، وفيه إسحاق بن الحجاج الطاحوني ترجمه ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (١/ ١/ ٢١٧) وذكر أن أباه وأبا زرعة كانا عزمًا أن يخرجا إليه، وظاهر من ترجمته أنه متماسك، ولو علم أبو حاتم وأبو زرعة فيه جرحًا لصرحا به. والله أعلم.\n(^١٦) ساقط من (ل).\n(^١٧) من (ن).","vol":"1","page":423},{"text":"وهذا الذي قاله فيه نظر. والحق أن المراد مصر من الأمصار، كما روي عن ابن عباس وغيره. والمعنى على ذلك؛ لأن موسى ﵇ يقول لهم: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز؛ بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه.\nولهذا قال: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ أي: ما طلبتم؛ ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر، ولا ضرورة فيه، لم يجابوا إليه. والله أعلم.\n﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أي: وضعت عليهم، وألزموا بها شرعًا وقدرًا؛ أي: لا يزالون (مستذلين) (^١)؛ من وجدهم استذلهم، وأهانهم، وضرب عليهم الصغار؛ وهم (مع) (^٢) ذلك في أنفسهم أذلاء (مستكينون) (^٣).\nقال الضحاك (^٤)، عن ابن عباس - (في قوله) (^٥): ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: هم أصحاب القبالات؛ يعني: (أصحاب) (٤) الجزية.\nوقال عبد الرزاق (^٦)، عن معمر، عن الحسن، وقتادة - في قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ قالا: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.\nوقال الضحاك (^٧): وضربت عليهم الذلة - قال: الذل.\nوقال الحسن (^٨): أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم تحت أقدام المسلمين؛ ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية.\nوقال أبو العالية (^٩)، والربيع بن أنس، والسدي (^١٠): المسكنة: الفاقة.\n_________\n(^١) إلى هنا وانقطعت النسخة (هـ) إلى آخر سورة البقرة.\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) كذا في (ن)؛ وفي (ج) و(ك) و(ى): \"مستكينين\"؛ وفي (ض): \"متمسكنين\"؛ وفي (ز): \"متمسكنون\"؛ وفي (ل): \"مستذلين\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٦) من طريق محمد بن القاسم الأسدي، عن عبيد بن طفيل الطفاوي، أبي سيدان، عن الضحاك، عن ابن عباس. وسنده واه جدًّا. ومحمد بن القاسم ساقط والضحاك لم يسمع من ابن عباس.\n(^٥) ساقط من (ن).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٠٨٨)؛ وابن أبي حاتم (٦٢٧) من طريق عبد الرزاق وهذا في \"تفسيره\" (١/ ٤٧). [وسنده صحيح].\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٨) وسنده ضعيف جدًّا. وفي سنده جويبر وهو ساقط.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٩) وسنده جيد.\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٠٨٩)؛ وابن أبي حاتم (٦٣١) وسنده حسن.\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٠٩٠) وسنده حسن.","vol":"1","page":424},{"text":"وقال عطية (^١) العوفي: الخراج.\nوقال الضحاك (^٢): الجزية.\nوقوله (تعالى): (^٣) ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك (^٤): استحقوا الغضب من الله.\nوقال الربيع (^٥) بن أنس: فحدث عليهم غضب من الله.\nوقال سعيد بن (^٦) جبير: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يقول: استوجبوا سخطًا.\nوقال ابن (^٧) جرير: يعني بقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ انصرفوا ورجعوا. ولا يقال: \"باء\" إلا موصولًا إما بخير وإما بشر؛ يقال منه: باء فلان بذنبه يبوء (به) (^٨) بوءًا (وبواء) (٢)؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] يعني: تنصرف متحملهما، وترجع بهما قد صارا عليك دوني.\nفمعنى الكلام: إذا رجعوا منصرفين متحملين غضب الله قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط.\nوقوله (تعالى) (^٩): ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة وإحلال الغضب (بهم) (^١٠) بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع، وهم الأنبياء وأتباعهم؛ فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا (كبر) (^١١) أعظم من هذا؛ إنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء الله بغير الحق؛ ولهذا جاء في الحديث \"المتفق على (^١٢) صحته\" - أن رسول الله ﷺ قال: \"الكبر بطر الحق وغمط الناس\".\nوقال الإمام أحمد (^١٣) ﵀: حدثنا إسماعيل، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٢) بسند حسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٣) وسنده ضعيف جدًّا، فيه جويبر وهو متروك.\n(^٣) من (ز) و(ن).\n(^٤) أخرجه جرير (١٠٩٣) وسنده ضعيف جدًّا.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٠٩٢)؛ وابن أبي حاتم (٦٣٥). [وسنده جيد].\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٤) من طريق ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير. [وسنده حسن].\n(^٧) في \"تفسيره\" (٢/ ١٣٨).\n(^٨) ساقط من (ج).\n(^٩) من (ز) و(ن).\n(^١٠) في (ن): \"بهم من الذلة\".\n(^١١) في (ن): \"كفر\" وهو خطأ يدل عليه الحديث الذي رواه المصنف عقبه.\n(^١٢) كذا قال المصنف ﵀! وهذا الحديث لم يخرجه البخاري في \"صحيحه\" إنما أخرجه في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١/ ٢)! وقد أخرجه مسلم (٩١/ ١٤٧).\n(^١٣) في \"المسند\" (١/ ٣٨٥) ومن طريقه الخطيب في \"الأسماء المبهمة\" (ص ٣٧٠)؛ وأخرجه أيضًا (١/ ٤٢٧) قال: حدثنا ابن أبي عدي ويزيد، قالا: أخبرنا ابن عون بسنده سواء؛ وأخرجه أبو يعلى (ج ٩/ رقم ٥٢٩١)؛ وأبو القاسم البغوي في \"معجم الصحابة\"، كما في \"الإصابة\" (٥/ ٧٤٩)؛ والحاكم (٤/ ١٨٢)؛ وابن بشكوال في \"الغوامض\" (ص ٢٧٩) من طرق عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد البصري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود.\nقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":425},{"text":"حميد بن عبد الرحمن؛ قال: قال ابن مسعود: كنت لا أُحجب عن النجوى، ولا عن كذا ولا عن كذا، فأتيت رسول الله ﷺ وعنده مالك بن مرارة الرهاوي، (فأدركت) (^١) من آخر حديثه، وهو يقول: يا رسول الله؛ قد قُسم لي من الجمال ما ترى، فما أحب أن أحدًا من النَّاس فضلني بشراكين فما فوقهما؛ أليس ذلك هو البغي؟ فقال: لا، ليس ذلك من البغي، ولكن البغي من بطر\"، أو قال: \"سفه الحق، وغمط الناس\"؛ يعني: رد الحق، وانتقاص الناس، والازدراء بهم، والتعاظم عليهم.\nولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله، وقتلهم أنبياءه أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وكساهم ذلًا في الدنيا موصولًا بذل الآخرة جزاءً وفاقًا.\nقال أبو داود (^٢) الطيالسي: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم (من) (^٣) آخر النهار.\nوقد قال الإمام (^٤) أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبان، حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله - يعني: ابن مسعود - أن رسول الله ﷺ قال: \"أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبيًا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين\".\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به؛ أنهم كانوا يعصون ويعتدون؛ فالعصيان: فعل المناهى. والاعتداء: المجاوزة في حد المأذون فيه والمأمور به. والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-69\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.\nلما بيَّن تعالى حال من خالف أوامره، وارتكب زواجره، وتعدى في فعل ما (لا) (^٥) إذن فيه، وانتهك المحارم؛ وما أحل بهم من النكال، نبَّه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاءً الحُسنى.\n_________\n(^١) كذا في (ج) و(ل) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في \"المسند\"؛ وفي (ز) و(ض): \"فأدركته\".\n(^٢) أخرجه أبو داود الطيالسي، كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٧٣)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦٣٦) وسنده صحيح. وأبو معمر هو عبد الله بن سخبرة.\n(^٣) كذا في (ك) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\"، ووقع في (ج) و(ز) و(ض) و(ل): \"في\".\n(^٤) في \"مسندها (١/ ٤٠٧).\nوأخرجه البزار في \"مسنده\" (ج ٢/ رقم ١٦٠٣) قال: حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثني أبي بسنده سواء. وقال: \"لا نعلم أسنده عن أبي وائل غير أبان\". وهذا سند جيد كما قال المنذري في \"الترغيب\" (٣/ ١٠٤): وللحديث طرق أخرى عن ابن مسعود وشواهد عن جماعة من الصحابة ذكرتها في \"تسلية الكظيم\".\n(^٥) ساقط من (ج) و(ض) و(ل) و(ى).","vol":"1","page":426},{"text":"وكذلك الأمر إلى قيام الساعة: كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت].\nقال ابن أبي (^١) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر (العدني) (^٢)، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ قال: قال سلمان (﵁) (^٣): سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم؛ (فذكر) (^٤) من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ …﴾ إلى آخر الآية.\nوقال المسدي (^٥): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية نزلت في أصحاب سلمان الفارسي؛ بينا هو يحدث النبي ﷺ إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم؛ فقال: كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًا. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبي الله ﷺ: \"يا سلمان؛ هم من أهل النار\"؛ فاشتد ذلك على سلمان؛ فأنزل الله هذه الآية؛ فكان إيمان اليهود أنه [من تمسك بالتوراة وسنة موسى ﵇ حتى جاء عيسى؛ فلما جاء عيسى كان] (^٦) من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكًا. وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنًا مقبولًا منه حتى جاء محمد ﷺ، فمن لم يتبع محمدًا ﷺ منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكًا.\nوقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا.\n(قلت) (^٧): وهذا لا ينافي ما روى علي بن (^٨) أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٦٣٨).\nوأخرجه ابن أبي عمر العدني في \"مسنده\"، كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٧٣) وسنده ضعيف لانقطاعه بين مجاهد وسلمان ﵁.\n(^٢) في (ز) و(ض): \"العوفي\"؛ وفي (ن): \"العدوى\" وكلاهما خطأ.\n(^٣) من (ن).\n(^٤) في (ز) و(ل) و(ن): \"فذكرت\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٠) قال: حدثنا أبو زرعة. وأخرجه ابن جرير (١١١٢) قال: حدثني موسى بن هارون قالا: حدثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط بن نصر، عن السدي فذكره. وهذا سند ضعيف للانقطاع بين السدي وسلمان ﵁، وربما اختصر السدي السند، وسند نسخته في التفسير معروف. والله أعلم.\nثم صدق ما توقعته من الاحتمال والحمد لله، فقد رأيته في \"كتاب التوحيد\" (١/ ٣١٥، ٣١٦) لابن منده فرواه من طريقين عن عمرو بن حماد، ثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدي، عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن عبد الله بن مسعود أن سلمان الفارسي ﵁ … فذكره مثل سياق ابن أبي حاتم. وهذا سند حسن كما تقدم تحقيقه.\nوسياق ابن جرير أطول وأوضح من هذا.\n(^٦) ساقط من (ض).\n(^٧) في (ك): \"قال\".\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١١١٤)؛ وابن أبي حاتم (٦٣٩) من طريقين عن أبي صالح كاتب الليث، حدثني =","vol":"1","page":427},{"text":"وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية: فأنزل الله (تعالى) (^١) بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]؛ فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقةً ولا عملًا إلا ما كان موافقًا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه بما بعثه به؛ فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدًى وسبيل نجاة؛ فاليهود أتباع موسى ﵇ الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.\nواليهود: من الهوادة وهي المودة، أو التهود وهى التوبة؛ كقول موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: تبنا؛ فكأنهم سُموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم (لبعض) (^٢).\n[وقيل: لنسبتهم إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون؛ أي: يتحركون عند قراءة التوراة] (^٣).\nفلما بعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم. وقد يقال لهم أنصار أيضًا، كما قال عيسى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقيل: إنهم سموا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضًا يقال لها: \"ناصرة\". قاله قتادة (^٤) وابن جريج (^٥)، وروي عن ابن (^٦) عباس أيضًا. والله أعلم.\nوالنصارى: جمع نصران؛ كنشاوى جمع نشوان، وسكارى جمع سكران؛ ويقال للمرأة: \"نصرانة\"؛ قال الشاعر (^٧):\nنصرانة لم تحنَّف\nفلما بعث الله محمدًا ﷺ خاتمًا للنبيين، ورسولًا إلى بني آدم على الإطلاق، ووجب عليهم\n_________\n= معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة به. [وسنده ثابت].\nقال ابن جرير: \"وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحًا من اليهود والنصارى والصابئين على عمله في الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. فتاويل الآية إذن على ما ذكرنا عن مجاهد والسدي: إن الذين آمنوا من هذه الأمة، والذين هادوا، والنصارى والصابئين من آمن من اليهود والنصارى والصابئين بالله واليوم الآخرة، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون\". اهـ.\n(^١) من (ج) و(ل).\n(^٢) كذا في (ن)، وأشار ناسخ (ى) أنها وقعت كذلك في نسخة، ووقع في سائر \"الأصول\": \"بعض\".\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٠٩٧، ١٠٩٨) من طريقين عن قتادة؛ وهو صحيح.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٠٩٥) بسند جيد.\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٠٩٦) بإسناد ساقط وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٧٥) إلى ابن سعد في \"الطبقات\".\nقال ابن جرير: \"طريق غير مرتضًى\".\n(^٧) هو أبو الأخرز الحماني وانظر \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٤٤) و\"تفسير القرطبي\" (١/ ٤٤٣)، وتمام البيت:\nفكلتاهما خرت وأسجد رأسها … كما سجدت نصرانة لم تحنف\nيصف ناقتين طأطأتا رؤوسهما من الإعياء، فشبه رأس الناقة برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها.","vol":"1","page":428},{"text":"تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر؛ وهؤلاء هم المؤمنون حقًّا.\nوسميت أمة محمد ﷺ مؤمنين، لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية.\nوأما الصابئون فقد اختُلف فيهم؛ فقال سفيان (^١) الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى، ليس لهم دين. وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه. وروي عن عطاء (^٢)، وسعيد (^٣) بن جبير نحو ذلك.\nوقال أبو العالية (^٤)، والربيع بن أنس، والسدي (^٥) وأبو الشعثاء جابر بن زيد، والضحاك، [وإسحاق بن راهويه] (^٦): الصابئون: فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور.\n[ولهذا قال أبو حنيفة، وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم] (^٦).\nوقال هشيم (^٧)، عن مطرف: كنا عند الحكم بن عتيبة، فحدثه رجل من (أهل) (^٨) البصرة عن الحسن أنه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس. فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك!\nوقال عبد الرحمن (^٩) بن مهدي، عن معاوية بن عبد الكريم، سمعت الحسن ذكر الصابئين فقال: هم قوم يعبدون الملائكة.\n[وقال ابن جرير (^١٠): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن؛ قال: أُخبر زياد أن الصابئين يصلُّون إلى القبلة، ويصلُّون الخمس، قال: فأراد أن يضع عنهم الجزية؛ قال: فخُبر بعد أنهم يعبدون الملائكة] (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٢) واللفظ له وابن جرير (١٠٩٩، ١١٠٠) من طرق عن سفيان الثوري به وسنده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم؛ وأخرجه ابن جرير (١١٠١، ١١٠٢) من طريقين آخرين عن مجاهد في سند الأول الحجاج بن أرطاة يضعف، وفي سند الثاني محمد بن حميد الرازي، وهو واه لكن أخرجه ابن جرير أيضًا (١١٠٥، ١١٠٦) من وجهين آخرين هما أحسن حالًا مما سبق يثبت به هذا القول عن مجاهد. والله أعلم وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٧٥) إلى وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١١٠٦) من طريق ابن جريج قال: قلت لعطاء: \"الصابئين\" زعموا أنها قبيلة من نص السواد؛ يعني: سواد العراق، ليسوا بمجوس ولا يهود ولا نصارى. قال: قد سمعنا ذلك، وقد قال المشركون للنبي ﷺ: قد صبأ. وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤١) بسند صالح. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٧٥) إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١١١٠)؛ وابن أبي حاتم (٦٤٣). [وسنده جيد].\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١١١١)، وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٧٥) إلى وكيع. [وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي].\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٤) قال: حدثنا أبي، ثنا محمد بن عبد الرحمن العرزمي، ثنا هشيم به وسنده ضعيف جدًّا. والعرزمي متروك كما قال الدارقطني، وشيخ الحكم بن عتيبة مجهول.\n(^٨) ساقط من (ج) و(ل) و(ى).\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٧) قال: حدثنا أبو زرعة، ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي فذكره. وسنده جيد. ومعاوية بن عبد الكريم صدوق متماسك.\n(^١٠) في \"تفسيره\" (١١٠٨) وسنده صحيح.\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":429},{"text":"وقال أبو جعفر الرازي (^١): بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور، ويصلون للقبلة. وكذا قال سعيد بن أبي (^٢) عروبة عن قتادة.\nوقال ابن (^٣) أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه؛ قال: الصابئون قوم مما يلي العراق، وهم بـ \"كوثى\" (^٤)، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون من كل سنة ثلاثين يومًا، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات.\nوسئل وهب (^٥) بن منبه عن الصابئين؛ فقال: (الذي) (^٦) يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها، ولم يحدث كفرًا.\nوقال عبد الله (^٧) بن وهب: قال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون: أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل، ولا كتاب، ولا نبي إلا قول: لا إله إلا الله. قال: ولم يؤمنوا برسول؛ فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: هؤلاء الصابئون يشبهونهم بهم؛ يعني: في قول: لا إله إلا الله.\n[وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح ﵇.\nوحكى القرطبي (^٨)، عن مجاهد، والحسن، وابن أبي نجيح: أنهم قوم تركب دينهم بين اليهود والمجوس، ولا تؤكل ذبائحهم، (قال ابن عباس) (^٩): ولا تنكح نساؤهم.\nقال القرطبي (^٨): والذي تحصَّل من مذهبهم، فيما ذكره بعض العلماء، أنهم موحدون، ويعتقدون تأثير النجوم، وأنها (فعالة) (^١٠)؛ ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم] (^١١).\n[واختار (فخر الدين) (^١٢) الرازي (^١٣) أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب؛ بمعنى أن الله جعلها قبلةً للعبادة والدعاء؛ أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها؛ قال: وهذا القول هو المنسوب إلى الكشدانيين (^١٤) الذين جاءهم إبراهيم (الخليل) (١٢) ﵇ رادًا عليهم، ومبطلًا لقولهم] (^١٥).\nوأظهر الأقوال - والله أعلم - قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه أنهم قوم ليسوا على دين\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١١١٠)؛ وابن أبي حاتم (٦٤٦).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١١٠٩) حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وسنده قوي.\n(^٣) في \"تفسيره\" (٦٤٥) وسنده حسن.\n(^٤) كوثى، بالضم، ثم السكون والثاء مثلثة، وألف مقصورة؛ ثلاثة مواضع بسواد العراق (ياقوت) (٤/ ٤٨٧).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٨) وسنده جيد.\n(^٦) ساقط من (ج).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١١٠٧) بسند صحيح.\n(^٨) في \"تفسيره\" (١/ ٤٣٤، ٤٣٥).\n(^٩) ساقط من (ن).\n(^١٠) كذا في سائر \"الأصول\"، وهو الموافق لما في \"تفسير\" القرطبي؛ وفي (ن): \"فاعلة\".\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٢) ساقط من (ن).\n(^١٣) في \"تفسيره\" (٢/ ١١٢، ١١٣).\n(^١٤) هم طائفة من عبدة الكواكب.\n(^١٥) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":430},{"text":"اليهود، ولا النصارى، ولا المجوس، ولا المشركين؛ وإنما هم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئ؛ أي: قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك.\nوقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي. والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-70\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.\nيقول تعالى، مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق، بالإيمان، به وحده لا شريك له، واتباع رسله؛ وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل فوق رؤوسهم، ليقروا بما عوهدوا عليه، (ويأخذوه) (^١) بقوة (وحزم) (^٢) (وهمة) (^٣) وامتثال؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ [الأعراف].\nفالطور: هو الجبل (كما فسر بآية \"الأعراف\" (^٤» ونص على ذلك ابن عباس (^٥)، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، وغير واحد. وهذا (ظاهر) (^٦).\nوفي رواية عن ابن عباس (^٧): الطور: ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت فليس بطور.\nوفي \"حديث الفتون\"، عن ابن عباس أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا.\nوقال السدي (^٨): فلما أبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه، وقد غشيهم، فسقطوا سجدًا فسجدوا على شق، ونظروا بالشق الآخر؛ فرحمهم الله، فكشفه عنهم؛ فقالوا: والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم؛ فهم يسجدون كذلك.\nوذلك قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾.\nوقال الحسن (^٩) .......................................................................\n_________\n(^١) في (ج) و(ل): \"فأخذوه\".\n(^٢) في (ن): \"جزم\".\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ى)؛ وفي (ن): \"فسر به في الأعراف\"؛ وفي (ل): \"فسرنا به الأعراف\".\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١١٢٤) من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس به. وسنده معضل. وأخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٦) من طريق أبي عبد الصمد العمي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الطور جبل. ورجاله ثقات. وأما أثر مجاهد وعكرمة فأخرجهما ابن جرير (١١١٧، ١١٢١)؛ وأثر عطاء عند ابن أبي حاتم (٦٥٧). [وهذه الآثار يقوي بعضها الآخر].\n(^٦) في (ج): \"الظاهر\".\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١١٢٥)؛ وابن أبي حاتم (٦٥٥) بسند ضعيف جدًّا.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١١٢٢) قال: حدثنا موسى؛ وابن أبي حاتم (٦٥٨) قال: حدثنا أبو زرعة قالا: حدثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط بن نصر، عن السدي به. وسنده حسن.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٩) من طريق إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثني سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن به. وسنده ضعيف. وإبراهيم بن عبد الله، ترجمه الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٦/ ١٢٠) =","vol":"1","page":431},{"text":"في قوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ يعني: (التوراة) (^١).\nوقال أبو العالية (^٢)، والربيع بن أنس: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بطاعة.\nوقال مجاهد (^٣): ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بعمل بما فيه.\nوقال قتادة (^٤): ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ القوة: الجد وإلا قذفته عليكم؛ قال: فأقروا بذلك أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة.\nومعنى قوله: وإلا قذفته عليكم؛ أي: أسقطته عليكم؛ يعني: الجبل.\nوقال أبو العالية (^٥)، والربيع (^٦): ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ يقول: اقرءوا ما في التوراة، واعملوا به.\n\n<span id=\"aya-71\"></span>وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ يقول تعالى: ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه، وأنثنيتم، ونقضتموه؛ ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: (بتوبته) (^٧) عليكم، وإرساله النبيين والمرسلين إليكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-72\"></span>﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ يا معشر اليهود ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله، وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، (والقيام) (^٨)، بأمره؛ إذ كان مشروعًا لهم؛ فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما (وضعوه) (^٩) لها من (الشصوص) (^١٠) والحبائل والبرك قبل يوم السبت؛ فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة (نشبت) (^١١) بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك؛ فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت؛ فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيءٍ بالأناسي في الشكل الظاهر،\n_________\n= ولم يحك فيه شيئًا. وسرور بن المغيرة. ترجمه ابن أبي حاتم (٢/ ١/ ٣٢٥) ونقل عن أبيه قال: \"شيخ\" وتكلم فيه الأزدي، وبيَّن الحافظ في \"اللسان\" (٣/ ١٢) أن الأزدي تكلم في روايته عن الشعبي. وقال ابن حبان: \"روى عنه أبو سعيد الحداد الغرائب\". وعباد بن منصور متكلم فيه، وهو متماسك.\n(^١) في (ك): \"التورية\"؛ وفي (ح): \"التوبة\".\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١١٢٨)؛ وابن أبي حاتم (٦٦٠). [وسنده جيد].\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١١٢٦، ١١٢٧)؛ وابن أبي حاتم (٦٦١) من طرق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. [وسنده صحيح].\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١١٢٩)؛ وابن أبي حاتم (٦٦٢) من طريق عبد الرزاق وهو في \"تفسيره\" (١/ ٤٧) أنبأ معمر، عن قتادة. [وسنده صحيح].\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١١٣٣)؛ وابن أبي حاتم (٦٦٣). [وسنده جيد].\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١١٣٤) بسند ضعيف.\n(^٧) في (ز) و(ض): \"توبته\".\n(^٨) في (ك): \"العباة\"!!\n(^٩) في (ن): \"وضعوا\".\n(^١٠) في (ل): \"الشقوص\" وهو تصحيف، والشصوص، جمع \"شص\" قال ابن منظور في \"لسان العرب\" (ص ٢٢٥٩): \"الشص والشص: شيء يصاد به السمك\". اهـ. كأنه يعني الشباك. قال ابن دريد: \"لا أحسبه عربيًا\".\n(^١١) في (ل): \"نشبه\".","vol":"1","page":432},{"text":"وليست بإنسان حقيقةً؛ فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم لما كانت مشابهةً للحق في الظاهر، ومخالفةً له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم.\nوهذه القصة مبسوطة في \"سورة الأعراف\" حيث يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف] القصة بكمالها.\nوقال السدي (^١): أهل هذه القرية هم أهل أيلة، وكذا قال قتادة.\nوقوله [تعالى: ﴿فَقُلْنَا (^٢) لَهُمْ] كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.\nقال ابن (^٣) أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردةً؛ وإنما هو مثل ضربة الله ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].\nورواه ابن جرير عن المثنى، عن أبي حذيفة؛ وعن (محمد بن عمرو) (^٤) الباهلي؛ عن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به.\nوهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام، وفي غيره. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ الآية [المائدة: ٦٠].\nوقال العوفي في \"تفسيره\" (^٥)، عن ابن عباس: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فجعل الله منهم القردة والخنازير؛ فزعم أن شباب القوم صاروا قردةً، وأن المشيخة صاروا خنازير.\nوقال شيبان النحوي (^٦)، عن قتادة: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فصار القوم قردةً تعاوى، لها أذناب بعد ما كانوا رجالًا ونساءً.\nوقال عطاء الخراساني (^٧): نودوا: يا أهل القرية؛ ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فجعل الذين نهوهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١١٤٢) مطولًا [بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، لكنه من الإسرائيليات] ويأتي في \"سورة الأعراف\" إن شاء الله تعالى.\n(^٢) من (ن).\n(^٣) في \"تفسيره\" (٦٧٧ - البقرة). [وسنده صحيح].\nوأخرجه ابن جرير (١١٤٤) حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة بسنده سواء.\n(^٤) من (ن) ووقع في سائر \"الأصول\": \"عمر\" بلا \"واو\"، وهو خطأ. وذكر الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٦) أنه: \"محمد بن عمرو بن العباس أبو بكر الباهلي المترجم في \"تاريخ بغداد\" (٣/ ١٢٧) \".\n(^٥) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٦٧٨)؛ وابن بطة في \"إبطال الحيل\" (٦١) مطولًا، وسنده ضعيف جدًّا، وقد تقدم تفصيل القول في ضعفه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٦) من طريق يونس بن محمد المؤدب، ثنا شيبان النحوي به. وسنده صحيح وأخرجه ابن جرير (١١٤٠) من طريق يزيد بن زريع، ثنا سعيد، هو ابن أبي عروبة، عن قتادة بأطول مما هنا. وسنده صحيح أيضًا. وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٧٥) إلى عبد بن حميد.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٣) بسند ضعيف جدًّا.","vol":"1","page":433},{"text":"يدخلون عليهم، فيقولون: يا فلان، ألم ننهك؟ فيقولون برؤوسهم؛ أي: بلى.\nوقال ابن (^١) أبي حاتم: حدثنا علي بن (الحسين) (^٢)، حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة، بالمصيصة، حدثنا محمد بن مسلم - يعني: الطائفي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت، فجعلوا قردة فواقًا (^٣)، ثم هلكوا، ما كان للمسخ نسل.\nوقال الضحاك (^٤)، عن ابن عباس: فمسخهم الله قردةً بمعصيتهم؛ يقول: إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثةً أيام. قال: ولم يعش (مسخ) (^٥) قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب، ولم ينسل.\nوقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي (ذكر) (^٦) الله في \"كتابه\"، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة؛ وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء، ويحوله كما يشاء.\nوقال (^٧) أبو جعفر (الرازي) (^٨)، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: يعني: أذلةً صاغرين.\nوروى عن مجاهد (^٩)، وقتادة (^١٠)، والربيع (^١١)، وأبي مالك، نحوه.\nوقال محمد بن (^١٢) إسحاق، عن داود بن (الحصين) (^١٣)، عن عكرمة؛ قال: قال ابن عباس: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم: يوم الجمعة، فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به؛ فلما أبو إلا لزوم السبت، ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره؛ وكانوا في قرية بين \"أيلة\" \"والطور\" يقال لها: \"مدين\"؛ فحرم الله عليهم في السبت الحيتان: صيدها وأكلها؛ وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعًا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن [فلم يروا حوتًا صغيرًا ولا كبيرًا، حتى إذا كان يوم السبت أتين شرعًا حتى إذا ذهب السبت ذهبن] (^١٤)؛ فكانوا كذلك، حتى طال عليهم الأمد،\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٦٧٥) وسنده واه وعبد الله بن محمد أحد الضعفاء، له مناكير وهو شبه المتروك. والطائفي يضعف.\n(^٢) في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى): \"الحسن\" وهو خطأ.\n(^٣) الفواق: ما بين الحلبتين من الراحة، يريد: وقتًا قصيرًا.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١١٣٨) مطولًا وسنده ضعيف.\n(^٥) في (ك): \"مسيخ\".\n(^٦) في (ز) و(ن): \"ذكرها\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٩). [وسنده جيد].\n(^٨) ساقط من (ن).\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١١٤٥، ١١٤٧) بسندين جيدين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وأخرجه أيضًا (١١٤٦) من طريق الثوري عن رجل عن مجاهد. وهذا \"الرجل\" عندي هو ابن أبي نجيح. والله أعلم.\n(^١٠) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤٨) ومن طريقه ابن جرير (١١٤٨) أخبرنا معمر، عن قتادة. [وسنده صحيح].\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١١٤٩).\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (١١٣٩) قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن إسحاق بسنده سواء. وسنده ضعيف، وقد قدمت الكلام عليه مرارًا.\n(^١٣) في (ن): \"أبي الحصين\"!!.\n(^١٤) ساقط من (ك).","vol":"1","page":434},{"text":"وقرموا (^١) إلى الحيتان - عمد رجل منهم فأخط حوتًا سرًا يوم السبت (فخزمه) (^٢) (بخيط) (^٣) ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتدًا في الساحل فأوثقه؛ ثم تركه حتى إذا كان الغد جاء فأخذه؛ أي: إني لم آخذه في يوم السبت، فانطلق به فأكله، حتى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك.\nووجد الناس ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله! لقد وجدنا ريح الحيتان؛ ثم عثروا على (صنع) (^٤) ذلك الرجل.\nقال: ففعلوا كما فعل، (وأكلوا) (^٥) سرًا زمانًا طويلًا لم يعجل الله عليهم (بعقوبة) (^٦)، حتى صادوها علانيةً، وباعوها (بالأسواق) (^٧)؛ فقالت طائفة منهم من أهل البقية: ويحكم، اتقوا الله؛ ونهوهم عما (كانوا) (^٨) يصنعون؛ فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان ولم تنه القوم عما صنعوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] (لسخطنا) (^٩) أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].\nقال ابن عباس: فبينما هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم؛ (فقدوا) (^١٠) الناس فلم يروهم؛ قال: فقال بعضهم لبعض: إن للناس (لشأنًا) (^١١)، فانظروا ما هو؟ فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقةً عليهم، قد دخلوها ليلًا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم؛ فأصبحوا فيها قردةً؛ وإنهم ليعرفون الرجل بعينه، وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد.\nقال: (يقول) (^١٢) ابن عباس: فلولا ما ذكر الله أنه (أنجى) (^١٣) الذين نهوا عن السوء لقد أهلك الله الجميع منهم.\nقال: وهي القرية التي قال جل ثناؤه لمحمد ﷺ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ …﴾ [الأعراف: ١٦٣].\nوروى الضحاك (^١٤)، عن ابن عباس نحوًا من هذا.\nوقال السدي (^١٥) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ قال: هم أهل أيلة؛ وهي القرية التي كانت حاضرة البحر؛ فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت، وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئًا، لم يبق في البحر حوت إلا خرج، حتى يخرجن خراطيمهن من الماء؛ فإذا كان يوم الأحد لزمن (مقل) (^١٦) البحر، فلم ير\n_________\n(^١) القرم: اشتداد الشهوة إلى أكل اللحم.\n(^٢) في (ض) و(ع) و(ل) و(ن): \"فحزمه\" بالحاء المهملة والزاي.\n(^٣) ساقط من (ك).\n(^٤) في (ن): \"صنيع\".\n(^٥) في (ز) و(ن): \"وصنعوا\".\n(^٦) في (ز) و(ن): \"العقوبة\".\n(^٧) في (ل): \"في الأسواق\".\n(^٨) من (ن).\n(^٩) في (ن): \"بسخطنا\".\n(^١٠) في (ز): \"وفقدوا\".\n(^١١) في (ن): \"شأنًا\".\n(^١٢) في (ن): \"قال\".\n(^١٣) في (ن): \"نجى\".\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (١١٣٨) بسند ضعيف.\n(^١٥) أخرجه ابن جرير (١١٤٢) وسنده حسن.\n(^١٦) كذا في سائر \"الأصول\". ومقل البحر: مغاصه كما في \"النهاية\" (٤/ ٣٤٧). وانظر أيضًا \"لسان العرب\"=","vol":"1","page":435},{"text":"منهن شيء، حتى يكون يوم السبت؛ فذلك قوله (تعالى) (^١): ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] فاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الحفيرة، ويجعل لها نهرًا إلى البحر؛ فإذا كان يوم السبت فتح النهر، فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث (فيها) (^٢)؛ فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك، فيجد جاره (روائحه) (^٢)، فيسأله فيخبره فيصنع مثل ما صنع جاره، حتى فشا فيهم أكل السمك؛ فقال لهم علماؤهم: ويحكم! إنما تصطادون يوم السبت، وهو لا يحل لكم، فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه. فقال (الفقهاء) (^٣): لا، ولكنكم صدتموه يوم (فتحتم) (^٤) له الماء فدخل.\nقال: (وغلبوا) (^٥) أن ينتهوا؛ فقال بعض الذين نهوهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٦٤]، يقول: لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].\nفلما أبوا قال المسلمون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابًا، والمعتدون في السبت بابًا، ولعنهم داود ﵇ فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم؛ فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم؛ فلما أبطئوا عليهم تسور المسلمون عليهم الحائط فإذا هم قردة، يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم؛ فذهبوا في الأرض؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف] وذلك حين يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ …﴾ (الآية) (^٦) [المائدة: ٧٨] فهم القردة.\nقلت: والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ﵀ من أن مسخهم إنما كان معنويًا لا صوريًا؛ بل الصحيح أنه (معنوي صوري) (^٧) والله (تعالى) (^٢) أعلم.\n\n<span id=\"aya-73\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا [نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا] (^٨)﴾ قال بعضهم: الضمير في \"فجعلناها\" عائد على القردة. وقيل: على الحيتان. وقيل: على العقوبة. وقيل: على القرية. حكاها ابن جرير.\nوالصحيح أن الضمير عائد على القرية؛ أي: فجعل الله هذه القرية؛ والمراد أهلها بسبب اعتدائهمِ في سبتهم ﴿نَكَالًا﴾ أي: عاقبناهم عقوبةً، فجعلناها عبرةً؛ كما قال الله على فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النازعات: ٢٥].\n_________\n= (ص ٤٢٤٥). ووقع في (ن): \"أسفل\"؛ وفي \"تفسير الطبري\":\"سفل\".\n(^١) من (ن).\n(^٢) في \"تفسير الطبري\": \"ريحه\".\n(^٣) في (ز) و(ض): \"العلماء\".\n(^٤) في (ز) و(ض): \"فتحكم\".\n(^٥) في \"تفسير الطبري\": \"وعتوا\".\n(^٦) من (ن).\n(^٧) في (ل): \"صورى لا معنوي\" وهو أوضح لمراد المصنف ﵀.\n(^٨) ساقط من (ن).","vol":"1","page":436},{"text":"وقوله (تعالى) (^١): ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي: من القرى.\nقال ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرةً لما حولها من القرى؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾ [الأحقاف] ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا …﴾ الآية [الرعد: ٤١] على أحد الأقوال.\nفالمراد: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ في المكان، كما قال محمد بن (^٢) إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من القرى، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من القرى.\nوكذا قال سعيد (^٣) بن جبير: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ (قال) (^٤): (من) (^٥) بحضرتها من الناس يومئذٍ.\nوروي عن إسماعيل (^٦) بن أبي خالد، وقتادة، وعطية العوفي: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ قال: ما (كان) (^٧) قبلها من الماضيين في شأن السبت.\nوقال أبو العالية (^٨)، والربيع (^٩)، وعطية (^١٠): وما خلفها (لمن) (^١١) بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم، وكأن هؤلاء يقولون: المراد ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ في الزمان.\nوهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس، أن يكون أهل تلك القرية عبرةً لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به؛ وهو أن يكون عبرةً لمن سبقهم (^١٢)؟\nوهذا لعل أحدًا من الناس لا يقوله بعد تصوره؛ فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان؛ وهو ما حولها من القرى؛ كما قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. والله أعلم.\nوقال أبو جعفر (^١٣) الرازي، عن الربيع (^١٤) [بن أنس، عن أبي العالية: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي: عقوبةً لما خلا (من ذنوبهم) (^١٥)] (١٤).\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١١٥٦)؛ وابن أبي حاتم (٦٨١) وسنده ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٤) قال: ذكر لي عن سعيد بن أبي مريم، أخبرني ابن لهيعة حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير فذكره. وسنده ضعيف للانقطاع بين ابن أبي حاتم وسعيد بن أبي مريم. وأيضًا فقد تكلم النسائي في رواية عطاء بن دينار التفسير عن سعيد بن جبير، ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنها وجادة صحيحة. والله أعلم.\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٥) ساقط من (ج).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٣) بسند صحيح.\n(^٧) ساقط من (ز) و(ن).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٦). [وسنده جيد].\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١١٥٥). [ويشهد له سابقه].\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٨) وإسناده لا بأس به.\n(^١١) في (ز) و(ن): \"لما\".\n(^١٢) وقال ابن عطية في \"تفسيره\" (١/ ٣٣٩) نحوًا من هذا الكلام.\n(^١٣) أخرجه ابن جرير (١١٥٥)؛ وابن أبي حاتم (٦٨٢) وسنده حسن كما تقدم ذكره.\n(^١٤) ساقط من (ج).\n(^١٥) في (ز) و(ض): \"من دونهم\".","vol":"1","page":437},{"text":"[وقال ابن] (^١) أبي (حاتم) (^٢): وروي عن عكرمة، ومجاهد (^٣)، والسدي (^٤)، [والحسن، وقتادة (^٥)، والربيع (^٦) بن] (^٧) [أنس نحو ذلك.\n(^٨) [وحكى القرطبي (^٩) عن ابن عباس] (^١٠) والسدي، والفراء، وابن عطية (^١١): ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من ذنوب القوم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب.\nوحكى (فخر الدين) (^١٢) (الرازي) (^١٣) ثلاثة أقوال (^١٤):\nأحدها: أن المراد بما بين يديها وما خلفها من تقدمها من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة، ومن بعدها.\nوالثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم.\nوالثالث: أنه (تعالى جعلها) (^١٥) عقوبةً لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده؛ وهو قول الحسن.\nقلت: وأرجح الأقوال: المراد بما بين يديها وما خلفها من] (^٨) [بحضرتها من القرى (التي) (^١٦) يبلغهم خبرها، وما حل بها؛ كما قال (تعالى) (^١٧): ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) …﴾ الآية [الأحقاف: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ الآية [الرعد: ٣١]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤] فجعلهم عبرةً ونكالًا لمن في زمانهم، وموعظةً لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] (^١٨).\nوقوله (تعالى) (^١٩): ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال محمد بن (^٢٠) إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين من بعدهم إلى يوم القيامة.\n_________\n(^١) ساقط من (ج).\n(^٢) في (ك): \"جرير\"!\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١١٥٩، ١١٦٠)؛ وابن أبي حاتم (٦٨٧) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وسنده جيد. وأخرجه ابن جرير (١١٦١) عن ابن جريج، عن مجاهد وابن جريج مدلس.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١١٦٢).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره (١/ ٤٨) \" ومن طريقه ابن جرير (١١٥٨) نا معمر، عن قتادة، وأخرجه ابن جرير (١١٥٧) من طريق يزيد بن زريع، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١١٥٥).\n(^٧) ساقط من (ن).\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٩) في \"تفسيره\" (١/ ٤٤٤) وذكر ابن عطية (١/ ٣٣٨) قول ابن عباس وقال: \"ما أراه يصح\".\n(^١٠) ساقط من (ن).\n(^١١) في \"تفسيره\" (١/ ٣٣٨) وقال: \"وهذا قول جيد\".\n(^١٢) ساقط من (ن).\n(^١٣) ساقط من (ج) و(ع) و(ل) و(ك) و(ى).\n(^١٤) انظر: \"تفسير الرازي\" (٢/ ١٢١).\n(^١٥) كذا في (ن) وهو الموافق لما في \"تفسير الرازي\"؛ وفي (ج) و(ع) و(ل) و(ى): \"جعلها تعالى\"؛ وفي (ك): \"جعلها نكالًا\"!\n(^١٦) ساقط من (ن).\n(^١٧) من (ن).\n(^١٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٩) من (ز) و(ن).\n(^٢٠) أخرجه ابن جرير (١١٦٦)؛ وابن أبي حاتم (٦٨٩).","vol":"1","page":438},{"text":"وقال الحسن (^١)، وقتادة (^٢): ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بعدهم، فيتقون نقمة الله، ويحذرونها.\nوقال السدي (^٣)، وعطية العوفي (^٤): ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: أمة محمد ﷺ.\nقلت: المراد بالموعظة ها هنا الزاجر؛ أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيلوا به من الحيل؛ فليحذر المتقون صنيعهم، لئلا يصيبهم ما أصابهم؛ كما قال الإمام (^٥) أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أحمد بن محمد بن (سلم) (^٦)، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن (عمرو) (^٧) (عن أبي سلمة) (^٨)، عن أبي هريرة - أن رسول الله ﷺ قال: \"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل\".\nوهذا إسناد جيد (^٩). وأحمد بن محمد بن سلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح. والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-74\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾.\nيقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول ونصه على من قتله منهم.\n[مسألة:\nالإبل تنحر، والغنم تذبح، [واختلفوا في البقر؛ فقيل: تذبح، وقيل: تنحر، والذبح] (^١٠) أولى لنص القرآن، ولقرب منحرها من مذبحها] (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٩١) وسنده ضعيف تقدم تحقيقه عند الآية (٦٣).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٨)؛ وعنه ابن جرير (١١٦٨) نا معمر، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير (١١٦٧) من طريق آخر عن قتادة. وكلاهما صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١١٦٩)؛ وابن أبي حاتم (٦٩٣). [وسنده حسن].\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٩٢) بسند لا بأس به.\n(^٥) في \"كتاب إبطال الحيل\" (ص ٢٤).\nوقال ابن تيمية ﵀ في \"الفتاوى\" (٢٩/ ٢٩): \"إسناده حسن\" وكذلك قال ابن القيم في \"تهذيب سنن أبي داود\" (٥/ ١٠٣) وزاد: \"وإسناده مما يصححه الترمذي\". وحسنه أيضًا السخاوي في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢٣٦) وقال ابن القيم أيضًا في \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٥١٣): \"وهذا إسناد جيد\".\n(^٦) كذا في (ج) و(ع) و(ى). ووقع في (ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(ن): \"مسلم\" وكذلك وقع في \"الإبانة\" (١/ ٢٨١) للمصنف ولكن الكتاب ملآن بالتصحيفات ولم أجد له ترجمة. والله أعلم.\n(^٧) في (ن): \"عمر\" بدون \"واو\" وهو خطأ.\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٩) كذا قال المصنف ﵀، وتبع فيه شيخه ابن تيمية ﵀ لكنه زاد فيه ما يتعقب به. قال ابن تيمية في \"إبطال الحيل\" (ص ٣٥): \"هذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي وغيره تارةً ويحسنه تارةً، ومحمد بن أحمد بن سلم المذكور مشهور ثقة ذكره الخطيب في \"تاريخه\" كذلك، وسائر الإسناد أشهر من أن يحتاج إلى وصفهم\".\n(^١٠) ساقط من (ج).\n(^١١) من (ج) و(ل) و(ع) و(ى).","vol":"1","page":439},{"text":"[قال ابن المنذر: ولا أعلم خلافًا في حل ما ذبح مما ينحر، أو نحر ما يذبح، غير أن مالكًا كره ذلك، وقد يكره الإنسان ما لا يحرمه.\nقال أبو عبد الله: وكان نزول قصة البقرة على موسى ﵇ في أمر القتيل قبل نزول القسامة في التوراة] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-76>[ذكر بسط القصة]</span> (^٢):\n(قال) (^٣) ابن أبي حاتم (^٤): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيمًا لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله؛ ثم احتمله ليلًا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم (على) (^٥) بعض.\nفقال ذوو الرأي (منهم) (^٦) (والنهي) (^٧): علام يقتل بعضكم بعضًا، وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى ﵇، فذكروا ذلك له؛ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجودها عند رجل ليس له بقرة غيرها؛ فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبًا.\nفأخذوها بملء جلدها ذهبًا، فذبحوها، فضربوه ببعضها، فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا - لابن أخيه - ثم مال ميتًا؛ فلم يعط من ماله شيئًا، فلم يورث قاتل بعد.\nورواه ابن جرير من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن (عبيدة) (^٨) بنحو من ذلك. والله أعلم.\n[ورواه عبد (بن حميد) (^٩) في \"تفسيره\": أنبأنا يزيد بن هارون، به] (^١٠).\nورواه آدم بن أبي إياس في \"تفسيره\"، عن أبي جعفر - هو الرازي - عن هشام بن حسان، به.\nوقال آدم بن أبي إياس في \"تفسيره\" (^١١): أنبأنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قول (الله) (^١٢) تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: وكان رجل من بني إسرائيل،\n_________\n(^١) من (ج) و(ل) و(ع) و(ى).\n(^٢) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٣) في (ز) و(ض): \"كما قال\".\n(^٤) في \"تفسيره\" رقم (٦٩٥)؛ وأخرجه البيهقي في \"سننه\" (٦/ ٢٢٠) من طريق يحيى بن أبي طالب ثنا يزيد بن هارون بسنده سواء. وسنده صحيح.\n(^٥) في \"تفسير ابن أبي حاتم\": \"إلى\".\n(^٦) ساقط من (ض) و(ع) و(ك) و(ى) ومن \"تفسير ابن أبي حاتم\".\n(^٧) ساقط من (ج) و(ل).\n(^٨) في (ل): \"عبدة\"! وهو تصحيف.\n(^٩) ساقط من (ل) وعنده: \"عبدة\"!!\n(^١٠) هذه الفقرة مقدمة في (ى) على قوله: \"رواه ابن جرير … إلخ\" وهو اللائق بعلم التخريج. [وسنده صحيح].\n(^١١) ومن طريقه ابن جرير (١١٧٣، ١٣٠١) قال: حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس به. [وسنده جيد لكنه من الإسرائيليات].\n(^١٢) لفظ الجلالة من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ن) و(ى).","vol":"1","page":440},{"text":"وكان غنيًا، ولم يكن له ولد، وكان له قريب، وكان وارثه، فقتله ليرثه؛ ثم ألقاه على مجمع الطريق؛ وأتى موسى ﵇، فقال له: إن قريبي قتل، وأُتي إلي أمر عظيم؛ وإني لا أجد أحدًا يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله.\nقال: فنادى موسى ﵇ (^١) في الناس؛ فقال: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا (بينه) (^٢) لنا، فلم يكن عندهم (علم) (^٣) فأقبل القاتل على موسى ﵇، فقال له: أنت نبي الله، فسل لنا ربك أن يبين لنا، فسأل ربه فأوحى الله إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فعجبوا من ذلك، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ [البقرة: ٦٨] يعني: لا هرمة، ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨] يعني: ولا صغيرة، ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أي: نصف بين البكر والهرمة.\n﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩] أي: صاف لونها؛ ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] أي: تعجب الناظرين.\n﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ [البقرة] [أي: لم يذللها العمل] (١) ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١] يعني: وليست بذلول تثير الأرض؛ ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١] يعني: ولا تعمل في الحرث؛ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: ٧١] يعني: مسلمةٌ من العيوب؛ ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١] يقول: لا بياض فيها؛ ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١].\nقال: ولو أن القوم حين أمروا بذبح بقرة استعرضوا بقرةً من البقرة فذبحوها لكانت إياها؛ ولكن شددوا على أنفسهم فشدد (الله) (^٤) عليهم؛ ولولا أن القوم استثنوا، فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] لما هدوا إليها أبدًا.\nفبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نُعتت لهم إلا عند عجوز، وعندها يتامى، وهي القيمة عليهم؛ فلما علمت أنه لا يزكو لهم غيرها أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة؛ وأنها سألت أضعاف ثمنها؛ فقال موسى: إن الله قد خفف (عنكم) (^٥) فشددتم على أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها. ففعلوا.\n(واشتروها) (^٦) فذبحوها؛ فأمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا منها فيضربوا به القتيل؛ ففعلوا؛ فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله؛ ثم عاد ميتًا كما كان. فأُخذ قاتله، وهو الذي كان أتى موسى ﵇ (^٧)، فقتله إليه، فقتله الله على أسوأ عمله.\nوقال محمد بن جرير (^٨): ...............................................................\n_________\n(^١) من (ك).\n(^٢) من (ن): \"يبينه\"؛ وفى (ل): \"ليبينه\".\n(^٣) ساقط من (ج).\n(^٤) لفظ الجلالة من (ن).\n(^٥) كذا في (ج). وفي سائر \"الأصول\": \"عليكم\"، وما اخترته أولى، والفعل: \"خفف\" ما عدي في القرآن إلا بـ \"عن\" والله أعلم.\n(^٦) في (ج): \"واشتروا\".\n(^٧) من (ن).\n(^٨) في \"تفسيره\" (١٢٩٩) وسنده ضعيف.\nأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب \"من عاش بعد الموت\" رقم (٥٥) قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا =","vol":"1","page":441},{"text":"حدثني (محمد) (^١) بن سعد، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، (عن أبيه) (^٢)، عن ابن عباس، في قوله في شأن البقرة: وذلك أن شيخًا من بني إسرائيل على عهد موسى ﵇ (^٣) كان مكثرًا من المال، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم، وكان الشيخ لا ولد له؛ وكان بنو أخيه ورثته؛ فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وإنه لما تطاول عليهم ألا يموت عمهم أتاهم الشيطان فقال لهم: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته؛ وذلك أنهما كانتا مدينتين؛ كانوا في إحداهما، وكان القتيل إذا قُتل (فطرح) (^٤) بين المدينتين قيس ما بين القتيل والقريتين فأيتهما كانت أقرب إليه غرمت الدية، وأنهم لما سوَّل لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم أن لا يموت عمهم، عمدوا إليه فقتلوه؛ ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها.\nفلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ، فقالوا: عمنا قتل على باب مدينتك؛ فوالله لتغرمن لنا دية عمنا.\nقال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلًا، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا، وإنهم عمدوا إلى موسى ﵇.\nفلما أتوه قال بنو أخي الشيخ: عمنا وجدناه مقتولًا على باب مدينتهم. وقال أهل المدينة: نقسم بالله (ما قتلنا) (^٥)، ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا؛ وإن جبرائيل جاء بأمر (ربه) (^٦) السميع العليم إلى موسى ﵇ (^٧)، فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فتضربوه ببعضها.\nوقال السدي (^٨): ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ (٩) أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً] (^٩)﴾ قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال، (وكانت) (^١٠) له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج؛ فخطب إليه ابن أخيه ابنته؛ فأبى أن يزوجه، فغضب الفتى، وقال: والله لأقتلن عمي، ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته؛ فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم، انطلق معي، فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم، لعلي أن أصيب منها؛ فإنهم إذا رأوك معي أعطوني.\n_________\n= يحيى بن سعيد، عن ربيعة بن كلثوم، قال: حدثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ بنحوه.\n(^١) من (ج)؛ ووقع في (ن): \"محمد بن سعيد\" وفي بقية \"الأصول\": \"ابن سعيد\" وكلاهما خطأ. ووقع في (ز): \"ابن سعد\" وهو صواب أيضًا وهو الموافق لما في \"الطبري\".\n(^٢) في سائر \"الأصول\": \"عن أبيه، عن جده\"، ولا معنى لذكر \"الجد\" في الإسناد.\n(^٣) من (ز) و(ن).\n(^٤) في (ن): \"وطرح\".\n(^٥) في (ز) و(ل) و(ن): \"قتلناه\".\n(^٦) ساقط من (ز) و(ن).\n(^٧) من (ل) و(ن).\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١١٧٤) وسنده حسن. [لكنه من الإسرائيليات].\n(^٩) ساقط من (ج) و(ع).\n(^١٠) في (ن): \"فكانت\".","vol":"1","page":442},{"text":"فخرج العم مع الفتى ليلًا، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله؛ فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو فلم يجده، فانطلق نحوه؛ فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه؛ فأخذهم وقال: قتلتم عمي؛ فأدوا إليَّ ديته، فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه، وينادي: واعماه! فرفعهم إلى موسى، فقضى عليهم بالدية، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه؛ فيؤخذ صاحب (الفرصة) (^١)، فوالله إن ديته علينا لهينة (ولكنا) (^٢) نستحيي أن نعير به، فذلك حين يقول (الله) (^٣) (تعالى) (^٤): ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ [البقرة: ٧٢] فقال لهم موسى ﵇ (^٥): ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالوا: نسأل عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذبحوا بقرةً! أتهزأُ بنا! ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.\nقال ابن عباس (^٦): فلو اعترضوا بقرةً فذبحوها لأجزأت عنهم، (ولكنهم) (^٧) شددوا وتعنتوا (على) (^٨) موسى، فشدد الله عليهم؛ فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. والفارض: الهرمة التي لا تلد. والبكر: التي لم تلد إلا ولدًا واحدًا. والعوان: النصف التي بين ذلك التي قد ولدت وولد ولدها.\n﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٨، ٦٩] قال: نقي لونها؛ ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] قال: تعجب الناظرين، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٠، ٧١] من بياض، ولا سواد ولا حمرة ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]. فطلبوها فلم يقدروا عليها.\nوكان رجل في بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وإن رجلًا مر به معه لؤلؤ يبيعه، وكان أبوه نائمًا تحت رأسه المفتاح؛ فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفًا؟ فقال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ أبي، فآخذه منك بثمانين ألفًا (^٩).\n_________\n(^١) هكذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي \"تفسير الطبري\": \"الجريمة\"؛ وفي (ن): \"القضية\".\n(^٢) في (ن): \"ولكن\".\n(^٣) لفظ الجلالة من (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).\n(^٤) من (ز) و(ن).\n(^٥) ساقط من (ن).\n(^٦) وأخرج قول ابن عباس هذا: ابن أبي حاتم (٦٩٨) لكن وقع عنده: \"عن السدي قال: قال لي ابن عباس … \" هكذا وقع \"قال لي\" ولفظة \"لي\" لا معنى لها أبدًا في هذا الإسناد، والسدي روى عن ابن عباس حديثًا في \"سنن أبي داود\" (٣٠٤١) وقال المنذري في \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٢٥١): \"في سماع السدي من عبد الله بن عباس نظر، وإنما قيل: إنه رآه، ورأى ابن عمر، وسمع من أنس بن مالك ﵁ \" ثم هذه صحيفة يرويها السدي بإسناده إلى ابن عباس، [وغيره] وقد تقدم تفصيل ذلك (١/ ٤٨٨ - ٤٩٠).\n(^٧) في (ن) \"ولكن\".\n(^٨) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ى).\n(^٩) في (ج) بعد هذا: \"قال: لا، قال الآخر … إلخ \" وليست في \"الطبري\" أيضًا.","vol":"1","page":443},{"text":"قال الآخر: أيقظ أباك، وهو لك بستين ألفًا، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفًا، وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ، حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه قال: والله لا أشتريه منك بشيء أبدًا، وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة، وأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرةً ببقرة؛ فأبى؛ فأعطوه ثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشرًا (^١)؛ فقالوا: والله لا نتركك حتى نأخذها منك.\nفانطلقوا به إلى موسى ﵇، فقالوا: يا نبي الله، إنا وجدناها عند هذا، وأبى أن (يعطيناها) (^٢)، وقد أعطيناه ثمنًا. فقال له موسى: أعطهم بقرتك. فقال: يا رسول الله؛ أنا أحق بمالي. فقال: صدقت. وقال للقوم: أرضوا صاحبكم، فأعطوه وزنها ذهبًا، فأبى، فأضعفوه له حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهبًا، فباعهم إياها، وأخذ ثمنها؛ فذبحوها.\nقال: اضربوه ببعضها، فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه من قتلك! فقال لهم: ابن أخي قال: أقتله، فآخذ ماله، وأنكح ابنته، فأخذوا الغلام فقتلوه.\nوقال سنيد (^٣): حدثنا حجاج - هو ابن محمد، عن ابن جريج، عن مجاهد؛ وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا: إن سبطًا من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس بنوا مدينةً فاعتزلوا شرور الناس؛ فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدًا منهم خارجًا إلا أدخلوه، وإذا أصبحوا قام رئيسهم فنظر (وأشرف) (^٤)، فإذا لم ير شيئًا فتح المدينة، فكانوا مع الناس حتى يمسوا.\nقال: وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير، ولم يكن له وارث غير أخيه، فطال عليه حياته، فقتله ليرثه، ثم حمله فوضعه على باب المدينة، ثم كمَنَ في مكان هو وأصحابه؛ قال: (فأشرف) (^٥) رئيس المدينة على باب المدينة فنظر فلم ير شيئًا، ففتح الباب؛ فلما رأى القتيل رد الباب، فناداه أخو المقتول وأصحابه: هيهات؛ قتلتموه، ثم تردون الباب؟!\nوكان موسى لما رأى القتل كثيرًا في (أصحابه) (^٦) بني إسرائيل كان إذا رأى القتيل بين ظهراني القوم أخذهم، فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال، حتى لبس الفريقان السلاح، ثم كف بعضهم عن بعض، فأتوا موسى، فذكروا له شأنهم، قالوا: (يا رسول الله!) (^٧) إن هؤلاء قتلوا قتيلًا ثم ردوا الباب. قال أهل المدينة: يا رسول الله! قد عرفت اعتزالنا الشرور، وبنينا مدينةً كما رأيت، نعتزل شرور الناس؛ والله ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا. فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرةً. فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.\n_________\n(^١) في \"تفسير الطبري\": \"عشرًا فأبى\".\n(^٢) هكذا في سائر \"الأصول\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\". ووقع في (ج): \"يعطينا إياها\".\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٣٠٠). [وسنده ضعيف، وقد أشار الحافظ ابن كثير أن الرواية من الإسرائيليات].\n(^٤) في (ج) و(ل) و(ى): \"تشرف\".\n(^٥) في (ج) و(ل) و(ع) و(ى): \"فتشرف\".\n(^٦) ساقط من (ن).\n(^٧) في (ن): \"يا موسى\".","vol":"1","page":444},{"text":"وهذه السياقات عن عبيدة، وأبي العالية، والسدي، وغيرهم فيها اختلاف ما. والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها، ولكن لا تصدق ولا تكذب؛ فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا. والله أعلم (^١).\n[فائدة: تقول العرب (^٢): أصفر فاقع، وأبيض يقق وناصع ولهق ولهاق، وأخضر ناضر، وأحمر قاني، وأسود حالك وحلكوك، وحلكوك، ودجوجي، وغربيب، وأرزق ولم أسمع] (^٣) [أنهم أكدوه بشيء كغيره من بقية الألوان المذكورة وهي ستة، ولا زائد عليها إلا ما يركب منها، وليس يكون أصلًا. والله أعلم] (^٤).\n\n<span id=\"aya-75\"></span>﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾.\nأخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل، وكثرة سؤالهم لرسولهم؛ ولهذا لما ضيقوا على أنفسهم ضيق (الله) (^٥) عليهم، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم، كما قال ابن عباس، وعبيدة وغير واحد؛ ولكنهم شددوا فشدد عليهم؛ فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ (أي) (^٦): ما هذه البقرة؟ وأي شيء صفتها؟\nقال ابن (^٧) جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا (عثام) (^٨) بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد (الله) (^٩) عليهم. إسناد صحيح.\nوقد رواه غير واحد عن ابن عباس؛ وكذا قال عبيدة (^١٠)، والسدي (^١١)، ومجاهد (^١٢)، وعكرمة (^١٣)، وأبو العالية (^١٤)، وغير واحد.\n_________\n(^١) بعدها في (ع): \"بلغ مقابلة بقراءة المصنف معارضًا بأصله، فسح الله في مدته\".\n(^٢) وانظر \"الأضداد\" (ص ١٦١، ١٦٢) لابن الأنباري.\n(^٣) من (ج) و(ع) و(ى).\n(^٤) من (ج) و(ع) و(ى).\n(^٥) لفظ الجلالة من (ن).\n(^٦) من (ن).\n(^٧) في \"تفسيره\" (١٢٣٥). [وسنده حسن].\n(^٨) في (ز) و(ض): \"عثمان\"؛ وفي (ل) و(ن): \"هشام\" وكلاهما تصحيف.\n(^٩) لفظ الجلالة في سائر \"الأصول\" ما عدا (ن).\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٢٣٦، ١٢٣٧، ١٢٣٨) من طريق أيوب السختياني وهشام بن حسان كلاهما عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني بسند صحيح.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٩٨). [وسنده حسن].\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (١٢٤٠، ١٢٤١، ١٢٤٢) وهو صحيح.\n(^١٣) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٥٠)، ومن طريقه ابن جرير (١٢٣٩) قال: أخبرنا.\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (١٢٤٣). [يشهد له ما سبق].","vol":"1","page":445},{"text":"وقال ابن جريج (^١): قال لي عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة (كفتهم) (^٢)؛ قال ابن جريج: قال رسول الله ﷺ: \"إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شددوا (على أنفسهم) (^٣) شدد الله عليهم، وايم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد\"؛ قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ أي: لا كبيرة هرمة ولا صغيرة (لم يلقحها) (^٤) الفحل، كما قاله أبو العالية (^٥)، والسدي، ومجاهد، وعكرمة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، ووهب ابن منبه، والضحاك، والحسن، وقتادة؛ وقاله ابن عباس أيضًا.\nوقال الضحاك (^٦)، عن ابن عباس ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ يقول: نصف بين الكبيرة والصغيرة؛ وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر، وأحسن ما يكون.\nوروى (^٧) عن عكرمة، ومجاهد، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني والضحاك، نحو ذلك.\n(٨) [وفي \"تفسير عبد بن حميد\" عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: العوان؛ هي: العانس النصف.\nوعن خصيف، عن مجاهد، قال: ولدت بطنًا أو بطنين] (^٨).\nوقال السدي (^٩): العوان: النصف التي بين ذلك التي (ولدت) (^١٠) وولد ولدها.\nوقال هشيم (^١١)، عن جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن في البقرة: كانت بقرةً وحشيةً.\n\n<span id=\"aya-76\"></span>وقال ابن جريج (^١٢)، عن عطاء، عن ابن عباس: من لبس نعلًا صفراء لم يزل في سرور ما\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٢٤٢) وسنده صحيح إلى عطاء بن أبي رباح. والحديث المرفوع لا يصح لإعضاله.\n(^٢) في (ل) و(ن): \"لكفتهم\".\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) في (ز) و(ض) و(ع) و(ى): \"يلحقها\"؛ وفي (ك): \"ينكحها\"!\n(^٥) أما أثر أبو العالية، فأخرجه ابن جرير (١١٩٠، ١١٩١، ١٢٠٢، ١٢٠٣) وأثر السدي فعنده أيضًا (١١٩٤، ١٤٠٢)، وعند ابن أبي حاتم (٧٠٣، ٧٠٥). [وسنده حسن]. وأثر مجاهد فأخرجه ابن جرير (١١٨٤، ١١٨٨، ١١٨٩، ١١٩٦، ١١٩٧)؛ وابن أبي حاتم (٧٠٠، ٧٠٦)، وأما أثر عكرمة؛ فأخرجه ابن جرير (١١٨٥، ١١٩٨) وسنده ضعيف، وأما أثر عطاء الخراساني، فأخرجه ابن جرير (١١٨٧، ١١٩٩) وأما أثر الحسن، فأخرجه ابن أبي حاتم (٧٠٧). وأما أثر قتادة، فأخرجه ابن جرير (١١٩٢، ١١٩٣)؛ وعبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤٨). [وسنده صحيح]. وأما أثر ابن عباس، فأخرجه ابن جرير (١١٨٥، ١١٨٦، ١١٩٩، ١٢٠١)؛ وابن أبي حاتم (٦٩٩، ٧٠١، ٧٠٢) ولا يصح، وبقية الآثار تقدم الحكم عليها مرارًا.\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٢١٠)؛ وابن أبي حاتم (٧٠٤) وسنده ضعيف جدًّا.\n(^٧) وهذه الآثار عند ابن جرير (١٢٠٦، ١٢٠٧، ١٢٠٨، ١٢٠٩، ١٢١١، ١٢١٢، ١٢١٣، ١٢١٤، ١٢١٥)؛ وابن أبي حاتم (٧٠٥، ٧٠٦). [ويقوي بعضها بعضًا].\n(^٨) من (ل) وقيد في حاشية (ج) و(ع) و(ى). [وسنده صحيح].\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٢١٥)؛ وابن أبي حاتم (٧٠٥). [وسنده حسن].\n* [في سنديهما خصيف فيه مقال].\n(^١٠) في (ن): \"وقد ولدت\".\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٠٩)؛ وابن جرير (١٢٢١) وسنده ضعيف جدًّا.\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٧١٠)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٠/ رقم ١٠٦١٢)؛ وابن الأعرابي في \"معجمه\" (٩٦٨)؛ والخطيب في \"تاريخه\" (٥/ ٢٥) من طرق عن سهل بن عثمان، ثنا ابن العذراء، عن ابن جريج =","vol":"1","page":446},{"text":"دام لابسها؛ وذلك [قول الله (^١) تعالى]: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.\nوكذا قال مجاهد (^٢)، ووهب (^٣) بن منبه: (إنها) (^٤) كانت صفراء.\nوعن ابن عمر (^٥): كانت صفراء الظلف.\nوعن سعيد (^٦) بن جبير: كانت صفراء القرن، والظلف.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧): حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثنا نوح بن قيس، أنبأنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله (تعالى) (^٨): ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قال: سوداء شديدة السواد. وهذا غريب.\nوالصحيح الأول، ولهذا أكد صفرتها بأنه ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.\nوقال عطية (^٩) العوفي: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ تكاد تسود، من صفرتها.\nوقال سعيد بن (^١٠) جبير: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قال: صافية اللون.\n_________\n= بسنده سواء وسئل عنه أبو حاتم الرازي، كما في \"العلل\" (٢/ ٣١٩)، فقال: \"هذا حديث كذب موضوع\". ا هـ.\n(*) قلت: وابن العذراء ذكره الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ٥٩٤) وقال: \"عن ابن جريج، له حديث في النعل الأصفر؛ لا شيء\". وترجمه ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٢/ ٣٢٥) قال: \"سمعت أبي يقول: ابن العذراء الذي روى حديث: من لبس نعلًا صفراء، ليس بشيء، حديث النوكي، وهو حديث كذب موضوع\". ا هـ.\n(^١) في (ج): \"قول الله\"؛ وفي (ز) و(ن): \"قوله تعالى\".\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٢٢٤) عن عيسى؛ وابن أبي حاتم (٧١١) عن ورقاء كلاهما عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: لو أخذوا بقرة صفراء، لأجزأتهم. وسنده صحيح.\n(^٣) أشار إليه ابن أبي حاتم.\n(^٤) ساقط من (ن).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٧١٢) وسنده ضعيف وفي إسناده شريك النخعي، وفي حفظه ضعف، وعنعنة الأعمش. ومغراء العبدي فيه توثيق لين. والله أعلم.\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٢٢٢) من طريق مروان بن معاوية الفزاري، عن إبراهيم، عن أبي حفص، عن مغراء، أو عن رجل، عن سعيد بن جبير فذكره. قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تخريجه لـ\"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٠٠): \"لكن هذا الإسناد ضعيف لتردد الراوي: أنه عن مغراء أو عن رجل، فتردد بين ثقة ومبهم\". اهـ. كذا قال الشيخ، وفي الإسناد: إبراهيم بن يزيد الخوزي، شيخ الفزاري، وهو متروك كما قال أحمد والنسائي، وطرحه ابن المبارك وعد التحديث عنه ذنبًا. وقال ابن معين: \"ليس بثقة وليس بشيء\" وضعفه البخاري جدًّا فقال: \"منكر الحديث\".\nوأخرجه ابن أبي حاتم (٧١٣) من طريق حفص بن غياث، عن ليث بن أبي سليم، عن مغراء عن سعيد بن جبير مثله، ولم يشك، ولكن ليث بن أبي سليم ضعيف الحديث.\n(^٧) في \"تفسيره\" (٧١٤) وسنده صحيح. وأبو رجاء هو محمد بن سيف الأزدي الحداني وثقوه؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٧٢٠) قال: حدثنا أبي، ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا نوح بن قيس، ثنا أبو رجاء محمد بن سيف الحداني، عن الحسن قال: الفاقع: سوداء شديدة السواد. وقول الحسن هذا استغربه المصنف، ورده ابن جرير (٢/ ٢٠٠، ٢٠١)؛ وابن قتيبة في \"غريب القرآن\" (ص ٥٣).\n(^٨) من (ن).\n(^٩) أخرج ابن أبي حاتم (٧١٨) وسنده قوي.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٧١٦) وسنده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم.","vol":"1","page":447},{"text":"وروى عن أبي العالية (^١)، والربيع (^٢) بن أنس، والسدي (^٣)، والحسن، وقتادة (^٤)، نحوه.\nوقال شريك (^٥)، عن (مغراء) (^٦)، عن (^٧) [ابن عمر: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قال: (صافي) (^٨) وقال العوفي في \"تفسيره\" (^٩)، عن] (٧) ابن عباس: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض.\nوقال السدي (^١٠): ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أي: تعجب الناظرين. وكذا قال أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس.\nوقال وهب بن (^١١) منبه: إذا نظرت إلى جلدها تخيلت أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.\n(١٢) [وفي التوراة أنها كانت حمراء؛ فلعل هذا خطأ في التعريب، أو كما قال الأول: إنها كانت شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد. والله أعلم] (^١٢).\n\n<span id=\"aya-77\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ أي: لكثرتها؛ فميز لنا هذه البقرة وصفها وجلها لنا؛ ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إذا بينتها لنا ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها.\nوقال ابن أبي (^١٣) حاتم: حدثنا أحمد بن يحيى (الأودي) (^١٤) الصوفي، حدثنا أبو سعيد أحمد بن داود الحداد، حدثنا سرور بن المغيرة الواسطي ابن أخي منصور بن زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لولا أن بني إسرائيل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ لما أعطوا، ولكن استثنوا\".\nورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في \"تفسيره\" من وجه آخر عن (سرور) (^١٥) بن المغيرة (بن) (^١٦) زاذان، عن عباد بن منصور؛ عن الحسن، عن حديث أبي رافع، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لولا أن بني إسرائيل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما أُعطوا أبدًا؛ ولو أنهم اعترضوا بقرةً من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم\".\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٢٢٦). [وسنده جيد].\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٢٢٧). [وسنده جيد].\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٢٢٨). [وسنده حسن].\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٩) وعنه ابن جرير (١٢٢٥). [وسنده صحيح].\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٧١٧) وسنده ضعيف.\n(^٦) شطب عليها ناسخ (ن)، وكتب بدلها: \"معمر\" وهو خطأ ظاهر، وسقط ذكره من (ك).\n(^٧) ساقط من (ك).\n(^٨) في (ز): \"صاف\".\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٢٢٩)؛ وابن أبي حاتم (٧١٩) وسنده ضعيف.\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٢٣٣)؛ وابن أبي حاتم (٧٢١). [وسنده حسن].\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٢٣٢)؛ وابن أبي حاتم (٧٢٢) وسنده جيد.\n(^١٢) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٣) في \"تفسيره\" (٧٢٧) وسنده ضعيف.\nوأخرجه تمام الرازي في \"الفوائد\" (٨٥) من طريق أبي إسماعيل الترمذي محمد بن إسماعيل، ثنا أحمد بن داود بن سعيد الحداد، ثنا سرور بن المغيرة بسنده سواء.\n(^١٤) في (خ) و(ل): \"الأزدي\".\n(^١٥) في (ل): \"مسرور\".\n(^١٦) في (ز) و(ن): \"عن\" وهو خطأ.","vol":"1","page":448},{"text":"وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة، كما تقدم (مثله) (^١) عن السدي. والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-78\"></span>﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ أي: إنها ليست مذللةً بالحراثة، ولا معدةً للسقي في السانية؛ بل هي مكرمة (حسناء) (^٢) صبيحة مسلمة صحيحة لا عيب فيها.\n﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أي: ليس فيها لون غير لونها.\nقال عبد الرزاق (^٣)، عن معمر، عن قتادة: مسلمة؛ يقول: لا عيب فيها. وكذا قال أبو العالية (^٤)، والربيع.\nوقال مجاهد (^٥): مسلمة من الشية.\nوقال عطاء (^٦) الخراساني: مسلمة القوائم والخلق لا شية فيها؛ قال مجاهد (^٧): لا بياض ولا سواد. وقال أبو العالية (^٨)، والربيع، والحسن، وقتادة: ليس فيها بياض.\nوقال عطاء (^٩) الخراساني: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال: لونها واحد بهيم.\nوروي (^١٠) عن عطية العوفي ووهب بن منبه، وإسماعيل بن أبي خالد، نحو ذلك.\nوقال السدي (^١١): لا شية فيها من بياض، ولا سواد، ولا حمرة.\nوكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى.\n[وقد زعم بعضهم أن المعنى في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ ليست بمذللة بالعمل، ثم استأنف، فقال: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: يعمل عليها [بالحراثة لكنها] (^١٢) لا تسقي الحرث. [وهذا ضعيف؛ لأنه فسر الذلول التي لم تذلل بالعمل بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث] (^١٢). كذا قرره القرطبي (^١٣) وغيره] (^١٤).\n_________\n(^١) في (ج) و(ل): \"نقله\".\n(^٢) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي (ز) و(ك) و(ن): \"حسنة\".\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٢٥٩)؛ وابن أبي حاتم (٧٣٨) كلاهما من طريق عبد الرزاق مثله وأخرجه ابن جرير (١٢٥٨) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة وكلاهما صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٢٦٠) وكذا أثر الربيع عنده رقم (١٢٦١).\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٢٥٥)؛ وابن أبي حاتم (٧٣٧) من طريقين عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. [وسنده صحيح].\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٣٩) وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٢٥٥، ١٢٥٦، ١٢٥٧، ١٢٦٦، ١٢٦٧)؛ وابن أبي حاتم (٧٤٠). [وسنده صحيح].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٢٦٥). وأما أثر الربيع بن أنس؛ فأخرجه ابن جرير أيضًا (١٢٧١) وأثر الحسن: أخرجه ابن أبي حاتم (٧٤١) ورجاله ثقات. وأثر قتادة: أخرجه ابن جرير (١٢٦٣، ١٢٦٤) من وجهين عن قتادة. وكلاهما صحيح.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٤٢) وسنده ضعيف.\n(^١٠) هكذا نقلها المصنف عن ابن أبي حاتم.\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٢٦٩)؛ وابن أبي حاتم (٧٤٣) وسنده حسن.\n(^١٢) ساقط من (ج).\n(^١٣) في \"تفسيره\" (١/ ٤٥٣).\n(^١٤) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":449},{"text":"﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ قال قتادة (^١): الآن بينت لنا.\nوقال عبد الرحمن (^٢) بن زيد بن أسلم: وقبل ذلك - والله - قد جاءهم الحق؛ ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ قال الضحاك (^٣) عن ابن عباس: كادوا أن لا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا؛ لأنهم أرادوا ألا يذبحوها.\nيعني: أنهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد. وفي هذا ذم لهم؛ وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت؛ فلهذا ما كادوا يذبحونها.\nوقال محمد بن (^٤) كعب، ومحمد بن قيس: فذبحوها وما كادوا يفعلون لكثرة ثمنها. وفي هذا نظر؛ لأن كثرة الثمن لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل، كما تقدم من حكاية أبي العالية، والسدى، ورواه العوفي عن ابن عباس.\nوقال عبيدة (^٥)، ومجاهد (^٦)، ووهب بن (^٧) منبه، وأبو العالية (^٨)، وعبد الرحمن (^٩) بن زيد بن أسلم: إنهم اشتروها (بمال كثير) (^١٠). وفيه اختلاف؛ ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك.\nقال عبد الرزاق (^١١): (أنبأنا) (^١٢) ابن عيينة، أخبرني محمد بن سوقة، عن عكرمة؛ قال: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير؛ وهذا إسناد جيد عن عكرمة.\nوالظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضًا.\nوقال ابن جرير (^١٣)؛ وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة إن أطلع الله على\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٢٧٢) عن سعيد بن أبي عروبة؛ وابن أبي حاتم (٧٤٤) عن شيبان النحوي كلاهما عن قتادة. وهو صحيح من الوجهين.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٢٧٣) وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٢٧٧)؛ وابن أبي حاتم (٧٤٧) بسند ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٢٧٦)؛ وابن أبي حاتم (٧٤٨)؛ وعبد الرزاق (١/ ٤٩) وفي إسناده أبو معشر واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي وكان تغير في آخر عمره، فلذلك ضعفه العلماء.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٩)؛ وابن جرير (١٢٧٩، ١٢٨٥، ١٢٨٦) بسند صحيح عن عبيدة قال: \"اشتروها بملء جلدها دنانير\".\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٢٨٠، ١٢٨١) من طريقين عن مجاهد أنه باعها بملء جلدها ذهبًا. [وسنده صحيح].\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٢٨٢) بسند جيد عن وهب بن منبه قال: \"اشتروها منه على أن يملأوا له جلدها دنانير، ثم ذبحوها، فعمدوا إلى جلد البقرة فملأوه دنانير ثم دفعوها إليه\".\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٢٨٤) بسند حسن عن أبي العالية قال: \"لم يجدوها إلا عند عجوز وأنها سألتهم أضعاف ثمنها، فقال لهم موسى: أعطوها رضاها وحكمها، ففعلوا، واشتروها فذبحوها\".\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٢٨٧) بسند صحيح عن عبد الرحمن بن زيد قال: \"جعلوا يزيدون صاحبها حتى ملأوا له مشكها، وهو جلدها، ذهبًا\".\n(^١٠) كذا في (ز) و(ض) و(ك) و(ن) و(ى)؛ وفي (ع): \"بثمن كثير\" وأشار في الحاشية إلى تصويبها إلى \"مال\"؛ وفي (ج): \"بما ذكر\"؛ وفي (ل): \"بما ذكروا\".\n(^١١) في \"تفسيره\" (١/ ٥٠) ومن طريقه ابن جرير (١٢٨٨)؛ وابن أبي حاتم (٧٤٩). [وسنده جيد].\n(^١٢) في (ج): \"أخبرنا\".\n(^١٣) في \"تفسيره\" (٢/ ٢٢١ - شاكر).","vol":"1","page":450},{"text":"قاتل القتيل الذي اختصموا فيه. ولم يسنده عن أحد. ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلون ذلك لغلاء ثمنها، وللفضيحة.\nوفي هذا نظر؛ بل الصواب، والله أعلم، ما تقدم من رواية الضحاك عن ابن عباس على ما وجهناه. وبالله التوفيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>[(مسألة):</span>\nاستدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت، أو تم تقييدها بعد الإطلاق، على صحة السلم في الحيوان، كما هو] (^١) (^٢) [مذهب مالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد (بن حنبل) (^٣)، وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا؛ بدليل ما ثبت في \"الصحيحين\" (^٤) عن النبي ﷺ: \"لا تنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها كأنه ينظر إليها\".\nوكما وصف النبي ﷺ إبل الدية في (قتل) (^٥) الخطأ وشبه] (٢) العمد (^٦) [بالصفات المذكورة بالحديث (^٧).\nوقال أبو حنيفة، والثوري، والكوفيون: لا يصح السلم الحيوان؛ لأنه لا تنضبط أحواله. وحكى مثله عن ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعبد الرحمن بن سمرة، وغيرهم] (٦).\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٢) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) كذا قال المصنف ﵀، والحديث لم يروه مسلم، ووهم القرطبي فعزاه في \"تفسيره\" (١/ ٤٥٣) لمسلم!! ثم هذا اللفظ الذي عزاه المصنف للبخاري وهو \"لا تنعت المرأة … \" لا وجود له فيه، وعزاه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٦) إلى البخاري بهذا اللفظ، وكل هذا خطأ، إنما هو عند البخاري (٩/ ٣٣٨) من طريق الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود مرفوعًا بلفظ: \"لا تباشر المرأة المرأة، فتنعتها لزوجها، كأنه ينظر إليها\".\n(^٥) في (ج): \"مثل\"!\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٧) يشير المصنف إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود (٤٥٤١)؛ والنسائي (٨/ ٤٢، ٤٣)؛ وابن ماجه (٢٦٣٠)؛ وأحمد (٢/ ١٨٣، ١٨٦، ٢٢٤)؛ والدارقطني (٣/ ١٧٦)، من طرق عن محمد بن راشد، ثنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: \"من قتل خطأ فديته مائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقةً وعشرة بني لبون ذكور قال: وكان رسول الله ﷺ يقومها على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق ويقومها على أهل الإبل إذا غلت رفع في قيمتها وإذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان فبلغ قيمتها على عهد رسول الله ﷺ ما بين الأربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار أو عدلها من الورق قال وقضى رسول الله ﷺ أن من كان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة ومن كان عقله في الشاة ألفي شاة وقضى رسول الله ﷺ أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم فما فضل فللعصبة وقضى رسول الله ﷺ أن يعقل على المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثون منه شيئًا إلا ما فضل عن ورثتها وإن قتلت فعقلها بين ورثثها وهم يقتلون قاتلها\". اهـ. وهذا لفظ النسائي. ولفظ ابن ماجه قريب منه إلى قوله: \"ألفي شاة\" وهو عند الباقين مختصر. [وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢١٢٨)].","vol":"1","page":451},{"text":"<span id=\"aya-79\"></span>﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾.\nقال البخاري: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ اختلفتم. وهكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم (^١) عن أبيه، عن حذيفة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ اختلفتم.\nوقال عطاء (^٢) الخراساني، والضحاك: اختصمتم فيها.\nوقال ابن جريج (^٣): ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قال: قال بعضهم: أنتم قتلتموه، وقال آخرون: بل أنتم قتلتموه. وكذا قال عبد الرحمن (^٤) بن زيد بن أسلم.\n﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال مجاهد (^٥): ما تغيبون. وقال ابن (^٦) أبي حاتم: حدثنا (عمرو بن (^٧) سلم) البصري، حدثنا محمد بن الطفيل العبدي، حدثنا صدقة بن رستم، سمعت المسيب بن رافع يقول: ما عمل رجل حسنةً في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئةً في سبعة أبيات إلا أظهرها الله. وتصديق ذلك في كلام الله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-80\"></span>﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن؛ وقد كان معينًا في نفس الأمر؛ فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود لنا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه، ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه؛ فنحن نبهمه كما أبهمه الله.\nولهذا قال ابن أبي حاتم (^٨): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا (عفان) (^٩) بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنةً حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه؛ قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها فضربوه - يعني: القتيل - بعضو منها، فقام تشخب أوداجه دمًا، فقالوا له: من قتلك؟ قال: قتلني فلان.\nوكذا قال الحسن (^١٠)، وعبد الرحمن (^١١) بن زيد بن أسلم: إنه ضُرب ببعضها.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٧٥١) وسنده جيد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٥٢) وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٢٩٤) وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٢٩٥) وسنده صحيح أيضًا.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٣٠٣)؛ وابن أبي حاتم (٧٥٣) من طريقين عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وسنده صحيح.\n(^٦) في \"تفسيره\" (٧٥٤).\n(^٧) وقع في (ز) و(ض) و(ك) و(ل): \"عمرو بن مسلم\"؛ وفي (ن): \"عمرة بن أسلم\" وكلاهما خطأ. وعمرو بن سلم أبو عثمان البصري ترجمه ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٣٧/١) وقال: \"سمعت منه بالري، وهو صدوق\".\n(^٨) في \"تفسيره\" (٧٥٥) وسنده جيد.\n(^٩) في (ز) و(ض): \"عثمان\"! وهو خطأ.\n(^١٠) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق عباد بن منصور عن الحسن].\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٣١٣) وسنده صحيح.","vol":"1","page":452},{"text":"وفي رواية عن ابن عباس (^١): أنه ضُرب بالعظم الذي يلي الغضروف.\nوقال عبد (^٢) الرزاق: (أنبأنا) (^٣) معمر؛ قال: قال أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة: ضربوا القتيل ببعض لحمها.\nقال معمر: قال قتادة: ضربوه بلحم فخذها، فعاش، فقال: قتلني فلان.\nوقال [وكيع بن الجراح في \"تفسيره\":] (^٤) حدثنا النضر بن عربي، عن عكرمة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ فضرب بفخذها فقام، فقال: قتلني فلان.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد (^٥)، وقتادة (^٦) وعكرمة، نحو ذلك.\nوقال السدي (^٧): فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش؛ فسألوه فقال: قتلني ابن أخي.\nوقال أبو العالية (^٨): أمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا من عظامها فيضربوا (به) (^٩) القتيل، ففعلوا؛ فرجع إليه روحه؛ فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فضربوه ببعض آرابها (^١٠). [وقيل بلسانها. وقيل بعجب ذنبها] (^١١).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ أي: فضربوه فحَيِيَ؛ ونبَّه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل؛ جعل ﵎ ذلك الصنيع حجةً لهم على المعاد، وفاصلًا ما كان بينهم من الخصومة (والعناد) (^١٢).\nوالله تعالى (قد) (^١٣) ذكر في هذه السورة (ما) (^١٤) خلقه من إحياء الموتى في خمسة مواضع: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها - وقصة إبراهيم ﵇ (^١٥) والطيور الأربعة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٥٦) وفي سنده قيس بن الربيع فيه مقال.\nوعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٧٩) إلى \"وكيع، وابن المنذر وعبد بن حميد والفريابي\".\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ٤٩) ومن طريقه ابن جرير (١٣٠٩) وسنده صحيح.\n(^٣) في (ج): \"أخبرنا\".\n(^٤) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ن) و(ى)؛ وفي (ج) و(ك) و(ل): \"أبو أسامة\". وقد عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٧٩) إلى وكيع في \"تفسيره\" والنضر بن عربي من شيوخه [وسنده حسن]؛ وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٧٥٧) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة عن النضر بن عربي. وأخرجه ابن جرير (١٣٠٧) من طريق جابر بن نوح عن النضر بن عربي.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٣٠٥، ١٣٠٦) من طريقين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. [وسنده صحيح].\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٣١٠) بسند صحيح.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٣١١). [وسنده حسن].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٣١٢). [وسنده جيد].\n(^٩) من (ز) و(ن).\n(^١٠) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد].\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٢) في (ز) و(ض): \"الفساد\".\n(^١٣) ساقط من (ج).\n(^١٤) في (ن): \"مما\".\n(^١٥) من (ن).","vol":"1","page":453},{"text":"(وينبه) (^١) تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها رميمًا؛ كما قال أبو داود الطيالسي (^٢): حدثنا شعبة، أخبرني يعلى بن عطاء؛ قال: سمعت وكيع بن عبدس يحدث عن أبي رزين العقيلي ﵁؛ قال: قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال: \"أما مررت بواد ممحل، ثم مررت به خضرًا\"؟ قال: بلى. قال: \"كذلك النشور\". أو قال: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾.\nوشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ [يس: ٣٣ - ٣٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-78>[(مسألة):</span>\nاستدل لمذهب الإمام مالك في كون قول الجريح: فلان قتلني لوثًا (^٣) بهذه القصة؛ لأن القتيل لما حيي سئل عمن قتله، فقال: فلان قتلني؛ فكان ذلك مقبولًا منه؛ لأنه لا يخبر حينئذٍ إلا بالحق، ولا يتهم والحالة هذه. ورجحوا ذلك؛ لحديث (^٤) أنس أن يهوديًا قتل جاريةً على أوضاح (^٥) لها، فرضخ رأسها بين حجرين؛ فقيل: من فعل بك هذا، أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكروا اليهودي؛ فأومأت برأسها؛ فأخذ] (^٦) [اليهودي، فلم يزل به حتى اعترف؛ فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين.\nوعند مالك إذا كان لوثًا حلف أولياء القتيل قسامةً، وخالف الجمهور في ذلك ولم يجعلوا قول القتيل في ذلك لوثًا] (^٧).\n_________\n(^١) في (ز) و(ن): \"نبه\"؛ وفي (ك): \"وبينه\".\n(^٢) في \"مسنده\" (١٠٨٩) ومن طريقه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ ٢٧٤)؛ وأخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٦٣٩)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٩/ رقم ٤٧٠)؛ وأحمد في \"المسند\" (٤/ ١١، ١٢) من طريق محمد بن جعفر غندر، زاد أحمد: وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: ثنا شعبة بإسناده سواء؛ وأخرجه أحمد (٤/ ١١) من طريق حماد بن سلمة أنا يعلى بن عطاء به وزاد البيهقي: \"وذلك آيته في خلقه\". وهو حديث طويل عند أبي داود وابن ماجه بعضه. وسنده ضعيف، ووكيع بن حدس، بالحاء المهملة، ويقال: عدس، بالعين المهملة، وصوب الإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ١١) أنه بالحاء المهملة. وكذلك ترجمة الطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ٢٠٤) قال: ويقال: عدس. ووكيع هذا قال الذهبي: \"لا يعرف\".\n(^٣) اللوث: أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت أن فلانًا قتلني أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما، أو تهديد منه له، أو نحوه.\n(^٤) أخرجه البخاري (٥/ ٧١، ٣٧١ و١٢/ ١٩٨، ٢١٣، ٢١٤)؛ ومسلم (١٦٧٢/ ١٧)؛ وأبو داود (٤٥٢٧)؛ والنسائي (٨/ ٢٢)؛ والترمذي (١٣٩٤)؛ وابن ماجه (٢٦٦٥)؛ والدارمي (٢/ ١١٠)؛ والطيالسي (١٩٨٦)؛ وأحمد (٣/ ١٨٣، ١٩٣، ٢٦٢، ٢٦٩)؛ وابن الجارود (٨٣٧، ٨٣٨)؛ وابن أبي عاصم في \"الديات\" (ص ١٧٥)؛ والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ١٧٩)؛ والبيهقي (٨/ ٢٨) من طرق عن قتادة، عن أنس.\nوقال الترمذي: \"حسن صحيح\" وله طريقان آخران عن أنس.\n(^٥) الأوضاح: حلي من قطع الفضة.\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":454},{"text":"<span id=\"aya-81\"></span>﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾.\nيقول تعالى، توبيخًا لبني إسرائيل، وتقريعًا لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى وإحيائه الموتى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ كله؛ ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ التي لا تلين أبدًا.\nولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم؛ فقال: ﴿* أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦].\nوقال العوفي في \"تفسيره\" (^١) عن ابن عباس: لما ضُرب المقتول ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط، فقيل له: من قتلك؟ قال: بنو أخي قتلوني. ثم قُبض؛ فقال بنو أخيه حين (قبض) (^٢): والله ما قتلناه، فكذبوا بالحق بعد (إذ) (^٣) رأوه. فقال الله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (^٤) [يعني: (بني) (^٥) أخي الشيخ] (٤)، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسيةً بعيدةً عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات؛ فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشد قسوةً من الحجارة؛ فإن من الحجارة ما يتفجر منها العيون (الجارية بالأنهار) (^٦) ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء وإن لم يكن جاريًا، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله.\nوفيه إدراك لذلك بحسبه؛ كما قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].\nقال ابن أبي نجيح (^٧)، عن مجاهد: إنه كان يقول: كل حجر يتفجر منه الماء، أو (ينشق) (^٨) عن ماء، أو يتردى من رأس جبل لمن خشية الله، نزل بذلك القرآن.\nوقال محمد بن (^٩) إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٣١٤)؛ وابن أبي حاتم (٧٦١) وسنده ضعيف.\n(^٢) كذا في سائر \"الأصول\"، وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\"؛ وفي (ن): \"قبضه الله\".\n(^٣) في (ن): \"إن\".\n(^٤) ساقط من (ل).\n(^٥) كذا في (ز) و(ض)؛ وفي (ن): \"أبناء\"؛ وفي (ج) و(ع) و(ك) و(ى): \"ابن\".\n(^٦) في (ن): \"بالأنهار الجارية\".\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٣١٧)؛ وابن أبي حاتم (٧٦٩) من طريقين عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فذكره وسنده صحيح.\n(^٨) في (ز) و(ن) و(ى): \"يتشقق\".\n(^٩) وأخرجه ابن أبي حاتم (٧٧٠). [وسنده حسن].","vol":"1","page":455},{"text":"[وقال أبو علي (الجبائي) (^١) في \"تفسيره\": ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ هو سقوط البرد من السحاب. قال القاضي الباقلاني: وهذا تأويل بعيد، وتبعه في استبعاده (فخر الدين) (^٢) الرازي؛ وهو كما قال: فإن هذا خروج عن (ظاهر) (^٣) اللفظ بلا دليل. والله أعلم] (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم (^٥): حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثني يحيى بن أبي طالب - (يعني: يحيى) (^٦) بن يعقوب - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ قال: كثرة البكاء. ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ قال: قليل البكاء. ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قال: بكاء القلب من غير دموع العين.\n[وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ أي: كالعيون السارحة المشاهدة، تخرج من الأحجار عيانًا، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ كحجر موسى الذي كان إذا ضربه نبع منه اثنا عشرة عينًا بإذن الله في ذلك، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: من رؤوس شواهق الجبال، وهذا كقوله: \"أُحد جبل يحبنا ونحبه\"] (^٧).\n[وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة، كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] قال (فخر الدين) (^٨) (الرازي) (^٩) والقرطبي (^١٠) وغيرهما من الأئمة: ولا حاجة إلى هذا؛ فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى] (^١١) [السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ …﴾ الآية [الإسراء: ٤٤] وقال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [الرحمن: ٦] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ …﴾ الآية [النحل: ٤٨] ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ …﴾ الآية [الحشر: ٢١]، [﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ (الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾) (^١٢)] (^١٣) [فصلت: ٢١].\n[وفي \"الصحيح\" (^١٤): \"هذا جبل يحبنا ونحبه\"] (^١٥) وكحنين الجذع (^١٦) المتواتر خبره] (^١٧).\n_________\n(^١) في (ن): \"الحياني\"! وأشار في الحاشية أنه وقع في نسخة: \"الجبائي\".\n(^٢) ساقط من (ن). وانظر \"تفسير الرازي\" (٢/ ١٤١).\n(^٣) ساقط من (ج) و(ك) و(ن).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٥) في (تفسيره) (٧٦٥، ٧٧١) وهشام بن عمار تغير حفظه في آخر عمره. فكان إذا لقنوه قبل التلقين.\n(^٦) في (ن): \"يعني ويحيى\" وذكر \"الواو\" خطأ.\n(^٧) من (ج) و(ل).\n(^٨) ساقط من (ن).\n(^٩) من (ن) وانظر \"تفسير الرازي\" (٢/ ١٤٠، ١٤١).\n(^١٠) في (تفسيره) (١/ ٤٦٥).\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٢) هذه الآية ليست في (ى)، وكتب بدلها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ﴾ الآية [الحج: ١٨].\n(^١٣) لم يذكرها في (ن) وكتب بدلها: الآية.\n(^١٤) أخرجه البخاري (٣/ ٣٤٣، ٣٤٤؛ و٤/ ٨٨؛ و٦/ ٢٦٦؛ و٧/ ١١٥؛ و٨/ ١٢٥)؛ ومسلم (١٣٩٢/ ١١، ١٢).\n(^١٥) ساقط من (ى).\n(^١٦) ومن هذه الأحاديث ما أخرجه البخاري (١/ ٥٤٣، ٥٤٤؛ و٤/ ٣١٩؛ و٦/ ٦٠١، ٦٠٢).\n(^١٧) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":456},{"text":"[وفي \"صحيح (^١) مسلم\": \"إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن\".\nوفي صفة الحجر (^٢) الأسود أنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة] (^٣).\n[وغير ذلك مما في معناه.\n[وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة \"أبي عبد الله (^٤) الفيحي أو الفتحي\" قال: سمعت أحمد بن عاصم الأنطاكي يقول: تكلمت بشيء من الحكمة بين يدي هذا العمود الحجر، فقطر العمود دماءً!] (^٥).\nقال: وخرجنا (مرة نريد دير مران) (^٦)، ومعنا جماعة، منهم رجل معه في كمه محبرة، فتكلم رجل منا بشيء من الحكمة، فصاحت المحبرة صياحًا عاليًا، وانفلقت!] (^٧).\nتنبيه: اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ بعد الإجماع على استحالة كونها للشك؛ فقال بعضهم: \"أو\" ها هنا بمعنى الواو، تقديره: فهي كالحجارة وأشد قسوة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. [﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ [المرسلات: ٦]] (^٨) وكما قال النابغة (الذبياني) (^٩):\n[قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا أو نصفه فقد\nتريد ونصفه؛ قاله ابن جرير.\nوقال ابن جرير (^١٠) بن عطية:\nنال الخلافة أو كانت له قدرًا … كما أتى ربه موسى على قدر\nقال ابن جرير: يعني: نال الخلافة، وكانت له قدرًا] (^١١).\n[وحكى القرطبي (^١٢) قولًا بالتخيير؛ أي: شبهوها بهذا أو بهذا، مثل: جالس الحسن] (^١٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٧٧/ ٢).\n(^٢) يشير إلى ما رواه ابن عباس مرفوعًا: \"ليبعثن الله الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق\".\nأخرجه الترمذي (٩٦١)؛ وابن ماجه (٩٤٤)؛ والدارمي (١/ ٣٧٢)؛ وأحمد (٢٦٤٣، ٢٧٩٦، ٢٧٩٧، ٣٥١١)؛ وابن خزيمة (٢٧٣٤، ٢٧٣٥، ٢٧٣٦)؛ وأبو يعلى (٢٧١٩)؛ وابن حبان (٣٧١١، ٣٧١٢) وآخرون من طريق عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن\" وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعائشة ﵃.\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٤) من \"تاريخ دمشق\" (ج ١٩/ ق ١٣٠) وأبو عبد الله الفيحي مجهول، والحكاية في غاية الغرابة.\n(^٥) من (ج) و(ل) و(ع) و(ى).\n(^٦) كذا في (ع) و(ى) وهو الموافق لما في \"تاريخ دمشق\" ولفظه: \"خرجنا أيام البصري نريد دير مران\"، و\"دير مران\": موضع قرب دمشق كما في \"معجم البلدان\" (٢/ ٥٣٣) ووقع في (ج): \"يزيد بن رومان\"؛ وفي (ل): \"يزيد ابن مروان\".\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٩) ساقط من (ج).\n(^١٠) وانظر ديوانه (٢٧٥) وفيه: \"نال الخلافة إذا كانت … \".\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٢) في \"تفسيره\" (١/ ٤٦٣).\n(^١٣) ساقط من (ز) و(ض) ووقعت هذه الفقرة في (ن) قبل: \"تنبيه\".","vol":"1","page":457},{"text":"[(أو) (^١) ابن سيرين، وكذا حكاه (فخر الدين) (^٢) (الرازي) (^٣) في \"تفسيره\" (^٤)، وزاد قولًا آخر وهو أنها للإبهام بالنسبة إلى المخاطب؛ كقول القائل: أكلت خبزًا أو تمرًا؟ وهو يعلم أيهما أكل. وقولًا آخر: وهو أنها بمعنى قول القائل: (أكلي حلو أو حامض) (^٥)؛ أي: لا يخرج عن واحد من هذين الشيئين، والله أعلم] (^٦).\nوقال آخرون: \"أو\" ها هنا بمعنى \"بل\"؛ فتقديره: فهي كالحجارة؛ بل أشد قسوة. وكقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧].\n﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات: ١٤٧]، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٩]. وقال آخرون: معنى ذلك ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ عندكم؛ حكاه ابن جرير.\nوقال آخرون: المراد بذلك الإبهام على المخاطب، كما قال أبو الأسود:\nأحب محمدًا حبًا شديدًا … وعباسًا وحمزة والوصايا (^٧)\nفإن يك حبهم رشدًا أصبه … (وليس) (^٨) بمخطئ إن كان غيا\nوقال ابن جرير: قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكًا في أن حب من سمي رشد، ولكنه أبهم على (من) (^٩) خاطبه؛ قال: وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له: شككت؟ فقال: كلا والله، ثم انتزع بقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] فقال: أو كان شاكًا من أخبر بهذا [في الهادي منهم من الضال] (^١٠).\nوقال بعضهم: معنى ذلك: (فقلوبهم) (^١١) لا تخرج عن أحد هذين المثلين؛ إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها (قسوةً) (^١٢).\nقال ابن جرير: ومعنى ذلك على هذا التأويل: فبعضها كالحجارة قسوةً، وبعضها أشد قسوةً من الحجارة.\nوقد رجحه ابن جرير (^١٣) مع توجيه غيره.\nقلت: وهذا القول الأخير يبقى شبيهًا بقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] مع قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] مع قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ …﴾ الآية [النور: ٤٠] أي: إن منهم من هو هكذا؛ ومنهم من هو هكذا. والله أعلم.\n_________\n(^١) في (ج): \"و\"!\n(^٢) ساقط من (ن).\n(^٣) ساقط من (ع).\n(^٤) (٢/ ١٣٨).\n(^٥) في (ن): \"كل حلوًا أو حامضًا\".\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض) ووقعت هذه الفقرة في (ن) قبل: \"تنبيه\".\n(^٧) في \"تفسير القرطبي\": \"أو عليًا\".\n(^٨) هكذا في كل \"الأصول\"؛ وفي \"الطبري\" و\"القرطبي\": \"ولست\" وهو الأنسب للسياق.\n(^٩) ساقط من (ج).\n(^١٠) في (ن): \"من الهادي منهم ومن الضال\"؛ وفي (ج): \"فالهادي منهم … \"؛ وفي (ز) و(ك): \"من الضلال\".\n(^١١) في (ز) و(ن): \"فقلوبكم\".\n(^١٢) في (ن) و(ى): \"في القسوة\".\n(^١٣) في \"تفسيره\" (٢/ ٢٣٧).","vol":"1","page":458},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر (^١) بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا علي بن حفص، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حاطب، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي\".\nرواه الترمذي في \"كتاب الزهد\" من \"جامعه\" عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج صاحب الإمام أحمد، به.\nومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب، به. وقال: \"غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم\".\n[وروى البزار (^٢) عن أنس - مرفوعًا: \"أربع من الشقاء: جمود العين، (وقساء) (^٣) القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا\"] (^٤).\n\n<span id=\"aya-82\"></span>﴿* أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أي: ينقاد لكم بالطاعة؟ هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤١١)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٩/ رقم ٤٦٠٠، ٤٦٠١)؛ والواحدي في \"الوسيط\" (١/ ٢٧/ ٢)؛ وأبو جعفر الطوسي الفقيه الشيعي في \"الأمالي\" (ص ٢)، كما في \"الضعيفة\" (٩٢٠)، من طريق إبراهيم بن عبد الله بن حاطب عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا … فذكره.\nقال الترمذي: \"حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب\". كذلك نقل المنذري (٣/ ٥٣٨) التحسين. ونقل المصنف هنا الغرابة دون التحسين، وكذلك هو في \"أطراف المزي\" (٥/ ٤٤٥)؛ و\"تحفة الأحوذي\" (٧/ ٩٣) وهو اللائق.\nوصحح إسناده الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر في \"عمدة التفسير\" (١/ ١٦٨) والصواب أنه ضعيف الإسناد.\n(^٢) في \"مسنده\" (ج ٢/ ق ٥٢/ ٢) قال: حدثنا محمد بن أبي الحسن المصري، ثنا هانئ بن المتوكل، ثنا عبد الله بن سليمان، عن إسحاق وأبان، عن أنس مرفوعًا فذكره وسقط ذكر \"إسحاق\" من \"كشف الأستار\" رقم (٣٢٣٠) وكذلك سقط لفظ \"عن\" بين \"عبد الله بن سليمان\" و\"أبان\".\nوأخرجه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ١٢٥) من طريق محمد بن سنان القزاز ثنا هانئ بن المتوكل به، ولم يذكر \"أبان بن أبي عياش\". قال البزار بعد أن روى عدة أحاديث بهذا السند: \"وعبد الله بن سليمان قد حدث بأحاديث لم يتابع عليها ولا نعلم روى هذه الأحاديث عن عبد الله إلا هانئ بن المتوكل وإنما ذكرناها لأننا لا نحفظها من حديث غيره\".\n(*) قلت: وسنده ضعيف جدًّا.\n(^٣) كذا في (ج) و(ل) وهو الموافق لما في (البزار)؛ وفي (ع) و(ى): \"قسوة؛ وفي (ن) \": \"قساوة\"؛ وفي (ك): \"قساية\"!\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":459},{"text":"ذلك، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي: يتأولونه على غير تأويله، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله.\nوهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣].\nقال محمد بن إسحاق (^١): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس - أنه قال: ثم قال الله تعالى لنبيه ﷺ ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وليس قوله: (سمعوا التوراة) (^٢)، كلهم قد سمعها، (ولكنهم) (^٣) الذين سألوا موسى رؤية ربهم، فأخذتهم الصاعقة فيها.\nوقال محمد (^٤) بن إسحاق فيما حدثني بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى: يا موسى: قد حيل بيننا وبين رؤية (الله) (^٥) تعالى، فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى؛ فقال: نعم، مرهم فليتطهروا، وليطهروا ثيابهم، ويصوموا. ففعلوا؛ ثم خرج بهم حتى أتوا الطور؛ فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى (أن يسجدوا) (^٦)، (فوقعوا سجودًا) (^٧)، وكلمه ربه (فلما سمعوا) (^٨) كلامه يأمرهم وينهاهم، حتى عقلوا (عنه) (^٩) ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل.\nفلما جاءهم (حرَّف) (^١٠) فريق منهم ما أمروا به، [وقالوا - حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا؛ قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله -: إنما قال كذا وكذا، خلافًا لما قال الله ﵇ لهم] (^١١)؛ فهم الذين عنى الله لرسوله ﷺ.\nوقال السدي (^١٢): ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: هي التوراة حرفوها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٧٣). [وسنده حسن].\n(^٢) هكذا في كل \"الأصول\" وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧٧٥)؛ وفي (ز): \"ليس قوله يسمعون كلام الله سمعوا التوراة\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\" (١٣٣٣) عن ابن إسحاق قوله. ومعنى الكلام: وليس قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٥] أنهم يسمعون التوراة، فكلهم قد سمعها، ولكن المراد بهذه الآية الذين سألوا موسى ﵇ رؤية ربهم.\n(^٣) في (ن): \"ولكن هم\".\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٣٣٤)؛ وابن أبي حاتم (٧٧٧) من طريق سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق. [وسنده ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق].\n(^٥) في (ن): \"ربنا\".\n(^٦) ليس في \"تفسير الطبري\" ولا في \"ابن أبي حاتم\".\n(^٧) من (ن) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\" (١٣٣٤)، و\"ابن أبي حاتم\" وسقط من باقي \"الأصول\".\n(^٨) في (ن): \"فسموا\".\n(^٩) في (ن): \"منه\".\n(^١٠) في (ك): \"صرف\"!\n(^١١) من (ن) وهو الموافق لما في \"الطبري\".\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (١٣٣٠)؛ وابن أبي حاتم (٧٧٩). [وسنده حسن].","vol":"1","page":460},{"text":"وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق؛ وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق؛ فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله (أن) (^١) يكون منه كما سمعه الكليم موسى بن عمران ﵊؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] أي: مبلغًا إليه.\nولهذا قال قتادة (^٢) في قوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال: هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه (ووعوه) (^٣).\nوقال مجاهد (^٤): الذين يحرفونه والذين يكتمونه (هم) (^٥) العلماء منهم.\nوقال أبو العالية (^٦): عمدوا إلى ما أنزل الله في (نص) (^٧) كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه.\nوقال السدي (^٨): ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أنهم أذنبوا.\nوقال ابن وهب (^٩): قال ابن زيد في قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرفونها؛ يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرامَ فيها حلالًا، والحق فيها باطلًا، والباطل فيها حقًّا، إذا جاءهم المحق برشوةٍ أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوةٍ أخرجوا له ذلك الكتاب؛ فهو فيه محق. (وإن جاء) (^١٠) أحد يسألهم (شيئًا) (^١١) ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق؛ فقال الله لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤].\n\n<span id=\"aya-83\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ] (^١٢) …﴾ الآية.\nقال محمد بن (^١٣) إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ أي: (بصاحبكم) (^١٤) رسول الله ولكنه إليكم خاصةً؛ وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا؛ فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم؛ فكان منهم؛ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أي: تقرون بأنه نبي؛ وقد علمتم أنه قد\n_________\n(^١) في (ج) و(ل): \"لمن\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٨١) وسنده جيد.\n(^٣) ساقط من (ج) و(ض) و(ل).\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٣٢٨، ١٣٢٩)؛ وابن أبي حاتم (٧٧٨) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وسنده صحيح.\n(^٥) ساقط من (ج).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٨٠). [وسنده صحيح].\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض) و(ك) و(ن) و(ى).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٨٢). [وسنده حسن].\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٣٣١) وسنده صحيح.\n(^١٠) في (ز) و(ل): \"وإن جاءهم\"؛ وفي (ن): \"وإذا جاءهم\".\n(^١١) من (ز) و(ن) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\".\n(^١٢) من (ن).\n(^١٣) أخرجه ابن جرير (١٣٣٧، ١٣٤٠). [وسنده حسن].\n(^١٤) في (ن): \"إن صاحبكم\".","vol":"1","page":461},{"text":"أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي (كنا ننتظر) (^١)، ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به؛ يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾.\nوقال الضحاك (^٢)، عن ابن عباس: يعني: المنافقين من اليهود؛ كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا.\nوقال السدي (^٣): هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا؛ وكذا قال الربيع (^٤) بن أنس، وقتادة (^٥)، وغير واحد من السلف والخلف، حتى قال عبد الرحمن (^٦) بن زيد بن أسلم فيما رواه ابن وهب عنه: كان رسول الله ﷺ قد قال: \"لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن \"؛ فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا؛ فكانوا يأتون المدينة بالبُكر، ويرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾ [آل عمران: ٧٢] وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون، ليعلموا خبر رسول الله ﷺ وأمره؛ فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر؛ فلما أخبر الله نبيه ﷺ قطع ذلك عنهم، فلم يكونوا يدخلون؛ وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى؛ فإذا رجعوا إلى قومهم (يعني: الرؤساء) (^٧)؛ فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ …﴾ الآية.\nوقال أبو العالية (^٨): ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: بما أنزل عليكم في كتابكم من نعت محمد ﷺ.\nوقال عبد الرزاق (^٩)، عن معمر، عن قتادة: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قال: كانوا يقولون: سيكون نبي. فخلا بعضهم ببعض، فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.\nقول آخر في المراد بالفتح: قال ابن جريج (^١٠): حدثني القاسم بن أبي (بزة) (^١١)، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ قال: قام النبي ﷺ قريظة تحت حصونهم؛\n_________\n(^١) في (ج) و(ل): \"كان ينتظر\".\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٣٣٦) بسند ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٣٣٨)؛ وابن أبي حاتم (٧٨٤) بسند حسن.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٨٣). [وسنده جيد].\n(^٥) أخرجه عبد بن حميد، كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٨١).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٣٤٩) وسنده ضعيف جدًّا، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم تالف، ثم هو معضل.\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٣٤١)؛ وابن أبي حاتم (٧٨٦). [وسنده جيد].\n(^٩) في \"تفسيره\" (١/ ٥٠) ومن طريقه ابن جرير (١٣٤٣) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة؛ وأخرجه ابن جرير (١٣٤٢) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وكلاهما صحيح.\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٣٤٧) وهو مرسل صحيح الإسناد.\nوأخرجه مجاهد في \"تفسيره\" (ص ٢٠٧) ومن طريقه ابن جرير (١٣٤٥، ١٣٤٦)؛ وابن أبي حاتم (٧٨٧) من طرق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.\n(^١١) في (ن): \"برزة\"! وهو خطأ.","vol":"1","page":462},{"text":"فقال: يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت فقالوا: من أخبر بهذا الأمر محمدًا؟ ما خرج هذا (الأمر) (^١) إلا منكم؛ ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بما حكم الله للفتح؛ ليكون لهم حجةً عليكم.\nقال ابن جريج، عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم عليًا، فآذوا محمدًا ﷺ (^٢).\nوقال السدي (^٣): ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ من العذاب ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ هؤلاء ناس من اليهود آمنوا، ثم نافقوا؛ فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به؛ فقال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم.\nوقال عطاء الخراساني (^٤): ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: بما قضى لكم وعليكم.\nوقال الحسن البصري (^٥): هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم، مما في كتابكم ليحاجوكم به عند ربكم فيخصموكم.\n\n<span id=\"aya-84\"></span>وقوله (تعالى) (^٦): ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾ قال أبو العالية (^٧): يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد ﷺ، وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم؛ وكذا قال قتادة (^٨).\nوقال الحسن (^٩): ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ قال: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد ﷺ، وخلا بعضهم إلى بعض، (تناهوا) (^١٠) أن (يخبر أحد) (^١١) منهم أصحاب محمد ﷺ بما فتح الله عليهم مما في كتابهم خشية أن يحاجهم أصحاب محمد ﷺ بما في كتابهم عند ربهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يعني: حين قالوا لأصحاب محمد ﷺ: آمنا.\nوكذا قال أبو العالية (^١٢)، والربيع (^١٣)، وقتادة (^١٤).\n_________\n(^١) في (ز) و(ن): \"القول\" ولا توجد هذه الكلمة في \"تفسير الطبري\".\n(^٢) [أخرجه الطبري وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد].\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٣٤٨)؛ وابن أبي حاتم (٧٨٨) وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٨٩) وسنده ضعيف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٩٠) وسنده ضعيف.\n(^٦) من (ن).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٣٥١)؛ وابن أبي حاتم (٧٩١). [وسنده جيد].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٣٥٠). [وسنده جيد].\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٩٢). [وسنده مرسل ويتقوى بما يليه].\n(^١٠) ساقط من (ج).\n(^١١) كذا في (ز) و(ع) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\"؛ وفي (ج) و(ض): \"يخبر واحد\"؛ وفي (ك) و(ل): \"تخبروا أحدًا\".\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (١٣٥١)؛ وابن أبي حاتم (٧٩٣). [وسنده جيد].\n(^١٣) [وهو مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه].\nوكتب في هامش (ع) عند هذا الموضع: \"بلغ مقابلة بقراءة المصنف معارضًا بأصله، فسح الله في مدته\".\n(^١٤) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويشهد له ما سبق].","vol":"1","page":463},{"text":"<span id=\"aya-85\"></span>﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ (أُمِّيُّونَ)﴾ (^١) أي: ومن أهل الكتاب؛ قاله مجاهد (^٢).\nوالأميون: جمع أمي، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة؛ قاله أبو العالية، والربيع، وقتادة، وإبراهيم (^٣) النخعي، وغير واحد؛ وهو ظاهر في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ (إِلَّا أَمَانِيَّ)﴾ أي: لا يدرون ما فيه.\nولهذا في صفات النبي ﷺ: أنه الأمي؛ لأنه لم يكن يحسن الكتابة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨] وقال ﵊:، إنَّا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب: الشهر هكذا وهكذا وهكذا … \" الحديث (^٤)؛ أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب.\nوقال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] وقال ابن جرير (^٥): نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتاب دون أبيه.\nقال: وقد روي عن ابن عباس (^٦) ﵄ قول خلاف هذا، وهو ما حدثنا به أبو كريب: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولًا أرسله الله، ولا كتابًا أنزله الله، فكتبوا كتابًا بأيديهم؛ ثم قالوا لقوم سفلة جهال: هذا من عند الله.\nوقال (^٧): قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله ورسله.\nثم قال ابن جرير (^٧): وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم، وذلك أن الأميَّ عند العرب الذي لا يكتب.\nقلت: ثم في صحة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد نظر، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ قال ابن أبي طلحة (^٨)، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ إلا أحاديث.\n_________\n(^١) ساقط من (ج).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٣٥٤) من طريق ابن جريج عن مجاهد قال: \"أناس من اليهود\". وسنده ضعيف لتدليس ابن جريج، وإنما يروى ابن جريج التفسير عن مجاهد بواسطة.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٣٥٦)؛ وابن أبي حاتم (٧٩٦) وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه البخاري (٤/ ١٢٦)؛ ومسلم (١٠٨٠/ ١٥)؛ وأبو عوانة (ص ١٠١ - القسم المتمم)؛ وأبو داود (٢٣١٩)؛ والنسائي (٤/ ١٤٠)؛ وأحمد (٢/ ٤٣)؛ وابن أبي شيبة (٣/ ٨٥)؛ والبيهقي (٤/ ٢٥٠؛ و٧/ ٤٢) من طرق عن شعبة، ثنا الأسود بن قيس، قال: سمعت سعيد بن عمرو يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: فذكره مرفوعًا.\n(^٥) في \"تفسيره\" (٢/ ٢٥٩).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٣٥٨) وسنده ضعيف.\n(^٧) في \"تفسيره\" (٢/ ٢٥٩).\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٣٧٠)؛ وابن أبي حاتم (٧٩٧).","vol":"1","page":464},{"text":"وقال الضحاك (^١)، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ يقول: إلا قولًا يقولون بأفواههم كذبًا.\nوقال مجاهد (^٢): إلا كذبًا.\nوقال سنيد (^٣)، عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ قال: أنا من (يهود) (^٤) لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها.\nوعن الحسن البصري (^٥) نحوه.\nوقال أبو العالية (^٦)، والربيع، وقتادة (^٧): ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ يتمنون على الله ما ليس لهم.\nوقال عبد الرحمن (^٨) بن زيد بن أسلم: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ قال: تمنوا، فقالوا: نحن من أهل الكتاب وليسوا منهم.\nقال ابن جرير (^٩): والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس؛ (وقول) (^١٠) مجاهد: إن الأميين الذين وصفهم الله (تعالى) (^١١) (أنهم) (^١٢) لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى شيئًا، ولكنهم يتخرصون الكذب، ويتخرصون الأباطيل كذبًا وزورًا؛ والتمني في هذا الموضع: هو تخلق الكذب وتخرصه؛ ومنه الخبر المروي عن عثمان (^١٣) بن عفان ﵁: \"ما تغنيت ولا تمنيت\" يعني: ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٣٦٥) وسنده ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٣٦٦، ١٣٦٧)؛ وابن أبي حاتم (٧٩٩) وهو صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٣٧١) وسنده ضعيف.\n(^٤) في (ن): \"اليهود\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٠٢) بسند ضعيف عن الحسن قال: \"هؤلاء ناس من اليهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا كما قال الله فكانوا يتكلمون بالظنون بغير ما في كتاب الله ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها\".\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٣٧٢)؛ وابن أبي حاتم (٧٩٨) وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٥٠) ومن طريقه ابن جرير (١٣٦٩) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة … فذكره؛ وأخرجه ابن جرير (١٣٦٨) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وكلاهما صحيح.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٣٧٣) وسنده صحيح.\n(^٩) في \"تفسيره\": (١/ ٢٦٢).\n(^١٠) في (ن): \"وقال\".\n(^١١) من (ن).\n(^١٢) في (ج): \"في أنهم\".\n(^١٣) أخرجه ابن أبي عمر العدني في \"مسنده\"، كما في \"زوائد البوصيري على ابن ماجه\" (١٣٣/ ١)، ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٢٢٥)؛ وابن ماجه (٣١١) قال: حدثنا علي بن محمد قالا: ثنا وكيع، ثنا الصلت بن دينار، عن عقبة بن صهبان سمعت عثمان ﵁ يقول … فذكره وبقية الخبر: \"ولا مسست ذكرى بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ \". وتوبع وكيع. تابعه المعتمر بن سليمان، قال: سمعت الصلت بن دينار يحدث عن عقبة بن صهبان قال: أتيت عثمان فلم أر عنده شرطيًا ولا جلوازًا، فسمعته يقول … وذكره.\nأخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (١/ ٣٣٩، ٣٤٠) قال: حدثنا حاتم بن يونس الجرجاني، ثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا المعتمر بن سليمان به.\nوهذا سند ضعيف جدًّا، والصلت بن دينار متروك الحديث.","vol":"1","page":465},{"text":"[وقيل: المراد بقوله: إلا أماني بالتشديد والتخفيف أيضًا؛ أي: إلا تلاوةً؛ فعلى هذا يكون استثناءً منقطعًا؛ واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج: ٥٢] أي: تلا ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ …﴾ الآية [الحج: ٥٢] وقال كعب بن (^١) مالك الشاعر:\nتمنى كتاب الله أول ليله … وآخره لاقى حمام المقادر] (^٢)\n[وقال آخر:\nتمنى كتاب الله آخر ليله … تمني داود (الكتاب) (^٣) على رسل] (^٤)\nوقال محمد بن إسحاق (^٥): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: [ولا يدرون ما فيه، (وهم يجدون نبوتك) (^٦) بالظن.\nوقال مجاهد (^٧): ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾] (^٨) يكذبون.\nوقال قتادة (^٩)، وأبو العالية (^١٠)، والربيع (^١١): يظنون بالله الظنون بغير الحق.\n\n<span id=\"aya-86\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية: هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل.\nوالويل: الهلاك والدمار؛ وهي كلمة مشهورة في اللغة.\nوقال سفيان الثوري (^١٢)، عن زياد بن فياض: سمعت أبا عياض يقول: ويل: صديد في أصل جهنم.\n_________\n(^١) كذا نسبه لكعب، والمشهور أن قائله حسان بن ثابت ﵁، وكذا نسبه إليه جماعة. وانظر \"تفسير الفخر الرازي\" (١٢/ ٥٢)؛ و\"البحر المحيط\" (٦/ ٣٨٢) لأبي حيان، و\"اللسان\" وغيرها.\n(^٢) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٣) كذا في \"الأصول\"، ووقع في \"البحر المحيط\" (٦/ ٣٨٢)؛ وفي \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٦)؛ وفي \"تفسير ابن عطية\" (١٠/ ٣٠٤)؛ وفي \"تفسير القاسمي\" (ص ٤٣٦٦)؛ وفي \"روح المعاني\" (١٧/ ١٧٣)؛ وفي \"أضواء البيان\" (٥/ ٧٢٧): \"الزبور\" بدل \"الكتاب\" وهذا البيت نسبه الألوسي في \"روح المعاني\" لحسان بن ثابت!\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٣٧٧). [وسند ابن إسحاق حسن].\n(^٦) كذا في سائر النسخ؛ وفي \"الطبري\": \"يجحدون نبوتك\". ووقع في (ل): \"يحدثون فنونك\"!!\n(^٧) في \"تفسيره\" (ص ٢٠٧، ٢٠٨) ومن طريقه ابن جرير (١٣٧٤، ١٣٧٥، ١٣٧٦)؛ وابن أبي حاتم (٧٩٩، ٨٠١). [وسنده صحيح].\n(^٨) ساقط من (ض).\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٣٧٨). [وسنده صحيح].\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٣٧٩)؛ وابن أبي حاتم (٨٠٠). [وسنده جيد].\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٣٨٠). [بسندين أحدهما جيد].\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (١٣٨٢) عن ابن مهدي، و(١٣٨٣) عن وكيع، و(١٣٨٤) عن زيد بن أبي الزرقاء؛ وابن أبي حاتم (٨٠٤) عن ابن مهدي، وابن المبارك في \"الزهد\" (٣٣٣ - رواية نعيم) قالوا: ثنا سفيان الثوري بسنده سواء. وما ذكره المصنف هو لفظ رواية ابن مهدي، عن الثوري. وهذا سند صحيح، وقد خولف =","vol":"1","page":466},{"text":"وقال عطاء بن يسار (^١): الويل واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ؛ قال: \"ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره\". ورواه الترمذي (^٣) عن عبد بن حميد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج، به. وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة\".\nقلت: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده؛ وهذا الحديث بهذا الإسناد - مرفوعًا - منكر، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام (بن) (^٥) صالح (القشيري) (^٦)، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان (رضي الله تعالى عنه) (^٧)، عن رسول الله ﷺ: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ قال: \"الويل جبل في النار\"؛ وهو الذي أنزل في اليهود؛ لأنهم حرفوا التوراة زادوا فيها ما أحبوا ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد ﷺ من التوراة؛ ولذلك غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة، فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وهذا غريب أيضًا جدًّا.\n_________\n= الثوري خالفه الأعمش فرواه عن زياد بن فياض، عن أبي عياض، عن ابن عباس قال: \"ويل واد في جهنم لا يعلمه إلا الله\". فجعله من قول ابن عباس.\nأخرجه أسد بن موسى في \"الزهد\" (١٦ - بتحقيقي) قال: ثنا قيس بن الربيع، عن الأعمش. وقيس ضعيف الحفظ.\n(^١) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (٣٣٢ - رواية نعيم)؛ وابن جرير (١٣٩٦)؛ وابن أبي حاتم (٨٠٥)؛ وأبو محمد الفاكهي في \"حديث يحيى بن أبي مسرة عن شيوخه\" (رقم ٨ - بتحقيقي)، ومن طريقه البيهقي في \"البعث\" (٤٦٨) من طريق سعيد بن أبي أيوب، حدثني محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار فذكره. وسنده جيد.\n(^٢) في \"تفسيره\" (٨٠٣).\nوأخرجه ابن المبارك في \"المسند\" (١٣٤)؛ وفي \"الزهد\" (٣٣٤ - رواية نعيم)؛ وابن أبي الدنيا في \"صفة النار\" (ق ١٤٢/ ٢)؛ وابن جرير (١/ ٣٧٨؛ و٢٩/ ٩٧)؛ وابن حبان (٧٤٦٧)؛ والحاكم (٢/ ٥٠٧؛ و٤/ ٥٩٦)؛ والبيهقي في \"البعث\" (٤٦٥، ٤٦٦) من طريق عمرو بن الحارث، بسنده سواء.\n(^٣) في \"سننه\" (٢١٦٤) قال: حدثنا عبد بن حميد. وهذا في \"المنتخب من المسند\" (٩٢٤) عن الحسن بن موسى به؛ وأخرجه أحمد (٣/ ٧٥)؛ وأسد بن موسى في \"الزهد\" (١٥)؛ وأبو يعلى في \"المسند\" (١٣٨٣) من طريق حسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة به وتابعه كامل بن طلحة الجحدري، ثنا ابن لهيعة، ثنا دراج بسنده سواء؛ أخرجه البيهقي في \"البعث\" (٤٨٧).\nوقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي! وليس كما قالا، لأن رواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة، كما نص على ذلك غير واحد من الحفاظ.\n(^٤) في \"تفسيره\" (١٣٨٦، ١٣٩٥). وهذا خبر منكر.\n(^٥) في (ن): \"ثنا\" وهو خطأ فاحش.\n(^٦) في \"تفسير الطبري\": \"التستري\".\n(^٧) في (ل). ولم يذكر في (ن) قوله: \"تعالى\".","vol":"1","page":467},{"text":"[وعن ابن عباس: الويل: (المشقة) (^١) من العذاب. وقال الخليل بن أحمد: الويل شدة الشر. وقال سيبويه: \"ويل\": لمن وقع في الهلكة، \"وويح\": لمن أشرف عليها؛ وقال الأصمعي: الويل: تفجع. (والويح) (^٢): ترحم. وقال غيره: الويل الحزن.\nوقال الخليل: وفي معنى \"ويل\" و\"ويح\" و\"ويس\" و\"ويه\" و\"ويك\" و\"ويت\". ومنهم من فرق بينها.\nوقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء. ومنهم من جوز نصبها لمعنى ألزمهم ويلًا.\nقلت: لكن لم يقرأ بذلك أحد] (^٣).\nوعن عكرمة (^٤)، عن ابن عباس ﵄ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال: هم أحبار اليهود. وكذا قال سعيد (^٥)، عن قتادة: هم اليهود.\nوقال (وكيع في \"تفسيره\": حدّثنا) (^٦) سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن علقمة: سألت ابن عباس ﵁ عن قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال: نزلت في المشركين وأهل الكتاب.\nوقال السدي (^٧): كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله (فيأخذوا) (^٨) به ثمنًا قليلًا.\nوقال الزهري (^٩): أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أنه قال: يا معشر المسلمين؛ كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتاب الله الذي أنزله على نبيه أحدثُ أخبار الله تقرؤونه (غضًا) (^١٠) لم يشب، وقد حدثكم الله (تعالى) (^١١) أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب؛ وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؛ ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أنزل عليكم. رواه البخاري من طرق عن الزهري.\nوقال الحسن بن أبي الحسن البصري (^١٢): الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.\n_________\n(^١) في (ج) و(ل): \"السعير\".\n(^٢) في (ج) و(ل): \"الويل\" وهو سبق قلم.\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٠٦) وسنده قوي.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٣٩٢) وسقط ذكر سعيد بن أبي عروبة من الإسناد عنده، فليستدرك من هنا.\n(^٦) من (ع) وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٨٢) إلى وكيع في \"تفسيره\".\nوأخرجه البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (٤١٢)؛ والنسائي في \"التفسير\" (١١) من طريقين عن وكيع بسنده سواء وليس عندهما ذكر للمشركين. وعزاه السيوطي في \"الدر\" إلى ابن المنذر.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٣٨٨)؛ وابن أبي حاتم (٨٠٧).\n(^٨) في (ز): \"ليأخذوا\".\n(^٩) أخرجه البخاري (٥/ ٢٩١؛ و١٣/ ٣٣٣، ٣٣٤، ٤٩٦).\n(^١٠) أشار في (ع) أن في نسخة: \"محضًا\" وهي رواية البخاري وسائر المخرجين ما عدا ابن أبي حاتم فاختار المصنف روايته وكتبها ابن المحب في (ج) بخط دقيق فوق \"غضا\".\n(^١١) من (ز) و(ن).\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٦، ٨١٥)؛ وابن أبي الدنيا في \"ذم الدنيا\" (٤٩٧) وفي سنده هارون بن يزيد، =","vol":"1","page":468},{"text":"وقوله (تعالى) (^١): ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك (^٢)، عن ابن عباس (﵄) (^٣) ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾ يقول: فالعذاب عليهم من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم.\n\n<span id=\"aya-87\"></span>﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾.\nيقول تعالى، إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم؛ من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودةً، ثم ينجون منها؛ فرد الله عليهم ذلك بقوله (تعالى) (^٤): ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أي: بذلك؛ فإن كان قد وقع (عهد) (^٥) فهو لا يخلف (وعده) (^٦) ولكن هذا ما جرى ولا كان؛ ولهذا أتى بـ\"أم\" التي بمعنى: \"بل\"؛ أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.\nقال محمد بن إسحاق (^٧)، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عباس: إن اليهود كانوا يقولون (إن) (^٨) هذه الدنيا سبعة آلاف سنةً، وإنما نعذب بكل (ألف) (^٩) سنة يومًا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً …﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢].\nثم رواه (^١٠) عن محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس بنحوه.\nوقال العوفي (^١١)، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلةً.\n[زاد غيره: وهي مدة عبادتهم العجل. وحكاه القرطبي (^١٢) عن ابن عباس، وقتادة] (^١٣).\n_________\n= وعند ابن أبي الدنيا \"زيد\". وهارون بن يزيد هو عندي البصري الذي ترجمه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢/ ٢٢٠) وقال: \"عمن حدثه عن أبى هريرة\" وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٥٧٩) وقال: \"يروى عن رجل عن أبي هريرة\".\nوظاهر من ترجمته أنه مجهول، والله أعلم.\n(^١) من (ز) و(ن).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٣٩٨) وسنده ضعيف.\n(^٣) من (ن).\n(^٤) من (ن).\n(^٥) من (ز) و(ن).\n(^٦) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض) و(ن): \"عهده\".\n(^٧) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ١١/ رقم ١١١٦٠) من طريق محمد بن حميد الرازي، ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق بسنده سواء. وسنده ضعيف جدًّا وسكت عليه الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣١٤).\n(^٨) من (ن).\n(^٩) ساقط من (ج) و(ل).\n(^١٠) يعني: محمد بن إسحاق وقد رواه عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس.\nأخرجه ابن جرير (١٤١٠، ١٤١١)؛ وابن أبي حاتم (٨١٨). [وسنده حسن].\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٤٠٥) وسنده ضعيف.\n(^١٢) في \"تفسيره\" (٢/ ١٠).\n(^١٣) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":469},{"text":"وقال الضحاك (^١): قال ابن عباس: زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنةً إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم التي هي نابتة في أصل الجحيم، وقال أعداء الله: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.\nوقال عبد الرزاق (^٢)، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل.\nوقال عكرمة (^٣): خاصمت اليهود رسول الله ﷺ، فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلةً، وسيخلفنا (إليها) (^٤) قوم آخرون - يعنون محمدًا ﷺ وأصحابه ﵃؛ فقال رسول الله ﷺ بيده على (رؤوسهم) (^٥) بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم (إليها) (٤) أحد؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً …﴾ الآية.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٦) ﵀: حدثنا (عبد الله) (^٧) بن جعفر، حدثنا محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة (﵁) (^٨)؛ قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم؛ فقال رسول الله ﷺ: \"اجمعوا لي من كان من اليهود ها هنا\". فقال لهم رسول الله ﷺ: \"من أبوكم! \" قالوا: فلان. قال: \"كذبتم، بل أبوكم فلان\". فقالوا: صدقت وبررت. ثم قال لهم: \"هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ \" قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله ﷺ: \"من أهل النار؟ \" فقالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم (تخلفونا) (^٩) فيها. فقال لهم رسول الله ﷺ: \"اخسئوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا\".\nثم قال لهم رسول الله ﷺ: \"هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ \" قالوا: نعم يا أبا القاسم. قال: هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟ فقالوا: نعم. قال: \"فما حملكم على ذلك؟ \" فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك.\nورواه الإمام أحمد والبخاري، والنسائي، من حديث الليث بن سعدٍ بنحوه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٢٢) وسنده ضعيف. ثم أخرجه (٨١٩) من طريق آخر عن الضحاك عن ابن عباس نحوه. وسنده منقطع.\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ٥١) ومن طريقه ابن جرير (١٤٠٠)؛ وابن أبي حاتم (٨٢١)؛ وأخرجه ابن جرير (٦٧٨٦) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة وكلاهما صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٤٠٦)؛ وابن أبي حاتم (٨٢٠) من طريق حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة. والعدني متروك، ولكن تابعه ابن جريج قال: أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة فذكره؛ أخرجه ابن جرير أيضًا (١٤٠٧) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج. والحكم بن أبان متماسك، وفيه مقال.\n(^٤) في (ن): \"فيها\".\n(^٥) في (ك): \"رؤوسه\".\n(^٦) أخرجه البخاري في \"الطب\" (١٠/ ٢٤٤، ٢٤٥).\n(^٧) في (ن): \"عبد الرحمن\" وهو خطأ.\n(^٨) من (ج) و(ض) و(ع)؛ وفي (ل): \"رضي الله تعالى عنه\".\n(^٩) في (ل): \"تخلفون\".","vol":"1","page":470},{"text":"<span id=\"aya-88\"></span>\n\n<span id=\"aya-89\"></span>﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾.\nيقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون؛ بل الأمر أنه من عمل سيئةً وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليست له حسنة؛ بل جميع أعماله سيئات؛ فهذا من أهل النار. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^١) بالله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، من العمل الموافق للشريعة، فهم من أهل الجنة.\nوهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٣، ١٢٤].\nقال محمد بن إسحاق (^٢): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أي: عمل (بمثل) (^٣) أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره، فما له من حسنةٍ.\nوفي رواية (^٤) عن ابن عباس: قال: الشرك.\nقال ابن أبي حاتم (^٥): وروى عن أبي وائل (^٦)، وأبي العالية، ومجاهد (^٧)، وعكرمة، والحسن، وقتادة (^٨)، والربيع بن أنس (^٩)، نحوه.\nوقال الحسن (^١٠) أيضًا، والسدي (^١١): السيئة الكبيرة من الكبائر.\nوقال ابن جريج (^١٢)، عن مجاهد: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: بقلبه.\n_________\n(^١) في (ن): \"والذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ أي: آمنوا بالله ورسوله … إلخ\".\n(^٢) أخرجه ابن إسحاق، كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٨٥)، ومن طريقه ابن جرير (١٤٢٠)؛ وابن أبي حاتم (٨٢٧) من طريق سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق. [وسنده حسن].\n(^٣) هكذا في سائر \"الأصول\" وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\"؛ وفي (ز) و(ن): \"مثل\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\".\n(^٤) أخرجها ابن أبي حاتم (٨٢٧/ ٢) وسندها ضعيف جدًّا، والنضر بن عبد الرحمن الخزاز قال ابن معين: \"لا يحل لأحد أن يروى عنه\" وتركه النسائي وابن نمير وقال أبو نعيم الفضل ابن دكين: \"لا يسوى هذا\" ورفع شيئًا من الأرض، كان يجيء فيجلس عند الحماني، وكل شيء يسئل عنه يقول: عكرمة، عن ابن عباس.\nوضعفه سائر النقاد.\n(^٥) في \"تفسيره\" (ص ٢٥١ - البقرة).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٤٢١) ووكيع في \"كتاب الزهد\" (٥٩) وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٤٢٢، ١٤٢٣، ١٤٢٧) وهو صحيح.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٥١)، ومن طريقه ابن جرير (١٤٢٥) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة؛ وأخرجه ابن جرير (١٤٢٤) عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٤٢٨).\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٢٨) وسنده ضعيف.\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٤٢٦) ولفظه: \"أما السيئة، فهي الذنوب التي وعد عليها النار\".\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٢٩) وسنده ضعيف، لتدليس ابن جريج، وما أظنه سمعه مجاهدًا، ولم أجد له رواية عنه وإنما سمع منه حرفًا واحدًا، والله أعلم.","vol":"1","page":471},{"text":"وقال أبو هريرة (^١) وأبو وائل، وعطاء، والحسن: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالوا: أحاط به شركه.\nوقال الأعمش (^٢)، عن أبي رزين، عن الربيع بن خثيم: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: الذي يموت على خطاياه من قبل أن يتوب.\nوعن السدي (^٣)، وأبي رزين (^٤) نحوه.\nوقال أبو العالية (^٥)، ومجاهد (^٦)، والحسن - في رواية عنهما -، وقتادة (^٧)، والربيع بن أنس (^٨): ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (الكبيرة الموجبة) (^٩).\nوكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم.\nونذكر ها هنا الحديث الذي رواه الإمام (^١٠) أحمد حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣١) من طريق يحيى بن أبي بكير، عن أبي بكر بن عياش، عن يحيى بن أيوب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة فذكره.\nقال المحقق \"تفسير ابن أبي حاتم\": \"في إسناده مجاهيل\" كذا قال وكلهم معروفون، بل من رجال \"التهذيب\" إلا شيخ ابن أبي حاتم، وهو عبد الله بن إسماعيل البغدادي، فلا أجزم فيه بشيء وأظنه المدائني البزاز المترجم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢/ ٤)؛ و\"تاريخ بغداد\" (٩/ ٤١٠) والله أعلم.\nوأما أثر عطاء فأخرجه ابن جرير (١٤٤٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٢)؛ وابن جرير (١٤٣٠، ١٤٣٨) من طرق عن الأعمش وقد صرح الأعمش بالتحديث عند ابن جرير فالسند صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٤٤١) وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه وكيع في \"الزهد\" (٥٨)؛ وابن جرير (١٤٣٧) من طريق الثوري، عن الأعمش، عن أبي رزين؛ وأخرجه وكيع (٥٨)؛ وابن جرير (١٤٣٩) عن الأعمش قوله.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٣). [وسنده جيد].\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٤٣٦) وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٥١)، ومن طريقه ابن جرير (١٤٣٤) قال: أخبرنا معمر بن راشد، عن قتادة؛ وأخرجه ابن جرير (١٤٣٣) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وكلاهما صحيح.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٤٤٠). [وسنده ضعيف ويتقوى بما سبق].\n(^٩) في (ن): \"الموجبة الكبيرة\".\n(^١٠) في \"مسنده\" (٣٨١٨)؛ وفي \"الزهد\" (ص ١٤، ١٥) قال: حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، وهذا في \"مسنده\" (٤٠٠) وعنه أبو الشيخ في \"الأمثال\" (٣١٩)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٢/ رقم ٢٨١)؛ وفي \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٨٧، ١٨٨) قال: حدثنا عمران بن داور القطان بسنده سواء.\nوتابعه عمرو بن مرزوق قال: ثنا عمران القطان مثله. أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ١٠/ رقم ١٠٥٠٠)؛ وفي \"الأوسط\" (٢٥٢٩) وقال: \"لم يرو هذا الحديث عن قتادة، إلا عمران\". اهـ.\n(*) قلت: وعمران القطان مختلف فيه، فضعفه ابن معين والنسائي وأبو داود والعقيلي وقال الدارقطني: \"كان كثير المخالفة والوهم\" وقال البخاري: \"صدوق يهم\" ووثقه العجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال أحمد: \"أرجو أن يكون صالح الحديث\" وقال العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٤/ ٥٢٢): \"إسناده جيد\"! وقال المناوي في \"فيض القدير\" (٣/ ١٢٨): \"قال العلائي: حديث على شرط الشيخين، وقال ابن حجر: سنده حسن\". اهـ.\nوقال المنذري في \"الترغيب\" (٣/ ١٨٥): \"إسناده حسن\".","vol":"1","page":472},{"text":"(عمران، عن قتادة) (^١)، عن عبد ربه، عن (أبي عياض) (^٢)، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه. وإن رسول الله ﷺ ضرب لهم مثلًا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيءُ بالعود حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها\".\nوقال محمد بن إسحاق (^٣): حدثني محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ أي: من آمن بما كفرتم، وعمل بما تركتم من دينه فلهم الجنة خالدين فيها؛ يخبرهم أن الثواب بالخير، والشر مقيم على أهله (أبدًا لا انقطاع له) (^٤).\n\n<span id=\"aya-90\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾.\nيذكر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه؛ فأمرهم (تعالى) (^٥) أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا؛ وبهذا أمر جميع خلقه؛ ولذلك خلقهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nوهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله (تبارك و) (^٥) تعالى أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين؛ وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين؛ ولهذا يقرن (الله) (^٦) (تبارك و) (^٥) تعالى بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] وقال (تبارك (^٥) و) تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا …﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦].\nوفي \"الصحيحين\" (^٧) عن ابن مسعود: قلت: \"يا رسول الله؛ أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله\".\nولهذا جاء في الحديث الصحيح (^٨) أن رجلًا قال: يا رسول الله، من أبر؟ قال: \"أمك.\n_________\n(^١) وقع في (ج) و(ع) و(ل) و(ى): \"عمر بن قتادة\"؛ وفي (ز) و(ن): \"عمرو بن قتادة\"؛ وفي (ك): \"عمر بن صادق\" وكل هذا خطأ.\n(^٢) في (ن): \"أبي عياظ\"!\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٤٤٥)؛ وابن أبي حاتم (٨٣٦). [وسنده حسن].\n(^٤) في (ز): \"لا انقطاع له أبدًا\".\n(^٥) من (ن).\n(^٦) لفظ الجلالة من (ز) و(ض).\n(^٧) أخرجه البخاري (٢/ ٩؛ و١٠/ ٤٠٠؛ و١٣/ ٥١٠)؛ وفي \"الأدب المفرد\" (١)؛ ومسلم (٨٥/ ١٣٩).\n(^٨) أخرجه مسلم (٢٥٤٨/ ٢)؛ وأبو يعلى في \"مسنده\" (ج ١٠/ رقم ٦٠٩٤) قالا: حدثنا أبو كريب، ثنا محمد بن =","vol":"1","page":473},{"text":"قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك؛ ثم أدناك، أدناك\".\n[وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قال الزمخشري (^١): خبر بمعنى الطلب، وهو آكد. وقيل: كان أصله ﴿لَا تَعْبُدُونَ (إِلَّا اللَّهَ) (^٢)﴾ كما قرأها من قرأها من السلف، فحذفت \"أن\" (فارتفع) (^٣).\nوحُكي عن أُبيٍّ، وابن مسعود أنهما قرآها \"لا تعبدوا إلا الله\" (^٤).\n[وقيل: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ مرفوع على أنه قسم؛ أي: والله لا تعبدون إلا الله] (^٥)، ونقل هذا التوجيه القرطبي في \"تفسيره\" (^٦) عن سيبويه. قال: واختاره (المبرد) (^٧)، والكسائي، والفراء] (^٨).\nقال: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء (^٩).\n[وقال أهل اللغة: اليتيم في بني آدم من الآباء، وفي البهائم من الأم، وحكى الماوردي أن اليتيم مطلق في بني آدم من الأم أيضًا] (^١٠) والمساكين الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية \"النساء\" التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا …﴾ الآية [النساء: ٣٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي: كلموهم طيبًا، ولينوا لهم جانبًا؛ ويدخل في ذلك\n_________\n= فضيل، عن أبيه، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رجل: من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: \"أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك\". وذكر لفظ \"الأم\" عند أبي يعلى مرةً واحدةً، وكان أبا يعلى اختصره. وقد توبع فضيل بن غزوان.\nتابعه جرير بن عبد الحميد، عن عمارة بن القعقاع بسنده سواء ولم يذكر \"ثم أدناك\"؛ أخرجه البخاري (١٠/ ٤٠١)؛ ومسلم (٢٥٤٨/ ١)؛ وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (١٧٢)؛ وابن حبان (٤٣٤)؛ وأبو يعلى (ج ١٠/ رقم ٦٠٨٢) من طرق عن جرير.\n(^١) في \"الكشاف\" (١/ ٧٨، ٧٩).\n(^٢) من (ن).\n(^٣) ساقط من (ج).\n(^٤) [وهي قراءة شاذة].\n(^٥) ساقط من (ن).\n(^٦) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٢/ ١٣).\n(^٧) ساقط من (ن).\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).\n(^٩) نقل ابن المحب ناسخ (ج) على حاشية الورقة (١١٢/ ١) كلامًا لابن كثير يتعلق بهذه الآية، لكنه كتبها عند الآية رقم (٥٧): \"وظللنا عليكم الغمام … \" ولأنه لا مناسبة بين الحاشية وهذه الآية، فنقلتها هنا لتعلقها بها.\nقال ابن المحب: \"الحمد لله. ذكر المؤلف الشيخ عماد الدين بن كثير ختم الله له بالحسنى على حاشية الجزء السادس من \"تفسيره\" قال: تنبيه: ذكر القرطبي في \"تفسيره\" (٢/ ١٥) عنده قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] وذكر في إكرام اليتيم: \"أنا وكافل اليتيم هكذا\" وأشار بأصبعه السبابة والتي تليها ثم قال: كانت العرب تسميها السبابة لأنهم كانوا يسبون بها. قال: وسميت في الإسلام: المشيرة، لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد، وتسمى أيضًا: السباحة، كما جاء في حديث وائل بن حجر قلت: القائل ابن كثير: والمشهور تسميتها بـ \"المسبحة\"، وأما السباحة فغريب. ثم قال القرطبي: وروى عن أصابع رسول الله ﷺ أن المشيرة منها كانت أطول من الوسطى، واعتمد على حديث ميمونة بنت كردم أنها شهدت حجة الوداع مع أبيها قالت: فلقد رأيتني أتعجب من طول أصبعه التي تلي الإبهام على سائر أصابعه … الحديث.\nقلت: القائل: ابن كثير: وإنما أرادت \"الإبهام\" من قدمه ﵇، كما رواه أحمد في \"المسند\" (٦/ ٣٦٦) لا كما فهم القرطبي، فإن هذا الذي قاله القرطبي لم أر أحدًا ممن صنف في الشمائل النبوية ذكر ولا أشار إليه.\n(^١٠) من (ج) و(ع) و(ل) و(ى).","vol":"1","page":474},{"text":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف؛ كما قال الحسن البصري (^١) في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فالحسن من القول: تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتحلم وتعفو وتصفح، وتقول للناس حسنًا؛ كما قال الله؛ وهو كل خلق حسن (رضيَه (^٢) الله.\n[وقرأ بعضهم \"حَسَنًا\" (^٣) أي: قولًا حسنًا، وقرأ آخرون: \"حُسْنىَ\" (^٤) مثل: \"فعلى\"، وأنكرها على الأخفش جماعة، وقالوا: لا يستعمل ذلك إلا بالألف واللام، مثل: الكبرى، والحسنى، والعظمى. وعزوه إلى سيبويه. نقله القرطبي (^٥)] (^٦).\nوقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا روح، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر (﵁) (^٨)، عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا تحقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد فالْق أخاك بوجه (طلق) (^٩) \".\nوأخرجه مسلم في \"صحيحه\" والترمذي وصححه من حديث أبي عامر الخزاز، واسمه صالح بن رستم، به.\nوناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل؛ (فجمع) (^١٠) بين طرفي الإحسان (الفعلي) (^١١) والقولي.\nثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس (بالمتعين) (^١٢) من ذلك، وهو الصلاة والزكاة؛ فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله؛ أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به إلا القليل منهم.\nوقد أمر (الله تعالى) (^١٣) هذه الأمة بنظير ذلك في \"سورة النساء\" بقوله: ﴿* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦] فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها. ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٥٠) وسنده ضعيف.\n(^٢) في (ل): \"وصية\"!!.\n(^٣) [وهي قراءة متواترة].\n(^٤) [وهي قراءة شاذة].\n(^٥) في \"تفسيره\" (٢/ ١٦).\n(^٦) من (ج) و(ع) و(ل) و(ى)، وجاءت هذه الفقرة متقدمة في (ى) على قوله: \"أي كلموهم طيبًا … إلخ\".\n(^٧) في \"المسند\" (٥/ ١٧٣).\nوأخرجه مسلم (٢٦٢٦/ ١٤٤)؛ وابن حبان (٥٢٣) عن عثمان بن عمر. والترمذي (١٨٣٣) عن إسرائيل بن يونس كلاهما عن أبي عامر الخزاز صالح بن رستم بسنده سواء. زاد الترمذي: \"وإن اشتريت لحمًا أو طبخت قدرًا فأكثر مرقته وأغرف لجارك منه\". ولابن حبان نحوه.\nوأخرج هذه الزيادة مسلم (٢٦٢٥/ ١٤١ - ١٤٣)؛ والبخاري في \"الأدب المفرد\" (١١٤)؛ وابن ماجه (٣٣٦٢)؛ وأحمد (٥/ ١٤٩، ١٥٦)؛ والحميدي (١٣٩)؛ وابن حبان (٥١٣، ٥١٤) وغيرهم من طريق أبي عمران الجوني به. قال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(^٨) من (ز) و(ل) و(ن).\n(^٩) كذا في (ج) وهو الموافق لما في (المسند) و\"صحيح مسلم\" وغيرهما. ووقع في سائر \"الأصول\": \"منطلق\".\n(^١٠) في (ج): \"جمع\"؛ وفي (ل): \"بعد أن جمع\".\n(^١١) في (ل): \"العقلي\"!!\n(^١٢) في (ز): \"بالمعين\".\n(^١٣) كذا في (ل). ووقع في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى): \"تعالى\"؛ وفي (ن): \"الله\".","vol":"1","page":475},{"text":"ومن النقول الغريبة ها هنا ما ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (^١): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن يوسف - يعني: (التنيسي) (^٢)، حدثنا خالد بن (صبيح) (^٣)، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وداعة - أنه كان يخرج من منزله فلا يلى يهوديًا ولا نصرانيًا إلا (سلَّم) (^٤) عليه؛ فقيل له: ما شأنك؟ تسلم على اليهودي والنصراني فقال: إن الله (تعالى) (^٥) يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وهو السلام.\nقال (^٦): وروى عن عطاء الخراساني (^٧) نحوه.\nقلت: وقد (ثبت في) (^٨) السنة أنهم لا يبدؤون بالسلام (^٩)، والله أعلم (^١٠).\n\n<span id=\"aya-91\"></span>\n\n<span id=\"aya-92\"></span>\n\n<span id=\"aya-93\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾.\nيقول (الله) (^١١) (تبارك و) (^١٢) تعالى، منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج؛ وذلك أن الأوس والخزرج، وهم\n_________\n(^١) رقم (٨٥٢) ورجاله ثقات إلا حميد بن عقبة، فترجمه ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (١/ ٢/ ٢٢٦) وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ١٥٠).\n(^٢) في (ل): \"السبسبي\"!\n(^٣) في (ل): \"صبح\" وهو خطأ. واسمه: خالد بن يزيد بن صالح بن صبيح. من رجال \"تهذيب الكمال\" (٨/ ١٩٣ - ١٩٦) وثقه دحيم، والعجلي، وأبو حاتم وزاد: \"صدوق\"؛ وابن حبان. وقال النسائي: \"ليس به بأس\"، وقال الدارقطني: يعتبر به.\n(^٤) في (ل): \"يسلم\".\n(^٥) من (ن).\n(^٦) القائل هو: ابن أبي حاتم.\n(^٧) لم أقف عليه.\nوأخرج ابن جرير (١٤٥٦)؛ وابن أبي حاتم (٨٤٨)؛ وابن أبي الدنيا في \"الصمت\" (٣٠٤) من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين في قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] قال: للناس كلهم.\nوأخرجه ابن أبي الدنيا (٣٠٨) من طريق خالد بن عبد الله، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء وحده فذكر مثله وزاد: \"المشرك غيره\" وسنده قوي.\n(^٨) في (ك): \"ثبتت\".\n(^٩) يشير المصنف إلى ما رواه أبو هريرة مرفوعًا: \"لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه\".\nأخرجه مسلم (٢١٦٧/ ١٣).\n(^١٠) في (ع) بعد قوله: الله أعلم: \"بلغ قراءةً على المصنف، فسح الله في مدته، معارضًا بأصله\".\n(^١١) لفظ الجلالة من (ض).\n(^١٢) من (ز) و(ن).","vol":"1","page":476},{"text":"الأنصار، كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص (كتابه) (^١)، ويخرجونهم من بيوتهم، وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكّوا الأسارى من الفريق المغلوب عملًا بحكم التوراة، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه؛ كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وذلك أن أهل (الملة) (^٢) الواحدة بمنزلة النفس الواحدة، كما قال (^٣) ﵊: \"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى (والسَّهر) (^٤) \".\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته، وأنتم تشهدون به.\n[﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ تقديره: ثم أنتم يا هؤلاء، ومنع (كثير) (^٥) من النحاة حذف حرف النداء مع اسم الإشارة، وسوغه بعضهم؛ وهو ظاهر السياق.\nوقيل: هؤلاء بمعنى: \"الذين\"، ومعناه: ثم أنتم الذين تقتلون أنفسكم … إلى آخره. وقيل معناه: ثم أنتم اليوم هؤلاء؛ [مبتدأ وخبر؛ أي: ثم صرتم بعد العهود والمواثيق] (^٦) على ما أنتم عليه من] (^٧) [الصفة المفسَّرة بما بعده.\nقال الزمخشري (^٨): نزل تغير الصفة منزلة تغير الذات؛ كما يقال: دخل بغير الوجه الذي خرج به] (^٩).\n﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ …﴾ الآية.\nقال محمد بن (^١٠) إسحاق بن (يسار) (^١١): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة؛ عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾\n_________\n(^١) في (ن): \"كتابهم\".\n(^٢) في (ز): \"البلد\".\n(^٣) أخرجه البخاريُّ (١٠/ ٤٣٨)، ومسلم (٢٥٨٦/ ٦٦).\n(^٤) في (ل): \"الشهير\"!!\n(^٥) في (ل): \"كثيرون\".\n(^٦) ساقط من (ج).\n(^٧) من (ج) و(ع) و(ل) و(ى).\n(^٨) في \"الكشاف\" (١/ ٧٩) وعبارته: \"والمعنى: ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء الشاهدون، يعني: أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلًا لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به\".\n(^٩) من (ج) و(ع) و(ل) و(ى).\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٤٧١) بطوله. وهو عند ابن أبي حاتم (٨٦١) مختصرًا. [وسنده حسن].\n(^١١) في (ل): \"بشار\" وهو تصحيف.","vol":"1","page":477},{"text":"الآية؛ قال: (أنبأهم) (^١) الله بذلك من فعلهم، وقد حرَّم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداءَ أسراهم؛ فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع (وأنهم) (^٢) حلفاء الخزرج والنضير؛ وقريظة (وأنهم) (^٢) حلفاء الأوس؛ فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس؛ يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامةً، ولا كتابًا، ولا حلالًا، ولا حرامًا؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة، وأخذًا به؛ بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، (ويطلون) (^٣) ما أصابوا من دمائهم، (وقتلوا) (^٤) من قتلوا منهم، فيما بينهم مظاهرةً لأهل الشرك عليهم، يقول الله تعالى ذكره (حين) (^٥) (أنبأهم) (^٦) بذلك: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: تفادونهم بحكم التوراة. وتقتلونهم، وفي حكم التوراة أن لا (يفعل) (^٧) (ويخرجه من داره، ويظاهر) (^٨) عليه من يشرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا؟\nففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة. وقال أسياط، من السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب (سمير) (^٩)، فتقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءهم، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها (ويغلبونهم) (^١٠)، فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها؛ فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيي أن (تستذل حلفاؤنا) (^١١)؛ فذلك حين عيرهم الله ﵎؛ فقال (تعالى) (^١٢): ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ …﴾ الآية.\n_________\n(^١) كذا في جميع \"الأصول\"؛ وفي \"ن\": \"ابتلاهم\" وأشار في الحاشية إلى اللفظ الأول، وفي \"تفسير الطبري\": \"أنبهم الله\".\n(^٢) في (ن): \"وهم\".\n(^٣) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ى) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\" (١٤٧١) ووقع في (ج) و(ك) و(ل) و(ن): \"ويطلبون\". ومعنى: \"يطلون\" يعني: يهدرون. يقال: طل دمه وأطله: إذا أهدره وأبطله.\n(^٤) في (ز): \"قتلى\".\n(^٥) في (ن): \"حيث\".\n(^٦) في (ز): \"أنبهم\".\n(^٧) في (ن): \"يقتل\".\n(^٨) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي (ز) و(ن): \"ولا يخرج من داره، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله\".\n(^٩) في (ن): \"بينهم\". قال الشيخ محمود شاكر حفظه الله: \"حرب سمير كانت في الجاهلية بين الأوس والخزرج، و\"سمير\"\" رجل من بني عمرو بن عوف. وانظر خبر هذه الحرب في \"الأغاني\" (٣/ ١٨ - ٢٦). اهـ.\n(^١٠) في (ز): \"يلعنونهم\".\n(^١١) كذا في (ز) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\" (١٤٧٢)؛ وفي (ض) و(ع) و(ك) و(ى): \"يستذل بحلفائنا\"؛ وفي (ج): \"نذل لحلفائنا\" وفي (ك): \"تذل حلفائنا\"؛ وفي (ن): \"تستذل حلفاءنا\".\n(^١٢) من (ن) و(ل).","vol":"1","page":478},{"text":"وقال (شعبة) (^١)، عن السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخطيم: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ …﴾ الآية.\nوقال أسباط (^٢)، عن السدي، عن عبد خير؛ قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي (بلنجر) (^٣)، فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا، واشترى عبد الله بن سلام يهوديةً بسبعمائة؛ فلما مر برأس الجالوت نزل به؛ فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت، هل لك في عجوز ها هنا من أهل دينك تشتريها مني؟ قال: نعم، قال: أخذتها بسبعمائة درهم. قال: فإني أربحك سبعمائةً أخرى. قال: فإني قد حلفت أن لا أنقصها من أربعة آلاف. قال: لا حاجة لي فيها. قال: والله لتشترينها مني أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه. قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه (التي) (^٤) في التوراة: إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته؛ ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم. قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين ورد عليه ألفين.\nوقال آدم بن أبي إياس (^٥) في \"تفسيره\": حدثنا أبو جعفر؛ يعني: الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، أخبرنا أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادى من النساء من لم يقع (عليها) (^٦) مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن.\nوالذي أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق، ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها، مع معرفتهم بذلك، وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها، ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما كتموه من صفة رسول الله ﷺ ونعته، ومبعثه، ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شؤونه التي أخبرت بها الأنبياء قبله (عليهم الصلاة والسلام).\nواليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (أي) (^٧): بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره؛ ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ جزاءً على (ما كتموه من) (^٨) كتاب الله الذي بأيديهم، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا (تَعْمَلُونَ) (^٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: استحبوها على الآخرة واختاروها، ﴿فَلَا\n_________\n(^١) في (ن): \"وقال أسباط عن السدي، عن الشعبي\"!! وأخرجه ابن أبي حاتم (٨٦٦) من طريق حمدان بن الوليد البصري، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن السدي. وحمدان لم أجد له ترجمة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٧٠) بسند حسن.\n(^٣) في (ل): \"بكنجر\"! و\"بلنجر\" قال ياقوت في \"معجم البلدان\" (١/ ٤٨٩): \"بفتحتين وسكون النون فجيم مفتوحة وراء: مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب\".\n(^٤) في (ن): \"مما\".\n(^٥) ومن طريقه ابن جرير (١٤٨٠) قال: حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس. والمثنى لم أجد له ترجمة، ولكنه لم يتفرد برواية تفسير آدم. [وسنده جيد].\n(^٦) في (ن): \"عليه\".\n(^٧) من (ز) و(ض) و(ك) و(ى).\n(^٨) في (ن): \"مخالفتهم\".\n(^٩) في (ز): \"يعملون\" وهي قراءة نافع، وابن كثير، وشعبة، ويعقوب الحضرمي.","vol":"1","page":479},{"text":"يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: لا يفتر عنهم ساعةً واحدةً؛ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم منه (^١).\n\n<span id=\"aya-94\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾.\nينعت ﵎ بني إسرائيل بالعتو والعناد، والمخالفة والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم؛ فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب، وهو التوراة، فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها، وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ …﴾ الآية [المائدة: ٤٤].\nولهذا قال (تعالى) (^٢): ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ قال السدي، عن أبي مالك: أتبعنا. وقال غيره: أردفنا. والكل قريب؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام؛ ولهذا أعطاه الله من البينات. وهي المعجزات؛ قال ابن عباس (^٣): من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرًا بإذن الله، (وإبرائه) (^٤) الأسقام، وإخباره بالغيوب، (والتأييد) (^٥) بروح القدس - وهو جبريل ﵇ ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له، وحسدهم وعنادهم، لمخالفة التوراة في البعض؛ كما قال تعالى، إخبارًا عن عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ …﴾ الآية [آل عمران: ٥٠] فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء ﵇ (^٦)؛ (ففريقًا يكذبون وفريقًا يكذبونه ويقتلونه) (^٧)، وما ذاك إلا لأنهم (كانوا) (^٨) يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم، (وبإلزامهم) (^٩) بأحكام التوراة التي (قد) (^١٠) تصرفوا في مخالفتها؛ فلهذا كان ذلك يشق عليهم (فيكذبونهم) (^١١)؛ وربما قتلوا بعضهم، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾!\nوالدليل على أن روح القدس هو جبريل كما نص عليه ابن مسعود (^١٢) في تفسير هذه الآية،\n_________\n(^١) في (ع): \"بلغ قراءةً على المصنف، فسح الله في مدته، معارضًا بأصله\".\n(^٢) من (ن).\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٤٨٣)؛ وابن أبي حاتم (٨٨٧) من طريق سلمة، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس. [وسنده حسن].\n(^٤) كذا في سائر الأصول؛ وفي (ن): \"إبراء\".\n(^٥) في (ن): \"وتأييده\".\n(^٦) من (ز) و(ض) و(ك) و(ى).\n(^٧) هكذا العبارة في (ج) و(ض) و(ع) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ن): \"ففريقًا يكذبونه، وفريقًا يقتلونه\".\n(^٨) ساقط من (ن).\n(^٩) في (ن): \"وبالإلزام\".\n(^١٠) ساقط من (ج).\n(^١١) في (ن): \"فيكذبوهم\".\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٩٠) من طريق ابن مهدي، ثنا الثوري، عن سلمة بن كهيل، ثنا أبو الزعراء، قال: قال عبد الله: روح القدس: جبريل. [وسنده حسن].","vol":"1","page":480},{"text":"وتابعه على ذلك (ابن عباس و) (^١) محمد بن كعب، وإسماعيل (^٢) بن أبي خالد والسدي (^٣)، والربيع (^٤) بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة (^٥)، مع قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء] كما قال البخاري (^٦): وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن (عروة) (^٧)، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ وضع لحسان بن ثابت منبرًا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله ﷺ: فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن (نبيه) (^٨) \". (وهذا) (^٩) من البخاري تعليقًا.\nوقد رواه أبو داود في \"سننه\" عن (لوين) (^١٠)، والترمذي عن علي بن حجر، وإسماعيل بن موسى الفزاري؛ ثلاثتهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة؛ عن عائشة به. وقال الترمذي: \"حسن صحيح، وهو حديث أبي الزناد\".\nوفي \"الصحيحين\" (^١١)، من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن عمر (بن الخطاب) (^١٢) مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه؛ فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أجب عني، اللهم أيده بروح القدس\": فقال: اللهم نعم.\nوفي بعض الروايات (^١٣) أن رسول الله ﷺ قال لحسان: \"اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك\".\n[وفي شعر حسان قوله:\nوجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس به خفاء] (^١٤)\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٨٩) بسند صحيح عن إسماعيل: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] قال: أعانه جبريل.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٤٨٦) وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٤٨٨) وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٥١) ومن طريقه ابن جرير (١٤٨٥) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة. [وسنده صحيح].\n(^٦) وعزاه إلى البخاري معلقًا المزي في \"تحفة الأشراف\" (١٢/ ١٠) وعلق الحافظ في \"النكت الظراف\" قائلًا: \"لم أر هذا الموضع في صحيح البخاري\" وقد اجتهدت في البحث فما ظفرت به. فالله أعلم كيف كان ذلك. وأخرجه أبو داود (٥٠١٥)؛ والترمذي في \"سننه\" (٢٨٤٦)؛ وفي \"الشمائل\" (٢٤٩)؛ وأحمد (٦/ ٧٢)؛ وأبو يعلى (ج ٨/ رقم ٤٥٩١، ٤٧٤٦)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٤/ رقم ٣٥٨٠)؛ والحاكم (٤/ ٤٨٧)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٣٧٧)؛ وفي \"تفسيره\" (٣/ ٤٠٤) من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة وسقط ذكر \"أبي الزناد\" في الموضع الأول عند أبي يعلى؛ وأخرجه الترمذي أيضًا والحاكم (٤/ ٤٨٧) من طريق ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة مثله. قال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\".\nوقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي، وحسبه أن يكون حسنًا.\n(^٧) في (ن): \"أبي هريرة\"!!\n(^٨) في (ز) و(ن): \"نبيك\".\n(^٩) في (ن): \"فهذا\".\n(^١٠) في (ن): \"ابن سيرين\"!!\n(^١١) أخرجه البخاري في \"بدء الخلق\" (٦/ ٣٠٤)؛ ومسلم في \"فضائل الصحابة\" (٢٤٨٥/ ١٥١).\n(^١٢) من (ن).\n(^١٣) من حديث البراء بن عازب ﵁؛ أخرجه البخاري (٦/ ٣٠٤؛ و٧/ ٤١٦؛ و١٠/ ٥٤٦)؛ ومسلم (٢٤٨٦/ ١٥٣).\n(^١٤) ساقط من (ز) و(ض)، ولكن في \"صحيح مسلم\" و\"الديوان\": \"ليس له كفاء\".","vol":"1","page":481},{"text":"وقال محمد بن (^١) إسحاق: حدثني (عبد الله بن) (^٢) عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ قالوا: أخبرنا عن الروح؛ فقال: \"أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبرائيل وهو الذي يأتيني؟ \" قالوا: نعم.\n[وفي \"صحيح ابن حبان\" (^٣)] (^٤) [(وأظنه) (^٥) عن ابن مسعود - أن رسول الله ﷺ قال: \"إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب\"] (^٦).\n(أقوال أخر) (^٧):\nقال ابن أبي حاتم (^٨): حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: هو الاسم الأعظم الذي كان عيسى يحيي به الموتى.\nوقال ابن جرير (^٩): حُدِّثت عن المنجاب فذكره.\nوقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك.\n[ونقله القرطبي (^١٠)، عن عبيد بن عمير أيضًا؛ قال: وهو الاسم الأعظم] (^١١).\nوقال ابن أبي نجيح (^١٢): الروح هو حفظة على الملائكة.\nوقال أبو جعفر الرازي (^١٣)، عن الربيع بن أنس: القدس: هو الرب ﵎. وهو قول كعب (^١٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٤٨٩) من طريق محمد بن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق فذكره، والحديث مع إرساله فابن حميد واه، وسلمة وشهر بن حوشب متكلم فيهما. فالسند ضعيف.\n(^٢) ساقط من (ن).\n(^٣) كذا قال المصنف ﵀، ولم يروه ابن حبان عن ابن مسعود كما ظن، بل هو عند ابن حبان من حديث جابر بمعناه؛ فأخرجه في \"صحيحه\" (١٠٨٤، ١٠٨٥)؛ والحاكم (٢/ ٤)؛ والبيهقي (٥/ ٢٦٤) من طريق عبد الله بن وهب، ثنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا: \"لا تستبطئوا الرزق، فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له، فأجملوا في الطلب: أخذ الحلال وترك الحرام\". قال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي وكنت وافقتهما في \"غوث المكدود\" (٢/ ١٤٨) ثم تبين لي أنه على شرط مسلم وحده، فإن البخاري لم يخرج شيئًا لسعيد بن أبي هلال عن ابن المنكدر. والله أعلم.\nوله طريق آخر عن جابر عند ابن ماجه (٢١٤٤). [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٧٤٣)].\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ك).\n(^٥) ساقط من (ن).\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض) و(ك).\n(^٧) ساقط من (ك).\n(^٨) في (تفسيره) (٨٩٢) وسنده ضعيف.\n(^٩) في (تفسيره) (١٤٩١) وهو موصول عند ابن أبي حاتم كما رأيت.\n(^١٠) في \"تفسيره\" (٢/ ٢٤).\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٩١). [وسنده حسن].\n(^١٣) أخرجه ابن جرير (١٤٩٣) معلقًا ووصله ابن أبي حاتم (٨٩٣). [وسنده جيد].\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (١٤٩٥).","vol":"1","page":482},{"text":"[وحكى القرطبي عن مجاهدٍ والحسن البصري أنهما قالا: القدس: هو الله تعالى، وروحه جبريل.\nفعلى هذا يكون القول الأول] (^١).\nوقال السدي (^٢): القدس: البركة.\nوقال العوفي (^٣)، عن ابن عباس: القدس (الطهر) (^٤).\nوقال ابن جرير (^٥): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد - في قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحًا كما جعل القرآن روحًا، كلاهما روح الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] ثم قال ابن جرير (^٦): وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبرائيل؛ فإن الله تعالى أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ …﴾ الآية [المائدة: ١١٠] فذكر أنه أيده به؛ فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل لكان قوله: إذ أيدتك بروح القدس. وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل - تكرير قول لا معنى له، والله ﷾ (^٧) أعزُّ (وأجل) (^٨) أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم (به) (^٨).\nقلت: ومن الدليل على أنه جبرائيل ما تقدم من أول السياق. ولله الحمد (والمنة) (^٩).\n[وقال الزمخشري (^١٠): (بروح القدس): بالروح المقدسة، كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق، ووصفها بالقدس؛ كما قال: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] فوصفه بالاختصاص والتقريب (للكرامة) (^١١) وقيل: لأنه لم (تضمه) (^١٢) الأصلاب والأرحام الطوامث. وقيل: بجبريل. وقيل: بالإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره.\nفتضمن كلامه قولًا آخر؛ وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدسة المطهرة] (^١٣).\n[وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ إنما لم يقل وفريقًا قتلتم؛ لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضًا؛ لأنهم حاولوا قتل النبي (محمد ﷺ) (^١٤)] (^١٥)\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٤٩٢)؛ وابن أبي حاتم (٨٩٤). [وسنده حسن].\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٩٥) وسنده ضعيف وقد تقدم ذكر علته.\n(^٤) في \"تفسير ابن أبي حاتم\": \"المطهر\"، وما ذكرته وقع في سائر \"الأصول\".\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٤٩٠) وسنده صحيح.\n(^٦) (٢/ ٣٢١/ طبع شاكر).\n(^٧) من (ن).\n(^٨) من (ز) و(ن).\n(^٩) من (ج) و(ل).\n(^١٠) في \"الكشاف\" (١/ ٨٠).\n(^١١) في (ن): \"تكرمة\".\n(^١٢) كذا في (ن) و(ى) وهو الموافق لما في \"الكشاف\" ووقع في (ج) و(ع) و(ل): \"تضمنه\".\n(^١٣) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٤) من (ج) و(ع) و(ل)؛ وفي (ج): \"صلوات الله وسلامه عليه\" بدل \" ﷺ \".\n(^١٥) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).","vol":"1","page":483},{"text":"[بالسم والسحر. وقد قال ﵇ في مرض موته: \"ما زالت أُكلة خيبر (تعادني) (^١)، فهذا أوان (انقطاع) (^٢) أبهري (^٣) \" (^٤).\nقلت: وهذا الحديث في \"صحيح البخاري\" (^٥) وغيره] (^٦).\nتم بحمد الله الجزء الثاني من تفسير الحافظ ابن كثير ﵀، ويعقبه الجزء الثالث وأوله تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] والله المستعان على إتمامه على الوجه الذي يرضيه عني.\n\n<span id=\"aya-95\"></span>﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.\nقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] أي: في أكنة.\nوقال علي بن أبي طلحة (^٧)، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا تفقه.\nوقال العوفي (^٨)، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هي القلوب المطبوع عليها.\nوقال مجاهد (^٩): ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ عليها غشاوة.\nوقال عكرمة (^١٠): عليها طابع. وقال أبو العالية (^١١): أي: لا تفقه.\nوقال السدي (^١٢): يقولون عليها غلاف وهو الغطاء.\nوقال عبد الرزاق (^١٣)، عن معمر، عن قتادة (^١٤): ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هو كقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] أي: فلا يخلص إلينا شيء مما تقول.\n_________\n(^١) في \"الكشاف\": \"تعاودني\".\n(^٢) في \"الكشاف\": \"قطعت\".\n(^٣) قال أهل اللغة: الأبهر عرق مستبطن بالظهر، متصل بالقلب؛ إذا انقطع مات صاحبه. وقال الخطابي: يقال: إن القلب متصل به. كذا في \"الفتح\" (٨/ ١٣١).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).\n(^٥) كذا قال المصنف وإنما رواه البخاري في \"كتاب المغازي\" (٨/ ١٣١) معلقًا فكان ينبغي تقييده.\n(^٦) ساقط في (ز) و(ض) و(ى).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٤٩٨). [وسنده حسن].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٤٩٩)؛ وابن أبي حاتم (٩٠١) من طريق أبي صالح كاتب الليث، ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة لكن اللفظ مختلف. فوقع عندهما: \"أي في غطاء\" بدل \"أي: لا تفقه\" فلعله سبق قلم من المصنف ﵀. [وسنده ثابت].\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٥٠٠). [وسنده ضعيف].\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٥٠١، ١٥٠٢). بسند صحيح.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٠٥). وسنده صحيح.\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (١٥٠٧)؛ وابن أبي حاتم (٩٠٣) من طريق آدم بن أبي إياس، حدثنا أبو جعفر عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية. وسنده حسن.\n(^١٣) أخرجه ابن جرير (١٥٠٨). [وسنده حسن].\n(^١٤) في \"تفسيره\" (١/ ٥١) ومن طريقه ابن جرير (١٥٠٥، ١٥٠٦). [وسنده صحيح].\nوأدخل ناسخ (ن) قول قتادة في قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.","vol":"1","page":484},{"text":"وقال عبد الرحمن بن زيد (^١) بن أسلم في قوله: ﴿غُلْفٌ﴾ قال: تقول قلبي في غلاف، فلا يخلص إليه (ما تقول) (^٢). وقرأ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥].\nوهذا (هو) (^٣) الذي رجحه ابن جرير (^٤)؛ واستشهد بما روى من حديث عمرو بن مرة الجملي، عن أبي البختري، عن حذيفة (^٥)؛ قال: \"القلوب أربعة\"؛ فذكر منها: \"وقلب أغلف (معصوب) (^٦) عليه، وذاك قلب الكافر\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٧): حدثنا محمد بن عبد الرحمن العرزمي، أنبأنا أبي، عن جدي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: لم تختن. وهذا القول يرجع معناه إلى ما تقدم من عدم طهارة قلوبهم، وأنها بعيدة من الخير.\nقول آخر: قال الضحاك (^٨)، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: (يقولون) (^٩): قلوبنا (غلف) (^١٠) مملوءة (علمًا) (^١١) لا تحتاج إلى علم محمد ولا غيره.\nوقال (عطية العوفي) (^١٢): ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: أوعية للعلم. وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض (الأمصار) (^١٣) فيها، حكاه ابن جرير (^١٤) \"وقالوا قلُوبنا غُلُف\" (^١٥) بضم اللام، (نقلها الزمخشري) (^١٦) (عن أبي عمرو وحكاها القرطبي عن ابن عباس والأعرج وابن محيصن) (^١٧)؛ أي: جمع غلاف؛ أي: أوعية؛ بمعنى أنهم ادعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر كما كانوا (يمنُّون) (^١٨) بعلم التوراة.\n[وقال القرطبي (^١٩): معناه: وقالوا قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم قول محمد؟ والأول أولى؛ لأنه منصوص عن ابن عباس، أنهم يقولون: نحن في غنية بما عندنا من العلم] (^٢٠)\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٥٠٩) وسنده صحيح.\n(^٢) في (ن): \"مما تقول شيء\".\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) في \"تفسيره\" (٢/ ٣٢٤).\n(^٥) تقدم تخريجه عند الآية رقم (٢٠) من السورة.\n(^٦) هكذا بالعين والصاد المهملتين. ووقع في (ن): \"المغضوب\" بالغين والضاد المعجمتين وهو تصحيف.\n(^٧) في \"تفسيره\" (٩٠٢) وسنده ضعيف جدًّا. ومحمد بن عبد الرحمن العرزمي قال الذهبي في \"الميزان\" (٣/ ٦٢٧): \"قال الدارقطني: متروك الحديث هو وأبوه وجده\".\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٥١٣)؛ وابن أبي حاتم (٨٩٩) وسنده ضعيف.\n(^٩) في (ز) و(ض): \"قالوا\".\n(^١٠) ساقط من (ز).\n(^١١) ساقط من (ن).\n(^١٢) في (ن): \"ابن عباس\" وهو سبق قلم من الناسخ.\n(^١٣) في (ز) و(ن): \"الأنصار\"!\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (١٥١٠، ١٥١١، ١٥١٢)؛ وابن أبي حاتم (٩٠٠) من طرق عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي. وسنده صحيح.\n(^١٥) [وهي قراءة شاذة].\n(^١٦) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٧) ساقط من (ز) و(ض) و(ن).\n(^١٨) في (ن): \"يفتون\"!\n(^١٩) في \"تفسيره\" (٢/ ٢٥) وعبارته: \"أي: قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم عنك وقد وعينا علمًا كثيرًا؟ وقيل: المعنى: فكيف يعزب عنها علم محمد ﷺ \". اهـ.\n(^٢٠) ساقط من (ز) و(ض) و(ن).","vol":"1","page":485},{"text":"[عما جاء به محمد ﷺ؛ [وهذا شبيه بقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾] (^١) [غافر] (^٢) (^٣) ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: ليس الأمر كما ادعوا؛ بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها؛ كما قال في سورة النساء: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥].\nوقد اختلفوا في معنى قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فقال بعضهم: (قليل) (^٤) من يؤمن منهم [اختاره فخر الدين الرازي، وحكاه عن قتادة، والأصم، وأبي مسلم الأصفهاني] (^٣) وقيل: فقليل إيمانهم، بمعنى: أنهم يؤمنون بما (جاءهم) (^٥) (به) (^٦) موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه (إيمان) (^٧) لا ينفعهم؛ لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ.\n[وقال بعضهم: إنما كانوا غير مؤمنين بشيء؛ وإنما قال فقليلًا ما يؤمنون، وهم بالجميع كافرون؛ كما تقول العرب: قلما رأيت مثل هذا قط؛ تريد: ما رأيت مثل هذا قط.\nوقال الكسائي: تقول العرب (مررنا) (^٨) بأرض قلما تنبت؛ أي: لا تنبت شيئًا] (^٩).\nحكاه ابن جرير ﵀. والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-96\"></span>﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني: اليهود ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ، ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ يعني: من التوراة.\nوقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم؛ يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم، كما قال محمد بن إسحاق (^١٠)، عن عاصم بن (عمر) (^١١) بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم؛ قال: (قالوا) (^١٢): فينا والله وفيهم؛ يعني: في الأنصار، وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم نزلت هذه القصة؛ يعني: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ قالوا: كنا قد علوناهم دهرًا في الجاهلية، ونحن أهل شرك، وهم أهل كتابًا (فكانوا) (^١٣)\n_________\n(^١) ساقط من (ك).\n(^٢) ساقط من (ز) و(ض) و(ن).\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ن).\n(^٤) في (ز) و(ض) و(ن): \"فقليل\".\n(^٥) في (ل): \"جاء\".\n(^٦) ساقط من (ج).\n(^٧) في (ج): \"إنما\".\n(^٨) في (ن): \"من زنا\"!!\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٠) ومن طريقه ابن جرير (١٥١٩) قال: حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق به: وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٨٧) لابن المنذر وأبي نعيم والبيهقي في \"الدلائل\". [وسنده ضعيف].\n(^١١) في (ن): \"عمرو\"!!\n(^١٢) من (ز) و(ض).\n(^١٣) في (ن): \"وهم\".","vol":"1","page":486},{"text":"يقولون: إن نبيًا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه كفروا به، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\nوقال الضحاك (^١)، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: (يستظهرون) (^٢)؛ يقولون: نحن نعين محمدًا عليهم، وليسوا كذلك؛ بل يكذبون.\nوقال محمد بن إسحاق (^٣): أخبرني محمد بن أبي محمد، أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس - أن يهودا كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور، وداود بن سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ، ونحن أهل شرك، (وتخبرونا) (^٤) بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم؛ فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\n[وقال العوفي (^٥)، عن ابن عباس: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾] (^٦) يقول: يستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب؛ يعني: بذلك أهل الكتاب، فلما بعث محمد ﷺ، ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه.\nوقال أبو العالية (^٧): كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب؛ يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم؛ فلما بعث الله محمدًا ﷺ، ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ؛ فقال الله (تعالى) (^٨): ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\nوقال قتادة (^٩): ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: وكانوا يقولون: إنه سيأتي نبي؛ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٠٩) وسنده ضعيف.\n(^٢) في (ن): \"يستنظرون\" وصوبها في الهامش: يستنصرون.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٥٢٠) قال: حدثنا ابن حميد، ثنا سلمة، حدثني ابن إسحاق به وابن حميد واهٍ، وسلمة ضعيف، ولم يتفردا به. فأخرجه ابن أبي حاتم (٩١١) قال: حدثنا علي بن الحسين، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا يونس بن بكير الحازمي، ثنا ابن إسحاق به وخالفهما إبراهيم بن سعد فرواه عن محمد بن إسحاق قال: بلغني عن عكرمة مولى ابن عباس وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. أخرجه أبو نعيم في \"الدلائل\" (٤٣) والوجه الأول هو المشهور وقد تقدم ضعفه.\n(^٤) في (ز) و(ن): \"تخبروننا\".\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٥٢٢) وسنده ضعيف.\n(^٦) ساقط من (ج).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٥٢٦)؛ وابن أبي حاتم (٩١٢) من طريقين عن آدم بن أبي إياس، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية. [وسنده جيد].\n(^٨) من (ن).\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٥٢) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٩١٠) قال: أنبا معمر، عن قتادة؛ وأخرجه =","vol":"1","page":487},{"text":"وقال مجاهد (^١): ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قال: هم اليهود.\n[وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يعقوب، حدّثنا أبي، عن] (^٣) [ابن إسحاق، حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل، عن سلمة بن سلامة بن وقش وكان من أهل بدر قال: كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث رسول الله ﷺ بيسير، حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًا على بردة مضطجعًا فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب، والميزان، والجنة، والنار، فقال: ذلك لأهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثًا كائنًا بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان! ترى هذا كائنًا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والذي يحلف به، يود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا، يحمونه ثم يدخلونه إياه، فيطبقونه عليه، وأن ينجو من تلك النار غدًا. قالوا له: ويحك، وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنًا: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فوالله! ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ﷺ وهو بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغيًا وحسدًا، فقلنا: ويلك يا فلان! ألست بالذي قلت لنا؟ قال: بلى وليس به!\nتفرد به أحمد] (^٤).\n[وحكى القرطبي (^٥) وغيره عن ابن عباس أن يهود خيبر اقتتلوا في زمان الجاهلية مع غطفان، فهزمتهم غطفان، فدعا اليهود عند ذلك، فقالوا: اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي] (^٦)\n_________\n= ابن جرير (١٥٢٥) من طريق يزيد بن زريع، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بأطول من رواية معمر. وكلاهما صحيح.\n(^١) هو في \"تفسير مجاهد\" (ص ٢٠٩) من طريق آدم بن أبي إياس قال: نا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. [وسنده صحيح].\n(^٢) في \"مسنده\" (٣/ ٤٦٧).\n(^٣) من (ج) و(ل).\nوأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٦٨/٢) عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى؛ وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (١٩٥٥)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٧/ رقم ٦٣٢٧) عن جرير بن حازم؛ والطبراني أيضًا (٦٣٢٧)؛ والحاكم (٣/ ٤١٧، ٤١٨)؛ وأبو نعيم في \"الدلائل\" (٣٤) عن زياد بن عبد الله. والبيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٧٨، ٧٩) عن يونس بن بكير. وأبو نعيم أيضًا في \"الدلائل\" (٣٤) عن سلمة بن الفضل خمستهم عن محمد بن إسحاق بسنده سواء زاد أبو نعيم أن اسم هذا اليهودي: يوشع.\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي! وليس كما قالا؛ لأن ابن إسحاق ليس من رجال مسلم؛ إلا في المتابعات وقد صرح الذهبي بذلك! وابن إسحاق صدوق متماسك، وقد صرح بالتحديث فالسند حسن، واستقر نظر الحفاظ المتأخرين على تحسين حديثه إذا صرح بالتحديث.\nوقال الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٣٠): \"رجال أحمد رجال الصحيح، غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع\".\n(^٤) من (ج) و(ل).\n(^٥) في \"تفسيره\" (٢/ ٢٧). ولكن هذا لا يصح عن ابن عباس فأخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٣) من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.\nقال الحاكم: \"أدت الضرورة إلى إخراجه في التفسير، وهو غريب\". فتعقبه الذهبي بقوله: \"لا ضرورة في ذلك، فعبد الملك متروك هالك\". اهـ.\nتنبيه: جاء في حاشية النسخة (ج) بجنب أثر ابن عباس: \"أسنده الحاكم في \"مستدركه\". وكتبه عبد الرحمن بن السيوطي\". اهـ. وكاتب هذه الحاشية هو الحافظ جلال الدين السيوطي.\n(^٦) من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).","vol":"1","page":488},{"text":"[وعدتنا بإخراجه في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، قال: وكذلك كانوا يصنعون؛ يدعون الله به فينصرون على أعدائهم ومن ناوأهم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ أي: من الحق وصفة محمد ﷺ ﴿كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾] (^١).\n\n<span id=\"aya-97\"></span>﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾.\nقال مجاهد (^٢): ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يهود شروا الحق بالباطل وكتمان ما جاء به محمد ﷺ بأن يبينوه.\nوقال السدي (^٣): ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: باعوا به أنفسهم؛ (يعني) (^٤) بئسما اعتاضوا لأنفسهم، (ورضوا) (^٥) به. [وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ عن تصديقه ومؤازرته ونصرته] (^٦)؛ وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية لـ ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ولا حسد أعظم من هذا.\nقال ابن إسحاق (^٧)، عن محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: إن الله جعله من غيرهم.\n_________\n(^١) من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٥٣٥)؛ وابن أبي حاتم (٩١٥) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن مجاهد. وسنده ضعيف لانقطاعه. ونقل عباس الدوري في \"تاريخه\" (٢/ ٣٧٢) عن ابن معين قال: \"لم يسمع ابن جريج من مجاهد إلا حرفًا واحد\". اهـ.\n(*) قلت: وهذا الحرف ذكره ابن أبي حاتم في \"مقدمة الجرح والتعديل\" (ص ٢٤٥) في ترجمة يحيى بن سعيد القطان. قال ابن أبي حاتم: نا محمد بن إبراهيم، نا عمرو بن علي، قال: سمعت يحيى يقول: لم يسمع ابن جريج من مجاهد إلا حديثًا واحدًا: \"فطلقوهن في قبل عدتهن\".\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٥٣٤)؛ وابن أبي حاتم (٩١٤). [وسنده حسن].\n(^٤) في (ن): \"يقول\".\n(^٥) في (ن): \"فرضوا\".\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٧) في \"تفسيره\"، كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٢١٨)، ومن طريقه ابن جرير (١٥٤٠) قال: حدثنا ابن حميد؛ وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩١٨) عن أبي غسان قالا: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق به. [وسند ابن إسحاق حسن].","vol":"1","page":489},{"text":"﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ قال ابن عباس (^١) - فالغضب على الغضب: فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة، وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي بعث الله إليهم.\nقلت: ومعنى \"باءوا\": استوجبوا واستحقوا واستقوا بغضب على غضب.\nوقال أبو العالية (^٢): غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب الله عليهم بكفرهم بمحمد ﷺ وبالقرآن (^٣).\n[وعن عكرمة (^٤) وقتادة (^٥) مثله] (^٦).\nقال السدي (^٧): أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العِجْل، وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد ﷺ. (وعن ابن عباس مثله) (^٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] [أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين] (^٩).\nوقد قال الإمام أحمد (^١٠): حدثنا يحيى، حدثنا ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ؛ قال: \"يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم يقال له: بولس تعلوهم نار الأنيار (يسقون) (^١١) من طينة الخبال عصارة أهل النار\".\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٥٤٦)؛ وابن أبي حاتم (٩٢١) بالسند المتقدم.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٥٥٣)؛ وابن أبي حاتم (٩٢٠) من طريق آدم بن أبي اباس، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية. وسنده حسن.\n(^٣) من (ج).\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٥٤٨) عن يحيى بن يمان وأيضًا (١٥٤٩) عن عبد الرزاق قالا: ثنا الثوري، عن أبي بكير، عن عكرمة قال: كفرهم بعيسى ومحمد ﷺ وسنده صحيح. وأبو بكير الكوفي اسمه مرزوق، كان مؤذن التيم وثقه ابن معين وابن حبان. وقال الثوري: \"لا بأس به\".\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٥٥١) بسند صحيح.\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٥٥٤)؛ وابن أبي حاتم (٩٢٣) وسنده حسن.\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٠) في \"مسنده\" (٢/ ١٧٩).\nوأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٥٧)؛ والترمذي (٢٤٩٢)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (١٣/ ١٦٨) من طريق ابن المبارك، وهذا في \"الزهد\" (١٩١ - زوائد نعيم) قال: حدثنا محمد بن عجلان بسنده سواء. وتابعه أبو خالد الأحمر ثنا ابن عجلان به. أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٩/ ٩٠)؛ وأخرجه الحميدي في \"مسنده\" (٥٩٨) قال: حدثنا سفيان؛ يعني: ابن عيينة، ثنا داود بن شابور ومحمد بن عجلان وأنا لحديث ابن عجلان حفظ، عن عمرو بن شعيب مثله.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\". وحسنه البغوي. وسنده جيد.\n(^١١) في (ل): سيقون!!","vol":"1","page":490},{"text":"<span id=\"aya-98\"></span>﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (أي): (^١) على محمد ﷺ، وصدقوه واتبعوه، ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي: يكفينا الإيمان بما أُنزل علينا من التوراة والإنجيل، ولا نقر إلا بذلك، ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يعني: بما بعده؛ ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد ﷺ الحق. ﴿مُصَدِّقًا﴾ (منصوب) (^٢) على الحال؛ أي: في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦، الأنعام: ٢٠] (ثم) (^٣) قال تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم، والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيًا وعنادًا واستكبارًا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي؛ كما قال (تعالى) (^٤): ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧].\nوقال السدي (^٥) في هذه الآية: يعيرهم الله (تبارك و) (٣) تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nوقال أبو جعفر (^٦) بن جرير: قل يا محمد ليهود بني إسرائيل - (الذين) (^٧) إذا قلت لهم: آمنوا بما أنزل الله، قالوا: نؤمن بما أنزل علينا -: لم تقتلون - إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله عليكم - أنبياءه وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم، بل أمركم (فيه) (^٨) باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم؛ وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، وتعيير لهم.\n\n<span id=\"aya-99\"></span>﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات الواضحات، والدلائل (القاطعة) (^٩) على أنه رسول الله (ﷺ) (^١٠)، وأنه لا إله إلا الله. (والبينات) (^١١) هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وفلق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمن والسلوى، والحجر، وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها.\n_________\n(^١) من (ج).\n(^٢) في (ن): \"منصوبًا\".\n(^٣) من (ن).\n(^٤) من (ز) و(ن).\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٥٦٠)؛ وابن أبي حاتم (٩٢٩). [وسنده حسن].\n(^٦) وردت عبارة ابن جرير في (ج) و(ل) هكذا: \"لم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله على أنبيائه، وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم … إلخ\" وما أثبته عن باقي الأصول وهو الموافق لما في \"الطبري\".\n(^٧) من (ع).\n(^٨) ساقط من (ن).\n(^٩) في (ن) و(ل): \"المقاطعات\".\n(^١٠) من (ج) و(ل).\n(^١١) في (ن): \"والآيات البينات\".","vol":"1","page":491},{"text":"﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: معبودًا من دون الله في زمان موسى وأيامه.\nوقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله ﷿ (^١)، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨].\n﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: وأنتم ظالمون في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ [الأعراف].\n\n<span id=\"aya-100\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾.\n(يعدد) (^٢) (تبارك) (^٣) وتعالى (عليهم) (^٤) خطأهم، ومخالفتهم للميثاق، (وعتوهم) (^٥)، (وإعراضهم) (^٦) عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه؛ ثم خالفوه؛ ولهذا (قال): (^٧) قالوا: سمعنا وعصينا. وقد تقدم تفسير ذلك.\n﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ قال عبد الرزاق (^٨)، عن (معمر، عن) (^٩) قتادة: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ (بِكُفْرِهِمْ) (^١٠)﴾ (قال) (^١١): أشربوا (في قلوبهم) (^١٢) حبه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم.\nوكذا قال (^١٣) أبو العالية، والربيع بن أنس.\nوقال الإمام (^١٤) أحمد: حدثنا عصام بن خالد، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) في (ل): \"يقدر\"!\n(^٣) في (ن): \"سبحانه\".\n(^٤) ساقط من (ل).\n(^٥) في (ل): \"عثورهم\".\n(^٦) ساقط من (ض) و(ع) و(ل) و(ى).\n(^٧) ساقط من (ن).\n(^٨) في \"تفسيره\" (١/ ٥٢) ومن طريقه ابن جرير (١٥٦١)؛ وابن أبي حاتم (٩٣٩). [وسنده صحيح].\n(^٩) ساقط من (ن).\n(^١٠) من (ع) و(ل) و(ن) و(ى).\n(^١١) في (ن): \"قالوا\".\n(^١٢) ساقط من (ز) وهو في باقي الأصول، ولم ترد هذه اللفظة عند عبد الرزاق ولا من رواه من طريقه.\n(^١٣) أخرجهما ابن جرير (١٥٦٢، ١٥٦٣). [وسنده جيد].\n(^١٤) في \"مسنده\" (٥/ ١٩٤).\nوأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢/ ١٠٧)؛ والدولابي في \"الكنى\" (١/ ١٠١) قال: حدثنا القاسم بن يونس الحمصي الأزدي، قالا: ثنا عصام بن خالد بسنده سواء.\nوأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب من المسند\" (٢٠٥)؛ ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة\" (٢/ ٣٢٨) ومن طريقه البيهقي في \"الشعب\" (ج ٢/ رقم ٤٠٧)؛ وفي \"الآداب\" (٢٢٩) من طريق ابن المبارك، عن أبي بكر بن أبي مريم بسنده سواء.\nوأخرجه الطبراني في \"مسند الشاميين\" (١٤٥٤)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (٢١٩) من طريق يحيى بن عبد الله البابلتي، وهو متروك، عن أبي بكر بن أبي مريم بسنده سواء. وتابعه محمد بن مصعب القرقساني،=","vol":"1","page":492},{"text":"الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ: قال: \"حبك (الشيء) (^١) يعمي ويصم\".\nورواه أبو داود عن (حيوة) (^٢) بن شريح، عن بقية، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، (به) (^٣).\nوقال السدي (^٤): أخذ موسى ﵇ العجل (فذبحه بالمبرد) (^٥)، ثم (ذراه) (^٦) في البحر، ثم لم يبق بحر يجري (يومئذ إلا وقع) (^٧) فيه شيء؛ ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب؛ فذلك حين يقول (الله) (^٨) تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا (إسرائيل) (^١٠)، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن (عبد) (^١١)، وأبي عبد الرحمن السلمي، عن علي (﵁) (^١٢)؛ قال: عمد موسى إلى العجل، فوضع عليه (المبارد) (^١٣) (فبرده بها) (^١٤)، وهو على شاطئ نهر، فما شرب أحد من ذلك (الماء) (^١٥) ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب.\nوقال سعيد بن جبير (^١٦): ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (قال: لما أحرق العجل) (^١٧) بُرِد ثم\n_________\n= فرواه عن أبي بكر بن أبي مريم بسنده سواء.\nأخرجه أحمد (٦/ ٤٥٠)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٤٧٢)؛ والطبراني في \"مسند الشاميين\" (١٤٥٤) ورواه أيضًا بقية بن الوليد فرواه عن أبي بكر مثله. أخرجه أبو داود (٥١٣٠) قال: حدثنا حيوة بن شريح، ثنا بقية. واختلف على بقية في سنده. فرواه إسحاق بن راهويه عنه، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حبيب بن عبيد، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه مرفوعًا. فجعل شيخ أبي بكر: \"حبيب بن عبيد\" بدل \"خالد بن محمد\"؛ أخرجه الطبراني في \"مسند الشاميين\" (١٤٦٨).\nوبالجملة؛ فالحديث لا يصح مرفوعًا من كل وجوهه، والصواب وقفه. والله أعلم. وله شاهد من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ مرفوعا مثله أخرجه الخرائطي في \"اعتلال القلوب\" (ق ٧١/ ١).\n(^١) في (ك): \"للشيء\".\n(^٢) في (ك): \"حرة\"!\n(^٣) ساقط من (ل).\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٥٦٤)؛ وابن أبي حاتم (٩٣٨). [وسنده حسن، والخبر من الإسرائيليات].\n(^٥) في \"تفسير الطبري\": \"فذبحه، ثم حرفه بالمبرد\".\n(^٦) في (ض) و(ع) و(ى): \"ذر\" وفي (ل): \"ذره\".\n(^٧) في (ن): \"إلا ذر فيه\" وأشار في هامش النسخة إلى ما وقع في بقية النسخ.\n(^٨) لفظ الجلالة من (ز) و(ل) و(ن).\n(^٩) في \"تفسيره\" (٩٣٦) وسنده جيد.\n(^١٠) في (ك): \"إسماعيل\".\n(^١١) كذا في (ج) وهو الصواب، وكتب ابن المحب ناسخ (ج) في الحاشية: \"لعلها: عمير\"! كذا قال! وهو عمارة بن عبد الكوفي. ووقع في (ك) و(ل) و(ن): \"عمير\" وكذلك كتبها ناسخ (ع) في الحاشية. ووقع في (ز) و(ض): \"عبد الله\" وكلاهما خطأ.\n(^١٢) ساقط من (ل) و(ن). [وفي سنده عبد الله بن رجاء في حفظه مقال. (التقريب ص ٣٠٢) والخبر من الإسرائيليات].\n(^١٣) في (ض): \"النار\"! وفي (ل): \"المباردة\"!\n(^١٤) في (ك): \"فبردوه\"؛ وفي (ض): \"فبُرِدَ\".\n(^١٥) ساقط من (ك).\n(^١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٣٧) وسنده جيد.\n(^١٧) ساقط من (ض).","vol":"1","page":493},{"text":"(نسف) (^١)، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران.\n[وحكى القرطبي (^٢) عن كتاب القشيري، أنه ما شرب (منه) (^٣) أحد ممن عبد العجل إلا جن.\n(ثم قال القرطبي) (^٤): وهذا شيء غير ما ها هنا؛ لأن المقصود من] (^٥) [هذا السياق أنه ظهر (التغير) (^٦) على شفاههم ووجوههم. والمذكور ها هنا أنهم أشربوا في قلوبهم (حب) (^٦) العجل؛ يعني: في حال عبادتهم له؛ ثم أنشد قول النابغة في زوجته: \"عثمة\":\nتغلغل حب (عثمة) (^٧) في فؤادي … (فباديه) (^٨) مع الخافي يسير\nتغلغل حيث لم (يبلغ) (^٩) شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور\nأكاد إذا ذكرت العهد (منها) (^١٠) … أطير لو أن إنسانًا يطير] (^١١)\n[وقوله: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه؛ من كفركم بايات الله، ومخالفتكم الأنبياء، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد ﷺ؛ وهذا أكبر ذنوبكم، وأشد الأمور عليكم؛ إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس أجمعين؛ فكيف تدعون لأنفسكم الايمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة؛ من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل (من دون الله) (^١٢)] (^١٣).\n\n<span id=\"aya-101\"></span>﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.\nقال محمد بن إسحاق (^١٤): (حدثني) (^١٥) محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (﵄) (^١٦): يقول الله (تعالى) (^١٧) لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾ أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) في (ض): \"نشف\".\n(^٢) في \"تفسيره\" (٢/ ٣٢).\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) ساقط من (ل).\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٦) ساقط من (ن).\n(^٧) في (ك): \"غنمة\"!\n(^٨) في (ك) و(ل) و(ى): \"فنادته\".\n(^٩) في (ع) و(ى): \"ينفع\".\n(^١٠) في (ك): \"منا\".\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٢) من (ن).\n(^١٣) ساقط من (ع).\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (١٥٧١)؛ وابن أبي حاتم (٩٤٢). وعزاه في \"الدر\" (١/ ٢٢٠) لابن إسحاق. [وسنده حسن].\n(^١٥) في (ن): \"عن\".\n(^١٦) من (ل) و(ن).\n(^١٧) من (ن).","vol":"1","page":494},{"text":"<span id=\"aya-102\"></span>\n\n<span id=\"aya-103\"></span>﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ أي: (لعلمهم) (^١) بما عندهم من العلم (بك) (^٢) والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات.\nوقال الضحاك (^٣)، عن ابن عباس: فتمنوا الموت - (فسلوا) (^٤) الموت.\nوقال عبد الرزاق (^٥)، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال ابن عباس: لو تمنى (يهود) (^٦) الموت لماتوا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧): (حدثنا) (^٨) أبي: حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عثام، سمعت الأعمش؛ قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (﵄) (^٩) قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.\nوهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس.\nوقال ابن جرير (^١٠) في \"تفسيره\": وبلغنا أن (رسول الله) (^١١) ﷺ قال: \"لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا\".\nحدثنا (^١٢) بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا (عبيد الله) (^١٣) بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس (﵄) (^١٤)، عن رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) كذا في (ج) و(ل) ووقع في (ض) و(ن): \"يعلمهم\" وكذلك وقع في \"تفسير ابن أبي حاتم\"؛ وفي (ز) و(ك) و(ى): \"بعلمهم\" بالباء الموحدة، وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\".\n(^٢) في (ن): \"بل\" باللام.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٥٧٧) وسنده ضعيف.\n(^٤) في (ل) و(ن): \"فاسألوا\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٥٢)، ومن طريقه ابن جرير (١٥٦٨)؛ وابن أبي حاتم (٩٤٣) وسنده صحيح.\n(^٦) في (ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى): \"اليهود\".\n(^٧) في \"تفسيره\" (٩٤١). [وصححه الحافظ ابن كثير].\n(^٨) في (ك): \"أنبأنا\".\n(^٩) من (ل).\n(^١٠) في \"تفسيره\" (٢/ ٣٦٢ - شاكر).\n(^١١) في (ن): \"النبي\".\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (١٥٦٦)؛ وأخرجه أيضًا (٣٠/ ١٦٥) في تفسير سورة \"العلق\".\nوأخرجه البزار (٢١٨٩ - كشف الأستار) قال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، ثنا زكريا بن عدي بسنده سواء ولفظه: \"قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا ﷺ لأطأن على عنقه، فيقول: هو ذاك هو، قال: ما أراه. فقال رسول الله ﷺ: \"لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا\"؛ وأخرجه ابن مردويه، كما في \"الفتح\" (٨/ ٧٢٤)، من طريق زكريا بن عدي به وأخرجه النسائي في \"التفسير\" (٨١) قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبيد الله؛ وأحمد في \"المسند\" (٢٢٢٦) قال: حدثنا أحمد بن عبد الملك؛ وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢٦٠٤) عن عبد الله بن جعفر قالوا: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره بتمامه وتابعه معمر ابن راشد، عن عبد الكريم الجزري بسنده سواء ولكنه جعل قوله: \"لو تمنى اليهود الموت … إلخ\" من قول ابن عباس وليس من جملة الحديث المرفوع.\nأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٥٢) عن معمر.\nوأخرجه البخاري (٨/ ٧٢٤).\n(^١٣) في (ك) و(ن): \"عبد الله\" مكبر وهو خطأ.\n(^١٤) من (ل).","vol":"1","page":495},{"text":"ورواه الإمام أحمد، عن إسماعيل بن يزيد الرقي (أبي يزيد) (^١): حدثنا فرات، عن عبد الكريم، به.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢): حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثنا سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن؛ قال: قول الله ما كانوا ليتمنوه بما قدمت أيديهم. قلت: أرأيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم تمنوا الموت، أتراهم كانوا ميتين؟ قال: لا، والله ما كانوا ليموتوا، (لو) (^٣) تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه، وقد قال الله ما سمعت: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾.\nوهذا غريب عن الحسن، (ثم) (^٤) هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم، أو من المسلمين على وجه المباهلة.\nونقله ابن جرير عن \"قتادة\" (^٥)، وأبي العالية (^٦)، والربيع بن أنس ﵏ (تعالى).\nونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة] فهم، عليهم لعائن الله لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين؛ فلما نكلوا عن ذلك علم كل أحد أنهم ظالمون؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك؛ فلما تأخروا علم كذبهم؛ وهذا كما دعا رسول الله ﷺ وقد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، (وعتوهم) (^٧) وعنادهم، إلى المباهلة، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران] فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تطرف؛ فعند ذلك جنحوا (للسلم) (^٨)، (وبذلوا) (^٩) الجزية عن يد وهم صاغرون، فضربها عليهم، وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح (﵁) (^١٠) أمينًا.\nومثل هذا المعنى، (أو) (^١١) قريب منه، (قوله) (^١٢) تعالى لنبيه (ﷺ) (^١٣) أن يقول للمشركين:\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ض)، ووقع في (ل): \"إسماعيل عن يزيد الرقي\" وهو خطأ واضح وشطب ناسخ (ن) على قوله: \"أبي يزيد\".\n(^٢) في \"تفسيره\" (٩٤٦) وسنده ضعيف لضعف سرور بن المغيرة.\n(^٣) في (ن): \"ولو\".\n(^٤) بياض في (ك).\n(^٥) في (ك): \"عبادة\"!\n(^٦) وأثر قتادة عند ابن جرير (١٥٧٢) [بسند صحيح] وكذلك أثر أبي العالية (١٥٧٣)، [وسنده جيد] وأثر الربيع (١٥٧٤). [وسنده جيد].\n(^٧) ساقط من (ك).\n(^٨) في (ج) و(ز) و(ض) و(ل): \"إلى السلم\".\n(^٩) في (ج) و(ل) و(ك) و(ى): \"بذل\".\n(^١٠) ساقط من (ن).\n(^١١) في (ج): (و).\n(^١٢) في (ن): \"قول الله\".\n(^١٣) ساقط من (ن) و(ى).","vol":"1","page":496},{"text":"﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] أي: من كان في الضلالة منا ومنكم فزاده الله مما هو فيه، ومد له واستدرجه، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله (تعالى) (^١)، (وبه الثقة) (^٢).\n(وأما) (^٣) من فسر الآية على معنى [﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ] (^٤) إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: (إن كنتم صادقين) (^٥) في دعواكم، فتمنوا (الآن الموت) (^٦)، ولم يتعرض هؤلاء للمباهلة، كما (قرره) (^٧) طائفة من المتكلمين وغيرهم.\nومال إليه ابن جرير بعدما قارب القول الأول؛ فإنه قال: القول في (تأويل) (^٨) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (^٩) …﴾ الآية: فهذه الآية مما احتج الله (سبحانه) (^١٠) (به) (^١١) لنبيه ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، (وفضح) (^١٢) بها أحبارهم وعلماءهم؛ وذلك أن الله (تعالى) (^١٣) أمر نبيه ﷺ إلى قضية عادلة (بينه وبينهم من الخلاف) (^١٤)، كما أمره أن يدعو الفريق (الآخر) (^١٥) من النصارى؛ إذ خالفوه في عيسى (ابن مريم) (^١٦) عليه (الصلاة و) (^١٧) السلام، وجادلوه فيه - إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة؟ فقال (لفريق اليهود) (^١٨): إن كنتم محقين فتمنوا الموت؛ فإن ذلك غير (ضائركم) (^١٩) إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة (من الله) (^٢٠)، (بل أعطيكم) (^٢١) أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم؛ فإنما تصيرون إلى الراحة من (تعب) (^٢٢) الدنيا، ونصبها، وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته، إن كان الأمر كما تزعمون من أن الدار الآخرة لكم خاصة دوننا، (وإن) (^٢٣) لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم.\nفامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك، (لعلمهم) (^٢٤) أنها إن تمنت الموت هلكت، فذهبت\n_________\n(^١) من (ك) و(ن).\n(^٢) من (ل).\n(^٣) بياض في (ك).\n(^٤) ساقط من (ن).\n(^٥) ساقط من (ن).\n(^٦) في (ل): \"الموت الآن\"، وسقط لفظ \"الآن\" من (ك).\n(^٧) في (ض): \"قدره\".\n(^٨) في (ز) و(ض): \"تفسير\".\n(^٩) لم يذكرها ناسخ (ن) وكتب عقبها: \"الآية\".\n(^١٠) من (ن).\n(^١١) ساقط من (ن).\n(^١٢) في (ك) و(ل): \"نصبح\"!\n(^١٣) من (ن).\n(^١٤) في (ن): \"فيما كان بينه وبينهم من الخلاف\".\n(^١٥) في (ض): \"آخر\".\n(^١٦) من (ن).\n(^١٧) من (ل).\n(^١٨) في (ل): \"لفريق من اليهود\".\n(^١٩) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ن): \"ضاركم\"؛ وفي (ز) و(ض): \"ضار بكم\".\n(^٢٠) في (ن): \"من الله لكم\".\n(^٢١) كذا في (ج) و(ز) و(ض)؛ وفي (ك) و(ى): \"لكي أعطيكم\"؛ وفي (ن): \"لكي يعصيكم\"؛ وفي (ل): \"بل أعطيتم\"؛ وفي \"تفسير ابن جرير\": \"بل إن أعطيتم\".\n(^٢٢) في (ل): \"نعت\"!\n(^٢٣) في (ل): \"فإن\".\n(^٢٤) في (ز): \"لعلمها\".","vol":"1","page":497},{"text":"دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في (آخرتها) (^١)، كما امتنع فريق النصارى.\nفهذا الكلام منه أوله حسن، (وأما) (^٢) آخره فيه نظر، وذلك (أنه) (^٣) لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل؛ إذ يقال: (إنه) (^٤) لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم (أن يتمنوا) (^٥) الموت؛ فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمنى الموت؛ وكم من صالح لا يتمنى الموت؛ بل يود أن يعمر (ليزداد) (^٦) خيرًا، (وترتفع درجته) (^٧) في الجنة؛ كما جاء (في الحديث) (^٨): \"خيركم من طال عمره وحسن عمله\" (^٩).\n[وجاء في \"الصحيح\" (^١٠) النهي عن تمني الموت؛ وفي بعض ألفاظه (^١١) \"لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنًا فلعله (أن) (^١٢) يزداد، وإما مسيئًا، فلعله أن يستعتب\". ثم] (^١٣)، ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا، فها أنتم تعتقدون أيها المسلمون أنكم أصحاب الجنة، [وأنتم (لا تتمنون) (^١٤) في حال الصحة الموت] (^١٥)، فكيف (تلزمونا) (^١٦) بما (لا يلزمكم) (^١٧)؟!\n[وقد تعرض فخر الدين الرازي في \"تفسيره\" (^١٨) لهذا السؤال؛ وأجاب عنه بأن الرسول مأمور بإبلاغ الرسالة إلى أمته بالتواتر عنه، وتمنى الموت يحجزه عن ذلك، قال: ولعلهم كان يمنعهم من التمني كثرة ذنوبهم، وكانوا يقولون: إنهم يكونون في النار أيامًا معدودات، ولكن كل يوم (كألف) (^١٩) سنة، أو كان يمنعهم منه شدته وآلامه، وسال غير ذلك من الأسئلة، وأجاب] (^٢٠)\n_________\n(^١) في (ض): \"أخراها\".\n(^٢) ساقط من (ن).\n(^٣) في (ل): \"إنهم\".\n(^٤) من (ن).\n(^٥) في (ن): \"إنهم يتمنون\".\n(^٦) في (ض): \"ليزاد\".\n(^٧) في (ك) و(ى): \"ويرتفع درجة\".\n(^٨) من (ز) و(ن).\n(^٩) حديث صحيح.\nأخرجه الترمذي (٢٣٢٩)؛ وأحمد (٤/ ١٨٨، ١٩٠)؛ وفي \"الزهد\" (٣٥)؛ والبيهقي في \"سننه\" (٣/ ٣٧١)؛ وفي \"الأربعين الصغرى\" (٤٤)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١١، ١١٢؛ و٩/ ٥١)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ١٦)؛ والطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ٢٦١، ٢٦٢)؛ والشجري في \"الأمالي\" (١/ ٢٥٥) من طرق عن عمرو بن قيس، عن عبد الله بن بسر أن أعرابيًا قال: يا رسول الله! من خير الناس؟ قال: \"من طال عمره، وحسن عمله\". قال الترمذي: \"حسن غريب\". وعند أحمد وغيره زيادة، ذكرتها في \"التسلية\"، وفي الباب شواهد.\n(^١٠) أخرجه البخاري (١١/ ١٥٠)؛ ومسلم (٢٦٨٠).\n(^١١) عند البخاري (١٠/ ١٢٧؛ و١٣/ ٢٢٠) من طريق الزهري قال: أخبرني أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(^١٢) ساقط من (ى).\n(^١٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ن).\n(^١٤) في (ض) و(ى): \"لا تمنون\".\n(^١٥) وقعت العبارة في (ل): \"وأنتم لا تتمنون الموت في حال الصحة\".\n(^١٦) في (ن): \"تلزموننا\".\n(^١٧) في (ز) و(ض) و(ك): \"نلزمكم\".\n(^١٨) انظر: \"تفسير الرازي\" (٢/ ٢٠٤، ٢٠٥).\n(^١٩) في (ى): \"ألف\".\n(^٢٠) من (ج) و(ل) و(ى).","vol":"1","page":498},{"text":"[عنها بأجوبة، ولم يذكر مع هذا كله (قول) (^١) المباهلة بالكلية، وأما القرطبي، فإنه حكاه، و(لكن) (^٢) إنما عول على الأول. والله أعلم] (^٣).\nوهذا كله إنما نشأ من تفسير (هذه) (^٤) الآية على هذا المعنى، فأما على تفسير ابن عباس فلا يلزم (عليه) (^٥) شيء من ذلك؛ بل قيل لهم كلام نصف: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء (الله) (^٦) من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم (من) (^٧) أهل الجنة ومن عداكم (من) (^٨) أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم أو (من) (^٩) غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، فلما تيقنوا ذلك، وعرفوا صدقه، نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم، وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول ﷺ ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويتحققونه، فعلم كل أحد باطلهم وخزيهم، وضلالهم وعنادهم، عليهم لعائن الله (المتتابعة) (^١٠) إلى يوم القيامة.\n[وسميت هذه المباهلة تمنيًا؛ لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له (في) (^١١) بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم (عزيزة عظيمة) (^١٢) لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت] (^١٣).\nولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾: أي: (أحرص الخلق على حياة أي) (^١٤) على طول (عمر) (^١٥)، لما يعلمون من مآلهم السيئ، وعاقبتهم عند الله الخاسرة، لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم، (وما يحذرون) (^١٦) منه واقع بهم لا محالة، (حتى) (^١٧) وهم أحرص من المشركين الذين لا كتاب لهم.\nوهذا من باب عطف الخاص على العام.\nقال ابن أبي حاتم (^١٨): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (﵁) (^١٩): ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قال: الأعاجم.\n_________\n(^١) من (ج) و(ل)؛ وفي باقي الأصول: \"ذكر\".\n(^٢) ساقط من (ى).\n(^٣) من (ج) و(ل) و(ى).\n(^٤) من (ج) و(ل).\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض) و(ك) و(ى).\n(^٦) في (ن): \"لله\".\n(^٧) من (ن).\n(^٨) من (ك) و(ن).\n(^٩) ساقط من (ك).\n(^١٠) في (ك): \"البالغة\"؛ وفي (ل) و(ى): \"التابعة\".\n(^١١) في (ل): \"فيها\".\n(^١٢) في (ل): \"عظيمة عزيزة\".\n(^١٣) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ن).\n(^١٥) من (ن): \"العمر\".\n(^١٦) في (ن): \"وما يحاذرون\".\n(^١٧) ساقط من (ل).\n(^١٨) في \"تفسيره\" (٩٥١). [وسنده حسن].\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٣) من طريق قبيصة بن عقبة، ثنا الثوري بسنده سواء.\n(^١٩) من (ك).","vol":"1","page":499},{"text":"(وكذا) (^١) رواه الحاكم في \"مستدركه\" من حديث الثوري؛ وقال: \"صحيح على شرطهما ولم يخرجاه\".\nقال: \"وقد اتفقا على (سند تفسير) (^٢) الصحابي\".\nوقال الحسن البصري (^٣): ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ قال: المنافق أحرص (الناس) (^٤) (على حياة، وهو) (^٥) أحرص (على الحياة من المشرك) (^٦).\n﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ أي: (يود) (^٧) أحد اليهود كما يدل عليه نظم السياق.\nوقال أبو العالية (^٨): يود أحدهم؛ أي: أحد المجوس، وهو يرجع إلى الأول.\n﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال الأعمش (^٩)، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو كقول الفارسي: \" (زه) (^١٠) هزار سأل\": يقول (عشرة آلاف) (^١١) سنة.\nوكذا روى عن سعيد بن جبير (^١٢) نفسه أيضًا.\nوقال ابن جرير (^١٣): حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي يقول: حدثنا أبو حمزة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس - في قوله (تعالى) (^١٤): ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو قول الأعاجم (^١٥): هزار سأل نوروز مهرجان.\nوقال مجاهد (^١٦): ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: حُببت إليهم الخطيئة طول العمر.\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) في (ك): \"تفسير سند\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٠) وسنده ضعيف.\n(^٤) ساقط من (ل).\n(^٥) ساقط من (ن).\n(^٦) في (ن): \"من المشرك على الحياة\".\n(^٧) من (ن).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٢). [وسنده جيد].\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٣) من طريق عبد الله بن نمير، عن الأعمش به. [وسنده حسن].\n(^١٠) في (ج) و(ل) و(ن): \"ده\".\n(^١١) في (ك) و(ى): \"عشر ألف\"!\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (١٥٩٢) وسنده معلق ضعيف.\n(^١٣) في \"تفسيره\" (١٥٩١).\nقال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على \"تفسير الطبري\": \"وهذا الإسناد صحيح متصل\".\n(^١٤) ساقط من (ن).\n(^١٥) قال الشيخ أبو الأشبال ﵀: وفي \"تفسير ابن كثير\": \"هزار سأل نوروز مهرجان\" وقد سألت أحد أصحابنا ممن يعرف الفارسية فقال: إن هذا النص لا ينطبق على قواعد الفارسية، وأنه يظن أن صوابها: \"زه در مهرجان نوروز هزار سال\"، ومعنى \"زه\": \"عش\" و\"در\" ظرف بمعنى: \"في\"، و\"مهرجان\" هو عيد لهم، و\"نيروز\"، عيد آخر في أول السنة، و\"هزار\" ألف، و\"سأل\": \"سنة\"، فكأن \"حد\" التي في آخر الكلام في نص الطبري هي \"در\" مصحفة، وباقي النصوص الفارسية صحيح ومعناه: عش ألف سنة؛ وفي \"المستدرك\" للحاكم: \"هزار سأل سرور مهرجان بخور\" وقال مصححه: \"يعني: تمتع ألف سنة كمثل عيد مهرجان، وهو عيد لهم\". وكأن هذا هو الصواب. اهـ.\n(^١٦) أخرجه ابن جرير (١٥٩٣) قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد ويعقوب بن إبراهيم؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٤) قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح قالوا: ثنا إسماعيل بن علية، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. وسنده صحيح.","vol":"1","page":500},{"text":"وقال محمد بن إسحاق (^١)، عن محمد (بن أبي محمد) (^٢)، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس (﵁) (^٣) ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ أي: وما هو بمنجيه من العذاب؛ وذلك أن المشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت؛ فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي (بما ضيع) (^٤) ما عنده من العلم.\nوقال العوفي (^٥)، عن ابن عباس: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ قال: هم الذين عادوا جبريل.\nوقال أبو العالية (^٦): (وإن عمر) (^٧): (فما ذاك بمغيثه) (^٨) من العذاب ولا منجيه (منه) (^٩).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^١٠) (في هذه الآية) (^١١): يهود أحرص على الحياة من هؤلاء؛ وقد ود هؤلاء (لو) (^١٢) يعمر أحدهم ألف سنة؛ وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عمر [كما أن عمر إبليس لم ينفعه] (^١٣)، إذ كان كافرًا.\n﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: (خبير بصير) (^١٤) بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله (^١٥).\n\n<span id=\"aya-104\"></span>\n\n<span id=\"aya-105\"></span>﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾.\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري (^١٦) ﵀: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل؛ إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل (ولي) (^١٧) لهم؛ ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك؛ فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله ﷺ في أمر نبوته.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٥). [وسنده حسن]. وأخرجه ابن جرير (١٦٠٠).\n(^٢) من (ن).\n(^٣) من (ك).\n(^٤) كذا في (ن) و(ى) وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\"؛ وفي باقي \"الأصول\": \"بما صنع بما عنده من العلم\" واخترت الأولى لأنها أوضح في المعنى.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٦٠٣) وسنده ضعيف؛ مسلسل بالضعفاء.\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٦٠١)؛ وابن أبي حاتم (٩٥٦). [وسنده جيد].\n(^٧) في (ن): \"وابن عمر\"!!\n(^٨) كذا في سائر \"الأصول\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\". ووقع في (ل): \"ولا ذاك بمغنيه\" وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\".\n(^٩) في (ك): \"فيه\".\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٥٩٥) وسنده صحيح.\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض) و(ك).\n(^١٢) في (ز) و(ض): \"أن\".\n(^١٣) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ى). ووقعت العبارة في (ن): \"كما عمر إبليس\".\n(^١٤) في (ض): \"بصير خبير\".\n(^١٥) في (ع): \"بلغ مقابلة على المصنف، فسح الله في مدته\".\n(^١٦) في \"تفسيره\" (٢/ ٣٧٧).\n(^١٧) في (ن): \"وليًا\".","vol":"1","page":501},{"text":"ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب (^١)، حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس - أنه قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلالٍ نسألك عنهن لا (يعلمهن) (^٢) إلا نبي. فقال رسول الله ﷺ: \" (سلوا) (^٣) عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم عن شيء فعرفتموه (لتتابعُني) (^٤) على الإسلام\". فقالوا: ذلك لك. فقال رسول الله ﷺ: \"سلوني (^٥) عما شئتم\". قالوا: أخبرنا عن أربع خلالٍ نسألك عنهن: أخبرنا: أي: الطعام (حرم) (^٦) إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا: كيف ماء المرأة وماء الرجل؛ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في (النوم) (^٧) (ووليه) (^٨) من الملائكة؟ (فقال رسول الله) (^٩) ﷺ: \"عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم (لتتابعُني؟) (^١٠) \"فأعطوه (ما شاء) (^١١) من عهد وميثاق؛ فقال: نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى؛ هل تعلمون أن إسرائيل - يعقوب -\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (١٦٠٥).\nوأخرجه أحمد (٢٥١٤ - شاكر)؛ وابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ١٧٤، ١٧٥) قالا: حدثنا هاشم بن القاسم؛ وأخرجه عبد بن حميد في \"تفسيره\" قال: حدثنا أحمد بن يونس؛ وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩٥١ - آل عمران)؛ والبيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ٢٦٦، ٢٦٧) من طريق الطيالسي وهذا في \"مسنده\" (٢٧٣١)؛ وعبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (٢٥١٥) من طريق محمد بن بكار بن الريان؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٣٠١٢) من طريق محمد بن يوسف الفريابي خمستهم عن عبد الحميد بن بهرام بسنده سواء؛ وأخرجه أحمد (٢٤٧١) من طريق الحسين بن محمد المروزي ثنا عبد الحميد ببعضه.\n(*) قلت: وعبد الحميد بن بهرام وثقه أحمد وابن معين وأبو داود وأثنى عليه شعبة وقال: \"نعم الشيخ\". وقال ابن معين في رواية والنسائية والعجلي وابن عدي: \"لا بأس به\". وقال أبو حاتم: \"أحاديثه عن شهر صحاح، لا أعلم روى عن شهر بن حوشب أحاديث أحسن منها ولا أكثر منها\". وقال ابن عدي: \"هو في نفسه لا بأس به، وإنما عابوا عليه كثرة رواياته عن شهر، وشهر ضعيف\". وقال الخطيب: \"الحمل في الصحيفة التي ذكر أنها منكرة على شهر لا على عبد الحميد\". وقد خولف عبد الحميد بن بهرام. خالفه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين فرواه عن شهر بن حوشب مرسلًا. أخرجه محمد بن إسحاق، كما في \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ١٩١، ١٩٢) ومن طريقه الطبري في \"تفسيره\" قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين به.\nوعبد الله هذا ثقة، وثقه أحمد وأبو زرعة والنسائي والعجلي وابن حبان وابن سعد وقال: \"قليل الحديث\" وقال ابن عبد البر: \"ثقة عند الجميع فقيه عالم بالمناسك\" وصرح ابن إسحاق بالتحديث كما رأيت. وهذا الوجه المرسل أرجح، نظريًا، من رواية عبد الحميد الموصولة. وهذا الاختلاف في سنده من شهر بن حوشب، فكان سيء الحفظ وللحديث طريق آخر عن ابن عباس، يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.\n(^٢) في (ج): \"يعلمن\".\n(^٣) في (ل): \"اسألوا\".\n(^٤) في (ن): \"لتتابعنني\".\n(^٥) في (ن): \"سلوا\".\n(^٦) كذا في \"ز\" و(ض) و(ع) و(ك) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٧٧) ووقع في (ج) و(ل): \"الذي حرم\".\n(^٧) كذا في \"تفسير الطبري\" وسائر روايات الحديث عند المخرجين له. ووقع في سائر \"الأصول\": \"التوراة\"، وما أثبته أولى وأليق بلفظ الحديث، وجواب النبي ﷺ يدل عليه، والله أعلم.\n(^٨) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي (ن): \"ومن وليه\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\".\n(^٩) في (ن): \"وقال النبي\".\n(^١٠) في (ن): \"لتتابعنني\".\n(^١١) في (ن): \"ما شاء الله\".","vol":"1","page":502},{"text":"مرض مرضًا شديدًا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا، لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه؛ وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها\"؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم اشهد عليهم\" وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن ماء الرجل (أبيض غليظ) (^١) وأن ماء المرأة (أصفر رقيق) (^٢) فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله ﷿ (^٣)، وإذا علا ماءُ الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرًا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله ﷿ (^٤) \"؟ قالوا: اللهم نعم. \"قال: اللهم اشهد [وأنشدكم (بالذي) (^٥) أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه\"؟ قالوا: اللهم نعم. قال: \"اللهم اشهد\"] (^٦).\nقالوا: أنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك، أو نفارقك. قال: \"فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليه\". قالوا: فعندها نفارقك، ولو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك.\nقال: \"فما منعكم أن تصدقوه\"؟ قالوا: إنه عدونا؛ فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فعندها باءوا بغضب على غضب.\nوقد رواه الإمام أحمد في \"مسنده\"، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، وعبد بن حميد في \"تفسيره\"، عن أحمد بن يونس؛ كلاهما عن عبد الحميد بن بهرام، به.\nورواه (الإمام أحمد) (^٧) أيضًا عن الحسين بن محمد المروزي عن عبد الحميد (به) (^٨) بنحوه.\nوقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار، (حدثني) (^٩) عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب؛ فذكره مرسلًا.\nوزاد فيه: قالوا: فأخبرنا عن الروح. قال: \"فأنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل؛ هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني\"؟ قالوا: اللهم نعم. ولكنه (لنا عدو) (^١٠)، وهو ملك؛ إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء؛ فلولا ذلك اتبعناك؛ فأنزل الله (تعالى) (^١١) فيهم: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ …﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١].\nوقال الإمام أحمد (^١٢): حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن\n_________\n(^١) في (ن): \"غليظ أبيض\".\n(^٢) في (ن): \"رقيق أصفر\".\n(^٣) من (ن).\n(^٤) من (ن).\n(^٥) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(ى): \"بالذي\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٧٨). ووقع في (ز) و(ض) و(ن): \"بالله الذي\".\n(^٦) ساقط من (ك).\n(^٧) ساقط من (ى). وسقطت لفظة: \"الإمام\" من (ن).\n(^٨) ساقط من (ز) و(ن).\n(^٩) في (ن): \"حدثنا\".\n(^١٠) في (ن): \"عدو لنا\".\n(^١١) من (ن).\n(^١٢) في \"مسنده\" (٢٤٨٣) ومن طريقه الضياء في \"المختارة\" (١٠/ ٦٩، ٧٠). =","vol":"1","page":503},{"text":"(بكير) (^١) بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: أقبلت يهود (إلى) (^٢) رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك؛ فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه؛ إذ قال: (والله على ما نقول وكيل). قال: \"هاتوا\": قالوا: فأخبرنا عن علامة النبي؟ قال: \"تنام عيناه ولا ينام قلبه\".\nقالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة، وكيف تذكر؟ قال: \"يلتقى الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة (ماء الرجل) \" (^٣) آنثت\".\nقالوا: أخبرنا (ما) (^٤) حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: \"كان يشتكى عرق النسا، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا\" قال أحمد: قال بعضهم: يعني: الإبل، فحرم لحومها. قالوا: صدقت.\nقالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله ﷿، موكل بالسحاب بيديه أو في يديه مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله ﷿ (^٥).\nقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: \"صوته\". قالوا: صدقت.\nقالوا: إنما بقيت واحدة؛ وهي التي نتابعك إن أخبرتنا (بها) (^٦): إنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخبر؛ فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل ﵇. قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا؛ لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات (لكان) (^٧)؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ …﴾ إلى آخر الآية.\nورواه الترمذي، والنسائي، من حديث عبد الله بن الوليد، به. وقال الترمذي: \"حسن غريب\".\nوقال سنيد في \"تفسيره\" (^٨)، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج: أخبرني القاسم بن أبي بزة - أن يهود سألوا النبي ﷺ (من) (^٩) صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي. قال: جبريل. قالوا: فإنه لنا\n_________\n= وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩٥٢)؛ وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٧٦٥)؛ وابن منده في \"التوحيد\" (٤٨) من طريق أبي أحمد الزبيري محمد بن عبد الله مثله. وتابعه أبو نعيم الفضل بن دكين قال: نا عبد الله بن الوليد وكان يجالس الحسن بن حي بسنده سواء.\nأخرجه النسائي في \"العشرة\" (١٨٧)؛ والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢/ ١١٤)؛ وابن منده في \"التوحيد\" (٤٨)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٢٤٢٩)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٠٤، ٣٠٥)؛ والضياء في \"المختارة\" (١٠/ ٦٧، ٦٨)؛ وأخرج الترمذي (٣١١٧) منه قصة الرعد. وقال: \"حسن غريب\".\nوقال ابن منده: \"هذا إسناد متصل، ورواته مشاهير ثقات\".\n(^١) في (ك): \"بكر\" مكبرًا، وهو تصحيف.\n(^٢) في (ن): \"على\".\n(^٣) ساقط من (ج) و(ض) و(ع) و(ى). وهو ثابت في \"المسند\" (٢٤٨٣).\n(^٤) في (ج) و(ل): \"عما\".\n(^٥) في (ن): \"تعالى\".\n(^٦) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل)، وهو ثابت في \"المسند\".\n(^٧) في (ل): \"لكنا تابعناك\" وهو مخالف لسائر \"الأصول\" ولـ\"المسند\".\n(^٨) ومن طريقه ابن جرير (١٦٠٧) قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، حدثني حجاج. والحسين هو ابن داود، ولقبه: \"سنيد\"، وهو لقب غلب عليه. [وسنده مرسل ويشهد له سابقه].\n(^٩) في (ز) و(ل) و(ن): \"عن\".","vol":"1","page":504},{"text":"عدو، ولا يأتي إلا بالحرب والشدة، والقتال؛ فنزلت: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ …﴾ الآية.\nقال ابن جريج (^١): قال مجاهد: قالت يهود: يا محمد؛ ما نزل جبريل إلا بشدة وحرب وقتال، فإنه لنا عدو؛ فنزل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ …﴾ الآية.\nوقال البخاري (^٢): قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال عكرمة: جبر، وميك وإسراف: عبد، وإيل: الله.\nحدثنا عبد الله بن (منير) (^٣)، سمع عبد الله بن (بكر) (^٤)، حدثنا حميد؛ عن أنس بن مالك؛ قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ وهو في أرض يخترف، فأتى النبي ﷺ؛ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه، أو إلى أمه؟ قال: أخبرني (بهن جبريل آنفًا) (^٥). قال: جبريل؟ قال: \"نعم\". قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾.\nأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب.\nوأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت\".\nقال: أشهد أن لا إله إلا الله (وأشهد أنك رسول الله) (^٦). يا رسول الله؛ إن اليهود قوم بهت (^٧)، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم (يبهتوني) (^٨)؛ فجاءت اليهود، فقال (لهم رسول الله ﷺ) (^٩): أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: أرأيتم إن أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك.\nفخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، (وأن) (^١٠) محمدًا رسول الله.\nفقالوا: هو شرنا وابن شرنا، وانتقصوه؛ فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله - انفرد به البخاري من هذا الوجه.\n_________\n(^١) وسنده مرسل أو معضل، وابن جريج لم يسمع من مجاهد إلا حرفًا واحدًا.\n(^٢) في \"كتاب التفسير\" (٨/ ١٦٥ - فتح).\n(^٣) كذا في (ج) و(ز). ووقع في (ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى): \"نمير\" وهو خطأ واضح، فالبخاري لم يلحق ابن نمير، فإن البخاري ولد سنة (١٩٤) بينما توفي ابن نمير سنة (١٩٩)، ويظهر لي أن قلم المصنف سبقه في الكتابة، ويدل على ذلك أن ابن المحب ناسخ (ج) قال في الحاشية: \"كانت في الأصل: ابن نمير\".\n(^٤) في (ك) و(ن): \"بكير\" وهو خطأ.\n(^٥) كذا في (ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(ن) وهو الموافق لما في \"صحيح البخاري\" (٨/ ١٦٥)، وفي (ج) و(ع) و(ى): \"أخبرني جبريل بهن آنفًا\".\n(^٦) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى) وهو الموافق لما في \"البخاري\" (٨/ ١٦٥)، وفي (ن): \"وأنك رسول الله\"؛ وفي (ج) و(ل): \"وأن محمدًا رسول الله\".\n(^٧) بهت؛ جمع بهوت، من بناء المبالغة، والبهت: الكذب والافتراء.\n(^٨) في (ل): \"بهتوني\".\n(^٩) كذا في (ن) وهو الموافق لما في \"البخاري\". وسقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).\n(^١٠) في (ن): \"وأشهد أن\".","vol":"1","page":505},{"text":"وقد أخرجاه (^١) من وجه آخر، عن أنس، بنحوه.\nوفي \"صحيح مسلم\" (^٢)، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قريب من هذا السياق، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.\nوحكاية البخاري كما تقدم عن عكرمة هو المشهور - أن \"إيل\" هو الله.\nوقد رواه سفيان (الثوري) (^٣)، عن خصيف، عن عكرمة (^٤). [ورواه عبد بن حميد، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة] (^٥).\nورواه ابن جرير (^٦)، عن الحسين بن يزيد (الطحان) (^٧)، عن إسحاق بن منصور، عن قيس (عن) (^٨) عاصم، عن عكرمة أنه قال: إن جبريل اسمه: \"عبد الله\"، وميكائيل اسمه: (عبيد الله) (^٩). إيل: الله.\nورواه (^١٠) يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله سواء.\nوكذا قال غير واحد من السلف، كما سيأتي قريبًا.\n[وقال الإمام أحمد (^١١) في أثناء حديث: \"سمرة بن جندب\": حدّثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال لي علي بن الحسين: اسم جبريل: \"عبد الله\"؛ واسم ميكائيل: \"عبيد الله\"] (^١٢).\nومن الناس من يقول: \"إيل\" عبارة عن \"عبد\"، والكلمة الأخرى هي اسم الله؛ لأن كلمة \"إيل\" لا تتغير في الجميع فوزانه: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، عبد القدوس، عبد السلام، عبد الكافي، عبد الجليل؛ \"فعبد\" موجودة في هذا كله؛ واختلفت الأسماء (المضاف) (^١٣) إليها، وكذلك جبرائيل، وميكائيل، وعزرائيل، وإسرافيل، ونحو ذلك.\nوفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف. والله أعلم.\n_________\n(^١) كذا! فليحرر، فإني لم أظفر به في \"صحيح مسلم\" والله أعلم.\n(^٢) أخرجه مسلم في \"كتاب الحيض\" (٣١٥/ ٣٤). وقد مر تخريجه قريبًا.\n(^٣) ساقط من (ل).\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٦٢٨) وسنده لا بأس به.\n(^٥) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل)، وهو ثابت في (ع) و(ن) و(ى).\n(^٦) في \"تفسيره\" (١٦٢٤) وسنده ضعيف. وقيس هو ابن الربيع في حفظه مقال مشهور. وشيخ ابن جرير لينه أبو حاتم الرازي كما في \"الجرح والتعديل\" (١/ ٢/ ٦٧) وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ١٨٨).\n(^٧) كذا ورد في كل \"الأصول\" وهو الصواب كما في \"الجرح والتعديل\"، و\"ثقات ابن حبان\"، و\"تهذيب الكمال\" (٦/ ٥٠١) وفروعه. ووقع في \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٩٠): \"الضحاك\" وهو تصحيف.\n(^٨) في (ن): \"بن\" وهو خطأ. [وسنده حسن].\n(^٩) في (ن): \"عبد الله\" مكبرًا.\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٦٢١) ورجاله ثقات إلا شيخ الطبري محمد بن حميد.\n(^١١) في \"مسنده\" (٥/ ١٥، ١٦) وعلقه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩٧٢) وقد رواه أيضًا (٩٧١) من طريق ابن إسحاق عن الزهري، عن علي بن الحسين. وسنده حسن.\n(^١٢) من (ج) و(ل).\n(^١٣) في (ض) و(ل): \"المضافة\".","vol":"1","page":506},{"text":"ثم قال ابن جرير (^١): وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت [بين عمر بن الخطاب (﵁) (^٢) وبينهم] (^٣) في أمر النبي ﷺ.\nذكرُ من قال ذلك (^٤): حدثني محمد بن المثنى، حدثني ربعي بن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: نزل عمر الروحاء، فرأى رجالًا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها؛ فقال: (ما هؤلاء) (^٥)؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله ﷺ صلى ها هنا، قال: فكره ذلك، وقال: (إنما) (^٦) رسول الله ﷺ أدركته الصلاة بواد (فصلاها) (^٧)، ثم ارتحل فتركه. ثم أنشأ يحدثهم؛ فقال: كنت أشهد اليهود يوم (مدراسهم) (^٨)، فأعجب من التوراة كيف تصدق (الفرقان) (^٩)، ومن (الفرقان) (^٩) كيف يصدق التوراة، (فبينا) (^١٠) أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب، ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك.\nقلت: ولم ذلك؟ قالوا: (إنك) (^١١) تغشانا وتأتينا.\nفقلت: إني آتيكم فأعجب من (الفرقان) (^٩) كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق (الفرقان) (^٩).\nقالوا: ومر رسول الله ﷺ؛ فقالوا: يا ابن الخطاب؛ ذاك صاحبكم فالحق به.\nقال: فقلت لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه، وما استودعكم من كتابه؛ هل تعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا. فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه. فقالوا: فأنت عالمنا وكبيرنا، فأجبه أنت. قال: أما إذ نشدتنا بما نشدتنا (به) (^١٢)\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٢/ ٣٨٠، ٣٨١ شاكر).\n(^٢) من (ل) وهو الموافق لما في \"ابن جرير\".\n(^٣) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل) وهو الموافق لما في \"ابن جرير\". ووقع في (ع) و(ن) و(ى): \"بينهم وبين عمر بن الخطاب\".\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٦٠٨) وسنده ضعيف لانقطاعه، فإن الشعبي واسمه عامر بن شراحيل لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁ وقد صرح المصنف بذلك بعد.\nوأخرجه ابن جرير أيضًا (١٦٠٩) قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: قال عمر: نحو الحديث الماضي.\nوابن علية هذا هو إسماعيل، وهو أشهر من أخيه ربعي بن علية.\nقال السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٩٠): \"صحيح الإسناد ولكن الشعبي لم يدرك عمر\".\n(^٥) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي \"ابن جرير\". ووقع في (ن): \"ما بال هؤلاء\"؛ وفي (ل): \"ما هو\".\n(^٦) كذا في سائر \"الأصول\" واضحة؛ وفي (ن): \"أيما\" بالياء التحتانية، وكذلك ضبطها الشيخ محمود شاكر ﵀ في \"تفسير الطبري\"، وما ورد في \"الأصول\" صحيح، على اعتبار أن قوله: \"رسول الله\" جملة توضيحية. والله أعلم.\n(^٧) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفى (ن): \"صلاها\"؛ وفى \"ابن جرير\": \"فصلى\".\n(^٨) في (ل): \"مدراستهم\".\n(^٩) كذا في سائر \"الأصول\"، وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\". ووقع في (ن): \"القرآن\".\n(^١٠) في (ك) و(ن): \"فبينما\".\n(^١١) في (ن): \"لأنك\".\n(^١٢) ساقط من (ع) و(ى).","vol":"1","page":507},{"text":"فإنا نعلم أنه رسول الله. قلت: ويحكم، (فأنى) (^١) هلكتم؟! قالوا: (إنا لم نهلك) (^٢). قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله (ثم لا تتبعونه) (^٣) ولا تصدقونه؟ قا لوا: إن لنا عدوًا من الملائكة وسلمًا من الملائكة؛ وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة. قلت: ومن عدوكم؛ ومن سلمكم؛ قالوا: عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل (^٤) قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا. وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة التخفيف ونحو هذا.\nقال: قلت: وما منزلتهما من ربهما ﷿؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره. قال: فقلت: فوالذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما. وما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل.\nقال: ثم قمت. فاتبعت النبي ﷺ، فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان، فقال: يا ابن الخطاب؛ ألا أقرئك آيات نزلن قبل. فقرأ عليّ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ …﴾ حتى قرأ (هذه) (^٥) الآيات.\nقال: قلت: (بأبي وأمي) (^٦) يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا (أريد أن) (^٧) أخبرك، وأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد؛ أنبأنا عامر؛ قال: انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود، فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون محمدًا في كتبكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم أن تتبوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا جعل له من الملائكة كفلًا، وإن جبريل كفل محمدًا، وهو الذي يأتيه، وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا؛ لو كان ميكائيل الذي يأتيه أسلمنا.\nقال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما منزلتهما عند الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله.\nقال عمر: وإني أشهد: ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبرائيل، وما كان جبرائيل ليسالم عدو ميكائيل.\n_________\n(^١) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي (ن): \"إذن\" ولم يستطع تصويبها الشيخ محمود شاكر، فقرأها في \"المطبوعة\": \"أي: هلكتم\"، ثم أثبتها: \"إذن\" عن \"تفسير ابن كثير\".\n(^٢) كذا في (ز) و(ع) و(ك) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في \"الطبري\"، وسقط لفظ \"إنا\" من (ض). ووقع في (ج) و(ل): \"إياكم يهلك\".\n(^٣) كذا في (ج) و(ض) و(ك) وهو الموافق لما في \"الطبري\". وسقطت لفظة \"ثم\" من (ز) و(ع) و(ل) و(ى). ووقع في (ن): \"ولا تتبعونه\".\n(^٤) وقع في \"تفسير الطبري\" (١٦٠٨) بعد هذه الجملة: \"قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل وفيم سالمتم ميكائيل\".\n(^٥) ساقط من (ن).\n(^٦) كذا في \"الأصول\"، وعند ابن جرير، بأبي وأمي أنت.\n(^٧) من (ن) وهو عند ابن جرير.\n(^٨) في \"تفسيره\" (٩٦٦) وهو مع انقطاع سنده، فإن مجالد بن سعيد تغير حفظه في آخر عمره كما قال أحمد وغيره.","vol":"1","page":508},{"text":"فبينا هو عندهم إذ مر النبي ﷺ؛ فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب.\nفقام إليه عمر، فأتاه، وقد أنزل الله ﷿: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾.\nوهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر؛ ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر؛ فإنه لم يدرك (زمانه) (^١). والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا (بشر) (^٣)، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة؛ قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما (أبصروه) (^٤) رحبوا به، فقال لهم عمر: أما والله (ما جئت) (^٥) [لحبكم، ولا لرغبة فيكم، ولكن جئت] (^٦) لأسمع منك. فسألهم وسألوه، فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم: جبريل. فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يطلع محمدًا على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسَّنَةِ، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالخصب والسلم.\nفقال لهم عمر: (تعرفون) (^٧) جبريل وتنكرون محمدًا ﷺ؟!\nففارقهم عمر عند ذلك، وتوجه نحو النبي ﷺ ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ …﴾ (الآيات) (^٨).\nثم (قال) (^٩): حدثني المثنى، حدثنا آمد، حدثنا أبو جعفر، حدثنا قتادة؛ قال: بلغنا أن عمر أقبل إلى اليهود يومًا … فذكر نحوه. وهذا [في تفسير آدم، وهو] (^١٠) أيضًا منقطع، وكذلك رواه أسباط (^١١) عن السدي، عن عمر مثل هذا، أو نحوه، وهو منقطع أيضًا.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢): حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن يعني: (الدشتكي) (^١٣)، حدثنا أبو جعفر، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى - أن يهوديًا (لقي) (^١٤) عمر بن الخطاب، فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا. فقال عمر: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ قال: فنزلت على لسان عمر ﵁.\n_________\n(^١) في (ز) و(ض): \"وفاته\" وهو تصحيف.\n(^٢) في \"تفسيره\" (١٦١٠) وهو ضعيف لانقطاعه.\n(^٣) في (ن): \"بشير\" وهو خطأ، وهو بشر بن معاذ العقدي أحد شيوخ النسائي والترمذي وابن ماجه.\n(^٤) كذا في \"تفسير الطبري\". ووقع في جميع \"الأصول\": \"انصرف\" ولا معنى لها إلا بتقدير محذوف.\n(^٥) في (ل) و(ن): \"ما جئتكم\".\n(^٦) ساقط من (ك).\n(^٧) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى). ووقع في (ز) و(ن): \"هل تعرفون\" وفي \"تفسير الطبري\": \"أتعرفون\".\n(^٨) من (ن).\n(^٩) يعني: ابن جرير، وهو فيه (١٦١١).\n(^١٠) من (ع) و(ن) و(ى).\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٦١٣).\n(^١٢) في \"تفسيره\" (٩٦٧) وسنده ضعيف، وأبو جعفر هو الرازي، تكلم العلماء في حفظه ولكن تابعه هشيم بن بشير عند ابن جرير وتأتي روايته بعد هذه. وعبد الرحمن بن أبي ليلى مختلف في سماعه من عمر.\n(^١٣) في (ن): \"الدستى\"!\n(^١٤) في (ز) و(ض): \"أتى\".","vol":"1","page":509},{"text":"[ورواه عبد بن حميد، عن (أبي النضر) (^١) هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر - هو الرازي] (^٢).\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان هو الذي ينزل عليكم (لتبعناكم) (^٤)؛ فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة. فإنه عدو لنا، قال: فنزلت هذه الآية.\nحدثنا (^٥) يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، بنحوه.\n[وقال عبد الرزاق (^٦): أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود: إن جبريل (عدونا) (^٧)؛ لأنه ينزل بالشدة والسنة، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب، فجبريل (عدونا) (^٧)؛ فقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ …﴾ الآية] (^٨).\nوأما تفسير الآية فقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: من عادى جبريل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله، بإذنه له في ذلك؛ فهو رسول من رسل الله مَلَكيٌّ -، (عليه وعلى سائر إخوانه من الملائكة السلام) (^٩) ومن عادى رسولًا فقد عادى جميع الرسل، [كما أن من امن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل] (^١٠)، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء] فحكم عليهم بالكفر المحقق إذ آمنوا ببعض الرسل، وكفروا ببعضهم؛ وكذلك من عادى جبريل فإنه عدو لله؛ لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه؛ كما قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء].\nوقد روى البخاري في \"صحيحه\" (^١١)، عن أبي هريرة (﵁) (^١٢)؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من عادى لي وليًا فقد بارزني بالحرب\".\n_________\n(^١) في (ن): \"أبي النظر\"!\n(^٢) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل) وثابتة في (ع) و(ن) وكتبها ناسخ (ى) في الحاشية.\n(^٣) في \"تفسيره\" (١٦١٥). [وسنده مرسل يتقوى بالمراسيل التالية].\n(^٤) في (ن): \"اتبعناكم\".\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٦١٦) وسنده جيد عن عطاء.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٥٢، ٥٣) ومن طريقه ابن جرير (١٦١٢) وسنده صحيح. [لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل السابقة].\n(^٧) في (ن): \"عدو لنا\".\n(^٨) هذه الفقرة مقدمة في (ك) على التي قبلها.\n(^٩) من (ل).\n(^١٠) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).\n(^١١) في \"كتاب الرقاق\" (١١/ ٣٤٠، ٣٤١).\n(^١٢) من (ل).","vol":"1","page":510},{"text":"ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه، فقال (تعالى) (^١): ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المتقدمة ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: هدًى لقلوبهم، وبشرى لهم بالجنة؛ وليس ذلك إلا للمؤمنين.\nكما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].\nوقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء].\nثم قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي. ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].\n(وجبريل وميكال): وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة ثم في عموم الرسل، ثم خصصنا بالذكر؛ لأن السياق في الانتصار لجبريل، وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم، وميكائيل وليهم، فأعلمهم (الله تعالى) (^٢) أن من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا؛ لأنه أيضًا ينزل على (الأنبياء) (^٣) بعض الأحيان كما قرن برسول الله ﷺ في ابتداء الأمر، ولكن جبريل أكثر وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالقطر والنبات وهذاك بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل (موكل بالصور للنفخ) (^٤) للبعث (يوم) (^٥) القيامة.\nولهذا جاء في \"الصحيح\" (^٦) أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: \"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\".\nوقد تقدم ما حكاه البخاري، ورواه ابن جرير، عن عكرمة (وغيره) (^٧) أنه قال: \"جبر\"، و\"ميك\"، و\"إسراف\": عبد، و\"إيل\": الله.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس؛ قال: إنما\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) من (ن) و(ل)؛ وفي (ج) و(ى): \"فأعلمهم تعالى\"؛ وفي (ز) و(ض) و(ك): \"فأعلمهم\".\n(^٣) في (ن): \"أنبياء الله\".\n(^٤) في (ن): \"موكل للنفخ في الصور\".\n(^٥) كذا في (ز) و(ك) و(ل) و(ن)؛ وفي (ج) و(ض) و(ى): \"ليوم\".\n(^٦) يعني: \"صحيح مسلم\"، وقد أخرجه هو (٧٧٠/ ٢٠٠).\n(^٧) من (ن).\n(^٨) في \"تفسيره\" (٩٧٠)؛ وأخرجه أيضًا (٩٦٩) قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش بإسناده مثله. وسنده قوي.","vol":"1","page":511},{"text":"كان قوله جبرائيل كقوله عبد الله، وعبد الرحمن. وقيل: جبر: عبد، وإيل: الله.\nوقال محمد بن إسحاق (^١)، عن الزهري، عن علي بن الحسين؛ قال: (تدرون) (^٢) ما اسم جبريل من أسمائكم؟ قلنا: لا؛ قال: اسمه عبد الله. قال: فتدرون ما اسم ميكائيل من أسمائكم؟ قلنا: لا؟ قال: اسمه (عبيد الله) (^٣)؛ وكل اسم مرجعه إلى إيل فهو إلى الله ﷿ (^٤).\nقال ابن أبي حاتم: وروى عن عكرمة، ومجاهد، والضحاك، ويحيى بن يعمر نحو ذلك.\nثم قال (^٥): (حدثنا) (^٦) أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثني عبد العزيز بن عمير؛ قال: اسم جبريل في الملائكة خادم الله، قال: فحدثت به أبا سليمان الداراني فانتفض؛ وقال: لهذا الحديث أحب إلي من كل شيء في دفتر كان بين يديه.\nوفي جبريل وميكائيل لغات وقراءات تذكر في كتب اللغة والقراآت، (^٧) (ولم نطول كتابنا هذا بسرد ذلك) (^٧) إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة وهو المستعان.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فيه إيقاع المظهر مكان المضمر، حيث لم يقل: فإنه عدو؛ بل قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ كما قال الشاعر (^٨):\nلا أرى الموت يسبق الموت شيء … سبق الموت ذا الغنى والفقيرا\nوقال الآخر (^٩):\nليت الغراب غداة ينعب (دائبًا) (^١٠) … كان الغراب (مقطع) (^١١) الأوداج\nوإنما أظهر الله هذا الاسم ها هنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى (أولياء الله) (^١٢) فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدم في الحديث: \"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالمحاربة\". وفي الحديث الآخر (^١٣): \"إني لأثار لأوليائي كما يثأر الليث الحرب\"، وفي الحديث الصحيح (^١٤): \"من كنت\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩٧١).\n(^٢) في (ز) و(ن): \"أتدرون\".\n(^٣) في (ل): \"عبد الله\" وهو خطأ.\n(^٤) من (ن).\n(^٥) في \"تفسيره\" (٩٧٤) وعبد العزيز بن عمير هو الخراساني الزاهد. له ترجمة في \"تاريخ دمشق\" (٣٦/ ٣٣٢ - ٣٣٦) لابن عساكر.\n(^٦) في (ن): \"حدثني\".\n(^٧) كذا في سائر \"الأصول\". ووقع في (ج): \"يطول كتابنا هذا بسرده\".\n(^٨) هو أمية بن أبي الصلت، وينسب إلى سوادة بن عدي.\n(^٩) هو جرير. والبيت في \"ديوانه\" (٨٩) ولكن وقع في \"الديوان\": \"ينعب بالنوى\".\n(^١٠) في (ن): \"دائمًا\".\n(^١١) في (ن): \"منقطع\"!\n(^١٢) في (ن): \"وليًا لله\".\n(^١٣) أخرجه ابن أبي الدنيا وأبو نعيم من حديث أنس كما ذكره الزبيدي في \"الإتحاف\" (٩/ ٤٤٠) ولم أقف عليه عندهما، بهذا اللفظ، والحديث لا يثبت بهذا السياق أما حديث أنس فلا يثبت من جميع وجوهه، وقد خرجته في \"تسلية الكظيم\".\n(^١٤) وهذا جزء من حديث يرويه أبو هريرة ﵁ مرفوعًا: \"قال ربكم: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة؛ ومن كنت =","vol":"1","page":512},{"text":"خصمه خصمته\" (^١).\n\n<span id=\"aya-106\"></span>﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾.\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (الآية) (^٢): أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك؛ وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود ومكنونات سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأُ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم، وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة؛ فأطلع الله في كتابه الذي أنزله (إلى) (^٣) نبيه محمد ﷺ؛ فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف (نفسه) (^٤)، ولم يدعه إلى هلاكها الحسد والبغي؛ إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وصف من غير تعلم تعلمه من بشر، (ولا أخذ شيء) (^٥) منه عن آدمي.\nكما قال الضحاك (^٦)، عن ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يقول: فأنت تتلوه عليهم، وتخبرهم به غدوةً وعشيةً، وبين ذلك؛ وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابًا؛ وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه؛ يقول الله (تعالى) (^٧): (في ذلك لهم عبرة) (^٨) وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.\nوقال محمد بن إسحاق (^٩): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير؛ عن\n_________\n= خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفه أجره\"؛ أخرجه البخاري (٤/ ٤١٧، ٤٤٧).\n(^١) في (ع): \"بلغ بقراءة الشيخ عماد الدين نفع الله به، وفسح في مدته\".\n(^٢) من (ن).\n(^٣) في (ض) و(ن): \"على\".\n(^٤) في (ن): \"من نفسه\".\n(^٥) في (ز) و(ض) و(ن): \"ولا أخذ شيئًا\" وما أثبته موافق لما عند \"الطبري\" (٢/ ٣٩٧ - شاكر).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٦٣٦) وسنده ضعيف.\n(^٧) من (ن).\n(^٨) في (ن): \"لهم في ذلك عبرة\".\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٦٣٧) قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، حدثنا محمد بن إسحاق فذكره ولكن إسناده ضعيف جدًّا. وابن حميد واه، وسلمة فيه مقال. لكن أخرجه ابن جرير (١٦٣٨) قال: حدثنا =","vol":"1","page":513},{"text":"ابن عباس؛ قال: قال ابن صوريا (الفطيوني) (^١) لرسول الله ﷺ: يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك؛ فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾.\n\n<span id=\"aya-107\"></span>وقال مالك بن الضيف (^٢): حيث بعث رسول الله ﷺ وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد ﷺ: والله ما عهد إلينا في محمد، وما أخذ علينا ميثاقًا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.\nوقال الحسن البصري (^٣) في قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: نعم، ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه؛ يعاهدون اليوم وينقضون غدًا.\nوقال السدي (^٤): لا يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ.\nوقال قتادة (^٥): ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي: نقضه فريق منهم.\nوقال ابن جرير (^٦): أصل النبذ الطرح والإلقاء؛ ومنه سمى اللقيط منبوذًا، ومنه سمي النبيذ، وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء؛ قال أبو الأسود الدؤلي:\nنظرت إلى عنوانه فنبذته … كنبذك نعلًا أخلقت من نعالكا\nقلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها؛ ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره؛ وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ونصرته؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ …﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]\n\n<span id=\"aya-108\"></span>وقال ها هنا: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ أي: طرح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد ﷺ وراء ظهورهم؛ أي: تركوها، كأنهم لا يعلمون ما فيها، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه؛ ولهذا أرادوا (كيد الرسول) (^٧) ﷺ، وسحروه في مشط (ومشاقة) (^٨) وجف طلعة\n_________\n= أبو كريب. وابن أبي حاتم (٩٧٦) من طريق محمد بن عبد الله بن نمير قالا: ثنا يونس بن بكير، ثنا محمد بن إسحاق به. [وسنده حسن].\n(^١) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ل) و(ى) وهو الموافق لما في \"ابن جرير\"، وقد ضبطها ناسخ (ى)؛ وفي (ض): \"النطيوني\"؛ وفي (ك): \"القطيوني\" بالقاف؛ وفي (ن): \"القطويني\".\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٦٣٩)؛ وابن أبي حاتم (٩٧٩) من طريق يونس بن بكير ثنا ابن إسحاق بسنده المذكور آنفًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٨٠) وسنده ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٨٢) بسند ضعيف.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٦٤١) قال: حدثنا بشر بن معاذ. وابن أبي حاتم (٩٨١) من طريق العباس بن الوليد قالا: ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة. وسنده صحيح.\n(^٦) في \"تفسيره\" (٢/ ٤٠١).\n(^٧) كذا في (ج) و(ض) و(ع) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ن): \"كيدًا برسول الله\"؛ وفي (ك): \"كيد رسول الله\".\n(^٨) أشار ناسخ (ع) أنه وقع في نسخة: \"ومشاطة\" وهو الأشهر. والمشاقة: هي الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط.","vol":"1","page":514},{"text":"ذكر، تحت راعوفة ببئر (ذي أروان) (^١)؛ وكان الذي تولى ذلك منهم رجل يقال له: لبيد بن الأعصم، لعنه الله، (وقبحه) (^٢)؛ فأطلع الله على ذلك رسول الله ﷺ، وشفاه منه، وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطًا في \"الصحيحين\" (^٣)، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ كما سيأتي بيانه.\n\nقال السدي (^٤): ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ قال: لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة، فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت؛ فلم يوافق القرآن؛ فذلك قوله: ﴿وَكَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nوقال قتادة (^٥) في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال: إن القوم كانوا يعلمون؛ ولكنهم نبذوا علمهم، وكتموه، وجحدوا به.\n\n<span id=\"aya-109\"></span>وقال العوفي في \"تفسيره\" (^٦)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ وكان حين ذهب ملك سليمان، ارتد فئام من الجن والإنس واتبعوا الشهوات؛ فلما (رَجَعَ) (^٧) الله إلى سليمان ملكه، وقام الناس على الدين كما كان، (وأن) (^٨) سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان ﵇ حدثان ذلك؛ فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان؛ وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان؛ (أخفاه منا) (^٩)؛ فأخذوا به، فجعلوه دينًا؛ فأنزل الله (تعالى) (^١٠) ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ واتبعوا الشهوات التي كانت (تتلوا الشياطين) (^١١) وهي المعازف واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحروًا وكفرًا؛ وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها.\n_________\n(^١) في (ن): \"ذروان\".\n(^٢) من (ن).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦/ ٢٧٦، ٣٣٤؛ و١٠/ ٢٢١، ٢٣٢، ٢٣٥، ٢٣٦، ٤٧٩؛ و١١/ ١٩٢، ١٩٣)؛ ومسلم (٢١٨٩/ ٤٣، ٤٤).\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٦٤٤)؛ وابن أبي حاتم (٩٨٢، ٩٨٥) من طريق عمرو بن حماد، ثنا أسباط عن السدي. وليس عند الطبري: \"فلم يوافق القرآن\". وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٦٤٥) وسنده صحيح.\n(^٦) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٩٩٠) وهو سند مسلسل بالضعفاء.\n(^٧) في (ل) و(ن): \"أرجع\".\n(^٨) كذا سائر \"الأصول\"؛ وفي (ز): \"أو أن\".\n(^٩) في (ز) و(ن): \"أخفاه عنا\".\n(^١٠) من (ن).\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٢) في \"تفسيره\" (٩٨٨).\nوأخرجه النسائي في \"تفسيره\" (١٤) قال: أخبرنا محمد بن العلاء، عن أبى أُسامة مثله. وسنده جيد. [والخبر من الإسرائيليات].","vol":"1","page":515},{"text":"قال: فأكفره جهال الناس، وسبوه، ووقف (علماؤهم) (^١)، فلم يزل (جهالهم) (^٢) يسبونه حتى أنزل الله على محمد ﷺ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني أبو السائب سلم بن جنادة السوائي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان سليمان ﵇ إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من نسائه، أعطى الجرادة - وهي امرأة - خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان ﵇ بالذي ابتلاه به أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال: هاتي خاتمي، فأخذه ولبسه؛ فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس.\nقال: فجاءها سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي؛ فقالت: كذبت، لست سليمان؛ قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال: فانطلقت الشياطين، فكتبت في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر، (ثم دفنوها) (^٤) تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها (فقرءوها) (^٥) على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، قال: فبرئ الناس من سليمان ﵇ (^٦) (وأكفروه) (^٧) حتى بعث الله محمدًا ﷺ؛ فأنزل عليه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.\nثم قال ابن جرير (^٨): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران - وهو ابن الحارث - قال: بينما نحن عند ابن عباس رضي الله (عنهما) إذ جاء رجل، فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق. قال: من أيه؟ قال: من الكوفة. قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن عليًا خارج إليهم، ففزع؟ ثم قال: ما تقول؟ لا أبا لك! لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني (سأحدثكم) (^٩) عن ذلك، إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء، فيجئ أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا (جرب منه صدق) (^١٠) كذب معها سبعين كذبةً؛ قال: فتشربها قلوب الناس، قال: فأطلع الله عليها سليمان ﵇، فدفنها تحت كرسيه.\nفلما توفي سليمان ﵇ قام شيطان الطريق؛ فقال: (ألا) (^١١) أدلكم على كنزه الممنع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي.\n_________\n(^١) في (ن): \"علماء الناس\".\n(^٢) في (ن): \"جهال الناس\".\n(^٣) في \"تفسيره\" (١٦٥٤، ١٦٦٠)؛ وابن أبي حاتم (١٠٠٢) مختصرًا وسنده جيد. [والخبر من الإسرائيليات].\n(^٤) في (ن): \"فدفنوها\".\n(^٥) في (ن): \"وقرؤها\".\n(^٦) ساقط من (ن).\n(^٧) في (ن): \"كفروه\".\n(^٨) في \"تفسيره\" (١٦٦٢) وقد توبع محمد بن حميد شيخ الطبري. فتابعه إسحاق بن راهويه فقال: أنبأنا جرير بسنده سواء؛ أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٦٥) وسنده صحيح وأخرجه ابن أبي حاتم (٩٩٦) قال: حدثنا علي بن حرب الموصلي، ثنا القاسم بن يزيد، عن سفيان عن حصين بسنده سواء ببعضه.\n(^٩) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ن) و(ى) وكذلك هو في \"الطبري\"، وفي (ج) و(ل): \"سأحدثك\".\n(^١٠) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ل) و(ى)، وضبطها ناسخ (ع). ووقع في (ك) و(ن): \"فإذا جرت منه وصدق\"؛ وفي \"تفسير الطبري\": \"فإذا حدث منه صدق\" ولعل كليهما تصحيف، ولهما في التأويل وجه.\n(^١١) في (ز) و(ض): \"أفلا\"؛ وفي (ن): \"هل\".","vol":"1","page":516},{"text":"فأخرجوه، فقال: هذا سحر، فتناسخها الأمم حتى (بقاياها) (^١) ما يتحدث به أهل العراق؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا …﴾.\n(ورواه) (^٢) الحاكم في \"مستدركه\"، عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، به.\nوقال السدي (^٣): في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: على عهد سليمان؛ قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض؛ من موت، أو غيب، أو أمر؛ فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا؛ فلما أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، وأدخلوا فيه غيره؛ فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمةً، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا ذلك في بني إسرائيل - أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه؛ ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه.\nفلما مات سليمان، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خلف تمثل (شيطان) (^٤) في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل؛ فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي، وذهب معهم (فأراهم) (^٥) المكان، وقام ناحيته؛ فقالوا له: فادن؛ فقال: لا، ولكني ها هنا في أيديكم، فإن لم تجدوا فاقتلوني.\nفحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر، ثم طار وذهب، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرًا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب. فلما جاء محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.\nوقال الربيع بن أنس (^٦): إن اليهود سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله ﷾ ما سألوه عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا، وإنهم سألوه عن السحر، وخاصموه به؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب؛ فكتبوا فيه السحر والكهانة، وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت (مجلس) (^٧) سليمان، وكان ﵇ لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك\n_________\n(^١) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي \"ابن جرير\": \"بقاياهم\".\n(^٢) في (ن): \"وروى\".\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٦٤٦) بطوله؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٩٩٣) إلى قوله: \"إلا احترق\". [وسنده حسن].\n(^٤) في (ن): \"الشيطان\".\n(^٥) في (ز) و(ض) و(ن): \"وأراهم\".\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٦٤٧)؛ وابن أبي حاتم (٩٩١). [وسنده جيد لكنه مرسل].\n(^٧) في (ن): \"كرسي\".","vol":"1","page":517},{"text":"السحر، وخدعوا الناس؛ وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه، (ويحسد) (^١) الناس عليه؛ فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث؛ فرجعوا من عنده، وقد (خزيوا) (^٢) (وأدحض) (^٣) الله حجتهم.\nوقال مجاهد (^٤) في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ قال: كانت الشياطين تستمع الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها، فأرسل سليمان ﵇ إلى ما كتبوا من ذلك، فلما توفي سليمان وجدته الشياطين، وعلمته الناس وهو السحر.\nوقال سعيد بن جبير (^٥): كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر، فيأخذه منهم فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه، (فَدَنَتْ) (^٦) إلى الإنس؛ فقالوا لهم: (أتدرون العلم) (^٧) الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته، وتحت كرسيه؛ (فاستثارته) (^٨) الإنس، (واستخرجوه) (^٩) (وعملوا) (^١٠) بها، فقال أهل (الحجا) (^١١): كان سليمان يعمل بهذا، وهذا سحر؛ فأنزل الله تعالى على (لسان) (^١٢) نبيه محمد ﷺ براءة سليمان ﵇، فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.\nوقال محمد بن (^١٣) إسحاق بن (يسار) (^١٤): عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود (عليه) (^١٥) السلام، فكتبوا أصناف السحر: من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا وكذا، حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب، ثم ختموه بخاتم على نقش (خاتم) (^١٦) سليمان، وكتبوا في عنوانه: هذا ما كتب اصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود ﵇ (^١٧) من ذخائر كنوز العلم. ثم دفنوه تحت كرسيه، واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل (حتى) (^١٨)\n_________\n(^١) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ن) و(ى). ووقع في (ج): \"يفسد\"؛ وفي (ل): \"يحشر\".\n(^٢) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى). ووقع في (ل): \"حزنوا\" بزاي ونون؛ وفي (ن): \"وقد خرجوا\".\n(^٣) في (ج): \"فأدحض\"؛ وفي (ن): \"وقد أدحض\".\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٦٦٥) وسنده ضعيف.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٦٥٩) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير به. وسنده ضعيف جدًّا. ومحمد بن حميد تقدم ذكرنا له بالوهاء غير مرة. ويعقوب بن عبد الله القمي مختلف فيه وهو متماسك. وجعفر بن أبي المغيرة وثقه ابن حبان وابن شاهين وقال الذهبي: \"كان صدوقًا\" ولكن قال ابن منده: \"ليس بالقوي في سعيد بن جبير\". وروايته هنا عنه.\n(^٦) في (ز) و(ض): \"فدبت\" بالباء الموحدة والتاء المثناة من فوق.\n(^٧) في (ل): \"أتدرون أن العلم\".\n(^٨) في (ز) و(ض): \"فاستثار به\".\n(^٩) في (ض) و(ن): \"وأخرجوه\".\n(^١٠) في (ل): \"فعلموا\".\n(^١١) في (ك) و(ن): \"الحجاز\" وكذلك هي في \"تفسير الطبري\" ولا معنى لها عندي، وكتب ناسخ (ى) تحتها: \"العقل\"، فهو يفسرها.\n(^١٢) ساقط من (ز) و(ن).\n(^١٣) أخرجه ابن جرير (١٦٥٠، ١٦٦٧).\n(^١٤) في (ك): \"بشار\"، وهو غلط يده.\n(^١٥) في (ك): \"عليهما\".\n(^١٦) ساقط من (ل).\n(^١٧) من (ز) و(ض) و(ع) و(ى)؛ وفي (ج): \"﵇\" وسقط من (ك) و(ل).\n(^١٨) في (ج): \"حين\".","vol":"1","page":518},{"text":"أحدثوا ما أحدثوا، فما عثروا عليه قالوا: والله ما كان (سليمان) (^١) إلا بهذا، فأفشوا السحر في الناس، (فتعلموه وعلموه) (^٢)، فليس هو في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله، فلما ذكر رسول الله ﷺ - فيما نزل عليه من الله - سليمان بن داود، وعده فيمن عد من المرسلين، قال من كان بالمدينة من (يهود) (^٣): ألا تعجبون من محمد؟! يزعم أن ابن داود كان نبيًا، والله ما كان إلا ساحرًا؛ وأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ الآية.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثنا حجاج، عن أبي بكر، عن شهر بن حوشب؛ قال: لما سلب سليمان ملكه كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان؛ فكتبت: من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس، وليقل كذا وكذا. ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس، وليقل كذا وكذا. فكتبته وجعلت عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود ﵇ من ذخائر كنوز العلم؛ ثم دفنته تحت كرسيه. فلما مات سليمان ﵇ قام إبليس - لعنه الله - خطيبًا، فقال: يا أيها الناس؛ إن سليمان لم يكن نبيًا، إنما كان ساحرًا، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته؛ ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه؛ فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرًا، هذا سحره، بهذا تعبدنا، وبهذا قهرنا. فقال المؤمنون: بل كان نبيًا مؤمنًا.\nفلما بعث الله النبي (محمدًا) (^٥) ﷺ (جعل يذكر الأنبياء) (^٦) (حتى) (^٧) ذكر داود وسليمان؛ فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء؛ إنما كان ساحرًا يركب الريح؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ …﴾ الآية.\nوقال ابن جرير (^٨): حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، حدثنا المعتمر بن سليمان؛ قال: سمعت عمران بن (حدير) (^٩)، عن أبي مجلز؛ قال: أخذ سليمان ﵇ من كل دابة عهدًا، فإذا (أصيب رجل) (^١٠) فسأل بذلك العهد خلي عنه، (فزاد) (^١١) الناس السجع والسحر؛ فقالوا: هذا يعمل به سليمان (بن داود ﵇ (^١٢)؛ فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.\n_________\n(^١) في حاشية (ن): \"ملك سليمان\".\n(^٢) ساقط من (ز).\n(^٣) في (ن): \"اليهود\".\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٦٦٦) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن أبي بكر، عن شهر بن حوشب به. وسنده ضعيف جدًّا. وأبو بكر هو الهذلي كذبه ابن معين في رواية، وقال النسائي: \"ليس بثقة\" وتركه الدارقطني وغيره. وقال ابن حبان: \"يروى عن الأثبات الأشياء الموضوعات\".\n(^٥) من (ن) و\"تفسير الطبري\".\n(^٦) من (ك) و\"تفسير الطبري\".\n(^٧) وقع في (ج) و(ل) و(ن) و(ى): \"حين\".\n(^٨) في \"تفسيره\" (١٦٦١) وسنده صحيح.\n(^٩) في (ن) و(ك): \"جرير\" وهو تصحيف.\n(^١٠) في (ج) و(ض) و(ع) و(ل) و(ى): \"تصيب رجلًا\".\n(^١١) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي \"تفسير الطبري\": \"فرأى\" وصوبها الشيخ محمود شاكر.\n(^١٢) من (ن).","vol":"1","page":519},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^١): حدثنا عصام بن رواد، حدثنا آدم، حدثنا المسعودي، عن زياد مولى (مصعب) (^٢)، عن الحسن: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ قال: ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة.\nوقال (^٣): حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي، حدثني سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (وأتبعته) (^٤) اليهود على ملكه؛ وكان السحر قبل ذلك في الأرض لم يزل بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان.\nفهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام. ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب (الفهم) (^٥). والله الهادي.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم، ومخالفتهم (الرسول محمدًا ﷺ) (^٦) ما تتلوه الشياطين؛ أي: ما ترويه وتخبر به، وتحدثه الشياطين، على ملك سليمان. وعداه بـ\"على\"؛ لأنه ضمن \"تتلو\" تكذب.\nوقال ابن جرير (^٧): \"على\" ها هنا بمعنى \"في\"؛ أي: تتلو في ملك سليمان. ونقله عن ابن جريج وابن إسحاق.\nقلت: والتضمين أحسن وأولى. والله أعلم.\nوقول الحسن البصري ﵀: وقد كان السحر قبل (زمن) (^٨) سليمان بن داود - صحيح لا شك فيه؛ لأنه السحرة كانوا في زمان موسى ﵇ وسليمان بن داود بعده؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …﴾ [البقرة: ٢٤٦] ثم (ذكر) (^٩) القصة بعدها؛ وفيها ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\nوقال قوم صالح، وهم قبل إبراهيم الخليل ﵇ لنبيهم صالح: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي: المسحورين على المشهور (^١٠).\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٩٨٩) ورجاله ثقات، والمسعودي كان اختلط.\n(^٢) كذا في (ج) وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\". ووقع في سائر \"الأصول\": \"ابن مصعب\"، والصواب ما أثبت وهو زياد المصفر أبو عثمان مولى مصعب بن الزبير يروى عن الحسن البصري وثابت البناني. ترجمه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١/ ٣٦٩)؛ وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (١/ ٢/ ٥٥٣) ونقل عن أبيه قال: \"كوفي لا بأس بحديثه\". وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٣٢٨).\n(^٣) يعني: ابن أبي حاتم. وهو في \"تفسيره\" (٩٩٢) وسنده ضعيف.\n(^٤) في (ن): \"تبعته\".\n(^٥) في (ك): \"الفهيم\".\n(^٦) في (ع) و(ى): \"الرسول ﷺ\"؛ وفي (ن): \"لرسول الله محمد\".\n(^٧) في \"تفسيره\" (٢/ ٤١١ - شاكر).\n(^٨) في (ز) و(ن): \"زمان\".\n(^٩) من (ز) و(ن).\n(^١٠) في هامش (ع): \"بلغ مقابلة على المصنف، فسح الله في مدته، معارضًا بأصله، ولله الحمد\".","vol":"1","page":520},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ اختلف الناس في هذا المقام؛ فذهب بعضهم إلى أن \"ما\" نافية، أعني التي في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾.\n[قال القرطبي (^١): \"ما\" نافية، (ومعطوفة) (^٢) على قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾] (^٣).\n[ثم قال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ (أي: السحر) (^٤) وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل وميكائيل، فأكذبهم الله. وجعل قوله: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدلًا من \"الشياطين\"؛ قال: وصح ذلك إما لأن الجمع يطلق على الاثنين، كما في قوله (تعالى) (^٥): ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] أو لكونهما لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم لتمردهما؛ فتقدير الكلام عنده: يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت.\nثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية، وأصح. ولا يلتفت إلى ما سواه] (^٦).\nوروى ابن جرير (^٧) بإسناده، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ …﴾ الآية؛ يقول: لم ينزل الله السحر.\nوبإسناده (^٨) عن الربيع بن أنس، في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ قال: ما أنزل الله عليهما السحر.\nقال ابن جرير (^٩): فتأويل الآية على هذا: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت؛ فيكون قوله ببابل هاروت وماروت من المؤخر الذي معناه (المقدم) (^١٠).\nقال: فإن قال لنا قائل: كيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ من السحر، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ وما أنزل (الله السحر) (^١١) على الملكين، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ببابل هاروت وماروت؛ فيكون معنيًا بالملكين جبريل وميكائيل ﵇؛ لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمدًا ﷺ أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان ﵇ مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان: اسم أحدهما\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٢/ ٥٠).\n(^٢) في (ن): \"معطوف\".\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى).\n(^٤) من (ج) و(ل). وسقطت من (ن).\n(^٥) من (ن).\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى).\n(^٧) رقم (١٦٧٠)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٠٠٤) وسنده ضعيف.\n(^٨) رقم (١٦٧١)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٠٠٥). [وسنده جيد].\n(^٩) في \"تفسيره\" (٢/ ٤١٩، ٤٢٠).\n(^١٠) في \"تفسير الطبري\": \"التقديم\".\n(^١١) في (ن) وهو في \"تفسير الطبري\"، ولكن المحقق وضعها بين معكوفين، فكأنها ليس في \"الأصل\" وزادها من \"تفسير ابن كثير\" والله أعلم.","vol":"1","page":521},{"text":"هاروت، واسم الآخر ماروت؛ فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمةً عن الناس، وردًا عليهم.\nهذا لفظه بحروفه.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^١): (حدثت) (^٢) عن عبيد الله بن موسى، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ قال: ما أنزل (الله) (^٣) على جبريل وميكائيل السحر.\n(قال ابن أبي حاتم) (^٤): وحدثنا الفضل بن شاذان، أخبرنا محمد بن عيسى، أخبرنا يعلى - يعني: ابن أسد، أخبرنا (بكر) (^٥) -؛ يعني: ابن مصعب، أخبرنا الحسن بن أبي جعفر: أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها: \"وما أنزل على الملكين داود وسليمان\".\nوقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر؛ يقول علما الإيمان والكفر؛ فالسحر من الكفر؛ فهما ينهيان عنه أشد النهي.\nرواه ابن أبي حاتم (^٦).\nثم شرع ابن جرير (^٧) في رد هذا القول، وأن \"ما\" بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر، اختبارًا لعباده وامتحانًا، بعد (أن) (^٨) بيَّن لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل. وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أُمرا به.\nوهذا الذي سلكه غريب (^٩) جدًّا، وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن، (كما زعمه ابن حزم) (^١٠).\nوروى ابن أبي حاتم (^١١) بإسناده عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقرؤها: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ ويقول: هما علجان من أهل بابل. ووجه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق، لا بمعنى الإيحاء في قوله (تعالى) (^١٢): ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١٠٠٦) وسنده ضعيف كما هو ظاهر.\n(^٢) في (ض): \"حديث\"!\n(^٣) لفظ الجلالة من \"ز\".\n(^٤) من (ن) و(ع) و(ى) وهو في \"تفسيره\" (١٠٠٧) وسنده ضعيف جدًّا. وبكر بن مصعب لم أقف له على ترجمة. والحسن بن أبي جعفر رديء الحفظ. تركه النسائي. وقال البخاري: \"منكر الحديث\" وهو جرح شديد عنده.\n(^٥) في \"ج\" و(ك) و(ل): \"بكير\".\n(^٦) في \"تفسيره\" (١٠٠٥). [وسنده جيد].\n(^٧) في \"تفسيره\" (٢/ ٤٢١، ٤٢٢).\n(^٨) في (ج) و(ض) و(ع) و(ل): \"أنه\".\n(^٩) وهذا الذي استغربه ابن كثير ﵀ تعقبه فيه الشيخ محمود شاكر ﵀ في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٢٢) فقال: \"ولست أستنكر ما قاله أبو جعفر كما استنكره ابن كثير، ولو أنت أنصفت وتتبعت كلام أبي جعفر لرأيت فيه حجةً ساطعةً على صواب مذهبه الذي ذهب إليه، ولرأيت دقةً ولطفًا في تناول المعاني وتدبير الألفاظ، لا تكاد تجدها في غير هذا التفسير الجليل القدر\". اهـ.\n(^١٠) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى)، وكلام ابن حزم في \"الفصل\" (٣/ ٣٠٥).\n(^١١) في \"تفسيره\" (١٠٠٩) وسنده ضعيف.\n(^١٢) من (ن).","vol":"1","page":522},{"text":"الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]. ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣].\nوفي الحديث (^١): \"ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواءً\"؛ وكما يقال: \"أنزل الله الخير والشر\".\n[وحكى القرطبي (^٢) عن ابن عباس، وابن أبزى (والضحاك) (^٣)، والحسن البصري أنهم قرءوا: ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ بكسر اللام؛ قال ابن أبزى: وهما داود، وسليمان. قال القرطبي: فعلى هذا تكون ما نافية أيضًا] (^٤). وذهب آخرون إلى الوقف على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (و\"ما\" نافية) (^٥).\n[قال ابن جرير (^٦): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وسأله رجل عن قول الله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾] (^٧) فقال (الرجل) (^٨): يعلمان الناس ما أنزل عليهما أو يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؛ فقال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت.\nثم روى (^٩) عن يونس، عن أنس بن عياض، عن بعض أصحابه: أن القاسم قال في هذه القصة: لا أبالي أي ذلك كان. إني آمنت به.\nوذهب (كثيرون) (^١٠) من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان.\nوقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ﵀، كما سنورده إن شاء الله تعالى.\n[وحكاه القرطبي (^١١) عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر وكعب الأحبار، والسدي، والكلبي] (^١٢).\n[وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذٍ كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، وفي قول: إنه كان من الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [البقرة: ٣٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أن شأن هاروت وماروت على ما ذكر أخف مما وقع من إبليس لعنه الله (تعالى) (^١٣)] (^١٤).\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ١٣٤).\n(^٢) في \"تفسيره\" (٢/ ٥٢).\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ى).\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٦) في \"تفسيره\" (١٦٧٨) وسنده صحيح.\n(^٧) ساقط من (ك).\n(^٨) في (ن): \"الرجلان\"!\n(^٩) رقم (١٦٧٩) وسنده ضعيف لجهالة من حدث أنس بن عياض.\n(^١٠) في (ن): \"كثير\".\n(^١١) في \"تفسيره\" (٢/ ٥١).\n(^١٢) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى)، وتأخرت هذه الفقرة في (ن) عن الفقرة التي تليها.\n(^١٣) من (ن).\n(^١٤) ساقط من (ج) و(ل).","vol":"1","page":523},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>ذكر الحديث الوارد في ذلك إن صح سنده ورفعه وبيان الكلام عليه:</span>\nقال الإمام أحمد بن حنبل (^١) ﵀ (تعالى) (^٢) - في \"مسنده\": حدثنا (يحيى بن أبي بكير) (^٣) حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن عبد الله بن عمر (﵁) (^٤): أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: \"إن آدم ﵇ لما أهطبه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب؛ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] قالوا: ربنا؛ نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان. قالوا: ربنا هاروت وماروت؛ فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة امرأةً من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك. فقالا: والله لا نشرك بالله شيئًا أبدًا، فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها؛ فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا: لا والله، لا نقتله أبدًا، فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها؛ فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصبي. فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئًا أبيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا\".\nوهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في \"صحيحه\"، عن الحسن (بن) (^٥) سفيان عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن أبي بكير - به.\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء. وروى عن ابن عباس، وأبي أُمامة بن\n_________\n(^١) في \"مسنده\" (٢/ ١٣٤).\nوأخرجه ابن حبان (٦١٨٦)؛ وعبد بن حميد في \"المنتخب من المسند\" (٧٨٧)؛ والبزار في \"مسنده\" (٢٩٣٨ - كشف الأستار)؛ وابن السني في \"اليوم والليلة\" (٦٥٧)؛ وابن أبي الدنيا في \"العقوبات\" (٢٢٢)؛ والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ٤، ٥)؛ وفي \"الشعب\" (ج ١/ رقم ١٦٠) من طريق يحيى بن أبي بكير بسنده سواء. وتابعه معاذ بن خالد العسقلاني، عن زهير بن محمد به.\nذكره ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١٦٩٩) ومعاذ ضعيف، لكنه متابع كما رأيت. والحديث منكر وله علة أخرى. ونقل شيخنا الألباني حفظه الله في \"الضعيفة\" (١٧٠) أن الإمام أحمد أنكره. وقال البزار: \"رواه بعضهم عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، وإنما أتى رفع هذا عندي من زهير لأنه لم يكن بالحافظ، على أنه قد روى عنه ابن مهدي وابن وهب، وأبو عامر وغيرهم\". اهـ.\nأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٣/ ١٨٦)؛ وعبد الرزاق (١/ ٥٣)؛ وابن جرير (١٦٨٤، ١٦٨٥)؛ وابن أبي حاتم (١٠١٣) ثلاثتهم في \"التفسير\"؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ١/ رقم ١٦٢)؛ وابن أبي الدنيا في \"العقوبات\" (٢٢٤) من طرق عن الثوري به. وقد رواه عن الثوري: \"وكيع، وعبد الرزاق، ومؤمل بن إسماعيل ومحمد بن يوسف الفريابي وعبد العزيز بن المختار\". وسنده جيد قوي كما قال ابن كثير. فهذا هو الصواب في هذا الحديث، أعني: الوقف. والله أعلم.\n(^٢) من (ن).\n(^٣) من (ج)؛ وفي (ض) و(ك): \"يحيى بن أبي كثير\"؛ وفي بقية \"الأصول\": \"يحيى بن بكير\" وكلاهما خطأ.\n(^٤) من (ن).\n(^٥) في (ن): \"عن\"!!","vol":"1","page":524},{"text":"سهل بن حنيف، ونافع، وعبد الله بن كعب بن مالك. وروى عنه ابنه عبد السلام، وبكر بن مضر، وزهير بن محمد، وسعيد بن سلمة، وعبد الله بن لهيعة، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب، وروى له أبو داود وابن ماجه. وذكره ابن أبي حاتم في كتاب \"الجرح والتعديل\"، ولم يحك فيه شيئًا من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال. وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ.\nوروى له متابع من وجه آخر، عن نافع؛ كما قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد؛ حدثنا هشام (بن علي بن هشام) (^١)، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس، عن نافع، عن ابن عمر، سمع النبي ﷺ يقول … فذكره بطوله.\nوقال أبو جعفر (^٢) ابن جرير ﵀ (^٣): حدثنا القاسم، أخبرنا الحسين - وهو سنيد بن داود \"صاحب التفسير\"، أخبرنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع؛ قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال: يا نافع، انظر: طلعت الحمراء؟ قلت: لا، مرتين أو ثلاثًا. ثم قلت: قد طلعت. قال: لا مرحبًا بها ولا أهلًا. قلت: سبحان الله! نجم مسخر سامع مطيع! قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ. أو قال: قال لي رسول الله ﷺ: إن الملائكة قالت: يا رب!، كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملكين منكم. قال: فلم يألوا جهدًا أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت.\nوهذان أيضًا غريبان جدًّا. وأقرب (ما في) (^٤) هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي ﷺ، كما قال عبد الرزاق في \"تفسيره\" (^٥)، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار؛ قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم، وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت؛ فقال لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلًا، وليس بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئًا، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر، قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه.\nرواه ابن جرير من طريقين؛ عن عبد الرزاق، به.\nورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن عصام، عن مؤمل، عن سفيان الثوري، به.\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٢) في \"تفسيره\" رقم (١٦٨٨)؛ وأخرجه الخطيب في \"تاريخه\" (٨/ ٤٢، ٤٣) ومن طريقه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (١/ ١٨٦، ١٨٧) من طريق عبد الكريم بن الهيثم قال: حدثنا سنيد بن داود، قال: حدثنا فرج بن فضالة بسنده سواء. قال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح\". وقال شيخنا الألباني في \"الضعيفة\" (٩١٢): \"باطل مرفوعًا … ثم قال: وآفته الفرج بن فضالة أو الراوي عنه: سنيد، فإنهما ضعيفان\".\n(*) قلت: سنيد أحسن حالًا، وهو صدوق متماسك.\n(^٣) من (ن).\n(^٤) في (ن): \"ما يكون في\".\n(^٥) (١/ ٥٣) وقد مضى تخريجه منذ قليل.","vol":"1","page":525},{"text":"ورواه ابن جرير أيضًا: حدثني المثنى، حدثنا المعلَّى - وهو ابن أسد -، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة، حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار … فذكره.\nفهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت (^١) في أبيه من مولاه نافع؛ فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-80>ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين:</span>\nقال ابن جرير (^٢): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن عمير بن سعيد؛ قال: سمعت عليًا ﵁ يقول: كانت الزهرة امرأةً جميلةً من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت (عليهما) (^٣) إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به (أحد) (^٤) يعرج به إلى السماء؛ فعلماها فتكلمت به، فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكبًا.\nوهذا الإسناد (رجاله ثقات) (^٥)، وهو غريب جدًّا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦) حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا أبو معاوية، عن (ابن أبي خالد) (^٧)، عن عمير بن سعيد، عن علي (﵁) (^٨). قال: هما ملكان من ملائكة السماء؛ يعني: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾.\n_________\n(^١) وهكذا قال أهل العلم. قال ابن معين: \"يقولون: إن نافعًا لم يحدث حتى مات سالم\" وقال ابن المديني، كما في \"التمهيد\" (١٣/ ٢٨٢) لابن عبد البر، عن الأحاديث التي اختلف فيها نافع وسالم: \"القول فيها قول سالم\". وقال النسائي: \"سالم أجل من نافع\". وقال الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٣٧٨): \"وسالم أثبت من نافع وأحفظ\".\nوذكر أبو داود في \"سننه\" (٣٤٣٤) أن سالمًا [وقع في \"المطبوعة\": الزهري. وهو خطأ] اختلف مع نافع في أربعة أحاديث. وذكر النسائي أنها ثلاثة، رجح النسائي فيها قول نافع. ورجح ابن المديني قول سالم. وانظر \"فتح الباري\" (٥/ ٥١، ٥٢).\n(^٢) في \"تفسيره\" (١٦٨٣) والمثنى هو ابن إبراهيم، والحجاج هو ابن منهال، وحماد هو ابن سلمة، وخالد هو ابن مهران الحذاء، ورجاله ثقات كما قال ابن كثير.\n(^٣) لم يقع في رواية الطبري.\n(^٤) كذا في (ع) و(ك) و(ن) و(ى). ووقع في (ج) و(ل): \"المتكلم\"، وأشار ناسخ (ن) في الحاشية إلى هذه الكلمة. ووقع في (ز) و(ض): \"تكلم به\".\n(^٥) في (ج): \"جيد ورجاله ثقات\"، وكتب الناسخ لفظة: \"جيد\" بخط دقيق فوق السطر، وكأنها من تصرفه أو لعل ابن كثير كان كتبها ثم ضرب عليها. والله أعلم.\n(^٦) في \"تفسيره\" (١٠٠٨).\nوأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٦٥، ٢٦٦)؛ وأبو الشيخ في \"كتاب العظمة\" (٦٩٨/ ١٩) من طريق يعلى بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عمير بن سعيد، عن علي به؛ وأخرجه ابن أبي الدنيا في \"العقوبات\" (٢٢٣) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن إسماعيل به وسنده قوي.\n(^٧) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ى). ووقع في (ض): \"ابن أبي حاتم\"؛ وفي (ز): \"عن خالد\" و(ل) و(ن): \"عن أبي خالد\" وكل هذا خطأ. والصواب: ما أثبته، وهو إسماعيل بن أبي خالد، أحد الثقات الأثبات.\n(^٨) من (ن).","vol":"1","page":526},{"text":"ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في \"تفسيره\" بسنده عن (مغيث) (^١)، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعًا. وهذا لا يثبت من هذا الوجه.\nثم رواه من طريقين آخرين (^٢): عن جابر، عن أبي الطفيل: عن علي (﵁) (^٣)؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لعن الله الزهرة؛ فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت\".\nوهذا أيضًا لا يصح. وهو منكر جدًّا. والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثني المثنى بن إبراهيم؛ حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد؛ عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، وابن عباس - أنهما قالا جميعًا: لما كثر بنو آدم وعصوا دعت الملائكة عليهم (والأرض) (^٥) والجبال: ربنا (لا تمهلهم) (^٦)؛ فأوحى الله إلى الملائكة: إني (أزلت) (^٧) الشهوة والشيطان من قلوبكم، [وأنزلت الشهوة والشيطان في قلوبهم] (^٨)، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا.\nقال: فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا؛ فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم؛ فاختاروا هاروت وماروت؛ فأهبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس يسمونها \"بيذخت\"؛ قال: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥] فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختاروا عذاب الدنيا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا\n_________\n(^١) كذا في جميع \"الأصول\" وهو وجه في اسمه، وذكره الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ١٥٨) كذلك وقال: \"ضعفه الساجي\" ثم قال: \"إنما هو معتب، قيده الدارقطني وعبد الغني بالمهملة ثم المثناة المثقلة، ثم الموحدة\" وذكره الذهبي قبل ذلك (٤/ ١٤٢) فقال: \"معتب عن مولاه جعفر الصادق. قال أبو الفتح الأزدي: كذاب. وقيل اسمه: مغيث، وله حديث باطل\". اهـ. وأظنه يشير إلى هذا.\n(^٢) أخرجه ابن السني في \"اليوم والليلة\" (٦٥٤) من طريق عبد الله بن جعفر الرقي، ثنا عيسى بن يونس، عن أخيه إسرائيل، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي بن أبي طالب قال: لعن رسول الله ﷺ الزهرة، فإنها فتنت الملكين. وهذا سند ضعيف جدًّا. وجابر الجعفي أحد الهلكي، وصاحب رأي مذموم.\n(^٣) من (ن).\n(^٤) في \"تفسيره\" (١٦٨٢).\nوأخرجه ابن أبي الدنيا في \"العقوبات\" (٢٢١) من طريق أبي نصر التمار عبد الملك بن عبد العزيز قال: حدثنا حماد بن سلمة بسنده سواء. وفي إسناده ضعف. لأجل علي بن زيد بن جدعان، وأكاد أميل إلى تحسين رواية حماد بن سلمة خاصة عن علي بن زيد، فهي أمثل من رواية غيره عن ابن جدعان كما صرح بذلك أبو حاتم الرازي. والله أعلم.\n(^٥) في \"ابن جرير\": \"الأرض والسماء\".\n(^٦) كذا في (ك) و(ل) و(ن) و(ى)؛ وفي (ج) و(ع): \"تهملهم\" وكتب في الحاشية: \"لعله: تمهلهم\". ووقع في (ز) و(ض) و\"الطبري\": \"لا تهلكهم\" وأشار ناسخ (ى) في الحاشية أنه وقع في نسخة: \"لا تهلكهم\".\n(^٧) كذا في (ز) و(ن)؛ ووقع في (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى): \"أنزلت\".\n(^٨) من (ن).\n(^٩) في \"تفسيره\" رقم (١٠١٤). [قال الحافظ ابن كثير: إسناد جيد. اهـ. لكنه من الإسرائيليات التي نقلها=","vol":"1","page":527},{"text":"(عبيد الله) (^١) - يعني: ابن عمرو - عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو ويونس بن خباب، عن مجاهد؛ قال: كنت نازلًا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: (انظر) (^٢) (طلعت) (^٣) الحمراء؟ لا مرحبًا بها ولا أهلًا، ولا حياها الله، هي صاحبة الملكين، قالت الملائكة: يا رب؛ كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك؛ ويفسدون في الأرض؟ قال: إني ابتليتهم؟ فلعل إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا: لا، قال: فاختاروا من خياركم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت؛ فقال لهما: إني مهبطكما إلى الأرض، وعاهد إليكما أن لا تشركا ولا تزنيا ولا تخونا. فأهبطا إلى الأرض، وألقى عليهما الشبق، وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة - امرأة - فتعرضت لهما، فراوداها عن نفسها؛ فقالت: إني على دين لا يصح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله، قالا: وما دينك؟ قالت المجوسية. قالا: الشرك! هذا شيء لا نقربه، فمكثت عنهما ما شاء الله (تعالى) (^٤) ثم تعرضت لهما (فأراداها) (^٥) عن نفسها؛ فقالت: ما شئتما غير أن لي زوجًا، وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني، وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت؛ فأقرا لها بدينها، وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا بها إلى السماء اختطفت منهما، وقطعت أجنحتهما فوقعا خائفين نادمين يبكيان؛ وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين؛ فإذا كان يوم الجمعة أجيب. فقالا: لو أتينا فلانًا فسألناه فطلب لنا التوبة. فأتياه، فقال: (رحمكما) (^٦) الله، كيف (يطلب) (^٧) أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا: إنا قد ابتلينا. قال: ائتياني يوم الجمعة، فأتياه، فقال: ما جبت فيكما بشيء، ائتياني في الجمعة الثانية؛ فأتياه، فقال: اختارا، فقد خيرتما - إن (أحببتما) (^٨): (معاناة) (^٩) الدنيا، وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله.\nفقال أحدهما: إن الدنيا لم يمض منها إلا القليل. وقال الآخر: ويحك! إني قد أطعتك في الأمر الأول، فأطعني الآن، إن عذابًا يفنى ليس كعذاب يبقى (وإننا) (^١٠) يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا، قال: لا؛ إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة ألا يجمعهما علينا، قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديث في قليب مملوءة من نار عاليهما سافلهما.\nوهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر - وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث معاوية بن صالح، عن نافع، عنه - رفعه.\n_________\n= عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار، وهي من الإسرائيليات التي تخالف القرآن والسنة في عصمة الملائكة].\n(^١) في (ن): \"عبد الله\" مكبرًا. وهو خطأ.\n(^٢) ساقط من (ض).\n(^٣) في (ن): \"هل طلعت\"!\n(^٤) من (ن).\n(^٥) في (ن): \"فراوداها\".\n(^٦) في (ل): \"رحمكم\".\n(^٧) في (ن): \"يطلب التوبة\".\n(^٨) في (ن): \"اخترتما\".\n(^٩) كذا في \"الأصول\"، وكتب ابن المحب ناسخ (ج) في الحاشية: \"لعلها: معاناة\" وهو الصواب كما يدل عليه السياق. ووقع في \"تفسير ابن أبي حاتم\": \"معاقبة\" والمعنى قريب.\n(^١٠) في حاشية (ن): \"فقال: وإننا\".","vol":"1","page":528},{"text":"وهذا أثبت وأصح إسنادًا؛ ثم هو - والله أعلم - من رواية ابن عمر، عن كعب كما تقدم بيانه من رواية سالم، عن أبيه.\nوقوله: إن الزهرة نزلت في صورة امرأة حسناء - وكذا في المروي عن عليٍّ - فيه غرابة جدًّا.\nوأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم (^١): حدثنا عصام بن رواد، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، حدثنا الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس رضي الله (عنهما) (^٢)؛ قال: لما وقع الناس من بعد آدم ﵇ فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله قالت الملائكة في السماء: يا رب؛ هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وركبوا الكفر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر؛ فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم؛ فقيل: إنهم في غيب، فلم يعذروهم؛ فقيل لهم: اختاروا من أفضلكم ملكين آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت؛ فأهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما (الله) (^٣) أن يعبداه ولا يشركا به شيئًا، ونهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ فلبثا في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في (زمان) (^٤) إدريس ﵇، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وإنهما أتيا عليها؛ فخضعا لها في القول، وأراداها على نفسها؛ فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها؛ فسألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنمًا فقالت: هذا أعبده. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا، فذهبا فغبرا ما شاء الله ثم أتيا عليها، فأراداها على نفسها، ففعلت مثل ذلك؛ فذهبا ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها؛ فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا أحد الخلال الثلاث؛ إما أن تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذه النفس، وإما أن تشربا هذا الخمر، فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر، فشربا الخمر؛ فأخذت فيهما، فواقعا المرأة، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه، فلما ذهب عنهما السكر، وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة، أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه، فعجبوا كل العجب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشيةً، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض؛ فنزل في ذلك: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له؛ فاختارا عذاب الدنيا؛ فجعلا ببابل، فهما يعذبان.\nوقد رواه الحاكم في \"مستدركه\" مطولًا عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام،\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١٠١٢)؛ والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤٤٢، ٤٤٣) وصححه وفي إسناده أبو جعفر الرازي، تكلم العلماء في حفظه. [والخبر من الإسرائيليات كما تقدم].\n(^٢) في (ج) و(ل): \"عنه\".\n(^٣) لفظ الجلالة من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى).\n(^٤) في (ن): \"زمن\".","vol":"1","page":529},{"text":"عن إسحاق بن راهويه، عن حكام بن سلم الرازي، وكان ثقةً، عن أبي جعفر الرازي - به.\nثم قال: \"صحيح الإسناد. لم يخرجاه\"؛ فهذا أقرب ما روي في شأن الزهرة. والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^١): حدثنا أبي، حدثنا مسلم، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني، حدثنا يزيد - يعني: الفارسي -، عن ابن عباس قال: إن أهل السماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون بالمعاصي؛ فقالوا: يا رب؛ أهل الأرض كانوا يعملون بالمعاصي، فقال الله: أنتم معي، وهم في غيب عني. فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثةً. فاختاروا منهم ثلاثةً على أن يهبطوا إلى الأرض على أن يحكموا بين أهل الأرض، وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأُمروا ألا يشربوا خمرًا، ولا يقتلوا نفسًا، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن. فاستقال منهم واحد فأقيل؛ فأهبط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها: مناهية؛ فهوياها جميعًا، ثم أتيا منزلها فاجتمعا عندها، فأراداها؛ فقالت لهما: لا، حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني. فقالا: لا نسجد، ثم شربا من الخمر، ثم قتلا، ثم سجدا، فأشرف أهل السماء عليهما. وقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما، فأخبراها؛ فطارت فمسخت جمرةً، وهي هذه الزهرة، وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا؛ فهما مناطان بين السماء والأرض.\nوهذا السياق فيه (زيادات) (^٢) كثيرة، وإغراب ونكارة. والله أعلم بالصواب.\nوقال عبد الرزاق (^٣): قال معمر: قال قتادة، والزهري، عن عبيد الله بن عبد الله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس، وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فحافا لها، ثم ذهبا يصعدان، فحيل بينهما وبين ذلك، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا.\nوقال معمر: قال قتادة: فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما ألا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر.\nوقال أسباط (^٤)، عن السدي: إنه قال: كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم؛ فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشرًا من الشهوات فبها يعصونني، قال هاروت وماروت: ربنا، لو أعطيتنا تلك الشهوات، ثم نزلنا، لحكمنا بالعدل، فقال لهما: انزلا، فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس؛ فنزلا ببابل دنياوند، فكانا يحكمان حتى إذا أمسيا عرجا؛ فإذا أصبحا هبطا؛ فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما حسنها، واسمها بالعربية \"الزهرة\" وبالنبطية \"بيذخت\"، وبالفارسية \"أناهيد\"؛ فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني، قال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك. فقال الآخر: هل\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١٠١٥). ومسلم هو ابن إبراهيم الفراهيدي، وهذا إسناد رجاله ثقات إلا يزيد الفارسي. [ولكنه من الإسرائيليات المخالفة للقرآن والسنة كما تقدم].\n(^٢) في (ن): \"زيادة\".\n(^٣) في \"تفسيره\" (١/ ٥٣) وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٦٨٦). [وسنده حسن].","vol":"1","page":530},{"text":"لك أن أذكرها لنفسها؟ قال: نعم. ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا لنرجو رحمة الله.\nفلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها؛ فقالت: لا حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خربةً من الخرب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك. فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء؟ وبأي كلام تنزلان منها؟ فأخبراها؛ فتكلمت فصعدت فأنساها الله تعالى ما تنزل به، فثبتت مكانها، وجعلها كوكبًا؛ فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها؛ وقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت.\nفلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا، فعرفا الهلكة، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة؛ فاختارا عذاب الدنيا، فعلقا ببابل وجعلا يكلمان الناس كلامهما، وهو السحر.\nوقال (ابن أبي نجيح) (^١)، عن مجاهد (^٢): أما شأن هاروت وماروت فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات؛ فقال لهم ربهم تعالى: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض؛ فاختاروا؛ فلم يألوا هاروت وماروت؛ فقال لهما حين أنزلهما: أَعجبتما من بني آدم من ظلمهم ومعصيتهم، وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء وراء؛ وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا كذا؛ فأمرهما بأمور ونهاهما؛ ثم نزلا على ذلك، ليس أحد أطوع لله منهما؛ فحكما فعدلا؛ فكانا يحكمان (النهار) (^٣) بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة؛ وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم، فقضيا عليها.\nفلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه؛ فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل الذي وجدت؟ قال: نعم. فبعثا إليها أن ائتيانا نقض لك، فلما رجعت قالا وقضيا لها، فأتتهما فكشفا لها عن عورتيهما؛ وإنما كانت (سوآتهما) (^٤) في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذاتها، فلما بلغا ذلك واستحلا افتتنا، فطارت الزهرة، فرجعت حيث كانت.\nفلما أمسيا عرجا فزجرا فلم يؤذن لهما، ولم تحملهما أجنحتهما؛ فاستغاثا برجل من بني آدم؛ فأتياه؛ فقالا: ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء.\nفوعدهما يومًا، وغدا يدعو لهما، فدعا لهما؛ فاستجيب له؛ فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال: ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد، وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟\nفأُمرا أن ينزلا ببابل فثم عذابهما.\n_________\n(^١) في (ج): \"ابن جريج\" وهو خطأ.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٦٨٩) قال: حدثني المثنى بن إبراهيم؛ وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٧٠٠/ ٢١) قال: حدثنا محمد بن زكريا قالا: حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وسياق ابن جرير أطول، وسنده صحيح.\n(^٣) في (ن): \"في النهار\".\n(^٤) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي (ل): \"شهوتهما\" وهو الموافق لما عند \"الطبري\".","vol":"1","page":531},{"text":"وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان يصفقان بأجنحتهما.\nوقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين؛ كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم؛ وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى.\nوظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط، ولا إطناب؛ فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى. والله أعلم بحقيقة الحال (^١).\n(وقد ورد) (^٢) أثر غريب، وسياق عجيب في ذلك، أحببنا أن ننبه عليه: قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٣) ﵀ (تعالى) (^٤): حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: قدمت على امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته حداثة ذلك تسأله عن (شيء) (^٥) دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به؛ قالت عائشة ﵂ لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ فيشفيها، (كانت) (^٦) تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت؛ كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك؛ فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبتُ أحدهما وركبتِ الآخرَ، فلم يكن (شيء) (^٧) حتى وقفنا ببابل، فإذا برجلين معلقين بأرجلهما؛ فقالا: ما جاء بك؟ (فقلنا: نتعلم) (^٨) السحر. فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري، فارجعي، فأبيتُ وقلت: لا. قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت ففزعت ولم أفعل، فرجعت إليهما؛ فقالا: أفعلت؟ فقلت: نعم. فقالا: هل رأيت شيئًا؟ فقلت: لم أر شيئًا. فقالا: لم تفعلي؛ ارجعي إلى بلادك\n_________\n(^١) في حاشية (ع): \"بلغ العرض على المصنف، فسح الله في مدته، معارضًا بأصله\".\n(^٢) في (ن): \"وقد ورد في ذلك\".\n(^٣) في \"تفسيره\" (١٦٩٥).\nوأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١٠٢٩)؛ والثعلبي في \"تفسيره\" (ج ١/ ق ٣٩/ ٢ - ٤٠/ ١)؛ والحاكم (٤/ ١٥٥) وعنه البيهقي (٨/ ١٣٦، ١٣٧) من طريق الربيع بن سليمان بسنده سواء. وسنده جيد كما قال المصنف ﵀.\n(^٤) من (ن).\n(^٥) كذا في \"تفسير الطبري\". ووقع في سائر \"الأصول\": \"أشياء\"، وإنما أثبت ما عند \"الطبري\" لأن السياق يدل عليه، فقالت: \"دخلت فيه … ولم تعمل به\".\n(^٦) في (ن): \"فكانت\".\n(^٧) كذا في (ن). ووقع في بقية \"الأصول\": \"لشيء\"؛ وفي \"تفسير الطبري\": \"كشيء\" والمقصود: لم يمض وقت يذكر. وفي رواية البيهقي: \"فلم يكن كثير حتى وقفنا ببابل\" وفي رواية الحاكم: \"فلم يكن مكثي\" ولعله: فلم يطل مكثي.\n(^٨) في (ز) و\"الطبري\": \"فقلت: أتعلم\".","vol":"1","page":532},{"text":"ولا تكفري (فإنك على رأس أمرك) (^١) (فأربت) (^٢) وأبيت. فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه؛ فذهبت [فاقشعررت وخفت، ثم رجعت إليهما؛ وقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟] (^٣) [قلت: لم أر شيئًا. فقالا: كذبت، لم تفعلي؛ ارجعي إلى بلادك ولا تكفري؛ فإنك على رأس أمرك؛ فأربت وأبيت؛ فقالا: اذهبي إلى التنور فبولي فيه، فذهبت إليه فبلت فيه] (^٤)، فرأيت فارسًا مقنعًا بحديد خرج مني فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه؛ فجئتهما، فقلت: قد فعلت. فقالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسًا مقنعًا خرج مني فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه. فقالا: صدقت؛ ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي.\nفقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا، وما قالا لي شيئًا، فقالت: بلى، لم تريدي شيئًا إلا كان. خذي هذا القمح فابذري؛ فبذرت، وقلت: أطلعي فأطلعت، وقلت: (أحقلي) (^٥) فأحقلت. ثم قلت: افركي فأفركت، ثم قلت: أيبسي فأيبست، ثم قلت: اطحني فأطحنت. ثم قلت: اخبزي فأخبزت.\nفلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان (سقط) (^٦) في يدي، وندمت والله يا أم المؤمنين، ما فعلت شيئًا ولا أفعله أبدًا.\nورواه ابن أبي حاتم، عن الربيع بن سليمان، به مطولًا كما تقدم؛ وزاد بعد قولها: ولا أفعله أبدًا - فسألت أصحاب رسول الله ﷺ حداثة وفاة رسول الله ﷺ، وهم يومئذ متوافرون، فما دَرَوا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه إلا أنه قد قال لها ابن عباس، أو بعض من كان عنده: لو كان أبواك حيين أو أحدهما.\nقال هشام: فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان.\nقال ابن أبي الزناد: وكان هشام يقول: إنهم كانوا من أهل الورع (وخشية من الله) (^٧).\nثم يقول هشام: لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم.\nفهذا إسناد جيد إلى عائشة ﵂.\nوقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن الساحر له تمكن في قلب الأعيان؛ لأن هذه المرأة بذرت واستغلت في الحال.\n_________\n(^١) من (ل) و(ى).\n(^٢) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي (ل): \"فأبت وأبيت\"؛ وفي \"الطبري\" ضبطها الشيخ محمود شاكر، رحمه الله تعالى: \"فأرببت\"، بزيادة باء موحدة، وفسرها في الحاشية بقوله: \"وأرب بالمكان: لزمه ولم يبرحه\". وما ورد في \"الأصول\" جاء أيضًا في \"تفسير ابن أبي حاتم\" و\"سنن البيهقي\"؛ ومعنى: \"أربت\"؛ أي: احتجت من قولهم: أرب إليه، يأرب أربًا؛ أي: احتاج، فكأنها قالت: إنني محتاجة إلى هذا الأمر، وأبت أن تبرح مكانها قبل أن تتعلمه. والله أعلم.\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٥) احقلي؛ يعني: ازرعي.\n(^٦) في (ج): \"أسقط\".\n(^٧) كذا في (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى)؛ وفي (ز) و(ن): \"الخشية من الله\"؛ وفي (ل): \"وأهل الخشية من الله\".","vol":"1","page":533},{"text":"وقال آخرون: بل ليس له قدرة إلا على التخييل؛ كما قال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق لا بابل ديناوند؛ كما قاله السدي (^١) وغيره.\nثم الدليل على أنها بابل العراق ما قاله ابن أبي حاتم (^٢): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن صالح، حدثني ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري - أن علي بن أبي طالب - ﵁ قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي ببابل، فإنها ملعونة (^٣).\nوقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، (حدثني ابن لهيعة) (^٤) ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري: أن عليًا مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة؛ فلما فرغ قال: إن حبيب ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي بأرض بابل؛ فإنها ملعونة.\nحدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة، عن حجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري، عن علي بمعنى حديث سليمان بن داود؛ قال: فلما خرج (مكان) (^٥): \"برز\".\nوهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود؛ لأنه رواه وسكت (^٦) عليه، ففيه من الفقه كراهية\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٦٩٠).\n(^٢) في \"تفسيره\" (١٠١٠).\nوأخرجه أبو داود (٤٩٠)؛ ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٥١) قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب بسنده سواء بأطول مما ذكره ابن أبي حاتم. وقد ذكر المصنف لفظ أبي داود. وهذا سند ضعيف.\n(^٣) هكذا وقع الحديث مختصرًا في سائر \"الأصول\" وعند ابن أبي حاتم، أما ناسخ (ن) فنقل سياق أبي داود الآتي كله ونسبه إلى ابن أبي حاتم وأخطأ في ذلك وانتقل بصره، والله أعلم.\n(^٤) ساقط من (ن) فصار الإسناد عنده: \"أخبرنا ابن وهب ويحيى بن أزهر\" وهو خطأ فاحش.\n(^٥) في (ن): \"منها\".\n(^٦) يشير المصنف ﵀ إلى ما ذكره أبو داود في \"رسالته إلى أهل مكة\" يشرح لهم فيها طريقته في تصنيف \"سننه\" فقال (ص ٢٧، ٢٨): \"وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد، فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض\". اهـ. ففهم جماعة من العلماء أن قول أبي داود: \"وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح\" معناه: أن ما سكت عنه فهو من قبيل الحسن. منهم المنذري، فقال في \"الترغيب\" (١/ ٨): \"وكل حديث عزوته إلى أبي داود وسكت عنه فهو كما ذكر أبو داود، ولا ينزل عن درجة الحسن وقد يكون على شرط الصحيحين أو أحدهما\". ومنهم النووي فقد ذكر حديثًا في \"المجموع\" (٤/ ٢٤١) ثم قال: \"رواه أبو داود بإسناد جيد ولم يضعفه، ومذهبه أن ما لم يضعفه فهو عنده حسن\". وصرح آخرون بمثل ذلك منهم ابن تيمية والعلائي والزركشي والعراقي، وقد علمنا يقينًا أن أبا داود سكت عن أحاديث منكرة وضعيفة جدًّا وضعيفة ساقطة عن حد الاعتبار بها، فلا يقال: هي صالحة يعني حسنة. وللنووي تفصيل في هذا الأمر فقال: \"في\"سنن أبي داود\" أحاديث ظاهرة الضعف لم يبينها مع أنه متفق على ضعفها. والحق أن ما وجدناه في \"سننه\" مما لم يبينه، ولم ينص على صحته أو حسنه أحد ممن يعتمد فهو حسن، وإن نص على ضعفه من يعتمد عليه، أو رأى العارف في سنده ما يقتضي =","vol":"1","page":534},{"text":"الصلاة بأرض بابل، كما تكره بديار ثمود الذي نهى (^١) رسول الله ﷺ عن الدخول إلى منازلهم إلا أن يكونوا باكين.\nقال أصحاب الهيئة: وبُعد ما بين بابل وهي من إقليم العراق عن البحر المحيط الغربي، ويقال له أوقيانوس، سبعون درجةً، ويسمون هذا طولًا، وأما عرضها وهو بُعد ما بينهما وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب، وهو المسامت لخط الاستواء، اثنتان وثلاثون درجة. والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ قال أبو جعفر (^٢) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس؛ قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر؛ وذلك أنهما علما الخير والشر، والكفر والإيمان؛ فعرفا أن السحر من الكفر؛ قال: فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه، فإذا تعلمه خرج منه النور، فنظر إليه ساطعًا في السماء؛ فيقول: يا حسرتاه! يا ويله! ماذا أصنع؟\nوعن الحسن (^٣) البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: نعم، أنزل الملكان بالسحر، ليعلما الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلى به الناس؛ فأخذ عليهما الميثاق ألا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال قتادة (^٤): كان أخذ عليهما ألا يعلما أحدًا حتى يقولا إنما نحن فتنة؛ أي: بلاء ابتلينا به؛ فلا تكفر.\nوقال السدي (^٥): إذا أتاهما إنسان يريد السحر وعظاه، وقالا له: لا تكفر؛ إنما نحن فتنة؛ فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد فبل عليه؛ فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء؛ وذلك الإيمان، وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكل شيء؛ وذلك غضب الله؛ فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ …﴾ الآية.\nوقال سنيد (^٦)، عن حجاج، عن ابن جريج - في هذه الآية -: لا يجترئ على السحر إلا كافر، وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار؛ ومنه قول الشاعر:\n_________\n= الضعف ولا جابر له، حكم بضعفه ولا يلتفت إلى سكوت أبي داود\". انتهى، وهو تفصيل حسن وإن خالفه النووي في كتبه.\n(^١) فأخرج البخاري (١/ ٥٣٠؛ و٨/ ١٢٥، ٣٨١).\nوأخرجه مسلم (٢٩٨٠/ ٣٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠١٧، ١٠٢٨) وقد فرق ابن أبي حاتم هذا المتن في موضعين، وجمعه المصنف في موضع واحد. [وسنده جيد].\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠١٨) وسنده ضعيف.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٥٣) ومن طريقه ابن جرير (١٦٩٨) قال: أخبرنا معمر قال: قال قتادة؛ وأخرجه ابن جرير (١٦٩٧) من طريق يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة وكلاهما صحيح؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٠١٩) من طريق أبي جعفر الرازي، عن قتادة.\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٦٩٦). [وسنده حسن].\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٧٠١).","vol":"1","page":535},{"text":"وقد فتن الناس في دينهم … وخلى ابن عفان شرًا طويلًا\nوكذلك قوله تعالى، إخبارًا عن موسى ﵇ حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك، ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾.\nوقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، واستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر (^١) البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله؛ قال: \"من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ \".\nوهذا إسناد (صحيح) (^٢). وله شواهد أخر.\nوقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف.\nوهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في \"صحيحه\" (^٣)، من حديث الأعمش، عن (أبي سفيان) (^٤) طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ؛ قال: \"إن الشيطان (يضع) (^٥) عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلةً أعظمهم عنده فتنةً، يجيءُ أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا؛ فيقول إبليس: لا، والله ما صنعت شيئًا! ويجيءُ أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله؛ قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه، ويقول: نعم (أنت) \" (^٦).\n(٧) [ورجح شيخنا أبو الحجاج المزي فتح النون، وراجعته فثبت على ذلك، والمشهور عند النحاة الكسر، واحتج به بعضهم على جواز كون فاعل \"نعم\" مضمرًا؛ وهو قليل] (^٧).\nوسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق أو نحو ذلك، أو عقد أو بغضة أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة.\nوالمرء: عبارة عن الرجل وتأنيثه امرأة، ويثنى كل منهما ولا يجمعان. والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال سفيان (^٨) الثوري: إلا بقضاء الله.\n_________\n(^١) أخرجه البزار في \"مسنده\" (١٩٣١ - البحر) عن أبي معاوية؛ وأبو القاسم البغوي في \"مسند ابن الجعد\" (٢٠٣٤) عن عبيدة بن حميد كلاهما عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن ابن مسعود موقوفًا عليه. وسنده صحيح كما قال المصنف.\n(^٢) في (ز) و(ض): \"جيد\".\n(^٣) في كتاب \"صفات المنافقين\" (٢٨١٣/ ٦٧) من طريق أبي معاوية، قال: حدثنا الأعمش به وفي آخره: \"قال الأعمش\": \"أراه قال: فيلتزمه\".\n(^٤) في (ن): \"عن أبي سفيان عن طلحة بن نافع\"؛ وقوله: \"عن\" زيادة مقحمة؛ لأن أبا سفيان هو طلحة بن نافع.\n(^٥) في (ن): \"ليضع\".\n(^٦) ساقط من (ج).\n(^٧) ساقط من (ج) و(ع) و(ل).\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٧٠٤). [وسنده صحيح].","vol":"1","page":536},{"text":"وقال محمد (^١) بن إسحاق: إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد.\nوقال الحسن البصري (^٢): ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: نعم؛ من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط؛ ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله؛ كما قال الله تعالى.\nوفي رواية (^٣) عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره.\n﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة (الرسول) (^٤) ﷺ لمن فعل فعلهم ذلك - أنه ما له في الآخرة من خلاق، قال ابن (^٥) عباس، ومجاهد (^٦)، والسدي (^٧): من نصيب.\nوقال عبد الرزاق (^٨)، عن معمر، عن قتادة: ما له في الآخرة من (حجة) (^٩) عند الله، (وقال) (^١٠): قال الحسن: ليس له دين وقال (سعيد) (^١١)، عن قتادة ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ قال: ولقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة (^١٢).\n\n<span id=\"aya-110\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ﴾ البديل ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان ومتابعة (الرسل) (^١٣) لو كان لهم علم بما وعظوا به ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم لكان مثوبة الله على ذلك خيرًا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ [القصص].\nوقد (يستدل) (^١٤) بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٢٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٢٥) بسند ضعيف.\n(^٣) وهي عند ابن أبي حاتم أيضًا (١٠٢٤) وسنده صحيح.\n(^٤) كذا في (ز) و(ع) و(ن) و(ى)؛ ووقع في (ج) و(ض) و(ك) و(ل): \"الرسل\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٣).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٧٠٧، ١٧٠٩) وسنده قوي لولا أن شيخ الطبري لم أجد له ترجمة.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٧٠٦، ١٧١٠) وسنده حسن.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٥٤)، ومن طريقه ابن جرير (١٧١٢)؛ وابن أبي حاتم (١٠٣٤). [وسنده صحيح].\n(^٩) وقع في سائر \"الأصول\": \"جهة\" وما أثبته من \"تفسير الطبري\"، ووقع في \"تفسير عبد الرزاق\": \"جنة\".\n(^١٠) في (ن): \"وقال عبد الرزاق\"، وإنما الذي قال: قال الحسن؛ هو معمر بن راشد كما في \"تفسير عبد الرزاق\" و\"ابن أبي حاتم\".\n(^١١) في (ن): \"سعد\" وهو خطأ. وسعيد هو ابن أبي عروبة.\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (١٧٠٥) وسنده صحيح.\n(^١٣) في (ن): \"الرسول\".\n(^١٤) في (ن): \"استدل\".","vol":"1","page":537},{"text":"عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف. وقيل: بل لا يكفر، ولكن حده ضرب عنقه؛ لما رواه الشافعي (^١)، وأحمد بن حنبل ﵏ (^٢)؛ قالا: أخبرنا سفيان - (هو ابن عيينة) (^٣) -، عن عمرو بن دينار، أنه سمع بجالة بن عبدة يقول: كتب عمر بن الخطاب ﵁ أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر.\nوقد أخرجه البخاري (^٤) في \"صحيحه\" أيضًا.\nوهكذا صح (^٥) أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها فقتلت.\nقال الإمام أحمد بن حنبل: (صح عن) (^٦) ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ قتل الساحر.\nوروى الترمذي (^٧) من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الأزدي أنه قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦/ ٢٥٧).\n(^٢) من (ز) و(ض) و(ك) و(ل)؛ وفي (ج): \"﵏\".\n(^٣) من (ن).\n(^٤) لم يخرج البخاري منه محل الشاهد كما مر بك، فعزو الحديث إلى البخاري فيه تساهل، لكن ابن كثير قصد أن البخاري خرج أصل الحديث كما صرح بذلك الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٢٣٦) ويفعله البيهقي كثيرًا. وقد ذكر الحميدي الحديث في مفاريد البخاري في كتابه \"الجمع بين الصحيحين\" (١/ ١٧٨) وقال بعد ذكر الحديث كاملًا: \"اختصره البخاري فأخرج المسند منه: والتفريق بين كل ذي محرم من المجوس فقط، وأخرجه أبو بكر البرقاني بطوله وهو مشهور من حديث ابن عيينة\". انتهى.\n(^٥) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٧١/ ١٤) عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها فأمرت بها فقتلت. ووصله البيهقي (٨/ ١٣٦) من طريق سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن حفصة بنت عمر ﵂ سحرتها جارية لها، فأقرت بالسحر وأخرجته، فقتلتها، فبلغ ذلك عثمان ﵁، فغضب، فأتاه ابن عمر ﵄، فقال: جاريتها سحرتها، وأقرت بالسحر وأخرجته قال: فكف عثمان ﵁، قال: وكأنه إنما كان غضبه لقتلها إياها بغير أمره. وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٩/ ٤١٦؛ و١٠/ ١٣٥، ١٣٦) قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر بسنده سواء. وسنده صحيح.\n(^٦) من (ز) و(ن). ووقع في بقية \"الأصول\": \"فثلاثة من أصحاب النبي ﷺ \"وكأن في العبارة سقطًا، واستشكلها ناسخ (ى)، فقال: \"كذا\" وكتب بخط دقيق بعد قوله: \"أصحاب النبي ﷺ\" كلمة \"شرعوا\" حتى يستقيم له المعنى.\n(^٧) في \"سننه\" (١٤٦٠).\nوأخرجه الحاكم (٤/ ٣٦٠)؛ وابن عدي في (الكامل) (١/ ٢٨٢)؛ والدارقطني (٣/ ١١٤)؛ وابن قانع في \"معجم الصحابة\" (ق ٢٥/ ١)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٢/ رقم ١٦٦٥)؛ والبيهقي (٨/ ١٣٦)؛ والرامهرمزي في \"المحدث الفاصل\" (٥٩٠)؛ وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١١/ ٣٠٩، ٣١٠) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي، عن الحسن البصري عن جندب بن عبد الله مرفوعًا.\n(*) قلت: وإسماعيل بن مسلم واه، فلذلك لم يصب الحاكم حين قال: \"صحيح الإسناد، وإن كان الشيخان تركا إسماعيل بن مسلم، فإنه غريب صحيح\" ولم يتفرد به المكي كما يشعر كلام الترمذي فتابعه خالد العبد عن الحسن، عن جندب مرفوعًا مثله؛ أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٢/ رقم ١٦٦٦)؛ وأبو سهل بن القطان في \"حديثه\" (ق ٣٠/ ١) من طريق محمد بن الحسن بن سيار، عن خالد العبد. قال شيخنا الألباني في \"الضعيفة\" (١٤٤٦): \"ولكنها متابعة واهية، فإن خالدًا هذا لم أجد له ترجمةً، وكذلك الراوي عنه، فلا يعتضد بها، على أن مدار الطريقين على الحسن، وهو مدلس وقد عنعن، ولذلك فمن رام تحسين الحديث فما أحسن\". اهـ. =","vol":"1","page":538},{"text":"قال رسول الله ﷺ: \"حد الساحر ضربة بالسيف\"، ثم قال: \"لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث. والصحيح عن الحسن، عن جندب (موقوف) \" (^١).\nقلت: قد رواه الطبراني من وجه آخر عن الحسن، عن جندب مرفوعًا. والله أعلم.\nوقد روي (^٢) من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه؛ فقال الناس: سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان من الغد جاء مشتملًا على سيفه؛ وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه، فضرب عنق الساحر؛ وقال: إن كان (ساحرًا) (^٣) فليحي نفسه؛ وتلا قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك، فسجنه ثم أطلقه. والله أعلم.\nوقال (الإمام) (^٤) أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثني أبو إسحاق، عن حارثة؛ قال: كان عند بعض الأمراء رجل يلعب، فجاء جندب (مشتملًا) (^٥) على سيفه فقتله. قال: أُراه كان ساحرًا (^٦).\nوحمل الشافعي ﵀ قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركًا. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-81>فصل</span>\nحكى أبو عبد الله الرازي في \"تفسيره\"، عن المعتزلة، أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كفروا من اعتقد وجوده.\n_________\n= (*) قلت: وخالد العبد ترجمه ابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ٢٨٠، ٢٨١) وقال: \"شيخ كان بالبصرة يروى عن ابن المنكدر والحسن، روى عنه إسرائيل، كان يسرق الحديث ويحدث من كتب الناس من غير سماع، قال سلم بن قتيبة: أتيت خالد العبد فإذا معه درج فيه: حدثنا الحسن، فأقلبت الدرج من يده، فإذا في أوله: حدثنا هشام بن حسان قد محاه، فقلت له: ما هذا؟ قال: كتبت أنا وهشام عن الحسن. قلت: تكون مع هشام وتكتب فيه: حدثنا هشام؟ قال: ما أعرفني بك، أليس خرجت مع إبراهيم؟! \" والحديث لا يصح مرفوعًا، وضعفه ابن المنذر كما في \"المغني\" (١٢/ ٣٠٢) لابن قدامة، والحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٢٣٦)، وقد صحح الترمذي وقفه كما مر بك.\n(^١) في (ز) و(ك) و(ن): \"موقوفًا\".\n(^٢) منها ما أخرجه البيهقي (٨/ ١٣٦) من طريق ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الأسود أن الوليد بن عقبة كان بالعراق، يلعب بين يديه ساحر وساق نحوه وفي آخره: وأمر به الوليد دينارًا صاحب السجن، وكان رجلًا صالحًا، فسجنه فأعجبه نحو الرجل، فقال: أتستطيع أن تهرب؟ قال: نعم، قال: فاخرج، لا يسألني الله عنك أبدًا. وسنده جيد، وابن وهب كان ممن سمع من ابن لهيعة قبل اختلاطه. وانظر \"مصنف عبد الرزاق\" (١٠/ ١٨١، ١٨٢).\n(^٣) كذا في \"الأصول\"؛ وفي (ن): \"صادقًا\". وهي أوضح.\n(^٤) من (ع) و(ن) و(ى).\n(^٥) في (ج): \"مشتمل\".\n(^٦) رجاله ثقات، ولكن في قوله: \"يحيى بن سعيد حدثني أبو إسحاق\" نظر عندي، ويحيى بن سعيد سواء كان القطان أو الأموي فلم يرويا شيئًا عن أبي إسحاق، ولا لقياه فيما أعلم، فلعل سقطًا وقع في الإسناد. والله أعلم. وحارثة هو ابن وهب الخزاعي. والله أعلم.","vol":"1","page":539},{"text":"قال: وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارًا، والحمار إنسانًا، إلا أنهم قالوا: إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة؛ فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا؛ خلافًا للفلاسفة والمنجمين والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر، وأنه بخلق الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ومن الأخبار أن رسول الله ﷺ سُحِرَ، وأن السحر عمل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة ﵂، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر؛ قال: وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا:\nالمسألة الخامسة: في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور: اتفق المحققون على ذلك؛ لأن العلم لذاته شريف؛ وأيضًا لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ولأن السحر لو لم يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز معجزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب؛ فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا فكيف يكون حرامًا وقبيحًا؟\nهذا لفظه بحروفه في هذه المسألة؛ وهذا الكلام فيه نظر من وجوه:\nأحدها: قوله العلم بالسحر ليس بقبيح إن عنى به ليس بقبيح عقلًا فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا، وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا ففي هذه الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر.\nوفي \"الصحيح\" (^١): \"من أتى عرافًا أو كاهنًا فقد كفر بما أُنزل على محمد\". وفي \"السنن\" (^٢): \"من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر\".\nوقوله: ولا محظور - اتفق المحققون على ذلك. كيف لا يكون محظورًا مع ما ذكرناه من الآية والحديث. واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله علم السحر في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين العلم الشرعي؛ ولم قلت إن هذا منه؟ ثم ترقيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به - ضعيف؛ بل فاسد؛ لأن (أعظم) (^٣) معجزات رسولنا ﵊ هي القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.\nثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلًا، ثم من المعلوم بالضرورة أن\n_________\n(^١) في \"صحيح البخاري\"، فأخرج في \"صحيحه\" (٦/ ٤٣٦؛ و٨/ ٥٣٤).\n(^٢) كذا! ولم يخرجه منهم إلا النسائي في \"كتاب تحريم الدم\" (٧/ ١١٢) قال أخبرنا عمرو بن علي؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٦٤٨) من طريق عبد الله بن الهيثم قالا: ثنا أبو داود، هو الطيالسي، ثنا عباد بن ميسرة المنقري، عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا، وكل إليه\". وقد رأيت المصنف ﵀ عزاه إلى النسائي وحده في \"تفسير سورة يوسف\" (٤/ ٣٤٣ - طبع الشعب)؛ وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٤١٩) لابن مردويه فقصر! وسنده ضعيف.\n(^٣) في (ز): \"معظم\".","vol":"1","page":540},{"text":"الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون المعجز، ويفرقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه. والله أعلم.\nثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية:\nالأول: سحر الكلدانيين والكشدانيين الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة؛ وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم، وأنها تأتي بالخير والشر؛ وهم الذين بعث الله إليهم إبراهيم الخليل (ﷺ) (^١) مبطلًا لمقالتهم ورادًا لمذهبهم؛ وقد استقصى في (كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم) المسنوب إليه كما ذكره القاضي ابن خلكان وغيره. ويقال: إنه تاب منه، وقيل: (بل) (^٢) صنفه على وجه إظهار الفضيلة، لا على سبيل الاعتقاد، وهذا هو المظنون به؛ إلا أنه ذكر فيه (طرائقهم) (^٣) في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون، وما يلبسونه وما يتنسكون به.\nقال: والنوع الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية؛ ثم استدل على أن الوهم له تأثير بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه.\nقال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان، أو الدوران؛ وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت منطبعة للأوهام.\nقال: وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق (^٤) [و(له) (^٥) أن يستدل على ذلك] (٤) (^٦) [بما ثبت في \"الصحيح\" (^٧): أن رسول الله ﷺ قال: \"العين حق] (٦) ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين\".\nقال: فإذا عرفت هذا فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قويةً جدًّا، فتستغني في هذه (الأفعال) (^٨) عن الاستعانة (بالآلات) (^٩) والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات.\nوتحقيقه أن النفس إذا كانت (مشتغلةً عن) (^١٠) البدن، شديدة الانجذاب إلى عالم السموات، صارت كأنها روح من الأرواح السماوية؛ فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، وإذا كانت ضعيفةً شديدة التعلق بهذه الذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تأثير ألبتة إلا في هذا البدن.\nثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس (والرياضة) (^١١).\nقلت: وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال؛ وهو على قسمين: تارة تكون حالًا صحيحةً\n_________\n(^١) من (ز) و(ع) و(ن) و(ى)؛ وفي (ك): \" ﷺ \".\n(^٢) في (ز): \"إنه\".\n(^٣) في (ن): \"طريقتهم\".\n(^٤) ساقط من (ك).\n(^٥) من (ز) و(ض) و(ن) و(ى).\n(^٦) ساقط من (ك).\n(^٧) يعني: \"صحيح مسلم\" وقد أخرجه في \"كتاب السلام\" (٢١٨٨/ ٤٢) من طريق ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعًا. وعنده \"سبقته\" بدل \"لسبقته\" وفي آخره: \"وإذا استغسلتم فاغسلوا\".\n(^٨) في (ز) و(ض) و(ن): \"الأفاعيل\".\n(^٩) في (ك): \"بالآيات\".\n(^١٠) في \"تفسير الرازي\" (٢/ ٢٢٦): \"مستعلية على\".\n(^١١) في (ن): \"الرياحينة\"!!","vol":"1","page":541},{"text":"شرعيةً يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله (ﷺ) (^١) ويترك ما نهى الله تعالى عنه ورسوله ﷺ؛ فهذه الأحوال مواهب من الله تعالى، وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع.\nوتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله (ﷺ) (^١)، ولا يتصرف بها في ذلك، فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إياهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال (لعنه الله) (^٢) له من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعًا لعنه الله.\nوكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.\nوبسط هذا يطول جدًّا، وليس هذا موضعه.\nقال: والنوع الثالث من السحر: الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن خلافًا للفلاسفة والمعتزلة؛ وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار وهم الشياطين.\nقال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى (والدخن) (^٣) والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل (تسخير) (^٤).\nالنوع الرابع من السحر: التخيلات، والأخذ بالعيون والشعبذة؛ ومبناه على أن البصر قد (يخطئ) (^٥) ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى ذا الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق نحوه عمل شيئًا آخر عملًا بسرعة شديدة؛ وحينئذٍ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه؛ فيتعجبون منه جدًّا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.\nقال: وكلما كانت الأحوال التي تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل أشد كان العلم أحسن؛ مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدًّا، أو مظلم، فلا تقف القوة (الباصرة) (^٦) على أحوالها (بكلالها) (^٧) والحالة هذه.\nقلت: وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ [طه: ٦٦] قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم.\nالنوع الخامس من السحر: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب\n_________\n(^١) من (ز) و(ن).\n(^٢) ساقط من (ن).\n(^٣) في (ز) و(ن): \"الدخل\".\n(^٤) في (ز): \"التسخير\".\n(^٥) في (ج) و(ل): \"غطى\"!\n(^٦) في (ز) و(ن): \"الناظرة\".\n(^٧) ساقط من (ن)؛ وفي (ل): \"لكلالها\"؛ وفي (ك): \"بكمالها\".","vol":"1","page":542},{"text":"الهندسية؛ كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب (مرةً) (^١) بالبوق من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي تصورها الروم والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصورونها ضاحكةً وباكيةً.\nإلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور (المخاييل) (^٢) قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.\nقلت: يعني ما قاله بعض المفسرين: إنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي، فحشوها زئبقًا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها.\nقال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال بالآلات الخفيفة.\nقال: وهذا في الحقيقة لا ينبغى أن يعد من باب السحر؛ لأن لها (أسبابًا) (^٣) معلومةً (متيقنةً) (^٤)، من اطلع عليه قدر عليها.\nقلت: ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يرونهم إياه من الأنوار؛ كقضية قمامة الكنيسة التي لهم (بالبلد) (^٥) المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على (الطغام) (^٦) (منهم) (^٧)، وأما الخواص فهم يعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم. (وفيهم شبه) (^٨) للجهلة الأغبياء من (متعبدي) (^٩) الكرامية، الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد (من قال رسول الله ﷺ فيهم) (^١٠): \"من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" (^١١). وقوله: \"حدثوا عني ولا تكذبوا عليَّ فإنه من يكذب عليَّ يلج النار\" (^١٢).\n_________\n(^١) من (ج) و(ل).\n(^٢) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى)؛ وفي \"تفسير الرازي\" (٢/ ٢٢٩): \"المخايل\"؛ وفي (ج) و(ل) و(ن): \"التخاييل\".\n(^٣) في (ك): \"أنسابًا\".\n(^٤) كذا في (ج) و(ك) و(ل)؛ وفي (ز) و(ض) و(ع) و(ى): \"يقينة\"؛ وفي (ن): \"نفسية\" وفي \"تفسير الرازي\" (٢/ ٢٢٩): \"نفيسة\".\n(^٥) كذا في (ع) و(ن) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض) و(ك): \"ببلد المقدس\"؛ وفي (ج) و(ل): \"ببيت المقدس\"، وكتب ابن المحب، ناسخ (ج)، فوق كلمة: \"بيت\": \"ببلد\"، وأشار إلى أنها كذلك في نسخة.\n(^٦) في (ز) و(ض): \"العوام\".\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٨) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ن) و(ى)؛ وفي (ز) و(ل): \"وفيه شبه\"؛ وفي (ض): \"وفيه شبهة\".\n(^٩) في (ك) و(ل): \"متعدي\"؛ وفي (ض): \"متعبد\".\n(^١٠) في (ك) و(ل): \"من قال فيهم رسول الله\".\n(^١١) حديث متواتر رواه أكثر من سبعين صحابيًا، وللطبراني فيه جزء مفرد.\n(^١٢) كذا ذكر المصنف ﵀ هذا الحديث بهذا التمام، وأرى أنه لفقه من حديثين، الأول: لأبي سعيد الخدري. والآخر: لعلي بن أبي طالب ﵄ أما أقرب سياق لما ذكره المصنف فأخرجه أحمد (٣/ ٤٦) قال: حدثنا عبد الصمد ثنا همام، حدثنا زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: \"حدثوا عني ولا تكذبوا علي، ومن كذب علي متعمدًا فقد تبوأ مقعده من النار، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج\" وأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (ج ٢/ رقم ١٢٠٩) قال: حدثنا أبو خيثمة، ثنا عبد الصمد بهذا الإسناد وعنده:=","vol":"1","page":543},{"text":"ثم ذكر ههنا حكايةً عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر (حزين) (^١) الصوت ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترق له فتذهب فتلقى في وكره من ثمر الزيتون، (ليتبلغ) (^٢) به، فعمد هذا الراهب إلى (صنعة) (^٣) طائر على شكله، وتوصل إلى أن جعله أجوف، فإذا دخلته الريح يسمع (منه) (^٤) صوت كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابًا من ناحية، فتدخل (الريح) (^٥) إلى داخل هذه الصورة، فيسمع صوتها كذلك الطائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه؟ ففتنهم بذلك، (وأوهم) (^٦) أن هذه من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله (المتتابعة) (^٧) إلى يوم القيامة.\nقال الرازي: النوع السادس من السحر: الاستعانة بخواص الأدوية يعني في الأطعمة (والدهانات) (^٨). قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الحواص، فإن أثر المغناطيس مشاهد.\nقلت: يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعى الفقر، ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص مدعيًا أنها أحوال له من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات.\nقال:\nالنوع السابع من السحر: (تعليق القلب) (^٩)؛ وهو أن يدعى الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور؛ فإذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل، قليل التمييز، اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرهب والمخافة؛ فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة؛ فحينئذٍ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.\nقلت: هذا النمط (يقال له: \"التنبلة\") (^١٠)؛ وإنما يروج على الضعفاء العقول من بني آدم.\n_________\n= \"حدثوا عني ولا حرج … \" والباقي مثله. وسنده صحيح.\nوأخرجه مسلم (١٨/ ١٢٩ نووي)؛ والطبراني في \"جزئه\" (٨٤) من طريق هدبة بن خالد؛ وأحمد (٣/ ٥٦)؛ وابن الجوزي في \"مقدمة الموضوعات\" (١/ ٨٠) عن أبي عبيدة؛ وابن أبي شيبة (٩/ ٦٢)؛ والطبراني (٨٤) عن أبي الوليد، كلهم عن همام بن يحيى بهذا الإسناد نحوه مع زيادة فيه.\nأما حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا: \"لا تكذبوا علي، فإنه من يكذب علي يلج النار\"؛ أخرجه البخاري (١/ ١٩٩)؛ ومسلم في \"المقدمة\" (١/ ٩).\n(^١) كذا في (ز) وفي بقية \"الأصول\": \"حنين\"؛ وما في (ز) أوضح، وهو أقرب لسياق الكلام في \"تفسير الرازي\"؛ فإنه قال فيه (٢/ ٢٢٩): \"هو طائر عطوف وكان يصفر صفيرًا حزينًا\".\n(^٢) في (ل): \"ليبتلع\".\n(^٣) في (ل): \"صفة\"!\n(^٤) في (ز) و(ض): \"له\".\n(^٥) من (ل) و(ن). وأشار إليها ناسخ (ى).\n(^٦) في (ل): \"أوهمهم\".\n(^٧) كذا في (ز) و(ض) و(ن)، وفي (ج) و(ع) و(ل) و(ى): \"التابعة\"؛ وفي (ك): \"البالغة\".\n(^٨) في (ل): \"الدهان\".\n(^٩) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى)؛ وفي (ج) و(ل): \"تعلق القلب\"؛ وفي (ن):\"التعليق للقلب\".\n(^١٠) في (ن): \"أيقال له: السبلة\"!","vol":"1","page":544},{"text":"وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه؛ فإذا كان (المتنبل) (^١) حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره.\nقال: النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة (والتضريب) (^٢) من وجوه (خفية) (^٣) لطيفة؛ وذلك شائع في الناس.\nقلت: النميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش (بين الناس) (^٤)، وتفريق قلوب المؤمنين؛ فهذا حرام متفق عليه، فأما (إن) (^٥) كانت على وجه الإصلاح (بين الناس) (٤) وائتلاف كلمة المسلمين كما جاء في الحديث (^٦): \"ليس بالكذاب من ينم خيرًا\". أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة؛ فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث (^٧): \"الحرب خدعة\"، وكما فعل نعيم (^٨) بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظة: جاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك؛ فتناكرت النفوس وافترقت، وإنما يحذو على مثل هذا: الذكاء والبصيرة النافذة. والله المستعان.\nثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر، وشرح أنواعه وأصنافه.\nقلت: وإنما أدخل كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه؛ ولهذا جاء في الحديث (^٩):\n\"إن من البيان (سحرًا) \" (^١٠). وسمى السحور، لكونه يقع خفيًا آخر الليل.\nوالسحر: الرئة وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه؛ كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سحره؛ أي: انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة (^١١) ﵄: \"توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري\"، وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] أي: أخفوا عنهم عملهم. والله ﵎ (^١٢) أعلم.\n_________\n(^١) في (ن): \"النبيل\".\n(^٢) في (ز) و(ن): \"التقريب\" والتضريب هو: الإغراء والإفساد.\n(^٣) كذا في (ج) و(ض) و(ع) و(ل) و(ن) و(ى)؛ وفي (ز) و(ك): \"خفيفة\" وأشار إليها ناسخ (ن) في الحاشية.\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٥) في (ز) و(ض): \"إذا\".\n(^٦) هذا حديث صحيح.\nأخرجه البخاري (٥/ ٢٩٩)؛ ومسلم (٢٦٠٥/ ١٠١).\n(^٧) وهو حديث صحيح.\nأخرجه البخاري (٦/ ١٥٨)؛ ومسلم (١٢/ ٤٤، ٤٥).\n(^٨) أخرجه ابن جرير في \"التهذيب\" (٢٢٥ - مسند علي) قال:\nحدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب. وهذا سند رجاله ثقات، لكنه معضل.\nوأخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٤٤٥ - ٤٤٧) من طريق أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس وهو ابن بكير، عن ابن إسحاق، فساقه معضلًا أيضًا.\n(^٩) أخرجه البخاري (١٠/ ٢٣٧).\n(^١٠) في (ز) و(ن): \"لسحرا\".\n(^١١) أخرجه البخاري (٣/ ٢٥٥)؛ ومسلم (٢٤٤٣/ ٨٤).\n(^١٢) من (ل).","vol":"1","page":545},{"text":"<span data-type='title' id=toc-82>فصل</span>\nوقد ذكر الوزير (أبو المظفر) (^١) يحيى بن محمد بن هبيرة ﵀ في كتابه (الإشراف على مذاهب الأشراف) بابًا في السحر؛ فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة فإنه قال: لا حقيقة له عنده؛ واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله؛ فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن تعلمه (ليتقيه) (^٢) أو ليجتنبه فلا يكفر. ومن تعلمه معتقدًا جوازه، أو أنه ينفعه، كفر.\nوكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر.\nوقال الشافعي ﵀: إذا تعلم السحر قلنا له صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر.\nقال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك، وأحمد: نعم، وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا. فأما إن قتل بسحره إنسانًا فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد.\nوقال أبو حنيفة: لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك، أو يقر بذلك في حق شخص معين، وإذا قتل فإنه يقتل حدًا عندهم إلا الشافعي فإنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصًا.\nقال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد - في المشهور عنهم -: لا تقبل.\nوقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل.\nوأما ساحر أهل الكتاب؛ فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل الساحر المسلم. وقال مالك وأحمد والشافعي: لا يقتل؛ يعني: (لقصة) (^٣) لبيد بن (أعصم) (^٤).\nواختلفوا في المسلمة الساحرة؛ فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل. والله أعلم.\nوقال أبو بكر (^٥) الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي؛ قال: قرأ على أبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - عمر بن هارون، حدثنا يونس، عن الزهري؛ قال: يقتل ساحر المسلمين، ولا يقتل ساحر المشركين؛ لأن رسول الله ﷺ سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها (^٦).\n[وقد نقل القرطبي (^٧) عن مالك ﵀ أنه قال في الذمي يقتل إن قتل سحره. وحكى ابن حويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر] (^٨):\n_________\n(^١) في (ج): \"أبا المظفر\"! وهو سبق قلم.\n(^٢) في (ك): \"ليتقنه\".\n(^٣) في (ك): \"لقضية\".\n(^٤) في (ز) و(ك): \"الأعصم\".\n(^٥) وسنده ضعيف جدًّا، وعمر بن هارون تالف، كذبه ابن معين وطرحه آخرون.\n(^٦) في هامش (ع): \"بلغ مقابلة بقراءة المصنف، معارضًا بأصله، فسح الله في مدته\".\n(^٧) في \"تفسيره\" (٢/ ٤٩).\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).","vol":"1","page":546},{"text":"[إحداهما: أنه يستتاب، فإن أسلم وإلا قتل.\nوالثانية: أنه يقتل وإن أسلم.\nوأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفرًا كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ لكن قال مالك: إذا ظهر عليه لم تقبل توبته؛ لأنه كالزنديق؛ فإن تاب قبل أن يظهر عليه، وجاءنا تائبًا قبلناه (ولم نقتله) (^١)، فإن قتل سحره قتل.\nوقال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية.\n\n<span data-type='title' id=toc-83>مسألة:</span>\nوهل يسأل الساحر حلًا لسحره؟ فأجازه سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري (^٢).\nوقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة (^٣). وكره (^٤) ذلك الحسن البصري. وفي \"الصحيح\" (^٥) عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، هلا تنشرت؟ فقال: \"أما الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شرًا\".\nوحكى القرطبي (^٦) عن وهب: أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين، ثم تضرب بالماء، ويقرأ عليها آية الكرسي، ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه، فإنه يذهب ما به. وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته.\nقلت: أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك؛ وهما المعوذتان، وفي الحديث (^٧): \"لم يتعوذ] (^٨) .......................\n_________\n(^١) ساقط من (ن).\n(^٢) في \"كتاب الطب\" (١٠/ ٢٢٢) وقال: \"قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب، أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع، فلم ينه عنه\". قال الحافظ في \"الفتح\": وصله أبو بكر الأثرم في \"كتاب السنن\" من طريق أبان العطار، عن قتادة، ومثله من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة بلفظ: \"يلتمس من يداويه\".\n(^٣) قال ابن الجوزي: النشرة: حل السحر عن المسحور.\n(^٤) ذكره قتادة عن الحسن وقال: لا يعلم ذلك إلا ساحر. ذكره الحافظ في \"الفتح\" وأخرج ابن أبي شيبة (٧/ ٣٨٧) قال: حدثنا ابن عيينة وأبو أسامة عن شعبة عن أبي رجاء قال: سألت الحسن عن النشرة؟ فذكر لي عن النبي ﷺ قال: \"هي من عمل الشيطان\"؛ وأخرجه أبو داود في \"المراسيل\" (٤٥٣) قال: حدثنا علي بن الجعد ثنا شعبة فذكره. قال الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٢٢٣): \"وصله أحمد (٣/ ٢٩٤)؛ وأبو داود (٣٨٦٨) عن جابر بسند حسن\". اهـ. وهو عند البيهقي (٩/ ٣٥١) وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا قال: حدثنا ابن مهدي، عن الحكم بن عطية، قال: سمعت الحسن وسئل عن النشرة، فقال: سحر. وسنده لا بأس به.\n(^٥) هو في \"الصحيحين\" كما تقدم تخريجه عند الآية (١٠١).\n(^٦) في \"تفسيره\" (٢/ ٤٩).\n(^٧) أخرجه النسائي (٨/ ٢٥١، ٢٥٢، ٢٥٣)؛ وأبو داود (١٤٦٣)؛ وأحمد (٤/ ١٤٩)؛ والحميدي (٨٥١)؛ والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١/ ٣٥٣)؛ والبزار (٣/ ٨٥، ٨٦)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (١/ ٣٥)؛ والدولابي في \"الكنى\" (١/ ١٧٨، ١٧٩)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٧/ رقم ٩٤٩، ٩٥٠، ٩٥١، ٩٥٢، ٩٥٧)؛ وابن أبي شريح في \"جزء بيبي بنت عبد الصمد\" (٤٢) من طرق عن عقبة بن عامر. وهو في \"صحيح مسلم\". بسياق آخر وسيأتي تفصيل ألفاظه وطرقه عن تفسير \"المعوذتين\" إن شاء الله.\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).","vol":"1","page":547},{"text":"[(المتعوذون) (^١) بمثلهما\" وكذلك قراءة آية الكرسي (^٢) فإنها مطردة للشيطان] (^٣).\n[وقال أبو عبد الله (^٤) القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء، خلافًا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفراينى من الشافعية حيث قالوا: إنه تمويه وتخييل؛ قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة. والشعوذي: البريد لخفة سيره. قال ابن فارس: وليست هذه الكلمة من كلام أهل البادية] (^٥).\n[قال القرطبي: ومنه ما يكون كلامًا يحفظ، ورقى من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدويةً وأدخنةً وغير ذلك.\nوقال: وقوله ﵇: \"إن من البيان لسحرًا\" يحتمل أن يكون مدحًا كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذمًا للبلاغة، قال: وهذا أصح؛ قال: لأنها تصوب الباطل حتى توهم السامع أنه حق، كما قال عليه الصلاة (^٦) والسلام: \"فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له … \" الحديث] (^٧).\n\n<span id=\"aya-111\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾.\nنهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم؛ وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من (التنقص) (^٨)، عليهم لعائن الله؛ فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا يقولون راعنا، (ويورون) (^٩) بالرعونة؛ كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾ [النساء: ٤٦].\nوكذلك جاءت الأحاديث (^١٠) بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون: السام عليكم؛\n_________\n(^١) في (ن): \"المتعوذ\".\n(^٢) وسيأتي تخريج حديثها في موضعها من \"التفسير\" إن شاء الله تعالى.\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).\n(^٤) في \"تفسيره\" (٢/ ٤٤) ونقله المصنف بتصرف.\n(^٥) من (ج) و(ل) و(ن). وقد وردت هذه الفقرة في (ن) قبل الفصل الماضي.\n(^٦) أخرجه مالك (٢/ ٧١٩/ ١)؛ والبخاري (١٢/ ٣٣٩؛ و١٣/ ١٥٧)؛ ومسلم (١٧١٣).\n(^٧) من (ج) و(ل) و(ن). وقد وردت هذه الفقرة في (ن) قبل الفصل الماضي.\n(^٨) في (ن): \"التنقيص\".\n(^٩) في (ك): \"ويرون\"!\n(^١٠) منها حديث ابن عمر مرفوعًا: \"إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم، فإنما يقول: السام عليكم، فقل: عليك\". هكذا رواه عن مالك بلفظ \"عليك\" بالإفراد وبلا واو: يحيى بن يحيى الليثي في \"الموطأ\" (٢/ ٩٦٠/ ٣ - عبد الباقي)؛ وأبو مصعب الزبيري في \"الموطأ\" رقم (٢٠٢١) ومن طريقه البغوي في \"شرح =","vol":"1","page":548},{"text":"و(السام) (^١): هو الموت؛ (ولهذا) (^٢) أمرنا أن نرد عليهم بـ\"وعليكم\". (وأنه) (^٣) يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا.\nوالغرض أن اللّه تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولًا وفعلًا؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾.\nوقال الإمام (^٤) أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، (وجعل) (^٥) الذلة والصغار على من خالف أمري. ومن تشبه بقوم فهو منهم\".\n[وروى أبو داود (^٦) عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، به: \"من تشبه بقوم فهو منهم\"] (^٧)؛ ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد، والوعيد على التشبه بالكفار\n_________\n= السنة\" (١٢/ ٢٦٩، ٢٧٠). ويحيى بن سعيد القطان عند البخاري (١٢/ ٢٨٠)؛ وأحمد (٤٦٩٩)؛ وخالد بن مخلد القطواني عند الدارمي (٢/ ١٨٨، ١٨٩)؛ وابن وهب عند البيهقي (٩/ ٢٠٣). ورواه آخرون عن مالك فقالوا: \"وعليك\" بزيادة الواو وبالإفراد، منهم عبد الله بن يوسف التنيسي عند البخاري (١١/ ٤٢).\n(^١) ساقط من (ج).\n(^٢) في (ل): \"ولقد\".\n(^٣) في (ن): \"وإنما\".\n(^٤) في \"مسنده\" (٥١١٥، ٥٦٦٧).\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٩٣)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (١١٩٩)؛ والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٧٦٦)؛ والذهبي في \"السير\" (١٥/ ٥٠٩) من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم بسنده سواء.\nوأخرجه أبو داود (٤٠٣١) قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو النضر به مقتصرًا على الفقرة الأخيرة منه. قال الذهبي: \"إسناده صالح\".\nوأخرجه البخاري (٦/ ٩٨) معلقًا ببعضه ووصله أحمد (٥١١٤) قال: حدثنا محمد بن يزيد الواسطى. وصحح إسناده الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" (١/ ٢٦٩)، وجوده شيخ الإسلام ابن تيمية في \"الاقتضاء\" (ص ٨٢) وقال الزركشي في \"التذكرة\" (ص ١٠٢)؛ والسخاوي في \"المفاصد\" (ص ٤٠٧): \"في سنده ضعف\" ولم يحكم عليه الحافظ، فقال في \"الفتح\" (٦/ ٩٨): \"في الإسناد: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان مختلف في توثيقه\". وسلك نفس طريقته قبله الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢٦٧) وقال المنذري في \"مختصر السنن\" (٦/ ٢٥)؛ والزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ٣٤٧): \"ابن ثوبان ضعيف\"، ولم يتفرد به ابن ثوبان، فتابعه الأوزاعي، فرواه عن حسان بن عطية بسنده سواء.\nأخرجه الطحاوي في \"المشكل\" (١/ ٨٨) قال: حدثنا أبو أمية، ثنا محمد بن وهب بن عطية، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي به والوليد بن مسلم كان يدلس التسوية، فالمتابع لابن ثوبان في الحقيقة هو الذي أسقطه الوليد بن مسلم، فربما كان كذابًا أو متروكًا ومع وجود هذه العلة المؤثرة، فقد خولف الوليد بن مسلم في إسناده، خالفه عبد الله بن المبارك. فرواه في \"كتاب الجهاد\" (١٠٥)، ومن طريقه القضاعي في \"الشهاب\" (٣٩٠) عن الأوزاعي قال: حدثنا سعيد بن جبلة، قال: حدثنا طاوس اليماني أن رسول الله ﷺ قال: فذكره مرسلًا. وتابعه عيسى بن يونس عن الأوزاعي بسنده سواء مرسلًا. أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥/ ٣٢٢)؛ وعيسى وابن المبارك أثبت من الوليد بن مسلم، فالصواب في رواية الأوزاعي الإرسال، وحسن الحافظ في \"الفتح\" (٦/ ٩٨) إسناد هذا المرسل.\n(^٥) كذا في (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى). ووقع في (ز) و(ن): \"جعلت\".\n(^٦) رقم (٤٠٣١).\n(^٧) ساقط من (ج).","vol":"1","page":549},{"text":"في أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم، وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا، ولم نقرر عليها.\nوقال ابن (^١) أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مسعر، عن معن وعون، أو أحدهما: أن رجلًا أتى عبد اللّه بن مسعود، فقال: اعهد إلي. فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. وقال الأعمش (^٢)، عن خيثمة؛ قال: ما تقرءون في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه في التوراة: يا أيها المساكين.\nوقال محمد بن إسحاق (^٣): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿رَاعِنَا﴾ أي: (أرعنا) (^٤) سمعك.\nوقال الضحاك (^٥): عن ابن عباس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ: أرعنا سمعك، وإنما: \"راعنا\" كقولك: \"عاطنا\".\nوقال ابن أبي (^٦) حاتم: وروى عن أبي العالية، وأبي مالك، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة نحو ذلك.\nوقال مجاهد (^٧): ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ لا تقولوا خلافًا. وفي رواية: لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك.\nوقال عطاء (^٨): لا تقولوا: ﴿رَاعِنَا﴾ كانت لغةً تقولها الأنصار، فنهى الله عنها.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١٠٤٤)؛ وأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (٣٦) بسنده سواء.\nوأخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ٣١) قال: حدثنا الأشجعي، عن مسعر بن كدام مثله. وأخرجه أحمد في \"الزهد\" (ص ١٥٨) ومن طريقه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ١٣٠) قال: حدثنا وكيع، عن مسعر، عن معن قال: قال عبد الله بن مسعود فذكره. والإسناد منقطع؛ لأن عون بن عبد الله بن عتبة ومعن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ما أدركا ابن مسعود. والله أعلم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٤٣) قال: حدثنا أبو سعيد الأشج. وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١١٦) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة قالا: ثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش به وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٧٢٥). [وسنده حسن].\n(^٤) في (ك): \"راعنا\".\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٧٣١)؛ وابن أبي حاتم (١٠٤٥) من طريق منجاب بن الحارث، ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك به. وقد تقدم تضعيف هذا الإسناد.\n(^٦) في \"تفسيره\" (١/ ٣١٧) وقد أسندها ابن جرير.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٧٢١، ١٧٢٢)؛ وابن أبي حاتم (١٠٤٧). من طرق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وسنده صحيح. وأخرجه ابن جرير (١٧٢٣) من طريق أبي أحمد الزبيري، حدثنا سفيان الثوري عن رجل عن مجاهد مثله. ثم أخرجه (٧٢٤) عن أبي نعيم ثنا الثوري عن مجاهد. وهذا منقطع.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٧٣٣، ١٧٣٤، ١٧٣٥)؛ وابن أبي حاتم (١٠٤٦)؛ وأبو جعفر النحاس فس \"الناسخ والمنسوخ\" (٧٠) من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح. ووقع عند ابن جرير في الموضع الأول: \"هشيم، أخبرنا عبد الرزاق، عن عطاء\". وقوله: \"عبد الرزاق\" مصحف عن \"عبد الملك\" فيما يظهر لي. والله أعلم، إلا أن يكون من رواية الأقران، ولكن عبد الرزاق يروى عن عطاء بواسطة ابن جريج، فهذا مما يرجح وقوع التصحيف. والله أعلم.","vol":"1","page":550},{"text":"وقال الحسن (^١): ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قال: الراعن من القول: السخري منه؛ نهاهم الله أن يسخروا من قول محمد ﷺ، وما يدعوهم إليه من الإسلام.\nوكذا روي عن ابن جريج أنه قال مثله.\nوقال أبو صخر (^٢): ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فيقول: أرعنا سمعك، فأعظم الله رسوله ﷺ أن يقال ذلك له.\nوقال السدي (^٣): كان رجل من اليهود من بني قينقاع يدعى رفاعة بن (زيد) (^٤) يأتي النبي ﷺ، فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك، واسمع غير مسمع. وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسم غير مسمع غير صاغر، (وهي) (^٥) كالتي في \"سورة النساء\". فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا: راعنا.\nوكذا قال عبد الرحمن (^٦) بن زيد بن أسلم بنحو من هذا.\nقال ابن جرير (^٧): والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ: راعنا؛ لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولوها لنبيه ﷺ نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنه قال (^٨): \"لا تقولوا للعنب: الكرم، ولكن قولوا: (الحبلة) \" (^٩)، و\"لا تقولوا: عبدي، ولكن قولوا: فتاي\" (^١٠)؛ وما أشبه ذلك.\n\n<span id=\"aya-112\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (يبين تعالى بذلك) (^١١) شدة (عداوة) (^١٢) الكافرين من أهل الكتاب والمشركين الذين حذر الله تعالى من مشابهتهم للمؤمنين، ليقطع المودة بينهم وبينهم، (وينبه) (^١٣) تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشبرع التام الكامل الذي شرعه لنبيهم محمد ﷺ يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٤٨) وسنده ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٤٩، ١٠٥٢) وسنده ضعيف لإعضاله، وأبو صخر هو حميد بن زياد الخراط، ثم هو متكلم فيه، فضعفه ابن معين في رواية والنسائي وقواه آخرون.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٧٣٨). [وسنده حسن إلى السدي لكنه مرسل].\n(^٤) في (ل): \"يزيد\".\n(^٥) ساقط من (ج).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٧٣٢) وسنده صحيح.\n(^٧) في \"تفسيره\" (٢/ ٤٦٣ - شاكر).\n(^٨) أخرجه مسلم (٢٢٤٨/ ١١، ١٢)؛ والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٧٩٥)؛ والدارمي (٢/ ٤٣)؛ وابن حبان (٥٨٣١)؛ والطحاوي في \"المشكل\" (١٤٨٣)؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٢/ رقم ١٤)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (٥٢١٦ - بيروت) من طرق عن شعبة، ثنا سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه مرفوعًا. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁.\n(^٩) في (ن): \"الحلية\"!!\n(^١٠) أخرجه البخاري (٥/ ١٧٧)؛ ومسلم (٢٢٤٩/ ١٥).\n(^١١) في (ن): \"يبين بذلك تعالى\".\n(^١٢) في (ك): \"عداوته\".\n(^١٣) في (ن): \"ونبه\".","vol":"1","page":551},{"text":"<span id=\"aya-113\"></span>﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾.\nقال ابن أبي (^١) طلحة، عن ابن عباس ﵄: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما نبذل من آية.\nوقال ابن جريج (^٢)، عن مجاهد: \"ما ننسخ من آية\"؛ [أي: ما نمحو من آية. وقال ابن أبي (^٣) نجيح، عن مجاهد: \"ما ننسخ من آية\"] (^٤)؛ قال: نثبت خطها، ونبدل حكمها. حدث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁.\nوقال ابن أبي (^٥) حاتم: وروي عن أبي العالية، ومحمد بن كعب القوظي نحو ذلك.\nوقال الضحاك (^٦): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما ننسك.\nوقال عطاء (^٧): أما ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ فما (نترك) (^٨) من القرآن.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩): يعني ترك، ﴿مَا﴾ (^١٠) ينزل على محمد ﷺ.\nوقال السدي (^١١): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ سخها: قبضها.\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" (٤)؛ وابن جرير (١٧٤٧) قال: حدثني المثنى، وهو ابن إبراهيم؛ وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١٧٠٢) قال: حدثنا أبي؛ والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١/ ٣٦٢) من طريق عثمان بن سعيد أربعتهم قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة به. [وسنده ثابت].\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٦٩) من طريق عبد الوهاب بن عطاء؛ وأبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" (٥) قال: حدثنا حجاج الأعور كلاهما عن ابن جريج، عن مجاهد به؛ وابن جريج لم يسمع من مجاهد إلا حرفًا. وقد أخرجه ابن جرير (١٧٤٩) من طريق شبل بن عباد المكي، وأبو جعفر النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (١١)؛ وابن أبي حاتم (١٠٦٢) من طريق ورقاء كلاهما عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد مثله وسنده قوي.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٧٥٠) من طريق بكر بن شوذب، وابن أبي حاتم (١٠٦٢) من طريق ورقاء كلاهما عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أصحاب عبد الله بن مسعود فذكره.\nوعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٢٥٥)؛ لآدم بن أبي إياس في \"تفسيره\"؛ وأبي داود في \"الناسخ والمنسوخ\"؛ وأخرجه البيهقي في \"الأسماء\" (١/ ٣٦٣) من طريق آدم بن أبي إياس في \"تفسيره\" قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح به: وسنده قوي أيضًا، وأصحاب ابن مسعود لم أقف على أعيانهم في هذا الخبر، ولكن ينجبر الأمر باجتماعهم في مثل هذا الأثر الموقوف، والله أعلم.\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) في \"تفسيره\" (١/ ٣٢٢).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٦١) قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا أبو عبد الرحمن الحارثي، عن قرة بن خالد، عن الضحاك. والحارثي لم أهتد إليه؛ وأخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" (١٣) معلقًا قال: \"يحدثون بذلك عن قرة بن خالد، عن الضحاك، عن ابن مسعود. وهذا مع تعليقه فهو منقطع وهذا الأثر عزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٢٥٥) لعبد بن حميد وابن المنذر في \"تفسيرهما\" عن الضحاك بن مزاحم\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٦٣) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن عطاء؛ وأخرجه ابن جرير (١٧٦٣) من طريق هشيم بن بشير، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء قال: نؤخرها. [وسنده حسن].\n(^٨) في (ك) و(ل): \"ترك\".\n(^٩) في \"تفسيره\" (١/ ٣٢٢).\n(^١٠) في (ن): \"فلم\".\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٧٤٦) قال: حدثني موسى بن هارون؛ وابن أبي حاتم (١٠٦٤) قال: حدثنا أبو زرعة =","vol":"1","page":552},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^١): يعني: قبضها رفعها؛ مثل قوله: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة\" (^٢). وقوله: \"لو كان لابن آدم واديان من (مال) (^٣) لابتغى لهما ثالثًا\" (^٤).\nوقال ابن جرير (^٥): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما ننقل من حكم آية إلى غيره، فنبدله ونغيره؛ وذلك أن نحول الحلال حرامًا والحرام حلالًا، والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ.\nوأصل النسخ: من \"نسخ الكتاب\"، وهو: نقله (من) (^٦) نسخة (إلى) (^٧) أخرى غيرها فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل (عبادة إلى غيرها) (^٨)، وسواء نسخ حكمها أو خطها؛ إذ هي في (كلتا) (^٩) حالتيها منسوخة.\nوأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ. والأمر في ذلك قريب؛ لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء. (ولخص) (^١٠) بعضهم: أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر؛ فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل، وعكسه، والنسخ لا إلى (بدل) (^١١).\nوأما تفاصيل أحكام النسخ، وذكر أنواعه وشروطه (فمبسوط) (^١٢) في (فن) (^١٣) أصول الفقه.\nوقال الطبراني (^١٤): حدثنا أبو شبيل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل، عن سلميان بن أرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه؛ قال: قرأ رجلان\n_________\n= قالا: ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي به. وسنده حسن.\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٣٢٣).\n(^٢) صحيح. وأخرجه البخاري (١٢/ ١٣٧)؛ ومسلم (١٥/ ١٦٩١).\n(^٣) في (ن): \"ذهب\".\n(^٤) صحيح. أخرجه مسلم (١٠٥٠/ ١١٩).\n(^٥) في \"تفسيره\" (٢/ ٤٧١، ٤٧٢ - شاكر).\n(^٦) وقع في (ج): \"من\".\n(^٧) من (ن).\n(^٨) في \"تفسير الطبري\": \"ونقل عبارته عنه إلى غيرها\" ونقل الشيخ أبو فهر محمود شاكر ﵀ عن \"ابن كثير\": \"ونقل عبارة إلى غيرها\"، وهذا تصحيف، والصواب: \"عبادة\" بالدال المهملة، وثبت ذلك في كل \"الأصول\"، والسياق يدل عليها. والله أعلم.\n(^٩) في (ج) و(ك) و(ل): \"كلتى\".\n(^١٠) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ي)؛ وفي (ج) و(ل): \"ويخص\"؛ وفي (ن): \"لحظ\".\n(^١١) في (ن): \"بدله\".\n(^١٢) في (ن): \"مبسوطة\".\n(^١٣) ساقط من (ن) و(ي).\n(^١٤) في \"المعجم الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٣١٤١)؛ وفي \"الأوسط\" (٤٦٣٧) وقال: \"لم يرو هذا الحديث عن الزهري، إلا سليمان بن أرقم، تفرد به العباس\".\nقلت: فأما العباس بن الفضل فهو أبو الفضل البصري نزيل الموصل، تركه العجلي والنسائي، وقال: \"ليس بثقة\" وكذلك قال ابن معين، وقال البخاري: \"منكر الحديث\" وهذا جرح شديد عنده، وكذلك قال مسلم وأبو حاتم وزاد: \"ضعيف الحديث\". وقال أبو زرعة: \"لا يصدق\"؛ وسليمان بن أرقم متروك الحديث وبه أعل الحديث الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٣١٥) فالإسناد ضعيف جدًّا وقد خالفه معمر بن راشد فرواه عن الزهري أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ … فذكره نحوه. أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (ج ٩ رقم ٥٩٨٢) هكذا معضلًا فهذا يدل على بطلان ما رواه سليمان بن أرقم عن الزهري. والله أعلم.","vol":"1","page":553},{"text":"سورةً أقرأهما رسول الله ﷺ، فكانا يقرآن بها، (فقاما) (^١) ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا (غاديين) (^٢) على رسول الله ﷺ، فذكرا ذلك له؛ فقال رسول الله ﷺ: \"إنها مما نُسخ وأُنسى، فالهوا عنها\" فكان الزهري يقرؤها: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ بضم النون (خفيفة) (^٣). سليمان بن أرقم ضعيف (^٤).\n[قد روى (أبو بكر) (^٥) بن الأنباري (^٦)، عن أبيه، عن نصر بن داود] (^٧)، (^٨) [عن (أبي عبيد) (^٩)، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن (يونس) (^١٠)، وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعًا: ذكره القرطبي (^١١)] (٨).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ فقرئ على وجهين: \"ننساها\" و\"ننسها\" فأما من قرأها بفتح النون والهمزة بعد السين فمعناه: نؤخِّرها. قال علي بن أبي طلحة (^١٢)، عن ابن عباس: \"ما ننسخ من آية أو ننسأها\": يقول: ما نبدِّل من آية أو نتركها لا نبدلها. وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: أو ننسأها نثبت خطها ونبدل حكمها. (وقال) (^١٣) عبيد بن عمير (^١٤)، ومجاهد (^١٥)،\n_________\n(^١) في (ج): \"فباتا\".\n(^٢) في (ج): \"غادين\".\n(^٣) في (ن): \"الخفيفة\".\n(^٤) بل هو متروك، ومثل هذا التسامح له مضاره، لا سيما عند من يكثرون من الاحتجاج أو الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة. والله الموفق.\n(^٥) ساقط من (ل).\n(^٦) في كتاب \"المصاحف\" كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٢٥٦) ورواه من طريق أبي عبيد القاسم بن سلام، وهذا في \"كتاب الناسخ والمنسوخ\" (١٧)؛ وعبد الله بن صالح في حفظه مقال معروف ولكن أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٧/ ١٥٧) من طريق محمد بن علي بن عيسى؛ وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" (ص ١٣٦) من طريق الإمام أحمد قالا: ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن رهطًا من أصحاب النبي ﷺ أخبروه أنه قام رجل منهم من جوف الليل، يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها، فلم يقدر منها على شيء إلا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [الفاتحة] فأتى باب رسول الله ﷺ حين أصبح، ليسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، ثم جاء آخر وآخر، حتى اجتمعوا فسأل بعضهم بعضًا: ما جمعهم؟! فأخبر بعضهم بعضًا بشأن تلك السورة، ثم أذن لهم رسول الله ﷺ فأخبروه خبرهم، وسألوه عن السورة، فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئًا، ثم قال: \"نسخت البارحة\"، فنسخت من صدورهم، ومن كل شيء كانت فيه.\nوهذا إسناد صحيح.\n(^٧) من (ج) و(ل) و(ن).\n(^٨) من (ج) و(ل) و(ن).\n(^٩) في (ن): \"أبي عبيد الله\"!\n(^١٠) في (ل): \"يونس وعبيد وعقيل\"! وقوله: \"عبيد\" مقحم لا معنى له.\n(^١١) في \"تفسيره\" (٢/ ٦٨).\n(^١٢) مر تخريجه هو وأثر مجاهد الذي بعده آنفًا.\n(^١٣) في (ج): \"وكما قال\".\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (١٧٦٨) من طريق القاسم بن سلام، وهذا في \"الناسخ والمنسوخ\" (١٠) قال: حدثنا حجاج، وهو ابن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير. وهذا سند جيد وصرح ابن جريج بالتحديث عند ابن جرير (١٧٦٧). ووقع في الإسناد خطأ نبه عليه ابن جرير.\n(^١٥) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ\" (٨) قال: حدثنا يزيد، عن جرير بن حازم عن حميد الأعرج، عن مجاهد. وسنده جيد. ويزيد هو ابن هارون وذكر محقق \"كتاب الناسخ\" أن يزيد هو ابن أبي حبيب!! وهو غلط ظاهر.","vol":"1","page":554},{"text":"وعطاء (^١)، أو ننسأها: نؤخرها ونرجئها.\nوقال عطية العوفي (^٢): أو ننسأها: نؤخرها فلا ننسخها.\nوقال السدي (^٣) مثله أيضًا، وكذا (قال) (^٤) الربيع بن أنس (^٥). وقال الضحاك (^٦): \"ما ننسخ من آية أو ننسأها\"؛ يعني: الناسخ من المنسوخ.\nوقال أبو العالية (^٧): \"ما ننسخ من آية أو ننسأها\": نؤخرها عندنا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨): حدثنا عبيد اللّه بن إسماعيل البغدادي، حدثنا خلف، حدثنا الخفاف، عن إسماعيل - يعني: (ابن مسلم) (^٩) -، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: خطبنا عمر ﵁، فقال: يقول الله ﷿: \"ما ننسخ من آية أو ننسأها\"؛ أي: نؤخرها.\nوأما على قراءة (أو ننسها): فقال عبد الرزاق (^١٠)، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: كان الله ﷿ ينسي نبيه ﷺ ما يشاء، وينسخ ما يشاء.\nوقال ابن جرير (^١١): حدثنا سوار بن عبد الله، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال - في قوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ -؛ قال: إن نبيكم ﷺ قرآنًا ثم نسيه.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢): حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا محمد بن الزبير الحراني، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٧٦٣) قال: حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا: ثنا هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء؛ وأخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (٢٠٩) قال: نا مروان بن معاوية الفزاري عن عبد الملك؛ وأخرجه أبو عبيد في \"الناسخ\" (٧) قال: حدثنا هشيم ومعاوية الفزاري كلاهما عن عبد الملك. وسنده قوي.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٧٦٦) قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي. وسنده جيد. والأهوازي قال النسائي فيه: \"صالح\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٧٣) وسنده حسن.\n(^٤) من (ك).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٧٥). [وسنده جيد].\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٧٦١) قال: حدثنا أبو كريب؛ وابن أبي حاتم (١٠٦٨) من طريق ابن نفيل قالا: ثنا هشيم قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك. وسنده ساقط. وجويبر تالف.\n(^٧) أشار إليه ابن أبي حاتم.\n(^٨) في \"تفسيره\" (١٠٧٠).\nوأخرجه أبو طاهر المخلص في \"الفوائد\" (ج ٤/ ق ١٧٠/ ١) من طريق عمر بن شبة، ثنا بشر بن عمر الزهراني، ثنا هارون المعلم، ثنا إسماعيل المكي بسنده سواء.\nوسنده ضعيف جدًّا، وإسماعيل بن مسلم المكي تركه النسائي وغيره مثل يحيى القطان وابن مهدي وقال ابن معين: \"ليس بشيء\" وقال أحمد وغيره: \"منكر الحديث\" وضعفه الجوزجاني جدًّا.\n(^٩) في (ن): \"بن أسلم\".\n(^١٠) في \"تفسيره\" (١/ ٥٥) ومن طريقه ابن جرير (١٧٥٢).\nوأخرجه ابن جرير (١٧٥١) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وكلاهما صحيح.\n(^١١) في \"تفسيره\" (١٧٥٤) وسنده صحيح.\n(^١٢) في \"تفسيره\" (١٠٦٥). =","vol":"1","page":555},{"text":"الحجاج - يعني: الجزري -، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: كان مما ينزل على النبي ﷺ الوحي بالليل، وينساه بالنهار؛ فأنزل الله ﷿: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.\nقال ابن أبي حاتم: قال (لي) (^١) أبو جعفر بن نفيل: ليس هو الحجاج بن أرطاة، هو شيخ لنا جَزَري.\nوقال عبيد بن عمير (^٢): (أو ننسها): نرفعها من عندكم.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة؛ قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: \"ما ننسخ من آية أو ننسها\"؛ قال: قلت له فإن سعيد بن المسيب يقرأ \"أو تنساها\"؛ قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب، ولا على آل المسيب؛ قال: قال الله جل ثناؤه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى]، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤].\nوكذا رواه عبد الرزاق، عن هشيم.\nوأخرجه الحاكم في \"مستدركه\" (^٤) من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، به، وقال: \"على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\".\nقال ابن أبي حاتم: وروى عن محمد بن كعب، وقتادة، وعكرمة نحو قول سعيد.\n_________\n= وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٢٤٣) من طريق محمد بن يحيى، وأبو علي الحراني في \"تاريخ الرقة\" (ص ١٢٨)؛ وأبو أحمد الحاكم في \"كتاب الكنى\" (ق ٣٦/ ١) من طريق هلال بن العلاء قالا: ثنا ابن نفيل بسنده سواء.\nقال أبو أحمد الحاكم: \"لا أعلم لمحمد بن الزبير الرهاوي متابعًا في هذا الحديث عن حجاج، وهو حديث شاذ بهذا الإسناد\".\nقلت: وهذا الحديث منكر بهذا الإسناد، ومحمد بن الزبير منكر الحديث كما قال ابن عدي وقال أبو حاتم وأبو أحمد الحاكم: \"ليس بالمتين\" وقال أبو زرعة: \"في حديثه شيء\" وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(^١) ساقط من (ج).\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس في \"تفسيره\". كما في \"تفسير مجاهد\" (ص ٨٥)، ومن طريقه ابن أبي حاتم (١٠٧١). [وسنده صحيح].\n(^٣) في \"تفسيره\" (١٧٥٥). ووقع عنده: \"هشيم أخبرنا يعلى\".\nوأخرجه أبو عبيد في \"الناسخ\" (١٥)؛ وعبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٥٥) ومن طريقه ابن جرير (١٧٥٦)؛ وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (٢٠٨)؛ وابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ١٠٧)؛ والحاكم (٢/ ٥٢١) من طريق هشيم بن بشير بهذا الإسناد، وقد وقع اختلاف في هذا الحرف بين هذه الروايات.\nوتوبع هشيم، تابعه شعبة، عن يعلى بن عطاء بسنده سواء.\nأخرجه أبو داود في \"الناسخ والمنسوخ\"، كما في \"أطراف المزي\" (٣/ ٣٠٩)؛ والنسائي في \"التفسير\" (١٦)؛ وابن جرير (١٧٥٧)؛ وابن أبي حاتم (١٠٦٦)؛ وابن أبي داود (ص ١٠٧، ١٠٨)؛ والحاكم (٢/ ٢٤٢) من طرق عن شعبة به. قال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" كذا قال! والقاسم بن ربيعة بن قانف مجهول ما روى عنه سوى يعلى بن عطاء كما قال الذهبي.\n(^٤) (٢/ ٢٤٢) وقد سقط ذكر \"آدم بن أبي إياس\" من إسناد \"المستدرك\" فليستدرك.","vol":"1","page":556},{"text":"وقال الإمام (^١) أحمْدِ (حدثنا يحيى) (^٢)، حدثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا، وأُبي أقرؤنا، وإنا لندع [بعض ما يقول [أُبي، وأُبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فلن أدعه لشيء، والله يقول] (^٣) ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾] (^٤) قال البخاري (^٥): (حدثنا عمرو بن علي) (^٦)، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: اقرؤنا أُبيَّ، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أُبي؛ (وذلك أن) (^٧) أُبيا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ، وقد قال الله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾.\nوقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي: في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة (^٨)، عن ابن عباس: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يقول: خير لكم في المنفعة وأرفق بكم.\nوقال أبو العالية (^٩): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فلا نعمل بها، \"أو ننسأها\"؛ أي: نرجئها عندنا. نأت بها، أو نظيرها.\nوقال السدي (^١٠): ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول: نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي تركناه.\nوقال قتادة (^١١): ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.\n\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾:\n_________\n(^١) في \"مسنده\" (٥/ ١١٣) وقد مر تخريجه (١/ ٢٤٤، ٢٤٥).\n(^٢) ساقط من (ض) و(ل).\n(^٣) ساقط من (ج).\n(^٤) وقعت هذه الفقرة في (ن) هكذا: \"وإنا لندع من بعض قول أني ما يقول أبي وذاك أن أبيا يقول: ما أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ، والله يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ …﴾ [البقرة: ١٠٦]، وكأن الناسخ دخلت له رواية أحمد في رواية البخاري التي بعدها، ولفظ رواية أحمد يختلف قليلًا عما ذكره ابن كثير هنا.\n(^٥) في \"التفسير\" (٨/ ١٦٧).\n(^٦) سقط من كل \"الأصول\" ولا بد منه، لأن البخاري لم يرو شيئًا عن يحيى القطان، وهو من شيوخ شيوخه، وقد روى البخاري هذا الحديث في \"فضائل القرآن\" (٩/ ٤٧) عن شيخه صدقة بن الفضل، عن يحيى القطان، ثم رواه في \"التفسير\" (٨/ ١٦٧) عن شيخه عمرو بن علي عن يحيى القطان، واللفظ الذي أورده المصنف هنا هو لفظ عمرو، لذلك أثبته. والله أعلم.\n(^٧) ساقط من (ل)؛ وفي (ج): \"ذاك\".\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٧٧١) قال: حدثني المثنى؛ وابن أبي حاتم (١٠٧٢) قال: حدثنا أبي قالا: ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة. [وسنده ثابت].\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٧٥). [وسنده جيد].\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٧٧٣)؛ وابن أبي حاتم (١٠٧٦). [وسنده حسن].\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٧٧٢) قال: حدثني الحسن بن يحيى؛ وابن أبي حاتم (١٠٧٧) قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قالا: ثنا عبد الرزاق وهذا في \"تفسيره\" (١/ ٥٥)، أنبأنا معمر، عن قتادة. وسنده صحيح.","vol":"1","page":557},{"text":"(يرشد تعالى) (^١) بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر، وهو المتصرف؛ فكما (يخلقهم) (^٢) كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقى من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء - كذلك يحكم في عباده بما يشاء؛ فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء؛ وهو الذي يحكم ما يريد؛ لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون؛ ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ؛ فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى؛ فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره، واتباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا.\nوفي هذا المقام رد عظيم، وبيان بليغ لكفر اليهود، وتزييف شبهتهم، لعنهم الله، في دعوى استحالة النسخ؛ إما عقلًا كما زعمه بعضهم جهلًا وكفرًا؛ وإما نقلًا كما تخرصه آخرون منهم افتراءً وإفكًا.\nقال الإمام أبو جعفر (^٣) بن جرير ﵀: فتأويل الآية: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السموات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، (وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء) (^٤)، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي بما أشاء، وأقر فيهما ما أشاء.\nثم قال (^٥): وهذا الخبر وإن كان خطابًا من الله تعالى لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام (لمجيئهما) (^٦) بما جاءا به من عند اللّه بتغيير ما غيَّر الله من حكم التوراة؛ فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته، وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه.\nقلت: الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد؛ فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى؛ لأنه يحكم ما يشاء؛ كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباحًا لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها. [وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل] (^٧) [من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل] (^٨)، وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه.\nوما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية فلا تصرف الدلالة في المعنى؛ إذ هو المقصود،\n_________\n(^١) في (ن): \"يرشد عباده تعالى\".\n(^٢) في (ن): \"خلقهم\".\n(^٣) في \"تفسيره\" (٢/ ٤٨٨).\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) يعني: ابن جرير.\n(^٦) في (ج) و(ل): \"بمجيئهما\".\n(^٧) من (ج) و(ل).\n(^٨) من (ج) و(ل).","vol":"1","page":558},{"text":"وكما في كتبهم مشهورًا من البشارة بمحمد (ﷺ) (^١) والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته عليه (الصلاة و) (^٢) السلام، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته، وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مغياة إلى بعثته ﵇، فلا يسمى ذلك نسخًا؛ كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nوقيل: إنها مطلقة، وإن شريعة محمد ﷺ نسختها، فعلى كل تقدير فوجوب (اتباعه) (^٣) (متعين) (^٤)؛ لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدًا بالله ﵎ (^٥).\n\n<span id=\"aya-114\"></span>[ففي هذا المقام (بيَّن) (^٦) تعالى جواز النسخ ردًا على اليهود عليهم لعائن الله، حيث قال تعالى: [﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾] (^٧) (^٨). [﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) …﴾ الآية، فكما أن له الملك بلا منازع فكذلك له الحكم بما يشاء: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقرئ في \"سورة آل عمران\" التي نزل صدرها خطابًا مع أهل الكتاب وقوع النسخ (عند اليهود) (^٩) في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]، الآية كما سيأتي تفسيره.\nوالمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكمة البالغة؛ وكلهم قال بوقوعه.\nوقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن. وقوله (هذا) (^١٠) ضعيف مردود مرذول. وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول لم يجب عن ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس لم يجب بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ وغير ذلك. والله أعمل] (^١١).\n\n<span id=\"aya-115\"></span>﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾.\nنهى الله (تبارك) (^١٢) وتعالى (المؤمنين) (^١٣) في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي ﷺ عن الأشياء قبل كونها؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين\n_________\n(^١) ساقط من (ج) و(ل).\n(^٢) من (ض).\n(^٣) في (ن): \"متابعته\".\n(^٤) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(ن) و(ي). ووقع في (ز) و(ض) و(ك): \"معين\".\n(^٥) في هامش (ع): \"بلغ مقابلة بقراءة المصنف معارضًا بأصله، فسح الله في مدته وحرسه\".\n(^٦) في (ن): \"يبين\".\n(^٧) من (ن).\n(^٨) من (ج) و(ل) و(ن).\n(^٩) ساقط من (ن).\n(^١٠) ساقط من (ن).\n(^١١) من (ج) و(ل) و(ن).\n(^١٢) من (ي).\n(^١٣) من (ن).","vol":"1","page":559},{"text":"لكم؛ ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة؛ ولهذا جاء في \"الصحيح\" (^١): \" (إن) (^٢) أعظم المسلمين (في المسلمين) (^٣) جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم (من أجل) (^٤) مسألته\". ولهذا جاء في الصحيحين \"إن أعظم المسلمين حِرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته\".\nولما سئل (^٥) رسول الله ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلًا فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك؛ فكرة رسول الله ﷺ المسائل وعابها، ثم أنزل الله حكم الملاعنة.\nولهذا ثبت في \"الصحيحين\" (^٦) من حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال.\nوفي \"صحيح مسلم\" (^٧): \"ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه\". وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج؛ فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثًا. ثم قال ﵇: \"لا، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم\"؛ ثم قال: \"ذروني ما تركتكم … \" الحديث.\n(ولهذا) (^٨) قال أنس بن مالك (^٩) (﵁) (^١٠): نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (^١١): أخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب؛ قال: إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن الشيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب.\nوقال البزار (^١٢): حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣/ ٢٦٤)، ومسلم (٢٣٥٨/ ١٣٢ - ١٣٣).\n(^٢) من (ن).\n(^٣) من (ج) و(ع).\n(^٤) في (ج): \"لأجل\".\n(^٥) هذا جزء من حديث يرويه الزهري: (صحيح البخاري ٩/ ٤٤٦).\n(^٦) أخرجه البخاري (٣/ ٣٤١؛ و٥/ ٦٨؛ و١٠/ ٤٠٥)؛ ومسلم (٣/ ١٣١٤).\n(^٧) بل هو في \"صحيح البخاري\" (١٣/ ٢٥١) من طريق الأعرج، عن أبي هريرة دون سبب الورود وقد أخرجه مسلم (١٣٣٧/ ١٣١).\n(^٨) كذا في (ن). وفي باقي \"الأصول\": \"وهكذا\".\n(^٩) أخرجه البخاري (١/ ١٤٩) معلقًا، ووصله مسلم (١٢/ ١٠، ١١).\n(^١٠) من (ع).\n(^١١) يعني: في \"المسند الكبير\" ولم أجده في \"المطبوع\". وسنده جيد.\n(^١٢) أخرجه الدارمي (١/ ٤٨) قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، وهو أبو بكر، والطبراني في \"الكبير\" (ج ١١/ رقم ١٢٢٨٨)؛ والوزير ابن الجراح في \"الثاني من الأمالي\" (١١٩ - بتحقيقي) من طريق أبي جعفر أحمد بن بديل؛ وأبو يعلى في \"مسنده\"، كما في \"إتحاف الخيرة\" (ق ٦٠/ ٢) للبوصيري، قال: حدثنا زهير بن حرب. وابن بطة في \"الإبانة\" (١/ ٣٩٨) من طريق علي بن حرب قالوا: ثنا ابن فضيل بسنده سواء. وتابع جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب بسنده سواء.\nذكره ابن عبد البر في \"جامع العلم\" (٢/ ١٧٣) وهذا سند ضعيف ومحمد بن فضيل وجرير سمعا من =","vol":"1","page":560},{"text":"جبير، عن ابن عباس (﵄) (^١) قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد ﷺ؛ ما سألوه إلا عن ثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقره:٢١٧]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة:٢٢٠] يعني: هذا وأشباهه.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بل تريدون. أو هي على بابها في الاستفهام؛ وهو إنكاري، وهو يعم المؤمنين والكافرين؛ فإنه ﵇ رسول الله إلى الجميع؛ كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣].\nقال محمد بن إسحاق (^٢): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس؛ قال: قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد: يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه. وفجر لنا أنهارًا نتبعك ونصدقك. فأنزل الله من قولهم ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾.\nوقال أبو جعفر الرازي (^٣)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ قال: قال رجل: يا رسول الله، لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل؟ فقال النبي ﷺ: اللهم لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل؛ كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبةً على بابه وكفارتها؛ فإن كفر كانت له خزيًا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الآخرة، فما أعطاكم اللّه خير مما أعطى بني إسرائيل. قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء].\nوقال (^٤): \"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن\".\nوقال (^٥): \"من همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك\"؛ فأنزل الله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.\nوقال مجاهد (^٦): ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يريهم الله جهرةً.\n_________\n= عطاء بن السائب بعد الاختلاط. والحديث عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٥٨٦) لابن المنذر.\n(^١) من (ل).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٧٧٧)؛ وابن أبي حاتم (١٠٨١) من طريق سلمة بن الفضل، زاد ابن جرير: ويونس بن بكير، قالا: ثنا ابن إسحاق بسنده سواء. [وسنده حسن].\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٧٨٣)؛ وابن أبي حاتم (١٠٨٣) من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه بهذا الإسناد. وهذا سند ضعيف لإرساله.\n(^٤) هذا استشهاد من أبي العالية، ولكن الحديث صحيح.\nأخرجه مسلم (٢٣٣/ ١٤).\n(^٥) أخرجه البخاري في \"كتاب الرقاق\" (١١/ ٣٢٣)؛ وأخرجه مسلم (١٣١/ ٢٠٨).\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٧٨٠) من طريق عيسى؛ وابن أبي حاتم (١٠٨٢) من طريق ورقاء كلاهما عن ابن نجيح، عن مجاهد فذكره وهذا سند ضعيف لإرساله فمجاهد لم يدرك النبي ﷺ وأخرجه ابن جرير=","vol":"1","page":561},{"text":"قال: سألت قريش محمدًا ﷺ أن يجعل لهم \"الصفا\" ذهبًا، قال: \"نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل\"؛ فأبوا ورجعوا.\nوعن السدي (^١) وقتادة (^٢) نحو هذا. والله أعلم.\nوالمراد أن الله ذم من سأل الرسول ﷺ عن شيء على وجه التعنت، والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ تعنتًا وتكذيبًا وعنادًا.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: ومن (يشتر) (^٣) الكفر بالإيمان ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال.\nوهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم].\nوقال أبو العالية (^٤): يتبدل الشدة بالرخاء.\n\n<span id=\"aya-116\"></span>﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾.\nيحذر (تبارك و) (^٥) تعالى عباده المؤمنين عن سلوك (طرائق) (^٦) الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم؛ ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح؛ ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه؛ كما قال محمد بن إسحاق (^٧): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن\n_________\n= (١٧٨١) من طريق ابن جريج، عن مجاهد مثله. وقد قدمنا غير مرة أن ابن جريج لم يسمع من مجاهد إلا حرفًا. [ويتقوى بالمراسيل التالية].\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٧٧٩) قال: حدثنا موسى بن هارون؛ وابن أبي حاتم (١٠٨٤) قال: حدثنا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد بن طلحة، عن السدي فذكر الآية ثم قال: فسألت العرب رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالله فيروه جهرة. [وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه].\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٧٧٨) من طريق يزيد بن زريع ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مثل قول السدي. وأشار إليه ابن أبي حاتم (١/ ٣٣٠) [وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بما سبق].\n(^٣) في (ج) و(ك) و(ل) و(ن) و(ي): \"يشتري\".\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٧٨٤)؛ وابن أبي حاتم (١٠٨٥) من طريق عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه عن أبي العالية؛ وأخرجه ابن جرير (١٧٨٥) من طريق حجاج عن ابن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية. [وسنده جيد].\n(^٥) من (ل).\n(^٦) في (ن): \"طريق\".\n(^٧) أخرجه ابن إسحاق، ومن طريقه ابن جرير (١٧٨٨)؛ وابن أبي حاتم (١٠٨٨). [وسنده حسن].","vol":"1","page":562},{"text":"ابن عباس؛ قال: كان حيي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب، من أشد يهودٍ للعرب حسدًا؛ إذ خصهم الله برسوله ﷺ؛ وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا؛ فأنزل الله فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ …﴾ الآية.\n[وقال عبد الرزاق (^١)، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (^٢) قال: هو كعب بن الأشرف.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك، عن أبيه: أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو النبي ﷺ (وفيه) (^٤) أنزل الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ …﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾.\nوقال الضحاك (^٥)، عن ابن عباس: إن رسولًا أميًّا يخبرهم بما في أيديهم من (الرسل والكتب) (^٦) والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا وحسدًا وبغيًا. وكذلك قال الله تعالى: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ يقول (^٧): من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئًا، ولكن الحسد حملهم على الجحود؛ فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة؛ وشرع لنبيه ﷺ وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار (بما أنزل الله (^٨) عليهم)، وما أنزل من قبلهم بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم.\nوقال الربيع (^٩) بن أنس: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ من قبل أنفسهم.\nوقال أبو العالية (^١٠): [﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾] (^١١) من بعد ما تبين (لهم) (^١٢) أن محمدًا رسول الله، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدًا وبغيًا؛ إذ كان من غيرهم.\nوكذا قال قتادة (^١٣)، والربيع بن أنس (^١٤) والسدي.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ٥٥) ومن طريقه ابن جرير (١٧٨٦)؛ وابن أبي حاتم (١٠٨٩). [وسنده صحيح].\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) في \"تفسيره\" (١٩٠٠). [وسنده صحيح].\nوقد روى جابر بن عبد الله ﵄ قصة مقتل كعب بن الأشرف.\nأخرجه البخاري في \"كتاب الرهن\" (٥/ ١٤٢)؛ وفي \"كتاب المغازي\" (٧/ ٣٣٦، ٣٣٧).\n(^٤) في (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى): \"فيهم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٩١) وسنده ضعيف.\n(^٦) في (ز) و(ن): \"الكتب والرسل\".\n(^٧) يعني: ابن عباس بالإسناد المتقدم آنفًا. وقد أخرج هذه الرواية ابن أبي حاتم أيضًا (١٠٩٣)؛ وابن جرير (١٧٩٥).\n(^٨) في (ز) و(ض): \"بما أنزل عليهم\".\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٧٨٩)؛ وابن أبي حاتم (١٠٩٢) [وسنده جيد].\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٧٩١)؛ وابن أبي حاتم (١٠٩٤) [وسند جيد].\n(^١١) ساقط من (ج).\n(^١٢) من (ج) و(ع) و(ل).\n(^١٣) أخرجه ابن جرير (١٧٩٠) بسند صحيح.\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (١٧٩٢) [وسنده جيد].","vol":"1","page":563},{"text":"وقوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا …﴾ [آل عمران: ١٨٦].\nقال علي بن أبي طلحة (^١)، عن ابن عباس - في قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ نسخ ذلك قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ …﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فنسخ هذا عفوه عن المشركين.\nوكذا قال أبو العالية (^٢)، والربيع بن أنس (^٣)، وقتادة (^٤)، والسدي (^٥): إنها منسوخة بآية السيف؛ ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦): حدثنا أبي، حدثنا (أبو اليمان) (^٧)، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره؛ قال: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى؛ قال الله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩].\nوكان رسول الله ﷺ من العفو ما أمره الله به حتى أذن الله (فيهم بقتل) (^٨) فقتل الله به من قتل من صناديد قريش. وهذا (إسناد) (^٩) صحيح ولم أره في شيء من الكتب الستة؛ [ولكن له أصل في \"الصحيحين\" (^١٠)، عن أسامة بن زيد] (^١١) (﵄ - (^١٢).\n\n<span id=\"aya-117\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يحثهم) (^١٣) تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة؛ من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد؛ ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر]، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يعني: أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه، سواء كان خيرًا أو شرًا؛ فإنه سيجازي كل عامل بعمله.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٧٩٦) قال: حدثني المثنى؛ وابن أبي حاتم (١٠٩٦) قال: حدثنا أبي قالا: حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة. [وسنده ثابت].\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٩٧). [وسنده جيد].\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٧٩٨). [وسنده جيد].\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٧٩٧) من طريق سعيد بن أبي عروبة. وأيضًا (١٧٩٩) من طريق عبد الرزاق وهذا في \"تفسيره\" (١/ ٥٥) قال: نا معمر بن راشد كلاهما عن قتادة. [وسنده صحيح].\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٨٠٠) وأبو جعفر النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (١/ ٥١٤) [وسنده حسن].\n(^٦) في \"تفسير\" (١٠٩٥). [وصحح سنده الحافظ ابن كثير].\n(^٧) في (ك): \"أبو الوليد\" وهو خطأ؛ وفي (ن): \"أبو اليماني\"!\n(^٨) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى) وفي (ل): \"فيهم بالقتال\"؛ وفي (ن): \"فيهم بالقتل\".\n(^٩) في (ز) و(ن): \"إسناده\".\n(^١٠) يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في \"كتاب التفسير\" (٨/ ٢٣٠، ٢٣١)؛ وفي \"كتاب الأدب\" (١٠/ ٥٩١، ٥٩٢).\n(^١١) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى).\n(^١٢) من (ج) و(ل).\n(^١٣) في (ز) و(ض): \"يحث\".","vol":"1","page":564},{"text":"وقال أبو جعفر بن جرير (^١) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين أنهم مهما فعلوا من خير أو شر، سرًا وعلانيةً، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء، فيجزيهم بالإحسان خيرًا وبالإساءة مثلها.\nوهذا الكلام وإن كان (خرج) (^٢) مخرج الخبر فإن فيه وعدًا ووعيدًا، وأمرًا وزجرًا؛ وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدِّوا في طاعته؛ (إذا) (^٣) كان ذلك (مذخورًا) (^٤) لهم عنده حتى يثيبهم عليه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وليحذروا معصيته.\nقال: وأما قوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ فإنه مبصر، صرف إلى: \"بصير\"، كما صرف مبدع إلى: \"بديع\"، ومؤلم إلى: \"أليم\". والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥): حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو (يقترئ) (^٦) هذه الآية: سميع بصير - يقول: \"بكل شيء بصير\".\n\n<span id=\"aya-118\"></span>﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾.\nيبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على (ملتها) (^٧)، كما أخبر (الله) (^٨) عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه (يعذبهم) (^٩) بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم (من) (^١٠) دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودةً، ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد عليهم تعالى في ذلك.\nوهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة؛ فقال: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾.\nوقال أبو العالية (^١١): أماني تمنوها على الله بغير حق.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٢/ ٥٠٦ - شاكر).\n(^٢) كذا في \"الأصول\"؛ وفي \"تفسير الطبري\"؛ وفي (ن): \"قد خرج\".\n(^٣) في (ج) و(ل): \"إذ\".\n(^٤) كذا في (ج).\n(^٥) في \"تفسيره\" (١١٠٠) وسنده ضعيف.\n(^٦) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض): \"يفسر\"؛ وفي (ن): \"يقرأ\".\n(^٧) في (ل): \"مثلها\".\n(^٨) لفظ الجلالة من (ز) و(ن).\n(^٩) كذا في (ج و(ض) و(ع) و(ن) و(ل) و(ى)؛ وفي (ن): \"معذبهم\" وأشار إليها ناسخ (ى).\n(^١٠) في (ج) و(ل): \"في\".\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٢). [وسنده جيد].","vol":"1","page":565},{"text":"وكذا قال قتادة (^١)، والربيع بن أنس (^٢).\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ قال أبو العالية (^٣)، ومجاهد (^٤)، والسدي، والربيع بن أنس: حجتكم.\nوقال قتادة (^٥): بينتكم على ذلك.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي: فيما تدعونه) (^٦).\n\n<span id=\"aya-119\"></span>ثم قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ …﴾ الآية [آل عمران: ٢٠].\nوقال أبو العالية (^٧)، والربيع (^٨): ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يقول: من أخلص لله.\nوقال سعيد بن جبير (^٩): ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ أخلص. ﴿وَجْهَهُ﴾ قال: دينه ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: (متبع) (^١٠) فيه الرسول ﷺ فإن (للعمل) (^١١) المتقبل شرطين:\nأحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده. والآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل؛ ولهذا قال (رسول الله) (^١٢) ﷺ: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" رواه مسلم (^١٣) من حديث عائشة عنه عليه (الصلاة و) (^١٤) السلام، فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعًا للرسول (محمد) (^١٥) ﷺ المبعوث إليهم وإلى الناس كافةً. وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩].\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٨٠٢). [وسنده صحيح].\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٨٠٣). [وسنده جيد].\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٣). [وسنده جيد].\n(^٤) أثر مجاهد وما بعده، عند ابن جرير (١٨٠٥، ١٨٠٦، ١٨٠٧). [وسنده صحيح].\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٨٠٤) من طريق يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة. [وسنده صحيح].\nوأخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٤) من طريق يونس بن محمد المؤدب، ثنا شيبان النحوي، عن قتادة. وكلاهما صحيح.\n(^٦) في (ز) و(ض): \"كما تدعونه\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٦). [وسنده جيد].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٨١٠). [وسنده جيد].\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٧) قال: ذكر عن يحيى بن آدم، ثنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير. وسنده ضعيف.\n(^١٠) في (ن): \"اتبع\".\n(^١١) في (ك): \"في العمل\".\n(^١٢) من (ن).\n(^١٣) يرويه عبد الله بن جعفر المخرمي، قال: حدثني سعد بن إبراهيم قال: سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها، قال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد، ثم قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: \"من عمل عملًا … الحديث\" أخرجه البخاري (٥/ ٣٠١) معلقًا ووصله في \"خلق الأفعال\" (٢١٤)؛ وكذلك مسلم (١٧١٨/ ١٨) والسياق له.\n(^١٤) من (ن).\n(^١٥) من (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).","vol":"1","page":566},{"text":"[وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾] (^١) [الغاشية].\nوروي عن أمير المؤمنين عمر (﵁) (^٢) أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي.\nوأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله (تعالى) (^٣) فهو أيضًا مردود على فاعله. وهذا حال (المنافقين والمرائين) (^٤)؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢] وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون] ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.\nوقوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وأمنهم مما يخافونه من المحذور، فـ ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبلونه، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى مما يتركونه؛ كما قال سعيد بن جبير: فـ ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: في الآخرة؛ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يعني: لا يحزنون) (^٥) للموت.\n\n<span id=\"aya-120\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ (يبين) (^٦) به تعالى تناقضهم وتباغضهم، وتعاديهم وتعاندهم؛ كما قال محمد بن إسحاق (^٧): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ: فقال رافع بن حُريملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى والإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى، وكفر بالتوراة؛ فأنزل الله في ذلك في قولهما: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: إن كلًا يتلو في كتابه تصديق من كفر به؛ (أن) (^٨) يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ اللّه عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى، وما جاء من التوراة من عند الله؛ وكل يكفر بما في (يدي) (^٩) صاحبه.\nوقال مجاهد (^١٠) في تفسير هذه الآية: قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء.\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٢) من (ك) و(ن) و(ى).\n(^٣) من (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى).\n(^٤) في (ن): \"المرائين والمنافقين\".\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٦) في (ن): \"بين\".\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٨١١)؛ وابن أبي حاتم (١١١٠) من طريق محمد بن إسحاق به. [وسنده حسن].\n(^٨) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل). ووقع في (ز) و(ض) و(ن) و(ى): \"أي\".\n(^٩) في (ز) و(ن): \"يد\".\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٨١٤) من طريق ابن جريج عن مجاهد. وابن جريج لم يسمع من مجاهد إلا حرفًا.","vol":"1","page":567},{"text":"وقال قتادة (^١): ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: (بلى) (^٢). قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: بلى؛ قد كانت أوائل اليهود على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا.\nوعنه رواية أخرى؛ كقول أبي العالية (^٣)، والربيع بن أنس (^٤)، في تفسير هذه الآية: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ.\nوهذا القول يقتضي أن كلًا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى؛ ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه مع علمهم بخلاف ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: وهم يعلمون أن شريعة التوراة والإنجيل كل منهما قد كانت مشروعةً في وقت، (ولكن) (^٥) تجاحدوا فيما بينهم (عنادًا وكفرًا) (^٦)، ومقابلةً للفاسد بالفاسد؛ كما تقدم عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها. والله أعلم.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ بين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا به من القول؛ وهذا من باب الإيماء والإشارة.\nوقد اختلف فيمن عني بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فقال الربيع بن أنس (^٧)، وقتادة (^١): ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ قالا: وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم.\nوقال ابن جريج (^٨): قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقبل التوراة والإنجيل.\nوقال السدي (^٩): ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فهم العرب؛ قالوا: ليس محمد على شيء.\nواختار أبو جعفر بن جرير (^١٠) أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثم دليل قاطع يعين واحدًا من هذه الأقوال، (فالحمل) (^١١) على الجميع أولى. والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: إنه تعالى (يجمع) (^١٢) بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه، ولا يظلم مثقال الذرة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (١١١١) من طريق يونس بن محمد، ثنا شيبان النحوي عن قتادة، وأخرجه ابن جرير (١٨١٣) من طريق يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وكلاهما صحيح.\n(^٢) في (ج) و(ل): \"بل\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١١١٢). [وسنده جيد]\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٨١٢). [وأخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد].\n(^٥) في (ن): \"ولكنهم\".\n(^٦) في (ل): \"كفرًا وعنادًا\".\n(^٧) أخرج الأثرين معًا: ابن جرير (١٨١٦، ١٨١٧). [وسنده صحيح] وأخرج ابن أبي حاتم (١١١٦) أثر أبي العالية. [وسنده جيد].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٨١٨). [وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن].\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٨١٩) قال: حدثني موسى بن هارون؛ وابن أبي حاتم (١١١٤).\nقال: حدثنا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد بن طلحة، ثنا أسباط، عن السدي. [وسنده حسن]\n(^١٠) في \"تفسيره\" (٢/ ٥١٧، ٥١٨).\n(^١١) في (ن) \"والحمل\".\n(^١٢) في (ل): \"يحكم\".","vol":"1","page":568},{"text":"وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧] وكما قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ [سبأ: ٢٦].\n\n<span id=\"aya-121\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾.\nاختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا (﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾) (^١)، وسعوا في خرابها على قولين:\nأحدهما: ما رواه العوفي في \"تفسيره\" (^٢) عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال: هم النصارى.\nوقال مجاهد (^٣): هم النصارى، كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.\nوقال عبد الرزاق (^٤): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هو بختنصر وأصحابه، خرب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى.\nوقال سعيد (^٥)، عن قتادة؛ قال: أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بُغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.\nوقال السدي (^٦): كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس، حتى خربه، وأمر (به) (^٧) أن تطرح فيه الجيف؛ وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.\nوروى نحوه عن الحسن البصري (^٨).\nالقول الثاني: ما رواه ابن جرير (^٩): حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب؛ قال:\n_________\n(^١) في (ل) \"مساجد الله أن يذكر فيها اسمه\".\n(^٢) ومن طريقه ابن جرير (١٨٢٠)؛ وابن أبي حاتم (١١١٨) وسنده ضعيف.\nأخرجه ابن جرير (١٨٢١) من طريق عيسى بن ميمون وأيضًا (١٨٢٢) من طريق شبل بن عباد؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١١١٩) من طريق ورقاء بن عمر اليشكري ثلاثتهم عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد. وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٨٢١، ١٨٢٢)؛ وابن أبي حاتم (١١١٢) من طرق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. [سنده صحيح]\n(^٤) في \"تفسيره\" (١/ ٥٦) ومن طريقه ابن جرير (١٨٢٤)؛ وابن أبي حاتم (١١٢٠). [وسنده صحيح]\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٨٢٣) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٨٢٥). [سنده حسن]\n(^٧) ساقط من (ن).\n(^٨) نبَّه عليه ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٢).\n(^٩) في \"تفسيره\" (١٨٢٦) وسنده صحيح إلى ابن زيد، ولا يصح مرفوعًا من هذا الوجه.","vol":"1","page":569},{"text":"ابن زيد - في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هؤلاء المشركون حين حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طوى، وهادنهم، (وقال) (^١) لهم: ما كان أحد يصد عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده. فقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق.\nوفي قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: إذ قطعوا من يعمرها بذكره، ويأتيها للحج والعمرة.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢)، ذكر عن سلمة؛ قال: محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس - أن قريشًا منعوا النبي ﷺ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ثم اختار ابن جرير (^٣) القول الأول. واحتج بأن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.\nقلت: والذي يظهر - والله أعلم - القول الثاني، كما قاله ابن زيد، و(روي عن) (^٤) ابن عباس؛ لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس كان دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولًا إذ ذاك؛ لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى بن مريم؛ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.\nوأيضا فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول ﷺ وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام.\nوأما اعتماده على أن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله ﷺ وأصحابه، واستحوذوا عليهم بأصنامهم وأندادهم وشركهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٧]. وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ [الفتح: ٢٥] فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]، فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها؛ فأي خراب لها أعظم من ذلك؟ وليس المراد من عمارتها زخرفتها، وإقامة صورتها فقط؛ إنما عمارتها بذكر الله فيها، وإقامة شرعه فيها، ورفعها من الدنس والشرك.\nوقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ هذا خبر معناه الطلب؛ أي: لا\n_________\n(^١) في (ج): \"وكان\"!\n(^٢) في \"تفسيره\" (١١١٧).\n(^٣) (١/ ٥٢٢ - ٥٢٤) في كلام طويل.\n(^٤) ساقط من (ج) و(ل).","vol":"1","page":570},{"text":"تمكِّنوا هؤلاء، إذا قدرتم عليهم، من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية؛ ولهذا لما فتح رسول الله ﷺ مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: \"ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته\" (^١).\nوهذا كان تصديقًا وعملًا بقوله (تعالى) (^٢): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].\nوقال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلًا عن أن يستولوا عليها، (و) (^٣) يمنعوا المؤمنين منها.\nوالمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وغيرهم.\nوقيل: إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفًا، يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم.\nوقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول (الحرم) (^٤) وأوصى رسول الله ﷺ (^٥) أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن يجلى اليهود والنصارى منها. ولله الحمد والمنة.\nوما ذاك إلا (لتشريف) (^٦) أكناف المسجد الحرام، وتطهير البقعة التي بعث الله فيها رسوله إلى الناس كافةً بشيرًا ونذيرًا، صلوات الله (وسلامه) (^٧) عليه. وهذا هو الخزي لهم في الدنيا؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام صدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أُجْلوا عنها.\n﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ على ما انتهكوا من حرمة البيت وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، (والدعاء إلى) (^٨) غير الله عنده، والطواف به عربًا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله.\nوأما من فسره (ببيت) (^٩) المقدس؛ فقال كعب الأحبار (^١٠): إن النصارى لما ظهروا على بيت\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٨٧١، ٨٧٢، ٣٠٩٢).\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\"؛ وقال الدارقطني في \"العلل\" (٣/ ١٦٤): \"وهو المحفوظ\" وقد رواه عن أبي إسحاق السبيعي: \"سفيان الثوري، ومعمر بن راشد، وزهير بن معاوية، وزكريا بن أبي زائدة، ويونس بن أبي إسحاق، وغيرهم\". ورواه من الصحابة: أبو هريرة وابن عباس ﵃، وحديث أبي هريرة في \"الصحيحين\" مختصر عما أورده المصنف.\n(^٢) ساقط من (ج) و(ل).\n(^٣) في (ز) و(ض): \"أو\".\n(^٤) في (ز) و(ن): \"المسجد الحرام\".\n(^٥) أخرجه مسلم (١٧٦٧/ ١٦٣).\n(^٦) في (ز) و(ك): \"تشريف\".\n(^٧) ساقط من (ج) و(ز) و(ض).\n(^٨) في (ن): \"ودعاء\".\n(^٩) في (ز): \"بيت\".\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٢٢) قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا موسى بن إبراهيم المعلم أبو علي=","vol":"1","page":571},{"text":"المقدس (خربوه) (^١)، فلما بعث الله محمدًا ﷺ أنزل عليه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ …﴾ الآية؛ فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفًا.\nوقال السدي (^٢): فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه، أو قد أُخيف بأداء الجزية فهو يؤديها.\nوقال قتادة (^٣): لا يدخلون المساجد إلا مسارقةً.\nقلت: وهذا لا ينفى أن يكون داخلًا في معنى عموم الآية؛ فإن النصارى لما ظلموا بيت المقدس بامتهان الصخرة التي كانت تصلي إليها اليهود عوقبوا شرعًا وقدرًا بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر (امتحن) (^٤) بهم بيت المقدس. وكذلك اليهود لما عصوا الله فيه أيضًا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم. والله أعلم.\nوفسر هؤلاء الخزي في الدنيا بخروج المهدي عند السدي (^٥)، وعكرمة، ووائل بن داود.\nوفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون.\nوالصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله.\nوقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة؛ كما قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا\n_________\n= الجذامي، حدثني خازن بيت المقدس، عن ذي الكلاع، عن كعب الأحبار فذكره. وسنده ضعيف. وخازن بيت المقدس مجهول.\n(^١) في (ك): \"حرقوه\".\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٨٢٩) قال: حدثنا موسى، وابن أبي حاتم (١١٢٣) قال: حدثنا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي فذكره وعند ابن أبي حاتم: فإن الروم ظاهروا \"بختنصر\" على خراب بيت المقدس، فليس في الأرض رومي … إلخ وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٨٢٨) قال: حدثنا الحسن بن يحيى؛ وابن أبي حاتم (١١٢٤) قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قالا: ثنا عبد الرزاق وهذا في \"تفسيره\" (١/ ٥٦) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة. [وسنده صحيح].\n(^٤) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(ن) و(ي)؛ وفى (ز) و(ض): \"أسخن\"؛ وفى (ك): \"سخر\"!!\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٨٣٢)؛ وابن أبي حاتم (١١٢٥). [وسنده حسن]\n(^٦) في \"سنده\" (٤/ ١٨١).\nوأخرجه عبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (٤/ ١٨١) وعنه الطبراني في \"الدعاء\" (١٤٣٦) قال: حدثني الهيثم بن خارجة بسنده سواء؛ وأخرجه ابن حبان (٩٤٩)؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٤٣٨) قالا: حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٢/ رقم ١١٩٦) قال: حدثنا موسى بن هارون؛ وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (١/ ٤١٤) ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٣/ ٣٤٥) من طريق أحمد بن يحيى الحلواني؛ والخطيب في \"تاريخه\" (١٤/ ٢٣٧) من طريق أحمد بن الحسن بن عبد الجبار - هو الصوفي - قالوا جميعًا: ثنا الهيثم بن خارجة بسنده سواء. وتوبع الهيثم. تابعه عبد الأعلى بن مسهر، ثنا محمد بن أيوب بسنده سواء.\nأخرجه أبو زرعة الدمشقي في \"تاريخه\" (١/ ٣٧٥، ٣٧٦)؛ وابن عدي (٢/ ٤٣٨)؛ وأبو نعيم في \"المعرفة\" (١/ ٤١٤)؛ وابن عساكر (١٠/ ١٣٣؛ و١٣/ ٣٤٥).\nوتابعه أيضًا هشام بن عمار، ثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بهذا الإسناد.=","vol":"1","page":572},{"text":"الهيثم بن خارجة، حدثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن (حلبس) (^١)، سمعت أبي يحدث عن (بسر) (^٢) بن أرطاة؛ قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: \"اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة\".\nوهذا حديث حسن؛ وليس (هو) (^٣) في شيء من الكتب الستة، وليس لصحابيه وهو بسر بن أرطاة - ويقال: ابن أبي أرطاة - حديث سواه، وسوى حديث (^٤): \"لا تقطع الأيدي في الغزو \" (^٥).\n\n<span id=\"aya-122\"></span>﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾.\nوهذا - والله أعلم - فيه تسلية للرسول ﷺ وأصحابه الذين أخرجوا من مكة، وفارقوا مسجدهم ومصلاهم؛ وقد كان رسول (^٦) الله ﷺ يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة [بين يديه؛ فلما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، ثم صرفه الله إلى الكعبة] (^٧) بعد؛ ولهذا يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب \"الناسخ والمنسوخ\" (^٨): حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن\n_________\n= أخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١/ ٣٠ و١/ ٢/ ١٢٣)؛ وفي \"التاريخ الصغير\" (١/ ٢٨١)؛ وابن حبان (٩٤٩) وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٨٥٩)؛ وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٠/ ١٣٢). ووقع عند ابن حبان: \"أحسن عافيتنا\" بالفاء لا بالقاف وقد حسن المصنف الحديث، ونقل الزبيدي في \"شرح الإحياء\" (٦/ ١٨٧؛ و٩/ ١٤٧) عن الحافظ العراقي أنه قال: \"إسناده جيد\".\n(^١) في (ل): \"حابس\".\n(^٢) في (ن): \"بشر\" بالشين المعجمة وهو خطأ.\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) وهو حديث حسن.\nأخرجه الترمذي في \"سننه\" (١٤٥٠)؛ وفي \"العلل الكبير\" (ص ٦١٢، ٦١٣) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد والدارمي (١/ ١٥٠) قال: حدثنا بشر بن عمر الزهراني؛ وأحمد (٤/ ١٨١) قال: حدثنا حسن بن موسى؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٤٣٩)؛ وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (١/ ٤١٣) من طريق قتيبة بن سعيد، وابن قانع في \"معجم الصحابة\" (١/ ٨٤) من طريق الوليد بن مسلم؛ والطبراني في \"الكبير\" (ج ٢/ رقم ١١٩٥) من طريق أسد بن موسى قالوا جميعًا: ثنا ابن لهيعة، عن عياش بن عباس، عن شييم بن بيتان، عن جنادة بن أبي أمية، عن بُسر بن أرطاة مرفوعًا … فذكره. قال الترمذي: \"هذا حديث غريب\".\nوقال ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٤٣٩): \"لا أرى بالإسناد بأسًا\" ونقله عنه ابن عساكر في \"تاريخه\" (١٠/ ١٤٨).\n(*) قلت: وهذا سند جيد، ولم يتفرد به ابن لهيعة.\n(^٥) في هامش (ع): \"بلغ مقابلة بقراءة المصنف معارضًا بأصله، فسح الله في مدته\".\n(^٦) سيأتي تخريجه إن شاء اللّه عند تفسير الآية (١٤٢) من سورة البقرة.\n(^٧) ساقط من (ج).\n(^٨) رقم (٢١)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١١٣٠) قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا حجاج بن محمد بسنده سواء.\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٧) وعنه البيهقي (٢/ ١٢) من طريق محمد بن الفرج الأزرق، ثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي ووافقهما الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٢٨).","vol":"1","page":573},{"text":"جريج، وعثمان بن عطاء؛ عن عطاء؛ عن ابن عباس؛ قال: أوَّل ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا، والله أعلم، شأن القبلة؛ قال (الله) (^١) تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ فاستقبل رسول الله ﷺ فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى (البيت) (^٢) العتيق ونسخها، [وصرفه إلى البيت العتيق] (^٣) فقال:\n﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].\nوقال علي بن أبي طلحة (^٤): عن ابن عباس؛ قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة؛ وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)] (^٥)﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nوقال عكرمة (^٦)، عن ابن عباس: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قال: قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا.\nوقال مجاهد (^٧): ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (حيثما) (^٨) كنتم فلكم قبلة تستقبلونها (للكعبة) (^٩).\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠) ................................................................\n_________\n(^١) لفظ الجلالة من (ن) و(ل) و(ع).\n(^٢) في (ز) و(ن): \"بيته\"؛ وفي (ج) و(ل): \"بيت\".\n(^٣) من (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).\n(^٤) وأخرجه ابن جرير (١٨٣٣) قال: حدثني المثنى، هو ابن إبراهيم؛ وأخرجه البيهقي (٢/ ١٢) من طريق عثمان بن سعيد الدارمي وأبو جعفر النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (٢٢) قال: حدثنا بكر بن سهل قالوا: ثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.\nوقال أبو جعفر النحاس في \"الناسخ\" (١/ ٤٦١): \"وهو صحيح عن ابن عباس، والذي يطعن في إسناده يقول: ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وعكرمة، وهذا القول لا يوجب طعنًا؛ لأنه أخذه عن رجلين ثقتين، وهو في نفسه ثقة صدوق\". انتهى.\n(^٥) من (ج) و(ل).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣١١) قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا عبدة بن سليمان الكلابي، عن نضر بن العربي، عن عكرمة، عن ابن عباس. وهذا سند جيد، والنضر بن عربي حسن الحديث.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٨٤٦)؛ وابن أبي حاتم (١١٢٩) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج قال: أخبرني إبراهيم بن بكر، عن مجاهد فذكره.\nوإبراهيم بن أبي بكر الأخنسي ترجمه ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (١/ ١/ ٩٠) ولم يحك فيه شيئًا.\nوذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ١٤) وقال الذهبي: \"محله الصدق\" ولم يتفرد به فتابعه النضر بن عربي، فرواه عن مجاهد نحوه. [وسنده حسن].\n(^٨) في (ل): \"قبلة الله حيثما\"، وليست في سائر \"الأصول\" ولا في \"الطبري\" (٢/ ٥٣٤).\n(^٩) في (ز) و(ل) و(ن): \"الكعبة\".\n(^١٠) في \"تفسيره\" (١/ ٣٤٦). وقد أخرج أكثر هذه الآثار. =","vol":"1","page":574},{"text":"- بعد رواية الأثر المتقدم -، عن ابن عباس (في) (^١) نسخ القبلة، عن عطاء، عنه: وروي عن أبي العالية، والحسن، وعطاء الخراساني، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^٢): وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة؛ وإنما (أنزلها تعالى) (^٣) ليعلم نبيه ﷺ وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك وناحيةً إلا كان جل ثناؤه في ذلك (الوجه) (^٤) وتلك الناحية؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان؛ كما قال تعالى: ﴿[وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ] (^٥) وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى المسجد الحرام؛ هكذا قال.\nوفي قوله (^٦): وإنه تعالى لا يخلو منه مكان إن أراد علمه تعالى فصحيح؛ فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورةً في شيء من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nقال ابن جرير (^٧): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ إذنًا من الله أن يصلي التطوع حيث توجه من شرق أو غرب في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة (^٨)، وشدة الخوف، حدثنا أبو كريب (^٩)، حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك - هو ابن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر - أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته؛ ويذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. ويتأول هذه الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nورواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طرق عن عبد الملك بن\n_________\n= فأما أثر قتادة فأخرجه الترمذي (٥/ ٢٠٦) قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب؛ وابن جرير (١٨٣٥) قال: حدثنا بشر بن معاذ قالا: ثن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة؛ وأخرجه ابن جرير (١٨٣٦، ١٨٣٧) من وجهين آخرين عن قتادة. [وسنده صحيح]. وأما أثر السدي فهو عند ابن جرير (١٨٣٤). [بسند حسن]. وكذلك أثر عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١٨٣٨). [وسنده صحيح]. ووقع في مطبوعة \"ابن جرير\": \" … ابن وهب قال سمعته، يعني زيد، وصوابه: \"ابن زيد\" وهو عبد الرحمن \".\n(^١) في (ج): \"ثم\"!\n(^٢) في \"تفسيره\" (٢/ ٥٢٨) وتصرف المصنف في لفظ الطبري قليلًا.\n(^٣) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك)؛ وفي (ن): \"أنزلها\"؛ وفي (ل): \"أنزلها الله تعالى\".\n(^٤) في (ك): \"التوجيه\"!\n(^٥) من (ن) وهو في \"تفسير الطبري\".\n(^٦) تعقب الشيخ شاكر ﵀ ابن كثير في هذا التنبيه فقال في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٢٨): \"الذي قاله ابن كثير هو عقيدة أبي جعفر ﵀ وقد بين ذلك في تفسير سورة المجادلة من \"تفسيره\" (٢٨/ ١٠)، فلا معنى لتشكك ابن كثير في كلام إمام ضابط من أئمة أهل الحق، وعبارته صحيحة اللفظ، ولكن أهل الأهواء جعلوا الناس يفهمون من عربية الفصحاء معنًى غير المعنى الذي تدل عليه\". انتهى.\n(^٧) في \"تفسيره\" (٢/ ٥٣٠).\n(^٨) المسايفة: يعني: المجالدة بالسيف في حال الحرب.\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٨٣٩) قال: حدثنا أبو كريب، هو محمد بن العلاء؛ وأخرجه أحمد (٥٠٠١) قالا: ثنا عبد الله بن إدريس بهذا الإسناد سواء؛ وأخرجه مسلم (٧٠٠/ ٣٣).","vol":"1","page":575},{"text":"أبي سليمان، به. وأصله في \"الصحيحين\" من حديث (^١) ابن عمر، وعامر بن ربيعة من غير ذكر الآية.\nوفي \"صحيح (^٢) البخاري\" من حديث نافع، عن ابن عمر - أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها؛ ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.\nقال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ.\n[مسألة: ولم يفرق الشافعي (^٣) في المشهور عنه بين سفر المسافة وسفر العدوى (^٤)؛ فالجميع (عنده) (^٥) يجوز التطوع فيه على الراحلة، وهو قول أبي حنيفة، خلافًا لمالك وجماعته. واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري التطوع على الدابة في المصر. وحكاه أبو يوسف، عن أنس بن مالك ﵁، واختاره أبو جعفر الطبري حتى للماشي أيضًا] (^٦).\nقال ابن جرير (^٧): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قوم عميت عليهم القبلة فلم يعرفوا شطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة، فقال الله (تعالى) (^٨): لي المشارق والمغارب فأين وليتم وجوهكم (فهنالك) (^٩) وجهي، وهو قبلتكم (فيعلمكم) (^١٠) بذلك أن صلاتكم ماضية.\nحدثنا (أحمد) (^١١) بن إسحاق الأهوازي، أخبرنا أبو أحمد الزبيري، أخبرنا أبو الربيع السمان،\n_________\n(^١) أما حديث ابن عمر فيرويه سالم قال: كان عبد الله، يعني: ابن عمر، يصلي على دابته من الليل وهو مسافر، ما يبالي حيث ما كان وجهه. قال ابن عمر: وكان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر عليها غير أنه لا يصلى المكثوبة؛ أخرجه البخاري (٢/ ٥٧٥، ٥٧٨) والسياق له؛ ومسلم (٥/ ٢١٠ نووي).\n(^٢) في \"كتاب التفسير\" (٨/ ١٩٩).\n(^٣) ونقل القرطبي في \"تفسيره\" (٢/ ٨١) عن الشافعي قال: \"يجوز التطوع على الراحلة خارج المصر في كل سفر، وسواء كان مما تقصر فيه الصلاة أو لا؛ لأن الآثار ليس فيها تخصيص سفر من سفر\".\n(^٤) العدوة: هو المكان البعيد. يعني: أنه لا يفرق بين السفر القريب والبعيد.\n(^٥) في (ن): \"عنه\".\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى).\n(^٧) في \"تفسير\" (٢/ ٥٣١ - شاكر).\n(^٨) من (ن)؛ وفي (ك): \"فقال الله تعالى لهم\".\n(^٩) في (ك): \"فهناك\".\n(^١٠) في (ج) و(ل): \"يعلمكم\".\n(^١١) في (ن): \"محمد\" وهو خطأ. وشيخ الطبري هو أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي وهو من شيوخ أبي داود ومترجم في \"التهذيب\". قال النسائي: \"صالح\".\nوأخرجه ابن جرير (١٨٤١)؛ وأبو أحمد الزبيري هو محمد بن عبد الله بن الزبير؛ وأخرجه الترمذي (٣٤٥)؛ وأبو علي الطوسي في \"المستخرج على الترمذي\" (١٩٠)؛ وابن ماجه (١٠٢٠)؛ وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٣١٦)؛ وابن جرير (١٨٤٣)؛ وابن أبي حاتم (١١٢٧) كلاهما في \"التفسير\"؛ والطبراني في \"الأوسط\" (٤٦٠)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ٣١)؛ والدارقطني (١/ ٢٧٢) وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ١٧٩) والواحدي في \"أسباب النزول\" (ص ٣٥) من طرق عن أبي الربيع السمان: أشعث بن سعيد، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه.\nقال الترمذي: \"هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يضعف في الحديث\".\nوقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن عبيد الله، إلا أبو الربيع السمان\".\nوقال العقيلي في ترجمة أبي الربيع: \"لا يتابع عليه، وليس يروى من وجه يثبت متنه\".","vol":"1","page":576},{"text":"عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلًا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدًا يصلي فيه، فلما (أن) (^١) أصبحنا إذا نحن قد صلينا (على) (^٢) غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله، لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة!؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية.\nثم رواه (^٣) عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن أبي الربيع السمان، بنحوه.\nورواه الترمذي عن محمود بن غيلان، عن وكيع؛ وابن ماجه، عن يحيى بن حكيم، عن أبي داود، عن أبي الربيع السمان.\nورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن سعيد بن سليمان، عن أبي الربيع السمان - واسمه أشعث بن سعيد البصري. وهو ضعيف الحديث.\nوقال الترمذي: \"هذا حديث حسن، وليس إسناده بذاك، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث يضعف (^٤) في الحديث\".\nقلت: وشيخه (عاصم) (^٥) أيضًا ضعيف (الحديث) (^٦).\nقال البخاري: \"منكر الحديث\". وقال ابن معين: \"ضعيف لا يحتج به\" وقال ابن حبان: \" متروك\". والله أعلم.\nوقد روى من طريق آخر عن جابر (^٧)؛ فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذا الآية: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب، حدثني أحمد بن عبيد الله بن الحسن؛ قال: وجدت في كتاب أبي: حدثنا عبد الملك العرزمي، عن عطاء، عن جابر؛ قال: بعث رسول الله ﷺ سريةً كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة هي ها هنا قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطوطًا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي ﷺ، فسكت؛ وأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nثم رواه من حديث محمد بن (^٨) عبيد الله العرزمي، عن عطاء، عن جابر، به.\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ض) و(ك).\n(^٢) في (ن): \"إلى\".\n(^٣) يعني: ابن جرير (١٨٤٣).\n(^٤) وقد تابعه عمرو بن قيس كما مر ذكره آنفًا. والله أعلم.\n(^٥) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل).\n(^٦) من (ك).\n(^٧) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٧١) ومن طريقه الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص ٣٤) قال: حدثنا إسماعيل بن علي أبو محمد، ثنا الحسن بن علي بن شبيب بسنده سواء؛ وأخرجه البيهقي (٢/ ١١) من طريق محمد بن الحارث العسكري، ثنا أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري قال: وجدت في كتاب أبي وساق الحديث.\nقال البيهقي: \"لم نعلم لهذا الحديث إسنادًا صحيحًا قويًا، وذلك لأن عاصم بن عبيد الله بن عمر العمري ومحمد بن عبيد الله العرزمي، ومحمد بن سالم الكوفي كلهم ضعفاء، والطريق إلى عبد الملك العرزمي غير واضح لما فيه من الوجادة وغيرها\".\n(^٨) أخرجه البيهقي (٢/ ١١) من طريق ابن وهب، أخبرنا الحارث بن نبهان، عن محمد بن عبيد الله عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر فذكره. =","vol":"1","page":577},{"text":"وقال الدارقطني (^١): قرئ على عبد الله بن عبد العزيز وأنا أسمع: حدثكم داود بن عمرو: حدثنا محمد بن (يزيد) (^٢) الواسطي، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير، فأصابنا غيم فتحيرنا؛ فاختلفنا في القبلة، فصلى كل (رجل) (^٣) منا على حدة، وجعل أحدنا يخط بين يديه؛ لنعلم أمكنتنا؛ فذكرنا ذلك للنبي ﷺ، فلم يأمرنا بالإعادة؛ وقال: \"قد (أُجزأت) (^٤) صلاتكم\".\nثم قال الدارقطني: كذا قال: \"عن محمد بن سالم، وقال غيره، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عطاء - وهما ضعيفان - \".\nورواه ابن مردويه (^٥) أيضًا من حديث الكلبي، عن أبي صالح؛ عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بعث سريةً؛ فأخذتهم ضبابة فلم يهتدوا إلى القبلة فصلوا لغير القبلة؛ ثم استبان لهم بعد ما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة؛ فلما جاءوا إلى رسول الله ﷺ حدثوه؛ فأنزل الله (﷿) (^٦) هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nوهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله (^٧) يشد بعضها بعضًا؛ وأما إعادة الصلاة لمن تبين (له) (^٨) خطؤه ففيها قولان للعلماء، وهذه (دلائل) (^٩) على عدم القضاء. والله أعلم.\nقال ابن جرير (^١٠): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي، كما حدثنا (^١١) محمد بن بشار، حدثنا (معاذ بن هشام) (^١٢)، حدثني أبي، عن قتادة - أن النبي ﷺ قال: إن أخًا لكم قد مات، فصلوا عليه. قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟ قال: فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ\n_________\n= وسنده ضعيف جدًّا. والحارث بن نبهان منكر الحديث كما قال أحمد والبخاري والفسوي وغيرهم وتركه أبو حاتم والنسائي. وقال ابن معين: \"لا يكتب حديثه\".\nوالعرزمي مثله أو أضعف منه فقد تركه ابن المبارك ويحيى القطان والفلاس وعلي بن الجنيد والأزدي. وكذلك تركه ابن مهدي وابن معين وضعفه أبو حاتم الرازي جدًّا وقال النسائي: \"لا يكتب حديثه ليس بثقة\".\n(^١) في \"سننه\" (١/ ٢٧١) ومن طريقه البيهقي (٢/ ١٠).\nوأخرجه الحاكم (١/ ٢٠٦) من طريق أحمد بن علي الخراز؛ والبيهقي (٢/ ١٠) من طريق أحمد بن بشر والحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" (ق ١٦/ ٢ - زوائده) قالوا: ثنا داود بن عمرو بسنده سواء.\nقال الحاكم: \"هذا حديث محتج برواته كلهم غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح\". فتعقبه الذهبي قائلًا: \"هو أبو سهل، واه\".\n(^٢) في (ل): \"زيد\"!\n(^٣) ساقط من (ز).\n(^٤) في (ن): \"أجازت\".\n(^٥) وسنده ساقط. والكلبي تالف البته.\n(^٦) في (ن): \"تعالى\".\n(^٧) هذا بعيد، وإنما تتقوى الأسانيد الضعيفة إذا كان الضعف يسيرًا، أما هذه الأسانيد فهى ساقطة عن حد الاحتجاج بها والله أعلم.\n(^٨) من (ن).\n(^٩) في (ج) و(ل): \"الدلائل\".\n(^١٠) في \"تفسيره\" (٢/ ٥٣٢).\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٨٤٤) وسنده ضعيف لإرساله أو لإعضاله. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ١٠٩) لابن المنذر.\n(^١٢) في (ز): \"هشام بن معاذ\"!! وهو خطأ محقق. وهو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي أحد الثقات، وجل روايته عن أبيه.","vol":"1","page":578},{"text":"الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] قال قتادة: فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nوهذا غريب. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-84>(فائدة)</span> (^١):\n[وقد قيل: إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة، كما حكاه القرطبي (^٢) عن قتادة.\nوذكر القرطبي (^٢) [أنه ﵇ لما مات صلى عليه] (^٣)، فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب؛ قال: وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه (^٤):\nأحدها: أنه ﵇ شاهده حين سوى عليه؛ طويت له الأرض.\nالثاني: أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه صلى عليه. واختاره ابن العربي. قال القرطبي: ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه. وقد أجاب ابن العربي عن هذا: لعلهم لم يكن عندهم] (^٥) [شرعية الصلاة على الميت. وهذا جواب جيد.\nالثالث: أنه ﵊ إنما صلى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك. (والله أعلم) (^٦)] (^٧).\nوقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر، [عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق\" وله مناسبة ها هنا.\nوقد أخرجه الترمذي (^٨)، وابن ماجه، من حديث أبي معشر] (^٩)، واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني، به: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\".\nوقال الترمذي: \"وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه؛ ثم قال الترمذي (^١٠): حدثني الحسن بن (بكر) (^١١) المروزي، حدثنا المعلى بن\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) في \"تفسيره\" (٢/ ٨٢).\n(^٣) كذا في (ج) و(ل)؛ وفي (ن): \"إنه لما مات صلى عليه رسول الله ﷺ\". وهو أوضح في المعنى.\n(^٤) وأقوى هذه الوجوه ما اختاره ابن العربي ﵀.\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى).\n(^٦) من (ن).\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى).\n(^٨) أخرجه الترمذي (٣٤٢، ٣٤٣)؛ وابن ماجه (١٠١١)؛ والعقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٣٠٩) والطبراني في \"الأوسط\" (٢٩٢٤) من طريق أبي معشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو إلا أبو معشر\".\n(^٩) ساقط من (ج).\n(*) قلت: وهو ضعيف كما قال الترمذي.\n(^١٠) في \"سننه\" (٣٤٤) ومن طريقه البغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٣٢٧) والحسن بن بكر شيخ الترمذي قال مسلمة بن قاسم: \"مجهول\" أما الحافظ فقال في \"التقريب\": \"صدوق\".\n(^١١) في (ل): \"أبي بكر\" وكذلك وقع في \"سنن الترمذي\" وما ذكرته هو الصواب كما يعلم من \"التهذيب\".","vol":"1","page":579},{"text":"منصور، حدثنا عبد الله بن جعفر (المخرمي) (^١)، عن عثمان بن محمد بن المغيرة الأخنسي، عن (سعيد) (^٢) المقبري، عن أبي هريرة (﵁) (^٣)، عن النبي ﷺ؛ قال: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\"؛ ثم قال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\nوحكى عن البخاري أنه قال: \"هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح\".\nقال الترمذي: \"وقد روى عن غير واحد من الصحابة: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\"؛ منهم: عمر بن الخطاب (^٤)، وعلي (^٥)، وابن عباس (^٦) ﵃ أجمعين) (^٧) \".\nوقال ابن عمر (^٨): \"إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة\".\nثم قال ابن مردويه: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا يعقوب بن يوسف مولى بني\n_________\n(^١) في (ن): \"المخزومي\" وهو خطأ. قال الترمذي: \"وإنما قيل: عبد الله بن جعفر \"المخرمي\"؛ لأنه من ولد \"المسور بن مخرمة\".\n(^٢) في (ن): \"أبي سعيد\"؛ وفي (ك): \"شعبة\"! وكلاهما خطأ، وهو سعيد بن أبي سعيد المقبري.\n(^٣) من (ن).\n(^٤) أما أثر عمر بن الخطاب ﵁ فصحيح.\nأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦١، ٣٦٢) قال: حدثنا أبو أسامة وعبد الرزاق (ج ٢/ رقم ٣٦٣٣) عن الثوري؛ والبيهقي (٢/ ٩) من طريق يحيى بن سعيد القطان قالوا: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وهذا سند صحيح وعبيد الله بن عمر من نجوم أصحاب نافع. وتابعه نافع بن أبي نعيم فرواه عن نافع بسنده سواء وزاد: \"إذا توجهت قبل البيت\"؛ أخرجه البيهقي (٢/ ٩) من طريق خالد بن مخلد، ثنا نافع بن أبي نعيم. وهذا متابعة جيدة. وتابعه أيضًا عبد الله العمري، عن نافع بسنده سواء، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢) قال: حدثنا وكيع نا العمري. والعمري ضعيف لكنه متابع. وقد أشار البيهقي إلى أن آخرين رووه عن نافع هكذا.\nولكن خالفهم مالك فرواه في \"الموطأ (١/ ١٩٦/ ٨) عن نافع أن عمر بن الخطاب وذكره مثل لفظ نافع بن أبي نعيم. وتابعه أيوب السختياني فرواه عن نافع قال: قال عمر بن الخطاب … أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢) قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب. وهذا منقطع بين نافع وعمر بن الخطاب والرواية الموصولة صحيحة. والله أعلم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢) قال: حدثنا وكيع قال: نا إسرائيل، عن عبد الأعلى عن عامر الشعبي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة.\n(*) قلت: وكذا وقع في \"المصنف\": \"عبد الأعلى عن عامر الشعبي\" وهو عندي خطأ محض، وصوابه: \"عبد الأعلى بن عامر الثعلبي\" وهو يروى عن أبي عبد الرحمن السلمي واسمه: عبد الله بن حبيب. وسند هذا الأثر ضعيف لضعف عبد الأعلى.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا وفي سنده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي.\n(^٧) من (ن).\n(^٨) أخرجه الترمذي (٢/ ١٧٤) معلقًا ووصله ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢) قال: حدثنا وكيع، نا المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن عمر وهذا سند جيد والمسعودي اسمه: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة كان اختلط. ولكن سماع وكيع منه قديم فإنه سمع منه بالكوفة كما قال أحمد وغيره. وقد خالفه حجاج بن أرطاة فرواه عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو. ذكره ابن أبي حاتم في \"العلل\" (٣٣٢) من طريق حماد بن سلمة عن حجاج. وسأل أباه عنه فرجح رواية المسعودي وأن الأثر عن \"ابن عمر\" لا عن \"ابن عمرو\".","vol":"1","page":580},{"text":"هاشم، حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ؛ قال: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\".\nوقد رواه الدارقطني (^١) والبيهقي؛ وقال: \"المشهور عن ابن عمر، عن عمر (﵄) (^٢)، قوله\".\nقال ابن جرير (^٣): ويحتمل فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم؛ كما حدثنا القاسم (^٤)، حدثنا الحسين، حدثني حجاج؛ قال: قال ابن جريج: قال مجاهد: لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nقال ابن جرير (^٥): ومعنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال. وأما قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ فإنه يعني عليم بأعمالهم، ما يغب عنه منها شيء، ولا يعزب عن علمه؛ بل هو بجميعها عليم.\n\n<span id=\"aya-123\"></span>﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾.\nاشتملت هذه الآية الكريمة والتي (تليها) (^٦) على الرد على النصارى، عليهم لعائن الله، وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب؛ (من) (^٧) جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم، وقولهم: إن لله ولدًا؛ فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوًا كبيرًا.\n﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ليس الأمر كما افتروا؛ وإنما له ملك السماوات والأرض (ومن فيهن) (^٨)؛ وهو المتصرف فيهم، وهو خالفهم ورازقهم، ومقدرهم ومسخرهم، ومسيرهم ومصرفهم كما يشاء؛ والجميع عبيد له وملك له؛ فكيف يكون له ولد منهم؛ والولد إنما يكون متولدًا من الشيئين متناسبين، وهو ﵎ ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه، ولا صاحبة له؛ فكيف يكون له ولد؟ كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (١/ ٢٠٥) وعنه البيهقي (٢/ ٩) قال: حدثنا أبو علي محمد بن علي الإسفرائيني؛ وأخرجه الدارقطني (١/ ٢٧٠)، ومن طريقه الضياء في \"المختارة\" (ج ٧٣/ ق ٥٦٥/ ٢) قالا: يعني الدارقطني وشيخ الحاكم، ثنا أبو يوسف يعقوب بن يوسف الواسطى ثنا شعيب بن أيوب بهذا الإسناد سواء. قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فإن شعيب بن أيوب ثقة وقد أسنده\". وقال البيهقي: \"تفرد به يعقوب بن يوسف الخلال والمشهور رواية الجماعة: حماد بن سلمة، وزائدة بن قدامة، ويحيى بن سعيد وغيرهم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله\". انتهى.\n(^٢) من (ن).\n(^٣) في \"تفسيره\" (٢/ ٥٣٤ - شا كر).\n(^٤) هو في \"تفسير ابن جرير\" (١٨٤٧) وسنده ضعيف.\n(^٥) في \"تفسيره\" (/٥٣٧).\n(^٦) في (ز) و(ض): \"قبلها\".\n(^٧) في (ز) و(ض) و(ن): \"ممن\".\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض) و(ك).","vol":"1","page":581},{"text":"دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥) [مريم] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص].\n(فقرر) (^١) تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم الذي لا نظير له ولا شبيه له، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة، فكيف يكون له منها ولد؟\nولهذا قال البخاري (^٢) في تفسير هذه الآية من البقرة: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن عبد الله بن أبي الحسين، حدثنا نافع بن جبير - هو ابن مطعم - عن ابن عباس، عن النبي ﷺ؛ قال: \"قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان. وأما شتمه إياي فقوله: إن لي ولدًا (فسبحاني) (^٣) أن اتخذ صاحبةً أو ولدًا\".\nانفرد به البخاري من هذا الوجه.\nوقال ابن مردويه (^٤): حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا (إسحاق) (^٥) بن محمد الفروي، حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم (ولم ينبغ) (^٦) له أن يكذبني، وشتمني (ولم ينبغ) (^٦) له أن يشتمني، (أما) (^٧) تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ (من إعادته) (^٨). وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا. وأنا الله الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد\".\nوفي \"الصحيحين\" (^٩) عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا أحد أصبر على أذىً سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويعافيهم\".\nوقوله (تعالى) (^١٠): ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم (^١١): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط، عن مطرف، عن عطية، عن ابن عباس؛ قال: (قانتين) مصلين.\n_________\n(^١) في (ك): \"يقرر\".\n(^٢) في \"كتاب التفسير\" (٨/ ١٦٨ - فتح) وفي سياق المصنف هنا تغيير يسير.\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ١٠/ رقم ١٠٧٥١) قال: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، ثنا أبو اليمان بسنده سواء.\n(^٣) كذا في (ز) و(ن) وهو الموافق لما في \"صحيح البخاري\"؛ وفي (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى): \"سبحاني\".\n(^٤) أخرجه البخاري في \"كتاب التفسير\" (٨/ ٧٣٩).\n(^٥) في (ن): \"محمد بن إسحاق\"!\n(^٦) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ى)؛ وفي (ن): \"ما ينبغي\" في الموضعين؛ وفي (ز) و(ل): \"ولم ينبغي\" بإثبات الياء في الموضع الأول.\n(^٧) في (ن): \"فأما\".\n(^٨) في (ك): \"بإعادته\".\n(^٩) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٠/ ٥١١).\n(^١٠) من (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى).\n(^١١) في \"تفسيره\" (١١٣٨) وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف.","vol":"1","page":582},{"text":"وقال عكرمة (^١)، وأبو مالك (^٢): ﴿كُلٌّ لَهُ (قَانِتُونَ) (^٣)﴾ مقرون له بالعبودية.\nوقال سعيد بن جبير (^٤): كل له قانتون: يقول: الإخلاص.\nوقال الربيع بن أنس (^٥): يقول: ﴿كُلٌّ لَهُ (قَانِتُونَ) (^٣)﴾ (يقول) (^٦): قائم يوم القيامة.\nوقال السدي (^٧): ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (يقول) (^٨) مطيعون يوم القيامة.\nوقال خصيف (^٩)، عن مجاهد: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قال: مطيعون؛ كن إنسانًا فكان، وقال: كن حمارًا فكان.\nوقال ابن أبي نجيح (^١٠)، عن مجاهد: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: مطيعون (يقول) (^١١): طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره. وهذا القول عن مجاهد، وهو اختيار ابن جرير يجمع الأقوال كلها؛ وهو أن القنوت والطاعة والاستكانة إلى الله، (وذلك) (^١٢) شرعي وقدري؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ [الرعد: ١٥].\nوقد ورد حديث فيه بيان القنوت في القرآن ما هو المراد به؛ كما قال ابن أبي حاتم (^١٣): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث - أن دراجًا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ؛ قال: \"كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة\".\nوكذا رواه الإمام أحمد، عن (حسن) (^١٤) بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج بإسناده، مثله. [ولكن هذا الإسناد ضعيف] (^١٥) لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر؛ وقد يكون من (كلام) (^١٦) الصحابي، أو من دونه. والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٨٥٦) عن يحيى بن واضح؛ وابن أبي حاتم (١١٣٩) عن علي بن الحسين بن واقد قالا: ثنا الحسين بن واقد عن يزيد النحوي، عن عكرمة وسنده جيد.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم (١/ ٣٥٠) ولم أقف عليه. وإسناده في الغالب هو إسناد السدي. فإن يكنه فهو حسن. والله أعلم.\n(^٣) من (ن).\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٦/ ٤٠٣) من طريق الحماني؛ وابن أبي حاتم (١١٤١) من طريق يحيى بن إسحاق وحبان ثلاثتهم عن ابن المبارك، عن شريك، عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير. ولفظ ابن جرير: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣] قال سعيد: قال: أخلصي لربك. [وسنده حسن].\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٤٠) [وسنده جيد].\n(^٦) في (ن): \"أي\".\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٨٥٣). [وسنده حسن].\n(^٨) في (ن): \"قال\".\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٣٧) بسند ضعيف.\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٨٥١)؛ وابن أبي حاتم (١١٣٦) من طريقين عن أبي نجيح، عن مجاهد. وهو في \"تفسير [آدم بن أبي إياس المنسوب إلى] مجاهد\" (ص ٢١٢) [وسنده صحيح].\n(^١١) في (ن): \"قال\".\n(^١٢) في (ن): \"وهو\".\n(^١٣) في \"تفسيره\" (١١٣٥) وهو حديث ضعيف.\nوأخرجه ابن حبان (١٧٢٣ - موارد)؛ والحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" (ج ٣/ ق ٢٥٤/ ١) والطبراني في \"الأوسط\" (٥١٨١)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٢٥) من طرق عن عبد الله بن وهب بهذا الإسناد سواء.\n(^١٤) في (ج): \"حسين\"! وهو حسن بن موسى الأشيب من ثقات شيوخ أحمد.\n(^١٥) في (ن): \"ولكن في هذا الإسناد ضعف\".\n(^١٦) في (ك): \"حديث\".","vol":"1","page":583},{"text":"وكثيرًا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة، فلا يغتر بها؛ فإن السند ضعيف. والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-124\"></span>وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما على غير مثال سبق؛ قاله مجاهد، والسدي (^١): وهو مقتضى اللغة؛ ومنه يقال للشيء المحدث: بدعة، كما جاء في \"صحيح مسلم\" (^٢): \"فإن كل محدثة بدعة\".\nوالبدعة على قسمين: تارة تكون بدعةً شرعيةً؛ كقوله: \"فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\"؛ وتارة تكون بدعةً لغويةً؛ كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: \"نعمت البدعة هذه\" (^٣).\nوقال ابن جرير (^٤): ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعهما، وإنما هو \"مفعل\"، فصرف إلى \"فعيل\"، كما صرف \"المؤلم\" إلى \"الأليم\"، و\"المسمع\" إلى \"السميع\". ومعنى المبدع: المنشئ والمحدث ما لا يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد.\nقال (^٤): ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعًا؛ [لإحداثه فيه ما لم (يسبق) (^٥) إليه غيره، وكذلك كل محدث قولًا أو فعلًا لم يتقدم فيه متقدم، فإن العرب تسميه مبتدعًا] (^٦) ومن ذلك قول أعشى بن ثعلبة في مدح هوذة بن علي الحنفي:\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٨٥٩) قال: حدثني موسى، وابن أبي حاتم (١١٤٣) قال: حدثنا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد بن طلحة، ثنا أسباط، عن السدي قال: ابتدعها، فخلقها، ولم يخلق قبلها شيء فيتمثل به. لفظ ابن جرير.\nوعند ابن أبي حاتم: \"لم يخلق قبلها شيئًا\". [وسنده حسن].\n(^٢) كذا قال المصنف ﵀، ولم يخرج مسلم هذا المقطع من الحديث.\nوأخرجه الدارمي (١/ ٦١) من طريق يحيى بن سليم؛ وأحمد (٣/ ٣١٠، ٣١١) قال: حدثنا مصعب بن سلام؛ وأبو يعلى (٢١١١٩) من طريق وهيب ثلاثتهم عن جعفر بن محمد هذا الإسناد مطولًا ومختصرًا ولم يقع عند واحد منهم: \"كل محدثة بدعة\".\nإنما وقع هذا اللفظ في رواية سفيان الثوري عن جعفر بن محمد بهذا الإسناد وفيه: \" … وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" أخرجه مسلم (٨٦٧/ ٤٣) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان به ولكنه لم يسق لفظه وقال: \"بمثل حديث الثقفي\" ومعنى قوله: \"مثل\" أن لفظ الثوري مثل لفظ عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وقد تقدم أن رواية الثقفي ليس فيها هذا المقطع من الحديث. ولكن أخرجه أحمد (٣/ ٣٧١)؛ والبيهقي (٣/ ٢١٤) من طريق ابن أبي شيبة قالا: ثنا وكيع، عن سفيان الثوري بهذا الإسناد وعندهم: \"كل محدثة بدعة\" ورواه أيضًا عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري بهذا الإسناد مثل رواية وكيع لكنه زاد: \"وكل ضلالة في النار\"؛ أخرجه النسائي في \"المجتبى\" (٣/ ١٨٨، ١٨٩)؛ وفي \"كتاب العلم\" (٣/ ٤٤٩، ٤٥٠ - الكبرى)؛ وابن خزيمة (١٧٨٥)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ١٨٩) من طريق عتبة بن عبد الله، قال: أنبأنا ابن المبارك. وهذا في \"سنده\" (٨٧) مختصرًا، عن سفيان الثوري وتابعه حبان بن موسى ثنا ابن المبارك بسنده سواء.\nأخرجه الآجرى في \"الشريعة\" (ص ٤٥)؛ والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ٨٢) وقال أبو نعيم: \"صحيح ثابت\".\n(^٣) أخرجه البخاري في \"كتاب صلاة التراويح\" (٤/ ٢٥٠).\n(^٤) في \"تفسيره\" (٢/ ٥٤٠).\n(^٥) في (ك) و(ن): \"يسبقه\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\".\n(^٦) ساقط من (ج).","vol":"1","page":584},{"text":"يُرعى (^١) إلى قول سادات الرجال إذا … أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا\nأي: يحدث ما شاء.\nقال ابن جرير (^٢): فمعنى الكلام: سبحان الله (أنَّى) (^٣) يكون (لله) (^٤) ولد وهو مالك ما في السماوات والأرض، تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه؛ وهذا إعلام من الله (عباده) (^٥) أن ممن (يشهد له) (^٦) بذلك المسيح الذي أضافوا إلى الله بنوته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتاع السماوات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال هو الذي ابتاع المسيح عيسى من غير والد بقدرته؛ وهذا من ابن جرير ﵀ كلام جيد وعبارة صحيحة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يبين بذلك تعالى كمال قدرته، (وعظيم) (^٧) سلطانه، وأنه إذا قدَّر أمرًا، وأراد كونه، فإنما يقول له: كن؛ أي: مرةً واحدةٍ، فيكون؛ أي: فيوجد على وفق ما أراد؛ كما قال تعالى:\n﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر].\nوقال الشاعر:\nإذا ما أراد الله أمرًا فإنما … يقول له كن قولةً فيكون\nونبه تعالى (بذلك) (^٨) أيضًا على أنه خلق عيسى بكلمة \"كن\"، فكان كما أمره الله؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران].\n\n<span id=\"aya-125\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾.\nقال محمد بن إسحاق (^٩): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال رافع بن حريملة لرسول الله ﷺ: يا محمد، إن كنت رسولًا من الله كما تقول فقل لله فيكلمنا حتى نسمع كلامه؛ فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾.\n_________\n(^١) يرعى: يصغى.\n(^٢) في \"تفسيره\" (٢/ ٥٤١).\n(^٣) في (ن): \"أن\".\n(^٤) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ن): \"له\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\".\n(^٥) في (ن): \"لعباده\".\n(^٦) في (ج): \"شهد له\".\n(^٧) في (ج): \"عظم\".\n(^٨) في (ج): \"ذلك\".\n(^٩) أخرجه ابن إسحاق كما في \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ٢٠٢)، ومن طريقه ابن جرير (١٨٦٢)؛ وابن أبي حاتم (١١٤٧) من طريق سلمة بن الفضل، زاد ابن جرير: ويونس بن بكير، قالا: ثنا محمد بن إسحاق بسنده سواء. [وسنده حسن].","vol":"1","page":585},{"text":"[وقال (ابن أبي نجيح، عن) (^١) مجاهد (في قوله) (^٢): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾] (^٣) قال: النصارى تقوله، وهو اختيار ابن جرير؛ قال: لأن السياق فيهم. وفي ذلك نظر.\n[وحكى القرطبي (^٤): ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ أي: يخاطبنا بنبوتك يا محمد. قلت: وهو ظاهر السياق. والله أعلم] (^٥).\nوقال أبو العالية (^٦)، والربيع بن أنس (^٧)، وقتادة (^٨)، والسدي (^٩) في تفسير هذه الآية: هذا قول كفار العرب.\n﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ قالوا: هم اليهود والنصارى. ويؤيد هذا القول وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ [الأنعام: ١٢٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء].\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ [الفرقان: ٢١].\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ [المدثر: ٥٢]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به؛ إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم؛ كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥].\nوقوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في\n_________\n(^١) من (ك).\nوهذا الأثر في \"تفسير مجاهد\" (ص ٢١٢) من طريق آدم بن أبي إياس نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١١٤٩) من طريق شبابة عن ورقاء به؛ وأخرجه ابن جرير (١٨٦٠) من طريق عيسى بن ميمون الجرشي. وأيضًا (١٨٦١) من طريق شبل بن عباد كلاهما عن ابن أبي نجيح به. [وسنده صحيح].\n(^٢) ساقط من (ض).\n(^٣) ساقط من (ن)؛ وفي (ك): \"في قول الله ﷿\".\n(^٤) في \"تفسيره\" (٢/ ٩٢).\n(^٥) من (ج) و(ل) و(ن).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٤٨) [وسنده جيد].\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٨٦٤). [وسنده جيد].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٨٦٣). [وسنده صحيح].\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٨٦٥). [وسنده حسن].","vol":"1","page":586},{"text":"الكفر والعناد والعتو؛ كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ [الذاريات: ٥٢].\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ أي: قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر، وزيادة أخرى لمن (أيقن) (^١) وصدق، واتبع الرسل، وفهم ما جاءوا به عن الله ﵎. وأما من ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة، فأولئك قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (^٢) (٩٧)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-126\"></span>﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^٣): حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن (عبيد الله) (^٤) الفزاري، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ؛ قال: \"أنزلت على ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ قال: بشيرًا بالجنة، ونذيرًا من النار\".\nوقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ قراءة (أكثرهم) (^٥): ولا تسأل - بضم التاء على الخبر.\nوفي قراءة أُبي بن كعب: \"وما تُسأل\". وفي قراءة ابن مسعود: \"ولن تُسأل عن أصحاب الجحيم\" (^٦)؛ نقلها ابن جرير؛ أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك؛ كقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ [الرعد: ٤٠]، وكقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية]، وكقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق] وأشباه ذلك من الآيات.\nوقرأ آخرون: \"ولا تَسْأل عن أصحاب الجحيم\" - بفتح التاء على النهي؛ أي: لا تسأل عن حالهم، كما قال عبد (^٧) الرزاق: أخبرنا الثوري، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب\n_________\n(^١) في (ك): \"اتقى\".\n(^٢) في هامش (ع): \"بلغ مقابلة بقراءة المصنف معارضًا بأصله فسح الله في مدته\".\n(^٣) في \"تفسيره\" (١١٥٥، ١١٥٦) وسنده ضعيف وعبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله قال أبو حاتم، كما في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢/ ٢٨٢): \"ليس بقوي\" وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٩١) وقال: \"يعتبر بحديثه من غير روايته عن أبيه\". وقتادة لم يصرح بتحديث. والله أعلم.\n(^٤) في (ع) و(ك) و(ن) و(ى): \"عبد الله\"!\n(^٥) كذا في (ج) و(ل) و(ن)؛ وفي (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى): \"بعضهم\" وما أثبته هو الصواب. وقرأ نافع ويعقوب: \"ولا تسأل\".\n(^٦) [وهي قراءة شاذة].\n(^٧) في \"تفسيره\" (١/ ٥٩) ومن طريقه ابن جرير في \"تفسيره\" (١٨٧٦).\nوتوبع الثوري. تابعه سفيان بن عيينة، فرواه عن موسى بن عبيدة بسنده سواء.\nأخرجه ابن أبي حاتم (١١٥٨) قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا سفيان. وتابعه أيضًا وكيع بن الجراح عن موسى بن عبيدة بسنده سواء؛ أخرجه ابن جرير (١٨٧٥) قال: حدثنا أبو كريب، قال:=","vol":"1","page":587},{"text":"القرظي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليت شعري ما فعل أبواي. ليت شعري ما فعل أبواي. ليت شعري ما فعل أبواي\"؟ فنزلت: \"ولا تسأل عن أصحاب الجحيم\"؛ فما ذكرهما حتى توفاه الله ﷿.\nورواه ابن جرير، عن أبي كُريب، عن وكيع، عن موسى بن عبيدة (به مثله) (^١) [وقد تكلموا (^٢) فيه عن محمد بن كعب بمثله. وقد حكاه القرطبي (^٣)، عن ابن عباس، ومحمد بن كعب؛ قال القرطبي (^٣): وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان؛ أي: قد بلغ فوق ما تحسب، وقد ذكرنا في \"التذكرة\" (^٤) أن الله أحيا له أبويه وأجبنا عن قوله] (^٥): [إن أبي وأباك في النار\".\nقلت: والحديث المروي في حياة أبويه ﵇ ليس في شيء من الكتب الستة، ولا غيرها (من المعتمدة) (^٦)، وإسناده ضعيف (^٧)] (^٨).\n[والله أعلم] (^٩).\nثم قال (ابن جرير) (^١٠): وحدثني القاسم (^١١)، أخبرنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جريح، أخبرني داود بن أبي عاصم: أن النبي ﷺ قال ذات يوم: \"أين أبواي؟ \" فنزلت: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾.\nوهذا مرسل كالذي قبله.\nوقد رد ابن جرير (^١٢) هذا القول المروي عن محمد بن كعب (القرظي) (^١٣) وغيره في ذلك، لاستحالة الشك من الرسول ﷺ في أمر أبويه؛ واختار القراءة الأولى (^١٤)؛ وهذا الذي سلكه ها\n_________\n= حدثنا وكيع. وسنده ضعيف جدًّا. وموسى بن عبيدة ضعيف جدًّا، ثم هو مرسل.\n(^١) من (ز) و(ض) و(ع) و(ى).\n(^٢) يعني أن النقاد تكلموا في موسى بن عبيدة.\n(^٣) في \"تفسيره\" (٢/ ٩٢).\n(^٤) (١/ ٥٨، ٥٩) وذكر حديثًا أخرجه ابن شاهين في \"الناسخ والمنسوخ\" (٦٥٦) من طريق أحمد بن يحيى الحضرمي، والمحب الطبري في \"سيرته\"، كما في \"سبل الهدى والرشاد\" (٢/ ١٦٥) للصالحي، من طريق القاضي أبي بكر محمد بن عمر بن محمد بن الأخضر قالا: ثنا أبو غزية محمد بن يحيى الزهري، ثنا عبد الوهاب بن موسى الزهري، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵄ أن النبي ﷺ نزل إلى الحجون كئيبًا حزينًا فأقام به ما شاء الله ﷿، ثم رجع مسرورًا، فقلت: يا رسول الله نزلت إلى الحجون كئيبًا حزينًا، فأقمت به ما شاء الله، ثم رجعت مسرورًا! قال: \"سألت ربي ﷿ فأحيا لي أمي، فآمنت بي ثم ردها\".\nوهذا حديث باطل. قال ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (٢/ ٢٨١): \"حديث منكر جدًّا\" وقال الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٦٨٤) في ترجمة \"عبد الوهاب بن موسى\": \"لا يدري من ذا الحيوان الكذاب، فإن هذا الحديث، يعني حديث عائشة هذا، كذب مخالف لما صح أنه ﵇ استأذن ربه في الاستغفار لها فلم يأذن له\". انتهى.\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض) و(ع)، وقد وردت هذه الفقرة في (ج) و(ل) قبل الفقرة السابقة بعد قوله: \"نقلها ابن جرير\"، وترتيبها مشوش.\n(^٦) من (ج) و(ك) و(ل).\n(^٧) بل ضعيف جدًّا، وقد حكم عليه ابن كثير فقال: \"منكر جدًّا\" كما مر قبل قليل.\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض) و(ع).\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض) و(ع).\n(^١٠) من (ج) و(ع) و(ل) و(ن) و(ى).\n(^١١) هو في \"تفسير ابن جرير\" (١٨٧٧) وسنده ضعيف لإعضاله أو إرساله.\n(^١٢) في \"تفسيره\" (٢/ ٥٦٠).\n(^١٣) من (ج) و(ل).\n(^١٤) وهي قراءة العامة من القراءة ﴿تُسْأَلُ﴾ بضم التاء واللام.","vol":"1","page":588},{"text":"هنا فيه (^١) نظر، لاحتمال أن هذا كان [في حال استغفاره لأبويه] (^٢) قبل أن يعلم أمرهما؛ فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار، كما ثبت هذا في \"الصحيح\" (^٣)، ولهذا أشباه كثيرة ونظائر، ولا يلزم ما (ذكره) (^٤) ابن جرير. والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٥): أخبرنا موسى بن داود، حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار؛ قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة: فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، وأنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع (السيئة بالسيئة)، ولكن يعفو ويغفر، (ولن يقبضه حتى يقيم به) الملة العوجاء؛ بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا.\nانفرد بإخراجه البخاري؛ فرواه في \"البيوع\" عن محمد بن سنان، عن فليح، به. وقال: تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال. وقال سعيد، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام. ورواه في \"التفسير\" (^٦) عن عبد الله، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به. فذكر نحوه؛ فعبد الله هذا هو ابن صالح، كما صرح به في \"كتاب الأدب\" (^٧)\n_________\n(^١) نظر في هذا النظر الشيخ محمود شاكر ﵀ في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٦١) وقال:\n\"ينسى ابن كثير غفر الله له، ما أعاد الطبري وأبدًا من ذكر سياق الآيات المتتابعة، والسياق كما قال هو في ذكر اليهود والنصارى وقصصهم، وتشابه قلوبهم في الكفر بالله، وقلة معرفتهم بعظمة ربهم، وجرأتهم على رسل الله وأنبيائه، وكل ذلك موجب عذاب الجحيم، فما الذي أدخل كفار العرب في هذا السياق؟ نعم إنهم يدخلون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم، كما يدخل فيه كل مشرك من العرب وغيرهم. وقد بينا أن هذه الآيات السالفة والتي تليها، دالة أوضح الدلالة على أن قصتها كلها في اليهود والنصارى، ولا شأن لمشركي العرب بها. وإن دخل هؤلاء المشركون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم، وإذن فسياق الآيات يوجب أن تكون في اليهود والنصارى، فتخصيص شطر من آية بأنه نزل في أمر بعض مشركي الجاهلية. تحكم بلا خبر ولا بينة\".\n(^٢) ساقط من (ج) و(ل).\n(^٣) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٣/ ٢٢٢؛ و٧/ ١٩٣؛ و٨/ ٣٤١، ٥٠٦؛ و١١/ ٥٦٦)؛ ومسلم (٢٤/ ٣٩، ٤٠) وغيرهما من طرق عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه المسيب بن حزن.\n(^٤) في (ز) و(ض) و(ن): \"ذكر\".\n(^٥) في \"مسنده\" (٢/ ١٧٤)؛ وأخرجه البخاري في \"البيوع\" (٤/ ٣٤٢، ٣٤٣).\n(^٦) في \"تفسير سورة الفتح\" (٨/ ٥٨٥).\n(^٧) وسبق المصنف إلى ذلك الترجيح شيخه: أبو الحجاج المزي في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٣٦٤) فتعقبه الحافظ ابن حجر في \"النكت الظراف\" (٦/ ٣٦٣، ٣٦٤) قال: \"وأما قول المزي: إن البخاري أخرجه في \"الأدب المفرد\" عن عبد الله بن صالح، فقد تلقفه عنه الذهبي وجزم بأنه المراد في \"الصحيح\". قلت: وهو محتمل لكن مع ذلك لا يحسن الجزم به لما وقع من رواية أبي ذر، بل نقلها أولى أن يعتمد، فلا مانع أن يكون للبخاري شيخان كل منهما يسمى: عبد الله،. انتهى وسبق المزي إلى هذا الترجيح أبو علي الجياني.\nأودعه في \"صحيحه\". والله أعلم.","vol":"1","page":589},{"text":"وزعم أبو مسعود الدمشقي (^١) أنه عبد الله بن رجاء.\nوقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من \"البقرة\"، عن أحمد بن الحسن بن أيوب، عن محمد بن أحمد بن البراء، عن المعافى بن سليمان، عن فليح، به.\nوزاد (^٢) قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار، فسألته فما اختلفا في حرف إلا أن كعبًا قال بلغته: أعينًا عمومي، وآذانًا صمومي، وقلوبًا غلوفًا.\n\n<span id=\"aya-127\"></span>﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾.\nقال ابن جرير (^٣): (يعني) (^٤) بقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدًا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ أي: قل يا محمد: إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى؛ يعني: هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل.\nقال قتادة (^٥) في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ قال: خصومة علمها الله محمدًا ﷺ وأصحابه، يخاصمون بها أهل الضلالة؛ قال قتادة: وبلغنا أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"لا تزال طائفة من أمتي (يقتتلون) (^٦) على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله\".\nقلت: هذا الحديث مخرج في (الصحيح) (^٧) عن عبد الله بن (^٨) عمرو.\n﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ فيه تهديد ووعيد\n_________\n(^١) ووافقه على ذلك البيهقي في \"الدلائل\" (١/ ٣٧٥) فأخرج الحديث من طريق عبد الله بن رجاء ثنا عبد العزيز. ثم قال: \"رواه البخاري في \"الصحيح\" عن عبد الله غير منسوب عن عبد العزيز بن أبي سلمة. قيل: هو ابن رجاء، وقيل: هو ابن صالح، والأشبه أن يكون ابن رجاء. والله أعلم\". انتهى وكأن البدر العيني يذهب إلى ذلك فقال في \"عمدة القارى\" (١١/ ٢٤٣، ٢٤٤): \"وقال أبو مسعود الدمشقي: هو عبد الله بن محمد بن رجاء. وقال الجياني: هو عبد الله بن صالح كاتب الليث، والحاكم قطع على أن البخاري لم يخرج في \"صحيحه\" عن عبد الله بن صالح كاتب الليث\". انتهى.\n(^٢) هذا التخريج من المصنف ﵀ يوهم أن هذه الزيادة لم تقع إلا عند ابن مردويه من رواية المعافى بن سليمان عن فليح، وليس كذلك بل ذكرها من خرجوا الحديث ممن ذكرناهم وفيهم الإمام أحمد الذي ذكر المصنف روايته، ولكن البخاري لم يخرجها.\n(^٣) في \"تفسيره\" (٢/ ٥٦٢) وسياقه أطول.\n(^٤) ساقط من (ج) و(ل) وعندهما: \"في قوله\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٦٠) وسنده ضعيف معضل أو مرسل.\n(^٦) كذا في سائر \"الأصول\"، وكذلك هو في \"تفسير ابن أبي حاتم\". ووقع في (ن): \"يقاتلون\".\n(^٧) في (ج) و(ل): \"الصحيحين\" وهو خطأ فالحديث من مفاريد مسلم.\n(^٨) أخرجه مسلم (١٩٢٤/ ١٧٦).","vol":"1","page":590},{"text":"شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعد ما علموا من القرآن والسنة عياذًا باللّه من ذلك؛ فإن الخطاب مع الرسول (والأمة مرادة) (^١).\n[وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله: ﴿تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ حيث أفرد الملة، على أن الكفر كله ملة واحدة؛ كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦] فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار، وكل منهم يرث قرينه سواء كان من أهل دينه أم لا؟ لأنهم كلهم ملة واحدة.\nوهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية عنه.\nوقال في الرواية الأخرى كقول مالك: إنه لا يتوارث أهل ملتين شتى؛ كما جاء في الحديث (^٢). واللّه أعلم] (^٣).\n\n<span id=\"aya-128\"></span>وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال عبد الرزاق (^٤)، عن معمر، عن قتادة: هم اليهود والنصارى؛ وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٥)، واختاره ابن جرير (^٦).\nوقال سعيد (^٧)، عن قتادة: هم أصحاب رسول اللّه ﷺ.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، وعبد الله بن عمران الأصبهاني؛ قالا: حَدَّثَنَا يحيى بن يمان، حَدَّثَنَا أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] قال: إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار.\nوقال أبو العالية (^٩): قال ابن مسعود: \"والذي نفسي بيده، إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئًا على غير تأويله\".\nوكذا رواه عبد الرزاق (^١٠)، عن معمر، عن قتادة ومنصور بن المعتمر، عن ابن مسعود.\n_________\n(^١) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي (ز) و(ن): \"والأمر لأمته\".\n(^٢) حديث صحيح.\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ى). وجاءت هذه الفقرة في (ك) متأخرة.\nأخرجه أبو داود (٢٩١١)؛ وابن ماجة (٢٧٣١)؛ وأحمد (٢/ ١٧٨، ١٩٥)؛ وسعيد بن منصور (١٣٧)؛ والدارقطني (٤/ ٧٢، ٧٣)؛ وابن الجارود في \"المنتقى\" (٩٦٧)؛ والبغوي في \"شرح السنة\" (٨/ ٣٦٤، ٣٦٥) من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.\n(^٤) ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم (١١٦٣).\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٨٧٩).\n(^٦) في \"تفسيره\" (٢/ ٥٦٥).\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٨٧٨)؛ وابن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٣٨٨) وسنده صحيح.\n(^٨) في \"تفسيره\" (١١٦٧) وسنده ضعيف ويحيى بن يمان وأسامة بن زيد متكلم في حفظهما ثم هو منقطع وزيد بن أسلم لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁.\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٨٨٦) قال: حدثت عن عمار، ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: قال ابن مسعود فذكره وسنده ضعيف.\n(^١٠) في \"تفسيره\" (١/ ٥٦، ٥٧) ومن طريقه ابن جرير (١٨٨٧) وسنده ضعيف لانقطاعه.","vol":"1","page":591},{"text":"وقال السدي (^١)، عن أبي مالك، عن ابن عباس - في هذه الآية؛ قال: يحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود نحو ذلك.\nوقال الحسن البصري (^٢): يعملون بمُحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أُشكل عليهم إلى عالمه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣): حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه؛ ثم قرأ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ [الشمس: ٢] يقول: اتبعها. قال (^٤): وروي عن عكرمة (^٥)، وعطاء (^٦)، ومجاهد (^٧)، وأبي رزين (^٨)، وإبراهيم النخعي (^٩) نحو ذلك.\nوقال سفيان الثوري (^١٠): أخبرنا زبيد، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه.\n[قال القرطبي (^١١): وروى نصر بن عيسى، عن مالك، عن] (^١٢) [نافع، عن ابن عمر] (^١٣)،\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٨٨٣) قال: حدثني الحسين بن عمرو العنقزي و(١٨٨٤) قال: حدثني موسى وابن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٣٨٦) قال: حَدَّثَنَا إسحاق بن راهويه. وابن أبي حاتم (١١٦٤) قال: حَدَّثَنَا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان قالوا: ثنا عمرو بن محمد ثنا أسباط بسنده سواء وإسناده جيد كما حققته فيما مضى (١/ ٤٨٩).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٩٠١) قال: حَدَّثَنَا سفيان بن وكيع؛ وابن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٣٨٩) قال: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم وابن أبي حاتم (١١٦٥) من طريق مقاتل بن محمد والفريابي في \"فضائل القرآن\" (١٦٧) قال: حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم قالوا: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن. [وسنده حسن].\n(^٣) في تفسيره\" (١١٦٦). وهو صحيح.\n(^٤) يعني: ابن أبي حاتم (١/ ٣٥٧).\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في \"الفضائل\" (ص ٦١) قال: حَدَّثَنَا هشيم؛ وأبو داود في \"الزهد\" (٤٧٠)؛ وابن جرير (١٨٨٢) من طريق يزيد بن زريع. ابن جرير (١٨٨١) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وأيضًا (١٩٠٤) من طريق هشيم بن بشير. كلهم عن داود بن أبي هند، عن عكرمة. وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٩٠٠) من طريق يحيى القطان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء. وتابعه ابن المبارك، عن عبد الملك بهذا الإسناد؛ أخرجه ابن جرير (١٨٩٤)؛ والآجري في \"أخلاق حملة القرآن\" (٥، ٣٥). وسنده قوي؛ وأخرجه ابن جرير (١٨٨٩) من وجه آخر عن عطاء.\n(^٧) أخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (٢١١)؛ وابن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٣٨٥) من طريق خصيف؛ وابن جرير (١٨٩٤، ١٨٩٧)؛ والآجري في \"أخلاق حملة القرآن\" (٥، ٣٥) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان؛ وابن جرير (١٨٩٦، ١٨٩٧)؛ وابن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٣٨٧) من طريق ابن أبي نجيح. [وسنده صحيح].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٨٩٠، ١٨٩١)؛ والخطيب في \"اقتضاء العلم العمل\" (١١٧) من طرق عن سفيان الثوري، عن منصور، عن أبي رزين به. وسنده صحيح.\n(^٩) أخرجه الفريابي في \"فضائل القرآن\" (١٦٦) قال: حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، ثنا وكيع، عن الثوري، عن إبراهيم النخعي. وسنده صحيح.\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٨٨٥). [وسنده صحيح].\n(^١١) في \"تفسيره\" (٢/ ٩٥).\n(^١٢) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٣) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":592},{"text":"[عن النَّبِيّ (^١) ﷺ في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: \"يتبعونه حق اتباعه\"؛ ثم قال: في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكره الخطيب إلا أن معناه صحيح.\nوقال أبو موسى الأشهري (^٢): من يتبع القرآن يهبط به على (رياض) (^٣) الجنة].\n[وعن (^٤) عمر بن الخطاب (﵁) (^٥): هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها.\nقال (^٦): وقد روي هذا المعنى عن النَّبِيّ (^٧) ﷺ أنه كان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب تعوذ] (^٨).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خبر عن ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ أي: من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته آمن بما أرسلتك به يا محمد، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ …﴾ الآية [المائدة: ٦٦] وقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] أي: إذا أقمتموها حق الإقامة، وآمنتم بها حق الإيمان، وصدقتم ما فيها من الإخبار بمبعث محمد ﷺ ونعته وصفته، والأمر باتباعه ونصره ومؤازرته، قادكم ذلك إلى الحق، واتباع الخير في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ\n_________\n(^١) حديث باطل. أخرجه الخطيب في \"اقتضاء العلم والعمل\" (١١٨) من طريق العباس بن أحمد الخواتيمي، نا العباس بن الفضل الأرسوفي، نا أحمد بن عبد العزيز، نا نصر بن عيسى بسنده سواء. وصرح الخطيب في \"كتاب الرواة عن مالك\" أن في إسناده غير واحد من المجاهيل وهم الخواتيمي وأحمد بن عبد العزيز ونصر بن عيسى. أما الأرسوفي فقد اتهمه الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٣٨٦) بخبر باطل.\nونقل الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ٢٥٣) كلام الخطيب في ترجمة \"نصر بن عيسى\" وأعله السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ١١١) فقال: \"فيه مجاهيل\".\n(^٢) أخرجه الدارمي (٢/ ٣١٢)؛ وأبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ٣٤، ٣٥)؛ وفي \"الغريب\" (٤/ ١٧٣)؛ وابن الضريس (٦٧)؛ والفريابي (٢٢) كلاهما في \"فضائل القرآن\"؛ والآجري في \"أخلاق حملة القرآن\" (٣)؛ وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (٨)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٤؛ و١٣/ ٣٨٦، ٣٨٧)؛ والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٤/ رقم ١٨٦٦)؛ وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٥٧)؛ والشجري في \"الأمالي\" (١/ ٨٣) من طريق زياد بن مخراق، عن أبي إياس، عن أبي كنانة، عن أبي موسى قال: \"إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن لكم ذخرًا، وكائن لكم وزرًا، فاتبعوا القرآن، ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة، ومن يتبعه القرآن يزخ [يعني: يدفع] في قفاه حتَّى يقذفه في نار جهنم\".\nوسقط ذكر \"أبي إياس\" عند ابن الضريس، وتحرف عند الدارمي إلى \"ابن عباس\" وهذا سند ضعيف، وأبو كنانة القرشي مجهول كما قال الحافظ.\n(^٣) في (ج) و(ل): \"رياط\" وهي صحيحة أيضًا، وانظر \"النهاية\" (٢/ ٢٨٩).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٦٧) من طريق يحيى بن يمان، ثنا أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب قال: \"إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار\". وسنده ضعيف، ويحيى بن يمان سيئ الحفظ وأسامة بن زيد فيه ضعف، وزيد بن أسلم لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁.\n(^٥) من (ج) و(ل).\n(^٦) يعني: القرطبي وهو في \"تفسيره\" (٢/ ٩٥).\n(^٧) أخرجه مسلم (٧٧٢/ ٢٠٣).\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":593},{"text":"النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ [الإسراء] أي: إن كان ما وعدنا به من شأن محمد ﷺ لواقعًا. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾ [القصص] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ [آل عمران: ٢٠] ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧].\nوفي \"الصحيح\" (^١): \"والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار\".\n\n<span id=\"aya-129\"></span>\n\n<span id=\"aya-130\"></span>﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾.\nقد تقدم نظير هذه (الآية) (^٢) في صدر السورة، وكررت ها هنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول (ﷺ) (^٣) النَّبِيّ الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم، ونعته واسمه، وأمره وأمته؛ (فحذرهم) (^٤) من كتمان هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم من النعم الدنيوية والدينية، ولا يحسدوا بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم، ولا يحملهم ذلك الحسد على مخالفته وتكذيبه (والحيدة) (^٥) عن موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٣/ ٢٤٠).\n(^٢) ساقط من (ج).\n(^٣) من (*) و(ل).\n(^٤) في (ز) و(ض): \"يحذرهم\".\n(^٥) في (ن): \"الحيد\".\n(^٦) في (ع): \"تم المجلد الأول من \"كتاب التفسير\" تأليف الشيخ الإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي نفع الله به، ويتلوه في الثاني بإذن الله تعالى قوله ﷿: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] والحمد للّه رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.\n(*) قلت: وبهذا الجزء ينتهي ما عندي من هذه النسخة، واللّه نسأل أن نظفر بباقيها.\nوفي النسخة (ى) ما يأتي: \"قوبل على نسخة المصنف ﵀. آخر المجلد الأول من \"كتاب التفسير\" تأليف الشيخ الإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي نفع الله به، ويتلوه في الثاني إن شاء الله قوله ﷿: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد، وآله وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. كتبه العبد الحقير عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد التميمي … بيده في العشر الأول من محرم سنة أربع وثمانمائة هجرية، ووفق على أولاده المستفيدين إن شاء الله وله نفسه ثم إياهم حامدًا مصليًا مسلمًا\".","vol":"1","page":594},{"text":"<span id=\"aya-131\"></span>﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾.\nيقول تعالى منبهًا على شرف إبراهيم خليله، عليه (الصلاة و) (^١) السلام، وأن الله تعالى جعله إمامًا للناس يقتدى به في التوحيد، (حين) (^٢) قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي؛ ولهذا قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: (واذكر) (^٣) - يا محمد - لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت (والذين) (^٤) معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم؛ أي: (اختباره) (^٥) له بما كلفه به من الأوامر والنواهي ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: (قام) (^٦) بهن كلهن، كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧] أي: وفَّى جميع ما شرع له، فعمل به صلوات الله (وسلامه) (^٧) عليه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل] وقال تعالى: (﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران].\nوقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: بشرائع وأوامر ونواهي، فإن الكلمات تطلق؛ ويراد بها الكلمات القدرية؛ كقوله تعالى عن مريم ﵍: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وتطلق ويراد بها الشرعية؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: كلماته الشرعية. وهي إما خبر صدق، وإما طلب عدل إن كان أمرًا أو نهيًا، ومن ذلك هذ الآية الكريمة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهن. قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ أي: جزاءً على ما فعل، كما قام بالأوامر وترك الزواجر، جعله الله للناس قدوة وإمامًا يقتدى به، ويحتذى حذوه.\nوقد اختلف (العلماء) (^٨) في (تفسير) (^٩) الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل ﵇.\nفروي عن ابن عباس في ذلك روايات:\nفقال عبد الرزاق (^١٠)، عن معمر، عن قتادة، قال ابن عَبَّاس: ابتلاه الله بالمناسك. وكذا\n_________\n(^١) من (ل).\n(^٢) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى). ووقع في (ز) و(ض): \"حتَّى\".\n(^٣) في (*): \"فاذكر\"؛ وفي (ل): \"اذكر\".\n(^٤) في (ل): \"والذي\".\n(^٥) في (*): \"إخباره\".\n(^٦) في (ل): \"أقام\".\n(^٧) من (ل).\n(^٨) من (ك).\n(^٩) في (ن) و(ى): \"تعيين\".\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٩٢٦) قال: حَدَّثَنَا الحسن بن يحيى؛ وابن أبي حاتم (١١٧٦) قال حَدَّثَنَا الحسن بن أبي الربيع قالا: ثنا عبد الرزاق بسنده سواء. وسنده ضعيف لانقطاعه بين قتادة، وابن عباس وقد صرّح =","vol":"1","page":595},{"text":"رواه (^١) أبو إسحاق السبيعي، عن (التميمي) (^٢)، عن ابن عباس.\nوقال عبد الرزاق (^٣) - أيضًا -: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وأبي صالح، وأبي الجلد، نحو ذلك.\nقلت: وقريب من هذا ما ثبت في \"صحيح مسلم\" (^٤)، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء\". (قال مصعب) (^٥): ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.\nقال وكيع: انتقاص الماء؛ يعني: الاستنجاء.\nوفي \"الصحيحين\" (^٦)، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ، قال: \"الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط\". ولفظه لمسلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧): (أخبرنا) (^٨) يونس بن عبد الأعلى، قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني\n_________\n= الحاكم بأن قتادة لم يسمع من صحابي غير أنس؛ وأخرجه ابن جرير (١٩٢٤) من طريق عمر بن نبهان وهو ضعيف جدًّا، وأيضا (١٩٢٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة، عن ابن عباس.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٧٧) معلقًا ووصله ابن جرير (١٩٢٨) من طريق أبي أحمد الزبيري و(١٩٢٩) من طريق الحماني قالا: ثنا شريك النخعي، عن أبي إسحاق عن التميمي، عن ابن عباس فذكره وسنده ضعيف. وشريك النخعي سيئ الحفظ وسمع من أبي إسحاق بآخرة، والتميمي هو أربدة ولم يرو عنه إلا أبو إسحاق، وقد صرّح ابن البرقي بجهالته، وذكره أبو العرب القيرواني في جملة الضعفاء، بينما وثقه العجلي وابن حبان، وقد ذكر المزي في \"تهذيب الكمال\" (٢/ ٣١١) راويًا آخر عن أربدة غير أبي إسحاق وهو المنهال بن عمرو ولكن السند إليه لا يثبت. والله أعلم.\n(^٢) في هامش (ج): \"اسمه: أربدة\".\n(^٣) في \"تفسيره\" (١/ ٥٧)، ومن طريقه ابن جرير في \"التفسير\" (١٩١٠)؛ وفي \"التاريخ\" (١/ ١٤٤)؛ وابن أبي حاتم - في \"تفسيره\" (١١٧٢)؛ والحاكم (٢/ ٢٦٦) وعنه البيهقي (١/ ١٤٩) قال: أخبرنا معمر بسنده سواء.\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وقال الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٣٣٧): \"سنده صحيح عن طاوس\". اهـ.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٦١/ ٥٦).\n(^٥) ساقط من (ز).\n(^٦) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٠/ ٣٤٩؛ و١١/ ٨٨)، ومسلم (٣/ ١٤٦ نووي).\n(^٧) في \"تفسيره\" (١١٧٥).\nوأخرجه ابن جرير (١٩١٤) قال: حدثني المثنى، قال: حَدَّثَنَا إسحاق، قال: حَدَّثَنَا محمد بن حرب، حَدَّثَنَا ابن لهيعة بسنده سواء. وهذا سند جيد. وعبد الله بن وهب من قدماء أصحاب ابن لهيعة. وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تخريجه \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٠).\n(^٨) في (ز) و(ض): \"أنبأنا\".","vol":"1","page":596},{"text":"ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن (حنش) (^١) بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس: أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: عشر، ست في الإنسان، وأربع في المشاعر. فأما التي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، والختان. وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة. وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة. والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة.\nوقال داود بن أبي هند (^٢): عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قلت له: وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؛ قال: الإسلام ثلاثون سهمًا، منها عشر آيات في براءة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ …﴾ إلى آخر الآية [التوبة: ١١٢] وعشر آيات في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] و﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] وعشر آيات في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ …﴾ الآية [٣٥] إلى آخر (الآية) (^٣)، فأتمهن كلهن، فكتبت له براءة. قال الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧].\nهكذا رواه الحاكم، وأبو جعفر بن جرير، وأبو محمد بن أبي حاتم، بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند، به. وهذا لفظ ابن أبي حاتم.\nوقال محمد بن إسحاق (^٤)، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن، فراق قومه - في الله - حين أُمر بمفارقتهم. ومحاجته (نمروذ) (^٥) - في الله - حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه. وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه - في الله - على هول ذلك من أمرهم. والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده - في الله - حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها (وماله)، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، [فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء] (^٦)، قال الله له: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] على ما كان من خلاف الناس وفراقهم.\n_________\n(^١) في (ل): \"خيش\"! وفى (ك): \"حسين\"!\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٧٣) من طريق محمد بن حرب، ثنا الزبيدي، عن عدي، عن داود بن أبي هند بهذا الإسناد سواء. والزبيدي هو سعيد بن عبد الجبار الزبيدي كما نص عليه أبو حاتم الرازي، كما في ترجمة \"عدي بن عبد الرحمن\" من \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢/ ٣)؛ والزبيدي هذا منكر الحديث، ضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: \"عامة حديثه مما لا يتابع عليه\". وكان جرير بن عبد الحميد يكذبه. وقال النسائي: \"ليس بشيء\".\nوعدي بن عبد الرحمن لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحًا ولا تعديلًا وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٢٩٢) وقال: \"روى الزبيدي عنه عن داود بن أبي هند نسخة مستقيمة\".\n(^٣) في (ج) و(ل): \"آية\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٧٤) من طريق سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق. [وسنده حسن].\n(^٥) في (ل): \"بنمروذ\".\n(^٦) في (ل): \"فلما مضى على ذلك من البلاء كله وأخلصه للّه\".","vol":"1","page":597},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^١): حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا إسماعيل بن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن - يعني: البصري -: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ (فَأَتَمَّهُنَّ) (^٢)﴾ قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه.\nوقال ابن جرير (^٣): حَدَّثَنَا بشر بن معاذ، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: إي والله، ابتلاه بأمر فصبر عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن (ربه) (^٤) دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما كان من المشركين. ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتَّى لحق بالشام مهاجرًا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك. وابتلاه الله بذبح (ابنه) (^٥) والختان فصبر على ذلك.\nوقال عبد الرزاق (^٦): أخبرنا معمر، عمن سمع الحسن يقول في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (^٧)﴾ قال: ابتلاه الله بذبح ولده، وبالنار، (والكوكب) (^٨)، والشمس والقمر.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٩): حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا سلم بن قتيبة، حَدَّثَنَا أبو هلال، عن الحسن ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه بالكوكب، وبالشمس، والقمر، فوجده صابرًا.\nوقال العوفي في \"تفسيره\" (^١٠)، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ فمنهن: (قال) (^١١) ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] ومنهن: الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في دينهما.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢): حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، حَدَّثَنَا شبابة، عن ورقاء، عن\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١١٧٨) وسنده صحيح.\nوأخرجه ابن جرير (١٩٣٣)؛ وابن عساكر (٦/ ١٩٣) من طريق المحاملي قالا: ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا ابن علية بهذا الإسناد وأبو رجاء هذا، اسمه: محمد بن سيف الأزدي الحداني البصري وثقه ابن معين، والنسائي وابن سعد وابن حبان. وقال أبو حاتم: \"صالح الحديث\".\n(^٢) من (ك).\n(^٣) في \"تفسيره\" (١٩٣٤) وسنده صحيح.\n(^٤) في (ل): \"الله ربه\".\n(^٥) في (ج): \"ولده\" وصححها في الحاشية كما في باقي \"الأصول\".\n(^٦) في \"تفسيره\" (١/ ٥٧) ومن طريقه ابن جرير (١٩٣٥)؛ وابن عساكر (٦/ ١٩٣). وضعفه ظاهر.\n(^٧) من (ل).\n(^٨) في (ز): \"والكواكب\".\n(^٩) في \"تفسير\" (١٩٣٦)؛ وأخرجه ابن عساكر (٦/ ١٩٣) من طريق أحمد بن الفضل الصائغ ثنا آدم بن أبي إياس، نا أبو هلال الراسبي. وسنده صالح. وأبو هلال هو الراسبي محمد بن سليم وثقه أبو داود ومشاه أحمد وقال ابن معين: ليس به بأس ولينه أبو زرعة والنسائي وضعفه غيرهما.\n(^١٠) ومن طريقه ابن جرير (١٩٢٣) وسنده ضعيف.\n(^١١) من (ج) و(ل).\n(^١٢) في \"تفسيره\" (١١٧٩).\nوهو في \"تفسير مجاهد\" (ص ٢١٣) من طريق آدم بن أبي إياس قال: نا ورقاء بسنده سواء. وسنده صحيح.","vol":"1","page":598},{"text":"ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إمامًا. قال: نعم. قال: ومن ذريتي؟ ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: تجعل البيت مثابةً للناس؟ قال: نعم. قال: وأمنًا. قال: نعم. قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمةً مسلمةً لك؟ قال: نعم. قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم باللّه؟ قال: نعم.\nقال ابن أبي نجيح: سمعته عن عكرمة، فعرضته على مجاهد، فلم ينكره.\nوهكذا رواه ابن جرير (^١) من غير وجه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\nوقال سفيان الثوري (^٢)، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: ابتلى بالآيات التي بعدها: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.\nوقال أبو جعفر الرازي (^٣)، عن الربيع بن أنس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ (فَأَتَمَّهُنَّ) (^٤)﴾ قال: الكلمات: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية، قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتُلي بهن إبراهيم.\nوقال السدي (^٥): الكلمات التي ابتُلي بهن إبراهيم ربه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٧، ١٢٨] ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ) (^٦)﴾ [البقرة: ١٢٩].\n[وقال القرطبي (^٧): وفي \"الموطأ\" (^٨) وغيره، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم ﵇، أول من اختتن وأول من ضاف الضيف، وأول من استحد، وأول من قلم أظفاره، وأول من قص الشارب، وأول من شاب فلما رأى الشيب، قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال: يا رب، زدني وقارًا] (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٩١٧) من طريق عيسى بن ميمون الحرشي و(١٩١٨، ١٩١٩) من طريق شبل بن عباد المكي [وسنده صحيح] و(١٩٢٠) من طريق ابن جريج. كلهم عن مجاهد بن جبر بسنده سواء.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٩٢١) قال: حَدَّثَنَا سفيان بن وكيع، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١١/ ٥٢١) قالا: حَدَّثَنَا وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري بهذا الإسناد. وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٩٢٢) قال: حدثت عن عمار، ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه فذكره وضعفه ظاهر. [ولكن معناه صحيح، ويشهد له سابقه].\n(^٤) من (ك).\n(^٥) أخرجه ابن جرير (١٩٣٧). [وسنده حسن].\n(^٦) في (ك).\n(^٧) في \"تفسيره\" (٢/ ٩٨).\n(^٨) في \"كتاب صفة النَّبِيّ ﷺ\" (٢/ ٩٢٢/ ٤) ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخه\" (٦/ ١٩٩)؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٥٢٢) قال: حَدَّثَنَا ابن نمير وابن عساكر (٦/ ١٩٩) من طريق جعفر بن عون كلاهما، عن يحيى بن سعيد به.\nوأخرجه ابن عساكر (٦/ ٢٠٠) من طريق عكرمة بن إبراهيم عن يحيى بن سعيد وسنده صحيح عن سعيد بن المسيب.\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).","vol":"1","page":599},{"text":"[وذكر ابن أبي شيبة (^١)، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: أول من خطب على المنابر إبراهيم ﵇.\nقال غيره: وأول من ثرد الثريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول من استاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل.\nوروى معاذ بن جبل (^٢) قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن اتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم\"] (^٣).\n[قلت: هذا حديث لا يثبت. واللّه أعلم.\nثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية] (^٤).\nقال أبو جعفر بن جرير (^٥) ما حاصله: أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع. قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.\nقال: غير أنه قد روي عن النَّبِيّ ﷺ في نظير معنى ذلك خبران، أحدهما (^٦): ما حَدَّثَنَا به أبو كريب، حَدَّثَنَا رشدين بن سعد، حدثني زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه قال: كان النَّبِيّ ﷺ يقول: \"ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؛ لأنَّهُ كان\n_________\n(^١) في \"المصنف\" (١١/ ٥٢٣)؛ والبزار (٦٣٤) قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن يوسف الكوفي قالا: حَدَّثَنَا عيسى بن يونس، عن ربيعة بن عثمان التيمي، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه فذكره. وسنده حسن. وربيعة بن عثمان وثقه ابن معين وابن سعد وابن حبان. وقال النسائي: \"ليس به بأس\" ولينه أبو زرعة وقال أبو حاتم: \"منكر الحديث، يكتب حديثه\". وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٨١): \"منقطع الإسناد\".\n(^٢) هذا حديث منكر باطل.\nأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٠/ رقم ٣٥٤) قال: حَدَّثَنَا علي بن عبد العزيز. وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ١٧٥) من طريق إسماعيل بن عبد الله قالا: ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، ثنا عقبة بن خالد، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، ثنا أبي، عن السلولي، عن معاذ بن جبل مرفوعًا.\nوتابعه عبد الله بن سعيد الكندي، ثنا عقبة بن خالد بهذا الإسناد؛ أخرجه البزار في \"مسنده\" (٦٣٣) عن الكندي وقال: \"لا نعلمه عن النَّبِيّ ﷺ إلا بهذا الإسناد\"؛ وأخرجه ابن عساكر في \"تاريخه\" (٦/ ٢٢٦) من طريق آخر عن عبد الله بن سعيد الكندي به.\n(*) قلت: وسنده ضعيف جدًّا، وموسى بن محمد بن إبراهيم وهاه أبو زرعة الرازي جدًّا، وتركه الدارقطني. وقال ابن معين في رواية: \"ليس بشيء\" وقال النسائي وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو أحمد الحاكم: \"منكر الحديث\" زاد أبو حاتم: \"ضعيف الحديث وأحاديث عقبة بن خالد التي رواها عنه من جناية موسى، ليس لعقبة فيها جرم\".\nوضعفه أحمد وابن سعد وغيرهما.\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).\n(^٥) في \"تفسيره\" (٣/ ١٥) واختصره المصنف.\n(^٦) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (١٩٣٨) و(٢٧/ ٧٣)؛ وفي \"التاريخ\" (١/ ٢٨٦) قال: حَدَّثَنَا أبو كريب؛ وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٠/ رقم ٤٢٨) من طريق محمد بن أبي السري؛ وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٠١١) من طريق زهير بن عباد وابن عساكر (٦/ ٢١٢، ٢١٣) من طريق محمد بن يوسف قالوا: ثنا رشدين بن سعد بهذا الإسناد سواء. ورشدين بن سعد ضعيف جدًّا.","vol":"1","page":600},{"text":"يقول كلما أصبح وكلما أمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ [الروم] حتَّى يختم الآية\".\nقال: والآخر منهما (^١): حَدَّثَنَا به أبو كريب، أخبرنا الحسن (ابن) (^٢) عطية، أخبرنا إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \" ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]: أتدرون ما وفَّى؟ \". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"وفَّى عمل يومه، أربع ركعات في النهار\".\nورواه آدم في \"تفسيره\"، عن حماد بن سلمة. وعبد بن حميد، عن يونس بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن جعفر بن الزبير، به.\nثم شرع ابن جرير يضعِّف هذين الحديثين، وهو كما قال؛ فإنه لا تجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة، فإن كلًا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء، مع ما في متن الحديث مما يدلُّ على ضعفه (والله أعلم) (^٣).\nثم قال ابن جرير (^٤): ولو قال قائل: إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم كان مذهبًا، فإن قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] وسائر الآيات التي هي نظير ذلك؛ كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم.\nقلت: والذي قاله أولًا من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر، أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله؛ لأن السياق يعطى غير ما قالوه، والله أعلم.\nوقوله: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ لما جعل الله إبراهيم إمامًا، سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته، فأُجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، (فلا) (^٥) يكونون أئمةً فلا يقتدى بهم: والدليل على أنه أجيب إلى طلبته (قول الله) (^٦) تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه (وعليهم أجمعين) (^٧).\nوأما قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فقد اختلفوا في ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٩٣٩) و(٢٧/ ٤٣)؛ وفي \"التاريخ\" (١/ ٢٨٦)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\"، كما في (ابن كثير) (٧/ ٤٣٩، ٤٤٠)، من طريق حماد بن سلمة؛ وابن عساكر في \"تاريخه\" (٦/ ٢١٣، ٢١٤) من طريق يزيد بن هارون ومكي بن إبراهيم كلهم عن جعفر بن الزبير بسنده سواء. وسنده ساقط وجعفر بن الزبير تالف.\nقال أبو حاتم: \"روى جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة نسخة موضوعة أكثر من مِائَة حديث\".\n(^٢) في (ز): \"عن\" وهو خطأ.\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٤) في \"تفسيره\" (٣/ ١٧).\n(^٥) كذا في (خ) و(ض) و(ى). ووقع في (ز) و(ك) و(ل) و(ن): \"ولا\".\n(^٦) في (ل) و(ن): \"قوله\".\n(^٧) من (ل).","vol":"1","page":601},{"text":"فقال خصيف (^١)، عن مجاهد في قوله: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: إنه سيكون في ذريته ظالمون.\nوقال ابن أبي نجيح (^٢)، عن مجاهد: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا يكون لي إمام (ظالم) (^٣). وفي رواية: لا أجعل إمامًا ظالمًا يقتدى به.\nوقال سفيان (^٤)، (عن) (^٥) منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا يكون إمام ظالم يقتدى به.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦): حدثني أبي، حَدَّثَنَا مالك بن إسماعيل، حَدَّثَنَا شريك، عن منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال: أما من كان منهم صالحًا فسأجعله إمامًا يقتدى به. وأما من كان ظالمًا فلا ولا نعمة عين.\nوقال سعيد بن جبير (^٧): ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ المراد به المشرك، لا يكون إمام ظالم. يقول: لا يكون إمام مشرك.\nوقال ابن جريج (^٨)، عن عطاءً، قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا. قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩): أخبرنا عمرو بن ثور (القيساري) (^١٠) فيما كتب إلي، حَدَّثَنَا الفريابي، حَدَّثَنَا إسرائيل، حَدَّثَنَا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال الله لإبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فأبى أن يفعل، ثم قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق (^١١)، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس:\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (١٩٥١) قال: مشرف بن أبان الحطاب، ثنا وكيع، عن سفيان الثوري عن خصيف، عن مجاهد. وهذا سند صحيح لو كان شيخ ابن جرير ثقة، فإن الخطيب ترجمه في \"تاريخه\" (١٣/ ٢٢٤) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٩٥٢) وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (٢١٣) من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح به؛ أخرجه ابن جرير (١٩٤٦، ١٩٤٧) ورواه ابن جريج عن مجاهد؛ أخرجه ابن جرير (١٩٥٣) وسنده ضعيف.\n(^٣) في (ج): \"ظلم يقتدى به\" ثم شطب ابن المحب قوله: \"يقتدى به\".\n(^٤) أخرجه ابن جرير (١٩٤٩) قال: حَدَّثَنَا ابن بشار، ثنا أبو عاصم، ثنا سفيان الثوري عن منصور، عن مجاهد. وتابعه أبو أحمد الزبيري، ثنا سفيان الثوري به أخرجه ابن جرير (١٩٥٠) قال: حَدَّثَنَا أحمد بن إسحاق الأهوازي، ثنا أبو أحمد الزبيري وسنده صحيح.\n(^٥) في (ك): ابن\" وهو خطأ.\n(^٦) في \"تفسيره\" (١١٨٨) وشريك النخعي سيئ الحفظ، لكن تابعه الثوري كما مر آنفًا.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٩٣) من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير. [وسنده حسن].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٩٥٣). [وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن جريج به].\n(^٩) في \"تفسيره\" (١١٨٥) وعمرو بن ثور لم أجد له ترجمة. وسماك بن حرب تغير.\n(^١٠) في (ك): \"النيسابوري\"!\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٨٤) من طريق سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق به. [وسنده حسن].","vol":"1","page":602},{"text":"﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده - ولا ينبغي (له) (^١) أن يوليه شيئًا من أمره وإن كان من ذرية خليله - ومحسن ستنفذ فيه دعوته، وتبلغ له فيه ما أراد من مسألته.\nوقال العوفي (^٢)، عن ابن عباس: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: يعني لا عهد لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه.\nوقال ابن جرير: (حَدَّثَنَا المثنى) (^٣)، حَدَّثَنَا إسحاق، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن عبد الله، عن إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: ليس للظالمين عهد، وإن عاهدته؛ (فانقضه) (^٤).\nوروي عن مجاهد، وعطاء، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (^٥).\nوقال الثوري (^٦)، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: ليس لظالم عهد.\nوقال عبد الرزاق (^٧): أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينال (عهد الله) (^٨) في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وعاش.\nوكذا قال إبراهيم النخعي (^٩)، وعطاء، والحسن، وعكرمة.\nوقال الربيع بن أنس (^١٠): عهد الله الذي عهد إلى عباده: دينه، يقول: لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ [الصافات: ١١٣] يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق.\nوكذا روي عن أبي العالية (^١١)، وعطاء، ومقاتل بن حيان.\nوقال جويبر (^١٢)، عن الضحاك: لا ينال طاعتي عدو لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًا لي يطيعني.\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ن).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٩٥٤) وسنده ضعيف.\n(^٣) ساقط من كل \"الأصول\" واستدركته من \"تفسير الطبري\" (١٩٥٥) وهو المثنى بن إبراهيم ولم أجد له ترجمة وقد نبهت على ذلك أكثر من مرة فيما تقدم.\nومسلم الأعور هو: ابن كيسان. وهو ضعيف. [وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عنترة عن ابن عباس بلفظ: ليس لظالم عليك عهد].\n(^٤) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي \"الطبري\". ووقع في (ز) و(ض): \"فأنتقضه\".\n(^٥) [ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند].\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٩٥٦) من طريق حجاج بن محمد؛ وابن أبي حاتم (١١٩٥) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق كلاهما عن سفيان الثوري بسنده سواء. وسنده جيد.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (١٩٥٨) قال: حَدَّثَنَا الحسن بن يحيى؛ وابن أبي حاتم (١١٩٦) قال: حَدَّثَنَا الحسن بن أبي الربيع قالا: أخبرنا عبد الرزاق بسنده سواء. [وسنده صحيح].\n(^٨) في (ج): \"عهد الله ظالم\" وضرب ابن المحب على قوله: \"ظالم\".\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٩٥٩) وفي إسناده المثنى بن إبراهيم [ويتقوى بما سبق].\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٩٦٠) بسند ضعيف.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٨٩) وسنده حسن.\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٩٢) من طريق مروان بن معاوية الفزاري؛ وابن جرير (١٩٦١) من طريق يزيد بن زريع كلاهما عن جويبر بن سعيد الأزدي، عن الضحاك. وسنده ضعيف جدًّا، وجويبر متروك.","vol":"1","page":603},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^١): حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن محمد بن حامد، حَدَّثَنَا أحمد بن (عبد الله) (^٢) بن [سعيد (الأسدي) (^٣)، حَدَّثَنَا (سليم) (^٤) بن] (^٥) سعيد الدامغاني، حَدَّثَنَا وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، عن النَّبِيّ ﷺ، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: \"لا طاعة إلا في المعروف\".\nوقال السدي (^٦): ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يقول: عهدي: نبوتي.\nفهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير، وابن أبي حاتم، رحمهما الله تعالى. واختار ابن جرير أن هذه الآية - وإن كانت ظاهرةً في الخبر - أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالمًا. ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل ﵇ أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه، كما تقدم عن مجاهد وغيره، واللّه أعلم.\n[قال (ابن خويز منداد) (^٧) المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفةً، ولا حاكمًا، ولا مفتيًا، ولا إمام صلاة، ولا شاهدًا، ولا راويًا] (^٨).\n\n<span id=\"aya-132\"></span>﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nقال العوفي (^٩)، عن ابن عباس: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا يقضون منه وطرًا، يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه.\nوقال علي بن أبي طلحة (^١٠)، عن ابن عباس: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ يقول: يثوبون.\n(رواهما) (^١١) ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبد الله بن رجاء، أخبرنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يثوبون إليه ثم يرجعون.\nقال: وروى عن أبي العالية، وسعيد بن جبير (^١٣) - في رواية - وعطاء (^١٤)،\n_________\n(^١) كذا رواه الدامغاني بهذا السياق [بذكر الآية]. وهو منكر.\n(^٢) في (ج): \"عيينة\".\n(^٣) ساقط من (ن).\n(^٤) في (ل): \"الأزدي\".\n(^٥) في (ك): \"سليمان\".\n(^٦) أخرجه ابن جرير (١٩٤٥) قال: حدثني موسى؛ وابن أبي حاتم (١١٩١) قال: حَدَّثَنَا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي. [وسنده حسن].\n(^٧) في (ل): \"جويبر مندان\"!\n(^٨) من (ج) و(ك) و(ل).\n(^٩) ومن طريقه ابن جرير (١٩٦٧). [وسنده ضعيف].\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (١٩٧٦). [وسنده ثابت].\n(^١١) كذا في (ز) و(ن) و(ى)؛ وفي (ج) و(ض) و(ك): \"رواه\"؛ وفي (ل): \"رواه إبراهيم بن جرير\"!!\n(^١٢) في \"تفسيره\" (١٢٠٠) وسنده جيد.\n(^١٣) أخرجه ابن جرير (١٩٧٢، ١٩٧٣، ١٩٧٤) من طريق الثوري ومسعر بن كدام كلاهما عن أبي الهذيل غالب بن الهذيل، عن سعيد بن جبير. وسنده جيد.\n(^١٤) أخرجه ابن جرير (١٩٦٩، ١٩٧٠) من طريق هشيم بن بشير وجرير بن عبد الحميد كلاهما عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء. وسنده صحيح.","vol":"1","page":604},{"text":"ومجاهد (^١)، والحسن، وعطية (^٢)، والربيع بن أنس (^٣)، والضحاك، نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، حدثني الوليد بن مسلم قال: قال أبو عمرو - يعني: الأوزاعي - حدثني عبده بن أبي لبابة، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرًا.\nوحدثني يونس (^٥)، عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه.\n[وما أحسن ما قال الشاعر في هذا المعنى، أورده القرطبي (^٦):\nجعل البيت مثابًا لهم … ليس منه الدهر يقضون الوطر] (^٧)\nوقال سعيد بن جبير (^٨) - في الرواية الأخرى - وعكرمة، وقتادة، وعطاء الخراساني: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: مجمعًا.\n﴿وَأَمْنًا﴾ قال الضحاك (^٩)، عن ابن عباس: أي أمنًا للناس\nوقال أبو جعفر الرازي (^١٠)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ يقول: أمنًا من العدو، وأن يحمل فيه السلاح. وقد كانوا في الجاهلية يُتخطف الناس من حولهم، وهم آمنون لا يسبون.\nوروي عن مجاهد (^١١)، وعطاءٍ، والسدي (^١٢)، وقتادة، والربيع بن أنس، قالوا: من دخله كان آمنًا.\n_________\n(^١) هو في \"تفسير مجاهد\" (ص ٢١٤) من طريق آدم بن أبي إياس، نا ورقاء بن عمر، عن أبي نجيح، عن مجاهد.\nوأخرجه ابن جرير (١٩٦٣) من طريق عيسى بن ميمون و(١٩٦٤) من طريق معمر بن راشد و(١٩٦٥) من طريق شبل بن عباد كلهم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وهو صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٩٧١) قال: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: حَدَّثَنَا سهل بن عامر قال: حَدَّثَنَا مالك بن مغول، عن عطية. وسنده ضعيف جدًّا.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (١٩٧٧) بسند ضعيف معلق.\n(^٤) في \"تفسيره\" (١٩٦٨) وشيخ الطبري لم أجد له ترجمة ووجدت له ذكرًا في خبر رواه ابن جرير في \"تهذيب الآثار\" (٣٤٨ - مسند علي)؛ والوليد بن مسلم مدلس وقد استخدم ما يدلُّ على التدليس. فالسند ضعيف. [ومعناه صحيح].\n(^٥) القائل هو ابن جرير (١٩٧٨) وسنده صحيح.\n(^٦) في \"تفسيره\" (٢/ ١١٠).\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٠١) من طريق ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير. [وسنده حسن].\n(^٩) أخرجه ابن جرير (١٩٨٣)؛ وابن أبي حاتم (١٢٠٢) وسنده ضعيف.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٢٣) [وسنده جيد]؛ وأخرجه ابن جرير (١٩٨٢) عن الربيع بن أنس والسند عنده معلق.\n(^١١) أخرجه ابن جرير (١٩٨١) من طريق عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. [وسنده صحيح].\n(^١٢) أخرجه ابن جرير (١٩٨٠). [وسنده حسن].","vol":"1","page":605},{"text":"ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا، من كونه مثابة للناس؛ أي: جعله محلًا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضى منه وطرًا، ولو ترددت إليه كل عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ إلى أن قال: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ (دُعَاءِ) (^١)﴾ [إبراهيم: ٣٧ - ٤٠] ويصفه تعالى بأنه جعله أمنًا، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنًا.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٢): كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يعرض له. كما وصفها في سورة المائدة بقوله: (تبارك و) (^٣) تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] أي: (يدفع) (^٤) عنهم (بسبب) (^٥) تعظيمها السوء، كما قال ابن عَبَّاس: لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض؛ وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولًا وهو خليل الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: ٢٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧].\nوفي هذه الآية الكريمة نبه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو؟\nفقال ابن أبي حاتم (^٦): حَدَّثَنَا عمر بن شبة النميري، حَدَّثَنَا أبو خلف - يعني: عبد الله بن عيسى - حَدَّثَنَا داود بن أبي هند، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: مقام إبراهيم: الحرم كله. وروي عن مجاهد (^٧) وعطاء (^٨) مثل ذلك.\nوقال (^٩) (أيضًا) (^١٠): حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج،\n_________\n(^١) في (ج) و(ل): \"دعائي\". بإثبات الياء وهي قراءة حمزة الزيات وأبي عمرو بن العلاء وورش وأبي جعفر وصلًا، والبزي ويعقوب وصلًا ووقفًا.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (١٩٧٩) بسند صحيح.\n(^٣) من (ل).\n(^٤) في (ز) و(ض): \"يرفع\".\n(^٥) في (ل): \"لسبب\".\n(^٦) في \"تفسيره\" (١٢٠٧) وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ١١٩) لـ \"عبد بن حميد\" وسنده ضعيف جدًّا وعبد الله بن عيسى تالف. فقال النسائي: \"ليس بثقة\". وقال أبو زرعة: \"منكر الحديث\" وقال ابن عدي: \"يروى عن داود بن أبي هند ما لا يوافقه عليه الثقات، أحاديثه أفراد كلها\". والكلام فيه طويل الذيل.\n(^٧) أخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (٢١٤)؛ والفاكهي في \"أخبار مكة\" (٩٧٢) قال حَدَّثَنَا محمد بن أبي عمر قالا: ثنا سفيان، هو ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، زاد سعيد: وغيره، عن مجاهد فذكر الآية وقال: \"الحج كله مصلًى ومدعى\" وسنده صحيح؛ وأخرجه ابن جرير (٢٠٠٤) من وجه آخر عن ابن عيينة.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (١٩٩٢) بلفظ: \"الحج كله مقام إبراهيم\". [وسنده صحيح].\n(^٩) يعني ابن أبي حاتم. والخبر في \"تفسيره\" (١٢٠٦)؛ وأخرجه الفاكهي في \"أخبار مكة\" (٩٧١) قال: حَدَّثَنَا الحسن بن محمد الزعفراني بهذا الإسناد سواء بطوله. وسنده صحيح؛ وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٥٩) ومن طريق ابن جرير (١٩٩٠) قال: نا ابن جريج عن عطاء قال: الحج كله مقام إبراهيم.\n(^١٠) من (ن).","vol":"1","page":606},{"text":"قال: سألت عطاء عن ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فقال: سمعت ابن عباس قال: أما مقام إبراهيم الذي ذكر ها هنا، فمقام إبراهيم هذا (الذي) (^١) في المسجد. ثم قال: و﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يَعُدُّ كثير، ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾: الحج كله. ثم فسره لي عطاء فقال: التعريف، وصلاتان بعرفة، والمشعر، ومنى، ورمي الجمار، والطواف بين الصفا والمروة. فقلت: أفسره ابن عباس؟ قال: لا. ولكن قال: مقام إبراهيم: الحج كله. قلت: أسمعت ذلك لهذا أجمع؟ قال: نعم، سمعته منه.\nوقال سفيان الثوري (^٢)، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: الحجر مقام إبراهيم (لينه الله) (^٣) قد جعله الله رحمةً، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة. ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه.\n[وقال السدي (^٤): المقام: الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتَّى غسلت رأسه. حكاه القرطبي (^٥)، وضعفه ورجحه غيره، وحكاه الرازي في \"تفسيره\" (^٦) عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس] (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم (^٨): حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، حَدَّثَنَا عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، سمع جابرًا يحدث عن حجة النَّبِيِّ ﷺ قال: لما طاف النبي ﷺ، قال له عمر: هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: نعم، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nوقال عثمان بن أبي شيبة (^٩): أخبرنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة\n_________\n(^١) في (ل): \"الذي هو\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٠٨) قال: حَدَّثَنَا أبي، ثنا قبيصة، ثنا سفيان الثوري به. وسنده صحيح. وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ١١٩) لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) كذا في (ض) و(ك) و(ل) و(ى) وهو الموافق لما في \"ابن أبي حاتم\"؛ وفي (ج): \"لين\". ووقع في (ز) و(ن): \"بنى الله\".\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٢٠٠٢) وسنده حسن وقد ساقه مطولًا.\n(^٥) في \"تفسيره\" (٢/ ١١٣).\n(^٦) انظر: \"تفسير الرازي\" (٤/ ٥٣).\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض) و(ي).\n(^٨) رقم (١٢٠٥) وسنده ضعيف من أجل عنعنة ابن جريج وقد روى آخرون من الثقات حجة النَّبِيّ ﷺ عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر بن عبد الله وفيه أن النَّبِيّ ﷺ أتى مقام إبراهيم وصلى ركعتين ولم يذكروا مراجعة عمر بن الخطاب وقد ثبتت هذه المراجعة كما يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.\n(^٩) أخرجه الدارقطني في \"الأفراد\" (ق ٣٠/ ٢ - الأطراف) وقال: \"غريب من حديث أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل عن عمر، تفرد به: زكريا بن أبي زائدة عنه\". وذكره الدارقطني في \"العلل\" (٢/ ١٨٦) فقال: \"هو حديث رواه زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق واختلف عنه، فرواه علي بن مسهر عن زكريا، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر وخالفه أبو أسامة فرواه عن زكريا، عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة واسمه: عمرو بن شرحبيل عن عمر والله أعلم بالصواب. ورواه زهير عن أبي إسحاق عن طلحة بن مصرف مرسلًا عن عمر ويشبه أن يكون قول زهير هو المحفوظ، لأن زهيرًا أثبت من زكريا في أبي إسحاق\".","vol":"1","page":607},{"text":"قال: قال عمر: قلت: يا رسول الله، هذا مقام خليل ربنا؟ قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nوقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا دعلج بن أحمد، حَدَّثَنَا (غيلان) (^١) بن عبد الصمد، حَدَّثَنَا مسروق بن المرزبان (^٢)، حَدَّثَنَا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب (﵁) (^٣)، أنه مر بمقام إبراهيم، فقال: يا رسول الله، أليس نقوم مقام (خليل ربنا) (^٤)؟ قال: \"بلى\". قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فلم يلبث إلا يسيرًا حتَّى نزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nوقال ابن مردويه (^٥): حَدَّثَنَا (علي) (^٦) بن أحمد بن محمد القزويني، حَدَّثَنَا علي بن الحسين بن الجنيد، حَدَّثَنَا هشام بن خالد، حَدَّثَنَا الوليد، عن مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: لما وقف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم، قال له عمر: يا رسول الله، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: \"نعم\". قال الوليد: قلت لمالك: هكذا حدثك ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ قال: نعم. هكذا وقع في الرواية. وهو غريب.\nوقد روى النسائي من حديث الوليد بن مسلم، نحوه.\nوقال البخاري (^٧): باب قوله: ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ مثابةً: يثوبون يرجعون.\nحَدَّثَنَا مسدد، حَدَّثَنَا يحيى، عن (حميد) (^٨)، عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه) (^٩): وافقت ربي في ثلاث، (أو وافقني) (^١٠) ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب. وقال: وبلغني معاتبة النَّبِيّ ﷺ بعض نسائه، فدخلت (عليهن) (^١١) فقلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرًا منكن، حتَّى أتيت إحدى نسائه، فقالت: يا عمر، أما في رسول الله ما\n_________\n(^١) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي (ج): \"علان\".\n(^٢) ومسروق بن المرزبان لينه أبو حاتم فقال: \"ليس بقوي، يكتب حديثه\" وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٩/ ٢٠٦)، وقال صالح بن محمد: \"صدوق\" ولم يتفرد به فتابعه علي بن مسهر عن زكريا بن أبي زائدة بسنده سواء. ذكره الدارقطني في \"العلل\" (٢/ ١٨٦).\n(^٣) من (ل).\n(^٤) في (ل): \"خليل الله\".\n(^٥) وأخرجه ابن ماجة (١٠٠٨) قال: حَدَّثَنَا العباس بن عثمان الدمشقي ثنا الوليد بن مسلم بسنده سواء بلفظه. [وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة]. وأخرجه النسائي (٥/ ٢٣٦)؛ وابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ٩٧) قالا: أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، عن الوليد بن مسلم بسنده سواء وليس عنده هذه المحاورة بين النَّبِيّ ﷺ وبين عمر بن الخطاب، ولا قول الوليد بن مسلم لمالك.\n(^٦) في (ز) و(ض): \"محمد\".\n(^٧) في \"كتاب التفسير\" (٨/ ١٨ - سورة البقرة).\n(^٨) في (ل): \"عبد الحميد\"! وكأنه صححها في الحاشية، لكنه مطموس بسبب التصوير والله أعلم.\n(^٩) من (ل).\n(^١٠) كذا في \"الأصول\" وهو الموافق لما في \"صحيح البخاري\". ووقع في (ج): \"ووافقني\"!\n(^١١) في (ل): \"عليهن بالحجاب\"!","vol":"1","page":608},{"text":"يعظ نساءه حتَّى تعظهن أنت؟! فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥].\nوقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني حميد، قال: سمعت أنسًا عن عمر، ﵄.\nهكذا ساقه البخاري ها هنا، وعلق (^١) الطريق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري. وقد تفرد بالرواية عنه البخاري من بين أصحاب الكتب الستة. وروى عنه الباقون بواسطة، وغرضه من تعليق هذا الطريق (ليبين) (^٢) فيه اتصال إسناد الحديث، وإنما لم (^٣) يسنده؛ لأن يحيى بن أيوب الغافقي (^٤) فيه شيء، كما قال الإمام أحمد فيه: \"هو سيئ الحفظ\"، واللّه أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حَدَّثَنَا هشيم، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس، قال: قال عمر، رضي الله (عنه): وافقت ربي ﷿، في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله ﷺ نسائه في الغيرة. فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فنزلت كذلك. ثم رواه أحمد، عن يحيى وابن أبي عدي (^٦)، كلاهما عن حميد، عن أنس، عن عمر أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، فذكره.\nوقد رواه البخاري عن عمرو بن عون، والترمذي، عن أحمد بن منيع، والنسائي، عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وابن ماجة، عن محمد بن الصباح، كلهم عن هشيم بن بشير، به. ورواه الترمذي (^٧) - أيضًا - عن عبد بن حميد، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة. والنسائي (^٨)، عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، كلاهما عن حميد، وهو ابن تيرويه الطويل،\n_________\n(^١) علقها البخاري في \"كتاب التفسير\" لكنه وصلها في \"كتاب الصلاة\" (١/ ٥٠٥) في رواية كريمة المروزية قال: حَدَّثَنَا ابن أبي مريم وذكره.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٥٠٥): \"وفائدة إيراد هذا الإسناد ما فيه من التصريح بسماع حميد من أنس فأمن من تدليسه\". انتهى.\n(^٢) في (ل): \"ليتبين\".\n(^٣) قد ذكرنا أنه أسنده في رواية كريمة.\n(^٤) لكن يحيى بن أيوب لم يتفرد بذكر التصريح بالتحديث فقد تابعه هشيم بن بشير قال: أخبرنا حميد حَدَّثَنَا أنس؛ أخرجه الإسماعيلي في \"المستخرج\"، كما في \"الفتح\" (١/ ٥٠٦)، من رواية يوسف القاضي، عن أبي الربيع الزهراني عن هشيم.\n(^٥) في \"مسنده\" (١٥٧)؛ وأخرجه أحمد أيضًا في \"فضائل الصحابة\" (٤٣٥).\nوأخرجه البخاري (١/ ٥٠٤؛ و٨/ ٦٦٠).\n(^٦) في \"المسند\" (١٦٠)؛ وفي \"فضائل الصحابة\" (٤٣٤) قال: حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن حميد الطويل، عن أنس. وأخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (١٩٨٦)؛ وفى \"تهذيب الآثار\" (١/ ٤٠٤ - مسند عمر) قال: حَدَّثَنَا محمد بن بشار، ثنا ابن أبي عدي به.\nأما رواية يحيى القطان فقد مضى تخريجها آنفًا.\n(^٧) رقم (٢٩٥٩) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(^٨) في \"كتاب التفسير\" (٦/ ٢٨٩، ٢٩٠ - الكبرى)، قال: أخبرنا هناد بن السري به.","vol":"1","page":609},{"text":"به. وقال الترمذي: \"حسن صحيح\" ورواه الإمام علي ابن المديني (^١)، عن يزيد بن زريع، عن حميد، به. وقال: \"هذا من صحيح الحديث، وهو بصري\". ورواه الإمام مسلم بن الحجاج في \"صحيحه\" (^٢) بسند آخر، ولفظ آخر، فقال: حَدَّثَنَا عقبة بن مكرم، أخبرنا سعيد بن عامر، عن (جويرية) (^٣) بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أُسارى بدر، وفي مقام إبراهيم.\nوقال (أبو حاتم) (^٤) الرازي: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله الأنصاري، حَدَّثَنَا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقني ربي في ثلاث - أو وافقت ربي (قلت) (^٥): يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقلت: يا رسول الله، لو حجبت النساء؟ فنزلت آية الحجاب. والثالثة: لما مات عبد الله بن أبي جاء رسول الله ﷺ ليصلى عليه. قلت: يا رسول الله، تصلي على هذا الكافر المنافق! فقال: \"إيهًا عنك يابن الخطاب\"، فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].\nوهذا إسناد صحيح أيضًا، ولا تعارض بين هذا ولا هذا، بل الكل صحيح، ومفهوم العدد إذا عارضه منطوق قدم عليه، والله أعلم.\nوقال (ابن جريج) (^٦): أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر (^٧): أن رسول الله ﷺ رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعًا، حتَّى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nوقال ابن جرير (^٨): حَدَّثَنَا يوسف بن (سلمان) (^٩)، حَدَّثَنَا حاتم بن إسماعيل، حَدَّثَنَا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: استلم رسول الله ﷺ الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين.\nوهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في \"صحيحه\"، من حديث حاتم بن إسماعيل.\n_________\n(^١) وتابعه عمرو بن علي ثنا يزيد بن زريع بهذا الإسناد سواء.\nأخرجه البزار (٢٢٠ - البحر)؛ وابن جرير في \"تفسيره\" (١٩٨٧)؛ وفي \"تهذيب الآثار\" (١/ ٤٠٦ مسند عمر)؛ وابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ٩٨) قالوا جميعًا: حَدَّثَنَا عمرو بن علي بن بحر به. قال البزار: \"وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا عن عمر بن الخطاب\".\n(^٢) في \"كتاب فضائل الصحابة\" (٢٣٩٩/ ٢٤).\n(^٣) في \"ك\": \"جرير\".\n(^٤) في \"ن\": \"ابن أبي حاتم\" وهو خطأ. [وصحح سنده الحافظ ابن كثير].\n(^٥) في (ج) و(ل): \"فقلت\".\n(^٦) في (ل): \"ابن جرير\"!!\n(^٧) أخرجه مسلم (٢٣٦/ ١٢٦٣) من طريق ابن وهب، أخبرني مالك وابن جريج، عن جعفر بن محمد بهذا الإسناد ولم يذكر \"ومشى أربعًا … إلخ\".\n(^٨) في \"تفسيره\" (٢٠٠٣)؛ وأخرجه مسلم (١٤٧/ ١٢١٨).\n(^٩) في (ج) و(ل): \"سليمان\" وهو خطأ وهو يوسف بن سلمان الباهلي أبو عمر البصري من رجال \"التهذيب\" ومن شيوخ النسائي والترمذي. وثقه النسائي في رواية وابن حبان. وقال النسائي مرة: \"مشهور، لا بأس به\". وقال أبو حاتم: \"شيخ\".","vol":"1","page":610},{"text":"وروى البخاري (^١) بسنده، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين.\nفهذا كله مما يدلُّ على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ﵇ به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، كلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا، حتَّى تم جدارات الكعبة، كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، من رواية ابن عباس عند البخاري. وكانت آثار (قدميه) (^٢) ظاهرةً فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها؛ ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية.\nوموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيًا غير ناعل\nوقد (أدرك) (^٣) المسلمون ذلك فيه أيضًا (كما قال) (^٤) عبد الله بن وهب (^٥): أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب: أن أنس بن مالك حدثهم، قال: رأيت المقام فيه أثر أصابعه ﵇، وإخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم.\nوقال ابن جرير (^٦): حَدَّثَنَا بشر بن معاذ، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه بن وأصابعه (فيه) (^٧)، فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتَّى اخلولق وانمحى.\nقلت: وقد كان المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل ﵇، لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك؛ ولهذا - واللّه أعلم - أمر بالصلاة هناك عند فراغ الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله (تعالى) (^٨) عنه، (وهو) (^٨) أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين، الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله ﷺ: \"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\" (^٩). وهو الذي نزل القرآن بوفاقه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ٤٩٩؛ و٣/ ٤٨٤، ٥٠٢، ٦١٥)؛ ومسلم (١٢٣٤/ ١٨٩).\n(^٢) في (ج): \"قديمة\".\n(^٣) في (ل): \"استدرك\".\n(^٤) كذا في \"الأصول\"؛ وفي (ز): \"وقال\".\n(^٥) أخرجه أبو عبد الله الفاكهي في \"أخبار مكة\" (٩٨٦) [من طريق ابن وهب به، وسنده صحيح].\n(^٦) في \"تفسيره\" (٢٠٠٠) وسنده صحيح؛ وأخرجه الأزرقي في \"أخبار مكة\" (٢/ ٢٩، ٣٠) من طريق عمر بن سهل بن مروان، ثنا يزيد بن زريع بهذا الإسناد سواء.\n(^٧) كذا في (ز) و(ن) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\". ووقع في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى): \"فيها\".\n(^٨) من (ل).\n(^٩) وهو حديث جيد يرويه عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان مرفوعًا. هكذا رواه سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير؛ أخرجه الترمذي (٣٦٦٢).","vol":"1","page":611},{"text":"في الصلاة عنده؛ ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة، ﵃ أجمعين.\nقال عبد الرزاق (^١)، عن ابن جريج، حدثني عطاء وغيره من أصحابنا، قالوا: أول من نقله عمر بن الخطاب ﵁.\n[وقال عبد الرزاق (^٢) أيضًا، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: أول من أخَّر المقام إلى موضعه الآن، عمر بن الخطاب (﵁) (^٣)] (^٤).\nوقال الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (^٥): أخبرنا أبو (الحسين بن) (^٦) الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، حَدَّثَنَا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي، حَدَّثَنَا أبو ثابت، حَدَّثَنَا الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن المقام كان في زمان رسول الله ﷺ، وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب، ﵁. وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان - (يعني: ابن عيينة (^٨) وهو إمام المكيين في زمانه -[كان المقام من (سقع) (^٩) البيت على عهد رسول الله ﷺ، فحوله عمر إلى مكانه] (^١٠) بعد النَّبِيّ ﷺ، وبعد قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فرده عمر إليه.\nوقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. قال سفيان: لا أدري (أكان) (^١١) لاصقًا بها أم لا؟\nفهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، واللّه أعلم.\nوقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^١٢): حَدَّثَنَا (أبو) (^١٣) عمرو - (وهو أحمد بن محمد بن حكيم) -، حَدَّثَنَا محمد بن عبد الوهاب (ابن أبي تمام) (^١٤)، حَدَّثَنَا آدم - (هو ابن أبي إياس\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (ج ٥/ رقم ٨٩٥٥) وسنده صحيح إلى عطاء.\n(^٢) في \"المصنف\" أيضًا (ج ٥/ رقم ٨٩٥٣) وسنده صحيح إلى مجاهد.\n(^٣) ساقط من (ج).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٥) وأخرجه الفاكهي في \"أخبار مكة\" (٩٩٨) قال: حَدَّثَنَا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال عبد العزيز: أراه عن عائشة ﵄، قالت: إن المقام كان في زمن النَّبِيّ ﷺ إلى سقع البيت. [وصحح سنده الحافظ ابن كثير].\nوقوى الحافظ إسناده في \"الفتح\" (٨/ ١٦٩).\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٧) في \"تفسيره\" (١٢٠٩) وسنده صحيح كما قال الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ١٦٩).\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٩) في (ن): \"سقف\"! والسقع والصقع: الناحية.\n(^١٠) ساقط من (ك).\n(^١١) في (ل): \"إن كان\" وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ٢٩٠) لابن أبي داود.\n(^١٢) عزاه الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ١٦٩) إلى ابن مردويه وقال: \"بسند ضعيف\".\n(^١٣) في \"ن\": \"ابن\".\n(^١٤) من (ن).","vol":"1","page":612},{"text":"في \"تفسيره\") (^١) -، حَدَّثَنَا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قال: قال عمر: يا رسول الله، لو صلينا خلف المقام؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فكان المقام عند البيت، فحوله رسول الله ﷺ إلى موضعه هذا. قال مجاهد: قد كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن.\nهذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق (^٢)، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أن أول من أخَّر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁، وهذا أصح من طريق ابن مردويه، مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-133\"></span>﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾.\nقال الحسن البصري (^٣): قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنجس ولا يصيبه من ذلك شيء.\nوقال ابن جريج (^٤): قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٥): ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمرناه. كذا قال. والظاهر أن هذا الحرف إنما عدي بإلى؛ لأنَّهُ في معنى: تقدمنا وأوحينا.\nوقال سعيد بن جبير (^٦)، عن ابن عباس، قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: من الأوثان.\nوقال مجاهد (^٧) وسعيد بن جبير: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ إن ذلك من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبيد بن عمير (^٨)، وأبي العالية، وسعيد بن جبير (^٩)،\n_________\n(^١) من (ن).\n(^٢) وقد مر تخريجه قبل قليل.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢١٢) بسند ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٢٠٠٧).\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٢٠٠٨) وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢١٤)، وفي إسناده عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف ضعفه أحمد وابن معين والنسائي وأبو داود وغيرهم. وقال ابن عدي: \"أحاديثه ليست بالكثيرة، وأحاديثه مقدار ما يرويه لا يتابع عليه\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢١٥) وسنده كسابقه. وأخرجه ابن جرير (٢٠١٤) وفي إسناده أبو إسرائيل الملائي واسمه: إسماعيل بن خليفة مختلف فيه، وهو إلى الضعف أقرب.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٢٠١١، ٢٠١٢؛ و١٧/ ١٠٦) من طريق ابن أبي نجيح وابن جريج كلاهما عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير. وهو صحيح.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢١٦) من طريق عمرو بن أبجد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير وعمرو هذا لم أجد له ترجمة. وعطاء بن السائب كان اختلط.","vol":"1","page":613},{"text":"ومجاهد (^١)، وعطاء، وقتادة (^٢) ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ أي: بلا إله إلا الله، من الشرك.\nوأما قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ فالطواف بالبيت معروف، وعن سعيد بن جبير (^٣) أنه قال في قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ يعني: من أتاه من غربة، ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ المقيمين فيه. وهكذا رُوي عن قتادة (^٤)، والربيع بن أنس: أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه، كما قال سعيد بن جبير.\nوقال يحيى (بن) (^٥) القطان، عن عبد الملك - هو ابن أبي سليمان -، عن عطاء (^٦) في قوله: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: من (انتابه) (^٧) من الأمصار فأقام (عنده) (^٨)، وقال لنا - ونحن مجاورون -: أنتم (من) (^٩) العاكفين.\nوقال وكيع (^١٠)، عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا كان جالسًا فهو من العاكفين.\nوقال ابن أبي حاتم (^١١): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، حَدَّثَنَا ثابت، قال: قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مكلِّم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم (يجنبون) (^١٢) ويحدثون. قال: لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم، فقال: هم العاكفون.\n[ورواه عبد بن حميد، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، به] (^١٣).\nقلت: وقد ثبت في \"الصحيح\" (^١٤) أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول ﷺ وهو عزب.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فقال وكيع (^١٥)، عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٢٠١٣؛ و١٧/ ١٠٦) وفي إسناده ليث بن أبي سليم. وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٢٠١٥؛ و١٧/ ١٠٦) وابن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" (١٣) من طريق عبد الرزاق وهذا في \"تفسيره\" (١/ ٥٨)، قال: نا معمر عن قتادة. وأخرجه ابن جرير (١٧/ ١٠٦) من طريق محمد بن ثور عن معمر مثله. وأخرجه ابن جرير (٢٠١٦) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مثله وزاد: \"وقول الزور\". [وسنده صحيح].\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٢٠١٧) قال: حَدَّثَنَا أبو كريب. وابن أبي حاتم (١٢٢٠) من طريق علي بن إسحاق السمرقندي قالا: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير. وأبو بكر بن عياش تغير في آخر عمره، وكتابه صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٢٢) وفي إسناده أبو جعفر الرازي؛ وأخرجه ابن جرير (٢٠٢٢) من وجه آخر صحيح عن قتادة.\n(^٥) من (ك).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٢٣) قال: حَدَّثَنَا علي بن الحسن، ثنا مسدد، ثنا يحيى القطان به وسنده صحيح.\n(^٧) في (ل): \"أتى\".\n(^٨) في (ك): \"عندنا\"!\n(^٩) ساقط من (ج).\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٢٠١٩) قال: حَدَّثَنَا أبو كريب، ثنا وكيع به. ولكن أبا بكر الهذلي متروك الحديث.\n(^١١) في \"تفسيره\" (١٢٢٤) وسنده صحيح.\n(^١٢) في \"ل\": \"يخبتون\"!\n(^١٣) من (ن).\n(^١٤) هو في \"الصحيحين\"؛ أخرجه البخاري في \"كتاب التهجد\" (٣/ ٦).\n(^١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٢٥) قال: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج قالا: حَدَّثَنَا وكيع بسنده سواء. وسنده ضعيف جدًّا، وأبو بكر الهذلي متروك. والله أعلم.","vol":"1","page":614},{"text":"ابْن عباس: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قال: إذا كان مصليًا فهو من الركع السجود. وكذا قال عطاء (^١) وقتادة (^٢).\nوقال ابن جرير (^٣) ﵀: فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين. والتطهير الذي أمرهما به في البيت هو تطهيره من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك. ثم أورد سؤالًا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ وأجاب بوجهين:\nأحدهما: أنه أمرهما بتطهيره مما (كان) (^٤) يعبد عنده زمان قوم نوح من الأصنام والأوثان، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما، (إذ كان) (^٥) الله تعالى قد جعل إبراهيم إمامًا يقتدى به، كما قال عبد الرحمن بن زيد: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ قال: من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها.\nقلت: وهذا الجواب مفرع على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم (محمد ﷺ) (^٦).\nالجواب الثاني: أنه أمرهما أن يخلصا (في) (^٧) بنائه للّه وحده لا شريك له، فيبنياه مطهرًا من الشرك والريب، كما قال جل ثناؤه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] قال: فكذلك قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ ابنيا بيتي للطائفين] (^٨).\nوملخص هذا الجواب: أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل ﵇، أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له، للطائفين به والعاكفين عنده، والمصلين إليه من الركع السجود، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦].\n[وقد اختلف الفقهاء: أيما أفضل، الصلاة عند البيت أو الطواف؟ فقال مالك: الطواف به لأهل الأمصار أفضل من الصلاة عنده، وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقًا، وتوجيه كل منهما يذكر في \"كتاب الأحكام\"] (^٩).\nوالمراد من ذلك الرد على المشركين الذين كانوا يشركون باللّه عند بيته، المؤسس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٢٠٢٤) قال: حَدَّثَنَا أبو كريب، ثنا وكيع، عن أبي بكر الهذلي عن عطاء. وسنده كسابقه.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٢٠٢٥) وسنده صحيح.\n(^٣) في \"تفسيره\" (٣/ ٣٨، ٣٩).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٥) كذا في (ز) و(ك) وهو الموافق لما عند \"ابن جرير\".\n(^٦) من (ز) و(ض) و(ن) و(ى) والصلاة والتسليم من (ز) و(ض).\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٨) ساقط من (ك).\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).","vol":"1","page":615},{"text":"وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج: ٢٥].\nثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له، إما بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها، وركوعها؛ وسجودها، ولم يذكر العاكفين لأنَّهُ تقدم ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واجتزأ بذكر الركوع والسجود عن القيام؛ لأنَّهُ قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام. وفي ذلك - أيضًا - رد على من لا يحجه من أهل الكتابين: اليهود والنصارى؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة، وغير ذلك، وللاعتكاف والصلاة عنده، وهم لا يفعلون شيئًا من ذلك، فكيف (يكونون) (^١) (مقتدين) (^٢) بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له! وقد حج البيت موسى بن عمران وغيره من الأنبياء ﵇، كما أخبر بذلك المعصوم (^٣)، الذي لا ينطق عن الهوي ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤].\nوتقدير الكلام إذن: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [أي: تقدمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل] (^٤) ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: طهراه من الشرك والريب، وابنياه خالصًا لله، معقلًا للطائفين والعاكفين والركع السجود. وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية، ومن قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ [النور] ومن السنة من أحاديث كثيرة، من الأمر بتطهيرها وتطييبها (^٥) وغير ذلك، من صيانتها من الأذى (والنجاسات) (^٦) وما أشبه ذلك. ولهذا قال ﵇ (^٧): \"إنما بنيت المساجد لما بنيت له\". وقد جمعت في ذلك جزءًا على حدة، ولله الحمد والمنة.\n[وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة، فقيل: الملائكة قبل آدم، وروى هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين، ذكره القرطبي (^٨) وَحُكِىَ لفظه، وفيه غرابة، وقيل:] (^٩)\n_________\n(^١) في (ل): \"يكون\".\n(^٢) في (ج): \"مقتدون\".\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (١٦٥/ ٢٦٨).\nتنبيهٌ: الجؤار: هو رفع الصوت. ووادي الأزرق: هو واد في الحجاز قريب من مكة. وهرشى: هي ثنية بين مكة والمدينة، ويقال: هي قريبة من الجحفة.\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).\n(^٥) أما الأمر بتطهير المساجد ففيه نصوص شهيرة معروفة. وأما الأمر بتطييبها ففيه أحاديث منها ما أخرجه أبو داود (٤٧٩)؛ وابن خزيمة (٢/ ٢٧٠) بسند صحيح عن ابن عمر قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب يومًا إذ رأى نخامةً في قبلة المسجد، فتغيظ على الناس، ثم حكَّها. قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران فلطخه به وقال: \"إن الله قبل وجه أحدكم إذا صلى، فلا يبزق بين يديه\".\n(^٦) في (ل): \"النجاسة\".\n(^٧) أخرجه مسلم (٨٠/ ٥٦٩).\n(^٨) في \"تفسيره\" (٢/ ١٢٠)، ولفظه: \"وروى عن جعفر بن محمد قال: سئل أبي، وأنا حاضر، عن بدء خلق البيت، فقال: \"إن الله ﷺ لما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] فغضب عليهم، فعاذوا بعرشه وطافوا حوله سبعة أشواط يسترضون ربهم حتَّى ﵃، وقال لهم: ابنوا لي بيتًا في الأرض يتعوذ به من سخطت عليه من بني آدم، ويطوف حوله كما طفتم حول عرشي فارضي عنه كما رض عنكم، فبنوا هذا البيت\". وهذا سياق غريب جدًّا، وكثير مما ينسب إلى أبي جعفر الباقر لا يثبت عنه.\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).","vol":"1","page":616},{"text":"[آدم (﵇) (^١)، رواه عبد الرزاق (^٢)، عن ابن جريج، عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، وجبل لبنان، والجودى، وهذا غريب أيضًا. وروى نحوه عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة، وعن وهب بن منبه: أن أول من بناه شيث ﵇، وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب، وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين] (^٣).\n[وقال فخر الدين الرازي (^٤): الأكثرون من أهل الأخبار على أن البيت كان موجودًا قبل إبراهيم على ما روينا فيه من الأحاديث، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ فدلَّ على وجود القواعد قبل ذلك، وفيما قاله نظر، فإنه لم يرد شيء من الأحاديث المرفوعة تدل على ما ذكره، وفي الاستدلال على ما ذكره من الآية نظر، إذ لا يلزم وجود القواعد قبل ذلك. والله أعلم] (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٦): حَدَّثَنَا ابن بشار قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، حَدَّثَنَا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها\".\nوهكذا رواه النسائي، عن محمد بن بشار، عن بندار، به.\nوأخرجه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري.\nوقال ابن جرير (^٧) - أيضًا -: حَدَّثَنَا أبو كريب وأبو السائب قالا: حَدَّثَنَا ابن إدريس. وحدثنا أبو كريب، حَدَّثَنَا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعًا: سمعنا أشعث، عن نافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن إبراهيم كان عبد الله وخليله، وإني عبد الله ورسوله. وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهها وصيدها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير\".\n_________\n(^١) من (ن). وسقط من (ج) و(ل).\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٢٠٣٧) وصحح ابن كثير إسناده واستغربه كما يأتي قريبًا.\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).\n(^٤) في \"تفسيره\" (٢/ ٦٢).\n(^٥) من (ج) و(ل).\n(^٦) في \"تفسيره\" (٢٠٢٩)؛ وأخرجه مسلم (١٣٦٢/ ٤٥٨).\n(^٧) في \"تفسيره\" (٢٠٣٠).\nوأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٣٦٥) قال: حَدَّثَنَا ابن ذريح، هو محمد بن صالح، ثنا مسروق بن المرزبان، ثنا ابن أبي زائدة، ثنا أشعث بن سوار بسنده سواء. قال ابن عدي: \"وهذا الحديث يرويه ابن أبي الزناد، عن الأشعث\". وهذا الحديث أورده ابن عدي فيما استنكر على أشعث بن سوار.","vol":"1","page":617},{"text":"وهذا الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في \"صحيح مسلم\" (^١) من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: \"اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا. اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك. وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة، ومثله معه\". ثم يدعو أصغر وليد له، فيعطيه ذلك الثمر. وفي لفظ (^٢): \"بركة مع بركة\". ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان. لفظ مسلم.\nثم قال ابن جرير (^٣): حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها\".\nانفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، به. ولفظه كلفظه سواء. وفي \"الصحيحين\" (^٤) عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: \"التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني\". فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله ﷺ كلما نزل. وقال في الحديث: ثم أقبل حتَّى إذا بدا له أُحد قال: \"هذا جبل يحبنا ونحبه\". فلما أشرف على المدينة قال: \"اللهم إني أحرم ما بين جبليها، مثلما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم [في مدهم وصاعهم\". وفي لفظ (^٥) لهما: \"اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم] (^٦) في صاعهم، وبارك لهم في مُدهم\". زاد البخاري (^٧): يعني: أهل المدينة.\n\"ولهما\" (^٨) أيضًا عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: \" (اللهم) (^٩) اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة\".\nوعن عبد الله بن زيد بن عاصم (^١٠) له، عن النَّبِيّ ﷺ: \"إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، (وحرمت) (^١١) المدينة كما حرم إبراهيم مكة، (ودعوت) (^١٢) لها في (مدها وصاعها) (^١٣)\n_________\n(^١) رقم (١٣٧٣/ ٤٧٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٧٣/ ٤٧٤).\n(^٣) في \"تفسيره\" (٢٠٣١)؛ وأخرجه مسلم (١٣٦١/ ٤٥٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (٩/ ٥٥٣، ٥٥٤؛ و١١/ ١٧٣)؛ ومسلم (١٣٦٥/ ٤٦٢).\n(^٥) أخرجه البخاري في \"كفارات الإيمان\" (١١/ ٥٩٧) قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن يوسف؛ ومسلم في \"كتاب الحج\" (٤٦٥/ ١٣٦٨) قال: حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد كلاهما عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس.\n(^٦) ساقط من (ج).\n(^٧) أخرجه البخاري في \"كتاب البيوع\" (٤/ ٣٤٧)؛ وفي \"كتاب الاعتصام\" (١٣/ ٣٠٤).\n(^٨) يعني: للشيخين. وأخرجه البخاري في \"فضائل المدينة\" (٤/ ٩٧ - فتح).\n(^٩) من (ن) و(ى) وهو ثابت عند الشيخين، وسقط من بقية النسخ.\n(^١٠) أخرجه البخاري (٤/ ٣٤٦).\n(^١١) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي \"البخاري\"؛ وفي (ل): \"وإني حرمت\".\n(^١٢) في (ل): \"وإني دعوت\".\n(^١٣) في (ل): \"صاعها ومدها\".","vol":"1","page":618},{"text":"(ومثل) (^١) ما دعا إبراهيم لمكة\".\nرواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها (بمثليْ) (^٢) ما دعا إبراهيم لأهل مكة\".\nوعن أبي سعيد (^٣) ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين (مأزميها) (^٤)، (أن لا يهراق) (^٥) فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف. اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين\" الحديث رواه مسلم.\nوالأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متَعَلِّقٌ. بتحريم إبراهيم ﵇، لمكة، لما في ذلك في مطابقة الآية الكريمة.\n[وتمسك بها من ذهب إلى (أن) (^٦) تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض وهذا أظهر وأقوى] (^٧).\nوقد وردت أحاديث أخر تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض، كما جاء في \"الصحيحين\" (^٨)، عن عبد الله بن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: \"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعةً من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها\". فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيْنهم ولبيوتهم. فقال: \"إلا الإذخر\" وهذا لفظ مسلم.\n\"ولهما\" (^٩) عن أبي هريرة نحو من ذلك.\nثم قال البخاري (^١٠) بعد ذلك: (وقال) (^١١) أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النَّبِيّ ﷺ، مثله.\n_________\n(^١) أشار ناسخ (ج) إلى أنه وقع في نسخة: \"مثلى\" وقد تقدم البحث فيه.\n(^٢) وقع في \"الأصول\": \"بمثل\" والصواب ما أثبته، وإلا لماذا سجل ابن كثير لفظ مسلم وهو مثل لفظ البخاري؛ ما أعاد لفظ مسلم إلا ليبين التفاوت بينهما في هذا الحرف. والله أعلم.\n(^٣) أخرجه مسلم في \"كتاب الحج\" (١٣٧٤/ ٤٧٥).\n(^٤) في (ض): \"لازمها\"!! والمأزم: كل طريق ضيق بين جبلين.\n(^٥) كذا في (ج) و(ل) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في \"صحيح مسلم\"، ووقع في (ز) و(ض) و(ك): \"لا يهراق\".\n(^٦) ساقط من (ج).\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).\n(^٨) أخرجه البخاري (٣/ ٤٤٩؛ و٦/ ٢٨٣).\nوأخرجه البخاري (٦/ ٣، ٣٧)؛ وأبو داود (٢٤٨٠)؛ والترمذي (١٥٩٠)؛ وأحمد (٢٣٥٣)؛ وابن الجارود في \"المنتقى\" (٥٠٩)؛ وعبد الرزاق (٩٧١٣)؛ والبيهقى (٩/ ١٦) من طرق عن منصور. بهذا الإسناد مطولًا ومختصرًا.\n(^٩) أخرجه البخاري (١/ ٢٠٥؛ و١٢/ ٢٠٥)؛ ومسلم (١٣٥٥/ ٤٤٧).\n(^١٠) في \"كتاب الجنائز\" (٣/ ٢١٣).\n(^١١) في (ز) و(ض): \"قال\".","vol":"1","page":619},{"text":"وهذا الذي علقه البخاري (^١) رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجة، عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يناق، عن صفية بنت شيبة، قالت: سمعت النَّبِيّ ﷺ يخطب عام الفتح، فقال: \"يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها، ولا يأخذ لقطتها إلا منشد\". فقال العباس: إلا الإذخر؛ فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله ﷺ: \"إلا الإذخر\".\nوعن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد - وهو يبعث البعوث إلى مكة -: ائذن لي - أيها الأمير - أن أحدثك قولًا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \"إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يضعد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب\". فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًا بدم، ولا فارًا بخربة.\nرواه البخاري (^٢) ومسلم، وهذا لفظه.\nفإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم ﵇، حرمها؛ لأن إبراهيم بلَّغ عن الله حكمه فيها وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم ﵇، لها، كما أنه قد كان رسول الله ﷺ مكتوبًا عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجَدلٌ في طينته (^٣)، ومع هذا قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] الآية. وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره. ولهذا جاء في الحديث (^٤) أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن بدء أمرك. فقال: \"دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمي (كأنه) (^٥) خرج منها نور أضاءت له قصور الشام\".\nأي: أخبرنا عن بدء ظهور أمرك. كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله.\n_________\n(^١) وصله البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١/ ٤٥١، ٤٥٢) قال: قال لي عبيد بن يعيش، حَدَّثَنَا يونس بن بكير، أخبرنا محمد بن إسحاق قال: حدثني أبان بن صالح بسنده سواء؛ وأخرجه الطحاوي في \"المشكل\" (٣١٤٣) قال: حَدَّثَنَا محمد بن علي بن داود، ثنا عبيد بن يعيش بهذا الإسناد؛ وأخرجه ابن ماجة (٣١٠٩) قال: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا يونس بن بكير بسنده سواء. وإسناده حسن.\n(^٢) أخرجه البخاري في \"جزاء الصيد\" (٤/ ٤١ - صحيحه)؛ ومسلم (١٣٥٤/ ٤٤٦).\n(^٣) لا يثبت الحديث بهذا اللفظ.\n[وله شاهد]. أخرجه ابن أبي عاصم في [الآحاد والمثانى] (٢٩١٨)؛ وفي \"السنة\" (٤١١) قال: حَدَّثَنَا هدبة. قال الحافظ في \"الإصابة\" (٦/ ٢٤٠): \"إسناده صحيح\" وكذلك قال شيخنا الألباني في \"ظلال الجنة\".\n(^٤) وهو حديث حسن.\n(^٥) في (ل): \"كأنها\".","vol":"1","page":620},{"text":"وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة، كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة، كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها، إن شاء الله، وبه الثقة.\nوقوله تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي: من الخوف، لا يرعب أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا؛ (كقوله تعالى) (^١): ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (وقوله) (^٢) ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] إلى غير ذلك من الآيات. وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها. وفي \"صحيح مسلم\" (^٣)، عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح\". وقال في هذه السورة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي: اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا، وناسب هذا؛ لأنَّهُ قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وناسب هذا هناك لأنَّهُ - واللّه أعلم - كأن وقع دعاء (مرةً ثانية) بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة؛ ولهذا قال في آخر الدعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾ [إبراهيم: ٣٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nقال أبو جعفر الرازي (^٤)، عن الرب بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قال: هو قول الله تعالى. وهذا قول مجاهد (^٥) وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير، رحمه الله تعالى: قال: وقرأ آخرون: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر (^٦)، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلًا.\nوقال ابن أبي جعفر (^٧)، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ يقول: ومن كفر فارزقه أيضًا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق (^٨): لما عزل إبراهيم ﵇، الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية\n_________\n(^١) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ن) و(ى)؛ وفي (ل): \"كما قال الله تعالى\"؛ وفي (ك): \"لقوله تعالى\".\n(^٢) من (ن) و(ى).\n(^٣) في \"كتاب الحج\" (١٣٥٦/ ٤٤٩).\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٢٠٣٣)؛ وابن أبي حاتم (١٢٣٣) وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٣٥) من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح قال: سمعت عكرمة فذكر مثله. قال ابن أبي نجيح: سمعت هذا من عكرمة ثم عرضته على مجاهد فلم ينكره. [وسنده صحيح].\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٢٠٣٥)؛ وابن أبي حاتم (١٢٣٤). [وسنده جيد].\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٢٠٣٥) قال: حَدَّثَنَا المثنى، ثنا إسحاق، ثنا ابن أبي جعفر فذكره. وسنده ضعيف لجهالة شيخ ابن جرير، ولضعف ليث بن أبي سليم. ولكن أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٣٦) من طريق ابن أبي زائدة أنا إسرائيل عن خصيف عن سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد فذكره، وهذا سند صالح يعتبر به وخصيف بن عبد الرحمن مختلف فيه.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٢٠٣٤) قال: حَدَّثَنَا ابن حميد، ثنا سلمة، قال ابن إسحاق فذكره. وسنده ضعيف جدًّا =","vol":"1","page":621},{"text":"- انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم أنه ظالم ألا يناله عهده، بخبر الله له بذلك - قال الله: ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلًا.\nوقال حاتم بن إسماعيل (^١)، عن حميد الخراط، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قال ابن عَبَّاس: كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ومن كفر أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟! أمتعهم قليلًا، ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء]. رواه ابن مردويه. وروى عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا. وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان] وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف].\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ [الحج: ٤٨] وفي \"الصحيحين\" (^٢): \"لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويعافيهم\"، وفي \"الصحيح\" (^٣) (أيضًا) (^٤): \"إن الله (ليملي) (^٥) للظالم حتَّى إذا أخذه لم يفلته\". ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].\n[وقرأ بعضهم \"قال: ومن كفر فأمتعه قليلًا، ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير\"] (^٦)\n_________\n= لوهاء ابن حميد. وسلمة بن الفضل لين الحفظ.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١٢٢٨) قال: حَدَّثَنَا أبي، ثنا هشام بن عمار، ثنا حاتم بن إسماعيل به.\nوهشام بن عمار في حفظه مقال. وقد تابعه إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا حاتم بن إسماعيل. أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٢٦) قال: حَدَّثَنَا أبي، ثنا إبراهيم. وإبراهيم هذا هو الملقب بـ \"الصغير\" وهو ثقة؛ وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ج ١٢/ رقم ١٢٤٠٢) من طريق سعيد بن عمرو الأشعثي ثنا حاتم بن إسماعيل به وهذا إسناد جيد، لولا ما نقله العلائي في \"جامع التحصيل\" (٥٥٠) عن الإمام أحمد أنه قال: \"عمار بن معاوية الدهني لم يسمع من سعيد بن جبير شيئًا\".\n(^٢) مر تخريجه تحت الآية (١١٦).\n(^٣) وهو في \"الصحيحين\"؛ أخرجه البخاري في \"كتاب التفسير\" (٨/ ٣٥٤)، ومسلم (٢٥٨٣/ ٦١).\n(^٤) ساقط من (ك).\n(^٥) في (ج) و(ل): \"يملى\".\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض) و(ى). واستدركته من (ج) و(ك) و(ل) و(ن).","vol":"1","page":622},{"text":"[جعله من تمام دعاء إبراهيم، وهي قراءة شاذة، مخالفة للقراء السبعة، وتركيب السياق يأبى (معناها) (^١)، واللّه أعلم، فإن الضمير في ﴿قَالَ﴾ راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة، يكون الضمير عائدًا على إبراهيم، وهو خلاف نظم الكلام، والله سبحانه هو العلام] (^٢).\n\n<span id=\"aya-134\"></span>وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ فالقواعد: جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر - يا محمد - لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل ﵇، البيت، ورفعهما القواعد منه، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [وحكى القرطبي (^٣) وغيره عن أُبي وابن مسعود أنهما كانا يقرآن: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.\nقلت: ويدل على هذا قولهما بعده: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الآية] (^٤).\nفهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما روى ابن أبي حاتم (^٥) من حديث محمد بن يزيد بن خنيس المكي، عن وهيب بن الورد: أنه قرأ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقبل منك؟. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين (الخلص) (^٦) في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي: خائفة ألا يتقبل منهم. كما جاء به الحديث الصحيح، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ كما سيأتي في موضعه (^٧).\nوقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل: والصحيح أنهما كانا يرفعان ويقولان، كما سيأتي بيانه.\nوقد روى البخاري ها هنا حديثًا سنورده ثم نتبعه بآثار متعلِّقةٌ بذلك، قال البخاري (^٨) ﵀:\nحَدَّثَنَا عبد الله بن محمد، حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن أيوب السختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة - يزيد أحدهما على الآخر - عن سعيد بن جبير، عن ابن\n_________\n(^١) ساقط من (ل)؛ وفي (ك): \"معناه\".\n(^٢) ساقط من (ز) و(ض) و(ى). واستدركته من (ج) و(ك) و(ل) و(ن).\n(^٣) في \"تفسيره\" (٢/ ١٢٦).\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).\n(^٥) في \"تفسيره\" (١٢٥٠) ومن طريق أبي بكر بن محمد بن يزيد بن خنيس وابن أبي زياد قالا: ثنا محمد بن يزيد بن خنيس به. والراويان عن محمد بن يزيد لم أقف لهما على ترجمة. ومحمد بن يزيد بن خنيس وثقه أبو حاتم الرازي كما في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١/ ١٢٧) وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٩/ ٦١) وقال: \"ربما أخطأ، يعتبر بحديثه إذا بين السماع في خبره ولم يرو عنه إلا ثقة\" ومع ذلك فقد قال الحافظ فيه \"مقبول\"!\n(^٦) في (ز) و(ض): \"المخلصين\".\n(^٧) من تفسير سورة المؤمنون الآية [٦٠].\n(^٨) في \"كتاب الأنبياء\" (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٨) من طريق عبد الرزاق وهذا في \"المصنف\" (ج ٥/ رقم ٩١٠٧) بسنده سواء؛ وأخرجه البخاري أيضًا في \"كتاب المساقاة\" (٥/ ٤٣) بهذا الإسناد مختصرًا.","vol":"1","page":623},{"text":"عباس ﵄، قال: أول (ما) (^١) اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، (عليهما) (^٢) السلام. اتخذت منطقًا (لتعفي) (^٣) أثرها على سارة. ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، (عليهما) (^٤) السلام، وهي ترضعه، حتَّى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسقاءً فيه ماء، ثم قفى إبراهيم ﵇ منطلقًا. فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها. (فقالت له) (^٥): الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم ﵇، حتَّى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه، قال: ﴿رَبَّنَا (^٦) إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ﵇، وتشرب من ذلك الماء، حتَّى إذا نفد (ما في السقاء) (^٧) عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال: يتلبط (^٨) - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض (يليها) (^٩)، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا. فهبطت من الصفا حتَّى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتَّى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عَبَّاس: قال النَّبِيّ ﷺ: \"فلذلك سعيُ الناس بينهما\".\nفلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه، تريد: نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضًا. فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال: بجناحه - حتَّى ظهر الماء، فجعلت تحوضه، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف. قال ابن عَبَّاس: قال النَّبِيّ ﷺ: \"يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينًا معينًا\".\n(قال) (^١٠): فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا يتخافى الضيعة؛ فإن ها هنا\n_________\n(^١) في (ل): \"من\".\n(^٢) في (ل): \"عليه، ولم يقع ذكر التسليم أصلًا في \"الصحيح\".\n(^٣) في (ل): \"لتقتفى\"؛ وفي (ز) و(ض): \"ليعفى\" بالتحتانية.\n(^٤) في (ج) و(ل): \"عليه\" وسقط من (ك) و(ن) و(ى).\n(^٥) في (ك): \"وقالت\"؛ وفي (ج): \"قالت\".\n(^٦) كذا وقع في كل \"الأصول\" ما عدا (ز) ففيها (ربنا) وكذلك وقع في رواية الكشميهنيّ كما نبه عليه الحافظ في \"الفتح\"، وأظن أن المحققين لطبعة \"الشعب\" من \"التفسير\" غيروا ما جاء في \"الأصل\" لأن النسخة (ض)، وهي مأخوذة عن النسخة الأزهرية، وقع فيها \"رب\"، ونبه ناسخ (ن) و(ى) إلى أنها في المصحف: \"ربنا\".\n(^٧) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في \"الصحيح\". ووقع في (ز) و(ض): \"ماء السقاء\".\n(^٨) يتلبط؛ يعني: يتمرغ.\n(^٩) في (ل): \"إليها\".\n(^١٠) من (ن) و(ى). وهو في \"الصحيح\".","vol":"1","page":624},{"text":"بيتًا للّه ﷿ يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله ﷿، لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتَّى مرت بهم رفقة من جرهم - أو أهل بيت من جرهم - مقبلين من طريق كداء. فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر (ليدور) (^١) على (ماء) (^٢) لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جريًا أو جريين، فإذا هم بالماء. فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم.\nقال (عبد الله) (^٣) بن عباس: فقال النَّبِيّ ﷺ: \"فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس\". فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم. حتَّى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأةً منهم. وماتت أم إسماعيل (﵇) (^٤)، فجاء إبراهيم (﵇) (^٥) بعد ما تزوج إسماعيل (يطالع) (^٦) تركته. فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه. فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة. وشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك (اقرئي) (^٧) عليه¬ السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل ﵇، كأنه آنس شيئًا. فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، (فسألنا) (^٨) عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنَّا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، (ويقول) (^٩): غيِّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي. (وقد) (^١٠) أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده. فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم. فقالت: نحن بخير وسعة. وأثنت على الله ﷿. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: \"اللهم بارك لهم في اللحم والماء\". قال النَّبِيّ ﷺ: \"ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم، لدعا لهم فيه. قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه\". قال: \"فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل ﵇، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، (وأثنت عليه) (^١١)، فسألني عنك،\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٢) كذا في (ن) و(ى) وأشار إليها ناسخ (ج) في الحاشية، وهو الموافق لما في \"الصحيح\". ووقع في (ز) و(ض) و(ك) و(ل): \"الماء\".\n(^٣) من (ج) و(ض) و(ل) و(ى).\n(^٤) ساقط من (ن) و(ى)؛ وفي (ز): \"عليهما\".\n(^٥) من (ج) و(ك) و(ل).\n(^٦) كذا في (ج) و(ل) و(ن) وهو الموافق لما في \"الصحيح\"؛ وفي (ز) و(ض): \"ليطالع\"؛ وفي (ك): \"وطالع بركته\"!!\n(^٧) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض) فأقرئي وهو الموافق لما في \"الصحيح\".\n(^٨) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في \"الصحيح\". ووقع في (ز) و(ض): \"فسألني\".\n(^٩) في (ك): \"ويقول لك\".\n(^١٠) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ل).\n(^١١) في (ل): \"أثنت عليه خيرًا\".","vol":"1","page":625},{"text":"فأخبرته، [فسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته] (^١) أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله ﷿، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل (يبري نبلًا له) (^٢) تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد. ثم قال: يا إسماعيل، إن الله (﷿) (^٣) أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك ﷿. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتًا - وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت (فجعل) (^٤) إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتَّى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبنى، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ \"، [قال: \"فجعلا يبنيان حتَّى (يدورا) (^٥) حول البيت، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ \"] (^٦).\n[ورواه عبد بن حميد، عن عبد الرزاق به مطولًا] (^٧).\nورواه ابن أبي حاتم، عن أبي عبد الله محمد بن حماد الظهراني، وابن جرير، عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق (به) (^٨) مختصرًا.\nوقال أبو بكر بن مردويه (^٩): حَدَّثَنَا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حَدَّثَنَا بشر بن موسى، حَدَّثَنَا أحمد بن محمد الأزرقي، حَدَّثَنَا مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الملك بن جريج، عن كثير بن كثير، قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير، في أعلى المسجد ليلًا، فقال سعيد بن جبير: سلوني قبل أن لا تروني. فسألوه عن المقام. فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله:\nثم قال البخاري (^١٠): حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد، حَدَّثَنَا أبو عامر عبد الملك بن\n_________\n(^١) ساقط من (ج).\n(^٢) في (ل): \"يبنى بيتًا له\"! وسقطت لفظة \"له\" من (ج).\n(^٣) من (ج) و(ض) و(ك) و(ل).\n(^٤) في (ل): \"قال: فجعل\".\n(^٥) في (ل): \"تدور\".\n(^٦) ساقط من (ج).\n(^٧) من (ن) و(ى).\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٩) أخرجه أبو الوليد الأزرقي في \"أخبار مكة\" (١/ ٥٤، ٥٥، ٥٧، ٥٨، و٥٨، ٥٩) قال: حدثني جدي، هو أحمد بن محمد الأزرقي، ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، حَدَّثَنَا عبد الله بن عباس وذكر طرفًا من الحديث. والزنجي ضعيف ولكنه توبع. تابعه محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حَدَّثَنَا ابن جريج قال: أما كثير بن كثير فحدثني قال: إني وعثمان بن أبي سليمان جلوس مع سعيد بن جبير فقال: ما هكذا حدثني ابن عباس وذكره مختصرًا جدًّا؛ أخرجه البخاري (٦/ ٣٩٦) معلقًا ووصله عمر بن شبة في \"كتاب مكة\"؛ وأبو نعيم في \"المستخرج\"، كما في \"الفتح\" (٦/ ٤٠٠)، وتابعه أيضًا محمد بن جشعم، عن ابن جريج بسنده سواء.\n(^١٠) في \"كتاب الأنبياء\" (٦/ ٣٩٨، ٣٩٩).\nوأخرجه النسائي في \"كتاب المناقب\" (٥/ ١٠١، ١٠٢ - الكبرى) قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك قال: أنا أبو عامر وعثمان بن عمر، عن إبراهيم بن نافع بهذا الإسناد بطوله. وأخرجه ابن أبي حاتم (١٢٤٣) قال: حَدَّثَنَا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا عثمان بن عمر ثنا إبراهيم بن نافع بهذا =","vol":"1","page":626},{"text":"(عمرو) (^١)، حَدَّثَنَا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شنة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة، فيدر لبنها على صبيها، حتَّى قدم مكة فوضعها تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل، حتَّى (لما) (^٢) بلغوا كداء (نادته) (^٣) من ورائه: يا إبراهيم، إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله ﷺ. قالت: رضيت باللّه. قال: فرجعت، فجعلت تشرب من الشنة، ويدر لبنها على صبيها حتَّى لما فنى الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا. قال: فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت هل تحس أحدًا، فلم تحس أحدًا. فلما بلغت الوادي (سعت) (^٤) حتَّى أتت المروة، ففعلت ذلك أشواطًا ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، تعني: الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت، فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا. قال: فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت فلم تحس أحدًا، حتَّى أتممت سبعًا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت: أغث إن كان عندك خير. فإذا جبريل ﵇ قال: فقال بعقبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض. قال: فانبثق الماء، فدهشت أم إسماعيل، فجعلت تحفر.\nقال: فقال أبو القاسم ﷺ: \"لو تركته لكان الماء (ظاهرًا) (^٥) \".\nقال: فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها.\nقال: فمر ناس من جرهم ببطن الوادي، فإذا هم بطير، كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا: ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم فنظر، فإذا هو بالماء. فأتاهم فأخبرهم. فأتوا إليها فقالوا: يا أم إسماعيل، أتأذنين لنا أن نكون معك - أو نسكن معك؟ - فبلغ ابنها ونكح (فيهم) (^٦) امرأةً.\nقال: ثم إنه بدا لإبراهيم (ﷺ) (^٧)، فقال لأهله: إني مطلع تركتي. قال: فجاء فسلم، فقال: أين إسماعيل؟ قالت امرأته: ذهب يصيد. قال: قولي له إذا جاء: غيِّر عتبة بيتك. فلما جاء أخبرته، قال: أنت ذاك، فاذهبي إلى أهلك.\nقال: ثم إنه بدا لإبراهيم، فقال لأهله: إني مطلع تركتي. قال: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد. فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟ فقال: ما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم، وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم.\n_________\n= الإسناد مختصرًا؛ وأخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (١٩٩٩، ٢٠٥٦)؛ والحاكم (٢/ ٥٥١، ٥٥٢) قال: حَدَّثَنَا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قالا: ثنا محمد بن سنان القزاز، ثنا أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن إبراهيم بن نافع [وسقط ذكره من \"المستدرك\"] بسنده سواء. وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين، فتعجب ابن كثير من استدراكه هذا على البخاري، ولم ينبه على أنه ليس على شرط مسلم أيضًا، لأنَّهُ لم يخرج هذه الترجمة في \"صحيحه\": \"إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير\". ولم يخرج الشيخان لأبي على الحنفي شيئًا عن إبراهيم بن نافع.\n(^١) في (ك): \"عمير\" وهو خطأ.\n(^٢) ساقط من (ز)؛ وفي (ن): \"إذا\".\n(^٣) في (ل): \"سألته\"!\n(^٤) في (ل): \"وسعت\".\n(^٥) في (ل): \"ظاهر\".\n(^٦) في (ل): \"منهم\".\n(^٧) في (ك) و(ل): \" ﵇ \".","vol":"1","page":627},{"text":"قال: فقال أبو القاسم ﷺ: \"بركة بدعوة إبراهيم\".\nقال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ فقال لأهله: إني مطلع تركتي. فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح (نبلًا له) (^١). فقال: يا إسماعيل، إن ربك ﷿، أمرني أن أبني له بيتًا. فقال: أطع ربك ﷿. قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه؟ فقال: إذن أفعل - أو كما قال - قال: (فقاما) (^٢)، (فجعل) (^٣) إبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [قال: حتَّى ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة. فقام على حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾] (^٤).\nهكذا رواه من هذين الوجهين في \"كتاب الأنبياء\".\nوالعجب أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم رواه في كتابه \"المستدرك\"، عن أبي العباس الأصم، عن محمد بن سنان القزاز، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن إبراهيم بن نافع، به. وقال: \"صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\". كذا قال! وقد رواه البخاري كما ترى، من حديث إبراهيم بن نافع، كأن فيه اقتصارًا، فإنه لم يذكر فيه (شأن) (^٥) الذبح. وقد جاء في \"الصحيح\" (^٦)، أن قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة. وقد جاء (^٧) أن إبراهيم ﵇، كان يزور أهله بمكة (على البراق سريعًا) (^٨)، ثم يعود (إلى أهله بالبلاد) (^٩) المقدسة، واللّه أعلم. والحديث - والله أعلم - إنما فيه - مرفوع - أماكن صرّح بها ابن عباس، عن النبي ﷺ.\n_________\n(^١) في (ل): \"بيتًا له\".\n(^٢) من (ز) و(ك). وهو الموافق لما في \"الصحيح\"؛ وفي سائر \"الأصول\": فقام.\n(^٣) في (*) و(ل): \"قال: فجعل\".\n(^٤) هذا القدر ليس في \"الصحيح\" وهو عند ابن جرير (٢٠٥٦) وقد ذكره الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (٦/ ٤٠٦).\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٦) لم أظفر به، فلينظر. وقد أخرج أبو داود (٢٠٣٠) قال: حَدَّثَنَا ابن السرح وسعيد بن منصور ومسدد وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٦١١) قال: حَدَّثَنَا يعقوب بن حميد بن كاسب؛ وأحمد (٤/ ٦٨؛ و٥/ ٣٨٠)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٤٦)؛ والحميدي (٥٦٥) ومن طريقه ابن قانع (٢/ ٢٥٥)؛ وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٩٠٨٣) ومن طريقه الطبراني في \"الكبير\" (ج ٩/ رقم ٨٣٩٦)؛ والبيهقي (٢/ ٤٣٨)؛ وابن قانع في \"معجم الصحابة\" (٢/ ٢٥٥) من طريق مسدد من طريق أحمد بن شيبان الرملي تسعتهم عن سفيان بن عيينة، عن منصور الحجبي، حدثني خالي: مسافع بن شيبة، عن صفية بنت شيبة أم منصور، قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا: أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة. وقالت مرةً: إنها سألت عثمان بن طلحة: لم دعاك النَّبِيّ ﷺ؟ قال: \"إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما، فخمرهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلى\" قال سفيان: لم تزل قرنا الكبش في البيت حتَّى احترق البيت، فاحترقا. وسنده صحيح. وانظر \"أخبار مكة\" (١/ ١٥٩ - ١٦٢) للأزرقي؛ و\"المصنف\" (٥/ ٨٦، ٨٧) لعبد الرزاق.\n(^٧) قال الحافظ في \"الفتح\" (٦/ ٤٠٤): \"في حديث أبي جهيم: كان إبراهيم يزور هاجر كل شهر على البراق يغدو غدوةً، فيأتي مكة، ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام. وروى الفاكهي من حديث علي بإسناد حسن نحوه، وأن إبراهيم كان يزور إسماعيل وأمه على البراق\". انتهى.\n(^٨) في (ل): \"سريعًا على البراق\".\n(^٩) في (ل): \"لأهله إلى البلاد\".","vol":"1","page":628},{"text":"وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (﵁) (^١) في هذا السياق ما يخالف بعض (هذا) (^٢)، كما قال ابن جرير (^٣):\nحَدَّثَنَا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى قالا: حَدَّثَنَا مؤمل، حَدَّثَنَا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب، قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت، خرج معه إسماعيل وهاجر. قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة، فيه مثل الرأس. فكلمه، قال: يا إبراهيم، ابنِ على ظلي - أو قال: على قدري - ولا تزد ولا تنقص، فلما بنى خرج، وخلَّف إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إبراهيم، إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله. قالت: انطلق، فإنه لا يضيعنا. قال: فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا، قال: فصعدت هاجر إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، حتَّى أتت المروة فلم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، حتَّى أتت المروة فلم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، حتَّى فعلت ذلك سبع مرات، فقالت: يا إسماعيل، (مُت) (^٤) حيث لا أراك. فأتته وهو يفحص برجله من العطش. فناداها جبريل فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم. قال: (^٥) [فإلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله (﷿) (^٦) قال] (٥): (وكلكما) (^٧) (إلى) (^٨) كافٍ. قال: ففحص الأرض فيصبعه، فنبعت زمزم. فجعلت تحبس الماء فقال: فإنها رواء.\nففي هذا السياق أنه بنى البيت قبل أن يفارقهما، وقد يحتمل - إن كان محفوظًا - أن يكون أولًا وضع له حوطًا وتحجيرًا، لا أنه بناه إلى أعلاه، حتَّى كبر إسماعيل فبنياه معًا، كما قال الله تعالى.\nثم قال ابن جرير (^٩): حَدَّثَنَا هناد بن السري، حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، أن رجلًا قام إلى علي ﵁، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع (فيه) (^١٠) البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، وإن شئت أنبأتك كيف بُني: إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتًا في الأرض، قال: فضاق إبراهيم بذلك ذرعًا فأرسل الله السكينة - وهي ريح خجوج (^١١)، ولها رأسان - فأتبع أحدهما\n_________\n(^١) من (ل).\n(^٢) في (ل): \"هذاك\".\n(^٣) في \"تفسيره\" (٢٠٥٧)؛ وأخرجه في \"التاريخ\" (١/ ١٢٩) بهذا الإسناد سواء. وأخرج الأزرقي في \"أخبار مكة\" (١/ ٦٠) طرفًا منه من طريق محمد بن أبان عن أبي إسحاق السبيعي بهذا الإسناد، ومؤمل بن إسماعيل صدوق لكنه كان كثير الخطأ، ولم يكن من الرفعاء من أصحاب الثوري.\n(^٤) كذا في (ز) وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\"؛ وفي سائر \"الأصول\": \"من\".\n(^٥) ساقط من (ل) وعنده: \"فإنه وكلكما\".\n(^٦) من (ك).\n(^٧) في (ج): \"كلكما\"!\n(^٨) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٩) في \"تفسيره\" (٢٠٥٨)؛ وأخرجه في \"تاريخه\" (١/ ١٢٨، ١٢٩) بهذا الإسناد.\nأخرجه الحاكم (٢/ ٢٩٢، ٢٩٣) وقال: \"صحيح على شرط مسلم\". كذا قال، وخالد بن عرعرة فضلًا عن أنه ليس من رجال مسلم، بل لم يخرج له أحد من الستة.\n(^١٠) في سائر \"الأصول\": \"في\". وانظر ما كتبه الشيخ محمود شاكر (٣/ ٧٠) ﵀.\n(^١١) الخجوج: هي الرياح الشديدة العاتية.","vol":"1","page":629},{"text":"صاحبه، حتَّى انتهت إلى مكة، (فتطوت) (^١) على موضع البيت كطي الحجفة، وأمر إبراهيم أن يبنى حيث تستقر السكينة. فبنى إبراهيم وبقي حجر، فذهب الغلام يبغي شيئًا. فقال إبراهيم: أبغني حجرًا كما آمرك. قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجرًا، فأتاه به، فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه. فقال: يا أبه، من أتاك بهذا الحجر؟ فقال: أتاني به من (لم) (^٢) يتكل على بنائك، جاء به جبريل ﵇، من السماء. فأتماه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣): حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حَدَّثَنَا سفيان، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب، عن كعب الأحبار، قال: كان البيت غثاءةً على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عامًا، ومنه دحيت الأرض.\nقال سعيد (^٤): وحدثنا علي بن أبي طالب: أن إبراهيم أقبل من أرمينية، ومعه السكينة تدلُّه على (تبوء) (^٥) البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتًا، قال: فكشفت عن أحجار (لا يطيق) (^٦) الحجر إلا ثلاثون رجلًا. (فقلت) (^٧): يا أبا محمد، فإن الله يقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ قال: كان ذلك بعد.\nوقال السدي (^٨): إن الله ﷿، أمر إبراهيم أن يبني (البيت) (^٩) هو وإسماعيل: ابنيا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود، فانطلق إبراهيم ﵇، حتَّى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت؟ فبعث الله ريحًا، يقال لها: ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكشفت لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتَّى\n_________\n(^١) في (ك): \"فنظرت\"! وتطوت: يعني: استدارت. يقال: تطوت الحية؛ تحوت والتفت بعضها على بعض واستدارت كالطوق. والحجفة: الترس من الجلد. (شاكر).\n(^٢) في (ل): \"لا\".\n(^٣) في \"تفسيره\" (١٢٤٥).\nوأخرجه ابن جرير (٢٠٥٠) من طريق عبد الرزاق. والأزرقي في \"أخبار مكة\" (١/ ٣١) قال: حَدَّثَنَا جدي أحمد بن محمد بن الوليد قالا: ثنا سفيان بن عيينة بهذا الإسناد. وسنده صحيح إلى كعب.\n(^٤) هو ابن المسيب، وهذا من تتمة الخبر وقد وقع هكذا في \"تفسير ابن أبي حاتم\": \"سعيد بن المسيب قال: وحدثنا علي بن أبي طالب\" وكذلك أخرجه الأزرقي في \"أخبار مكة\" (١/ ٦٢) قال: حدثني جدي، ثنا ابن عيينة، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني علي بن أبي طالب؛ وأخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٠/ ٣٢) من وجه آخر عن ابن عيينة؛ وأخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٧) من طريق زكريا بن إسحاق، عن بشر بن عاصم لإسناده وفيه: \"سعيد ثنا علي بن أبي طالب\". ولكن وقع في \"تفسير الطبري\" (٢٠٥٠) من طريق عبد الرزاق نا ابن عيينة، بسنده قال: \"سعيد: وحدثنا عن علي\". وهذا يدلُّ على الانقطاع. ورجح الشيخ أبو الأشبال ﵀ أن الصواب ما وقع عند ابن أبي حاتم وغيره من ثبوت الاتصال. والله أعلم. وعزاه السيوطي في \"الدر\" (١/ ١٢٦) لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٥) في (ك): \"بنوا\".\n(^٦) في (ج): \"ولا يطيق\".\n(^٧) في (ز) و(ض): \"قلت\".\n(^٨) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٢٠٠٩، ٢٠٥٣)؛ وفي \"تاريخه\" (١/ ١٢٩) قال: حدثني موسى بن هارون؛ وابن أبي حاتم (١٢٤٧) قال: قال: حَدَّثَنَا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي. [وسنده حسن].\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":630},{"text":"وضعا الأساس. فذلك حين يقول (الله) (^١) تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن. قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني! اطلب لي حجرًا حسنًا أضعه ها هنا. قال: يا أبت، إني كسلان (لغب) (^٢).\nقال: علي بذلك فانطلق (^٣) يطلب له حجرًا، وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض، ياقوتةً (بيضاء) (^٤) مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبه، من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك. فبنيا وهما يدعوان الكلمات التي ابتلي (بهن) (^٥) إبراهيم ربُّه، (فقال) (^٦): ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nوفي هذا السياق ما يدلُّ على أن قواعد البيت كانت مبنيةً قبل إبراهيم. وإنما هُديَ إبراهيم إليها وبوئ لها. وقد ذهب إلى (هذا) (^٧) ذاهبون، كما قال الإمام (عبد الرزاق) (^٨): أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (قال) (^٩): القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك.\nوقال عبد الرزاق (^١٠) أيضًا: أخبرنا هشام بن حسان، عن سوَّار - ختن عطاء - عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط الله آدم من الجنة، كانت رجلاه في الأرض ورأسه في السماء يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، (فهابت) (^١١) الملائكة، حتَّى شكت إلى الله في دعائها\n_________\n(^١) لفظ الجلالة من (ل).\n(^٢) في (ك): \"تعب\". وهي كذلك في \"تفسير الطبري\"؛ وفي سائر \"الأصول\" ما أثبته وهو الموافق لما في \"تفسير ابن أبي حاتم\".\n(^٣) في \"تفسير الطبري\" زيادة قبل هذه اللفظة وهي: \"فانطلق فطلب حجرًا فجاءه بحجر فلم يرضه، قال: ائتني بحجر أحسن من هذا، فانطلق يطلب له حجرًا … إلخ\".\n(^٤) ساقط من (ج).\n(^٥) من (ل).\n(^٦) في (ل): \"بكلمات فقال\".\n(^٧) في (ز) و(ض): \"ذلك\".\n(^٨) في (ج): \"عبد الرزاق أيضًا\" وقوله: \"أيضًا\" لا وجه له لأنَّهُ لم يتقدم ذكر لعبد الرزاق إنما قالها ابن كثير بعد ذلك في رواية هشام بن حسان، فكأنه سبق قلم ابن المخب ناسخ (ج) فكتبها. والله أعلم. وقد أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٥٨، ٥٩) ومن طريقه ابن جرير (٢٠٣٨) قال: أخبرنا معمر. وتوبع عبد الرزاق. تابعه محمد بن ثور عن معمر مثله أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٤٢) من طريق نعيم بن حماد ثنا محمد بن ثور. [وصحح سنده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ١٧٠)].\n(^٩) في (ج): \"قالوا\".\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٢٠٤١)؛ وفي \"تاريخه\" (١/ ٦١) من طريق عبد الرزاق به. وسنده ضعيف وسوار ختن عطاء هو ابن أبي حكيم. ترجمه البخاري في \"الكبير\" (٢/ ٢/ ١٦٨)؛ وابن أبي حاتم (٢/ ١/ ٢٧٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٤٢٢) فهو مجهول الحال. وانتقل نظر الشيخ أحمد شاكر ﵀ فنقل في تعليقه على \"تفسير الطبري\" (٣/ ٦٠) تصحيح ابن كثير لهذا الخبر وابن كثير إنما صحح الخبر الذي بعده. والله أعلم. ثم رأيته في \"أخبار مكة\" (١/ ٣٦) للأزرقي فرواه من طريق جده قال: ثنا سعيد بن سالم، عن طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس وسياقه مطول. وسنده ضعيف جدًّا. وطلحة بن عمرو متروك الحديث.\n(^١١) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي (ز): \"فهابته\" وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\".","vol":"1","page":631},{"text":"وفي صلاتها. فخفضه الله إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتَّى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته. فوجَّه إلى مكة، فكانت موضع قدمه قريةً، وخطوه مفازةً، حتَّى انتهى إلى مكة، وأنزل الله ياقوتةً من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن. فلم يزل يطوف به حتَّى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتَّى بعث الله إبراهيم ﵇، فبناه. وذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦].\nوقال عبد الرزاق (^١): أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: قال آدم: إني لا أسمع أصوات الملائكة؟! قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض، فابن لي بيتًا ثم احفف به، كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور زيتا، وطور سينا، وجبل لبنان، والجودي. وكان ربضه من حراء. فكان هذا بناء آدم، حتَّى بناه إبراهيم ﵇، بعد.\nوهذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكاره، والله أعلم.\nوقال عبد الرزاق (^٢) أيضًا: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: وضع الله البيت مع آدم (حين) (^٣) أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند. وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعًا؛ فحزن (آدم) (^٤) إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم. فشكا ذلك إلى الله ﷿، فقال الله: يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتًا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلَّى عند عرشي، فانطلق إليه آدم، فخرج ومد له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة. فلم تزل تلك (المفاوز) (^٥) بعد ذلك. فأتى آدم البيت فطاف به، ومن بعده من الأنبياء.\nوقال ابن جرير (^٦): حَدَّثَنَا (ابن حميد) (^٧)، حَدَّثَنَا يعقوب (القمي) (^٨)، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وضع الله البيت على أركان الماء، على أربعة أركان، قبل أن تخلق الدنيا بألفى عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.\nوقال محمد بن إسحاق (^٩): حدثني (عبد الله) (^١٠) بن أبي نجيح، عن مجاهد وغيره من أهله العلم: أن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، وخرج معه بإسماعيل وبأمه\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٢٠٣٧). [وصحح سنده الحافظ ابن كثير، والخبر من الإسرائيليات].\n(^٢) في \"تفسيره\" (٢/ ٣٤) ومن طريقه ابن جرير (٢٠٤٢). [وسنده صحيح لكنه من الإسرائيليات].\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ك) و(ن) و(ى) وأشار ناسخ (ى) إلى أنها ثبتت في نسخة.\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٥) في (ز) و(ض): \"المفازة\"؛ وفي (ك): \"المفاوزة\"!\n(^٦) في \"تفسيره\" (٢٠٤٦) وابن حميد هو محمد وتقدم ذكرنا لضعفه.\n(^٧) في (ج) و(ل): \"أبو حميد\"!\n(^٨) في (ك): \"النقسمي\"!\n(^٩) ومن طريقه ابن جرير (٢٠٤٨) وفي إسناده محمد بن حميد وسلمة بن الفضل. ولكن أخرجه الأزرقي في \"أخبار مكة\" (١/ ٥٤) قال: حدثني جدي، قال: حدثني سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، أخبرني محمد بن إسحاق، حدثني ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وعثمان هذا ترجمه البخاري (٣/ ٢٢٧/٢)؛ وابن أبي حاتم (٣/ ١/ ١٥٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. ولم أره في \"فهارس الثقات\" لابن حبان.\n(^١٠) ساقط من (ز) و(ض).","vol":"1","page":632},{"text":"هاجر، وإسماعيل طفل صغير يرضع، وحُملوا - فيما حدثني - على البراق، ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم. وخرج معه جبريل، فكان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضه. حتَّى قدم به مكة، وهي إذ ذاك (عضاه) (^١) سلم (وسمر و) (^٢) بها أناس يقال لهم: \"العماليق\" خارج مكة وما حولها. والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة (^٣)، فقال إبراهيم لجبريل: أها هنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم. فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشًا، فقال: (ربِّ (^٤) ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].\nوقال عبد الرزاق (^٥): أخبرنا هشام بن حسان، أخبرني حميد، عن مجاهد، قال: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة.\nوكذا قال ليث بن أبي سليم (^٦)، عن مجاهد: القواعد في الأرض السابعة.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عمرو بن رافع، حَدَّثَنَا عبد الوهاب بن معاوية، عن عبد المؤمن بن خالد، عن علباء بن أحمر: أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل. فقال: ما لكما ولأرضى؟ (فقالا) (^٨): نحن عبدان مأموران، أُمرنا ببناء هذه الكعبة. قال: فهاتا بالبينة على ما تدعيان. فقامت خمسة أكبش، فقلن: نحن نشهد أن إبراهيم وإسماعيل عبدان مأموران، أَمرا ببناء هذه الكعبة. فقال: قد رضيت وسلمت. ثم مضى.\nوذكر الأزرقي في \"تاريخ مكة\" (^٩) أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم ﵇، بالبيت، وهذا يدلُّ على تقدم زمانه، واللّه أعلم.\n_________\n(^١) في (ن): \"عظاه\" ووقعت العبارة في (ج) و(ل) و(ن): عضاه وسلم وسمر. والعضاه: كل شجر يعظم وله شوك شديد. والسلم والسمر: ضربان من شجر العضاه.\n(^٢) في (ل): \"وسكنوا\".\n(^٣) المدرة: طين يابس لزج لا رمل فيه، وهو الطين الخالص.\n(^٤) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي \"تفسير الطبري\". ووقع في (ز): \"ربنا\" على قراءة المصحف، وأظن أن المحققين غيروها. والله أعلم.\n(^٥) ومن طريقه ابن جرير (٢٠٤٩) وسنده صحيح؛ وأخرجه الأزرقي في \"أخبار مكة\" (١/ ٣١، ٣٢) من طريق هشام بن حسان. وحميد هو ابن هلال.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٤٠) قال: حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا عثمان، ثنا عبد الواحد، ثنا ليث عن مجاهد. وقوله: \"عثمان\" هو عندي خطأ وتصحيف صوابه فيما أرى: \"عفان\" وهو ابن مسلم. والله أعلم وليث بن أبي سليم ضعيف الحديث.\n(^٧) في \"تفسيره\" (١٢٤١). وأيضًا (١٢٤٨) مختصرًا. وإسناده حسن إلى علباء بن أحمر. وعبد الوهاب بن معاوية. قال أبو حاتم، كما في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١/ ٧٢، ٧٣): \"صالح الحديث\" وعبد المؤمن بن خالد. ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ١٣٧)؛ وقال أبو حاتم: \"لا بأس به\" كما في \"الجرح\" (٣/ ١/ ٦٦). [والخبر من الإسرائيليات].\n(^٨) في (ز): \"فقال\".\n(^٩) (١/ ٧٤) بإسناده عن عطاء بن السائب أن إبراهيم ﵇ رأى رجلًا يطوف بالبيت فأنكره فسأله: ممن أنت؟ فقال: من أصحاب ذي القرنين. قال: وأين هو؟ قال: هو ذا بالأبطح، فتلقاه إبراهيم فاعتنقه، فقيل لذي =","vol":"1","page":633},{"text":"وقال البخاري (^١) ﵀: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية: القواعد: أساسه واحدها: قاعدة. والقواعد من النساء: واحدتها قاعد.\nحَدَّثَنَا إسماعيل، حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ: أن رسول الله ﷺ قال: \"ألم (تري) (^٢) أن قومك حين بنوا (الكعبة) (^٣) اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ \" فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: \"لولا حدثان قومك بالكفر\". فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت (هذا) (^٤) من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم ﵇.\nوقد رواه في \"الحج\" (^٥) عن القعنبي، وفي \"أحاديث (الأنبياء) (^٦) \"عن عبد الله بن يوسف (^٧). ومسلم (^٨)، عن يحيى بن يحيى، ومن حديث ابن وهب (^٩). والنسائي (^١٠) من حديث عبد الرحمن بن القاسم، كلهم عن مالك (^١١)، به.\nورواه مسلم (^١٢) أيضًا من حديث نافع، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة يحدث عبد الله بن عمر، عن عائشة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال: بكفر - لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحجر\".\nوقال البخاري (^١٣): حَدَّثَنَا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود،\n_________\n= القرنين: لم لا تركب؟ قال: ما كنت لأركب وهذا يمشي. فحج ماشيًا. ولا يصح إسناده إلى عطاء. [والخبر من الإسرائيليات].\n(^١) في \"كتاب التفسير\" (٨/ ١٧٠).\n(^٢) في (ج) و(ض) و(ل): \"تر\".\n(^٣) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) وهو الموافق لما في \"البخاري\". ووقع في (ز) و(ن) و(ى): \"البيت\".\n(^٤) في (ل): \"ذلك\".\n(^٥) (٣/ ٤٣٩). وأخرجه أبو نعيم في \"المستخرج\" (٣٠٩٦) من طريق محمد بن غالب تمتام وأبي مسلم الكشي؛ والبيهقي (٥/ ٨٨، ٨٩) من طريق عثمان بن سعيد قالوا: ثنا القعنبي، وهو عبد الله بن مسلمة، ثنا مالك بسنده سواء.\n(^٦) ساقط من (ج).\n(^٧) هو في \"كتاب الأنبياء\" (٦/ ٤٠٧).\n(^٨) رقم (١٣٣٣/ ٣٩٩)؛ وأخرجه البيهقي (٥/ ٨٨، ٨٩) من طريق محمد بن عبد السلام ثنا يحيى بن يحيى بهذا الإسناد سواء.\n(^٩) هذا وهم من المصنف ﵀، فلم يخرجه مسلم من حديث ابن وهب عن مالك. ولكن خرجه من طريق ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه، عن نافع عن عبد الله بن أبي بكر، عن عائشة. وذكر مسلم هذا الطريق عقب طريق مالك، فسبق نظر المصنف ﵀. أما طريق ابن وهب عن مالك فأخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني) (٢/ ١٨٥) قال: حَدَّثَنَا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه ثم ذكر مثله.\n(^١٠) في \"كتاب الحج\" من \"المجتبى\" (٥/ ٢١٤، ٢١٥) ومن \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٩١) وفي \"كتاب العلم\" (٣/ ٤٥٤، ٤٥٥ - الكبرى).\n(^١١) وهو في \"الموطأ\" (١/ ٣٦٣، ٣٦٤/ ١٠٤).\n(^١٢) في \"صحيحه\" (١٣٣٣/ ٤٠٠)؛ وأبو نعيم في \"المستخرج\" (٣٠٩٧) من طريقين عن ابن وهب قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن نافع به.\n(^١٣) في \"كتاب العلم\" (١/ ٢٢٤).","vol":"1","page":634},{"text":"قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك حديثًا كثيرًا، فما حدثتك في الكعبة؟ قال: قلت: قالت لي: قال النَّبِيّ ﷺ: \"يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم - فقال ابن الزبير: بكفر - لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: بابًا يدخل منه الناس، وبابًا يخرجون\". ففعله ابن الزبير.\nانفرد (^١) بإخراجه البخاري، فرواه هكذا في \"كتاب العلم\" من \"صحيحه\".\nوقال مسلم في \"صحيحه\" (^٢): حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: \"لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشًا حين بنت (البيت) (^٣) استقصرت، ولجعلت لها خلفًا\".\nقال (^٤): وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: حَدَّثَنَا ابن نمير، عن هشام بهذا الإسناد. انفرد (^٥) به مسلم.\nقال (^٦): وحدثني محمد بن حاتم، حدثني ابن مهدي، حَدَّثَنَا سليم بن حيان، عن سعيد - يعني: ابن ميناء - قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي - يعني: عائشة ﵂ - قالت: قال النَّبِيّ ﷺ: \"يا عائشة، لولا قومك حديثو (عهد) (^٧) بشرك، لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، ولجعلت لها: بابًا شرقيًا، وبابًا غربيًا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر؛ فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة\". انفرد به أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-85>ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل ﵇، بمدد طويلة وقبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين وقد نقل معهم في الحجارة، وله من العمر خمس وثلاثون سنةً:</span>\nصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.\nقالي محمد بن إسحاق بن يسار في \"السيرة\" (^٨):\nولما بلغ رسول الله ﷺ خمسًا وثلاثين سنة، (اجتمعت) (^٩) قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون (بذلك) (^١٠) ليسقفوها، ويهابون هدمها، وإنما كانت رضمًا (^١١) فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز دويك، مولى بني مليح بن عمرو من خزاعة، فقطعت قريش يده. ويزعم الناس أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك. وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جُدة، لرجل من تجار\n_________\n(^١) يقصد: أن مسلمًا لم يروه.\n(^٢) في \"كتاب الحج\" (١٣٣٣/ ٣٩٨).\n(^٣) في (ل): \"الكعبة\".\n(^٤) يعني: مسلمًا. وقد أخرجه (١٣٣٣/ ٣٩٨).\nوقد أخرجه أحمد (٦/ ٥٧)؛ وأبو نعيم في \"المستخرج\" من طريق ابن أبي شيبة، قالا: حَدَّثَنَا عبد الله بن نمير بهذا الإسناد.\n(^٥) هذا وهم من المصنف ﵀. فقد أخرجه البخاري في \"كتاب الحج\" (٣/ ٤٣٩) قال: حَدَّثَنَا عبيد بن إسماعيل، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة بهذا الإسناد سواء.\n(^٦) يعني: مسلمًا، وهو عنده (١٣٣٣/ ٤٠١).\n(^٧) في (ل): \"عهدهم\".\n(^٨) انظر: \"سيرة ابن إسحاق\" (ص ٨٣ - ٨٩) و\"التمهيد\" (١٠/ ٣٥ - ٤٥).\n(^٩) في (ج) و(ض) و(ل): \"أجمعت\".\n(^١٠) في (ل): \"لذلك\".\n(^١١) الرضم: هي الصخور بعضها على بعض.","vol":"1","page":635},{"text":"الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها. وكان بمكة رجل قبطي نجار، فهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت (تطرح) (^١) فيها ما يهدى لها كل يوم، (فتتشرق) (^٢) على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون. وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا (احزألت) (^٣) وكشت (^٤) وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينا هي يومًا (تتشرق) (^٥) على جدار الكعبة، كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرًا فاختطفها، فذهب بها. فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية.\nفلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها، قام (أبو وهب) (^٦) بن عمرو بن عائذ بن عبد عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرًا، فوثب من يده حتَّى رجع إلى موضعه. فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.\nقال ابن إسحاق: والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن (عبد الله بن عمر) (^٧) بن مخزوم.\nقال: ثم إن قريشًا تجزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جُمح وسهم، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي، ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي، ولبني عدي بن كعب بن لؤي، وهو الحطيم.\nثم إن الناس هابوا هدمها (وفرقوا) (^٨) منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها: فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع، اللهم إنا لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا. فأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتَّى (إذا) (^٩) انتهى الهدم (بهم) (^١٠) إلى الأساس، أساس إبراهيم ﵇، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضًا.\nقال (محمد بن إسحاق) (^١١): فحدثني بعض من يروي الحديث: أن رجلًا من قريش، ممن كان يهدمها، أدخل عتلةً بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس.\n_________\n(^١) في (ج): \"يطرح\".\n(^٢) في (ل): \"فتشرف\". وتتشرق؛ يعني: تتعرض للشمس.\n(^٣) في (ج) و(ل): \"اخزالت\". واحزألت: اجتمعت واستوفزت للوثوب ومنه قول الطرماح:\nولو خرج الدجال ينشر دينه … لزافت تميم حوله واحزألت\nيعني: اجتمعت إليه كما في \"لسان العرب\" (ص ٨٥٩).\n(^٤) كشيش الأفعى: صوت جلدها، وصوت فمها، هو: الفحيح. ومنه قول الراجز:\nكشيش أفعى أجمعت لعض … فهي تحك بعضها ببعض\n(^٥) في (ج) و(ل): \"تشرف\".\n(^٦) كتب ابن المحب ناسخ (ج): \"حاشية: أبو وهب كان خال والد النَّبِيّ ﷺ، وكان شريفًا ممدحًا\". انتهى.\n(^٧) في (ك): \"عمر بن عبد الله\".\n(^٨) في (ل): \"خافوا\" وهو بمعنى.\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٠) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١١) من (ج) و(ل).","vol":"1","page":636},{"text":"قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها، حتَّى بلغ البنيان موضع الركن - يعني: الحجر الأسود - فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتَّى تحاوروا وتخالفوا، وأعدوا للقتال. فقربت بنو الدار جفنةً مملوءةً دمًا، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا: لعقة الدم. فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا. ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا.\nفزعم بعض أهل الرواية: أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وكان عامئذ أسن قريش كلهم - (قال) (^١): يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد، يقضى بينكم فيه. ففعلوا، فكان أول داخل رسول الله ﷺ. فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال (رسول الله) (^٢) ﷺ: \"هلم إلي ثوبًا\" (^٣) فأتى به، فأخذ الركن - يعني: الحجر الأسود - فوضعه فيه بيده، ثم قال: \"لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب\"، ثم (قال) (^٤): \"ارفعوه جميعًا\". ففعلوا، حتَّى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ﷺ، ثم بنى عليه.\nوكانت قريش تسمى رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي: الأمين. فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا، قال الزبير بن عبد المطلب، فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها:\n(عجبت لما) (^٥) تصوبت العقاب … إلى الثعبان وهي لها اضطراب\nوقد كانت يكون لها كشيش … وأحيانًا يكون لها وثاب\nإذا قمنا إلى (التأسيس) (^٦) شدت … تهيبنا البناء وقدتهاب\nفلما أن خشينا الزجر جاءت … عقاب (تتلئب) (^٧) لها انصباب\nفضمتها إليها ثم خلَّت … لنا البنيان ليس له حجاب\nفقمنا حاشدين (إلى) (^٨) بناء … لنا منه القواعد والتراب\nغداة نرفع التأسيس منه … وليس على مسوينا (^٩) ثياب\nأعز به المليك بني لؤى … فليس لأصله منهم ذهاب\n_________\n(^١) في (ج) و(ل): \"فقال\".\n(^٢) من (ل).\n(^٣) لا يصح هذا الحديث مع شهرته، وتداول الخطباء إياه، ولم أقف له على إسناد متصل يصح به. واللّه أعلم.\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ك) و(ن) و(ى).\n(^٥) كذا في سائر \"الأصول\" وهو الموافق لما في \"سيرة ابن إسحاق\" و\"التمهيد\" لابن عبد البر. ووقع في (ج): \"عجبت لها لما\" وهو خطأ ينكسر به الوزن؛ وفي (ل): \"عجبت لها\".\n(^٦) كذا في \"الأصول\" و\"التمهيد\". وفي \"سيرة ابن إسحاق\": \"البنيان\".\n(^٧) في \"السيرة\": \"قد يطل\". وتتلئب: تتتابع في انقضاضها.\n(^٨) في \"السيرة\": \"على\".\n(^٩) مسوينا: أي مسوى البنيان، والمقصود: بيان الجد والتشمير في بنيانها.","vol":"1","page":637},{"text":"وقد حشدت هناك بنو عدي … ومرة قد تقدمها كلاب\nفبزأما المليك بذاك عزا … وعند الله يلتمس الثواب\nقال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النَّبِيّ ﷺ ثمانية عشر ذراعًا، وكانت تكسى القباطي، ثم كسيت بعد البرود، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف.\nقلت: ولم تزل على بناء قريش حتَّى (احترقت) (^١) في أول إمارة عبد الله بن الزبير (بعد) (^٢) سنة ستين. وفي (آخر) (^٣) ولاية يزيد بن معاوية، لما حاصروا ابن الزبير، فحينئذٍ نقضها ابن الزبير إلى الأرض وبناها على قواعد إبراهيم، عليه (الصلاة و) (^٤) السلام، وأدخل فيها الحجر وجعل لها بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا ملصقين بالأرض، كما سمع ذلك من خالته عائشة أم المؤمنين، (﵂) (^٥) عن رسول الله ﷺ. ولم تزل كذلك مدة إمارته حتَّى قتله الحجاج، فردها إلى ما كانت عليه بأمر عبد الملك بن مروان له بذلك، كما قال مسلم بن الحجاج في \"صحيحه\" (^٦).\nحَدَّثَنَا هناد بن السري، حَدَّثَنَا ابن أبي زائدة، (أخبرنا) (^٧) ابن أبي سليمان، عن عطاء، قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، وكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتَّى قدم الناس الموسم يريد أن (يجرئهم) (^٨) - (أو يحربهم) (^٩) - على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس، أشيروا علي في الكعبة، أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وه منها؟ قال ابن عَبَّاس: (فإني) (^١٠) قد (فرق) (^١١) لي رأي فيها، أرى أن تصلح ما وهى منها، وتدع بيتًا أسلم الناس [عليه، وأحجارًا أسلم الناس] (^١٢) عليها، وبعث عليها النَّبِيّ ﷺ. فقال ابن الزبير: لو كان أحدهم احترق بيته ما رضى حتَّى يجدده، فكيف بيت ربكم ﷿؛ إني مستخير ربي ثلاثًا ثم عازم على أمري. فلما مضت ثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها. فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتَّى صعده رجل، فألقى منه حجارةً، فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا، فنقضوه حتَّى بلغوا به الأرض. فجعل ابن الزبير أعمدةً فستر عليها الستور، حتَّى ارتفع بناؤه. وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة رينقا، تقول: إن النَّبِيّ ﷺ، قال:\n_________\n(^١) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي (ز) و(ض): \"أحرقت\".\n(^٢) في (ج) و(ل): \"في\".\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٤) من (ض).\n(^٥) من (ز) و(ض).\n(^٦) في \"كتاب الحج\" (١٣٣٣/ ٤٠٢).\n(^٧) في \"الصحيح\": \"أخبرني\".\n(^٨) في (ل): \"يخرجهم\". وسقط من (ض).\n(^٩) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ى). ووقع في (ز): \"يحزبهم\" بزاي بعدها باء موحدة؛ وفي (ن): \"يجيرونهم\"!! وفي \"صحيح مسلم\": \"يحربهم\" بالحاء المهملة بعدها راء مشددة مكسورة بعدها باء موحدة. قال السيوطي في \"الديباج\" (٣/ ٣٨١): \"أي يغيظهم بما يرونه فعل بالبيت، من قولهم: حربت الأسد: إذا أغضبته، أو يحملهم على الحرب ويحضهم عليها. وروى بالحاء المهملة والزاي والباء الموحدة؛ أي: يجعلهم حزبًا له وناصرين له على مخالفيه\".\n(^١٠) في (ل): \"فإنه\".\n(^١١) في سائر \"الأصول\": \"خرق\" بالخاء المعجمة، بعدها راء ثم قاف! وفرق، بضم الفاء؛ أي: كشف وبين. قال السيوطي في \"الديباج\": \"وضبطه الحميدي بفتح الفاء، وفسره بمعنى: خاف\". وغلطوه في ضبطه وتفسيره.\n(^١٢) ساقط من (ل).","vol":"1","page":638},{"text":"\"لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقويني على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر (خمسة) (^١) أذرع، ولجعلت له بابًا يدخل الناس منه، وبابًا (يخرجون منه) (^٢) \". قال: فأنا أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه (خمس) (^٣) أذرع من الحجر، حتَّى أبدى له (أُسًا) (^٤) نظر الناس إليه فبنى عليه البناء. وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعًا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله (عشرة) (^٥) أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أُسٍّ نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاده في طوله فأقره. وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسد الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه.\nوقد رواه النسائي في \"سننه\" عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن الزبير، عن عائشة بالمرفوع منه. ولم يذكر القصة، وقد كانت السنة إقرار ما فعله عبد الله بن الزبير ﵁؛ لأنَّهُ هو الذي ودَّه رسول الله ﷺ. ولكن خشي أن تنكره قلوب بعض الناس لحداثة عهدهم بالإسلام وقرب عهدهم من الكفر. ولكن خفيت هذه السُّنة على عبد الملك؛ (ولهذا) (^٦) لما تحقق ذلك عن عائشة أنها روت ذلك عن رسول الله ﷺ، قال: وددنا أنا تركناه وما تولى. كما قال مسلم (^٧):\nحدثني محمد بن (حاتم) (^٨)، حَدَّثَنَا محمد بن (بكر) (^٩)، أخبرنا ابن جريج، سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير والوليد بن عطاء، يحدثنا عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد: وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب - يعني: ابن الزبير - سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها. قال الحارث: بلى، أنا سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه\". فأراها قريبًا من (سبعة) (^١٠) أذرع.\nهذا حديث عبد الله بن عبيد (بن عمير) (^١١). وزاد عليه الوليد بن عطاء: قال النَّبِيّ ﷺ: \"ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقيًا وغربيًا، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ \" قالت:\n_________\n(^١) كذا في سائر \"الأصول\"؛ وفي \"مسلم\": \"خمس\" وكلاهما صحيح.\n(^٢) في (ل): \"يخرج الناس منه\".\n(^٣) كذا في (ج) و(ل) و(ى) وهو الموافق لما في \"الصحيح\". ووفع في (ز) و(ض) و(ك) و(ن): \"خمسة\".\n(^٤) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في \"الصحيح\"؛ وفي (ل): \"أساسًا\"؛ وفي (ك): \"أشياء\"!!\n(^٥) في (ل): \"عشر\".\n(^٦) في (ك): \"ولكن\".\n(^٧) في \"كتاب الحج\" (١٣٣٣/ ٤٠٣).\n(^٨) في (ل): \"بكر حاتم\" وفي (ك): \"محمد بن أبي حاتم\"!\n(^٩) في (ك): \"بكير\"!\n(^١٠) كذا في (ز) و(ن) وهو الموافق لما في \"الصحيح\"؛ وفي (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى): \"سبع\" وكلاهما صحيح. وفي الذراع لغتان فتذكر وتؤنث.\n(^١١) من (ن) و(ى).","vol":"1","page":639},{"text":"قلت: لا. قال: \"تعززًا ألا يدخلها إلا من أرادوا. فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها، يدعونه (حتَّى) (^١) يرتقي، حتَّى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط\". قال عبد الملك: فقلت للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم. قال: فنكت ساعةً بعصاه، ثم قال: وددت أنى تركته وما تحمَّل.\nقال مسلم (^٢): وحدثناه محمد بن عمرو بن جبلة، حَدَّثَنَا أبو عاصم (ح)، وحدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، كلاهما عن ابن جريج بهذا الإسناد، مثل حديث (ابن بكر) (^٣).\nقال (^٤): وحدثني محمد بن حاتم، حَدَّثَنَا عبد الله بن بكر السهمي، حَدَّثَنَا حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي قزعة أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله ﷺ: \"يا عائشة، لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتَّى أزيد (فيه) (^٥) من الحجر، فإن قومك قصروا في البناء\". فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير.\nفهذا الحديث كالمقطوع به إلى عائشة أم المؤمنين؛ لأنَّهُ قد روي عنها من طرق صحيحة متعددة عن الأسود بن يزيد، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير (^٦). فدل هذا على صواب ما فعله ابن الزبير. فلو ترك لكان جيدًا.\nولكن بعدما رجع الأمر إلى هذا الحال، فقد كره بعض العلماء أن يغير عن حاله، كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد - (أو أبيه) (^٧) المهدي -: أنه سأل الإمام مالكًا عن هدم الكعبة وردها إلى ما فعله ابن الزبير. فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة الله مَلْعَبَةً للملوك، لا يشاء (أحد) (^٨) أن يهدمها إلا هدمها. فترك (^٩) ذلك الرشيد.\n_________\n(^١) في (ض) و(ى): \"حين\"، وكلا اللفظين ليسا في رواية \"الصحيح\".\n(^٢) (١٣٣٣/ ٤٠٣).\n(^٣) في (ك): \"أبي بكر\" وهو خطأ. و\"ابن بكر\" هو محمد.\n(^٤) يعني: مسلمًا. وهو فيه (١٣٣٣/ ٤٠٤).\n(^٥) في (ز) و(ن): \"فيها\".\n(^٦) وقد رواه عن عائشة ﵂ آخرون منهم مرجانة، وهي أم علقمة.\nفأخرجه أبو داود (٢٠٢٨)؛ والنسائي (٥/ ٢١٩)؛ والترمذي (٨٧٦)؛ وأحمد (٦/ ٩٢، ٩٣)؛ وأبو يعلى (ج ٨/ رقم ٤٦١٥) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مرجانة، عن عائشة مرفوعًا نحوه. قال الترمذي: \"حسن صحيح\" وقد توبع الدراوردي، تابعه عبد الرحمن بن أبي الزناد، فرواه عن علقمة بسنده سواء. أخرجه ابن خزيمة (٣٠١٨). ولكن رواه ابن خزيمة (٣٠١٩) من طريق ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن عائشة مرفوعًا. ولعل هذا من سوء حفظ ابن أبي الزناد. والوجه الأول أقوى. وقد أشرت إلى بعض طرقه فيما مضى والحمد للّه.\n(^٧) كذا في (ز) و(ن) و(ك). ووقع في (ج) و(ض) و(ى): \"أو أبوه\" وأشار ناسخ (ى) إلى أنه وقع في نسخة \"أو أبيه\" وسقط هذا اللفظ من (ل).\n(^٨) في (ك): \"الله\"!!\n(^٩) ولعل مالكًا ﵀ استأنس في ذلك بقول ابن عباس لما استشار ابن الزبير الناس في هدم الكعبة، قال ابن عباس: \"أرى أن تصلح ما وهي منها، وتدع بيتًا أسلم الناس عليه، وأحجارًا أسلم الناس عليها، وبعث عليها النبي ﷺ \". اهـ. =","vol":"1","page":640},{"text":"نقله عياض والنواوي، ولا تزال - والله أعلم - هكذا إلى آخر الزمان، إلى أن يخربها ذو السويقتين من الحبشة، كما ثبت ذلك في \"الصحيحين\" (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يخرِّب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة\". أخرجاه.\nوعن عبد الله بن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، قال: \"كأني به أسود أفحج، يقلعها حجرًا حجرًا\". رواه البخاري (^٢).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل في \"مسنده\" (^٣): حدثنا أحمد بن عبد الملك الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله (عنهما) (^٤)، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، (ويسلبها) (^٥) حليتها ويجردها من كسوتها. ولكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله\".\nالفدع: زيغ بين القدم وعظم الساق.\nوهذا - والله أعلم - إنما يكون بعد خروج يأجوح ومأجوج، لما جاء في \" (صحيح) (^٦) البخاري\" (^٧)، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج\".\n\n<span id=\"aya-135\"></span>وقوله تعالى حكايةً لدعاء إبراهيم وإسماعيل ﵇: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾.\n_________\n= ومن الأصول المشهورة عند المالكية: قاعدة سد الذرائع، وهذا منها. والله أعلم.\n(^١) أخرجه البخاري في \"الحج\" (٣/ ٤٥٤).\n(^٢) في \"كتاب الحج\" (٣/ ٤٦٠) قال: حدثنا عمرو بن علي، ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن الأخنس، عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مرفوعًا.\n(^٣) (٢/ ٢٢٠) ولا يصح مرفوعًا.\nوأخرجه الفاكهي في \"أخبار مكة\" (٧٤٣) قال: حدثنا عبد الله بن منصور، قال: ثنا محمد بن مهران الرازي، قال: ثنا محمد بن سلمة بهذا الإسناد سواء. وسنده ضعيف لتدليس ابن إسحاق ولكن تابعه سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح بهذا الإسناد مرفوعًا وزاد فيه: \"قال مجاهد: فلما هدم ابن الزبير ﵁ الكعبة جئت أنظر إليه؛ هل أرى الصفة التي قال عبد الله بن عمرو، فلم أرها. أخرجه الفاكهي (٧٤٤) أيضًا قال: حدثنا محمد بن أبي عمر، قال: ثنا سفيان. وهذا إسناد ظاهره الجودة، ولكن خولف ابن أبي عمر فيه خالفه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (ج ٥/ رقم ٩١٨٠)؛ وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٥/ ٤٧، ٤٨) كلاهما عن ابن عيينة بهذا الإسناد موقوفًا على عبد الله بن عمرو بآخره. وتابعهما أحمد بن محمد بن الوليد قال: حدثنا ابن عيينة بسنده سواء موقوفًا؛ أخرجه الأزرقي في \"أخبار مكة\" (١/ ٢٧٦) فهؤلاء ثلاثة من الثقات خالفوا ابن أبي عمر فيه. ويؤيد وقفه على عبد الله بن عمرو ما أخرجه عبد الرزاق (٩١٧٩) عن ابن جريج قال: سمعت سليمان الأحول يحدث عن مجاهد وغيره أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: \"كأني أنظر إليه أصيلع أفيدع قد علاها بمسحاته. قال ابن جريج: وسمعت غيره من أشياخنا وأهل البلد أن الحبشة مخربوها. وسنده صحيح؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (١٥/ ٤٨) قال: حدثنا إسحاق الأزرق. والأزرقي (١/ ٢٧٦)؛ ونعيم بن حماد في \"الفتن\" (ص ٤٠٦)؛ والفاكهي (٧٤٧) عن ابن عيينة كلاهما عن هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين عن أبي العالية، عن علي بن أبي طالب نحوه موقوفًا. وسنده صحيح.\n(^٤) في (ل): \"عنه\".\n(^٥) في (ل): \"قال: ويسلبها\".\n(^٦) في (ل): \"حديث\".\n(^٧) في \"كتاب الحج\" (٣/ ٤٥٤).","vol":"1","page":641},{"text":"قال ابن جرير (^١): يعنيان بذلك: واجعلنا (مستسلمين) (^٢) لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣): حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن رجاء بن حيان الحصني القرشي، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عبد الكريم: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قال: مخلصين لك، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال: مخلصةً.\nوقال أيضًا (^٤): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا المقدمي، حدثنا سعيد بن عامر، عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ﴾ قال: كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات.\nوقال عكرمة (^٥): ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت.\nوقال السدي (^٦): ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يعنيان العرب.\nقال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم؛ لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف].\nقلت: وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفى من عداهم، والسياق إنما هو في العرب؛ ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ الآية [البقرة]، والمراد بذلك محمد ﷺ، وقد بُعث فيهم كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود، (لقوله) (^٧) تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وغير ذلك من الأدلة القاطعة.\nوهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل ﵇، كما أخبر الله تعالى عن عباده المتقين المؤمنين، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤] وهذا القدر مرغوب فيه شرعًا، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا شريك له؛ ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] (وقوله) (^٨): ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقد ثبت في \"صحيح مسلم\" (^٩)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال:\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٣/ ٧٢، ٧٣).\n(^٢) في (ك) و(ل): \"مسلمين\"!\n(^٣) في \"تفسيره\" (١٢٥٥، ١٢٥٨) ولا بأس بإسناده. وإسماعيل بن رجاء وثقه العجلي والحاكم وقال أبو حاتم: \"صدوق\" وضعفه العقيلي والدارقطني والساجي.\n(^٤) رقم (١٢٥٣) وسنده قوي. أما محقق \"تفسير ابن أبي حاتم\" فقال: \"ضعيف الإسناد ففيه سلام بن أبي مطيع. فيه مقال\". وهذا نقد عجيب، وما دخل سلام في الإسناد وهو صاحب القول؟ إنما الشأن في الإسناد إليه. والله المستعان.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٥٤) وسنده جيد. وعنده \"قال: نعم\" بدل \"قد فعلت\".\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٢٠٦٢) بسند حسن.\n(^٧) في (ج): \"كقوله\".\n(^٨) في (ز) و(ض): \"وهو قوله\".\n(^٩) في \"كتاب الوصية\" (١٦٣١/ ١٤).","vol":"1","page":642},{"text":"\"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له\".\n﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال ابن جريج (^١)، عن عطاء: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أخرجها لها (علِّمناها) (^٢).\nوقال مجاهد (^٣): ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ مذابحنا. وروي عن عطاء (^٤) أيضًا، وقتادة نحو ذلك.\nوقال سعيد بن منصور (^٥): حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مجاهد، قال: قال إبراهيم: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ فأتاه جبرائيل، فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد. فرفع القواعد وأتم البنيان، ثم أخذ بيده فأخرجه فانطلق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله. ثم انطلق به إلى المروة، فقال: وهذا من شعائر الله، ثم انطلق به (نحو) (^٦) منى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كبر وارمه. فكبر ورماه. (ثم انطلق) (^٧) إبليس فقام عند الجمرة الوسطى، فلما (حاذى به) (^٨) جبريل وإبراهيم قال له: كبر وارمه. فكبر ورماه. فذهب إبليس وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام. فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات. قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها: ثلاث مرار. قال: نعم. وروى عن أبي مجلز (^٩) وقتادة نحو ذلك. وقال أبو داود الطيالسي (^١٠): حدثنا حماد بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٢٠٦٨)؛ وابن أبي حاتم (١٢٥٩) من طريقين عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج. [وسنده حسن].\n(^٢) في (ج) و(ل) و(ى): \"وعلمناها\".\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٢٠٦٧)؛ وابن أبي حاتم (١٢٦١) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وهو في \"تفسير مجاهد\" (ص ٢١٤) من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح. [وسنده صحيح].\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٢٠٦٦، ٢٠٦٧).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٦٢) قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا سعيد بن منصور وهذا في \"تفسيره\" (٢٢٠) قال: حدثنا عتاب بن بشير بهذا الإسناد. وعتاب بن بشير يروى عن خصيف أحاديث مناكير، ولكن تابعه عثمان بن ساج، أخبرنا خصيف بن عبد الرحمن فذكر مثله؛ أخرجه الأزرقي في \"أخبار مكة\" (١/ ٦٩؛ ٢/ ١٧٥، ١٧٦) قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج. وسعيد بن سام ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٣٥٥) وذكر له حديثًا في إسناده إليه عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك بل كذبه جماعة. وعثمان بن ساج ترجمه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٢٧/٢)؛ وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١/ ١٥٣) ولم يذكرا فيه شيئًا. وخصيف بن عبد الرحمن ضعيف الحديث. قال ابن حبان: \"تركه جماعة من أئمتنا\" فهذا إسناد ضعيف أو واه.\n(^٦) في (ك): \"إلى\".\n(^٧) في (ل): \"فانطلق\".\n(^٨) كذا في \"الأصول\" وهو الموافق لما في \"تفسير سعيد بن منصور\"؛ وفي (ز): \"جاز له\" وفي (ك): \"حاذاه\".\n(^٩) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" فقال: \"روى عن أبي مجلز نحو ذلك غير أنه لم يذكر ذكر القواعد، وعن قتادة نحو ذلك، وزاد فيه: وأراه حلق الرأس\".\n(^١٠) في \"مسنده\" (٢٦٩٧) بهذا الإسناد.\nوأخرجه بطوله: أحمد في \"المسند\" (١/ ٢٩٧) قال: حدثنا سريج؛ يعني: ابن يونس، ويونس؛ يعني: ابن محمد، والطبراني في \"الكبير\" (ج ١٠/ رقم ١٠٦٢٨) من طريق حجاج بن منهال والبيهقي في \"الشعب\" (ج ٣/ رقم ٤٠٧٧) من طريق ابن عائشة، وهو عبيد الله، أربعتهم قالوا: ثنا حماد بن سلمة بهذا الإسناد وعندهم من الزيادة على رواية الطيالسيّ. =","vol":"1","page":643},{"text":"سلمة، عن أبي (عاصم) (^١) الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، قال: إن إبراهيم لما (أري) (^٢) أوامر المناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى (أتى به) (^٣) منى، فقال: مناخ الناس هذا. فلما انتهى إلى جمرة العقبة (فعرض) (^٤) له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، [ثم أتى به (إلى جمرة) (٦) الوسطى، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب] (^٥)، ثم أتى به (إلى جمرة) (^٦) القصوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، فأتى به جمعًا. فقال: هذا المشعر. ثم أتى به عرفة. فقال: هذه عرفة. فقال له جبريل: أعرفت؟\n\n<span id=\"aya-136\"></span>﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾.\nيقول تعالى إخبارًا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم - أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم؛ أي: من ذرية إبراهيم. وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد - (صلوات الله وسلامه عليه) (^٧) - رسولًا في الأميين إليهم، إلى سائر الأعجمين، من الإنس والجن، كما قال الإمام أحمد (^٨): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات (النبيين) (^٩) يرين\".\n(وكذا) (^١٠) رواه ابن وهب، والليث، وكاتبه عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، وتابعه أبو بكر بن أبي مريم، عن سعيد بن سويد، به.\nوقال الإمام أحمد (^١١) أيضًا: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان بن عامر:\n_________\n= قال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٣٥٩): \"رجاله ثقات\" وقال في موضع آخر (٨/ ٢٠٠، ٢٠١): \"رجاله رجال الصحيح غير أبي عاصم الغنوي وهو ثقة\".\n(*) قلت: أبو عاصم هذا وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: \"لا أعرفه\" ولم يحدث عنه سوى حماد بن سلمة. فالإسناد ضعيف، ولكن له شواهد وطرق أخرى. وقد أخرج مسلم (١٢٦٤/ ٢٣٧) بعضه من وجه آخر عن أبي الطفيل به.\n(^١) في (ز) و(ن): \"العاصم\".\n(^٢) في (ج): \"رأى\".\n(^٣) في (ج) و(ل): \"أراه\".\n(^٤) في (ز): \"تعرض\".\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٦) في (ن): \"الجمرة\".\n(^٧) في (ل): \" ﷺ \".\n(^٨) في \"المسند\" (٤/ ١٢٧) ومن طريقه ابنه عبد الله في \"السنة\" (٨٦٥)؛ وأبو نعيم في \"الدلائل\" (٩). وتقدم تخريجه تحت الآية (١٢٦).\n(^٩) في (ك): \"المؤمنين\"!!\n(^١٠) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ن): \"وكذلك\".\n(^١١) في \"المسند\" (٥/ ٢٦٢) وتقدم تخريجه عند الآية (١٢٦).","vol":"1","page":644},{"text":"سمعت أبا أمامة قال: قلت: يا رسول الله، ما كان أول بدء أمرك؟ قال: \"دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام\".\nوالمراد أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس، (إبراهيم) (^١) ﵇. ولم يزل ذكره في الناس مذكورًا مشهورًا سائرًا حتى أفصح باسمه خاتم أنبياء بني إسرائيل نسبًا، وهو عيسى ابن مريم ﵇ حيث قام في بني إسرائيل خطيبًا، وقال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ] (^٢) وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] ولهذا قال في هذا الحديث: \"دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم\".\nوقوله: \"ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام\" قيل: كان منامًا رأته حين حملت به، وقصته على قومها فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئةً. وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلًا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى ابن مريم (^٣) إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها. ولهذا جاء في \"الصحيحين\" (^٤): \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\". وفي \"صحيح البخاري\": \"وهم بالشام\".\nقال أبو جعفر الرازي (^٥)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني: أمة محمد ﷺ. فقيل له: قد استجيبت لك، وهو كائن في آخر الزمان. وكذا قال السدي (^٦) وقتادة (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: القرآن: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: السنة، قاله الحسن (^٨)، وقتادة (^٩)، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم. وقيل (^١٠): الفهم في الدين. ولا منافاة.\n﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة (^١١)، عن ابن عباس: يعني: طاعة الله، والإخلاص.\nوقال محمد بن إسحاق (^١٢) ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال: يعلمهم الخير فيفعلوه. والشر\n_________\n(^١) في (ل): \"إبراهيم الخليل\".\n(^٢) من (ن) و(ى).\n(^٣) يشير إلى حديث النواس بن سمعان ﵁ وهو حديث طويل فيه خبر الدجال. أخرجه مسلم (٢١٣٧/ ١١١).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦/ ٦٣٢؛ و١٣/ ٤٤٢).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٦٥) قال: حدثنا عصام بن رواد العسقلاني، ثنا آدم، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية. وسنده حسن؛ وأخرجه ابن جرير (٢٠٧٦) بسند ضعيف عن الربيع بن أنس.\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٢٠٧٤) وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٢٠٧٥) وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٧٢) وفي إسناده أبو بكر الهذلي وهو ضعيف جدًّا.\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٢٠٧٨) وسنده صحيح.\n(^١٠) أخرجه ابن جرير (٢٠٨٠) قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، نا ابن وهب قال: قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: المعرفة بالدين، والفقه في الدين، والاتباع له. [وسنده صحيح].\n(^١١) أخرجه ابن جرير (٢٠٨١) قال: حدثني المثنى بن إبراهيم؛ وابن أبي حاتم (١٢٧٥) قال: حدثنا أبي قالا: ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة. [وسنده ثابت].\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٧١) ولا بأس بسنده.","vol":"1","page":645},{"text":"فيتقوه، ويخبرهم برضاه عنهم إذا أطاعوه (وليستكثروا) (^١) من طاعته، (ويجتنبوا) (^٢) ما سخط من معصيته.\nوقوله: ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله.\n\n<span id=\"aya-137\"></span>﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾.\nيقول ﵎ ردًا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل، إمام الحنفاء، فإنه جرد توحيد ربه ﵎، فلم يدع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه، فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٨، ٧٩] (^٣) [وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]] (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢] ولهذا وأمثاله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: عن طريقته ومنهجه. فيخالفها ويرغب عنها ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفى في الدنيا للهداية والرشاد، من حداثة (سنه) (^٤) إلى أن اتخذه الله خليلًا، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء - فترك طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي، فأي سفهٍ أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا؟ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.\nوقال أبو العالية (^٥) وقتادة (^٦): (نزلت هذه الآية) (^٧) في اليهود؛ أحدثوا طريقًا ليست من عند الله وخالفوا ملة إبراهيم فيما (أحدثوه) (^٨)، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران: ٦٧، ٦٨].\n\n<span id=\"aya-138\"></span>\n\n<span id=\"aya-139\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ أي: أمره (الله) (^٩)\n_________\n(^١) في (ز) و(ض): \"استكثروا\".\n(^٢) في (ز) و(ض): \"تجنبوا\".\n(^٣) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل). والآية ثابتة في (ن) و(ى).\n(^٤) في (ك): \"بنيته\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٨٠). [وسنده جيد].\n(^٦) أخرجه ابن جرير (٢٠٨٣). [وسنده صحيح].\n(^٧) ساقط من (ج).\n(^٨) في (ز) و(ض): \"أخذوه\".\n(^٩) لفظ الجلالة من (ز) و(ن).","vol":"1","page":646},{"text":"(تعالى) (^١) بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا، وقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ أي: (وصى) (^٢) بهذه (الملة) (^٣)، وهي الإسلام لله (^٤) [أو يعود الضمير على الكلمة وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾] (^٥). لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة ووصوا أبناءهم بها من بعدهم؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] وقد قرأ بعض السلف \"ويعقوب\" بالنصب عطفًا، على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرًا ذلك، وقد ادعى القشيري فيما حكاه القرطبي (^٦) عنه أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح؛ والظاهر، والله أعلم، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] وقد قرئ بنصب \"يعقوب\" ههنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضًا فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ الآية [العنكبوت] وقال في الآية الأخرى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] وهذا يقتضى أنه وجد في حياته، وأيضًا فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة، وثبت في \"الصحيحين\" (^٧) من حديث أبي ذر قلت: يا رسول الله؛ أي: مسجد وضع أول؟ قال: \"المسجد الحرام\"، قلت: ثم أي؟ قال: \"بيت المقدس\"، قلت: كم بينهما؟ قال: \"أربعون سنةً\" الحديث. فزعم ابن حبان أن بين سليمان الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس - وإنما كان جدده بعد خرابه وزخرفه - وبين إبراهيم أربعين سنةً، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف سنين (^٨)، والله أعلم، وأيضًا فإن ذكر وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبًا، وهذا يدل على أنه ههنا من جملة الموصين.\nوقوله: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: أحسنوا في حال الحياة والزموا هذا (ليرزقكم) (^٩) الله الوفاة عليه. فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويبعث على ما (مات) (^١٠) عليه. وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وفق له ويُسر\n_________\n(^١) لم ترد في (ز).\n(^٢) في (ك): \"رضى\"!\n(^٣) في (ك): \"المسألة\"!\n(^٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).\n(^٦) في \"تفسيره\" (٢/ ١٣٦) وقال: \"وهو بعيد، لأن يعقوب لم يكن حينئذ بين أولاد إبراهيم لما وصاهم، ولم ينقل أن يعقوب أدرك جده إبراهيم، وإنما ولد بعد موت إبراهيم، وأن يعقوب أوصى بنيه أيضًا كما فعل إبراهيم\". اهـ.\n(^٧) أخرجه البخاري في \"كتاب الأنبياء\" (٦/ ٤٠٧)؛ ومسلم في \"كتاب المساجد\" (٥٢٠/ ١).\n(^٨) قال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/ ٤٩): \"وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به، فقال: معلوم أن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى، وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام، وهذا جهل من هذا القائل، فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه، والذي أسسه يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما وآلهما وسلم بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا المقدار\". اهـ.\n(^٩) في (ل): \"يرزقكم\".\n(^١٠) في (ل): \"كان\".","vol":"1","page":647},{"text":"عليه. ومن نوى صالحًا ثبت عليه. وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث (الصحيح) (^١): \"إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار (فيدخل النار) (^٢) وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة (^٣) [فيدخلها\" (^٤)؛ لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث (^٥): \"فيعمل بعمل أهل الجنة] (^٦) فيما يبدو للناس، و(يعمل) (^٧) بعمل أهل النار فيما يبدو للناس. وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠] \".\n\n<span id=\"aya-140\"></span>﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾.\nيقول تعالى محتجًا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل - وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهم) (^٨) السلام - (بأن يعقوب) (^٩) لما حضرته الوفاة وصى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ وهذا من باب التغليب لأن إسماعيل عمه.\nقال النحاس: والعرب تسمى العم أبًا، نقله القرطبي (^١٠)؛ وقد استدل بهذه الآية من جعل الجد أبًا وحجب به الإخوة، كما هو قول الصديق ﵁ حكاه البخاري (^١١) عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير، ثم قال البخاري (^١٢): ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين، وبه يقول الحسن البصري وطاوس وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من علماء السلف والخلف؛ وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه أنه يقاسم الإخوة؛ وحكى مالك، عن\n_________\n(^١) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٢) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض) و(ن): \"فيدخلها\".\n(^٣) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦/ ٣٠٣؛ و١١/ ٤٧٧؛ و١٣/ ٤٤٠)؛ ومسلم (٢٦٤٣/ ١).\n(^٥) أخرجه البخاري في \"كتاب الجهاد\" (٦/ ٨٩ - ٩٠)؛ ومسلم في \"كتاب الإيمان\" (١١٢/ ١٧٩).\n(^٦) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٨) في (ج) و(ض): \"عليه\".\n(^٩) ساقط من (ز) و(ض).\n(^١٠) في \"تفسيره\" (٢/ ١٣٨).\n(^١١) في \"كتاب الفرائض\" (١٢/ ١٨) معلقًا. وقد ورد موصولًا بأسانيد صحيحة عن جماعة من الصحابة عن أبي بكر الصديق. منهم: ابن عباس؛ أخرجه الدارمي (٢/ ٢٥٥)؛ وأخرجه البيهقي (٦/ ٢٤٦)؛ وسنده صحيح كما قال الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ١٩).\n(^١٢) ولفظ البخاري: \"ولم يذكر أن أحدًا خالف أبا بكر في زمانه، وأصحاب النبي ﷺ متوافرون\". قال الحافظ: \"كأنه يريد بذلك تقوية حجة القول المذكور، فإن الإجماع السكوتي حجة، وهو حاصل في هذا\". اهـ.","vol":"1","page":648},{"text":"عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وجماعة من السلف والخلف، واختاره صاحبا أبي حنيفة القاضي: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، ولتقريرها موضع آخر.\nوقوله (^١): ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: نوحده بالألوهية، ولا نشرك به شيئًا غيره ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: مطيعون خاضعون كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبةً، وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] والآيات في هذا كثيرة والأحاديث، فمنها قوله (ﷺ) (^٢): \"نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-141\"></span>وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أي: مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوقال أبو العالية (^٤)، والربيع، وقتادة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ يعني: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط (^٥) [و(قد) (^٦) جاء في الأثر (^٧): \"من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه\"] (٤).\n\n<span id=\"aya-142\"></span>﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾.\nقال محمد بن إسحاق (^٨): حدثني محمد بن أبي محمد، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﷺ: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد (تهتد) (^٩). وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.\n_________\n(^١) في هامش (ج): \"قال القرطبي\" (٢/ ١٣٨): قرأ الحسن، ويحيى بن يعمر والجحدري؛ وأبو رجاء العطاردي: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فقيل: أريد: إبراهيم؛ أي: جمع سلامة على ما حكى سيبويه: \"أب\" و\"أبون\" كما قال الشاعر:\nفلما تبيَّن أصواتنا … بَكَيْنَ وفديننا بالأبينا\n(^٢) في (ج) و(ل): \"﵇\".\n(^٣) كذا وقع لفظ الحديث. وكأن المصنف ﵀ كتبه من حفظه، وقد كرره بهذا اللفظ في مواضع شتى من \"تفسيره\"؛ في \"سورة المائدة\" (٣/ ١٢١)؛ وفي \"الأنعام\" (٣/ ٣٧٣، ٣٧٨)؛ وفي \"يونس\" (٤/ ٢١٩)؛ وفي \"الأنبياء\" (٥/ ٣٦٦)؛ وفي \"الشورى\" (٧/ ١٨٣). والغريب أنه قال في \"تفسير المائدة\": \"ثبت في \"صحيح البخاري … \" ثم ذكر الحديث باللفظ الذي أثبته في هذه المواضع، ولا أصل له بهذا اللفظ في \"صحيح البخاري\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٩٧). وأشار إلى الأثرين الآخرين، ولم أقف عليهما.\n(^٥) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٦) في (ن) و(ى): \"ولهذا\".\n(^٧) هذا جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (٢٦٩٩/ ٣٨) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٢٠٩٠)؛ وابن أبي حاتم (١٣٠٠) من طريقين عن ابن إسحاق به. [وسنده حسن].\n(^٩) ساقط من (ك)؛ وفي (ج) و(ك) و(ى): \"تهتدى\" بإثبات الياء.","vol":"1","page":649},{"text":"وقوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي: لا نريد ما دعوتم إليه من اليهودية والنصرانية، بل نتبع ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي: مستقيمًا. قاله محمد بن كعب القرظي (^١)، وعيسى بن جارية (٩).\nوقال خصيف (^٢)، (عن مجاهد) (^٣): مخلصًا. وروى علي بن أبي طلحة (^٤)، عن ابن عباس: حاجًا. وكذا روى عن الحسن (^٥) والضحاك، وعطية، والسدي (^٦).\nوقال أبو العالية (^٧): الحنيف: الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلًا.\nوقال مجاهد (^٨): والربيع بن أنس: حنيفًا؛ أي: متبعًا. وقال أبو قلابة (^٩): الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم.\nوقال قتادة (^١٠): الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله. يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات والعمات وما حرم الله ﷿ (^١١)، والختان.\n\n<span id=\"aya-143\"></span>﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾.\nأرشد الله (تعالى) (^١٢) عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد ﷺ مفصلًا، وبما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) (^١٣)، (وأنهم) (^١٤) لا يفرقوا بين أحد منهم، بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الآية [النساء: ١٥٠، ١٥١].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٣) من طريق عثمان بن صالح، ثنا ابن لهيعة، عن أبي صخر عن محمد بن كعب وعيسى بن جارية. وسنده لين.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٥) بسند جيد عن خصيف قوله. ولم أجده من طريق خصيف عن مجاهد.\n(^٣) من (ن).\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٢٠٩٧)؛ وابن أبي حاتم (١٣٠١). [وسنده ثابت].\n(^٥) هذا الأثر وما بعده عند ابن جرير (٢٠٩١، ٢٠٩٢، ٢٠٩٣، ٢٠٩٥). [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق كثير أبي سهل عن الحسن].\n(^٦) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن السدي].\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٦). [وسنده جيد].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٢٠٩٩)؛ وابن أبي حاتم (١٣٠٢). [وسنده صحيح].\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٤) وسنده ضعيف.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٧) بسند صحيح.\n(^١١) في (ل): \"تعالى\".\n(^١٢) ساقط من (ك).\n(^١٣) من (ض).\n(^١٤) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ض) و(ى). ووقع في (ز) و(ن): \"وأن\".","vol":"1","page":650},{"text":"وقال البخاري (^١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا (وما أنزل إليكم) \" (^٢).\nوقد روى مسلم (^٣) وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصلي الركعتين اللتين قبل الفجر بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، والأخرى بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢].\nوقال أبو العالية (^٤) والربيع (^٥) وقتادة (^٦): الأسباط: بنو يعقوب (اثنا) (^٧) عشر رجلًا؛ (ولد) (^٨) كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا الأسباط.\nوقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل؛ كالقبائل في بني إسماعيل؛ وقال الزمخشري في \"الكشاف\" (^٩): الأسباط: حفدة يعقوب وذراري أبنائه الاثنى عشر، وقد نقله الرازي (^١٠) عنه، وقرره ولم يعارضه. وقال البخاري: الأسباط: قبائل بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ها هنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله تعالى من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، كما قال موسى لهم: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] وقال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] وقال القرطبي (^١١): وسموا الأسباط من السبط، وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون. وقيل: أصله من السبط، بالتحريك، وهو الشجر؛ أي: هم في الكثرة بمنزلة الشجر الواحدة سبطة. قال الزجاج: ويبين لك هذا: ما حدثنا محمد بن جعفر الأنباري، حدثنا أبو نجيد الدقاق (^١٢)، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلى عشرة: نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام. قال القرطبي: والسبط: الجماعة والقبيلة، الراجعون إلى أصل واحد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"كتاب الشهادات\" (٥/ ٢٩١) معلقًا، ووصله في \"كتاب التفسير\" (٨/ ١٧٠)؛ وفي \"كتاب الاعتصام\" (١٣/ ٣٣٣)؛ وفي \"كتاب التوحيد\" (١٣/ ٥١٦).\n(^٢) من (ج) و(ل) وهي موافقة لما في \"الصحيح\" في \"كتاب الاعتصام\" ولم يذكرها في الموضعين الآخرين. ووقع في (ض) و(ك) و(ن) و(ى): \"وما أنزل الله\"!\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٢٧/ ٩٩).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣١٠) و(٩٠٥ - آل عمران). [وسنده جيد].\n(^٥) أخرجه ابن جرير (٢١٠٦). [وسنده جيد].\n(^٦) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة].\n(^٧) في (ض) و(ن) ت \"اثنى\"!\n(^٨) في (ل): \"وكذا\".\n(^٩) (١/ ٩٧).\n(^١٠) في \"التفسير الكبير\" (٤/ ٩١).\n(^١١) في \"تفسيره\" (٢/ ١٤١).\n(^١٢) أما أبو نجيد فما عرفته، فليحرر. وبقية رجال السند معروفون، ورواية إسرائيل عن سماك، كانت بأخره.","vol":"1","page":651},{"text":"وقال قتادة (^١): أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله.\nوقال سليمان بن حبيب (^٢): إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ولا نعمل بما فيهما.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣): حدثنا محمد بن محمد بن مصعب الصورى، حدثنا مؤمل، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: \"آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل، وليسعكم القرآن\".\n\n<span id=\"aya-144\"></span>﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾.\nيقول تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ (أي) (^٤): الكفار من أهل الكتاب وغيرهم ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ أيها المؤمنون، من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: فقد أصابوا الحق وأرشدوا إليه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: عن الحق إلى الباطل، بعد قيام الحجة عليهم ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: فسينصرك عليهم ويظفرك بهم ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥): قرئ على يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثنا زياد بن يونس، حدثنا نافع بن أبي نعيم، قال: أرسل إليَّ بعض الخلفاء مصحف عثمان بن عفان ليصلحه. قال زياد: فقلت له: إن الناس يقولون: إن مصحفه كان في حجره حين قتل، فوقع الدم على ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فقال نافع: بصرت عيني بالدم على هذه الآية وقد قَدُم.\n\n<span id=\"aya-145\"></span>وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك (^٦)، عن ابن عباس: دين الله وكذا روي عن مجاهد (^٧)، وأبي العالية (^٨)، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وقتادة (^٩)، والضحاك، وعبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣١٥) بسند صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣١٣) وفي إسناده كلثوم بن زياد، ضعفه النسائي.\n(^٣) في \"تفسيره\" (١٣١٢) وإسناده ضعيف جدًّا، وعبيد الله بن أبي حميد تركه النسائي وقال أحمد: \"ترك الناس حديثه\". وقال البخاري: \"منكر الحديث، يروى عن أبي المليح العجائب\".\n(^٤) في (ن) و(ى): \"يعني\".\n(^٥) في \"تفسيره\" (١٣٢١) وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٢٢)؛ وابن جرير (٢١٢٣) من وجهين عن ابن عباس وكلاهما ضعيف.\n(^٧) أخرجه ابن جرير (٢١١٨، ٢١١٩، ٢١٢٠). [وسنده صحيح].\n(^٨) أخرجه ابن جرير (٢١١٦). [وسنده جيد].\n(^٩) أخرجه ابن جرير (٢١١٥) من طريق عبد الرزاق وهذا في \"تفسيره\" (١/ ٦٠) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة. وسنده صحيح؛ وأخرجه ابن جرير (٢١١٤) من طريق يزيد بن زريع، والدينوري في \"المجالسة\" (١٤٦٤) من طريق يزيد بن هارون قالا ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: إن اليهود تصبغ أبناءها يهود، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى وإن صبغة الله الإسلام فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله ﷿ الذي بعث به نوحًا والأنبياء من بعده. وسنده صحيح.","vol":"1","page":652},{"text":"كثير (^١)، وعطية العوفي (^٢)، والربيع بن أنس (^٣)، والسدي (^٤)، نحو ذلك.\nوانتصاب ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ إما على الإغراء؛ كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أي: الزموا ذلك عليكموه. وقال بعضهم: بدل من قوله: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقال سيبويه: هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] كقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٣٦].\nوقد (ورد) (^٥) في حديث رواه ابن أبي حاتم (^٦) وابن مردويه، من رواية أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن نبي الله (ﷺ) (^٧) قال: \"إن بني إسرائيل قالوا: يا موسى، هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله. فناداه ربه: يا موسى، سألوك هل يصبُغ ربك؟ فقال: نعم، أنا أصبُغ الألوان: الأحمر والأبيض والأسود، والألوان كلها من صبغي\". وأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾.\nكذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعًا، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف، وهو أشبه، إن صح إسناده، (^٨) [﵎ أعلم] (٤).\n\n<span id=\"aya-146\"></span>\n\n<span id=\"aya-147\"></span>﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾.\nيقول الله تعالى مرشدًا نبيه (صلوات الله وسلامه عليه) (^٩) إلى درء مجادلة المشركين: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ أي: أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد، واتباع أوامره وترك\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير (٢١٢٨)؛ والدينوري في \"المجالسة\" (١٤٦٥) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج قال: قال لي عبد الله بن كثير: \"صبغة الله\" قال: دين الله ومن أحسن من الله دينًا، قال: هي فطرة الإسلام. وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن جرير (٢١٢١) وسنده جيد.\n(^٣) أخرجه ابن جرير (٢١١٧). [وسنده جيد].\n(^٤) أخرجه ابن جرير (٢١٢٢). [وسنده حسن].\n(^٥) في (ل): \"روى\".\n(^٦) أما الحديث المرفوع: فأخرجه ابن مردويه، ومن طريقه الضياء في \"المختارة\" (١٠/ ١١٠، ١١١) قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، ثنا محمد بن الفضل بن موسى، ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي، ثنا أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا. ومحمد بن الفضل بن موسى هو القسطاني ترجمه ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١/ ٦٠) وقال: \"هو صدوق\". وقد خالفه أحمد بن القاسم بن عطية، فرواه عن أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي بهذا الإسناد موقوفًا.\nأخرجه ابن أبي حاتم (١٣٢٣)، وعنه أبو الشيخ في \"كتاب العظمة\" (٢/ ٤٥٢، ٤٥٣/ ١٣٨) وسياق أبي الشيخ مطول؛ وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٠٢) من طريق عبد الله بن عمر بن أبان، ثنا زياد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ قال: أيصبغ ربك؟ قال: \"نعم صبغًا لا ينقض، أحمر، وأصفر، وأبيض\". وهذا سند ضعيف ورفعه منكر. وزياد هو البكائي كان رديء الحفظ، وعطاء هو ابن السائب؛ كان اختلط.\n(^٧) من (ج) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى).\n(^٨) ساقط من (ك).\n(^٩) من (ل).","vol":"1","page":653},{"text":"زواجره ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له! ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي: نحن برآء منك، وأنتم برآء منا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس: ٤١] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ [آل عمران: ٢٠] وقال تعالى إخبارًا عن إبراهيم ﵇ (^١): ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾ [الأنعام: ٨٠] وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٨].\nوقال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي: (نحن) (^٢) برآء منكم كما أنتم برآء منا، ونحن له مخلصون؛ أي: في العبادة والتوجه. ثم أنكر تعالى عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية (وإما) (^٣) النصرانية، فقال؛ ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ يعني: بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودًا ولا نصارى، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ الآية والتي بعدها: [آل عمران].\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الحسن البصري (^٤): كانوا يقرؤون في كتاب الله أتاهم: إن الدين (الإسلام) (^٥)، وإن محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهد الله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك.\nوقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فيه) (^٦) تهديد ووعيد شديد؛ أي: (أن) (^٧) علمه محيط بعملكم، وسيجزيكم عليه.\n\n<span id=\"aya-148\"></span>ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أي: قد مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهم حتى تكونوا مثلهم منقادين لأوامر الله واتباع رسله، الذين بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما من كفر بسيد الأنبياء، وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من سائر المكلفين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين [أبدًا دائمًا إلى يوم الدين ورضي الله عن أصحابه وأصحابهم المتبعين إلى يوم الحشر واليقين] (^٨).\n_________\n(^١) في (ل): \" ﷺ \".\n(^٢) في (ج) و(ل): \"ونحن\".\n(^٣) في (ج) و(ل): \"أو\". ووقع في (ن): (و).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٢٩) بسند ضعيف؛ وأخرجه ابن جرير (٢١٣٤) من وجه آخر لا بأس به بنحوه.\n(^٥) في (ج) و(ل): \"عند الله الإسلام\".\n(^٦) من (ج) و(ل).\n(^٧) ساقط من (ز) و(ض).\n(^٨) من (ك).","vol":"1","page":654},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-149\"></span>﴿* سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾.\n[قيل: المراد بالسفهاء هنا مشركو العرب. قاله الزجاج (^١).\nوقيل: أحبار يهود. قاله مجاهد (^٢).\nوقيل: المنافقون. قاله السدي (^٣).\nوالآية عامة في هؤلاء كلهم (^٤)، والله أعلم] (^٥).\nقال البخاري: حدثنا أبو نُعيم، سمع زُهيرًا، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ أن النبي ﷺ صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وإنه صلّى أول صلاة صلّاها صلاة العصر، وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلّى معه، [فمَّر] (^٦) على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صلّيت مع النبي ﷺ قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوّل قِبَلَ البيت رجالًا قُتلوا لم ندرِ ما نقول فيهم، فأنزل الله ﷿ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٧).\nانفرد به البخاري من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ يصلّي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السّماء، ينتظر أمر الله، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فقال رجال من المسلمين: وددنا لو علمنا من مات منّا قبل أن نُصرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقال السفهاء من الناس، وهم أهل الكتاب: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، فأنزل الله ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ …﴾ إلى آخر الآية (^٨).\n_________\n(^١) معاني القرآن ١/ ٢١٨.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ٨/ ١٧١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) وقول الحافظ ابن كثير وافقه جمع من المفسرين والمحدثين كابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٢، والقرطبي في جامعه ٢/ ١٠، والرازي في تفسيره ٤/ ١٢٠٩١، والبيضاوي في تفسيره ١/ ٨٦، وابن جزي في التسهيل ١/ ٦٢.\n(^٥) ما بين معقوفتين سقط من (حم) و(عف) والأصل، وأُثبت من (عش) و(ح).\n(^٦) في الأصل بلفظ: \"يمر\" والتصويب من رواية الصحيح وبقية النسخ.\n(^٧) أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير، باب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ …﴾ [البقرة: ١٤٢] (ح ٤٤٨٦).\n(^٨) سنده حسن. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق ابن إسحاق به.","vol":"2","page":5},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ قد صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجَّه نحو الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] قال: فوجّه نحو الكعبة. وقال السفهاء من الناس، وهم اليهود: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب قِبلة إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﷿: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي: نحوه، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٢).\nوقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة، وحاصل الأمر أنه قد كان رسول الله ﷺ أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس فكان بمكة يصلي بين الركنين، فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، [قاله ابن عباس والجمهور، ثم اختلف هؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره؟ على قولين، وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري أن التوجه إلى بيت المقدس كان باجتهاده ﵇ (^٣). والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه ﷺ المدينة] (^٤)، واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرًا، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يُوجه إلى الكعبة التي هي قِبلة إبراهيم، فأُجيب إلى ذلك، وأُمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول الله ﷺ الناس، فأعلمهم بذلك، وكان أول صلاة صلّاها إليها: صلاة العصر، كما تقدم في الصحيحين من رواية البراء، ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلّى: أنها الظهر، [وقال: كنت أنا وصاحبي أول من صلّى إلى الكعبة (^٥).\nوذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن تحويل القبلة نزل على رسول الله ﷺ وقد صلّى ركعتين من الظهر، وذلك في مسجد بني سلمة، فسمي: مسجد القبلتين.\nوفي حديث نويلة بنت أسلم (^٦) أنهم جاءهم الخبر بذلك وهم في صلاة الظهر، قالت: فتحوّل\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره وسنده ثابت، وتشهد له الروايات الثلاث السابقة.\n(^٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٥٠.\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم) و(عش).\n(^٥) أخرجه النسائي من طريق مروان بن عثمان أن عبيد بن حُنين أخبره عن أبي سعيد بن المعلّى مطولًا (السنن الكبرى ح ١٠٩٣٧) وفي سنده: مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى ضعيف (التقريب ص ٥٢٦).\n(^٦) كذا في نسخة (عش)، وفي (حم): \"توليه\" والتصويب من الإصابة (٤/ ٤٢٠)، وأسد الغابة (٥/ ٥٥٦)، وما ورد عن ابن عبد البر ذكره من طريق جعفر بن محمود عن جدته أم أبيه نويلة بنت أسلم … فذكره (الاستيعاب ٤/ ٤١٨ في حاشية الإصابة). وأخرجه ابن مردويه من طريق إسحاق بن إدريس عن إبراهيم بن =","vol":"2","page":6},{"text":"الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال. ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري] (^١). وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵁ أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله ﷺ[قد أُنزل عليه الليلة قرآن] (^٢) وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة (^٣).\nوفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه، لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم.\nولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أي: قالوا: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] و﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجّهنا توجّهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجّهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعدّدة، فنحن عبيده وفي تصرُّفه، وخدّامه حيثما وجّهنا توجّهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد ﷺ وأُمته عناية عظيمة، إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجُّههم إلى الكعبة المبنيّة على اسمه تعالى وحده لا شريك له، أشرف بيوت الله في الأرض إذ هي بناية إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقد روى الإمام أحمد عن علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن (^٤)، عن عمر بن قيس (^٥)، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يعني في أهل الكتاب -: \"إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها، وضلّوا عنها وعلى القبلة التي هدانا الله لها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين\" (^٦).\n_________\n= جعفر عن أبيه عن جدته نويلة به، كما سيأتي في تفسير آية (١٤٤) من هذا التفسير المبارك. وفي سنده إسحاق بن إدريس وهو الأسوادي البصري متهم بالكذب (انظر: ميزان الاعتدال ١/ ١٨٤).\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(عف) و(ع)، وأثبت في نسخة (عش) و(حم) و(ح).\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(عف) والمثبت من عش (حم) و(ح).\n(^٣) أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا …﴾ [البقرة: ١٤٣] (ح ٤٤٨٨)، ومسلم، الصحيح، المساجد، باب تحويل القبلة (ح ٥٢٦).\n(^٤) حصين بن عبد الرحمن. كذا في مسند أحمد ٤١/ ٤٨١ (ح ٢٥٠٢٩)، والنسخ كلها إلا في الأصل فضيل بن عبد الرحمن وهو تصحيف.\n(^٥) عمر بن قيس. كذا في المسند (ح ٢٥٠٢٩)، وفي كل النسخ ورد بلفظ: \"عمرو بن قيس\" وهو تصحيف لأن عمر بن قيس ورد ذكره في المسند، وكذا ورد في ترجمته أنه روى عن محمد بن الأشعث (تهذيب الكمال ٢١/ ٤٨٥).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤١/ ٤٨١ ح ٢٥٠٢٩) وسنده صحيح.","vol":"2","page":7},{"text":"<span id=\"aya-150\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ يقول تعالى: \"إنما حَوّلناكم إلى قِبلة إبراهيم ﵇، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأُمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأُمم، لأن الجميع معترفون لكم بالفضل\"، والوسط ههنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها، وكان رسول الله ﷺ وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي: العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأُمة وسطًا خصّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأصح (^١) المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].\nوقال الإمام أحمد: [حدثنا] (^٢) وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"يُدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم. فيُدعى قومه، فيقال لهم: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد. فيُقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته. قال: فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: والوسط: العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم\". رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش (^٣).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"يجيء النبي يوم القيامة ومعه رجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلّغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأُمته. فيُدعى محمد وأُمته، فيقال لهم: هل بلّغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبيّنا فأخبرنا أن الرُّسل قد بلّغوا، فذلك قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ \" (^٤).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: \"عدلًا\" (^٥).\nوروى الحافظ أبو بكر بن مردويه وابن أبي حاتم من حديث عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عتيبة بن نهاس (^٦)، حدثني مُكتب لنا، عن جابر بن عبد الله،\n_________\n(^١) كذا في الأصل (مح) و(ح) و(حم) وفي (عش) بلفظ: \"وأوضح\" وما أثبت أقوى.\n(^٢) كذا في المسند ونسخة (عش) و(ح) و(عف) وفي الأصل بلفظ: \"عن\".\n(^٣) أخرجه البخاري من طريق الأعمش به (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ح ٤٤٨٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/ ٥٨، وسنده صحيح ويشهد له ما سبق وما لحق.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/ ٥٨، وسنده صحيح وتقدم تخريجه في الصحيح.\n(^٦) المغيرة بن عتيبة بن نهاس، وفي الأصل: \"المغيرة عن عتيبة بن بناس\" والصواب كما في بقية النسخ، وترجمته في الجرح والتعديل ٨/ ٢٢٧، وكذا أخرجه الطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما.","vol":"2","page":8},{"text":"عن النبي ﷺ قال: \"أنا وأُمتي يوم القيامة على كوم (^١) مشرفين على الخلائق، ما من الناس إلا ودّ أنه مِنّا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه ﷿\" (^٢).\nوروى الحاكم في مستدركه وابن مردويه أيضًا، واللفظ له من حديث مصعب بن ثابت، عن محمد بن كعب القرظي، عن جابر بن عبد الله قال: شهد رسول الله ﷺ جنازة في بني سلمة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ فقال بعضهم: والله يا رسول الله لِنَعْم المرء كان، لقد كان عفيفًا مسلمًا، وكان: وأثنوا عليه خيرًا، فقال رسول الله ﷺ: \"أنت بما تقول\". فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك، فقال النبي ﷺ: \"وجبت\"، ثم شهد جنازة في بني حارثة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: يا رسول الله، بئس المرء كان، إن كان لَفظًّا غليظًا، فأثنوا عليه شرًا، فقال رسول الله ﷺ لبعضهم: \"أنت بالذي تقول؟ \". فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر فأمّا الذي بدا لنا منه فذاك. فقال رسول الله ﷺ: \"وجبت\". قال مصعب بن ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب: صدق رسول الله ﷺ، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبي الأسود أنه قال: أتيت المدينة فوافقتها، وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر بن الخطاب فمرّت به جنازة، فأُثنى على صاحبها خيرًا، فقال: وجبت، وجبت، ثم مرّ بأخرى فأُثنى عليها شرًا، فقال عمر: وجبت. فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﷺ: \"أيما مسلم شَهِد له أربعة بخير أدخله الله الجنة\". قال: فقلنا: وثلاثة؟ قال: فقال: \"وثلاثة\". قال: فقلنا: واثنان؟ قال: \"واثنان\". ثم لم نسأله عن الواحد.\nوكذا رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات به (^٤).\nوقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثني أبو الوليد، حدثنا نافع بن عمر، حدثني أمية بن صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي [عن أبيه] (^٥) قال: سمعت رسول الله ﷺ بالنَّباوة (^٦) يقول: \"يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم\". قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: \"بالثناء الحسن والثناء السيئ، أنتم شهداء الله في الأرض\" (^٧).\n_________\n(^١) قال ابن الأثير: وأصل الكوم: من الارتفاع والعلو (النهاية ٤/ ٢١٠).\n(^٢) في سنده شيخ المغيرة مجهول، ويشهد له ما تقدم وما تأخر من الروايات.\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: مصعب ليس بالقوي (المستدرك ٢/ ٢٦٨)، ويشهد له حديث عمر الذي يليه كما سيأتي تخريجه.\n(^٤) أخرجه البخاري، الصحيح، الجنائز، باب ثناء الناس على الميت (ح ١٣٦٨).\n(^٥) كذا في نسخة (عش) و(عف) و(ح) و(مح). وفي الأصل: \"عن لبيد\" وهو تصحيف كما سيأتي في التخريج.\n(^٦) وفي سنن ابن ماجه: والنباوة من الطائف (ح ٤٢٢١).\n(^٧) أخرجه ابن ماجه، السنن، الزهد، باب الثناء الحسن (ح ٤٢٢١)، وأحمد في المسند ٣/ ٤١٦، والحاكم =","vol":"2","page":9},{"text":"ورواه ابن ماجه عن (أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، ورواه الإمام أحمد، عن يزيد بن هارون، وعبد الملك بن عمرو وشريح، عن نافع، عن ابن عمر به) (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾. يقول تعالى: إنما شرعنا لك يا محمد التوجُّه أولًا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنه إلى الكعبة، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه؛ أي: مرتدًا عن دينه.\n﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: هذه الفعلة وهو: صرف التوجُّه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي: وإن كان هذا لأمرًا عظيمًا في النفوس إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسول، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فله أن يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة، والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكًا كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. ولهذا كان من ثبت على تصديق الرسول ﷺ واتباعه في ذلك وتوجّه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب من سادات الصحابة.\nوقد ذهب بعضهم إلى أن [السابقين] (^٢) الأولين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا القبلتين.\nوقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء، إذ جاء جاءٍ فقال: قد أنزل على النبي ﷺ قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها فتوجّهوا إلى الكعبة (^٣).\nوقد رواه مسلم من وجه آخر عن ابن عمر (^٤)، ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري، وعنده أنهم كانوا ركوعًا فاستداروا كما هم إلى الكعبة وهم ركوع (^٥)، وكذا روى مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس مثله (^٦).\n_________\n= كلهم من طريق نافع بن عمر به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٢٠) وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة ٣/ ٣٠١، وحسّنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٠٠).\n(^١) ما بين قوسين بياض في الأصل و(حم)، وسقط من نسخة (مح) و(عف)، وأثبت في نسخة (عش) و(ح) وهو الصواب كما في التخريج المذكور في الحاشية السابقة.\n(^٢) في الأصل: \"للسابقين\".\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا …﴾ [البقرة: ١٤٣] (ح ٤٤٨٨).\n(^٤) صحيح مسلم، المساجد، باب تحويل القبلة (ح ٥٢٦).\n(^٥) السنن، أبواب الصلاة، باب ما جاء في ابتداء القبلة (ح ٣٤١) وصححه الترمذي.\n(^٦) صحيح مسلم، المساجد، باب تحويل القبلة (ح ٥٢٧).","vol":"2","page":10},{"text":"وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ولرسوله وانقيادهم لأوامر الله ﷿ ﵃ أجمعين.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك ما كان يضيع (^١) ثوبها عند الله.\nوفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن البراء قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٢).\n[ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه] (^٣).\nوقال [ابن إسحاق] (^٤): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: بالقبلة الأولى وتصديقكم نبيّكم واتباعه إلى القبلة الأخرى؛ أي: ليعطيكم أجرهما جميعًا ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٥).\nوقال الحسن البصري: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: ما كان الله ليضيع محمدًا ﷺ وانصرافكم معه حيث انصرف ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٦).\nوفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرّق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيًا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها، فلما وجدته ضمّته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ: \"أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه؟ \" قالوا: لا يا رسول الله. قال: \"فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها\" (^٧).\n\n<span id=\"aya-151\"></span>﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان يحب قِبلة إبراهيم، فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. وقال الله تعالى:\n_________\n(^١) في (عش) و(ح) وفي الأصل: \"لا يضيع\".\n(^٢) تقدم تخريجه في مطلع تفسير الآية (١٤٢).\n(^٣) السنن، التفسير، سورة البقرة (ح ٢٩٦٤) وصححه. وما بين معقوفين سقط من الأصل.\n(^٤) في الأصل بياض.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، ويشهد له ما سبق.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عن الحسن، ويشهد له ما سبق.\n(^٧) أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير، باب رحمة الولد (ح ٥٩٩٩).","vol":"2","page":11},{"text":"﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (^١) [البقرة: ١٤٣].\nوروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري، عن عمه عبيد الله بن عمر، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى الكعبة إلى الميزاب يؤم به جبرائيل ﵇ (^٢).\nوروى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن (^٣) يحيى بن قمطة قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسًا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب، فتلا هذه الآية: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: نحو ميزاب الكعبة.\nثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة، عن هشيم، عن يعلى بن عطاء به (^٤).\nوهكذا قال غيره. وهو أحد قولي الشافعي ﵀: أن الغرض إصابة عين الكعبة.\nوالقول الآخر: وعليه الأكثرون أن المراد المواجهة (^٥) كما رواه الحاكم من حديث أبي إسحاق، عن عمير بن زياد الكندي، عن علي بن أبي طالب ﵁ (^٦): ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: شطره: قِبَله.\nثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٧).\nوهذا قول أبي العالية (^٨) ومجاهد (^٩) وعكرمة (^١٠) وسعيد بن جبير (^١١) وقتادة (^١٢) والربيع بن أنس (^١٣) وغيرهم، وكما تقدم في الحديث الآخر: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\" (^١٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما والنحاس (الناسخ والمنسوخ ١/ ٥٨ - ٥٩)، والبيهقي (السنن الكبرى ٢/ ١٢ - ١٣) وسنده ثابت.\n(^٢) في سنده داود بن الحصين ثقة، لكن روايته عن عكرمة فيها مقال (انظر: التقريب ص ١٩٨) وله شواهد إلا قوله: يؤم به جبرائيل ﵇.\n(^٣) في الأصل: \"عطاء بن يحيى بن قطمة\" وهو تصحيف والتصويب من (عش) و(ح) ورواية الحاكم. المستدرك وصححه ووافقه الذهبي ٢/ ٢٦٩ وفي سنده يحيى بن قمطة، وسكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ٨/ ٢٩٩، وابن أبي حاتم (الجرح ٨/ ١٨١)، وذكره ابن حبان في الثقات ٥/ ٥٢٩).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره برقم (٥٦).\n(^٥) في (عش): \"الوجهة\".\n(^٦) كذا في (ح) وفي الأصل و(عش) عن علي ﵁.\n(^٧) المستدرك وصححه ووافقه الذهبي ٢/ ٢٦٩.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره برقم (٦٠) من طريق داود بن أبي هند عنه.\n(^٩) أخرجه الطبري في تفسيره بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^١٠) و(^١١) ذكرهما ابن أبي حاتم في تفسيره برقم (٦٤، ٦٥).\n(^١٢) أخرجه الطبري بسند حسن في تفسيره من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^١٣) أخرجه الطبري بسند حسن في تفسيره من طريق أبي جعفر الرازي عنه.\n(^١٤) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه (السنن، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة ح ٣٤٣، ٣٤٤) وصححه أحمد شاكر في تحقيقه للسنن، والألباني في صحيح السنن (ح ٢٨٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢٠٥).","vol":"2","page":12},{"text":"[وقال القرطبي (^١): روى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"البيت قِبلة لأهل المسجد، والمسجد قِبلة لأهل الحرم، والحرم قِبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أُمتي\"] (^٢).\nوقال أبو نعيم الفضل بن دكين: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء أن النبي ﷺ صلّى قِبل بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه قبلته قِبل البيت، وأنه صلّى صلاة العصر وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان يصلّي معه فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صلّيت مع رسول الله ﷺ قِبل مكة. فداروا كما هم قِبل البيت (^٣).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يُحوَّل نحو الكعبة، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فصرف إلى الكعبة (^٤).\nوروى النسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله ﷺ فنصلي فيه، فمررنا يومًا ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست. فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ فنكون أول من صلّى، فتوارينا فصليناهما، ثم نزل النبي ﷺ وصلّى للناس الظهر يومئذ (^٥).\nوكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر: أن أول (^٦) صلاة صلّاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلاة الظهر، وأنها الصلاة الوسطى (^٧).\nوالمشهور أن أول صلاة صلّاها إلى الكعبة صلاة العصر، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسين بن إسحاق التُستَري، حدثنا رجاء بن محمد السقطي، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إبراهيم بن جعفر،\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٥٩.\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من (عش). وهذا الحديث أخرجه القاسم بن سلام (الناسخ والمنسوخ ح ٢١ ص ١٤٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره، والحاكم (المستدرك ٢/ ٢٦٧) كلهم من طريق ابن جريج به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٣) أخرجه البخاري عن أبي نعيم به (الصحيح، التفسير، باب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] ح ٤٤٨٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق الحسن بن عطية عن إسرائيل به.\n(^٥) أخرجه النسائي من طريق مروان بن عثمان أن عبيد بن حنين أخبره عن أبي سعيد المعلى (السنن الكبرى ح ١٠٩٣٧) وفي سنده مروان ضعيف (التقريب ص ٥٢٦).\n(^٦) في (عش): \"أول\" وهو تصحيف.\n(^٧) هذه الرواية مخالفة لما في الصحيح: إن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر كما سيأتي عند قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى …﴾ [البقرة: ٢٣٨].","vol":"2","page":13},{"text":"حدثني أبي، عن جدّته أُم أبيه نويلة بنت مسلم (^١) قالت: صلينا الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلّينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحوّل النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلّينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدّثني رجل من بني حارثة أن النبي ﷺ قال: \"أولئك رجال يؤمنون بالغيب\" (^٢).\nوقال ابن مردويه أيضًا: حدثنا محمد بن علي بن دُحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا قيس، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن أوس قال: بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس ونحن ركوع إذ أتى منادٍ بالباب: أن القبلة قد حوّلت إلى الكعبة. قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحوّل هو والرجال والصبيان وهم ركوع نحو الكعبة (^٣).\nوقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلّي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئًا في نفس الأمر، لأن الله تعالى لا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها.\n[مسألة: وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده، كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة قال المالكية لقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وهو ينافي كمال القيام. وقال بعضهم: ينظر المصلي في قيامه إلى صدره.\nوقال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة، لأنه أبلغ في الخضوع وآكد في الخشوع، وقد ورد به الحديث. وأما في حال ركوعه فإلى موضع قدميه، في حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حجره] (^٤).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة، وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله ﷺ وأمته وما خصّه الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا، ولهذا يهددهم الله تعالى (^٥) بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.\n_________\n(^١) نويلة بنت مسلم: قال الحافظ ابن حجر: نويلة بنت أسلم أو مسلم الأنصارية الحارثية (الإصابة ٤/ ٤٢٠).\n(^٢) في سنده إسحاق بن إدريس الأسواري البصري، متهم بالكذب (ميزان الاعتدال ١/ ١٨٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق قيس به (المصنف ١/ ٣٣٥) وسنده صحيح.\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).\n(^٥) في (عش) و(ح): \"تهددهم تعالى\".","vol":"2","page":14},{"text":"<span id=\"aya-152\"></span>﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾.\nيخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول الله ﷺ (^١) وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]. ولهذا قال هاهنا: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ إخبار عن شدة متابعة الرسول ﷺ لما أمره الله تعالى به، وأنه كما هم مستمسكون بآرائهم [وأهوائهم] (^٢) فهو أيضًا متمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله وما كان (^٣) متوجّهًا [إلى بيت المقدس لكونها] (^٤) قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى، ثم حذّر تعالى عن مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى، فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره، ولهذا قال مخاطبًا للرسول والمراد الأمة: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-153\"></span>\n\n<span id=\"aya-154\"></span>﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾.\nيخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول ﷺ كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال لرجل معه صغير: \"ابنك هذا؟ \" قال: نعم يا رسول الله أشهد به. قال: \"أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه\" (^٥).\n[قال القرطبي: ويُروى (^٦) عن عمر أنه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدًا كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أمه. قلت: وقد يكون المراد ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ من بين أبناء الناس. لا يشك أحد ولا يمتري في معرفة ابنه إذا رآه من بين أبناء الناس كلهم] (^٧)، ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإيقان العلمي ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي ﷺ ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) في الأصل بعض الكلمات غير واضحة.\n(^٢) في الأصل: \"وأعوانهم\"، وما أثبت من (عش) و(ح) أفصح.\n(^٣) كذا في الأصل وفي (عش) و(ح): \"ولا كان\".\n(^٤) كذا في (عش) و(ح) وفي الأصل: \"لبيت المقدس لأنها\".\n(^٥) أي لا يطالب الأب بجناية ابنه، ولا يطالب الابن بجناية أبيه (انظر: النهاية ١/ ٣٠٩). وأخرجه الإمام أحمد من حديث أبي رمثة في المسند (١١/ ٦٧٦ ح ٧١٠٦) وصححه محققوه، وأخرجه أبو داود، السنن، الديات، باب لا يؤخذ أحد بجريرة أخيه أو أبيه (ح ٤٤٩٥)، وصححه الألباني في صحيح (السنن ح ٣٧٧٣).\n(^٦) في تفسير القرطبي: \"رُوي\" (الجامع ٢/ ١٦٣)؛ أي بصيغة التمريض.\n(^٧) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).","vol":"2","page":15},{"text":"ثم ثبّت تعالى نبيه ﷺ والمؤمنين، وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾.\n\n<span id=\"aya-155\"></span>﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يعني بذلك: أهل الأديان، يقول: لكل قبيلة قِبلة يرضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون (^١)، وقال أبو العالية: لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها الأمة القبلة التي هي القبلة (^٢). وروي عن مجاهد (^٣) وعطاء (^٤) والضحاك (^٥) والربيع بن أنس (^٦) والسدي نحو هذا (^٧).\nوقال مجاهد في الرواية الأخرى (^٨) والحسن (^٩): أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة.\nوقرأ ابن عباس وأبو جعفر الباقر وابن عامر: (ولكل وجهة هو مولاها) (^١٠)، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ] (^١١) فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وقال هاهنا: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: هو قادر على جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم.\n\n<span id=\"aya-156\"></span>\n\n<span id=\"aya-157\"></span>﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾.\nهذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض.\n[وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات: فقيل: تأكيد، لأنه أول ناسخ وقع في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند مسلسل بالضعفاء.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند جيد.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره بسند فيه الحسين وهو سنيد.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره.\n(^٦) أخرجه الطبري في تفسيره بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري في تفسيره بسند حسن من طريق أسباط عنه بلفظ: \"لكل قول قبلة قد ولّوها\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند ضعيف من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد بلفظ: \"أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة\".\n(^٩) في الأصل: \"ولكن\" والتصويب من (عش) و(ح) و(عف) ومن رواية ابن أبي حاتم في تفسيره فقد صرح بقول الحسن.\n(^١٠) وهذه القراءة متواترة سبعية.\n(^١١) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(عش) و(ح).","vol":"2","page":16},{"text":"الإسلام على ما نصَّ عليه ابن عباس وغيره (^١).\nوقيل: بل هو مُنزل على أحوال، فالأمر الأول: لمن هو مشاهد الكعبة. والثاني: لمن هو في مكة غائبًا عنها. والثالث: لمن هو في بقية البلدان. هكذا وجهه فخر الدين الرازي (^٢).\nوقال القرطبي: الأول: لمن هو بمكة، والثاني: لمن هو في بقية الأمصار، والثالث: لمن خرج في الأسفار، ورجح هذا الجواب القرطبي (^٣).\nوقيل: إنما ذكر ذلك لتعلُّقه بما قبله أو بعده من السياق فقال أولًا: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته، وأمره بالقبلة التي كان يَود التوجه إليها ويرضاها.\nوقال في الأمر الثاني: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ فذكر أنه الحق من الله وارتقاءه المقام الأول حيث كان موافقًا لرضا الرسول ﷺ فبيّن أنه الحق أيضًا من الله يحبه ويرتضيه وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما في كتبهم أنه سيصرف إلى قبلة إبراهيم ﵇ إلى الكعبة، وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول ﷺ عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة، وأعجبهم استقبال الرسول إليها.\nوقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار، وقد بسطها الرازي وغيره، والله ﷾ أعلم] (^٤).\nوقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي: أهل الكتاب فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين، ولئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه إلى بيت المقدس وهذا أظهر.\nقال أبو العالية: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يعني به: أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. وكان حجتهم على النبي ﷺ[انصرافه] (^٥) إلى البيت الحرام أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا (^٦).\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك والربيع بن أنس وقتادة والسدي نحو هذا (^٧)، وقال هؤلاء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني: مشركي قريش (^٨).\n_________\n(^١) قول ابن عباس ثبت عنه كما تقدم في مطلع تفسير الآية (١٤٤).\n(^٢) التفسير الكبير المجلد الثاني.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٦٨.\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).\n(^٥) في الأصل: \"الصرافة\" وما أثبت من (عش) و(ح) وهو أفصح.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.\n(^٧) ذكره تفسير ابن أبي حاتم، وقول مجاهد وقتادة، أخرجهما الطبري بأسانيد ثابتة في تفسيره.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده الجيد عن أبي العالية، وبنحوه أخرجه الطبري في تفسيره بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"2","page":17},{"text":"ووجه بعضهم حجة الظلمة وهي داحضة أن قالوا: إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم، فإن كان توجُّهه إلى البيت المقدس على ملة إبراهيم فلم رجع عنه؟\nوالجواب: أن الله تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أولًا، لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم وهي: الكعبة، فامتثل أمر الله في ذلك أيضًا، فهو صلوات الله وسلامه عليه مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله طرفة عين، وأُمته تبع له.\nوقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ أي: لا تخشوا شبه الظلمة المتعنتين، وأفرِدوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ عطف على ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ لأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى ما ضلّت عنه الأُمم هديناكم إليه وخصصناكم به، ولهذا كانت هذه الأُمة أشرف الأُمم وأفضلها.\n\n<span id=\"aya-158\"></span>﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾.\nيذكّر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثه الرسول محمد ﷺ إليهم يتلو عليهم آيات الله مبينات ويزكيهم؛ أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب وهو: القرآن والحكمة، وهي: السنّة، ويعلّمهم ما لم يكونوا يعلمون، فكانوا في الجاهلية (^١) الجهلاء يسفهون بالقول الفِرى (^٢)، فانتقلوا ببركة رسالته ويمن سفارته إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرّهم قلوبهم، [وأقلّهم تكلُّفًا، وأصدقهم لهجة] (^٣). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ الآية [آل عمران]، وذمّ من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾ [إبراهيم: ٢٨].\nقال ابن عباس: يعني: بنعمة الله محمدًا (^٤) ﷺ، ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾.\nقال مجاهد في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ يقول: كما فعلت فاذكروني (^٥).\nقال عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم أن موسى ﵇ قال: \"يا ربِّ\n_________\n(^١) في الجاهلية: بياض في (عش).\n(^٢) الفرى: جمع فرية وهي الكذبة (النهاية ٣/ ٤٤٣).\n(^٣) في الأصل: \"وأقلها تكلفًا، وأصدقها\" والتصويب من (عش) و(ح).\n(^٤) في الأصل: \"يعني: محمدًا ﷺ\" والمثبت من (عش) و(ح).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"2","page":18},{"text":"كيف أشكرك؟ قال له ربه: تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني\" (^١).\nقال الحسن البصري (^٢) وأبو العالية (^٣) والسدي (^٤) والربيع بن أنس (^٥): إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذّب من كفره (^٦).\nوقال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، قال: هو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.\n\n<span id=\"aya-159\"></span>وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا عمارة الصيدلاني، أخبرنا مكحول الأزدي، قال: قلت لابن عمر: أرأيت قاتل النفس وشارب الخمر والسارق والزاني يذكر الله وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾؟ قال: إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته حتى يسكت (^٧).\nوقال الحسن البصري في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: اذكروني فيما افترضت عليكم أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي (^٨).\nوعن سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وفي رواية: برحمتي (^٩).\nوعن ابن عباس في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه (^١٠).\nوفي الحديث الصحيح: يقول الله تعالى: \"من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه\" (^١١).\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال رسول الله ﷺ: \"قال الله ﷿: يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة - أو قال: في ملأ خير منهم -، وإن دنوتَ مني شبرًا دنوتُ منك ذراعًا، وإن دنوتَ مني ذراعًا دنوتُ منك باعًا، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول\" (^١٢).\nصحيح الإسناد أخرجه البخاري من حديث قتادة، وعنده قال قتادة: الله أقرب\n_________\n(^١) سنده حسن، وهو من أخبار بني إسرائيل.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الجيد من طريق الربيع بن أنس عنه.\n(^٤) و(^٥) ذكرهما ابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وسنده حسن.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق جسر اليمامي عن الحسن.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه باللفظين.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.\n(^١١) متفق عليه. أخرجه البخاري، الصحيح، التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] (ح ٧٤٠٥)، وصحيح مسلم، الذكر، باب الحث على ذكر الله تعالى (ح ٢٦٧٥).\n(^١٢) المسند ٣/ ١٣٨، وأخرجه البخاري من طريق قتادة به (الصحيح، التوحيد، باب ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه ح ٧٥٣٦).","vol":"2","page":19},{"text":"بالرحمة (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أمر الله تعالى بشكره، ووعد على شكره بمزيد الخير فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا رَوح، حدثنا شعبة، عن الفضيل بن فضالة رجل من قيس، حدثنا أبو رجاء العطاردي، قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خزّ (^٢) لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده فقال: إن رسول الله ﷺ قال: \"من أنعم الله عليه نعمة، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه\". وقال رَوح مرة: \"على عبده\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-160\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ (^٤).\nلما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر شرع في بيان الصبر والإرشاد إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها أو في نقمة فيصبر عليها، كما جاء في الحديث: \"عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاءً إلا كان خيرًا له، إن أصابته سرّاء فشكر كان خيرًا له، وإن إصابته ضرّاء فصبر كان خيرًا له\" (^٥).\nوبيَّن تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمُّل المصائب: الصبر والصلاة، كما تقدم في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]. وفي الحديث: كان رسول الله ﷺ إذا حزَبهُ أمر صلّى (^٦).\nوالصبر: صبران: فصبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات. والثاني أكثر ثوابًا، لأنه المقصود كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: [الصبر] (^٧) في بابين: الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله (^٨).\nوقال علي بن الحسين زين العابدين: إذا جمع الله الأوّلين والآخرين ينادي منادٍ: أين\n_________\n(^١) قول قتادة لم أجده في رواية البخاري، وإنما ورد في المسند بلفظ: \"فالله ﷿ أسرع بالمغفرة\" (المسند ٣/ ١٣٨).\n(^٢) الخزّ: ثياب ينسج باطنها من صوف وظاهرها من حرير (انظر: النهاية ٢/ ٢٨، وفتح الباري ١٠/ ٢٩٥).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣٣/ ١٥٩ (ح ١٩٩٣٤) وصححه محققوه.\n(^٤) بجوار الآية وفوقها حواشي منقولة من تفسير ابن كمال والأصفهاني.\n(^٥) أخرجه مسلم، الصحيح، كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير (ح ٢٩٩٩).\n(^٦) أخرجه أبو داود من حديث حذيفة (السنن، الصلاة، باب وقت قيام النبي ﷺ من الليل ح ١٣١٩، وحسّنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح ١١٧١).\n(^٧) سقطت من الأصل وأثبتت من (عش) و(ح).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وسنده صحيح ولا يضر ضعف عبد الرحمن لأنه من تفسيره وليس من روايته.","vol":"2","page":20},{"text":"الصابرون ليدخلوا الجنة قبل الحساب؟ قال: فيقوم عنق من الناس فتتلقاهم الملائكة؟ فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون: قبل الحساب؟ قالوا: نعم. قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: الصابرون. قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا على معصية الله حتى توفانا الله. قالوا: أنتم كما قلتم، ادخلوا الجنة فنِعْم أجر العاملين (^١).\nقلت: ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].\nوقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد، لا يرى منه إلا الصبر (^٢).\n\n<span id=\"aya-161\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما جاء في صحيح مسلم: أن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ ثم عاد إليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى، لما يرون من ثواب الشهادة. فيقول الرب ﷻ: \"إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون\" (^٣).\nوفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه\" (^٤).\nففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن تشريفًا لهم وتكريمًا وتعظيمًا.\n\n<span id=\"aya-162\"></span>﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.\nأخبر تعالى أنه يبتلي عباده، أي: يختبرهم ويمتحنهم كما قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١]. فتارة بالسرّاء وتارة بالضرّاء من خوف وجوع كما قال تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه، ولهذا قال: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ (^٥)، وقال هاهنا: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أي: بقليل\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين، وأبو حمزة هو ثابت بن أبي صفية الكوفي، ضعيف رافضي (تهذيب التهذيب ٢/ ٧) فسنده ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود (الصحيح، الإمارة، بيان أن أرواح الشهداء في الجنة ح ١٨٨٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد عن الشافعي به (٢٥/ ٥٧ ح ١٥٧٧٨) وصححه محققوه.\n(^٥) في الأصل: \"الجوع والخوف والجوع\".","vol":"2","page":21},{"text":"من ذلك ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ أي: ذهاب بعضها ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ كموت الأصحاب والأقارب والأحباب، ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: لا تغلّ الحدائق والمزارع كعادتها، كما قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة (^١).\nوكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه، ومن قنط أحلَّ به عقابه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. وقد حكى بعض المفسرين: أن المراد من الخوف هاهنا: خوف الله، وبالجوع: صيام رمضان.\nوبنقص الأموال: الزكاة، والأنفس: الأمراض، والثمرات: الأولاد. وفي هذا نظر، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-163\"></span>\n\n<span id=\"aya-164\"></span>ثم بيَّن تعالى من الصابرين الذين شكرهم فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ أي: تسلَّوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم مُلك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي: ثناء من الله عليهم ورحمة.\nقال سعيد بن جبير: أي: أمنة من العذاب (^٢).\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نِعم العدلان ونعمت العلاوة. ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فهذان العدلان، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة، وهي: ما توضع بين العدلين، وهي: زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا.\nوقد ورد في ثواب الاسترجاع وهو قول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ عند المصائب أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، يعني: ابن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أُم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولًا سررت به. قال: \"لا يصيب أحدًا من المسلمين مصيبة، فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللَّهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا فعل ذلك به\". قالت أُم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة، استرجعت وقلت: اللَّهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منه، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي استأذن عليّ رسول الله ﷺ وأنا أدبغ إهابًا (^٣) لي، فغسلت يدي من القرظ (^٤)، وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بي أن لا يكون\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن رجاء بن حيوة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.\n(^٣) الإهاب: هو الجلد قبل الدبغ (انظر: النهاية ١/ ٨٣).\n(^٤) القرظ: ما يصبغ به.","vol":"2","page":22},{"text":"بك الرغبة ولكنني امرأة في غيّرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله ﷿ عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي. قالت: فقد سلَّمت لرسول الله ﷺ. فتزوجها رسول الله ﷺ فقالت أُم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه رسول الله ﷺ.\nوفي صحيح مسلم عنها أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللَّهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها\". قالت: فلما توفي أبو سَلمة قلت: كما أمرني رسول الله ﷺ، فأخلف الله لي خيرًا منه رسول الله ﷺ (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد وعباد بن عباد قالا: حدثنا هشام بن أبي هشام، حدثنا عباد بن زياد، عن أُمه، عن فاطمة ابنة الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي ﷺ قال: \"ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها - وقال عباد: قدم عهدها - فيحدث لذلك استرجاعًا إلا جدّد الله له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب\" (^٢). ورواه ابن ماجه في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن زياد، عن أُمه، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها (^٣). وقد رواه إسماعيل بن علية ويزيد بن هارون، عن هشام بن زياد، عن أبيه، كذا عن فاطمة، عن أبيها وقال الإمام أحمد: أنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، أنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان قال: دفنت ابنًا لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة - يعني: الخولاني -، فأخرجني وقال لي: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزَب (^٤)، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله: يا ملك الموت قبضت ولد عبدي قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده، قال: [نعم، قال:] (^٥) فما قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتًا في الجنة وسموه: بيت الحمد\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد عن يونس به (المسند ٤/ ٢٧، ٢٨) ورجاله ثقات إلا المطلب وهو ابن عبد الله بن المطلب المخزومي: صدوق كثير التدليس والإرسال (التقريب ٢/ ٢٥٤) وقد عنعن ولم يصرح بالسماع، وقد تابعه عمرو بن أبي سلمة عن أم سلمة في رواية ابن ماجه (السنن، الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة ح ١٥٩٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٢٩٩).\n(^٢) سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(ح) ورواية الصحيح.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد عن يزيد وعباد به (المسند ح ١٧٣٤) وفيه هشام بن أبي هشام متروك (التقريب ص ٥٧٢)، وأخرجه ابن ماجه من طريق هشام بن زياد وهو هشام بن أبي هشام نفسه عن أمه به (السنن، الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة ح ١٦٠٠) وإسناده ضعيف جدًّا.\n(^٤) في الأصل: \"الضحاك عن عبد الرحمن عن عزرب\"، والتصويب من (عش) و(ح) والمسند كما في التخريج.\n(^٥) سقط من الأصل و(عش) و(ح) واستدرك من المسند كما في التخريج.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد عن يحيى بن إسحاق به (المسند ٣٢/ ٥٠٠ ح ١٩٧٢٥) وفي سنده أبو سنان وهو عيسى بن سنان القسملي، لين الحديث (التقريب ص ٤٣٨).","vol":"2","page":23},{"text":"ثم رواه عن علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك … فذكره (^١).\nوهكذا رواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك به. وقال: حسن غريب، واسم أبي سنان: عيسى بن سنان (^٢).\n\n<span id=\"aya-165\"></span>﴿* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، أنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قال: قلت: أرأيتَ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؟ قلت: فوالله ما على أحد جناح أن لا يتطوف بهما. فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أوّلتها عليه كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المُشَلَّل (^٣)، وكان من أهلّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا كنّا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قالت عائشة: ثم قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما. أخرجاه في الصحيحين (^٤).\nوفي رواية عن الزهري أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال [لي: وإن هذا] (^٥) العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يقولون: إن الناس إلا من ذكرت عائشة كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء (^٦). ورواه البخاري من حديث مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحو ما تقدم (^٧).\nقال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عاصم بن سليمان، قال: سألت أنسًا عن الصفا والمروة قال: كنا نرى ذلك من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد عن علي بن إسحاق به (المسند ح ١٩٧٢٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي عن سويد به (السنن، الجنائز، باب فضل المصيبة إذا احتسب ح ١٠٢١).\n(^٣) المشلل: بضم الميم وفتح الشين وتشديد اللام الأولى وفتحها موضع بين مكة والمدينة.\n(^٤) أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨] (ح ٤٤٩٥)، وأخرجه مسلم، الصحيح، الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن (ح ١٢٧٧).\n(^٥) في الأصل: \"لي وهذا\" والتصويب من (عش) و(ح).\n(^٦) قول الزهري يرويه أبي بكر بن عبد الرحمن أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (السنن، التفسير، ح ٢٩٦٥).\n(^٧) أخرجه البخاري، الصحيح، العمرة، باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج (ح ١٧٩٠).","vol":"2","page":24},{"text":"فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (^١) [وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال: كانت الشياطين تتفرق (^٢) بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية.\nوقال الشعبي: كان أساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما فنزلت هذه الآية] (^٣).\nقلت: ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة: أن أسافًا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا ثم حولا إلى الصفا والمروة فنصبا هنالك فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:\nوحيث ينيخ الأشعرون ركابهم … لمفضي السيول من إساف ونائل\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل وفيه: أن رسول الله ﷺ لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن، فاستلمه ثم خرج من باب الصفا وهو يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: \"أبدأ بما بدأ الله به\" (^٤). وفي رواية النسائي: \"ابدؤوا بما بدأ الله به\".\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا عبد الله بن المؤمل، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجْرَاة قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي (^٥).\nثم رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن عبيدة، عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: \"كتب عليكم السعي فاسعوا\" (^٦).\nوقد استدلّ بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج كما هو مذهب الشافعي ومن وافقه [ورواية عن أحمد وهو المشهور عن مالك] (^٧) وقيل: إنه واجب وليس بركن [فإن تركه عمدًا أو سهوًا جبره بدم، وهو رواية عن أحمد، وبه يقول طائفة] (^٨)، وقيل: بل مستحب [وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين ورُوي عن أنس وابن عمر وابن عباس، وحكى عن مالك في العتيبة.\nقال القرطبي: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾] (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري عن محمد بن يوسف به (الصحيح، التفسير، ح ٤٤٩٦).\n(^٢) كذا في (عش) و(ح) وفي تفسير القرطبي: تعزف ٢/ ١٧٩.\n(^٣) ما بين المعقوفين زيادة من (عش) و(ح) وتفسير القرطبي ٢/ ١٧٩.\n(^٤) أخرجه مسلم (الصحيح، الحج، باب حجة النبي ﷺ ح ١٢١٨).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤٥/ ٣٦٣ ح ٢٧٣٦٧ وفي سنده عبد الله بن المؤمل: ضعيف.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤٥/ ٤٥٥ ح ٢٧٤٦٣ وفي سنده موسى بن عبيدة الربذي: ضعيف.\n(^٧) (^٨) (^٩) ما بين معقوفين سقط من الأصل وأثبت من (عش) و(ح).","vol":"2","page":25},{"text":"والقول الأول: أرجح لأنه ﵇ طاف بينهما وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\"، فكل ما فعله في حجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج إلّا ما خرج بدليل، والله أعلم.\n[وقد تقدم قوله ﵇: \"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي\"] (^١)، فقد بيّن الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله؛ أي: مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس: أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف هاجر، وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفذ ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم ﵇ هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت الضيعة على ولدها هنالك ونفذ ما عندهما قامت تطلب الغوث من الله ﵇، فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة، متذلّلة، خائفة، وجِلة، مضطرة، فقيرة إلى الله ﵇ حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طعم، وشفاء سقم، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذلّه وحاجته إلى الله، في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه. وأن يلتجئ إلى الله ﵇ ليزيح ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي، إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة كما فعل بهاجر ﵍.\n[وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب، ثامنة وتاسعة ونحو ذلك، وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع، وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات، حكى ذلك الرازي، وعزى الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: يُثيب على القليل بالكثير، عليم بقدر الجزاء فلا يبخس أحدًا ثوابه، و﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]] (^٢).\n\n<span id=\"aya-166\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾.\nهذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البيّنة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب من بعد ما بيّنه الله تعالى لعباده من كتبه التي أنزلها على رسله. قال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد ﷺ، ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.\nوقد ورد في الحديث المسند من طرق يشدُّ بعضها بعضًا عن أبي هريرة وغيره، أن\n_________\n(^١) سقط من الأصل وأثبت من (عش) و(ح).\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من نسخة (عش) و(ح).","vol":"2","page":26},{"text":"رسول الله ﷺ قال: \"من سئل عن علم فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار\" (^١). والذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله، ما حدثت أحدًا شيئًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية (^٢).\n\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمار بن محمد، عن ليث بن أبي سُليم، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان أبي عمرو، عن البراء بن عازب، قال: كنّا مع النبي ﷺ في جنازة، فقال: \"إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه، يسمعها كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ يعني: دواب الأرض\" (^٣).\n[ورواه ابن ماجه عن محمد بن الصباح، عن عامر بن محمد به] (^٤).\nوقال عطاء بن أبي رباح: كل دابة والجن والإنس (^٥).\nوقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض، قال البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم (^٦).\nوقال أبو العالية (^٧) والربيع بن أنس (^٨) وقتادة (^٩): ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ يعني: تلعنهم ملائكة الله والمؤمنون.\n[وقد جاء في الحديث: \"أن العالم يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحر\" (^١٠)، وجاء في هذه الآية: أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون واللاعنون أيضًا، وهم كل فصيح وأعجمي، إما بلسان المقال، أو الحال، أن لو كان له عقل ويوم القيامة، والله أعلم] (^١١).\n\n<span id=\"aya-167\"></span>ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أي: رجعوا عما كانوا فيه وأصلحوا أعمالهم وبيّنوا للناس ما كانوا يكتمونه ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٣/ ١٨ ح ٧٥٧١) وصححه محققوه.\n(^٢) أخرجه مسلم في الصحيح، فضائل الصحابة، باب فضائل أبي هريرة (ح ٢٤٩٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وفي سنده ليث بن أبي سليم صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فترك (التقريب ص ٤٦٤).\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^١٠) حديث ثابت أخرجه ابن حبان (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١/ ٢٨٩)، وأخرجه أبو داود (السنن، كتاب العلم ح ٣٦٤١)، وحسّنه السيوطي (فيض القدير ٦/ ١٥٤ وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٥/ ٣٠٢).\n(^١١) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).","vol":"2","page":27},{"text":"التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر، أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه، وقد ورد أن الأمم السالفة لم تكن التوبة تقبل من مثل هؤلاء منهم، ولكن هذا من شريعة نبي التوبة ونبي الرحمة - صلوات الله وسلامه عليه.\n\n<span id=\"aya-168\"></span>ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأنّ ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾\n\n<span id=\"aya-169\"></span>﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللّعنة البالغة (^١) لهم إلى يوم القيامة ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ فيها؛ أي: [لا] (^٢) ينقص عما هم فيه ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة ولا يغير بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك.\nوقال أبو العالية وقتادة: إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون (^٣).\n\n[فصل: لا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الأئمة، يلعنون الكفرة في القنوت وغيره (^٤)، فأما الكافر المعين، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن لأنّا لا ندري بما يختم الله له، واستدل بعضهم بالآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين، واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي، ولكنه احتج بحديث فيه ضعف (^٥)، واستدل غيره بقوله ﵇ في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله\" (^٦)، فدلّ على أن من لا يُحب الله ورسوله يُلعن، والله أعلم] (^٧).\n\n<span id=\"aya-170\"></span>﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾.\nيخبر تعالى عن تفرُّده بالإلهية، وأنه لا شريك له ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله إلا هو، وأنه الرحمن الرحيم، وقد تقدم تفسير هذين الاسمين في أول [الفاتحة] (^٨). وفي الحديث عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وفي نسخة (عش) بلفظ: \"التابعة\"، وفي نسخة (ح): \"الباقية\" وكلها متقاربة.\n(^٢) \"لا\" سقطت من الأصل.\n(^٣) ينظر تخريح الآثار السابقة عن أبي العالية وقتادة.\n(^٤) هذا الحديث رواه البراء مرفوعًا: \"اللَّهم إن عمرو بن العاص هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه والعنه\". ذكره الذهبي وقال: منكر (ميزان الاعتدال ٣/ ٣١٨).\n(^٥) احتج ابن العربي بحديث صحيح آخر في صحيح مسلم عن عائشة ﵂: دخل على النبي ﷺ رجلان فكلّماه بشيء فأغضباه فلعنهما، وإنما كان ذلك لعلمه بمآلهما. وهو في صحيح مسلم، البر والصلة، باب من لعنه النبي ﷺ .. (ح ٢٦٠٠). وانظر: أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٠.\n(^٦) أخرجه البخاري من حديث عمر بن الخطاب ﵁، الصحيح، الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر (ح ٦٧٨٠).\n(^٧) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).\n(^٨) في الأصل: \"السورة\" وما أثبت من (عش) و(ح).","vol":"2","page":28},{"text":"رسول الله ﷺ، أنه قال: \"اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾، ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ [آل عمران: ١، ٢] \" (^١).\nثم ذكر الدليل على تفرُّده بالإلهية بتفرُّده بخلق السموات والأرض وما فيهما وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته، فقال:\n\n<span id=\"aya-171\"></span>﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تلك في [لطافتها] (^٢) وارتفاعها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع، واختلاف الليل والنهار. هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠]، وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتقارضان، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا، ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أي: في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب لمعايش (^٣) الناس والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [يس: ٣٣ - ٣٦].\n﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى عليه من ذلك شيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].\n﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أي: فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرّقه، وتارة تصرفه.\n[ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن وتارة صبًا، وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة، وتارة دبورًا وهي: غربية تنفذ من ناحية دبر الكعبة. وقد صنّف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبًا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول ههنا، والله أعلم] (^٤).\n_________\n(^١) حديث ثابت فصلت تخريجه وشواهده في التفسير الصحيح ١/ ٢٦٧ عند تفسير الآية نفسها.\n(^٢) سقط في الأصل واستدرك من نسخة (عش) و(ح).\n(^٣) كذا في (عش) و(ح) وفي الأصل: \"لمعاش\".\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).","vol":"2","page":29},{"text":"﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: سائر بين السماء والأرض، يسخر (^١) إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى.\n﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: في هذه الأشياء دلالات بيّنة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]. [وقال] (^٢) الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو سعيد الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش محمدًا ﷺ فقالوا: يا محمد، إنا نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك. قال: \"أوثقوا لي لئن دعوت ربي فجعل لكم الصفا ذهبًا لتؤمننَّ بي\"، فأوثقوا له، فدعا ربه، فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبًا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذّبهم عذابًا لم يعذّبه أحدًا من العالمين، قال محمد ﷺ: \"رب لا بل دعني وقومي فلأدعهم يومًا بيوم\"، فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الآية (^٣). ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن جعفر بن أبي المغيرة به، وزاد في آخره: وكيف يسألونك عن الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا (^٤)؟ وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن [ابن أبي نجيح] (^٥)، عن عطاء، قال: نزلت على النبيَّ ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٦).\nفبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.\nوقال وكيع: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضُحى، قال: لما نزلت: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى آخر الآية. قال المشركون: إن كان هكذا، فليأتنا بآية، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ (^٧).\nورواه آدم ابن أبي إياس، عن أبي جعفر هو الرازي، عن سعيد بن مسروق والد سفيان، عن أبي الضُحى به (^٨).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وفي (ح): \"مسخرًا\"، وفي (عش): \"مسخر\".\n(^٢) في الأصل: بياض، والمثبت من (عش) و(ح).\n(^٣) في سنده جعفر بن أبي المغيرة ليس بالقوي في روايته عن سعيد بن جبير (انظر: تهذيب التهذيب ٢/ ١٠٨).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره.\n(^٥) في الأصل: \"عن أبي نجيح\" والتصويب من (عش) و(ح) وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وسنده مرسل لأن عطاء تابعي.\n(^٧) أخرجه الطبري عن سفيان بن وكيع عن وكيع به، وهو مرسل، وسفيان بن وكيع ضعيف.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم عن عصام بن رواد عن آدم به، وسنده مرسل لأن أبا الضحى وهو مسلم بن صبيح تابعي.","vol":"2","page":30},{"text":"<span id=\"aya-172\"></span>﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾.\nيذكر تعالى حال المشركين (^١) به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة حيث جعلوا [له] (^٢) أندادًا؛ أي أمثالًا ونظراء، يعبدونهم معه ويحبونه كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له، ولا ندّ له، ولا شريك معه. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك\" (^٣).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ولحبهم لله وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم، له، لا يشركون به شيئًا بل يعبدونه وحده، ويتوكلون عليه، ويلجأون في جميع أمورهم إليه. ثم توعد تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك، فقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ قال بعضهم: تقدير الكلام، لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذٍ أن القوة لله جميعًا؛ أي أن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ [الفجر]، يقول: لو علموا ما [يعانونه] (^٤) هنالك، وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم لانتهوا عمَّا هم فيه من الضلال.\n\n<span id=\"aya-173\"></span>ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبري المتبوعين من التابعين، فقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار الدنيا، فيقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ويقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١]، والجن أيضًا تتبرأ منهم، ويتنصلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم: ٨١، ٨٢]، وقال الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ\n_________\n(^١) (خ) و(ح): المشرك.\n(^٢) سقط من الأصل وأثبت من (عش) و(ح).\n(^٣) أخرجه البخاري الصحيح، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] (ح ٤٤٧٧)، ومسلم في الصحيح، الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب (ح ١٤١، ١٤٢).\n(^٤) كذا في (عش)، وفي الأصل \"يفتنونه\" وفي (ح): \"ما يعاينوه\".","vol":"2","page":31},{"text":"اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ [سبأ]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم].\nوقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أي: عاينوا عذاب الله وتقطعت بهم الحيل وأسباب الخلاص، ولم يجدوا عن النار معدلًا ولا مصرفًا.\nقال عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المودة (^١).\nوكذا قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح (^٢).\n\n<span id=\"aya-174\"></span>وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أي: لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم بل نوحّد الله وحده بالعبادة، وهم كاذبون في هذا، بل لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه كما أخبر تعالى عنهم بذلك، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [أي: تذهب وتضمحل كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية [إبراهيم: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ الآية [النور: ٣٩]، ولهذا قال تعالى:] (^٣) ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.\n\n<span id=\"aya-175\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾.\nلما بيّن تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق لجميع خلقه، فذكر [في] (^٤) مقام: الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالًا من الله طيبًا؛ أي مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان وهي طرائقه ومسالكه فيما أضلّ اتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها، مما كان زيّنه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمَار الذي في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"يقول الله تعالى: إن كل [مال] (^٥) منحته عبادي فهو لهم حلال - وفيه: - وإني خلقتُ عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم\" (^٦).\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى بن شيبة\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري وسنده صحيح.\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).\n(^٤) زيادة من (عش) و(ح).\n(^٥) في الأصل: \"ما\" والتصويب من (عش) و(ح)، والتخريج التالي.\n(^٦) أخرجه مسلم في صحيحه، الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (ح ٢٨٦٥).","vol":"2","page":32},{"text":"المصري، حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الاحتياطي، حدثنا أبو عبد الله الجوزجاني رفيق إبراهيم بن أدهم، حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: تليت هذه الآية عند النبي ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاص فقال: \"يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: \"يا سعد أطب مطعمك، تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، [إن الرجل ليقذف] (^١) اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يومًا، وأيما عبد نبت لحمه من السُّحت والربا فالنار أولى به\" (^٢).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تنفير عنه وتحذير منه، كما قال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠].\n\nوقال قتادة (^٣) والسدي (^٤) في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال: كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان.\nوقال عكرمة: هي نزغات الشيطان.\nوقال مجاهد: خطاه أو قال: خطاياه (^٥).\nوقال أبو مجلز: هي النذور في المعاصي (^٦).\nوقال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه، فأفتاه مسروق بذبح كبش، وقال: هذا من خطوات الشيطان (^٧).\nوقال أبو الضُّحى، عن مسروق أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح، فجعل يأكل فاعتزل رجل من القوم فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم، فقال: لا أريده، فقال: أصائم أنت؟ قال: لا، قال: فما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعًا أبدًا، فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فاطعم وكفّر عن يمينك. رواه ابن أبي حاتم (^٨).\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، عن سليمان التيمي، عن أبي رافع، قال: غضبت [يومًا] (^٩) على امرأتي، فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان،\n_________\n(^١) سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(ح).\n(^٢) ضعفه المنذري في الترغيب ٢/ ٥٤٧، والألباني في السلسلة الضعيفة ٤/ ٢٩٢ (ح ٦٦٤٠).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق القاسم بن الوليد الهمداني عنه.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم وأخرج الطبري بسنده الحسن من طريق أسباط عن السدي قال: طاعته.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"خطيئته\"، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق آخر عن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"خطاياه\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سليمان التيمي عنه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن داود بن أبي هند عن الشعبي به.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم، وسنده حسن.\n(^٩) سقط من الأصل، واستدرك من (عش) وتفسير ابن أبي حاتم.","vol":"2","page":33},{"text":"وكذلك قالت زينب بنت أُم سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة، وأتيت عاصمًا وابن عمر فقالا مثل ذلك (^١).\nوقال عبد بن حميد (^٢): حدثنا أبو نعيم عن شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين (^٣).\n\n<span id=\"aya-176\"></span>وقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة؛ كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك، وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتاع أيضًا.\n[وقال سنيد بن داود في تفسيره: حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن عاصم الأحول، عن عكرمة في رجل قال لغلامه: إن لم أجلدكَ مائةَ سوطٍ فامرأته طالق، قال: لا يجلد غلامه، ولا تطلق امرأته، هذا من خطوات الشيطان] (^٤).\n\n<span id=\"aya-177\"></span>\n\n<span id=\"aya-178\"></span>﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ لهؤلاء الكفرة من المشركين: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل، قالوا في جواب ذلك: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾ أي: وجدنا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي: من عبادة الأصنام والأنداد، قال الله تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي: الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ أي: ليس لهم فهم ولا هداية.\nوروى ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنها نزلت في طائفة من اليهود دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، فأنزل الله هذه الآية (^٥).\nثم ضرب لهم تعالى مثلًا، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ [النحل: ٦٠] فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل، كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها: بل إذا نعق بها راعيها - أي: دعاها إلى ما يرشدها - لا تفقه ما يقول\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده حسن.\n(^٢) في الأصل: \"عبد\".\n(^٣) سنده حسن.\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (عف) وحاشية نسخة (عش): وهذه الرواية ذكرها ابن القيم (إغاثة اللهفان ٢/ ٨٩)، وفي الصواعق المرسلة ٢/ ٦١، وصحح سندها في إعلام الموقعين ٣/ ٦٠. وصرح الذهبي أنه من تفسير سنيد (ميزان الاعتدال ٥/ ١١٩).\nوبعد هذا النص يوجد نقص في نسخة (عش) مقدار تفسير (٢٠) آية من آية ١٧٠ - ١٩٠ من سورة البقرة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن.","vol":"2","page":34},{"text":"ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط. هكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس نحو هذا (^١). [وقيل: إنما هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئًا واختاره ابن جرير (^٢)، والأول أولى، لأن الأصنام لا تسمع شيئًا ولا تعقله ولا تبصره ولا بطش لها ولا حياة فيها] (^٣). وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أي: صم عن سماع الحق، بُكْمٌ لا يتفوّهون به، عميٌ عن رؤية طريقه ومسلكه ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون شيئًا ولا يفهمونه، [كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ [الأنعام: ٣٩] (^٤).\n\n<span id=\"aya-179\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبّل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا [الفضيل] (^٥) بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيها الناس إن الله طيب لا يقبل، إلا طيبًا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك؟ \" (^٦). ورواه مسلم في صحيحه (^٧) والترمذي من ذلك حديث فضيل بن مرزوق (^٨).\n\n<span id=\"aya-180\"></span>ولما امتنَّ الله تعالى عليهم برزقه وأرشدهم إلى الأكل من طيبه، ذكر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، وسواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو قد عدا عليها السبع، [وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] على ما سيأتي إن شاء الله، وحديث العنبر في\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عنه، وهو ضعيف الإسناد، ويشهد له أقوال التابعين، وقد ذكرها ابن أبي حاتم كلها.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٣١٣، ط. أحمد شاكر.\n(^٣) الزيادة من نسخة (ح) و(حم).\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) في الأصل: \"الفضل\"، وانظر: التقريب ص ٤٤٨.\n(^٦) المسند (ح ٨٣٣٠) سورة المؤمنون آية ٥١.\n(^٧) صحيح مسلم، الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب (ح ١٠١٥).\n(^٨) أخرجه الترمذي في السنن، التفسير سورة البقرة (ح ٢٩٨٩).","vol":"2","page":35},{"text":"الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله ﵇ في البحر: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" (^١). وروى الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني حديث ابن عمر مرفوعًا: \"أحل لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال\" (^٢). وسيأتي تقرير ذلك - إن شاء الله - في سورة المائدة.\nمسألة (^٣): ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره؛ لأنه جزء منها. وقال مالك في رواية: هو طاهر إلا أنه ينجس بالمجاورة، وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف، والمشهور عندهم أنها نجسة، وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس، فقال القرطبي في التفسير ههنا يخالط اللبن منها يسير، ويعف عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع (^٤).\nوقد روى ابن ماجه من حديث سيف بن هارون عن سليمان التميمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان ﵁: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء، قال: \"الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه\"] (^٥).\nوكذلك حرم عليهم لحم الخنزير سواء ذكي أم مات حتف أنفه، ويدخل شحمه في حكم لحمه إما تغليبًا أو أن اللحم يشمل ذلك أو بطريق القياس على رأي، [وكذلك] (^٦) حرم عليهم ما أهلّ به لغير الله، وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له. [وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري: أنه سئل عن امرأة عملت عرسًا للعبها فنحرت فيه جزورًا، فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم (^٧)، وأورد القرطبي عن عائشة ﵂: أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم] (^٨).\nثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها عند فقد غيرها من الأطعمة، فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: في أكل ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال مجاهد: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، قاطعًا للسبيل أو مفارقًا للأئمة، أو خارجًا في\n_________\n(^١) أخرجه الإمام مالك، الموطأ، كتاب الطهارة، باب الطهور (ح ١١)، وأخرجه الترمذي، السنن، الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر (ح ٦٩) وصححه وأخرجه الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، (المستدرك ١/ ١٤٠) وقال البغوي: متفق على صحته (شرح السنة ٢/ ١٥٥).\n(^٢) أخرجه الشافعي في ترتيب مسنده ٢/ ١٧٣، وأحمد في المسند ٢/ ٩٧، والموقوف على ابن عمر أصح وله حكم الرفع، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١١١٨).\n(^٣) الزيادة من (حم).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٢٠).\n(^٥) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم)، سنن ابن ماجه، الأطعمة، باب الجبن والسمن (ح ٣٣٦٧) وفي سنده سيف بن هارون: ضعيف (التقريب ص ٢٦٢).\n(^٦) سقط من الأصل وأثبت من (ح) و(عف) و(حم).\n(^٧) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٢٤، فقد ذكره بمعناه.\n(^٨) ما بين معقوفين من (ح) والنص في الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٢٤.","vol":"2","page":36},{"text":"معصية الله، فله الرخصة، ومن خرج باغيًا أو عاديًا أو في معصية الله، فلا رخصة له وإن اضطر إليه (^١)، وكذا روي عن سعيد بن جبير (^٢).\nوقال سعيد - في رواية عنه - ومقاتل بن حيان: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ يعني: غير مستحله (^٣).\nوقال السدي: غير باغ، يبتغي فيه شهوة (^٤).\nوقال [آدم بن أبي إياس: حدثنا ضمرة عن عثمان بن عطاء وهو الخراساني، عن أبيه] (^٥) في قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ قال: لا يشوي من الميتة ليشتهيه، ولا يطبخه، ولا يأكل إلا العلقة (^٦)، ويحمل معه ما يبلغه الحلال، فإذا بلغه ألقاه (^٧). [وهو قوله: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ ويقول: لا يعدو به الحلال] (^٨).\nوعن ابن عباس: لا يشبع منها (^٩).\nوفسّره السدي بالعدوان (^١٠).\nوعن ابن عباس: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غير باغ في الميتة ولا عاد في أكله (^١١).\nوقال قتادة: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، [قال: غير باغ في الميتة؛ أي] (^١٢) في أكله أن يتعدى حلالًا إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة (^١٣).\n[وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي: أكره على ذلك بغير اختياره (^١٤).\nذكر القرطبي إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة بل يأكل طعام الغير بغير خلاف - كذا قال -، ثم قال: وإذا أكله، والحالة هذه، هل يضمن أم لا؟ فيه قولان هما روايتان عن مالك، ثم أورد من سنن ابن ماجه من حديث شعبة عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بروايتين بإسنادين صحيحين أحدهما من طريق القاسم بن أبي بزة، والآخر من طريق ابن أبي نجيح.\n(^٢) أخرج ابن أبي حاتم من طريق سالم بن عجلان الأموي عنه، وسنده حسن.\n(^٣) رواية سعيد أخرجها ابن أبي حاتم بسند حسن، من طريق عطاء بن دينار عنه، ورواية مقاتل ذكرها ابن أبي حاتم بدون سند.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسباط بن نصر عنه.\n(^٥) في الأصل (وح): \"وقال عطاء الخراساني\" بدون إسناد والزيادة من (عف).\n(^٦) العلقة: ما يتبلغ من الطعام وإن لم يكن تامًّا (لسان العرب ١٠/ ٢٦٣).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم عن عصام بن رواد عن آدم به، وفي سنده: عثمان عطاء الخراساني، ضعيف كما في التقريب.\n(^٨) الزيادة من (عف) و(مح ١).\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس والحكم، ضعيف كما في التقريب.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عنه وسنده ضعيف، ويشهد له قول قتادة ومجاهد.\n(^١٢) زيادة من (ح) و(حم).\n(^١٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^١٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٢٥، فقد ذكره بمعناه.","vol":"2","page":37},{"text":"أبي إياس جعفر بن أبي وحشية: سمعت عباد بن شرحبيل الغبري قال: أصابتنا عامًا مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطًا، فأخذت سنبلًا ففركته وأكلته، وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال للرجل: \"ما أطعمته إذ كان جائعًا ولا ساغبًا، ولا علمته إذ كان جاهلًا\" فأمره فردّ إليه ثوبه، فأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق (^١). إسناد صحيح قوي جيد وله شواهد كثيرة: من ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: سئل رسول الله ﷺ عن الثمر المعلق، فقال: \"من أصاب منه من ذي حاجة بفيه غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه … \" الحديث (^٢)] (^٣).\nوقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: فيما أكل من اضطرار، وبلغنا، والله أعلم. أنه لا يزاد على ثلاث لقم (^٤).\nوقال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام، رحيم إذ أحلّ له الحرام في الاضطرار (^٥).\nوقال وكيع: أخبرنا الأعمش عن أبي الضُحى، عن مسروق، قال: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات، دخل النار (^٦)، [وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا الهراسي رفيق الغزالي في \"الاشتغال\"، وهذا هو الصحيح عندنا (^٧)، كالإفطار للمريض ونحو ذلك] (^٨).\n\n<span id=\"aya-181\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ كتبهم التي بأيديهم مما يشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلّا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا - لعنهم الله - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك وهو نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله، بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله أظهر\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه السنن، التجارات، باب من مر على ماشية قوم أو حائط هل يصيب منه (ح ٢٢٩٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٦١)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٣٣).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، كتاب الحدود، باب من سرق من الحرز (ح ٢١٠٤).\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح)، ونحو هذا النص في الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٢٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، عطاء بن دينار عنه.\n(^٦) إسناده صحيح إلى مسروق.\n(^٧) أحكام القرآن للكيا الهراسي ١/ ٤٢.\n(^٨) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).","vol":"2","page":38},{"text":"لعباده صدق رسوله بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات، فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه، وصاروا عونًا له على قتالهم، وباءوا بغضب على غضب، وذمهم الله في كتابه في غير ما وضع فمن ذلك هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وهو: عرض الحياة الدنيا ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق، نارًا تأجج في بطونهم يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء]. وفي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم\" (^١).\nوقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ [وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]﴾ (^٢) وذلك لأنه تعالى غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم، أي: يثني عليهم ويمدحهم، بل يعذبهم عذابًا أليمًا.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه، ههنا حديث الأعمش عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-182\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: اعتاضوا عن الهدى، وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه بالضلالة وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم.\n﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب، وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجب (^٤) من رآهم فيها من صبرهم على ذلك من شدة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال، عياذًا بالله من ذلك، [وقيل: معنى قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أي: فما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار] (^٥)،\n\n<span id=\"aya-183\"></span>وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: إنما استحقوا هذا العذاب الشديد، لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوًا، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره فخالفوه وكذبوه، وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه ويكتمون صفته، فاستهزؤوا بآيات الله المنزلة على\n_________\n(^١) متفق عليه أخرجه البخاري من حديث أم سلمة في صحيحه، كتاب الأشربة، باب آنية الفضة (ح ٥٦٣٤)، ومسلم في صحيحه، اللباس والزينة (ح ٢٠٦٥).\n(^٢) زيادة من (ح) و(عف).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار (ح ١٧٢).\n(^٤) كذا في (ح) و(عف)، وفي الأصل: يعجب.\n(^٥) ما بين معقوفين زيادة من نسخة (ح) و(حم).","vol":"2","page":39},{"text":"رسله، فلهذا استحقوا العذاب والنكال، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾.\n\n<span id=\"aya-184\"></span>﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾.\nاشتملت هذه الآية على جمل عظيمة وقواعد عميمة، وعقيدة مستقيمة، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيد بن هشام الحلبي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عامر بن شفي، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي ذر: أنه سأل رسول الله ﷺ: ما الإيمان؟ فتلا عليه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ …﴾ إلى آخر الآية، قال: ثم سأله أيضًا، فتلاها عليه، ثم سأله فقال: \"إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك\" (^١).\nوهذا منقطع، فإن مجاهدًا لم يدرك أبا ذرٍّ، فإنه مات قديمًا.\nوقال المسعودي: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى أبي ذرٍّ، فقال: ما الإيمان؟ فقرأ عليه هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ حتى فرغ منها، فقال الرجل: ليس عن البر سألتك، فقال أبو ذرّ: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عما سألتني فقرأ عليه هذه الآية فأبى أن يرضى، كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول الله ﷺ وأشار بيده -: \"المؤمن إذا عمل حسنة سرّته ورجا ثوابها، وإذا عمل سيئة أحزنته وخاف عقابها\" ورواه ابن مردويه، وهذا أيضًا منقطع (^٢)، والله أعلم.\nوأما الكلام على تفسير هذه الآية، فإن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولًا بالتوجه إلى بيت المقدس ثم حولهم إلى الكعبة، شقّ ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك وهو: أن المراد إنما هو طاعة الله ﷿، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجّه واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب برّ ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، ولهذا قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، كما قال في الأضاحي والهدايا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا، فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض والحدود، فأمر الله بالفرائض والعمل بها (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وسنده ضعيف بسبب الانقطاع المذكور أعلاه.\nوأخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي فقال: كيف وهو منقطع؟ (المستدرك ٢/ ٢٧٢).\n(^٢) أخرجه المروزي من طريق المسعودي به (تعظيم قدر الصلاة ح ٤٠٨)، والقاسم بن عبد الرحمن هو المسعودي لم يدرك أبا ذرّ، (انظر: التقريب ص ٤٥٠).\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند مسلسل بالضعفاء عنه ويشهد له الآثار التالية.","vol":"2","page":40},{"text":"وروي عن الضحاك ومقاتل نحو ذلك (^١).\nوقال أبو العالية: كانت اليهود تقبل قبل المغرب، وكانت النصارى تقبل قبل المشرق، فقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ يقول: هذا كلام الإيمان [وحقيقة] (^٢) العمل.\nوروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله (^٣).\nوقال مجاهد: ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله ﷿ (^٤).\nوقال الضحاك: ولكن البر والتقوى أن تؤدوا الفرائض على وجوهها (^٥).\nوقال الثوري: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية، قال: هذه أنواع البر كلّها (^٦).\nوصدق ﵀، فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان بالله وأنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله.\n﴿وَالْكِتَابِ﴾ وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.\nوقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أي: أخرجه وهو محب له راغب فيه، نصَّ على ذلك ابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر\" (^٧).\nوقد روى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة والثوري عن منصور، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر\" ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (^٨).\n(قلت): وقد رواه وكيع عن الأعمش، وسفيان عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفًا (^٩)، وهو أصح، والله أعلم.\n_________\n(^١) قول الضحاك ومقاتل هو ابن حيان ذكرهما ابن أبي حاتم وقول الضحاك، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^٢) في الأصل: \"وحقيقته\" والتصويب من (ح) ورواية ابن أبي حاتم فقد أخرجه بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(^٣) وهو رواية الربيع عن أبي العالية كما تقدم.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق رجل مبهم عن الضحاك وسنده ضعيف ويشهد له ما تقدم.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عمر العدني عنه.\n(^٧) صحيح البخاري، الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح (ح ١٤١٩)، وصحيح مسلم، الزكاة، (٣١ ح ١٠٣٢).\n(^٨) المستدرك ٢/ ٢٧٢.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم عن عمرو بن عبد الله الأودي والأحمسي، عن وكيع به.","vol":"2","page":41},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان].\n[وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]] (^١)، وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] نمط آخر أرفع من هذا، وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له.\nوقوله: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ وهم قرابات الرجل وهم أولى من أعطي من الصدقة كما ثبت في الحديث: \"الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة، فهم أولى الناس بك وببرك وإعطائك\" (^٢)، وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير موضع من كتابه العزيز.\n﴿وَالْيَتَامَى﴾ هم الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب.\nوقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن جويبر، عن الضحاك عن [النزال] (^٣) بن سبرة، عن علي، عن رسول الله ﷺ قال: \"لا يُتم بعد حلم\" (^٤).\n﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تسد به حاجتهم وخلتهم.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال: \"ليس المسكين [بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين] (^٥) الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه\" (^٦).\n﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته فيعطَى ما يوصله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفرًا في طاعة فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين (^٧)، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو جعفر الباقر والحسن وقتادة والضحاك والزهري والربيع بن أنس\n_________\n(^١) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(عف) و(حم).\n(^٢) أخرجه الترمذي من حديث سلمان بن عامر وحسن، والسنن، الزكاة (ح ٦٥٨)، وابن حبان في الإحسان ٨/ ١٣٢، (ح ٣٣٤٤)، وابن خزيمة في صحيحه ٣/ ٢٧٨ (ح ٢٠٦٧)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٠٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.\n(^٣) في الأصل: \"المنهال\" والتصويب من (ح) و(حم) و(عف).\n(^٤) سنده ضعيف بسبب جويبر، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن بن أبي الربيع، عن عبد الرزاق به، وأخرجه أبو داود من طريق آخر (السنن، الوصايا، باب ما جاء متى ينقطع اليتم ٣/ ١١٥ ح ٢٨٧٣)، وصححه الألباني بالشواهد والمتابعات في صحيح الجامع الصغير ٦/ ٦١٣، وإرواء الغليل ٥/ ٧٩ - ٨٣.\n(^٥) ما بين معقوفين سقط واستدرك من نسخة (ح) و(حم) و(عف) ورواية الصحيحين.\n(^٦) أخرجه البخاري، الصحيح، الزكاة، باب قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] (ح ١٤٧٦)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى (ح ١٠٣٩).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده ثابت.","vol":"2","page":42},{"text":"ومقاتل بن حيان (^١).\n﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ وهم الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين (^٢)، عن أبيها - قال عبد الرحمن: حسين بن علي - قال: قال رسول الله ﷺ: \"للسائل حق وإن جاء على فرس\" (^٣) رواه أبو داود (^٤).\n﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهم المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم، وسيأتي الكلام على كثير من هذه الأصناف في آية الصدقات من براءة - إن شاء الله تعالى.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، حدثتني فاطمة بنت قيس، أنها سألت رسول الله ﷺ: أفي المال حق سوى الزكاة؟ قالت: فتلا عليّ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (^٥)، ورواه ابن مردويه من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد كلاهما عن شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"في المال حق سوى الزكاة\" ثم قرأ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ - إلى قوله: - ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [وأخرجه ابن ماجه (^٦) والترمذي (^٧)، وضعف أبا حمزة ميمونًا الأعور، قال: وقد رواه بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي] (^٨)، وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أي: وأتمّ أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي.\nوقوله: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (^٩) يحتمل أن يكون المراد به: زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة (^١٠) الرذيلة كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس]، وقول موسى لفرعون: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾ [النازعات]، وقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت].\nويحتمل أن يكون المراد زكاة المال (^١١)، كما قاله سعيد بن جبير (^١٢) ومقاتل بن حيان (^١٣)، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين، إنما هو التطوع والبر والصلة،\n_________\n(^١) ذكرهم جميعهم ابن أبي حاتم.\n(^٢) في الأصل: \"حسين\".\n(^٣) أخرجه أحمد عن وكيع وعبد الرحمن به، (المسند ح ٨١٧٢)، وصححه محققه أحمد شاكر، وقال العراقي: إسناد جيد (انظر: القول المسدد ص ٦٥).\n(^٤) السنن، الزكاة، باب حق السائل (ح ١٦٦٥).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي إسناده أبو حمزة وهو ميمون الأعور: ضعيف (التقريب ص ٥٥٦).\n(^٦) السنن، الزكاة، باب ما أدى زكاته فليس بكنز (ح ١٧٨٩).\n(^٧) السنن، الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقًّا سوى الزكاة (ح ٦٥٩).\n(^٨) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^٩) في الأصل: \"وآتى المال الزكاة\".\n(^١٠) كذا في الأصل و(حم) وفي نسخة (ح): \"الذميمة\" وكلاهما صحيح.\n(^١١) كذا في الأصل و(عف) و(حم)، وفي نسخة (ح): \"الملك\".\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.\n(^١٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره.","vol":"2","page":43},{"text":"ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس: إن في المال حقًّا سوى الزكاة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾، كقوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ [الرعد]، وعكس هذه الصفة النفاق كما صح في الحديث: \"آية المنافق [ثلاث] (^١): إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان\" (^٢). وفي الحديث الآخر: \"وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\" (^٣).\nوقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي: في حال الفقر وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام: وهو الضراء.\n﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي: في حال القتال والتقاء الأعداء، قاله ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومرة الهمداني ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وأبو مالك والضحاك (^٤) وغيرهم، وإنما نصب ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته، والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الأوصاف (^٥) هم الذين صدقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات.\n\n<span id=\"aya-185\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾.\nيقول تعالى: كتب عليكم العدل في القصاص أيها المؤمنون، فاقتلوا حركم بحركم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا كما اعتدى من قبلكم وغيروا حكم الله فيهم، وسبب ذلك قريظة والنضير، كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم، فكان إذا قتل النضري (^٦) القرظي لا يقتل به، بل يفادى بمائة وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضري (^٧) قتل، وإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر ضعف دية قريظة، فأمر الله بالعدل في القصاص، ولا يتبع سبيل [المفسدين المجرمين المخالفين] (^٨) لأحكام الله فيهم كفرًا وبغيًا (^٩)، فقال تعالى:\n_________\n(^١) لفظ ثلاث سقط من الأصل.\n(^٢) متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه، الإيمان، باب علامة المنافق (ح ٣٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه، الإيمان (ح ١٠٧).\n(^٣) أخرجه مسلم في الصحيح، الإيمان (ح ١٠٦).\n(^٤) ذكرهم جميعًا ابن أبي حاتم وقول ابن مسعود، أخرجه بسند حسن.\n(^٥) كذا في الأصل: وفي نسخة (ح) و(عف) بلفظ: \"الصفات\".\n(^٦) كذا في الأصل: و(عف)، وفي نسخة (ح) و(حم): النضيري.\n(^٧) انظر: التعليق السابق.\n(^٨) في الأصل: \"المحرفين المخالفين\" والزيادة والتصويب من (ح) و(عف) و(حم).\n(^٩) كذا في الأصل و(عف) و(حم)، وفي نسخة (ح): \"لهوًا ولعبًا\".","vol":"2","page":44},{"text":"﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ وذكر في [سبب] (^١) نزولها ما رواه الإمام [أبو] (^٢) محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، يعني: إذا كان عمدًا الحر بالحر، وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات [حتى] (^٣) قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منّا الحر منهم، والمرأة منّا الرجل منهم، فنزل فيهم: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ منها منسوخة نسختها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (^٤) [المائدة: ٤٥].\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فأنزل الله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فجعل الأحرار في القصاص والعبيد سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستويين فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم (^٥).\nوكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: النفس بالنفس (^٦).\n[مسألة: مذهب أبي حنيفة إلى أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم، قال البخاري وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه: ويقتل السيد بعبده، لعموم حديث الحسن عن سمرة: \"ومن قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن خصاه خصيناه\". وخالفهم الجمهور وقالوا: لا يقتل الحر بالعبد، لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم يجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته ولأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس الأولى، وقد حكى أبو ثور الإجماع على أنه لا يقاد الحر بطرف العبد، وقد خرق هذا الإجماع أبو داود الظاهري لقوله ﵇: \"المسلمون تتكافأ دماؤهم\". وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر، كما ثبت في البخاري عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ولا يقتل مسلم بكافر\". ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة.\nمسألة: قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور لآية المائدة ولقوله ﵇: \"المسلمون تتكافأ دماؤهم\". وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يُقتل بها خاصة.\nمسألة: ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون (^٧) بالواحد، قال عمر في غلام قتله سبعة فقتلهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم ولا يعرف له في زمانه مخالف من\n_________\n(^١) لفظ: \"سبب\" سقط من الأصل.\n(^٢) لفظ: \"أبو \"سقط من الأصل.\n(^٣) في الأصل: قد والتصويب من (ح) و(عف) و(حم) ورواية ابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وسنده مرسل.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وسنده ثابت.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عنه.\n(^٧) سقط من (ح).","vol":"2","page":45},{"text":"الصحابة، وذلك كالإجماع، وحكي عن الإمام أحمد رواية: أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، ولا تقتل بالنفس إلا نفس واحدة، وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير وعبد الملك بن مروان والزهري ومحمد بن سيرين وحبيب بن أبي ثابت، ثم قال ابن المنذر: وهذا أصح، ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة بواحد، وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه، وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر] (^١).\nوقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد. قال مجاهد عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، فالعفو أن يقبل الدية في العمد (^٢)، وكذا روي عن أبي العالية وأبي الشعثاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة مقاتل بن حيان (^٣). وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ يقول: فمن ترك له من أخيه [شيء] (^٤) يعني: أخذ الدية بعد استحقاق الدم، وذلك العفو (^٥).\n﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف] (^٦) إذا قبل الدية.\n﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يعني: من القاتل من غير ضرر ولا معك يعني المدافعة، وروى الحاكم من حديث سفيان عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس: ويؤدي المطلوب بإحسان (^٧). وكذا قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان (^٨).\nمسألة: قال مالك ﵀ في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل. وقال الباقون: له أن يعفو عليها وإن لم يرض.\nوذهب طائفة من السلف إلى أنه للنساء عفو، منهم: الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي، وخالفهم الباقون] (^٩).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾. يقول تعالى: إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفًا من الله عليكم ورحمة بكم مما كان محتومًا على الأمم قبلكم من القتل أو العفو، كما قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني مجاهد، عن ابن عباس قال: كتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ولم يكن فيهم العفو، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد (^١٠) ذلك تحقيق مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ وقد\n_________\n(^١) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، من طريق عمرو بن دينار، عن مجاهد به.\n(^٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٤) الزيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم وإسناده منقطع لأن الضحاك لم يدرك ابن عباس ويشهد له ما تقدم من الآثار.\n(^٦) الزيادة من (ح) و(عف) و(حم).\n(^٧) وسنده صحيح.\n(^٨) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٩) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^١٠) أخرجه أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن به، وسنده صحيح.","vol":"2","page":46},{"text":"رواه غير واحد عن عمرو، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن دينار به (^١). [وقد رواه البخاري والنسائي عن ابن عباس] (^٢) ورواه جماعة عن مجاهد، عن ابن عباس بنحوه.\nوقال قتادة: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ رحم الله هذه الأُمة وأطعمهم الدية ولم تحل لأحد قبلهم فكان أهل التوراة إنما هو القصاص وعفو ليس بينهم أرش وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو أمروا به، وجعل لهذه الأُمة القصاص والعفو والأرش (^٣).\nوهكذا روي عن سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس نحو هذا (^٤).\nوقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقول تعالى: فمن قَتلَ بعد أخذ الدية أو قبولها، فله عذاب من الله أليم موجع شديد، وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان أنه هو الذي يَقتِل بعد أخذ الدية (^٥).\nكما قال محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء، عن أبي شريح الخزاعي، أن النبي ﷺ قال: \"من أُصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة، فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدًا فيها\" رواه أحمد (^٦). وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا أعافي رجلًا قتل بعد أخذ الدية\" (^٧) يعني: لا أقبل منه الدية، بل أقتله.\n\n<span id=\"aya-186\"></span>وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ [حَيَاةٌ] (^٨)﴾. يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل حكمة عظيمة لكم وهي بقاء المهج وصونها، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾.\nقال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، كم من رجل يريد أن يقاتل فتمنعه مخافة أن يقتل (^٩).\n_________\n(^١) الإحسان في تقريب، صحيح ابن حبان ٧/ ٦٠١.\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من (ح) وهو كما قال فقد أخرجه البخاري عن الحميدي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار به، (الصحيح، تفسير سورة البقرة ح ٤٤٩٨).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٥) وردت عنهم أسانيد ثابتة في ثفسيري الطبري وابن أبي حاتم، إلا قول مقاتل بن حيان ذكره ابن أبي حاتم بدون سند.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق به (المسند ٤/ ٣١ ح ١٦٤٢٧)، وأخرجه أبو داود (السنن، الدباب، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم ح ٤٤٩٦)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وفيه علتان: ابن إسحاق لم يصرح بالسماع وسفيان بن أبي العوجاء، ضعيف كما في التقريب.\n(^٧) أخرجه البيهقي عن الحسن مرسلًا (السنن الكبرى ٨/ ٥٤)، وأما المرفوع ففيه الحسن لم يسمع من سمرة، (المراسيل لابن أبي حاتم ص ٣٣).\n(^٨) الزيادة من (ح).\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد، من طريق الربيع بن أنس عنه.","vol":"2","page":47},{"text":"وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك والحسن وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان (^١).\n[مسألة: ذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والليث وحماد بن أبي سليمان إلى أنه إذا قتل الرجل أو المرأة، وله أولاد كبار وصغار أن للكبار أن يقتلوا القاتل ولا يُنتظر بلوغ الصغار، لأن الحسن بن علي قتل عبد الرحمن بن ملجم ولم ينتظر بلوغ أولاد علي الصغار، وقال الشافعي وأحمد في المشهور عنه، وطائفة من العلماء: بل ينتظر بلوغ الصغار لأن لهم حقًّا وربما عفى بعضهم، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ …﴾ الآية.\nمسألة: إذا عفي ولي الدم عن القصاص والدية أطلق القاتل في مذهب الشافعي وأحمد والجمهور. وقال مالك والليث والأوزاعي: بل يضرب مائة ويحبس سنة. وقال أبو ثور: إن كان مشهورًا بالشر أدبه الإمام بحبسه، وقد استحسن قول أبي ثور القرطبي في تفسيره] (^٢).\n﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يقول: يا أولي العقول والأفهام والنهى، لعلكم تنزجرون (^٣) وتتركون محارم الله ومآثمه، والتقوى اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.\n\n<span id=\"aya-187\"></span>﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾.\nاشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبًا على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض (^٤) نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية ولا تحمل منة الموصي، ولهذا جاء في الحديث الذي في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يقول: \"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، قال: جلس ابن عباس فقرأ سورة البقرة حتى أتى هذه الآية: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فقال: نسخت هذه الآية (^٦). وكذا رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن\n_________\n(^١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم، وقول مجاهد، أخرجه الطبري بسند صحيح.\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^٣) في الأصل: \"تبرحون\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٤) كذا في الأصل و(حم) وفي (عف) و(ح): \"الميراث\" وكلاهما صحيح.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٩/ ٦٢٣ ح ١٨٠٨٣)، وقال محققوه: صحيح لغيره، وأخرجه الترمذي (السنن، الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث ح ٢٢١٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٧٢٢).\n(^٦) لم أجده في المسند، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٣)، ويشهد له ما سيأتي من الروايات.","vol":"2","page":48},{"text":"يونس به، ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرطهما.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين، فأنزل الله آية الميراث (^١)، فبيّن ميراث الوالدين وأقرّ وصية الأقربين في ثلث مال الميت (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم (^٣): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: نسختها هذه الآية: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء] ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر وأبي موسى وسعيد بن [المسيب] (^٤) والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وعكرمة وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وطاوس وإبراهيم النخعي وشريح والضحاك والزهري: أن هذه الآية منسوخة، نسختها آية الميراث (^٥).\nوالعجب من أبي عبد الله محمد بن عمر بن الرازي ﵀، كيف حكى في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصفهاني (^٦) أن هذه الآية غير منسوخة وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] قال: وهو أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس والحسن ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد (^٧).\n(قلت): وبه قال أيضًا سعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان، ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر، لأن آية الميراث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دلّ عليه عموم آية الوصاية، لأن الأقربين أعم ممن يرث ولا يرث، فرفع حكم من يرث بما عيّن له، وبقي الآخر على ما دلّت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبًا حتى نسخت، فأما من يقول: إنها كانت واجبة وهو الظاهر من سياق الآية، فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين [الوارثين] (^٨) منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه\n_________\n(^١) صرح الطبري بالآية في قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. [النساء: ١١].\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، ويشهد له ما تقدم وما تأخر من أقوال الصحابة والتابعين.\n(^٤) في الأصل: سعيد بن أطيب.\n(^٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم في تفسيره دون إسناد، وذكر الطبري بعض رواياتهم مسنده بأسانيد ثابتة.\n(^٦) أبو مسلم الأصفهاني من كبار المعتزلة الذين ينكرون النسخ.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن الجوزي (نواسخ القرآن ص ١٦٤ - ١٦٥) بأسانيد ثابتة عن ابن عباس وقتادة والحسن البصري.\n(^٨) سقط من الأصل وأثبت من (ح) و(عف) و(حم).","vol":"2","page":49},{"text":"للحديث المتقدم: \"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\" (^١)، فآية الميراث حكم مستقل ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات، رفع بها حكم هذه بالكلية.\nبقي الأقارب الذين لا ميراث لهم يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناسًا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده\". قال ابن عمر: ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي (^٢).\nوالآيات والأحاديث بالأمر ببرّ الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جدًّا.\nوقال عبد بن حُميد في مسنده: أخبرنا عبيد الله، عن مُبارك بن حسان، عن نافع قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى: يابن آدم ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبًا في مالك حين أخذت بكظمك لأُطهرك به وأزكّيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك\" (^٣).\nوقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي: مالًا، قاله ابن عباس (^٤) ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبو العالية وعطية العوفي والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة (^٥) وغيرهم.\nثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قلّ المال أو كَثُر كالوراثة (^٦).\nومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالًا جزيلًا، ثم اختلفوا في مقداره، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قيل لعلي ﵁: إن رجلًا من قريش قد مات وترك ثلثمائة دينار أو أربعمائة ولم يوص؟ قال: ليس بشيء إنما قال الله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (^٧). وقال [أيضًا] (^٨): وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبده، يعني: ابن سليمان، عن هشام بن عروة عن أبيه: إن عليًا دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصِ؟ فقال له علي: إنما قال الله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ إنما ترك شيئًا يسيرًا فاتركه لولدك (^٩).\nوقال [الحكم بن أبان] (^١٠): حدثني عن عكرمة عن ابن عباس ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قال ابن عباس:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الحديث السابق.\n(^٢) صحيح البخاري، الوصايا، باب الوصايا وقول النبي ﷺ: \"وصية الرجل مكتوبة عنده\" (ح ٢٧٢٨)، وصحيح مسلم، الوصية (ح ١٦٢٧).\n(^٣) في مسنده مبارك بن حسان، لين الحديث (التقريب ص ٥١٨).\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت، من طريق علي بن أبي طلحة عنه.\n(^٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم دون سند، وأخرج الطبري بعض رواياتهم بأسانيد ثابتة كرواية مجاهد وقتادة والسدي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح عن الزهري.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم سندًا ومتنًا، وسنده صحيح.\n(^٨) الزيادة من (عف).\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم، سندًا ومتنًا، وسنده صحيح.\n(^١٠) في الأصل و(ح) والتصويب من (عف) و(حم)، وترجمته، فهو من تلاميذ عكرمة، والتصويب أيضًا من تفسير ابن أبي حاتم.","vol":"2","page":50},{"text":"من لم يترك ستين دينارًا لم يترك خيرًا. قال [الحكم] (^١): قال طاوس: لم يترك خيرًا من لم يترك ثمانين دينارًا (^٢). وقال قتادة: كان يقال: ألفًا فما [فوقه] (^٣) وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالرفق والإحسان، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن [بشار] (^٤)، حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور، عن الحسن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فقال: نعم الوصية حق على كل مسلم أن يوصي إذا حضره الموت بالمعروف غير المنكر (^٥).\nوالمراد بالمعروف أن يوصي لأقربيه وصية لا تجحف بورثته من غير إسراف ولا تقتير، كما ثبت في الصحيحين أن سعدًا قال: يا رسول الله، إن لي مالًا ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: \"لا\" قال: فبالشطر؟ قال: \"لا\" قال: فالثلث؟ قال: \"الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس\" (^٦).\nوفي صحيح البخاري أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضّوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال: \"الثلث والثلث كثير\" (^٧).\nوروى الإمام أحمد عن أبي سعيد مولى [بني] (^٨) هاشم عن ذيال بن عتبة بن حنظلة: سمعت حنظلة بن جذيم بن حنيفة: أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشق ذلك على بنيه فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل [كنا نسميها] (^٩) المطيبة، فقال النبي ﷺ: \"لا لا لا، الصدقة خمس، وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن كثرت فأربعون … \" وذكر الحديث بطوله.\n\n<span id=\"aya-188\"></span>وقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ يقول تعالى: فمن بدّل الوصية وحرفها، فغيّر حكمها وزاد فيها أو نقص، ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى.\n﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: وقد وقع أجر الميت على الله، وتعلق الإثم بالذين بدّلوا ذلك (^١٠).\n_________\n(^١) كسابقه.\n(^٢) وفي سند الروايتين الحكم بن أبان ضعيف، والرواية الأولى أخرجها ابن أبي حاتم من طريق الحكم به.\n(^٣) في الأصل: \"فوقها\" والتصويب من رواية ابن أبي حاتم فقد أخرجه عن قتادة بسند حسن.\n(^٤) في الأصل: \"بن يسار\" وفي (ح): \"ابن دينار\" والتصويب من (عف) و(حم) ومن رواية ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم سندًا ومتنًا وسنده حسن.\n(^٦) أخرجه البخاري، الصحيح الجنائز، باب رثاء ابني سعد بن سعد بن خولد (ح ١٣٩٦)، ومسلم في صحيحه، الوصية (ح ١٦٢٨).\n(^٧) أخرجه البخاري، الصحيح، الوصايا، باب الوصية بالثلث (ح ٢٧٤٣).\n(^٨) في الأصل: \"أبي\" والتصويب من رواية الإمام أحمد وبقية النسخ.\n(^٩) الزيادة من (ح) و(عف) ورواية الإمام أحمد في المسند فقد أخرجه سندًا ومتنًا (المسند ٣٤/ ٢٦٢ ح ٢٠٦٦٥)، وصححه محققوه.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند، ثابت من طريق ابن أبي طلحة، عن ابن عباس.","vol":"2","page":51},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت وهو عليم بذلك وبما بدّله الموصى إليهم.\n\n<span id=\"aya-189\"></span>وقوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي: الجنف: الخطأ (^١).\nوهذا يشمل أنواع الخطأ كلها بأن زادوا وارثًا بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعة الشيء الفلاني محاباة أو أوصى لابن ابنته ليزيدها أو نحو ذلك من الوسائل، إما مخطئًا غير عامد بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر، أو متعمدًا آثمًا في ذلك، فللوصي والحالة هذه، أن يصلح القضية ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به جمعًا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي، وهذا الإصلاح والتوفيق، ليس من التبديل في شيء، ولهذا عطف هذا فبينه على النهي [عن ذلك] (^٢) ليعلم أن هذا ليس من ذلك بسبيل، والله أعلم.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قراءة، أخبرني أبي، عن الأوزاعي، قال الزهري: حدثني عن عروة (^٣)، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"يرد من صدقة الجانف في حياته ما يرد من وصية (^٤) المجنف عند موته\"، وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه من حديث العباس بن الوليد. قال ابن أبي حاتم: وقد أخطأ فيه الوليد بن مزيد، وهذا الكلام إنما هو عن عروة فقط، وقد رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي فلم يجاوز به عروة (^٥).\nوقال ابن مردويه أيضًا: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"الجنف في الوصية من الكبائر\" وهذا في رفعه أيضًا نظر (^٦).\nوأحسن ما ورد في هذا ما قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة\". قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩] (^٧).\n_________\n(^١) أخرج الطبري أقوالهم بأسانيد ثابتة إلا إسناد الضحاك فمن طريق جويبر، وسنده ضعيف وتشهد له تلك الأقوال.\n(^٢) في الأصل: \"لذلك\" والتصويب من (ح) و(عف).\n(^٣) كذا في الأصل: \"حدثني عن عروة\" وكذا في تفسير ابن أبي حاتم وفي نسخة (عف) وفي (ح) و(حم): \"عن عروة\".\n(^٤) كذا في الأصل وفي رواية ابن أبي حاتم و(حم) و(عف)، وفي نسخة (ح): \"من صدقة\".\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم بعد ذكره للرواية سندًا ومتنًا وقد حكم بالضعف على الرواية المرفوعة.\n(^٦) وأخرجه البيهقي من طريق داود بن أبي هند بن موقوفًا، ثم قال: هذا هو الصحيح موقوف (السنن الكبرى ٦/ ٢٧١).\n(^٧) أخرجه الترمذي من طريق شهر بن حوشب به، وقال: حسن صحيح غريب (السنن، الوصايا، باب الضرار في الوصية ح ٢١١٧)، وفي سنده شهر بن حوشب كثير الإرسال والأوهام (التقريب ص ٢٦٩).","vol":"2","page":52},{"text":"<span id=\"aya-190\"></span>\n\n<span id=\"aya-191\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا للمؤمنين من هذه الآية، وآمرًا لهم بالصيام وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنية خالصة لله ﷿ لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة، وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فيه أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ الآية [المائدة: ٤٨]، ولهذا قال ههنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت (^١) في الصحيحين (^٢): \"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء\".\nثم بيّن مقدار الصوم وأنه ليس في كل يوم، لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه بل في أيام معدودات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ بصوم شهر رمضان كما سيأتي بيانه. وقد روي أن الصيام أولًا (^٣) كما كان عليه الأمم قبلنا من كل شهر ثلاثة أيام عن معاذ (^٤) وابن مسعود (^٥) وابن عباس (^٦) وعطاء (^٧) وقتادة (^٨) والضحاك بن مزاحم وزاد: لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان (^٩).\nوقال عباد بن منصور، عن الحسن البصري: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ فقال: نعم، والله لقد كتب الصيام على كل أُمة قد خلت، كما كتب علينا شهرًا كاملًا وأيامًا معدودات عددًا معلومًا (^١٠). وروي عن السدي نحوه (^١١).\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(عف) و(حم)، وفي الأصل: \"جاء\".\n(^٢) صحيح البخاري، الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه (ح ١٩٠٥)، وصحيح مسلم، النكاح، (ح ١٤٠٠).\n(^٣) في (ح): \"كان أولًا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن المسعودي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، وأخرجه الحاكم من طريق المسعودي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٤).\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم بدون سند.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي، عن ابن عباس وتشهد له بقية الآثار.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق نصر بن مشارس عنه.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده حسن.\n(^١١) ذكره ابن أبي حاتم من دون سند.","vol":"2","page":53},{"text":"وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي عبد الرحمن المقري، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد الله بن الوليد، عن أبي الربيع رجل من أهل المدينة، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم … \" في حديث طويل اختصر منه ذلك (^١).\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عمن حدثه، عن ابن عمر قال: أنزلت ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كتب عليهم إذا صلى [أحدهم] (^٢) العتمة ونام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها (^٣).\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس وأبي العالية وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وعطاء الخراساني نحو ذلك (^٤). وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني بذلك: أهل الكتاب (^٥). وروي عن الشعبي والسدي وعطاء الخراساني مثله (^٦).\nثم بيّن حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر، لما في ذلك من المشقة عليهما بل يفطران ويقضيان بعد ذلك من أيام أُخر. وأما الصحيح المقيم الذي يطيق الصيام فقد كان مخيرًا بين الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الإطعام، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد (^٧) [وطاوس ومقاتل بن حيان] (^٨) وغيرهم من السلف (^٩)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا المسعودي، حدثنا عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصلاة فإن النبي ﷺ قدم المدينة وهو يصلي سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس، ثم إن الله ﷿ أنزل عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية، فوجهه الله إلى مكة هذا حول، قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويُؤذِنُ بها بعضهم بعضًا، حتى نقسوا أو كادوا ينقسون (^١٠)، ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفي سنده رجل مجهول.\n(^٢) الزيادة من (ح) و(عف) ورواية ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفي سنده شيخ الربيع مبهم.\n(^٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بدون سند.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف لأن عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس.\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم من غير سند.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق مجاهد عن ابن عباس.\n(^٨) الزيادة من (ح) و(عف) و(حم).\n(^٩) ذكرهم ابن أبي حاتم وسمى غيرهم من السلف وهم: عطاء والحسن والسدي بدون سند.\n(^١٠) أي كادوا أن يستعملوا الناقوس ولم يفعلوا.","vol":"2","page":54},{"text":"عبد الله بن زيد أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت: إني لم أكن نائمًا لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله - مثنى مثنى (^١) - حتى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة ثم قال مثل الذي قال، غير أنه يزيد في ذلك قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، قال رسول الله ﷺ: \"علّمها بلالًا فليؤذن بها\" فكان بلال أول من أذن بها، قال: وجاء عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله، إنه قد طاف بي مثل الذي طاف به، غير أنه سبقني فهذان حالان، قال: وكانوا يأتون الصلاة قد سبقهم النبي ﷺ ببعضها، فكان الرجل يشير إلى رجل إذن كم صلى؟ فيقول: واحدة أو اثنتين فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدًا إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني، قال: فجاء وقد سبقه النبي ﷺ ببعضها، قال: فثبت معه فلما قضى رسول الله ﷺ قام فقضى، فقال رسول الله ﷺ: \"إنه قد سنّ لكم معاذ فهكذا فاصنعوه\" فهذه ثلاثة أحوال.\nوأما أحوال الصيام فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينًا، فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله ﷿ أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حولان، قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له: صرمة، كان يعمل صائمًا حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائمًا، فرآه رسول الله وقد جهد جهدًا شديدًا، فقال: \"ما لي أراك قد جهدت جهدًا شديدًا؟ \" قال: يا رسول الله، إني عملت أمس فجئت حين جئت، فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائمًا، قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعدما نام فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وأخرجه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي (^٢) به.\nوقد أخرج البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل رمضان، كان من شاء صام ومن شاء أفطر (^٣)، وروى البخاري عن ابن عمر\n_________\n(^١) في الأصل: \"مثنى\". مرة واحدة، والزيادة من رواية الإمام أحمد.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد عن أبي النضر به، (المسند ٣٦/ ٤٣٦ ح ٢٢١٢٤)، وأخرجه ابن خزيمة في الصحيح ١/ ٩٧ - ٩٩ (ح ٣٨١).\nوأخرجه أبو داود، السنن، الصلاة، باب كيف الأذان (ح ٥٠٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٧٩).\nوأخرجه الحاكم من طريق المسعودي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٤).\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، سورة البقرة (ح ٤٤٠٤) وصحيح مسلم، الصيام (ح ١١٢٥).","vol":"2","page":55},{"text":"وابن مسعود مثله (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كما قال معاذ ﵁: كان في ابتداء الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا، وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (^٢). وروي أيضًا من حديث عبيد الله عن [نافع عن] (^٣) ابن عمر قال: هي منسوخة (^٤).\nوقال السدي، عن مُرة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يتجشمونه. قال عبد الله: فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ قال: يقول: أطعم مسكينًا آخر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا (^٥) خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فكانوا كذلك حتى نسختها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٦) [البقرة: ١٨٥].\nوقال البخاري أيضًا: أخبرنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار، عن عطاء: سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ [يطوّقونه] (^٧) ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه (^٨).\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، ثم ضعف فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا (^٩).\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا الحسن بن محمد بن بهرام المخرمي، حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد بن عبد الله، عن ابن أبي ليلى، قال: دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا ثم نسخت الأولى إلى الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا وأفطر (^١٠).\nفحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير (ح ٤٥٠١ و٤٥٠٣).\n(^٢) الصحيح، التفسير (ح ٤٥٠٧).\n(^٣) سقط من الأصل وأثبت من (ح) و(عف).\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، سورة البقرة (ح ٤٥٠٦).\n(^٥) في الأصل: \"تصدقوا\".\n(^٦) سنده حسن إلى عبد الله بن مسعود ويشهد له ما يليه.\n(^٧) في الأصل: \"يطيقونه\" والتصويب من (عف) ورواية الصحيح فقد أخرجه البخاري بسنده ومتنه (التصحيح، التفسير، سورة البقرة ح ٤٥٠٥).\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق عزرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ويشهد له ما سبق.\n(^٩) في سنده أشعث بن سوار: ضعيف كما في التقريب ويشهد له ما سبق.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن الجوزي كلاهما من طريق ابن جريج عن عطاء به، (نواسخ القرآن ص ١٧٢).","vol":"2","page":56},{"text":"مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام، فله أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه [إذا أفطر] (^١) أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما لا يجب عليه إطعام لأنه ضعيف عنه لسنه، فلم يجب عليه فدية كالصبي، لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها وهو أحد قولي الشافعي والثاني، وهو الصحيح وعليه أكثر العلماء: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسّره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: (وعلى الذين [يطوَّقونه] (^٢» أي: يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره (^٣)، هو اختيار البخاري فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بعدما كبر عامًا أو عامين كل يوم، مسكينًا، خبزًا ولحمًا وأفطر (^٤).\nوهذا الذي علّقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده فقال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة، قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم (^٥).\nورواه عبد بن حميد عن روح بن عبادة، عن عمران وهو ابن حُدير، عن أيوب به. ورواه عبد أيضًا من حديث ستة من أصحاب أنس [عن أنس] (^٦) بمعناه، ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير [بين] (^٧) العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان، وقيل: يفديان فقط ولا قضاء، وقيل: يجب القضاء بلا فدية، وقيل: يفطران ولا فدية ولا قضاء، وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة من كتاب الصيام الذي أفردناه، ولله الحمد والمنّة.\n\n<span id=\"aya-192\"></span>﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾.\nيمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء.\n_________\n(^١) الزيادة من (ح) و(عف).\n(^٢) في الأصل: يطيقونه والتصويب من (عف) ورواية البخاري المتقدمة عن ابن عباس.\n(^٣) ذكر ابن حجر أن مسعود كان يقرأ يطوّقونه (فتح الباري ٨/ ١٨٠).\n(^٤) ذكر البخاري تعليقًا في صحيحه، التفسير، باب ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، قبل حديث رقم ٤٥٠٥.\n(^٥) مسند أبي يعلى ٧/ ٢٠٤ (ح ٤١٩٤)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ولكنه منقطع (مجمع الزوائد ٣/ ١٦٤) والانقطاع هو بين أيوب وأنس، فقد ذكر ابن حبان أنه لا يصح أيوب من أنس (المقصد العلي ح ٥١٤).\nولا يضر هذا الانقطاع لأن الحافظ بن كثير أشار إلى رواية عبد بن حميد، من حديث ستة من أصحاب أن وفي ذلك متابعة، والإسناد صحيح إذ توبع أيوب بواسطة النضر بن أنس وحُميد الطويل وثابت البناني ذكر ذلك ابن حجر بروايات مسندة (انظر: تغليق التعليق ٤/ ١٧٧ - ١٧٨).\n(^٦) الزيادة من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٧) في الأصل: \"من\" والتصويب من (ح) و(عف) و(حم).","vol":"2","page":57},{"text":"قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة - يعني: ابن الأسقع -: أن رسول الله ﷺ قال: \"أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، [وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان] (^١) وأنزل الله القرآن: لأربع وعشرين خلت من رمضان\" (^٢).\nوقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أن الزبور نزل لاثنتي عشرة خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم، رواه ابن مردويه (^٣).\nوأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل، فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر] وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] ثم نزل بعد مفرقًا بحسب الوقائع على رسول الله ﷺ، هكذا روي من غير وجه عن ابن عباس، كما قال إسرائيل عن السدي، عن محمد بن أبي المجالد، عن مقسم، عن ابن عباس: أنه سأل عطية بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك، قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ وقد أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم، وصفر، وشهر ربيع، فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلًا في الشهور والأيام، رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وهذا لفظه (^٤).\nوفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول الله ﷺ في عشرين سنة لجواب كلام الناس (^٥). وفي رواية عكرمة عن ابن عباس، قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر، إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما شاء ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان] (^٦).\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) ورواية المسند.\n(^٢) المسند ٤/ ١٠٧، وحسنه السيوطي (فيض القدير شرح الجامع الصغير ٣/ ٥٧)، والألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٥٧٥).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى الموصل عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن عبيد الله، عن أبي مليح، عن جابر به (المسند ٤/ ١٣٥ ح ٢١٩٠)، وفي سنده سفيان بن وكيع فيه مقال، وعبيد الله هو ابن أبي حميد متروك فالإسناد ضعيف جدًّا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به، وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن سعيد بن جبير به.\n(^٦) سورة الفرقان آية ٣٢، ٣٣، والأثر أخرجه الطبري من طريق داود، عن عكرمة به مختصرًا، وداود إن كان بن الحصين فالسند ضعيف، وإن كان ابن أبي هند فالسند حسن.","vol":"2","page":58},{"text":"وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للعمي، ومفرقًا بين الحق والباطل والحلال والحرام.\nوقد روي عن بعض السلف: أنه كره أن يقال: إلا شهر رمضان، ولا يقال: رمضان. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بكار بن الريان، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وسعيد - هو المقبري - عن أبي هريرة قال: لا تقولوا: رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا: شهر رمضان (^١).\nقال ابن أبي حاتم: وقد روي عن مجاهد ومحمد بن كعب نحو ذلك، ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت (^٢).\n(قلت): أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعًا عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ ابن [عدي] (^٣) وهو جدير بالإنكار، فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاري ﵀ في كتابه لهذا فقال: باب يقال: رمضان. وساق أحاديث [في ذلك] (^٤) منها: \"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه\" (^٥)، ونحو ذلك.\nوقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر، أي: كان مقيمًا في البلد حتى دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة، ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحًا مقيمًا أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم كما تقدم بيانه.\nولما حتّم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر أن يفطر بشرط القضاء، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه، أو كان على سفر؛ أي في حالة السفر، فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام، ولهذا قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض والسفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيرًا عليكم ورحمة بكم.\nوههنا مسائل تتعلق بهذه الآية:\n(إحداها): أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيمًا في أول الشهر ثم سافر في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم سندًا ومتنًا وفي سنده أبو معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن ضعيف مختلط (التقريب ٢/ ٢٩٨).\n(^٢) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم من غير إسناد ورواية مجاهد أخرجها الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن مجاهد.\n(^٣) في الأصل بياض ومثبت من (عف) و(ح).\n(^٤) الزيادة من (عف) و(ح).\n(^٥) صحيح البخاري، الإيمان، باب صوم رمضان احتسابًا (ح ٣٨).","vol":"2","page":59},{"text":"أثنائه، فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه لقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وإنما يباح الإفطار لمسافر استهلّ الشهر وهو مسافر، وهذا القول غريب، نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى عن جماعة من الصحابة والتابعين (^١)، وفيما حكاه عنهم نظر، والله أعلم، فإنه قد ثبتت السنّة عن رسول الله ﷺ أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتى بلغ \"الكديد\" ثم أفطر، وأمر الناس بالفطر. أخرجه صاحبا الصحيح (^٢).\n(الثانية): ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nوالصحيح قول الجمهور: أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم، لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان، قال: فمنّا الصائم ومنّا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله ﷺ أنه كان في مثل هذه الحالة صائمًا لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ[في شهر رمضان] (^٣) في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة (^٤).\n(الثالثة): قالت طائفة - منهم الشافعي: - الصيام في السفر أفضل من الإفطار لفعل النبي ﷺ كما تقدم.\nوقالت طائفة: بل الإفطار أفضل أخذًا بالرخصة ولما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال: \"من أفطر فحسن، ومن صام فلا جناح عليه\" (^٥). وقال في حديث آخر: \"عليكم برخصة الله التي رخص لكم\" (^٦).\nوقالت طائفة: هما سواء لحديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله، إني كثير الصيام أفأصوم في السفر؟ فقال: \"إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر\" وهو في الصحيحين (^٧).\nوقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل، لحديث جابر: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا قد ظلل عليه فقال: \"ما هذا؟ \" قالوا: صائم، فقال: \"ليس من البر الصيام في السفر\" أخرجاه (^٨).\n_________\n(^١) ينظر: المحلى ٦/ ٢٥٩.\n(^٢) أخرجه البخاري، الصحيح، الصوم، باب لم يعب أصحاب النبي ﷺ بعضهم بعضًا في الصوم (ح ١٩٤٧) ومسلم في الصحيح، الصيام باب أجر المفطر في السفر (ح ١١١٩).\n(^٣) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) والصحيحين.\n(^٤) صحيح البخاري، الصوم، باب ٣٥ (ح ١٩٤٥) وصحيح مسلم، الصيام، (ح ١١٢٢).\n(^٥) أخرجه مسلم من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي، الصحيح، الصيام، باب التخيير في الصوم، والفطر في السفر (ح ١١٢١ م).\n(^٦) أخرجه مسلم من حديث جابر، الصحيح، الصيام، باب الصوم والفطر في شهر رمضان بعد حديث (١١١٥) بحديثين.\n(^٧) أخرجه البخاري، الصحيح، الصوم، باب الصوم في السفر (ح ١٩٤٣) وصحيح مسلم الصيام، باب التخيير في الصوم والفطر (ح ١١٢١).\n(^٨) صحيح البخاري، الصوم، باب ليس من البر الصوم في السفر (ح ١٩٤٦)، وصحيح مسلم، الصيام (ح ١١١٥).","vol":"2","page":60},{"text":"فأما إن رغب عن السنّة ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار، ويحرم عليه الصيام، والحالة هذه لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر وغيرهما: \"من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة\" (^١).\n(الرابعة): القضاء هل يجب متتابعًا أو يجوز فيه التفريق؟ فيه قولان:\n(أحدهما): أنه يجب التتابع، لأن القضاء يحكي الأداء.\n(والثاني): لا يجب التتابع بل إن شاء فرق وإن شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان، فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا [أبو] (^٢) هلال، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي قتادة، عن الأعرابي الذي سمع النبي ﷺ يقول: \"إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره\" (^٣).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم بن هلال، حدثنا [غاضرة] (^٤) بن عروة الفقيمي، حدثني أبي - عروة - قال: كنا ننتظر النبي ﷺ فخرج يقطر رأسه من وضوء أو غسل، فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج في كذا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إن دين الله في يسر\" ثلاثًا يقولها (^٥).\nورواه الإمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث مسلم بن إبراهيم، عن عاصم بن هلال به.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة قال: قال أبو التياح: سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله ﷺ قال: \"يسّروا ولا تعسّروا وسكِّنوا ولا تنفّروا\" أخرجاه في الصحيحين (^٦). وفي الصحيحين أيضًا: أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: \"بشّرا ولا تنفّرا، ويسّرا ولا تعسّرا، وتطاوعا ولا تختلفا\" (^٧).\nوفي السنن والمسانيد: أن رسول الله ﷺ قال: \"بُعثت بالحنيفية السمحة\" (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد من حديث ابن عمر (المسند ح ٥٣٩٢)، وفي سنده ابن لهيعة وضعفه الألباني في ضعف الجامع الصغير ٥/ ٢٥٠.\n(^٢) في الأصل: \"ابن\" والتصويب من رواية المسند ونسخة (عف) و(حم).\n(^٣) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٧٩)، ورجاله ثقات إلا أبا هلال وهو محمد بن سليم الراسبي: صدوق فيه لين (التقريب ٢/ ١٦٦)، والرواية التالية وشواهدها تقويه إلى درجة الحسن.\n(^٤) في الأصل: \"عناضرة\" والتصويب من رواية المسند و(عف) و(ح).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/ ٦٩، وفي إسناده عاصم بن هلال فيه لين كما في التقريب.\n(^٦) المسند ٣/ ٢٠٩، وأخرجه البخاري، الصحيح، العلم، باب العلم قبل القول والعمل (ح ٦٩)، وصحيح مسلم (ح ١٧٣٤).\n(^٧) صحيح البخاري، المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن (ح ٤٣٤١)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب الأمر بالتيسر (ح ١٧٣٣).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة (المسند ٤١/ ٣٤٩ ح ٢٤٨٥٥) وسنده حسن.","vol":"2","page":61},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو مسعود الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن محجن بن الأدرع: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي فتراءاه ببصره ساعة، فقال: \"أتراه يصلي صادقًا؟ \" قال: قلت: يا رسول الله، هذا أكثر أهل المدينة صلاة، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تسمعه فتهلكه\"، وقال: \"إن الله إنما أراد بهذه الأُمة اليسر ولم يرد بهم العسر\" (^١).\nومعنى قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي: إنما أرخص (^٢) لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بكم اليسر وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم.\nوقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، [وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء]] (^٣). وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة]، وقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾ [ق]. ولهذا جاءت السنّة باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات. وقال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير.\nولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر لظاهر الأمر في قوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة ﵀ أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم.\nوقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه وترك محارمه وحفظ حدوده فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك.\n\n<span id=\"aya-193\"></span>﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبدة بن أبي برزة السجستاني، عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أن أعرابيًا قال: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ إذا أمرتهم أن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/ ٣١٢، والبخاري في الأدب المفرد (ح ٣٤١) كلاهما من طريق عبد الله بن شقيق به، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٢٦٠) وذكره في السلسلة الصحيحة (ح ١٦٣٥).\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) وفي الأصل: \"رخص\" وكلاهما صحيح.\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح).","vol":"2","page":62},{"text":"يدعوني فدعوني استجبت لهم (^١).\nورواه ابن جرير عن محمد بن حميد الرازي، عن جرير به] (^٢).\nورواه ابن مردويه وأبو الشيخ الأصبهاني من حديث محمد بن أبي حميد عن جرير به (^٣).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن الحسن قال: سأل أصحاب رسول الله ﷺ النبي ﷺ: أين ربنا؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية (^٤).\nوقال ابن جريج، عن عطاء أنه بلغه لما نزلت ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قال الناس: لو نعلم أي ساعة ندعو؟ فنزلت ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدثنا خالد الحذاء، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، فجعلنا لا نصعد شرفًا ولا نعلو شرفًا ولا نهبط واديًا، إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منّا، فقال: \"يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله\" أخرجاه في الصحيحين (^٦) وبقية الجماعة من حديث أبي عثمان النهدي واسمه: عبد الرحمن بن [مُلِ عنه] (^٧) بنحوه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: \"يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني\" (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن كريمة بنت حسحاس [المزنية] (^٩)، قالت: حدثنا أبو\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم سندًا ومتنًا وفي سنده عبده بن أبي برزة سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٦/ ٩٠) والصلت: مجهول (الجرح ٤/ ٤٤١، ولسان الميزان ٣/ ١٩٥).\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) وهو في تفسير ابن جرير الطبري بهذا الإسناد دون ذكر المتن (ح ٢٩٠٤).\n(^٣) وهذا الطريق فيه العلل المتقدمة في سند ابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده مرسل.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق سنيد عن حجاج، عن ابن جريج به، وسنيد فيه مقال وعطاء رواه بلاغًا.\n(^٦) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٠٢)، والبخاري في صحيحه، الجهاد، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير (ح ٢٩٩٢)، ومسلم في صحيحه، الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (ح ٢٧٠٤).\n(^٧) في الأصل بياض واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٨) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٠٢)، وأخرجه البخاري من طريق شعبة به (الصحيح، التوحيد، باب ذكر النبي ﷺ ح ٧٥٣٦).\n(^٩) في الأصل: \"المدنية\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).","vol":"2","page":63},{"text":"هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه\" (^١).\n(قلت): وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل]، وقوله لموسى وهارون ﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، ففيه ترغيب في الدعاء، وأنه لا يضيعه لديه تعالى، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا رجل: أنه سمع أبا عثمان هو النهدي، يحدث عن سلمان - يعني الفارسي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين\" - قال يزيد: سموا لي هذا الرجل، فقالوا: جعفر بن ميمون - (^٢). وقد رواه أبو داود (^٣) والترمذي (^٤) وابن ماجه (^٥) من حديث جعفر بن ميمون صاحب الأنماط به، وقال الترمذي: حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه. قاله الشيخ الحافظ أبو الحجاج المزي ﵀ في أطرافه، وتابعه أبو همام محمد بن الزبرقان، عن سليمَان التيمي، عن أبي عثمان النهدي به (^٦).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا أبو عامر، حدثنا علي بن داؤود أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: \"ما من مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها\" قالوا: إذًا نكثر؟ قال: \"الله أكثر\" (^٧).\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا [ابن] (^٨) ثوبان عن أبيه، عن مكحول، عن جُبير بن نفير أن عبادة بن الصامت حدثهم أن النبي ﷺ قال: \"ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كفَّ عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة\" (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦/ ٥٧٢ ع ٩٧٦)، وصححه محققوه وأخرجه وعلقه البخاري في صحيحه، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]، ووصله في كتاب: خلق أفعال العباد من طريق عبد الرحمن بن يزيد به (ح ٤٣٦)، وأخرجه الحاكم من طريق إسماعيل به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٦٩).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٣٨)، ورجاله ثقات إلا جعفر بن ميمون صدوق يخطئ (كما في التقريب)، وقد توبع كما سيأتي وسنده حسن.\n(^٣) السنن، الصلاة، باب الدعاء (ح ١٤٨٨).\n(^٤) السنن، الدعوات، باب ١٠٥ (ح ٣٥٥٦).\n(^٥) السنن، الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء (ح ٣٨٦٥).\n(^٦) تحفة الأشراف ٤/ ٢٩.\n(^٧) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٨)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح ٧١٠) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٥٤٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٩٣).\n(^٨) في الأصل: \"أبو \"والتصويب من رواية المسند ونسخة (عف) و(ح).\n(^٩) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٢٩)، وفي سنده ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: صدوق يخطئ وتغير بآخره ويشهد له سابقه.","vol":"2","page":64},{"text":"ورواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوقال الإمام مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي\" (^١).\nأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به (^٢)، وهذا لفظ البخاري ﵀ وأثابه الجنة.\nوقال مسلم أيضًا: حدثني أبي الطاهر، حدثنا أبو وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل\" قيل: يا رسول الله، وما الاستعجال؟ قال: \"يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أرَ يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع (^٣) الدعاء\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل\" قالوا: وكيف يستعجل؟ قال: \"يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي\" (^٥).\nوقال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره: حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، أنها قالت: ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة فتذهب حتى تعجل له في الدنيا أو تدخر له في الآخرة إذا هو لم يعجل أو يقنط. قال عروة: قلت: يا أماه كيف عجلته وقنوطه؟ قالت: يقول: سألت فلم أُعطَ، ودعوت فلم أجب. قال ابن قسيط: وسمعت سعيد بن المسيب يقول كقول عائشة سواء (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحبلى، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: \"القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس، فاسألوه وأنتم موقنون (^٧) بالإجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه\n_________\n(^١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه في موطئه، كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء (ح ٢٩).\n(^٢) صحيح البخاري، الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل (ح ٦٨٤٠)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل (ح ٢٧٣٥).\n(^٣) في الأصل: ويترك، والمثبت من (عف) و(ح)، وصحيح مسلم الذكر والدعاء (ح ٢٧٣٥) وما ورد في الأصل بالمعنى.\n(^٤) صحيح مسلم، الذكر والدعاء (ح ٢٧٣٥).\n(^٥) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٩٣)، قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزار والطبراني في الأوسط، وفيه أبو هلال الراسبي وهو ثقة وفيه خلاف، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ١٤٧)، ويشهد له ما تقدم في الصحيحين من حديث أبي هريرة.\n(^٦) لم أجده في تفسير الطبري في جميع الطبعات، وهذا يدل أن ابن كثير نقل ذلك من نسخة فيها زوائد على النسخ المعتمدة في تحقيق تفسير الطبري. ويشهد له ما تقدم في الصحيحين من حديث أبي هريرة.\n(^٧) في الأصل: \"مؤمنون\" والمثبت من (عف) و(ح).","vol":"2","page":65},{"text":"عن ظهر قلب غافل\" (^١).\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي نافع بن معدي كرب ببغداد، حدثني أبي بن نافع، حدثني أبي - نافع بن معدي كرب -، قال: كنت أنا وعائشة سألت رسول الله ﷺ عن آية: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ قال: \"يا رب: مسألة عائشة\" فهبط جبريل فقال: \"الله يقرؤك السلام هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة وقلبه نقي يقول: يا رب. فأقول: لبيك فأقضي حاجته\" وهذا حديث غريب من هذا الوجه (^٢).\nوروى ابن مردويه من حديث الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، حدثني جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم أمرت بالدعاء وتوكلت بالإجابة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، أشهد أنك فرد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور\" (^٣).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: وحدثنا الحسن بن يحيى الأزدي ومحمد بن يحيى القطعي (^٤)، قالا: حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا صالح المري، عن الحسن، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: \"يقول الله تعالى: يا ابن آدم واحدة لك وواحدة لي وواحدة فيما بيني وبينك، فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئًا، وأما التي لك فما عملت من شيء وفيتكه، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليَّ الإجابة\" (^٥).\nوفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى اجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر، كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا أبو محمد المليكي عن عمرو، هو ابن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة\"، فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا (^٦).\nوقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه: حدثنا هشام بن عمار، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن [إسحاق بن عبيد الله المدني] (^٧)، عن عبيد الله بن أبي مُليكة، عن عبد الله بن عمرو،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٢٣٥ ح ٦٦٥٥)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ١٤٨، والمنذري في الترغيب ٢/ ٤٩١).\n(^٢) ووجه الغرابة بل النكارة في قوله: يا ربِّ مسألة عائشة.\n(^٣) في سنده الكلبي وقد صرح بأن ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب. كما في ترجمته في تهذيب التهذيب.\n(^٤) كذا في (عف) وفي الأصل: \"النطعي\"، وفي (ح): \"المقطعي\".\n(^٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ١٩) وفي سنده صالح المري وهو ضعيف (التقريب ص ٢٧١).\n(^٦) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه المسند (ح ٢٢٦٢).\n(^٧) في الأصل: إسحاق بن عبد الله المدني وكذا في (ح) و(عف) و(حم) والتصويب من رواية ابن ماجه ومن ترجمته إذ ذكره ابن حجر مع الحديث المروي نفسه (تهذيب التهذيب ١/ ٢٤٣).","vol":"2","page":66},{"text":"قال: قال النبي ﷺ: \"إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد\". قال عبيد الله بن أبي مُليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي (^١).\nوفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة وتفتح لها أبواب السماء، يقول: بعزتي لأنصرنّك ولو بعد حين\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-194\"></span>﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾.\nهذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة، والرفث هنا هو: الجماع، قاله ابن عباس (^٣) وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس وسالم بن عبد الله وعمرو بن دينار والحسن وقتادة والزهري والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان (^٤).\nوقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ قال ابن عباس (^٥) ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان: يعني هنّ سكن لكم وأنتم سكن لهن (^٦).\nوقال الربيع بن أنس: هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهنَّ (^٧).\n_________\n(^١) السنن، الصوم، باب في الصائم لا ترد دعوته (ح ١٧٥٣) وقال البوصيري: إسناده صحيح وأخرجه الحاكم من طريق إسحاق به، وصححه وتردد الذهبي فقال: إن كان إسحاق مولى زائدة فقد روى له مسلم وإن كان ابن أبي فروة فواهٍ (المستدرك ١/ ٤٢٢)، بل جزم الحافظ ابن حجر بأنه ليس هذا ولا ذاك إذ قال: قلت: الذي رأيته في عدة نسخ من ابن ماجه: حدثنا إسحاق بن عبيد الله المدني (التهذيب ١/ ٢٤٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (المسند ١٥/ ٤٦٣ ح ٩٧٤٣) وصححه محققوه بطرقه وشواهده، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (ح ١٩٠١) وحسنه السيوطي في الجامع الصغير (انظر: فيض القدير ٣/ ٣٢٤)، وأخرجه الترمذي وحسنه (السنن، الدعوات، باب في العفو والعافية ح ٣٥٩٨).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بدون سند، وأقوال مجاهد وسالم والسدي أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق طاوس عن ابن عباس.\n(^٦) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بدون سند، وأقوال مجاهد وقتادة والسدي أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.","vol":"2","page":67},{"text":"وحاصله: أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه، فناسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا.\nقال الشاعر (^١):\nإذا ما الضجيع ثنى جيدها … تداعت فكانت عليه لباسا (^٢)\nوكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدم في حديث معاذ الطويل (^٣).\nوقال أبو إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائمًا فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا (وكان يومه ذلك) (^٤) يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته نائمًا قالت: خيبة لك أنمت؟ فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا (^٥).\nولفظ البخاري ههنا من طريق أبي إسحاق: سمعت البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (^٦).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناسًا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (^٧). وكذا روى العوفي عن ابن عباس (^٨).\nوقال موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، قال: إن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم، يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن النساء، فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعدما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت. قال:\n_________\n(^١) الشاعر هو: نابغة بن جعدة، صرح بذلك الطبري (التفسير ٣/ ٤٩٠).\n(^٢) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ص ٦٧، وابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص ١٠٧.\n(^٣) تقدم في الآية ١٨٣ من هذه السورة.\n(^٤) في الأصل: \"وذلك يومه ذاك\" والتصويب من (عف).\n(^٥) أخرجه الطبري بإسناد ثابت من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به، وهو في صحيح البخاري مختصرًا كما سيأتي في الرواية التالية.\n(^٦) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] (ح ٤٥٠٨).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.\n(^٨) أخرجه الطبري وإن أبي حاتم بسند ضعيف عنه ويتقوى بسابقه.","vol":"2","page":68},{"text":"\"وما إذا صنعت؟ \" قال: إني سوّلت لي نفسي، فوقعت على أهلي بعدما نمت، وأنا أريد الصوم، فزعموا أن النبي ﷺ قال: \"ما كنت خليقًا أن تفعل \"فنزل الكتاب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (^١).\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة في قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة، حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا، وأن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء، وأن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عيناه بعد صلاة المغرب، فنام ولم يشبع من الطعام، ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله ﷺ العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فأنزل الله عند ذلك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (^٢). يعني بالرفث: مجامعة النساء ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾.\nيعني: تجامعون النساء وتأكلون وتشربون بعد العشاء.\n﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يعني: جامعوهنّ ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: الولد.\n﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فكان ذلك عفوًا من الله ورحمة.\nوقال هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قام عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا رسول الله، إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل أهله، فقالت: إنها قد نامت فظننتها تعتل فواقعتها، فنزل في عمر: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (^٣). وهكذا رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى به (^٤).\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى، حدثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن أبي لهيعة، حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة، أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت: إني قد نمت، فقال: ما نمت، ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فأخبره فأنزل الله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ …﴾ الآية (^٥). وهكذا روي عن مجاهد وعطاء\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) رجاله ثقات وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق حصين به، ويشهد له ما سبق من الروايات.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق شعبة به، ويشهد له ما سبق من الروايات.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق ابن المبارك به (المسند ٢٥/ ٨٦ ح ١٥٧٩٥) وسنده حسن لأن ابن لهيعة يروي عن عبد الله بن المبارك وروايته عنه قبل احتراق كتب ابن لهيعة. وحسنه محققو المسند، ويشهد له ما سبق من الروايات.","vol":"2","page":69},{"text":"وعكرمة وقتادة وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع، وفي صرمة بن قيس، فأباح الجماع والطعام والشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقًا (^١).\nوقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال أبو هريرة وابن عباس (^٢) وأنس وشريح القاضي ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والربيع بن أنس والسدي وزيد بن أسلم والحكم بن عتبة ومقاتل بن حيان والحسن البصري والضحاك وقتادة وغيرهم (^٣): يعني: الولد.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: الجماع (^٤).\nوقال عمرو بن مالك النكري: عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: ليلة القدر، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٥).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة: ابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم، وقال سعيد عن قتادة: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يقول: ما أحل الله لكم (^٦).\nوقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية: ﴿وَابْتَغُوا﴾ أو اتبعوا؟ قال: أيتهما شئت، عليك بالقراءة الأولى (^٧).\nواختار ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله (^٨).\nوقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ أباح تعالى الأكل والشرب مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثني ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعده: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنه يعني: الليل والنهار (^٩).\n_________\n(^١) ذكر ابن أبي حاتم هذه الرواية عن هؤلاء التابعين وغيرهم بغير إسناد، ورواياتهم مراسيل يقوي بعضها بعض.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه عبد الله بن خراش وهو ضعيف، وبعضهم كذبه (التقريب ١/ ٤١٢) وأخرجه الطبري من طريق عطية العوفي عن ابن عباس وسنده ضعيف أيضًا ويتقوى بالآثار التي تليه.\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم من غير سند، وأما أقوال مجاهد والحسن والربيع بن أنس والسدي فقد أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري والإمام أحمد في العلل ص ٤٠٢ كلهم من طريق عمرو بن مالك وهو النكري صدوق له أوهام كما في التقريب، وأخشى أن تكون هذه الرواية من أوهامه.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.\n(^٨) التفسير ٣/ ٥٠٩.\n(^٩) أخرجه البخاري بسنده ومتنه في صحيحه، التفسير، باب ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا …﴾ [البقرة: ١٨٧] (ح ٤٥١١).","vol":"2","page":70},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن الشعبي، أخبرني عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود والآخر أبيض، قال: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله فأخبرته بالذي صنعت، فقال: \"إن وسادك إذًا لعريض إنما ذلك بياض النهار من سواد (^١) الليل\" (^٢). أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن عدي (^٣).\nومعنى قوله: إن وسادك إذًا لعريض؛ أي: إن كان ليسع لوضع الخيط الأسود والأبيض المرادين من هذه الآية تحتها، فإنهما بياض النهار وسواد الليل، فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب، وهكذا وقع في رواية البخاري مفسرًا بهذا، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن حصين، عن الشعبي، عن عدي، قال: أخذ عدي عقالًا أبيض وعقالًا أسود، حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا، فلما أصبح قال: يا رسول الله جعلت تحت وسادتي، قال: \"إن وسادك إذًا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك\" (^٤).\nوجاء في بعض الألفاظ: \"إنك لعريض القفا\" ففسّره بعضهم بالبلادة (^٥)، وهو ضعيف، بل يرجع إلى هذا لأنه إذا كان وساده عريضًا فقفاه أيضًا عريض، والله أعلم. ويفسره رواية البخاري أيضًا حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن مطرف، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: \"إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين\"، ثم قال: \"لا بل هو سواد الليل وبياض النهار\" (^٦).\nوفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور، لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب، ولهذا وردت السنّة الثابتة عن رسول الله ﷺ. بالحث على السحور. ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"تسحروا فإن في السحور بركة\" (^٧).\nوفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر\" (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى هو: ابن الطباع، حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن\n_________\n(^١) في الأصل: \"وسواد\" والتصويب من (عف) والتخريج.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٧٧ والعلل ص ٣٢٤)، وأخرجه الشيخان من طريق حصين به (صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] ح ٤٥٠٩)، وصحيح مسلم، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (ح ١٠٩٠).\n(^٣) انظر: صحيح البخاري (ح ٤٥١٠).\n(^٤) صحيح البخاري (ح ٤٥٠٩).\n(^٥) وهو في الكشاف للزمخشري، ولا يليق بمقام صحابي.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه في صحيحه، تفسير سورة البقرة (ح ٤٥١٠).\n(^٧) صحيح البخاري، الصوم، باب بركة السحور (ح ١٩٢٣) وصحيح مسلم، الصيام، باب فضل السحور (ح ١٠٩٥).\n(^٨) صحيح مسلم الباب السابق (ح ١٠٩٦).","vol":"2","page":71},{"text":"أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"السحور أكلة بركة فلا تدعوه، ولو أن أحدكم تجرع جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين\" (^١).\nوقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة ماء تشبهًا بالآكلين، ويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر، كما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان، عن سليمان بن أبي عثمان، عن عدي بن حاتم الحمصي، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخّروا السحور\" (^٣).\nوقد ورد في أحاديث كثيرة أن رسول الله ﷺ سماه: الغذاء المبارك.\nوفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زرِّ بن حُبيش، عن حذيفة، قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ، وكان النهار إلّا أن الشمس لم تطلع (^٤). وهو حديث تفرد به عاصم بن أبي النجود، قاله النسائي (^٥). وحمله على أن المراد: قرب النهار.\nكما قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] أي: قاربن انقضاء العدة فإما إمساك بمعروف أو ترك للفراق، وهذا الذي قاله هو المتعين حمل الحديث عليه أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر، حتى إن بعضهم ظن طلوعه وبعضهم لم يتحقق ذلك، وقد روي عن طائفة كثيرة من السلف، أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر، روي مثل هذا عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت، وعن طائفة كثيرة من التابعين منهم: محمد بن علي بن الحسين وأبو مجلز وإبراهيم النخعي وأبو الضحى وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود وعطاء والحسن والحكم بن عيينة ومجاهد وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش ومعمر بن راشد (^٦)، وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد، ولله الحمد.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ٤٨٥ ح ١١٣٩٦) وصححه محققوه بشواهده ويشهد له سابقه.\n(^٢) صحيح البخاري، الصوم، باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر؟ (ح ١٩٢١) وصحيح مسلم، الصيام، الباب السابق (ح ١٠٩٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٤٧) وصححه الألباني في إرواء الغليل (٧/ ١٣٦).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣٨/ ٣٨٢ ح ٢٣٣٦١)، والنسائي (السنن، الصيام، باب تأخير السحور ح ٢١٥٢)، وابن ماجه (السنن الكبرى، الصيام، باب تأخير السحور ح ٢٤٧٣)، كلهم من طريق عاصم بن بهدلة به، وفي سنده عاصم صدوق له أوهام. وقد تفرد به، وقد خولف في رفعه فقد أخرجه النسائي من طريق عدي عن زر موقوفًا (السنن الكبرى ح ٢٤٧٤).\n(^٥) قال النسائي: لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم (انظر: تحفة الأشراف ٣/ ٣٢).\n(^٦) ذكر بعض أقوالهم الطبري في تفسيره بالأسانيد وبعضها صحيح الإسناد كرواية ابن مسعود وحذيفة وأبي مجلز، وساق عن غيرهم أسانيد ضعيفة.","vol":"2","page":72},{"text":"وحكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره عن بعضهم أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها.\n(قلت): وهذا القول ما أظن أحدًا من أهل العلم يستقر له قدم عليه، لمخالفته نص القرآن في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أُم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر\" لفظ البخاري (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكن المعترض الأحمر\" (^٢).\nورواه أبو داود والترمذي ولفظهما: \"كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر\" (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن شيخ من بني قشير، سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا يغرنّكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر\" (^٤).\nثم رواه من حديث شعبة وغيره، عن سوادة بن حنظلة، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكنه الفجر المستطير في الأفق\".\nقال: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يغرنَّكم أذان بلال ولا هذا البياض - لعمود (^٥) الصبح - حتى يستطير\".\nرواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم - هو ابن علية - مثله سواء (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يمنعنَّ أحدكم أذان بلال عن سحوره، أو قال: نداء بلال، فإن بلالًا يؤذن - أو قال: ينادي - لينبه نائمكم وليرجع قائمكم، وليس\n_________\n(^١) أخرجاه من حديث ابن مسعود، صحيح البخاري، الصوم، باب قول النبي ﷺ: \"لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال\" (ح ١٩١٨) وصحيح مسلم، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (ح ١٠٩٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند ٢٦/ ٢١٨ ح ١٦٢٩١).\n(^٣) سنن أبي داود، الصوم، باب وقت السحور (ح ٢٣٤٨)، وسنن الترمذي، الصوم باب ما جاء في بيان الفجر (ح ٧٠٥). قال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٢٠٥٨).\n(^٤) هذه الرواية لم ترد في طبعات تفسير الطبري كلها بل ورد من طريقين آخرين صرح باسم الشيخ من قشير وهو سوادة بن حنظلة عن سمرة. وهذا يدل أن الحافظ ابن كثير اطلع على نسخة فيها ما ليس في النسخ التي اعتمدت في التحقيق المنشور لتفسير الطبري.\n(^٥) في الأصل: \"تعمدوا\" والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق شعبة وأبي هلال عن سوادة عن سمرة، وسنده صحيح أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن سوادة به (الصحيح، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر ح ١٠٩٤).","vol":"2","page":73},{"text":"الفجر أن يقول هكذا وهكذا حتى يقول هكذا\" (^١). ورواه من وجه آخر عن التيمي (^٢) به.\nوحدثني الحسن بن الزبرقان النخعي، حدثني أبو أسامة، عن محمد بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: \"وإنما هو المستطير الذي يأخذ الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام (^٣) \" (^٤).\nوهذا مرسل جيد.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء، سمعت ابن عباس يقول: هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئًا، ولكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب، وقال عطاء: فأما إذا سطع سطوعًا في السماء، وسطوعه أن يذهب في السماء طولًا، فإنه لا يحرم به شراب الصائم ولا صلاة ولا يفوت به الحج، ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال، حرم الشراب للصيام وفات الحج (^٥).\nوهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء، وهكذا روي عن غير واحد من السلف ﵏.\nمسألة: ومن جَعلِه تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام يستدل على أنه من أصبح جنبًا فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة ﵄ أنهما قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم. وفي حديث أم سلمة عندهما: ثم لا يفطر ولا يقضي (^٦). وفي صحيح مسلم عن عائشة، أن رجلًا قال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جُنُب فأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ: \"وأنا تدركني الصلاة وأنا جُنُب فأصوم\". فقال: لست مثلنا يا رسول الله، فقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: \"والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي\" (^٧).\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جُنُب فلا يصم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أبي مسعود، الصحيح، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (ح ١٠٩٣).\nمعنى: \"ليرجع قائمكم\" أي وفي حاشيته: لينام غفوة ليصبح نشيطًا أو ليتأهب للصبح.\n(^٢) أي رواه مسلم، صحيحه فيما بعد (ح ١٠٩٣).\n(^٣) في الأصل: \"الصيام\" والتصويب من (عف) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ورواه الحاكم موصولًا من طريق ابن ثوبان عن جابر مرفوعًا وصححه (المستدرك ١/ ١٩١) وصرح البيهقي أن الأصح إرساله (السنن الكبرى ١/ ٣٧٧) وقد حكم الحافظ ابن كثير بأنه مرسل جيد كما هو أعلاه.\n(^٥) رواية عبد الرزاق لم أجدها في تفسيره ولا في تفسيري الطبري وابن أبي حاتم، وقد صححه الحافظ ابن كثير وكفى.\n(^٦) صحيح البخاري، الصوم، باب الصائم يصبح جنبًا (ح ١٩٢٥، ١٩٢٦) وصحيح مسلم، الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (ح ١١٠٩).\n(^٧) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ١١١٠).","vol":"2","page":74},{"text":"يومئذ\" (^١)، فإنه حديث جيد الإسناد على شرط الشيخين كما ترى، وهو في الصحيحين عن أبي هريرة، عن [الفضل بن عباس، عن النبي ﷺ (^٢).\nوفي سنن النسائي عنه عن أُسامة بن زيد و] (^٣) الفضل بن عباس ولم يرفعه (^٤): فمن العلماء من علّل هذا الحديث بهذا، ومنهم من ذهب إليه، ويحكى هذا عن أبي هريرة وسالم وعطاء وهشام بن عروة والحسن البصري، ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنبًا نائمًا فلا عليه، لحديث عائشة وأم سلمة، أو مختارًا فلا صوم له، لحديث أبي هريرة، يحكى هذا عن عروة وطاوس والحسن، ومنهم من فرّق بين الفرض فيتم فيقضيه، وأما النفل فلا يضره، رواه الثوري عن منصور، عن إبراهيم النخعي وهو رواية عن الحسن البصري أيضًا.\nومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديثي عائشة وأُم سلمة، ولكن لا تاريخ معه، وادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الآية الكريمة، وهو بعيد أيضًا إذ لا تاريخ بل الظاهر من التاريخ خلافه.\nومنهم من حمل حديث أبي هريرة على نفي الكمال فلا صوم له، لحديث عائشة وأم سلمة الدالين على الجواز، وهذا المسلك أقرب الأقوال وأجمعها، والله أعلم.\n﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكمًا شرعيًا، كما جاء في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم\" (^٥).\nوعن سهل بن سعد الساعدي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر\" أخرجاه أيضًا (^٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا قُرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: \"يقول الله ﷿: إن أحبَّ عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا\" (^٧).\nورواه الترمذي من غير وجه عن الأوزاعي به، وقال: هذا حديث حسن غريب (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣/ ٤٩٠ ح ٣١٤) وسنده صحيح.\n(^٢) انظر تخريجه قبل الحديثين السابقين.\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٤) سرد النسائي طرق الحديث مرفوعًا وموقوفًا (السنن الكبرى، صيام من أصبح جنبًا ح ٢٩٣٦، ٣٠١٤).\n(^٥) صحيح البخاري، الصوم، باب متى يحل فطر الصائم (ح ١٩٥٤)، وصحيح مسلم، الصيام، باب بيان وقت انقضاء الصوم (ح ١١٠٠).\n(^٦) صحيح البخاري، الصوم، باب تعجيل الإفطار (ح ١٩٥٧)، وصحيح مسلم، الصيام، باب فضل السحور (ح ١٠٩٨).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢/ ١٨٢ ح ٧٢٤١)، وفي سنده قُرة بن عبد الرحمن المعافري: له مناكير (التقريب ص ٤٥٥) وقد تفرد به، إذ أخرجه (والسنن، الصوم، باب ما جاء في تعجيل الإفطار ح ٧٠٠)، وابن خزيمة (الصحيح ح ١٠٦٢)، وابن حبان في (الإحسان ح ٣٥٠٧)، والبيهقي (السنن الكبرى ٤/ ٢٣٧)، كلهم من طريق قرة به، وإسناده ضعيف.\n(^٨) تقدم ذكره في تخريجه في الحاشية السابقة.","vol":"2","page":75},{"text":"وقال أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا عبيد الله بن إياد (^١)، سمعت إياد بن لقيط، سمعت ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه وقال: \"يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا\" (^٢). [وروى الحافظ ابن عساكر: حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن علي بن أبي طلحة، عن عبد الملك بن أبي ذرٍّ، عن أبيه أن رسول الله ﷺ واصل يومين وليلة، فأتاه جبريل فقال: إن الله قد قبل وصالك، ولا يحل لأحد بعدك، وذلك بأن الله قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فلا صيام بعد الليل، وأمرني بالوتر قبل الفجر. وهذا إسناد لا بأس به أورده في ترجمة عبد الملك بن أبي ذرٍّ في تأريخه] (^٣).\nولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال وهو أن يصلَ يومًا بيوم ولا يأكل بينهما شيئًا، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تواصلوا\" قالوا: يا رسول الله إنك تواصل، قال: \"فإني لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني\" قال: فلم ينتهوا عن الوصال فواصل بهم النبي ﷺ يومين وليلتين ثم رأوا الهلال، فقال: \"لو تأخّر الهلال لزدتكم\" كالمنكل لهم (^٤). وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به (^٥)، وكذلك أخرجا النهي عن الوصال من حديث أنس وابن عمر (^٦).\nوعن عائشة ﵄، قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، قال: \"إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني\" (^٧).\nفقد ثبت النهي عنه من غير وجه وثبت أنه من خصائص النبي ﷺ وأنه كان يقوى على ذلك ويعان، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويًا لا حسيًا، وإلا فلا يكون مواصلًا مع الحسي، ولكن كما قال الشاعر:\nلها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد\nوأما من أحبّ أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر فله ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر\" قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله ﷺ، قال: \"إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني\" أخرجاه في الصحيحين أيضًا.\n_________\n(^١) في الأصل: \"عبيد الله بن زياد\" والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج.\n(^٢) أخرجه أحمد بسنده ومتنه بنحوه (المسند ٥/ ٢٢٥) ورجاله ثقات إلا عبيد الله بن إياد صدوق فالإسناد حسن ويشهد لبعضه ما سيأتي.\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من نسخة (ح).\n(^٤) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٧٧٧٣) وهو في الصحيحين كما سيأتي.\n(^٥) صحيح البخاري، الصوم، باب التنكيل لمن أكثر الوصال (ح ١٩٦٥)، وصحيح مسلم، باب النهي عن الوصال (ح ١١٠٣).\n(^٦) صحيح البخاري (ح ١٩٦١، ١٩٦٢)، وصحيح مسلم (ح ١٠٥٧ و١١٠٢) كما في الأبواب السابقة.\n(^٧) أخرجه البخاري (ح ١٩٦٢)، وصحيح مسلم (ح ١١٠٥) كما في الأبواب السابقة.","vol":"2","page":76},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو إسرائيل العبسي، عن أبي بكر بن حفص، عن أُم ولد حاطب بن أبي بلتعة أنها مرَّت برسول الله ﷺ وهو يتسحّر فدعاها إلى الطعام، فقالت: إني صائمة، قال: وكيف تصومين. فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: أين أنت من وصال آل محمد من السحر إلى السحر\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي، عن علي أن النبي ﷺ كان يواصل من السحر إلى السحر (^٢).\nوقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير (^٣) وغيره من السلف (^٤): أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة، وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلوا ذلك رياضة لأنفسهم لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة، والله أعلم. ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشاد من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: رحمة لهم، فكان ابن الزبير وابنه عامر (^٥) ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك ويفعلونه، لأنهم كانوا يجدون قوة عليه، وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون على السمن والصبر لئلا تتخرق الأمعاء بالطعام أولًا، وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم (^٦).\nوقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار، فإذا جاء الليل فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل (^٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلًا أو نهارًا حتى يقضي اعتكافه (^٨).\nوقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أي: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره (^٩).\nوكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٧٨ ح ١١٩٤) وقال محققوه: حسن لغيره.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق حفص عن هشام بن عروة عنه به، أنه كان يواصل سبعة أيام فلما كبر جعلها خمسًا … وفيه مبالغة والله أعلم.\n(^٤) أخرج الطبري بسند عن ابن أبي يَعَمر أنه كان يفطر في كل شهر مرة. وهذا أشد مبالغة.\n(^٥) ذكر الطبري وصالهما في تفسيره وتقدم الكلام عن وصال ابن الزبير، وأما وصال ابنه عامر فقد أخرجه الطبري بأنه كان يواصل ليلة ست عشرة وليلة سبع عشرة. وهذا ليس فيه مبالغة كسابقه.\n(^٦) تقدم في الحاشية قبل السابقتين.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند عن أبي العالية.\n(^٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.\n(^٩) أخرجه الطبري بأسانيد عن الضحاك يقوي بعضها بعضًا ويشهد له ما يليه.\n(^١٠) قول مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري بأسانيد صحاح.","vol":"2","page":77},{"text":"قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود ومحمد بن كعب ومجاهد وعطاء والحسن وقتادة والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل، قالوا: لا يقربها وهو معتكف (^١).\nوهو الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفًا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بدّ منها فلا يحلّ له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط أو الأكل، وليس له أن يقبّل امرأته ولا أن يضمّها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود المريض لكن يسأل عنه وهو مارّ في طريقه، وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابها، منها ما هو مجمع عليه بين العلماء ومنها ما هو مختلف فيه، وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام، ولله الحمد والمنة.\nولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداء بالقرآن العظيم، فإنه نبّه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم. وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام، كما ثبتت في السنّة عن رسول الله ﷺ أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله ﷿، ثم اعتكف أزواجه من بعده، أخرجاه من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂ (^٢). وفي الصحيحين أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي ﷺ وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلًا، فقام النبي ﷺ ليمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أُسامة بن زيد في جانب المدينة، فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، وفي رواية: تواريا؛ أي حياء من النبي ﷺ لكون أهله معه، فقال لهما ﷺ: \"على رسلكما إنها صفية بنت حُيي\" أي: لا تسرعا واعلما أنها صفية بنت حيي أي: زوجتي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال ﷺ: \"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا - أو قال: شرًا - \" (^٣).\nقال الشافعي ﵀: أراد ﵇ أن يعلّم أمته التبري من التهمة في محلها، لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى لله من أن يظنا بالنبي ﷺ شيئًا، والله أعلم.\nثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يدني إليّ رأسه فأرجله وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت، فما أسأل عنه، إلا وأنا مارّة (^٤).\n_________\n(^١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد وقتادة والسدي والربيع أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٢) صحيح البخاري، الاعتكاف، باب اعتكاف النساء (ح ٢٠٣٣)، وصحيح مسلم، الصيام، باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ما بعد (ح ١١٧١) بأربعة أحاديث.\n(^٣) صحيح البخاري، الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه؟ (ح ٢٠٣٥)، وصحيح مسلم، كتاب السلام (ح ٢١٧٥).\n(^٤) صحيح البخاري، الاعتكاف، باب لا يدخل البيت إلا لحاجة (ح ٢٠٢٩) وصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها (ح ٢٩٧) وما بعده.","vol":"2","page":78},{"text":"وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي بينّاه وفرضناه وحددناه من الصيام وأحكامه وما أبحنا فيه وما حرمنا وذكرنا غاياته ورخصه وعزائمه، حدود الله؛ أي شرّعها الله وبيّنها بنفسه، فلا تقربوها؛ أي لا تجاوزوها وتتعدوها. وكان الضحاك ومقاتل يقولان في قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي المباشرة في الاعتكاف (^١).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، يعني: هذه الحدود الأربعة (^٢)، ويقرأ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ - حتى بلغ - ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ قال: وكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا ويتلونه علينا.\nقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ أي: كما بيّن الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ: ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يعرفون كيف يهتدون وكيف يطيعون، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾ [الحديد].\n\n<span id=\"aya-195\"></span>﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بيّنة، فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام (^٣).\nوكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم (^٤).\nوقد ورد في الصحيحين عن أُم سلمة أن رسول الله ﷺ، قال: \"ألا إنما أنا بشر وإنما يأتيني الخصم فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو ليذرها\" (^٥).\nفدلَّت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغيّر الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يحرم حلالًا هو حلال، وإنما هو ملزم في الظاهر، فإن طابق في ما نفس الأمر فذاك وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ [أي: طائفة] (^٦) ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم.\n_________\n(^١) أخرجهما ابن أبي حاتم وسند كل واحد منهم حسن.\n(^٢) الحدود الأربعة هي: جواز الأكل والشرب والجماع وعدم جواز الجماع أثناء الاعتكاف.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم وقول مجاهد وقتادة وعكرمة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٥) صحيح البخاري، الشهادات، باب من أقام البينة (ح ٢٦٨٠) وصحيح مسلم، الأقضية، باب الحكم بالظاهر (١٧١٣).\n(^٦) الزيادة من (ح).","vol":"2","page":79},{"text":"قال قتادة: اعلم يا ابن آدم أن قضاء القاضي لا يحل لك حرامًا ولا يحق لك باطلًا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، والقاضي بَشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا (^١).\n[وقال أبو حنيفة: حكم الحاكم بطلاق الزوجة إذا شهد عنده شاهدا زور في نفس الأمر، ولكنهما عدلان عنده يحلها للأزواج حتى للشاهدين، ويحرمها على زوجها الذي حكم بطلاقها منه، وقالوا: هذا كلِعان المرأة، إنه يبينها من زوجها ويحرمها عليه، وإن كانت كاذبة في نفس الأمر، ولو علم الحاكم بكذبها لحدها ولما حرمها وهذا أولى.\nمسألة: قال القرطبي: أجمع أهل السنّة على أن من أكل مالًا حرامًا ولو ما يصدُق عليه اسم المال أنه يفسق. وقال بشر بن المعتمر في طائفة من المعتزلة: لا يفسق إلا بأكل مائتي درهم فما زاد، ولا يفسق بما دون ذلك. وقال الجبائي: يفسق بأكل درهم فما فوقه إلا بما دونه] (^٢).\n\n<span id=\"aya-196\"></span>﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس: سأل الناس رسول الله عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ يعلمون بها حل دينهم وعدة نسائهم ووقت حجهم (^٣).\nوقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله لِمَ خلقت الأهلّة؟ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ يقول: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم وعدة نسائهم ومحل دينهم (^٤).\nكذا روي عن عطاء والضحاك وقتادة والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك (^٥).\nوقال عبد الرزاق: عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين يومًا\" (^٦).\nورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن أبي رواد به، وقال: كان ثقة عابدًا مجتهدًا شريف النسب، فهو صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظه.\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من (ح).\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن عطية العوفي به، وتشهد له الآية نفسها وأقوال التابعين التالية.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر به.\n(^٥) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم من غير سند وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح عنه.\n(^٦) سنده حسن. وأخرجه الحاكم من طريق عبد العزيز به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٢٣).\n(^٧) المستدرك ١/ ٤٢٣.","vol":"2","page":80},{"text":"وقال محمد بن جابر، عن قيس بن طلق عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"جعل الله الأهلة [مواقيت للناس] (^١) فإذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين\" (^٢).\nوكذا روي من حديث أبي هريرة (^٣) ومن كلام علي بن أبي طالب ﵁.\nوقوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية، أتوا البيت من ظهره فأنزل الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (^٤).\nوكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كانت الأنصار إذا قدموا من سفر، لم يدخل الرجل من قبل بابه، فنزلت هذه الآية (^٥).\nوقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: كانت قريش تدعى: الحُمُس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينا رسول الله ﷺ في بستان، إذ خرج من بابه، وخرج معه قطبة بن عامر من الأنصار فقالوا: يا رسول الله، إن قطبة بن عامر رجل [فاجر] (^٦)، وإنه خرج معك من الباب فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيتك فعلته، ففعلت كما فعلت، فقال: إني أحمس، قال له: فإن ديني دينك. فأنزل الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ رواه ابن أبي حاتم (^٧).\nورواه العوفي عن ابن عباس بنحوه (^٨)، وكذا روي عن مجاهد والزهري وقتادة وإبراهيم النخعي والسدي والربيع بن أنس (^٩).\nوقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا، وخرج من بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن\n_________\n(^١) ما بين قوسين سقط من الأصل واستدرك من (ح) والتخريج.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ٢٣، وابن أبي حاتم كلاهما من طريق محمد بن جابر به، وفيه محمد بن جابر بن سيار الحنفي صدوق ذهبت كتبه فساء حفظه وخلط كثيرًا وعمي فصار يُلقن (التقريب ص ٤٧١)، ويشهد لآخر الحديث ما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة صحيح البخاري، الصوم، باب إذا رأيتم الهلال فصوموا (ح ١٩٠٩)، وصحيح مسلم، الصيام (ح ١٠٨١).\n(^٣) أخرجاه الشيخان كما في الحاشية السابقة.\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] (ح ٤٥١٢).\n(^٥) مسند الطيالسي (ح ٧١٧) وسنده صحيح.\n(^٦) في الأصل: \"تاجر\" والتصويب من (ح) والتخريج.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمار بن زريق عن الأعمش به.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عنه وله شواهد سابقة ولاحقة.\n(^٩) أقوال مجاهد والزهري أخرجها الطبري بأسانيد صحيحة، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن. وقول الربيع أخرجه الطبري بسند ضعيف.","vol":"2","page":81},{"text":"يتسوَّره من قبل ظهره، فقال الله تعالى [لذلك] (^١): ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية (^٢). وقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله هذه الآية (^٣). وقال عطاء بن أبي رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا منازلهم (^٤) من ظهورها، ويرون أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (^٥). وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: اتقوا الله، فافعلوا ما أمركم به واتركوا ما نهاكم عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدًا إذا وقفتم بين يديه فيجازيكم بأعمالكم على التمام والكمال.\n\n<span id=\"aya-197\"></span>\n\n<span id=\"aya-198\"></span>﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾.\nقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتله، ويكف [عمن] (^٦) كف عنه، حتى نزلت سورة براءة (^٧).\nوكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، حتى قال: هذه منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (^٨).\nوفي هذا نظر، لأن قوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ولهذا قال في هذه الآية: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي: لتكن همتكم منبعثة على قتالهم، كما همتهم منبعثة على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصًا.\n[وقد حُكي عن أبي بكر الصديق ﵁ أن أول آية نزلت في القتال بعد الهجرة: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا …﴾ [الحج: ٣٩] الآية. وهو الأشهر وبه ورد الحديث] (^٩).\n_________\n(^١) كذا في (ح) وفي الأصل ليس ذلك.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عن الحسن.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب ويشهد له ما تقدم.\n(^٤) قوله: \"دخلوا منازلهم\" في الأصل بياض واستدرك من (ح).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي شيبة شعيب بن زريق عنه.\n(^٦) في الأصل: \"من\" والتصويب من (ح) والتخريج.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد إلى أبي العالية لكنه مرسل.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٩) ما بين معقوفين زيادة من (ح).","vol":"2","page":82},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي، كما قاله الحسن البصري (^١). من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ، الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم (^٢)، ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بُريدة أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"اغزوا في سبيل الله [قاتلوا] (^٣) من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا\" (^٤).\nوعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: \"اخرجوا باسم الله قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله لا تعتدوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوِلدان ولا أصحاب الصوامع\" رواه الإمام أحمد (^٥)، ولأبي داود عن أنس مرفوعًا نحوه (^٦).\nوفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله ﷺ أمثالًا واحدًا وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة، وأحد عشر، فضرب لنا رسول الله ﷺ منها مثلًا وترك سائرها، قال: \"إن قومًا كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعِداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلّطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه\" (^٨). هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه: أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم فاستعملوهم فيما لا يليق بهم، فأسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًّا.\nولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبّه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عاصم عن الحسن بلفظ: \"أن تأتوا ما نهيتم عنه\".\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وبقية الأقوال ذكرها ابن أبي حاتم بدون سند، وقول عمر بن عبد العزيز أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٣) سقط من الأصل واستدرك من (ح) والتخريج.\n(^٤) كذا في (عف) و(حم) وفي الأصل (وح): \"وليدًا ولا أصحاب الصوامع\" والصواب حذف ولا أصحاب الصوامع، لأن الرواية في صحيح مسلم بدون ذلك. كتاب الجهاد، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، الحديث الثالث.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحُصين، عن عكرمة عنه (المسند ٤/ ٤٦٠ ح ٢٧٢٨) وفي سنده علتان: أولاهما داود بن الحُصين ثقة إلا في عكرمة، والثانية ابن أبي حبيبة: هو إبراهيم بن إسماعيل ضعيف كما في التقريب. ولشقه الأول شاهد تقدم في صحيح مسلم.\n(^٦) السنن، الجهاد، باب في دعاء المشركين (ح ٢٦١٤) بدون لفظ: \"ولا أصحاب الصوامع\".\n(^٧) صحيح البخاري، الجهاد، باب قتل الصبيان في الحرب (ح ٣٠١٤)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب تحريم قتل النساء (ح ١٧٤٤).\n(^٨) المسند ٥/ ٤٠٧ وحسنه الحافظ ابن كثير.","vol":"2","page":83},{"text":"الكفر بالله والشرك به والصدّ عن سبيله، أبلغ وأشدّ وأعظم وأطم من القتل، ولهذا قال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ قال أبو مالك: أي ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل (^١).\nوقال أبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس في قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: يقول: الشرك أشد من القتل (^٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ كما جاء في الصحيحين: \"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار وإنها ساعتي هذه، حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره ولا يختلي خلاه، فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله ﷺ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم\" (^٣)، يعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهلها يوم فتح مكة، فإنه فتحها عنوة وقتلت رجال منهم عند الخندمة، وقيل: صلحًا لقوله: \"من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن\". [وقد حكى القرطبي إن النهي عن القتال عند المسجد الحرام منسوخ. قال قتادة: نسخها قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. قال مقاتل بن حيان: نسخها قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وفي هذا نظر] (^٤).\nوقوله: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ يقول تعالى: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدؤوكم بالقتال فيه، فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعًا للصيال، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لما تألبت عليه بطون قريش ومن مالأهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]. وقال: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥].\n\n<span id=\"aya-199\"></span>وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾ أي: فإن تركوا القتال في الحرم وأنابوا إلى الإسلام والتوبة، فإن الله غفور رحيم (^٥) يغفر ذنوبهم ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه.\n\n<span id=\"aya-200\"></span>ثم أمر الله بقتال الكفار: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك. قاله ابن عباس (^٦) وأبو العالية\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم من غير سند.\n(^٢) قول أبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس، وبقية التابعين ذكرهم ابن أبي حاتم من غير سند، وقول مجاهد وقتادة أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة.\n(^٣) صحيح البخاري، الحج، باب لا يحل القتال بمكة (ح ١٨٣٤)، وصحيح مسلم الحج، باب تحريم مكة (ح ١٣٥٣).\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).\n(^٥) قوله: \"غفور رحيم\" زيادة من (ح).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.","vol":"2","page":84},{"text":"ومجاهد والحسن وقتادة والربيع ومقاتل بن حيان والسدي وزيد بن أسلم (^١).\n﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ أي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء؛ أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: \"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله\" (^٢).\nوفي الصحيحين: \"أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله\" (^٣).\nوقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ يقول تعالى: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال المؤمنين فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد (^٤): لا يقاتل إلا من قاتل أو يكون تقديره: فإن انتهوا فقد تخلصوا من الظلم وهو الشرك، فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان ههنا: المعاقبة والمقاتلة، كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ولهذا قال عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله (^٥).\nوقال البخاري: قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ …﴾ الآية، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضيعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي ﷺ فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، قالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله.\nوزاد عثمان بن صالح عن ابن وهب، قال: أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمر المعافري، أن بكير بن عبد الله حدثه عن نافع، أن رجلًا أتى ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر عامًا وتترك الجهاد في سبيل الله ﷿، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله والصلوات الخمس وصيام رمضان وأداء الزكاة وحج البيت. قال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ قال: فعلنا على عهد رسول الله ﷺ وكان الإسلام قليلًا، فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه أو عذبوه،\n_________\n(^١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم من دون سند، وقول مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري بإسنادين صحيحين.\n(^٢) صحيح البخاري، العلم، من سأل وهو قائم (ح ١٢٣)، وصحيح مسلم، الإمارة (ح ١٩٠٤).\n(^٣) صحيح البخاري، الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ٥] (ح ٢٥) وصحيح مسلم، الإيمان (ح ٣٦).\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم.\n(^٥) ذكرهما ابن أبي حاتم من غير إسناد بعد أن رواه بسند جيد عن أبي العالية.","vol":"2","page":85},{"text":"حتى كَثُر الإسلام فلم تكن فتنة. قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن يعفو عنه، وأما علي فابن عمّ رسول الله ﷺ وختنه، فأشار بيده، فقال: هذا بيته [حيث] (^١) ترون (^٢).\n\n<span id=\"aya-201\"></span>﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾.\nقال عكرمة: عن ابن عباس (^٣)، والضحاك والسدي وقتادة ومقسم والربيع بن أنس وعطاء وغيرهم (^٤)، لما سار رسول الله ﷺ، معتمرًا في سنة ست من الهجرة وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت وصدوه بمن معه من المسلمين، في ذي القعدة وهو شهر حرام حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين، وأقصه الله منهم، فنزلت في ذلك هذه الآية: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام، إلا أن يغزى وتغزوا، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ (^٥). هذا إسناد صحيح.\nولهذا لما بلغ النبي ﷺ، وهو مُخيم بالحديبية أن عثمان قتل (^٦)، وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين، بايع أصحابه وكانوا ألفًا وأربعمائة تحت الشجرة، على قتال المشركين، فلما بلغه أن عثمان لم يقتل، كف عن ذلك وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان. وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حُنين، وتحصن فلّهمُ بالطائف، عدل إليها فحاصرها، ودخل ذو القعدة وهو محاصرها (^٧) بالمنجنيق، واستمر عليه إلى كمال أربعين يومًا كما ثبت في الصحيحين عن أنس، فلما كَثُرَ القتل في أصحابه انصرف عنها ولم تفتح، ثم [كر] (^٨) راجعًا إلى مكة واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حُنين، وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضًا، عام ثمان صلوات الله\n_________\n(^١) في الأصل: \"حين\" والتصويب من التخريج و(عف) و(عش) و(ح).\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وطوله في صحيحه، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] (ح ٤٥١٣ - ٤٥١٥).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق يوسف بن خالد السمتي عن نافع بن مالك عن عكرمة به مختصرًا، وفي سنده يوسف السمتي تركوه كما في التقريب وما يليه من مراسيل تقويه وأخرجه الطبري بسند صحيح عن مجاهد لكنه مرسل.\n(^٤) قول السدي وقتادة ومقسم والربيع أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة وقول الضحاك وعطاء بأسانيد ضعيفة تتقوى بما سبق.\n(^٥) في الأصل: \"انسلخ\" والتصويب من (عش) و(عف) والرواية في المسند إذ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/ ٣٤٥ بسنده ومتنه.\n(^٦) هكذا في (عش)، وفي الأصل: \"قد قتل\".\n(^٧) كذا في الأصل وفي (عش) يحاصرها، وفي (عف): \"فحاصرح\".\n(^٨) في الأصل: \"كبر\" والتصويب من (عش) و(عف).","vol":"2","page":86},{"text":"وسلامه عليه (^١).\nوقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ أمر بالعدل حتى في المشركين، كما قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أن قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد، ثم نسخ بآية القتال (^٢) بالمدينة (^٣).\nوقد ردَّ هذا القول ابن جرير. وقال: بل هذه الآية مدنية بعد عمرة القضية وعزا ذلك إلى مجاهد ﵀ (^٤). [وقد أطلق ههنا الاعتداء على الاقتصاص من باب المقابلة كما قال عمرو بن أم كلثوم:\nألا لا يجهلن أحدٌ علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nوقال ابن دُريد:\nلي استواءٌ إن مولّى استوا … لي التواءٌ إن معادي التوا\nوقال غيره:\nولي فرس للحلم بالحلم مُلجمٌ … ولي فرس للجهل بالجهل مسرج\nومن رام تقويمي فإنه مقوم … ومن رام تعويجي فإني معوج] (^٥)\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أمر لهم بطاعة الله وتقواه، وإخباره بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-202\"></span>﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾.\nقال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة عن سليمان، سمعت أبا وائل، عن حذيفة ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة (^٦).\nورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن أبي معاوية، عن الأعمش به، مثله قال: وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (^٧)، وقال الليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم\n_________\n(^١) ينظر: صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الطائف (ح ٤٣٢٤) فيه ذكر حصار الطائف و(ح ٤٣٣٧) وفيه ذكر قتال هوازن يوم حنين، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم (ح ١٠٥٩) وما بعده.\n(^٢) كذا في (عش) وفي الأصل: \"بآية الجهاد\".\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو سنيد: فيه مقال.\n(^٥) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).\n(^٦) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ …﴾ (ح ٤٥١٦).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من الطريق نفسه ثم ذكر ابن عباس ومن بعده من التابعين من غير سند، وأقوال مجاهد وقتادة والسدي والحسن أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة، وأما قول الضحاك وعكرمة فأخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة تتقوى بما سبق.","vol":"2","page":87},{"text":"أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله ﷺ وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نجيًا فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ونصره، حتى فشا الإسلام وكَثُر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا، فنقيم فيهما، فنزلت فينا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد (^١).\nرواه أبو داود والترمذي والنسائي وعبد بن حميد في تفسيره، وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام رجل يُريدُ فضالةَ بن عبيد، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا فصاح الناس إليه، فقالوا: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: يا أيها الناس، إنكم لتتأوّلون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعزّ الله دينه وكَثُر ناصروه، قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية (^٢).\nوقال أبو بكر بن عياش: عن أبي إسحاق السبيعي، قال: قال رجل للبراء بن عازب، إن حملت على العدو وحدي فقتلوني، أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤] وإنما هذه في النفقة.\nرواه ابن مردويه وأخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق به، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (^٣)، ورواه الثوري وقيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن البراء، فذكره وقال بعد قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤]: ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب فيلقي بيده إلى التهلكة ولا يتوب (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنن، الجهاد، باب قول الله تعالى: ﴿… وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (ح ٢٥١٢)، والترمذي في السنن، تفسير سورة البقرة (ح ٢٩٧٢)، والنسائي في التفسير (ح ٤٨ و٤٩)، وابن حبان كما موارد الظمآن (ح ١٦٦٧)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٥) كلهم من طريق يزيد بن أبي حبيب به، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٧٣).\n(^٢) تقدم تخريجه في الرواية السابقة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ٢٨١) ورجاله ثقات وسنده صحيح ولا يضر سوء حفظ أبي بكر بن عياش لأن الرواية ثابتة في صحيح البخاري كما تقدم. وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٥).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح ٣/ ٥٨٨.","vol":"2","page":88},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، [حدثني الليث] (^١)، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، أخبره أنهم حاصروا دمشق فانطلق رجل من أزدشنوءة، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فردَّه، وقال عمرو: قال الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^٢).\nوقال عطاء بن السائب: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ليس ذلك في القتال، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله ولا تلق بيدك إلى التهلكة (^٣).\nقال حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن الضحاك، عن أبي جُبير، قال: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله، فنزلت ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^٤).\nوقال الحسن البصري: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: هو البخل (^٥).\nوقال سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: أن يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله: ﴿اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٦) رواه ابن مردوية.\nوقال ابن أبي حاتم: وروي عن عَبيدة السلماني والحسن وابن سيرين وأبي قلابة نحو ذلك، يعني: نحو قول النعمان بن بشير، أنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي: يستكثر من الذنوب فيهلك (^٧). ولهذا (^٨) روى علي بن أبي طلحة (^٩)، عن ابن عباس: التهلكة عذاب الله (^١٠).\nوقال ابن أبي حاتم وابن جرير، جميعًا: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي محمد بن كعب، أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: كان\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(ح) و(عف) ورواية ابن أبي حاتم الآتية.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق هدبة عن حماد به، ورجاله ثقات، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عوف الأعرابي عن الحسن وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الواحدي من طريق حماد بن سلمة عن سماك به (أسباب النزول ص ٤٧)، وذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٠).\n(^٧) ذكرهم ابن أبي حاتم من غير إسناد، وأقوال عَبيدة السلماني وابن سيرين والحسن أخرجها الطبري بأسانيد صحيحة.\n(^٨) كذا في (عش)، وفي الأصل: \"ولذا\".\n(^٩) في الأصل: \"عن أبي طلحة\" والتصويب من (عش) والتخريج.\n(^١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.","vol":"2","page":89},{"text":"القوم في سبيل الله، فيتزود الرجل، فكان أفضل زادًا من الآخر، أنفق الباقين من زاده حتى لا يبقى من زاده شيء، أحبّ أن يواسي صاحبه فأنزل الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^١)، وبه قال ابن وهب أيضًا: أخبرني عبد الله بن عياش (^٢)، عن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وذلك أن رجالًا كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله ﷺ، بغير نفقة، فإما أن يقطع بهم وإما كانوا عيالًا، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش أو من المشي. وقال لمن بيده فضل: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٣).\nومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله، في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم، والإخبار عن ترك ذلك بأنه هلاك ودمار [لمن] (^٤) لزمه واعتاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان، وهو أعلى مقامات الطاعة، فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-203\"></span>﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾.\nلما ذكر تعالى أحكام الصيام، وعطف بذكر الجهاد، شرع في بيان المناسك فأمر بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما، ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: صددتم عن الوصول إلى البيت، ومنعتم من إتمامهما، ولهذا اتفق العلماء، على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء، وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتابنا الأحكام، مستقصى ولله الحمد والمنة.\nوقال شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي أنه قال في هذه الآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، قال: أن تحرم من دويرة أهلك (^٥). وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس (^٦)، وعن سفيان الثوري أنه قال تمامهما (^٧) أن تحرم من أهلك، لا تريد إلا الحج والعمرة وتهل من الميقات، ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبًا من مكة، قلت: لو حججتُ أو اعتمرت، وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم عن يونس به، وسنده حسن.\n(^٢) في الأصل: \"وقال ابن وهب أيضًا أخبرني عبد الله بن عباس\" والتصويب من \"عش\" والتخريج.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به، وسنده حسن.\n(^٤) في الأصل: \"إن\" التصويب من (عش) و(عف).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق وكيع عن شعبة به.\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. وقول سعيد بن جبير وطاوس أخرجهما الطبري بسندين صحيحين.\n(^٧) كذا في الأصل (وعف) ورواية الطبري وفي (عش): \"إتمامهما\".\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق رجل عن سفيان به، ولم يصرح باسم الرجل.","vol":"2","page":90},{"text":"وقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات (^١).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري، قال: بلغنا أن عمر قال في قول الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ لِلَّهِ﴾: من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما من الآخر، وأن تعتمر في غير أشهر الحج، إن الله تعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (^٢) [البقرة: ١٩٧].\nوقال هشيم: عن ابن عون: سمعت القاسم بن محمد يقول: إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة، فقيل له: فالعمرة في المُحَرَّم (^٣)؟ قال: كانوا يرونها تامة (^٤).\nوكذا روي عن قتادة بن دِعامة رحمهما الله (^٥).\nوهذا القول فيه نظر، لأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ، اعتمر أربع عُمر، كلها في ذي القعدة، عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معًا في ذي القعدة سنة عشر ولا اعتمر قط في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال [لتلك المرأة] (^٦): \"عمرة في رمضان تعدل حجة معي\"، وما ذاك إلا لأنها كانت قد عزمت على الحج معه ﵇، فاعتاقت عن ذلك بسبب الطهر، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري ونصَّ سعيد بن جبير على أنه من خصائصها، والله أعلم.\nوقال السدي في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: أي أقيموا الحج والعمرة (^٧). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، يقول: من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحلّ، حتى يتمهما تمام الحج يوم النحر، إذا رمى جمرة العقبة، وزار البيت [وطاف] (^٨) بالصفا والمروة فقد حلَّ (^٩).\nوقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة، والعمرة الطواف (^١٠).\nوكذا روى الأعمش: عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، قال: هي قراءة عبد الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إلى البيت﴾ لا يجاوز بالعمرة البيت قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال كذلك قال ابن عباس (^١١). وقال سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن مكحول.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم عن أحمد بن منصور الرمادي عن عبد الرزاق به، وبين الزهري وعمر انقطاع.\n(^٣) كذا في (عش) و(عف)، وفي الأصل: \"اليوم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة عن هشيم به (المصنف ٤/ ٤٦) وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة، عنه وسنده صحيح.\n(^٦) كذا في (عش) و(ح) و(عف) و(حم)، وفي الأصل: \"لأم هانئ\" والصواب ما أثبتنا، لأن البخاري صرح باسمها وهي أم سنان الأنصارية الصحيح، كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء (ح ١٨٦٣).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عن السدي.\n(^٨) قوله: \"وطاف\" من نسخة (عف).\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده الثابت من طريق علي بن أبي طلحة به وأطول.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شعبة عن قتادة به.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي معاوية عن الأعمش به، وسنده صحيح. وهي قراءة شاذة تفسيرية.","vol":"2","page":91},{"text":"عن علقمة أنه قرأ (وأقيموا الحج والعمرة) إلى البيت (^١)، [وكذا روى الثوري أيضًا، عن منصور، عن إبراهيم، أنه قرأ: (وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت)] (^٢)، وقرأ الشعبي: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ برفع العمرة (^٣)، وقال: ليست بواجبة. وروي عنه خلاف ذلك (^٤).\nوقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة، عن أنس وجماعة من الصحابة، أن رسول الله ﷺ جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: \"من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة\" (^٥)، وقال: في الصحيح أيضًا: \"دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة\" (^٦).\nوقد روى الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثًا غريبًا، فقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عبد الله الهروي، حدثنا غسان الهروي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء، عن صفوان بن أُمية، أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ متضمخ بالزعفران، عليه جبة، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ قال: فأنزل الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"أين السائل عن العمرة\"؟ فقال: ها أنا ذا، فقال له: \"ألق عنك ثيابك ثم اغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت [صانعًا] (^٧) في حجك فاصنعه في عمرتك\" (^٨).\nهذا حديث غريب وسياق عجيب، والذي ورد في الصحيحين عن يعلى بن أُمية في قصة الرجل الذي سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة، فقال: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق؟ فسكت رسول الله ﷺ، ثم جاءه الوحي ثم رفع رأسه فقال: \"أين السائل؟ \" فقال: ها أنا ذا، فقال: \"أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك\" (^٩).\nولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق، ولا ذكر نزول هذه الآية، وهو عن يعلى بن أُمية لا صفوان بن أمية، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست؛ أي عام الحديبية حين حال المشركون بين رسول الله ﷺ وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به. وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(عف).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عون عن الشعبي وسنده صحيح. وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٤) أي أنها واجبة وقد ثبت ذلك فيما رواه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن عمر بن الخطاب، ثم نقل ذلك عن جمع من التابعين بحذف السند.\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أسماء بنت أبي بكر بلفظ: \"من كان معه هدي فليقم على إحرامه … \" (كتاب الحج، باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى ح ١٢٣٦).\n(^٦) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل (كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ ح ١٢١٨).\n(^٧) سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) التخريج.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وهو مخالف لما في الصحيحين كما سيأتي، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بالغرابة.\n(^٩) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب جزاء الصيد، باب إذا أحرم جاهلًا وعليه قميص (ح ١١٤٧) مختصرًا وأخرجه مسلم في صحيحه، الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة (ح ١١٨٠) كاملًا.","vol":"2","page":92},{"text":"سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي، وكان سبعين بدنة، [وأن يحلقوا رؤوسهم] (^١) وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم ﵇ أن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا، فلم يفعلوا انتظارًا للنسخ، حتى خرج فحلق رأسه ففعل الناس، وكان منهم من قصَّر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال ﷺ: \"رحم الله المحلقين\" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الثالثة: \"والمقصرين\" (^٢). وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة، وكانوا ألفًا وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل: بل كانوا على طرف الحرم، فالله أعلم.\nولهذا اختلف العلماء: هل يختص الحصر بالعدو؟ فلا يتحلل إلا من حصره عدو لا مرض ولا غيره على قولين:\nفقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن طاوس، عن أبيه عن ابن عباس، وابن أبي نجيح، عن ابن عباس، أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فليس الأمن حصرًا (^٣). قال: وروي عن ابن عمر وطاوس والزهري وزيد بن أسلم نحو ذلك (^٤)، والقول الثاني: إن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال، وهو التوهان عن الطريق أو نحو ذلك، قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حجاج بن الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، قال: سمعت رسول الله ﷺ: \"من كسر أو عرج فقد حلَّ وعليه حجة أخرى\" قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق (^٥).\nوأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير به (^٦)، [وفي رواية لأبي داود وابن ماجه: \"من عرج أو كسر أو مرض\"، فذكر معناه] (^٧).\nورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عُلية، عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف به، ثم قال: وروي عن ابن مسعود وابن الزبير وعلقمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومجاهد والنخعي وعطاء ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: الإحصار من عدو أو\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(عش) و(ح) واستدرك من (عف).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر، الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير (ح ١٣٠١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي هذه الرواية الثلاثة طرق الأول والثاني أسانيد ثابتة والثالث ابن أبي نجيح لم يدرك ابن عباس إلا أنه متابع بعمرو بن دينار وطاوس.\n(^٤) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٥٠) وهو حديث صحيح كما يلي.\n(^٦) أخرجه أبو داود في سننه، الحج، باب الإحصار (ح ١٨٨٢) والنسائي في سننه، مناسك الحج، باب فيمن أحصر بعدو ٥/ ١٨٩، والترمذي في سننه المناسك، باب المحصر (ح ٣٠٧٧)، والترمذي في سننه، الحج، باب في الذي يهل بالحج (ح ٩٤٠) كلهم من طريق حجاج بن الصواف به، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٧٠).\n(^٧) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(عف) و(ح).","vol":"2","page":93},{"text":"مرض أو كسر (^١).\nوقال الثوري: الإحصار من كل شيء آذاه (^٢).\nوثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال: \"حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني\".\nورواه مسلم عن ابن عباس بمثله.\nفذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث، وقد علَّق الإمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث، قال البيهقي وغيره من الحفاظ: وقد صحَّ ولله الحمد.\nوقوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال الإمام مالك: عن جعفر بن حمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، أنه كان يقول: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة (^٣).\nوقال ابن عباس: الهدي من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن (^٤).\nوقال الثوري، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: شاة (^٥).\nوكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وأبو العالية ومحمد بن علي بن الحسين وعبد الرحمن بن القاسم والشعبي والنخعي والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم مثل ذلك (^٦). وهو مذهب الأئمة الأربعة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة وابن عمر: أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر (^٧).\nقال: وروي عن سالم والقاسم وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير نحو ذلك (^٨).\n(قلت): والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنهم لم ينقل عن أحد منهم\n_________\n(^١) وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وذكر أقوال هؤلاء الصحابة والتابعين بحذف السند.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٣) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه ثم قال: وذلك أحب ما سمعت إليّ في ذلك (الموطأ، الحج، باب ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ح ١٥٨)، ورجال ثقات ولكن والد جعفر: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لم يسمع من جده علي ﵁. وينظر: المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٨٥. وله شواهد تقويه كما سيأتي. وهذه الأثر معمول به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق وكيع به، وسنده صحيح.\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وعليه العمل في المذاهب الأربعة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٨) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.","vol":"2","page":94},{"text":"أنه ذبح في تحلله ذلك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر، [ففي الصحيحين عن جابر، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر] (^١) كل سبعة منّا في بقرة (^٢).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: بقدر يسارته (^٣).\nوقال العوفي: عن ابن عباس: إن كان موسرًا فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم (^٤).\nوقال هشام بن عروة، عن أبيه ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء (^٥).\nوالدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي؛ أي: مهما تيسّر مما يسمى هديًا، والهدي من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن وابن عمِّ رسول الله ﷺ، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵄ قالت: أهدى النبي ﷺ مرة غنمًا (^٦).\nوقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ وليس معطوفًا على قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كما زعمه ابن جرير ﵀، لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنًا، أو من فعل أحدهما إن كان مفردًا أو متمتعًا، كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا من العمرة، ولم تحلّ أنت من عمرتك؟ فقال: \"إني لبدت رأسي وقلدت هدي، فلا أحلّ حتى أنحر\" (^٧).\nوقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني: سمعت عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - فسألته عن فدية من صيام، فقال: حملت إلى النبي ﷺ، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: \"ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ \" قلت: لا، قال: \"صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط، واستدرك من (عش) و(عف).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، الحج، باب الاشتراك في الهدي (ح ١٣١٨).\n(^٣) سنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري وسنده ضعيف وأخرجه من طرق أخرى تقويه منها ما سبق.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن سليم عن هشام به، ويحيى صدوق سيء الحفظ ويشهد له ما تقدم.\n(^٦) صحيح البخاري، الحج، باب تقليد الغنم (ح ١٧٠١ - ١٧٠٢)، وصحيح مسلم، الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم بعد (ح ١٣٢١) بستة أحاديث برقم ٣٦٥.\n(^٧) صحيح البخاري، الحج، باب من لبد رأسه عند الإحرام (ح ١٧٢٥) وصحيح مسلم، الحج، باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاجّ المفرد (ح ١٢٢٩).","vol":"2","page":95},{"text":"من طعام، واحلق رأسك\" فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: أتى عليّ النبي ﷺ وأنا أُوقد تحت قدر والقمل يتناثر على وجهي، أو قال: حاجبي، فقال: \"يؤذيك هوام رأسك؟ \" قال: نعم، قال: \"فاحلقه، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أنسك نسيكة\". قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ (^٢).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية ونحن محرمون وقد حصره المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمر بي النبي ﷺ فقال: \"أيؤذيك هوام رأسك؟ \" فأمره أن يحلق، قال: ونزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٣)، وكذا رواه [عفان] (^٤) عن شعبة، عن أبي بشر وهو جعفر بن إياس به، وعن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به وعن شعبة، عن داود عن الشعبي، عن كعب بن عجرة نحوه.\nورواه الإمام مالك عن [حميد] (^٥) بن قيس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، فذكره نحوه (^٦).\nوقال سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري: أنه سمع كعب بن عجرة يقول: فذبحت شاة، ورواه ابن مردويه (^٧).\nوروي أيضًا من حديث عمر بن قيس مندل وهو ضعيف عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"النسك شاة، والصيام ثلاثة أيام، والطعام فرق بين ستة\" (^٨). وكذا روي عن علي ومحمد بن كعب وعكرمة وإبراهيم ومجاهد وعطاء والسدي والربيع بن أنس (^٩).\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا عبد الله بن وهب، أن مالك بن أنس حدثه، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: أنه كان مع رسول الله ﷺ فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه، وقال: \"صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، مُدَّين مُدَّين لكل إنسان، أو أنسك شاة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه في صحيحه، تفسير سورة البقرة، باب ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا …﴾ [البقرة: ١٨٤] (ح ٤٥١٧).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢)، وأخرجه مسلم من طريق أيوب به، وصحيح مسلم، الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى (ح ١٢٠١)، وأيوب السختياني.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٤١) وسنده صحيح، وأخرجه مسلم كما في سابقه.\n(^٤) في الأصل: \"عيان\" والتصويب من (عف) و(ح) و(مح) ٤/ ١ و(عش).\n(^٥) في الأصل بياض واستدرك من (عف) و(عش) و(ح).\n(^٦) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الحج، باب فدية من حلق قبل أن ينحر ح ٢٣٧) وسنده صحيح.\n(^٧) يشهد له ما سبق من المرفوع.\n(^٨) ويشهد له ما سبق وما لحق.\n(^٩) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. والتخيير في هذه الفدية معمول به.","vol":"2","page":96},{"text":"أي ذلك فعلتَ أجزأ عنك\" (^١). وهكذا روى ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان ﴿أَوْ﴾ فأيه أخذت أجزأ عنك (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاوس والحسن وحميد الأعرج وإبراهيم والنخعي والضحاك نحو ذلك (^٣).\n(قلت): وهو مذهب الأئمة الأربعة، وعامة العلماء أنه مُخير في هذا المقام، إن شاء صام وإن شاء تصدق بفَرق، وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدان، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء أيّ ذلك فعل أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ولما أمر النبي ﷺ كعب بن عجرة بذلك، أرشده إلى الأفضل فالأفضل، فقال: \"أنسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام\"، فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: ذكر الأعمش، قال: سأل إبراهيمُ سعيدَ بن جبير عن هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فأجابه بقول يحكم عليه طعام، فإن كان عنده اشترى شاة، وإن لم يكن قومت الشاة دراهم وجعل مكانها طعام فتصدق، وإلا صام لكل نصف صاع يومًا، قال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر، قال: لما قام قال لي سعيد بن جبير: من هذا ما أظرفه؟ قال: قلت: هذا إبراهيم، فقال: ما أظرفه كان يجالسنا؛ قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، قال: فلما قلت: يجالسنا انتفض منها (^٤).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن أبي عمران، حدثنا عبد الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه، حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين، كل مسكين مكوكين: مكوكًا (^٥) من تمر، ومكوكًا من برّ، والنسك شاة (^٦).\nوقال قتادة: عن الحسن وعكرمة (^٧) في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إطعام عشرة مساكين.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام مالك عن عبد الكريم بن مالك به، وسنده صحيح (الموطأ، الحج، باب فدية من حلق ح ٢٣٧).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ليث به، وليث فيه مقال ولد شواهد آتية تقويه.\n(^٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من ابن أبي نجيح عنه، وقول عطاء أخرجه الطبري بستد صحيح من طريق ابن جريج عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) المكوك: هو المد، وهو مكيال لأهل العراق (انظر: لسان العرب: م ك ك).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه سعيد بن منصور من طريق منصور بن عباد عن الحسن (التفسير رقم ٢٩٥) وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق شعبة عن قتادة عن الحسن وعكرمة، وسنده حسن.\nوأخرجه ابن حزم من طريق شعبة به (المحلى ٧/ ٣١٧).","vol":"2","page":97},{"text":"وهذان القولان من سعيد بن جبير وعلقمة والحسن وعكرمة، قولان غريبان فيهما نظر، لأنه قد ثبتت السنّة في حديث كعب بن عجرة: الصيام ثلاثة أيام لا [عشرة و] (^١) ستة، أو إطعام ستة مساكين، أو نسك شاة، وأن ذلك على التخيير كما دلّ عليه سياق القرآن، وأما هذا الترتيب فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نصُّ القرآن وعليه أجمع الفقهاء هناك بخلاف هذا، والله أعلم.\nوقال هشيم: أخبرنا ليث، عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دمٍ أو طعامٍ فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء (^٢). وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن.\nوقال هشيم: أخبرنا حجاج وعبد الملك وغيرهما، عن عطاء أنه كان يقول: ما كان من دمٍ فبمكة، وما كان من طعامٍ وصيامٍ فحيث شاء (^٣).\nوقال هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، أخبرنا أبو أسماء مولى ابن جعفر، قال: حجَّ عثمان بن عفان ومعه علي والحسين بن علي فارتحل عثمان، قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر فإذا نحن برجل نائم وناقته عند رأسه، قال: فقلت: أيها النؤوم، فاستيقظ فإذا الحسين بن علي، قال: فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا، قال: فأرسل إليّ علي ومعه أسماء بنت عميس، قال: فمرضناه نحوًا من عشرين ليلة، قال: قال علي للحسين: ما الذي تجد؟ قال: فأومأ بيده إلى رأسه، قال: فأمر به عليّ فحلق رأسه، ثم دعا ببدنة فنحرها (^٤).\nفإن كانت هذه الناقة عن الحلق، ففيه أنه نحرها دون مكة، وإن كانت عن التحلل فواضح.\nوقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فإذا تمكنتم من أداء المناسك فمن كان منكم متمتعًا بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولًا، فلما فرغ منها أحرم بالحج، [وهذا هو] (^٥) التمتع الخاص، وهو المعروف في كلام الفقهاء، والتمتع العام يشمل القسمين، كما دلّت عليه الأحاديث الصحاح، فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله ﷺ.\nوآخر يقول: قرن ولا خلاف أنه ساق هديًا، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فليذبح ما قدر عليه من الهدي، وأقله شاة، وله أن يذبح البقر، لأن رسول الله ﷺ ذبح عن نسائه البقر.\nوقال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة (^٦)، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(ح).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به، وسنده حسن.\nولعل الحافظ ابن كثير ينقل من تفسير هشيم فهو هشيم بن بشير صاحب تفسير شهير.\n(^٣) أخرجه الطبري عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به، وسنده صحيح، وأخرجه الإمام مالك عن يحيى بن سعيد به (الموطأ، الحج، باب جامع الهدي ١/ ٣٨٨ ح ١٦٥)، وسنده صحيح.\n(^٥) في الأصل: \"وهو غير\" والتصويب من (عش) و(عف) و(ح).\n(^٦) في الأصل: \"أبو مسلم\" والتصويب من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.","vol":"2","page":98},{"text":"ذبح البقر عن نسائه وكُنَّ متمتعات (^١)، رواه أبو بكر بن مردويه.\nوفي هذا دليل على مشروعية التمتع، كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حُصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله ﷺ، ثم لم ينزل قرآن يحرمها ولم ينهَ عنها، حتى مات، قال لرجل برأيه ما شاء (^٢).\nقال البخاري: يقال: إنه عمر، وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحًا به أن عمر كان ينهى الناس عن التمتع ويقول: إن نأخذ بكتاب فإن الله يأمر بالتمام، يعني قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٣)، وفي نفس الأمر لم يكن عمر ﵁ ينهى عنها محرمًا لها، إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين، كما قد صرح به ﵁.\nوقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ يقول تعالى: فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج؛ أي: في أيام المناسك.\nقال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر، قاله عطاء (^٤)، أو من حين يحرم، قاله ابن عباس وغيره لقوله: ﴿فِي الْحَجِّ﴾، ومنهم من يجوز صيامها من أول شوال، قاله طاوس ومجاهد (^٥) وغير واحد، وجوّز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي وعطاء وطاوس والحكم والحسن وحماد وإبراهيم وأبو جعفر الباقر والربيع ومقاتل بن حيان (^٦)، وقال العوفي عن ابن عباس: إذا لم يجد هديًا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا كان يوم عرفة الثالث، فقد تمّ صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله (^٧)، وكذا روى أبو إسحاق عن [وبرة] (^٨)، عن ابن عمر قال: يصوم يومًا قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة (^٩)، وكذا روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي أيضًا (^١٠).\nفلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد، فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء وهما للإمام الشافعي أيضًا، القديم منهما: أنه يجوز له صيامها لقول عائشة. وعن عائشة\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه من طريق الوليد عن الأوزاعي به، المناسك، باب في هدي البقر (ح ٧٥١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٥٤٠).\n(^٢) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] (ح ٤٥١٨) وصحيح مسلم، الحج، باب جواز التمتع (ح ١٢٢٦).\n(^٣) أخرجه البخاري عن أبي موسى الأشعري عن عمر ﵄، الصحيح، الحج، باب من أهلّ في زمن النبي ﷺ (ح ١٥٥٩).\n(^٤) أخرجه سفيان الثوري في تفسير ص ٦٢ عن ابن جريج عن عطاء به، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وطاوس.\n(^٦) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عطية العوفي عنه.\n(^٨) في الأصل بياض واستدرك من (عش) و(عف) و(ح).\n(^٩) في سنده: وبرة مستور، وهو معروف بالرواية عن ابن عمر وبرواية أبي إسحاق السبيعي عنه (تهذيب التهذيب ١١/ ١١١).\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حاتم بن إسماعيل عن جعفر به، في سنده محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لم يسمع من علي ﵁، كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٨٥.","vol":"2","page":99},{"text":"وابن عمر في صحيح البخاري: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي (^١).\nهكذا رواه مالك عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وعن سالم، عن ابن عمر، وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، وقد روي من غير وجه عنهما (^٢).\nورواه سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، أنه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج، صامهن أيام التشريق (^٣).\nوبهذا يقول عُبيد بن عمير الليثي، عن عكرمة والحسن البصري وعروة بن الزبير (^٤)، والجديد من القولين أنه لا يجوز صيامها أيام التشريق لما رواه مسلم عن نبيشة الهذلي ﵁.\nقال: قال رسول الله ﷺ: \"أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله ﷿ \" (^٥).\nوقوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فيه قولان:\n(أحدهما): إذا رجعتم إلى رحالكم في الطريق، ولهذا قال مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق (^٦).\nوكذا قال عطاء بن أبي رباح (^٧).\nوالقول (الثاني): إذا رجعتم إلى أوطانكم.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سالم، سمعت ابن عمر قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قال: إذا رجع إلى أهله (^٨).\nوكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والزهري والربيع بن أنس (^٩).\nوحكى على ذلك أبو جعفر بن جرير الإجماع (^١٠).\nوقد قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق [معه] (^١١) الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهلّ بالعمرة ثم أهلّ بالحج فتمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: \"من كان منكم أهدى فإنه لا يحل بشيء حرم منه\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الصوم، باب صيام أيام التشريق (ح ١٩٩٧).\n(^٢) الموطأ، الحج، باب صيام التمتع (ح ٢٥٥).\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٤) قول عبيد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، وذكر قول عروة بحذف السند.\n(^٥) صحيح مسلم، الحج، باب تحريم صوم أيام التشريق (ح ١١٤١).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور بن المعتمر عنه.\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرجه الطبري عن سفيان بن وكيع عن وكيع عن فطر عن عطاء، وفي سنده: سفيان بن وكيع: ضعيف ولا يضر لأن العمل على هذا القول.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره وابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.\n(^٩) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^١٠) ذكره في تفسيره.\n(^١١) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(عش) و(ح) والتخريج.","vol":"2","page":100},{"text":"حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهلّ بالحج، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله\" وذكر تمام الحديث. قال الزهري: وأخبرني عروة، عن عائشة بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه، والحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري (^١) به.\nوقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، وكتبت بيدي، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٣٨] وقال: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقيل: معناهُ كاملة الأمر بإكمالها وإتمامها، اختاره ابن جرير، وقيل: معنى ﴿كَامِلَةٌ﴾: أي مجزئة عن الهدي (^٢).\nقال هشيم: عن عباد بن راشد، عن الحسن البصري في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قال: من الهدي (^٣).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به وأنه لا متعة لهم، فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم، حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان - هو الثوري - قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم. وكذا روى ابن المبارك عن الثوري، وزاد الجماعة عليه (^٤)، وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة، لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديًا، أو قال: يجعل بينه وبين الحرم واديًا، [ثم] (^٥) يهلّ بعمرة (^٦).\nوقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: المتعة للناس لا لأهل مكة، من لم يكن أهله من الحرم. وذلك قول الله ﷿: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس (^٧).\nوقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت، كما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن رجل، عن عطاء، قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه بسنده بتمامه، الحج، باب من ساق البدن معه (ح ١٦٩١)، ومسلم في صحيحه، الحج، باب وجوب الدم على المتمتع (ح ١٢٢٧).\n(^٢) ذكره الطبري في تفسيره دون تسمية.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق هشيم به، وسنده حسن.\n(^٤) أي قوله: هم أهل الحرم، والجماعة عليه، كذا ذكره الطبري بسنده ولفظه، وفيه انقطاع بين الثوري وابن عباس ومجاهد فإنه لم يدركهما.\n(^٥) سقط في من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة به، وأخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وقتادة لم يسمع من ابن عباس (المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٦٨).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ولفظه وسنده إلى طاوس حسن.\n(^٨) في سنده رجل مبهم، وهكذا أخرجه عبد الرزاق والطبري في تفسيريهما.","vol":"2","page":101},{"text":"وقال عبد الله بن المبارك: عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مكحول في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: من كان دون الميقات (^١).\nوقال ابن جريج: عن عطاء ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: عرفة ومرّ (^٢) وعرنة (^٣) والرجيع (^٤) وضجنان (^٥) (^٦).\nوقال عبد الرزاق: حدثنا معمر سمعت الزهري يقول من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع (^٧).\nوفي رواية عنه: اليوم واليومين (^٨)، واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة، لأن من كان كذلك يعد حاضرًا لا مسافرًا، والله أعلم (^٩).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم ونهاكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن خالف أمره وارتكب ما عنه زجره.\n\n<span id=\"aya-204\"></span>﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾.\nاختلف أهل العربية في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام فيما عداها وإن كان ذاك صحيحًا، والقول بصحة الإحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وبه يقول إبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد واحتج لهم بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وبأنه أحد النسكين، فصحَّ الإحرام به في جميع السنة كالعمرة.\nوذهب الشافعي ﵀، إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره، فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه، بل. وهل ينعقد عمرة؟ فيه قولان عنه. والقول بأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس وجابر، وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد ﵏، والدليل عليه قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة (^١٠)، وهو أن وقت\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن ابن المبارك به، وسنده صحيح.\n(^٢) منطقة تبعد عن مكة خمسة أميال (معجم البلدان ٤/ ٤٩٣).\n(^٣) عرنة الوادي الذي يحد عرفة من جهة مكة.\n(^٤) الرجيع: ماء لبني هذيل قرب الهدي بين مكة والطائف (معجم البلدان ٢/ ٧٥٦).\n(^٥) ضجنان: جبل بناحية مكة كذا مكتوب في (عف).\n(^٦) أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما بعضًا من طريق سفيان الثوري عن ابن جريج به، وأخرجه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح من طريق الثوري عن ابن جريج به.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر به، بلفظ: \"أو نحو فهو كأهل مكة\".\nوأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، كما هو مثبت في الأصل، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك عن معمر عن الزهري وسنده صحيح.\n(^٩) ذكره الطبري مطولًا في صفحة كاملة.\n(^١٠) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ١١٩.","vol":"2","page":102},{"text":"الحج أشهر معلومات] (^١)، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدل على أنه لا يصح قبلها كميقات الصلاة.\nوقال الشافعي ﵀: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج من أجل قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.\nوكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج (^٢) به.\nورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين عن حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال: من السنّة لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.\nوقال ابن خزيمة في صحيحه: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، [فإن من سنّة الحج أن يحرم في أشهر الحج] (^٣) (^٤). وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي: من السنة كذا في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيّما قول ابن عباس تفسيرًا للقرآن وهو ترجمانه. وقد ورد فيه حديث مرفوع.\nقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا الحسن بن المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج\" (^٥) وإسناده لا بأس به.\nلكن رواه الشافعي والبيهقي من طرق عن ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيهلّ بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا، وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذٍ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس من السنة: أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره، والله أعلم.\nوقوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال البخاري: قال ابن عمر: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة (^٦).\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(عش) و(مح) ٤/ ١.\n(^٢) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (الأم ٢/ ١٣٦)، وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي سنديهما عمر بن عطاء وهو وراز: ضعيف (التقريب ص ٤١٦)، وقد توبع كما سيأتي في رواية ابن مردويه وابن خزيمة فالإسناد يرقى إلى الحسن لغيره.\n(^٣) صحيح ابن خزيمة، المناسك، باب النهي عن الإحرام بالحج في غير أشهر الحج ٤/ ١٦١ (ح ٢٥٩٦) وأخرجه الحاكم من طريق ابن خزيمة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٤٨).\n(^٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(عش) و(مح) ٤/ ١.\n(^٥) في سنده أبو حذيفة وهو: موسى ابن مسعود النهدي: صدوق سيء الحفظ وكان يصحف (التقريب ص ٥٥٤) ولعله هو الذي رفعه لأنه كما قال أن الموقوف أصح وأثبت من المرفوع.\n(^٦) الصحيح، الحج، باب قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ …﴾ [البقرة: ١٩٧] قبل (ح ١٥٦٥).","vol":"2","page":103},{"text":"وهذا الذي علّقه البخاري بصيغة الجزم، رواه ابن جرير، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة (^١).\nإسناد صحيح، وقد رواه الحاكم أيضًا في مستدركه عن الأصم، عن الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير، [عن عبيد الله] (^٢) عن نافع، عن ابن عمر … فذكره وقال: هو على شرط الشيخين (^٣).\n(قلت): وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وعبد الله بن الزبير وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والضحاك بن مزاحم والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان (^٤).\nوهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي يوسف وأبي ثور ﵏، واختار هذا القول ابن جرير، قال: وصحّ إطلاق الجمع (^٥) على شهرين وبعض الثالث للتغليب، كما تقول العرب: زرته العام ورأيته اليوم، وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم (^٦).\nقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما تعجل في يوم ونصف.\nوقال الإمام مالك بن أنس [والشافعي - في القديم] (^٧): هي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله. وهو رواية عن ابن عمر أيضًا.\nقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج. قال: نعم، كان عبد الله يسمي شوالًا وذا القعدة وذا الحجة. قال ابن جريج: وقال ذلك ابن شهاب وعطاء وجابر بن عبد الله صاحب النبي ﷺ (^٩).\nوهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج، وقد حكى هذا أيضًا عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير والربيع بن أنس وقتادة (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) وعف و(ح) والتخريج.\n(^٣) المستدرك (٢/ ٢٧٦)، وصححه ووافقه الذهبي.\n(^٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٥) كذا في الأصل وفي (ح) و(عش) بلفظ: \"الجميع\".\n(^٦) ذكره الطبري في تفسيره بنحوه وأطول.\n(^٧) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(عش) و(ح).\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه سعيد بن منصور (التفسير)، وابن أبي شيبة (المصنف ٤/ ٢١٨) كلاهما من طريق شريك به، وفيه شريك وإبراهيم بن المهاجر كلاهما فيهما مقال إلا إنهما توبعا في الرواية التالية إذ رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن نافع عن ابن عمر وصححه الحافظ ابن كثير كما سيأتي.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير إلى ابن جريج.\n(^١٠) ذكر ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.","vol":"2","page":104},{"text":"وجاء فيه حديث مرفوع لكنه موضوع، رواه الحافظ ابن مردويه من طريق حُصين بن مخارق، وهو متهم بالوضع، عن يونس بن عبيد، عن شهر بن حوشب، عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾: شوال وذو القعدة وذو الحجة\" وهذا كما رأيت لا يصح رفعه، والله أعلم.\nوفائدة مذهب مالك: أنه إلى آخر ذي الحجة بمعنى أنه مختص بالحج، فيكره الاعتمار في بقية ذي الحجة، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، ليس فيها عمرة (^١). وهذا إسناد صحيح.\nقال ابن جرير: وإنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة إنما هي للحج وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج. وقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد عن العمرة في أشهر الحج فقال: كانوا لا يرونها تامة (^٢).\n(قلت): وقد ثبت عن عمر وعثمان ﵄، أنهما كان يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج وينهيان عن ذلك في أشهر الحج، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي: أوجب بإحرامه حجًا، فيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج والمضي فيه.\nقال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض ههنا الإيجاب والإلزام، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يقول: من أحرم بحج أو عمرة (^٣).\nوقال عطاء: الفرض الإحرام (^٤). وكذا قال إبراهيم والضحاك وغيرهم (^٥). وقال [ابن جُريج] (^٦): أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض (^٧).\nقال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير ومجاهد وعطاء وإبراهيم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه وسنده صحيح كما قال الحافظ.\n(^٢) قول ابن عون أخرجه الطبري من إسحاق بن يوسف عن ابن عون به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به، وقول الطبري ورد مطولًا.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق ليث عن عطاء به.\n(^٥) قول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق المغيرة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري من طريق حسين بن عقيل الخراساني عنه ولم أقف على ترجمة حسين بن عقيل ويشهد له ما سبق.\n(^٦) في الأصل: \"ابن جرير\" والتصويب من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج به، وفي سنده عمر بن عطاء ضعيف، ويشهد له الآثار التي تليه.","vol":"2","page":105},{"text":"النخعي وعكرمة والضحاك وقتادة وسفيان الثوري والزهري ومقاتل بن حيان: نحو ذلك. وقال طاوس والقاسم بن محمد: هو التلبية (^١).\nوقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ أي: من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذا التكلم به بحضرة النساء.\nقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس: أن نافعًا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم (^٢).\nقال ابن وهب: وأخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب مثله (^٣).\nقال ابن جرير: وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس، أنه كان يحدو وهو محرم، وهو يقول:\nوهنّ يمشين بنا هَميسا … إن تصدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَميسا (^٤)\nقال أبو العالية: فقلت: تتكلم بالرفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء (^٥).\nورواه الأعمش عن زياد بن حصين عن أبي العالية عن ابن عباس … فذكره (^٦).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، قال: حدثني زياد بن حصين قال: حدثني أبي حصين بن قيس، قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاج، وكنت خليله، فلما كان بعد إحرامنا وقال ابن عباس: فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه ويرتجز ويقول:\nوهنّ يمشين بنا هَميسا … إن تصدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَميسا\nقال: فقلت: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء (^٧).\nوقال عبد الله بن طاوس، عن أبيه: سألت ابن عباس عن قول الله ﷿: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾؟ قال: الرفث: التعريض بذكر الجماع، وهي العرابة في كلام العرب، وهو أدنى الرفث (^٨).\n_________\n(^١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالسند نفسه وبمتنه. وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق يونس الأيلي عن ابن وهب به.\n(^٤) ورد هذا الرجز بدون نسبة وكذا في المحرر الوجيز ١/ ٥٥٥، والبحر المحيط ٢/ ٢٧، والهميس هو صوت نقل خفاق الإبل. واللميس: المرأة الناعمة الملمس، كما في لسان العرب (ل م س).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي سنده رجل مبهم فالسند ضعيف.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق محمد بن حميد الرازي عن جرير عن الأعمش به.\nومحمد بن حميد: ضعيف وقد توبع فقد أخرجه الحاكم من طريق إسحاق بن إبراهيم عن جرير به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٦).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحصين بن قيس لم أجد له ترجمة. وأخرجه سعيد بن منصور من طريق عوف به (التفسير ٣٤٥).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان الثوري عن ابن طاوس به، وسنده حسن.","vol":"2","page":106},{"text":"وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث: الجماع وما دونه من قول الفحش (^١). وكذا قال عمرو بن دينار (^٢).\nوقال عطاء: كانوا يكرهون العرابة، وهو التعريض وهو محرم (^٣).\nوقال طاوس: هو أن يقول للمرأة: إذا حللت أصبتك (^٤)، وكذا قال أبو العالية.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفث: غشيان النساء والقبلة والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك (^٥).\nوقال ابن عباس أيضًا وابن عمر: الرفث: غشيان النساء (^٦).\nوكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم وأبو العالية عن عطاء ومكحول [وعطاء الخراساني، (^٧) وعطاء بن يسار وعطية وإبراهيم النخعي والربيع والزهري والسدي ومالك بن أنس ومقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (^٨).\nوقوله: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ قال مقسم وغير واحد، عن ابن عباس هي: المعاصي (^٩).\nوكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة وإبراهيم النخعي والزهري ومكحول والربيع بن أنس وعطاء بن يسار وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان (^١٠).\nوقال محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الفسوق ما أصيب من معاصي الله صيدًا أو غيره (^١١).\nوكذا روى ابن وهب، عن يونس، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم (^١١).\nوقال آخرون: الفسوق ههنا السباب. قاله ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومجاهد والسدي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق محمد بن بكر البرساني عن ابن جريج عن عطاء وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق محمد بن بكر البرساني عن ابن جريج عن عمرو وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري من علقمة بن مرثد عن عطاء وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري من الحسن بن مسلم عن طاوس وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول ابن عمر أخرجه الطبري من طريق محمد بن إسحاق قال: عن نافع عن ابن عمر، وفي سنده ابن إسحاق لم يصرح بالسماع، وأخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به (المستدرك ٢/ ٢٧٦) وصححه ووافقه الذهبي.\n(^٧) في الأصل: \"أن أبان\" والتصويب من (عش) و(عف) و(ح).\n(^٨) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد.\n(^٩) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق خُصيف عن مقسم به، وسنده حسن.\n(^١٠) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد وأغلب هذه الأقوال أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^١١) أخرجه الحاكم من طريق محمد بن إسحاق به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٦)، وقد توبع ابن إسحاق فأخرجه الطبري من طريق يونس عن نافع به.","vol":"2","page":107},{"text":"وإبراهيم والحسن (^١). وقد يتمسك هؤلاء بما ثبت في الصحيح: \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\" (^٢) [ولهذا رواه ههنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم ﵀ من حديث سفيان الثوري عن زبيد، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ، قال: \"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر\" (^٣).\nوروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ومن حديث أبي إسحاق، عن محمد بن سعد، عن أبيه] (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق ههنا الذبح للأصنام. قال الله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (^٥) [الأنعام: ١٤٥].\nوقال الضحاك: الفسوق: التنابز بالألقاب (^٦).\nوالذين قالوا: الفسوق ههنا: هو جميع المعاصي معهم الصواب، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنّة منهيًا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد، ولهذا قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. وقال في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].\nواختار ابن جرير أن الفسوق ههنا ارتكاب ما نهى عنه في الإحرام من قتل الصيد وحلق الشعر وقلم الأظفار ونحو ذلك، كما تقدم عن ابن عمر، وما ذكرناه أولى، والله أعلم، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حجَّ هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه\" (^٧).\nوقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فيه قولان:\n(أحدهما): ولا مجادلة في وقت الحج وفي مناسكه، وقد بيّنه الله أتم بيان، ووضحه أكمل إيضاح، كما قال وكيع: عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهدًا يقول: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قد بيّن الله أشهر الحج فليس فيه جدال بين الناس (^٨).\nوقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: لا شهر ينسأ ولا جدال في\n_________\n(^١) قول ابن عمر أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما بعضًا.\nوقول ابن عباس أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما بعضًا، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف يشهد له ما سبق، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عنه.\n(^٢) صحيح البخاري، الإيمان، باب خوف المؤمن إن يحبط عمله وهو لا يشعر (ح ٤٨)، وصحيح مسلم، الإيمان، بيان قول النبي ﷺ: \"سباب المسلم فسوق\" (ح ٦٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به، وتقدم تخريجه في الصحيحين.\n(^٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) و(مح).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق حسين بن عقيل عنه.\n(^٧) صحيح البخاري، الحج، باب فضل الحج المبرور (ح ١٥٢١) وصحيح مسلم، الحج، باب فضل الحج والعمرة (ح ١٣٥٠) وما بعده.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق وكيع به، وسنده صحيح.","vol":"2","page":108},{"text":"الحجِّ قد تبيّن ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمهم الله به (^١).\nوقال الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع (^٢)، عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: قد استقام الحج، فلا جدال فيه (^٣). وكذا قال السدي (^٤).\nوقال هشيم: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: المراء في الحج (^٥).\nوقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فالجدال في الحج - والله أعلم - أن قريشًا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب ويقول هؤلاء: نحن أصوب، فهذا فيما نرى، والله أعلم (^٦).\nوقال ابن وهب: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، فقطعه [الله حين] (^٧) أعلم نبيه بالمناسك (^٨).\nوقال ابن وهب: عن أبي صخر، عن محمد بن كعب، قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتمُّ من حجِّكم، وقال هؤلاء: حجُّنا أتمُّ من حجِّكم (^٩).\nوقال حماد بن سلمة، عن جُبير بن حبيب، عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحجِّ أن يقول بعضهم: الحجُّ غدًا، ويقول بعضهم: الحجُّ اليوم (^١٠).\nوقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال، وهو قطع التنازع في مناسك الحجِّ.\n(والقول الثاني): أن المراد بالجدال ههنا المخاصمة. قال ابن جرير: حدثنا عبد الحميد بن بيان، حدثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه (^١١). وبهذا الإسناد إلى أبي إسحاق، عن التميمي، سألت ابن عباس، عن الجدال، قال: المراء تماري صاحبك حتى تغضبه (^١٢). وكذلك\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح به.\n(^٢) في الأصل صحف إلى \"ربيع\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عن السدي به.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق سنيد عن هشيم به وفي سُنده سُنيد فيه مقال وقد توبع في رواية ابن أبي حاتم فأخرجه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري عن خصيف عن مقسم عن ابن عباس، فالإسناد حسن.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به، وسنده صحيح.\n(^٧) في الأصل: \"إنه\" من والتصويب من (عش) و(عف) و(ح) و(مح).\n(^٨) أخرجه الطبري عن يونس عن ابن وهب به، وسنده صحيح.\n(^٩) أخرجه الطبري عن يونس عن ابن وهب به، وسنده صحيح.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حجاج الأنماطي عن حماد به، وسنده صحيح.\n(^١١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده حسن.\n(^١٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه التميمي وهو أربدة: ضعيف وقد تابعه مقسم وعلي أبي طلحة، ويشهد له =","vol":"2","page":109},{"text":"روى مقسم والضحاك عن ابن عباس (^١).\nوكذا قال أبو العالية وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني ومكحول والسدي ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار والضحاك والربيع بن أنس وإبراهيم النخعي وعطاء بن يسار والحسن وقتادة والزهري (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، المِراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك فنهى الله عن ذلك (^٣)، وقال إبراهيم النخعي: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: كانوا يكرهون الجدال.\nوقال محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الجدال في الحج السباب والمنازعة (^٤). وكذا روى ابن وهب عن يونس، عن نافع أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج السباب والمراء والخصومات (^٥). وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن الزبير والحسن وإبراهيم وطاوس ومحمد بن كعب، قالوا: الجدال المراء (^٦).\nوقال عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن بشر، عن عكرمة ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ والجدال: الغضب، أن تغضب عليك مسلمًا إلا أن تستعتب مملوكًا فتغضبه من غير أن تضربه، فلا بأس عليك. إن شاء الله (^٧).\n(قلت): ولو ضربه لكان جائزًا سائغًا (^٨)، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجًا حتى إذا كنا بالعرج (^٩) نزل رسول الله ﷺ فجلست عائشة إلى جنب رسول الله ﷺ وجلست إلى جانب أبي، وكانت زمالة (^١٠) أبي بكر وزمالة رسول الله ﷺ واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظره إلى أن يطلع عليه، فاطلع وليس مع بعيره، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تضله؟ فطفق يضربه ورسول الله ﷺ يبتسم ويقول: \"انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع\".\nوهكذا أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن إسحاق (^١١).\n_________\n= ما سيأتي من آثار من تلاميذ ابن عباس كسعيد بن جبير وعكرمة.\n(^١) أخرجهما الطبري، والضحاك لم يلق ابن عباس، وسند مقسم عن ابن عباس حسن.\n(^٢) ذكر كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٤) أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٦)، وقد توبع ابن إسحاق كما سيأتي في الرواية التالية.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق يونس عن ابن وهب به، وسنده صحيح.\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق سويد عن ابن المبارك به، وسنده حسن.\n(^٨) استدل الحافظ على جواز الضرب بدليل ضعيف كما سيأتي.\n(^٩) قال السندي: قرية جامعة من عمل الفرع على أيام من المدينة (نقلا عن حاشية المسند ٤٤/ ٤٨٥).\n(^١٠) زمالة: أدوات السفر وآلاته (المصدر السابق).\n(^١١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ٤٨٥ ح ٢٦٩١٦)، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب =","vol":"2","page":110},{"text":"ومن هذا الحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال، ولكن يستفاد من قول النبي ﷺ عن أبي بكر ﵁: \"انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع\" كهيئة الإنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك، والله أعلم.\nوقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيد الله، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه\" (^١).\nوقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ لما نهاهم عن إتيان القبيح قولًا وفعلًا، حثهم على فعل الجميل وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة.\nوقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ قال العوفي عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة، يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فقال الله: تزوّدوا ما يكف وجوهكم عن الناس (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري (^٣)، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة أن ناسًا كانوا يحجون بغير زاد فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^٤). وكذا رواه ابن جرير عن عمرو وهو الفلاس، عن ابن عيينة. قال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وما يرويه ابن عيينة أصح.\n(قلت): قد رواه النسائي، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان ناس يحجون بغير زاد، فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^٥). وأما حديث ورقاء فأخرجه [البخاري عن يحيى بن بشر، عن شبابة، وأخرجه] (^٦) أبو داود (^٧)، عن أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي ومحمد بن عبد الله المخزومي عن شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^٨).\n_________\n= المناسك، باب المحرم يؤدب غلامه (ح ١٨١٨)، وابن ماجه في سننه، كتاب المناسك، باب التوقي في الإحرام (ح ٢٩٣٣) كلهم من طريق ابن إسحاق به، وفيه عنعنه ابن إسحاق وهو من المدلسين الذين لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بالسماع، والإسناد ضعيف.\n(^١) المنتخب من مسند عبد الله بن حميد (ح ١١٤٨)، وفي سنده موسى بن عبيدة وهو الربذي: ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس وقد توبع كما سيأتي في رواية البخاري.\n(^٣) في الأصل: \"المصري\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو إسناد صحيح لكنه مرسل ويشهد له ما سيأتي في الصحيح.\n(^٥) السنن، الحج (ح ١١٠٣٣).\n(^٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(عش) و(ح) و(مح).\n(^٧) السنن، الحج (ح ١٧٣٠).\n(^٨) أخرجه البخاري عن يحيى بن بشر عن شبابه به، الصحيح، الحج، باب قول الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] (ح ١٥٢٣).","vol":"2","page":111},{"text":"ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن شبابة، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة به، وروى ابن جرير وابن مردويه من حديث عمرو بن عبد الغفار، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادًا آخر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الدقيق والسويق والكعك (^١). وكذا قال ابن الزبير وأبو العالية ومجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي وسالم بن عبد الله وعطاء الخراساني وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان (^٢).\nوقال سعيد بن جبير: فتزودوا الدقيق والسويق والكعك (^٣).\nوقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قال: الخشكنانج (^٤) والسويق (^٥). قال وكيع أيضًا: حدثنا إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر (^٦). وزاد فيه حماد بن سلمة، عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجودة.\nوقوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] لما ذكر اللباس الحسي نبّه مرشدًا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع.\nقال عطاء الخراساني في قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ يعني: زاد الآخرة (^٧).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبدان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"من يتزوّد في الدنيا ينفعه في الآخرة\" (^٨).\nوقال مقاتل بن حيان لما نزلت هذه الآية ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾: قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله، ما نجد زادًا نتزوّده، فقال رسول الله ﷺ: \"تزوّد ما تكفّ به وجهك عن الناس، وخير ما تزوّدتم التقوى\" رواه ابن أبي حاتم (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق عمرو بن عبد الغفار عن محمد بن سوقة عن نافع به، له شاهد في الصحيح تقدم قبله.\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق محمد بن سوقه عن سعيد بن جبير.\n(^٤) الخشكنانج: هو خبزة تصنع من خالص دقيق الحنطة وتملأ بالسكر واللوز أو الفستق وتقلى (الوسيط باب: خ ش ك).\n(^٥) سنده صحيح وأخرجه الطبري من طريق وكيع به.\n(^٦) في سنده إبراهيم المكي وهو ابن يزيد الخوزي: متروك (التقريب ص ٩٥).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه به، وعثمان: ضعيف.\n(^٨) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ٣٠٥) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٣١١)، وصحح إسناده أحمد شاكر في عمدة التفسير ١/ ٦٥، ولكن في سنده مروان بن معاوية كان يدلس أسماء الشيوخ (التقريب ص ٥٢٦)، ولم يصرح باسم والد شيخه إسماعيل.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان وسنده معضل لأن مقاتلًا من أتباع التابعين.","vol":"2","page":112},{"text":"وقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يقول: واتقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام.\n\n<span id=\"aya-205\"></span>﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾.\nقال البخاري: حدثنا محمد، أخبرني ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج (^١).\nوهكذا رواه عبد الرزاق (^٢) وسعيد بن منصور (^٣) وغير واحد عن سفيان بن عيينة به (^٤). ولبعضهم فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية. وكذا رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ ومجنة وذو المجاز، فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الآية (^٥).\nوروى أبو داود وغيره من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج (^٧).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده (^٨)، وهكذا روى العوفي عن ابن عباس (^٩).\nوقال وكيع: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه بسنده ومتنه، التفسير، باب ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] (ح ٤٥١٩).\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٨.\n(^٣) تفسير سعيد بن منصور (ح ٣٤٧).\n(^٤) لفظ: \"به\" سقط من الأصل.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق علي بن مسهر عن ابن جريج به، وهو بنحو رواية البخاري المتقدمة.\n(^٦) أخرجه أبو داود من طريق يزيد به (السنن، المناسك، باب التجارة في الحج ح ١٧٣١)، وتشهد له رواية البخاري المتقدمة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ويشهد له ما سبق.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، وتشهد له رواية علي بن أبي طلحة.\n(^١٠) أخرجه الطبري عن ابن حميد، عن يحيى بن واضح عن طلحة بن عمرو الحضرمي به، وفي سنده علتان: ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. وطلحة بن عمرو الحضرمي: وهو متروك (التقريب ص ٢٨٣)، فالإسناد ضعيف جدًّا.","vol":"2","page":113},{"text":"[وقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد: سمعت ابن الزبير يقول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج] (^١). ورواه عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي يزيد: سمعت ابن الزبير يقرأ … فذكر مثله سواء. وهكذا فسّرها مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومنصور بن المعتمر وقتادة وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس وغيرهم، وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا شعبة، عن أبي أميمة، قال: سمعت ابن عمر سئل عن الرجل يحج ومعه تجارة، فقرأ ابن عمر: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهذا موقوف (^٢). وهو قوي جيد.\nوقد روي مرفوعًا، قال أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن أبي أُمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا: بلى، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فسأله عن الذي سألتني، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعاه النبي ﷺ، فقال: \"أنتم حجاج\" (^٣).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تميم، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنا نقوم نكري ويزعمون أنه ليس لنا حج، قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون؟ قال: بلى، قال: فأنت حاج، ثم قال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عما سألت عنه، فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٤). ورواه عبد بن حميد في تفسيره، عن عبد الرزاق به، وهكذا روى هذا الحديث أبو حذيفة عن الثوري مرفوعًا (^٥)، وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعًا، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عباد بن العوام، عن العلاء بن المسيب، عن أبي أُمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا أناس نكري في هذا الوجه إلى مكة، وإن أناسًا يزعمون أنه لا حجَّ لنا، فهل ترى لنا حجًّا؟ قال: ألستم تحرمون وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك؟ قال: قلت: [بلى] (^٦)، قال: \"فأنتم حُجَّاج\" ثم قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألت فلم يدر ما يعود عليه، أو قال: فلم يرد عليه شيئًا حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعا الرجل فتلاها عليه، وقال: \"أنتم\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ بالجودة والقوة.\n(^٣) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٤٣٤)، أخرجه أبو داود في سننه، المناسك، باب الكرى (ح ١٧٣٣)، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (ح ٣٠٥٢)، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٤٩٩، كلهم من طريق إسباط به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٥٢٥).\n(^٤) في سنده رجل مبهم وقد صرح باسمه في رواية أحمد أنه أبو أمامة التيمي، وفي رواية ابن أبي حاتم التالية.\n(^٥) في مسنديهما رجل مبهم وقد صرح باسمه في رواية أحمد أنه أبو أمامة التيمي.\n(^٦) قوله: \"بلى\" سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) و(مح).","vol":"2","page":114},{"text":"حُجَّاج\" (^١)، وكذا رواه مسعود بن سعد وعبد الواحد بن زياد وشريك القاضي، عن العلاء بن المسيب به مرفوعًا.\nوقال ابن جرير: حدثني طليق بن محمد الواسطي، حدثنا أسباط هو: ابن محمد، أخبرنا الحسن بن عمرو هو الفقيمي، عن أبي أُمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري، فهل لنا من حج؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قلنا: بلى، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يدر ما يقول له حتى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ …﴾ إلى آخر الآية، وقال النبي ﷺ: \"أنتم حجاج\" (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثني أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا مِنْدل، عن عبد الرحمن بن المهاجر، عن أبي صالح مولى عمرو قال: قلت: يا أمير المؤمنين، كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج (^٣)؟.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ إنما صرف عرفات وإن كان علمًا على مؤنث، لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سمى به بقعة معينة فروعي فيه الأصل فصرف، اختاره ابن جرير (^٤)، وعرفة موضع الوقوف في الحجِّ، وهي عمدة أفعال الحجِّ، ولهذا روى الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن الثوري، عن بكير، عن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الحجُّ عرفات - ثلاثًا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك، وأيام منى ثلاثة، فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه\" (^٥).\nووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، لأن النبي ﷺ وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس، وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\" (^٦). وقال في هذا الحديث: \"فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك\" (^٧)، وهذا مذهب مالك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عباد بن العوام: صدوق يدلس وتغير. وقد توبع كما تقدم في رواية الإمام أحمد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وتقدم تخريجه وصحته في رواية الإمام أحمد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده منزل: ضعيف كما في التقريب.\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه (التفسير ٣/ ٥١١).\n(^٥) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٠٩)، وأخرجه أبو داود في سننه، المناسك، باب من لم يدرك عرفة (ح ١٩٤٩)، والترمذي في سننه، الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع (ح ٨٨٩)، والنسائي في سننه، المناسك، باب الوقوف بعرفة ٥/ ٢٥٦، وابن ماجه في سننه، المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر (ح ٣٠١٥)، والحاكم (المستدرك ١/ ٤٦٤)، وابن خزيمة في صحيحه (ح ٢٨٢٢)، كلهم من طريق الثوري به، قال الترمذي عن ابن عيينة: وهذا أجود حديث رواه الثوري. وقال ابن ماجه: قال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثًا أشرف منه. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢٥٦ (ح ١٠٦٤).\n(^٦) أخرجه مسلم في صحيحه، الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة (ح ١٢٩٧).\n(^٧) أي الحديث قبل السابق وهو حديث الثوري.","vol":"2","page":115},{"text":"وأبي حنيفة والشافعي، ﵏، وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة، واحتجوا بحديث الشعبي، عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي، قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل [لي] (^١) من حج؟ فقال رسول الله ﷺ: \"من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمّ حجه وقضى تفثه\" رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي (^٢).\nثم قيل: إنما سميت عرفات لما رواه عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج، قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل ﵇ إلى إبراهيم ﵇ فحجَّ به، حتى إذا أتى عرفة قال: عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة (^٣).\nوقال ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: إنما سميت عرفة لأن جبريل كان يري إبراهيم المناسك فيقول: عرفت عرفت، فسميت عرفات (^٤).\nوروي نحوه عن ابن عباس وابن عمرو وأبي مِجلز (^٥)، فالله أعلم.\nوتسمى عرفات المشعر الحرام، والمشعر الأقصى، وإلال على وزن هلال، ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة، قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:\nوبالمشعر الأقصى إذا قصدوا … له إلال إلى تلك الشراج القوابل (^٦)\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة، حدثنا أبو عامر، عن زمعة هو: ابن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا، فأخّر رسول الله ﷺ الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس (^٧).\nورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد: ثم وقف بالمزدلفة وصلّى الفجر بغلس، حتى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الآخر دفع، وهذا حسن الإسناد.\n_________\n(^١) قوله: \"لي\" بياض في الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من طريق زكريا عن الشعبي به (المسند ٤/ ١٥)، وأخرجه الترمذي من طريق الشعبي به، وقال: حديث حسن صحيح (السنن، الحج، باب فيمن أدرك الإمام ح ٨٩١)، وأخرجه ابن حبان في موارد الظمآن (ح ١٠١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي وإرواء الغليل (ح ١٠٦٦).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه مطولًا (المصنف ٥/ ٩٦)، وسنده صحيح.\n(^٤) وسنده حسن وأخرجه الطبري من طريق سويد عن ابن المبارك به.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري من طريق ابن طهفة عن أبي الطفيل عن ابن عباس ويشهد له ما سبق عن علي وما سيأتي عن ابن عمرو.\nوقول ابن عمرو - وهو عبد الله - أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سالم بن أبي الجعد عنه، وأبو مجلز ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٦) ذكره ابن هشام (السيرة ١/ ٢٧٤)، والشراج: جمع شرجه وهي مسيل الماء، من الحرة إلى المسيل (النهاية: ش ر ج).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحسنه الحافظ كما سيأتي.","vol":"2","page":116},{"text":"وقال ابن جريج، عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة، قال: خطبنا رسول الله ﷺ وهو بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \"أما بعد - وكان إذا خطب خطبة قال: أما بعد - فإن هذا اليوم الحج الأكبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفًا هدينا هدي أهل الشرك\"، هكذا رواه ابن مردويه، وهذا لفظه، والحاكم في مستدركه، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي، عن عبد الوارث بن سعيد، عن ابن جريج، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^١)، وقد صحَّ وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله ﷺ: لا كما يتوهمه رعاع أصحابنا أنه ممن له رؤية بلا سماع.\nوقال وكيع، عن شعبة، عن إسماعيل بن [الزبيدي] (^٢) عن المعرور بن سويد، قال: رأيت عمر ﵁ حين دفع من عرفة كأني أنظر إليه رجل أصلع على بعير له يوضع وهو يقول: إنا وجدنا الإفاضة هي الإيضاع (^٣).\nوفي حديث جابر بن عبد الله الطويل الذي في صحيح مسلم، قال فيه: فلم يزل واقفًا - يعني عرفة - حتى غربت الشمس، وبدت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أُسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: \"أيها الناس السكينة السكينة\" كلما أتى جبلًا من الجبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر، حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس (^٤).\nوفي الصحيحين عن أُسامة بن زيد أنه سئل: كيف كان يسير رسول الله ﷺ حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نصَّ. والعنق هو انبساط السير، [والنص] (^٥) فوقه (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو محمد ابن بنت الشافعي فيما كتب إليّ عن أبيه أو عمه، عن سفيان بن عيينة قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وهي الصلاتين جميعًا (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (المستدرك ٢/ ٢٧٧)، والبيهقي (السنن الكبرى ٥/ ١٢٥)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٢) زيادة من (عف).\n(^٣) رجاله ثقات وسنده صحيح، ولعله من تفسير وكيع.\n(^٤) صحيح مسلم، الحج، باب حجة النبي ﷺ (ح ١٢١٨).\n(^٥) قوله: \"والنص\" وفي الأصل بلفظ: \"والعنق\" والتصويب من (عش) و(عف).\n(^٦) صحيح البخاري، الحج، باب السير إذا دفع من عرفة (ح ١٦٦٦)، وصحيح مسلم، الحج، باب الإفاضة من عرفات (ح ١٢٨٦).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه.","vol":"2","page":117},{"text":"وقال أبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام، فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة، قال: أين السائل عن المشعر الحرام، هذا المشعر الحرام (^١).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها (^٢).\nوقال هشيم، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر: أنه سئل عن قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ قال: فقال: هو الجبل وما حوله (^٣).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: فرآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال: على ما يزدحم هؤلاء، كل ههنا مشعر (^٤). وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي والربيع بن أنس والحسن وقتادة أنهم قالوا: هو ما بين الجبلين (^٥).\nوقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، قال: وليس المأزمان مأزما عرفة من المزدلفة، ولكن مفاضاهما، قال: فقف بينهما إن شئت، قال: وأحب أن تقف دون قُزَح (^٦) هلمّ إلينا من أجل طريق الناس (^٧).\n(قلت): والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام، لأنها داخل الحرم، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشافعي منهم: القفال وابن خزيمة لحديث عروة بن مضرس (^٨)؟ أو واجب كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء لبسطها موضع آخر غير هذا، والله أعلم.\nوقال عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: \"عرفة كلها موقف، وارفعوا عن عرنة، وجمع كلها موقف إلا محسرًا\" هذا حديث مرسل، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، حدثني سليمان بن موسى، عن جبير بن مُطعِم، عن النبي ﷺ، قال: \"كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرنة (^٩)، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح\" (^١٠) (^١١). وهذا أيضًا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الجراح بن مليح وإسرائيل عن أبي إسحاق به، وسنده صحيح.\n(^٢) سنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به.\n(^٣) سنده حسن، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٤) سنده حسن.\n(^٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد وبعض الأقوال أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة؛ كسند مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والسدي.\n(^٦) قَزَح: موقف قريش في الجاهلية (المعجم البلدان ٤/ ٨٤).\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي زائدة عن ابن جريج به، وسنده صحيح.\n(^٨) حديث صحيح تقدم في بداية تفسير ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ …﴾ [البقرة: ١٩٨].\n(^٩) في الأصل: \"عرنات\" والمثبت من (عش) و(ح) والتخريج، وكلاهما صحيح (انظر: الدرر ٢/ ٤٠٩).\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧/ ٣١٦ ح ٦٧٥١)، وصححه محققوه بالشواهد ولمزيد من الشواهد والوصل ينظر: التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ٤١٧.\n(^١١) أخرجه الطبري من طريق سويد بن نصر عن ابن المبارك به، وأخرجه الإمام مالك بلاغًا (الموطأ، الحج، =","vol":"2","page":118},{"text":"منقطع، فإن سليمان بن موسى هذا، وهو الأشدق، لم يدرك جبير بن مطعم، ولكن رواه الوليد بن مسلم وسويد بن عبد العزيز، عن سليمان، فقال الوليد: عن جبير بن مطعم، عن أبيه، وقال سويد: عن نافع بن جبير، عن أبيه، عن النبي ﷺ … فذكره، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج على ما كان عليه إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ قيل: من قبل هذا الهدى، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول، والكل متقارب ومتلازم وصحيح.\n\n<span id=\"aya-206\"></span>﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾.\nثم - ههنا - لعطف خبر على خبر وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشًا فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحِلّ، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقُطّان (^١) بيته.\nقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن حازم، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكانت سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (^٢). وكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والسدي وغيرهم (^٣)، واختاره ابن جرير وحكى عليه الإجماع، ﵏.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أضللت بعيرًا لي بعرفة فذهبت أطلبه، فإذا النبي ﷺ واقف، قلت: إن هذا من الحمس ما شأنه ههنا (^٤)؟ أخرجاه في الصحيحين (^٥)، ثم رواه البخاري من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس: ما يقتضي أن المراد بالإفاضة ههنا هي: الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار (^٦). فالله أعلم.\n_________\n= باب الوقوف بعرفة ح ١٦٦). وسنده مرسل كما قال الحافظ: ولكنه له شواهد تقويه منها ما رواه مسلم من حديث جابر وفيه: وعرفة كلها موقف (الصحيح، الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف ح ١٤٩)، وهذا شاهد لمطلع الحديث، وأما بقية الشواهد تأتي الإشارة إليها في الحديث التالي.\n(^١) أي سكان.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه بسنده ومتنه، التفسير، باب ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] (ح ٤٥٢٠).\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري من طريق عكرمة عنه ويشهد له رواية البخاري وقول مجاهد وقتادة والسدي أخرجه بأسانيد ثابتة، وقول عطاء أخرجه بسند ضعيف ويشهد له ما سبق.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٢٧/ ٣٠٠ ح ١٦٧٣٧)، وهو متفق عليه كما يلي.\n(^٥) صحيح البخاري، الحج، باب الوقوف بعرفة (ح ١٦٦٤)، وصحيح مسلم، الحج باب في الوقوف (ح ١٢٢٠).\n(^٦) أخرجه البخاري من طريق فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة به (الصحيح، التفسير، باب ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ح ١٥٢١).","vol":"2","page":119},{"text":"وحكاه ابن جرير، عن الضحاك بن مزاحم (^١) فقط. قال: والمراد بالناس إبراهيم ﵇، وفي رواية عنه: الإمام (^٢). قال ابن جرير: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح (^٣).\nوقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ، كان إذا فرغ من الصلاة، يستغفر الله ثلاثًا (^٤). وفي الصحيحين: أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثًا وثلاثين، ثلاثًا وثلاثين (^٥).\nوقد روى ابن جرير ههنا حديث ابن عباس (^٦) بن مرداس السلمي، في استغفاره ﷺ لأمته عشية عرفة، وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة (^٧).\nوأورد ابن مردويه ههنا الحديث الذي رواه البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: \"سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، [أعوذ بك من شر ما صنعت] (^٨)، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة\" (^٩).\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علّمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: \"قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم\" (^١٠).\nوالأحاديث في الاستغفار كثيرة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق مروان بن معاوية الفزاري عن أبي بسطام عن الضحاك.\nوفي سنده مروان بن معاوية الفزاري ثقة لكنه كان يدلس أسماء الشيوخ (التقريب ص ٥٢٦)، ولم يصرح باسم أبي بسطام.\n(^٢) أي: عن الضحاك، والإمام: إبراهيم - علمه الصلاة والسلام - ولم أجده في الطبري ولا في الدر المنثور.\n(^٣) ذكره الطبري بمعناه (التفسير ٣/ ٥٣١).\n(^٤) صحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (ح ٥٩١).\n(^٥) صحيح البخاري، الأذان، باب الذكر بعد الصلاة (ح ٨٤٣)، وصحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (٥٩٥).\n(^٦) كذا في الأصل وفي تفسير الطبري بلفظ العباس بن مرداس.\n(^٧) هذا الحديث اضطربت فيه أقوال النقاد فمنهم من ضعفه كابن عدي في الكامل ٦/ ٢٠٩٤، ومنهم من قواه بالشواهد كالحافظ ابن حجر في الحديث السابع من القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد، ومنهم من جعله في عداد الموضوعات كابن الجوزي، والحق أنه ضعيف فيه نكارة إذ فيه أن الله استجاب لدعاء النبي ﷺ بأنه غفر للظالم من أمته. كما في المسند ٢٦/ ١٣٦ (ح ١٦٢٠٧)، وهذا يخالف ما في الصحيح: \"من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلّه منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم … \" (صحيح البخاري، المظالم، باب \"من كانت له مظلمة … \" ح ٢٤٤٩).\nولو كان قوي السند لحكم عليه الحافظ ابن كثير الذي صرح بأنه جمع جزءً في فضل عرفة.\n(^٨) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.\n(^٩) صحيح البخاري، الدعوات، باب فضل الاستغفار (ح ٦٣٠٦).\n(^١٠) صحيح البخاري، التوحيد، باب ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] (ح ٧٣٨٧)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (ح ٢٧٠٥).","vol":"2","page":120},{"text":"<span id=\"aya-207\"></span>\n\n<span id=\"aya-208\"></span>\n\n<span id=\"aya-209\"></span>﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾.\nيأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها، وقوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ اختلفوا في معناه:\nفقال ابن جريج، عن عطاء: هو كقول الصبي أبه أمه (^١). يعني: كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك، وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس (^٢).\nوروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه (^٣)، وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات [ويحمل الديات] (^٤)، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمد ﷺ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (^٥).\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن أنس بن مالك وأبي وائل وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه وسعيد بن جبير وعكرمة في أحد رواياته، ومجاهد والسدي وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب ومقاتل بن حيان نحو ذلك (^٦).\nوهكذا حكاه ابن جرير عن جماعة (^٧)، والله أعلم.\nوالمقصود منه الحثّ على كثرة الذكر لله ﷿، ولهذا كان انتصاب قوله، أو أشد ذكرًا على التمييز، تقديره كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا، و﴿أَوْ﴾ - ههنا - لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات]، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم] فليست ههنا للشك قطعًا، وإنما هي لتحقيق [المخبر] (^٨) عنه بأنه كذلك أو أزيد منه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الملك عن عطاء، وأخرجه الطبري من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج به، وفيه سنيد: ضعيف وقد توبع في رواية ابن أبي حاتم.\n(^٢) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك، وقول الربيع بن أنس أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي ويشهد له ما سبق من قول عطاء والربيع.\n(^٤) قوله: \"ويحمل الديات\" سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) و(مح).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير به.\n(^٦) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد، وقد أسند بعضها الطبري كما سيأتي في الحاشية الآتية.\n(^٧) فقد أخرج نحوه بإسناد صحيح عن مجاهد، وبإسناد حسن عن أبي وائل، وبإسناد حسن عن قتادة، وبإسناد حسن عن سعيد بن جبير وعكرمة.\n(^٨) في الأصل: \"الخبر\" وما أثبت من (عش) و(عف).","vol":"2","page":121},{"text":"ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبُّه بمن هو كذلك.\nقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللَّهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا، فأنزل الله فيهم: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وكان يجيء بعدهم آخرون [من المؤمنين] (^١) فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (^٢).\nولهذا مدح من يسأله الدنيا والأخرى، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هني، وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة، فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام.\nوقال القاسم بن عبد الرحمن: من أعطي قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وجسدًا صابرًا، فقد أُوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار (^٣).\nولهذا وردت السنّة بالترغيب في هذا الدعاء، فقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ يقول: \"اللَّهم ربنا اتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، [قال: سأل قتادة أنسًا: أي دعوة] (^٥) كان أكثر ما يدعوها النبي ﷺ؟ قال: يقول: \"اللَّهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار\" [وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا\n_________\n(^١) قوله: \"من المؤمنين\" سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يحيى بن الحارث عنه.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً …﴾ [البقرة: ٢٠١] ح ٤٥٢٢).\n(^٥) ما بين معقوفين من (عف) وجاء في الأصل: \"عن أنس قال\" والصواب ما أثبت كما سيأتي في صحيح مسلم.","vol":"2","page":122},{"text":"أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه] (^١) (^٢) ورواه مسلم (^٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن شداد - يعني: أبا طالوت -، قال: كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم، فقال: \"اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار\" وتحدثوا ساعة، حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة، إن إخوانك يريدون القيام، فادع الله لهم، فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كله (^٤).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ: \"هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ \" قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ: \"سبحان الله لا تطيقه - أو لا تستطيعه -، فهلا قلت: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قال: فدعا الله فشفاه (^٥).\nانفرد بإخراجه مسلم، فرواه من حديث ابن أبي عدي (^٦) به (^٧).\nوقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد مولى السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (^٨).\nورواه الثوري عن ابن جريج كذلك. وروى ابن ماجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحو ذلك (^٩). وفي سنده ضعيف، والله أعلم.\nوقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا سعيد بن\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) وصحيح مسلم.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٠١)، وهو في الصحيح كما يلي.\n(^٣) أخرجه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن علية به (الصحيح، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل (ح ٢٦٩٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٠٧)، وأخرجه مسلم من طريق ابن أبي عدي به (الصحيح، الذكر والدعاء، باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة ح ٢٦٨٨).\n(^٦) في الأصل: \"أبي عدي\" والتصويب من (عف) و(عش) ورواية مسلم.\n(^٧) تقدم عزوه في تخريج رواية الإمام أحمد السابقة.\n(^٨) أخرجه الشافعي في مسنده بسنده ومتنه (ترتيب مسند الشافعي، كتاب الحج، باب فيما يلزم الحاج بعد دخول مكة ١/ ٣٤٧ ح ٨٩٨)، وسنده حسن. أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣/ ٤١١)، وابن أبي شيبة (المصنف ٤/ ١٠٨)، وابن حبان (موارد الظمآن ح ١٠٠١)، كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن ابن جريج به، وأخرجه أبو داود من طريق عيسى بن يونس عن ابن جريج به (السنن، المناسك، باب الدعاء في الطواف ح ١٨٩٣)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٦٦٦)، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان عن ابن جريج وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٧٧).\n(^٩) سنن ابن ماجه، المناسك، باب أفضل الطواف (ح ٢٩٥٧)، وفي سنده حميد بن أبي سويد: مجهول (التقريب ص ١٨١)، فهو كما قال الحافظ: في سنده ضعف.","vol":"2","page":123},{"text":"سليمان، عن إبراهيم بن سليمان، عن عبد الله بن هرمز، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكًا يقول: آمين، فإذا مررتم عليه فقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ \" (^١).\nوقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم، أفيجزي ذلك؟ فقال: أنت من الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجا (^٢).\n\n<span id=\"aya-210\"></span>﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾.\nقال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر (^٣).\nوقال عكرمة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ يعني: التكبير أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات: الله أكبر الله أكبر (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: \"يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب\" (^٥).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا هُشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله\" (^٦) ورواه مسلم أيضًا (^٧)، وتقدم حديث جبير بن مطعم: \"عرفة كلها موقف، وأيام التشريق كلها ذبح\" (^٨). وتقدم أيضًا حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: \"وأيام منى ثلاثة فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه\" (^٩).\n_________\n(^١) في سنده عبد الله بن هرمز - وهو المكي - ضعيف (التقريب ص ٣٢٣).\n(^٢) ووافقه الذهبي على تصحيحه (المستدرك ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بدون ذكر الأيام المعلومات.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٢ - ١٥٣)، وصححه أحمد شاكر برقم (٧١٣٤ و٩٠٠٨)، وأخرجه الترمذي من طريق موسى بن علي به، وقال: حسن صحيح (السنن، الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق ح ٧٧٣) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٦٢٠).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٧٥ - ٧٦)، وهو في الصحيح كما يلي.\n(^٧) صحيح مسلم، الصيام، باب تحريم صوم أيام التشريق (ح ١١٤١).\n(^٨) وهو حديث صحيح تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ …﴾ [البقرة: ١٩٨].\n(^٩) وهو حديث صحيح أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٨).","vol":"2","page":124},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلّاد بن أسلم قالا: حدثنا هشيم، عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ[قال: \"أيام التشريق أيام طعم وذكر الله\"، وحدثنا خلّاد بن أسلم، حدثنا روح، حدثنا صالح، حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ] (^١) بعث عبد الله بن حذافة يطوف في مِنَى: \"لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله ﷿\" (^٢). وحدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق فقال: \"إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله إلا من كان عليه صوم من هدي\" زيادة حسنة ولكن مرسلة (^٣). وبه قال هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار أن رسول الله ﷺ بعث بشر بن سحيم فنادى في أيام التشريق فقال: \"إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله\" (^٤).\nوقال هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة قالت: نهى رسول الله ﷺ عن صوم أيام التشريق، قال: \"وهي أيام أكل وشرب وذكر الله\" (^٥).\nوقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن أمه قالت: [لكأني] (^٦) أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء حتى وقف على شعب الأنصار وهو يقول: يا أيها الناس، إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر (^٧).\nوقال مقسم، عن ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق؛ أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده (^٨).\nوروي عن ابن عمر وابن الزبير وأبي موسى وعطاء ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم النخعي [ويحيى بن أبي كثير] (^٩) والحسن وقتادة والسدي والزهري والربيع بن أنس والضحاك ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني ومالك بن أنس وغيرهم مثل ذلك (^١٠).\nوقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده اذبح في أيهن شئت، وأفضلها\n_________\n(^١) ما بين المقعوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) ورواية الطبري.\n(^٢) أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما ويشهد له ما تقدم من حديث نبيشة في صحيح مسلم.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. وهو مرسل ولشطره الأول شاهد تقدم من حديث نبيشة في الصحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري عن يعقوب عن هشيم به، وهو مرسل.\n(^٥) أخرجه الطبري عن يعقوب عن هشيم وأخرجه الطحاوي من طريق هشيم به (شرح معاني الآثار ٢/ ٢٤٤ وله شواهد تقدمت.\n(^٦) في الأصل: \"فكأني\" وما أثبت من (عف) و(عش) و(ح).\n(^٧) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (ح ٢١٤٧)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، كلهم من طريق ابن إسحاق به، وفيه عنعنة ابن إسحاق وقد صرح بالسماع في رواية للإمام أحمد فأخرجه من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي سلمة عن مسعود بن الحكم به (المسند ٢/ ١١٦ ح ٧٠٨)، وسنده حسن. وما تقدم يشهد له.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الحكم عن مقسم به.\n(^٩) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(عش) و(ح).\n(^١٠) ذكرهم كلهم أبي حاتم بحذف الأسانيد، وأخرج الطبري بأسانيد ثابتة عن مجاهد وإبراهيم وقتادة والسدي وشعبة وعطاء نحوه.","vol":"2","page":125},{"text":"أولها (^١).\nوالقول الأول هو المشهور، وعليه دلّ ظاهر الآية الكريمة حيث قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فدلّ على ثلاثة بعد النحر ويتعلق بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ ذكر الله على الأضاحي وقد تقدم، وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي ﵀ وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق ويتعلق به. أيضًا الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال وفي وقته أقوال للعلماء أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو آخر النفر الآخر، وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني لكن لا يصح مرفوعًا (^٢)، والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يكبر في قبته فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منًى تكبيرًا، ويتعلق بذلك أيضًا التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: \"إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله ﷿ \" (^٣).\n[ولما ذكر الله تعالى النفر الأول والثاني وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والموقف، قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾ [المؤمنون: ٧٩]] (^٤).\n\n<span id=\"aya-211\"></span>﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾.\nقال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله ﷺ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك (^٥).\nوعن ابن عباس، أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فأنزل الله ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (^٦).\nوقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم، وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد (^٧)، وهو الصحيح.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق المنهال بن عمرو عن زرٍّ بن حبيش عنه.\n(^٢) أخرجه الدارقطني من حديث جابر من عدة طرق كلها عن عمرو بن شمر (السنن، كتاب العيدين ٢/ ٤٩ - ٥٠ ح ٢٦ - ٢٩)، ونقل أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي أقوال النقاد في تكذيب عمرو بن شمر. وذكر الحافظ أنه لا يصح مرفوعًا.\n(^٣) السنن، المناسك، باب في الرمي (ح ١٨٨٨).\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(عش) و(ح).\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق أسباط عنه به، وسنده مرسل.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عنه.\n(^٧) قول قتادة ومجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح، وقول الربيع بن أنس يرويه عن أبي العالية أخرجه ابن أبي =","vol":"2","page":126},{"text":"وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نوف وهو البكالي وكان ممن يقرأ الكتب، قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، فعليّ يجترئون وبي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران، قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون فوجدتها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ …﴾ الآية (^١).\nوحدثني محمد بن أبي معشر: أخبرني أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترئون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أُنزلت هذه الآية؟ فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد (^٢).\nوهذا الذي قاله القرظي، حسن صحيح.\nوأما قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ فقرأه ابن محيصن (وَيشهد اللهُ) بفتح الياء وضم الجلالة (^٣).\n﴿عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناها هذا وإن أظهر لكم الجميل لكن الله يعلم من قلبه القبيح كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون] وقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة (^٤)، ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق [كقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٠٨]] (^٥) هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٦).\nوقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه، وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٧)، واختاره ابن جرير وعزاه\n_________\n= حاتم بسند جيد.\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه أبو معشر نجيح: ضعيف كما في التقريب واستحسن متنه الحافظ.\n(^٣) وهي قراءة شاذة.\n(^٤) وهي قراءة متواترة.\n(^٥) الزيادة من (عش) و(عف) و(ح).\n(^٦) إسناده حسن، وهذا الأثر هو الذي تقدم تخريجه في تفسير الطبري وابن أبي حاتم.\n(^٧) رواية عبد الرحمن بن زيد أخرجها الطبري من طريق ابن وهب عنه مرفوعًا، وسنده معضل لأن عبد الرحمن تابع تابعي.","vol":"2","page":127},{"text":"إلى ابن عباس وحكاه عن مجاهد (^١)، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ الألَد في اللغة الأعوج ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] أي: عوجًا، وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\" (^٢).\nوقال البخاري: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان عن ابن جريج، عن ابن مليكة، عن عائشة ترفعه، قال: \"أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم\" (^٣). قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدثنا سفيان، حدثنا ابن جريج عن ابن مليكة عن عائشة عن النبي ﷺ (^٤)، وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر في قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ، قال: \"إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-212\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ أي: هو أعوج المقال سيء الفعال، فذلك قوله وهذا فعله، كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة، والسعي - ههنا - هو القصد، كما قال إخبارًا عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية: \"إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار\" (^٦)، فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس إلا بهما.\nوقال مجاهد: إذا سعى في الأرض فسادًا، منع الله القطر فهلك الحرث والنسل (^٧).\n﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك.\n\n<span id=\"aya-213\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتقِ الله وانزع عن قولك وفعلك وارجع إلى الحق، امتنع وأبى وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ\n_________\n(^١) عزاه إلى ابن عباس أي الرواية المتقدمة من رواية ابن إسحاق، وما حكاه عن مجاهد فقد أخرجه أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو، المظالم، باب إذا خاصم فجر (ح ٢٤٥٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، بيان خصال المنافق (ح ٥٨).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه بسنده ومتنه، التفسير، باب ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] (ح ٤٥٢٣).\n(^٤) صحيح البخاري، الأحكام، باب الألد الخصم (ح ٧١٨٨).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (التفسير ١/ ٩٧).\n(^٦) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا بعدة ألفاظ (الصحيح، المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة ح ٦٠٢) وما بعده.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق النضر بن عربي عنه.","vol":"2","page":128},{"text":"﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾ [الحج]، ولهذا قال في هذه الآية: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي: هي كافيته عقوبة في ذلك.\n\n<span id=\"aya-214\"></span>وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: نزلت في صُهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة وقالوا له: ربح البيع فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وما ذاك؟ فأخبره أن الله أنزل فيه هذه الآية (^١).\nويروَى أن رسول الله ﷺ قال له: \"ربح البيع صهيب ربح البيع صهيب\" (^٢). قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا جعفر بن سليان الضبعي، حدثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صُهيب، قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي ﷺ قالت لي قريش: يا صُهيب قدمت إلينا، ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك! والله لا يكون ذلك أبدًا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: \"رَبح صُهيب رَبح صُهيب\" مرتين (^٣).\nوقال حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: أقبل صُهيب مهاجرًا نحو النبي ﷺ فاتبعه نفر من قريش، فنزل [عن] (^٤) راحلته وأنثل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل (^٥) سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النبي ﷺ قال: \"ربح البيع ربح البيع\" قال: ونزلت ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مختصرًا وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٨)، وأخرجه ابن سعد (الطبقات ٣/ ٢٢٨)، الحارث بن أبي أُسامة (بغية الباحث ح ٦٧٩)، وابن أبي حاتم كلهم من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن صهيب وعلي بن زيد هو ابن جدعان: ضعيف. وله شواهد سابقة ولاحقة.\nوأخرجه الطبري بسند ضعيف عن عكرمة بنحوه.\n(^٢) لفظ رواية الحاكم: \"أبا يحيى ربح البيع\".\n(^٣) سنده حسن إذا سمع أبو عثمان النهدي من صهيب. وإذا لم يسمع فسنده حسن لغيره بما سبق. وقد أخرجه ابن سعد من طريق أبي عثمان قال: بلغني أن صهيبًا .. (الطبقات الكبرى ٢/ ٢٢٧).\n(^٤) في الأصل: \"من\".\n(^٥) في الأصل: \"كل\".\n(^٦) في سنده علي بن زيد تقدم الكلام عنه في الرواية قبل السابقة.","vol":"2","page":129},{"text":"وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى: ﴿* إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة].\nولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس، فردَّ عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-215\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾.\nيقول الله تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك، قال العوفي، عن ابن عباس ومجاهد وطاوس والضحاك وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يعني: الإسلام (^٢).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يعني: الطاعة (^٣).\nوقال قتادة أيضًا: [الموادعة] (^٤).\nوقوله (^٥): ﴿كَافَّةً﴾ قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة والضحاك: جميعًا، وقال مجاهد: أي: اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.\nوزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة وطائفة استأذنوا رسول الله ﷺ في أن يسبتوا وأن يقوموا بالتوراة ليلًا، فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها (^٦).\n_________\n(^١) أخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن المغيرة بن شعبة أن عمر بن الخطاب كتب نحو ما ذكر دون تسمية هشام بن عامر.\nورواية أبي هريرة أخرجها الطبري وفيها تسمية هشام بن عامر.\n(^٢) رواية العوفي عن ابن عباس أخرجها الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف لكنه يتقوى برواية مجاهد التي رواها الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح، ورواية قتادة أخرجها عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، ورواية السدي أخرجها الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، ورواية ابن زيد أخرجها الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه، ورواية الضحاك أخرجها الطبري بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان.\n(^٣) قول الضحاك عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس. وقول أبي العالية والربيع بن أنس ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٤) قوله: \"الموادعة\" سقط من الأصل، واستدرك من (ح) و(عش) و(عف).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج عن عكرمة مرسلًا. وسُنيد: ضعيف.","vol":"2","page":130},{"text":"وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام.\nومن المفسرين من يجعل قوله: ﴿كَافَّةً﴾ حالًا من الداخلين؛ أي: ادخلوا في الإسلام كلكم والصحيح الأول، وهو أنهم أمروا [كلهم] (^١) أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام وهي كثيرة جدًّا ما استطاعوا منها، كما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل بن زكريا، حدثني محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ كذا قرأها بالنصب، يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد ﷺ ولا تدعوا منها شيئًا وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها (^٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: اعملوا الطاعات واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة] و﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\nقال مطرف: أغشّ عباد الله لعبيد الله الشيطان (^٣).\n\n<span id=\"aya-216\"></span>وقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: عدلتم عن الحق بعدما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله عزيز؟ أي: في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه، ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته حكيم في أمره (^٤). وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في عذره وحجته إلى عباده (^٥).\n\n<span id=\"aya-217\"></span>﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾.\nيقول تعالى مهددًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يعني: يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ [الفجر] وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨].\n_________\n(^١) قوله: \"كلهم\" سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم سنده ومتنه وفيه محمد بن عون: متروك كما في التقريب. فالإسناد ضعيف جدًّا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قتادة عن مطرف.\n(^٤) قول أبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وذكر قتادة بدون سند.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل.","vol":"2","page":131},{"text":"وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير - ههنا - حديث الصور بطوله من أوله عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه: أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا من آدم فمن بعده فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد ﷺ، فإذا جاؤوا إليه قال: \"أنا لها أنا لها\" فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي بفصل القضاء بين العباد فيشفعه الله ويأتي في ظلل من الغمام بعدما تنشق السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة، ثم الثانية، ثم الثالثة، إلى السابعة، وينزل حملة العرش والكروبيون، قال: وينزل الجبار ﷿ في ظلل من الغمام والملائكة، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ربِّ العرش (^١) ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه أبدًا أبدًا (^٢).\nوقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه - ههنا - أحاديث فيها غرابة، والله أعلم. فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن مسروق، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: \"يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي\" (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت عبد الجليل القيسي يحدث عن عبد الله بن عمرو ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ الآية. قال: يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب (^٤).\nقال: وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد. قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: ظلل من الغمام منظوم بالياقوت، مكلل بالجوهر والزبرجد (^٥).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في ظلل من الغمام، قال: هو غير السحاب ولم يكن قط إلا\n_________\n(^١) كذا في الأصل و(عش)، وفي (عف) و(ح): \"ذي العرش\".\n(^٢) أخرجه الطبري مطولًا وفي سنده رجل مبهم من الأنصار، وإسماعيل بن رافع المدني ضعيف (الكامل لابن عدي ١/ ٢٧٨).\n(^٣) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب (المسند ص ٢٠٦)، والحاكم في (المستدرك ٢/ ٣٧٦)، كلاهما من طريق المنهال بن عمرو به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وذكره المنذري عن مسعود مطولًا قال: رواه ابن أبي الدنيا والطبراني من طرق أحدها صحيح واللفظ له (الترغيب ٤/ ٣٩١ - ٣٩٥)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني من طرق ورجال أحدهما رجال الصحيح غير أبي خالد الدالي وهو ثقه (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٤٣)، وصححه الذهبي في كتاب العلو، والألباني في مختصر العلو ص ١١١ (ح ٩٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وزهير بن محمد التميمي ضعيف (انظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٣٤٨)، وهو منقطع لأن هذه الأمور الغيبية تؤخذ عن النبي ﷺ والصحابة ﵃.","vol":"2","page":132},{"text":"لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا (^١).\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءة (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام) وهي كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان] (^٢).\n\n<span id=\"aya-218\"></span>﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل: كم شاهدوا مع موسى من آية بينة؛ أي: حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به، كيده وعصاه وفلقه البحر وضربه الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المن والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها وبدلوا نعمة الله [كفرًا] (^٣)؛ أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، كما قال تعالى إخبارًا عن كفار قريش: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم] ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذي رضوا بها، واطمأنوا إليها وجمعوا الأموال ومنعوها من مصارفها التي أمروا بها، مما يرضي الله عنهم وسخروا من الذين آمنوا، الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوه ابتغاء وجه الله، فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين،\n\n<span id=\"aya-219\"></span>ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: يرزق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاء كثيرًا جزيلًا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث \"ابن آدم أَنفق أُنفق عليك\" (^٤).\nوقال النبي ﷺ: \"أنفق بلالًا ولا تخش من ذي العرش إقلالًا\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد عن أبي جعفر به، وما ورد من القراءة فهي شاذة. وأخرجه الطبري بسند حسن أنها قراءة أُبي بن كعب ﵁ ولعلها من القراءة المنسوخة.\n(^٣) قوله: \"كفرًا\" سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(عش) و(ح).\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] (ح ٤٦٨٤)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الحث على النفقة (ح ٩٩٣).\n(^٥) أخرجه الطبراني من طريق قيس بن الربيع عن أبي حصين عن يحيى بن وثاب عن مسروق عن ابن مسعود مرفوعًا (المعجم الكبير ١٠/ ١٩١ - ١٩٢، ح ١٠٣٠٠)، قال الهيثمي: وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٣/ ١٢٦)، وقد توبع قيس إذ أخرجه الأصبهاني في الترغيب=","vol":"2","page":133},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وفي الصحيح: \"إن ملكين [ينزلان من السماء صبيحة] (^١) كل يوم فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خَلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا\" (^٢).\nوفي الصحيح: \"يقول ابن آدم: مالي مالي. [وهل لك من] (^٣) مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس\" (^٤).\nوفي مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: \"الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-220\"></span>﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾.\nقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا همام عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين (^٦) نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله (كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا) (^٧). ورواه الحاكم في مستدركه من حديث بندار محمد بن بشار ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٨)، كذا روى أبو جعفر الرازي عن أُبي العالية، عن أُبي بن كعب أنه كان\n_________\n= والترهيب ٢/ ٨٣٧ (ح ٢٠٤٩)، من طريق مفضل بن صالح عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن مسروق به، وله شاهد أخرجه البزار والطبراني في الكبير برقم (١٠٢٠)، وفي الأوسط وحسنه المنذري (الترغيب ٢/ ٥١)، وحسنه السخاوي في المقاصد الحسنة ص ١٠٤.\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.\n(^٢) صحيح البخاري، الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل] (ح ١٤٤٢)، وصحيح مسلم الزكاة، باب من المنفق والممسك (ح ١٠١٠).\n(^٣) في الأصل: وإن والتصويب من (عف) و(عش) و(ح) والتخريج.\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق (ح ٢٩٥٩).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق دويد عن أبي إسحاق، عن زرعة، عن عائشة مرفوعًا (المسند ٤/ ٤٨٠، ح ٢٤٤١٩)، وضعفه محققوه والألباني من ضعيف الجامع الصغير ٣/ ١٦٠، وقال السخاوي: ورجاله ثقات (المقاصد الحسنة ص ٢١٧)، وجود إسناده المنذري في الترغيب ٤/ ٧٧، والعراقي في تخريج الإحياء ٣/ ٢٠٣، وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير دويد وهو ثقة (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٨٨)، ودويد مقبول وكان يرسل كما في التقريب، لذلك جُود إسناده فلا يضعف ولا يوثق، وكم من المقبولين أخرج لهم أرباب الصحاح.\n(^٦) في الأصل: \"كان فيما بين\" وما أثبت من (عف) و(عش) و(ح) ورواية الطبري.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده صحيح، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق شيبان بن فروخ عن همام به، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن بشار به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٤٦)، ولعل قراءة ابن مسعود من القراءة المنسوخة فقد ثبت أيضًا عن أُبي.\n(^٨) المستدرك ٢/ ٥٤٦.","vol":"2","page":134},{"text":"يقرؤها (كان الناس أمة واحدةً فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) (^١).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: كانوا على الهدى جميعًا فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين فكان أول من بعث نوحًا (^٢). وهكذا قال مجاهد، كما قال ابن عباس أولًا (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: كانوا كفارًا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (^٤).\nوالقول الأول عن ابن عباس أصح سندًا ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾، قال: قال النبي ﷺ: \"نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع فغدًا لليهود وبعد غد للنصارى\" (^٥)، ثم رواه عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة (^٦).\nوقال ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد ﷺ ليوم الجمعة واختلفوا في القبلة فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس فهدى الله أمة محمد للقبلة واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أُمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق آدم بن أبي إياس عن أبي جعفر به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في تفسيره، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ضعيف.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وهو متفق عليه أخرجه البخاري من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة (الصحيح، الجمعة، باب فرض الجمعة ح ٨٧٦)، وأخرجه مسلم من طريق الأعرج وأبي صالح وهمام كلهم عن أبي هريرة به (الصحيح، الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ح ٨٥٥).\n(^٦) سنده صحيح.","vol":"2","page":135},{"text":"إبراهيم ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أُمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى ﵇، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أُمة محمد ﷺ للحق من ذلك (^١).\nوقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله ﷿ وحده، وعبادته لا شريك له، هاقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون، أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم، وفي قراءة أُبي بن كعب: (وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، وكان أبو العالية يقول في هذه الآية: المخرج من الشبهات والضلالات والفتن (^٢).\nوقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بعلمه بهم وبما هداهم له، قاله ابن جرير (^٣):\n﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من خلقه ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: وله الحكمة (^٤) والحجة البالغة، وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله ﷺ، كان إذا قام من الليل يصلي يقول: \"اللَّهم ربِّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\" (^٥).\nوفي الدعاء المأثور: \"اللَّهم أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إمامًا\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-221\"></span>﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قبل أن تبتلوا وتخبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به، وفي سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب.\n(^٣) ذكره الطبري، بلفظ: \"بعلمه بهم لما هداهم له\" (التفسير ٣/ ٦٣٣).\n(^٤) في الأصل: \"الحكم\" وما أثبت من (عف) و(عش) و(ح).\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين (ح ٧٧٠).\n(^٦) ذكره العراقي بلفظ: \"اللهم أرني الحق حقًّا فأتبعه\" (المغني عن حمل الأسفار ٢/ ٣٦٦).","vol":"2","page":136},{"text":"قال ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير ومرة الهمداني والحسن وقتادة والضحاك والربيع والسدي ومقاتل بن حيان (^١): ﴿الْبَأْسَاءِ﴾ الفقر.\nقال ابن عباس: ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ السقم ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ خوفًا من الأعداء زلزالًا شديدًا، وامتحنوا امتحانًا عظيمًا (^٢)، كما جاء في الحديث الصحيح عن خبَّاب بن الأرت، قال: قلنا: يا رسول اللّه، ألا تستنصر لنا، ألا تدعو اللّه لنا؟ فقال: \"إن من كان قبلكم [كان أحدهم] (^٣) يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه\"، ثم [قال] (^٤): \"واللّه ليتمنَّ اللّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا اللّه والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون\" (^٥).\nوقال اللّه تعالى ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت]، وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة - رضي اللّه تعالى عنهم - في يوم الأحزاب، كما قال اللّه تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ الآيات [الأحزاب]. ولما سأل هِرَقل أبا سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كانت (^٦) الحرب بينكم؟ قال: سجالًا، يدال علينا وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة (^٧).\nوقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: سنتهم كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ [الزخرف]، وقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة، قال اللّه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح]، وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها، ولهذا قال: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ وفي حديث أبي رزين: \"عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه، فينظر إليهم قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب … \" الحديث (^٨)] (^٩).\n_________\n(^١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا رواية ابن مسعود أخرجها بسند حسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٣) قوله: \"كان أحدهم\" سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.\n(^٤) قوله: \"قال\" سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.\n(^٥) صحيح البخاري، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (ح ٣٦١٢ و٦٩٤٣).\n(^٦) في الأصل: \"كان\" والتصويب (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.\n(^٧) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي (ح ٧).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٦/ ١٠٦، ح ١٦١٨٧)، وضعفه محققوه.\n(^٩) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(عف) و(ح).","vol":"2","page":137},{"text":"<span id=\"aya-222\"></span>﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾.\nقال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوع (^١). وقال السدي: نسختها الزكاة (^٢)، وفيه نظر، ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس ومجاهد (^٣)، فبيَّن لهم تعالى ذلك، فقال: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي اصرفوها في هذه الوجوه. كما جاء الحديث: \"أُمكَ وأباكَ وأُختك وأخاك، ثم أناك أناك\" (^٤).\nوتلا ميمون بن مِهران هذه الآية، ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلًا ولا مزمارًا ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان (^٥).\nثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي: مهما صدر منكم من فعل معروف، فإن اللّه يعلمه وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم مثقال ذرة.\n\n<span id=\"aya-223\"></span>﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾.\nهذا إيجاب من اللّه تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفُّوا شرَّ الأعداء عن حوزة الإسلام.\nوقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد (^٦).\n(قلت): ولهذا ثبت في الصحيح: \"من مات ولم يغزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو، مات ميتة جاهلية\" (^٧)، وقال ﵇ يوم الفتح: \"لا هجرة ولكن جهاد وفية، وإذا استنفرتم فانفروا\" (^٨).\nوقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي: شديد عليكم ومشقة وهو كذلك، فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء. ثم قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم وأولادهم. ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا عام في الأمور كلها قد يحب المرء شيئًا وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند معلق، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث رجل من بني يربوع (المسند ٢٧/ ١٥٩، ح ٦٦١٣)، وصححه محققوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي المليح عن ميمون به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكر بن عمرو المعافري عن الزهري به.\n(^٧) أخرجه مسلم، الصحيح، الإمارة، باب (ح ١٩١٠).\n(^٨) البخاري، الصحيح، جزاء الصيد، باب لا يحل القتال بمكة (ح ١٨٣٤)، وأخرجه مسلم، الصحيح، الحج (ح ١٣٥٣).","vol":"2","page":138},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون.\n\n<span id=\"aya-224\"></span>﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحضرمي، عن أبي السوار، عن جُندب بن عبد الله، أن رسول اللّه ﷺ بعث رهطًا، وبعث عليهم [أبا عبيدة بن الجراح أو أبا عبيدة بن الحارث] (^١)، فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول اللّه ﷺ فجلس فبعث عليهم مكانه عبد اللّه بن جحش، وكتب له كتابًا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: \"لا تكرهنَّ أحدًا على السير معك من أصحابك\" فلما قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعًا وطاعة للّه ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان وبقي بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل اللّه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية (^٢).\nوقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن رسول اللّه ﷺ بعث سرية، وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم: عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف [لبني] (^٣) نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتابًا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل، فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه: \"أن سِرْ حتى تنزل بطن نخلة\". فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موصٍ وماضٍ لأمر رسول اللّه ﷺ، فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة، أضلا راحلة لهما فأتيا يجوبان يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان والمغيرة بن عثمان وعبد الله بن المغيرة، وانفلت وقتل عمرو، قتله واقد بن عبد اللّه، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب رسول اللّه ﷺ، فلما رجعوا إلى المدينة بأسيرين وما أصابوا من المال، أراد أهل مكة\n_________\n(^١) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(عف) و(ح) ورواية ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. وحسنه الحافظ ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب (ل ٨٧ ب).\n(^٣) في الأصل: \"أبي\" والتصويب من (عف) و(عف) و(ح) والتخريج.","vol":"2","page":139},{"text":"أن يفادوا الأسيرين [وعاب] (^١) عليه المشركون. وقالوا: إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة اللّه وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى، وقتل في أول رجب وآخر ليلة من جمادى، وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب، وأنزل اللّه يعير أهل مكة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرقم بالله وصددتم عن محمد ﷺ وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمدًا ﷺ، أكبر من القتل عند الله (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن المشركين صدوا رسول اللّه ﷺ وردوه عن المسجد في شهر حرام، ففتح اللّه على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول اللّه ﷺ القتال في شهر حرام، فقال اللّه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ من القتال فيه، وأن محمدًا ﷺ بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى [وأول ليلة من رجب وأن أصحاب محمد ﷺ، كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى] (^٣)، وكانت أول رجب، ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه، وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال اللّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وغير ذلك أكبر منه ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد ﷺ، والشرك أشد منه (^٤).\nوهكذا روى أبو سعيد [البقال] (^٥) عن عكرمة، عن ابن عباس، أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ …﴾ إلى آخر الآية (^٦)، وقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة، عن زياد بن عبد اللّه البكائي، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني ﵀، في كتاب السيرة له، إنه قال: وبعث - يعني: رسول الله ﷺ عبد اللّه بن جحش بن رباب الأسدي في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه\n_________\n(^١) قوله: \"وعاب\" في الأصل بياض، واستدرك من (عف) و(ح) والتخريج أما في (عش) فغير واضحة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده عن السدي مرسلًا، وسند السدي الذي ذكره ابن كثير ضعيف فيه خلط وتشهد له الرواية السابقة.\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف وتشهد له رواية جندب السابقة.\n(^٥) في الأصل: \"المنهال\" والتصويب من (عش) و(عف) و(ح) وأبو سعيد البقال هو: سعيد بن المرزبان: ضعيف (التقريب ص ٢٤١)، وتشهد له رواية جندب السابقة.\n(^٦) في سنده: \"الكلبي\" وقد صرح بأن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب، ولكن هذه الرواية مشهورة. وقد وردت في الروض الأنف ٣/ ٢٢.","vol":"2","page":140},{"text":"ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابًا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه فيمضي كما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدًا، وكان أصحاب عبد اللّه بن جحش من المهاجرين، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حرثان أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم، ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم ومن بني زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص ومن بني عدي بن كعب: عامر بن ربيعة، حليف لهم، من عنز بن وائل، وواقد بن عبد اللّه بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع، أحد بني تميم حليف لهم، [وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم] (^١)، ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء، فلما سار عبد الله بن جحش يومين، فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ترصد بها قريشًا وتعلم لنا من أخبارهم، فلما نظر عبد اللّه بن جحش الكتاب، قال: سمعًا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول اللّه ﷺ، أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول اللّه ﷺ، فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد، فسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران، أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي، واسم الحضرمي عبد اللّه بن عباد أحد الصدف وعثمان بن عبد اللّه بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد اللّه المخزوميان والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عمار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد اللّه التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر (^٢) عثمان بن عبد اللّه والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد اللّه فأعجزهم، وأقبل عبد اللّه بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول اللّه ﷺ المدينة.\nقال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول اللّه ﷺ مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض اللّه الخمس من المغانم، فعزل لرسول اللّه ﷺ خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه، قال ابن إسحاق: فلما قدموا على\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(عش) و(ح).\n(^٢) في الأصل صُحف إلى \"واستأمر\".","vol":"2","page":141},{"text":"رسول الله ﷺ، قال: \"ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام\" فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا، فلما قال ذلك رسول اللّه ﷺ، أسقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال فقال من يرد عليه من المسلمين ممن كان بمكة؛ إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت يهود: تفاءلوا بذلك على رسول اللّه ﷺ عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد اللّه وقدت الحرب، فجعل اللّه عليهم ذلك لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل اللّه على رسول اللّه ﷺ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل اللّه مع الكفر به، وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أهله ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من قتل من قتلتم منهم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردّوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند اللّه من القتل ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين.\nقال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرَّج اللّه عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول اللّه ﷺ العير والأسيرين، وبعثت (^١) إليه قريش في فداء عثمان بن عبد اللّه والحكم بن كيسان، فقال رسول اللّه ﷺ: \"لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا\" يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم، فقدم سعد وعتبة، ففداهما رسول الله ﷺ منهم، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول اللّه ﷺ قتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأما عثمان بن عبد اللّه فلحق بمكة فمات بها كافرًا، قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه (حين) (^٢) نزل القرآن طمعوا في الأجر فقالوا: يا رسول اللّه، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟\n\n<span id=\"aya-225\"></span>فأنزل اللّه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ فوضع اللّه من ذلك على أعظم الرجاء.\nقال ابن إسحاق: والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة، وقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قريبًا من هذا السياق (^٣)، وروى موسى بن عقبة، عن الزهري نفسه نحو ذلك، وروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عروة بن الزبير نحوًا من هذا أيضًا، وفيه فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين\n_________\n(^١) في الأصل: \"وبعث\" والتصويب من (عش) و(عف) و(ح).\n(^٢) قوله: \"حين\" سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف ولبعضه شواهد وأخرج بعضه ابن أبي حاتم. وينظر: سيرة ابن هشام ١/ ٦٠١ - ٦٠٥، والروض الأنف ٣/ ٢٢ - ٢٣، ودلائل النبوة للبيهقي ٣/ ١٨ - ١٩، وهذه الرواية وردت بمراسيل يقوي بعضها بعضًا.","vol":"2","page":142},{"text":"المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول اللّه ﷺ بالمدينة، فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل اللّه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية (^١).\n\nوقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة (^٢).\nثم قال ابن هشام، عن زياد، عن ابن إسحاق: وقد ذكر عن بعض آل عبد اللّه أن عبد اللّه قسم الفيء بين أهله، فجعل أربعة أخماسه لمن أفاءه، وخمسًا إلى اللّه ورسوله، فوقع على ما كان عبد اللّه بن جحش صنع في تلك العير (^٣).\nقال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون، وعثمان بن عبد اللّه والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون.\nقال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق ﵁ في غزوة عبد اللّه بن جحش، ويقال: بل عبد اللّه بن جحش قالها حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه المال وأسروا فيه الرجال.\nقال ابن هشام: هي لعبد اللّه بن جحش:\nتعدون قتلًا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرشد راشد\nصدودكم عما يقول محمد … وكفر به واللّه راء وشاهد\nوإخراجكم من مسجد اللّه أهله … ليلًا يرى للّه في البيت ساجد\nفإنا وإن عيَّرتمونا بقتله … وأرجف بالإسلام باغٍ وحاسد\nسفينا من ابن الحضرمي في رماحنا … بنخلة لما أوقد الحرب واقد\nدمًا وابن عبد الله عثمان بيننا … ينازعه غُلُّ من القدِّ عائد (^٤)\n\n<span id=\"aya-226\"></span>\n\n<span id=\"aya-227\"></span>﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر أنه قال: لما نزل تحريم الخمر، قال: اللَّهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فدعي عمر، فقرئت عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر، فقرئت عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا،\n_________\n(^١) هذه مراسيل يقوي بعضها بعضًا.\n(^٢) دلائل النبوة ٣/ ١٨ - ١٩.\n(^٣) السيرة النبوية ١/ ٦٠٥.\n(^٤) الروض الأنف ٣/ ٢٥، والسيرة النبوية ١/ ٦٠٥.\nإلى هنا تنتهي القطعة من نسخة تشستربتي المرموز لها: (عش).","vol":"2","page":143},{"text":"فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، فقرئت عليه فلما بلغ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؟ قال عمر: انتهينا انتهينا (^١).\nهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي، عن عمر وليس له عنه سواه، لكن قد قال أبو زرعة: لم يسمع منه، واللّه أعلم. وقال علي بن المديني: هذا إسناد صالح، وصححه الترمذي، وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله: انتهينا: إنها تذهب المال وتذهب العقل (^٢)، وسيأتي هذا الحديث أيضًا مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضًا عند قوله في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآيات [المائدة: ٩٠]، فقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ أما الخمر، فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إنه كل ما خامر العقل (^٣)، كما سيأتي بيانه في سورة المائدة، وكذا الميسر وهو القمار.\nوقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية من حيث إن فيها نفع البدن وتهضيم الطعام وإخراج الفضلات وتشحيذ بعض الأذهان ولذة الشدة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:\nونشربها فتتركنا ملوكًا … وأُسدًا لا يُنَهنهُنا (^٤) اللقاء (^٥)\nوكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال اللّه تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة، ولهذا قال عمر ﵁ لما قرئت عليه: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، حتى نزل التصريح [بتحريمها] (^٦) في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة] وسيأتي الكلام على ذلك في سورة المائدة - إن شاء اللّه تعالى وبه الثقة.\nقال ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٧٨)، وصححه محققه أحمد شاكر وأخرجه الترمذي من طريق محمد بن يوسف عن إسرائيل به، وصححه (السنن، التفسير سورة المائدة ح ٣٠٤٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٤٢)، وأخرجه أبو داود من طريق وكيع عن إسرائيل به. وقال: هذا أصح من حديث محمد بن يوسف (السنن - الأشربة - باب تحريم الخمر ح ٣٦٧٠).\n(^٢) أخرجه ابن ابن أبي حاتم من طريق الثوري عن أبي إسحاق به. وقد نقله الحافظ ابن كثير ونقل عن ابن المديني: أن إسناده صالح.\n(^٣) ثبت عن عمر كما تقدم في رواية ابن أبي حاتم السابقة.\n(^٤) أي: لا يزجرنا.\n(^٥) ديوان حسان بن ثابت ص ٢٧.\n(^٦) في الأصل: \"بها\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).","vol":"2","page":144},{"text":"أول آية نزلت في الخمر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ثم نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم نزلت الآية التي في المائدة فحرمت الخمر (^١).\nقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قرئ بالنصب وبالرفع وكلاهما حسن متجه قريب (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، حدثنا يحيى، أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول اللّه ﷺ، فقالا: يا رسول الله، إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا فأنزل اللّه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (^٣).\nوقال الحكم (^٤)، عن مقسم عن ابن عباس: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قال: ما يفضل عن أهلك (^٥).\nكذا روي عن ابن عمر ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والقاسم وسالم وعطاء الخراساني والربيع بن أنس وغير واحد، أنهم قالوا في قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾: يعني الفضل (^٦).\nوعن طاوس: اليسير من كل شئ (^٧).\nوعن الربيع أيضًا: أفضل مالك وأطيبه (^٨). والكل يرجع إلى الفضل.\nوقال عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هوذة بن خليفة، عن عوف، عن الحسن، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قال: ذلك ألا تجهد (^٩) مالك ثم تقعد تسأل الناس (^١٠).\nويدل على ذلك ما رواه ابن جرير: حدثنا علي بن مسلم، حدثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول اللّه، عندي دينار، قال: \"أنفقه على نفسك\" قال: عندي آخر، قال: \"أنفقه على أهلك\" قال: عندي آخر: قال: \"أنفقه على ولدك\" قال: عندي آخر، قال: \"فأنت أبصر\" وقد رواه مسلم في صحيحه (^١١)، وأخرجه مسلم أيضًا عن\n_________\n(^١) قول ابن عمر أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق محمد بن أبي حميد، عن أبي طعمه المصري عنه، ومحمد وأبو طعمه فيهما مقال. ويتقوى بالمراسيل التي يقوي بعضها بعضًا فقد ثبت ذلك عن مجاهد وقتادة وعن عبد الرحمن بن زيد فيما رواه الطبري عنهم.\n(^٢) كلتاهما قراءتان متواترتان.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده منقطع بين يحيى ومعاذ.\n(^٤) في الأصل: \"الحاكم\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (ح ٣٦٥) في التفسير وابن أبي حاتم والطبري بسند حسن من طريق ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة به.\n(^٦) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأقوال عطاء وقتادة والسدي وابن زيد والحسن أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن طاوس.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر عن الربيع بن أنس.\n(^٩) في الأصل: \"تجهل\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^١٠) سنده حسن، وعوف هو الأعرابي، والحسن هو البصري.\n(^١١) بل رواه أحمد في المسند ٢/ ٢٥١، والنسائي في سننه، الزكاة، باب تفسير ذلك ٥/ ٦٢، وأبو داود في سننه، الزكاة، باب صلة الرحم (ح ١٦٧٥)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح ٢٣٧٥)، =","vol":"2","page":145},{"text":"جابر، أن رسول اللّه ﷺ قال لرجل: \"ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا\" (^١). وعنده عن أبي هريرة ﵁. قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول\" (^٢).\nوفي الحديث أيضًا: \"ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف\" (^٣).\nثم قد قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة، كما رواه علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس (^٤)، وقاله عطاء الخراساني والسدي (^٥)، وقيل: مبينة بآية الزكاة، قاله مجاهد (^٦) وغيره، وهو أوجه.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبنائها (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو أسامة، عن الصعق التميمي، قال: شهدت الحسن وقرأ هذه الآية من البقرة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال: هي والله لمن تفكر فيها ليعلم أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء، وليعلم أن الآخرة دار جزاء ثم دار بناء\" (^٨).\nوهكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما، وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة: لتعلموا فضل الآخرة على الدنيا (^٩). وفي رواية عن قتادة: فآثروا الآخرة على الأولى.\nوقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾ الآية.\nقال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]\n_________\n= وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤١٥).\n(^١) صحيح مسلم، الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ٢/ ٦٩٢ (ح ٩٩٧).\n(^٢) بل هو عنده من حديث حكيم بن حزام، صحيح مسلم، الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى (ح ١٠٣٤)، وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، الصحيح، الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى (ح ١٤٢٨).\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث أبي أمامة مرفوعًا (الصحيح، الزكاة، الباب السابق ح ١٠٣٦).\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.\n(^٥) قول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسباط عنه، وقول عطاء الخراساني ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق وسنده صحيح.","vol":"2","page":146},{"text":"و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]،\nانطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول اللّه ﷺ فأنزل اللّه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم (^١).\nوهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق عن عطاء بن السائب به (^٢).\nوكذا رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٣)، وكذا رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود بمثله (^٤)، وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الآية كمجاهد وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى وقتادة وغير واحد من السلف والخلف.\nقال وكيع بن الجراح: حدثنا هشام صاحب الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، قال: قالت عائشة ﵂: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي على حدة، حتى أخلط طعامه بطعامي، وشرابه بشرابي (^٥).\nفقوله: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: على حدة، ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم، لأنهم إخوانكم في الدين، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي: يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح.\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ولو شاء اللّه لضيق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، بل قد جوّز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانًا كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء اللّه وبه الثقة.\n\n<span id=\"aya-228\"></span>﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾.\nهذا تحريم من اللّه ﷿ على المؤمنين، أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم [إن] (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سفيان بن وكيع: ضعيف، وقد توبع فقد أخرجه الطبري وأحمد (المسند ح ٣٠٠٢)، وأبو داود (السنن، الوصايا، باب مخالطة اليتيم ح ٢٨٧١)، والنسائي (السنن، الوصايا، باب ما للموصي من مال ٥/ ٢٥٦)، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٤٣٠)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٧٨، وصححه ووافقه الذهبي.\n(^٢) تقدم تخريجه في سابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.\n(^٤) سنده اختلط على السدي ويشهد له ما سبق والآثار اللاحقة.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق وكيع به، وفيه إبراهيم النخعي لم يسمع من عائشة.\n(^٦) قوله: \"إن\" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).","vol":"2","page":147},{"text":"كان عمومها مرادًا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥] قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾: استثنى اللّه من ذلك نساء أهل الكتاب (^١).\nوهكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول والحسن والضحاك وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وغيرهم (^٢).\nوقيل: بل المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان (^٣)، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، واللّه أعلم.\nفأما ما رواه ابن جرير: حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثني عبد الحميد بن بهرام الفزاري، حدثنا شهر بن حوشب، قال: سمعت عبد اللّه بن عباس يقول: نهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات وحرم كل ذات دين غير الإسلام. قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، وقد نكح طلحة بن عبيد اللّه يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضبًا شديدًا حتى همَّ أن يسطو عليهما فقالا: نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب فقال: لئن حلَّ طلاقهنَّ لقد حلَّ نكاحهن، ولكني أنتزعهنَّ منكم صغرة قمأة (^٤). فهو حديث غريب جدًّا، وهذا الأثر عن عمر غريب أيضًا (^٥).\nقال أبو جعفر بن جرير ﵀ بعد حكايته الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات أو لغير ذلك من المعاني (^٦). كما حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، حدثنا الصلت بن بهرام، عن شفيق، قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خلِّ سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام، فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن (^٧)، وهذا إسناد صحيح. وروى الخلال عن محمد بن إسماعيل، عن وكيع، عن الصلت، نحوه.\nوقال ابن جرير: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي (^٨)، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه وزيادة: فقال: \"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب … \".\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم سوى مجاهد. وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن سعيد بن جبير.\n(^٤) قمأة: أي أذلة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ثم قال: وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ من القول خلاف ذلك بإسناد هو أصح منه. ثم ذكر رواية موسى المسروقي بعد التالية.\n(^٦) نص الطبري: وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة - رحمة الله عليهم - نكاح اليهودية والنصرانية حذرًا من أن يقتدى بهما الناس في ذلك فيزهدوا في المسلمات (التفسير ٣/ ٧١٦).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير. وأخرجه عبد الرزاق من طريق الصلت به (المصنف رقم ١٢٦٧٠).\n(^٨) في الأصل: \"المروي\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).","vol":"2","page":148},{"text":"سفيان بن سعيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب، قال: قال عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة (^١). قال: وهذا أصح إسنادًا من الأول، ثم قال: وقد حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق الأزرق عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا\" ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع من الأمة عليه، كذا قال ابن جرير ﵀ (^٢).\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر، أنه كره نكاح أهل الكتاب، وتأول ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (^٣).\nوقال البخاري: وقال ابن عمر: لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول: ربها عيسى (^٤).\nوقال أبو بكر الخلال الحنبلي: حدثنا محمد بن هارون، حدثنا إسحاق بن إبراهيم وأخبرني محمد بن علي، حدثنا صالح بن أحمد، أنهما سألا أبا عبد اللّه أحمد بن حنبل عن قول اللّه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قال: مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام (^٥).\nوقوله: ﴿وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ قال السدي: نزلت في عبد اللّه بن رواحة، كانت له أمة سوداء فغضب عليها فلطمها، ثم فزع فأتى رسول اللّه ﷺ فأخبره خبرها، فقال له: \"ما هي؟ \" قال: تصوم وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إلا اللّه، وأنك رسول اللّه، فقال: \"يا عبد اللّه هذه مؤمنة\". فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمته وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله: ﴿وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (^٦).\nوقال عبد بن حميد: حدثنا جعفر بن عوف، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الأفريقي عن [عبد اللّه بن يزيد، عن] (^٧) عبد اللّه بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: \"لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، وأنكوهن على الدين، فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل\" (^٨) والأفريقي ضعيف.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق من طريق سفيان به (المصنف رقم ١٠٠٥٨).\n(^٢) ذكره الطبري وزاد: أولى من خبر عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب (التفسير ٣/ ٧١٦).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه البخاري بلفظه وأطول (الصحيح، الطلاق، باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ …﴾ [البقرة: ٢٢١] ح ٥٢٨٥).\n(^٥) في الأصل \"الأوثان\".\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) والتخريج.\n(^٨) أخرجه عبد بن حميد في مسنده بسنده ومتنه (المنتخب ح ٣٢٨)، وفي سنده عبد الرحمن الإفريقي ضعيف كما قال الحافظ ابن كثير.","vol":"2","page":149},{"text":"وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: \"تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك\" (^١). ولمسلم عن جابر مثله (^٢)، وله عن ابن عمرو أن رسول اللّه ﷺ قال: \"الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة\" (^٣).\nوقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ أي: لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات، كما قال تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ثم قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أي ولرجل مؤمن - ولو كان عبدًا حبشيًا - خير من مشرك، وإن كان رئيسًا سريًا ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: معاشرتهم ومخالطتهم، تبعث على حبِّ الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشرعه وما أمر به وما نهى عنه، ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-229\"></span>﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ، فأنزل اللّه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ حتى فرغ من الآية، فقال رسول اللّه ﷺ: \"اصنعوا كل شيء إلا النكاح\" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا، إلا خالفنا فيه، فجاء أُسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله، إن اليهود قالت: كذا وكذا، أفلا نجامعهنَّ؟ فتغير وجه رسول اللّه ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول اللّه ﷺ، فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما (^٤). رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به (^٥).\nفقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ يعني الفرج، لقوله: \"اصنعوا كل شيء إلا النكاح\" ولهذا ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم، إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج، قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ﷺ، كان إذا أراد من الحائض شيئًا يلقي على فرجها ثوبًا (^٦).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، النكاح، باب الأكفاء في الدين (ح ٥٠٩٠)، وصحيح مسلم، الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين (ح ١٤٦٦).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين (ح ٥٤ بعد ١٤٦٦).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة (ح ١٤٦٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند، الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع (ح ٢٧٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٢).\n(^٥) أخرجه مسلم من حماد بن سلمة به (الصحيح، الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ح ٣٠٢).\n(^٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع ح ٢٧٢)،=","vol":"2","page":150},{"text":"وقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد اللّه - يعني: ابن عمر بن غانم (^١) -، عن عبد الرحمن - يعني: ابن زياد -، عن عمارة بن غراب، أن عمة له (^٢) حدثته أنها سألت عائشة قال: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد، قالت: أخبرك بما صنع رسول اللّه ﷺ، دخل فمضى إلى مسجده، قال أبو داود: تعني مسجد بيتها فما انصرف حتى غلبتني عيني فأوجعه البرد فقال: \"ادني مني\" فقلت: إني حائض، فقال: \"اكشفي عن فخذيك\" فكشفتُ فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي وحفيت عليه [حتى دفئ] (^٣) ونام (^٤) ﷺ.\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة، أن مسروقًا ركب إلى عائشة فقال: السلام على النبي وعلى أهله، فقالت عائشة: مرحبًا مرحبًا، فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي، فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني، فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت له: كل شيء إلا فرجها (^٥). ورواه أيضًا عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، عن مروان الأصفر، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع (^٦).\nوهذا قول ابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة (^٧)، وروى ابن جرير أيضًا عن أبي كريب عن ابن أبي زائدة، عن الحجاج، عن ميمون بن مِهران، عن عائشة، قالت: له ما فوق الأزار (^٨).\nقلت (^٩): ويحلُّ مضاجعتها ومواكلتها بلا خلاف.\nقالت عائشة: كان رسول اللّه ﷺ، يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن (^١٠).\nوفي الصحيح عنها، قالت: كنت أتعرق العرق وأنا حائض فأعطيه النبي ﷺ، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب (^١١).\n_________\n= وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٢).\n(^١) لفظ: \"غانم\" بياض في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(مح) و(حم) والتخريج.\n(^٢) لفظ: \"عمة له\" بياض في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(مح) و(حم) والتخريج.\n(^٣) في الأصل: \"بردتي\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع ح ٢٧٠). وفي سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي: ضعيف، وعمارة: مجهول.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وله طرق أخرى لاحقة، وأخرجه عبد الرزاق من طريق معمر عن أيوب به (المصنف رقم ١٢٦٠)، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه زيادة طرق لما تقدم.\n(^٧) قول ابن عباس أخرجه الطبري من طرق يقوي بعضها بعضًا، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح عنه، وكذا قول عكرمة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ويشهد له ما سبق.\n(^٩) قوله: \"قلت\" سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^١٠) أخرجه البخاري، الصحيح، الحيض (ح ٢٩٧).\n(^١١) أخرجه مسلم، الصحيح، الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها (ح ٣٠٠).","vol":"2","page":151},{"text":"وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن جابر بن صبح، سمعت خلاسًا الهجري قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول اللّه ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يعده وإن أصابه - يعني ثوبه - شيء غسل مكانه لم يعده ثم صلى فيه (^١)، فأما ما رواه أبو داود حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد، عن أبي اليمان، ثم أم ذرة، عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال (^٢) على الحصير، فلم نقرب رسول اللّه ﷺ ولم ندن منه حتى نطهر (^٣). فهو محمول على التنزه والاحتياط. وقال آخرون: إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار، كما ثبت في الصحيحين عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض (^٤). وهذا لفظ البخاري، ولهما عن عائشة نحوه (^٥).\nوروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث العلاء بن الحارث، عن حزام بن حكيم، عن عمه عبد اللّه بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول اللّه ﷺ: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار (^٦). ولأبي داود أيضًا عن معاذ بن جبل، قال: سألت رسول اللّه ﷺ عما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل\" (^٧)، وهو رواية عن عائشة كما تقدم وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح.\nفهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحلُّ ما فوق الإزار منها، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي ﵀، الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم، ومأخذهم أنه حريم الفرج فهو حرام لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله ﷿ الذي أجمع العلماء على تحريمه وهو المباشرة في الفرج، ثم من فعل ذلك فقد أثم، فيستغفر اللّه ويتوب إليه، وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا؟ فيه قولان:\nأحدهما: نعم، لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، يتصدق بدينار أو نصف دينار (^٨)، وفي لفظ للترمذي: \"إذا كان دمًا أحمر\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع ح ٢٦٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤١).\n(^٢) قوله: \"المثال\" بياض في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٢٧١)، وفي سنده أم ذرة مقبولة (التقريب ص ٧٥٦).\n(^٤) صحيح البخاري، الحيض، باب مباشرة الحائض (ح ٣٠٣)، وصحيح مسلم، الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار (٢٩٤).\n(^٥) صحيح البخاري، الحيض، باب مباشرة الحائض (ح ٣٠٠)، وصحيح مسلم، الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار (ح ٢٩٣).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ٣٤٢، وأبو داود في السنن، الطهارة، باب في المذي ح ٢١٢)، والترمذي في السنن، الطهارة (ح ١٣٣)، وابن ماجه (ح ٦٥١)، كلهم من طريق العلاء به، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٧).\n(^٧) أخرجه أبو داود، السنن، الطهارة، باب في المذي (ح ٢١٣)، وقال أبو داود: وليس هو - يعني الحديث - بالقوي، ولا شك أن فيه بقية بن الوليد وقد رواه عنعنة.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد مرفوعًا وموقوفًا (المسند ح ٢٠٣٢ و٢١٢١ و٢٤٥٨ و٢٥٩٥ و٢٧٨٩ و٧٤٧٣)، وكذا =","vol":"2","page":152},{"text":"فدينار، وإن كان دمًا أصفر فنصف دينار\" (^١). وللإمام أحمد أيضًا عنه أن رسول الله ﷺ، جعل في الحائض تصاب دينارًا، فإن أصابها وقد أدبر الدم (^٢) عنها ولم تغتسل، فنصف دينار.\nوالقول الثاني: وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي وقول الجمهور أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر اللّه ﷿ لأن لم يصح عندهم رفع هذا الحديث، فإنه قد روي مرفوعًا كما تقدم، وموقوفًا وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ تفسير قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وهي عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودًا، ومفهومه حله إذا انقطع. [وقد قال به طائفة من السلف.\nقال القرطبي: وقال مجاهد وعكرمة وطاوس: انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ] (^٣).\n[قال الإمام أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل فيما أملاه في الطاعة: وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فالطهر يدل على أن يقربها، فلما قالت ميمونة وعائشة: كانت إحدانا إذا حاضت اتَّزرت ودخلت مع رسول اللّه ﷺ في شعاره (^٤)، دلَّ ذلك على أنه إنما أراد الجماع] (^٥).\nوقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال، وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وليس له في ذلك مستند، لأن هذا أمر بعد الحظر. وفيه أقوال لعلماء الأصول منهم من يقول: إنه على الوجوب كالمطلق، هؤلاء يحتاجون إلى جواب ابن حزم.\nومنهم من يقول: إنه للإباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر، والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد عليه الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإن كان واجبًا، فواجب كقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، أو مباحًا فمباح كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، فاختاره بعض أئمة المتأخرين وهو الصحيح، وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا حنيفة ﵀ يقول: فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده: أنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل، والله أعلم.\nوقال ابن عباس: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: من الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: بالماء (^٦)، وكذا قال مجاهد\n_________\n= أخرجه أبو داود في سننه، الطهارة، باب إتيان الحائض (ح ٢٦٤ - ٢٦٦)، وأخرجه الترمذي وصححه محققه أحمد شاكر بعد أن ساق له خمسين طريقًا (السنن الطهارة، باب ما جاء في الكفارة ١/ ٢٤٤ - ٢٥٤)، وصحح وقفه الحافظ ابن كثير عن كثير من النقاد، وله حكم الرفع.\n(^١) ينظر التخريج السابق.\n(^٢) لفظ: \"الدم\" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(مح) و(ح) والتخريج.\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح).\n(^٤) قول ميمونة وعائشة تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٥) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.","vol":"2","page":153},{"text":"وعكرمة والحسن ومقاتل بن حيان والليث بن سعد وغيرهم (^١).\nوقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني الفرج.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقول: في الفرج ولا تعدوه (^٢) إلى غيره، فمن فعل شيئًا من ذلك فقد اعتدى (^٣). وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: تعتزلوهن (^٤). وفيه دلالة حينئذٍ على تحريم الوطء في الدبر، كما سيأتي تقريره قريبًا. وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني: طاهرات غير حيّض (^٥).\nولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أي من الذنب وإن تكرر غشيانه ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض أو في غير المأتى.\n\n<span id=\"aya-230\"></span>وقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: الحرث موضع الولد (^٦).\n﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: كيف شئتم مقبلة ومدبرة في صمام واحد كما ثبتت بذلك الأحاديث قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر قال: سمعت جابرًا قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ورواه مسلم (^٧) وأبو داود من حديث سفيان الثوري به (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس وابن جريج وسفيان بن سعيد الثوري: أن محمد بن المنكدر حدثهم: أن جابر بن عبد الله أخبره أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول، فأنزل اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول اللّه ﷺ: \"مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج\" (^٩).\nوفي حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أنه قال: يا رسول اللّه، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: \"حرثك ائت حرثك أنى شئت، غير أن لا تضرب الوجه، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت\" الحديث، رواه أحمد وأهل السنن (^١٠).\n_________\n(^١) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح.\n(^٢) في الأصل: \"ولا يعده\" والتصويب من التخريج و(عف) و(ح) و(حم).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم.\n(^٥) قول أبي رزين أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الأعمش عنه، وقول عكرمة والضحاك أسندهما الطبري. ويشهد لهما ما تقدم.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق عكرمة عن ابن عباس، وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ …﴾ [البقرة: ٢٢٣] (ح ٤٥٢٨)، وصحيح مسلم، النكاح، باب جواز جماعه امرأته في قبلها (ح ١٤٣٥).\n(^٨) لفظ: \"به\" سقط من الأصل.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو متفق عليه كما تقدم.\n(^١٠) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣ وأبو داود في سننه، النكاح، باب حق المرأة على زوجها (ح ٢١٤٣)، والترمذي في سننه، الأدب، باب ما جاء في حفظ العورة (ح ٢٧٦٩)، وحسنه الترمذي، وقال الألباني:=","vol":"2","page":154},{"text":"(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عامر بن يحيى، عن حنش بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن عباس، قال: أتى ناس من حمير إلى رسول اللّه ﷺ، فسألوه عن أشياء، فقال له رجل: إني أجبّ (^١) النساء فكيف ترى في؟ فأنزل اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٢) [ورواه الإمام أحمد، حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني الحسن بن ثوبان، عن عامر بن يحيى المعافري، عن حنش، عن ابن عباس، قال: أنزلت هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي ﷺ فسألوه، فقال النبي ﷺ: \"ائتها على كل حال إذا كان في الفرج\"] (^٣) (^٤).\n(حديث آخر) قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، حدثنا يعقوب بن كاسب، حدثنا عبد اللّه بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رجلًا أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك، فأنزل اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية (^٥).\nورواه ابن جرير [عن يونس] (^٦) عن يعقوب، [ورواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن الحارث بن شريح، عن عبد الله بن نافع به] (^٧) (^٨).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبيد اللّه بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، قال: دخلت على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت: إني لسائلك عن أمر وأنا أستحي أن أسألك، قالت: فلا تستحي يا ابن أخي، قال: عن إتيان النساء في أدبارهن؟ قالت: حدثتني أُم سلمة أن الأنصار كانوا يجبّون النساء وكانت اليهود تقول: إنه من جبّا امرأته، كان ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فجبّوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى أتي رسول اللّه ﷺ، فدخلت على أُم سلمة فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول اللّه ﷺ، فلما جاء رسول الله ﷺ، استحت الأنصارية أن تسأله، فخرجت فحدثّت أُم سلمة، فقال: ادعي\n_________\n= حسن صحيح. صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٧٧).\n(^١) أي: يأتي امرأته من فرجها وهي منكبَّة على وجهها.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٤١٤)، وفي سنده رشدين: ضعيف، ويشهد له ما تقدم وما تأخر.\n(^٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(مح) والتخريج.\n(^٥) أخرجه الطحاوي بسنده ومتنه في شرح معاني الآثار ٣/ ٤٠، وفي مشكل الآثار (ح ٦١١٨)، قال الحافظ ابن حجر: وهذا السبب في نزول الآية مشهور (فتح الباري ٨/ ١٩١)، وحسنه السيوطي في (الدر المنثور ١/ ٦٣٧).\n(^٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح) والتخريج.\n(^٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح) والتخريج.\n(^٨) مسند أبي يعلى ٢/ ٣٥٤ (ح ١١٠٣) وفي سنده شيخ أبي يعلى: الحارث بن سريج متهم بسرقة الحديث (الكامل ٢/ ٦١٥، وميزان الاعتدال ١/ ٤٣٣) وقال الهيثمي: ضعيف كذاب (مجمع الزوائد ٦/ ٣١٩).","vol":"2","page":155},{"text":"\"الأنصارية\" فدعيت، فتلا عليها هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ \"صمامًا واحدًا\" ورواه الترمذي عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي خثيم به، وقال: حسن (^١).\n(قلت): وقد روي من طريق حماد بن أبي حنيفة عن أبيه، عن ابن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة أُم المؤمنين أن امرأة أتتها، فقالت: إن زوجي يأتيني مجبية ومستقبلة فكرهته، فبلغ ذلك رسول اللّه ﷺ، فقال: \"لا بأس إذا كان في صمام واحد\" (^٢).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا يعقوب - يعني القمي -، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول اللّه ﷺ، فقال: يا رسول اللّه هلكت، قال: \"ما الذي أهلكك؟ \" قال: حولت رحلي البارحة، قال: فلم يردّ عليه شيئًا. قال: فأوحى اللّه إلى رسول اللّه ﷺ هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ \"أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة\". ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن حسن بن موسى الأشيب به، وقال: حسن غريب (^٣) (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشدين حدثني الحسن عن ثوبان عن عامر بن يحيى المعافري عن حنش عن ابن عباس قال: أنزل اللّه هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي ﷺ فسألوه، فقال النبي ﷺ: (ائتهما على كل حال إذا كان في الفرج).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن سريح، حدثنا عبد اللّه بن نافع، حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: أثفر رجل امرأته علي عهد رسول اللّه ﷺ فقالوا: أثفر فلان امرأته، فأنزل اللّه ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٥).\nقال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ، قال: حدثني محمد - يعني ابن سلمة -، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد عن ابن عباس، قال: إن ابن عمر - واللّه يغفر له - أوهم وإنما كان الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلًا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحًا منكرًا، ويتلذذون بهنَّ مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة، تزوج رجل منهم امرأة\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٠٥)، وأخرجه الترمذي من طريق سفيان به، وحسنه (السنن، تفسير سورة البقرة ٢٩٧٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٨٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أبو حنيفة بسنده ومتنه (المسند ح ١٠٢)، ويشهد له ما تقدم.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٧٠٣)، وصححه محققه أحمد شاكر، وأخرجه الترمذي من طريق عبد بن حميد عن حسن به (السنن، التفسير سورة البقرة ح ٢٩٧٩، ٢٩٨٠)، وقال: حسن غريب، وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ٨/ ١٩١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٨١).\n(^٤) في الأصل ورد حديث الإمام أحمد عن يحيى بن غيلان المتقدم في الصفحة السابقة وأُثبت حسب ترتيب نسخة (عف) و(مح).\n(^٥) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٥٤، ح ١١٠٣)، وفي سنده: الحارث بن سريج فيه مقال قادح تقدم في الصفحة السابقة.","vol":"2","page":156},{"text":"من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فأصنع ذلك، وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما فبلغ رسول اللّه ﷺ، فأنزل اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضوع الولد (^١). تفرد به أبو داود، ويشهد له بالصحة ما تقدم من الأحاديث ولا سيما رواية أُم سلمة، فإنها مشابهة لهذا السياق.\nوقد روى هذا الحديث الحافظ أبو القاسم الطبراني من طريق محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، قال: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها، حتى انتهيت إلى هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة ويتلذذون بهن، فذكر القصة بتمام سياقها (^٢)، وقول ابن عباس إن ابن عمر - واللّه يغفر له - أوهم، كأنه يشير إلى ما رواه البخاري: حدثنا إسحاق حدثنا النشر بن شميل، أخبرنا ابن عون، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عنه يومًا فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيم أنزلت؟ قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى (^٣).\nوعن عبد الصمد قال: حدثني أبي، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: أن يأتيها في [] (^٤) هكذا رواه البخاري، وقد تفرد به من هذا الوجه (^٥). وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا ابن عون، عن نافع، قال: قرأت ذات يوم ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال ابن عمر: أتدري فيم نزلت؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن وحدثني أبو قلابة. حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: في الدبر (^٦). وروي من حيث مالك عن نافع، عن ابن عمر ولا يصح. وروى النسائي عن محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن - النكاح - باب في جامع النكاح ح ٢١٦٤)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٩٠)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٩٦)، وذكر له الحافظ ابن كثير شواهد.\n(^٢) المعجم الكبير ١١/ ٧٧، وقوله: عرضت المصحف على ابن عباس … أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به، مصرحًا بالسماع عن أبان (المستدرك ٢/ ٢٧٩) وسنده حسن.\n(^٣) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (ح ٤٥٢٦).\n(^٤) ذكر الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ١٣٠)، والعيني (عمدة القاري ١٨/ ١١٧) أن هذا البياض وقع في جميع نسخ البخاري وإنه وقع في كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي: يأتيها في [الفرج]. وقد اطلعت على ما قاله الحميدي عن ابن عمر قال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يأتيها فيه؛ يعني في الفرج (الجمع بين الصحيحين ٢/ ٢٨٠)، وقالوا: هو من عنده حسب ما فهمه. ولكن ذكر العيني توجيهًا سديدًا فذكر أن صنيع الحميدي نظرًا إلى حال البخارى أنه لا يرى خلافه، ولو كان الحميدي علم من حال البخاري أنه يبيح الإتيان في أدبار النساء لم يقدر هذا بل كان يقدر: يأتيها في أي موضع شاء كما صرح في رواية ابن جرير في نفس حديث عبد الصمد: يأتيها في دبرها (العمدة ١٨/ ١١٧).\n(^٥) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (ح ٤٥٢٧).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنديهما ومتنهما، وإيراد الحافظ هذه الرواية بعد رواية البخاري. لتأييد ما ذهب إليه الحميدي والعيني وأن الرواية المخالفة المنسوبة إلى ابن عمر لا تصح كما سيأتي (وانظر للمزيد: فتح الباري ٨/ ١٩٠ - ١٩١).","vol":"2","page":157},{"text":"عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، أن رجلًا أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك وجدًا شديدًا، فأنزل اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^١).\nقال أبو حاتم الرازي: لو كان هذا عند زيد بن أسلم، عن ابن عمر، لما أولع الناس بنافع (^٢)، وهذا تعليل منه لهذا الحديث. وقد رواه عبد اللّه بن نافع، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عمر … فذكره (^٣).\nوهذا الحديث محمول على ما تقدم وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها، لما رواه النسائي عن علي بن عثمان النفيلي، عن سعيد بن عيسى، عن الفضل بن فضالة، عن عبد الله بن سليمان الطويل، عن كعب بن علقمة، عن أبي النضر، أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر: أنه قد أكثر عليك القول، أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن، قال: كذبوا عليّ، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر، إن ابن عمر عرض المصحف يومًا وأنا عنده حتى بلغ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال: يا نافع، هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت: لا، قال: إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردن منها مثل ما كنا نريد، فإذا هُنَّ قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٤)، وهذا إسناد صحيح، وقد رواه ابن مردويه عن الطبراني، عن الحسين بن إسحاق، عن زكريا بن يحيى كاتب العمري، عن مفضل بن فضالة، عن عبد الله بن عياش، عن كعب بن علقمة … فذكره، وقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك صريحًا، وأنه لا يباح ولا يحل كما سيأتي، وإن كان قد نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى الإمام مالك في كتاب \"السر\"، وأكثر الناس ينكر أن يصحَّ ذلك عن الإمام مالك ﵀. وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه، فقال الحسن بن عرفة: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن سهيل بن أبي صالح، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"استحيوا إن الله لا يستحي من الحق، لا يحل أن تأتوا النساء في حشوشهن\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن شداد، عن خزيمة بن ثابت، أن رسول اللّه ﷺ نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها (^٦).\nطريق أخرى: قال أحمد: حدثنا يعقوب، سمعت أبي يحدث عن يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن\n_________\n(^١) أخرجه النسائي بسنده ومتنه ثم قال: خالفه هشام بن سعد فرواه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار (السنن الكبرى، عشرة النساء ح ٨٩٣٢).\n(^٢) (^٣) أخرجه ابن أبي حاتم وحكم على الحديث من هذا الطريق بأنه منكر (العلل ١/ ٤٠٩).\n(^٤) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، عشرة النساء ح ٨٩٢٩)، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير.\n(^٥) أخرجه الدارقطني من طريق ابن عرفة به (السنن ٣/ ٢٨٨ ح ١٦٠)، وفي سنده: سُهيل بن أبي صالح في حفظه مقال وله شواهد لاحقة.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢١٣)، وله طرق أخرى يصح بها سنده كما سيأتي.","vol":"2","page":158},{"text":"الهاد، أن عبيد اللّه بن الحصين الوالبي حدثه أن هرمي بن عبد الله الواقفي، حدثه أن خزيمة بن ثابت الخطمي، حدثه أن رسول اللّه ﷺ، قال: \"لا يستحي اللّه من الحق، لا يستحي من الحق - ثلاثًا - لا تأتوا النساء في أعجازهن\" (^١) رواه النسائي وابن ماجه من طرق عن خزيمة بن ثابت وفي إسناده اختلاف كثير (^٢).\n(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي والنسائي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"لا ينظر اللّه إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة في الدبر\" ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (^٣)، وهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه (^٤)، وصححه ابن حزم أيضًا (^٥)، ولكن رواه النسائي أيضًا عن هناد، عن وكيع، عن الضحاك به موقوفًا (^٦).\nوقال عبد (^٧): أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، أن رجلًا سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها، قال: تسألني عن الكفر. إسناده صحيح (^٨)، وكذا رواه النسائي من طريق ابن المبارك عن معمر به نحوه (^٩)، [وقال عبد أيضًا في تفسيره: حدثنا إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، قال: جاء رجل إلى ابن عباس وقال: كنت آتي أهلي في دبرها، وسمعت قول اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فظننت أن ذلك لي حلال، فقال: يا لكع إنما قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة في أقبالهن لا تعدوا ذلك إلى غيره] (^١٠) (^١١).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ، قال: \"الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى\" (^١٢)، وقال عبد اللّه بن أحمد: حدثني هدبة، حدثنا همام، قال: سُئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٥١٥)، وأخرجه ابن ماجه من طريق عبد الله بن هرمي به (السنن، النكاح، باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهن ح ١٩٢٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٥٦١). وقال الهثيمي: رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير والبزار ورجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا يعلى بن يمان (مجمع الزوائد ٤/ ٢٩٩).\n(^٢) السنن الكبرى للنسائي ٨/ ١٩١ ح ٨٩٣٣ - ٨٩٣٩، وسنن ابن ماجه في الحديث المذكور سابقًا ومن الاختلاف في الإسناد قلب اسم هرمي بن عبد اللّه فسماه حجاج بن أرطأة: عبد اللّه بن هرمي وهو خطأ (انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ١٩٧).\n(^٣) سنن الترمذي، النكاح (ح ١١٦٥)، والسنن الكبرى للنسائي ٨/ ١٩٧ ح ٨٩٥٢.\n(^٤) موارد الظمآن في زوائد ابن حبان (ح ١٣٠٢).\n(^٥) المحلى ١٠/ ٧٠.\n(^٦) السنن الكبرى للنسائي ٨/ ١٩٧ (ح ٨٩٥٣).\n(^٧) هو ابن حميد صاحب التفسير وما رواه عن عبد الرزاق هو في مصنف عبد الرزاق برقم ٢٠٩٥٣.\n(^٨) قوله: \"إسناد صحيح\" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٩) السنن الكبرى ٨/ ١٩٧ (ح ٨٩٥٥).\n(^١٠) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^١١) يشهد له ما سبق وما لحق.\n(^١٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٩٦٧)، وذكره الهيثمي ونسبه إلى أحمد والبزار والطبراني في المعجم الأوسط وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٤/ ٢٩٨).","vol":"2","page":159},{"text":"دبرها، فقال قتادة: أخبرنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ، قال: \"هي اللوطية الصغرى\" (^١).\nقال قتادة: وحدثني عقبة بن وساج عن أبي الدرداء قال: وهل يفعل ذلك إلا كافر (^٢)؟ وقد روي هذا الحديث عن يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قوله، وهذا أصح، واللّه أعلم. وكذلك رواه عبد بن حميد، عن يزيد بن هارون، عن حميد الأعرج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عمرو موقوفًا من قوله (^٣).\n(طريق أخرى): قال جعفر الفريابي: عن قُتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل والمفعول به، والناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع بين المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، ومؤذي جاره حتى يلعنه\" ابن لهيعة وشيخه ضعيفان (^٤).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، قال: نهى رسول اللّه ﷺ أن تؤتى النساء في أدبارهن، فإن الله لا يستحي من الحق (^٥). وأخرجه أحمد أيضًا عن أبي معاوية (^٦)؛ وأبو عيسى الترمذي من طريق أبي معاوية أيضًا، عن عاصم الأحول به، وفيه زيادة، وقال: هو حديث حسن (^٧)، ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل (^٨)، والصحيح أنه علي بن طلق.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ، قال: \"إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر اللّه إليه\" (^٩). و[قال أحمد أيضًا] (^١٠): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة يرفع، قال: \"لا ينظر اللّه إلى رجل جامع امرأته في\n_________\n(^١) المسند (ح ٢٧٠٦)، وأخرجه النسائي من طريق همام به (السنن الكبرى ح ٨٩٤٨).\n(^٢) أخرجه معمر عن قتادة به (الجامع رقم ٢٠٩٥٧)، وقتادة لم يدرك أبا الدرداء.\n(^٣) ينظر طرقه في: السنن الكبرى (٨/ ١٩٥ ح ٨٩٤٧ - ٨٩٥١).\n(^٤) العلة في عبد الرحمن بن زياد وليست في ابن لهيعة لأن رواية قتيبة عنه مستقيمة.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/ ٤٦٨ ح ٠٠٠/ ٣٤)، وقال محققوه: صحيح لغيره. وهو كما قالوا: لأن مسلم بن سلام فيه مقال ويتقوى بالشواهد السابقة واللاحقة.\n(^٦) المسند (٣٩/ ٤٧٠ ح ٠٠٠/ ٣٣).\n(^٧) سنن الترمذي (ح ١١٦٤).\n(^٨) ينظر: المسند (ح ٦٥٥)، في مسند علي بن أبي طالب.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٧٢)، وأخرجه النسائي من طريق عبد الرزاق به (السنن الكبرى ٨/ ٢٠١ ح ٨٩٦٥)، وأخرجه أبو داود من طريق سفيان عن سهيل به (السنن، النكاح، باب في جامع النكاح ح ٢١٦٢)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٩٥).\n(^١٠) سقط في الأصل، أو لم يُذكر اختصارًا.","vol":"2","page":160},{"text":"دبرها\" (^١)، وكذا رواه ابن ماجه من طريق سهيل (^٢)، و[قال أحمد أيضًا:] (^٣) حدثنا وكيع، عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"ملعون من أتى امرأته في دبرها\" (^٤)، وهكذا رواه أبو داود والنسائي من طريق وكيع به.\nطريق أخرى: قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: أخبرنا أحمد بن القاسم بن الريان، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا هناد ومحمد بن إسماعيل واللفظ له، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"ملعون من أتى امرأة في دبرها\" ليس هذا الحديث هكذا في سنن النسائي، وإنما الذي فيه عن سهيل، عن الحارث بن مخلد كما تقدم، قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ورواية أحمد بن القاسم بن الريان هذا الحديث بهذا السند، وهم منه وقد ضعفوه (^٥).\nطريق أخرى: رواها (^٦) مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: \"ملعون من أتى النساء في أدبارهن\" ومسلم بن خالد فيه كلام، والله أعلم (^٧).\nطريق أخرى: رواها الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ، قال: \"من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد\" (^٨) وقال الترمذي: ضعف البخاري هذا الحديث.\nوالذي قاله البخاري في حديث الترمذي عن أبي تميمة: لا يتابع على حديثه.\nطريق أخرى: قال النسائي: حدثنا عثمان بن عبد اللّه، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن من كتابه، عن عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: \"استحيوا من الله حق الحياء لا تأتوا النساء في أدبارهن\" (^٩) تفرد به النسائي من هذا الوجه.\nقال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: هذا حديث منكر باطل من حديث الزهري ومن حديث أبي سلمة ومن حديث سعيد فإن كان عبد الملك سمعه من سعيد، فإنما سمعه بعد الاختلاف، وقد رواه الزهري، عن أبي سلمة أنه كان ينهى عن ذلك، فأما عن أبي هريرة عن النبي ﷺ،\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٣٤٤.\n(^٢) السنن، النكاح، باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهن (ح ١٩٢٣).\n(^٣) سقط في الأصل أو لم يذكر اختصارًا.\n(^٤) المسند ٢/ ٤٤٤، وأخرجه النسائي من طريق وكيع به (السنن الكبرى ٨/ ٢٠٠ ح ٨٩٦٦).\n(^٥) أما المتن فصحيح كما تقدم.\n(^٦) في الأصل: \"ورواه\".\n(^٧) وسنده حسن.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/ ٤٠٨، وأبو داود، السنن، الطب، باب في الكاهن (ح ٣٩٠٤)، والنسائي (السنن الكبرى ٨/ ٢٠١ ح ٨٩٦٧)، ابن ماجه السنن، الطهارة، باب النهي عن إتيان الحائض (ح ٦٣٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٣٠٤)، وصحيح سنن ابن ماجه (ح ٢١٥٦).\n(^٩) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٨/ ١٩٩ ح ٨٩٦١).","vol":"2","page":161},{"text":"فلا. انتهى كلامه (^١).\nوقد أجاد وأحسن الانتقاد، إلا أن عبد الملك بن محمد الصنعاني لا يعرف أنه اختلط، ولم يذكر ذلك أحد غير حمزة عن الكناني وهو ثقة، ولكن تكلم فيه دُحيم وأبو حاتم وابن حبان، وقال: لا يجوز الاحتجاج به، واللّه أعلم. وقد تابعه زيد بن يحيى بن عبيد، عن سعيد بن عبد العزيز. وروي من طريقين آخرين عن أبي سلمة، ولا يصح منها شيء.\nطريق أخرى: قال النسائي: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: إتيان الرجال النساء في أدبارهن كفر (^٢)، ثم رواه من طريق الثوري عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة مرفوعًا (^٣)، وكذا رواه من طريق علي بن بذيمة، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفًا (^٤)، ورواه بكر بن خُنيس عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: \"من أتى شيئًا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر\" والموقوف أصح، وبكر بن خُنيس ضعفه غير واحد من الأئمة، وتركه آخرون.\n(حديث آخر) قال محمد بن أبان البلخي: حدثنا وكيع، حدثني زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، وعن عمرو بن دينار، عن عبيد الله بن يزيد بن الهاد، قالا: قال عمر بن الخطاب: قال رسول اللّه ﷺ: \"إن اللّه لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن\" (^٥).\nوقد رواه النسائي: حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، عن عثمان بن اليمان، عن زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن الهاد، عن عمر، قال: لا تأتوا النساء في أدبارهن.\nوحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، عن زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عبد الله بن الهاد الليثي، قال: قال عمر ﵁: استحيوا من اللّه فإن اللّه لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن (^٦). والموقوف أصح.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا غندر ومعاذ بن معاذ، قالا: حدثنا شعبة عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق، عن النبي ﷺ قال: \"إن اللّه لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أستاههن\" (^٧)، وكذا رواه غير واحد عن شعبة، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن\n_________\n(^١) ذكره المزي في تحفة الأشراف ١١/ ٢٥.\n(^٢) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٨/ ٢٠١ ح ٨٩٦٩)، وفي سنده ليث ابن أبي سليم فيه مقال.\n(^٣) لم أجده مرفوعًا فقد رواه من الطريق المذكور موقوفًا وفيه العلة نفسها (السنن الكبرى ٨/ ٢٠١ ح ٨٩٧٠ - ٨٩٧١).\n(^٤) السنن الكبرى ٨/ ٢٠٢ (ح ٨٩٧٢).\n(^٥) أخرجه البزار (المسند ح ٣٢٩)، والنسائي (السنن الكبرى ٨/ ١٩٨ ح ٨٩٦٠)، كلاهما من طريق زمعة به، ويشهد له ما سبق.\n(^٦) السنن الكبرى ٨/ ١٩٨ (ح ٨٩٥٩).\n(^٧) تقدم تخريجه قبل ثلاث صفحات، وهذا التردد والخطأ في النسبة لعله من عاصم الأحول لأنه له أوهام.","vol":"2","page":162},{"text":"مسلم بن سلام، عن طلق بن علي، والأشبه أنه علي بن طلق كما تقدم، واللّه أعلم.\n(حديث آخر) قال أبو بكر الأثرم في سننه: حدثنا أبو مسلم الجرمي، حدثنا أخي: أقيس بن إبراهيم، أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره، عن أبيه أبي القعقاع، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: \"محاش (^١) النساء حرام\" (^٢). وقد رواه إسماعيل بن علية وسفيان الثوري وشعبة وغيرهم، عن أبي عبد اللّه الشقري واسمه: سلمة بن تمام ثقة، عن أبي القعقاع، عن ابن مسعود موقوفًا، وهو أصح (^٣).\nطريق أخرى: قال ابن عدي: حدثنا أبو عبد الله المحاملي، حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا محمد بن حمزة، عن زيد بن رفيع، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"لا تأتوا النساء في أعجازهن\" (^٤). محمد بن حمزة هو الجزري وشيخه فيهما مقال. وقد روي من حديث أُبي بن كعب والبراء بن عازب وعقبة بن عامر وأبي ذرٍّ وغيرهم، وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث، والله أعلم. وقال الثوري: عن الصلت بن بهرام، عن أبي المعتمر، عن أبي جويرية، قال: سأل رجل عليًا عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: سفَّلت، سفَّل اللّه بك، ألم تسمع قول اللّه ﷿: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعزَّاف: ٨٠]. وقد تقدم قول ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عُمر ﵄ في تحريم ذلك وهو الثابت بلا شك.\nقال أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الدارمي في مسنده: حدثنا عبد اللّه بن صالح، حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، قال: قلت: لابن عمر: ما تقول في الجواري أيحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين (^٥)؟ وكذا رواه ابن وهب وقتيبة عن الليث به، وهذا إسناد صحيح ونصٌّ صريح منه بتحريم ذلك. فكل ما ورد عنه مما يحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم.\nقال ابن جرير: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زيد أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمد، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس، أنه قيل له: يا أبا عبد اللّه، إن الناس يروون عن سالم بن عبد الله أنه قال: كذب العبد أو العلج على أبي فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد اللّه، عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن؟ فقال: وما\n_________\n(^١) المحاش جمع محشة: الدبر (غريب الحديث للخطابي ٢/ ٢٥١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٤/ ٢٥٢)، والدارمي (السنن، الطهارة، باب من أتى امرأته في دبرها ١/ ٢٥٩)، والهيثم بن خلف في (ذم اللواط ح ١٠٣)، كلهم من طريق حجاج بن أرطأة عن أبي القعقاع به.\n(^٣) أخرجه الهيثم بن خلف في (ذم اللواط ح ١٠٥)، وابن أبي شيبة (المصنف ٤/ ٢٥٢)، والبيهقي (السنن الكبرى ٧/ ١٩٩)، كلهم من طريق إسماعيل بن علية به، ومدار الإسناد يدور على أبي القعقاع الجرمي ولم يوثقه غير ابن حبان في الثقات ٧/ ٢٩، وقال الذهبي في المقتنى: لا يعرف.\n(^٤) أخرجه ابن عدي بسنده ومتنه (الكامل ٣/ ٢٠٦)، وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٥) أخرجه الدارمي بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب من أتى امرأته في دبرها ١١/ ٢٦٠ - ٢٦١). وسنده حسن.","vol":"2","page":163},{"text":"التحميض؟ فذكر له الدبر، فقال: ابن عمر: أفٍّ أفٍّ! وهل يفعل ذلك مؤمن، أو قال: مسلم؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب، عن ابن عمر مثل ما قال نافع (^١).\nوروى النسائي عن الربيع بن سليمان، عن أصبغ بن الفرج الفقيه، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، قال: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ قلت: نأتيهن في أدبارهن فقال: أف أف أو يعمل هذا مسلم! فقال لي مالك: فأشهد على ربيعة لحدّثني عن سعيد بن يسار، أنه سأل ابن عمر، فقال: لا بأس به (^٢). وروى النسائي أيضًا من طريق يزيد بن رومان، عن عبيد الله بن عبد الله: أن ابن عمر كان لا يرى بأسًا أن يأتي الرجل المرأة في دبرها (^٣). وروى معن بن عيسى، عن مالك أن ذلك حرام (^٤).\nوقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حسين، حدثني إسرائيل بن روح، سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟ لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد اللّه، إنهم يقولون أنك تقول ذلك. قال: يكذبون على يكذبون عليَّ.\nفهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة، وهو قول سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعكرمة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير ومجاهد بن جبر والحسن وغيرهم من السلف، أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلِق على فعله الكفر (^٥). وهو مذهب جمهور العلماء، وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء المدينة حتى حكوه عن الإمام مالك، وفي صحته نظر.\nقال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم، قال: ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال؛ يعني: وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاوي.\nوقد روى الحاكم والدارقطني والخطيب البغدادي عن الإمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك، ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه النسائي من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم به (السنن الكبرى ٨/ ١٩٠ ح ٨٩٣٠)، وهذا هو الحق الثابت عن ابن عمر ﵄، وقال الطحاوي: والدليل على صحة هذا إنكار سالم بن عبد الله أن يكون ذلك كان من أبيه (شرح معاني الآثار ٣/ ٤١).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) أخرجه النسائي من طريق خارجة بن عبد الله بن سليمان عن يزيد بن رومان به (السنن الكبرى ٨/ ١٩٠ ح ٨٩٣١)، وفي سنده خارجة: صدوق له أوهام.\n(^٤) ينظر المصدر السابق.\n(^٥) أخرج الدارمي بسند حسن عن طاوس وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء أنهم كانوا ينكرون إتيان النساء في أدبارهن ويقولون: هو الكفر (السنن، الطهارة، باب من أتى امرأته في دبرها ١/ ٢٦١).","vol":"2","page":164},{"text":"وقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنه سمع الشافعي يقول: ما صحَّ عن النبي ﷺ في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس أنه حلال.\nوقد روى ذلك أبو بكر الخطيب عن أبي سعيد الصيرفي، عن أبي العباس الأصم، سمعت محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول: فذكره.\nقال أبو نصر الصباغ: كان الربيع يحلف باللّه الذي لا إله إلا هو، لقد كذب - يعني ابن عبد الحكم - على الشافعي في ذلك، فإن الشافعي نصَّ على تحريمه في ستة كتب من كتبه (^١)، واللّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم عنه من ترك المحرمات، ولهذا قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ أي: فيحاسبكم على أعمالكم جميعها ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المطيعين الله فيما أمرهم، التاركين ما عنه زجرهم.\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسيني، حدثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن عطاء، قال: أراه عن ابن عباس ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قال: تقول: باسم اللّه التسمية عند الجماع (^٢).\nوقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: باسم اللّه، اللَّهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-231\"></span>﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾.\nيقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم باللّه تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، كقوله تعالى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] فالاستمرار على اليمين آثم لصاحبها من الخروج منها بالتكفير، كما قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة\". وقال رسول ﷺ: \"واللّه لأن يلجّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند اللّه من أن يعطي كفارته التي افترض اللّه عليه\" (^٤)، وهكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به (^٥)، ورواه أحمد عنه به، ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا معاوية هو ابن سلام، عن يحيى وهو ابن أبي كثير، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"من استلجّ في أهله بيمين فهو أعظم إثمًا،\n_________\n(^١) ذكره الحافظ ابن حجر وأطول في التلخيص الحبير ٣/ ١٨١ - ١٨٢.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه الحسين وهو سنيد فيه مقال.\n(^٣) صحيح البخاري، الوضوء، باب التسمية على كل حال وعند الوقاع (ح ١٤١).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الأيمان والنذور، باب ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ح ٦٦٢٤).\n(^٥) صحيح مسلم، الأيمان (ح ١٦٥٥).","vol":"2","page":165},{"text":"ليس تغني الكفارة\" (^١).\nوقال علي بن طلحة، عن ابن عباس (^٢) في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ قال: لا تجعلن عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفِّر عن يمينك واصنع الخير (^٣).\nوكذا قال مسروق والشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومكحول والزهري والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والضحاك وعطاء الخراساني والسدي ﵏ (^٤) -.\nويؤيد ما قاله هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"إني واللّه إن شاء اللّه، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها\" (^٥)، وثبت فيهما أيضًا أن رسول اللّه ﷺ، قال لعبد الرحمن بن سمرة: \"يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير، وكفِّر عن يمينك\" (^٦)، وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﷺ قال: \"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير\" (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا خليفة بن خياط، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللّه ﷺ، قال: \"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فتركها كفارتها\" (^٨). ورواه أبو داود من طريق أبي عبيد الله (^٩) بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"ولا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية اللّه، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليدعها وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها\"، ثم قال أبو داود: والأحاديث عن النبي ﷺ كلها \"فليكفِّر عن يمينه\" وهي الصحاح (^١٠).\nوقال ابن جرير: حدثنا علي بن سعيد الكندي، حدثنا علي بن مسهر، عن حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول اللّه ﷺ: \"من حلف على يمين قطيعة رحم ومعصية فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه\" وهذا حديث ضعيف، لأن حارثة هذا هو ابن أبي الرجال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، الصحيح، الإيمان والنذور (ح ٦٦٢٦).\n(^٢) في الأصل: \"عن ابن\" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.\n(^٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٥) صحيح البخاري، فرض الخمس (ح ٣١٣٣)، وصحيح مسلم، الأيمان (ح ١٦٤٩).\n(^٦) صحيح البخاري، الأيمان والنذور (ح ٦٦٢٢)، وصحيح مسلم، الأيمان (ح ١٦٥٢).\n(^٧) صحيح مسلم، الأيمان (ح ١٦٥٠).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٧٣٦) وأخرجه أبو داود.\n(^٩) في الأصل: \"عبد الله\" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.\n(^١٠) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه لكن بدون التعليق: \"وهي الصحاح\" (السنن، الأيمان والنذور، باب اليمين في قطيعة الرحم ح ٣٢٧٤)، وما ورد من تعليق لأبي داود هو حكم بالضعف، وهو كما قال لأنه يخالف ما في الصحيح في وجوب الكفارة عن اليمين.","vol":"2","page":166},{"text":"محمد بن عبد الرحمن متروك الحديث ضعيف عند الجميع، ثم روى ابن جرير عن ابن عباس (^١) وسعيد بن المسيب ومسروق والشعبي أنهم قالوا: لا يمين في معصية ولا كفارة عليها (^٢).\n\n<span id=\"aya-232\"></span>وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد، كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﷺ قال: \"من حلف فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا اللّه\" (^٣).\nفهذا قاله لقوم حديثي عهد بجاهلية، قد أسلموا وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللَّات من غير قصد، فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإخلاص كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد لتكون هذه بهذه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ كما قال تعالى في الآية الأخرى في المائدة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].\nقال أبو داود: (باب لغو اليمين) حدثنا حميد بن مسعدة الشامي، حدثنا حسان - يعني ابن إبراهيم -، حدثنا إبراهيم - يعني الصائغ -، عن عطاء: في اللغو في اليمين، قال: قالت عائشة: إن رسول اللّه ﷺ قال: \"اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته: كلا واللّه، وبلى واللّه\" ثم قال أبو داود: رواه داود بن الفرات، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه الزهري وعبد الملك ومالك بن مغول كلهم عن عطاء، عن عائشة موقوفًا أيضًا (^٤).\n(قلت): وكذا رواه ابن جريج وابن أبي ليلى عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه ابن جرير عن هناد، عن وكيع وعبدة وأبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: لا واللّه وبلى واللّه، ثم رواه عن محمد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه عنها، وبه عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن القاسم عنها، وبه عن ابن إسحاق (^٥)، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء عنها (^٦).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قالت: هم القوم يتدارؤون في الأمر، فيقول هذا: لا واللّه، بلى واللّه، وكلا واللّه، يتدارؤون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: \"ابن جبير\" والتصويب من (عف) و(مح) والتخريج.\n(^٢) أقوال ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم: ١٩] (ح ٤٨٦٠)، وصحيح مسلم، الأيمان والنذور (ح ١٦٤٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود ببابه وسنده ومتنه وتعليقه (السنن، الأيمان والنذور ح ٣٢٥٤ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٧٨٩).\n(^٥) في الأصل: \"إسحاق\" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.\n(^٦) أخرجه الطبري بعدة طرق عن عائشة وأصله في صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] (ح ٦٦٦٣).\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"2","page":167},{"text":"وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة - يعني ابن سليمان -، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قول اللّه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قالت: هو قول الرجل: لا واللّه، وبلى واللّه (^١).\nوحدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة، قال: كانت عائشة تقول: إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا واللّه، وبلى واللّه، فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله (^٢)، ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر وابن عباس في أحد قوليه، والشعبي وعكرمة في أحد قوليه وعطاء والقاسم بن محمد ومجاهد في أحد قوليه وعروة بن الزبير وأبي صالح والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة والزهري نحو ذلك (^٣).\n(الوجه الثاني) قرئ على يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الثقة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها كانت تتأول هذه الآية، يعني قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ وتقول: هو (^٤) الشيء يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه.\nثم قال: وروي عن أبي هريرة وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد في أحد قوليه، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن وزرارة بن أوفى وأبي مالك وعطاء الخراساني وبكر بن عبد اللّه، وأحد قولي عكرمة وحبيب بن أبي ثابت والسدي ومكحول ومقاتل وطاوس وقتادة والربيع بن أنس ويحيى بن سعيد وربيعة نحو ذلك (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن موسى الحرشي، حدثنا عبد اللّه بن ميمون المرادي، حدثنا عوف الأعرابي، عن الحسن بن أبي الحسن قال: مرَّ رسول اللّه ﷺ بقول ينتضلون - يعني: يرمون - ومع رسول اللّه ﷺ رجل من أصحابه، فقام رجل من القوم فقال: أصبت واللّه، وأخطأت واللّه، فقال الذي مع النبي ﷺ للنبي ﷺ: حنث الرجل يا رسول الله، قال: \"كلَّا أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة\" (^٦) هذا مرسل حسن عن الحسن. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عائشة القولان جميعًا، حدثنا عصام بن رواد، أنبأنا آدم، حدثنا شيبان، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة، قالت: هو قوله: لا والله، وبلى واللّه، وهو يرى أنه صادق ولا يكون كذلك (^٧).\nأقوال أُخر: قال عبد الرزاق، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينساه (^٨). وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى اللّه بصري إن لم أفعل كذا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي سنده ابن لهيعة ويتقوى بسابقه.\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.\n(^٤) في الأصل: \"هذا\" والتصويب من (عف) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٥) أخرجه بسنده ومتنه، وذكر القائلين بالوجه الثاني كلهم.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفيه جابر الجعفي، ويتقوى بما سبق من طرق أخرى عن عائشة.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"2","page":168},{"text":"وكذا، أخرجني الله من مالي (^١) إن لم آتك غدًا، فهو هذا (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد بن خالد، حدثنا عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان (^٣). وأخبرني أبي: حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل اللّه لك فذلك ما ليس عليك فيه كفارة (^٤)، وكذا روي عن سعيد بن جبير (^٥).\nوقال أبو داود: (باب اليمين في الغضب) حدثنا محمد بن المنهال، أنبأنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: إن عدت تسألني عن القسمة فكل ما لي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفِّر عن يمينك، وكلم أخاك، سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: \"لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ﷿، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك\" (^٦).\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو أن يحلف على الشي وهو يعلم أنه كاذب (^٧)، قال مجاهد وغيره: وهي كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي: غفور لعباده حليم عليهم.\n\n<span id=\"aya-233\"></span>﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾.\nالإيلاء: الحلف، فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدة، فلا يخلو إما أن يكون أقل من أربعة أشهر أو أكثر منها، فإن كانت أقل، فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة، وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول اللّه ﷺ، آلى من نسائه شهرًا فنزل لتسع وعشرين، وقال: \"الشهر يكون تسع وعشرون\" (^٨)، ولهما عن عمر بن الخطاب نحوه (^٩).\n_________\n(^١) في الأصل: \"حالي\" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من عدة طرق وبعدة ألفاظ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه ولكن تحت باب اليمين في قطيعة الرحم (ح ٣٢٧٢)، ولم يذكره الألباني في صحيح سنن أبي داود، وأخرجه الحاكم من طريق يزيد بن زريع به وصححه ووافقه الذهبي المستدرك ٤/ ٣٠٠)، وصححه أحمد شاكر في (عمدة التفسير ١/ ١٠٥) ونبه على سماع ابن المسيب من عمر ﵁.\n(^٧) أخرج الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس: واللغو أن يحلف الرجل على الشيء يراه حقًّا وليس بحق، وأخرج أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: من حلف باللّه ولا يعلم إلا أنه صادق فيما حلف.\n(^٨) صحيح البخاري، النكاح، باب قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٦] (ح ٥٢٨٩)، وصحيح مسلم، الصيام، باب الشهر يكون تسعًا وعشرين (ح ١٠٨٣).\n(^٩) صحيح البخاري، النكاح، باب موعظة الرجل ابنته (ح ٥١٩١)، وصحيح مسلم، الطلاق، في الإيلاء =","vol":"2","page":169},{"text":"فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر، إما أن يفيء؛ أي: يجامع، وإما أن يطلق فيجبره الحاكم على هذا، وهذا لئلا يضر بها، ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: يحلفون على ترك الجماع عن نسائهم، فيه دلالة على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء كما هو مذهب الجمهور ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي: ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه وهو كناية عن الجماع، قاله ابن عباس ومسروق والشعبي وسعيد بن جبير (^١) وغير واحد ومنهم ابن جرير ﵀ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين، قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فيه دلالة لأحد قولي العلماء، وهو القديم عن الشافعي أن المولى إذا فاء بعد الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه، ويعتضد بما تقدم في الحديث عند الآية التي قبلها عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللّه ﷺ، قال: \"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فتركها كفارتها\" (^٢) كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي، والذي عليه الجمهور وهو الجديد من مذهب الشافعي أن عليه التكفير لعموم وجوب التكفير على كل حالف، كما تقدم أيضًا في الأحاديث الصحاح، واللّه أعلم.\n\n<span id=\"aya-234\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [فيه دلالة على أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة أشهر، كقول الجمهور من المتأخرين، وذهب آخرون إلى أنه يقع بمضي أربعة أشهر تطليقة، وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت (^٣)، وبه يقول ابن سيرين ومسروق والقاسم وسالم والحسن وأبو سلمة وقتادة وشريح القاضي وقبيصة بن ذؤيب وعطاء وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن طرخان التيمي وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس والسدي (^٤).\nثم قيل: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر طلقة رجعية، قاله سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ومكحول وربيعة والزهري ومروان بن الحكم (^٥).\nوقيل: إنها تطلق طلقة بائنة، روي عن علي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وابن عمر\n_________\n= واعتزال النساء (ح ١٤٧٩).\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح، وقول مسروق أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الشعبي عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عن سعيد (المصنف رقم ١١٦٧٨).\n(^٢) الحديث ضعيف تقدم تخريجه عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤].\n(^٣) هذه الأقوال ذكر بعضها الطبري وابن أبي حاتم وقد حكم الحافظ ابن كثير بالصحة عليها كلها وفي هذه الحالة يحق للزوج الرجعة إليها وتحسب تطليقة واحدة.\n(^٤) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف الإسناد.\n(^٥) قول سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن أخرجه الإمام مالك بسند صحيح عن الزهري عنهما، (الموطأ، الطلاق، باب الإيلاء ٢/ ٥٥٦ ح ١٩)، وبهذا يكون قد صح عن الزهري في الموطأ.\nوقول مكحول أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما الآخر.","vol":"2","page":170},{"text":"وزيد بن ثابت (^١)، وبه يقول عطاء وجابر بن زيد ومسروق وعكرمة والحسن وابن سيرين ومحمد بن الحنفية وإبراهيم وقبيصة بن ذؤيب وأبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح (^٢)، وكل من قال: إنهما تطلق بمضي الأربعة أشهر أوجب عليها العدة، إلا ما روي عن ابن عباس وأبي الشعثاء: أنها إن كانت حاضت ثلاث حيض فلا عدة عليها، وهو قول الشافعي، والذي عليه الجمهور من المتأخرين أن يوقف فيطالب إما بهذا وإما بهذا، ولا يقع عليها بمجرد مضيها طلاق.\nوروى مالك عن نافع، عن عبد اللّه بن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه طلاق وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف، فإما أن يطلق وإما أن يفيء، وأخرجه البخاري (^٣).\nوقال الشافعي ﵀: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ كلهم يوقف المولى، قال الشافعي: وأقل ذلك ثلاثة عشر (^٤)، ورواه الشافعي عن علي ﵁ أنه يوقف المولى (^٥)، ثم قال: وهكذا نقول، وهو موافق لما رويناه عن عمر وابن عمر وعائشة وعثمان وزيد بن ثابت وبضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ، هكذا قال الشافعي ﵀.\nقال ابن جرير: حدثنا [عبد اللّه بن أحمد بن شبويه قال: حدثنا] (^٦) ابن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد اللّه بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، قال: سألت اثني عشر رجلًا من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق. ورواه الدارقطني من طريق سهيل (^٧).\n(قلت): وهو يروى عن عمر وعثمان وعلي وأبو الدرداء وعائشة أُم المؤمنين وابن عمر وابن عباس، وبه يقول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وطاوس ومحمد بن كعب والقاسم، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم ﵏، وهو اختيار ابن جرير أيضًا، وهو قول الليث وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور وداود، وكل هؤلاء قالوا: إن لم يفئ ألزم بالطلاق، فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم، والطلقة تكون رجعية، لها\n_________\n(^١) ما ورد عن عثمان وعلي وزيد بن ثابت لم يصح فيما رواه عبد الرزاق في المصنف رقم (١١٦٤١ - ١١٦٣٨)، وابن أبي شيبة (المصنف ٥/ ١٢٨ - ١٢٩)، والطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما والدارقطني (السنن ٤/ ٦٢ - ٦٣) لأنها أسانيد منقطعة إلى علي، وضعيفه إلى عثمان وزيد لضعف عثمان الخراساني فإن مدار الرواية عليه.\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٣) هذا القول هو القول الثالث، وهو الراجح لأنه قد صحَّ عن جمع كبير من الصحابة والتابعين، ورواية الإمام مالك سندها صحيح (الموطأ، الطلاق، باب الإيلاء ٢/ ٥٥٦)، وأخرجه البخاري من طريق الإمام مالك به (الصحيح، الطلاق، باب قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] (ح ٥٢٩١).\n(^٤) أخرجه الإمام الشافعي بسنده ومتنه (ترتيب مسند الشافعي ٢/ ٤٢ ح ١٣٩، الأم ٥/ ٢٤٧) وسنده صحيح، وأخرجه البيهقي من طريقه به (السنن الكبرى ٧/ ٣٧٦، وينظر للمزيد: أحكام القرآن للبيهقي ١/ ٢٣٠ - ٢٣٣).\n(^٥) ترتيب مسند الشافعي ٢/ ١٤٢، والأم ٥/ ٢٤٧.\n(^٦) ما بين معقوفين زيادة من تفسير الطبري.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق عن البخاري والشافعي.","vol":"2","page":171},{"text":"رجعتها في العدة، وانفرد مالك بأن قال: لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة. وهذا غريب جدًّا] (^١).\nقد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر، الأثر الذي رواه الإمام مالك بن أنس ﵀ في الموطأ، عن عبد الله بن دينار، قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل، فسمع امرأة تقول:\nتطاول هذا الليل واسودَّ جانبه … وأرَّقني أن لا خليل ألاعبه\nفواللهِ لولا اللّه أني أراقبه … لحرك من هذا السرير جوانبه (^٢)\nفسأل عمر ابنته حفصة ﵄: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق، عن السائب بن جبير مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ، قال: ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها، تقول:\nتطاول هذا الليل وازورَّ جانبه … وأرَّقني أن لا ضجيع ألاعبه\nألاعبه طورًا وطورًا … كأنما بدا قمرًا في ظلمة الليل حاجبه\nيسر به من كان يلهو بقربه … لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه\nفواللهِ لولا اللّه لا شيء غيره … لنقض من هذا السرير جوانبه\nولكنني أخشى رقيبًا موكلًا … بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه\nمخافة ربي والحياء يصدني … وإكرام بعلي أن تنال مراكبه (^٤)\nثم ذكر بقية ذلك، كما تقدم أو نحوه، وقد روي هذا من طرق وهو من المشهورات.\n\n<span id=\"aya-235\"></span>﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾.\nهذا أمر من اللّه ﷾ للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء، بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي: بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت، وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت، فإنها تعتد عندهم بقُرئين لأنها على نصف\n_________\n(^١) ما بين معقوفين تأخر في الأصل وأثبت كما في نسخة (عف) و(حم).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا عن السائب بن جبير مولى ابن عباس (الأشراف في منازل الأشراف ٢٢٩).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا عن الحسن عن عمر (الإشراف في منازل الأشراف ٢٣٠). والحسن لم يسمع من عمر.\n(^٤) رواية ابن إسحاق معنعنة وهو لم يدرك السائب بن جبير، وإسناده ضعيف. وقد وردت هذه الرواية في سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص ٦٠. ونسب هذه الرواية السيوطي إلى ابن إسحاق وابن أبي الدنيا في الأشراف (الدر ٢/ ٦٤٢).","vol":"2","page":172},{"text":"من الحرة، والقرء لا يتبعض فكمل لها قرآن، ولما رواه ابن جريج (^١) عن مظاهر بن أسلم المخزومي المدني، عن القاسم، عن عائشة، أن رسول اللّه ﷺ، قال: \"طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها (^٢) حيضتان\" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (^٣)، ولكن مظاهر هذا ضعيف بالكلية، وقال الحافظ الدارقطني وغيره: الصحيح أنه من قول القاسم بن محمد نفسه (^٤)، ورواه ابن ماجه من طريق عطية العوفي عن ابن عمر مرفوعًا (^٥).\nقال الدارقطني: والصحيح ما رواه سالم ونافع عن ابن عمر قوله (^٦)، وهكذا روي عن عمر بن الخطاب (^٧). قالوا: ولم يعرف بين الصحابة خلاف، وقال بعض السلف: بل عدتها كعدة الحرة لعموم الآية، ولأن هذا أمر جبلي، فكان الحرائر والإماء في هذا سواء، والله أعلم. حكى هذا القول الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن محمد بن سيرين وبعض أهل الظاهر وضعفه.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل - يعني ابن عياش -، عن عمرو بن مهاجر، عن أبيه، أن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، قالت: طُلِّقت على عهد رسول اللّه ﷺ، ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله ﷿ حين طُلِّقت أسماء العدة للطلاق، فكانت أول من نزلت فيها العدة للطلاق - يعني ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٨) - وهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو على قولين:\nأحدهما: أن المراد بها الأطهار.\nوقال مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال الزهري: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة، وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن اللّه تعالى يقول في كتابه: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. فقالت عائشة: صدقتم، وتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار (^٩).\nوقال مالك، عن ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدًا من\n_________\n(^١) في الأصل: \"ابن جرير\" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.\n(^٢) في الأصل: \"وعليها\" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.\n(^٣) أخرجه أبو داود من طريق ابن جريج به (السنن، الطلاق، باب في سنن الطلاق العبد ح ٢١٨٩)، وكذا في سنن الترمذي، الطلاق، باب ما جاء آية طلاق الأمة تطليقتان (ح ١١٨٢) وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب في طلاق الأمة (ح ٢٠٨٠). قال أبو داود: وهو حديث مجهول.\n(^٤) السنن ٤/ ٣٩.\n(^٥) السنن، الطلاق، باب طلاق الأمة وعدتها (ح ٢٠٧٩)، وفي سنده عطية العوفي: وهو ضعيف.\n(^٦) ذكره الدارقطني بعدما أخرجه من طريق العوفي عن ابن عمر (السنن ٣/ ٣٨).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن رباح عن عمر، وعلي بن رباح لم يسمع من عمر (جامع التحصيل ص ٢٤٠).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه مهاجر بن أبي مسلم الشامي وهو مقبول (التقريب ٢/ ٢٧٨).\n(^٩) أخرجه مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الطلاق، باب ما جاء في الأقراء ح ٥٤) وسنده صحيح.","vol":"2","page":173},{"text":"فقهائنا إلا وهو يقول ذلك، يريد قول عائشة (^١).\nوقال مالك، عن نافع، عن عبد اللّه بن عمر، أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها، وقال مالك: وهو الأمر عندنا (^٢). وروى مثله عن ابن عباس (^٣) وزيد بن ثابت (^٤) وسالم والقاسم وعروة وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري (^٥)، وبقية الفقهاء السبعة وهو مذهب مالك والشافعي وغير واحد وداود وأبي ثور، وهو رواية عن أحمد واستدلوا عليه بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: في الأطهار ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسبًا، دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها ولهذا قال هؤلاء: إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة، وأقل مدة [تصدق فيها المرأة انقضاء عدتها اثنان وثلاثون يومًا ولحظتان] (^٦)، واستشهد أبو عبيد وغيره على ذلك يقول الشاعر وهو الأعشى:\nففي كل عام أنت جاشم غزوة … تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا\nمورثة عِزًّا وفي الحي رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا (^٧)\nيمدح أميرًا من أمراء العرب آثر الغزو على المقام، حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم يواقعهن فيه.\nالقول الثاني: أن المراد بالأقراء: الحيض، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، زاد آخرون: وتغتسل منها، وأقل وقت تصدق فيه المرأة في انقضاء عدتها ثلاثة وثلاثون يومًا ولحظة.\nقال الثوري: عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي فارقني بواحدة أو اثنتين فجاني وقد نزعت ثيابي وأغلقت بابي، فقال عمر لعبد اللّه بن مسعود: أراها امرأته ما دون أن تحل لها الصلاة قال: وأنا أرى ذلك (^٨). وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وابن مسعود ومعاذ، وأُبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وابن عباس وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وإبراهيم ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة والشعبي والربيع ومقاتل بن حيان والسدي ومكحول والضحاك وعطاء الخراساني أنهم قالوا: الأقراء الحيض (^٩). وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأصح الروايتين عن الإمام\n_________\n(^١) الموطأ ٢/ ٥٧٧.\n(^٢) الموطأ ٢/ ٥٧٨ وسنده صحيح.\n(^٣) لم أجده عن ابن عباس وإنما روي عنه القول الآخر: ثلاث حيض كما سيأتي في القول الثاني.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (رقم ١١٠٠٢ - ١١٠٠٣)، والطبري من عدة طرق صحيحة.\n(^٥) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند وقول سالم وهو ابن عبد اللّه بن عمر أخرجه الطبري بسند صحيح وقول ابن أبي بكر بن عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح.\n(^٦) ما بين قوسين زيادة من (عف) و(حم) و(مح).\n(^٧) ديوان الأعشى ص ٩١.\n(^٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والطحاوي (شرح معاني الآثار ٣/ ٦٢) كلهم من طريق الثوري به وسنده صحيح.\n(^٩) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عمر وابن مسعود: تقدم في الرواية السابقة وصحَّ عنهما، =","vol":"2","page":174},{"text":"أحمد بن حنبل، وحكى عنه الأثرم أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول اللّه ﷺ يقولون: الأقراء: الحيض، وهو مذهب الثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح بن حيي وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه، ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي من طريق المنذر بن المغيرة (^١) عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أن رسول اللّه ﷺ قال لها: \"دعي الصلاة أيام أقرائك\" (^٢) فهذا لو صحَّ لكان صريحًا في أن القرء هو: الحيض، ولكن المنذر هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور وذكره ابن حبان في الثقات.\nوقال ابن جرير: أصل القرء في كلام العرب الوقت لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم (^٣).\nوهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركًا بين هذا وهذا، وقد ذهب إليه بعض الأصوليين، واللّه أعلم.\nوهذا قول الأصمعى أن القرء هو: الوقت.\nوقال أبو عمرو بن العلاء: العرب تسمي الحيض قرءًا، وتسمي الطهر قرءًا وتسمي الحيض مع الطهر جميعًا قرءًا (^٤).\nوقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: لا يختلف أهل العلم بلسان العرب والفقهاء أن القرء يراد به الحيض، ويراد به الطهر، وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو على قولين:\nوقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ أي: من حبل أو حيض، قاله ابن\n_________\n= وقول علي بن أبي طالب أخرجه الطبري بسند صحيح عنه، وقول أبي موسى أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح (المصنف ٦/ ٣١٧ رقم ١٠٩٩٤)، وقول ابن عباس أخرجه الطبري والبيهقي (السنن الكبرى ٧/ ٤١٧ - ٤١٨) كلاهما بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس. وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح، وقول السدي وعكرمة وقتادة والربيع بن أنس وسعيد بن جبير أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة. وأما قول أنس بن مالك فلم يصح عنه كما صرح الإمام الشافعي (انظر: ترتيب مسند الشافعي ١/ ٤٨).\n(^١) في الأصل: \"المعتمر\" والتصويب من (عف) و(حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه أبو داود (السنن، الطهارة، باب في المرأة تستحاض ح ٢٨٠)، والنسائي (السنن الكبرى، ذكر الأقراء ح ٢١٤) كلاهما من طريق المنذر بن المغيرة به لكن ليس فيه هذا اللفظ: \"دعي الصلاة أيام أقرائك\" ولكن قال أبو داود: ورواه قتادة عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أُم سلمة أن أُم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها النبي ﷺ أن تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي، ثم قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيئًا. وزاد ابن عيينة في حديث الزهري عن عمرة عن عائشة أن أُم حبيبة كانت تستحاض فسألت النبي ﷺ فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها. قال أبو داود: وهذا وهم من ابن عيينة، ليس هذا في حديث الحفاظ عن الزهري إلا ما ذكر سُهيل بن أبي صالح، وقد روى الحميدي هذا الحديث عن ابن عيينة ولم يذكر فيه: تدع الصلاة أيام أقرائها (السنن ح ٢٨١)، وسُهيل بن أبي صالح: صدوق تغير حفظه بآخره (التقريب ص ٢٥٩).\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ١٠١.\n(^٤) ينظر: الأضداد للأصمعي ص ٥.\nوبما أن اللغة تحتمل القولين، وأن القولين قد صحَّ عن الصحابة والتابعين فيمكن الجمع بين القولين، بأن نأخذ بالقول الذي يناسب مصلحة الزوجين.","vol":"2","page":175},{"text":"عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي والحكم بن عتيبة والربيع بن أنس والضحاك وغير واحد (^١).\nوقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تهديد لهن على خلاف الحق، دلَّ هذا على أن المرجع في هذا إليهن لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن ويتعذر إقامة البينة غالبًا على ذلك، فرد الأمر إليهن وتوعدن فيه لئلا يخبرن بكير الحق، إما استعجالًا منها لانقضاء العدة أو رغبة منها في تطويلها لما لها في ذلك من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان.\nوقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ أي: وزوجها الذي طلقها أحق بردها، ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردها الإصلاح والخير، وهذا في الرجعيات، فأما المطلقات البوائن، فلم يكن حال نزول هذه الآية مطلقة بائن، وإنما كان ذلك لما حصروا في الطبقات الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية، فكان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة، فلما قصروا في الآية التي بعدها على ثلاث طلقات، صار للناس مطلقة بائن، وغير بائن وإذا تأملت هذا، تبين لك ضعف ما سلكه بعض الأصوليين من استشهادهم على مسألة عود الضمير، هل يكون مخصصًا لما تقدمه من لفظ العموم أم لا بهذه الآية الكريمة، فإن التمثيل بها غير مطابق لما ذكروه، واللّه أعلم. وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: ولهنَّ على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر، ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر، أن رسول الله ﷺ، قال في خطبته في حجة الوداع: \"فاتقوا اللّه في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان اللّه واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنَّ ضربًا غير مبرح، ولهنَّ رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف\" (^٢)، وفي حديث بهز بن حكيم عن (^٣) معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده أنه قال: يا رسول اللّه ما حق زوجة أحدنا؟ قال: \"أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت\" (^٤).\nوقال وكيع، عن بشير بن سلمان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة، لأن اللّه يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٥).\nوقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي: في الفضيلة في الخلق والخلق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].\n_________\n(^١) ذكرهم جميعًا ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح.\n(^٢) أخرجه مسلم في الصحيح، الحج، باب حجة النبي ﷺ (ح ١٢١٨).\n(^٣) في الأصل: \"بن\" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.\n(^٤) أخرجه أبو داود مختصرًا (السنن، النكاح، باب في حق المرأة على زوجها ح ٢١٤٣، ٢١٤٤) وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ١٨٧٥ و١٨٧٦).\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق وكيع به، وسند ابن أبي حاتم صحيح.","vol":"2","page":176},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم في أمره وشرعه وقدره.\n\n<span id=\"aya-236\"></span>﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾.\nهذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله إلى ثلاث طبقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.\nقال أبو داود ﵀ في سننه: (باب نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث)، حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية (^١)، ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين به (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة - يعني ابن سليمان -، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلًا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا ولا آويك أبدًا، قالت: كيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له، فأنزل اللّه ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (^٣)، وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس (^٤)، ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن جعفر بن عون، كلهم عن هشام، عن أبيه، قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء ما دامت في العدة، وإن رجلًا من الأنصار غضب على امرأته، فقال: واللهِ لا آويكِ ولا أفارقكِ، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقكِ، فإذا دنا أجلكِ راجعتكِ، ثم أطلقكِ، فإذا دنا أجلكِ راجعتكِ. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قال: فاستقبل الناس الطلاق من كان طلَّق ومن لم يكن طلَّق (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ح ٢١٩٥).\n(^٢) سنن النسائي، الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ٦/ ٢١٢، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح ٣٣٢٦).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه قال الألباني: سنده صحيح مرسل (إرواء الغليل ٧/ ١٦٢).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس كلاهما عن هشام به.\n(^٥) وهو صحيح إلى عروة لكنه مرسل.","vol":"2","page":177},{"text":"وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذي عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب به (^١)، ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلًا، وقال: هذا أصح (^٢). ورواه الحاكم في مستدركه من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن يعلى بن شبيب به، وقال: صحيح الإسناد (^٣).\nثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال: واللّه لأتركنك لا أيمًا ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل اللّه ﷿ فيه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فوقت الطلاق ثلاثًا لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره (^٤). وهكذا رُوي عن قتادة مرسلًا، ذكره السدي وابن زيد (^٥) وابن جرير كذلك، واختار أن هذا تفسير هذه الآية.\nوقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخيّر فيها ما دامت عدتها باقية بين أن تردها إليك ناويًا الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها فتبين منك وتطلق سراحها محسنًا إليها، لا تظلمها من حقها شيئًا ولا تضارّ بها.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتَّقِ اللّه في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئًا (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع، قال: سمعت أبا رزين يقول: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله ﷿: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أين الثالثة؟ قال: \"التسريح بإحسان\" (^٧) ورواه عبد بن حميد في تفسيره ولفظه: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، سمعت أبا رزين الأسدي يقول: قال رجل: يا رسول اللّه، أرأيت قول الّه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فأين الثالثة؟ قال: \"التسريح بإحسان الثالثة\" (^٨). ورواه الإمام\n_________\n(^١) السنن، الطلاق (ح ١١٩٢) وفي سند ابن مردويه والترمذي يعلى بن شبيب: وهو لين الحديث كما في التقريب. وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ١٢١٠).\n(^٢) المصدر السابق (ح ١١٩٣).\n(^٣) المستدرك ٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠ وفي سنده أيضًا يعلى بن شبيب.\n(^٤) في سنده محمد بن إسحاق من مدلسي الطبقة الثالثة الذين لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بالسماع، وقد عنعن.\n(^٥) قول قتادة والسدي وابن زيد وهو عبد الرحمن أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة، ويتقوى بهذه المراسيل مرسل عروة بن الزبير.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وهو مرسل، وأخرجه أبو داود في المراسيل (ح ٢٢٠).\n(^٨) وهو مرسل أيضًا.","vol":"2","page":178},{"text":"أحمد أيضًا (^١). وهكذا رواه سعيد بن منصور عن خالد بن عبد الله، عن إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية، عن إسماعيل بن سُميع، عن أبي رزين به (^٢). وكذا رواه ابن مردويه أيضًا من طريق قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سُميع، عن أبي رزين به مرسلًا ورواه ابن مردويه أيضًا من طريق عبد الواحد بن زياد، عن إسماعيل بن سميع، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ … فذكره، ثم قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عبيد اللّه بن جرير بن جبلة، حدثنا ابن عائشة، حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ذكر اللّه الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: (إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (^٣).\nوقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ أي: لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهنَّ، ليفتدين منكم بما أعطيتموهنَّ من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها، فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له، ولا عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ الآية، فأما إذا لم يكن لها عذر، وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، قالا جميعًا: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عمن حدثه، عن ثوبان، أن رسول اللّه ﷺ، قال: \"أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة\" (^٤).\nوهكذا رواه الترمذي عن بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي به، وقال حسن: قال: ويروى عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، ورواه بعضهم عن أيوب بهذا الإسناد ولم يرفعه (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة\" (^٦). وهكذا رواه أبو داود وابن ماجه وابن جرير من\n_________\n(^١) لم أجده في كتب الإمام أحمد المذكورة في قائمة المصادر.\n(^٢) سنن سعيد بن منصور (ح ١٤٥٧).\n(^٣) أخرجه الدارقطني (السنن، الطلاق ٤/ ٤)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٧/ ٣٤) كلاهما من طريق عبد الواحد بن زياد به. ضعفه البيهقي، رواه جماعة من الثقات عن إسماعيل - يعني مرسلًا - وروي عن قتادة عن أنس ﵁ وليس بشيء (السنن الكبرى ٧/ ٣٤٠).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه شيخ أبي قلابة مبهم وقد صرح باسمه كما سيأتي، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري رقم (٤٨٤٤).\n(^٥) سنن الترمذي، الطلاق، باب ما جاء في المختلعات (ح ١١٨٧)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٠٠).\n(^٦) المسند ٥/ ٢٣٨، وسنده صحيح.","vol":"2","page":179},{"text":"حديث حماد بن زيد به (^١).\nطريق أخرى: قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث عن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول اللّه ﷺ، عن النبي ﷺ أنه قال: \"أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس حرم اللّه عليها رائحة الجنة\" وقال: \"المختلعات هنَّ المنافقات\" (^٢). ثم رواه ابن جرير والترمذي جميعًا، عن أبي كريب، عن مزاحم بن ذواد بن عُلبة، عن أبيه، عن ليث هو ابن أبي سُليم، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"المختلعات هن المنافقات\". ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي (^٣).\n(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا قيس بن الربيع، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن ثابت بن يزيد، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات\" (^٤) غريب من هذا الوجه ضعيف.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"المختلعات والمنتزعات هن المنافقات\" (^٥).\n(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، حدثنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى بن ثوبان، عن عمه عمارة بن ثوبان، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رسول اللّه ﷺ قال: \"لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه، فتجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا\" (^٦).\nثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة فيجوز للرجل حينئذٍ قبول الفدية، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إلا بدليل، والأصل عدمه، ممن ذهب إلى هذا ابن عباس وطاوس وإبراهيم وعطاء والحسن والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئًا وهو\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الطلاق، باب الخلع (ح ٢٢٢٦)، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب كراهية الخلع للمرأة (ح ٢٠٥٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٤٧).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ليث بن أبي سليم فيه مقال، وقد توبع فسنده حسن لغيره، ولكن بدون المختلعات هن المنافقات.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره والترمذي في سننه، الطلاق، ما جاء في المختلعات (ح ١١٨٦).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الطبراني من طريق قيس به (المعجم الكبير ١٧/ ٣٣٩ ح ٩٣٥)، وقال الهيثمي: فيه قيس بن الربيع وثقه الثوري وشعبة، وفيه ضعف (مجمع الزوائد ٥/ ٨).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٩٣٤٧) وصححه محققه أحمد شاكر ولكن قال النسائي: الحسن لم يسمع شيئًا من أبي هريرة فقد أخرجه النسائي من طريق المغيرة بن سلمة عن وهيب به. ثم ذكر الانقطاع (السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع ٦/ ١٦٩).\n(^٦) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب كراهية الخلع للمرأة ح ٢٠٥٤). وفى سنده عمارة بن ثوبان مستور (التقريب ص ٤٠٩).","vol":"2","page":180},{"text":"مضارّ لها، وجب ردّه إليها، وكان الطلاق رجعيًا قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه، وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق وعند الاتفاق بطريق الأولى والأخرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة.\nوحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب \"الاستذكار\" له عن بكر بن عبد اللّه المزني، أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] ورواه ابن جرير عنه (^١)، وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله، وقد ذكر ابن جرير ﵀ أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس وامرأته حبيبة بنت عبد اللّه بن أبي بن سلول، ولنذكر طرق حديثها واختلاف ألفاظه، قال الإمام مالك في موطئه: عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة: أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول اللّه ﷺ، خرج إلى الصبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله ﷺ: \"من هذه؟ \" قالت: أنا حبيبة بنت سهل. \"فقال ما شأنك؟ \" فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها، فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول اللّه ﷺ: \"هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء اللّه أن تذكر\" فقالت حبيبة: يا رسول اللّه كل ما أعطاني عندي، فقال رسول اللّه ﷺ: \"خذ منها\" فأخذ منها وجلست في أهلها (^٢). وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بإسناده مثله (^٣)، ورواه أبو داود عن القعنبي، عن مالك والنسائي، عن محمد بن مسلمة، عن ابن القاسم، عن مالك (^٤).\n(حديث آخر) عن عائشة، قال أبو داود وابن جرير: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو عمرو السدوسي عن عبد الله (^٥) بن أبي بكر، عن عَمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فضربها فكسر نفضها (^٦)، فأتت رسول اللّه ﷺ بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول اللّه ﷺ ثابتًا، فقال: \"خذ بعض مالها وفارقها\" قال: ويصلح ذلك يا رسول اللّه؟ قال: \"نعم\" قال: إني أصدقتها حديقتين فهما بيدها، فقال النبي ﷺ: \"خذهما وفارقها\" ففعل (^٧)، وهذا لفظ ابن جرير وأبو عمرو السدوسي هو: سعيد بن سلمة بن أبي الحسام.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما الآخر، وبكر بن عبد الله المزني تابعي وقد خالف الإجماع في ذكره لهذا النسخ قال النحاس: وهذا قول شاذ خارج عن الإجماع (الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥١).\n(^٢) أخرجه مالك بسنده ومتنه (الموطأ كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلع ٢/ ٥٦٤ ح ٣١) وسنده صحيح.\n(^٣) المسند ٦/ ٤٣٣، وسنده صحيح.\n(^٤) سنن أبي داود، الطلاق، باب في الخلع (ح ٢٢٢٧)، وسنن النسائي، الطلاق، باب ما جاء في الخلع ٦/ ١٦٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٤٨).\n(^٥) في الأصل: \"عبيد اللّه\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٦) أعلى كتفها.\n(^٧) أخرجه الطبري وأبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب في الخلع ح ٢٢٢٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٤٩). وأرى لفظة: \"فكسر نفضها\". منكرة مخالفة لما في الصحيح في قولها: لا أعتب عليه في خلق ولا دين. كما سيأتي في الحديث التالي، ولعله من خطأ أبي عمرو السدوسي فهو صحيح الكتاب يخطئ من حفظه (التقريب ص ٢٣٦).","vol":"2","page":181},{"text":"(حديث آخر) فيه: عن ابن عباس ﵁، قال البخاري: حدثنا أزهر بن جميل (^١)، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس، أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول اللّه ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول اللّه ﷺ: \"أتردين عليه حديقته؟ \" قالت: نعم، قال رسول اللّه ﷺ: \"اقبل الحديقة وطلقها تطليقة\" (^٢). وكذا رواه النسائي عن أزهر بن جميل بإسناده مثله (^٣)، ورواه البخاري أيضًا به، عن إسحاق الواسطي، عن خالد هو ابن عبد اللّه الطحان، عن خالد هو ابن مهران الحذّاء، عن عكرمة، به نحوه (^٤)، وهكذا رواه البخاري أيضًا من طرق عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس به وفي بعضها أنها قالت: لا أطيقه (^٥)؛ تعني: بغضًا. وهذا الحديث من إفراد البخاري من هذا الوجه، ثم قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة أن جميلة ﵂ (^٦) - كذا قال - والمشهور أن اسمها حبيبة كما تقدم، [لكن قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: حدثني أبو يوسف يعقوب بن يوسف الطباخ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا عبيد اللّه بن عمر القواريري، حدثني عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن جميلة بنت سلول أتت النبي ﷺ، فقالت: والله ما أعتب على ثابت بن قيس في دين ولا خلق، ولكنني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضًا، فقال لها النبي ﷺ: \"تردين عليه حديقته؟ \". قالت: نعم، فأمره النبي ﷺ أن يأخذ ما ساق ولا يزداد] (^٧)، وقد رواه ابن مردويه في تفسيره عن موسى بن هارون، حدثنا أزهر بن مروان، حدثنا عبد الأعلى مثله، وهكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان بإسناد مثله سواء (^٨)، وهو (^٩) إسناد جيد مستقيم.\nورواه أبو القاسم البغوي عن عبيد اللّه القواريري، عن عبد الأعلى مثله، لكن قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد عن ثابت، عن عبد اللّه بن رباح، عن جميلة بنت عبد اللّه بن أُبي بن سلول، أنها كانت تحت ثابت بن قيس فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي ﷺ فقال: \"يا جميلة ما كرهت من ثابت؟ \". قالت: واللّه ما كرهت منه دينًا ولا خلقًا، إلا أني كرهت ذمامته، فقال لها، \"أتردين عليه الحديقة؟ \". قالت: نعم، فردَّت الحديقة، وفرَّق بينهما (^١٠).\n_________\n(^١) في الأصل: \"بن حبل\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الطلاق، باب الخلع ح ٥٢٧٣).\n(^٣) السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع ٦/ ١٦٩.\n(^٤) صحيح البخاري (ح ٥٢٧٤).\n(^٥) المصدر السابق (ح ٥٢٧٥ و٢٥٧٦).\n(^٦) المصدر السابق (ح ٥٢٧٧).\n(^٧) ما بين قوسين زيادة من (عف) وفي الأصل وردت رواية ابن مردويه سندًا ومتنًا وكذا في (ح) و(حم).\n(^٨) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب الخلع ح ٥٢٧٣).\n(^٩) في الأصل: \"وهذا\".\n(^١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر. ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن عبد البر أنه اختلف في امرأة ثابت بن قيس فذكر البصريون أنها جميلة، وذكر المدينون أنها حبيبة بنت سهل. ثم قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين (الفتح ٩/ ٣٩٩).","vol":"2","page":182},{"text":"وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: قرأت على فضيل، عن أبي جرير، أنه سأل عكرمة هل (^١) كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإسلام في أخت عبد اللّه بن أُبي، أنها أتت رسول اللّه ﷺ فقالت: يا رسول اللّه لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادًا وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجهًا، فقال زوجها: يا رسول اللّه، إني قد أعطيتها أفضل مالي حديقة لي، فإن ردَّت عليَّ حديقتي، قال: \"ما تقولين؟ \" قالت: نعم وإن شاء زدته، قال: ففرق بينهما (^٢).\n(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان رجلًا دميمًا، فقالت: يا رسول اللّه، واللّه لولا مخافة اللّه إذا دخل عليّ بصقت في وجهه، فقال رسول اللّه ﷺ: \"أتردين إليه حديقته؟ \" قالت: نعم، فردت عليه حديقته، قال: ففرق بينهما رسول اللّه ﷺ (^٣).\n\nوقد اختلف الأئمة ﵏ في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها، فذهب الجمهور إلى جواز ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.\nوقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن كثير مولى ابن سمرة (^٤) أن عمر أتى بامرأة ناشز، فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، ثم دعا بها فقال: كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليالي التي كنت حبستني، فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها (^٥).\nورواه عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن كثير مولى ابن سمرة … فذكر مثله، وزاد: فحبسها فيه (^٦) ثلاثة أيام، قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن: أن امرأة أتت عمر بن الخطاب، فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها: كيف وجدت مكانك؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقرّ لعيني من هذه الليلة. فقال: خذ ولو عقاصها (^٧) (^٨). وقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها (^٩).\n_________\n(^١) في الأصل: \"أنه\" والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه، السنن، الطلاق، باب المختلعة تأخذ ما أعطاها (ح ٢٠٥٧) وفيه نكارة في قولها: والله لولا مخافة الله إذا دخل عليّ بصقت في وجهه!! فإنها مخالفة لما في الصحيح ولعل ذلك من حجاج بن أرطأة فهو كثير الخطأ والتدليس، وقد عنعن في هذه الرواية.\n(^٤) في الأصل: \"مولى سمرة\" والتصويب من التخريج.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي سنده كثير مولى ابن سمرةُ: مقبول (التقريب ص ٤٠٦).\n(^٦) في الأصل: \"فحبسها له\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق حميد بن عبد الرحمن عن عمر بنحوه، وحميد لم يدرك عمر.\n(^٨) العقاص: خيط تشد به المرأة أطراف ضفائرها، والضفيرة: هي العقيصة.\n(^٩) ينظر: فتح الباري، كتاب الطلاق، باب الخلع ٩/ ٣٩٤.","vol":"2","page":183},{"text":"وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن الرُبيّع بنت معوذ بن عفراء حدثته، قالت: كان لي زوج يقل عليَّ الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، قالت: فكانت مني زلة يومًا فقالت له: أختلع منك بكل شيء أملكه، قال: نعم، قالت: ففعلت، قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان، فأجاز الخُلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس (^١).\nومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وقبيصة بن ذؤيب (^٢) والحسن بن صالح وعثمان البتي (^٣)، وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي ثور، واختاره ابن جرير، وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الإضرار من قبلها، جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئًا، فإن أخذ، جاز في القضاء.\nوقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن شعيب والزهري وطاوس والحسن والشعبي وحماد بن أبي سليمان والربيع بن أنس (^٤).\nوقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها (^٥).\nوقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها.\n\n(قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد حيث قال: أخبرنا قبيصة عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي ﷺ كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها (^٦)؛ يعني: المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى (ولا جناح عليهما فيما افتدت به) أي: من الذي أعطاها لتقدم قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من ذلك،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وأخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل به (السنن الكبرى، الخلع، باب الوجه الذي تحل به الفدية ٧ ج ٣١٥)، وأخرجه الحافظ ابن حجر من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، وحسن إسناده (تغليق التعليق ٤/ ٤٦١).\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسنده صحيح، وكذا قول عكرمة والحسن وقول مجاهد وإبراهيم وقبيصة بن ذؤيب أخرجه سعيد بن منصور وصحح الحافظ سنده إلى قبيصة (الفتح ٩/ ٣٩٧).\n(^٣) في الأصل: \"اللبتي\" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح).\n(^٤) قول عمرو بن شعيب وعطاء بن أبي رباح والزهري أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الأوزاعي به (المصنف ٥/ ١٢٣) وقول الشعبي أخرجه الطبري بسند صحيح.\n(^٥) قول معمر أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ١١٨٤٨) ومعمر لم يسمع من علي وقول الحكم وهو ابن عتيبة أخرجه عبد الرزاق من طريق ليث بن أبي سليم عن الحكم به (المصنف ١١٨٤٤) وليث فيه مقال، والحكم لم يدرك عليًا أيضًا.\n(^٦) سنده مرسل وقد تقدم موصولًا في صحيح البخاري.","vol":"2","page":184},{"text":"وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس (فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه) رواه ابن جرير (^١)، لهذا قال بعده: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n(فصل) قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فأخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه بعد، يتزوجها إن شاء، لأن الله تعالى يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قرأ إلى: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (^٢).\nقال الشافعي: وأخبرنا سفيانُ عن عمرو، عن عكرمة، قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق (^٣)، وروى غير الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله قال: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم، ليس الخُلع بطلاق، ذكر اللّه الطلاق في أول الآية وآخرها، والخُلع فيما بين ذلك، فليس الخُلع بشيء، ثم قرأ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ قرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (^٤).\nوهذا الذي ذهب إليه ابن عباس ﵄ من أن الخُلع ليس بطلاق وإنما هو فسخ، هو رواية عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وابن عمر (^٥)، وهو قول طاوس وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود بن علي الظاهري، وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة، والقول الثاني في الخلع: أنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك.\nقال مالك: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جهمان مولى الأسلميين، عن أُم بكر الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله خالد بن أسيد فأتيا عثمان بن عفان في ذلك، فقال: تطليقة إلا أن تكون سميت شيئًا فهو ما سميت (^٦).\nقال الشافعي: ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر (^٧)، واللّه أعلم.\nوقد روي نحوه (^٨) عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وشريح والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وعثمان البتي (^٩) والشافعي في الجديد، غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق، فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وللشافعي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع، وسنده جيد.\n(^٢) سنده صحيح وأشار إليه البيهقي بأنه رواه مختصرًا (السنن الكبرى ٧/ ٣١٦) وسيأتي كاملًا.\n(^٣) ذكره البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٧/ ٣١٦) وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه البيهقي من طريق سعدان بن نصر عن سفيان بن عيينة به (السنن الكبرى ٧/ ٣١٦) ونقل عن ابن المنذر: وليس في الباب أصح من حديث ابن عباس. ثم قال: يريد حديث طاوس عن ابن عباس ﵄ (المصدر السابق).\n(^٥) قول عثمان وابن عمر سيأتي مسندًا في المسألة الآتية.\n(^٦) أخرجه الشافعي عن مالك به (ترتيب مسند الشافعي، كتاب الطلاق، باب في الخلع ٢/ ٥١ ح ١٦٥).\n(^٧) ذكره عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه قال: إسناده ما أدري ما هو جهمان. قال عبد اللّه: كأنه لم يرض إسناده (مسائل الإمام أحمد رواية ابنه ص ٢٣٨، ٢٣٩).\n(^٨) في الأصل: \"غيره\" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح).\n(^٩) في الأصل: \"وعثمان الليتي\" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح).","vol":"2","page":185},{"text":"قول آخر في الخُلع، وهو أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن البينة، فليس هو بشيء بالكلية.\nمسألة: وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه في رواية عنهما (^١)، وهي المشهورة، إلى أن المختلعة عدتها عدة المطلقة بثلاثة قروء، إن كانت ممن تحيض، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعروة وسالم وأبو سلمة وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب والحسن والشعبي وإبراهيم النخعي وأبو عياض وخلاس بن عمر وقتادة وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأبو عبيد.\nقال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم (^٢). ومأخذهم في هذا أن الخُلع طلاق، فتعتد كسائر المطلقات.\nوالقول الثاني: أنها تعتد بحيضة واحدة تستبرى بها رحمها.\nقال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد اللّه بن عمر (^٣)، عن نافع: أن الرُّبيّع اختلعت من زوجها، فأتى عمها عثمان ﵁، فقال: تعتد بحيضة. قال: وكان ابن عمر يقول: تعتد ثلاث حيض، حتى قال هذا عثمان، فكان ابن عمر يفتي به، ويقول: عثمان خيرنا وأعلمنا (^٤)، وحدثنا عبدة عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر، قال: عدة المختلعة حيضة (^٥)، وحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي (^٦)، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: عدتها حيضة (^٧). وبه يقول عكرمة وأبان بن عثمان وكل من تقدم ذكره ممن يقول: إن الخلع فسخ يلزمه القول بهذا، واحتجوا لذلك بما رواه أبو داود والترمذي حيث قال: كل واحد منهما: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي، حدثنا علي بن بحر، أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي ﷺ، فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة، ثم قال الترمذي: حسن غريب (^٨)، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مرسلًا (^٩).\n(حديث آخر) قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان،\n_________\n(^١) قول إسحاق ذكره الترمذي بأنه مذهب قوي (السنن، الطلاق ٢/ ٤٨٣).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) كذا في مصنف ابن أبي شيبة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف، الطلاق، من قال: عدتها حيضة ٥/ ١١٤) وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصدر السابق) وسنده صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٥١).\n(^٦) في الأصل: \"البخاري\" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصدر السابق) وفي سنده ليث وهو ابن أبي سليم تُكلم فيه وقد توبع فسنده حسن.\n(^٨) أخرجه أبو داود (السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع ح ٢٢٢٩)، والترمذي (السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع ح ١١٨٥) كلاهما بسنده ومتنه. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٥٠)، وأخرجه الحاكم من طريق علي بن بحر به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٠٦).\n(^٩) أخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به (المستدرك ٢/ ٢٠٦).","vol":"2","page":186},{"text":"حدثنا محمد بن عبد الرحمن، وهو مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن الرُبيِّع بنت معوذ بن عفراء، أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ، فأمرها النبي ﷺ، أو أمرت أن تعتدَّ بحيضة، قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتدَّ بحيضة (^١).\n(طريق أخرى) قال ابن ماجه: حدثنا علي بن سلمة النيسابوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن الرُّبَيّع بنت معوذ بن عفراء، قال: قلت لها: حدثيني حديثك، قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان فسألت عثمان: ماذا علي من العدة؟ قال: لا عدة عليك إلا أن يكون (^٢) حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة، قالت: وإنما اتبع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس، فاختلعت منه (^٣).\nوقد روى ابن لهيعة عن ابن الأسود، عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن الرُّبيِّع بنت معوذ، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتدَّ بحيضة (^٤).\nمسألة: وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى وماهان الحنفي وسعيد بن المسيب والزهري أنهم قالوا: إن ردَّ إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها. وهو اختيار أبي ثور ﵀.\nوقال سفيان الثوري: إن كان الخُلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة ولا سبيل له عليها، وإن كان يسمى طلاقًا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة، وبه يقول داود بن علي الظاهري، واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوجها في العدة، وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن فرقة: أنه لا يجوز له ذلك كما لا يجوز لغيره، وهو قول شاذ مردود.\nمسألة: وهل له أن يوقع عليها طلاقًا آخر في العدة؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء:\n(أحدها): ليس له ذلك، لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه، وبه يقول ابن عباس وابن الزبير وعكرمة وجابر بن زيد والحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور.\n(والثاني): قال مالك: إن أتبع الخُلع طلاقًا من غير سكوت بينهما، وقع، وإن سكت بينهما، لم يقع، قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان ﵁.\n(والثالث): أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وإبراهيم والزهري والحاكم والحكم وحماد بن أبي سليمان، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء.\nوقال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.\n_________\n(^١) السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع (ح ١١٨٤) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٩٤٥).\n(^٢) لفظ: \"يكون\" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب عدة المختلعة ح ٢٠٥٨).\n(^٤) يشهد له رواية الترمذي السابقة من حديث الرُّبيّع.","vol":"2","page":187},{"text":"وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم. هي حدود فلا تتجاوزوها، كما ثبت في الحديث الصحيح: \"إن الله حدَّ (^١) حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها\" (^٢).\nوقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة لقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: \"أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ \" حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله (^٣)؟ - فيه انقطاع -.\n\n<span id=\"aya-237\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعدما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح ولو في ملك اليمين، لم تحل للأول، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوجت ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأول، واشتهر بين كثير من الفقهاء عن سعيد بن المسيب ﵀ أن يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأول بمجرد العقد على الثاني، وفي صحته عنه نظر (^٤)، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البر قد حكاه عنه في \"الاستذكار\"، والله أعلم.\nوقد قال أبو جعفر بن جرير ﵀: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، في الرجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها ألبتة، فيتزوجها زوج آخر، فيطلقها قبل أن يدخل بها، أترجع إلى الأول؟ قال: \"لا، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها\" (^٥) هكذا وقع في رواية ابن جرير (^٦)، وقد رواه الإمام أحمد فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، قال: سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله - يعني: ابن عمر -، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، في الرجل\n_________\n(^١) لفظ: \"حدَّ\" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.\n(^٢) أخرجه الحاكم من حديث أبي ثعلبة الخشني وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١١٥).\n(^٣) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليط ٦/ ١٤٢) وحكم الحافظ ابن كثير عليه بالانقطاع.\n(^٤) يؤيد قول الحافظ ما سيأتي من رواية من طريق سعيد بن المسيب.\n(^٥) العسيلة: أي الجماع، كما سيأتي في حديث النسائي من حديث عائشة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سالم بن رزين مجهول، ويشهد له حديث عائشة المتفق عليه كما سيأتي.","vol":"2","page":188},{"text":"تكون له المرأة فيطلقها ثم يتزوجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى زوجها الأول، فقال رسول الله ﷺ: \"حتى تذوق العسيلة\" (^١)، وهكذا رواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس وابن ماجه، عن محمد بن بشار بندار، كلاهما عن محمد بن جعفر غُندُر، عن شعبة به (^٢)، كذلك فهذا من رواية سعيد بن المسيب عن ابن عمرو مرفوعًا على خلاف ما يحكى عنه، فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند، والله أعلم. وقد روى أحمد أيضًا والنسائي وابن جرير (^٣) هذا الحديث من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمدي، عن ابن عمر، قال: سئل النبي ﷺ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا، فيتزوجها آخر، فيغلق الباب، ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل تحل للأول؟ قال: \"لا، حتى تذوق العسيلة\"، وهذا لفظ أحمد (^٤)، وفي رواية لأحمد سليمان بن رزين (^٥).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا محمد بن دينار، حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثًا، فتزوجت بعده رجلًا فطلقها قبل أن يدخل بها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لا، حتى يكون الآخر قد ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته\" (^٦). وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن إبراهيم الأنماطي، عن هشام بن عبد الملك، حدثنا محمد بن دينار … فذكره.\n(قلت): ومحمد بن دينار بن صندل أبو بكر الأزدي ثم الطاحي البصري ويقال له: ابن أبي الفرات، اختلفوا فيه، فمنهم من ضعفه، ومنهم من قواه وقبله وحسن له، وذكر أبو داود أنه تغير قبل موته (^٧)، فالله أعلم.\n(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثنا شيبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ، في المرأة يطلقها زوجها ثلاثًا، فتتزوج غيره فيطلقها قبل أن يدخل بها، فيريد الأول أن يراجعها (^٨). قال: \"لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها\" ثم رواه من وجه آخر عن شيبان وهو ابن عبد الرحمن به (^٩)، وأبو الحارث غير معروف.\n(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا يحيى بن عبيد الله، حدثنا القاسم، عن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (العلل ص ٢٥٨) وفي سنده سالم بن رزين كسابقه.\n(^٢) سنن النسائي، الطلاق، باب إحلال المطلقة ثلاثًا ٦/ ١٤٨، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فتتزوج (ح ١٩٣٣). وحكمه كسابقه.\n(^٣) في الأصل: \"ابن ماجه\" والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (ح ٤٧٧٧) وكذا الطبري والنسائي (المصدر السابق) وحكمه كسابقه.\n(^٥) المسند (ح ٥٢٧٨). وسليمان بن رزين هو نفسه رزين بن سليمان، ويقال أيضًا: سالم بن رزين. انظر التقريب ٢٠٩.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٤٠٦٩).\n(^٧) ويشهد له حديث عائشة الذي سيأتي وهو في الصحيحين.\n(^٨) في الأصل: \"يرجعها\" والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ويشهد له حديث عائشة التالي.","vol":"2","page":189},{"text":"عائشة: أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجت زوجًا، فطلقها قبل أن يمسَّها، فسئل رسول الله ﷺ: أتحل للأول؟ فقال: \"لا، حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول\" (^١) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن عبد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عمته عائشة به (^٢).\n(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا عبيد الله بن إسماعيل الهباري وسفيان بن وكيع وأبو هشام الرفاعي، قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: سئل النبي ﷺ عن رجل طلق امرأته، فتزوجت رجلًا غيره، فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لا تحلّ لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته\"، وكذا رواه أبو داود عن مسدد والنسائي عن أبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية وهو: محمد بن حازم الضرير به (^٣).\n(طريق أخرى) قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن العلاء الهمداني، حدثنا أبو أُسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ، سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها، فتتزوج رجلًا فيطلقها قبل أن يدخلّ بها، أتحلّ لزوجها الأول؟ قال: \"لا حتى يذوق عسيلتها\" (^٤).\nقال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو فضيل، وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية جميعًا، عن هشام بهذا الإسناد (^٥)، وقد رواه البخاري من طريق أبي معاوية محمد بن حازم، عن هشام به (^٦)، وتفرد به من الوجهين الآخرين، وهكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا بنحوه أو مثله (^٧) - وهذا إسناد جيد -، وكذا ورواه ابن جرير أيضًا من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن امرأة أبيه أمينة أُم محمد، عن عائشة، عن النبي ﷺ بمثله (^٨).\nوهذا السياق مختصر من الحديث الذي رواه البخاري، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى عن هشام بن عروة، حدثني أبي، عن عائشة، عن النبي ﷺ، وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، فأتت النبي ﷺ فذكرت له إنه لا يأتيها وأنه ليس معه إلا مثل هدية الثوب، فقال: \"لا حتى تذوقي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الطلاق، باب من جوز الطلاق الثلاث (ح ٩٦١) وصحيح مسلم، النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلاقها حتى تنكح زوجًا غيره ويطأها (ح ما بعد ١٤٣٣) برقم (١١٥).\n(^٣) تفسير الطبري، وسنن أبي داود، الطلاق، باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح غيره (ح ٢٣٠٩)، وسنن النسائي، الطلاق، باب الطلاق للتي تنكح زوجًا ثم لا يدخل بها ٦/ ١٤٦.\n(^٤) صحيح مسلم، النكاح، نفس الباب السابق ما بعد (١٤٣٣) برقم (١١٤).\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) صحيح البخاري، الطلاق، باب من قال لامرأته: أنت عليّ حرام (ح ٥٢٦٥).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وجود إسناده الحافظ ابن كثير.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه علي بن زيد بن جدعان فيه مقال ويشهد له ما سبق.","vol":"2","page":190},{"text":"عسيلته ويذوق عسيلتك\" (^١) تفرد به من هذين الوجهين.\n(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا وأبو بكر عند النبي ﷺ، فقالت: إن رفاعة طلقني ألبتة، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وإنما عنده مثل الهدبة، وأخذت هدبة من جلبابها، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له، فقال: يا أبا بكر، ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يديّ رسول الله ﷺ، فما زاد رسول الله ﷺ على التبسم، فقال رسول الله ﷺ: \"كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك\" (^٢)، وهكذا رواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك ومسلم من حديث عبد الرزاق والنسائي من حديث يزيد بن زريع، ثلاثتهم عن معمر به، وفي حديث عبد الرزاق عند مسلم، أن رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات (^٣) وقد رواه الجماعة إلا أبو داود من طريق سفيان بن عيينة والبخاري من طريق عقيل ومسلم من طريق يونس بن يزيد [وعنده آخر ثلاث تطليقات، والنسائي من طريق أيوب بن موسى، ورواه صالح بن أبي الأخضر] (^٤) كلهم عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به (^٥). وقال مالك: عن المسور بن رفاعة القرظي، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير: أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله ﷺ ثلاثًا، فنكحت عبد الرحمن بن الزبير: فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها، فأراد رفاعة بن سموال أن ينكحها، وهو زوجها الأول الذي كان طلقها فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنهاه عن تزويجها، وقال: \"لا تحلّ لك حتى تذوق العسيلة\" هكذا رواه أصحاب الموطآت عن مالك (^٦)، وفيه انقطاع، وقد رواه إبراهيم بن طهمان وعبد الله بن وهب عن مالك، عن رفاعة، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، عن أبيه فوصله.\n(فصل) والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبًا في المرأة، قاصدًا لدوام عشرتها، كما هو المشروع من التزويج، واشترط الإمام مالك مع ذلك، أن يطأها الثاني وطأً مباحًا، فلو وطئها وهي محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض أو نفساء أو الزوج صائم أو محرم أو معتكف لم تحل للأول بهذا الوطء، وكذا لو كان الزوج الثاني ذميًا لم تحل للمسلم بنكاحه، لأن أنكحة الكفار باطلة عنده، واشترط الحسن البصري فيما حكاه عنه الشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ينزل الزوج الثاني، وكأنه تمسك بما فهمه من قوله ﵊: \"حتى تذوقي عسيلته\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الطلاق، باب إذا طلقها ثلاثًا (ح ٥٣١٧).\n(^٢) المسند ٦/ ٣٤ وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، الأدب، باب التبسم والضحك (ح ٦٠٨٤)، وصحيح مسلم، النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره بعد (ح ١٤٣٣) برقم (١١٣)، وسنن النسائي، الطلاق، باب إحلال المطلقة ثلاثًا ٦/ ١٤٦.\n(^٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) والتخريج.\n(^٥) صحيح البخاري، الأدب (ح ٦٠٨٤)، وصحيح مسلم الموضع السابق برقم (١١٢)، وسنن النسائي الموضع السابق، وسنن ابن ماجه الطلاق، باب الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فتتزوج (ح ١٩٣٣)، وسنن الترمذي، النكاح (ح ١١١٨).\n(^٦) الموطأ، النكاح، باب نكاح المحلل (ح ١٧) ويشهد له ما سبق.","vol":"2","page":191},{"text":"ويذوق عسيلتك\" ويلزم على هذا أن تنزل المرأة أيضًا، وليس المراد بالعسيلة المني، لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا إن العسيلة الجماع\" (^١) فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلَّها للأول، فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة (^٢).\nذكر الأحاديث الواردة في ذلك:\n(الحديث الأول): عن ابن مسعود ﵁. قال الإمام أحمد: حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن الهزيل، عن عبد الله قال: لعن رسول الله ﷺ: الواشمة والمستوشمة والواصلة والموصولة والمحَلّل له وآكل الربا وموكله. ثم رواه أحمد والترمذي والنسائي من غير وجه عن سفيان وهو الثوري عن أبي قيس واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي، عن هزيل بن شرحبيل الأودي، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة منهم عمر وعثمان وابن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين، ويروى ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس (^٣).\n(طريق أخرى) عن ابن مسعود. قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله، عن عبد الكريم، عن أبي الواصل، عن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: \"لعن الله المحلّل والمحَلّل له\" (^٤).\n(طريق أخرى) روى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن الحارث الأعور، عن عبد الله بن مسعود، قال: آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة، ولاوي الصدقة والمعتدي فيها، والمرتد على عقبيه إعرابيًا (^٥) بعد هجرته، والمحَلِّل والمحَلَّل له، ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة (^٦).\n(الحديث الثاني): عن علي ﵁. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، والواشمة والمستوشمة للحسن، ومانع الصدقة، والمحَلِّل والمحَلَّل له، وكان ينهى عن النوح (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤٠/ ٣٨٨ ح ٢٤٣٣١) وفي سنده أبو عبد الملك المكي فيه مقال وتفرد به. ومعناه صحيح.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٢٨٣)، وصححه أحمد شاكر، والألباني (صحيح الجامع الصغير ٥/ ٢٢).\n(^٣) المسند ٧/ ٣١٤ (ح ٤٢٨٤)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في المُحِلّ والمحلَّل له (ح ١١٢٠)، وسنن النسائي، الطلاق، باب إحلال المطلقة ثلاثًا ٦/ ١٤٩ وسنده صحيح. وقول الترمذي ورد بنصه في آخر الحديث.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٧/ ٣٣٤ (ح ٤٣٠٨) وفي سنده أبو الواصل وهو مجهول (تعجيل المنفعة ص ٥٢٧) ويتقوى بما سبق ولحق.\n(^٥) في الأصل: \"أعراضًا\" والتصويب من (عف) والتخريج.\n(^٦) في سنديهما الحارث الأعور: وهو ضعيف (التقريب ص ١٤٧) ويتقوى كسابقه.\n(^٧) المسند ٢/ ٢٠٧ (ح ٨٤٤) وفي إسناده الحارث الأعور، وجابر هو ابن يزيد الجعفي: ضعيف رافضي =","vol":"2","page":192},{"text":"وكذا رواه عن غُندُر، عن شعبة، عن جابر وهو: ابن يزيد الجعفي، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي به، وكذا رواه من حديث إسماعيل بن أبي خالد وحصين بن عبد الرحمن ومجالد بن سعيد وابن عون، عن عامر الشعبي به، وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الشعبي به (^١). ثم قال أحمد: أخبرنا محمد بن عبد الله، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: لعن رسول الله ﷺ صاحب الربا وآكله وكاتبه وشاهده، والمحَلِّل والمحَلَّل له (^٢).\n(الحديث الثالث): عن جابر ﵁: قال الترمذي: أخبرنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا أشعث بن عبد الرحمن بن يزيد الأيامي، حدثنا مجالِد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، وعن الحارث، عن علي: أن رسول الله ﷺ لعن المحَلِّل والمحَلَّل له، ثم قال: وليس إسناده بالقائم. ومجالد ضعفه غير واحد من أهل العلم منهم أحمد بن حنبل، قال: ورواه ابن نمير عن مجالِد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، عن علي، قال: وهذا وهم من ابن نمير، والحديث الأول أَصح (^٣).\n(الحديث الرابع): عن عقبة بن عامر ﵁. قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، أخبرنا أبي، سمعت الليث بن سعد يقول: قال أبو المصعب مشرح وهو: ابن هاعان، قال عقبة بن عامر: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أخبركم بالتيس المستعار\"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: \"هو المحَلِّل، لعن الله المحَلِّل والمحَلَّل له\" (^٤).\nتفرد به ابن ماجه، كذا رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، عن عثمان بن صالح، عن الليث به، ثم قال: كانوا ينكرون على عثمان (^٥) في هذا الحديث إنكارًا شديدًا.\n(قلت): عثمان هذا أحد الثقات، روى عنه البخاري في صحيحه ثم قد تابعه غيره، فرواه جعفر الفريابي عن العباس المعروف بابن فريق، عن أبي صالح عبد الله بن صالح، عن الليث [به فبرئ من عهدته] (^٦)، والله أعلم.\n(الحديث الخامس): عن ابن عباس ﵄. قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عامر، عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لعن رسول الله ﷺ المحَلِّل والمحَلَّل له (^٧).\n_________\n= (التقريب ص ١٣٧) ويتقوى بالشواهد السابقة واللاحقة.\n(^١) سنن أبي داود، النكاح، باب في التحليل (ح ٢٠٧٦)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في المحلِّل والمحلَّل له (ح ١١١٩)، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب المحلِّل والمحلَّل له (ح ١٩٣٥)، وفي أسانيدهم الحارث الأعور ويتقوى كسابقه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٩٤ ح ٦٧١)، وفي سنده الحارث الأعور ويتقوى كسابقه.\n(^٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه ونقده (السنن، النكاح، باب ما جاء في المُحلّ والمحلَّل له ح ١١١٩).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، النكاح، باب المحلِّل والمحلَّل له ح ١٩٣٦)، وأخرجه الحاكم من طريق يحيى بن عثمان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٩٨).\n(^٥) أي: عثمان بن صالح المتقدم ذكره، وإنكارهم على الإسناد.\n(^٦) ما بين المعقوفين من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٧) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (نفس الموضع المتقدم ح ١٩٣٤). وفي سنده زمعة بن صالح: ضعيف والحديث الأول يقويه.","vol":"2","page":193},{"text":"(طريق أخرى) قال الإمام الحافظ خطيب دمشق أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن نكاح المحَلّل، قال: \"لا، إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة (^١)، ولا استهزاء بكتاب الله ثم يذوق عسيلتها\" (^٢)، ويتقوى هذان الإسنادان بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن حميد، عن عبد الرحمن، عن موسى بن أبي الفرات، عن عمرو بن دينار، عن النبي ﷺ بنحوه من هذا (^٣)، فيتقوى كل من هذا المرسل والذي قبله بالآخر، والله أعلم.\n(الحديث السادس): عن أبي هريرة ﵁. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عبد الله هو ابن جعفر، عن عثمان بن محمد المقبري، عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله ﷺ المحَلِّل والمحَلَّل له (^٤).\nوهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني البيهقي من طريق عبد الله بن جعفر القرشي (^٥).\nوقد وثقه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم، وأخرج له مسلم في صحيحه عن عثمان بن محمد الأخنسي وثقه ابن معين، عن سعيد المقبري وهو متفق عليه.\n(الحديث السابع): عن ابن عمر ﵁. قال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن إسحاق الصنغاني، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا أبو غسان (^٦) محمد بن مطرف المدني، عن عمر بن نافع، عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثًا فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله ﷺ، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٧).\nوقد رواه الثوري عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر به، وهذه الصيغة مشعرة بالرفع وهكذا روى أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني وحرب الكرماني وأبو بكر الأثرم من حديث الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن قبيصة بن جابر، عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحَلّل ولا محَلَّل له إلا رجمتهما (^٨).\nوروى البيهقي من حديث ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، أن عثمان بن\n_________\n(^١) أي نكاح خفاء، والتدليس: إخفاء العيب (النهاية لابن الأثير ٢/ ١٣٠).\n(^٢) في سنده: داود بن الحصين: ثقة إلا في عكرمة (التقريب ص ١٩٨)، وأخرجه الطبراني من طريق داود به (المعجم الكبير ١١/ ٢٢٦).\n(^٣) المصنف، النكاح، باب في الرجل يطلق امرأته .. ٤/ ٢٩٥.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ٤٢ (ح ٨٢٨٧) وحسنه محققوه.\n(^٥) المصنف، النكاح ٤/ ٢٩٦، والسنن الكبرى ٧/ ٢٠٨.\n(^٦) في الأصل وفي (عف) و(حم): \"أبو يمان\" والتصويب المثبت من ترجمته، كما في (التقريب ص ٥٠٦).\n(^٧) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه (المستدرك ٢/ ١٩٩).\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش به (المصنف ٤/ ٢٩٤).","vol":"2","page":194},{"text":"عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها ففرق بينهما (^١). وكذا روي عن علي وابن عباس وغير واحد من الصحابة ﵃.\nوقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هو أي: الزوج الثاني بعد الدخول بها ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ أي: المرأة والزوج الأول ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي: يتعاشرا بالمعروف [قال مجاهد: إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة] (^٢) (^٣).\n﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: شرائعه وأحكامه ﴿يُبَيِّنُهَا﴾ أي: يوضحها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\nوقد اختلف الأئمة ﵏ فيما إذا طلَّق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين وتركها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر، فدخل بها ثم طلقها فانقضت عدتها، ثم تزوجها الأول، هل تعود إليه ما بقي من الثلاث، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول طائفة من الصحابة ﵃، أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق، فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵏، وحجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-238\"></span>﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾.\nهذا أمر من الله ﷿ للرجال، إذا طلق أحدهم المرأة طلاقًا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها، أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه، بمعروف وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شنآن ولا مخاصمة ولا تقابح، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، قال ابن عباس، ومجاهد ومسروق والحسن وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان وغير واحد: كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها، ضرارًا لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعدهم عليه، فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [أي: بمخالفته أمر الله تعالى (^٤)] (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي من طريق ابن لهيعة به (السنن الكبرى ٧/ ٢٠٨).\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بأقوال التابعين فقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند لم يصرح باسم شيخه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه.","vol":"2","page":195},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ قال ابن جرير عند هذه الآية: أخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن منصور، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن أبي العلاء الأودي، عن حميد بن الرحمن، عن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ غضب على الأشعريين، فأتاه أبو موسى قال: يا رسول الله، أغضبت على الأشعريين؟ فقال: \"يقول أحدكم: قد طلقت، قد راجعت، ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قُبل عدتها\" (^١)، ثم رواه من وجه آخر عن أبي خالد الدالاني (^٢) وهو: يزيد بن عبد الرحمن (^٣)، وفيه كلام (^٤). وقال مسروق: هو الذي يطلق في غير كنهه (^٥)، ويضار امرأته بطلاقها وارتجاعها لتطول عليها العدة (^٦)، وقال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع ومقاتل بن حيان: هو الرجل يطلق ويقول: كنت لاعبًا، أو يعتق أو ينكح ويقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فألزم الله بذلك (^٧).\nوقال ابن مردويه: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أبو أحمد الصيرفي، حدثني جعفر بن محمد السمسار، عن إسماعيل بن يحيى، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب لا يريد الطلاق، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فألزمه رسول الله ﷺ الطلاق (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن رواد، حدثنا آدم، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن هو: البصري، قال: كان الرجل يطلق ويقول: كنت لاعبًا ويعتق وبقول: كنت لاعبًا، وينكح ويقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، وقال رسول الله ﷺ: \"من طلق أو أعتق أو نكح أو أنكح، جادًا أو لاعبًا، فقد جاز عليه\" (^٩)، وكذا رواه ابن جرير من طريق الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن مثله (^١٠)، وهذا مرسل، وقد رواه ابن مردويه، عن طريق عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أبي الدرداء موقوفًا عليه (^١١). وقال أيضًا: حدثنا أحمد بن الحسن بن أيوب، حدثنا يعقوب بن أبي يعقوب، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سلمة، عن الحسن، عن عُبادة بن الصامت في قول الله تعالى: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر.\n(^٢) في الأصل: \"الدلال\" والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.\n(^٤) وثقه الإمام أحمد وابن معين وأبو داود ويعقوب بن سفيان والدارقطني وابن حبان (تهذيب التهذيب ١١/ ٣٤٧).\n(^٥) أي غير جاد بالطلاق.\n(^٦) أخرجه الطبري بنحوه بسند حسن من طريق أبي الضُحى عنه.\n(^٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول الحسن أخرجه الطبري بسنده حسن من طريق أبي رجاء عنه وهو مرسل يتقوى بالمراسيل التالية، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.\n(^٨) في سنده: إسماعيل بن يححص بن عبيد الله كذاب وضاع (لسان الميزان ١/ ٤٤٢) فسنده ضعيف جدًّا.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو مرسل.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو مرسل.\n(^١١) في سنده عمرو بن عبيد فيه مقال (التقريب ٤٢٤).","vol":"2","page":196},{"text":"تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. قال: كان الرجل على عهد النبي ﷺ يقول للرجل: زوجتك ابنتي ثم يقول: كنت لاعبًا، ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعب، فهن جائزات عليه: الطلاق والعتاق والنكاح\" (^١)، والمشهور في هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك عن عطاء، عن ابن ماهك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث جدهنَّ جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة\"، وقال الترمذي: حسن غريب (^٢).\nوقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ أي: السنة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي فيما تأتون وفيما تذرون، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية وسيجازيكم على ذلك.\n\n<span id=\"aya-239\"></span>﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها (^٣). وكذا روى العوفي عنه عن ابن عباس أيضًا (^٤)، وكذا قال مسروق وإبراهيم النخعي والزهري والضحاك: إنها أنزلت في ذلك (^٥)، وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية، وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها (^٦)، وأنه لا بدّ في النكاح (^٧) من ولي، كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية، كما جاء في الحديث: \"لا تزوج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها\" (^٨)، وفي الأثر الآخر: \"لا نكاح إلا بولي\n_________\n(^١) في سنده الحسن البصري لم يسمع من عُبادة، فالإسناد ضعيف ويشهد لبعضه الحديث الآتي.\n(^٢) سنن أبي داود، الطلاق، باب في الطلاق على الهزل (ح ٢١٩٤)، وسنن الترمذي، الطلاق، باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق (ح ١١٨٤)، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب من طلق أو نكح أو راجع لاهيًا (ح ٢٠٣٩)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٥٨)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن حبيب به، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك فيه لين (المستدرك ٢/ ١٩٨) وقال عنه الحافظ ابن حجر: مقبول (التقريب ص ٣٣٨)، وحسنه الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير ٣/ ٢١٠)، والسيوطي في الجامع الصغير ٣/ ٣٠٠ (ح ٣٤٥١).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده الثابت عنه بلفظه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عنه ويتقوى بسابقه.\n(^٥) قول مسروق أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي الضحى عنه، وقول الزهري أخرجه الطبري بسند حسن عن الزهري، وقول إبراهيم النخعي والضحاك أخرجهما بإسنادين فيهما ضعف ويتقويان بسابقهما.\n(^٦) في الأصل: \"لا تملك نفسها\" والمثبت من (عف) و(حم) و(ح).\n(^٧) كذا في الأصل وفي (عف): \"تزويجها\" وكلاهما صحيح.\n(^٨) لم أجده في تفسير الطبري ولا في سنن الترمذي، وقد أخرجه الدارقطني، السنن ٣/ ٢٢٧، وصحح الألباني =","vol":"2","page":197},{"text":"مرشد وشاهدي عدل\" (^١)، وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء، محرر في موضعه من كتب الفروع، وقد قررنا ذلك في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.\nوقد روي أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني وأخته، فقال البخاري ﵀ في كتابه الصحيح عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو عامر العقدي (^٢)، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا الحسن، قال: حدثني معقل بن يسار، قال: كانت لي أخت تخطب إليّ، قال البخاري: وقال إبراهيم: عن يونس، عن الحسن، حدثني معقل بن يسار، وحدثنا أبو معمر، وحدثنا عبد الوارث، حدثنا يونس، عن الحسن، أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها، فتركها حتى انقضت عدتها فخطبها، فأبى معقل، فنزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (^٣).\nوهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه من طرق متعددة عن الحسن، عن معقل بن يسار به، وصححه الترمذي أيضًا (^٤)، ولفظه عن معقل بن يسار، أنه زوج أخته رجلًا من المسلمين، على عهد رسول الله ﷺ فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت عدتها، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع! أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدًا آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة ثم دعاه، فقال: أزوجك وأكرمك. زاد ابن مردويه: وكفرت عن يميني (^٥).\nوروى ابن جرير، عن ابن جريج، قال: هي جُمْل بنت يسار، كانت تحت أبي البداح (^٦).\nوقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق السبيعي، قال: هي فاطمة بنت يسار. وهكذا ذكر غير واحد من السلف، أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار وأخته.\nوقال السدي: نزلت في جابر بن عبد الله وابنة عمٍّ له، والصحيح الأول، والله أعلم (^٧).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: هذا الذي نهيناكم عنه من منع الولايا أن يتزوجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف يأتمر به، ويتعظ به، وينفعل له ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ أيها الناس ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: يؤمن بشرع الله، ويخاف وعيد الله وعذابه،\n_________\n= شطره الأول دون: فإن الزانية (إرواء الغليل ٦/ ٢٤٨ ح ١٨٤١).\n(^١) أخرجه الشافعي بسنده عن ابن عباس موقوفًا (الأم ٥/ ٢٢) وصححه الألباني موقوفًا وضعفه مرفوعًا (إرواء الغليل ٦/ ٢٥١ ح ١٨٤٥).\n(^٢) في الأصل: \"العبدي\" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ …﴾ [البقرة: ٢٣١] ح ٢٥٢٩).\n(^٤) سنن أبي داود النكاح، باب في العضل (ح ٢٠٨٧)، وسنن الترمذي، التفسير (ح ٢٩٨١)، وتفسير ابن أبي حاتم والطبري.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده منقطع، لأن ابن جريج لم يدرك عهد الصحابة.\n(^٦) سنده منقطع لأن أبا إسحاق السبيعي يصرح باسم شيخه.\n(^٧) سنده منقطع لأن السدي لم يدرك جابر بن عبد الله.","vol":"2","page":198},{"text":"في الدار الآخرة، وما فيها من الجزاء ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي: اتباعكم شرع الله، في ردِّ الموليات إلى أزواجهن، وترك الحميّة في ذلك أزكى لكم وأطهر لقلوبكم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أي: من المصالح، فيما يأمر به وينهى عنه ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: الخيرة فيما تأتون، ولا فيما تذرون.\n\n<span id=\"aya-240\"></span>﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾.\nهذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم.\nقال الترمذي: (باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين) حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أُم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام\" هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين، فإنه لا يحرم شيئًا (^١) وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي امرأة هشام بن عروة.\n(قلت): تفرد الترمذي برواية هذا الحديث ورجاله على شرط الصحيحين، ومعنى قوله: \"إلا ما كان في الثدي\" أي: في محال الرضاعة قبل الحولين، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن وكيع وغندر، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: لما مات إبراهيم بن النبي ﷺ، قال: \" [إن ابني مات في الثدي] (^٢) إن له مرضعًا في الجنة\" (^٣)، وهكذا أخرجه البخاري من حديث شعبة (^٤) وأنما قال ﵇ ذلك، لأن ابنه إبراهيم ﵇ مات وله سنة وعشرة أشهر، فقال: أن له مرضعًا، يعني تكمل رضاعه، ويؤيده ما رواه الدارقطني من طريق الهيثم بن جميل، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين\" ثم قال: ولم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه ونقده، السنن، الرضاع، باب ما جاء ما ذكر أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين (ح ١١٥٢).\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.\n(^٣) المسند ٤/ ٣٠٠.\n(^٤) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما قيل في أولاد المسلمين (ح ١٣٨٢).\n(^٥) السنن ٤/ ١٧٤.","vol":"2","page":199},{"text":"(قلت): وقد رواه الإمام مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد، عن ابن عباس موقوفًا (^١) ورواه الدراوردي، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس، وزاد: \"وما كان بعد الحولين فليس بشيء\" (^٢) وهذا أصح.\nوقال أبو داود الطيالسي: عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا رضاع بعد فصال، ولا يُتم بعد احتلام\" (^٣)، وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين، يروى عن علي وابن عباس وابن مسعود وجابر وأبي هريرة وابن عمر وأُم سلمة وسعيد بن المسيب وعطاء والجمهور، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبي يوسف ومحمد ومالك في رواية، وعنه: أن مدته سنتان وشهران، وفي رواية: وثلاثة أشهر. وقال أبو حنيفة: سنتان وستة أشهر. وقال زفر بن الهذيل: ما دام يرضع فإلى ثلاث سنين، وهذا رواية عن الأوزاعي، قال مالك: ولو فطم الصبي دون الحولين، فأرضعته امرأة بعد فصاله، لم يحرم لأنه قد صار بمنزلة الطعام، وهو رواية عن الأوزاعي، وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: لا رضاع بعد فصال، فيحتمل أنهما أرادا الحولين، كقول الجمهور: سواء فطم أو لم يفطم ويحتمل أنهما أرادا الفعل كقول مالك، والله أعلم.\nوقد روي في الصحيحين عن عائشة ﵂، أنها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم (^٤)، وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد، وكانت عائشة تأمر بمن تختار أن يدخل عليها من الرجال لبعض نسائها، فترضعه، وتحتج في ذلك بحديث سالم مولى أبي حذيفة حيث أمر النبي ﷺ امرأة أبي حذيفة أن ترضعه وكان كبيرًا، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وأبى ذلك سائر أزواج النبي ﷺ، ورأين ذلك من الخصائص (^٥)، وهو قول الجمهور، وحجة الجمهور وهم الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، والأكابر من الصحابة، وسائر أزواج رسول الله ﷺ، سوى عائشة ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: \"انظرن مَن إخوانكم فإنما الرضاعة من المجاعة\" (^٦)، وسيأتي الكلام على مسائل\n_________\n(^١) في الأصل مرفوعًا، والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.\n(^٢) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه، الموطأ، الرضاع، باب رضاعة الصغير (ح ٤)، وثور لم يلق ابن عباس، والواسطة عكرمة كما في رواية الدراوردي التالية.\n(^٣) أخرجه أبو داود الطيالسي من طريق حرام بن عثمان عن أبي عتيق عن جابر، وأخرجه عن اليمان أبي حذيفة عن أبي عبس عن جابر (المسند ص ٢٤٣ ح ١٧٦٧) وكلا الطريقين ضعيف بسبب حرام واليمان كلاهما ضعيف. انظر: التقريب ٦١٠، ونصب الراية ٣/ ٢١٩، وللشطر الثاني شواهد يتقوى بها.\n(^٤) صحيح البخاري، النكاح، باب من قال: لا رضاع بعد حولين (ح ٥١٠٢)، وصحيح مسلم، الرضاع، باب إنما الرضاعة من المجاعة (ح ١٤٥٥).\n(^٥) أخرجه مسلم عن ام سلمة كانت تقول: أبى سائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن عليهن أحدًا بتلك الرضاعة. وقلن لعائشة: والله ما هذه إلا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة (الصحيح، الرضاع، باب رضاعة الكبير ح ١٤٥٤.\n(^٦) تقدم تخريجه في الحديث قبل السابق.","vol":"2","page":200},{"text":"الرْضاع وفيما يتعلق برضاع الكبير، عن قول تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].\nوقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي بما جرت به عادة أمثالهنَّ من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره، وتوسطه وإقتاره، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق] قال الضحاك: إذا طلق زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف (^١).\nوقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أي: بأن تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته، ولكن ليس لها دفعه إذا ولدته حتى تستقيه اللبن الذي لا يعيش بدون تناوله غالبًا، ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا شاءت، ولكن إن كانت مضارة لأبيه، فلا يحلّ لها ذلك، كما لا يحلّ له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها، ولهذا قال: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ أي: بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضرارًا بها، قاله مجاهد وقتادة والضحاك والزهري والسدي والثوري وابن زيد (^٢) وغيرهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قيل: في عدم الضرار لقريبه، قاله مجاهد والشعبي والضحاك (^٣)، وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على والدة الطفل والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها، وهو قول الجمهور، وقد استقصى (^٤) ذلك ابن جرير في تفسيره، وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف، ويرشح ذلك بحديث الحسن عن سمرة مرفوعًا: \"من ملك ذا رحم محرم، عتق عليه\" (^٥)، وقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد إما في بدنه أو في عقله.\nوقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه رأى امرأة ترضع بعد الحولين، فقال: لا ترضعيه (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر، وقول الزهري أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عُقيل عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الثوري في تفسيره من طريق عيسى بن ميمون عنه، وقول الشعبي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عاصم الأحول عنه، وقول الضحاك أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق علي بن الحكم عنه (المصنف ٥/ ٢٤٥).\n(^٤) في الأصل ذكر ذلك، والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.\n(^٥) أخرجه أبو داود (السنن، العتق، باب فيمن ملك ذا رحم ح ٣٩٤٩)، والترمذي (السنن، الأحكام، باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرَم ح ١٣٦٥). وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلا من حديث حماد بن سلمة … وقد روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: \"من ملك ذا رحم فهو حر\" رواه ضمرة بن ربيعة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ، ولم يتابع ضمرة على هذا الحديث. وهو حديث خطأ عند أهل الحديث (المصدر السابق).\n(^٦) سنده صحيح.","vol":"2","page":201},{"text":"وقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر، قاله الثوري وغيره، وهذا فيه احتياط للطفل وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما، وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه، كما قال في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد إما لعذر منها أو العذر له، فلا جناح عليهما في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف، قاله غير واحد. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أحوالكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأقوالكم.\n\n<span id=\"aya-241\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾.\nهذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن، أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي: أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها ولم يفرض لها، فترددوا إليه شهرًا في ذلك، فقال أقول فيها برأيي، فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: لها الصداق كاملًا، وفي لفظ: لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط (^١)، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: سمعت رسول الله ﷺ، قضى به في بروع بنت واشق، ففرح عبد الله بذلك فرحًا شديدًا (^٢).\nوفي رواية: فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قضى به في بروع بنت واشق (^٣)، ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها، وهي حامل، فإن عدتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده سوى لحظة لعموم قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشر\n_________\n(^١) أي لا نقص ولا ظلم.\n(^٢) أخرجه أحمد (المسند ٤/ ٢٨٠)، وأبو داود (السنن، النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات ح ٢١١٤٦)، والترمذي (السنن، النكاح، باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها ح ١١٤٥)، وابن ماجه (السنن، النكاح، باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك ح ١٨٩١)، وصححه الترمذي، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٥٣٤).\n(^٣) هذه الرواية في المسند (ح ٤٠٩٩)، وفي سنن أبي داود، الموضع السابق.","vol":"2","page":202},{"text":"للجمع بين الآيتين، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سَبيعة الأسلمية المخرج في الصحيحين من غير وجه، أنها توفي عنها زوجها سعد بن خولة وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، وفي رواية: فوضعت حملها بعده بليال، فلما تعلت (^١) من نفاسها، تجملت للخُطّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، فقال لها: ما لي أراك متجملة لعلك ترجين النكاح؟ والله ما أنت بناكح حتى يمرّ عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سَبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي (^٢). قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عباس رجع إلى حديث سَبيعة، يعني لما احتج عليه به، قال: ويصحح ذلك عنه، أن أصحابه أفتوا بحديث سَبيعة، كما هو قول أهل العلم قاطبة.\nوكذلك يستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أمة، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمس ليال على قول الجمهور، لأنها لما كانت على النصف من الحرة في الحد، فكذلك فلتكن على النصف منها في العدة. ومن العلماء كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية من يسوي بين الزوجات الحرائر والإماء في هذا المقام لعموم الآية، ولأن العدة من باب الأمور الجبلية التي تستوي فيها الخليقة.\nوقد ذكر سعيد بن المسيب، وأبو العالية (^٣) وغيرهما، أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظر به هذه المدة، ظهر إن كان موجودًا، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما: \"إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة (^٤)، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفح فيه الروح\" (^٥)، فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم.\nقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيه ينفخ الروح (^٦).\nوقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: لمَ صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح (^٧)، رواهما ابن جرير، ومن ههنا ذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى أن عدة أُم الولد عدة الحرة ههنا، لأنها صارت فراشًا كالحرائر، وللحديث الذي رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب،\n_________\n(^١) أي انتهت من نفاسها.\n(^٢) صحيح البخاري، الطلاق، باب ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤] (ح ٥٣١٨ - ٥٣٢٠)، وصحيح مسلم، الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها (ح ١٤٨٤).\n(^٣) سيأتي نصهما بعد حديث ابن مسعود التالي.\n(^٤) لفظ: \"نطفة\" سقط من الأصل.\n(^٥) صحيح البخاري، بدء الخلق (ح ٣٢٠٨)، وصحيح مسلم، القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أُمه (ح ٢٦٤٣).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سُنيد عن أبي عاصم عن سعيد بن أبي عروبة به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع به.","vol":"2","page":203},{"text":"عن عمرو بن العاص أنه قال: لا تلبِّسوا علينا سنة نبينا، عدة أُم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر (^١).\nورواه أبو داود عن قتيبة (^٢)، عن غُندُر، وعن ابن المثنى، عن عبد الأعلى، وابن ماجه عن علي بن محمد، عن وكيع، ثلاثتهم عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر الوراق، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو بن العاص … فذكره (^٣). وقد روي عن الإمام أحمد أنه أنكر هذا الحديث، وقيل: إن قبيصة لم يسمع عَمرًا، وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث طائفة من السلف، منهم سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير، والحسن وابن سيرين وأبو عياض والزهري وعمر بن عبد العزيز، وبه كان يأمر يزيد بن عبد الملك بن مروان، وهو أمير المؤمنين، وبه يقول الأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في رواية عنه.\nوقال طاوس وقتادة: عدة أُم الولد إذا توفي عنها سيدها نصف عدة الحرة شهران وخمس ليال.\nوقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري والحسن بن صالح بن حي: تعتد بثلاث حيض، وهو قول علي وابن مسعود وعطاء وإبراهيم النخعي.\nوقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: عدتها حيضة، وبه يقول ابن عمر والشعبي ومكحول والليث وأبو عبيد وأبو ثور والجمهور.\nوقال الليث: ولو مات وهي حائض، أجزأتها.\nوقال مالك: فلو كانت ممن لا تحيض، فثلاثة أشهر.\nوقال الشافعي والجمهور: شهر وثلاثة أحب إليّ، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ يستفاد من هذا وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها لما ثبت في الصحيحين عن غير وجه [عن أُم حبيبة وزينب بنت جحش أم المؤمنين] (^٤) أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا\" (^٥)، وفي الصحيحين أيضًا عن أُم سلمة أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال: \"لا\" كل ذلك يقول: \"لا\" مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: \"إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكم في الجاهلية تمكث سنة\" قالت زينب بنت\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٠٣) وقد حكم عليه الحافظ ابن كثير والصحيح وقفه قال البيهقي: الموقوف أصح (السنن الكبرى ٧/ ٤٤٧).\n(^٢) في الأصل: \"حذيفة\" والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج.\n(^٣) سنن أبي داود، الطلاق، باب في عدة أم الولد (ح ٢٣٠٨)، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب عدة أم الولد (ح ٢٠٨٣).\n(^٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) والتخريج.\n(^٥) صحيح البخاري، الطلاق، باب عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا (ح ٥٣٣٤ - ٥٣٣٧)، وصحيح مسلم، الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زواجها (ح ١٤٨٦ و١٤٨٨).","vol":"2","page":204},{"text":"أُم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، دخلت حفشًا ولبست شر ثيابها، ولم تمسَ طيبًا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به (^١). فقلما تفتض بشيء إلا مات (^٢).\nومن ههنا ذهب كثيرون من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] الآية، كما قاله ابن عباس وغيره، وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره.\nوالغرض أن الإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطيب ولبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة (^٣) الوفاة قولًا واحدًا، ولا يجب في عدة الرجعية قولًا واحدًا، وهل يجب في عدة البائن فيه قولان. ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، سواء في ذلك الصغيرة والآيسة والحرة والأمة والمسلمة والكافرة، لعموم الآية، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد على الكافرة، وبه يقول أشهب وابن نافع من أصحاب مالك، وحجة قائل هذه المقالة قوله ﷺ: \"لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا\" (^٤) قالوا: فجعله تعبدًا، وألحق أبو حنيفة وأصحابه والثوري الصغيرة بها لعدم التكليف، وألحق أبو حنيفة وأصحابه الأَمةَ المسلمة لنقصها، ومحل تقرير ذلك كله في كتب الأحكام والفروع، والله الموفق للصواب.\n[وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدتهن، قاله الضحاك والربيع بن أنس (^٥).\n﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ قال الزهري: أي على أوليائها. ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ يعني النساء اللاتي انقضت عدتهم، قال العوفي عن ابن عباس: إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها، فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج، فذلك المعروف (^٦)، وروي عن مقاتل بن حيان نحوه، وقال ابن جريج عن مجاهد ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: النكاح الحلال الطيب (^٧)، وروي عن الحسن والزهري والسدي ونحو ذلك (^٨)] (^٩).\n_________\n(^١) قال ابن الأثير: أي تكسير ما هي فيه من العدة بأن تأخذ طائرًا فتمسح به فرجها وتنبذه فلا يكاد يعيش (النهاية ٣/ ٤٥٤).\n(^٢) سبق تخريجه في الصفحة السابقة حاشية رقم (٥).\n(^٣) في الأصل: \"هذه\" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) و(ح).\n(^٤) تقدم عزوه في الحديث السابق.\n(^٥) قول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول الربيع ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان الثوري عن ابن جريج به، وأخرجه الطبري من طريق سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وسنده صحيح.\n(^٨) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول الزهري والسدي أخرجهما الطبري بسند حسن عن كل واحد منهما.\n(^٩) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عف) و(ح) و(مح).","vol":"2","page":205},{"text":"<span id=\"aya-242\"></span>﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح، قال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس: في قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ قال: التعريض أن يقول: إني أريد التزويج، وإني أحب امرأة من أمرها ومن أمرها - يعرض لها بالقول بالمعروف (^١) - وفي رواية: وددت أن الله رزقني امرأة، ونحو هذا، ولا ينصب للخطبة، وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينصب لها ما دامت في عدتها (^٢). ورواه البخاري تعليقًا فقال: وقال لي طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لمن حاجتي، ولوددت أن ييسر لي امرأة صالحة (^٣)، وهكذا قال مجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وقتادة والزهري ويزيد بن قسيط ومقاتل بن حيان والقاسم بن محمد (^٤) وغير واحد من السلف والأئمة في التعريض: إنه يجوز للمتوفى عنها زوجها من غير تصريح لها (^٥) بالخطبة، وهكذا حكم المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها، كما قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتد في بيت ابن أُم مكتوم، وقال لها: فإذا حللت فآذنييني، فلما حلت، خطب عليها أُسامة بن زيد مولاه، فزوجها إياه (^٦).\nفأما المطلقة الرجعية فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها ولا التعريض لها، والله أعلم.\nوقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أضمرتم في أنفسكم من (^٧) خطبتهن، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩)﴾ [القصص] وكقوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١]، ولهذا قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي: في أنفسكم، فرفع الحرج عنكم في ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن منصور، وهو ابن عباد الناجي عن مجاهد عن ابن عباس (المصنف ٤/ ٢٥٧) وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق عن منصور به (المصنف ١٢١٥٤)، وسنده حسن.\n(^٣) صحيح البخاري، النكاح، باب قول الله ﷿: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ …﴾ [البقرة: ٢٣٥] (ح ٥١٢٤). وهذا الموقوف قد روي نحوه مرفوعًا كما سيأتي في حديث فاطمة بنت قيس الآتي والشاهد فيه: \"فإذا حللت فآذنينى\".\n(^٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٥) لفظ: \"لها\" سقط من الأصل وأثبت من (عف) و(مح) و(ح).\n(^٦) أخرجه مسلم، الصحيح، الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها (ح ١٤٨٠).\n(^٧) لفظ: \"من\" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح).","vol":"2","page":206},{"text":"ثم قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قال أبو مِجلز وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وسليمان التيمي ومقاتل بن حيان والسدي: يعني الزنا (^١)، وهو معنى رواية العوفي عن ابن عباس (^٢)، واختاره ابن جرير (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ لا تقل لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا (^٤)، وكذا روي عن سعيد بن جبير والشعبي وعكرمة وأبي الضحى والضحاك والزهري ومجاهد والثوري، هو أن يأخذ ميثاقها أن لا تتزوج غيره.\nوعن مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك (^٥).\nوقال قتادة: هو أن يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تنكح غيره، فنهى الله عن ذلك، وقدم فيه وأحل الخطبة، والقول بالمعروف (^٦).\nوقال ابن زيد: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ هو أن يتزوجها في العدة سرًا (^٧)، فإذا حلَّت أظهر ذلك (^٨)، وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك، لهذا قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس (^٩) ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي والثوري وابن زيد: يعني به ما تقدم من إباحة التعريض كقوله: إني فيك لراغب ونحو ذلك.\nوقال محمد بن سيرين: قلت لعبيدة: ما معنى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؟ قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها، يعني: لا تزوجها حتى تعلمني، رواه ابن أبي حاتم (^١٠).\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة. قال ابن عباس (^١١) ومجاهد والشعبي وقتادة والربيع بن أنس، وأبو مالك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان والزهري وعطاء الخراساني والسدي والثوري والضحاك: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة (^١٢).\n_________\n(^١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول أبي مجلز والحسن البصري فأخرجهما ابن أبي حاتم بسند صحيح، وقول إبراهيم النخعي أخرجه سفيان الثوري عن السدي عنه وسنده حسن، وقول أبي الشعثاء أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق صالح الدهان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه (المصنف رقم ١٢١٦٨).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف، ويشهد له ما سبق.\n(^٣) في الأصل: \"ابن خزيمة\" والتصويب من (عف) و(مح) و(ح) والتخريج.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه بنحوه.\n(^٨) لفظ: \"سرًا\" سقط من الأصل وأثبت من (عف) و(ح) والتخريج.\n(^٩) تقدم من طريق علي بن أبي طلحة.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن عوف عن ابن سيرين.\n(^١١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس، وأخرجه الطبري من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، وكلا الإسنادين ضعيف ويشهد له الآثار وإجماع العلماء، كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^١٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.","vol":"2","page":207},{"text":"وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في العدة. واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها، فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم عليه أبدًا؟ على قولين: الجمهور على أنها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها.\nوذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد، واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب وسليمان بن يسار، أن عمر ﵁، قال: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، [وكان خاطبًا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول] (^١) ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبدًا (^٢). وقالوا: ومأخذ هذا أن الزوج لما استعجل ما أحل الله، عوقب بنقيض قصده، فحرمت عليه على التأبيد كالقاتل يحرم الميراث. وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك. قال البيهقي: وذهب إليه في القديم ورجع عنه في الجديد، لقول علي أنها تحل له.\n(قلت): قال: ثم هو منقطع عن عمر. وقد روى الثوري عن أشعث، عن الشعبي، عن مسروق، أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها وجعلهما يجتمعان (^٣).\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾، توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-243\"></span>﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾.\nأباح ﵎ طلاق المرأة بعد العقد عليها، وقبل الدخول بها. قال ابن عباس وطاوس وإبراهيم والحسن البصري: المس النكاح (^٤)، بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها، إن كانت مفوضة وإن كان في هذا إنكسار لقلبها، ولهذا أمر تعالى بإمتاعها وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله، على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره.\nوقال سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أُمية، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة (^٥).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إن كان موسرًا متعها بخادم أو نحو (^٦) ذلك، وإن\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٢) الموطأ، النكاح، باب جامع ما لا يجوز من النكاح ٢/ ٥٣٦ (ح ٢٧)، وقد حكم عليه الحافظ ابن كثير بالانقطاع.\n(^٣) سنده حسن.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وبقية الرواة ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق سفيان به (المصنف ٥/ ١٥٦) وسنده صحيح.\n(^٦) في الأصل: \"شبه\" وكلاهما مستقيم المعنى.","vol":"2","page":208},{"text":"كان معسرًا أمتعها بثلاثة أثواب (^١).\n[وقال الشعبي: أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب] (^٢)، قال: وكان شريح يمتع بخمسمائة (^٣).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: كان يمتع بالخادم أو بالنفقة أو بالكسوة (^٤). قال: ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف، ويروى أن المرأة قالت: متاع قليل من حبيب مفارق (^٥).\nوذهب أبو حنيفة إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها.\nوقال الشافعي في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وأحب ذلك إلي أن يكون أقله ما يجزئ فيه الصلاة. وقال في القديم: لا أعرف في المتعة وقتًا إلا إني أستحسن ثلاثين درهمًا، كما روي عن ابن عمر ﵄.\nوقد اختلف العلماء أيضًا: هل تجب المتعة لكل مطلقة أو إنما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها؟ على أقوال:\n(أحدها): أنها تجب المتعة لكل مطلقة لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة] ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب] وقد كن مفروضًا لهن ومدخولًا بهن، وهذا قول سعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري (^٦)، وهو أحد قولي الشافعي ومنهم من جعله الجديد الصحيح، والله أعلم.\n(والقول الثاني): أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضًا لها، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب] قال شعبة وغيره، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: نسخت هذه الآية التي في الأحزاب الآيةَ التي في البقرة (^٧). وقد روى البخاري في صحيحه، عن سهل بن سعد وأبي أُسيد. أنهما قالا: تزوج رسول الله ﷺ أُميمة بنت سراحيل، فلما أدخلت عليه، بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أُسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين (^٨).\n(القول الثالث): أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها، فإن كان قد\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٢) ما بين قوسين زيادة من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم ١٢٢٥٦) وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بالسند المتقدم وابن سيرين لم يسمع من الحسن بن علي.\n(^٦) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عن الثلاثة التابعين.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به.\n(^٨) صحيح البخاري، الطلاق، باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق (ح ٥٢٥٦ - ٥٢٥٧). والثياب الرازقية: ثياب من قطن بيض طوال (ينظر: فتح الباري ٩/ ٣٥٩).","vol":"2","page":209},{"text":"دخل بها، وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول، وجب لها عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع، وكان ذلك عوضًا لها عن المتعة، وإنما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها، فهذه التي دلَّت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها، هذا قول ابن عمر ومجاهد (^١)، ومن العلماء من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول، وهذا ليس بمنكور، عليه تحمل آية التخيير في الأحزاب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة].\nومن العلماء من يقول: إنها مستحبة مطلقًا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو - يعني ابن أبي قيس - عن أبي إسحاق، عن الشعبي، قال: ذكروا له المتعة، أيحبس (^٢) فيها؟ فقرأ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ قال الشعبي: والله ما رأيت أحدًا حبس فيها، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة (^٣).\n\n<span id=\"aya-244\"></span>﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾.\nوهذه الآية الكريمة مما يدل على اختصاص المتعة بما دلَّت عليه الآية الأولى، حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول، فإنه لو كان ثم واجب آخر من متعة لبينها لا سيما وقد قرنها بما قبلها من اختصاص المتعة بتلك الحالة، والله أعلم. وتشطير الصداق (^٤) والحالة هذه أمر مجمع عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإنه متى كان قد سمى لها صداقًا ثم فارقها قبل دخوله بها، فإنه يجب لها نصف ما سمى من الصداق، إلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج وإن لم يدخل بها، وهو مذهب الشافعي في القديم، وبه حكم الخلفاء الراشدون، لكن قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، أخبرنا ابن جريج (^٥)، عن ليث بن أبي سُليم، عن طاوس، عن ابن عباس أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق، لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ (^٦) قال الشافعي: وهذا أقوى (^٧)، وهو ظاهر الكتاب. قال البيهقي: وليث بن أبي سُليم، وإن كان غير محتج به، فقد\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ١٢٢٣٥)، والطبري كلاهما من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. وسنده صحيح.\n(^٢) في الأصل: \"الحبس فيها\" والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) في الأصل: \"الطلاق\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٥) في الأصل: \"ابن جرير\" والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.\n(^٦) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (ترتيب مسند الشافعي، النكاح، باب في أحكام الصداق ٢/ ٩ ح ١٢). وفيه ليث وقد توبع كما سيأتي.\n(^٧) كذا في الأصل وفي (عف): \"بهذا أقول\".","vol":"2","page":210},{"text":"رويناه من حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس فهو مقوٍّ له (^١).\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي: النساء، عما وجب لها على زوجها من النصف، فلا يجب لها عليه شيء.\nقال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ قال: إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها (^٢).\nقال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم ﵀: روي عن شريح وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والشعبي والحسن ونافع وقتادة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني والضحاك والزهري ومقاتل بن حيان وابن سيرين والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك. قال: وخالفهم محمد بن كعب القرظي فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني: الرجال، وهو قول شاذ لم يتابع عليه (^٣)، انتهى كلامه.\nوقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن ابن لهيعة، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: \"ولي عقد النكاح الزوج\" وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة به، وقد أسنده ابن جرير عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، أن رسول الله ﷺ … فذكره ولم يقل: عن أبيه، عن جده (^٤)، فالله أعلم.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا جابر - يعني: ابن حازم -، عن عيسى - يعني: ابن عاصم -، قال: سمعت شريحًا يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح، فقلت له: هو ولي المرأة، فقال علي: لا، بل هو الزوج (^٥)، ثم قال: وفي إحدى الروايات عن ابن عباس وجبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وشريح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعكرمة ونافع ومحمد بن سيرين والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وجابر بن زيد وأبي مجلز والربيع بن أنس وإياس بن معاوية ومكحول ومقاتل بن حيان، أنه الزوج (^٦).\n(قلت): وهذا هو الجديد من قولي الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه، والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، واختاره ابن جرير، ومأخذ هذا القول أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقة الزوج، فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للوليّ، أن يهب شيئًا من مال المولية للغير، فكذلك في الصداق، قال (^٧): والوجه الثاني: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس - في الذي ذكر الله بيده\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والبيهقي (السنن الكبرى ٧/ ٢٥٢) كلهم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وسنده ثابت، يقوي رواية ليث كما سبق وكما نقل الحافظ ابن كثير عن البيهقي.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السدي به، وفي سنده أبو صالح وهو باذام أو باذان مولى أم هانئ، وهو ضعيف، ويتقوى بالآثار التي تليه.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم بنصه وذكر المفسرين كلهم بحذف السند، وقول مجاهد وابن سيرين وشريح والزهري ونافع والسدي والربيع بن أنس أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عنهم.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالأسانيد المتقدمة. قال البيهقي: وهذا غير محفوظ، وابن لهيعة غير محتج به (السنن الكبرى ٧/ ٢٥٢).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٧) أي: ابن أبي حاتم في تفسيره.","vol":"2","page":211},{"text":"عقدة النكاح - قال: ذلك أبوها أو أخوها أو من لا تنكح إلا بإذنه. وروي عن علقمة والحسن وعطاء وطاوس والزهري وربيعة وزيد بن أسلم وإبراهيم النخعي وعكرمة في أحد قوليه، ومحمد بن سيرين في أحد قوليه: أنه الولي (^١). وهذا مذهب مالك، وقول الشافعي في القديم، ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها إياه، فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها.\nوقال ابن جرير: حدثنا سعيد بن الربيع الرازي، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: أذن الله في العفو وأمر به، فأي امرأة عفت جاز عفوها، فإن شحَّت وضنَّت عفا وليها جاز عفوه (^٢).\nوهذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت رشيدة، وهو مروي عن شريح، لكن أنكر عليه الشعبي، فرجع عن ذلك وصار إلى أنه الزوج وكان يباهل عليه.\nوقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. قال ابن جرير: قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء، حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، سمعت ابن جريج يحدث، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو، وكذا روي عن الشعبي وغيره.\nوقال مجاهد والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والثوري: الفضل - ههنا - أن تعفو المرأة عن شطرها أو إتمام الرجل الصداق لها، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ أي: الإحسان، قاله سعيد.\nوقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل المعروف: يعني لا تهملوه بل استعملوه بينكم.\nوقد قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عبد الله بن الوليد الوصّافي، عن عبد الله بن عبيد، عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله ﷺ قال: \"ليأتينَّ على الناس زمان عضوض، يعَض المؤمن على ما في يديه وينسى الفضل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ شرار (^٣) يبايعون كل مضطر\". وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، فإن كان عندك خير فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكًا إلى هلاكه، فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه (^٤).\nوقال سفيان: عن أبي هارون، قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس القرظي، فكان عون يحدثنا ولحيته ترش من البكاء، ويقول: صحبت الأغنياء فكنت من أكثرهم همًا حين رأيتهم أحسن ثيابًا، وأطيب ريحًا، وأحسن مركبًا، مني وجالست الفقراء فاسترحت بهم، وقال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فلياع له، رواه ابن أبي حاتم (^٥). ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم، وسيجزي كل عامل بعمله.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم، وقول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه سعيد بن منصور في السنن رقم (٣٨٩) ثم التفسير من طريق سفيان به، وسنده صحيح.\n(^٣) في الأصل: \"سراري\" والتصويب من (عف) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٤) في سنده عبيد الله بن الوليد الوصّافي: وهو ضعيف (التقريب ص ٣٧٥).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان به.","vol":"2","page":212},{"text":"<span id=\"aya-245\"></span>﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾.\nيأمر تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها (^١) وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: سألت رسول الله ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: \"الصلاة على وقتها\". قلت: ثم أي؟ قال: \"الجهاد في سبيل الله\". قلت: ثم أي؟ قال: \"برّ الوالدين\"، قال: حدثني بهنّ رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، عن القاسم بن غنام، عن جدته أُم أبيه الدنيا، عن جدته أُم فروة، وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ[أنها سمعت رسول الله ﷺ] (^٣) وذكر الأعمال، فقال: \"إن أحب الأعمال إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها\" (^٤) وهكذا رواه أبو داود والترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من طريق العمري وليس بالقوي عند أهل الحديث (^٥). وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاة الوسطى، وقد اختلف السلف والخلف فيها؛ أي: صلاة هي؟ فقيل: إنها الصبح، حكاه مالك في الموطأ بلاغًا عن علي وابن عباس (^٦).\nوقال هشيم وابن علية وغُندُر وابن أبي عدي وعبد الوهاب وشَريك وغيرهم، عن عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، قال: صلَّيت خلف ابن عباس الفجر، فقنتَ فيها ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين، رواه ابن جرير (^٧)، ورواه أيضًا من حديث عوف، عن خلاس بن عمرو، عن ابن عباس مثله سواء.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عوف، عن أبي المنهال، عن أبي العالية، عن ابن عباس، أنه صلى الغداة في مسجد البصرة، فقنتَ قبل الركوع، وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ (^٨)، وقال أيضًا: حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة صلاة الغداة،\n_________\n(^١) في الأصل: \"وأوقاتها\".\n(^٢) صحيح البخاري، الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها (ح ٥٢٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (ح ١٣٩).\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) والتخريج.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٦٦ ح ٢٧١٠٥) وفي سنده عبد الله بن عمر بن حفص: ضعيف، ويشهد له ما تقدم في الصحيحين.\n(^٥) سنن أبي داود، الصلاة، باب في المحافظة على وقت الصلوات (ح ٤٢٦)، وسنن الترمذي أبواب الصلاة، باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل (ح ١٧٠).\n(^٦) أخرجه الطبري متصلًا عن ابن عباس كما سيأتي.\n(^٧) أخرجه الطبري عن أبي كريب وهو محمد بن العلاء عن هشيم به، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرج هذه الروايات بأسانيدها وتقدم صحته عن ابن عباس.","vol":"2","page":213},{"text":"فقلت لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة (^١). وروى من طريق أخرى عن الربيع، عن أبي العالية، أنه صلى مع أصحاب رسول الله ﷺ صلاة الغداة فلما فرغوا قال: قلت لهم: أيتهنّ الصلاة الوسطى؟ قالوا: التي قد صليتها قبل (^٢).\nوقال أيضًا: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عثمة (^٣)، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد الله، قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح (^٤)، وحكاه ابن أبي حاتم عن ابن عمر وأبي أُمامة وأنس وأبي العالية وعبيد بن عمير وعطاء ومجاهد وجابر بن زيد وعكرمة والربيع بن أنس (^٥)، ورواه ابن جرير عن عبد الله بن شداد بن الهاد أيضًا (^٦)، وهو الذي نص عليه الشافعي ﵀، محتجًا بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت عنده في صلاة الصبح، ومنهم من قال: هي وسطى باعتبار أنها لا تُقصر، وهي بين صلاتين رُباعيتين مقصورتين، وترد المغرب، وقيل: لأنها بين صلاتي ليل (^٧) جهريتين وصلاتي نهار سريتين.\nوقيل: إنها صلاة الظهر، قال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان - يعني ابن عمرو -، عن زهرة - يعني ابن معبد -، قال: كنا جلوسًا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أُسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر، كان رسول الله ﷺ يصليها بالهجير (^٨).\nوقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عمرو بن أبي حكيم، سمعت الزبرقان يحدث، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله ﷺ منها، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين (^٩). ورواه أبو داود في سننه من حديث شعبة به (^١٠).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا يزيد حدثنا ابن أبي ذئب (^١١)، عن الزبرقان أن رهطًا من قريش مرّ بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي صلاة العصر فقام إليه رجلان منهم فسألاه، فقال: هي الظهر. ثم انصرفا إلى أُسامة بن زيد فسألاه، فقال: هي الظهر، إن النبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصفُّ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه شيخ الطبري لم يصرح باسمه.\n(^٣) في الأصل: \"ابن عثيمة\" والتصويب كسابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه سعيد بن بشير: وهو ضعيف.\n(^٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا رواية أبي أمامة فقد أسندها.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف إذ فيه شيخ الطبري لم يصرح باسمه.\n(^٧) في الأصل: \"ليلتين\".\n(^٨) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه ص ٨٧ (ح ٦٢٨) وسنده صحيح.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٥/ ١٨٣، وسنده صحيح.\n(^١٠) السنن، الصلاة، باب في وقت صلاة العصر (ح ٤١١) وسنده صحيح.\n(^١١) في الأصل: \"ابن أبي وهب\" والتصويب من (عف) و(مح) والتخريج.","vol":"2","page":214},{"text":"والصفَّان، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فأنزل الله ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ قال: فقال رسول الله ﷺ: \"لينتهينَّ رجال أو لأحرقنَّ بيوتهم\" (^١).\nوالزبرقان هو: ابن عمرو بن أمية الضمري، لم يدرك أحدًا من الصحابة، والصحيح ما تقدم من روايته عن زهرة بن معبد وعروة بن الزبير.\nوقال شعبة وهمام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر (^٢).\nوقال أبو داود الطيالسي وغيره، عن شعبة: أخبرني عمر (^٣) بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث عن أبيه، عن زيد بن ثابت، قال: الصلاة الوسطى هي الظهر، ورواه ابن جرير، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى هي الظهر (^٤)، ورواه ابن جرير، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، عن زيد بن ثابت، في حديث رفعة، قال: \"الصلاة الوسطى صلاة الظهر\" (^٥). وممن روي عنه أنها الظهر ابن عمر، وأبو سعيد وعائشة، على اختلاف عنهم، وهو قول عروة بن الزبير وعبد الله بن شداد بن الهاد، ورواية عن أبي حنيفة ﵏.\nوقيل: إنها صلاة العصر. قال الترمذي والبغوي - رحمهما الله -: وهو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم (^٦).\nوقال القاضي الماوردي: هو قول جمهور التابعين.\nوقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر.\nوقال أبو محمد بن عطية في تفسيره: وهو قول جمهور الناس.\nوقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى بـ \"كشف المغطى تبيين الصلاة الوسطى\"، وقد نصَّ فيه: أنها العصر، وحكاه عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي أيوب وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب وأبي هريرة وأبي سعيد وحفصة وأُم حبيبة وأُم سلمة وعن ابن عمر، وابن عباس وعائشة على الصحيح عنهم، وبه قال عبيدة وإبراهيم النخعي ورزين وزرّ بن حبيش وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وعبيد بن مريم وغيرهم، وهو مذهب أحمد بن حنبل. قال القاضي الماوردي والشافعي قال ابن المنذر: وهو الصحيح عن أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد، واختاره ابن حبيب المالكي ﵏.\n\n<span data-type='title' id=toc-86>ذكر الدليل على ذلك:</span>\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح أبي الضُحى، عن شتير بن شكل، [عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٠٦) وسنده منقطع، كما أشار الحافظ ابن كثير.\n(^٢) تقدم صحته عن زيد بن ثابت.\n(^٣) في الأصل: \"عمرو \"والتصويب كسابقه.\n(^٤) سنده صحيح.\n(^٥) لم يصح رفعه ولعل زكريا وهم في رفعه.\n(^٦) ينظر: سنن الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر ١/ ٣٤٢.","vol":"2","page":215},{"text":"صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارًا\" ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء (^١)، وكذا رواه مسلم من حديث أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، والنسائي من طريق عيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن أبي الضحى، عن شتير بن شكل بن حميد] (^٢)، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ مثله، وقد رواه مسلم أيضًا من طريق شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار، عن علي بن أبي طالب به (^٣)، وأخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وغير واحد من أصحاب المساند والسنن والصحاح من طرق يطول ذكرها عن عَبيدة السلماني، عن علي به (^٤)، ورواه الترمذي والنسائي من طريق الحسن البصري عن علي به، قال الترمذي: ولا يعرف سماعه منه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن زرّ، قال: قلت لعَبيدة: سل عليًا عن الصلاة الوسطى، فسأله، فقال: كنا نراها الفجر أو الصبح، حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم أو بيوتهم نارًا\" (^٥). ورواه ابن جرير عن بُندار، عن ابن مهدي به (^٦). وحديث يوم الأحزاب، وشغل المشركين رسول الله ﷺ وأصحابه عن أداء صلاة العصر يومئذٍ، مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم، وإنما المقصود رواية من نصَّ منهم في روايته، أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وقد رواه مسلم أيضًا من حديث ابن مسعود والبراء بن عازب ﵄ (^٧).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"صلاة الوسطى صلاة العصر\" وحدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وسماها لنا أنها هي صلاة العصر (^٨). وحدثنا محمد بن جعفر وروح، قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ قال: \"هي العصر\" قال ابن جعفر: سئل عن صلاة الوسطى (^٩)، ورواه الترمذي من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وقال: حسن صحيح، وقد سمع منه (^١٠).\n(حديث آخر) وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (ح ٦١٧)، وسنده صحيح.\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.\n(^٣) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ٢٠٥).\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] (ح ٤٥٣٣)، وصحيح مسلم، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ٢٠٣).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن وأصله في الصحيحين كما تقدم.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.\n(^٧) صحيح مسلم، المساجد (ح ٦٢٨ و٦٣٠).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٥/ ٨ وفي سماع الحسن عن سمرة مقال ويشهد له ما تقدم.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٥/ ٧.\n(^١٠) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر (ح ١٨٢).","vol":"2","page":216},{"text":"التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الصلاة الوسطى صلاة العصر\" (^١).\n(طريق أخرى، بل حديث آخر) قال ابن جرير: وحدثني المثنى، حدثنا سليمان بن أحمد الجرشي الواسطي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني صدقة بن خالد، حدثني خالد بن دهقان، عن خالد بن سبلان، عن كهيل بن حرملة، قال: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى، فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها، ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فقام فاستأذن على رسول الله ﷺ، فدخل عليه ثم خرج إلينا، فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر، غريب من هذا الوجه جدًّا (^٢).\n(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام، عن مسلم مولى أبي بصير، حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي، قال: كنت جالسًا عند عبد العزيز بن مروان، فقال: يا فلان اذهب إلى فلان فقل له: أي شيء سمعت من رسول الله ﷺ في الصلاة الوسطى؟ فقال رجل جالس: أرسلني أبو بكر وعمر، وأنا غلام صغير، أسأله عن الصلاة الوسطى فأخذ أصبعي الصغيرة، فقال: \"هذه الفجر\"، وقبض التي تليها، فقال: \"هذه الظهر\" ثم قبض الإبهام، فقال: \"هذه المغرب\"، ثم قبض التي تليها، فقال: \"هذه العشاء\"، ثم قال: \"أي أصابعك بقيت؟ \" فقلت: الوسطى، فقال: \"أي الصلاة بقيت؟ \" فقلت: العصر، فقال: \"هي العصر\" غريب أيضًا جدًّا (^٣).\n(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عوف الطائي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الصلاة الوسطى صلاة العصر\". إسناده لا بأس به (^٤).\n(حديث آخر) قال أبو حاتم بن حبان في صحيحه: حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير، حدثنا الجراح بن مخلد، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام بن مورق العجلي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"صلاة الوسطى صلاة العصر\" (^٥).\nوقد روى الترمذي من حديث محمد بن طلحة بن مصرف عن زبيد اليامي (^٦)، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"صلاة الوسطى صلاة العصر\"، ثم قال: حسن صحيح (^٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه من طريق محمد بن طلحة به، ولفظه: \"شغلونا عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير.\n(^٤) كسابقه.\n(^٥) الإحسان (صحيح ابن حبان ٥/ ٤١ ح ..) وسنده صحيح.\n(^٦) في الأصل: \"محمد بن طلحة بن مطرف، عن ربيد\" والتصويب كسابقه.\n(^٧) سنن الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ١٨١).","vol":"2","page":217},{"text":"الصلاة الوسطى صلاة العصر\" الحديث (^١).\nفهذه نصوص في المسألة لا تحتمل شيئًا، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح من رواية الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: \"من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر (^٢) أهله وماله\" (^٣).\nوفي الصحيح أيضًا من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي كثير، عن أبي المهاجر، عن بُريدة بن الحصيب، عن النبي ﷺ، قال: \"بكِّروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من ترك صلاة العصر، فقد حبط عمله\" (^٤).\n\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن أبي تميم، عن أبي نصرة الغفاري، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في واد من أوديتهم، يقال له: المخمصَّ، صلاة العصر، فقال: \"إن هذه الصلاة عرضت على الذين من قبلكم فضيعوها، ألا ومن صلاها ضعف له أجره مرتين، ألا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد\" ثم قال: رواه عن يحيى بن إسحاق، عن الليث، عن جبير بن نعيم، عن عبد الله بن هبيرة به، وهكذا رواه مسلم والنسائي جميعًا عن قتيبة، عن الليث، ورواه مسلم أيضًا من حديث محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب كلاهما، عن جبير بن نعيم الحضرمي، عن عبد الله بن هبيرة السبائي به (^٥)، فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضًا حدثنا إسحاق، أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولَى عائشة، قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا، قالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذني، فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) قالت: سمعتها من رسول الله ﷺ (^٦)، وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان في المصحف عائشة (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر) (^٨)، وهكذا رواه من طريق الحسن البصري أن رسول الله ﷺ قرأها كذلك. وقد روى الإمام مالك أيضًا عن زيد بن أسم، عن عمرو بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة زوج النبي ﷺ، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلما بلغتها آذنتها،\n_________\n(^١) صحيح مسلم، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ٦٢٨).\n(^٢) أي نُقِص يقال وترته إذا نقصته (النهاية ٥/ ١٤٨).\n(^٣) المصدر السابق (ح ٦٢٦).\n(^٤) أخرجه البخاري من طريق هشام عن يحيى بن أبي كثير به (الصحيح، مواقيت الصلاة، باب من ترك صلاة العصر ح ٥٥٣).\n(^٥) المسند ٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها (ح ٨٣٠)، وفيه بيان: الشاهد. فقال: \"والشاهد: النجم\".\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٧٣) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح مسلم، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ٦٢٩).\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.","vol":"2","page":218},{"text":"فأملت عليَّ (حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) (^١). هكذا رواه محمد بن إسحاق بن يسار فقال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي ونافع مولى ابن عمر، أن عمر بن نافع قال … فذكر مثله، وزاد كما حفظتها من النبي ﷺ (^٢).\n(طريق أخرى عن حفصة) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن عبد الله بن يزيد الأزدي، عن سالم بن عبد الله، أن حفصة أمرت إنسانًا أن يكتب لها مصحفًا، فقالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذني، فلما بلغ آذنها، فقالت: اكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وصلاة العصر).\n(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله عن نافع، أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفًا، فقالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها، فلما بلغها أمرته فكتبها (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين). قال نافع: فقرأت ذلك المصحف، فوجدت فيه الواو.\nوكذا روى ابن جرير عن ابن عباس وعبيد بن عمير أنهما قرءا كذلك.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبدة بن سليمان حدثنا محمد بن عمرو، حدثني أبو سلمة، عن عمرو بن رافع مولى عمر، قال: كان في مصحف حفصة (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) (^٣).\nوتقرير المعارضة أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي تقتضي المغايرة، فدلَّ ذلك على أنها غيرها، وأجيب عن ذلك بوجوه:\n(أحدها): أن هذا إن روي على أنه خبر، فحديث عليٍّ أصحّ وأصرح منه، وهذا يحتمل أن تكون الواو زائدة، كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ [الأنعام]، ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ [الأنعام]، أو تكون لعطف الصفات لا لعطف الذوات، كقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب]، وكقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى]، وأشباه ذلك كثيرة وقال الشاعر:\nإلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم\nوقال أبو داود الأيادي:\nسلط الموت والمنون عليهم … فلهم في صدى المقابر هام (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، صلاة الجماعة، باب الصلاة الوسطى ١/ ١٣٩ ح ٢٦)، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (المسند ١٣/ ٥٠ ح ٧١٢٩)، وابن حبان (موارد الظمآن ح ١٧٢٢) كلاهما من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن.\n(^٣) ذكر الطبري هذه الروايات الخمس بأسانيده، وأصله في الصحيح كما تقدم.\n(^٤) ذكره ابن منظور في لسان العرب ١٢/ ٦٢٥.","vol":"2","page":219},{"text":"والموت هو المنون، قال عدي بن زيد (^١) العبادي:\nفقدمت الأديم لراهشيه … فألفى قوله كذبًا ومينا (^٢)\nوالكذب هو المين، وقد نصَّ سيبويه شيخ النحاة على جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه، والله أعلم، وأما إن روي على أنه قرآن، فإنه لم يتواتر فلا يثبت بمثل خبر الواحد قرآن، ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في المصحف، ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم، لا من السبعة ولا غيرهم. ثم قد روي ما يدل على نسخ هذه التلاوة المذكورة في هذا الحديث، قال مسلم: حدثنا إسحاق بن راهويه، أخبرنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله، ثم نسخها الله ﷿، فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فقال له زاهر رجل كان مع شقيق: أفهي العصر؟ قال: قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله ﷿. قال مسلم: ورواه الأشجعي عن الثوري، عن الأسود، عن شقيق (^٣).\n(قلت): وشقيق هذا لم يرو له مسلم سوى هذا الحديث الواحد، والله أعلم، فعلى هذا تكون هذه التلاوة وهي تلاوة الجادة ناسخة للفظ رواية عائشة وحفصة ولمعناها إن كانت الواو دالّة على المغايرة، وإلا فلفظها فقط، والله أعلم.\nوقيل: إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب، رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وفي إسناده نظر، فإنه رواه عن أبيه، عن أبي الجماهير، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عمه، عن ابن عباس، قال: صلاة الوسطى المغرب (^٤). وحكى هذا القول ابن جرير، عن قبيصة بن ذؤيب، وحكى أيضًا عن قتادة على اختلاف عنه (^٥)، ووجه هذا القول بعضهم بأنها وسطى في العدد بين الرباعية والثنائية، وبأنها وتر المفروضات، وبما جاء فيها من الفضلية، والله أعلم.\nوقيل: إنها العشاء الأخير، اختاره علي بن أحمد الواحدي في تفسيره المشهور، وقيل: هي واحد من الخمس لا بعينها وأبهمت فيهن، كما أُبهمت ليلة القدر في الحول أو الشهر أو العشر، ويحكى هذا القول عن سعيد بن المسيب وشريح القاضي ونافع مولى ابن عمر، والربيع بن خيثم، ونقل أيضًا عن زيد بن ثابت واختاره إمام الحرمين الجويني في نهايته.\nوقيل: بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس، رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر (^٦)،\n_________\n(^١) في الأصل: \"زيد بن عدي\".\n(^٢) البيت ورد ذكره في: الشعر والشعراء ٢٢٧.\n(^٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ح ٦٣٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه سعيد بن بشير: ضعيف.\n(^٥) لم أجده عن قتادة في رواية الطبري، أما رواية قبيصة بن ذؤيب فقد أخرجها الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن قبيصة.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق هشام بن سعد عن نافع مولى ابن عمر عنه، وفي سنده هشام بن سعد: =","vol":"2","page":220},{"text":"وفي صحته أيضًا نظر، والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمرو بن عبد البر النمري إمام ما وراء البحر، وإنها لإحدى الكُبَر إذا اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر. وقيل: إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر. وقيل: بل هي صلاة الجماعة. وقيل: صلاة الجمعة. وقيل صلاة الخوف. وقيل: بل صلاة عيد الفطر. وقيل: بل صلاة الأضحى، وقيل: الوتر. وقيل: الضحى. وتوقف (^١) فيها آخرون لما تعارضت عندهم الأدلة، ولم يظهر لهم وجه الترجيح، ولم يقع الإجماع على قول واحد، بل لم يزل النزاع (^٢) فيها موجودًا من زمان الصحابة وإلى الآن.\nقال ابن جرير: حدثني محمد بن بشار وابن المثنى، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين أصابعه (^٣).\nوكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها، وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر، وقد ثبت السنة بأنها العصر فتعيَّن المصير إليها. وقد روى الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي - رحمهما الله - في كتاب الشافعي ﵀، حدثنا أبي سمعت حرملة بن يحيى التجيي يقول: قال الشافعي: كل ما قلت فكان عن النبي ﷺ بخلاف قولي مما يصح، فحديث النبي ﷺ أولى ولا تقلدوني، وكذا روى الربيع والزعفراني وأحمد بن حنبل عن الشافعي، وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود عن الشافعي: إذا صحَّ الحديث وقلت قولًا، فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك، فهذا من سيادته وأمانته، وهذا نفس إخوانه من الأئمة ﵏ ورضي الله عنهم أجمعين - آمين، ومن هاهنا قطع القاضي الماوردي بأن مذهب الإمام الشافعي أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، وإن كان قد نصَّ في الجديد وغيره أنها الصبح لصحة الأحاديث أنها العصر، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثي المذهب، ولله الحمد والمنة.\nومن الفقهاء في المذهب من ينكر أن تكون هي العصر مذهب الشافعي، وصمموا على أنها الصبح قولًا واحدًا، قال الماوردي: ومنهم من حكى في المسألة قولين ولتقرير المعارضات والجوابات موضع آخر غير هذا وقد أفردناه على حدة، ولله الحمد الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها، ولهذا لما امتنع النبي ﷺ من الرد على ابن مسعود حين سلّم عليه وهو في الصلاة، اعتذر إليه بذلك وقال: \"إن في الصلاة لشغلًا\" (^٤). وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة: \"إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله\" (^٥).\n_________\n= صدوق له أوهام ورمي بالتشيع (التقريب ص ٥٧٢).\n(^١) في الأصل: \"ويتوقف\".\n(^٢) في الأصل: \"التنازع\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) متفق عليه أخرجه البخاري، الصحيح، العمل في الصلاة، باب ما ينهى من الكلام في الصلاة (ح ١١٩٩)، وصحيح مسلم، المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة (ح ٥٣٨).\n(^٥) صحيح مسلم، الموضع السابق (ح ٥٣٧).","vol":"2","page":221},{"text":"وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، حدثني الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم، قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي ﷺ في الحاجة في الصلاة، حتى نزلت هذه الآية ﷺ فأمرنا بالسكوت (^١)، رواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن إسماعيل به، وقد أشكل هذا الحديث على جماعة من العلماء حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى أرض الحبشة، كما دلَّ على ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة فيردّ علينا، قال: فلما قدمنا سلمت عليه فلم يردّ عليَّ، فأخذني ما قرب وما بعد، فلما سلَّم قال: \"إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة\" (^٢)، وقد كان ابن مسعود ممن أسلم قديمًا وهاجر إلى الحبشة، ثم قدم منها إلى مكة مع من قدم فهاجر إلى المدينة، وهذه الآية ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مدنية بلا خلاف، فقال قائلون: إنما أراد زيد بن أرقم بقوله: كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة، الإخبار عن جنس الناس، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه (^٣) منها، والله أعلم.\nوقال آخرون: إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أبيح مرتين وحرم مرتين، كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم، والأول أظهر، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو يعلى: أخبرنا بشر بن الوليد، أخبرنا إسحاق بن يحيى، عن المسيب، عن ابن مسعود، قال: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فمررت برسول الله ﷺ فسلمت عليه، فلم يرد علي، فوقع في نفسي أنه نزل في شيء فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال: \"وعليك السلام أيها المسلم ورحمة الله، إن الله ﷿ يحدث من أمره ما يشاء، إذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-246\"></span>وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾، لما أمر تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتأكيدها ذكر الحال الذي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب، فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: فصلوا على أي حال كان رجالًا أو ركبانًا؛ يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، كما قال مالك عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا على أقدامهم، أو ركبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٦٨) وهو متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، العمل في الصلاة، باب ما ينهى عن الكلام في الصلاة (ح ١٢٠٠)، وصحيح مسلم، المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة (ح ٥٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري بنحوه (الصحيح، العمل في الصلاة، باب لا يرد السلام في الصلاة ح ١٢١٧).\n(^٣) في الأصل: \"ما فهم\".\n(^٤) يشهد له الحديث المتفق عليه المتقدم عن ابن مسعود.","vol":"2","page":222},{"text":"النبي ﷺ (^١)، ورواه البخاري وهذا لفظ مسلم (^٢)، ورواه البخاري من وجه آخر عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمرو، عن النبي ﷺ نحوه أو قريبًا منه، ولمسلم أيضًا عن ابن عمر، قال: فإن كان خوف أشد من ذلك، فصل (^٣) راكبًا أو قائمًا تومى إيماءً (^٤)، وفي حديث عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله، وكان نحو عرفة أو عرفات، فلما واجهه حانت صلاة العصر، قال: فخشيت أن تفوتني فجعلت أصلي وأنا أومئ إيماءً. الحديثِ بطوله رواه أحمد وأبو داود (^٥) بإسناد جيد، وهذا من رخص الله التي رخص لعباده ووضعه الأصار والأغلال عنهم، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: في هذه الآية يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه، قال: وروي عن الحسن ومجاهد ومكحول والسدي والحكم ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح، نحو ذلك وزاد: ويومئ برأسه أينما توجه، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا غسان، حدثنا ذؤاد - يعني ابن علية (^٦) - عن مطرف، عن عطية، عن جابر بن عبد الله، قال: إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، وروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعطية والحكم وحماد وقتادة نحو ذلك (^٧)، وقد ذهب الإمام أحمد فيما نص عليه إلى أن صلاة الخوف تفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان، وعلى ذلك ينزل الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري - زاد مسلم والنسائي وأيوب بن عائذ - كلاهما عن بكير بن الأخنس الكوفي، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (^٨)، وبه قال: الحسن البصري وقتادة والضحاك وغيرهم.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مهدي عن شعبة، قال: سألت الحكم وحمادًا وقتادة عن صلاة المسايفة، فقالوا: ركعة (^٩)، وهكذا روى الثوري عنهم سواء.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المسعودي، حدثنا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله، قال: صلاة الخوف ركعة (^١٠). واختار هذا القول ابن جرير.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، صلاة الخوف ١/ ١٨٤) وهو متفق عليه كما يأتي.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] (ح ٤٥٣٥)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف (ح ٣٠٦).\n(^٣) في الأصل: \"فصلي\".\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) المسند ٣/ ٤٩٦، وسنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة الطالب (ح ١٢٤٩)، وحكم الحافظ بجودة سنده.\n(^٦) في الأصل: \"داود بن علية\" والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج.\n(^٧) ذكر ابن أبي حاتم الروايتين وبقية المفسرين بحذف الإسناد، أما رواية ابن عباس فالسند حسن، وأما رواية جابر ففي السند عطية العوفي: ضعيف.\n(^٨) أخرجه مسلم في صحيح، صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها (ح ٦٨٧).\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له حديث ابن عباس المتقدم في صحيح مسلم.","vol":"2","page":223},{"text":"وقال البخاري: (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو). وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة، صلوا إيماء كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخَّروا الصلاة حتى ينكشف القتال، ويأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزيهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول.\nوقال أنس بن مالك: حَضرتُ مناهضة حصن تُستَر (^١) عند قضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصلِّ إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففُتح لنا.\nقال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها (^٢). هذا لفظ البخاري، ثم استشهد على ذلك بحديث تأخيره ﷺ صلاة العصر يوم الخندق بعذر المحاربة إلى غيبوبة الشمس، وبقوله ﷺ بعد ذلك لأصحابه لما جهزهم إلى بني قريظة: \"لا يصلينَّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة\" فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا وقالوا: لم يُرِد منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل السير، ومنهم من أدركته فلم يصل إلى أن غربت الشمس في بني قريظة، فلم يعنف واحدًا من الفريقين (^٣)، وهذا يدل على اختيار البخاري لهذا القول، والجمهور على خلافه، ويعولون على أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء، ووردت بها الأحاديث، لم تكن مشروعة في غزوة الخندق، وإنما شرعت بعد ذلك، وقد جاء مصرحًا بهذا في حديث أبي سعيد وغيره، وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا تنافي جواز ذلك، لأن هذا حال نادر خاص، فيجوز فيه مثل ما قلنا بدليل صنيع الصحابة زمن عمر في فتح تُستَر وقد اشتهر ولم ينكر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أي: أقيموا صلاتكم كما أمرتم، فأتموا ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وخشوعها وهجودها، ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أي: مثل ما أنعم عليكم وهداكم وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة فقابلوه بالشكر والذكر، كقوله بعد صلاة الخوف: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وستأتي الأحاديث الواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢].\n\n<span id=\"aya-247\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾.\nقال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، وهي قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ\n_________\n(^١) بضم التاء وسكون السين وفتح التاء، بلد من بلاد الأهواز في إيران (ينظر: فتح الباري ٢/ ٤٣٥).\n(^٢) قال الحافظ ابن حجر: وأما قول مكحول فقال عبد بن حميد في تفسيره: أنا عمر بن سعيد الدمشقي، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول .. وأما قصة أنس فقال ابن أبي شيبة وابن سعد في الطبقات: حدثنا عثمان بن مسلم، ثنا همام بن يحيى عن قتادة عن أنس (تغليق التعليق ٢/ ٣٧٢) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الخوف، باب الصلاة عند مناهضة العدو (ح ٩٤٦).","vol":"2","page":224},{"text":"وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. قال البخاري: حدثنا أُمية، حدثنا يزيد بن زريع، عن حبيب، عن ابن أبي مليكة، قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها، قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئًا منه من مكانه (^١).\nومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين، بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها، فأثبتها حيث وجدتها.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فتنسخها آية المواريث فجعل لهن الثمن أو الربع مما ترك الزوج (^٢)، ثم قال: وروي عن أبي موسى الأشعري وابن الزبير ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني والربيع بن أنس أنها منسوخة (^٣).\nوروي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله بعد ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فهذه عدة المتوفى عنها زوجها، إلا أن تكون حاملًا، فعدتها أن تضع ما في بطنها، وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة (^٤).\nقال: وروي عن مجاهد والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان، قالوا: نسختها ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. قال: وروي عن سعيد بن المسيب، قال: نسختها التي في الأحزاب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية (^٥) [الأحزاب: ٤٩].\n(قلت): وروي عن [مقاتل] (^٦) وقتادة أنها منسوخة بآية الميراث.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا …﴾ [البقرة: ٢٣٤] ح ٤٥٣٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، في سنده عطاء الخراساني صدوق يهم كثيرًا ولم يسمع من ابن عباس شيئًا (المراسيل ١٥٧)، وسنده ضعيف وقد توبع فقد أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه ويشهد له الروايات التالية.\n(^٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن الزبير تقدم في رواية البخاري السابقة، وقول مجاهد وإبراهيم النخعي أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.\n(^٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٦) سقط من الأصل لفظ: \"مقاتل\"، واستدرك من (عف) و(حم) و(ح).","vol":"2","page":225},{"text":"وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن راهويه (^١)، حدثنا روح، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قال: كانت هذه للمعتدة، تعتد عند أهل زوجها واجب. فأنزل الله ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة، وصية إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فالعدة كما هي واجب عليها، زعم ذلك عن مجاهد ﵀.\nوقال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وهو قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، لقول الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ قال عطاء: ثم جاء الميراث، فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت، ولا سكنى لها (^٢). ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه بهذا القول (^٣)، الذي عول عليه مجاهد وعطاء، من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة، كما زعمه الجمهور، حتى يكون ذلك منسوخًا بالأربعة الأشهر وعشر، وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات بأن يمكّنْ من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولًا كاملًا إن اخترن ذلك، ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: يوصيكم الله بهن وصية كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١]، وقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] وقيل: إنما انتصب على معنى: فلتوصوا بهن وصية. وقرأ آخرون بالرفع وصية على معنى: كتب عليكم وصية (^٤)، واختارها ابن جرير، ولا يمنعنه من ذلك لقوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ فأما إذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر، أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ وهذا القول له اتجاه، وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس بن تيمية ورده آخرون، منهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر، وقول عطاء ومن تابعه، على أن ذلك منسوخ بآية الميراث، إن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر والعشر فمسلَّم، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر وعشر لا تجب في تركة الميت، فهذا محل خلاف بين الأئمة وهما قولان للشافعي ﵀، وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج، بما رواه مالك في موطئه، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري ﵄، أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا (^٥) حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن (^٦) يملكه ولا نفقة، قالت: فقال\n_________\n(^١) كلمة \"راهويه\" بياض في الأصل.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] ح ٤٥٣١).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) وهي قراءة متواترة أيضًا.\n(^٥) أي: عبيد له هربوا.\n(^٦) في الأصل: \"منزل\"، وما أثبت من (عف) و(حم) والتخريج.","vol":"2","page":226},{"text":"رسول الله ﷺ: \"نعم\" قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجر ناداني رسول الله ﷺ أو أمر بي فنوديت له فقال: \"كيف قلت؟ \" فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: \"امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله\" قالت: فاعتددتُ فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إليَّ فسألني عن ذلك، فأخبرته فاتبعه وقضى به (^١). وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك به. ورواه النسائي أيضًا وابن ماجه من طرق عن سعد بن إسحاق به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٢).\n\n<span id=\"aya-248\"></span>وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما نزل قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]: قال رجل: إن شئت أحسنت ففعلت، وإن شئت لم أفعل، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ (^٣).\nوقد استدل بهذه الآية، من ذهب من العلماء، إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة، أو مفروضًا لها، أو مطلقة قبل المسيس، أو مدخولًا بها، وهو قول عن الشافعي ﵀، وإليه ذهب سعيد بن جبير، وغيره من السلف (^٤)، واختاره ابن جرير، ومن لم يوجبها مطلقًا، يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة] وأجاب الأولون بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم، فلا تخصيص على المشهور المنصوص، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-249\"></span>وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: في إحلاله وتحريمه وفروضه وحدوده، فيما أمركم ونهاكم عنه، بينه ووضحه وفسره، ولم يتركه مجملًا في وقت احتياجكم إليه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون وتتدبرون.\n\n<span id=\"aya-250\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾.\n\nروي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف (^٥). وعنه كانوا ثمانية آلاف.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها .. ٢/ ٥٩١ ح ٨٧).\n(^٢) سنن أبي داود، الطلاق، باب في المتوفى عنها تنتقل (ح ٢٣٠٠)، وسنن الترمذي، الطلاق، باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها (ح ١٢٠٤)، وسنن النسائي، الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها (ح ٣٥٢٨)، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟ (ح ٢٠٣١)، وصححه الترمذي، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٥١).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد به، وسنده معضل ضعيف.\n(^٤) تقدم هذا القول في الآية ٣٦، من هذه السورة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ميسرة النهدي عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عنه.","vol":"2","page":227},{"text":"وقال أبو صالح: تسعة آلاف (^١)، وعن ابن عباس: أربعون ألفًا.\nوقال وهب بن منبه (^٢) وأبو مالك: كانوا بضعة وثلاثين ألفًا (^٣).\nوروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: كانوا أهل قرية يقال لها: داوردان (^٤). وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد: من قِبَل واسط.\nوقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات (^٥).\nوقال ابن جريج، عن عطاء قال: هذا مثل (^٦). وقال علي بن عاصم: كانوا من أهل داوردان قرية على فرسخ من قِبَل واسط.\nوقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي، عن المنهال بن عمرو الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارًا من الطاعون قالوا: نأتي أرضًا ليس بها موت حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم: ﴿مُوتُوا﴾ فماتوا، فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم، فذلك قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الآية (^٧). وذكر غير واحد من السلف، أن هؤلاء القوم، كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل استوخموا أرضهم، وأصابهم بها وباء شديد، فخرجوا فرارًا من الموت، إلى البرية، فنزلوا واديًا أفيح، فملؤوا ما بين عدوتيه، فأرسل الله إليهم ملكين، أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد، فحيزوا إلى حظائر، وبني عليهم جدران وقبور، وفنوا (^٨) وتمزقوا وتفرقوا، فلما كان بعد دهر، مرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل، يقال له: حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحمًا وعصبًا وجلدًا، فكان ذلك وهو يشاهده، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره فقاموا أحياءً ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة وهم يقولون: سبحانك لا إله إلا أنت (^٩).\nوكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة، ولهذا قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.\n(^٢) أخرج الطبري بسند حسن عن وهب بن منبه أنهم أربعة آلاف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق السدي عن أبي مالك.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق النضر بن عبد الرحمن عن عكرمة عنه، والنضر متروك (ميزان الاعتدال ٤/ ٢٦٠، والتقريب ٢/ ٣٠٢)، وداوردان بين أنها قرية قريبة من واسط، وهي مدينة جنوب بغداد.\n(^٥) أذرعات: مدينة قرب عمان في الشام. وهذه الأقوال الثلاثة ذكرها ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إبراهيم بن عبد الله الهروي عن ابن جريج به.\n(^٧) سنده حسن، وهذه الرواية من الإسرائيليات التاريخية المسكوت عنها في شريعتنا.\n(^٨) سقط لفظ: \"وفنوا\"، واستدرك من (عف) و(حم) و(ح).\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، والخبر من الإسرائيليات وقد ساقها الحافظ ابن كثير للعبرة والموعظة، إذ صرح بذلك مرتين.","vol":"2","page":228},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة والدلالات الدامغة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم. وفي هذه القصة عبرة ودليل، على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء خرجوا فرارًا (^١) من الوباء، طلبًا لطول الحياة، فعوملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت سريعًا في آن واحد.\nومن هذا القبيل، الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، أخبرنا مالك وعبد الرزاق، أخبرنا معمر كلاهما، عن الزهري، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس، أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ (^٢)، لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام … فذكر الحديث، فجاءه عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبًا لبعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه\" فحمد الله عمر ثم انصرف (^٣)، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به أبطريق أخرى لبعضه (^٤).\nقال أحمد: حدثنا حجاج ويزيد العمى، قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام، عن النبي ﷺ: \"أن هذا السقم عذب به الأُمم قبلكم فإذا سمعتم به في أرض، فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه\" قال: فرجع عمر من الشام (^٥). وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، عن الزهري بنحوه.\n\n<span id=\"aya-251\"></span>وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾ أي: كما أن الحذر لا يغني من القدر، كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه، لا يقرب أجلًا ولا يباعده، بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدر مقنن لا يزاد فيه ولا ينقص منه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾ [آل عمران: ١٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء] وروينا عن أمير الجيوش، ومقدم العساكر، وحامي حوزة الإسلام، وسيف الله المسلول على أعدائه: أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁، أنه قال وهو في سياق الموت: لقد شهدت كذا وكذا موقفًا، وما من عضو\n_________\n(^١) في الأصل: \"فروا\" والمثبت من (عف) و(حم) و(مح).\n(^٢) سَرْغ - بفتح السين وسكون الراء -: وادي بالقرب من مدينة تبوك يبعد عن المدينة ثلاث عشرة مرحلة (ينظر: فتح الباري ١٠/ ١٨٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢١٤ ح ١٦٨٣)، وهو متفق عليه أخرجه البخاري من مالك به (صحيح البخاري، الطب، باب ما يذكر في الطاعون ح ٥٧٣٠)، وصحيح مسلم، السلام (ح ٢٢١٩).\n(^٤) تقدم تخريجه في الحاشية السابقة.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢١١ ح ١٦٧٨)، وأخرجه الشيخان كما في الحديث السابق المتقدم.","vol":"2","page":229},{"text":"من أعضائي إلا وفيه رمية [أو طعنة أو ضربة وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء، يعني: أنه يتألم لكونه ما مات قتيلًا في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم أن يموت على فراشه.\n\n<span id=\"aya-252\"></span>وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيل الله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وفي حديث النزول أنه يقول تعالى: \"من يقرض غير عديم ولا ظلوم\" (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما نزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾، قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ﷿ ليريد منا القرض؟ قال: \"نعم يا أبا الدحداح\". قال: أرني يدك رسول الله. قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي ﷿ حائطي، قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها. قال فجاء أبو الدحداح فنادها: يا أم الدحداح. قالت: لبيك. قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي ﷿ (^٢). وقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر ﵁ مرفوعًا بنحوه (^٣).\nوقوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ روي عن عمر وغيره من السلف: هو النفقة في سبيل الله (^٤).\nوقيل: هو النفقة على العيال (^٥).\nوقيل: هو التسبيح والتقديس (^٦).\nوقوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]، وسيأتي الكلام عليها.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: أتيت أبا هريرة ﵁، فقلت له: إنه بلغنى أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة، قال: وما أعجبك من ذلك، لقد سمعته من النبي ﷺ يقول: \"إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (الصحيح، صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر ح ١٧١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده حميد بن عطاء الأعرج: ضعيف (الجرح والتعديل ٣/ ٢٢٦)، ولقصة أبي الدحداح أصل في صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب ركوب المصلي على الجنازة إذا انصرف (ح ٩٦٥).\n(^٣) في سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعيف ويتقوى بما سبق.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن أبي كثير الأنصاري عن عمر بن الخطاب وموسى لم يسمع من عمر، وسنده ضعيف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن زيد بن أسلم، وسنده حسن.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن حيان التيمي عن شيخ لهم.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٧٩٣٢)، وصححه أحمد شاكر وضعفه الحافظ ابن كثير، وهو كما قال وقد روي من وجه آخر كما سيأتي.","vol":"2","page":230},{"text":"هذا حديث غريب، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدب، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا محمد بن عقبة الرفاعي، عن زياد الجصاص، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فقدم قبلي حاجًا، قال: وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: \"إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة\" فقلت: ويحكم، والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فما سمعت هذا الحديث، قال: فتحملت أريد أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجًا، فانطلقت إلى الحج ألقاه في هذا الحديث، فلقيته لهذا، فقلت: يا أبا هريرة، ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك؟ قال: ما هو؟ قلت: زعموا أنك تقول: إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة، قال: يا أبا عثمان، وما تعجب من ذا، والله يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ويقول: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله ﷺ، يقول: \"إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة\" (^١). وفي معنى هذا الحديث ما رواه الترمذي وغيره من طريق عمرو بن دينار، عن سالم، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن رسول الله ﷺ، قال: \"من دخل سوقًا من الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة\" الحديث (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما نزلت ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ …﴾ [البقرة: ٢٦١] إلى آخرها، فقال رسول الله ﷺ: \"ربِّ زد أمتي\"، فنزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. قال: \"ربِّ زد أمتي\"، فنزلت ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (^٣). وروى ابن أبي حاتم أيضًا، عن كعب الأحبار: أنه جاءه رجل فقال: إني سمعت رجلًا يقول: من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] مرة واحدة، بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من درّ وياقوت في الجنة، أفأصدق بذلك؟ قال: نعم، أو عجبت من ذلك؟ قال: نعم، وعشرين ألف ألف وثلاثين ألف ألف وما لا يحصي ذلك إلا الله، ثم قرأ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ فالكثير من الله لا يحصى (^٤).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أي: أنفقوا ولا تبالوا، فالله هو الرازق يضيق على من يشاء من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده زياد بن أبي زياد الجصاص: ضعيف (التقريب ١/ ٢٦٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه ثم قال: عمرو بن دينار شيخ بصري وهو ليس بالقوي في الحديث (السنن، الدعوات ح ٣٤٢٩ وضعفه الحافظ ابن حجر في التقريب ص ٤٢١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عيسى بن المسيب البجلي: وهو ضعيف (ميزان الاعتدال ٣/ ٣٢٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق همام بن الحارث عن كعب به.","vol":"2","page":231},{"text":"عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-253\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾.\nقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: هذا النبي هو يوشع بن نون (^١).\nقال ابن جرير: يعني: ابن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب.\nوهذا القول بعيد لأن هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود ﵇، كما هو مصرح به في القصة، وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة، والله أعلم.\nوقال السدي: هو شمعون (^٢).\nوقال مجاهد: هو شمويل ﵇ (^٣).\nوكذا قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: وهو شمويل بن بالي بن علقمة بن برخان بن اليهو بن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا بن صفية بن علقمة بن أبي ياسف بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇ (^٤).\nوقال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى ﵇ على طريق الاستقامة مدة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث، وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم على منهج التوراة، إلى أن فعلوا ما فعلوا، فسلط الله عليهم أعداءهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلقًا كثيرًا، وأخذوا منهم بلادًا كثيرة، ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه، وذلك أنهم كان عندهم التوراة، والتابوت الذي كان في قديم الزمان، وكان ذلك موروثًا لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم ﵊، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب، وأخذوا التوراة من أيديهم، ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل، وانقطعت النبوة من أسباطهم، ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها وقد قتل، فأخذوها فحبسوها في بيت، واحتفظوا بها لعلَّ الله يرزقها غلامًا يكون نبيًا لهم، ولم تزل المرأة تدعو الله ﷿ أن يرزقها غلامًا، فسمع الله لها ووهبها غلامًا، فسمته: شمويل؛ أي سمع الله دعائي، ومنهم من يقول:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه سنيد بلفظ: شمؤل.\n(^٤) هذه رواية ابن إسحاق أخرجها الطبري بسند ضعيف فيه محمد بن حميد الرازي. وأما لفظ: \"وهب \" أخرجه الطبري بلفظ: شمويل. بدون النسب الذي سرده ابن إسحاق.","vol":"2","page":232},{"text":"شمعون، وهو بمعناه، فشبَّ ذلك الغلام، ونشأ فيهم، أنبته الله نباتًا حسنًا، فلما بلغ سن الأنبياء أوحى الله إليه، وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكًا يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك أيضًا قد باد فيهم، فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكًا ألا تقاتلوا وتفوا بما التزمتم من القتال معه، ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ أي: وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم، والله عليم بهم (^١).\n\n<span id=\"aya-254\"></span>﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾.\nأي: لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكًا منهم، فعين لهم طالوت، وكان رجلًا من أجنادهم، ولم يكن من بيت الملك فيهم، لأن الملك كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط، فلهذا قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ أي: كيف يكون ملكًا علينا ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾؟ أي: هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك، وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء، وقيل: دباغًا، وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت، وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف، ثم قد أجابهم النبي قائلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: اختاره لكم من بينكم، والله أعلم به منكم، يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي، بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي: وهو مع هذا، أعلم منكم، وأنبل، وأشكل منكم، وأشد قوة وصبرًا في الحرب ومعرفة بها، أي: أتمّ علمًا وقامة منكم، ومن ههنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هو الحاكم الذي ما شاء فعل، ولا يُسأل عما يفعل] (^٢) وهم يسألون لعلمه وحكمته ورأفته بخلقه، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: هو واسع الفضل، يختص برحمته من يشاء، عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه.\n\n<span id=\"aya-255\"></span>﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾.\nيقول لهم نبيهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم، أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قيل: معناه: فيه وقار وجلالة.\n_________\n(^١) هذه الرواية من الإسرائيليات التي تنقل عن وهب بن منبه وهو مشهور برواية الإسرائيليات.\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل وهو قدر لوحة واستدرك من (عف) و(حم) و(مح) و(ح) وفي (عف) نصف لوحة فيها بياض.","vol":"2","page":233},{"text":"قال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أي: وقار (^١).\nوقال الربيع: رحمة (^٢)، وكذا روي عن العوفي، عن ابن عباس (^٣).\nوقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ قال: ما يعرفون من آيات الله فيسكنون إليه (^٤)، وقيل: السكينة طست من ذهب، كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء (^٥)، أعطاها الله موسى ﵇، فوضع فيها الألواح، ورواه السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس (^٦).\nوقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن علي، قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان، ثم هي روح هفافة (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص كلهم، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي، قال: السكينة ريح خجوج، ولها رأسان (^٨). وقال مجاهد: لها جناحان وذنب (^٩).\nوقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرة ميتة إذا صرخت في التابوت بصراخ هرٍ، أيقنوا بالنصر، وجاءهم الفتح (^١٠).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا بكار بن عبد الله، أنه سمع وهب بن منبه يقول: السكينة روح من الله تتكلم، إذا اختلفوا في شيء تكلم، فتخبرهم ببيان ما يريدون (^١١).\nوقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال ابن جرير: أخبرنا ابن مثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في هذه الآية ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال: عصاه، ورضاض الألواح (^١٢)، وكذا قال قتادة والسدي والربيع بن أنس وعكرمة (^١٣)، وزاد: والتوراة (^١٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ولفظه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه شيخ الطبري مبهم ويتقوى بالرواية في الحاشية التالية، والربيع هو ابن أنس.\n(^٣) هذا القول أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج به وسنيد: ضعيف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عيسى بن عمر عن السدي، وهذه الرواية من الإسرائيليات المسكوت عنها.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف جدًّا من طريق الحكم بن ظهير عن السدي به، والحكم بن ظهير متروك ورمي بالرفض واتهمه ابن معين بالكذب (ينظر التقريب ص ١٧٥).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان به، وعلي هو ابن أبي طالب.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو يخالف سابقه.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١٠) وهذه من الإسرائيليات التي لا داعي لذكرها إلا على سبيل بيان ضعفها وغرابتها.\n(^١١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه وهو كسابقه. وفي سنده بكار بن عبد الله قال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي. ينظر لسان الميزان (٢/ ٤٣).\n(^١٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه داود بن أبي هند ثقة لكنه لم يجزم أنه عن ابن عباس بل قال: أحسبه عن ابن عباس.\n(^١٣) هذه الأقوال الأربعة أخرجها الطبري بأسانيد حسان.","vol":"2","page":234},{"text":"قال أبو صالح: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى﴾ يعني: عصا موسى، وعصا هارون، ولوحين من التوراة، والمن (^١).\nوقال عطية بن سعد: عصا موسى، وعصا هارون، وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح (^٢).\nوقال عبد الرزاق: سألت الثوري عن قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾، فقال: منهم من يقول: قفيز من مَنّ، ورضاض الألواح، ومنهم من يقول: العصا والنعلان (^٣).\nوقوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون (^٤).\nقال السدي: أصبح التابوت في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت (^٥).\nوقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن بعض أشياخه، جاءت به الملائكة تسوقه على عجلة على بقرة (^٦)، وقيل: على بقرتين (^٧). وذكر غيره: أن التابوت كان بأريحا، وكان المشركون لما أخذوه ووضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الكبير فأصبح التابوت على رأس الصنم فأنزلوه فوضعوه تحته، فأصبح كذلك، فسمروه تحته، فأصبح الصنم مكسور القوائم، ملقى بعيدًا، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قبل لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى، فأصاب أهلها داء في رقابهم، فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردّوه إلى بني إسرائيل حتى يخلصوا من هذا الداء، فحملوه على بقرتين فسارتا به، لا يقربه أحد إلا مات، حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل، فكسرتا النيرين ورجعتا، وجاء بنو إسرائيل فأخذوه، فقيل: إنه تسلّمه داود ﵇، وإنه لما قام إليهما خجل من فرحه بذلك (^٨)، وقيل: شابان منهم، فالله أعلم وقيل: كان التابوت بقرية من قرى فلسطين يقال لها: أزدرد.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بالله واليوم الآخر.\n\n<span id=\"aya-256\"></span>﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده، ومن أطاعه من ملأ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح (السنن، التفسير رقم ٤٢٢) وسنده صحيح إلى أبي صالح، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن إسماعيل به.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه عن عطية، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وابن جريج لم يدرك ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري به، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن وهب بن منبه.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن وهب، وهذه الرواية من الإسرائيليات.","vol":"2","page":235},{"text":"بني إسرائيل، وكان جيشه يومئذٍ فيما ذكره السدي ثمانين ألفًا (^١)، فالله أعلم، أنه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ أي: مختبركم بنهر.\nقال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين (^٢)، يعني: نهر الشريعة المشهور، ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي: فلا بأس عليه، قال الله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.\nقال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده روي، ومن شرب منه لم يرو (^٣). وكذا رواه السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس (^٤). وكذا قال قتادة وابن شوذب (^٥).\nوقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرب منه ستة وسبعون ألفًا، وتبقى معه أربعة آلاف، كذا قال (^٦).\nوقد روى ابن جرير من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ومسعر بن كدام، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب، قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد ﷺ، الذي كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن. ورواه البخاري عن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن جده، عن البراء قال: (كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة) ثم رواه من حديث سفيان الثوري، وزهير عن أبي إسحاق عن البراد بنحوه (^٧)، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي: استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم، فشجعهم علماؤهم العالمون بأن وعد الله حق، فإن النصر من عند الله ليس عن كثرة عَدد ولا عُدد. ولهذا قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-257\"></span>﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾.\nأي: لما واجه حزب الإيمان، وهم قليل من أصحاب طالوت، لعدوهم أصحاب جالوت،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه. وتعقبهُ الحافظ ابن كثير فقال: وقول السدي: إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألف. فيه نظر، لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلته يبلغون ثمانون ألفًا (البداية والنهاية ٢/ ٢٩٥).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وابن جريج لم يسمع ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري كسابقه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق رجل مبهم عن السدي به. وسنده ضعيف وهو مخالف لما في الصحيح: ثلاثمائة وبضعة عشر.\n(^٥) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر، وقول ابن شوذب، أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ضمرة بن ربيعة عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح وأخرجه البخاري من طريق إسرائيل به (الصحيح، المغازي ح ٣٩٥٧).","vol":"2","page":236},{"text":"وهم عدد كثير ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: أنزل علينا صبرًا من عندك ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: في لقاء الأعداء، وجنبنا الفرار والعجز ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-258\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ ذكروا في الإسرائيليات (^١) أنه قتله بمقلاع كان في يده، رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوِّجه ابنته، ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل الملك إلى داود ﵇ مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ الذي كان بيد طالوت ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: النبوة بعد شمويل ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصّ به ﷺ ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: لولاه يدفع عن قوم بآخرين كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ الآية [الحج: ٤٠].\nوقال ابن جرير: حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حفص بن سليمان، عن محمد بن سوقة، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء\" ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (^٢) وهذا إسناد ضعيف فإن يحيى بن سعيد هذا، هو ابن العطار الحمصي، وهو ضعيف جدًّا.\nثم قال ابن جرير: حدثنا أبو حميد الحمصي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ﷿، ما دام فيهم\" (^٣)، وهذا أيضًا غريب ضعيف لما تقدم أيضًا.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا علي بن إسماعيل بن حماد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، أخبرنا زيد بن الحباب، حدثني حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان رفع الحديث، قال: \"لا يزال فيكم سبعة بهم تُنصرون، وبهم تُمطرون، وبهم تُرزقون، حتى يأتي أمر الله\" (^٤).\nوقال ابن مردويه أيضًا (^٥): وحدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن جرير بن يزيد، حدثنا أبو معاذ نهار بن معاذ بن عثمان الليثي، أخبرنا زيد بن الحباب، أخبرني عمر البزار عن عنبسة الخواص، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت، قال\n_________\n(^١) ورد هذا الخبر في تفسير عبد الرزاق والطبري من طريق بكار بن عبد الله عن وهب بن منبه. وبكار قال ابن أبي حاتم فيه: ليس بالقوي (ينظر: لسان الميزان ٢/ ٤٣).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بضعف الإسناد.\n(^٣) كسابقه.\n(^٤) في سنده زيد بن الحباب: وهو كثير الخطأ (ينظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٤٠٤).\n(^٥) قوله: \"وقال ابن مردويه أيضًا\"، زيادة من (عف).","vol":"2","page":237},{"text":"رسول الله ﷺ: \"الأبدال في أمتي ثلاثون، بهم تُرزقون، وبهم تُمطرون، وبهم تُنصرون\" قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم (^١).\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: ذو منّ عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضًا، وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله.\n\n<span id=\"aya-259\"></span>ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم بالحق، أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل، ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذا توكيد وتوطئة للقسم.\n\n<span id=\"aya-260\"></span>﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾.\nيخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال ههنا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يعني موسى ومحمد ﷺ، وكذلك آدم كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذرٍّ ﵁ (^٢).\n﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي ﷺ، الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله ﷿ (^٣)، (فإن قيل): فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده، فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي خبيث، وعلى محمد ﷺ؟ فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ، فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تفضلوني على الأنبياء، فإن الناس يُصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ فلا تفضلوني على الأنبياء\" وفي رواية: \"لا تفضلوا بين الأنبياء؟ \" (^٤).\nفالجواب من وجوه:\n(أحدها): أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل، وفي هذا نظر.\n(الثاني): أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من طريق الحسن بن ذكوان عن عبد الواحد بن قيس عن عبادة بنحوه ثم قال: وهو منكر (المسند ٣٧/ ٤١٣ ح ٢٢٧٥١).\n(^٢) سيأتي تخريجه في مطلع سورة الإسراء آية ٥٥.\n(^٣) سيأتي ذكره في مطلع سورة الإسراء بعدة روايات.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى، وذكره بعد (ح ٣٤٠٨)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل (ح ٢٣٧٣).","vol":"2","page":238},{"text":"(الثالث): أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.\n(الرابع): لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.\n(الخامس): ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله ﷿، وعليكم الانقياد والتسليم له، والإيمان به.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به من أنه عبد الله ورسوله إليهم ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعني: أن الله أيده بجبريل ﵇، ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ أي: بل كل ذلك عن قضاء الله وقدره، لهذا قالوا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.\n\n<span id=\"aya-261\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾.\nيأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله، سبيل الخير، ليدّخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: لا يباع أحد من نفسه ولا يفادي بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا، ولا تنفعه خلة أحد، يعني: صداقته بل ولا نسابته، كما قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون: ١٠١] ولا شفاعة: أي: ولا تنفعهم شفاعة الشافعين.\nوقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره، أي: ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذٍ كافرًا، وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ولم يُقل: والظالمون: هم الكافرون (^١).\n\n<span id=\"aya-262\"></span>﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾.\nهذه آية الكرسي، ولها شأن عظيم، وقد صحَّ الحديث عن رسول الله ﷺ، بأنها أفضل آية في كتاب الله.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن عبد الله بن رباح، عن أُبي هو: ابن كعب، أن النبي ﷺ، سأله: \"أي آية في كتاب الله أعظم\"؟ قال الله ورسوله أعلم، فردَّدها مرارًا (^٢)، ثم قال: آية الكرسي، قال: \"ليهنكَ العلم أبا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق عمر بن سليمان عن عطاء بن دينار.\n(^٢) في الأصل: \"مرر\".","vol":"2","page":239},{"text":"المنذر، والذي نفسي بيده، إن لها لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش\" (^١)، وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن الجريري به، وليس عنده زيادة: \"والذي نفسي بيده … \" إلخ (^٢).\n(حديث آخر) عن أبي أيضًا في فضل آية الكرسي، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا مبشر عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن أُبي بن كعب، أن أباه أخبره أنه كان له جُرْن (^٣) فيه تمر، قال: فكان أبي يتعاهده، فوجده ينقص، قال: فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم، فسلمت عليه، فردّ السلام، قال: فقلت: ما أنت؟ جنّي أم أنسي؟ قال: جنّي. قال: ناولني يدك، قال: فناولني يده، فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجنّ. قال: لقد علمت الجنّ ما فيهم أشد مني. قلت: فما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغنى أنك رجل تحب الصدقة، فأحببنا أن نصيب من طعامك. قال: فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية، آية الكرسي، ثم غدا إلى النبي فأخبره، فقال النبي ﷺ: \"صدق الخبيث\" (^٤)، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي داود الطيالسي، عن حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن محمد بن عمرو بن أُبي بن كعب، عن جده به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٥).\n(طريق آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عثمان بن غياث (^٦)، قال: سمعت أبا السليل، قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ يحدث الناس حتى يكثروا عليه، فيصعد على سطح بيت، فيحدث الناس، قال: قال رسول الله ﷺ الله: \"أي آية في القرآن أعظم؟ \" فقال رجل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، أو قال: فوضع يده بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي، وقال: \"ليهنكَ العلم يا أبا المنذر\" (^٧).\n(حديث آخر) عن الأسقع البكري. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو يزيد القرطيسي، حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء، أن مولى ابن الأسقع رجل صدق، أخبره عن الأسقع البكري، أنه سمعه يقول:\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٤١، ١٤٢) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي (ح ٨١٠).\n(^٣) الجُرْن: هو موضع التمر الذي يجفف فيه (مختار الصحاح ص ١٠١).\n(^٤) قال المنذري: سنده جيد (ينظر: الفتح القدسي في آية الكرسي للبقاعي ص ٥٨)، الحاكم وأخرجه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥٦٢)، وأخرجه ابن حبان من طريق يحيى بن أبي كثير عن ابن لأبي بن كعب عن أبيه (موارد الظمآن ص ٤٢٦ ح ١٧٢٤).\n(^٥) المستدرك ١/ ٥٦٢.\n(^٦) في الأصل: \"عتاب\".\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٥٨) وفيه أبو السليل وهو: ضُريب القيسي من السادسة (التقريب ص ٢٨٠)، وهو لم يدرك أحدًا من الصحابة فالإسناد منقطع ويشهد له الحديث الأول.","vol":"2","page":240},{"text":"إن النبي ﷺ في صفة المهاجرين، فسأله إنسان: أي آية في القرن أعظم؟ فقال النبي ﷺ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ …﴾ حتى انقضت الآية (^١).\n(حديث آخر) - عن أنس - قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن الحارث، حدثني سلمة بن وردان، أن أنس بن مالك، حدثه أن رسول الله ﷺ سأل رجلًا من صحابته، فقال: \"أي فلان هل تزوجت؟ \" قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به، قال: \"أوليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]؟ \" قال: بلى، قال: \"ربع القرآن\". قال: \"أليس معكَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]؟ \" قال: بلى. قال: \"ربع القرآن\". \"أليس معكَ إذا زلزلت؟ \" قال: بلى. قال: \"ربع القرآن\" قال: \"أليس معك إذا جاء نصر الله؟ \" قال: بلى. قال: \"ربع القرآن\". قال: \"أليس معك آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم\"؟ قال: لى. قال: \"ربع القرآن\" (^٢).\n(حديث آخر) عن أبي ذرٍّ جندب بن جنادة. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد الخشخاش (^٣)، عن أبي ذرٍّ ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست، فقال: \"يا أبا ذرٍّ، هل صليت؟ \" قلت: لا. قال: \"قم فصل\". قال: فقمت فصليت، ثم جلست، فقال: \"يا أبا ذرّ تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجنّ\". قال: قلت: يا رسول الله، أوَ للإنس شياطين؟ قال: نعم، قال: قلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال: \"خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر\" قال: قلت: يا رسول الله فالصوم؟ قال: \"فرض مجزي وعند الله مزيد\" قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: \"أضعاف مضاعفة\". قلت: يا رسول الله، فأيها أفضل؟ قال: \"جهد من مقل، أو سر إلى فقير\" قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: \"آدم\" قلت: يا رسول الله، ونبي كان؟ قال: \"نعم نبي مكلَّم\" قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: \"ثلاثمائة وبضعة عشر جمًّا غفيرًا\"، وقال مرة: \"وخمسة عشر\" قلت: يا رسول الله، أيما ما أنزل عليك أعظم؟ قال: \"آية الكرسي\" ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٤) ورواه النسائي.\n(حديث آخر) عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁ وأرضاه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب، أنه كان في سهوة (^٥) له، وكانت الغول تجيء فتأخذ، فشكاها إلى النبي ﷺ، فقال: \"فإذا رأيتها فقل باسم الله، أجيبي رسول الله\". قال: فجاءت، فقال لها، فأخذها، فقالت: إني لا أعود،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١/ ٣٣٤)، وفي سنده مولى ابن الأسقع لم يصرح باسمه ويشهد له الحديث الأول.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٢١) وفي سنده سلمة بن وردان وهو ضعيف.\n(^٣) في الأصل: \"الحسحاس\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المستد ٥/ ١٧٨)، وأخرجه الحاكم من طريق يعلى بن عبيد عن المسعودي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٨٢).\n(^٥) السهوة: هي في البيت كالصفة أو كالخزانة (انظر: جامع الأصول ٨/ ٤٧٨).","vol":"2","page":241},{"text":"فأرسلتها (^١)، فجاء فقال له النبي ﷺ: \"ما فعل أسيرك\"؟ قال: أخذتها، فقالت: إني لا أعود، فأرسلتها، فقال: إنها عائدة، فأخذتها مرتين أو ثلاثًا كل ذلك تقول: لا أعود، فيقول: \"إنها عائدة\"، فأخذتها (^٢)، فقالت: أرسلني، وأعلمك شيئًا تقوله فلا يقربك شيء، آية الكرسي، فأتى النبي ﷺ. فأخبره، فقال: \"صدقت وهي كذوب\" (^٣). ورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بندار، عن أبي أحمد الزبيري به، وقال حسن غريب (^٤). [والغول في لغة العرب: الجانّ إذا تبدَى في الليل] (^٥).\nوقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة، فقال في كتاب فضائل القرآن، وفي كتاب الوكالة، وفي صفة إبليس من صحيحه، قال عثمان بن الهيثم - أبو عمرو -: حدثنا عوف عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: وكَّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنكَ إلى رسول الله ﷺ، فقال: إني محتاج وعليّ عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليتُ عنه فأصبحت، فقال النبي ﷺ: \"يا أبا هريرة ما فعل أسيركَ البارحة؟ \" قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالًا، فرحمته وخليت سبيله، قال: \"أما إنه قد كذبك وسيعود\" فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ: \"إنه سيعود\" فرصدته، فجاء يحثو الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنكَ إلى رسول الله ﷺ قال: دعني فأنا محتاج وعليّ عيال، لا أعود. فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: \"يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ \" قلت: يا رسول الله، شكا حاجة وعيالًا، فرحمته وخليت سبيله. قال: \"أما أنه قد كذبك وسيعود\"، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنكَ إلى رسول الله ﷺ، وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود، فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: \"ما فعل أسيرك البارحة؟ \" قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله. قال: \"وما هي؟ \" قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي ﷺ: \"أما صدقكَ وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ \"قلت: لا. قال: \"ذاك شيطان\". كذا رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (^٦)، وقد رواه\n_________\n(^١) في الأصل: \"فأرسلها\".\n(^٢) في الأصل: \"فأخذها\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٢٣)، وأخرجه الترمذي من طريق أبي أحمد الزبيري به (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي ح ٢٨٨)، وما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة تعليقًا وليس عن أبي أيوب (صحيح البخاري، كتاب الوكالة، باب إذا وكل رجل شيئًا فأجازه الموكل ح ٢٣١)، كما سيأتي في الحديث الآتي.\n(^٤) السنن، فضائل القرآن (ح. ٢٨٨).\n(^٥) ما بين معقوفين زيادة (عف) و(حم) و(مح) و(ح).\n(^٦) الصحيح، الوكالة (ح ٢٣١١)، وصله الإسماعيلي وأبو نعيم والنسائي من عدة طرق (انظر: تغليق التعليق ٣/ ٢٩٦، وفتح الباري ٤/ ٤٨٨).","vol":"2","page":242},{"text":"النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب، عن عثمان بن الهيثم، فذكره وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا، فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمرويه الصفار، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا إسماعيل بن مسلم العبدي، أنبأنا أبو المتوكل الناجي، أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة، وكان فيه تمر، فذهب يومًا ففتح الباب، فوجد التمر قد أخذ منه ملءَ كف، ودخل يومًا آخر فإذا قد أخذ منه ملءَ كف، ثم دخل يومًا آخر ثالثًا، فإذا قد أخذ منه مثلَ ذلك، فشكا ذلك أبو هريرة إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: \"تحب أن تأخذ صاحبك هذا؟ \" قال: نعم. قال: فإذا فتحت الباب فقل: \"سبحان من سخرك محمد\". فذهب ففتح الباب فقال: \"سبحان من سخرك محمد\". فإذا هو قائم بين يديه، قال: يا عدو الله، أنت صاحب هذا؟ قال: نعم. دعني فإني لا أعود، ما كنت آخذًا إلا لأهل بيت من الجنِّ فقراء، فخلَّى عنه، ثم عاد الثانية، ثم الثالثة، فقلت: أليس قد عاهدتني ألا تعود؟ لا أدعك اليوم حتى أذهب بك إلى النبي ﷺ، قال: لا تفعل، فإنك إن تدعني علمتك كلمات إذا أنت قلتها، لم يقربك أحد من الجنِّ صغير ولا كبير، ذكر ولا أنثى، قال له: لتفعلن؟ قال: نعم. قال: ما هنّ؟ قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قرأ آية الكرسي حتى ختمها، فتركه فذهب فأبعد، فذكر ذلك أبو هريرة للنبي ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: \"أما علمت أن ذلك كذلك\" (^١) وقد رواه النسائي عن أحمد بن محمد بن عبيد الله، عن شعيب بن حرب، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة به (^٢)، وقد تقدم لأُبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضًا، فهذه ثلاث وقائع.\n(قصة أخرى) قال أبو عبيد في كتاب الغريب: حدثنا أبو معاوية، عن أبي عاصم الثقفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الإناس، فلقيه رجل من الجنِّ فقال: هل لك أن تصارعني؟ فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان، فصارعه فصرعه، فقال: إني أراك ضئيلًا شخيتا (^٣)، كأن ذراعيك ذراعًا كلب، أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم، أم أنتَ من بينهم؟ فقال: إني بينهم لضليع، فعاودني فصارعه فصرعه الأنسي فقال: تقرأ آية الكرسي فإنه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان، وله خبخ كخبخ الحمار، فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟ فقال من عسى أن يكون إلا عمر.\nقال أبو عبيد: الضئيل: النحيف الجسم، والخبخ بالخاء المعجمة، ويقال بالحاء المهملة: الضراط (^٤).\n(حديث آخر) عن أبي هريرة. قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه: حدثنا علي بن حمشاذ، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا حكيم بن جبير الأسدي، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن الضريس من طريق مسلم بن خالد بن إبراهيم به (فضائل القرآن ص ١٥٥ - ١٥٦)، وتشهد رواية البخاري السابقة.\n(^٢) السنن ٥/ ١٣ - ١٤.\n(^٣) في الأصل: \"ثخينا\".\n(^٤) أخرجه أبو عبيد بسنده ومتنه (غريب الحديث ٢/ ٦٣). وفيه الشعبي لم يسمع من ابن مسعود (المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٦٠).","vol":"2","page":243},{"text":"صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"سورة البقرة فيها آية سيدة (^١) آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي\"، وكذا رواه من طريق آخر عن زائدة، عن حكيم بن جبير، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٢)، كذا قال، وقد رواه الترمذي من حديث زائدة، ولفظه \"لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي\" ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة وضعفه (^٣).\n(قلت): وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين، وغير واحد من الأئمة، وتركه ابن مهدي وكذبه السعدي.\n(حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع (^٤)، أخبرنا عيسى بن محمد المروزي، أخبرنا عمر بن محمد البخاري، أخبرنا عيسى (^٥) بن موسى بن غنجار، عن عبد الله بن كيسان، حدثنا يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب: أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات (^٦) فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن؟ فقال ابن مسعود على الخبير سقطت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أعظم آية في القرآن ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ \" (^٧).\n(حديث آخر) في اشتماله على اسم الله الأعظم: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، أنبأنا عبيد الله بن أبي زياد، حدثنا شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ \"إن فيهما اسم الله الأعظم\" (^٨). وكذا رواه أبو داود، عن مسدد والترمذي، عن علي بن خشرم وابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثلاثتهم عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٩).\n(حديث آخر) في معنى هذا، عن أبي أُمامة ﵁، قال ابن مردويه: أخبرنا عبد الرحمن بن نمير، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، أخبرنا هشام بن عمار، أنبأنا الوليد بن مسلم،\n_________\n(^١) في الأصل: \"سيد\".\n(^٢) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه (المستدرك ٢/ ٢٥٩)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير وضعفه بسبب حكيم بن جبير الأسدي.\n(^٣) السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي (ح ٢٨٧٨).\n(^٤) في الأصل: \"نافع\" والتصويب من (عف) و(مح) و(ح).\n(^٥) في الأصل: \"يحيى\" والتصويب كسابقه.\n(^٦) في سنده عبد الله بن كيسان المروزي: وهو صدوق يخطئ كثيرًا (التقريب ص ٣١٩)، وأخرجه الجوزجاني من طريق عبد الله بن كيسان به (الأباطيل ح ٧١٣).\n(^٧) سماطات: أي جماعات.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٦١)، وسنده حسن كما سيأتي في الحاشية التالية:\n(^٩) سنن أبي داود، الصلاة، الدعاء (ح ١٣٩٦)، وسنن الترمذي، الدعوات (ح ٣٤٧٨)، وسنن ابن ماجه، الدعاء باب اسم الله الأعظم (ح ٣٨٥٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣١١٠)، وفي سنده شهر بن حوشب وثقه الإمام أحمد وقال: ما أحسن حديثه … وذكر أنه روى عن أسماء أحاديث حسانًا (انظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٣٧٠).","vol":"2","page":244},{"text":"أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زيد، أنه سمع القاسم بن عبد الرحمن يحدث، عن أبي أُمامة يرفعه، قال: \"اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران وطه\" (^١). وقال هشام وهو ابن عمار خطيب دمشق أما البقرة فـ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي آل عمران ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ [آل عمران: ١، ٢] وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١].\n(حديث آخر) عن أبي أُمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة، قال أبو بكر بن مردويه، حدثنا محمد بن محرز بن مساور الأدمي، أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن، أخبرنا الحسين بن بشر بطرسوس، أخبرنا محمد بن حمير، أخبرنا محمد بن زياد، عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ دُبَر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت\".\nوهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة، عن الحسين بن بشر به، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، من حديث محمد بن حمير وهو الحمصي، من رجال البخاري أيضًا، فهو إسناد على شرط البخاري (^٢)، وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي، أنه حديث موضوع (^٣)، والله أعلم. وقد روى ابن مردويه من حديث علي والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله، نحو هذا الحديث، ولكن في إسناد كل منهما ضعف.\nوقال ابن مردويه أيضًا: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري، أخبرنا يحيى بن درستويه (^٤) المروزي، أخبرنا زياد بن إبراهيم، أخبرنا أبو حمزة السكري، عن المثنى، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: \"أوحى الله إلى موسى بن عمران ﵇ أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، فأنه من يقرؤها في دبر كل صلاة مكتوبة، أجعل له قلبَ الشاكرين، ولسانَ الذاكرين، وثوابَ النبيين، وأعمالَ الصديقين، ولا يواظب على ذلك إلا نبي أو صديق أو عبد امتحنتُ قلبه للإيمان، أو أريدُ قتله في سبيل الله\". وهذا حديث منكر جدًّا (^٥).\n(حديث آخر) في أنها تحفظ من قرأها في أول النهار وأول الليل. قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا يحيى بن المغيرة أبو سلمة المخزومي المديني، أخبرنا ابن أبي فديك. عن عبد الرحمن المليكي، عن زرارة بن مصعب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ: (حم) المؤمن إلى ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ١ - ٣] وآية الكرسي، حين يصبح، حفظ بهما حتى يُمسي، ومن قرأهما حين يُمسي حفظ بهما حتى يصبح\" ثم قال: هذا حديث غريب، وقد\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن العلاء به (المستدرك ١/ ٥٠٦)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٧٤٦).\n(^٢) عمل اليوم والليلة (ح ١٠٠)، وقال المنذري: رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح (الترغيب ٢/ ٤٥٣)، وقال الهيثمي: وأحدها جيد (مجمع الزوائد ١٠/ ١٠٢).\n(^٣) الموضوعات ١/ ٢٤٤.\n(^٤) في الأصل: \"رستويه\" والتصويب من (عف) و(مح) و(ح).\n(^٥) وفيه الحسن البصري لم يسمع من أبي موسى الأشعري.","vol":"2","page":245},{"text":"تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مُليكة المليكي، من قبل حفظه (^١).\nوقد ورد في فضلها أحاديث أخر، تركناها اختصارًا لعدم صحتها وضعف أسانيدها كحديث عليٍّ في قراءتها عند الحجامة، إنها تقوم مقام حجامتين. وحديث أبي هريرة في كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات، وتُلحس للحفظ وعدم النسيان، أوردهما ابن مردويه، وغير ذلك.\nوهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة.\nفقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، المقيم لغيره. وكان عمر يقرأ القيام (^٢)، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، لا قوام لها بدون أمره، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم، فقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾ أي: لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس، ولهذا قال: ولا نوم لأنه أقوى من السنة.\nوفي الصحيح عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات، فقال: \"إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمر النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" (^٣).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أن موسى ﵇ سأل الملائكة: هل ينام الله ﷿ فأوحى الله تعالى إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثًا، فلا يتركوه ينام، ففعلوا، ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما، قال: فجعل ينعس وهما في يده، وفي كل يد واحدة، قال: فجعل ينعس وينبه، وينعس وينبه، حتى نعس نعسة، فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما، قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله ﷿، يقول فكذلك السموات والأرض في يده، وهكذا رواه ابن جرير، عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق … فذكره (^٤)، وهو من أخبار بني إسرائيل، وهو مما يعلم أن موسى ﵇ لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله ﷿، وأنه منزه عنه، وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل. حدثنا هشام بن يوسف، عن أُمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر، قال: \"وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟ فأرسل إليه ملكًا فأرقه ثلاثًا، ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما قال: فجعل ينام، وكادت يداه تلتقيان، فيستيقظ فيحبس إحداهما (^٥)\n_________\n(^١) السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي (ح ٢٨٧٩).\n(^٢) هي قراءة شاذة ذكرها العكبري في الإملاء ١/ ٦٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٧٧.\n(^٣) صحيح مسلم، الإيمان، باب في قوله: \"إن الله لا ينام\" (ح ١٧٩).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ولفظه. وفي سنده أُمية بن شبل له حديث منكر، وهو الحديث المذكور (ينظر: لسان الميزان ١/ ٤٦٧).\n(^٥) في الأصل: \"أحديهما\".","vol":"2","page":246},{"text":"على الأخرى، حتى نام نومة، فاصطفقت يداه، فانكسرت القارورتان، - قال - ضرب الله ﷿ مثلًا، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض\" (^١) وهذا حديث غريب جدًّا، والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى، هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله، فناداه ربه ﷿ يا موسى، سألوك هل ينام ربك، فخذ زجاجتين في يديك، فقم الليلة، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث نعس، فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس، فسقطت الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى، لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكت كما هلكت الزجاجتان في يديك. فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ آية الكرسي (^٢).\nوقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه، كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم].\nوقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ كقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم] وكقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ﷿، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، كما في حديث الشفاعة: \"آتي تحت العرش فأخر ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع - قال - فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة\" (^٣).\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله إخبارًا عن الملائكة ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم].\nوقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله ﷿ وأطلعه عليه. ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].\nوقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن مطرف بن طريف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: علمه، وكذا رواه ابن جرير من حديث\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وحكم عليه الحافظ ابن كثير. وفي سنده أيضًا أُمية بن شبل.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفي سنده جعفر بن أبي المغيرة وهو صدوق يهم (التقريب ص ١٤١).\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، تفسير سورة الإسراء، باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ …﴾ [الإسراء: ٣] ح ٤٧١٢).","vol":"2","page":247},{"text":"عبد الله بن إدريس وهشيم، كلاهما عن مطرف بن طريف به، قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله (^١)، ثم قال ابن جرير: وقال آخرون الكرسي موضع القدمين، ثم رواه عن أبي موسى والسدي الضحاك ومسلم البطين (^٢).\nوقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم، عن سفيان، عن عمار الدُهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سئل النبي ﷺ عن قول الله ﷿: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؟ قال: \"كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره إلا الله ﷿ \" كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس، فذكره وهو غلط (^٣).\nوقد رواه وكيع في تفسيره، حدثنا سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره (^٤). وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن محمد بن معاذ، عن أبي عاصم، عن سفيان، وهو الثوري بإسناده عن ابن عباس موقوفًا مثله، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٥). وقد رواه ابن مردويه من طريق الحاكم بن ظهير الغزاري الكوفي، وهو متروك عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا ولا يصحّ أيضًا.\nوقال السدي، عن أبي مالك: الكرسي تحت العرش (^٦)، وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش (^٧).\nوقال الضحاك: عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع، بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض، ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٨).\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله: \"ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس\" قال: وقال أبو ذرٍّ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض\" (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وتعليقه والطبري كذلك، وفي سنديهما جعفر بن أبي المغيرة صدوق يهم كما تقدم في الصفحة السابقة وهذه الرواية عن ابن عباس مخالفة ما ثبت عنه أن الكرسي: موضع القدمين كما سيأتي.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق عمارة بن عمير عن أبي موسى، وعمارة لم يسمع من أبي موسى، وأخرجه بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وبسند حسن من طريق عمار الدهني عن مسلم البطين.\n(^٣) وجه الغلط هو رفعه إلى النبي ﷺ والصحيح وقفه على ابن عباس ولعل الذي رفعه شجاع بن مخلد.\n(^٤) سنده حسن.\n(^٥) المستدرك ٢/ ٢٨٢.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسرائيل عن السدي به.\n(^٧) أخرجه الطبرى وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عطية عن الضحاك به، وبشر بن عمارة: ضعيف.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وهو ضعيف.","vol":"2","page":248},{"text":"وقال أبو بكر بن مردويه: أخبرنا سليمان بن أحمد، أخبرنا عبد الله بن وهب الغزي، أخبرنا محمد بن أبي السري العسقلاني، أخبرنا محمد بن عبد الله التميمي، عن القاسم بن محمد الثقفي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذرّ الغفاري، أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي، فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي، إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة\" (^١).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير، حدثنا ابن أبي بُكير، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر ﵁، قال: أتت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظم الرب ﵎، وقال: \"إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد من ثقله\" (^٢) وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور وعبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما، والطبراني وابن أبي عاصم في كتابيّ السنة لهما، والحافظ الضياء في كتابه المختار من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن خليفة، وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر. ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفًا، ومنهم من يرويه عنه مرسلًا، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها. وأغرب من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش كما رواه أبو داود في كتابه السنة من سننه، والله أعلم.\nوقد روى ابن مردويه وغيره أحاديث عن بريدة وجابر وغيرهما في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء، والظاهر أن ذلك غير المذكور في هذه الآية، وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين، إن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن، وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع، وهو الفلك الأثير ويقال له: الأطلس، وقد رد ذلك عليهم آخرون وروى ابن جرير من طريق جويبر، عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش (^٣)، والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلّت على ذلك الآثار والأخبار، وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة، عن عمر في ذلك، وعندي في صحته نظر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض، ومن فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة وهو الغني الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه،\n_________\n(^١) في سنده القاسم بن محمد الثقفي وهو مجهول، ومحمد بن أبي السري: وهو صدوق له أوهام كثيرة (التقريب ص ٥٠٤).\n(^٢) أخرجه الضياء عن طريق أبي يعلى به (ح ١٥١)، وأخرجه ابن أبي عاصم (السنة ١/ ٢٥٢)، وأبو الشيخ (العظمة ح ١٩٣)، والبزار (كشف الأستار ح ٣٩، كلهم من طريق إسرائيل به. وقد حكم عليه الحافظ ابن كثير بالانقطاع بين عبد الله بن خليفة وعمر.\n(^٣) في سنده جويبر: وهو ابن سعيد الأزدي: متروك كما في التقريب.","vol":"2","page":249},{"text":"فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: (وهو الكبير المتعال) وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح، أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.\n\n<span id=\"aya-263\"></span>﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه (^١) بيّن واضح، جليّ دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًا.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تكون مقلاة (^٢)، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (^٣)، وقد رواه أبو داود والنسائي جميعًا عن بندار به، ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه. وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به (^٤)، وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم، أنها نزلت في ذلك.\nوقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد، عن ابن عباس قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف، يقال له: الحصين، كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي ﷺ: ألا استكرههما، فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله فيه ذلك، رواه ابن جرير (^٥). وروى السدي نحو ذلك، وزاد: وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتًا، فلما عزما على الذهاب معهم، أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله ﷺ أن يبعث في آثارهما، فنزلت هذه الآية (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، أخبرنا شَريك، عن أبي هلال، عن أُسق (^٧)، قال: كنت في دينهم مملوكًا نصرانيًا لعمر بن الخطاب، فكان يعرض علي الإسلام، فآبى،\n_________\n(^١) لفظ: \"فإنه \" سقط من الأصل.\n(^٢) المقلاة: المرأة التي لا يعيش لها ولد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) سنن أبي داود، الجهاد، باب في الأسير (ح ٢٦٨٢)، وتفسير ابن أبي حاتم وموارد الظمآن في زوائد ابن حبان (ح ١٧٢٥).\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق بلفظه، وفيه محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وابن إسحاق لم يصرح بالسماع بل عنعن. وسنده ضعيف.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن إلى السدي لكنه مرسل.\n(^٧) أُسَّق: بألف مضمومة وسين مشددة مفتوحة مولى عمر بن الخطاب مسكوت عنه (الطبقات الكبرى لابن سعد ٦/ ١٥٨).","vol":"2","page":250},{"text":"فيقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ويقول: يا أسق، لو أسلمت لاستعنَّا بك على بعض أمور المسلمين (^١).\nوقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء، أن هذه محمولة على أهل الكتاب، ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية (^٢)، وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال (^٣)، وإنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف، دين الإسلام، فإن أبى أحد منهم الدخول فيه، ولم ينقد له أن يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل، وهذا معنى الإكراه، قال الله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ [التوبة].\nوفي الصحيح: \"عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل\" (^٤) يعني: الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال، ثم بعد ذلك يسلمون، وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال لرجل: \"أسلم\"، قال: إني أجدني كارهًا، قال: \"وإن كنت كارهًا\" (^٥) فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل، فإنه لم يكرهه النبي ﷺ على الإسلام، بل دعاه إليه، فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له: أسلم وإن كنت كارهًا، فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص.\nوقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: من خلع الأنداد والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله فعبده وحده، وشهد أنه لا إله إلا هو ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريق المثلى، والصراط المستقيم.\nقال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو روح البلدي، حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن حسان، هو: ابن فائد العبسي قال: قال عمر ﵁: إن الجِبت: السحر، والطاغوت: الشيطان، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال، يقاتل الشجاع عمّن لا يعرف، ويفرّ الجبان عن أُمه، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه، وإن كان فارسيًا أو نبطيًا. وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي، عن عمر … فذكره (^٦)،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفيه أُسَّق، وشريك هو ابن عبد الله، وهو صدوق يخطئ كثيرًا وتغير كما في التقريب.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن قتادة ومقاتل بن حيان نحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي نحوه.\n(^٤) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، وسنده صحيح).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٨١).\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وأخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم عن عمر، وأخرجه ابن رسته في الإيمان من طريق أبي إسحاق به، وقال الحافظ ابن حجر: وإسناده قوي (فتح الباري ٨/ ٢٥٢).","vol":"2","page":251},{"text":"ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان، قوي جدًّا، فإنه يشمل كلَّ شرٍّ كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها، والاستنصار بها.\nوقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ أي: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم، هي في نفسها محكمة مبرمة قوية، وربطها قوي شديد، ولهذا قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا …﴾ الآية.\nقال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان (^١).\nوقال السدي: هو الإسلام (^٢).\nوقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله (^٣).\nوعن أنس بن مالك: العروة الوثقى: القرآن (^٤).\nوعن سالم بن أبي الجعد قال: هو الحب في الله، والبغض في الله (^٥).\nوكل هذه الأقوال صحيحة، ولا تنافي بينها.\nوقال معاذ بن جبل في قوله: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ لا انقطاع لها دون دخول الجنة.\nوقال مجاهد وسعيد بن جبير: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا ابن عون، عن محمد بن قيس بن عباد، قال: كنت في المسجد، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فصلى ركعتين أوجز فيهما، فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله، فدخلت معه فحدثته، فلما استأنس، قلت له: إن القوم لما دخلت المسجد، قالوا: كذا وكذا، قال: سبحان الله، ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لِمَ؟ إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ، قصصتها عليه، رأيت كأني في روضة خضراء. قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها - وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلى عروة، فقيل لي: اصعد عليه، فقلت: لا أستطيع، فجاءني منصف - قال ابن عون: هو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي، فقال: اصعد، فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك بالعروة، فاستيقظت وإنها لفي يدي، فأتيت رسول الله ﷺ، فقصصتها عليه فقال: \"أما الروضة، فروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام حتى تموت\" قال: وهو عبد الله بن سلام (^٧).\nأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون، فقمت إليه. وأخرجه البخاري من وجه\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٣) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا عن مغيرة بن حسان عن أنس بن مالك.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مخارق بن ثعلبة عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٥٢)، وسنده صحيح متفق عليه.","vol":"2","page":252},{"text":"آخر، عن محمد بن سيرين به (^١).\n(طريق أخرى وسياق آخر) قال الإمام أحمد: أنبأنا حسن بن موسى وعثمان، قالا: أنبأنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن المسيب بن رافع، عن خرشة بن الحرّ، قال: قدمت المدينة فجلست إلى أشيخةٍ في مسجد النبي ﷺ، فجاء شيخ يتوكأ على عصًا له، فقال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا. فقام خلف سارية فصلى ركعتين فقمت إليه فقلت له (^٢): قال بعض القوم: كذا وكذا، فقال: الجنة لله، يدخلها من يشاء، وإني رأيت على عهد رسول الله ﷺ رؤيا: كأن رجلًا أتاني فقال: انطلق، فذهبت معه فسلك بي منهجًا عظيمًا، فعرضت لي طريق عن يساري، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها، ثم عرضت لي طريق عن يميني، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق، فأخذ بيدي فزجل بي (^٣) فإذا أنا على ذروته فلم أتقارَّ (^٤) ولم أتماسك فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك فقلت: نعم، فضرب العمود برجله، فاستمسكت بالعروة، فقصصتها على رسول الله ﷺ فقال: \"رأيت خيرًا، أما المنهج العظيم فالمحشر، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام، فاستمسك بها حتى تموت\" قال: فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة، قال: وإذا هو عبد الله بن سلام (^٥)، وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن الحسن بن موسى الأشيب، كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه، وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحر الفزاري به (^٦).\n\n<span id=\"aya-264\"></span>﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾.\nيخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، وأن الكافرين إنما وليهم الشيطان، يزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ولهذا وحد تعالى لفظ النور، وجمع الظلمات لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة، [كما] (^٧) قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام] وقال تعالى:\n_________\n(^١) صحيح البخاري، المناقب، باب مناقب الأنصار (ح ٣٨١٢)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن سلام، الحديث الثاني.\n(^٢) لفظ: \"له\" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٣) في الأصل: \"فدحى بي\" والتصويب من صحيح مسلم والمسند ومعنى: زجل بي: أي رفع بي.\n(^٤) في الأصل بدون نقط.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣) وسنده حسن.\n(^٦) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن سلام (ح ٢٤٨٤).\n(^٧) لفظ: \"كما\" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).","vol":"2","page":253},{"text":"﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن ميسرة، حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، قال: يبعث أهل الأهواء، أو قال: تبعث أهل الفتن، فمن كان هواه الإيمان، كانت فتنته بيضاء مضيئة، ومن كان هواه الكفر، كانت فتنته سوداء مظلمة، ثم قرأ هذه الآية ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-265\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾.\nهذا الذي حاجَّ إبراهيم في ربه هو: ملك بابل نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ويقال: نمرود بن فالخ بن عابر (^٢) بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، والأول قول مجاهد وغيره (^٣)، قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود، وذو القرنين، والكافران: نمرود وبختنصر، والله أعلم.\nومعنى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: بقلبك يا محمد ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ أي: وجود ربه، وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره، كما قال بعده فرعون لملئه ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة، إلا تجبره، وطول مدته في الملك، وذلك أنه يقال: أنه مكث أربعمائة سنة في ملكه، ولهذا قال: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ وكان طلب من إبراهيم دليلًا، على وجود الربّ الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: إنما الدليل على وجوده، حدوث هذه الأشياء، المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار، ضرورة، لأنها لم تحدث بنفسها، فلا بد لها من موجد أوجدها، وهو الربّ الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاجّ - وهو النمرود -: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾.\nقال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي، وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين، قد استحقا القتل فآمر (^٤) بقتل أحدهما - فيقتل، وآمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل (^٥)، فذلك معنى الإحياء والإماتة - والظاهر والله أعلم - أنه ما أراد هذا لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم، ولا في معناه لأنه [غير] (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف وأيوب بن خالد: وهو لين، كما في التقريب.\n(^٢) في الأصل: \"عابد\" بالدال والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٤) لفظ: \"فآمر\" سقط من الأصل واستدرك من التخريج.\n(^٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٦) لفظ: \"غير\" سقط من الأصل واستدرك من (ح) و(حم).","vol":"2","page":254},{"text":"مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ولهذا قال له إبراهيم، لما ادَّعى هذه المكابرة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ أي: إذا كنت كما تدَّعي من أنك تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إِلهًا كما ادَّعيت تحيي وتميت، فأتِ بها من المغرب؟ فلما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام، بُهت، أي: إخرسَّ، فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا، بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد، وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين، إن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة ردية وليس كما قالوه، بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني، ويبيّن بطلان ما ادّعاه نمرود في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة.\nوقد ذكر السدي أن هذه المناظرة. كانت بين إبراهيم ونمرود بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم فجرت بينهما هذه المناظرة (^١).\nوروى عبد الرزاق عن معمر، عن زيد بن أسلم أن النمرود كان عنده طعام وكان الناس يفدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة، فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شيء من الطعام، فلما قرب من أهله، عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه، وقال: أشغل أهلي عني إذا قدمت عليهم، فلما قدم وضع رحاله، وجاء فاتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعامًا طيبًا، فعملت طعامًا، فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه، فقال: أنى لك هذا؟ قالت: من الذي جئت به، فعرف أنه رزق رزقهم الله ﷿. قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكًا، يأمره بالإيمان بالله، فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى ثم الثالثة فأبى، وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي، فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، وأرسل الله عليهم بابًا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك، فمكثت في منخري الملك أربعمائة سنة، عذبه الله بها، فكان يضرب برأسه بالمرازب في هذه المدة، حتى أهلكه الله بها (^٢).\n\n<span id=\"aya-266\"></span>﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾.\nتقدم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو في قوة قوله: هل\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بنحوه بالسند المتقدم عن السدي.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"2","page":255},{"text":"رأيت مثل الذي حاجَّ إبراهيم في ربه، ولهذا عطف عليه بقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ اختلفوا في هذا المارّ من هو؟ فروى ابن أبي حاتم، عن عصام بن رواد، عن آدم بن أبي إياس، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي بن أبي طالب، أنه قال: هو عُزير (^١). ورواه ابن جرير عن ناجية نفسه، وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بُريدة (^٢)، وهذا القول هو المشهور.\nوقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير: هو أرميا بن حلقيا (^٣).\nقال محمد بن إسحاق، عمّن لا يتهم عن وهب بن منبه، أنه قال: هو اسم الخضر ﵇ (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: سمعت سليمان بن محمد السياري الجاري من أهل الجاري ابن عم مطرف، قال: سمعت سلمان يقول: إن رجلًا من أهل الشام يقول: إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه حزقيل بن بورا (^٥).\nوقال مجاهد بن جبر: هو رجل من بني إسرائيل (^٦).\n([وذكر غير واحد أنه مات وهو ابن أربعين سنة؛ فبعثه الله وهو كذلك، وكان له ابن، فبلغ من السن مائة وعشرين سنة، وبلغ ابن ابنه تسعين وكان الجدُّ شابًا وابنه وابن ابنه شيخان كبيران قد بلغا الهرم، وأنشدني به بعض الشعراء:\nواسوَدّ رأس شاب من قبل ابنه … ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر\nيرى أنه شيخًا يدبُّ علي عصا … ولحيته سوداء والرأس أشعر\nوما لابنه حبل ولا فضل قوة … يقوم كما يمشي الصغير فيعثر\nوعمر ابنه أربعون أمرها … ولابن ابنه في الناس تسعين غبر]) (^٧)\nوأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس، مرّ عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ أي: ليس فيها أحد، من قولهم: خوت الدار، تخوي خويًا.\n- وقوله: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها، فوقف متفكرًا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة، وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وذلك لما رآى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ قال: وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، وتراجع بنو إسرائيل إليها، فلما بعثه الله ﷿ بعد موته، كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلي صنع الله فيه: كيف يحيي بدنه، فلما استقل سويًا (قال) الله له، أي بواسطة الملك: ﴿كَمْ لَبِثْتَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم مشده ومتنه، وسنده حسن وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٨٢).\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٣) قول وهب بن منبه ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عبد الله بن عبيد بن عمير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق قيس بن الربيع عنه.\n(^٤) سنده ضعيف لإبهام شيخ ابن إسحاق.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده شيخ سليمان: مبهم.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٧) هذا النص زيادة من نسخة (ح).","vol":"2","page":256},{"text":"قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قال: وذلك أنه مات أول النهار، ثم بعثه الله في آخر النهار، فلما رأى الشمس باقية ظنَّ أنها شمس ذلك اليوم، فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وذلك أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير، فوجده كما تقدم لم يتغيَّر منه شيء، لا العصير استحال، ولا التين حمض ولا أنتن، ولا العنب تعفن ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ أي: كيف يحييه الله ﷿، وأنت تنظر ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: دليلًا على المعاد ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ أي: نرفعها، فيركب بعضها على بعض. وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث نافع بن أبي نُعيم، عن إسماعيل بن حكيم، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي. ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^١) (^٢). وقرئ \"نُنشِرُها\" (^٣) أي: نحييها، قاله مجاهد (^٤): ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.\nوقال السدي وغيره: تفرقت عظام حماره حوله يمينًا ويسارًا، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحًا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حمارًا قائمًا من عظام لا لحم عليها، ثم كساها الله لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا، وبعث الله ملكًا فنفخ في منخري الحمار، فنهق بإذن الله ﷿ (^٥)، وذلك كله بمرأى من العزيز، فعند ذلك لما تبين له هذا كله ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: أنا عالم بهذا، وقد رأيته عيانًا، فأنا أعلم أهل زماني بذلك، وقرأ آخرون: (قال اعلم) على أنه أمر له بالعلم.\n\n<span id=\"aya-267\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾.\nذكروا لسؤال إبراهيم ﵇، أسبابًا، منها: أنه لما قال لنمرود: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أحب أن يترقى من علم اليقين بذلك، إلي عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ﴾ فأما الحديث الذي رواه البخاري عند هذه الآية: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وسعيد، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ \" (^٦). وكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى، عن وهب به (^٧)، فليس المراد ههنا بالشك، ما\n_________\n(^١) في الأصل: \"صحيح\" وباقي العبارة استدركت من المستدرك.\n(^٢) المستدرك ٢/ ٢٣٤، وهي قراءة متواترة، وقد تعقبه الذهبي أن إسماعيل بن قيس من ولد زيد بن ثابت ضعفوه. وإسماعيل هذا يرويه عن نافع بن أبي نعيم به.\n(^٣) وهي قراءة متواترة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] ح ٤٥٣٧).\n(^٧) صحيح مسلم، الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب (ح ١٥١).","vol":"2","page":257},{"text":"قد يفهمه من لا علم عنده بلا خلاف، وقد أُجيب عن هذا الحديث بأجوبة أحدها (^١).\nوقوله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ اختلف المفسرون في هذه الأربعة ما هي، وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك مهم لنصَّ عليه القرآن، فروي عن ابن عباس، أنه قال: هي الغرنوق والطاوس والديك والحمامة، وعنه أيضًا أنه أخذ وزًا ورألًا وهو فرخ النعام، وديكًا وطاوسًا (^٢). وقال مجاهد وعكرمة: كانت حمامة وديكًا وطاوسًا وغرابًا (^٣).\nوقوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي: قطعهن، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو الأسود الديلي ووهب بن منبه والحسن والسدي وغيرهم (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أوثقهن (^٥)، فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير، فذبحهن ثم قطعهن ونتف ريشهن ومزقهن وخلط بعضهن ببعض، ثم جزأهن أجزاء، وجعل على كل جبل منهن جزءًا، قيل: أربعة أجبل، وقيل: سبعة، قال ابن عباس: وأخذ رؤوسهن بيده ثم أمره الله ﷿ أن يدعوهنَّ، فدعاهنَّ كما أمره الله ﷿، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللَّحم إلى اللَّحم، والأجزاء من كل طائر، يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين سعيًا ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم ﵇، فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جسده بحول الله وقوته، ولهذا قال: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزيز لا يغلبه شيء، ولا يمتنع من شيء، وما شاء كان بلا ممانع، لأنه العظيم القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب في قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قال: قال ابن عباس: ما في القرآن آية أرجى عندي منها (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت زيد بن علي يحدث، عن رجل، عن سعيد بن المسيب قال: اتعد عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص أن يجتمعا قال: ونحن شيبة. فقال أحدهما لصاحبه: أي آية في كتاب الله أرجى عندك لهذه الأُمة؟ فقال عبد الله بن عمرو: قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا …﴾ الآية [الزمر: ٥٣]، فقال ابن عباس: أما إن كنتَ تقول هذا، فأنا أقول: أرجى منها لهذه الأُمة، قول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي\n_________\n(^١) بعد هذه الفقرة بياض في جميع النسخ.\n(^٢) الرواية الأولى لم تثبت عن ابن عباس، أخرجها ابن أبي حاتم من طريق فيه بشر بن عمارة وهو ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس.\nوأما الرواية الثانية فأخرجها ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف.\n(^٦) في سنده أيوب السختياني لم يسمع من ابن عباس.","vol":"2","page":258},{"text":"كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني محمد بن أبي سلمة، حدثني ابن المنكدر أنه قال: التقى عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص: أي آية في القرآن أرجى عندك؟ فقال عبد الله بن عمرو: قول الله ﷿: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا …﴾ الآية [الزمر: ٥٣]، فقال ابن عباس: لكن أنا أقول: قول الله ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ فرضي من إبراهيم قوله: ﴿بَلَى﴾، قال: فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان (^٢). وهكذا رواه الحاكم في المستدرك عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأحزم، عن إبراهيم بن عبد الله السعدي، عن بشر بن عمر الزهراني، عن عبد العزيز بن أبي سلمة بإسناده مثله، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٣).\n\n<span id=\"aya-268\"></span>﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾.\nهذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nقال سعيد بن جبير: يعني في طاعة الله (^٤).\nوقال مكحول: يعني به الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك (^٥). وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: الجهاد والحج يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف (^٦).\nولهذا قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينمِّيها الله ﷿ لأصحابها، كما ينفي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة، وقد وردت السّنّة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف.\nقال الإمام أحمد: حدثنا زياد بن الربيع أبو خداش، حدثنا واصل مولى ابن عيينة، عن بشار بن أبي سيف الجرمي، عن عياض بن غطيف، قال: دخلنا على أبي عبيدة نعوده من شكوى أصابته، وامرأته تُحيفَة قاعدة عند رأسه، قلنا: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: والله لقد\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده رجل مبهم، ويتقوى بالرواية التالية.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) المستدرك ٢/ ٦٠، وصححه وقال الذهبي: فيه انقطاع.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق صبيح مولى بني مروان عنه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شبيب به.","vol":"2","page":259},{"text":"بات بأجر. قال أبو عبيدة: ما بتّ بأجر، وكان مقبلًا بوجهه على الحائط، فأقبل على القوم بوجهه وقال: ألا تسألوني عما قلت؟ قالوا: ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضًا أو أماط أذى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله ﷿ ببلاء في جسده فهو له حطة\" (^١). وقد روى النسائي في الصوم بعضه من حديث واصل به، ومن وجه آخر موقوفًا (^٢).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سليمان، سمعت أبا عمرو الشيباني، عن ابن مسعود أن رجلًا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ: \"لتأتين يوم القيامة بسعمائة ناقة مخطومة\" (^٣) ورواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن مهران عن الأعمش به، ولفظ مسلم: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال: \"لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة\" (^٤).\n(حديث آخر) قال أحمد: حدثنا عمرو بن مجمع أبو المنذر الكندي، أخبرنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله جعل حسنة ابن آدم إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم والصوم لي، وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: [فرحة عند إفطاره، وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\" (^٥).\n(حديث آخر) قال أحمد: أخبرنا وكيع، أخبرنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل عملُّ ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، يقول: الله إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي، وللصائم فرحتان] (^٦): فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جنة، الصوم جنة\" (^٧)، وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي سعيد الأشج كلاهما عن وكيع به (^٨).\n(حديث آخر) قال أحمد: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين، عن يُسَيْر (^٩) بن عميلة، عن خريم بن فاتك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أنفق نفقة في سبيل الله، تضاعف\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٩٥)، وفي سنده بشار بن أبي سيف: مقبول، كما في التقريب ١/ ٩٧، وله شاهد في سنن النسائي من حديث أبي هريرة صححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٢٠٩٢).\n(^٢) سنن النسائي، الصيام، باب فضل الصيام ٤/ ١٦٧ - ١٦٨.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٢١)، وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، الإمارة، باب فضل الصدقة في سبيل الله (ح ١٨٩٢).\n(^٥) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٢٩٠)، وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٧٧)، وسنده صحيح.\n(^٨) صحيح مسلم، الصيام، باب فضل الصيام (ح ١٦١).\n(^٩) في الأصل و(عف): \"بشير\" والتصويب من المسند وترجمة يُسير بن عميلة.","vol":"2","page":260},{"text":"بسبعمائة ضعف\" (^١).\n(حديث آخر) قال أبو داود: أنبأنا محمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن أيوب وسعيد بن أبي أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف\" (^٢).\n(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: أنبأنا أبي، حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان، حدثنا ابن أبي فديك، عن الخليل بن عبد الله، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن رسول الله ﷺ، قال: \"من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعمائة درهم يوم القيامة، ومن غزا في سبيل الله وأنفق في جهة ذلك، فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم، ثم تلا هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣)، وهذا حديث غريب، وقد تقدم حديث أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة في تضعيف الحسنة إلى ألفي ألف حسنة، عند قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً …﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥].\n(حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن عبيد الله بن العسكري البزاز، أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب، أخبرنا محمود بن خالد الدمشقي، أخبرنا أبي عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر: لما نزلت هذه الآية ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال النبي ﷺ: \"ربِّ زِد أمتى\" قال: فأنزل الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال: \"رب زد أمتي\" قال: فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٤) [الزمر: ١٠]، وقد رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن حاجب بن أركين، عن أبي عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز المقري، عن أبي إسماعيل المؤدب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر … فذكره (^٥).\nوقوله (^٦) ههنا: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بحسب إخلاصه في عمله ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: فضله واسع كثير أكثر من خلقه، عليم بمن يستحق ومن لا يستحق، سبحانه وبحمده.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٤٥)، وأخرجه الترمذي من طريق الركين به، وحسنه (السنن، فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله ح ١٦٢٥)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٣٢٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في تضعيف الذكر في سبيل الله تعالى ح ٣٤٩٨). وفي سنده زبان بن فائد وهو ضعيف (التقريب ص ٢١٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الخليل بن عبد الله: وهو مجهول (التقريب)، وقال الذهبي: لا يعرف (ميزان الاعتدال ١/ ٦٦٧).\n(^٤) في سنده عيسى بن المسيب: وهو ضعيف (الجرح والتعديل ٢/ ١٥٧، والتقريب ١/ ٦٥).\n(^٥) موارد الظمآن في زوائد ابن حبان (ح ١٦٤٨). وفي سنده أيضًا عيسى بن المسيب.\n(^٦) لفظ: \"قوله\" في الأصل بياض.","vol":"2","page":261},{"text":"<span id=\"aya-269\"></span>﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾.\nيمدح ﵎ الذين ينفقون في سبيله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منًا على من أعطوه، فلا يمنّون به على أحد، ولا يمنون به لا بقول ولا بفعل.\nوقوله: ﴿وَلَا أَذًى﴾ أي: لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروهًا يحبطون به ما سلف من الإحسان، ثم وعدهم الله تعالى الجزاء الجزيل على ذلك، فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: ثوابهم على الله لا على أحد سواه ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: على ما خلفوه من الأولاد، ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها لا يأسفون عليها، لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك.\n\n<span id=\"aya-270\"></span>\n\n<span id=\"aya-271\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: من كلمة طيبة ودعاء لمسلم ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: عفو وغفر عن ظلم قولي أو فعلي ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن فضيل، قال: قرأت على معقل بن عبد الله، عن (^١) عمرو بن دينار، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ: \"ما من صدقة أحبّ إلى الله من قول معروف (^٢)، ألم تسمع قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ \" (^٣).\n﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن خلقه، ﴿حَلِيمٌ﴾ أي: يحلم ويغفر ويصفح ويتجاوز عنهم، وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في الصدقة، ففي صحيح مسلم من حديث شعبة، عن الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحرّ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنَّان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب\" (^٤).\nوقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، أخبرنا عثمان بن محمد الدوري، أخبرنا هشيم بن خارجة، أخبرنا سليمان بن عقبة، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة عاق، ولا منّان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر\" (^٥)، وروى أحمد وابن ماجه من حديث يونس بن ميسرة نحوه (^٦). ثم روى ابن مردويه وابن\n_________\n(^١) في الأصل: \"بن\" والصويب من (عف) و(ح) والتخريج.\n(^٢) لفظ: \"معروف\" سقط من الأصل واستدرك كسابقه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف مرسل.\n(^٤) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار .. (ح ١٠٦).\n(^٥) لبعضه شاهد تقدم في صحيح مسلم.\n(^٦) المسند ٦/ ٤٤١، وسنن ابن ماجه مختصرًا من طريق يونس بن ميسره به، كتاب الأطعمة، باب مدمن الخمر (ح ٣٣٧٦)، وحسنه البوصيري، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٧٢١).","vol":"2","page":262},{"text":"حبان والحاكم في مستدركه، والنسائي من حديث عبد الله بن يسار الأعرج، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن خمر، والمنَّان بما أعطى\" (^١)، وقد روى النسائي، عن مالك بن سعد، عن عمه روح بن عبادة، عن عتاب بن بشير، عن خُصيف الجزري، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه، ولا منَّان\" (^٢).\nوقد رواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن المنهال، عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، عن عتّاب، عن خُصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس (^٣)، ورواه النسائي من حديث عبد الكريم بن مالك الجزري (^٤)، عن مجاهد قوله، وقد روي عن مجاهد، عن أبي سعيد، وعن مجاهد، عن أبي هريرة نحوه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المنِّ والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المنِّ والأذى، ثم قال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه، ولهذا قال: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه.\nقال الضحاك: والذي يتبع نفقته منًا أو أذى، فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وهو جمع صفوانة، فمنهم من يقول: الصفوان يستعمل مفردًا أيضًا وهو الصفا وهو الصخر الأملس، ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أي: فترك الوابل ذلك الصفوان صلدًا أي: أملس يابسًا، أي لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي: وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب، ولهذا قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-272\"></span>﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾.\nوهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة الله عنهم في ذلك، ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: وهم متحققون متثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، ونظير هذا في معنى قوله ﵇ في الحديث الصحيح المتفق على صحته: \"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا\" (^٥) أي: يؤمن أن الله شرعه ويحتسب عند الله ثوابه.\n_________\n(^١) المستدرك ٤/ ١٤٦ - ١٤٧، وصححه ووافقه الذهبي.\n(^٢) في سنده خُصيف الجزري: وهو صدوق سيء الحفظ، خلط بآخره (التقريب ص ١٩٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه أيضًا خُصيف.\n(^٤) فيه متابعة عبد الكريم لخُصيف.\n(^٥) صحيح البخاري، الصوم، باب من صام رمضان إيمانا واحتسابًا (ح ١٩٠١)، وصحيح مسلم، الصيام، باب الترغيب في قيام رمضان (ح ٧٦٠).","vol":"2","page":263},{"text":"قال الشعبي: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي تصديقًا ويقينًا (^١)، وكذا قال قتادة وأبو صالح وابن زيد (^٢)، واختاره ابن جرير.\nوقال مجاهد والحسن: أي يتثبتون أين يضعون صدقاتهم (^٣).\nوقوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾، وهو عند الجمهور: المكان المرتفع من الأرض، وزاد ابن عباس والضحاك وتجري فيه الأنهار (^٤).\nقال ابن جرير ﵀: وفي الربوة ثلاثة لغات: هن ثلاث قراءات: بضم الراء، وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق، وفتحها وهي قراءة بعض أهل الشام، والكوفة، ويقال: إنها لغة تميم، وكسر الراء، ويذكر أنها قراءة ابن عباس (^٥).\nوقوله: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد، كما تقدم، فآتت ﴿أُكُلَهَا﴾ أي: ثمرتها ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي: بالنسبة إلى غيرها من الجنان ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ قال الضحاك: هو الرذاذ وهو: اللَّين من المطر (^٦)، أي: هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدًا، لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأيًا ما كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدًا، بل يتقبله الله ويكثره وينميه كل عامل بحسبه، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء.\n\n<span id=\"aya-273\"></span>﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾.\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام هو: ابن يوسف، عن ابن جريج، سمعت عبد الله بن أبي مليكة، يحدث عن ابن عباس، وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عمير، قال: قال عمر بن الخطاب يومًا لأصحاب النبي ﷺ: فيمن ترون هذه الآية نزلت؟ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس ﵄: ضربت مثلًا بعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي موسى الأسدي عن الشعبي، ويشهد له قول قتادة وأبي صالح وابن زيد كما يليه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن عن قتادة بلفظ: \"ثقة من أنفسهم\"، وأخرجه أيضًا بسند صحيح عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بلفظ: \"يقينا من أنفسهم\".\n(^٣) قول مجاهد أخرجه وابن أبي حاتم بسنده صحيح من طريق عثمان بن الأسود عنه، وقول الحسن ذكره ابن أبي حاتم وأخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن عباس والضحاك بلفظ: \"ولا تجري فيه الأنهار\".\n(^٥) ذكره الطبري في تفسيره وقراءة الضم والفتح متواترتان، وقراءة الكسر شاذة (الشواذ لابن خالويه ص ٢٣)، وما ورد عن ابن عباس أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٨٣).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.","vol":"2","page":264},{"text":"الشيطان فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله (^١). ثم رواه البخاري عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج … فذكره، وهو من أفراد البخاري ﵀، وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولًا ثم بعد ذلك انعكس سيره فبدل الحسنات بالسيئات عياذًا بالله من ذلك، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل منه شيء وخانه أحوج ما كان إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ وهو الريح الشديد ﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ أي: أحرق ثمارها وأباد أشجارها، فأي حال يكون حاله؟\nوقد روى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس، قال: ضرب الله مثلًا حسنًا وكل أمثاله حسن، قال: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ يقول: صنعه في شيبته ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ وولده وذريته ضعاف عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار فاحترق بستانه، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه، وكذلك الكافر يكون يوم القيامة إذا ردّ إلى الله ﷿، ليس له خير فيستعتب، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه، ولا يجده قدم لنفسه خيرًا يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده، وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنته عندما كان أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته (^٢). وهكذا روى الحاكم في مستدركه أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه: \"اللَّهم اجعل أوسع رزقك على عند كبر سني وانقضاء عمري\" (^٣)، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني وتنزلونها على المراد منها. كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾.\n\n<span id=\"aya-274\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾.\nيأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق والمراد به الصدقة ههنا، قاله ابن عباس: من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها (^٤).\nقال مجاهد: يعني التجارة (^٥). بتيسيره إياها لهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ …﴾ [البقرة: ٢٦٦] ح ٤٥٣٨).\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.\n(^٣) أخرجه الحاكم من طريق عيسى بن ميمون عن القاسم بن محمد عن عائشة مرفوعًا، المستدرك ١/ ٥٤٢، وحسنه الحاكم، وتعقبه الذهبي بأنّ عيسى متهم.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"تصدقوا من أطيب أموالكم وأنفسه\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"2","page":265},{"text":"وقال علي والسدي: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعني: الذهب والفضة، ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض (^١)، قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه (^٢)، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: تقصدوا الخبيث ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون، وقيل: معناه ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي: لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام فتجعلوا نفقتكم منه، ويذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد، حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه\" قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: \"غشه وظلمه، ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث\" (^٣).\nوالصحيح القول الأول، قال ابن جرير ﵀: حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي، حدثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁، في قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ …﴾ الآية، قال: نزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل (^٤) أخرجت من حيطانها البسر فعلقوه على حبل، بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ، فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف (^٥) فيدخله مع أقناء البسر (^٦)، يظن أن ذلك جائز، فأنزل الله فيمن فعل ذلك ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، ثم رواه ابن جرير وابن ماجه وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من طريق السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بنحوه، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن\n_________\n(^١) قول علي بن أبي طالب أخرجه الطبري بسند ضعيف، فيه أبو بكر الهذلي وهو متروك (التقريب ص ٦٢٥)، بلفظ: \"من الحب والثمر كل شيء عليه زكاة\"، وقول السدي: أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه بلفظ: \"من الذهب والفضة\".\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٨٧)، ورجاله ثقات إلا الصباح بن محمد: وهو ضعيف.\n(^٤) جذاذ النخل: أي قطعه.\n(^٥) الحشف: اليابس الفاسد من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له (النهاية ١/ ٣٩١).\n(^٦) البسر أوله طلع ثم خَلَال ثم بسر ثم رطب (مختار الصحاح ص ٥١).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن ماجه من طريق عمرو العنقزي به (السنن، الزكاة، باب النهي أن يخرج في الصدقة شر ماله ح ١٨٢٢)، وصححه البوصيري (مصباح الزجاجة ح ٦٥٥)، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٤٧٥)، وأخرجه الحاكم من طريق عمرو به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٨٥).","vol":"2","page":266},{"text":"أبي مالك، عن البراء ﵁، ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: نزلت فينا، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقنو فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاء فضربه بعصاه فسقط منه البسر والتمر، فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو (^١) الحشف والشيص (^٢)، فيأتي بالقنو قد انكسر فيعلقه، فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده (^٣).\nوكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله هو ابن موسى العبسي، عن إسرائيل، عن السدي، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، عن أبي مالك الغفاري واسمه غزوان، عن البراء … فذكر نحوه، ثم قال: وهذا حديث حسن غريب [صحيح] (^٤) (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ، نهى عن لونين من التمر الجعرور (^٦) ولون الحبيق (^٧)، وكان الناس يتيممون شرار ثمارهم، ثم يخرجونها في الصدقة، فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (^٨).\nورواه أبو داود من حديث سفيان بن حسين عن الزهري، ثم قال: أسنده أبو الوليد عن سليمان بن كثير، عن الزهري، ولفظه نهى رسول الله ﷺ عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذ في الصدقة (^٩)، وقد روى النسائي هذا الحديث من طريق عبد الجليل بن حميد اليحصبي، عن الزهري، عن أبي أُمامة، ولم يقل: عن أبيه، فذكر نحوه، وكذا رواه ابن وهب، عن عبد الجليل (^١٠).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن معقل، في هذه الآية ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال: كسب المسلم لا يكون خبيثًا، ولكن لا يصدق بالحشف والدرهم الزيف وما لا خير فيه (^١١).\n_________\n(^١) القنو: العِذق بما فيه من الرطب (النهاية ٤/ ١١٦).\n(^٢) الشيص: التمر الذي لا يشتد نواه ويقوى (النهاية ٢/ ٥١٨).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن وسيأتي تخريجه.\n(^٤) لفظ: \"صحيح\" أضيف من سنن الترمذي.\n(^٥) السنن، تفسير سورة البقرة (ح ٢٩٨٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٨٩).\n(^٦) الجعرور: نوع من التمر صغار لا ينتفع به (لسان العرب ٤/ ١٤١).\n(^٧) الحبيق: ضرب من الدقل رديء. وهو مصغر وهو نوع من التمر رديء (لسان العرب ١٠/ ٣٨).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وقد تُكلم في رواية سليمان بن كثير (تهذيب التهذيب ٤/ ٣١٥)، وقد تابعه سفيان بن حسين واليحصبي كما سيأتي.\n(^٩) سنن أبي داود، الزكاة، باب ما لا يجوز من التمرة في الصدقة (ح ١٦٠٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٤١٨).\n(^١٠) سنن النسائي، الزكاة، قوله ﷿: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ٥/ ٤٣، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٢٣٣٦).\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق جرير به.","vol":"2","page":267},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن حماد هو: ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: أتى رسول الله ﷺ بضب، فلم يأكله ولم ينه عنه، قلت: يا رسول الله، نطعمه المساكين؟ قال: \"لا تطعموهم مما لا تأكلون\" (^١). ثم رواه عن عفان، عن حماد بن سلمة به، فقلت: يا رسول الله، ألا أطعمه المساكين؟ قال: \"لا تطعموهم مما لا تأكلون\".\nوقال الثوري: عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك، لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه، رواه ابن جرير (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم، لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، قال: فذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟ رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير (^٣)، وزاد: وهو قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^٤) [آل عمران: ٩٢]، ثم روي عن طريق العوفي وغيره، عن ابن عباس، نحو ذلك (^٥)، وكذا ذكر غير واحد.\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي: وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها، فهو غني عنها، وما ذاك إلا أن يساوي الغني الفقير، كقوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] وهو غني عن جميع خلقه وجميع خلقه فقراء إليه، وهو واسع الفضل، لا ينفد ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب، فليعلم أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، ويجزيه بها، ويضاعفها له أضعافًا كثيرة، من يقرض غير عديم ولا ظلوم، وهو الحميد؛ أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.\n\n<span id=\"aya-275\"></span>وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مُرَّة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة (^٦) الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملَك فإيعاد بالخير والتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان\" ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا …﴾ الآية (^٧)، وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننهما جميعًا،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، ورجاله ثقات إلا حماد بن أبي سليمان الأشعري وهو صدوق له أوهام كما في التقريب، والنصف الأول من الحديث له شواهد في الصحيحين، في صحيح البخاري، كتاب الصيد، باب الضب، وصحيح مسلم، الصيد، باب إباحة الضب.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) هذه الزيادة وردت في الطبري.\n(^٥) أخرجه الطبري بعد رواية علي بن أبي طلحة.\n(^٦) لمة الشيطان: همه وخطره في القلب (النهاية ٤/ ٢٧٣).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، والرواية الآتية الموقوفة على ابن مسعود أصح.","vol":"2","page":268},{"text":"عن هناد بن السري. وأخرجه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى الموصلي، عن هناد به، وقال الترمذي: حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص، يعني: سلام بن سليم، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديثه (^١)، كذا قال: وقد رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن رسته، عن هارون الفروي، عن أبي ضمرة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود مرفوعًا نحوه ولكن رواه مسعر عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن ابن مسعود، فجعله من قوله، والله أعلم، ومعنى قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ أي: يخوفكم الفقر لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء ﴿وَفَضْلًا﴾ أي: في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-276\"></span>وقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله (^٢).\nوروى جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعًا \"الحكمة: القرآن\" يعني: تفسيره، قال ابن عباس: فإنه قد (^٣) قرأه البر والفاجر، رواه ابن مردويه (^٤).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالحكمة: الإصابة في القول (^٥).\nوقال ليث بن أبي سُليم (^٦)، عن مجاهد: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن (^٧).\nوقال أبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة (^٨).\nوقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان بن زفر الجهني، عن أبي عمار الأسدي، عن ابن مسعود مرفوعًا: \"رأس الحكمة مخافة الله\" (^٩).\nوقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة: الكتاب والفهم.\nوقال إبراهيم النخعي: الحكمة: الفهم (^١٠).\nوقال أبو مالك: الحكمة السنة (^١١).\n_________\n(^١) سنن الترمذي، التفسير (ح ٩٨٨)، وتفسير النسائي (ح ٧١)، ومسند أبي يعلى ٨/ ٤١٧ (ح ٤٩٩٩)، والإحسان ٣/ ٢٧٨ (ح ٩٩٧)، وضعفه الألباني في ضعيف (ح ٥٧٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الثابت عن علي به.\n(^٣) لفظ: \"قد\" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٤) في سنده جويبر: وهو ابن سعيد الأزدي متروك.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الثوري عن ابن أبي نجيح به.\n(^٦) في الأصل: \"ليث عن أبي سليم\" وهو تصحيف.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف ليث به.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.\n(^٩) في سنده بقية لم يصرح بالسماع، وعثمان بن زفر الجهني مجهول (التقريب ص ٣٨٣).\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه أبو حمزة ميمون القصاب وهو ضعيف كما في التقريب.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق السدي عنه.","vol":"2","page":269},{"text":"وقال ابن وهب، عن مالك، قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل، قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلًا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه بصيرًا به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة: الفقه في دين الله (^١).\nوقال السدي: الحكمة النبوة (^٢).\nوالصحيح أن الحكمة كما قال الجمهور: لا تختص بالنبوة بل هي أعمُّ منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخصّ، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، كما جاء في بعض الأحاديث: \"من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه\" رواه وكيع بن الجراح في تفسيره، عن إسماعيل بن رافع، عن رجل لم يسمه، عن عبد الله بن عمرو (^٣)، قوله. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويزيد، قالا: حدثنا إسماعيل - يعني: ابن أبي خالد - عن قيس وهو ابن أبي حازم، عن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: \"لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها\" (^٤). وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة عن إسماعيل أبي خالد به (^٥).\nوقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لبٌّ وعقل، يعي به الخطاب ومعنى الكلام.\n\n<span id=\"aya-277\"></span>﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾.\nيخبر تعالى بأنَّه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه ورجاء موعوده، وتوعد من لا يعمل بطاعته، بل خالف أمره، وكذب خبره، وعبد معه غيره، فقال: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي: يوم القيامة ينقذونهم من عذاب الله ونقمته.\n\n<span id=\"aya-278\"></span>وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي: إن أظهرتموها فنعم شيء هي.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية، وقال رسول الله ﷺ: \"الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي الطاهر أحمد بن عمرو عن ابن وهب به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) سنده ضعيف بسبب الرجل المبهم.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤٣٢)، وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة (ح ٧٣)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (ح ٨١٦).","vol":"2","page":270},{"text":"بالقرآن كالمسر بالصدقة\" (^١)، والأصل أن الإسرار أفضل لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظلَّ إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، قال: \"لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها، فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يا ربِّ هل في خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم الريح؟ قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله\" (^٣).\nوقد ذكرنا في فضل آية الكرسي عن أبي ذرّ، قال: قلت: يا رسول الله، [أي الصدقة أفضل] (^٤)؟ قال: \"سر إلى فقير أو جهد من مقلّ\" رواه أحمد (^٥)، ورواه ابن أبي \"حاتم من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، عن أُبي أمامة، عن أبي ذرّ … فذكره وزاد: ثم نزع في هذه الآية ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ …﴾ الآية (^٦).\nوفي الحديث المروي: \"صدقة السر تطفئ غضب الربِّ ﷿ \" (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد المحاربي مؤدب محارب، أنا موسى بن عمير، عن عامر الشعبي في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال: أنزلت في أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما -، أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: \"ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟ \" قال: خلفت لهم نصف مالي، وأما أبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه، حتى دفعه إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: \"ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟ \" فقال: عدة الله\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا، قال: حسن غريب (السنن، فضائل القرآن ح ٢٩١٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٣١).\n(^٢) صحيح البخاري، الآذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (ح ٦٦٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة (ح ١٠٣١).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٢٤)، أخرجه الترمذي من طريق يزيد بن هارون به، ثم قال؛ هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (السنن، التفسير ح ٣٣٦٩).\n(^٤) ما بين قوسين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٥) المسند ٥/ ١٧٨، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٨٢).\n(^٦) في سنده علي بن يزيد الألباني صاحب القاسم: وهو ضعيف (التقريب ص ٤٠٦).\n(^٧) أخرجه الطبراني من طريق علي بن يزيد به (المعجم الكبير ٨/ ٢٦٩)، وسنده كسابقه.","vol":"2","page":271},{"text":"وعدة رسوله، فبكى عمر ﵁ وقال: بأبي أنت وأُمي يا أبا بكر، والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنتَ سابقًا (^١).\nوهذا الحديث روي من وجه آخر عن عمر ﵁، وإنما أوردناه ههنا لقول الشعبي: إن الآية نزلت في ذلك، ثم إن الآية عامة في أن إخفاء الصدقة أفضل، سواء كانت مفروضة أو مندوبة، لكن روى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسيره هذه الآية، قال: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، فقال: بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، فقال: بخمسة وعشرين ضعفًا (^٢).\nوقوله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: بدل الصدقات ولا سيما إذا كانت سرًا، يحصل لكم الخير في رفع الدرجات ويكفر عنكم السيئات وقد قرئ: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ بالضم، وقرئ: ويكفرْ بالجزم عطفًا على محل جواب الشرط وهو قوله: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ كقوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠]، ﴿وَأَكُنْ﴾.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه من ذلك شيء وسيجزيكم عليه.\n\n<span id=\"aya-279\"></span>﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾.\nقال أبو عبد الرحمن النسائي: أنبأنا محمد بن عبد السلام بن عبد الرحيم، أنبأنا الفريابي، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا (^٣) لأنسابهم من المشركين، فسألوا فرخص لهم، فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ (^٤). وكذا رواه أبو حذيفة وابن المبارك وأبو أحمد الزبيدي وأبو داود الحفري (^٥) عن سفيان، وهو الثوري به.\nوقال ابن أبي حاتم: أنبأنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن - يعني:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه موسى بن عمير القرشي، وهو متروك كما في التقريب، فالإسناد ضعيف جدًّا.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده الثابت عنه بلفظه.\n(^٣) رضخ له من ماله: أعطاه القليل منه.\n(^٤) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ح ٧٢)، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٥٦، ١٥٧).\n(^٥) في الأصل: \"الحيري\" والتصويب من (عف) و(ح).","vol":"2","page":272},{"text":"الدشتكي -، حدثني أبي، عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ …﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين (^١).\nوسيأتي عند قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ …﴾ الآية [الممتحنة: ٨]، حديث أسماء بنت الصديق في ذلك.\nوقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] ونظائرها في القرآن كثيرة.\nوقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله (^٢).\nوقال عطاء الخراساني: يعني إذا عطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله (^٣). وهذا معنى حسن وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله، فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب برّ أو فاجر أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ …﴾ والحديث المخرج في الصحيحين من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال رجل: لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية، فقال: اللَّهم لك الحمد على زانية، لأتصدقنَّ الليلة بصدقة فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، قال: اللَّهم لك الحمد على غني، لأتصدقنَّ الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: اللَّهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعفف بها عن زنا، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعفّ بها عن سرقته\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-280\"></span>وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: المهاجرين الذين انقطعوا إلى الله وإلى رسوله وسكنوا المدينة، وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: سفرًا للتسبب في طلب المعاش والضرب في الأرض هو السفر. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] وقال تعالى] (^٥) ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …﴾ الآية [المزمل: ٢٠].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الضياء المقدسي من طريق أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي به (المختارة ١٠/ ١١٥ ح ١١٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن محلم عن أبي بكر الحنفي عن عباد بن منصور عن الحسن. وموسى لم أقف على ترجمة له.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي شيبة عن عطاء الخراساني.\n(^٤) صحيح البخاري، الزكاة، باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم (ح ١٤٢١) وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ثبوت أجر المتصدق .. (ح ١٠٢٢).\n(^٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).","vol":"2","page":273},{"text":"وقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي: الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم، وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللّقمة واللّقمتان: [والأكلة والأكلتان] (^١)، ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا\" (^٢). رواه أحمد من حديث ابن مسعود أيضًا (^٣).\n\nوقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم، كما قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وفي الحديث الذي في السنن: \"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله\" ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ [الحجر] (^٤).\nوقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أي: لا يلحون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن سأل وله ما يغنيه عن المسألة، فقد ألحق في المسألة.\nقال البخاري: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شَريك بن أبي نمر، أن عطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللّقمة واللّقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤوا إن شئتم؛ يعني قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (^٥). وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر المديني، عن شَريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار وحده، عن أبي هريرة به (^٦)، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل، أخبرنا شَريك وهو ابن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة به، عن النبي ﷺ قال: \"ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللّقمة واللّقمتان، إنما المسكين المتعفف، اقرؤوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا …﴾ وروى البخاري من حديث شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .. نحوه (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس المسكين بالطوَّاف عليكم فتطعمونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافًا\" (^٨).\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، سورة البقرة، باب ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] (ح ٤٥٣٩)، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى (ح ١٠٣٩).\n(^٣) المسند ١/ ٣٨٤.\n(^٤) أخرجه الترمذي من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا ثم قال: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الحجر ح ٣١٢٧)، وفي سنده عطية العوفي وهو ضعيف.\n(^٥) تقدم تخريجه في الحديث قبل السابق.\n(^٦) تقدم في الحديث قبل السابق.\n(^٧) صحيح البخاري، الزكاة (ح ١٤٧٦).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"2","page":274},{"text":"وقال ابن جرير: حدثني معتمر عن [أيمن بن نابل] (^١)، عن صالح بن سويد، عن أبي هريرة، قال: ليس المسكين بالطوَّاف الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين المتعفف في بيته لا يسأل الناس شيئًا تصيبه الحاجة، اقرؤوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن رجل من مُزينة أنه قالت له أُمه: ألا تنطلق فتسأل رسول الله ﷺ كما يسأله الناس؟ فانطلقت أسأله فوجدته قائمًا يخطب، وهو يقول: \"ومن استعفَّ أعفَّه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن يسأل الناس وله عدل خمس أواق، فقد سأل الناس إلحافًا\" (^٢)، فقلت بيني وبين نفسي لناقة: لهي خير من خمس أواق، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق، فرجعت ولم أسأل (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية (^٤)، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: سرحتني أُمي إلى رسول الله ﷺ أسأله، فأتيته فقعدت، قال: فاستقبلني فقال: \"من استغنى أغناه الله، ومن استعفَّ أعفَّه الله، ومن استكف كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف\"، قال: فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية، فرجعت فلم أسأله (^٥). وهكذا رواه أبو داود والنسائي كلاهما عن قتيبة، زاد أبو داود وهشام بن عمار كلاهما، عن عبد الرحمن بن أبي الرجال بإسناده .. نحوه (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال: قال أبو سعيد الخدري، قال رسول الله ﷺ: \"من سأل وله قيمة أوقية فهو مُلِحف\". والأوقية: أربعون درهمًا (^٧).\nوقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ومن سأل أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا\" (^٨).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا أو كدوحًا في وجهه\" قالوا: يا رسول الله وما غناه؟\n_________\n(^١) في الأصل: \"الحسن بن ماتك\" والتصويب من (عف) و(ح) و(م) والتخريج.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأصله في الصحيحين كما تقدم.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٨)، ورجاله ثقات إلا عبد الحميد بن جعفر: صدوق ربما وهم، وجهالة رجل من مزينة لا تضر لأنه صحابي، وله شاهد رواه أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري (السنن، الزكاة، باب من يعطي من الصدقة وحد الغنى ح ١٦٢٨).\n(^٤) في الأصل: \"عرفه\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(م) والتخريج.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٩) وسنده حسن.\n(^٦) سنن أبي داود، الزكاة، باب مَنْ يُعطي من الصدقة؟ (ح ١٦٢٧)، وسنن النسائي، الزكاة، باب مَنْ المُلحِف؟ ٥/ ٩٨، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح ٢٤٣٢) وحسنه الأرناؤوط في جامع الأصول ١٠/ ١٥٣.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٦)، وسنده صحيح.","vol":"2","page":275},{"text":"قال: \"خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب\" (^١). وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وقد تركه شعبة بن الحجاج، وضعفه غير واحد من الأئمة من جراء (^٢) هذا الحديث.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو حصين (^٣) عبد الله بن أحمد بن يونس، حدثني أبي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، قال: بلغ الحارث رجلًا كان بالشام من قريش، أن أبا ذرٍّ كان به عَوَز فبعث إليه ثلاثمائة دينار، فقال: ما وجد عبدًا لله أهون عليه مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من سأل وله أربعون فقد ألحف\" ولآل أبي ذرٍّ أربعون درهمًا وأربعون شاة وماهنان، قال أبو بكر بن عياش: يعني: خادمين (^٤).\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا إبراهيم بن محمد، أنبأنا عبد الجبار، أخبرنا سفيان، عن داود بن شابور، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: \"من سأل وله أربعون درهمًا فهو مُلِحف وهو مثل سفّ الملة\" يعني: الرمل، ورواه النسائي عن أحمد بن سليمان، عن أحمد بن آدم، عن سفيان وهو: ابن عيينة بإسناده نحوه (^٥).\nقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء منه وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة أحوج ما يكون إليه.\n\n<span id=\"aya-281\"></span>وقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل ونهار، والأحول من سر وجهر، حتى أن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضًا عام الفتح، وفي رواية: عام حجة الوداع: \"وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى ما تجعل في فيّ امرأتك\" (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وبهز، قال: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٨٨)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بالضعف، وقد أخرجه الترمذي وحسنه (السنن، الزكاة، باب ما جاء من تحل له الزكاة ح ٦٥٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٥/ ٢٩٨، والأرناؤوط في جامع الأصول ١٠/ ١٥١.\n(^٢) في الأصل: \"جرى\" وهو تصحيف.\n(^٣) في الأصل: \"أبو حصن\" والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.\n(^٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ١٥٠)، وفي سنده أبو بكر بن عياش الكوفي: وهو ثقة إلا إنه لما كبر ساء حفظه (التقريب ص ٦٢٤).\n(^٥) سنن النسائي، الزكاة، باب الإلحاف في المسألة ٥/ ٩٧، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح ٢٤٣١).\n(^٦) صحيح البخاري، الإيمان (ح ٥٦)، وصحيح مسلم، الوصية (ح ١٦٢٨).","vol":"2","page":276},{"text":"قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري يحدث عن أبي مسعود ﵄، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة\" (^١). أخرجاه من حديث شعبة به (^٢)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن شعيب، قال: سمعت سعيد بن سنان، عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في أصحاب الخيل (^٣).\nوقال حنش الصنعاني، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله، رواه ابن أبي حاتم ثم قال: وكذا روى عن أبي أُمامة وسعيد بن المسيب ومكحول (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن ابن جُبير، عن أبيه، قال: كان لعلي أربعة دراهم، فأنفق درهمًا ليلًا ودرهمًا نهارًا ودرهمًا سرًا ودرهمًا علانية، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ (^٥)، وكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الوهاب بن مجاهد (^٦)، وهو ضعيف، ولكن رواه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس، أنها نزلت في علي بن أبي طالب (^٧).\nوقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ تقدم تفسيره.\n\n<span id=\"aya-282\"></span>﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾.\nلما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصدقات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والأوقات، شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها، إلى بعثهم ونشورهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٢٢)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الإيمان، باب إنما الأعمال بالنيات (ح ٥٥) وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل النفقة (ح ١٠٠٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده سعيد بن سنان وهو متروك كما في التقريب ورماه الدارقطني وغيره بالوضع (تهذيب التهذيب ٤/ ٤٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم سنده ومتنه وتعليقه، وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.\n(^٧) أخرجه الطبراني من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس به (المعجم الكبير ١١/ ٩٧ ح ١١١٦٤)، وفي سنده عبد الوهاب بن مجاهد وهو ضعيف وهو كسابقه.","vol":"2","page":277},{"text":"أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا.\nوقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يخنق، رواه ابن أبي حاتم (^١)، قال:\nوروي عن عوف بن مالك وسعيد بن جبير والسدي والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك (^٢)، وحكي عن عبد الله بن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا، في قوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: يعني لا يقومون يوم القيامة (^٣). وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد والضحاك وابن زيد (^٤).\nوروى ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أنه كان يقرأ: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس يوم القيامة) (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا ربيعة بن كلثوم، حدثنا أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وذلك حين يقوم من قبره (^٦).\nوفي حديث أبي سعيد في الإسراء، كما هو مذكور في سورة سبحان، أنه ﵇ مر ليلتئذ بقوم لهم أجواف مثل البيوت، فسأل عنهم، فقيل: هؤلاء أكلة الربا. رواه البيهقي مطولًا (^٧).\nوقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات تجري من خارج بطونهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا\" (^٨). ورواه الإمام أحمد، عن حسن وعفان وكلاهما عن حماد بن سلمة به (^٩)، وفي إسناده ضعف.\nوقد روى البخاري، عن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل: فأتينا على نهر، حسبت\n_________\n(^١) أخرجه بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند إلا قول سعيد بن جبير أخرجه بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح، وقول عبد الرحمن بن زيد، أخرجه الطبري بسند صحيح، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف كما في التقريب.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه ربيعة بن كلثوم: وهو صدوق يهم، وأبوه كلثوم وهو ابن جبر، وهو مقبول كما في التقريب.\n(^٧) سيأتي في تفسير أول آية من سورة الإسراء.\n(^٨) سنن ابن ماجه، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح ٢٢٧٣)، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان: وهو ضعيف.\n(^٩) المسند ٢/ ٣٥٣، وسنده ضعيف كسابقه.","vol":"2","page":278},{"text":"أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح، ثم يأتي الذي قد جمع الحجارة عنده، فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا، وذكر في تفسيره أنه آكل الربا (^١).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ أي: إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياسًا منهم للربا على البيع، لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ أي: هو نظيره، فلم حُرِّم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحلَّ هذا وحرم هذا، وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ يحتمل أن يكون من تمام كلام الله (^٢) ردًّا عليهم، أي: على ما قالوه من الاعتراض، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكمًا، وهو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم ينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه، فله ما سلف من المعاملة، لقوله: \"عفا الله عما سلف\" وكما قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: \"وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدميّ هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس\" (^٣)، ولم يأمرهم بردِّ الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف، كما قال تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.\nقال سعيد بن جبير والسدي: فله ما سلف ما كان أكل من الربا قبل التحريم (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: قُرئ على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أُم يونس - يعني امرأته العالية بنت أيفع -، أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت لها أُم محبة أُم ولد لزيد بن أرقم: يا أُم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته عبدًا إلى العطاء بثمانمائة، فأحتاج إلى ثمنه، فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة، فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ، إن لم يتب، قال: فقلت: أرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة؟ قالت: نعم ﴿فَمَنْ (^٥) جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (^٦)، وهذا الأثر مشهور وهو دليل لمن حرَّم مسألة العينة، مع ما جاء فيها من الأحاديث المذكورة المقررة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح (ح ٧٠٤٧).\n(^٢) سقط لفظ: \"الجلالة\"، واستدرك من (عف) و(ح) و(م).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ (ح ١٢١٨).\n(^٤) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه، وقول السدي أخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي بسند حسن.\n(^٥) في الأصل: \"من\" والتصويب من التخريج.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وقال عنه الحافظ ابن كثير: مشهور.","vol":"2","page":279},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أي: إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجّة، ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وقد قال أبو داود: حدثنا يحيى أبو داود، حدثنا يحيى بن معين، أخبرنا عبد الله بن رجاء المكي، عن عبد الله بن عثمان خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله\" (^١). ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن خثيم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (^٢).\nوإنما حرمت المخابرة وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض والمزابنة: وهي اشتراء الرطب في رؤوس النخل وبالتمر على وجه الأرض، والمحاقلة وهي اشتراء الحبّ في سنبله في الحقل بالحبّ على وجه الأرض، إنما حُرِّمت هذه الأشياء وما شاكلها [حسمًا لمادة الربا] (^٣)، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم، وقد قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا (^٤) - يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا - والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله، لأن ما أفضى إلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nوقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه (^٥). وفي السنن عن الحسن بن علي ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\" (^٦) وفي الحديث الآخر: \"الإثم ما حاك في القلب وتردَّدت فيه النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس\" وفي رواية: \"استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك\" (^٧).\n_________\n(^١) سنن أبي داود، البيوع، باب في المخابرة (ح ٣٤٠٦)، وقد عرّف الحافظ ابن كثير: المخابرة. ولم يذكره الألباني في صحيح سنن أبي داود.\n(^٢) المستدرك ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(م).\n(^٤) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه، الأشربة، باب ما جاء في أن الخمر من خامر العقل من الشراب (ح ٥٥٨٨)، ومسلم في صحيحه، التفسير (ح ٣٠٣٢).\n(^٥) صحيح البخاري، الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (ح ٥٢)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة (ح ١٥٩٩).\n(^٦) أخرجه الترمذي، السنن، صفة القيامة (ح ٢٦٥٠)، وصححه أحمد شاكر، والألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٠٤٥).\n(^٧) أخرج الإمام أحمد بسند ضعيف من حديث وابصة بن معبد الأسدي: البر ما انشرح له صدرك، والإثم ما =","vol":"2","page":280},{"text":"وقال الثوري، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: آخر ما نزل على رسول الله ﷺ، آية الربا، رواه البخاري عن قبيصة عنه (^١).\nوقال أحمد: عن يحيى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أن عمر قال: من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة (^٢)، رواه ابن ماجه (^٣) وابن مردويه. وروى ابن مردويه من طريق هياج بن بسطام، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من آخر القرآن نزولًا آية الربا، وإنه قد مات رسول الله ﷺ ولم يبيّنه لنا، فدعوا ما يريبكم، إلى ما لا يريبكم (^٤).\nوقد قال ابن ماجه: حدثنا عمرو بن علي الصيرفي، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن زبيد، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله، هو ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"الربا ثلاثة وسبعون بابًا\" (^٥). ورواه الحاكم في مستدركه: من حديث عمرو بن علي الفلاس بإسناده مثله، وزاد: \"أيسرها أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم\" وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٦).\nوقال ابن ماجه: حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن أبي (^٧) معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الربا سبعون حوبًا، أيسرها أن ينكح الرجل أُمه\" (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، عن عباد بن راشد، عن سعيد بن أبي خيرة، حدثنا الحسن منذ نحو أربعين أو خمسين سنة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا\"، قال: قيل له: الناس كلهم؟ قال: \"من لم يأكله منهم ناله من غباره\" (^٩). وكذا\n_________\n= حاك في صدرك وإن أفتاك الناس (المسند ٢٩/ ٥٢٣ ح ١٧٩٩٩)، ويشهد لبعض حديثه النواس بن سمعان: \"البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس\" (المسند ح ١٧٦٣١)، وسنده صحيح.\n(^١) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] (ح ٤٥٤٤).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٦١ ح ٢٤٦)، وحسنه محققوه. لكن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر (المراسيل لابن أبي حاتم ص ٧١، ٧٢).\n(^٣) أخرجه من طريق ابن أبي عروبة به (السنن، التجارات، باب التغليظ في الربا ح ٢٢٦٧)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٢/ ١٩٨).\n(^٤) في سنده: هياج بن بسطام وهو ضعيف جدًّا (ميزان الاعتدال ٤/ ٣١٨).\n(^٥) السنن، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح ٢٢٧٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٤٧).\n(^٦) المستدرك ٢/ ٣٧.\n(^٧) في الأصل: \"بن\" وهو تصحيف.\n(^٨) السنن، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح ٢٢٧٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٤٤).\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٩٤)، وفي سنده سعيد بن أبي خيرة: وهو مقبول، وعباد بن راشد: وهو صدوق له أوهام (التقريب ١/ ٢٩٤، ٣٩١)، والحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة.","vol":"2","page":281},{"text":"رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، من غير وجه، عن سعيد بن أبي خيرة، عن الحسن به (^١)، ومن هذا القبيل تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات، الحديث الذي رواه الإمام أحمد، حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة، قالت: لما نزلت الآيات من آخر سروة البقرة في الربا خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقرأهن، فحرم التجارة في الخمر (^٢). وقد أخرجه الجماعة، سوى الترمذي، من طرق عن الأعمش به، وهكذا لفظ رواية البخاري عند تفسير هذه الآية، فحرم التجارة، وفي لفظ له عن عائشة، قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا، قرأها رسول الله ﷺ على الناس، ثم حرَّم التجارة في الخمر (^٣). قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة: لما حرم الربا ووسائله حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال ﵇ في الحديث المتفق عليه: \"لعن الله اليهود حُرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها\" (^٤).\nوقد تقدم في حديث علي وابن مسعود وغيرهما، عند لعن المحلّل في تفسير قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] قوله ﷺ: \"لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه\" (^٥)، قالوا: وما يشهد عليه ويكتب إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي، ويكون داخله فاسدًا، فالاعتبار بمعناه لا بصورته، لأن الأعمال بالنيات، وفي الصحيح: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنَّما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\" (^٦).\nوقد صنف الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية كتابًا في إبطال التحليل، تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل، وقد كفى في ذلك، وشفى، فرحمه الله، ورضي عنه.\n\n<span id=\"aya-283\"></span>\n\n<span id=\"aya-284\"></span>﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾.\nيخبر الله تعالى أنه يمحق الربا، أي يذهبه إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعتدمه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى (^٧) بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال: ٣٧] وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا\n_________\n(^١) سنن أبي داود، البيوع، باب في اجتناب الشبهات (ح ٣٣٣١)، وسنن النسائي، البيوع، باب في اجتناب الشبهات في الكسب ٧/ ٢٤٣، وسنن ابن ماجه، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح ٢٢٧٨)، وحكمه كسابقه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٦)، وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (ح ٤٥٤٠)، وصحيح مسلم المساقاة، باب تحريم بيع الخمر ١٥٨.\n(^٤) صحيح البخاري، البيوع، باب لا يذاب شحم الميتة (ح ٢٢٢٣)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب لعن أكل الربا (ح) ١٥٨٢.\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر، كتاب المساقاة، باب لعن أكل الربا وموكله (ح ١٥٩٨).\n(^٦) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، الصحيح، كتاب البر والصلة (ح ٢٥٦٤).\n(^٧) في الأصل: \"فوق\" وهو سبق متأثرًا بالمعنى.","vol":"2","page":282},{"text":"لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [الروم: ٣٩]، وقال ابن جرير في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾: وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الربا وإن كَثُر فإن عاقبته تصير إلى قلّ (^١).\nوهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال: حدثنا حجاج. حدثنا شريك، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: \"إن الربا وإن كَثُر فإن عاقبته تصير (^٢) إلى قلّ\" (^٣)، وقد رواه ابن ماجه: عن العباس بن جعفر، عن عمرو بن عون، عن يحيى بن زائدة، عن إسرائيل، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قل\" (^٤).\nوهذا من باب المعاملة، بنقيض المقصود، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا الهيثم بن نافه الظاهري، حدثني أبو يحيى رجل من أهل مكة، عن فروخ مولى عثمان، أن عمر وهو يومئذٍ أمير المؤمنين، خرج من المسجد فرأى طعامًا منثورًا، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: طعام جلب إلينا، قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه، قيل: يا أمير المؤمنين إنه قد احتكر، قال: من احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان وفلان مولى عمر، فأرسل إليهما، فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع، فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس أو بجُذام\"، فقال فروخ عند ذلك: أعاهد الله وأعاهدك أن لا أعود في طعام أبدًا، وأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع، قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذومًا (^٥)، ورواه ابن ماجه من حديث الهيثم بن رافع به، ولفظه: \"من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس والجذام\" (^٦).\nوقوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ قُرِئ بضم الياء والتخفيف، من ربا الشيء يربو وأرباه يربيه، أي كثره ونماه ينميه، وقُرِئ: \"يُربي\" بالضم والتشديد من التربية (^٧).\nكما قال البخاري: حدثنا عبد الله بن المنير (^٨)، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يُربي أحدكم فلوه، حتى يكون مثل الجبل\" كذا رواه في كتاب الزكاة (^٩)، وقال في\n_________\n(^١) أخرجه بحذف الإسناد ٥/ ٤٥، وهو حديث صحيح.\n(^٢) في الأصل: \"فإن كثر فإلى قل\"، والتصويب من التخريج.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٧٥٤)، وصححه أحمد شاكر.\n(^٤) السنن، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح ٢٢٧٩)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٢/ ١٩٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٤٨).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ح ١٣٥)، وصححه أحمد شاكر.\n(^٦) السنن، التجارات، باب الحكرة والجلب (ح ٢١٥٥)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٢/ ١٦٤).\n(^٧) القراءة الأولى متواترة والثانية بالتشديد شاذة تفسيرية.\n(^٨) في الأصل: \"بن كثير\" والتصويب من (عف) و(حم) و(م) والتخريج.\n(^٩) صحيح البخاري، الزكاة، باب الصدقة من كسب طيب (ح ١٤١٠).","vol":"2","page":283},{"text":"كتاب التوحيد: وقال خالد بن مخلد بن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار … فذكره بإسناده نحوه (^١)، وقد رواه مسلم في الزكاة، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد، فذكره (^٢)، قال البخاري ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم، وسهيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nقلت: أما رواية مسلم بن أبي مريم، فقد تفرد البخاري بذكرها، وأما طريق زيد بن أسلم، فرواها مسلم في صحيحه، عن أبي الطاهر بن السرح، عن أبي وهب، عن هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم به، وأما حديث سهيل، فرواه مسلم، عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سُهيل به، والله أعلم (^٣)، قال البخاري: وقال ورقاء، عن ابن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (^٤).\nوقد أسند هذا الحديث من هذا الوجه الحافظ أبو بكر البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن العباس المروزي، عن أبي النضر، هاشم بن القاسم، عن ورقاء وهو: ابن عمر اليشكري، عن عبد الله بن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلّوه، حتى يكون مثل أُحد\" (^٥) وهكذا روى هذا الحديث مسلم والترمذي والنسائي جميعًا، عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن سعد المقبري، وأخرجه النسائي من رواية مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ومن طريق يحيى القطان، عن محمد بن عجلان، ثلاثتهم عن سعيد بن يسار أبي الحباب المدني، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فذكره (^٦).\n\nوقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي (^٧)، حدثنا وكيع، عن عباد بن منصور، حدثنا القاسم بن محمد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ﷿ يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه فيريبها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أُحد\" وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (^٨) وكذا رواه أحمد، عن وكيع، وهو في تفسير وكيع (^٩)، ورواه الترمذي، عن أبي كريب عن وكيع به، وقال: حسن صحيح (^١٠)، وكذا رواه الثوري عن عباد بن منصور به، ورواه أحمد أيضًا عن خلف بن الوليد، عن ابن المبارك، عن عبد الواحد بن ضمرة وعباد بن\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] (ح ٧٤٣٠).\n(^٢) صحيح مسلم، الزكاة، باب قبول الصدقة (ح ١٠١٤).\n(^٣) المصدر السابق بعد الحديث المذكور.\n(^٤) ذكره البخاري في الكتابين السابقين: الزكاة والتوحيد.\n(^٥) السنن الكبرى ٤/ ١٧٦ ويشهد له ما سبق.\n(^٦) صحيح مسلم في الباب السابق.\n(^٧) في الأصل: \"الأزدي\" وهو تصحيف، والتصويب من (عف) و(م) و(حم) والتخريج.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٩) المسند ٢/ ٤٧١ ويشهد له ما سبق.\n(^١٠) السنن، الزكاة، باب ما جاء في فضل الصدقة (ح ٦٦٢).","vol":"2","page":284},{"text":"منصور، كلاهما عن القاسم (^١) به (^٢)، وقد رواه ابن جرير، عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن العبد إذا تصدق من طيب يقبلها الله منه، فيأخذها بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله - أو قال: في كفِّ الله - حتى تكون مثل أُحد، فتصدقوا\" (^٣). وهكذا رواه أحمد: عن عبد الرزاق (^٤)، وهذا طريق غريب صحيح الإسناد، ولكن لفظه عجيب، والمحفوظ ما تقدم، وروي عن عائشة أُم المؤمنين، فقال الإمام أحمد، حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد عن ثابت، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فلوَّه أو فصيله حتى يكون مثل أُحد\" (^٥) تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقال البزار: حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور، حدثنا إسماعيل، حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن عَمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ وعن الضحاك بن عثمان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فيتلقاها الرحمن بيده، فيربيها كما يربي أحدكم فلوَّه أو وصيفه\" أو قال: \"فصيله\"، ثم قال: لا نعلم أحدًا رواه عن يحيى بن سعيد عن عمرة إلا أبا أويس (^٦).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل - ثم قال تعالى مادحًا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرًا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون فقال:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾.\n\n<span id=\"aya-285\"></span>\n\n<span id=\"aya-286\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، ناهيًا لهم عما يقربهم إلى سخطه ويبعدهم عن رضاه،\n_________\n(^١) في الأصل: \"عن أبي نضرة\" والتصويب من (عف) و(م) و(ح) والتخريج من المسند.\n(^٢) المسند ٢/ ٤٠٤.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) المسند ٢/ ٢٦٨.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٥١)، ويشهد له ما سبق.\n(^٦) في سنده أبو أويس: عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي: وهو صدوق يهم (التقريب ص ٣٠٩)، وقد توبع في الروايات السابقة.","vol":"2","page":285},{"text":"فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: خافوه وراقبوه فيما تفعلون ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ أي: اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال، بعد هذا الإنذار ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بما شرع الله لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك، وقد ذكر زيد بن أسلم، وابن جريج (^١) ومقاتل بن حيان والسدي، أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاورا وقالت بني المغيرة: لا نؤدي الربا في الإسلام بكسب الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أُسيد، نائب مكة إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله ﷺ إليه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فقالوا: نتوب إلى الله، ونذر ما بقي من الربا، فتركوه كلهم (^٢).\nوهذا تهديد ووعيد أكيد، لمن استمر على تعاطى الربا بعد الإنذار قال ابن جريج: قال ابن عباس:، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ أي: استيقنوا بحرب من الله ورسوله (^٣)، وتقدم من رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه، كان حقًّا على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلَّا ضرب عنقة (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن بشار (^٦)، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن وابن سيرين، أنهما قالا: والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم، فإن تابوا وإلا وضع فيه السلاح (^٧).\nوقال قتادة: أوعدهم الله بالقتل كما يسمعون، وجعلهم بهرجًا أين ما أتوا، فإياكم ومخالطة هذه البيوع من الربا، فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه، فلا يلجئنكم إلى معصيته فاقة. رواه ابن أبي حاتم (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن جريج، وأخرجه بسند حسن عن السدي بنحوه وهو مرسل ويتقوى برواية مقاتل بن حيان التالية.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل لكنه مرسل، وهذا القول مع قول السدي يقوي أحدهما الآخر.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج به، وابن جريج لم يلق ابن عباس ويشهد له قول قتادة والربيع والحسن وابن سيرين كما سيأتي.\n(^٤) تقدم في تفسير الآية ٢٧٥ وتبين أنه ضعيف الإسناد.\n(^٥) أخرجه الطبرى وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق على بن أبي طلحة به.\n(^٦) في الأصل: \"ابن يسار\" وهو تصحيف والتصويب من التخريج.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"2","page":286},{"text":"وقال الربيع بن أنس: أوعد الله آكل الربا بالقتل. رواه ابن جرير (^١).\nوقال السهيلي: ولهذا قالت عائشة لأُم محبة مولاة زيد بن أرقم في مسألة العينة: أخبريه أن جهاده مع النبي ﷺ قد بطل إلا أن يتوب، فخصَّت الجهاد لأنه ضد قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: وهذا المعنى ذكره ابن بطال (^٢)، قال: ولكن هذا إسناده إلى عائشة ضعيف.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أي: بأخذ الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أي: بوضع رؤوس الأموال أيضًا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن أشكاب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن شبيب بن غرقدة البارقي، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه، قال: خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فقال: \"ألا إن كل ربًا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب، موضوع كله\" وكذا وجدته: سليمان بن الأحوص (^٣).\nوقال ابن مردويه: حدثنا الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى، أخبرنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، حدثنا شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ألا إن كلّ ربا من ربا الجاهلية موضوع، فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون\" وكذا رواه من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمر وهو: ابن خارجة … فذكره (^٤).\n\n<span id=\"aya-287\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حلَّ عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين، وقد وردت الأحاديث من طرق متعددة عن النبي ﷺ بذلك.\n(فالحديث الأول) عن أبي أُمامة أسعد بن زرارة. قال الطبراني (^٥): حدثنا عبد الله بن محمد بن شعيب الرجاني، حدثنا يحيى بن حكيم المقوم، حدثنا محمد بن بكر البرساني، حدثنا عبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.\n(^٢) في الأصل: \"كثير\" والتصويب من (ح) و(م).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه سليمان بن عمرو بن الأحوص: مقبول كما في التقريب، ولبعضه شاهد في صحيح مسلم من حديث جابر: في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ (ح ١٢١٨).\n(^٤) الطريق الأول أخرجه أبو داود (السنن، البيوع، باب في وضع الربا ح ٣٣٣٤)، والترمذي (السنن، التفسير، سورة التوبة ح ٣٥٨٧)، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن عبد البر (الاستيعاب في حاشية الإصابة ٢/ ٥١٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٨٥٢)، أما الطريق الثاني ففيه علي بن زيد بن جدعان: ضعيف كما في التقريب.\n(^٥) في الأصل: \"الطبري\" وهو تصحيف والتصويب من التخريج.","vol":"2","page":287},{"text":"أبي زياد، حدثني عاصم بن عبيد الله، عن أبي أُمامة أسعد بن زرارة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سرَّه أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر أو ليضع عنه\" (^١).\n(حديث آخر) عن بريدة. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بَريدة، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة\" قال: ثم سمعته يقول: \"من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة\" قلت: سمعتك يا رسول الله تقول: \"من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة\". ثم سمعتك تقول: \"من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة\"، قال: \"له لكل يوم مثله صدقة قبل أن يحلَّ الدين، فإذا حلَّ الدين فانظره، فله بكل يوم مثلاه صدقة\" (^٢).\n(حديث آخر) عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، قال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه فيختبى منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي، فسأله عنه، فقال: نعم هو في البيت يأكل خزيرة (^٣)، فناداه، فقال: يا فلان، اخرج فقد أخبرت أنك هاهنا، فخرج إليه، فقال: ما يغيبك عني؟ فقال: إني معسر وليس عندي شيء، قال: آلله أنك معسر؟ قال: نعم، فبكى أبو قتادة، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من نفّس عن غريمه، أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة\" (^٤)، ورواه مسلم في صحيحه (^٥).\n(حديث آخر) عن حذيفة بن اليمان، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الأخنس أحمد بن عمران، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتى الله بعبد من عبيده يوم القيامة قال: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها - قالها ثلاث مرات - قال العبد عند آخرها: يا رب إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنت رجلًا أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، قال: فيقول الله ﷿: أنا أحق من ييسر، ادخل الجنة\". وقد أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه من طرق عن ربعي بن حراش، عن حذيفة. زاد مسلم وعقبة بن عامر وأبي مسعود البدري عن النبي ﷺ … بنحوه (^٦)، ولفظ البخاري (^٧).\n_________\n(^١) المعجم الكبير ١/ ٣٠٤، وفي مسنده عاصم بن عبيد الله بن عاصم العدوي: وهو ضعيف (التقريب ص ٢٨٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٦٠)، وأخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وصححهما (السنن، البيوع، باب ما جاء في إنظار المعسر ح ١٣٠٦، ١٣٠٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٥/ ٢٦١.\n(^٣) الخزيرة: طعام من لحم يقطع صغارًا ويُصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذرَّ عليه الدقيق (النهاية ٢/ ٢٨).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٠٨)، وأخرجه الدارمي من طريق عفان به (السنن، الاستئذان، باب فيمن انظر: معسرًا ٢/ ٢٦١)، ورجاله ثقات إلا أبا جعفر الخطمي وهو عمير بن يزيد بن عمير وهو صدوق، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٥/ ٣٦٤.\n(^٥) صحيح مسلم، المساقاة، باب فضل إنظار المعسر (ح ١٥٦٣).\n(^٦) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (ح ٣٤٥١)، وصحيح مسلم، المساقاة، باب فضل إنظار المعسر (ح ١٥٦١).\n(^٧) كذا في النسخ الخطية ولم يذكره البخاري بلفظه.","vol":"2","page":288},{"text":"(حديث آخر) عن سهل بن حنيف، قال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا عمرو بن ثابت، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن سهل بن حنيف، أن سهلًا حدثه: أن رسول الله ﷺ، قال: \"من أعان مجاهدًا في سبيل الله أو غازيًا أو غارمًا في عسرته أو مكاتبًا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله\" ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^١).\n(حديث آخر) عن عبد الله بن عمر، قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، عن يوسف بن صهيب، عن زيد العمي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته، فليفرج عن معسر\" (^٢). انفرد به أحمد.\n(حديث آخر) عن أبي مسعود عقبة بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة أن رجلًا أتى به الله ﷿، فقال: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال له الرجل: ما عملت مثقال ذرة من خير، فقال ثلاثًا، وقال في الثالثة: إني كنت أعطيتني فضلًا من المال في الدنيا، فكنت أبايع الناس، فكنت أيسر على الموسر، وأنظر المعسر. فقال ﵎: نحن أولى بذلك منك، تجاوزا عن عبدي، فغفر له. قال أبو مسعود: هكذا سمعت من النبي ﷺ (^٣)، وهكذا رواه مسلم من حديث أبي مالك سعد بن طارق به (^٤).\n(حديث آخر) عن عمران بن حصين. قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي داود، عن عمران بن حصين قال، قال: رسول الله ﷺ: \"من كان له على رجل حق فأخره، كان له بكل يوم صدقة\" (^٥)، غريب من هذا الوجه، وقد تقدم عن بُريدة … نحوه.\n(حديث آخر) عن أبي اليسر كعب بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، قال: حدثنا أبو اليسر، أن رسول الله ﷺ، قال: \"من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظله الله ﷿ في ظله يوم لا ظل إلا ظله\" (^٦).\nوقد أخرجه مسلم في صحيحه ومن وجه آخر من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ، ومعه غلام له معه ضمامة من صحف، وعلى أبي\n_________\n(^١) المستدرك ٢/ ٢١٧، وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: بل عمرو رافضي متروك.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٧٤٩)، وقال أحمد شاكر: في إسناده نظر وأرجح أن يكون منقطعًا، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير ٥/ ١٥٩، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٤/ ١٣٣).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ٤/ ١١٨)، وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، المساقاة، باب فضل أنظار المعسر (ح ١٥٦٠).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٤٢)، وفي سنده أبو داود، واسمه نفيع بن الحارث: وهو متروك، كما في التقريب، وقال الهيثمي: كذاب (مجمع الزوائد ٤/ ١٣٥).\n(^٦) المسند ٣/ ٤٢٧، ويشهد له ما سبق.","vol":"2","page":289},{"text":"اليسر بُردة ومعافري (^١)، وعلى غلامة بُردة ومعافري، فقال له أبي: يا عمِّ، إني أرى في وجهك سفعة (^٢) من غضب، قال: أجل كان لي على فلان بن فلان - الحرامي - مال، فأتيت أهله، فسلمت فقلت: أثم هو؟ قالوا: لا، فخرج عليّ ابن له جفر (^٣)، فقلت: أين أبوك؟ فقال: سمع صوتك فدخل أريكة أُمي، فقلت: اخرج إليَّ، فقد علمت أين أنت، فخرج، فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك أو أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله، وكنت والله معسرًا. قال: قلت: آلله؟ قال: الله، ثم قال: فأتى بصحيفته فمحاها بيده، ثم قال: فإن وجدت قضاء فاقضني وإلا فأنت في حل، فأشهد بصر عيناي هاتان - ووضع أصبعيه على عينيه - وسمع أذناي هاتان، ووعاه قلبي - وأشار إلى نياط قلبه -، رسول الله ﷺ وهو يقول: \"من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظله الله في ظله … \". وذكر تمام الحديث (^٤).\n(حديث آخر) عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبو يحيى البزاز محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الحسن بن أسد بن سالم الكوفي، حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري، عن هشام بن زياد القرشي، عن أبيه، عن محجن مولى عثمان، عن عثمان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أظل الله عينًا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، من أنظر معسرًا، أو ترك لغارم\" (^٥).\n(حديث آخر) عن ابن عباس، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي الخراساني، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد وهو يقول بيده هكذا، وأومأ عبد الرحمن بيده إلى الأرض: \"من أنظر معسرًا أو وضع عنه، وقاه الله من فيح جهنم ألا إن عمل الجنة حزن بربوة - ثلاثًا - ألا إن عمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا\" (^٦) تفرد به أحمد.\n(طريق آخر) قال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد البوراني قاضي الحديبية من ديار ربيعة، حدثنا الحسن بن علي الصدائي، حدثنا الحكم بن الجارود، حدثنا ابن أبي المتئد خال ابن عيينة، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ: \"من أنظر معسرًا إلى ميسرته أنظره الله بذنبه إلى توبته\" (^٧).\n\n<span id=\"aya-288\"></span>ثم قال تعالى يعظ عباده، ويذكرهم زوال الدنيا، وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة، والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ\n_________\n(^١) البردة: كسا مخطط، ومعافري نوع من الثياب.\n(^٢) السفعة: العلامة.\n(^٣) الجفر: هو الذي قارب البلوغ كما في حاشية صحيح مسلم.\n(^٤) وهو حديث طويل (صحيح مسلم، الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل ح ٣٠٠٦).\n(^٥) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في المسند بلفظه ومتنه، وذكر المحققون أن إسناده ضعيف جدًّا بسبب العباس بن الفضل الأنصاري الواقفي (المسند ١/ ٥٤٨ ح ٥٣٢).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه أحمد شاكر بسبب نوح بن جعونة (المسند ح ٣٠١٧).\n(^٧) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ١٥١)، وفي سنده الحكم بن الجارود ضعفه الأزدي، وقال أبو حاتم: مجهول (لسان الميزان ٢/ ٣٣٢).","vol":"2","page":290},{"text":"وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾، وقد روي أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم، فقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾، وعاش النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، رواه ابن أبي حاتم (^١).\nوقد رواه ابن مردويه من حديث المسعودي عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وقد رواه النسائي من حديث يزيد النحوي، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: آخر شيء نزل من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ (^٢)، وكذا رواه الضحاك والعوفي عن ابن عباس (^٣).\nوروى الثوري عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فكان بين نزولها وموت النبي ﷺ واحد وثلاثون يومًا (^٤).\nوقال ابن جريج: قال ابن عباس: آخر آية نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية (^٥).\nوقال ابن جريج: يقولون: إن النبي ﷺ عاش بعدها تسع ليال وبدء يوم السبت ومات يوم الاثنين، رواه ابن جرير (^٦) ورواه عطية عن أبي سعيد، قال آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ (^٧).\n\n<span id=\"aya-289\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾.\nهذه الآية الكريمة أطول آية في القرآن العظيم، وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو مرسل.\n(^٢) في سنده المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة: وهو صدوق اختلط (التقريب ص ٣٤٤)، وأخرجه الطبراني من طريق المسعودي (المعجم الكبير ١٢/ ٢٣ ح ١٢٣٥٧)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٧)، وقد توبع كما سيأتي في رواية النسائي.\n(^٣) السنن الكبرى، التفسير (ح ٧٧).\n(^٤) في سنده الكلبي وهو محمد بن السائب، قد صرح بأن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس، فهو كذب، كما في ترجمته في تهذيب التهذيب.\n(^٥) سنده منقطع، لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده معضل.\n(^٧) في سنده عطية وهو العوفي: وهو ضعيف، كما في التقريب.","vol":"2","page":291},{"text":"يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أنه قال لما نزلت آية الدين: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول من جحد آدم ﵇، إن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه فرأى فيهم رجلًا يزهر، فقال: أي ربِّ من هذا؟ قال: هو ابنك داود، قال: أي ربِّ، كم عمره، قال: ستون عامًا، قال: ربِّ زد في عمره، قال: لا إلّا أن أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب عليه بذلك كتابًا وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة، قال: إنه بقي من عمري أربعون عامًا، فقيل له: إنك وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت، فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة\". وحدثنا أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة … فذكره وزاد فيه: \"فأتمها الله لداود مائة وأتمها لآدم ألف سنة\" (^٢). وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يونس (^٣) بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة (^٤). هذا حديث غريب جدًّا، وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة، وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب (^٥)، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ومن رواية أبي داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة، ومن طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ومن حديث تمام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … فذكره بنحوه (^٦).\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.\nوقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: أنزلت في السلم إلى أجل غير معلوم.\nوقال قتادة: عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس، قال: أشهد السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحلَّه وأذن فيه، ثم قرأ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، رواه البخاري (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٥١، ٢٥٢)، وفيه علي بن زيد بن جدعان: ضعيف، كما في التقريب.\n(^٣) في الأصل: \"يوسف\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(م) والتخريج.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحكم الحافظ عليه.\n(^٥) في الأصل: \"وثاب\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج.\n(^٦) المستدرك ١/ ٦٤، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٧) هذه الرواية لم أجدها في صحيح البخاري، وسنده حسن.","vol":"2","page":292},{"text":"وثبت في الصحيحين من رواية سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ: \"من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم\" (^١).\nوقوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمر منه تعالى بالكتابة لتوثقة والحفظ، فإن قيل: فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنا أُمة أُمية لا نكتب ولا نحسب\" (^٢) فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة؟ فالجواب: أن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلًا، لأن كتاب الله قد سهل الله ويسر حفظه على الناس، والسنن أيضًا محفوظة عن رسول الله ﷺ، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب كما ذهب إليه بعضهم.\nقال ابن جريج: من أدان فليكتب، ومن ابتاع فليشهد (^٣).\nوقال قتادة: ذُكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلًا صحب كعبًا، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون (^٤) مظلومًا دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعًا إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب فلما حلّ ماله جحده صاحبه، فدعا ربه فلم يستجب له، لأنه قد عصى ربه (^٥).\nوقال أبو سعيد والشعبي والربيع بن أنس والحسن وابن جريج وابن زيد وغيرهم: كان ذلك واجبًا، ثم نسخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (^٦) [البقرة: ٢٨٣]. والدليل على ذلك أيضًا الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقررًا في شرعنا ولم ينكر عدم الكتابة والإشهاد. قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، أنه ذكر أن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء أشهدهم. قال: كفى بالله شهيدًا، قال: ائتني بكفيل قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صدقت، فدفعها إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبًا يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبًا فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زجَّج موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال: اللَّهم إنك قد علمت أني استسلفت فلانًا ألف دينار، فسألني كفيلًا، فقلت:\n_________\n(^١) صحيح البخاري، السلم، باب السلم في كيل معلوم ح ٢٢٤٠)، وصحيح مسلم، المساقاة (ح ١٦٠٤).\n(^٢) صحيح البخاري، الصوم، باب قول النبي ﷺ: \"لا نكتب ولا نحسب\" (ح ١٩١٣)، وصحيح مسلم، الصيام، باب وجوب صوم رمضان (ح ١٥).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الحسين بن داود وهو: سنيد عن حجاج عنه، وسنيد ضعيف.\n(^٤) في الأصل: \"لغلمون\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، ولم يصرح قتادة باسم شيخه.\n(^٦) قول الشعبي أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح عنه.","vol":"2","page":293},{"text":"كفى بالله كفيلًا، فرضي بذلك وسألني شهيدًا، فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بذلك وإني قد جهدت أن أجد مركبًا أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبًا وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبًا إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعلَّ مركبًا يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار وقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه؟ قال: فإن الله قد أدّى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك راشدًا (^١). وهذا إسناد صحيح وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من صحيحه معلقًا بصيغة الجزم، فقال: وقال الليث بن سعد … فذكره (^٢)، ويقال: إنه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه.\nوقوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط والحق ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان. وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم، فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة وليكتب، كما جاء في الحديث: \"إن من الصدقة أن تعين ضائعًا أو تصنع لأخرق\" (^٣) وفي الحديث الآخر: \"من كتم علمًا يعلمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار\" (^٤).\nقال مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب (^٥).\nوقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين وليتق الله في ذلك ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي: صغيرًا، أو مجنونًا ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ محجورًا عليه بتبذير ونحوه: ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أي: صغيرًا، أو مجنونًا ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ إما لعي أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.\nوقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وهذا إنما يكون في الأموال، وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) صحيح البخاري، الكفالة، باب الكفالة في القرض ٢٢٩١.\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث أبي ذر، العتق، باب أي الرقاب أفضل؟ (ح ٢٥١٨)، ومسلم في صحيحه، الإيمان، بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (ح ٨٤) بلفظ: \"تعين صانعًا\"، وقد رجحه الدارقطني (ينظر: فتح الباري ٥/ ١٤٩).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ: \"من سئل عن علم فكتمه أُلجم بلجام من نار يوم القيامة\" وصححه محققوه (المسند ١٣/ ١٨ ح ٧٥٧١).\n(^٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول عطاء أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن جريج.","vol":"2","page":294},{"text":"جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكنَّ أكثر أهل النار\"، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: \"تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبّ منكن\" قالت: يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال: \"أما نقصان عقلها، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين\" (^١).\nوقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيد حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط وقد استدل من ردَّ المستور بهذه الآية الدالَّة على أن يكون الشاهد عدلًا مرضيًا. وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ يعني: المرأتين إذا نسيت الشهادة ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي: يحصل لها ذكر بما وقع به من الإشهاد، وبهذا قرأ آخرون فتذكر بالتشديد من التذكار، ومن قال: إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر، فقد أبعد. والصحيح الأول، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ قيل: معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع بن أنس (^٢). وهذا كقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ ومن ههنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية، وقيل مذهب الجمهور، والمراد بقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ للأداء، لحقيقة قوله الشهداء، والشاهد حقيقة فيمن تحمل، فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم.\nوقال مجاهد وأبو مِجلز وغير واحد: إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب (^٣). وقد ثبت في صحيح مسلم والسنن من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن زيد بن خالد، أن رسول الله ﷺ، قال: \"ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها\" (^٤)، فأما الحديث الآخر في الصحيحين: \"ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا\" وكذا قوله: \"ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وتسبق شهادتهم أيمانهم\" (^٥) وفي رواية: \"ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون\" (^٦) وهؤلاء شهود الزور، وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري أنها تعمُّ الحالين التحمل، والأداء.\nوقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ هذا من تمام الإرشاد وهو الأمر\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات (ح ٧٩).\n(^٢) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه بنحوه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن بلفظ: \"فكان هذا واجبًا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جابر الجعفي عن مجاهد والشعبي بنحوه.\n(^٤) صحيح مسلم، الأقضية (ح ١٧١٩).\n(^٥) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، فضل الصحابة ثم الذين يلونهم (ح ٢٥٣٣).\n(^٦) صحيح البخاري، الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا (ح ٦٤٢٨)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٣٥٣٥).","vol":"2","page":295},{"text":"بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال: ولا تسأموا أي تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلًا هو أقسط عند الله، أي أعدل وأقوم للشهادة، أي أثبت للشاهد إذا وضع خطه لم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ وأقرب إلى عدم الريبة بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة.\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها.\nفأما الإشهاد على البيع، فقد قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ يعني: أشهدوا على حقكم إذا كان في أجل أو لم يكن فيه أجل، فأشِهدوا على حقكم على كلِّ حال (^١). قال: وروي عن جابر بن زيد ومجاهد وعطاء والضحاك نحو ذلك (^٢).\nوقال الشعبي والحسن: هذا الأمر منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\nوهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على الوجوب، والدليل على ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري، وقد رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، حدثني عمارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي ﷺ. أن النبي ﷺ، ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي ﷺ، فنادى الأعرابي النبي ﷺ، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه وإلا بعته، فقال النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، قال: أوليس قد ابتعته منك؟ قال الأعرابي: لا والله ما بعتك، فقال النبي ﷺ: \"بل قد ابتعته منك\" (^٣) فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ، والأعرابي، وهما يتراجعان فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك، فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي ﷺ لم يكن يقول إلا حقًّا حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي يقول: هلمَّ شهيدًا يشهد أني بايعتك، قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة، فقال: \"بمَ تشهد\"؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله ﷺ، فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين (^٤). وهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيدي،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده مختصرًا، وسنده حسن.\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.\n(^٣) قول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، وقول الشعبي ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢١٥ - ٢١٦)، وسنده ثابت.","vol":"2","page":296},{"text":"وكلاهما عن الزهري به نحوه (^١)، ولكن الاحتياط هو الإرشاد لما رواه الإمامان الحافظ أبو بكر بن مردويه، والحاكم في مستدركه من رواية معاذ بن معاذ العنبري، عن شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ، قال: \"ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلًا مالًا فلم يُشِهد\" ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، قال: ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد \"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين\" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قيل: معناه لا يضارّ الكاتب ولا الشاهد، فيكتب هذا خلاف ما يُملي، ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو يكتمها بالكلية، وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما (^٣). وقيل: معناه لا يضربهما.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أُسيد بن عاصم، حدثنا الحسين يعني ابن حفص، حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مِقسم، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قال: يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة، فيقولان: إنا على حاجة، فيقول: إنكما قد أمرتما أن تجيبا، فليس له أن يضارَّهما (^٤). قال: ورُوي عن عكرمة ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير والضحاك وعطية ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك (^٥).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي: إن خالفتم ما أمرتم به أو فعلتم ما نهيتم عنه، فإنه فسق كائن بكم، أي لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: خافوه وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زجره ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ﴾ كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد:٢٨].\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها فلا يخفى عليه شيء من الأشياء بل علمه محيط بجميع الكائنات.\n\n<span id=\"aya-290\"></span>﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع به (السنن، الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد ح ٣٦٠٧)، والنسائي، السنن، البيوع، باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع ٧/ ٣٠١، ٣٠٢، وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ١٠/ ١٩٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٠٧٣).\n(^٢) المستدرك ٢/ ٣٠٢.\n(^٣) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه يزيد بن أبي زياد: وهو ضعيف كما في التقريب. ويشهد له أقوال التابعين التالية.\n(^٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم، بحذف السند، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح.","vol":"2","page":297},{"text":"يكتب لكم، قال ابن عباس. أو وجدوه ولم يجدوا قرطاسًا أو دواة أو قلمًا (^١). ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أي: فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة؛ أي في يد صاحب الحق، وقد استدل بقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض كما هو مذهب الشافعي والجمهور، واستدلَّ بها آخرون على أنه لا بد أن يكون الرهن مقبوضًا في يد المرتهن، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذهب إليه طائفة، واستدلَّ آخرون من السلف بهذه الآية، على أنه لا يكون الرهن مشروعًا إلا في السفر، قاله مجاهد وغيره، وقد ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله ﷺ، توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقًا من شعير رهنها قوتًا لأهله (^٢). وفي رواية: من يهود المدينة. وفي رواية الشافعي: عند (^٣) أبي الشحم اليهودي، وتقرير هذه المسائل في كتاب \"الأحكام الكبير\"، ولله الحمد والمنة، وبه المستعان.\nوقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ روى ابن أبي حاتم بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري أنه قال: هذه نسخت ما قبلها (^٤).\nوقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضًا فلا بأس أن لا تكتبوا أو لا تشهدوا (^٥).\nوقوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ يعني: المؤتمن كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية قتادة، عن الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ، قال: \"على اليد ما أخذت حتى تؤديه\" (^٦).\nقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ أي: لا تخفوها وتغلوها، ولا تظهروها.\nقال ابن عباس وغيره: شهادة الزور من أكبر الكبائر وكتمانها كذلك، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (^٧).\nقال السدي: يعني فاجر قلبه (^٨)، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء] وهكذا قال ههنا: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عنه.\n(^٢) صحيح البخاري، الرهن، باب الرهن في الحضر (ح ٢٥٠٨)، وأخرجه مسلم من حديث عائشة (الصحيح، المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر ح ١٦٠٣).\n(^٣) في الأصل: \"عن\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق المنذر بن مالك عن أبي سعيد الخدري. وجود إسناده الحافظ ابن كثير.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن شبرمة عن الشعبي.\n(^٦) المسند ٣٣/ ٢٧٦ (ح ٢٠٠٨٦) وقال محققوه: حسن لغيره، وسنن الترمذي، البيوع، باب ما جاء في العارية مؤداة (ح ١٢٦٦)، وقال: حسن صحيح، وسنن أبي داود، البيوع، باب في تضمين العارية (ح ٣٥٦١).\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه.","vol":"2","page":298},{"text":"<span id=\"aya-291\"></span>﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾.\nيخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران] وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، والآيات في ذلك كثيرة جدًّا، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة ﵃، وخافوا منها، ومن محاسبة لله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو عبد الرحمن يعني: العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ، ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. فقال رسول الله ﷺ: \"أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير\" فلم! أقرّ بها القوم وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة] فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا …﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخرها (^١). ورواه مسلم منفردًا به من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر مثله ولفظه، فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم (^٢).\n(حديث ابن عباس في ذلك) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، قال: فقال رسول الله ﷺ: \"قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا\" فألقى الله الإيمان في قلوبهم،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٩٣٣٣)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أنه ﷾ لا يكلف إلا ما يطاق (ح ١٩٧).","vol":"2","page":299},{"text":"فأنزل الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (^١).\nوهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع به، وزاد: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: قد فعلت ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعلت (^٢).\n(طريق أخرى) عن ابن عباس. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن حُميد الأعرج، عن مجاهد، قال: دخلت على ابن عباس، فقلت: يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أية آية؟ قلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال ابن عباس: إن هذه الآية حين (^٣) أنزلت، غمت أصحاب رسول الله ﷺ غمًا شديدًا وغاظتهم غيظًا شديدًا، وقالوا: يا رسول الله هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"قولوا: سمعنا وأطعنا\" فقالوا: سمعنا وأطعنا، قال: فنسختها هذه الآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال (^٤).\n(طريق أخرى) عنه. قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة، سمعه يحدث: أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ …﴾ الآية، فقال: والله لئن وأخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، قال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل حين تلاها، فقال ابن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا …﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله ﷿ أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل (^٥).\n(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٠٧٠)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أنه سبحانه لم يكلف إلا ما يطاق (ح ٢٠٠).\n(^٣) لفظ: \"حين\" سقط، واستدرك من (عف) و(حم) و(م) والتخريج.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٣٢)، وأخرجه البخاري من حديث ابن عمر بمعناه (الصحيح، التفسير آخر سورة البقرة ح ٤٥٤٦).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الزهري به. وذكر بعد هذا الأثر أنها طرق صحيحة عن ابن عباس، وأنه ثبت عنه.","vol":"2","page":300},{"text":"سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، أن أباه قرأ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع كما صنع رسول الله ﷺ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^١).\nفهذه طرق صحيحة عن ابن عباس، وقد ثبت عن ابن عمر كما ثبت عن ابن عباس قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن مروان الأصغر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أحسبه ابن عمر ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نسختها الآية التي بعدها (^٢). وهكذا روي عن عليّ وابن مسعود وكعب الأحبار والشعبي والنخعي ومحمد بن كعب القرظي وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة، أنها منسوخة بالتي بعدها، وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة من طريق قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل\" (^٣).\nوفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله: إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا همَّ بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا\" (^٤) لفظ مسلم وهو في إفراده من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال: \"قال الله: إذا همَّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، وإذا همَّ بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة\" (^٥). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ، قال: \"قال الله: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها\". وقال رسول الله ﷺ: \"قالت الملائكة: ربِّ وذاك أن عبدك، يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما تركها من جراي\". وقال رسول الله ﷺ: \"إذا أحسن أحد إسلامه، فإن له بكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله ﷿\" تفرد به مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق (^٦) بهذا السياق واللفظ، وبعضه في صحيح البخاري. وقال مسلم أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ ح ٤٥٤٦).\n(^٣) صحيح البخاري، الإيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا في الإيمان (ح ٦٦٦٤)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس (ح ٢٠١).\n(^٤) صحيح مسلم، باب إذا همّ العبد بحسنة (ح ١٢٨).\n(^٥) المصدر السابق، باب إذا همّ العبد بحسنة (ح ١٢٨).\n(^٦) أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق به (الصحيح، الإيمان، الباب السابق (ح ١٢٩).","vol":"2","page":301},{"text":"حسنة، ومن همَّ بحسنة فعملها كتبت له عشرًا (^١) إلى سبعمائة، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب له، وإن عملها كتبت\" تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب (^٢). [وقال مسلم أيضًا] (^٣): حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث، عن الجعد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العطاردي، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى، قال: \"إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة، وإن همّ بها فعملها، كتبها الله عنده سيئة واحدة\" ثم رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان في هذا الإسناد بمعنى حديث عبد الرزاق، زاد: \"ومحاها الله ولا يهلك على الله إلا هالك\" وفي حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألوه فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: \"وقد وجدتموه؟ \" قالوا: نعم، قال: \"ذاك صريح الإيمان\" لفظ مسلم (^٤)، وهو عند مسلم أيضًا من طريق الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ به (^٥)، وروى مسلم أيضًا من حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة، قال: \"تلك محض (^٦) الإيمان\" (^٧).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾: فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] أي: من الشك والنفاق (^٨). وقد روى العوفي (^٩) والضحاك عنه قريبًا من هذا.\nوروى ابن جرير عن مجاهد والضحاك نحوه (^١٠)، وعن الحسن البصري أنه قال: هي محكمة لم تنسخ (^١١)، واختار ابن جرير ذلك واحتجَّ على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى\n_________\n(^١) لفظ: \"عشرًا\" سقط من النسخ الخطية، واستدرك من صحيح مسلم.\n(^٢) صحيح مسلم، الإيمان، الباب السابق ١٣٠، وما بعده بحديثين.\n(^٣) قوله: وقال مسلم أيضًا سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(م) و(ح).\n(^٤) (^٥) صحيح مسلم، الإيمان باب بيان الوسوسة في الإيمان (ح ٢٠٩ و٢١٠).\n(^٦) في الأصل: \"صريح\" والتصويب من صحيح مسلم، كما سيأتي في التخريج ومن نسخة (عف) و(م).\n(^٧) صحيح مسلم، الإيمان، الباب السابق (ح ١٣٣).\n(^٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس.\n(^١١) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.","vol":"2","page":302},{"text":"قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، بالحديث الذي رواه عند هذه الآية قائلًا: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد بن هشام (ح) وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا ابن هشام، قالا جميعًا في حديثهما، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر، ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يدنو المؤمن من ربه ﷿ حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول له: هل تعرف كذا؟ فيقول: ربِّ أعرف، مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم، قال: فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] \" (^١). وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة عن قتادة به (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أُمية، قالت: سألت عائشة عن هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنها، فقالت: هذه مبايعة الله العبد وما يصيبه من الحمى والنكبة، والبضاعة يضعها في يد كمه فيفقدها، فيفزع لها ثم يجدها في ضبنته حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر (^٣). وكذا رواه الترمذي وابن جرير من طريق حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه (^٤).\n(قلت): وشيخه علي بن جدعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه، أُم محمد أُمية بنت عبد الله، عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه.\n\n<span id=\"aya-292\"></span>\n\n<span id=\"aya-293\"></span>﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-87>ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما.</span>\n(الحديث الأول): قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: \"من قرأ بالآيتين\" وحدثنا أبو\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ …﴾ [غافر: ٥١] (ح ٤٦٨٥)، وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول توبة القاتل (ح ٢٧٦٨).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان: فيه مقال، كما ذكر الحافظ ابن كثير.\n(^٤) السنن، التفسير (ح ٢٩٩١).","vol":"2","page":303},{"text":"نعيم: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ بالآيتين - من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه\" (^١). وقد أخرجه بقية الجماعة عن طريق سليمان بن مهران الأعمش بإسناده مثله (^٢). وهو في الصحيحين من طريق الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن عنه به (^٣)، وهو في الصحيحين أيضًا عن عبد الرحمن، عن علقمة، عن ابن مسعود، قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود فحدثني به، وهكذا رواه أحمد بن حنبل، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: \"من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته كفتاه\" (^٤).\n(الحديث الثاني): قال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي، عن خرشة بن الحرّ، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي\" (^٥) قد رواه ابن مردويه من حديث الأشجعي، عن الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش\".\n(الحديث الثالث): قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أُسامة، حدثنا مالك بن مغول (ح) وحدثنا ابن نمير (^٦) وزهير بن حرب، جميعًا، عن عبد الله بن نمير، وألفاظهم متقاربة، قال ابن نمير: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن مغول، عن الزبير بن عدي، عن طلحة، عن مُرَّة، عن عبد الله، قال: لما أُسري برسول الله ﷺ، انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها، قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم] قال: فراش من ذهب، قال: أُعطي رسول الله ﷺ ثلاثًا: أُعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك باللّه من أُمته شيئًا المقحمات (^٧).\n(الحديث الرابع): قال أحمد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني (^٨)، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فإني أُعطيتهما من تحت العرش\" (^٩). هذا إسناد حسن ولم يخرجوه في كتبهم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب فضل سورة البقرة (ح ٥٠٠٨).\n(^٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة (ح ٨٠٨).\n(^٣) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ٥٠٠٩)، وصحيح مسلم، الباب السابق ٨٠٧.\n(^٤) المسند ٤/ ١١٨، وهو متفق عليه كما سبق.\n(^٥) المسند ٥/ ١٥١، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣١٢)، وأخرجه الحاكم من طريق جبير بن نفير عن أبي ذر وقال: والحديث له شاهد من حديث حذيفة أخرجه مسلم (المستدرك ١/ ٥٦٢ - ٥٦٣)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/ ٤٧١.\n(^٦) في الأصل: \"بن يعمر\" وهو تصحيف والتصويب من صحيح مسلم.\n(^٧) صحيح مسلم، الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى (ح ١٧٣).\n(^٨) في الأصل: \"يزيد بن عبد الله المزني\" وهو تصحيف والتصحيح من المسند.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٤٧)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٦/ ٣١٢)، وصححه =","vol":"2","page":304},{"text":"(الحديث الخامس): قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، أخبرنا مروان (^١)، أنبأنا ابن عوانة، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"فضلنا على الناس بثلاث أُوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش، لم يعطاها أحد قبلي، ولا يعطها أحد بعدي\" ثم رواه من حديث نعيم بن أبي هند، عن ربعي، عن حذيفة بنحوه (^٢).\n(الحديث السادس): قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، أنبأنا إسماعيل بن الفضل، أخبرنا محمد بن بزيع، أخبرنا جعفر بن عون، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: لا أرى أحدًا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ خواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز أُعطيه نبيكم ﷺ من تحت العرش (^٣). ورواه وكيع في تفسيره عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمير بن عمرو المخارقي، عن علي، قال: ما أرى أحدًا يعقل، بلغه الإسلام، ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز تحت العرش.\n(الحديث السابع): قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا بُندار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن الجرمي، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ، قال: \"إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزله منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرأ بهنَّ في دار ثلاث ليال فيقرّ بها شيطان\" ثم قال: هذا حديث غريب (^٤)، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة به وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (^٥).\n(الحديث الثامن): قال ابن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مدين، أخبرنا الحسن بن الجهم، أخبرنا إسماعيل بن عمرو، أخبرنا ابن أبي مريم، حدثني يوسف بن أبي الحجاج، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ سورة البقرة وآية الكرسي ضحك وقال: \"إنهما من كنز الرحمن تحت العرش\" وإذا قرأ: (ومن يعمل سوءًا يجز به) ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم] استرجع واستكان (^٦).\n(الحديث التاسع): قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي، حدثنا أحمد بن\n_________\n= الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/ ٣٧٩.\n(^١) في الأصل: \"سرور\" وهو تصحيف والتصحيح من (عف) و(ح) و(م).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة في الصحيح (١/ ١٣٣ ح ٢٦٤)، وابن حبان في الإحسان (١٤/ ٣١٠ ح ٦٤٠٠)، كلاهما من طريق أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن خراش به.\n(^٣) في سنده الحارث الأعور: وهو ضعيف كما في التقريب وقد توبع، فقد أخرجه ابن الضريس من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن عمير بن سعيد، عن علي (ص ١٤٨ ح ١٧٧)، وعمير بن سعيد: ثقة، كما في التقريب. وفي رواية وكيع التالية متابعة عمير بن عمرو للحارث الأعور.\n(^٤) السنن، فضائل القرآن (ح ٢٨٨٢)، ورجاله ثقات ولكن حماد بن سلمة تغير حفظه بآخرة كما في التقريب، ورواية الحاكم من طريقه أيضًا.\n(^٥) المستدرك ١/ ٥٦٢.\n(^٦) في سنده ابن أبي مريم، وهو عبد الله الغساني: وهو ضعيف كما في التقريب.","vol":"2","page":305},{"text":"يحيى بن حمزة، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي مليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش والمفصل نافلة\" (^١).\n(الحديث العاشر): قد تقدم في فضائل الفاتحة من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله ﷺ وعنده جبريل إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء، ما فتح قط. قال: فنزل منه ملك فأتى النبي ﷺ، فقال له: أبشر بنورين قد أُوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أُوتيته، رواه مسلم والنسائي وهذا لفظه (^٢).\nفقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إخبار عن النبي ﷺ بذلك، قال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ، قال لما نزلت عليه هذه الآية: \"ويحق له أن يؤمن\" (^٣). وقد روى الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو النضر الفقيه، حدثنا معاذ بن نجدة القرشي، حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا أبو عقيل عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال النبي ﷺ: \"حق له أن يؤمن\"، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٤).\nوقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الرسول، ثم أخبر عن الجميع، فقال: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين، وقوله: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه، وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه، ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ سؤال للمغفرة والرحمة واللطف.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ قال: قد غفرت لكم (^٥).\n﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب يوم الحساب.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن بيان، عن حكيم بن جابر، قال: لما\n_________\n(^١) في سنده عبيد الله بن أبي حميد: متروك، كما في التقريب.\n(^٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل الفاتحة (ح ٨٠٦).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل ضعيف.\n(^٤) المستدرك ٢/ ٢٨٧، وتعقبه الذهبي بأن سنده منقطع.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"2","page":306},{"text":"نزلت على رسول الله ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه، فسأل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا …﴾ إلى آخر هذه الآية (^١).\nوقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] أي: هو وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان، وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: من خير ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من شر، وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف. ثم قال تعالى مرشدًا عباده إلى سم إله، وقد تكفّل لهم بالإحابة كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ أي: إن تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك، أو أخطأنا؛ أي الصواب في العمل جهلًا منا بوجهه الشرعي. وقد تقدم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال: \"قال الله: نعم\" ولحديث ابن عباس، قال الله: \"قد فعلت\". وروى ابن ماجه في سننه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي عمرو الأوزاعي، عن عطاء. قال ابن ماجه في روايته: عن ابن عباس، وقال الطبراني وابن حبان: عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله وضع عن أُمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (^٢). وقد روي من طريق آخر وأعله أحمد وأبو حاتم (^٣)، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن شهر، عن أُم الدرداء، عن النبي ﷺ، قال: \"إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان، والاستكراه\" قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن، فقال: أجل، أما تقرأ بذلك قرآنًا ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (^٤).\nوقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها كما شرعته للأُمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثت نبيك محمدًا ﷺ، نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيفي السهل السمح، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق جرير به، وسنده مرسل لأن حكيم بن جابر تابعي.\n(^٢) سنن ابن ماجه، الطلاق، باب طلاق المكره والناسي (ح ٢٠٤٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٦٤).\n(^٣) أعلّه ابن أبي حاتم بأن الأوزاعي لم يسمع هذا الحديث من عطاء (العلل ١/ ٤٣١ ح ١٢٩٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو بكر الهذلي: متروك، كما في التقريب، وأم الدرداء تابعية، ويشهد له سابقه.","vol":"2","page":307},{"text":"قال الله: \"نعم\" (^١)، وعن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: قال الله قد فعلت وجاء في الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"بُعثتُ بالحنيفية السمحة\" (^٢).\nوقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِنَ﴾ أي: من التكليف والمصائب والبلاء لا تبتلنا بما لا قبل لنا به.\nوقد قال مكحول في قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: الغربة والغلمة، رواه ابن أبي حاتم (^٣)، قال الله: \"نعم\".\nوفي الحديث الآخر: \"قال الله: قد فعلت\" (^٤).\nوقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: فيما بيننا وبين عبادك فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة ﴿وَارْحَمْنَا﴾ أي: فيما يستقبل فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره.\nوقد تقدم في الحديث أن الله قال: \"نعم\".\nوفي (^٥) الحديث الآخر: قال الله: قد فعلت.\nوقوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ أي: أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول لنا ولا قوة إلا بك، ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة، قال الله: نعم.\nوفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس، قال الله: قد فعلت (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني مثنى بن إبراهيم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق أن معاذًا ﵁، كان إذا فرغ من هذه السورة ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: آمين (^٧). ورواه وكيع عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن معاذ بن جبل، أنه كان إذا ختم البقرة قال: آمين (^٨).\nآخر تفسير سورة البقرة، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أنه ﷾ لن يكلف إلا ما يطاق (ح ١٩٧).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسند حسن (المسند ٤١/ ٣٤٩ ح ٢٤٨٥٥).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم عن مكحول - والغلمة بضم الغيْن وسكون اللام -: شهوة النكاح (لسان العرب ١٢/ ٤٣٩).\n(^٤) هذه الجملة أراها مكررة، فقد ذكرت قبل قول مكحول وبعده أيضًا بخمسة أسطر.\n(^٥) (^٦) تقدم في صحيح مسلم في الصفحة السابقة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أبو إسحاق وهو السبيعي لم يلق معاذًا ﵁. وسنده منقطع.\n(^٨) في سنده رجل مبهم وهو الواسطة بين أبي إسحاق ومعاذ.","vol":"2","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>سورة آل عمران</span>\nهي مدنية، لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزل في وفد نجران وكان (^١) قدومهم في سنة تسع من الهجرة، كما سيأتي بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها (^٢)، إن شاء الله تعالى، وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة في أول تفسير البقرة.\n\n<span id=\"aya-294\"></span>\n\n<span id=\"aya-295\"></span>﷽\n﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾.\nقد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ و﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ عند تفسير آية الكرسي (^٣)، وقد تقدم الكلام على قوله: ﴿الم (١)﴾ في أول سورة البقرة بما يغني عن إعادته، وتقدم الكلام على قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ في تفسير آية الكرسي.\n\n<span id=\"aya-296\"></span>\n\n<span id=\"aya-297\"></span>وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: نزل عليك القرآن يا محمد بالحق، أي: لا شك فيه ولا ريب، بل هم منزل (^٤) من الله ﷿ أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا، وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء فهي تصدقه بما أخبرت به، وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها، لأنه طابق ما أخبرت به، وبشرت من الوعد (^٥) من الله بإرسال محمد ﷺ وإنزال القرآن العظيم عليه. وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ أي: على موسى بن عمران، ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: على عيسى ابن مريم ﵇ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: في زمانهما. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ وهو الفارق بين الهدى والضلال. والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك.\nوقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان ههنا: القرآن (^٦). واختار ابن جرير أنه مصدر ههنا لتقدم\n_________\n(^١) في الأصل: \"وكانت\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٢) آية ٦١ من السورة نفسها.\n(^٣) آية ٢٥٥.\n(^٤) في الأصل: \"نزل\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٥) في الأصل: \"وبشرته من الموعد\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٦) قول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان بن عبد الرحمن عنه.\nوقول الربيع أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.","vol":"2","page":309},{"text":"ذكر القرآن في قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ وهو القرآن.\nوأما ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي صالح، أن المراد بالفرقان ههنا التوراة (^١)، فضعيف أيضًا لتقدم ذكر التوراة، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: منيع الجناب عظيم السلطان، ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: ممن كذب بآياته (^٢) وخالف رسله الكرام وأنبياءه العظام.\n\n<span id=\"aya-298\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾.\nيخبر تعالى أنه يعلم غيب السموات والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك (^٣)،\n\n<span id=\"aya-299\"></span>﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي: يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: هو الذي خلق، وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له، وله العزة التي لا تُرام، والحكمة والأحكام. وهذه الآية فيها تعريض، بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر، لأن الله صوره في الرحم وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلهًا كما زعمته النصارى؛ عليهم لعائن الله، وقد تقلب في الأحشاء وتنقل من حال إلى حال؟ كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦].\n\n<span id=\"aya-300\"></span>﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾.\nيخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات، هن أم الكتاب، أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ومن عكس انعكس ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه] (^٤) ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئًا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد. وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه فروي عن السلف عبارات كثيرة، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^٢) في الأصل: \"آياته\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٣) في الأصل: \"لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من ذلك\" والمثبت من (عف) و(حم) و(ح).\n(^٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).","vol":"2","page":310},{"text":"المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه وحدوده وفرائضه وما يؤمر به ويعمل به (^١). وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي أنهم قالوا: المحكم الذي يعمل به (^٢).\nوعن ابن عباس أيضًا أنه قال: المحكمات قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيتان بعدها. وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى ثلاث آيات بعدها، ورواه ابن أبي حاتم (^٣) وحكاه عن سعيد بن جبير ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن إسحاق بن سويد، أن يحيى بن يَعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية وهي ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، فقال أبو فاختة: فواتح السور، وقال يحيى بن يَعمر: الفرائض والأمر والنهي والحلال والحرام (^٤).\nوقال ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير: هنّ أم الكتاب يقول: أصل الكتاب، وإنما سمَّاهنَّ أم الكتاب لأنهنّ مكتوبات في جميع الكتب (^٥).\nوقال مقاتل بن حيان: لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهنّ (^٦).\nوقيل في المتشابهات: إنهن المنسوخة، والمقدم والمؤخر، والأمثال فيه، والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٧).\nوقيل: هي الحروف المقطعة في أوائل السور. قاله (^٨) مقاتل بن حيان (^٩).\nوعن مجاهد: المتشابهات يصدق بعضها بعضًا (^١٠).\nوهذا إنما هو في تفسير قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] هناك ذكروا أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في (^١١) سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم جميعًا بحذف الإسناد، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف عنه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم من طريق عبد الله بن قيس عن ابن عباس بدون ذكر الآية الثالثة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، (المستدرك ٢/ ٢٨٨).\nوأخرجه ابن أبي حاتم من طريق رجل مجهول عن ابن عباس.\n(^٤) قول سعيد بن جبير ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول يحيى بن يعمر أسنده ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.\n(^٨) في الأصل: \"قال\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٩) في الأصل: \"قال\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) من طريق بكير بن معروف عنه.\n(^١٠) أخرجه عبد بن حميد بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد كما في حاشية تفسير ابن أبي حاتم.\n(^١١) في الأصل تكرر لفظ: \"يكون\" وسقط لفظ: \"في\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).","vol":"2","page":311},{"text":"وصفة النار وذكر حال الأبرار ثم حال الفجار (^١)، ونحو ذلك. وأما ههنا فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم، وأحسن ما قيل فيه هو الذي قدمناه وهو الذي نصَّ عليه محمد بن إسحاق بن يسار (^٢) ﵀ حيث قال: منه آيات محكمات فهنَّ حجّة الربّ، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهنَّ تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، قال: والمتشابهات في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهنَّ العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ويحرفن عن الحق (^٣).\nولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: تحريفه على ما يريدون، وقال مقاتل بن حيان والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن (^٤).\nوقد قال أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مُليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قرأ رسول الله ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فقال: \"فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم\" هكذا وقع هذا الحديث في مسند الإمام أحمد من رواية ابن أبي مُليكة، عن عائشة ﵂ ليس بينهما أحد (^٥)، وهكذا رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن أيوب، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة عنها (^٦)، ورواه محمد بن يحيى العدني في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب به، وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب (^٧)، وكذا رواه غير واحد عن أيوب، وقد (^٨) رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أيوب به (^٩)، ورواه أبو بكر بن المنذر في تفسيره من طريقين عن النعمان بن محمد بن الفضل السدوسي ولقبه:\n_________\n(^١) قوله: \"ثم حال\"، كذا في الأصل و(ح) و(حم) وفي (عف): \"وحال\".\n(^٢) في الأصل: \"بشار\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن إسحاق مختصرًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن السدي وبسند حسن عن مقاتل بن حيان.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٨، ٢٥٦) وهو حديث متفق عليه كما سيأتي.\n(^٦) السنن، المقدمة، باب اجتناب البدع والجدل (ح ٤٧).\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٦.\n(^٨) في الأصل: \"كذا رواه\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٩) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١/ ٢٧٧ (ح ٧٦).","vol":"2","page":312},{"text":"عارِم: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، [عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به (^١). وتابع أيوب] (^٢) أبو عامر الخراز وغيره عن ابن أبي مليكة. فرواه الترمذي عن بندار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي عامر الخراز فذكره (^٣)، وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه عن حماد بن يحيى الأبح (^٤)، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة (^٥). ورواه ابن جرير من حديث روح بن القاسم ونافع بن عُمر (^٦) الجمحي، كلاهما عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة به. وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة: حدثتني عائشة فذكره (^٧). وقد روى هذا الحديث البخاري عند تفسير هذه الآية، ومسلم في كتاب القدر من صحيحه، وأبو داود في السنة من سننه، ثلاثتهم عن القعنبي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن ابن أبي مُليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم\" لفظ البخاري (^٨). وكذا رواه الترمذي أيضًا، عن بُندار عن أبي داود الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم به وقال: حسن صحيح، وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد. وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، ولم يذكر القاسم، كذا قال (^٩). وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة، عن ابن أبي مُليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذي سمى الله فاحذروهم\" (^١٠).\nوقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: نزع رسول الله ﷺ بهذه الآية: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، فقال رسول الله ﷺ: \"قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم\" (^١١). ورواه ابن مردويه من طريق أخرى عن القاسم عن عائشة به.\n_________\n(^١) في تفسير ابن المنذر المطبوع من طريق نافع عن ابن أبي مليكة عن عائشة (تفسير القرآن ص ١٣١ رقم ٢٥٦).\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، سورة آل عمران (ح ٢٩٩٧).\n(^٤) في الأصل: \"الأشج\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٥) سنن سعيد بن منصور (ح ٤٩٢).\n(^٦) في الأصل: \"عمرو\"، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.\n(^٨) صحيح البخاري، تفسير سورة آل عمران، باب ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] (ح ٤٥٤٧)، وصحيح مسلم، في كتاب العلم (وليس في كتاب القدر، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن ح ٢٦٦٥)، وسنن أبي داود، السنة، باب مجانبة أهل الأهواء (ح ٤٥٩٨).\n(^٩) أخرجه بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح ٢٩٩٣، ٢٩٩٤).\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^١١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"2","page":313},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن أبي غالب، قال: سمعت أبا أُمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: \"هم الخوارج\" (^١).\nوفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال: \"هم الخوارج\" وقد رواه ابن مردويه من غير وجه، عن أبي غالب، عن أبي أُمامة مرفوعًا فذكره، وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفًا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح، فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي ﷺ غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة، فقال قائلهم، وهو ذو الخويصرة - بقر الله خاصرته -: اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله ﷺ: \"لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، أيأمنني (^٢) على أهل الأرض ولا تأمنوني\". فلما قفا (^٣) الرجل استأذن عمر بن الخطاب، وفي رواية: خالد بن الوليد، رسول الله في قتله، فقال: \"دعه فإنه يخرج من ضئضئ (^٤) هذا - أي: من جنسه - قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قرائتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قلتهم أجرًا لمن قتلهم\" (^٥).\nثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب ﵁ وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب، وقبائل وآراء، وأهواء، ومقالات، ويحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ في قوله: \"وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة\" قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: \"من كان على أنا عليه وأصحابي\"، أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة (^٦).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن جُندب بن عبد الله، أنه بلغه عن حذيفة، أو سمعه منه، يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر \"إن في أمتي قومًا يقرؤون القرآن، ينثرونه نثر الدقل (^٧) يتأولونه على غير تأويله\" (^٨). لم يخرجوه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ اختلف القراء في الوقف ههنا، فقيل: على الجلالة، كما تقدم عن ابن عباس ﵁ أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٦٢)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) في الأصل: \"يأمنني\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٣) في الأصل: \"مضى\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٤) في الأصل: \"صيصي\" وهو تصحيف والتصويب كسابقه.\n(^٥) أخرجه البخاري (الصحيح، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ح ٢٦١٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب ذكر الخوارج (ح ١٠٦٣).\n(^٦) أخرجه الحاكم وسكت عنه هو والذهبي (المستدرك ١/ ١٢٨ - ١٢٩)، وفي سنده: عبد الرحمن بن زياد وهو الإفريقي وهو ضعيف كما في التقريب.\n(^٧) لفظ: \"الدقل\" تصحف في الأصل \"إلى: له بل\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٨) في سنده عمرو بن عاصم وهو القيسي البصري وهو صدوق في حفظه شيء (التقريب ص ٤٢٣).","vol":"2","page":314},{"text":"وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله (^١).\nويُروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعثاء وأبي نَهيك وغيرهم (^٢).\nوقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير: حدثنا هاشم بن مزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذ المؤمن يبتغي تأويله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ …﴾ الآية، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه\" (^٣) غريب جدًّا.\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابن العاص، عن رسول الله ﷺ، قال: \"إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به\" (^٤).\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: كان ابن عباس يقرأ (^٥): (وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون آمنا به) (^٦).\nوكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله (^٧).\nوحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: (إن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون: آمنا به)، وكذا عن أُبي بن كعب (^٨)، واختار ابن جرير هذا القول.\nومنهم من يقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وتبعهم كثير من المفسرين (^٩) وأهل الأصول،\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر بسند ضعيف من طريق محمد بن السائب الكلبي عن ابن عباس (التفسير ص ١٣١ رقم ٢٥٥)، وأخرجه الطبري من طريق أبي الزناد عن ابن عباس، وأبو الزناد لم يسمع عن ابن عباس لأنه مات سنة ١٣٠ وهو ابن ٦٦ سنة (ينظر: تهذيب التهذيب ٥/ ٢٠٤).\n(^٢) يقصد بهذا القول: الوقف على لفظ الجلالة، وقد أخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن أبي الشعثاء وأبي نهيك في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] قالا: إنكم تصلون هذه الآية وهي مقطوعة … وأخرجه بنحوه بسند حسن عن عروة، وبسند صحيح عن عائشة بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ٣٣٢ ح ٣٤٤٢) وفي سنده محمد بن إسماعيل بن عياش: عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع. (التقريب ص ٤٦٨).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق عمرو بن شعيب به (المسند ح ٦٧٤١)، وصححه محققه أحمد شاكر، وأخرجه ابن سعد من طريق عبد العزيز بن أبي حازم به (الطبقات الكبرى ٤/ ١٩٢)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ٢٨.\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وفي الأصل: \"يقول\"\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه في تفسيره وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح عن عمر بن عبد العزيز، وبسند صحيح عن مالك.\n(^٨) ذكره الطبري وأبو داود في المصاحف ص ٥٩ وابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٣٤٢.\n(^٩) في الأصل: \"المقربين\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).","vol":"2","page":315},{"text":"وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله (^١).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون: آمنا به (^٢). وكذا قال الربيع بن أنس (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الذي أراد ما أراد ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، ثم ردّوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتّسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضًا، فنفذت الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودفع (^٤) به الكفر (^٥).\nوفي الحديث أن رسول الله ﷺ دعا لابن عباس، فقال: \"اللَّهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\" (^٦) ومن العلماء من فصل هذا المقام وقال: التأويل يطلق، ويراد به في القرآن معنيان: أحدهما: التأويل لمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: حقيقة ما أُخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة، لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله ﷿، ويكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ و﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ خبره، وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] أي: بتفسيره، فإن أُريد به هذا المعنى، فالوقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا يكون (^٧) قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ حالًا منهم، وساغ هذا، وأن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا …﴾ الآية [الحشر: ٨ - ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر] أي: وجاءت الملائكة صفوفًا صفوفًا.\nوقوله إخبارًا عنهم أنهم: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ أي: المتشابه، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي: الجميع من المحكم، والمتشابه حقّ وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له، لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد، لقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح عن ابن أبي نجيح به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح عن ابن أبي نجيح به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند لم يذكر فيه اسم شيخه.\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وفي الأصل: \"ورفع\"، وفي تفسير الطبري: \"ودُفع\" وكلها متقاربة.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن حُميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، والرواية في سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٧.\n(^٦) أخرجه البخاري بلفظ: \"اللَّهم علمه الكتاب\"، (الصحيح، العلم، باب قول النبي ﷺ: \"اللهم علمه الكتاب\" ح ٧٥).\n(^٧) في الأصل: \"فيكون\".","vol":"2","page":316},{"text":"لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولوا العقول السليمة والفهوم المستقيمة] (^١).\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا فياض الرقي، حدثنا عبد الله بن يزيد وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ أنسًا وأبا أُمامة وأبا الدرداء ﵃ قال: حدثنا أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ، سئل عن الراسخين في العلم، فقال: \"من برّت (^٢) يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن أعفَّ بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: سمع رسول الله ﷺ قومًا يتدارؤون، فقال: \"إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما أنزل كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه\" (^٤). وتقدم رواية ابن مردويه لهذا الحديث من طريق هشام بن عمار، عن ابن أبي حازم، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب به.\nوقد قال أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أنس بن عياض، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال: \"نزل القرآن على سبعة أحرف، والمِراء في القرآن كفر - قالها ثلاثًا (^٥) - ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه ﷻ\" وهذا إسناد صحيح، ولكن فيه عِلّة بسبب قول الراوي: \"لا أعلمه إلا عن أبي هريرة\".\nوقال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني نافع بن يزيد، قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله، المتذللون لله في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم (^٦). ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: إنما يعقل ويفهم ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة.\n\n<span id=\"aya-301\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عنهم أنهم دعَوا ربهم قائلين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ أي: لا تَمِلها عن الهدي بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يبتغون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم، ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ تثبت بها قلوبنا وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانًا وإيقانًا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.\n_________\n(^١) ما بين معقوفين زيادة من (عف).\n(^٢) في الأصل: \"من بر في يمينه\" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه عبد الله بن يزيد، وهو ابن آدم الدمشقي يروي أحاديث موضوعة (ميزان الاعتدال ٢/ ٥٢٦).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٧٤١)، وصححه محققه أحمد شاكر، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ٢٨.\n(^٥) كذا في مسند أبي يعلى وفي النُسخ جميعها بدون: \"قالها\" (مسند أبي يعلى ١٠/ ٤١٠ ح ٦٠١٦)، فقد أخرجه بسنده ومتنه.\n(^٦) لم أجده في تفسير ابن المنذر المطبوع ولعله من رواية أخرى لتفسير ابن المنذر، وسنده صحيح.","vol":"2","page":317},{"text":"قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، قالا جميعًا: حدثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أُم سلمة، أن النبي ﷺ كان يقول \"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك\" ثم قرأ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (^١). ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن [بكار، عن] (^٢) عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أُم سلمة، وهي أسماء بنت يزيد بن السكن، سمعها تحدث: إن رسول الله ﷺ، كان يكثر من دعائه \"اللَّهم مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك\" قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلب ليتقلب؟ قال: \"نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا قلبه بين أصبعين من أصابع الله ﷿، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه\" (^٣). فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب - وهكذا رواه ابن جرير من حديث أسد بن موسى، عن عبد الحميد بن بهرام به مثله، رواه أيضًا عن المثنى، عن الحجاج بن منهال، عن عبد الحميد بن بهرام به مثله، وزاد قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: \"بلى، قولي: اللَّهم ربَّ النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن\" (^٤).\nثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد الخلال، أخبرنا يزيد بن يحيى بن عبيد الله، أخبرنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يدعو \"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك\" قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، فقال: \"ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، أما تسمعين قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ \" (^٥) غريب من هذا الوجه، ولكن أصله ثابت في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة بدون زيادة ذكر هذه الآية الكريمة (^٦).\nوقد روى أبو داود والنسائي وابن مردويه من حديث أبي عبد الرحمن المقري، زاد النسائي وابن حبان وعبد الله بن وهب كلاهما عن سعيد بن أبي أيوب: حدثني عبد الله بن الوليد التجيبي عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ، كان إذا استقيظ من الليل قال: \"لا إله\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن بالشواهد وقد حسنه الترمذي (السنن، الدعوات ح ٣٥٢٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٧٩٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بنحوه (الصحيح، القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء ح ٢٦٥٤)، وينظر تفصيل تخريجه في: تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم، سورة آل عمران رقم ١٤٥.\n(^٢) ما بين معكوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح).\n(^٣) الشق الأول من الحديث ثابت كما تقدم، والشق الثاني حكمَ عليه الحافظ في الحديث الثاني لابن مردويه بأنه غريب من هذا الوجه.\n(^٤) ذكرهما الطبري بالإسنادين واللفظين وحكم المتن كسابقه.\n(^٥) في سنده: سعيد بن بشير: وهو ضعيف كما في التقريب، ولشقه الأول شاهد تقدم من رواية ابن أبي حاتم والترمذي ومسلم.\n(^٦) تقدم في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.","vol":"2","page":318},{"text":"إلا أنت، سبحانك، اللَّهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمة، اللَّهم زدني علمًا ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب\" لفظ ابن مردويه (^١).\nوقال عبد الرزاق، عن مالك، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عبادة بن نسي أنه أخبره، أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله (^٢) الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق ﵁ المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأُم القرآن وسورتين من قصار المفصل، وقرأ في الركعة الثالثة، قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (^٣).\nقال أبو عبيد: وأخبرني عبادة بن نسي أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، فقال عمر لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله الصنابحي؟ فأخبره بما سمع أبا عبد الله ثانيًا. قال عمر: فما تركناها منذ سمعناها منه وإن كنت قبل ذلك لعلى غير ذلك، فقال له رجل: على أي شيء كان أمير المؤمنين قبل ذلك؟ قال: كنت أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص].\nوقد روى هذا الأثر الوليد بن مسلم عن مالك والأوزاعي، كلاهما عن أبي عبيد به، وروى هذا الأثر الوليد أيضًا عن ابن جابر، عن يحيى بن يحيى الغساني، عن محمود بن لبيد، عن الصنابحي، أنه صلى خلف أبي بكر المغرب، فقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة يجهر بالقراءة، فلما قام إلى الثالثة، ابتدأ القراءة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتمس ثيابه، فقرأ هذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾\n\n<span id=\"aya-302\"></span>وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (^٤).\nأي: يقولون في دعائهم: إنك يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلًا بعمله وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.\n\n<span id=\"aya-303\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾.\nيخبر تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر] وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾ [التوبة] وقال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الأدب، باب ما يقال عند النوم (ح ٥٠٦١)، وعمل اليوم والليلة للنسائي (ح ٨٦٥)، والإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ١٢/ ٣٤١ (ح ٥٥٣١)، وضعفه الألباني بسبب عبد الله بن الوليد التجيبي وهو لين الحديث كما في التقريب (ضعيف سنن أبي داود ح ١٠٧٤).\n(^٢) في الأصل: \"أبو عبيد الله\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ٢/ ١٠٩ - ١١٠ ح ٢٦٩٨)، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق من طريق رجاء بن حيوة عن محمود بن ربيع عن الصنابحي به، (المصنف ٢/ ١١٠ ح ٢٦٩٩)، وسنده صحيح ومحمود بن الربيع، ومحمود بن لبيد المذكوران في تفسير ابن كثير كلاهما من صغار الصحابة.","vol":"2","page":319},{"text":"فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران]، وقال ههنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بآيات الله، وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه (^١) ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ أي حطبها الذي تسجر به، وتوقد به، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، أخبرني ابن الهاد، عن هند بنت الحارث (^٢)، عن أُم الفضل أُم عبد الله بن عباس، قالت: بينما نحن بمكة، قام رسول الله ﷺ من الليل فنادى: \"هل بلغت اللَّهم، هل بلغت\"؟ ثلاثًا، فقام عمر بن الخطاب ﵁ قال: نعم، ثم أصبح فقال رسول الله ﷺ: \"ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى مواطنه، ولتَخُوضُنّ البحارَ بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرؤونه، ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا، فمن هذا الذي هو خير منا، فهل في أولئك من خير؟ \" قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: \"أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار\" (^٣).\nوكذا رأيته بهذا اللفظ وقد رواه ابن مردويه من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن هند بنت الحارث امرأة عبد الله بن شداد، عن أُم الفضل، أن رسول الله ﷺ قام ليلة بمكة، فقال: \"هل بلغت\"؟ يقولها ثلاثًا، فقام عمر بن الخطاب وكان أواهًا، فقال: اللَّهم نعم، وحرصت، وجهدت، ونصحت، فاصبر، فقال النبي ﷺ: \"ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يقرؤون القرآن، فيقرؤونه ويعلمونه، فيقولون: قد قرأنا وقد علمنا فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير\" قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: \"أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار\" (^٤)، ثم رواه من طريق موسى بن عبيدة (^٥)، عن محمد بن إبراهيم، عن بنت الهاد، عن العباس بن عبد المطلب بنحوه (^٦).\n\n<span id=\"aya-304\"></span>وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: كصنيع آل فرعون (^٧)، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد (^٨)، ومنهم من يقول: كسنة آل فرعون (^٩)،\n_________\n(^١) في الأصل: \"رسله\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٢) في الأصل: \"حزن\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، ولبعضه شاهد في الصحيحين، (صحيح البخاري، الجهاد، باب ركوب البحرح ٢٨٩٤، ٢٨٩٥، وصحيح مسلم الإمارة، باب فضل الغزو (ح ١٦٠، ١٦١).\n(^٤) حسنه المنذري (الترغيب ١/ ١٣٠)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (ح ١٣٠ - ١٣٢).\n(^٥) في الأصل: \"موسى بن عبيد\" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.\n(^٦) في سنده: موسى بن عبيدة الربذي: ضعيف، وقد توبع كما سبق في رواية ابن أبي حاتم.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك به، وسنده ضعيف لأن بشر بن عمارة ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس، ويشهد له أقوال التابعين من تلاميذ ابن عباس كما سيأتي.\n(^٨) قول عكرمة ومجاهد أخرجه الطبري بسند فيه سنيد: وهو ضعيف، وقول الضحاك أخرجه ابن المنذر، في حاشية النسخة الخطية من تفسير ابن أبي حاتم، بسند قوي من طريق سلمة بن نبيط عنه، وقول الربيع أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.\n(^٩) هو قول الربيع كما تقدم تخريجه.","vol":"2","page":320},{"text":"وكفعل آل فرعون، وكشبه آل فرعون، والألفاظ متقاربة، والدأب بالتسكين والتحريك كنهر ونهر، هو الصنيع والحال والشأن والأمر والعادة، كما يقال: لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس:\nوقوفًا بها صحبي عليّ مطيهم … يقولون لا تأسف أسى وتجمل\nكدأبك من أُم الحويرث قبلها … وجارتها أُم الرباب بمأسل (^١)\nوالمعنى كعادتك في أُم الحويرث حين (^٢) أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها، والمعنى في الآية أن الكافرين لا تغني عنهم الأموال ولا الأولاد، بل يهلكون ويعذبون كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاؤوا به من آيات الله وحججه، ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾ أي: شديد الأخذ أليم العذاب لا يمتنع منه أحد ولا يفوته شيء، بل هو الفعال لما يريد الذي قد غلب كل شيء وذَلّ له كل شيء، لا إله غيره ولا رب سواه.\n\n<span id=\"aya-305\"></span>\n\n<span id=\"aya-306\"></span>﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾.\nيقول تعالى: قل يا محمد للكافرين: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ أي: في الدنيا، ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله ﷺ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: \"يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشًا\". فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناسي، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)﴾ إلى قوله: ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٣)، وقد رواه محمد بن إسحاق أيضًا، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس … فذكره (^٤)، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ أي: قد كان لكم أيها اليهود القائلون ما قلتم ﴿آيَةٌ﴾ أي: دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومعلِ أمره ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أي: طائفتين ﴿الْتَقَتَا﴾ أي: للقتال ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهم المسلمون، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ وهم مشركو قريش يوم بدر، وقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ قال بعض العلماء فيما حكاه ابن جرير: يرى المشركون يوم بدر أن المسلمين مثليهم في\n_________\n(^١) ديوان امرئ القيس ص ٩.\n(^٢) في الأصل: \"حتى\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وسنده حسن إلى قتادة لكنه مرسل، وقد وصله أبو داود كما سيأتي في الرواية التالية.\n(^٤) أخرجه أبو داود والطبري بسند حسن من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق به (السنن، الخراج، باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة ٣/ ١٥٤).","vol":"2","page":321},{"text":"العدد رأي أعينهم (^١)، أي جعل الله ذلك فيما رأوه سببًا لنصرة الإسلام عليهم، وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة، وهي أن المشركين بعثوا عمير بن سعد يومئذٍ قبل القتال يَحْزِر لهم المسلمين، فأخبرهم بأنهم ثلاثمائة يزيدون قليلًا أو ينقصون، وهكذا كان الأمر. كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا (^٢)، ثم لما وقع القتال أمدَّهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم.\n(والقول الثاني): أن المعنى في قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ أي: ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم؛ أي: ضعفيهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم، وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي عن ابن عباس: أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلًا (^٣). وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس، وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين تسعمائة إلى ألف، كما رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أن رسول الله ﷺ، لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش قال: كثير، قال: \"كم ينحرون كل يوم\"؟ قال: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال النبي ﷺ: \"القوم ما بين التسعمائة إلى الألف\" (^٤). وروى أبو إسحاق السبيعي، عن حارثة، عن علي ﵁، قال: كانوا ألفًا (^٥)، وكذا قال ابن مسعود (^٦). والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وعلى [كل] (^٧) تقدير كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول، والله أعلم، لكن وجه ابن جرير هذا وجعله صحيحًا كما تقول: عندي ألف، وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون محتاجًا إلى ثلاثة آلاف، كذا قال (^٨). وعلى هذا فلا إشكال، لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين، وهو أن يقال: ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]؟\nفالجواب: أن هذا كان في حالة والآخر كان في حالة أخرى، كما قال السدي عن مُرّة الطيب، عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ قال: هذا يوم بدر، قال عبد الله بن\n_________\n(^١) التفسير ٥/ ٢٤٥.\n(^٢) هذا العدد ورد في صحيح البخاري، المغازي، باب عدة أصحاب بدر (ح ٣٩٥٧).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٦، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده مرسل وتشهد له رواية علي بن أبي طالب التالية.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢/ ٢٥٩ ح ٩٤٨)، وابن أبي شيبة (المصنف ١٤/ ٣٦٢)، كلاهما من طريق إسرائيل عن جده أبي إسحاق السبيعي به، وصحَّ إسناده محققو المسند.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود (المصنف ١٤/ ٣٧٤)، واختلف في سماع أبي عبيدة من أبيه ابن مسعود، ورجَّح الحافظ أنه لم يسمع منه كما في التقريب، وتشهد له رواية علي السابقة.\n(^٧) في الأصل سقط لفظ: \"كل\" واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٨) التفسير ٥/ ٢٥٠.","vol":"2","page":322},{"text":"مسعود: وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلًا، واحدًا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ الآية [الأنفال: ٤٤] (^١)، وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، قال: فأسرنا رجلًا منهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا (^٢)، فعندما عاين كل من الفريقين الآخر، رأى المسلمون المشركين مثليهم، أي أكثر منهم بالضعف ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم ﷿، ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل المصاف والتقى الفريقان، قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، ليقدم كل منهما على الآخر ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليفرق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر والطغيان، ويعز المؤمنين وبذل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وقال ههنا: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: إن في ذلك لمعتبر (^٣) لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكمة الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.\n\n<span id=\"aya-307\"></span>\n\n<span id=\"aya-308\"></span>﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾.\nيخبر تعالى عمَّا زُين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء، لأن الفتنة بهنَّ أشد، كما ثبت في صحيح أنه ﷺ، قال: \"ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء\" (^٤)، فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه، مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، \"وإن خير هذه الأمة من كان أكثرها نساء\" (^٥)، وقوله ﷺ: \"الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة (^٦)، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله\" (^٦) وقوله في الحديث الآخر: \"حُبِّب إليَّ النساء والطيب، وجُعلت قرَّة عيني في الصلاة\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عن السدي به، وأخرجه ابن أبي حاتم بدون ذكر مرة الطيب.\n(^٢) تقدم الكلام عن ترجيح الحافظ ابن حجر عدم سماع أبي عبيدة من أبيه ابن مسعود، وتشهد له رواية علي السابقة.\n(^٣) في الأصل: \"لعبر\" وكلاهما صحيح.\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث أسامة بن زيد مرفوعًا (الذكر والدعاء، باب أكثر أهل الجنة الفقراء ح ٢٧٤٠).\n(^٥) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس موقوفًا (الصحيح، النكاح، باب كثرة النساء ح ٥٠٦٩).\n(^٦) أخرج هذا الشطر مسلم في صحيحه، الرضاع، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة (ح ١٤٦٧).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد من حديث أنس (المسند ٣/ ٢٨٥)، وسنده حسن وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٦٠).","vol":"2","page":323},{"text":"وقالت عائشة ﵂: لم يكن شيء أحبّ إلى رسول الله ﷺ من النساء إلا الخيل (^١)، وفي رواية: \"من الخيل إلا النساء\"، وحبّ البنين تارة يكون للتفاخر والزينة، فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أُمة محمد ﷺ ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث: \"تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأُمم يوم القيامة\" (^٢)، وحب المال كذلك تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح محمود شرعًا.\nوقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها أنه المال الجزيل كما قاله الضحاك وغيره (^٣).\nوقيل: ألف دينار (^٤)، وقيل: ألف ومائتا دينار (^٥) وقيل: اثنا عشر ألفًا (^٦)، وقيل: أربعون ألفًا (^٧)، وقيل: ستون ألفًا (^٨)، وقيل: سبعون ألفا (^٩)، وقيل: ثمانون ألفًا (^١٠)، وقيل غير ذلك، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"القنطار اثنا عشر ألف أوقية، كل أوقية خير مما بين السماء إلى الأرض\"، وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد بن سلمة به (^١١)، وقد رواه ابن جرير عن بُندار، عن ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفًا (^١٢) وهذا أصحّ، وهكذا رواه ابن جرير عن معاذ بن جبل وابن عمر (^١٣)، وحكاه ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة وأبي الدرداء، أنهم\n_________\n(^١) أخرجه النسائي من حديث أنس (السنن الكبرى، كتاب الخيل، باب حب الخيل ٤/ ٣١٣ ح ٤٣٨٩)، وفي سنده إبراهيم بن طهمان: ثقة يغرب (التقريب ص ٩٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود من حديث معقل بن يسار (السنن، النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء ح ٢٠٥٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٦٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٠٥).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك وفيه شيخ الطبري مبهم، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك بلفظ: \"ألف دينار\"، ومنهم يقول: \"اثنا عشر ألفًا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق يزيد الرقاشي عن أنس.\n(^٥) سيأتي عن أبي هريرة وأبي الدرداء وأبي بن كعب.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح عن الحسن البصري.\n(^٧) لم أجد من أخرجه.\n(^٨) لم أجد من أخرجه.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عمر، وأخرجه الطبري بسند صحيح عن مجاهد.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن المسيب.\n(^١١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٨٧٤٣)، وسكت عنه أحمد شاكر وأخرجه ابن ماجه من طريق عبد الصمد به (السنن، الأدب، باب بر الوالدين ح ٣٦٦٠)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٣/ ١٥٩)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (ح ٢٩٥٣).\n(^١٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^١٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح عن معاذ، وقول ابن عمر أخرجه الطبري من طريق أبي طيبة عنه. وأبو طيبة هو عبد الله بن مسلم السلمي وهو صدق يهم (التقريب ص ٣٢٣)، وهذا القول رجحه ابن عطية في المحرر ٣/ ٣٤، وأبو حيان في البحر ٢/ ٢٩٧ والثعالبي في (الجواهر الحسان ١/ ٢٤٩)، وأرى أنه =","vol":"2","page":324},{"text":"قالوا: القنطار ألف ومائتا أوقية (^١)، ثم قال ابن جرير ﵀: حدثنا زكريا بن يحيى الضرير، حدثنا شبابة، حدثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زرِّ بن حبيش، عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية\" (^٢). وهذا حديث منكر أيضًا، والأقرب أن يكون موقوفًا على أُبي بن كعب كغيره (^٣) من الصحابة، وقد روى ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن إبراهيم، عن يحَنّس أبي موسى، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية إلى ألف، أصبح له قنطار من أجر عند الله، القنطار منه مثل الجبل العظيم\" (^٤)، ورواه وكيع عن موسى بن عبيدة بمعناه (^٥)، وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي بتَنّيس (^٦)، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد، حدثنا حميد الطويل ورجل آخر، عن أنس بن مالك، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾؟ قال: \"القنطار ألفا أوقية\" صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، هكذا رواه الحاكم (^٧)، وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر فقال: أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي، أنبأنا عمرو بن أبي سلمة، أنبأنا زهير - يعني ابن محمد -، أنبأنا حميد الطويل، ورجل آخر قد سماه - يعني يزيد الرقاشي -، عن أنس، عن رسول الله ﷺ، في قوله: \"قنطار يعني ألف دينار\" (^٨) وهكذا رواه ابن مردويه عن الطبراني، عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم، عن عمرو بن أبي سلمة … فذكر بإسناده مثله سواء (^٩)، وروى ابن جرير عن الحسن البصري: عنه مرسلًا وموقوفًا عليه: القنطار ألف ومائتا دينار، وهو رواية العوفي عن ابن عباس (^١٠)، وقال الضحاك: من العرب من يقول: القنطار ألف دينار، ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفًا (^١١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم، عن حماد، عن سعيد الجَريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: القنطار ملء مسك الثور ذهبًا.\nقال أبو محمد: ورواه محمد بن موسى الحرشي، عن حماد بن زيد مرفوعًا، والموقوف أصحّ (^١٢).\n_________\n= يختلف بحسب البلدان والأوزان فيها، والله أعلم.\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، كما في التقريب.\n(^٣) لفظ: \"كغيره\" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده بلفظ مثل: \"التل العظيم\"، هو مرسل وموسى بن عبيدة الزبدي وهو ضعيف.\n(^٥) وفيه أيضًا موسى بن عبيدة.\n(^٦) قوله: \"بتنيس\" زيادة من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٧) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووفقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٧٨)، ووقفه أصح فلو ثبت عن النبي ﷺ ذلك لما اختلف فيه الصحابة والتابعين.\n(^٨) تقدم تخريجه وتضعيفه بسبب الرقاشي.\n(^٩) تقدم تصحيح الحاكم والذهبي والتعليق على ذلك.\n(^١٠) تقدم أنه صح عن الحسن، أما طريق العوفي عن ابن عباس أخرجه الطبري وسنده ضعيف.\n(^١١) تقدم في الرأي الأول.\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وتعليقه، فإن أبا محمد هو ابن أبي حاتم نفسه، وسنده صحيح.","vol":"2","page":325},{"text":"(وحبّ الخيل على ثلاثة أقسام): تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون، وتارة تربط فخرًا ونواء لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر وتارة للتعفف واقتناء نسلها، ولم ينس حق الله في رقابها فهذه لصاحبها ستر كما سيأتي الحديث بذلك - إن شاء الله تعالى - عند قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]، وأما المسومة، فعن ابن عباس ﵄: المسوَّمة: الراعية، والمطهمة: الحسان (^١)، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبزى والسدي والربيع بن أنس وأبي سنان وغيرهم (^٢)، وقال مكحول: المسومة: الغرَّة والتحجيل (^٣)، وقيل غير ذلك.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُديج، عن أبي ذرّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول: اللَّهم إنك خولتني من خولتني من بين آدم، فاجعلني من أحمت ماله وأهله إليه، أو أحبّ أهله وماله إليه\" (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم، ﴿وَالْحَرْثِ﴾ يعني: الأرض المتخذة للغراس والزراعة.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي (^٥)، عن مسلم بن بُديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي ﷺ، قال: \"خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة\" (^٦) المأمورة: الكثيرة النسل، والسكة: النخل المصطف، والمأبورة: الملقحة.\nثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أي: حسن المرجع والثواب.\nوقد قال ابن جرير: حدثنا ابن حُميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد. قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ لما نزلت ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ قلت: الآن يا ربِّ حين زينتها لنا، فنزلت ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ …﴾ الآية (^٧)، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أي: قل يا محمد\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شريك بن عبد الله عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس، وسنده ضعيف بسبب شريك وخصيف وله شواهد تالية تقوية.\n(^٢) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حبيب بن أبي ثابت بلفظ: \"الراعية\"، وقول مجاهد: أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"المطهمة\" حسنًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق شيخ مجهول عن مكحول.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ٣٩٢ ح ٢١٤٩)، وصححه محققوه موقوفًا، وأخرجه الحاكم من طريق يحيى بن سعيد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٤٤).\n(^٥) في الأصل: \"البدوي\" وهو تصحيف.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ١٧٣ ح ١٥٨٤٥)، وهو مرسل لأن سويد بن هبيرة تابعي ليست له صحبة (ينظر: الجرح والتعديل ٤/ ٢٣٣).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف، وأبو بكر حفص بن عمر بن سعد لم يدرك عمر، وسنده ضعيف.","vol":"2","page":326},{"text":"للناس: أؤخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل لا محالة، ثم أخبر عن ذلك، فقال: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: تتخرق (^١) بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا لا يبغون عنها حولًا.\n﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يحلّ عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبدًا، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [٧٢]، أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء.\n\n<span id=\"aya-309\"></span>﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾.\nيصف ﵎ عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي: بك وبكتابك وبرسولك، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي: بإيماننا بك وبما شرعته لنا، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا في أمرنا بفضلك ورحمتك، ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾\n\n<span id=\"aya-310\"></span>ثم قال تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه (^٢) من الأعمال الشاقة، ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ والقنوت الطاعة والخضوع ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ دَلّ على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب ﵇، لما قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] إنه أخرهم إلى وقت السحر.\nوثبت في الصحيحين وغيرهما من المسانيد والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ، قال: \"ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ … \" الحديث (^٣).\nوقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءًا على حِدة، فرواه من طرق متعددة.\nوفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: \"مِن كلّ الليل قد أوتر رسول الله ﷺ من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر\" (^٤).\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) في الأصل: \"تجري\" وهو تصحيف.\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وفي الأصل: \"يلزمون\" وهو تصحيف.\n(^٣) صحيح البخاري، التهجد، باب الدعاء والصلاة آخر الليل (ح ١١٤٥)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء (ح ٧٥٨).\n(^٤) صحيح البخاري، الوتر، باب ساعات الوتر (ح ٩٩٦)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين (ح ٧٤٥).","vol":"2","page":327},{"text":"وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع، هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح، رواه ابن أبي حاتم (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن حريث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه، قال: سمعت رجلًا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: ربِّ، أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فنظرت فإذا هو ابن مسعود ﵁ (^٢).\nوروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نُؤمر إذا صلّينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة.\n\n<span id=\"aya-311\"></span>\n\n<span id=\"aya-312\"></span>﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾.\nشهد تعالى وكفى به شهيدًا وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه، وهو الغني عما سواه، كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء] ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ منصوب على الحال وهو في جميع الأحوال كذلك ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تأكيد لما سبق، ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياءً، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو (^٣) القرشي، حدثنا أبو سعيد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت النبي ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ وأنا على ذلك من الشاهدين يا ربّ (^٤).\nوقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا علي بن حسين، حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عمر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري، حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير، قال: سمعت رسول الله ﷺ حين قرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال: \"وأنا أشهد أي ربّ\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سليمان بن موسى عن نافع به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده حريث بن أبي مطر: وهو ضعيف (التقريب ص ١٥٦).\n(^٣) في الأصل: \"عبد\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٤٢١)، وضعفه أحمد شاكر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عمر بن حفص بن ثابت سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير =","vol":"2","page":328},{"text":"وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي، قالا: حدثنا عمار بن عمر بن المختار، [حدثني أبي] (^١)، حدثني غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبًا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل فمرَّ بهذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قالها مرارًا، قلت: لقد سمع فيها شيئًا فغدوت إليه فودعته ثم قلت: يا أبا محمد، إني سمعتك تردِّد هذه الآية، قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة، فأقمت سنة، فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد، قد مضت السنة قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله ﷿: عبدي عهد إليّ وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة\" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد ﷺ الذي سدَّ جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد ﷺ، فمن لقي الله بعد بعثة محمد ﷺ بدين على غير شريعته فليس بمتقبل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]، وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، بكسر ﴿أَنَّهُ﴾ وفتح ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^٣).\nأي: شهد هو والملائكة (^٤) وأولوا العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام، والجمهور قرؤوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح، ولكن هذا على قول الجمهور أظهر، والله أعلم.\nثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول، إنما اختلفوا بعدما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم، فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت\n_________\n= ٦/ ١٤٩)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٦/ ١٠٢)، ومحمد بن المتوكل: وهو صدوق له أوهام كثيرة (التقريب ٢/ ٢٠٤).\n(^١) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٠/ ٢٤٥ ح ١٠٤٥٣)، وفي سنده: عمر المختار وهو متهم بالوضع (ميزان الاعتدال ٤/ ١٤٣).\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٢٦٨، ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٩٩، وقراءة: \"إِنه\" شاذة وأما قراءة \"أن الدين\" فهي متواترة قرأ بها الكسائي.\n(^٤) كذا في الأصل و(حم)، وفي (عف) و(ح): \"والملائكة\".","vol":"2","page":329},{"text":"حقًّا، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي [من] (^١) جحد ما أنزل الله في كتابه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: فإن الله سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه.\n\n<span id=\"aya-313\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: جادلوك في التوحيد ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: فقل: أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له ولا ند له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ على ديني يقول كمقالتي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف] ثم قال تعالى آمرًا لعبده ورسوله محمد ﷺ أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه الله به، الكتابيين من الملتين والأميين من المشركين، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وله الحكمة البالغة، والحجة البالغة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء] وما ذلك إلا لحكمته ورحمته، وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في (^٢) غير ما آية وحديث، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان].\nوفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه ﷺ بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم كتابيهم وأميهم (^٣) امتثالًا (^٤) لأمر الله له بذلك، وقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن همّام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأُمة: لا يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار\" رواه مسلم (^٥)، وقال ﷺ: \"بعثت إلى الأحمر والأسود\" (^٦).\nوقال: \"كان النبي يُبعث إلى قومه [خاصة] (^٧) وبُعثت إلى الناس عامة\" (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس ﵁: أن غلامًا يهوديًا كان يضع للنبي ﷺ وضوءه، ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي ﷺ دخل عليه وأبوه قاعد عند\n_________\n(^١) لفظ: \"من\" سقط من الأصل وهو مثبت في (عف) و(ح) و(حم).\n(^٢) كذا في (عف) و(حم) و(ح) وفي الأصل: \"من\".\n(^٣) ينظر: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما يذكر في المناولة (ح ٦٤، ٦٥)، وصحيح مسلم كتاب اللباس والزينة (ح ٢٠٩٢).\n(^٤) كذا في (عف) و(حم) و(ح) والتخريج، وفي الأصل: \"إما\".\n(^٥) صحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ (ح ١٥٣).\n(^٦) أخرجه مسلم من حديث جابر ﵁ (الصحيح، المساجد، ح ٥٢١).\n(^٧) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٨) أخرجه البخاري من حديث جابر ﷺ (الصحيح، التيمم، باب ١ ح ٣٣٥).","vol":"2","page":330},{"text":"رأسه فقال له النبي ﷺ: \"يا فلان قل: لا إله إلا الله\" فنظر إلى أبيه فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي ﷺ، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله [وأنك رسول الله] (^١)، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: \"الحمد لله الذي أخرجه بي من النار\" رواه البخاري في الصحيح (^٢)، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.\n\n<span id=\"aya-314\"></span>\n\n<span id=\"aya-315\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾.\nهذا ذمٌّ من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله، قديمًا وحديثًا، التي بلغتهم (^٣) إياها الرسل استكبارًا عليهم، وعنادًا لهم، وتعاظمًا على الحق، واستنكافًا عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحق ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي ﷺ: \"الكبر بطر الحق وغمط الناس\" (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا - أبو الزبير الحسن بن علي (^٥) بن مسلم النيسابوري نزيل مكة، حدثني أبو حفص عمر بن حفص - يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري -، حدثنا محمد بن حمزة، حدثنا أبو الحسن مولى لبني أسد، عن مكحول، عن أبي قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، أي: الناس أشد عذابًا يوم القيامة؟ قال: \"رجل قتل نبيًا أو مَنْ أمرَ بالمعروف ونهى عن المنكر\" ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، ثم قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلًا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعًا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله ﷿\" (^٦). وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عبيد الوصابي (^٧) محمد بن حفص، عن ابن حُمَير، عن أبي الحسن مولى بني أسد، عن مكحول به (^٨).\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٢) الصحيح، الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ (ح ١٣٥٦)، والحديث أخرجه الإمام أحمد بسنده متنه (المسند ٣/ ١٧٥).\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"بلغتها\" وهو تصحيف.\n(^٤) صحيح مسلم، الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه (ح ١٤٨).\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج وفي الأصل: \"الزبير بن الحر بن علي\" وهو تصحيف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو الحسن مولى لبني أسد وهو: مجهول (الجرح والتعديل ٩/ ٣٥٧).\n(^٧) كذا في (عف) و(ح)، و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"الرصافي\"، وهو تصحيف.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.","vol":"2","page":331},{"text":"وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق بقلهم (^١) من آخره، رواه ابن أبي حاتم (^٢). ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق (^٣)، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة، فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: موجع مهين ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢﴾.\n\n<span id=\"aya-316\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على اليهود والنصارى المتمسكين (^٤) فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد ﷺ، تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد،\n\n<span id=\"aya-317\"></span>ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أي: إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة [في الدنيا] (^٥) يومًا وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة (^٦).\nثم قال تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ثبتهم على دينهم الباطل، ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أيامًا معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه ولم ينزل الله به سلطانًا،\n\n<span id=\"aya-318\"></span>قال الله تعالى متهددًا لهم ومتوعدًا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله، وكذبوا رسله، وقتلوا أنبيائه، والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر؟ والله تعالى سائلهم عن ذلك كله ومحاسبهم (^٧) عليه ومجازيهم به، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك في وقوعه وكونه، ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-319\"></span>﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾.\nيقول ﵎: ﴿قُلِ﴾ يا محمد معظمًا لربك وشاكرًا له ومفوضًا إليه ومتوكلًا عليه ﴿اللَّهُمَّ\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"قتلهم وهو تصحيف\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي معمر الأزدي، وهو عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود.\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"الحق\".\n(^٤) تقدم في آية رقم (٨٠).\n(^٥) كذا في (ح) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"المتمسكون\" والصواب ما اثبت.\n(^٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"يحاسبهم\".","vol":"2","page":332},{"text":"مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ أي: لك (^١) الملك كله ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن [وفي] (^٢) هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله ﷺ وهذه الأُمة (^٣)، لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي الأمي المكي، خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصَّه بخصائص لم يعطها نبيًا من الأنبياء، ولا رسولًا من الرسل في العلم بالله وشريعته، واطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه له عن حقائق الآخرة، ونشر أمته في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين ما تعاقب الليل والنهار. لهذا قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعَّال لما تريد، كما ردَّ تعالى على من يحكم عليه في أمره حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف]، قال الله تعالى ردًا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] أي: نحن - نتصرف فيما خلقنا كما نريد بلا ممانع ولا مدافع، ولنا الحكمة البالغة، والحجة التامة في ذلك، وهكذا يعطي النبوة لمن يريد، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء].\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة إسحاق بن أحمد من (^٤) تاريخه، عن المأمون الخليفة، أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوبًا بالحميرية، فعُرِّب له، فإذا هو بسم الله:\nما اختلف الليل والنهار … ولا دارت نجوم السماء في الفلك\nإلا بنقل النعيم عن ملك … قد زال سلطانه إلى ملك\nوملك ذي العرش دائم أبدًا … ليس بفانٍ ولا بمشترك\n\n<span id=\"aya-320\"></span>وقوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان (^٥)، ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة ربيعًا وصيفًا وخريفًا وشتاء.\nوقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: تخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"له\".\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وسقط من الأصل.\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"وعلى هذه الأمة\".\n(^٤) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل: \"في\" وهو تصحيف.\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"يتقاربان\" وهو تصحيف.","vol":"2","page":333},{"text":"﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: تعطي من شئت من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتِّر على آخرين لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل.\nقال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا جعفر بن جسر بن فرقد، حدثنا أبي، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، قال: \"اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ \" (^١).\n\n<span id=\"aya-321\"></span>﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾.\nنهى ﵎ عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي ومن يرتكب نهي الله [في هذا] (^٢) فقد بريء من الله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ [النساء] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ …﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تعالى بعد ذكر موالاة المؤمنين للمؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتاقيهم (^٣) بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء: أنه قال: \"إنا لنكشِّر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم\" (^٤).\nوقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التُقية بالعمل إنما التُقية باللسان (^٥)، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التُقية باللسان (^٦)، وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس (^٧). ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ١٧١)، وفى سنده جعفر بن جسر بن فرقد يروي المناكير (لسان الميزان ٢/ ١١١ - ١١٢).\n(^٢) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٣) في الأصل غير منقوطة، ونقطت من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٤) أخرجه البخاري تعليقًا (الصحيح، الأدب، باب المداراة مع الناس). وقد روي من طرق ضعيفة ذكرها الحافظ ابن حجر (الفتح ١٠/ ٥٣٨).\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق الثوري عن ابن جريج عمن حدثه عن ابن عباس، وسنده ضعيف، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري عن ابن عباس وسنده منقطع.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ويشهد له الآثار التالية.\n(^٧) قول أبي العالية والربيع بن أنس أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد، وقول أبي الشعثاء، وهو جابر بن زيد،=","vol":"2","page":334},{"text":"مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل].\nوقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة (^١).\nثم قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يحذركم نقمته في مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه، وعادى أولياءه. ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: [إليه] (^٢) المرجع والمنقلب ليجازي كل عامل بعمله.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي حسين، عن عبد الرحمن بن سابط (^٣)، عن عمرو بن ميمون، قال: قام فينا معاذ بن جبل، فقال: يا بني أود، إني رسول رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الجنة أو إلى النار (^٤).\n\n<span id=\"aya-322\"></span>\n\n<span id=\"aya-323\"></span>﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾.\nيخبر ﵎ عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والآنات واللحظات وجميع الأوقات (^٥)، وجميع ما في الأرض والسموات لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: وقدرته نافذة في جميع ذلك، وهذا تنبيه لعباده على خوفه وخشيته لئلا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل، ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال بعد هذا: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير ومن شر، كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة] فما رأى من أعماله حسنًا سرَّه ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه وود لو أنه تبرأ منه وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترنًا به في الدنيا، وهو الذي جرأه على فعل السوء ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨]، ثم قال تعالى مؤكدًا ومهددًا ومتوعدًا ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾\n_________\n= والضحاك ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^١) أخرجه البخاري تعليقًا الصحيح، الإكراه، الباب الأول، وقد وصله عبد بن حميد وابن أبي شيبة من طريق عوف الأعرابي عن الحسن (الفتح ١٢/ ٣١٤)، وإسناد عبد بن حميد، عن روح، عن عوف الأعرابي به، (تغليق التعليق ٥/ ٢٦٠)، وسنده صحيح.\n(^٢) \"إليه\": سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل: \"بلفظ ابن ساقط\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن.\n(^٥) في الأصل: \"في سائل الأحوال واللحظات في جميع الأوقات\" والمثبت من (عف) و(ح) و(مح).","vol":"2","page":335},{"text":"أي: يخوفكم عقابه، ثم قال ﷻ مرجيًا لعباده لئلا ييئسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه (^١).\nوقال غيره: أي رحيم بخلقه يحب [لهم] (^٢) أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم وأن يتبعوا رسوله الكريم.\n\n<span id=\"aya-324\"></span>﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾.\nهذه الآية الكريمة حاكمة على من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ، أنه قال: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ\" (^٣)، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يحصل (^٤) لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء (^٥) العلماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأن أن تُحَبَّ.\nوقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"وهل الدين إلا الحب والبغض، قال (^٦) الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ \". قال أبو زرعة: عبد الأعلى هذا: منكر الحديث (^٧).\nثم قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي باتباعكم الرسول ﷺ، يحصل لكم هذا كله من بركة سفارته (^٨)،\n\n<span id=\"aya-325\"></span>ثم قال تعالى آمرًا لكل أحد من خاص وعام: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تخالفوا عن أمره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحبُّ من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب للّه ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق فيض بن إسحاق عن الفضيل بن عياض، عن الحسن. وفيض بن إسحاق سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ٧/ ١٣٩)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٧/ ٨٨.\n(^٢) \"لهم\" زيادة من (عف) و(مح) و(حم).\n(^٣) أخرجه مسلم (الصحيح، الأقضية باب ١٨) وأخرجه البخاري تعليقًا (الصحيح، البيوع، باب النجش). في أوله: وأخرجه موصولًا عن عائشة بلفظ: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ\" (الصحيح، الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور ح ٢٦٩٧).\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل: \"يجعل\" وهو تصحيف.\n(^٥) \"الحكماء\" زيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل كما قال بزيادة لفظ \"كما\" والصواب هو المثبت كما في تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وتعليقه بأنه منكر.\n(^٨) كذا في النسخ وفي نسخه (عف) فوق هذه الكلمة وردت لفظ: رسالته وكأنه يبين معنى: سفارته.","vol":"2","page":336},{"text":"الأُميّ خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين: الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]، إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-326\"></span>\n\n<span id=\"aya-327\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾.\nيخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم ﵇ خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة، واصطفى نوحًا ﵇ وجعله أول رسول [بعثه] (^١) إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانًا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا [فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، و] (^٢) لم ينجُ منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به، واصطفى آل إبراهيم، ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد ﷺ، وآل عمران والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أُم عيسى ابن مريم ﵇.\nقال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀: هو عمران بن ياشم بن أمون منشا بن حزقيا بن أحزيق بن يوثم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يارم بن يهفاشاط بن أسابر بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود ﵇ (^٣)، فعيسى ﵇ من ذرية إبراهيم كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة.\n\n<span id=\"aya-328\"></span>﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾.\nامرأة عمران هذه هي أُم مريم ﵂، وهي حنة بنت فاقوذ (^٤).\nقال محمد بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يومًا طائرًا يزق فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يهبها ولدًا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحققت الحمل، نذرته أن يكون محررًا؛ أي: خالصًا مفرغًا للعبادة (^٥) ولخدمة (^٦) بيت المقدس،\n_________\n(^١) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق محمد بن حميد عن سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق وفي هذا الاسم وردت بعض التصحيفات في الأصل استدركت عن رواية ابن إسحاق.\n(^٤) ذكره الطبري عن ابن إسحاق من الطريق السابق، وفي الأصل ورد بلفظ: \"فاترد\" وهو تصحيف والتصويب من التخريج و(عف) و(ح) و(حم).\n(^٥) أخرجه الطبري عن ابن إسحاق من الطريق السابق.\n(^٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وفي الأصل: \"نذرته\" وهو تكرار للكلمة السابقة: \"ونذرته\".","vol":"2","page":337},{"text":"فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لدعائي العليم بنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها: أذكرًا أم أنثى؟\n\n<span id=\"aya-329\"></span>﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرئ برفع التاء، على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقرئ بتسكين التاء (^١)، على أنه من قول الله ﷿، ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ أي: في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ فيه دليل (^٢) على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقررًا، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ حيث قال: \"ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم\" أخرجاه (^٣)، وكذلك ثبت فيهما: أن أنس بن مالك ذهب بأخيه (^٤) حين ولدته أمه إلى رسول الله ﷺ فحنكه وسماه عبد الله (^٥).\nوفي صحيح البخاري: أن رجلًا قال: يا رسول الله ولد لي الليلة ولد فما أسميه؟ قال: \"اسم ولدك عبد الرحمن \" (^٦)، وثبت في الصحيح أيضًا: أنه لما جاءه أبو أُسيد بابنه ليحنكه، فذهل عنه، فأمر به أبوه، فردَّه إلى منزلهم، فلما ذكر رسول الله ﷺ في المجلس سماه المنذر (^٧).\nفأما حديث قتادة عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ، قال: \"كل غلام رهين بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويسمى ويحلق رأسه\" فقد رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي بهذا اللفظ، وروي: ويُدَمّى (^٨)، وهو أثبت وأحفظ، والله أعلم. وكذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب \"النسب\" أن رسول الله ﷺ، عقَّ عن ولده إبراهيم يوم سابعه وسماه إبراهيم، فإسناده لا يثبت، وهو مخالف لما في الصحيح، ولو صحَّ لحمل على أنه أَشْهَرَ اسمه بذلك يومئذٍ، والله أعلم، وقوله: إخبارًا عن أُم مريم أنها قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي: عوَّذتها بالله ﷿ من شر الشيطان، وعوَّذت ذريتها وهو ولدها عيسى ﵇، فاستجاب الله لها ذلك، كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، [عن أبي هريرة] (^٩) قال: قال رسول الله: \"ما من مولود يولد إلا مسَّه الشيطان حين يولد، فيستهل\n_________\n(^١) وكلتاهما قراءة متواترة.\n(^٢) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل (وح) و(حم) بلفظ: \"دلالة\" وكلاهما صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث أنس (الصحيح، الجنائز، باب قول النبي ﷺ: \"إنا بك لمحزونون\" ح ١٣٠٣)، ومسلم في الصحيح، الفضائل (ح ٢٣١٥).\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"ذهب إلى ناحية\" وهو تصحيف والتصويب أيضًا من التخريج.\n(^٥) صحيح البخاري، العقيقة، باب تسمية المولود (ح ٥٤٥٧)، وصحيح مسلم، الأدب (ح ٢١٤٤).\n(^٦) صحيح البخاري، الأدب، باب أحب الأسماء إلى الله (ح ٦١٨٦).\n(^٧) صحيح البخاري، الأدب، باب تحويل الاسم (ح ٦١٩١).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد من طريق همام عن قتادة به، وبلفظ بالروايتين (المسند ٣٣/ ٢٧١ ح ٢٠٠٨٣)، وصححه محققوه، وقد ذكر الحافظ ابن حجر تفسير: ويدمي (الفتح ٩/ ٥٩٣)، وأخرجه أبو داود، السنن، الأضاحي، باب في العقيقة (ح ٢٨٣٧)، والترمذي وصححه، السنن، الأضاحي، باب ما جاء في العقيقة (ح ١٥٢٢)، والنسائي، السنن، العقيقة، باب متى يعق؟ ٧/ ١٦٦، وابن ماجه، السنن، الذبائح، باب العقيقة (ح ٣١٦٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٥٦٣).\n(^٩) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.","vol":"2","page":338},{"text":"صارخًا من مسّه إياه، إلا مريم وابنها\" ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، أخرجاه من حديث عبد الرزاق (^١)، ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج، عن بقية، حدثنا الزبيدي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه (^٢)، وروي من حديث قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين، إلا عيسى ابن مريم ومريم\" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (^٣).\nومن حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة (^٤). ورواه ابن وهب أيضًا، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المشْمَعِلّ (^٥)، عن أبي هريرة (^٦). ورواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بأصل الحديث (^٧). وهكذا رواه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: \"كلّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أُمه إلا عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب\" (^٨).\n\n<span id=\"aya-330\"></span>﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾.\nيخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ أي: جعلها شكلًا مليحًا ومنظرًا بهيجًا، وشر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين، فلهذا قال: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وفي قراءة ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ بتشديد الفاء، ونصب زكريا على المفعولية (^٩)؛ أي جعله كافلًا لها.\nقال ابن إسحاق: وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة (^١٠).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، تفسير سورة آل عمران، باب قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾ [آل عمران: ٣٦] (ح ٤٥٤٨)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل عيسى ﵊، قبل (حديث ٢٣٦٦).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه أحمد شاكر.\n(^٤) صحيح مسلم، الموضع السابق بعده بحديثين.\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، والتخريج وفي الأصل: \"عن أبي ذئب عن عجلان مولى إسماعيل\" وهو تصحيف\".\n(^٦) أخرجه أحمد في المسند (ح ٧٨٦٦)، والطبري في تفسيره.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق عبد بن سليمان عن ابن إسحاق به، وأخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط. وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٩٤).\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق شعيب بن الليث عن الليث به.\n(^٩) كلتاهما قراءتان متواترتان.\n(^١٠) أخرجه الطبري بنحوه من الطريق السابق عن ابن إسحاق.","vol":"2","page":339},{"text":"وذكر غيره: أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب، فكفل زكريا مريم لذلك، ولا منافاة بين القولين، والله أعلم. وإنما قدَّر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علمًا جمًا نافعًا وعملًا صالحًا، ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما (^١).\nوقيل: زوج أختها، كما ورد في الصحيح \"فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة\" (^٢)، وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضًا توسعًا، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قضى في عمارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب، وقال: \"الخالة بمنزلة الأُم\" (^٣). ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾.\nقال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والربيع بن أنس وعطية العوفي والسدي: يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف (^٤).\nوعن مجاهد ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ أي: علمًا، أو قال: صحفًا [فيها علم] (^٥) رواه ابن أبي حاتم (^٦)، والأول أصحّ وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السُّنة لهذا نظائر كثيرة.\nفإذا رأى زكريا هذا عندها ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ أي: يقول: من أين لك هذا؟ ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سهل بن زنجلة، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن رسول الله ﷺ، أقام أيامًا لم يطعم طعامًا حتى شقَّ ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه، فلم يجد عند واحدة منهن شيئًا، فأتى فاطمة فقال: \"يا بنية هل عندك شيء آكله، فإني جائع؟ \" قالت: لا والله - بأبي أنت وأُمي -[فلما خرج من عندها، بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها، فوضعته في جفنة لها، وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعًا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسنًا أو حسينًا إلى رسول الله ﷺ، فرجع إليها، فقالت له: بأبي أنت وأُمي] (^٧) قد أتى الله بشيء فخبأته لك. قال: \"هلمي يا بنية\". قالت: فأتيته بالجفنة، فكشف عنها، فإذا هي مملوءة خبزًا ولحمًا، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله وصلت على نبيه وقدمته إلى رسول الله، فلما رآه حمد الله وقال: \"من أين لك هذا يا بنية\"؟ قالت: يا أبتِ ﴿هُوَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بنحوه من الطريق السابق عن ابن إسحاق.\n(^٢) سيأتي تخريجه في مطلع سورة الإسراء في قصة الإسراء والمعراج.\n(^٣) صحيح البخاري، الصلح، باب كيف يكتب، هذا ما صالح فلان بن فلان … (ح ٢٦٩٩).\n(^٤) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند في أغلبهم، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق النضر بن عربي عنه، وقول قتادة والسدي والربيع بن أنس أخرجه الطبري بأسانيد حِسان عنهم، وقول سعيد بن جبير والضحاك أخرجه الطبري بأسانيد ضعاف يشهد لها ما سبق.\n(^٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق إبراهيم بن رستم عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.","vol":"2","page":340},{"text":"مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فحمد الله وقال: \"الحمد لله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئًا وسئلت عنه، قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب\" فبعث رسول الله ﷺ إلى علي، ثم أكل رسول الله ﷺ، [وأكل علي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي ﷺ] (^١) وأهل بيته حتى شبعوا جميعًا، قالت: وبقيت الجفنة كما هي، قالت: فأوسعت ببقيتها على جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرًا كثيرًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-331\"></span>﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾.\nلما رأى زكريا ﵇ أن الله يرزق مريم ﵂ فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذٍ في الولد وكان شيخًا كبيرًا قد ضَعُفَ، ووهن منه العظم واشتعل الرأس شيبًا، وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفيًا، وقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي: ولدًا صالحًا ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.\n\n<span id=\"aya-332\"></span>قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ أي: خاطبته الملائكة شفاهًا خطابًا، أسمعته وهو قائم يصلي في محراب عبادته ومحل خلوته ومجلس مناجاته وصلاته. ثم أخبر تعالى عما بشرته به الملائكة ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان (^٣).\nوقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ روى العوفي وغيره عن ابن عباس، وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسدي والربيع بن أنس والضحاك وغيره في هذه الآية: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بعيسى ابن مريم (^٤).\nوقال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم (^٥).\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك كسابقه.\n(^٢) في سنده عبد الله بن لهيعة فيه مقال، وعبد الله بن صالح: صدوق كثير الخطأ ثبت في كتابه فيه غفلة (التقريب ص ٣٠٨).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان عن قتادة.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه، وقول عكرمة تقدم عند ابن أبي حاتم، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق النضر بن عربي، وطريق الضحاك أخرجه ابن المنذر بسند صحيح من طريق علي بن الحكم عنه. وطريق السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.","vol":"2","page":341},{"text":"وقال قتادة: وعلى سننه ومنهاجه (^١).\nوقال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أُم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى تصديقه له في بطن أُمه، وهو أول من صدق عيسى (^٢)، وكلمة الله عيسى، وهو أكبر من عيسى ﵇ (^٣)، وهكذا قال السدي أيضًا (^٤).\nقوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾ قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم: الحليم (^٥).\nقال قتادة: سيدًا في العلم والعبادة (^٦).\nوقال ابن عباس والثوري والضحاك: السيد الحليم التقي (^٧).\nقال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم (^٨). وقال عطية: السيد في خلقه ودينه.\nوقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب (^٩).\nوقال ابن زيد: هو الشريف (^١٠).\nوقال مجاهد وغيره: هو الكريم على الله عزَّ وعزَّ (^١١).\nوقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾ روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وعطية العوفي، أنهم قالوا: الذي لا يأتي النساء (^١٢).\nوعن أبي العالية والربيع بن أنس: هو الذي لا يولد له (^١٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي جعفر الرازي عنه.\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"بعيسى\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٥) قول الربيع بن أنس ذكره عبد بن حميد وابن أبي حاتم تعليقًا وكذا قول أبي العالية ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق سالم الأفطس عنه (المصنف ١١/ ٥٦٢ رقم ١١٩٥٧)، وقول قتادة ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٧) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف، وقول الضحاك أخرجه الطبري والخرائطي (مكارم الأخلاق ص ٦٠) بسند ضعيف، وقول الثوري أخرجه الطبري بسند حسن عنه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يحيى بن سعيد عنه.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أبي بكر الهذلي عنه.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^١١) أخرجه مسلم بن خالد الزنجي من طريق ابن أبي نجيح عنه وسنده صحيح (التفسير ص ٧٤).\n(^١٢) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف وقول ابن مسعود أخرجه الطبري وابن المنذر بسند حسن، وقول مجاهد أخرجه مسلم بن خالد الزنجي بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه (التفسير ص ٧٤)، وقول سعيد بن جبير أخرجه البخاري معلقًا (الصحيح، تفسير سورة آل عمران ٦/ ٤١)، وقول عكرمة أخرجه البيهقي معلقًا (السنن الكبرى ٧/ ٨٣)، وقول أبي الشعثاء أخرجه عبد بن حميد معلقًا.\n(^١٣) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف الإسناد، وقول الربيع أخرجه ابن المنذر بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.","vol":"2","page":342},{"text":"وقال الضحاك: هو الذي لا ولد له ولا ماء له (^١).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس في الحصور: الذي لا ينزل الماء (^٢).\nوقد روى ابن أبي حاتم في هذا حديثًا غريبًا جدًّا، فقال: حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب البغدادي، حدثني سعيد بن سليمان، حدثنا عباد - يعني ابن العوام - عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن ابن العاص - لا يدري عبد الله أو عمرو - عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ قال: ثم تناول شيئًا من الأرض، فقال: \"كان ذكره مثل هذا\" (^٣). ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا أحمد بن داود السمناني، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من عبد يلقى الله إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا\"، فإن الله يقول: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ قال: \"وإنما ذكره مثل هدبة الثوب\" وأشار بأنملته (^٤).\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أنه سمع سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ليس أحد من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا. ثم قرأ سعيد ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾، ثم أخذ شيئًا من الأرض، فقال: الحصور من كان ذكره مثل ذي. وأشار يحيى بن سعيد القطان بطرف أصبعه السبابة (^٥). فهذا موقوف أصح إسنادًا من المرفوع بل وفي صحة المرفوع نظر، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن حماد ومحمد بن سلمة المرادي قالا: حدثنا حجاج بن سليمان العمري (^٦)، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"كل ابن آدم يلقى الله بذنب يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه، إلا يحيى بن زكريا فإنه كان سيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين\" ثم أهوى النبي ﷺ إلى قذاة من الأرض، فأخذها وقال: \"وكان ذكره مثل هذه القذاة\" (^٧).\n[وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفا: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان ﴿وَحَصُورًا﴾ ليس كما قاله بعضهم إنه كان هيوبًا أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب، ولا تليق بالأنبياء ﵈، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها كأنه حُصِر عنها. وقيل: مانعًا نفسه من الشهوات. وقيل: ليست له شهوة في النساء.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق قابوس عن أبيه عنه.\n(^٣) أخرجه ابن المنذر بسنده ومتنه (التفسير ص ١٩١) وفي سنده سويد بن سعيد لين الحديث (التقريب ص ٢٦٠)، ونص ابن المنذر ورد في الأصل قبل رواية أبي هريرة التالية وأثبت كما في (عف) و(مح).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحكم عليه ابن كثير.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده صحيح.\n(^٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل: \"العمري\" وهو تصحيف.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي مسنده حجاج بن سليمان القمري وهو منكر الحديث (الجرح والتعديل ٣/ ١٦٢).","vol":"2","page":343},{"text":"وقد بَانَ لكَ من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة، ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله ﷿ كيحيى ﵇، ثم هي في حق من قدر عليها، وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه درجة عليا، وهي درجة نبينا ﷺ الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وقيامه عليهن وإكسابه لهن وهدايته إياهن، بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: \"حُبب إليَّ من دنياكم\" (^١) هذا لفظه. والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كأنه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعقب، والله ﷾ أعلم] (^٢).\nوقوله: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى، [كقوله لأم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]] (^٣)\n\n<span id=\"aya-333\"></span>فلما تحقق زكريا ﵇ هذه البشارة، أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ﴾ أي: الملك ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: هكذا أمر الله عظيم، لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه أمر،\n\n<span id=\"aya-334\"></span>﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ أي: إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوي صحيح، كما في قوله: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] ثم أمر بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. وسيأتي طرف آخر في بسط هذا المقام في أول سورة مريم، إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-335\"></span>﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾.\nهذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم ﵈ عن أمر الله لهم بذلك، أن الله قد اصطفاها؛ أي اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس، واصطفاها ثانيًا مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين.\nقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ: \"خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط\" ولم يخرجه من هذا الوجه سوى مسلم، فإنه رواه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق (^٤) به.\n_________\n(^١) حديث صحيح تقدم نحوه في بداية تفسير الآية رقم (١٤) من هذه السورة.\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل نساء قريش (ح ٢٠١، ٢٠٢).","vol":"2","page":344},{"text":"وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد\" أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام به مثله (^١).\nوقال الترمذي: حدثنا أبو بكر بن زنجويه، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: \"حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون\" تفرد به الترمذي وصححه (^٢).\nقال عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، قال: كان ثابت البناني يحدث عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ، قال: \"خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول الله\" رواه ابن مردويه (^٣).\nوروى ابن مردويه من طريق شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا آدم العسقلاني، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مُرَّة، سمعت مرة الهمداني، يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون\". وقد أخرجه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن شعبة به، ولفظ البخاري: \"كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" (^٥). وقد استقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في قصة عيسى ابن مريم ﵇ في كتابنا البداية والنهاية (^٦)، ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-336\"></span>ثم أخبر تعالى عن الملائكة أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل، لما يريد الله بها من الأمر الذي قدره الله وقضاه مما فيه محنة لها، ورفعة في الدارين بما أظهر الله فيها من قدرته العظيمة، حيث خلق منها ولدًا من غير أب، فقال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ أما القنوت فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦].\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ …﴾ [آل عمران: ٤٢] (ح ٣٤٣٢)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂ (ح ٣٤٣٠).\n(^٢) السنن، المناقب، باب فضل خديجة ﵂ (ح ٣٨٨٨).\n(^٣) في سنده عبد الله بن أبي جعفر الرازي: وهو صدوق يخطئ (التقريب ص ٢٩٨)، وأبوه: عيسى بن أبي عيسى: صدوق سيء الحفظ (التقريب ص ٦٢٩) وما يرويه ليس من صحيفة أبي العالية، فالإسناد ضعيف.\n(^٤) أخرجه البخاري نحو من حديث أبي موسى الأشعري دون ذكر خديجة وقد ورد ذكرها في الحديث السابق المتفق عليه (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ …﴾ (ح ٣٤٣٣).\n(^٥) تقدم تخريجه من صحيح البخاري في الحديث السابق.\n(^٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل بلفظ: \"الهداية\" وهو تصحيف، والنص ورد في البداية والنهاية (٨/ ٥٥ - ٥٦).","vol":"2","page":345},{"text":"الحاث، أن دراجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ، قال: \"كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة\" (^١). ورواه ابن جرير من طريق ابن لهيعة عن دراج به (^٢)، وفيه نكارة (^٣).\nوقال مجاهد: كانت مريم ﵍ تقوم حتى تتورم كعباها (^٤).\nوالقنوت: هو طول الركود في الصلاة، يعني امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾.\nقال الحسن: يعني أعبدي لربك (^٥). ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِين﴾ أي: كوني منهم.\nوقال الأوزاعي: ركدت في محرابها راكعة وساجدة وقائمة، حتى نزل الماء الأصفر في قدميها (^٦)، ﵂. [وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمتها من طريق محمد بن يونس الكديمي، وفيه مقال: حدثنا علي بن بحر بن بري، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، في قوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ قال: سجدت حتى نزل الماء الأصفر في عينيها (^٧). وذكر ابن أبي الدنيا: حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا ضمرة عن ابن شوذب، قال: كانت مريم ﵍، تغتسل في كل ليلة] (^٨).\n\n<span id=\"aya-337\"></span>ثم قال تعالى لرسوله بعدما أطلعه على جلية الأمر: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ أي: نقصه عليك ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي: ما كنت عندهم يا محمد فتخبرهم عنهم معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر.\nقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، أنه أخبره عن عكرمة، وأبي بكر، عن عكرمة، قال: ثم خرجت بها - يعني: أُم مريم بمريم - تحملها، في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى ﵇، قال: وهم يومئذٍ يلون في بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فإني حررتها، وهي أنثى، ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردّها إلى بيتي، فقالوا: هذه ابنة إمامنا، وكان عمران يؤمهم في الصلاة، وصاحب قرباننا، فقال زكريا: ادفعوها لي فإن خالتها تحتي، فقالوا: لا تطيب أنفسنا، هي ابنة إمامنا، فذلك حين اقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا فكفلها (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه دراج وروايته عن أبي هيثم ضعيفه كما في التقريب.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وحكم عليه الحافظ ابن كثير.\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"مكابرة\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الثوري بسند حسن من طريق الحكم بن عتيبة عن مجاهد (التفسير ص ٣٦).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمرو بن أبي سلمة عنه.\n(^٧) تاريخ دمشق، تراجم النساء ص ٣٦٩. وحكم على سنده الحافظ ابن كثير بقوله: وفيه مقال.\n(^٨) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^٩) هذه الرواية تقدمت في تفسير الطبري عند الآية ٣٧ (تفسير الطبري ٦/ ٣٥١ رقم ٦٩٠٩) وفيها الحسين وهو =","vol":"2","page":346},{"text":"وقد ذكر عكرمة أيضًا (^١) والسدي وقتادة والربيع بن أنس وغير واحد، دخل حديث بعضهم في بعض، أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن، واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فيه فأيهم يثبت في جَرْيَة الماء فهو كافلها، فألقوا أقلامهم، فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت ويقال: إنه ذهب صعدًا يشق جرية الماء، وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيهم، صلوات الله وسلامه عليه (^٢).\n\n<span id=\"aya-338\"></span>﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾.\nهذه بشارة من الملائكة لمريم ﵍ بأن سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير. قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: بقوله له: كن فيكون، وهذا تفسير قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] كما ذكر الجمهور على ما سبق بيانه ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أي: يكون مشهورًا بهذا في الدنيا، يعرفه المؤمنون بذلك وسمي المسيح، قال بعض السلف: لكثرة سياحته (^٣). [وقيل أنه كان مسيح القدمين، لا أخمص لهما، وقيل: لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ، بإذن الله تعالى، (^٤)، وقوله: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ نسبة إلى أُمه حيث لا أبَ له. ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة وينزله عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\n\n<span id=\"aya-339\"></span>وقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي: يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره، معجزة وآية، وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه بذلك ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: في قوله وعمله، له علم صحيح وعمل صالح.\nقال محمد بن إسحاق: عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن شرحبيل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما تكلم مولود في صغره إلا عيسى وصاحب جُريج\" (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الصقر (^٦) يحيى بن محمد بن قزعة، حدثنا الحسين - يعني\n_________\n= ابن داود ولقبه: سنيد وهو ضعيف وابن جريج لم يصرح بالسماع، فالإسناد ضعيف.\n(^١) في الأصل: \"عكرمة والسدي\" أيضًا والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) وهو الصواب لأن القول السابق لعكرمة فقط وليس للسدي.\n(^٢) ذكره نحوه الطبري في الموطن السابق كما في الحاشية السابقة.\n(^٣) أخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن أبي يحيى عبد الرحمن الثقفي بلفظ: \"كان سائحًا\".\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق به، وفيه عنعنة ابن إسحاق وسيأتي من طريق آخر صحيح.\n(^٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"أبو الصف\" وهو تصحيف.","vol":"2","page":347},{"text":"المروزي -، حدثنا جرير - يعني ابن حازم -، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: \"لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصبي كان في زمن جُريج، وصبي آخر\" (^١).\n\n<span id=\"aya-340\"></span>فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن الله ﷿، قالت في مناجاتها: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ تقول: كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج، ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بغيًا حاشا لله؟ فقال لها الملك عن الله ﷿ في جواب ذلك السؤال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شيء، وصرح ههنا بقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ولم يقل: يفعل، كما في قصة زكريا، بل نص ههنا على أنه يخلق لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكدّ ذلك بقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: فلا يتأخر شيئًا بل يوجد عقب الأمر بلا مهلة كقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر] أي: إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعًا كلمح بالبصر.\n\n<span id=\"aya-341\"></span>﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى ﵇: أن الله يعلمه ﴿الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، الظاهر أن المراد بالكتاب ههنا الكتابة، والحكمة تقدم تفسيرها في سورة البقرة، و﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، فالتوراة هو الكتاب الذي أنزل على موسى بن عمران، والإنجيل الذي أنزل على عيسى ابن مريم ﵈. وقد كان عيسى ﵇ يحفظ هذا وهذا.\n\n<span id=\"aya-342\"></span>وقوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: يجعله رسولًا إلى بني إسرائيل، قائلًا لهم: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وكذلك كان يفعل، يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخ فيه فيطير عيانًا بإذن الله ﷿، الذي جعل هذا معجزة له تدل على أنه أرسله ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قيل: إنه الذي يبصر نهارًا ولا يبصر ليلًا (^٢)، وقيل: بالعكس. وقيل: الأعشى. وقيل: الأعمش (^٣). وقيل: هو الذي يولد أعمى (^٤) وهو أشبه، لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ معروف، ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه أبو الصقر يحيى بن محمد بن قزعة وهو مقبول كما في التقريب، وقد توبع في الصحيحين فأخرجه البخاري عن مسلم بن إبراهيم، ومسلم من طريق يزيد هارون كلاهما عن جرير بن حازم (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ …﴾ [مريم: ١٦] ٤/ ٢٠١) الطبعة اليونينية وصحيح مسلم، البر والصلة، باب تقديم بر الوالدين بعد حديث رقم (٢٥٥٠). وهذا الحديث وما بعده خمسة أحاديث سقط من فتح الباري الطبعة السلفية (٦/ ٤٦٩).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي جعفر الرازي عن قتادة.","vol":"2","page":348},{"text":"اللَّهِ﴾ قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تُناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيّرت كل سحّار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من الأبرار. وأما عيسى ﵇، فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيَدًا من الذي شرَّع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص؟ وبعث من هو في قبره رهين (^١) إلى يوم التناد. وكذلك محمد ﷺ، بعث في زمان الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله ﷿، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله [أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله] (^٢) لم يستطيعوا أبدًا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وما ذاك إلا لأن كلام الربِّ ﷿ لا يشبه كلام الخلق أبدًا، وقوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أي: أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر له في بيته لغد، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في ذلك كله ﴿لَآيَةً لَكُمْ﴾ أي: على صدقي فيما جئتكم به ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾\n\n<span id=\"aya-343\"></span>﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: مقررًا لها ومثبت ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فيه دلالة على أن عيسى ﵇ نسخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين.\nومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئًا، وإنما أحلَّ لهم بعض ما كانوا تنازعوا فيه، فأخطأوا وانكشف لهم عن المُغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣] والله أعلم. ثم قال: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بحجة ودلالة على صدقي فيما أقول لكم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾\n\n<span id=\"aya-344\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-345\"></span>\n\n<span id=\"aya-346\"></span>﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى﴾ أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال، ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال مجاهد: أي: من يتبعني إلى الله (^٣).\nوقال سفيان الثوري وغيره: أي من أنصاري مع الله (^٤)؟ قول مجاهد: أقرب. والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر: \"من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي؟ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي\" (^٥) حتى وجد الأنصار،\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"من هو رهين في قبره\".\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه. وقد رجحه الحافظ ابن كثير.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن يوسف الفريابي عنه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد من حديث جابر (المسند ٣/ ٣٢٢)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٦٢٤) وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ٧/ ١٧٧).","vol":"2","page":349},{"text":"فآووه ونصروه وهاجر إليهم، فواسوه ومنعوه من الأسود والأحمر، ﵃ وأرضاهم. وهكذا عيسى ابن مريم ﵇ انتدب له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به ووازروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، ولهذا قال الله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ الحواريون قيل: كانوا قصارين (^١) (^٢)، وقيل: سموا بذلك لبياض ثيابهم (^٣)، وقيل: صيادين (^٤).\nوالصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما ندب الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير ثم ندبهم، فانتدب الزبير ﵁، فقال النبي ﷺ: \"إنَّ لكل نبيّ حواري، وحواريي الزبير\" (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال: مع أمة محمد ﷺ (^٦)، وهذا إسناد جيد.\n\n<span id=\"aya-347\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن ملإ بني إسرائيل، فيما هموا به من الفتك (^٧) بعيسى ﵇، وإرادته بالسوء والصلب حين تمالؤوا عليه، ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافرًا، فأنهوا إليه أن ها هنا رجلًا يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك ويفسد الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه، إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنه ولد زنية حتى استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به، نجَّاه الله تعالى من بينهم ورفعه من روزنة (^٨) ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك، وكان هذا من مكر الله بهم، فإنه نجَّى نبيه ورفعه من بين أظهرهم وتركهم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعنادًا للحق ملازمًا لهم، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾.\n\n<span id=\"aya-348\"></span>\n\n<span id=\"aya-349\"></span>﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾.\nاختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فقال قتادة وغيره: هذا من\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"نصارى\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) (^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل الطليعة (ح ٢٨٤٦)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل طلحة والزبير (ح ٢٤١٥).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وجود إسناده الحافظ ابن كثير.\n(^٧) كذا في (عف)، وفي الأصل و(حم) و(ح): \"القتل\".\n(^٨) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"ذروة\" وهو تصحيف.","vol":"2","page":350},{"text":"المقدم والمؤخر، تقديره إني رافعك إليّ ومتوفيك، يعني بعد ذلك (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إني متوفيك، أي: مميتك (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق، عمَّن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: توفّاه الله ثلاث ساعات من النهار حين رفعه إليه (^٣). قال ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أن الله توفّاه سبع ساعات، ثم أحياه.\nوقال إسحاق بن بشر، عن إدريس عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه، ثم رفعه.\nوقال مطر الوراق: متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت (^٤)، وكذا قال ابن جرير: توفيه هو رفعه، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة ههنا (^٥) - النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر]، وكان رسول الله ﷺ، يقول إذا قام من النوم: \"الحمد الله الذي أحيانا بعدما أماتنا … \" (^٦) الحديث. وقال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ [وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾] (^٧) إلى قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ (^٨) بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء].\nوالضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عائد على عيسى ﵇، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة على ما سيأتي بيانه، فحينئذٍ يؤمن به أهل الكتاب كلهم، لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، حدثنا الربيع بن أنس، عن الحسن أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: يعني وفاة المنام، رفعه الله في منامه. قال الحسن: قال رسول الله ﷺ[لليهود] (^٩): \"إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة\" (^١٠).\nوقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: برفعي إياك إلى السماء ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهكذا وقع فإن المسيح ﵇، لما رفعه الله إلى السماء،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، بسند ثابت عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن شوذب عن مطر.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند جيد عن الربيع بن أنس، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن جريج.\n(^٦) أخرجه البخاري من حديث حذيفة (الصحيح، الدعوات، باب ما يقول إذا أصبح ح ٦٣٢٥).\n(^٧) ما بين قوسين زيادة من (عف).\n(^٨) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"سيومنن\" وهو تصحيف.\n(^٩) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وتفسير الحسن إسناده حسن، وروايته عن النبي ﷺ مرسلة.","vol":"2","page":351},{"text":"تفرقت أصحابه شيعًا بعده، فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله، وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن ورد على كل فريق، فاستمروا على ذلك قريبًا من ثلاثمائة سنة، ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له: قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفًا، وقيل: جهلًا منه إلا أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين، والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة، وأحلَّ في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة الملكية منهم، وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيَّدهم الله عليهم، لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفارًا عليهم لعائن الله، فلما بعث الله محمدًا ﷺ، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، كانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض، إذ [قد] (^١) صدَّقوا الرسول النبيَّ الأُمي العربي، خاتم الرسل وسيد ولد آدم، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أُمته الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته، مع ما قد حرفوا وبدلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك، لكان قد نسخ الله شريعة جميع الرسل بما بعث الله به محمدًا ﷺ من الدين الحق الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائمًا منصورًا ظاهرًا على كل دين، فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واجتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى، وقصروا قيصر، وسلبوهما كنوزهما، وأُنفقت في سبيل الله كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم ﷿ في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي﴾ الآية [النور: ٥٥]، فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقًّا، سلبوا النصارى بلاد الشام وأجلوهم إلى الروم فلجؤوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة.\nوقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أُمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية ويسفيئون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جدًّا، لم يرَ الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها، وقد جمعت في هذا جزءًا مفردًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)﴾ وكذلك فعل تعالى بمن كفر بالمسيح من اليهود أو غلا فيه وأطراه (^٢) من النصارى، عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشقّ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤]\n\n<span id=\"aya-350\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: في الدنيا\n_________\n(^١) \"قد\" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح).\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"والمره\" وهو تصحيف.","vol":"2","page":352},{"text":"والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-351\"></span>ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ أي: هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، وهو مما قاله الله تعالى وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالي في سورة مريم: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ [مريم] وههنا قال تعالى:\n\n<span id=\"aya-352\"></span>\n\n<span id=\"aya-353\"></span>﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾.\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ فإن الله تعالى خلقه من غير أب ولا أُم بل ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فالذي خلق آدم من غير أب، قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأَولى [والأَحرى] (^١) وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقًا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأَولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانًا وأظهر فسادًا، ولكن الربَّ ﷻ أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١] وقال ههنا: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ (^٢) مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال.\n\n<span id=\"aya-354\"></span>ثم قال تعالى آمرًا رسوله ﷺ، أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور الباني ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: نحضرهم في حال المباهلة ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أي: نلتعن ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ أي: منا أو منكم. وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران النصارى حين قدموا فجعلوا يحاجّون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة ردًا عليهم (^٣)، كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار، قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره: قدم على رسول الله ﷺ وقد نصارى نجران ستون راكبًا، فيهم أربعة عشر رجلًا من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم (^٤) وهم: العاقب واسمه عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأوس بن الحارث، وزيد، وقيس، ويزيد ونبيه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويُحَنّس، وأمر هؤلاء يؤول\n_________\n(^١) زيادة من (عف) و(ح) و(مح).\n(^٢) في الأصل: \"تكونن\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد عن الربيع بن أنس لكنه مرسل، - مطولًا -.\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل و(مح): \"يؤول إليهم أمرهم\"، وكلاهما صحيح.","vol":"2","page":353},{"text":"إلى ثلاثة منهم وهم العاقب، وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد وكان ثِمالهم (^١) وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة، وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم، وكان رجلًا من العرب من بني بكر بن وائل، ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمونه من صلابته في دينهم (^٢)، وقد كان يعرف أمر رسول الله ﷺ وشأنه وصفته مما علمه من الكتب المتقدمة جيدًا، ولكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها وجاهه عند أهلها.\nقال ابن إسحاق (^٣): وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات جُبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب، قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي ﷺ: ما رأينا بعدهم وفدًا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"دعوهم\" فصلوا إلى المشرق، قال: فكلَّم رسول الله ﷺ منهم: أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والسيد الأيهم (^٤) وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، تعالى الله [عن قولهم علوًا كبيرًا] (^٥). وكذلك النصرانية، فهم يحتجون في قولهم: هو الله، بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا، وذلك كله بأمر الله تعالى وليجعله الله آية للناس. ويحتجون على (^٦) قولهم بأنه ابن الله يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يسمعه أحد من بني آدم قبله، ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم. وفي كل ذلك من قولهم: قد نزل القرآن، فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله ﷺ: \"أسلما\" قالا: قد أسلمنا، قال: \"إنكما لم تسلما فأسلما\". قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: \"كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما للّه ولدًا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير\". قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله ﷺ عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها (^٧). ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها (^٨) .. إلى أن قال: فلما أتى رسول الله ﷺ الخبر\n_________\n(^١) ثِمالهم: ورد في نسخة (عف) تحت هذه الكلمة: بالكسر الغِياث. وهو معنى الثمال فقد ذكر ابن الأثير الثمال بالكسر الملجأ والغياث، وقيل: هو المُطعِم في الشدة (النهاية ١/ ٢٢٢).\n(^٢) سيرة ابن هشام بتصرف ١/ ٥٧٣.\n(^٣) في الأصل: \"ابن عباس\" وهو تصحيف.\n(^٤) ورد في الصحيحين من حديث حذيفة مجيء وفد نجران وفيه العاقب والسيد، كما سيأتي في الصفحة التالية.\n(^٥) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^٦) كذا في (عف) و(حم)، وفي الأصل و(مح): \"في\".\n(^٧) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٥ - ٥٧٦ ورد ذكره بأطول منه وسنده معضل، لأن محمد بن جعفر الزبير تابع تابعي.\n(^٨) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦ - ٥٨٣.","vol":"2","page":354},{"text":"من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردُّوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: واللّه يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدًا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيًا قط، فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألَّا نلاعنك ونتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلًا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا، فإنكم عندنا رضا، قال محمد بن جعفر: فقال رسول الله ﷺ: \"ائتوني العشية (^١) أبعث معكم القوي الأمين\" فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي (^٢) إياها يومئذٍ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرًا، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر، سلَّم ثم نظر عن يمينه ويساره فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه، فقال: \"اخرج معهم فاقضِ بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه\". قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة ﵁ (^٣).\nوقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم [بن عمر] (^٤) بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج: أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله ﷺ … فذكر نحوه (^٥)، إلا أنه قال في الأشراف: كانوا اثني عشر، وذكر بقيته بأطول من هذا السياق، وزيادات أخر.\nوقال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلة بن زفر، عن حذيفة ﵁، قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال: أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبيًا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلًا أمينًا ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال: \"لأبعثنَّ معكم رجلًا أمينًا حق أمين حق أمين\"، فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: \"قُم يا أبا عبيدة بن الجراح\" فلما قام، قال رسول الله ﷺ: \"هذا أمين هذه الأُمة\" رواه البخاري أيضًا ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن أبي إسحاق السبيعي، عن صِلة، عن حذيفة، بنحوه (^٦). وقد رواه أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلة، عن ابن مسعود بنحوه (^٧).\nوقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، عن\n_________\n(^١) في الأصل: \"العيشة\" وهو تصحيف.\n(^٢) في الأصل: \"حتى\" وهو تصحيف.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٣ - ٥٨٤ وسنده معضل كسابقه.\n(^٤) \"ابن عمر\" سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٥) في سنده عنعنة ابن إسحاق ويشهد له الحديث التالي المتفق عليه.\n(^٦) صحيح البخاري، المغازي، باب قصة أهل نجران (ح ٤٣٨٠)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح (ح ٢٤٢٠).\n(^٧) المسند (ح ٣٩٣٠)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، فضل أبي عبيدة بن الجراح (ح ١٣٦).","vol":"2","page":355},{"text":"رسول الله ﷺ، قال: \"لكل أُمة أمين، وأمين هذه الأُمة أبو عبيدة بن الجراح\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد، حدثنا فرات (^٢)، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال أبو جهل قبحه الله، إن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لآتينَّه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال: \"لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا (^٣) لا يجدون مالًا ولا أهلًا\" (^٤)، وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٥).\nقال ابن مردويه (^٦): وقد روى البيهقي في دلائل النبوة قصة وفد نجران مطولة جدًّا، ولنذكره فإن فيه فوائد كثيرة، وفيه غرابة، وفيه مناسبة لهذا المقام. قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يسوع (^٧)، عن أبيه، عن جده، قال يونس - وكان نصرانيًا فأسلم -: إن رسول الله ﷺ، كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه: طس (^٧) سليمان \"باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران أسلم أنتم، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب، والسلام\". فلما أتى الأسقف الكتاب وقرأه فَظُعَ به (^٨)، وذعره ذعرًا شديدًا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وداعة، وكان من همدان، ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة (^٩) قبله لا الأيهم ولا السيد ولا العاقب، فدفع الأسقف كتاب رسول الله ﷺ إلى شرحبيل فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في أمر النبوة رأي، ولو كان في أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأيي وجهدت لك، فقال الأسقف: تنحَّ فاجلس، فتنحى شرحبيل فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من حِمير، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الأسقف:\n_________\n(^١) صحيح البخاري، المغازي، باب قصة أهل نجران (ح ٤٣٨٢).\n(^٢) في الأصل: \"في قراة\" وهو تصحيف.\n(^٣) في الأصل: \"رجعوا\" والمثبت هو الصواب.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٢٢٥) وسنده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم به (التفسير ص ٩٩).\n(^٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] (ح ٣٣٤٨). وقال: حسن صحيح غريب.\n(^٦) كذا في الأصل و(ح) و(حم)، وفي (عف) و(مح) بدون: \"قال ابن مردويه\". اهـ. ولم أعلم أن ابن مردويه ينقل عن البيهقي.\n(^٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل: \"سيوع\" وهو تصحيف.\n(^٨) كذا في (عف) والتخريج، وفي الأصل: \"قطع به\" وهو تصحيف، ومعناه: افزعه.\n(^٩) في الأصل: \"معطلة\" وهو تصحيف، وما أثبت من (عف).","vol":"2","page":356},{"text":"تنحَ (^١) فاجلس، فتنحى فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: جبار بن فيض (^٢) من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه؟ فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف، فتنحى فجلس ناحية، فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعًا، أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران والمسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلًا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع، فاجتَمع حين ضُرب بالناقوس ورفعت المسوح، أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، وفيه (^٣) ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ، وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي وجبار بن فيض الحارثي، فيأتونهم بخبر رسول الله ﷺ.\nفانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم، ولبسوا حُللًا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله ﷺ فسلموا عليه، فلم يرد عليهم، وتصدوا لكلامه نهارًا طويلًا، فلم يكلمهم وعليهم تلك الحُلل وخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وكانا (^٤) معرفة لهم، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس، فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن، إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارًا طويلًا، فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما، أترون أن نرجع؟ فقالا (^٥) لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم (^٦)، ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا إليه، ففعلوا فسلموا عليه فرد سلامهم، ثم قال: \"والذي بعثني بالحق، لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم\". ثم ساءلهم وساءلوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى، فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى، يسرنا إن كنت نبيًّا أن نسمع ما تقول فيه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ما عندي [فيه] (^٧) شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول لي [الله تعالى] (^٨) في عيسى\" فأصبح الغد، وقد أنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ فأبوا أن يقرّوا بذلك، فلما أصبح رسول الله ﷺ الغد بعدما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملًا على الحسن والحسين في خميل\n_________\n(^١) قوله: \"تنحَ\" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح).\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(مح)، وفي الأصل: \"قيصر\" وهو تصحيف.\n(^٣) في الأصل: \"وغيره\"، والتصويب من (عف) و(ح) و(مح) والتخريج.\n(^٤) في الأصل: \"وكان\"، والتصويب من (عف) و(ح) و(مح) والتخريج.\n(^٥) في الأصل: \"وقال\"، والتصويب كسابقه.\n(^٦) في الأصل: \"وخواتمهم\".\n(^٧) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٨) الزيادة من (عف).","vol":"2","page":357},{"text":"له، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذٍ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: لقد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردُّوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرًا ثقيلًا، والله لئن كان هذا الرجل ملكًا مبعوثًا فكنا أول العرب طعنًا (^١) في عينيه وردًا عليه أمره، لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة، وإنا لأدنى العرب منهم جوارًا، ولئن كان هذا الرجل نبيًا مرسلًا فلاعنَّاه، لا يبقى منَّا على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك، فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم؟ فقال: رأي أن أحكمه، فإني أرى رجلًا لا يحكم شططًا أبدًا، فقالا له: أنت وذاك، قال: فتلقى شرحبيل رسول الله ﷺ، فقال له: إني قد رأيت خيرًا من ملاعنتك. فقال: \"وما هو؟ \" فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فقال رسول الله ﷺ: \"لعلَّ وراءك أحدًا يثرِّب عليك\"؟ فقال شرحبيل: سل صاحبي، فسألهما فقالا: ما يرد الوادي (^٢) ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل. فرجع رسول الله ﷺ فلم يلاعنهم حتى إذا كان الغد أتوه، فكتب لهم هذا الكتاب \"بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب محمد النبي رسول الله لنجران - إن كان عليهم حكمه - في كل ثمرة (^٣) وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فاضل عليهم، وترك ذلك كله لهم على ألفي حلّة، في كل رجب ألف حلّة، وفي صفر ألف حقة\" وذكر تمام الشروط وبقية السياق (^٤).\nوالغرض أن وفودهم كان في سنة تسع، لأن الزهري قال: كان أهل نجران أول من أدّى الجزية إلى رسول الله ﷺ، وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة].\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن داود المكي، حدثنا بشر بن مهران، حدثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر، قال: قدم على النبي ﷺ العاقب والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله ﷺ، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا وأقرَّا له بالخراج، قال: فقال رسول الله ﷺ: \"والذي بعثني بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي نارًا\" قال جابر: وفيهم نزلت ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ قال جابر: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب ﴿أَبْنَاءَنَا﴾ الحسن والحسين ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ فاطمة (^٥). وهكذا رواه\n_________\n(^١) في الأصل: \"طعن\"، وصححت في (عف) كما هو مثبت.\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"الرأي\" وهو تصحيف.\n(^٣) في الأصل: \"في كل غرة\" وهو تصحيف.\n(^٤) دلائل النبوة ٥/ ٣٨٥ - ٣٨٩ وفي سنده سلمة بن عبد يشوع، ذكره ابن قطلوبغا، وذكر أنه لم يقف على ذكر له ولا لأبيه ولا جده (من روى عن أبيه عن جده ص ٢٥٦). وذكر الحافظ ابن كثير في مطلعه أن فيه غرابة، ومن هذه الغرائب مطلع الكتاب: باسم إله إبراهيم .... وقد نقده ابن القيم بقوله: لا أظن ذلك محفوظًا، وقد كتب إلى هرقل: \"بسم الله الرحمن الرحيم \" هذه كانت سنته في كتبه إلى الملوك (زاد المعاد ١/ ٦٤٢).\n(^٥) في سنده بشر بن مهران قال ابن أبي حاتم: ترك أبي حديثه كما في الجرح والتعديل، وقد توبع في رواية الحاكم لكن ذكر الحافظ ابن كثير أن المرسل عن الشعبي أصح كما سيأتي في الحديث الآتي.","vol":"2","page":358},{"text":"الحاكم في مستدركه عن علي بن عيسى، عن أحمد بن محمد الأزهري (^١)، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند به بمعناه، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه هكذا قال (^٢). وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي مرسلًا، وهذا أصح. وقد روي عن ابن عباس والبراء نحو ذلك.\n\n<span id=\"aya-355\"></span>\n\n<span id=\"aya-356\"></span>ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: عن هذا إلى غيره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر الذي لا يفوته شيء [سبحانه وبحمده ونعوذ به من حلول نقمته] (^٣).\n\n<span id=\"aya-357\"></span>﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾.\nهذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ والكلمة تطلق على الجملة المفيدة، كما قال ههنا، ثم وصفها بقوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ لا وثنًا ولا صليبًا ولا صنمًا ولا طاغوتًا ولا نارًا ولا شيئًا، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]، [وقال تعالى] (^٤): ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\nقال ابن جريج: يعني يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله (^٥).\nوقال عكرمة: يسجد بعضنا لبعض (^٦).\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي: فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة، فَأَشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم. وقد ذكرنا في شرح البخاري عند روايته من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن أبي سفيان في قصته حين دخل على قيصر، فسأله عن نسب رسول الله ﷺ، وعن صفته ونعته وما يدعو إليه، فأخبره بجميع ذلك على الجلية، مع أن أبا سفيان كان إذ ذاك مشركًا، لم يسلم بعد، وكان ذلك بعد صلح الحديبية وقبل الفتح، كما هو مصرح به في الحديث، ولأنه لما سأله: هل يغدر؟ قال فقلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها، قال: ولم تُمكني كلمة\n_________\n(^١) في الأصل: \"الأزهر\".\n(^٢) المستدرك ٢/ ٥٩٣ - ٥٩٤.\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).\n(^٤) زيادة من (عف) و(ح) و(مح).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد عن حجاج بن محمد عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحكم بن أبان عنه.","vol":"2","page":359},{"text":"أزيد فيها شيئًا سوى [هذه] (^١)، والغرض أنه قال: ثم جيء بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه فإذا فيه: \"بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (^٢) ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ (^٣).\nوقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، نزلت في وفد نجران (^٤)، وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية، ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح، فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب، وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري؟ والجواب من وجوه:\n(أحدها): يحتمل أن هذه الآية نزلت مرتين، مرة قبل الحديبية، ومرة بعد الفتح.\n(الثاني): يحتمل أن صدر سورة آل عمران، نزل في وفد نجران إلى عند هذه الآية، وتكون هذه الآية، نزلت قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق: إلى بضع وثمانين آية، ليس بمحفوظ لدلالة حديث أبي سفيان.\n(الثالث): يحتمل أن قدوم وفد نجران، كان قبل الحديبية، وأن الذي بذلوه مصالحة عن المباهلة لا على وجه الجزية، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة، ووافق نزول الجزية بعد ذلك على وفق ذلك، كما جاء فرض الخمس والأربعة أخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر، ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك.\n(الرابع): يحتمل أن رسول الله ﷺ، لما أمر بكتب هذا الكلام في كتابه إلى هرقل، لم يكن أنزل بعد، ثم أنزل القرآن موافقة له ﷺ، كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب في الحجاب وفي الأسارى، وفي عدم الصلاة على المنافقين، وفي قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وفي قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥].\n\n<span id=\"aya-358\"></span>﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾.\nينكر ﵎ على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل ﵇، ودعوى كل\n_________\n(^١) \"هذه\": سقطت من الأصل واستدركت من (عف) و(ح) و(مح).\n(^٢) الأريسيين: الفلاحين (ينظر: فتح البخاري ١/ ٣٩)، وكذا لفظها في البخاري وأما في (عف) فجاءت بلفظ: \"اليريسين\"، وفي الأصل: \"البريتين\" وهو تصحيف.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي (ح ٧).\n(^٤) ذكره ابن إسحاق بسند ضعيف معضل من طريق محمد بن جعفر بن الزبير (سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦). وأخرجه البيهقي بسند عن ابن إسحاق عن محمد بن سهل بن أبي أُمامة (دلائل النبوة ٥/ ٣٨٥) وسنده معضل أيضًا.","vol":"2","page":360},{"text":"طائفة منهم أنه كان منهم، كما قال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ (^١) أي: كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهوديًا، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى؟ وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيًا وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-359\"></span>ثم قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾. هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأيديهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد ﷺ، لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله عليهم ذلك وأمرهم بردِّ ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-360\"></span>ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ أي: متحنفًا عن الشرك قصدًا إلى الإيمان ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة (^٢) إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه وهذا النبي؛ يعني محمدًا ﷺ، والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم.\n\n<span id=\"aya-361\"></span>قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ، قال: \"إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي ﷿\" ثم قرأ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ (^٣)، وقد رواه الترمذي والبزار من حديث أبي أحمد الزبيري (^٤)، عن سفيان الثوري، عن أبيه به، ثم قال البزار: [ورواه غير أبي أحمد، عن سفيان، عن أبيه، عن] (^٥) أبي الضحى، عن عبد الله، ولم يذكر مسروقًا، وكذا رواه الترمذي من طريق وكيع، عن سفيان، ثم قال: وهذا أصح (^٦). لكن رواه وكيع في تفسيره، فقال: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي\n_________\n(^١) سنده حسن وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.\n(^٢) في الأصل: \"متابعة\" والمثبت من (عف) و(ح) و(مح).\n(^٣) سنن سعيد بن منصور (ح ٥٠١) وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٢).\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: \"أبي محمد\" وهو تصحيف.\n(^٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك كسابقه.\n(^٦) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة آل عمران (ح ٢٩٩٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي =","vol":"2","page":361},{"text":"إسحاق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: [\"إن لكل نبي ولاية من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي ﷿ إبراهيم ﵇\"، ثم قرأ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا …﴾ إلى آخر الآية] (^١) قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ولي جميع المؤمنين برسله.\n\n<span id=\"aya-362\"></span>﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾.\nيخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين، وبغيهم إياهم الإضلال، وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم،\n\n<span id=\"aya-363\"></span>ثم قال تعالى منكرًا عليهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾ أي: تعلمون صدقها وتتحققون (^٢) حقها\n\n<span id=\"aya-364\"></span>﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ أي: تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد ﷺ وأنتم تعرفون ذلك وتتحققونه\n\n<span id=\"aya-365\"></span>﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾، هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رجعهم (^٣) إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى إخبارًا عن اليهود بهذه الآية؛ يعني يهودًا صلت مع النبي ﷺ صلاة الصبح، وكفروا آخر النهار [مكرًا منهم] (^٤)، ليروا الناس أن قد بدت لهم الضلالة منه بعد أن كانوا اتبعوه (^٥).\nوقال العوفي عن ابن عباس: قالت طائفة من أهل الكتاب: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا (^٦). وهكذا روي عن قتادة والسدي والربيع وأبي مالك (^٧).\n_________\n= وأحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري.\n(^١) ما بين معقوفين من (عف) و(مح)، وفي الأصل ورد بلفظ: \"فذكره\"، وكذا في (ح) و(حم).\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"وتحققون\".\n(^٣) كذا في الأصل و(حم) و(مح)، وفي (عف) بهذا اللفظ وتحته كلمة: \"ردهم\".\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف وله شواهد سابقة ولاحقة.\n(^٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول أبي =","vol":"2","page":362},{"text":"<span id=\"aya-366\"></span>\n\n<span id=\"aya-367\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تطمئنوا أو تظهروا سركم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين فيؤمنوا به ويحتجون به عليكم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ أي: هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتمِّ الإيمان بما ينزله على عبده ورسوله محمد ﷺ من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات وإن كتمتم أيها اليهود ما بأيديكم من صفة محمد في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين.\nوقوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يقولون: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين، فيتعلموه (^١) منكم، ويساووكم فيه ويمتازون به (^٢) عليكم لشدة الإيمان به، أو يحاجّوكم به عند ربكم، أي: يتخذوه حجة عليكم بما في أيديكم، فتقوم به عليكم الدلالة، وتتركب الحجة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: الأمور كلها تحت تصريفه، وهو المعطي المانع، يمنُّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصور التام، ويضلُّ من يشاء فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه، ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة والحكمة ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ أي: اختصكم أيها المؤمنون من الفضل بما لا يحد ولا يوصف بما شرف به نبيكم محمدًا ﷺ على سائر الأنبياء، وهداكم به لأكمل الشرائع.\n\n<span id=\"aya-368\"></span>﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾.\nيخبر تعالى عن اليهود بأن منهم الخونة ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم، فإن منهم ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ أي: من المال ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [أي: وما دونه بطريق الأولى أن يؤديه إليك] (^٣) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى أن لا يؤديه إليك. وقد تقدم الكلام على القنطار في أول السورة، وأما الدينار فمعروف.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا سعيد بن عمرو السكوني (^٤)، حدثنا بقية، عن زياد بن الهيثم، حدثنا مالك بن دينار، قال: إنما سمي الدينار لأنه دين ونار.\nقال: معناه: من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار (^٥).\n_________\n= مالك أخرجه الطبري بسند ضعيف، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الربيع أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.\n(^١) كذا في (عف) و(حم) و(ح)، وفي الأصل: \"ليتعلمونه\".\n(^٢) كذا في (عف) و(حم) و(ح)، وفي الأصل بدون ذكر: \"به\".\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) في الأصل: \"السلوني\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"2","page":363},{"text":"ومناسب أن يذكر ههنا الحديث الذي علقه البخاري في غير موضع من صحيحه، ومن أحسنها سياقه في كتاب الكفالة حيث قال: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ، أنه ذكر رجلًا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدًا. قال: ائتني بالكفيل. قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبًا يركبها ليقدم عليه في الأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللّهم إنك تعلم أني كنت تسلفت (^١) فلانًا ألف دينار فسألني شهيدًا، فقلت: كفى بالله شهيدًا، وسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا فرضي بذلك، وأني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج (^٢) إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه لينظر لعل مركبًا يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال [فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال] (^٣) والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار، وقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل هذا، قال: فإن الله قد أدّى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف (^٤) بألف دينار راشدًا، هكذا رواه البخاري في موضع معلقًا بصيغة الجزم، وأسنده في بعض المواضع من الصحيح عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه. ورواه الإمام أحمد في مسنده هكذا مطولًا، عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث به (^٥)، ورواه البزار في مسنده عن الحسن بن مدرك، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بنحوه، ثم قال: لا يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، كذا قال وهو خطأ لما تقدم.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي: إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين وهم العرب، فإن الله قد أحلها لنا، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: وقد اختلقوا هذه المقالة، وائتفكوا (^٦) بهذه الضلالة، فإن الله حرَّم عليهم أكل الأموال إلا بحقها وإنما هم قوم بُهُت.\nقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن صعصعة بن يزيد، أن رجلًا سأل ابن عباس، فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة، قال ابن\n_________\n(^١) قوله: \"كنت تسلفت\" كذا في صحيح البخاري و(حم) وفي الأصل: \"أسلفت\"، وفي (عف): \"سلّفت\".\n(^٢) في الأصل: \"فخرج\" والتصويب من البخاري و(حم).\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) وصحيح البخاري.\n(^٤) في الأصل: \"فانصف\" وهو تصحيف.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير آية الدين في سورة البقرة آية ٢٨٢.\n(^٦) في الأصل: \"وانتقلوا\"، والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).","vol":"2","page":364},{"text":"عباس: فتقولون ماذا؟ قال: نقول: ليس علينا بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، إنهم إذا أدَّوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم (^١). وكذا رواه الثوري عن أبي إسحاق بنحوه (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا يعقوب، حدثنا جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: لما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ قال: نبي الله ﷺ: \"كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-369\"></span>ثم قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ أي: لكن من أوفى بعهده واتقى منكم يا أهل الكتاب الذي عاهدكم الله عليه من الإيمان بمحمد ﷺ إذا بعث كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك، واتقى محارم الله واتبع طاعته وشِرعته التي بعث بها خاتم الرسل وسيد البشر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-370\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾.\nيقول تعالى: إن الذين يعتاضون عما عاهدوا الله عليه من اتباع محمد ﷺ وذكر صفته للناس وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان (^٤) القليلة الزهيدة، وهي: عروض هذه الحياة الدنيا الفانية الزائلة ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: لا نصيب لهم فيها ولا حظ لهم منها ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: برحمة منه لهم، يعني: لا يكلمهم الله كلام لطف بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي: من الذنوب والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر:\n(الحديث الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا شعبة، قال علي بن مدرك (^٥): أخبرني، قال: سمعت أبا زرعة، عن خرشة (^٦) بن الحرّ، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم\" قلت: يا رسول الله، من هم؟ خسروا وخابوا. قال: وأعاده رسول الله ﷺ ثلاث مرات، [قال] (^٧): \"المسبل، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان\" (^٨)، ورواه مسلم وأهل السنن من حديث\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٤) في الأصل: \"الأيمان\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٥) في الأصل: \"علي بن فديك\"، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٦) في الأصل: \"حرسه\" وهو تصحيف، والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٧) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٤٨) وسنده صحيح.","vol":"2","page":365},{"text":"شعبة به (^١).\n(طريق أخرى): قال أحمد: حدثنا إسماعيل، عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن ابن الأحمس، قال: لقيت أبا ذرّ فقلت له: بلغني عنك أنك تحدث حديثًا عن رسول الله ﷺ قال: أما إنه لا يخالني أن أكذب على رسول الله ﷺ، بعدما سمعته منه، فما الذي بلغك عني؟ قلت: بلغني أنك تقول: ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم الله. قال: قلته وسمعته، قلت: فمن هؤلاء الذين يحبهم الله؟ قال: \"الرجل يلقى العدو في فئة فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحبوا أن يمسّوا الأرض فينزلون، فيتنحى أحدهم يصلي حتى يوقظهم لرحيلهم، والرجل يكون له الجار يؤذيه جواره فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن\" قلت: من هؤلاء الذين يشناهم الله؟ قال: \"التاجر الحلاف - أو قال: البائع الحلاف -، والفقير المختال، والبخيل المنان\" (^٢) غريب من هذا الوجه.\n(الحديث الثاني): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جرير بن حازم، حدثنا عدي [بن عدي] (^٣)، أخبرني رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة، عن أبيه عدي هو ابن عميرة الكِندي، قال: خاصم رجل من كِندة، يقال له: امرؤ القيس بن عابس (^٤)، رجلًا من حضرموت إلى رسول الله ﷺ في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن له بينة فقضى على امرئ القيس باليمين، فقال الحضرمي: إن أمكنته من اليمين يا رسول الله؟ ذهبت [والله] (^٥) - أو ورب الكعبة - أرضي، فقال النبي ﷺ: \"من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان\" قال رجاء: وتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال: \"الجنة\".\nقال: فاشهد أني قد تركتها له كلها (^٦). ورواه النسائي من حديث عدي بن عدي به (^٧).\n(الحديث الثالث): قال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حلف على يمين هو فيها فاجر، ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم، لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان\". فقال الأشعث: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى رسول الله ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ: \"ألك بينة؟ \" قلت: لا. فقال لليهودي: \"احلف\" فقلت: يا رسول الله، إذًا يحلف فيذهب مالي.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الأيمان، بيان غلظ تحريم إسبال الإزار (ح ١٠٦).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ونحو متنه (المسند ٣٥/ ٢٦٩ ح ٢١٣٠)، وصححه محققوه بالمتابعات، وذكر الحافظ ابن كثير أنه غريب من هذا الوجه.\n(^٣) زيادة من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٤) كذا في المسند، وفي الأصل و(عف) و(حم): \"عامر\".\n(^٥) استدرك من المسند.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ونحو متنه (المسند ٤/ ١٩١ - ١٩٢) ورجاله ثقات وجرير بن حازم له أوهام إذا حدث من حفظه، ويشهد له الحديث التالي المتفق عليه.\n(^٧) السنن الكبرى ٣/ ٤٨٦ (ح ٥٩٩٦).","vol":"2","page":366},{"text":"فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا …﴾ الآية (^١). أخرجاه من حديث الأعمش (^٢).\n(طريق أخرى): قال أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن شقيق بن سلمة، حدثنا عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله وهو عليه غضبان\" قال: فجاء الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه، فقال: فيَّ كان هذا الحديث، خاصمت ابن عمٍّ لي إلى رسول الله ﷺ في بئر كانت لي في يده فجحدني، فقال رسول الله ﷺ: \"بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه\" قال: قلت: يا رسول الله، ما لي بينة، وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري، إن خصمي امرؤ (^٣) فاجر، فقال رسول الله ﷺ: \"من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله وهلأ عليه غضبان\" قال: وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ (^٤).\n(الحديث الرابع): قال أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا رِشْدين عن زَبّان، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ، قال: \"إن لله تعالى عبادًا لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم\" قيل: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال: \"متبري من والديه راغب عنهما، ومتبرئ من ولده، ورجل أنعم عليه قوم، فكفر نعمتهم وتبرأ منهم\" (^٥).\n(الحديث الخامس): قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم، أنبأنا العوام - يعني: ابن حوشب -، عن إبراهيم بن عبد الرحمن - يعني: السكسكي -، عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رجلًا أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط، ليوقع فيها رجلًا من المسلمين، فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا …﴾ الآية. ورواه البخاري من غير وجه عن العوام (^٦).\n(الحديث السادس): قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٠٤٩) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ …﴾ [آل عمران: ٧٧] (ح ٦٦٧٦)، وصحيح مسلم، الأيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة (ح ٢٢٠).\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) والتخريج، وفي الأصل: \"امز\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ١٦٧ ح ٢١٨٤٨) وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٤٠) وسنده ضعيف بسبب رشدين، وزبان وهو ابن قائد وكلاهما ضعيف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق العوام به (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ....﴾ ح ٤٥٥١). وسبق أنها نزلت في الأشعث بن قيس، وقد جمع الحافظ ابن حجر بقوله: لا منافاة بين الحديثين بل يحمل على أن النزول كان بالسببين معًا (الفتح ٨/ ٢١٣).","vol":"2","page":367},{"text":"ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على سلعة بعد العصر، - يعني: كاذبًا -، ورجل بايع إمامًا فإن أعطاه وفّى له وإن لم يعطه لم يفِ له\" (^١). ورواه أبو داود والترمذي من حديث وكيع، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (^٢).\n\n<span id=\"aya-371\"></span>﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾.\nيخبر تعالى عن اليهود - عليهم لعائن الله -، أن منهم فريقًا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام الله ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.\nوقال مجاهد والشعبي والحسن وقتادة والربيع بن أنس: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ يحرفونه (^٣). وهكذا روى البخاري عن ابن عباس أنهم يحرفون ويزيدون (^٤) (^٥)، وليس أحد من خلق الله يزيل لفظ كتاب من كتب الله، لكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله.\nوقال وهب بن منبه: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما (^٦) الله تعالى لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلّون بالتحريف والتأويل، وكتبٌ كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فأما كتبُ الله فإنها محفوظة لا تحول، رواه ابن أبي حاتم (^٧). فإن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير وزيادات كثيرة ونقصان ووهم فاحش، وهو من باب تفسير [المعنى المعرب] (^٨)، وفهمُ كثير منهم بل أكثرهم بل جميعهم فاسد، وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه عنده فتلك كما قال: محفوظة لم يدخلها شيء.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٨٠) وسنده صحيح، أخرجه مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش به (الصحيح، الأيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار … ح ١٠٨).\n(^٢) سنن أبي داود، البيوع، باب في منع الماء (ح ٣٤٧٤)، وسنن الترمذي، السير، باب ما جاء في نكث البيعة (ح ١٥٩٥).\n(^٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.\n(^٤) هذه اللفظة في الأصل غير واضحة ومصحفة.\n(^٥) لم أجده في صحيح البخاري ولكن رواه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويشهد له ما تقدم.\n(^٦) كذا في (عف) و(حم) و(ح).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب.\n(^٨) قوله: \"المعنى المعرب\": كذا في (حم) و(ح)، وفي (عف) و(مح): \"المعبر المغرب\"، وفي الأصل تصحف إلى: \"المغبر بالمعرب\".","vol":"2","page":368},{"text":"<span id=\"aya-372\"></span>﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾.\nقال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي: حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له: الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال، فقال رسول الله ﷺ: \"معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة [غير الله] (^١) ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني\" أو كما قال ﷺ، فأنزل الله في ذلك من قولهما (^٢): ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^٣)، فقوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة، أن يقول للناس: اعبدوني من دون الله؛ أي الله، وإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلان لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضًا؛ يعني: أهل الكتاب كانوا يتعبدون لأحبارهم ورهبانهم، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة].\nوفي المسند والترمذي كما سيأتي أن عدي بن حاتم قال: يا رسول الله ما عبدوهم. قال: \"بلى إنهم أحلّوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم فذاك عبادتهم إياهم\" (^٤).\nفالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذمِّ والتوبيخ بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين فإنما يأمرون بما يأمر الله به، وبلغتهم إياه رسله الكرام، وإنما (^٥) ينهونهم عمّا نهاهم الله عنه وبلغتهم إياه رسله الكرام، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة، فقاموا بذلك أتم القيام، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي: ولكن يقول الرسول للناس: كونوا ربانيين.\n_________\n(^١) كذا في (عف)، وفي الأصل و(حم): \"غيره\".\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"من قوله\".\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وتفرد بهذا الحديث محمد بن أبي محمد وهو مولى زيد بن ثابت: مجهول، كما في التقريب.\n(^٤) أخرجه الترمذي من حديث عدي بن حاتم به وأطول ثم قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغُطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث (السنن، التفسير، سورة آل عمران ح ٣٠٩٥) بل غُطيف بن أعين ضعيف (التقريب ص ٤٤٣).\n(^٥) في الأصل: \"وإنها\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).","vol":"2","page":369},{"text":"قال ابن عباس وأبو رزين وغير واحد: أي حكماء علماء حلماء.\nوقال الحسن وغير واحد: فقهاء، وكذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وعطاء الخراساني وعطية العوفي. والربيع بن أنس (^١).\nوعن الحسن أيضًا: يعني: أهل عبادة وأهل تقوى.\nوقال الضحاك في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾: حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهًا ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ أي: تفهمون معناه، وقرئ ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بالتشديد من التعليم (^٢) ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ تحفظون ألفاظه.\n\n<span id=\"aya-373\"></span>ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله: لا نبي مرسل ولا ملك مقرب ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: لا يفعل ذلك [لأن] (^٣) من دعا إلى عبادة غير الله، فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية [النحل: ٣٦]، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف] وقال إخبارًا عن [الملائكة] (^٤): ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء].\n\n<span id=\"aya-374\"></span>\n\n<span id=\"aya-375\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾.\nيخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم ﵇ إلى عيسى ﵇ لمهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ أي مبلغ، ثم جاءه رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته، ولهذا قال تعالى وتقدس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ أي: لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾.\nوقال ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وقتادة والسدي يعني: عهدي (^٥).\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عكرمة عنه، وقول أبي رزين أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور بن عباد عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) وكلتاهما قراءتان متواترتان.\n(^٣) كذا في (عف) و(حم) و(ح)، وفي الأصل: \"إلا\".\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"أهل مكة\" وهو تصحيف.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ويتقوى بالأقوال التالية: فقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الربيع أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق =","vol":"2","page":370},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: ﴿إِصْرِي﴾ أي: ثقل ما حملتم من عهدي (^١)؛ يعني: ميثاقي الشديد المؤكد ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: عن هذا العهد والميثاق ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.\nقال علي بن أبي طالب وابن عمه ابن عباس ﵄: ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث الله محمدًا، وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بُعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه (^٢).\nوقال طاوس والحسن البصري وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضًا (^٣). وهذا لا يضاد ما قاله علي وابن عباس ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه، ولهذا روى عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، مثل قول علي وابن عباس (^٤).\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغيّر وجه رسول ﷺ قال: عبد الله بن ثابت، قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربًا، بالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، قال: فسُري عن النبي ﷺ وقال: \"والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ﵇، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين\" (^٥).\n(حديث آخر): قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق، حدثنا حماد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلّوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حلّ له إلا أن يتبعني\" (^٦).\n_________\n= أسباط عنه وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عنه.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه مختصرًا، وقول علي بن أبي طالب أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه سيف بن عمر وهو متروك.\n(^٣) قول طاوس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن طاوس عن أبيه، وقول الحسن البصري أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن منصور، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي جعفر الرازي عنه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده متنه، وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٦٥، ٢٦٢) وسنده ضعيف فيه جابر بن يزيد الجعفي: ضعيف، وعبد الله بن ثابت: مجهول.\n(^٦) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (٤/ ١٠٢ ح ٢١٣٥) وسنده ضعيف بسبب مجالد وهو ابن سعيد بن عمير وهو ليس بالقوي وقد تغيّر في آخر عمره (التقريب ٢/ ٢٢٩)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق مجالد به (المسند ٢٣/ ٣٤٩ ح ١٥١٥٦).","vol":"2","page":371},{"text":"وفي بعض الأحاديث: \"لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي\"، [فالرسول] (^١) محمد خاتم الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليه - دائمًا إلى يوم الدين، هو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد، لكان هو الواجب طاعته المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الربّ ﷻ لفصل القضاء بين عباده، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين حتى تنتهي النوبة إليه فيكون هو المخصوص به.\n\n<span id=\"aya-376\"></span>﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على من أراد دينًا سوى دين الله الذي أنزل به كتبه، وأرسل به رسله، وهو عبادة الله (^٢) وحده لا شريك له، الذي ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [أي: استسلم له من فيهما طوعًا وكرهًا، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] (^٣) طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل] فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرهًا، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع.\nوقد ورد حديث في تفسير هذه الآية على معنى آخر فيه غرابة، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدثنا سعيد بن حفص النُفيلي، حدثنا محمد بن محصن العكاشي، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن النبي ﷺ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، \"أما من في السموات فالملائكة، وأما من في الأرض فمن ولد على الإسلام، وأما كرهًا فمن أتي به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون\" (^٤).\nوقد ورد في الصحيح: \"عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل\" (^٥) وسيأتي له شاهد من وجه آخر، ولكن المعنى الأول للآية أقوى، وقد قال وكيع في تفسيره، حدثنا سفيان عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قال: هو كقوله:\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"فإن رسول الله\".\n(^٢) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل و(ح) و(حم): \"عبادته\".\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).\n(^٤) المعجم الكبير ١١/ ١٩٤ (ح ١١٤٧٣)، وسنده ضعيف جدًّا بسبب محمد بن محصن العكاشي فقد كذبه بعض النقاد (ينظر: التقريب ص ٥٠٥) وهو مرسل أيضًا.\n(^٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب الأسارى في السلاسل (ح ٣٠١٠).","vol":"2","page":372},{"text":"﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] (^١)، وقال أيضًا: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قال: حين أخذ الميثاق (^٢). ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم المعاد فيجازي كلًّا بعمله،\n\n<span id=\"aya-377\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعني: القرآن، ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: من الصحف والوحي، ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - وهو يعقوب - الاثني عشر، ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ يعني: بذلك التوراة والإنجيل، ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يعمُّ جميع الأنبياء جملة ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: بل نؤمن بجميعهم ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله.\n\n<span id=\"aya-378\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية، أي: من سلك طريقًا سوى ما شرعه الله، فلن يقبل منه ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: \"حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا الحسن (^٤) \"، حدثنا أبو هريرة إذ ذاك ونحن بالمدنية، قال: قال رسول ﷺ: \"تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة فتقول: يا ربِّ، أنا الصلاة فيقول: إنك على خير وتجيء الصدقة فتقول: يا ربِّ، أنا الصدقة فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الصيام فيقول: يا ربِّ، أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال كل ذلك يقول الله تعالى: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا ربِّ، أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول الله تعالى: إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك أعطى، قال الله في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ \" (^٥)، تفرد به أحمد. قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد: عباد بن راشد ثقة، ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة (^٦).\n\n<span id=\"aya-379\"></span>﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾.\n\nقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله (^٧) بن بزيع البصري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا\n_________\n(^١) سنده صحيح وأخرجه الطبري من طريق وكيع به.\n(^٢) سنده صحيح وأخرجه الطبري من طريق وكيع به.\n(^٣) حديث صحيح تقدم تخريجه من الصحيحين في تفسير سورة آل عمران آية ٣١.\n(^٤) في الأصل: \"الحسين\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٨٧٢٧) وسنده ضعيف منقطع كما صرح ابن الإمام أحمد في آخر الرواية.\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) في الأصل: \"عبد\"، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.","vol":"2","page":373},{"text":"داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتدَّ ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا لي رسول الله هل لي من توبة؟ فنزلت ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ فأرسل إليه قومه فأسلم (^١). وهكذا رواه النسائي والحاكم وابن حبان من طريق داود بن أبي هند به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٢).\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي ﷺ، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك - والله ما علمت - لصدوق، وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه (^٣).\nفقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول، ووضح لهم الأمر ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعدما تلبسوا به من العماية؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-380\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)﴾ أي: يلعنهم الله، ويلعنهم خلقه،\n\n<span id=\"aya-381\"></span>﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة، ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف عنهم ساعة واحدة،\n\n<span id=\"aya-382\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه أن من تاب إليه، تاب عليه.\n\n<span id=\"aya-383\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾.\nيقول تعالى متوعدًا ومتهددًا لمن كفر بعد إيمانه، ثم ازداد كفرًا، أي: استمر عليه إلى الممات، ومخبرًا بأنه لن تقبل لهم توبة عند مماتهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء]، ولهذا قال ههنا: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ أي: الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغي.\nقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح كما سيأتي.\n(^٢) السنن الكبرى، التفسير، سورة آل عمران، قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] (ح ٨٥)، والإحسان، باب الردة ٦/ ٣٢٣ (ح ٤٤٦٠)، والمستدرك ٢/ ١٤٢.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه الطبري، والباوردي وابن منده كلاهما في الصحابة من طريق جعفر بن سليمان به (ينظر: الإصابة ١/ ٢٧٩) وسنده مرسل فإن مجاهدًا لم يسمع الحارث.","vol":"2","page":374},{"text":"داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن قومًا أسلموا ثم ارتدوا ثم أسلموا ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾. هكذا رواه، وإسناده جيد (^١)،\n\n<span id=\"aya-384\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ أي: من مات على الكفر فلن [يقبل منه خيرًا أبدًا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبًا فيما يراه قربة، كما سئل النبي ﷺ عن عبد الله بن جدعان وكان يقري الضيف ويفكُّ العاني ويطعم الطعام: هل ينفعه ذلك؟ فقال: \"لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين\" (^٢). وكذلك لو افتدى بملء الأرض ذهبًا ما قبل منه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقال: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ [المائدة: ٣٦]. ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ فعطف ﴿وَلَوِ افْتَدَى﴾ به على الأول، فدلَّ على أنه غيره، وما ذكرناه أحسن من أن يقال: إن الواو زائدة، والله أعلم، ويقتضي ذلك أن، (^٣) لا ينقذه من عذاب الله شيء ولو كان قد أنفق مثل الأرض ذهبًا، ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهبًا، بوزن جبالها وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرها وبحرها.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثني شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ، قال: \"يُقال للرجل (^٤) مِن أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت (^٥) مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك\" (^٦)، وهكذا أخرجه البخاري ومسلم (^٧).\n(طريق أخرى): وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا حماد عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي ربِّ أخير منزل، فيقول: سَلّ وتمنّ، فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرار، لِما يرى من فضل الشهادة، ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا ربِّ] (^٨) شرّ منزل، فيقول له: تفتدى مني\n_________\n(^١) حكم عليه الحافظ ابن كثير بجودة إسناده، وهو إسناد الطبري المتقدم عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه مسلم من حديث عائشة (الصحيح، الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل ح ٢١٤).\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) في الأصل: \"لرجل\" وهو تصحيف.\n(^٥) في الأصل: \"كنت\"، والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٢٧) وسنده صحيح، وهو متفق عليه كما يأتي.\n(^٧) صحيح البخاري، الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (ح ٣٣٣٤)، وصحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين (ح ٢٨٠٥).\n(^٨) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.","vol":"2","page":375},{"text":"[بطلاع] (^١) الأرض ذهبًا؟ فيقول: أي ربِّ نعم، فيقول: كذبت، قد سألتك أقلّ من ذلك وأيسر فلم تفعل، فيرد إلى النار\" (^٢). ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أي: وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ولا يجيرهم من أليم عقابه.\n\n<span id=\"aya-385\"></span>﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾.\n[روى وكيع في تفسيره عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ قال: البر الجنة] (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، سمع أنس بن مالك، يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالًا، وكان أحبّ أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال النبي ﷺ: \"بخ بخ ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، وقد سمعت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين\"، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، أخرجاه (^٤)، وفي الصحيحين أن عمر قال: يا رسول الله لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: \"حبس الأصل وسبل (^٥) الثمرة\" (^٦).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي عمرو بن حماس، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، قال: قال عبد الله: حضرتني هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إليَّ من جارية لي رومية، فقلت: هي حُرَّة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته للّه لنكحتها، يعني: تزوجتها (^٧).\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: \"ملء\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٠٧) وسنده صحيح، وأخرجه مسلم (الصحيح، كتاب صفات المنافقين ح ٢٨٠٧).\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من (عف). وسنده حسن ويشهد له ما رواه ابن أبي حاتم من طريقين عن ابن مسعود.\n(^٤) صحيح البخاري، تفسير سورة آل عمران، باب قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] (ح ٤٥٥٤)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة (ح ٩٩٨).\n(^٥) في الأصل: \"سبيل\".\n(^٦) أخرجه البخاري بنحوه، الصحيح، الشروط، باب الشروط في الوقت (ح ٢٧٣٧)، وكذا في صحيح مسلم (ح ١٦٣٢).\n(^٧) كشف الأستار بزوائد البزار (ح ٢٩١٤) وأخرجه ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عمر وهذان الإسنادان يقوي بعضهما الآخر.","vol":"2","page":376},{"text":"<span id=\"aya-386\"></span>﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، قال: قال ابن عباس: حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ فقالوا: حدثنا (^١) عن خلال نسألك عنهنَّ لا يعلمهنَّ إلا نبيّ، قال: \"سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئًا فعرفتموه لتتابعني على الإسلام\" قالوا: فذلك لك، قالوا: أخبرنا عن أربع خلال: أخبرنا أي الطعام حرّم إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم؟ ومن وليُّه من الملائكة؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه، فقال: \"أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضًا شديدًا، فطال سقمه، فنذر لله نذرًا لئن شفاه الله من سقمه ليُحرمَن أحبّ الطعام والشراب إليه، وكان أحبّ الطعام إليه لحمان الإبل، وأحبّ الشراب إليه ألبانها\"؟ فقالوا: اللّهم نعم. قال: \"اللّهم اشهد عليهم\". وقال: \" [أنشدكم] (^٢) بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد، والشبه بإذن الله إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرًا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله؟ \" قالوا: نعم. قال: \"اللَّهم اشهد عليهم\". وقال: \" [أنشدكم] (^٣) بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه، ولا ينام قلبه\"؟ قالوا: اللهم نعم. قال: \"اللّهم اشهد\" قال: \"وإن ولييّ جبريل ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليه\". قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال لله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ …﴾ الآية [البقرة: ٩٧]. ورواه أحمد أيضًا عن حسين بن محمد، عن عبد الحميد به (^٤).\n(طريق أخرى): قال أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] قال: \"هاتوا\" قالوا: أخبرنا عن علامة النبي قال: \"تنام عيناه ولا ينام قلبه\"، قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة، وكيف تذكر؟ قال: \"يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة، أذكرت، وإذا علا ماء المرأة أنثت\" قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: \"كان يشتكي عرق النسا، فلم\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) ورواية المسند، وفي الأصل: \"نبئنا\".\n(^٢) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.\n(^٣) في الأصل: \"أشهدكم\" والتصويب كسابقه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٤٧١، ٢٤٨٣) وسنده حسن، وصححه أحمد شاكر، وأخرجه الترمذي وحسنه (السنن، التفسير، ومن سورة الرعد ح ٣١١٧) وأخرجه الحاكم مختصرًا وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٢).","vol":"2","page":377},{"text":"يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا - قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل - فحرم لحومها\" قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: \"ملك من ملائكة الله ﷿ موكل بالسحاب بيده - أو في يديه - مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله ﷿\" قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: \"صوته\". قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، إنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال: \"جبريل ﵇\"، قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونًا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر، لكان، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ …﴾ إلى آخر الآية (^١) وقد رواه الترمذي والنسائي، من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه، وقال الترمذي: حسن غريب (^٢). وقال ابن جريج والعوفي عن ابن عباس: كان إسرائيل ﵇ وهو يعقوب - يعتريه عِرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم، ويقلع الوجع عنه بالنهار، فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عِرقًا ولا يأكل ولد ما له عرق (^٣). وهكذا قال الضحاك والسدي (^٤). كذا رواه وحكاه ابن جرير في تفسيره، قال: فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استنانًا به واقتداءً بطريقه، قال: وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ أي: حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة.\nقلت: ولهذا السياق بعدما تقدم مناسبتان:\n(إحداهما): أن إسرائيل ﵇ حرم أحبَّ الأشياء إليه وتركها لله، وكان هذا سائغًا (^٥) في شريعتهم فله مناسبة بعد قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فهذا هو المشروع عندنا، وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ …﴾ الآية [الإنسان: ٨].\n(المناسبة الثانية): لما تقدم السياق في الردِّ على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح وتبيين زيف ما ذهبوا إليه وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأُمه، كيف خلقه الله بقدرته ومشيئته وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه ﵎، شرع في الردِّ على اليهود، وبيان أن النسخ (^٦) الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحًا ﵇ لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دوابّ الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرَّم إسرائيل على نفسه لُحمان: الإبل وألبانها فاتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أخرى زيادة على ذلك، وكان الله ﷿ قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك بعد ذلك، وكان التسري على الزوجة مباحًا في شريعة إبراهيم ﵇، وقد فعله الخليل في\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه تقريبًا (المسند ٤/ ٢٨٥ ح ٢٤٨٣) وحسنه محققوه إلا السؤال عن الرعد.\n(^٢) سنن الترمذي، الموضع السابق والسنن الكبرى للنسائي ٥/ ٣٣٦ (ح ٩٠٧٢).\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من الطريقين وكلاهما ضعيف ويشهد له ما تقدم مرفوعًا.\n(^٤) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري ويشهد له ما تقدم، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٥) قوله: \"سائغًا\" كذا في (عف) و(حم) و(ح) و(مح)، وفي الأصل: \"شائعًا\".\n(^٦) في الأصل: \"المسيح\"، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).","vol":"2","page":378},{"text":"هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم، وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغًا (^١)، وقد فعله يعقوب ﵇ جمع بين الأختين، ثم حرم عليهم ذلك في التوراة، وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا هو النسخ بعينه، فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح ﵇، في إحلاله بعض ما حرم في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه؟ بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمدًا ﷺ من الدين القويم، والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟ ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: كان حلًّا لهم، جميع الأطعمة قبل نزول التوراة إلا ما حرمه إسرائيل، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإنها ناطقة بما قلناه\n\n<span id=\"aya-387\"></span>﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)﴾ أي: فمن كذب على الله وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائمًا، وأنه لم يبعث نبيًا آخر يدعو إلى الله بالبراهين والحجج بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-388\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: قل يا محمد صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن، ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: اتبعوا مِلَّة إبراهيم التي شرعها في القرآن على لسان محمد ﷺ فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-389\"></span>﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾.\nيخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس؛ أي: لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﵇ الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه، ولهذا قال تعالى: ﴿مُبَارَكًا﴾ أي: وضع مباركًا ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذرّ ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: \"المسجد الحرام\". قلت: ثم أي؟ قال: \"المسجد الأقصى\". قلت: كم بينهما؟ قال: \"أربعون سنة\". قلت: ثم أي؟ قال: \"ثم حيث أدركتَ الصلاة فصلّ فكلها مسجد\" (^٢). وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: \"سابقًا\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٠) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ …﴾ [ص: ٣٠] (ح ٣٤٢٥)، وصحيح مسلم، المساجد، الحديث الأول (ح ٥٢٠).","vol":"2","page":379},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن (^١) بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، عن شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ قال: كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله (^٢).\nوحدثنا أبي، حدثنا الحسن (^٣) بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة (^٤)، قال: قام رجل إلى علي ﵁، فقال: ألا تحدثني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا (^٥). وذكر تمام الخبر في كيفية بناء إبراهيم البيت، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في أول سورة البقرة فأغنى عن إعادته هنا.\nوزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقًا (^٦)، والصحيح قول علي ﵁. فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه دلائل النبوة من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: \"بعث الله جبريل إلى آدم وحواء، فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم، ثم أمر بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس\" (^٧) فإنه كما ترى من مفردات (^٨) ابن لهيعة وهو ضعيف. والأشبه - والله أعلم - أن يكون هذا موقوفًا على عبد الله بن عمرو، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب.\nوقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ بكة من أسماء مكة على المشهور، قيل: سميت بذلك لأنها تبكُّ أعناق الظلمة والجبابرة (^٩) بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يتباكون فيها؛ أي يزدحمون (^١٠). قال قتادة: إن الله بكَّ به الناس جميعًا، فيصلي النساء أمام الرجال ولا يفعل ذلك ببلد غيرها (^١١). وكذا روى عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعمرو بن شعيب ومقاتل بن حيان (^١٢).\n_________\n(^١) في الأصل: \"الحسين\" وهو تصحيف، والتصويب من التخريج و(عف).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفيه مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقوي كما في التقريب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس: ٨٧]. ورجح قول علي الحافظ ابن كثير كما سيأتي.\n(^٣) في الأصل: \"الحسين\" وهو تصحيف، والتصويب كسابقه.\n(^٤) في الأصل: \"عمرة\" وهو تصحيف والتصويب من التخريج و(عف) و(ح) و(حم).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه كاملًا، وفي سنده خالد بن عرعرة سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٣/ ٣٤٣)، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل عن سماك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٣).\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم سند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٧) دلائل النبوة ٢/ ٤٥، وقد أكد البيهقي على تفرد ابن لهيعة بهذا الحديث.\n(^٨) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"تفردات\" وكلاهما صحيح.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند صحيح عن محمد بن زيد بن مهاجر.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند حسن عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم بلفظه بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^١٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند وقول مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري بأسانيد حسان.","vol":"2","page":380},{"text":"وذكر حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: مكة من الفخ (^١) إلى التنعيم، وبكَّة من البيت إلى البطحاء (^٢).\nوقال شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم: بكّة البيت والمسجد (^٣)، وكذا قال الزهري (^٤). وقال عكرمة في رواية وميمون بن مهران: البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة (^٥).\nوقال أبو صالح وإبراهيم النخعي وعطية العوفي ومقاتل بن حيان: بكَّة موضع البيت وما سوى ذلك مكة (^٦). وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكَّة، وبكَّة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأُم رحم، وأُم القرى، وصلاح، والعرش على وزن بدر، [والقادس] (^٧) لأنها تطهر من الذنوب، والمقدسة، والناسة بالنون، وبالباء أيضًا والحاطمة، والنسّاسة، والرأس، وكوثاء والبلدة، والبنية، والكعبة (^٨).\n\n<span id=\"aya-390\"></span>وقوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ أي: دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظَّمه وشرفه، ثم قال تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله إسماعيل، وقد كان مُلتصقًا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطَّواف، ولا [يشوشون] (^٩) على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقد قدمنا الأحاديث في ذلك فأغنى عن إعادتها ههنا، ولله الحمد والمنة.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾: أي فمنهنّ مقام إبراهيم والمشْعَر (^١٠).\nوقال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة، وكذا روى عن عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم (^١١)، وقال أبو طالب في قصيدته:\nوموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيًا غير ناعل\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد [الأشج] (^١٢) وعمرو الأودي، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا\n_________\n(^١) الفخ: هو وادي الزاهر لكثرة الأشجار والأزهار.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم عن حماد معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن شعبة به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق غالب بن عبيد الله عنه وغالب هذا: ضعيف (لسان الميزان ٤/ ٥١٤ - ٥١٥).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن برقان عن عكرمة.\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرجه بسند حسن عن أبي مالك.\n(^٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"الفارس\" وهو تصحيف.\n(^٨) وقد ذكر الفاسي جملة من أسماء مكة المكرمة (العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين ١/ ٣٥ - ٣٦).\n(^٩) كذا في (عف) و(حم) و(ح)، وفي الأصل: \"ولا يُشوش\" وكلاهما صحيح.\n(^١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عنه، والمشعر هو: المشعر الحرام في مزدلفة.\n(^١١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^١٢) الزيادة من (عف) وتفسير ابن أبي حاتم.","vol":"2","page":381},{"text":"سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ قال: الحرم كله مقام إبراهيم [والسياق للأشج] (^١)، ولفظ عمرو: الحج كله مقام إبراهيم (^٢)، وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: الحجّ مقام إبراهيم (^٣). هكذا رأيته في النسخة، ولعله: الحجر كله مقام إبراهيم، وقد صرح بذلك مجاهد (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ يعني: حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيِّجه حتى يخرج (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التّيْمي، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا [يؤوى] (^٦) ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه (^٧).\nوقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ …﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش] وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعًا وموقوفًا. ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: \" [لا هجرة] (^٨) ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا\" (^٩).\nوقال يوم فتح مكة: \"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد [شوكه] (^١٠)، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها\" فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخَر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: \"إلا الإذخَر\" (^١١).\nولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه (^١٢)، ولهما واللفظ لمسلم أيضًا عن أبي شريح العدوي أنه\n_________\n(^١) الزيادة من تفسير ابن أبي حاتم للتوضيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد.\n(^٤) لم أجده بهذا اللفظ وإنما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"الحج كله\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق هشام عن الحسن بنحوه.\n(^٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"لا يوري\" وهو تصحيف.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو يحيى التيمي وهو إسماعيل بن إبراهيم الأحول: ضعيف، وقد توبع فقد أخرجه عبد الرزاق من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه وسنده صحيح.\n(^٨) سقط واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.\n(^٩) تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢١٦.\n(^١٠) في الأصل: \"شجره\"، والتصويب كسابقه.\n(^١١) تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢١٦.\n(^١٢) تخريجه كسابقه.","vol":"2","page":382},{"text":"قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: [ائذن] (^١) لي أيها الأمير أن أحدثك قولًا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به؛ إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \"إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب\". فقيل لأبي شريح: ما قال لك؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخَزْية (^٢).\nوعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يحلّ لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح\" رواه مسلم (^٣). وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف بالحَزْوَرَة في سوق مكة، يقول: \"والله إنك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت\". رواه الإمام أحمد، وهذا لفظه (^٤)، والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وكذا صحّح من حديث ابن عباس نحوه (^٥)، وروى أحمد عن أبي هريرة نحوه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان، حدثنا أبو عاصم، عن رُزيق بن مسلم الأعمى مولى بني مخزوم، حدثني زياد ابن أبي عياش، عن يحيى بن جعدة بن هبيرة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال: آمنًا من النار (^٦). وفي معنى هذا القول الحديث الذي رواه البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن سليمان الواسطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا ابن المؤمل، عن ابن محيصن، عن عطاء، عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفورًا له\" ثم قال: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وليس بالقوي (^٧).\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ هذه آية وجوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والأول أظهر. وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا ضروريًا، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنصِّ والإجماع.\nقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا يزيد بن هارون.، حدثنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن\n_________\n(^١) في الأصل: \"ادن\"، والتصويب كسابقه.\n(^٢) تخريجه كسابقه.\n(^٣) تخريجه كسابقه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عدي به (المسند ٤/ ٣٠٥)، وأخرجه الترمذي من طريق أبي سلمة به وصححه (السنن، المناقب، باب ما جاء في فضل مكة ح ٣٩٢١) د وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٠٨٢)، وأخرجه الحاكم من الطريق نفسه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٤٣١).\n(^٥) سنن الترمذي (ح ٣٩٢٢).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده بشر بن آدم وهو صدوق فيه لين كما في التقريب، وزريق بن مسلم لم أجد له ترجمة.\n(^٧) السنن الكبرى ٥/ ١٥٨، وفي سنده عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف الحديث (التقريب ص ٣٢٥).","vol":"2","page":383},{"text":"زياد، عن أبي هريرة، قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: \"أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا\" فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ: \"لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم\" ثم قال: \"ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه\" (^١). ورواه مسلم عن زهير بن حرب، عن يزيد بن هارون به نحوه (^٢). وقد روى سفيان بن حسين وسليمان بن كثير وعبد الجليل بن حميد ومحمد بن أبي حفصة عن الزهري، عن أبي سنان الدؤلي واسمه: يزيد بن أُمية، عن ابن عباس ﵁، قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال: \"يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج\" فقام الأقرع بن حابس، فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال: \"لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحجّ مرة فمن زاد فهو تطوع\" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، والحاكم من حديث الزهري به (^٣)، ورواه شريك عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس بنحوه. وروي من حديث أسامة بن يزيد.\nقال الإمام أحمد: حدثنا منصور بن وردان عن علي بن عبد الأعلى (^٤)، عن أبيه، عن أبي البَخْتَري، عن علي ﵁، قال: لما نزلت ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فسكت، قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ قال: \"لا، ولو قلت: نعم لوجبت\"، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^٥) [المائدة: ١٠١]. وكذا رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث منصور بن وردان به، ثم قال الترمذي: حسن غريب، وفيما قال نظر، لأن البخاري قال: لم يسمع أبو البختري من علي (^٦). وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا محمد بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، قال: قالوا: يا رسول الله، الحجّ في كل عام؟ قال: \"لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها، لعذبتم\" (^٧).\nوفي الصحيحين من حديث ابن جريج عن عطاء، عن جابر، أن سراقة بن مالك، قال: يا رسول الله، متعتنا هذه لعامنا هذا، أم للأبد؟ قال: \"لا، بل للأبد\" (^٨). وفي رواية: \"بل لأبد أبد\".\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٠٨) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الحج، باب فرض الحج مرة في العمر (ح ١٣٣٧).\n(^٣) المسند (ح ٢٣٠٤) وصححه أحمد شاكر، وسنن أبي داود، الحج، باب فرض الحج (ح ١٧٢١)، وسنن النسائي، مناسك الحج، باب وجوب الحج ٥/ ١١١، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٣).\n(^٤) قوله: \"عن علي بن عبد الأعلى\" تكرر في الأصل.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٩٠٥)، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع بين أبي البختري وعلي.\n(^٦) سنن الترمذي، الحج، باب ما جاء كم فرض الحج (ح ٨١٤)، وسنن ابن ماجه، المناسك، باب فرض الحج (ح ٢٨٨٤)، وأشار إلى انقطاعه أيضًا الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير ٢/ ٢٢٠).\n(^٧) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، المناسك، باب فرض الحج (ح ٢٨٨٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٣٣٢).\n(^٨) صحيح البخاري، الشركة، باب اشتراك في الهدي والبدن (ح ٢٥٠٥)، وصحيح مسلم، الحج، باب بيان وجوه الإحرام (ح ١٢١٦).","vol":"2","page":384},{"text":"وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث واقد بن أبي واقد الليثي، عن أبيه أن رسول الله ﷺ، قال لنسائه في حجته: \"هذه ثم ظهور الحصر (^١) - يعني ثم الزمن ظهور الحصر (^١) - ولا تخرجن من البيوت\" (^٢).\nوأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعًا بنفسه، وتارة بغيره كما هو مقرر في كتب الأحكام.\nقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا إبراهيم بن يزيد، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث، عن ابن عمر ﵄، قال: قام رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: \"الشعث التفل\"، فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال: \"العجّ والثجّ\" (^٣)، فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: \"الزاد والراحلة\" (^٤). وهكذا رواه ابن ماجه من حديث إبراهيم بن يزيد وهو الخوزي، قال الترمذي: ولا نعرفه إلا من حديثه، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، كذا قال: ههنا، وقال في كتاب الحج: هذا حديث حسن (^٥). لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات سوى الخوزي هذا، وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث، لكن قد تابعه غيره، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله العامري، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: جلست إلى عبد الله بن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له: ما السبيل؟ قال: \"الزاد والراحلة\" (^٦). وهكذا رواه ابن مردويه من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير به، ثم قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس وأنس والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك (^٧)، وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى من حديث أنس وعبد الله بن عباس وابن مسعود وعائشة كلها مرفوعة، ولكن في أسانيدها مقال، كما هو مقرر في كتاب الأحكام، والله أعلم.\nوقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث، ورواه الحاكم من حديث أبي\n_________\n(^١) في لفظي الحصر جاء في الأصل: \"الخضر\" وهو تصحيف والتصويب من المسند و(عف) و(ح) و(حم).\n(^٢) المسند ٥/ ٢١٩ وسنده حسن، وسنن أبي داود، المناسك، باب فرض الحج (ح ١٧٢٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١٥١٥).\n(^٣) العج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: سيلان دماء الهدي أو الأضاحي. كما في حاشية سنن الترمذي.\n(^٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح ٢٩٩٨ وفي سنده إبراهيم بن يزيد الخوزي متروك كما في التقريب ص ٩٥).\n(^٥) سنن الترمذي، الحج، باب إيجاب الحج بالزاد والراحلة (ح ٨١٣).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه محمد بن عبد الله بن عبيد الله الليثي ضعيف (الجرح والتعديل ٧/ ٣٠٠)، فتكون المتابعة التي ذكرها الحافظ ابن كثير ضعيفة وسيأتي كلام الحافظ ابن كثير: بأن هذه الأحاديث المرفوعة في أسانيدها مقال.\n(^٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن عباس أخرجه الدارقطني وابن ماجه وابن المنذر بسند ضعيف (التلخيص الحبير ٢/ ٢٢١)، وقول أنس أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٤٢) وبقية الأقوال مرسلة. ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن المنذر قال: لا يثبت الحديث في ذلك مسندًا، والصحيح من الروايات، رواية الحسن مرسلة (التلخيص الحبير ٢/ ٢٢١).","vol":"2","page":385},{"text":"قتادة، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله ﷺ سئل عن قول الله ﷿: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقيل: ما السبيل؟ قال: \"الزاد والراحلة\"، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (^١).\nوقال ابن [جرير] (^٢): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، قال: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقالوا: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: \"الزاد والراحلة\" (^٣)، ورواه وكيع في تفسيره عن سفيان، عن يونس به (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن إسماعيل وهو أبو إسرائيل الملائي، عن فضيل - يعني ابن عمرو - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له\" (^٥). وقال أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن مهران بن أبي صفوان، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أراد الحج فليتعجل\" (^٦). ورواه أبو داود عن مسدد عن أبي معاوية الضرير به (^٧). وقد روى ابن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلًا (^٨). وعن عكرمة مولاه أنه قال: السبيل الصحة (^٩). وروى وكيع بن الجراح عن [أبي جناب - يعني الكلبي -] (^١٠)، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس، قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: \"الزاد والبعير\" (^١١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي ومن جحد فريضة الحجّ فقد كفر والله غني عنه.\nوقال سعيد بن منصور، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة، قال: لما نزلت ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، قالت اليهود: فنحن مسلمون، قال الله ﷿: فاخْصِمهم فحجهم؛ يعني فقال لهم النبي ﷺ: \"إن الله فرض على المسلمين حج البيت من\n_________\n(^١) المستدرك ١/ ٤٤٢.\n(^٢) في الأصل: \"ابن جريج\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل.\n(^٤) وسنده مرسل أيضًا.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وبأسانيد أخرى (المسند ح ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٨٦٩) وسنده ضعيف، وضعفه أحمد شاكر بسبب أبي إسرائيل، وهو: إسماعيل بن خليفة العبسي: وهو صدوق سيء الحفظ (التقريب ص ١٠٧) ويتقوى بالرواية التالية.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٧٤) وصححه أحمد شاكر وأخرجه أبو داود من طريق الأعمش عن الحسن بن عمرو به (السنن، المناسك ح ١٧٣٢) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٥٢٤) وأخرجه الحاكم من طريق أبي معاوية وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٤٨).\n(^٧) تقدم عزوه في سابقه.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق أبي عبد الله البجلي عن سعيد بن جبير به. وأخرجه الإمام أحمد من طريق النزال بن عمار عن ابن عباس (مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني ص ٩٧). ورواية النزال عن ابن عباس مرسلة (التقريب ص ٥٦٠).\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شرحبيل بن شريك عن عكرمة.\n(^١٠) في الأصل: \"أبو حيان\" يعني الملكي. وهو تصحيف والتصويب من ترجمته التالية، و(عف) و(ح) و(حم).\n(^١١) في سنده أبو جناب الكلبي وهو يحيى بن أبي حية ضعفوه لكثرة تدليسه (التقريب ص ٥٨٩) ولم يصرح بالسماع، وفيه الضحاك لم يلق ابن عباس فالإسناد ضعيف.","vol":"2","page":386},{"text":"استطاع إليه سبيلًا\" فقالوا: لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (^١). وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، حَدَّثَنَا مسلم بن إبراهيم، وشاذ بن فياض، قالا: حَدَّثَنَا هلال أبو هاشم الخراساني، حَدَّثَنَا أبو إسحاق الهمداني عن الحارث، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ملك زادًا وراحلة ولم يحج بيت الله، فلا يضره مات يهوديًا أو نصرانيًا، ذلك بأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢). ورواه ابن جرير من حديث مسلم بن إبراهيم به (^٣). وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة الرازي: حَدَّثَنَا هلال بن فياض، حَدَّثَنَا هلال أبو هاشم الخراساني … فذكره بإسناده مثله (^٤)، ورواه الترمذي عن محمد بن يحيى القطعي عن مسلم بن إبراهيم، عن هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي به، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول، والحارث يضعف في الحديث (^٥). وقال البخاري: هلال هذا منكر الحديث. وقال ابن عدي؛ هذا الحديث ليس بمحفوظ. وقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث أبي عمرو الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غنم أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من أطاق الحج [فلم يحج] (^٦)، فسواء عليه يهوديًا مات أو نصرانيًا، وهذا إسناد صحيح إلى عمر ﵁.\nوروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له جدة فلم يحجّ، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين (^٧).\n\n<span id=\"aya-391\"></span>\n\n<span id=\"aya-392\"></span>﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾.\nهذا تعنيف من الله تعالى لكفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات الله، وصدهم عن سبيل الله من أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم، مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله، بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين والسادة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم\n_________\n(^١) سنده صحيح إلى عكرمة لكنه مرسل ويتقوى بمرسل مجاهد الذي يليه.\n(^٢) في سنده هلال فيه مقال كما سيأتي عن الترمذي، والحارث هو الأعور الهمداني وهو ضعيف كما في التقريب، وضعفه الحافظ ابن كثير كما سيأتي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أيضًا الحارث.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أيضًا الحارث وهلال.\n(^٥) سنن الترمذي، الحج، باب ما جاء في التغليظ في ترك الحج (ح ٨١٢).\n(^٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٧) في سنده الحسن البصري لم يسمع من عمر، ويشهد له سابقه من رواية الإسماعيلي التي صحح الحافظ ابن كثير سندها.","vol":"2","page":387},{"text":"أجمعين، وما بشروا به ونوهوا به من ذكر النبيّ الأميّ الهاشميّ العربي المكي، سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول ربّ الأرض والسماء، وقد توعدهم الله على ذلك، وأخبر بأنه شهيد على صنيعهم ذلك وما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء ومقابلتهم الرسول المبشر به بالتكذيب والجحود والعناد، فأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفعهم مال ولا بنون.\n\n<span id=\"aya-393\"></span>\n\n<span id=\"aya-394\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾\nيحذر ﵎ عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من أهل الكتاب الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله وما منحهم به من إرسال رسوله، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وهكذا قال ههنا: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ثم قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ يعني: أن الكفر بعيد منكم وحاشاكم منه، فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلًا ونهارًا، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، [وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾ [الحديد: ٨، ٩] (^١)، وكما جاء في الحديث أن النَّبِيّ ﷺ، قال لأصحابه يومًا: \"أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانًا؟ \" قالوا: الملائكة. قال: \"وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ \" وذكروا الأنبياء، قال (^٢): \"وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ \" قالوا: فنحن (^٣). قال: \"وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ \" قالوا: فأي الناس أعجب إيمانًا؟ قال: \"قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها\" (^٤). وقد ذكرت سند هذا الحديث والكلام عليه في أول شرح البخاري، وللّه الحمد.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ومع هذا فالاعتصام باللّه والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدّة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد وحصول المراد.\n\n<span id=\"aya-395\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عن سفيان وشعبة، عن زبيد اليامي، عن مُرَّة، عن عبد الله هو ابن مسعود ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: أن يطاع فلا يعصى،\n_________\n(^١) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).\n(^٢) في الأصل: \"قالوا: فالأنبياء\".\n(^٣) في الأصل: \"ونحن\".\n(^٤) حديث ضعيف تقدم في تفسير الآية رقم (٣).","vol":"2","page":388},{"text":"وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر (^١). وهذا إسناد صحيح موقوف، [وقد تابع مُرّة عليه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود] (^٢)، وقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن سفيان الثوري، عن زبيد، عن مُرَّة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى\" (^٣). وكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث مسعر عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود مرفوعًا (^٤) … فذكره، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٥)، كذا قال، والأظهر والأشهر أنه موقوف، واللّه أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: وروي نحوه عن مرة الهمداني والربيع بن خُثيم وعمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي وطاوس والحسن وقتادة وأبي سنان والسدي، نحو ذلك (^٦). وروي [عن أنس أنه] (^٧) قال: لا يتقي الله العبد حق تقاته حتَّى يخزن لسانه (^٨).\nوقد ذهب سعيد بن جبير وأبو العالية، والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: [لم] (^٩) تنسخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم (^١٠). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا باللّه من خلاف ذلك.\nقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا روح، حَدَّثَنَا شعبة، قال: سمعت سليمان، عن مجاهد: أن الناس كانوا يطوفون بالبيت وابن عباس جالس معه محجن، فقال: قال رسول الله ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾، ولو أن قطرة من الزقوم قُطِرت لأَمَرّتْ على أهل الأرض عيشَهم، فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم؟ \" (^١١)، وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من طرق عن شعبة به، وقال\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).\n(^٣) رجح الحافظ ابن كثير وقفه كما سيأتي في تعليقه على رواية الحاكم.\n(^٤) الحديث في المستدرك ورد موقوفًا (المستدرك ٢/ ٢٩٤).\n(^٥) صححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٤).\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد، وقد أخرج أقوالهم الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٧) في الأصل: \"وروى أنس به\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطاء الواسطي عن أنس، وعطاء هذا متروك بل كذب (التقريب ٢/ ٢٢).\n(^٩) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.\n(^١١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧٣٥) وصححه أحمد شاكر وسبقه النقاد المتقدمون كما سيأتي.","vol":"2","page":389},{"text":"الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^١).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد ربِّ الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن باللّه واليوم الآخَر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: \"لا يموتن (^٣) أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿\" «^٤)، ورواه مسلم من طريق الأعمش به (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حسن بن موسى، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حَدَّثَنَا أبو يونس، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن الله قال: أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظنَّ بي خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله\" (^٦)، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي\" (^٧).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الملك القرشي، حَدَّثَنَا جعفر بن سليمان، عن ثابت وأحسبه عن أنس، قال: كان رجل من الأنصار مريضًا، فجاءه النَّبِيّ ﷺ يعوده، فوافقه في السوق فسلم عليه، فقال له: \"كيف أنت يا فلان؟ \" قال: بخير يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ: \"لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف\"، ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان، وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديثه، ثم قال الترمذي: [حسن] (^٨) غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت مرسلًا (^٩). فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام، قال: بايعت رسول الله ﷺ أن لا أخر إلا قائمًا (^١٠). ورواه النسائي في سننه عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة\n_________\n(^١) سنن الترمذي، أبواب صفة النار (ح ٢٥٨٥)، وتفسير النسائي ص ٣٤ وسنن ابن ماجة، الزهد، باب صفة النار (ح ٤٢٢٥)، وصححه الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٤).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٨٠٧) وصححه أحمد شاكر.\n(^٣) في الأصل: \"لا يؤمن\" وهو تصحيف والتصحيح من (عف) و(ح) و(حم) والمسند.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣١٥) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب الأمر بحسن الظن باللّه تعالى عند الموت (ح ٢٨٧٧).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٩١) وسنده حسن.\n(^٧) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] (ح ٧٥٠٥)، وصحيح مسلم، التوبة، باب في الحض على التوبة (ح ٢٦٧٥).\n(^٨) زيادة من سنن الترمذي.\n(^٩) سنن الترمذي، الجنائز، باب ما جاء أن المؤمن يموت بعرق الجبين (ح ٩٨٢)، وحسنه أيضًا الألباني في صحيح الترمذي (ح ٧٨٥).\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ٢٨ ح ١٥٣١٢) وقال محققوه: صحيح لغيره.","vol":"2","page":390},{"text":"به، وترجم عليه فقال: (باب كيف يخر للسجود؟)، ثم ساقه مثله (^١).\nفقيل: معناه أن لا أموت إلا مسلمًا، وقيل: معناه أن لا أقتل إلا مقبلًا غير مدبر، وهو يرجع إلى الأول.\n\n<span id=\"aya-396\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ قيل: ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أي: بعهد الله، كما قال في الآية بعدها: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أي: بعهد وذمّة، وقيل: ﴿بِحَبْلِ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن كما في حديث الحارث الأعور، عن علي مرفوعًا في صفة القرآن: \"هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم\" (^٢).\nوقد ورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى، فقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري: حَدَّثَنَا سعيد بن يحيى الأموي، حَدَّثَنَا أسباط بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي (^٣)، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض\" (^٤).\nوروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه\" (^٥)، وروى من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك (^٦). [وقال وكيع: حَدَّثَنَا الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله: إن هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين. يا عبد الله هذا الطريق، هلمَّ إلى الطريق فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن (^٧)] (^٨).\nوقوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ أمرهم بالجماعة ونهاهم عن الفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا\n_________\n(^١) سنن النسائي، كتاب الافتتاح ٢/ ٢٠٥.\n(^٢) أخرجه الترمذي من طريق الحارث به مطولًا ثم قال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن ح ٢٩٠٦)، ولبعضه شاهد صحيح عن زيد بن أرقم يأتي بعد روايتين.\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل: \"العدري\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه عطية وهو العوفي ضعيف كما في التقريب.\n(^٥) أخرجه الحاكم من طريق إبراهيم الهجري به وصححه وتعقبه الذهبي بأن إبراهيم بن مسلم ضعيف (المستدرك ١/ ٥٥٥)، وذكر ابن الجوزي أنه لا يصح مرفوعًا (العلل المتناهية ١/ ١٠١) ولبعضه شاهد صحيح يأتي من حديث زيد بن أرقم.\n(^٦) أخرجه مسلم وفيه: كتاب الله ﷿ هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة (الصحيح، فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب بعد رقم ٢٤٠٨ بحديثين برقم ٣٧).\n(^٧) سنده صحيح وأخرجه الطبري عن أبي كريب عن وكيع به.\n(^٨) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).","vol":"2","page":391},{"text":"ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال\" (^١).\nوقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضًا، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النَّبِيّ ﷺ وأصحابه.\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن وإحن وذحول (^٢)، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانًا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البِرّ والتقوى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣] وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم، فأنقذهم الله منها أن هداهم للإيمان، وقد امتن عليهم بذلك رسول الله ﷺ يوم قسم غنائم حُنين، فعتب من عتب منهم، بما (^٣) فضل عليهم في القسمة، بما أراه الله فخطبهم فقال: \"يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلّالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألّفكم الله بي (^٤)، وعالّة فأغناكم الله بي؟ \" كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنّ (^٥).\nوقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلًا من اليهود مَرّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلًا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بُعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه، حتَّى حميت (^٦) نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم وتوعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النَّبِيّ ﷺ فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول: \"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ \" وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح ﵃ (^٧). وذكر عكرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك (^٨)، واللّه تعالى أعلم.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الأقضية (ح ١٧١٥).\n(^٢) إحن: أي أحقاد، وذحول: أي عداوات.\n(^٣) في الأصل: \"لما\" والمثبت من (عف) و(مح).\n(^٤) في الأصل: \"في\" والتصويب كسابقه.\n(^٥) متفق عليه أخرجه البخاري (الصحيح، المغازي، باب غزوة الطائف ح ٤٣٣٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (ح ١٠٦١).\n(^٦) في الأصل: \"حيت\" وهو تصحيف، وتصحيحه كسابقه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق محمد بن إسحاق: حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، ولم يصرح ابن إسحاق باسم شيخه، وهو مرسل أيضًا.\n(^٨) وهو مرسل أيضًا.","vol":"2","page":392},{"text":"<span id=\"aya-397\"></span>﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، قال الضحاك: هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة (^١). يعني: المجاهدين والعلماء.\nوقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ثم قال: \"الخير اتباع القرآن وسنتي\" رواه ابن مردويه (^٢). والمقصود من هذه الآية، أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا (^٣) الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان\" (^٤)، وفي رواية: \"وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، أن النَّبِيّ ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف وتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنّه فلا يستجيب لكم\" (^٦). ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث عمرو بن أبي عمرو به، وقال الترمذي: حسن (^٧). والأحاديث في هذا الباب كثيرة، مع الآيات الكريمة، كما سيأتي تفسيرها في أماكنها،\n\n<span id=\"aya-398\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾، ينهى ﵎ هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضين في افتراقهم (^٨) واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع قيام الحجة عليهم.\nقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو المغيرة، حَدَّثَنَا صفوان، حدثني أزهر بن عبد الله الهوزني، عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ (^٩)، قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة، قام حين صلى\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٢) سنده معضل لأن أبا جعفر الباقر تابع تابعي.\n(^٣) في الأصل: \"هكذا لهذا\"، بزيادة: \"هكذا\".\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري وليس عن أبي هريرة (الصحيح، الأيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ح ٤٩).\n(^٥) صحيح مسلم بعد الموضع السابق بحديثين.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٣٣٢ ح ٢٣٣٠١) وقال محققوه: حسن لغيره. وأخرجه الترمذي من طريق عمرو به وحسنه (السنن، الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ح ٢١٦٩)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٧٦٢).\n(^٧) المصدر السابق.\n(^٨) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: \"تفرقهم\"، وكلاهما صحيح.\n(^٩) في الأصل: \"يحيى\" وهو تصحيف.","vol":"2","page":393},{"text":"الظهر، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: \"إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين [مِلّة] (^١)، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين مِلّة - يعني: الأهواء - كلها في النار إلا واحدة، وهي: الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تُجَارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب (^٢) بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله\" واللّه يا معشر العرب، لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به (^٣). وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى، كلاهما عن أبي المغيرة واسمه: عبد القدوس بن الحجاج الشامي به، وقد رُوي هذا الحديث من طرق (^٤).\n\n<span id=\"aya-399\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ يعني: يوم القيامة، حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسوّد وجوه أهل البدعة والفرقة قاله ابن عباس ﵄ (^٥). ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال الحسن البصري: وهم المنافقون (^٦). ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ وهذا الوصف يعمّ كل كافر\n\n<span id=\"aya-400\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ يعني: الجنة ماكثون فيها أبدًا لا يبغون عنها حولًا.\nوقد قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا وكيع، عن ربيع وهو: ابن صبيح وحماد بن سلمة، عن أبي غالب، قال: رأى أبو أُمامة رؤوسًا منصوبة على درج [مسجد] (^٧) دمشق، فقال أبو أُمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ … إلى آخر الآية، قلت لأبي أُمامة: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؛ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا - حتَّى عد سبعًا - ما حدثتكموه (^٨). ثم قال: هذا حديث حسن. وقد رواه ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة عن أبي غالب [وأخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي غالب بنحوه] (^٩) (^١٠).\n_________\n(^١) في الأصل: \"فرقة\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) ومسند أحمد كما في التخريج.\n(^٢) الكلب: داء يعرض للإنسان من عضِّ الكلب الكَلِب، فيصيبه شبه الجنون وتعرض له أعراض رديئة ويمتنع من شرب الماء حتَّى يموت عطشًا.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٢) وأخرجه أبو داود عن الإمام أحمد به (السنن، السنة، باب شرح السنة ح ٤٥٩٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح ٣٨٤٣)، وأخرجه الحاكم من طريق الحكم بن نافع البهراني عن صفوان به ثم قال: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث، ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٢٨).\n(^٤) تقدمت رواية أبي داود في الحاشية السابقة، وذكره الحاكم من طرق أخرى (المستدرك ١/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه مجاشع بن عمرو وهو متروك (الجرح والتعديل ٨/ ٣٩٠).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن عباد بن منصور عن الحسن.\n(^٧) لفظ: \"مسجد\"، سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٨) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وحكمه (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح ٣٠٠٠)، وفي سنده أبو غالب وهو صاحب أبي أُمامة وهو صدوق يخطئ (التقريب ١/ ٢٠٤) ومدار الحديث متوقف عليه كما سيأتي.\n(^٩) سنن ابن ماجة، المقدمة، باب في ذكر الخوارج ١/ ٦٢ (ح ١٧٦)، ومسند أحمد ٥/ ٢٥٣ وقد خرجته في تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم من طريق كثيرة مدارها كلها على أبي غالب (التفسير، سورة آل عمران رقم ٩٧) ونقلت عن الخليلي قوله: وروى عن أبي غالب أكثر من بضع وسبعين نفرًا (الإرشاد في علماء البلاد ل ٦٧ ب و١٦٨).\n(^١٠) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(مح) و(حم)، وهو في المسند كما تقدم في الحاشية السابقة.","vol":"2","page":394},{"text":"وقد روى ابن مردويه عند تفسير هذه الآية عن أبي ذر حديثًا مطولًا غريبًا عجيبًا جدًّا.\n\n<span id=\"aya-401\"></span>\n\n<span id=\"aya-402\"></span>ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي: هذه آيات الله وحججه وبيناته نتلوها عليك يا محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والآخرة ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: ليس بظالم لهم بل هو الحكم، العدل الذي لا يجور، لأنَّهُ القادر على كل شيء، [العالم بكل شيء] (^١) فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدًا من خلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع ملك له، عبيد له ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: هو المتصرف في الدنيا والآخرة، الحاكم في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-403\"></span>﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾.\nيخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال البخاري: حَدَّثَنَا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتَّى يدخلوا في الإسلام (^٢).\nوهكذا قال ابن عَبَّاس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني: خير الناس للناس (^٣). والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.\nقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الملك، حَدَّثَنَا شريك، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن زوج دُرّة بنت أبي لهب، عن دُرَّة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النَّبِيّ ﷺ وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: \"خير الناس أقرؤهم وأتقاهم للّه، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم\" (^٤). ورواه أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة (^٥).\n_________\n(^١) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(مح) و(حم).\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ح ٤٥٥٧).\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، ورواية الصحيح السابقة المرفوعة تغني عن أسانيد الآثار.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٣٢)، وسنده ضعيف بسبب شريك وهو ابن عبد الله النخعي وهو: مقبول، كما في التقريب، وعبد الله بن عميرة فيه جهالة (ميزان الاعتدال ٢/ ٤٦٩).\n(^٥) مسند أحمد (ح ٣٣٢١) وتفسير النسائي ص ٣٥، والمستدرك ٢/ ٢٩٤ وسنده حسن وقد صححه الحاكم =","vol":"2","page":395},{"text":"والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين (^١) بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: خيارًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.\nوفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنتم [توفون] (^٢) سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ﷿\" (^٣). وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه، وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبيًا قبله ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه، كما قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، حَدَّثَنَا ابن زهير، عن عبد الله - يعني ابن محمد بن عقيل -، عن محمد بن علي - وهو: ابن الحنفية -: أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول: قال رسول الله: \"أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء\". فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ قال: \"نُصرت بالرعب، وأُعطيت مفاتيح الأرض، وسُميت أحمد، وجُعل التراب لي طهورًا، وجُعلت أمتي خير الأُمم\" (^٤) تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن.\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا أبو العلاء الحسن بن سوار، حَدَّثَنَا ليث، عن معاوية، عن أبي حَلْبَس يزيد بن ميسرة، قال: سمعت أُم الدرداء ﵄ تقول: سمعت أبا الدرداء ﵁ يقول: \"سمعت أبا القاسم ﷺ وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها يقول\": إن الله تعالى يقول: يا عيسى إني باعث بعدك أُمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم قال: يا ربِّ كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال: \"أعطيهم من حلمي وعلمي\" (^٥).\nوقد وردت أحاديث يناسب ذكرها ههنا، قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا هاشم بن القاسم، حَدَّثَنَا المسعودي، حَدَّثَنَا بكير بن الأخنس، عن رجل، عن أبي بكر الصديق ﵁، قال: قال\n_________\n= ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر: إسناد جيد (فتح الباري ٨/ ٢٥٥). وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٧).\n(^١) في الأصل: \"الذي\"، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٢) في الأصل: \"تزكون\" وهو تصحيف، والتصويب من (عف) و(ح) و(مح) والمسند.\n(^٣) المسند ٥/ وسنن الترمذي، التفسير، باب سورة آل عمران (ح ٣٠٠١)، وسنن ابن ماجة، الزهد، باب صفة أُمة محمد ﷺ (ح ٤٢٨٧)، والمستدرك ٤/ ٨ وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٧٦٣) وصححه أحمد شاكر، وحسنه الحافظ ابن كثير والسيوطي (الدر المنثور ٢/ ٢٩٤).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٥٢٩ ح ٢٧٥٤٥) وسنده حسن، أخرجه البزار من طريق الحسن بن سوار به (كشف الأستار ح ٢٨٤٥)، وأخرجه الحاكم من طريق معاوية بن صالح به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٤٨)، وحسنه الحافظ ابن حجر (الآمالي ص ٤٨ - ٤٩).","vol":"2","page":396},{"text":"رسول الله ﷺ: \"أعطيت سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي ﷿ فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا\" قال أبو بكر ﵁: فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى ومصيب من حافات البوادي (^١).\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الله بن بكر السلمي، حَدَّثَنَا هشام بن حسان، عن القاسم بن مهران، عن مسوى بن عبيد، عن ميمون بن مهران، عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن ربي أعطاني سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب \" فقال عمر: يا رسول الله فهلا استزدته؟ فقال: \"استزدته فأعطاني هكذا\"، وفرج عبد الله بن بكر بين يديه، وقال عبد الله: وبسط باعيه، وحثا عبد الله، وقال هشام: وهذا من الله لا يدري ما عدده (^٢). (حديث آخر): قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو اليمان، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة قال: قال شريح بن عبيد: مرض ثوبان بحمص، وعليها عبد الله بن قرط [الأزدي، فلم يعده، فدخل على ثوبان رجل من الكلاعين عائدًا، فقال له ثوبان: أتكتب؟ قال: نعم، قال: اكتب، فكتب للأمير عبد الله بن قرط \"من] (^٣) ثوبان مولى رسول الله ﷺ، أما بعد فإنه لو كان لموسى وعيسى ﵇ بحضرتك خادم لعدته\"، ثم طوى الكتاب وقال له: أتبلغه إياه؟ قال: نعم، فانطلق الرجل بكتابه فدفعه إلى ابن قرط، فلما رآه، قام فزعًا، فقال الناس: ما شأنه أحدثَ أمر؟ فأتى ثوبان حتَّى دخل عليه فعاده وجلس عنده ساعة، ثم قام فأخذ ثوبان بردائه، وقال: اجلس حتَّى أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله، يقول: \"ليدخلن الجنة مِن أُمّتي سبعون ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفًا\" (^٤). تفرد به أحمد من هذا الوجه وإسناد رجاله كلهم ثقات شاميون حمصيون، فهو حديث صحيح، وللّه الحمد.\n(طريق آخر): قال الطبراني: حَدَّثَنَا عمرو بن إسحاق بن زِبْريق (^٥) الحمصي، حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل - يعني: ابن عياش -، حدثني أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد عن أبي أسماء الرحبي [عن] (^٦) ثوبان ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن ربي ﷿ وعدني مِن أُمتي سبعين ألفًا لا يحاسبون، مع كل ألف سبعون ألفًا\" (^٧) [هذا لعله هو المحفوظ بزيادة] (^٨) أبي أسماء الرحبي بين شريح وبين ثوبان، واللّه أعلم.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر عن قتادة، عن الحسن،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٦) وسنده ضعيف بسبب إبهام شيخ بكير بن الأخنس.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣ ح ١٧٠٦) وفي سنده موسى بن عبيد مجهول كما في تعجيل المنفعة، ولشطره الأول شاهد في صحيح البخاري من حديث ابن عباس (الصحيح، الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ح ٦٥٤١).\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) ومسند أحمد.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٨٠، ٢٨١) وكفى بتصحيح الحافظ ابن كثير.\n(^٥) في الأصل: \"زبير بن\" وهو تصحيف.\n(^٦) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.\n(^٧) المعجم الكبير ٢/ ٩٢ (ح ١٤١٣) وفي سنده ضمضم بن زرعة: وهو صدوق يهم (التقريب ص ٢٨٠)، وقد توبع في الحديث السابق، وسنده حسن.\n(^٨) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك كسابقه.","vol":"2","page":397},{"text":"عن عمران بن حصين، عن ابن مسعود ﵁، قال: أكثرنا الحديث عند رسول الله ﷺ ذات ليلة ثم غدونا إليه، فقال: \"عُرِضَتْ عليّ الأنبياء الليلة بأُممها، فجعل النَّبِيّ يمرّ ومعه الثلاثة، والنبي ومعه العصابة، والنبي معه النفر، والنبي وليس معه أحد، حتَّى مرَّ علي موسى ﵇ ومعه كَبْكَبَة (^١) من بني إسرائيل، فأعجبوني فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هذا أخوك موسى معه بنو إسرائيل. قال: فقلت: فأين أمتي؟ فقيل: انظر عن يمينك، فنظرت فإذا الظراب (^٢) قد سدَّ بوجوه الرجال، ثم قيل لي: انظر عن يسارك. فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقيل لي: أرضيت؟ فقلت: رضيت يا ربِّ، رضيت يا ربِّ - قال: - فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب\". فقال النَّبِيّ ﷺ: \"فداكم أبي وأُمي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفًا فافعلوا، فإن قصرتم فكونوا من أهل الظِراب، فإن قصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسًا يتهاوشون\" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم - أي من السبعين -، فدعا له، فقام رجل آخر فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم. فقال: \" [قد] (^٣) سبقك بها عكاشة\" قال: ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف، قوم ولدوا في الإسلام لم يشركوا باللّه شيئًا حتَّى ماتوا فبلغ ذلك النَّبِيّ ﷺ فقال: \"هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكَّلون\" هكذا رواه أحمد بهذا السند وهذا السياق (^٤)، ورواه أيضًا عن عبد الصمد، عن هشام، عن قتادة بإسناده مثله، وزاد بعد قوله: \"رضيت يا رب، رضيت يا ربِّ، قال: رضيت، قلت: نعم. قال: انظر عن يسارك - قال: - فنظرت فإذا الأفق قد سدَّ بوجوه الرجال، فقال: رضيت؟ قلت: رضيت\" وهذا إسناد صحيح من هذا الوجه تفرد به أحمد، ولم يخرجوه.\n(حديث آخر): قال أحمد بن منيع: حَدَّثَنَا عبد الملك بن عبد العزيز، حَدَّثَنَا حماد، عن عاصم، عن زرّ، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال النَّبِيّ ﷺ: \"عرضت على الأُمم بالمواسم فراثت عليّ أمتي، ثم رأيتهم فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم، قد ملؤوا (^٥) السهل والجبل، فقال: أرضيت يا محمد؟ فقلت: نعم. قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون\" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: \"أنت منهم\". فقام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: \"سبقك بها عكاشة\" (^٦). رواه الحافظ الضياء المقدسي، وقال: هذا عندي على شرط مسلم.\n(حديث آخر) قال الطبراني: حَدَّثَنَا محمد بن الجذوعي (^٧) القاضي، حَدَّثَنَا عقبة بن مكرم، حَدَّثَنَا محمد بن أبي عدي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين،\n_________\n(^١) أي جماعة.\n(^٢) أي التلال: وهي الجبال الصغيرة.\n(^٣) قوله: \"قد\". سقط من الأصل: واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند كما في التخريج.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٥٣ ح ٣٨٠٦) وصححه محققوه، وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ١١/ ٤٠٧) والحافظ ابن كثير.\n(^٥) في الأصل: \"قد ملوا\" وهو تصحيف والتصحيح من (عف) و(مح) والمسند (ح ٣٨١٩).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد من طريق حماد به (المسند ٦/ ٣٦٩ ح ٣٨١٩) وسنده حسن.\n(^٧) في الأصل: \"الخروعي\" وهو تصحيف والتصحيح من (عف) و(مح) والمعجم الكبير كما سيأتي.","vol":"2","page":398},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدخل الجنة من أُمتي سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب \" قيل: من هم؟ قال: \"هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربهم يتوكَّلون\" (^١)، ورواه مسلم من طريق هشام بن حسان، وعنده ذكر عكاشة (^٢).\n(حديث آخر): ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يدخل الجنة من أُمتي زمرة هم: سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر\" قال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي [يرفع نمرة عليه] (^٣) فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ: \"اللَّهم اجعله منهم\" ثم قام رجل من الأنصار فقال مثله، فقال: \"سبقك بها عكاشة\" (^٤).\n(حديث آخر): قال أبو القاسم الطبراني: حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي مريم، حَدَّثَنَا أبو غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن النَّبِيّ ﷺ قال: \"ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا - أو سبعمائة ألف - آخذ بعضهم ببعض حتَّى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر\" (^٥). أخرجه البخاري ومسلم جميعًا عن قتيبة عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل به (^٦).\n(حديث آخر): قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حَدَّثَنَا سعيد بن منصور، حَدَّثَنَا هشيم، أنبأنا حصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حَدَّثَنَا عن بُريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال: \"لا رقية إلا من عين أو حمّة\"، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حَدَّثَنَا ابن عباس عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: \"عرضت عليَّ الأُمم فرأيت النَّبِيّ ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل (^٧) لي: انظر إلى الأفق الآخَر، فإذا سواد عظيم، فقيل [لي] (^٨): هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب\"، فقال بعضهم:\n_________\n(^١) المعجم الكبير ١٨/ ١٨٣ (ح ٤٢٧)، وأخرجه مسلم من طريق ابن سيرين به (الصحيح، الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ح ٢١٨).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٤) صحيح البخاري، الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب (ح ٦٥٤٢)، وصحيح مسلم، الأيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب (ح ٣٦٩).\n(^٥) المعجم الكبير ٦/ ١٤٢ (ح ٥٧٨٢)، وهو متفق عليه.\n(^٦) صحيح البخاري، الموضع السابق (ح ٦٥٤٣)، وصحيح مسلم، الموضع السابق (ح ٣٧٣).\n(^٧) في الأصل: \"فقال\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٨) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.","vol":"2","page":399},{"text":"فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا باللّه، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ، فقال: \"ما الذي تخوضون فيه؟ \" فأخبروه، فقال: \"هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون\" فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. [\"قال: أنت منهم\"، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم] (^١)، قال: \"سبقك بها عكاشة\" (^٢). وأخرجه البخاري عن أسيد بن زيد عن هشيم، وليس عنده: لا يرقون (^٣).\n(حديث آخر): قال أحمد: حَدَّثَنَا روح بن عبادة، حَدَّثَنَا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله قال: \"سمعت رسول الله ﷺ … فذكر حديثًا، وفيه: \"فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء\" ثم كذلك، وذكر بقيته (^٤)، رواه مسلم من حديث روح، غير أنه لم يذكر النَّبِيّ ﷺ (^٥).\n(حديث آخر): قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب \"السنة\" له: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد، سمعت أبا أُمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات (^٦) من حثيات ربي ﷿ \" (^٧)، وكذا رواه الطبراني من طريق هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش به (^٨)، وهذا إسناد جيد.\n(طريق أخرى): عن أبي أُمامة: قال ابن أبي عاصم، حَدَّثَنَا دُحيم، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، عن أبي اليمان الهَوْزني واسمه عامر بن عبد الله بن لُحَيّ، عن أبي أُمامة عن رسول الله، قال: \"إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب\" فقال يزيد بن الأخنس: واللّه ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلا مثل الذباب الأصهب في الذباب، قال رسول الله ﷺ: \"فإن الله وعدني سبعين ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفًا وزداني ثلاث حثيات\" (^٩)، وهذا أيضًا إسناد حسن.\n(حديث آخر): قال أبو القاسم الطبراني: حَدَّثَنَا أحمد بن خليد، حَدَّثَنَا أبو توبة، حَدَّثَنَا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن ربي ﷿ وعدني أن يدخل الجنة\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك كسابقه.\n(^٢) صحيح مسلم، الموضع السابق (ح ٣٧٤).\n(^٣) صحيح البخاري، الموضع السابق (ح ٦٥٤١).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٨٣) وورد في صحيح مسلم موقوفًا كما سيأتي.\n(^٥) صحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (ح ٣١١).\n(^٦) كناية عن المبالغة في الكثرة (النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٣٩).\n(^٧) السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٦١) ح ٥٨٩)، وجوّد إسناده الحافظ ابن كثير، وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة (ح ٥٨٩).\n(^٨) المعجم الكبير ٨/ ١٨٧ (ح ٧٦٧٢) وحكمه كسابقه.\n(^٩) السنن لابن أبي عاصم ١/ ٢٦٠ (ح ٥٨٨) وحسَّن إسناده الحافظ ابن كثير، وصححه الألباني في ظلال الجنة (ح ٥٨٨).","vol":"2","page":400},{"text":"من أُمتي سبعين ألفًا ثم يحثي ربي ﷿ بكفيه ثلاث حثيات\" فكبَّر عمر وقال: إن السبعين الأول يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم، وأرجو أن يجعلني [اللّه] (^١) في إحدى الحثيات الأواخر (^٢). قال الحافظ الضياء أبو عبد الله المقدسي في كتابه صفة الجنة: لا أعلم لهذا الإسناد عِلَّة، واللّه أعلم.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثني يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا هشام - يعني الدستوائي -، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، حَدَّثَنَا عطاء بن يسار، أن رفاعة الجهني حدثه، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتَّى إذا كنا [بالكديد أو قال: بقديد (^٣)] (^٤)، فذكر حديثًا وفيه ثم قال: \"وعدني ربي ﷿ أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب، وإني لأرجو أن لا يدخولها حتَّى تبوؤوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة\" (^٥). قال الضياء: وهذا عندي على شرط مسلم.\n(حديث آخر): قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أنس، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف\". قال أبو بكر ﵁: زدنا يا رسول الله. قال: وهكذا وجمع بين يديه قال: زدنا رسول الله. قال: وهكذا.\nفقال عمر: حسبك يا أبا بكر، فقال أبو بكر: دعني وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا، فقال عمر: إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحد، فقال النَّبِيّ ﷺ: \"صدق عمر\" (^٦). هذا الحديث بهذا الإسناد تفرد به عبد الرزاق. قاله الضياء وقد رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، قال: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن مخلد، حَدَّثَنَا إبراهيم بن الهيثم البلدي (^٧)، حَدَّثَنَا سليمان بن حرب، حَدَّثَنَا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مِائَة ألف\" فقال أبو بكر: يا رسول الله، زدنا. قال: \"وهكذا\" وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك، قلت: يا رسول الله، زدنا فقال عمر: إن الله قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة، فقال رسول الله ﷺ: \"صدق عمر\" (^٨). هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأبو هلال اسمه محمد بن سليم الراسبي بصري.\n(طريق آخر): عن أنس. قال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا محمد بن أبي بكر، حَدَّثَنَا عبد القاهر بن\n_________\n(^١) لفظ الجلالة لم يرد في الأصل وأثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٢) المعجم الكبير ١٧/ ١٢٦ (ح ٣١٢)، وأشار الهيثمي: أن عامر بن زيد البكالي سكت عنه ابن أبي حاتم (مجمع الزوائد ١٠/ ٤١٣) ويشهد له ما تقدم.\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"بالكدا\" أو قال: \"بغديك\" وهو تصحيف.\n(^٤) كلاهما صحيح وكديِّد تبعد عن مكة المكرمة (١٠٠) كيلًا شمالًا.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٦) وصححه الضياء المقدسي، وقال الهيثمي: رواه الطبراني والبزار بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٤١١).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ١١/ ٢٨٦، ح ٢٠٥٥٦)، وأشار الحافظ ابن كثير إلى تفرد عبد الرزاق به، وهو مخالف لما في الصحيحين.\n(^٧) في الأصل: \"البدري\" وهو تصحيف، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٨) حلية الأولياء ٢/ ٣٤٤ وبيّن الحافظ ابن كثير بأنه غريب لمخالفته الرواية الصحيحة.","vol":"2","page":401},{"text":"السري السلمي، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"يدخل الجنة من أُمتي سبعون ألفًا\" قالوا: زدنا يا رسول الله. قال: \"لكل رجل سبعون ألفًا\". قالوا: زدنا، وكان على كثيب، فحثى بيده. قالوا: زدنا يا رسول الله. فقال: \"هكذا\" وحثى بيده، قالوا: يا رسول الله أبعد الله من دخل النار بعد هذا (^١). وهذا إسناد جيد، ورجاله كلهم ثقات، ما عدا عبد القاهر بن السري، وقد سئل عنه ابن معين فقال: صالح.\n(حديث آخر): روى الطبراني من حديث قتادة، عن أبي بكر بن أنس، عن أبي بكر بن عمير، عن أبيه، أن النَّبِيّ ﷺ، قال: \"إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلاثمائة ألف الجنة\" فقال عمير: يا رسول الله، زدنا فقال عمر: حسبك إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة أو بحثية واحدة، فقال نبي الله ﷺ: \"صدق عمر\" (^٢).\n(حديث آخر): قال الطبراني: حَدَّثَنَا أحمد بن خليد، حَدَّثَنَا أبو توبة، حَدَّثَنَا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله بن عامر، أن قيسًا الكندي حدث أن أبا سعيد الأنماري حدثه أن رسول الله ﷺ، قال: \"إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أُمتي سبعين ألفًا بغير حساب، ويشفع كل ألف لسبعين ألفًا، ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه\". كذا قال قيس، فقلت لأبي سعيد: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم بأذني، ووعاه قلبي، قال أبو سعيد: [فقال] (^٣) - يعني: رسول الله ﷺ: \"وذلك إن شاء الله ﷿ يستوعب مهاجري أمتي ويوفي الله بقيته من أعرابنا\" (^٤). وقد روى هذا الحديث محمد بن سهل بن عسكر عن أبي توبة الربيع بن نافع بإسناده مثله، وزاد: قال أبو سعيد: فحسب ذلك عند رسول الله ﷺ، فبلغ أربعمائة ألف ألف وتسعين ألف ألف (^٥).\n(حديث آخر): قال [أبو] (^٦) القاسم الطبراني: حَدَّثَنَا هشيم بن مرثد الطبراني، حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما والذي نفس محمد بيده ليبعثن منكم يوم القيامة إلى الجنة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يخبطون الأرض، تقول الملائكة: لما جاء مع محمد أكثر مما جاء مع الأنبياء؟ \" (^٧) وهذا إسناد حسن.\n(نوع آخر): من الأحاديث الدالة على فضيلة هذه الأُمة وشرفها وكرامتها على الله ﷿، وأنها خير الأُمم في الدنيا والآخرة، قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا [يحيى] (^٨) بن سعيد، حَدَّثَنَا ابن جريج،\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤١٧ ح ٣٧٨٣) وجوَّد إسناده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) المعجم الكبير ١٧/ ٦٤ (ح ١٢٣) قال الهيثمي: أبو بكر بن عمير لم أعرفه (مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٤).\n(^٣) قوله: فقال سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) و(مح) والتخريج.\n(^٤) المعجم الكبير (٢٢/ ٣٠٤) وفي سنده قيس الكندي، وهو قيس بن محمد بن الأشعث الكندي: وهو مقبول (التقريب ص ٤٥٧).\n(^٥) وفي سنده أيضًا: قيسي الكندي كسابقه.\n(^٦) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.\n(^٧) المعجم الكبير ٣/ ٣٣٧ (ح ٣٤٥٥) وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع (التقريب ص ٤٦٨) وروايته هنا عن أبيه.\n(^٨) اسم \"يحيى\" سقط من الأصل واستدرك كسابقه.","vol":"2","page":402},{"text":"أخبرني أبو الزبير، عن جابر أنه سمع النَّبِيّ ﷺ يقول: \"إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أُمتي يوم القيامة ربع الجنة\" قال: فكبرنا، ثم قال: \"أرجو أن يكونو ثلث الناس\" قال: فكبرنا ثم قال: \"أرجو أن تكونوا الشطر\"، وهكذا رواه عن روح عن ابن جريج به، وهو على شرط مسلم (^١).\nوثبت في الصحيحين من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لنا رسول ﷺ: \"أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ \" فكبرنا، ثم قال: \"أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ \" فكبرنا، ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة\" (^٢).\n(طريق أخرى): عن ابن مسعود. قال الطبراني: حَدَّثَنَا أحمد بن القاسم بن مساور، حَدَّثَنَا عفان بن مسلم، حَدَّثَنَا عبد الواحد بن زياد، حدثني الحارث بن حَصِيرة (^٣)، حدثني القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كيف أنتم وربع الجنة لكم ولسائر الناس ثلاثة أرباعها؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"كيف أنتم وثلثها؟ \" قالوا: ذاك أكثر، فقال رسول الله ﷺ: \"أهل الجنة عشرون ومائة صف، لكم منها ثمانون صفًا\" (^٤) قال الطبراني: تفرد به الحارث بن حَصِيرة.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الصمد، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن مسلم، حَدَّثَنَا ضرار بن مرة أبو سنان الشيباني، عن محارب بن دثار، عن ابن بُريدة، عن أبيه، أن النَّبِيّ ﷺ قال: \"أهل الجنة عشرون ومائة صف، هذه الأُمة من ذلك ثمانون صفًا\" (^٥). وكذا رواه عن عفان، عن عبد العزيز به، وأخرجه الترمذي من حديث أبي سنان به، وقال: هذا حديث حسن (^٦)، ورواه ابن ماجة من حديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه به (^٧).\n(حديث آخر): روى الطبراني من حديث سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي: حَدَّثَنَا خالد بن يزيد البجلي، حَدَّثَنَا سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عن النَّبِيّ ﷺ، قال: \"أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من أُمتي\" (^٨). تفرد به خالد بن يزيد البجلي،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد عن روح عن ابن جريج به (المسند ٢٣/ ٣٢٨ ح ١٥١١٤)، وأخرجه مسلم في صحيحه، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ٣١١).\n(^٢) صحيح البخاري، الرقاق، باب كيف الحشر (ح ٦٥٢٨)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة (ح ٣٧٧).\n(^٣) في الأصل: \"بن حصين\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) و(مح) والتخريج.\n(^٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه وبدون تعليق (المعجم الكبير ١٠/ ٢٠٨ ح ١٠٣٥٠) وقد ذكر تفرد الحارث بن حصيرة به، والحارث هذا: صدوق يخطئ ورمي بالرفض (التقريب ص ١٤٥) وله شواهد سابقة ولاحقة.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ١١٠ ح ٢٣٠٠٢)، وصححه محققوه وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٨٢)، وابن حبان (الإحسان ١٦/ ٤٩٩ ح ٧٤٦٥)، وحسنه الترمذي كما سيأتي.\n(^٦) السنن، صفة الجنة، باب ما جاء في وصف أهل الجنة (ح ٢٥٤٦).\n(^٧) السنن، الزهد، باب في صفة أمة محمد ﷺ (ح ٤٢٨٩).\n(^٨) المعجم ١٠/ ٣٤٨ (ح ١٠٦٨٢)، وسنده ضعيف بسبب خالد بن يزيد البجلي كما سيأتي، وله شواهد سابقة.","vol":"2","page":403},{"text":"وقد تكلم فيه ابن عدي (^١).\n(حديث آخر): قال الطبراني: حَدَّثَنَا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حَدَّثَنَا موسى بن غيلان، حَدَّثَنَا هاشم بن مخلد، حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن أبي عمرو، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة] قال رسول الله ﷺ: \"أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة\" (^٢).\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ،\nقال: \"نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، الناسُ لنا فيه تبع، غدًا لليهود وللنصارى بعد غد\". رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن طاوس عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا بنحوه، ورواه مسلم أيضًا من طريق الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة\" وذكر تمام الحديث (^٣).\n(حديث آخر): روى الدارقطني في الأفراد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النَّبِيّ ﷺ قال: \"إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتَّى أدخلها، وحرمت على الأمم حتَّى تدخلها أُمتي\"، ثم قال: انفرد به ابن عقيل (^٤) عن الزهري، ولم يرو (^٥) عنه سواه، وتفرد به زهير بن محمد عن ابن عقيل، وتفرد به عمرو بن أبي سلمة عن زهير. وقد رواه أبو أحمد بن عدي الحافظ، فقال: حَدَّثَنَا أحمد بن الحسين بن إسحاق حَدَّثَنَا أبو بكر الأعين محمد بن أبي عَتّاب، حَدَّثَنَا أبو حفص التنيسي - يعني عمرو بن أبي سلمة - حَدَّثَنَا صدقة الدمشقي عن زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الزهري (^٦). ورواه الثعلبي: حَدَّثَنَا أبو العباس المخلدي أنبأنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد، أنبأنا أحمد بن عيسى التنيسي، حَدَّثَنَا عمرو بن أبي سلمة، حَدَّثَنَا صدقة بن عبد الله عن زهير بن محمد، عن ابن عقيل به (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) قد ضعفه ابن عدي (الكامل في الضعفاء ٣/ ٨٨٥).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم عن الطبراني به (الحلية ٧/ ١٠١) وفي سنده أبو عمرو: وهو محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي المُلائي مقبول (التقريب ص ٤٩٢)، وأبوه عبد الرحمن مقبول (التقريب ص ٣٣٩). وأخرجه الإمام أحمد من طريق أبي عمرو به نحوه (المسند ١٥/ ٣٨ - ٩٠٨٠) ويشهد لبعضه حديث المتقدم: \"أنتم ثلث أهل الجنة … \".\n(^٣) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] (ح ٦٦٢٤)، وصحيح مسلم، الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (ح ٨٥٥).\n(^٤) ابن عقيل هو: محمد بن عبد الله بن عقيل: وهو صدوق في حديثه لين، ويقال: تغير بآخره (التقريب ص ٣٢١) ونقل ابن أبي حاتم عن خالد أبي زرعة: هذا الحديث منكر (العلل ٢/ ٢٢٧).\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"ولم يرد\" وهو تصحيف.\n(^٦) الكامل في الضعفاء ٤/ ١٤٤٨.\n(^٧) وفي سنده أيضًا ابن عقيل. والحديث منكر.\n(^٨) كذا في الأصل تقديم رواية ابن عدي على رواية الثعلبي، وفي (عف) و(ح) و(حم) و(مح) تقديم رواية =","vol":"2","page":404},{"text":"فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فمن اتصف من هذه الأُمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم [والمدح] (^١)، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ في حجّة حجَّها، رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها، رواه ابن جرير (^٢). ومن لم يتصفّ بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩] ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذمِّ أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي: بما أنزل على محمد ﷺ: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: قليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان.\n\n<span id=\"aya-404\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عباده المؤمنين ومبشرًا لهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾ وهكذا وقع، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم (^٣)، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة كلهم أذلهم الله، وى لك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتَّى ينزل عيسى ابن مريم وهم كذلك، ويحكم بملة الإسلام وشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام.\n\n<span id=\"aya-405\"></span>ثم قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا فلا يأمنون ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بذمة من الله، وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم وإلزامهم أحكام الملة ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: أمان منهم لهم، كما في المهادن والمعاهَد والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين، ولو امرأة، وكذا عَبْد على أحد قولي العلماء.\nقال ابن عَبَّاس: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بعهد من الله وعهد من الناس (^٤). وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي والربيع بن أنس (^٥).\n_________\n= الثعلبي على رواية ابن عدي، وكلاهما مستقيم.\n(^١) في الأصل: \"والفرح\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من عمر.\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(مح) و(حم)، وفي الأصل: \"أنافهم\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عنترة بن عبد الرحمن عن ابن عباس.\n(^٥) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخره الطبري بسند حسن من طريق عثمان بن غياث عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.","vol":"2","page":405},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: [ألزموا فالتزموا بغضب من الله وهم يستحقونه ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ أي] (^١) ألزموها قدرًا وشرعًا. ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: وإنما حملهم على ذلك الكِبْر والبغي والحسد فأعقبهم ذلك الذلَّة والصَغار والمسكنة أبدًا متصلًا بذلِّ الآخرة.\nثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أي: إنما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله، وقيضوا لذلك أنهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله ﷿ والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله، فعياذًا باللّه من ذلك، والله ﷺ المستعان.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا يونس بن حبيب، حَدَّثَنَا أبو داود الطيالسي، حَدَّثَنَا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر الأزدي، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقلهم في آخر النهار (^٢).\n\n<span id=\"aya-406\"></span>﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾.\nقال ابن أبي نجيح: زعم الحسن بن يزيد العجلي، عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ يقول: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد ﷺ (^٣).\nوهكذا قال السدي (^٤). ويؤيد هذا القول الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حَدَّثَنَا أبو النضر وحسن بن موسى، قالا: حَدَّثَنَا شيبان، عن عاصم، عن زرّ، عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: \"أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم\" قال: فنزلت هذه الآيات ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ حتَّى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (^٥). والمشهور عند كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس - أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح به، والحسن بن يزيد العجلي: مقبول (التقريب ١/ ١٧٣) ويتعضد بقول السدي التالي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٧٦٠) وسنده حسن. وصححه أحمد شاكر، وقال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات ليس فيهم غير عاصم بن أبي النجود وهو مختلف في الاحتجاج به (مجمع الزوائد ١/ ٣١٢).","vol":"2","page":406},{"text":"سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن سَعْيَة وأسيد بن سَعْيَة (^١) وغيرهم (^٢). أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذمّ من أهل الكتاب، وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ أي: ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، ولهذا قال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ أي: قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله، فهي قائمة، يعني: مستقيمة ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي: يقومون الليل ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم\n\n<span id=\"aya-407\"></span>\n\n<span id=\"aya-408\"></span>﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران] وهكذا قال تعالى ههنا: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أي: لا يضيع عند الله، بل يجزيهم به أوفر الجزاء ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ أي: لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملًا.\n\n<span id=\"aya-409\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن الكفرة المشركين بأنه ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لا يرد عنهم بأس الله ولا عذابه إذا أراده بهم ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-410\"></span>ثم ضرب مثلًا لما ينفقه الكفار في هذه الدار، قاله مجاهد والحسن والسدي (^٣). فقال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ أي: برد شديد، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم (^٤).\nوقال عطاء: برد وجليد (^٥)، وعن ابن عباس أيضًا ومجاهد ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ أي: نار (^٦). وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد [ولا سيما] (^٧) الجليد يحرق الزروع والثمار، كما يحرق الشيء بالنار ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي: فأحرقته، يعني بذلك السفعة إذا نزلت على\n_________\n(^١) في الأصل: \"ثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة\" وهو تصحيف.\n(^٢) هذه الرواية لابن إسحاق وليس للعوفي عن ابن عباس، ورواية ابن إسحاق أخرجها ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٤) قول ابن عباس: برد، أخرجه بهذا اللفظ الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وأخرجه الطبري بلفظ: برد شديد وزمهرير، بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عثمان بن غياث عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه.\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عنترة عنه، وقول مجاهد ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٧) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل و(ح) و(حم): \"سيما\".","vol":"2","page":407},{"text":"حرث قد آن جذاذه [أو] (^١) حصاده فدمرته وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته، فَعَدِمه صاحبه أحوج ما كان إليه. فكذلك الكفار يمحق الله ثواب أعمالهم في هذه الدنيا وثمرتها، كما أذهب ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه. وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل وعلى غير أساس ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-411\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾.\nيقول ﵎ ناهيًا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة؛ أي: يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون (^٢) بجهدهم وطاقتهم، لا يألون المؤمنين خبالًا، أي: يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة، ويودّون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشقّ عليهم.\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخلة أمره. وقد روى البخاري والنسائي وغيرهما، من حديث جماعة [منهم يونس ويحيى بن سعيد وموسى بن عقبة وابن أبي عتيق] (^٣) عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد أن سول الله ﷺ قال: \"ما بعث الله من نبي [ولا] (^٤) استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره [بالخير] (^٥) وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله\" (^٦). وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه (^٧)، فيحتمل أنه عند الزهري عن أبي سلمة عنهما وأخرجه النسائي عن الزهري أيضًا، وعلقه البخاري في صحيحه، فقال: وقال عبيد الله بن أبي جعفر، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا … فذكره (^٨). فيحتمل أنه عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أيوب محمد بن الوزان، حَدَّثَنَا عيسى بن يونس، عن أبي حيان التيمي، عن أبي الزنباع، عن [أبي الدهقانة] (^٩)، قال: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: إن\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: (ح) و(حم) \"أي\".\n(^٢) في الأصل: \"المنافقون\" بدون واو الاستئناف، والتصويب من (عف) و(مح) و(ح) و(حم).\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٤) في الأصل: \"وما\" وما أثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٥) في الأصل سقط لفظ: \"بالخير\"، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٦) صحيح البخاري، الأحكام، باب بطانة الإمام وأهل مشورته (ح ٧١٩٨)، وسنن النسائي، البيعة، باب بطانة الإمام ٧/ ١٥٨.\n(^٧) (^٨) المصدر السابق في نهاية الحديث (٧١٩٨).\n(^٩) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم وفي ترجمة أبي الدهقانة وفي الأصل: \"ابن أبي الدهقانه\" وفي =","vol":"2","page":408},{"text":"ههنا غلامًا من أهل الحيرة حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتبًا، فقال: قد اتخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين (^١).\nففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّم﴾، وقد قال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا إسحاق بن إسرائيل، حَدَّثَنَا هشيم، حَدَّثَنَا العوام، عن الأزهر بن راشد، قال: كانوا يأتون أنسًا فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو، أتوا الحسن - يعني البصري -، فيفسره [لهم] (^٢) قال: فحدث ذات يوم عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: \"لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا\" فلم يدروا ما هو، فأتوا الحسن فقالوا له: إن أنسًا حَدَّثَنَا أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تستضيئوا بنار الشرك، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا\" فقال الحسن: أما قوله: \"لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا\": محمد ﷺ، وأما قوله: \"لا تستضيئوا بنار الشرك\" يقول: لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ ﴿دُونِكُمْ﴾ هكذا رواه الحافظ أبو يعلى - رحمه الله تعالى -، وقد رواه النسائي عن مجاهد بن موسى، عن هشيم، [ورواه الإمام أحمد عن هشيم] (^٣) بإسناده مثله في غير ذكر تفسير الحسن البصري (^٤). وهذا التفسير فيه نظر ومعناه ظاهر \"لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا؛ أي بخط عربي، لئلا يشابه نقش خاتم النَّبِيّ ﷺ، فإنه كان نقشه محمد رسول الله، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه نهى أن ينقش أحد على نقشه (^٥). وأما الاستضاءة بنار المشركين، فمعناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونوا معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم، وهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود: \"لا تتراءى ناراهما\" (^٦)، وفي الحديث الآخَر: \"من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله\" (^٧)، فحمل\n_________\n= (عف) و(مح): \"ابن الدهقانه\" والصواب ما أثبت كما سبق في التفسير والترجمة.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد مختصرًا من طريق هشيم به وكذا النسائي. السنن، الزينة، باب قول النَّبِيّ ﷺ: \"لا تنقشوا على خواتيمكم عربيًا\" ٨/ ١٧٦ وفي سنده أزهر بن راشد: وهو مجهول أو ضعيف (التقريب ص ٩٧).\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده عن أنس بن مالك مرفوعًا: \"إني اتخذت خاتمًا من وَرِق ونقشت فيه: محمد رسول الله، فلا تَنقِشَنَّ أحد على نقشه\" (الصحيح، اللباس، باب قول النَّبِيّ ﷺ: \"لا ينقش على نفش خاتمه\" (ح ٥٨٧٧).\n(^٦) كذا في الأصل، وفي رواية أبي داود: \"لا تراءى نارهما\" ومعناه: يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله من منزل المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنا نار المشرك إذا أوقدها في منزله .. وإنما كره مجاورة المشركين لأنهم لا عهد لهم ولا أمان (النهاية ٢/ ١٧٧)، وأخرجه أبو داود من حديث جرير بن عبد الله مرفوعًا: \"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين\". قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: \"لا تراءى ناراهما\" (السنن، الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود ح ٢٦٤٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٠٤).\n(^٧) أخرجه أبو داود في سننه، الجهاد، باب في الإقامة بأرض الشرك (ح ٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب، =","vol":"2","page":409},{"text":"الحديث على ما قاله الحسن ﵀، والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر، واللّه أعلم.\nثم قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي: قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-412\"></span>وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي: أنتم أيها المؤمنون تحبون المنافقين بما يظهرون لكم من الإيمان فتحبونهم على ذلك، وهم لا يحبونكم لا باطنًا ولا ظاهرًا، ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: ليس عندكم في شيء منه شكَّ ولا ريب، وهم عندهم الشك والريب والحيرة.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم، رواه ابن جرير (^١).\n﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ والأنامل أطراف الأصابع، قاله قتادة.\nوقال الشاعر:\nأَوَدّكما (^٢) ما بَلّ حلقي ريقتي … وما حملت كفّاي أنمُلي العشرا\nوقال ابن مسعود والسدي والربيع بن أنس: الأنامل الأصابع (^٣).\nوهذا شأن المنافقين يظهرون للمؤمنين الإيمان والمودة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وذلك أشد الغيظ والحنق.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله متمُّ نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومعل كلمته ومظهر دينه، فموتوا أنتم بغيظكم ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم وتخفيه (^٤) سرائركم من البغضاء والحسد والغلّ للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد [في] (^٥) النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها.\n\n<span id=\"aya-413\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ وهذا الحال دالٌّ على شدة العداوة منهم للمؤمنين، وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد\n_________\n= وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٢٠).\n(^١) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به، وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف، والأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٠٧، وأثر ابن إسحاق حسن الإسناد.\n(^٢) كذا في الأصل وفي لسان العرب: \"أو فيكما\" (باب ك ف ف) وقد ورد في الأصل تصحيفات لهذا الشعر، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) قول ابن مسعود أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بإسنادين صحيحين كلاهما من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود، وقول السدي والربيع ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٤) كذا في الأصل، وفي (عف) و(ح) و(حم) و(مح): \"تكنه\"، وكلاهما صحيح.\n(^٥) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).","vol":"2","page":410},{"text":"وكثروا وعزّ أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المؤمنين سِنَة؛ أي: جدب أو أُديل عليهم الأعداء، لما للّه تعالى في ذلك من الحكمة - كما جرى يوم أُحد - فرح المنافقون بذلك، قال الله تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾، يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به. وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع شيء في الوجود إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه.\nثم شرع تعالى في ذكر قصة أُحد وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين وبيان صبر الصابرين فقال تعالى:\n\n<span id=\"aya-414\"></span>﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾.\nالمراد بهذه الوقعة يوم أُحد عند الجمهور، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغير واحد (^١).\nوعن الحسن البصري: المراد بذلك يوم الأحزاب. رواه ابن جرير (^٢)، وهو غريب لا يعول عليه. وكانت وقعة أُحد يوم السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة.\nقال قتادة: لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال (^٣).\nوقال عكرمة: يوم السبت للنصف من شوال (^٤)، فاللّه أعلم.\nوكان سببها أن المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر وسَلِمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان فلما رجع إلى مكة قال أبناء من قتل، ورؤساء من بقي لأبي سفيان: أرصد هذه الأموال لقتال محمد فأنفقوها في ذلك، فجمعوا الجموع والأحابيش، وأقبلوا في قريب من [نحو] (^٥) ثلاثة آلاف حتَّى نزلوا قريبًا من أحد تلقاء المدينة (^٦)، فصلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فلما فرغ منها صلى على رجل من بني النجار يقال له: مالك بن عمرو، واستشار رسول الله ﷺ الناس \"أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة؟ \" فأشار عبد الله بن أُبي بالمقام بالمدينة، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ محبس، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين، وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدرًا بالخروج إليهم، فدخل رسول الله ﷺ فلبس لأمته وخرج عليهم، وقد ندم بعضهم وقالوا: لعلنا\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويشهد له قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه.\n(^٣) رواه شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة (التاريخ الكبير للذهبي (١/ ١٨٣).\n(^٤) أخرجه خليفة بن خياط بسند ضعيف (تاريخ خليفة ص ٩٧)، وورد هذا التاريخ في طبقات ابن سعد ٢/ ٢٥.\n(^٥) الزيادة من (عف) و(مح).\n(^٦) سيرة ابن هشام ٣/ ٦ - ١٢.","vol":"2","page":411},{"text":"استكرهنا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله إن شئت أن نمكث، فقال رسول الله ﷺ: \"ما ينبغي لنبي إذا لبس [لأمته] (^١) أن يرجع حتَّى يحكم الله له\" (^٢)، فسار ﷺ في ألف من أصحابه، فلما كانوا بالشوط، رجع عبد الله بن أبي في ثلث الجيش مغضبًا لكونه لم يرجع إلى قوله، وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالًا لاتبعناكم، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم. واستمر رسول الله ﷺ سائرًا حتَّى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي. وجعل ظهره وعسكره إلى أحد (^٣)، وقال: \"لا يقاتلن أحد حتَّى نأمره بالقتال\". وتهيأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه. وأمر على الرُماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف. والرُماة يومئذٍ خمسون رجلًا، فقال لهم: \"انضحوا الخيل عنا [ولا] (^٤) نؤتين من قبلكم وألزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم\" (^٥)، وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين، وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار. وأجاز رسول الله ﷺ بعض الغلمان يومئذِ وأرجأ آخرين حتَّى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين، وتعبّأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفعوا اللواء إلى بني عبد الدار، ثم كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في مواضعه عند هذه الآيات، إن شاء الله تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي: تنزلهم منازلهم، وتجعلهم ميمنة وميسرة وحيث أمرتهم ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لما تقولون، عليم بضمائركم.\nوقد أورد ابن جرير ههنا سؤالًا حاصله: كيف تقولون: إن النبي ﷺ سار إلى أُحد يوم الجمعة بعد الصلاة وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ …﴾ الآية؟ ثم كان جوابه عنه (^٦): أن غدوه ليبوأهم مقاعد إنما كان يوم السبت أول النهار.\n\n<span id=\"aya-415\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾.\nقال البخاري: حَدَّثَنَا علي بن عبد الله، حَدَّثَنَا سفيان، قال: قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾، قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة. وما نحب - وقال سفيان مرة - وما يسرني أنها لم تنزل لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (^٧)، وكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به (^٨). وكذا قال غير واحد من السلف: إنهم بنو حارثة وبنو سلمة.\n_________\n(^١) الزيادة من (عف) و(حم) و(ح).\n(^٢) أخرج نحوه عبد الرزاق بسند صحيح عن عروة بن الزبير (المصنف ٥/ ٣٦٣ رقم ٩٧٣٥)، وذكر البخاري قصة المشاورة تعليقًا (الصحيح، الاعتصام، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] قبل حديث ٧٣٦٩). ووصله الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٢٨)، وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ١٣/ ٣٤١).\n(^٣) سيرة ابن هشام ٣/ ٨ - ١٢ وحدائق الأنوار ٢/ ٥٢١.\n(^٤) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب ما يكره من التنازع (ح ٣٠٣٩).\n(^٦) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: \"منه\".\n(^٧) صحيح البخاري، المغازي، باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] (ح ٤٠٥١).\n(^٨) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل الأنصار (ح ٢٥٠٥).","vol":"2","page":412},{"text":"<span id=\"aya-416\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ يوم بدر، وكان يوم جمعة وافق السابع عشر من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك، وخرب محله هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذٍ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، فيهم فرسان وسبعون بعيرًا، والباقون مُشاة ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه. وكان العدو يومئذٍ ما بين التسعمائة إلى الألف في (^١) سوابغ الحديد والبيض والعدة الكاملة والخيول المسوَّمة والخيلاء والحلي، الزائد، فأعزَّ الله رسوله وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النَّبِيّ وقبيله؛ وأخزى الشيطان وجيله، ولهذا قال تعالى ممتنًا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي: قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العدد والعُدد، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة].\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن [جعفر] (^٢) حَدَّثَنَا شعبة، عن سماك، قال: سمعت عياضًا الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وابن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض وليس عياض هذا الذي حدث سماكًا قال: وقال عمر: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة، قال: فكتبنا إليه إنه قد جاش (^٣) إلينا الموت، واستمددناه، فكتب إلينا: إنه قد جاءني كتابكم تستمدونني، وإني أدلكم على من هو أعزُّ نصرًا، وأحصن جندًا: الله ﷿ فاستنصروه، فإن محمدًا ﷺ قد نصر يوم بدر في أقلِّ من عدتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا، فقاتلوهم ولا تراجعوني، قال: فقاتلناهم فهزمناهم أربعة فراسخ، قال: وأصبنا أموالًا فتشاورنا، فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل ذي رأس عشرة، قال: وقال أبو عبيدة: من يراهنني؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب قال: فسبقه فرأيت عقيصتي أبي عبيدة [تَنْقزَان] (^٤) وهو خلفه على فرس عُرْي (^٥)، وهذا إسناد صحيح، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث بندار عن غندر بنحوه (^٦)، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه، وبدر: محلة بين مكة والمدينة تعرف ببئرها، منسوبة إلى رجل حفرها، يقال له: بدر بن النارين (^٧)، قال الشعبي (^٨):\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٠٦، وطبقات ابن سعد ٢/ ٦ - ٨ وتاريخ الطبري ٢/ ٤٢١ - ٤٢٤.\n(^٢) في الأصل: \"حفص\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٣) في الأصل: \"حاس\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند.\n(^٤) قوله: \"تنقزان\"، كذا في المسند، وفي (عف): تنفزان، وفي الأصل: \"يقران\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (ح ٣٤٤) وصححه محققه. قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٢١٦).\n(^٦) أخرجه ابن حبان من طريق غندر وهو محمد بن جعفر به (الإحسان ١١/ ٨٣ - ٨٤ ح ٤٧٦٦).\n(^٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وفي هاتين النسختين غير منقوط، وفي كل النسخ إلا الأصل: بياض لاسم الجد قدر كلمتين. وفي معجم البلدان: بدر بن يخلد بن كنانة (معجم البلدان ١/ ٣٥٧).\n(^٨) في الأصل: \"الثعلبي\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).","vol":"2","page":413},{"text":"بدر بئر لرجل يسمى: بدرًا (^١). وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تقومون بطاعته.\n\n<span id=\"aya-417\"></span>\n\n<span id=\"aya-418\"></span>﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾\nاختلف المفسرون في هذا الوعد، هل كان يوم بدر أو يوم أُحد؟ على قولين:\nأحدهما: أن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متَعَلِّقٌ بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣]\nورُوي هذا عن الحسن البصري وعامر الشعبي والربيع بن أنس وغيرهم، واختاره ابن جرير. قال عباد بن منصور عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ قال: هذا يوم بدر. رواه ابن حاتم (^٢). ثم قال: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا وهيب، حَدَّثَنَا داود، عن عامر - يعني (^٣): الشعبي -: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمدُّ المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: فبلغت كُرْزًا الهزيمة، فلم يمد المشركين، ولم يمد الله المسلمين بالخمسة (^٤).\nوقال الربيع بن أنس: أمدَّ الله المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف (^٥).\nفإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول، وبين قوله تعالى في قصة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال]؟ فالجواب: أن التنصيص على الألف - ههنا - لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] بمعنى: يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران. فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، والله أعلم.\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أمدَّ الله المسلمين يوم بدر بخمسة آلاف (^٦).\n(القول الثاني): إن هذا الوعد متَعَلِّقٌ بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق زكريا بن أبي زائدة عنه.\n(^٢) قول الحسن أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده حسن من طريق عباد بن منصور، وقول الشعبي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق داود بن أبي هند عنه لكنه مرسل.\n(^٣) قوله: \"يعني\" كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"بن يحيى\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق داود بن أبي هند به (المصنف ١٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩ ح ١٨٥١٧).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة به.","vol":"2","page":414},{"text":"لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] وذلك يوم أُحد وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم (^١). لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف لأن المسلمين فروا يومئذٍ، زاد عكرمة: ولا بالثلاثة آلاف لقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا بملك واحد\nوقوله: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ يعني: تصبروا على مصابرة عدوكم، وتتقوني وتطيعوا أمري. وقوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قال الحسن وقتادة والربيع والسدي: أي من وجههم هذا (^٢).\nوقال مجاهد وعكرمة وأبو صالح: أي من غضبهم هذا (^٣).\n[وقال الضحاك: من غضبهم ووجههم (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: من سفرهم هذا (^٥)، ويقال: من غضبهم هذا] (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أي: معلمين بالسيما.\nوقال أبو إسحاق السبيعي، عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض، وكان سيماهم أيضًا في نواصي خيولهم، رواه ابن أبي حاتم (^٧). ثم قال: حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا هدبة بن خالد، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن [محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ في] (^٨) هذه الآية ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: بالعهن الأحمر (^٩).\nوقال مجاهد: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: [مجزوزة] (^١٠) أعرافها، معلمة نواصيها بالصوف الأبيض في أذناب الخيل (^١١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﵁، قال: أتت الملائكة محمدًا ﷺ، مسومين بالصوف، فسوم\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وأخرجه الطبري أيضًا بسند حسن عن قتادة، وسند حسن عن السدي. وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح عن عمرو بن دينار عنه.\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند إلا قول السدي أخرجه الطبري، وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك والربيع أخرجهما الطبري بسند ضعيف.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق داود بن أبي هند عنه، وقول أبي صالح أخرجه ابن أبي حاتم سند صحيح من طريق مالك بن مغول عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك، فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف.\n(^٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي به.\n(^٨) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(ح) و(مح).\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه محمد بن عمرو في روايته عن أبي سلمة فيها مقال (تهذيب التهذيب ٩/ ٣٧٦).\n(^١٠) في الأصل: و(عف) و(ح) و(حم) و(مح): \"محذفة\" وما أثبت من تفسير ابن أبي حاتم ومصنف ابن أبي شيبة كما سيأتي في التخريج.\n(^١١) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٢/ ٢١٦ رقم ١٢٧٦٧)، وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.","vol":"2","page":415},{"text":"محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف (^١).\nوقال قتادة وعكرمة: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: بسيما القتال (^٢).\nوقال مكحول: مسومين بالعمائم (^٣). وروى ابن مردويه من حديث عبد القدوس بن حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: \"معلمين\"، وكان سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حُنين عمائم حُمُرٌ (^٤). وروى من حديث حصين بن مخارق عن سعيد، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر (^٥).\nوقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن مقسم، عن ابن عباس، قال: كان سيما الملائكة يوم بدر، عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حُمُر. ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددًا ومددًا لا يضربون (^٦). ثم رواه عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكر نحوه (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا الأحمسي، حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا هشام بن عروة، عن يحيى بن عباد أن الزبير ﵁، كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجرًا بها، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر (^٨). رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير … فذكره.\n\n<span id=\"aya-419\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي: وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالهم إلا بشارة لكم وتطييبًا لقلوبكم وتطمينًا، وإلا فإنما النصر من عند الله الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالققال: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٤ - ٦]، ولهذا قال ههنا: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ أي: هو ذو العزة التي لا ترام، والحكمة في قدره والأحكام.\n\n<span id=\"aya-420\"></span>ثم قال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أمركم بالجهاد والجلاد لما له في ذلك من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عنه.\n(^٢) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عثمان بن غياث عنه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف (المعجم الكبير ١١/ ١٩٣) وفي سند الطبراني: عبد القدوس بن حبيب وهو متروك (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٧) وقد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح أن الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء.\n(^٤) في سنده عبد القدوس بن حبيب وهو متروك (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٧).\n(^٥) في سنده حصين بن مخارق: وهو وضاع كذاب (ميزان الاعتدال ١/ ٥٥ ولسان الميزان ٢/ ١٩).\n(^٦) سيرة ابن هشام ١/ ٦٣٣ وسنده ضعيف لأن شيخ ابن إسحاق مبهم.\n(^٧) سنده ضعيف جدًّا لأن الحسن بن عمارة متروك (التقريب ص ١٦٢).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"2","page":416},{"text":"الحكمة في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين (^١)، فقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أي: ليهلك أمة ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي: يخزيهم ويردهم بغيظهم لما لم ينالوا منكم ما أرادوا. ولهذا قال: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ أي: يرجعوا ﴿خَائِبِينَ﴾ أي: لم يحصلوا على ما أملوا.\n\n<span id=\"aya-421\"></span>ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: بل الأمر كله إليّ، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾] (^٢).\nقال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم (^٣). ثم ذكر تعالى بقية الأقسام، فقال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: مما هم فيه من الكفر فيهديهم بعد الضلالة ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: يستحقون ذلك.\nوقال البخاري: حَدَّثَنَا حبان بن موسى، أنبأنا عبد الله، أنبأنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر يقول: \"اللهم العن فلانًا وفلانًا\" بعدما يقول: \"سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد\" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ …﴾ الآية (^٤). وهكذا رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما عن معمر به (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو النضر، حَدَّثَنَا أبو عقيل - قال أحمد: وهو عبد الله بن عقيل صالح الحديث ثقة - حَدَّثَنَا عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"اللهم العن فلانًا، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أُمية\" فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ فتيب عليهم كلهم (^٦).\nوقال أحمد: حَدَّثَنَا أبو معاوية الغَلابي، حَدَّثَنَا خالد بن الحارث، حَدَّثَنَا محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة، قال: فأنزل الله ﷿ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ …﴾ إلى آخر الآية، قال: وهداهم الله للإسلام (^٧).\nوقال محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: كان رسول الله يدعو على رجال\n_________\n(^١) يقصد بالكفار المجاهدين: المقاتلين. والله أعلم.\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) سيرة ابن هشام ٣/ ٦١ وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه.\n(^٤) صحيح البخاري التفسير، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (ح ٤٥٥٩).\n(^٥) السنن الكبرى ٦/ ٣١٤ (ح ١١٠٧٥)، وبعد رواية النسائي ورد في الأصل طرف من رواية الإمام أحمد، والمثبت كما في (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٥٦٧٤) وصححه أحمد شاكر، وأخرجه البخاري من طرق سالم به (الصحيح، المغازي غزوة أحد ح ٤٠٦٩).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٥٨١٢) وصححه أحمد شاكر.","vol":"2","page":417},{"text":"من المشركين يسميهم بأسمائهم، حتَّى أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ (^١).\nوقال البخاري أيضًا: حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع وربما قال: إذا قال: \"سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف\" يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: \"اللهم العن فلانًا وفلانًا\" لأحياء من أحياء العرب، حتَّى أنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (^٢).\nوقال البخاري: قال حميد وثابت، عن أنس بن مالك: شُجَّ النَّبِيّ ﷺ يوم أحد، فقال: \"كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ \" فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (^٣). وقد أسند هذا الحديث الذي علقه البخاري في صحيحه، فقال البخاري في غزوة أُحد: حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الله السلمي، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم بن عبد الله عِن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: \"اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا\" بعدما يقول: \"سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد\"، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. وعن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أُمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^٤). هكذا ذكر هذه الزيادة البخاري معلقة مرسلة، وقد تقدمت مسندة متصلة في مسند أحمد أيضًا.\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا هشيم، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس ﵁، أن النَّبِيّ ﷺ، كُسرت رباعيته يوم أحد، وشُجَّ في وجهه حتَّى سال الدم على وجهه، فقال: \"كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم ﷿ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^٥) انفرد به مسلم، فرواه عن القعنبي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس … فذكره (^٦).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا يحيى بن واضح: حَدَّثَنَا الحسين بن واقد، عن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي من طريق محمد بن عجلان به بلفظ: كان يدعو على أربعة نفر … وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح يستغرب من هذا الوجه (السنن، تفسير القرآن، سورة آل عمران ع ٣٠٠٥).\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة آل عمران، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ح ٤٥٦٠).\n(^٣) الصحيح، المغازي، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ قبل (ح ٤٠٦٩).\n(^٤) المصدر السابق وقد وصله الإمام أحمد كما سبق.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٩٩) وسنده ثلاثي صحيح.\n(^٦) صحيح مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس (الصحيح، الجهاد، باب غزوة أُحد ح ١٧٩١). وقد ذكر الحافظ ابن حجر الجمع بين حديث ابن عمر وأنس، أنه ﷺ دعا على المذكورين في صلاته فنزلت الآية في الآمرين معًا (الفتح ٨/ ٢٢٧).","vol":"2","page":418},{"text":"مطر، عن قتادة، قال: أُصيب النَّبِيّ ﷺ يوم أحد، وكُسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدم يسيل، فمرَّ به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول: \"كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى الله ﷿ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ (^١)، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة بنحوه، ولم يقل: فأفاق (^٢).\n\n<span id=\"aya-422\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع ملك له، وأهلها عبيد بين يديه ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هو المتصرف فلا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-423\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾\nيقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافًا مضاعفة كما كانوا يقولون في الجاهلية (^٣): إذا حلَّ أجل الدين، إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه، وإلا زاده في المدة، وزاده الآخَر في القدر، وهكذا كلّ عام فربما تضاعف القليل حتَّى يصير كثيرًا مضاعفًا، وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى،\n\n<span id=\"aya-424\"></span>\n\n<span id=\"aya-425\"></span>ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾\n\n<span id=\"aya-426\"></span>ثم نذبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ أي: كما أعدت النار للكافرين.\nوقد قيل: إن معنى قوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ تنبيه على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]؛ أي: فما ظنك بالظهائر؟، وقيل: [بل] (^٤) عرضها كطولها لأنها قُبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دلَّ على ذلك ما ثبت في الصحيح: \"إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفرودس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وسقفها عرش الرحمن\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٣) كذا في الأصل و(حم)، وفي (عف) و(مح) بلفظ: \"في الجاهلية يقولون\". وكلاهما صحيح.\n(^٤) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح).\n(^٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب درجات المجاهدين (ح ٢٧٩٠).","vol":"2","page":419},{"text":"وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الحديد: ٢١] وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النَّبِيّ ﷺ إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال النَّبِيّ ﷺ: \"سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟ \" (^١).\nوقد رواه ابن جرير فقال: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن خُثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن مُرَّة، قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص شيخًا كبيرًا قد فُنِّد (^٢)، فقال: قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل فناول الصحيفة رجلًا عن يساره، قال: قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين، فأين النار (^٣)؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: \"سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟ \" (^٤).\nوقال الأعمش وسفيان الثوري وشعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: إن ناسًا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاء النهار أين الليل؟ وإذا جاء الليل أين النهار؟ فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة (^٥). رواه ابن جرير من ثلاثة طرق. ثم قال: حَدَّثَنَا أحمد بن حازم، حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا جعفر بن برقان، أنبأنا يزيد بن الأصم: أن رجلًا من أهل الكتاب قال: يقولون: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ فقال ابن عَبَّاس ﵁: أين يكون الليل إذا جاء النهار؟ وأين يكون النهار إذا جاء الليل (^٦)؟.\nوقد روي هذا مرفوعًا، فقال البزار: حَدَّثَنَا محمد بن معمر، حَدَّثَنَا المغيرة بن سلمة أبو هشام، حَدَّثَنَا عبد الواحد بن زياد، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه (^٧) يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول اللّه ﷺ، فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ قال: \"أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء، فأين النهار؟ \" قال: حيث شاء الله، قال: \"وكذلك النار تكون حيث شاء الله ﷺ \" (^٨).\nوهذا يحتمل معنيين:\n(أحدهما): أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد مطولًا المسند ٣/ ٤٤١، ٤٤٢ قال الحافظ ابن كثير: هذا حديث غريب وإسناده لا بأس به، تفرد به الإمام أحمد (البداية والنهاية ٥/ ١٥ - ١٦).\n(^٢) أي: كبر وحرم.\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"فأين الطول النار؟ \".\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري.\n(^٧) قوله: \"عمه\"، زيادة من (حم) و(ح).\n(^٨) كشف الأستار بزوائد البزار (ح ٢١٩٦)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ١/ ٣٠٦ ح ١٠٣)، والحاكم (المستدرك ١/ ٣٦) كلاهما من طريق محمد بن معمر به وصححه ووافقه الذهبي. قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣٣٠).","vol":"2","page":420},{"text":"يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث يشاء الله ﷿، وهذا أظهر كما تقدم في حديث أبي هريرة عن البزار.\n(الثاني): أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش وعرضها، كما قال الله: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] والنار في أسفل سافلين فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار، واللّه أعلم.\n\n<span id=\"aya-427\"></span>ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: في الشدة والرخاء والمنشط والمكره والصحة والمرض وفي جميع الأحوال، كما قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤] والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى\nوالإنفاق في مراضيه. والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفى مع ذلك عمن أساء إليه. وقد ورد في بعض الآثار: \"يقول الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك\" رواه ابن أبي حاتم (^١). وقد قال أبو يعلى في مسنده: حَدَّثَنَا أبو موسى الزمن، حَدَّثَنَا عيسى بن شعيب الضرير أبو الفضل، حدثني الربيع بن سليمان النميري، عن أبي عمرو بن أنس بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كفَّ غضبه، كفَّ الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه، ستر الله عورته، ومن اعتذر إلى الله، قبل الله عذره\" (^٢). وهذا حديث غريب، وفي إسناده نظر.\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، حَدَّثَنَا مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب\" (^٣). وقد رواه الشيخان من حديث مالك (^٤).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله وهو ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله: \"أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله\"؟ قال: قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: \"اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالك من مالك إلا ما قدمت، ومالُ وارثك ما أخرْتَ\" قال: وقال رسول الله ﷺ: \"ما تعدون الصرعة فيكم؟ \" قلنا: الذي لا تصرعه الرجال. قال: \"لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب\". قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما تعدون فيكم الرقوب؟ \" قلنا: الذي لا ولد له. قال: \"لا، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئًا\" (^٥)\n_________\n(^١) لم أجده في تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى الموصلي بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٣٠٢ ح ٤٣٣٨) وحكم الحافظ ابن كثير على سنده ومتنه.\nقال الهيثمي: فيه الربيع بن سليمان الأزدي وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٠١).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٣٦) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، الأدب، باب الحذر من الغضب (ح ٦١١٤)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب (ح ٢٦٠٩).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٨٢) وسنده صحيح.","vol":"2","page":421},{"text":"أخرج البخاري الفصل الأول منه (^١)، وأخرج مسلم أصل هذا الحديث، من رواية الأعمش به (^٢).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، سمعت عروة بن عبد الله الجعفي يحدث، عن أبي حصبة (^٣) أو ابن حصبة، عن رجل شهد النَّبِيّ ﷺ يخطب، فقال: \"تدرون ما الرقوب؟ \" قلنا: الذي لا ولد له، قال: \"الرقوب كل الرقوب الذي له ولد فمات ولم يقدم منهم شيئًا\" قال: \"تدرون ما الصعلوك؟ \" قالوا: الذي ليس له مال، فقال النَّبِيّ ﷺ: \"الصعلوك كل الصعلوك الذي له مال فمات ولم يقدم منه شيئًا\" قال: ثم قال النَّبِيّ ﷺ: \"ما الصرعة؟ \" قالوا: الصريع. قال: فقال ﷺ: \"الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتدّ غضبه ويحمرّ وجهه ويقشعرّ شعره فيصرع غضبه\" (^٤).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا ابن نمير، حَدَّثَنَا هشام بن عروة، عن أبيه، عن الأحنف بن قيس، عن عمٍّ له يقال له: حارثة بن قدامة السعدي، أنه سأل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، قل لي قولًا ينفعني وأقلل على لعلي أعيه، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تغضب\" فأعاد عليه حتَّى أعاد عليه مرارًا كل ذلك يقول: \"لا تغضب\" (^٥). وهكذا رواه عن أبي معاوية عن هشام به، ورواه أيضًا عن يحيى بن سعيد القحطان عن هشام به أن رجلًا قال: يا رسول الله، قل لي قولًا وأقلل عليّ لعلي أعقله، فقال: \"لا تغضب\" الحديث، انفرد به أحمد.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، قال: \"لا تغضب\". قال الرجل: ففكرت حين قال النَّبِيّ ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشرَّ كله (^٦). انفرد به أحمد.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن أبي ذرّ ﵁ عنه قال: كان يسقي على حوض له فجاء قوم، فقالوا: أيكم يورد على أبي ذرٍّ ويحتسب شعرات من رأسه؟ فقال رجل: أنا، فجاء الرجل فأورد (^٧) عليه الحوض فدقه، وكان أبو ذرّ قائمًا فجلس ثم اضطجع، فقيل له: يا أبا ذر لم\n_________\n(^١) الصحيح، الرقاق، باب ما قدم من ماله فهو له (ح ٦٤٤٢).\n(^٢) الصحيح، البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب (ح ٢٦٠٨) وأصل الرقوب الذي لا يعيش له ولد، ومعنى الحديث: \"إنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب بموت أولاده\"، وليس هو كذلك، بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته فيحتسبه ويكتب له ثواب مصيبته به (حاشية المصدر السابق).\n(^٣) في الأصل: \"أبي حفصة\"، والتصويب من (عف) و(مح) والمسند كما سيأتي.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسند ومتنه (المسند ٥/ ٣٦٧)، وفيه أبو حصبة أو ابن حصبة أو ابن حصبة: وهو مجهول (تعجيل ص ٤٧٦). والثلث الأول من الحديث له شاهد تقدم في الصحيحين.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٤) قال الهيثمي: وجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨/ ٦٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٦/ ١٦٣.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٧٣) قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨/ ٦٩) وشطره الأول له شاهد تقدم.\n(^٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: (فأدرك) وهو تصحيف.","vol":"2","page":422},{"text":"جلست ثم اضطجعت، فقال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: \"إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع\" (^١). ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بإسناده إلا أنه وقع في روايته عن أبي حرب عن أبي ذرّ (^٢)، والصحيح أبو حرب (^٣) عن أبيه، عن أبي ذرّ، كما رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا إبراهيم بن خالد، حَدَّثَنَا أبو وائل الصنعاني، قال: كنا جلوسًا عند عروة بن محمد إذا دخل عليه رجل فكلمه بكلام أغضبه، فلما أن غضب قام ثم عاد إلينا وقد توضأ، فقال: حدثني أبي عن جدي عطية هو ابن سعد السعدي (^٤) - وقد كانت له صحبة - قال: قال رسول الله: \"إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا أغضب أحدكم فليتوضأ\" (^٥). وهكذا رواه أبو داود من حديث إبراهيم بن خالد الصنعاني عن أبي وائل القاص المرادي الصنعانى، قال أبو داود: أراه عبد الله بن بحير.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الله بن يزيد، حَدَّثَنَا نوح بن جَعْونة السلمي، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أنظر معسرًا أو وضع له، وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن (^٦) بربوة - ثلاثًا - ألا إن عمل النار سهل بسهوة (^٧). والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحبّ إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد الله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا\" (^٨)، انفرد به أحمد، وإسناده حسن ليس فيه مجروح، [ومتنه] (^٩) حسن.\n(حديث آخر في معناه) قال أبو داود: حَدَّثَنَا عقبة بن مكرم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن يعني ابن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٢)، وأخرجه أبو داود من طريق الإمام أحمد به، ثم أخرجه من طريق داود بن أبي هند عن بكر أن النَّبِيّ ﷺ بعث أبا ذرّ بهذا الحديث. ثم قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين. (السنن، الأدب، باب ما يقال عند الغضب ح ٤٧٨٢ - ٤٧٨٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٠٠ - ٤٠٠١).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: \"ابن حرب\" وهو تصحيف.\n(^٤) في الأصل: \"ابن سعيد السعدي\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٢٦) وأخرجه أبو داود من طريق إبراهيم بن خالد به (السنن، الأدب، باب ما يقال عند الغضب ح ٤٧٨٤)، وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ٨/ ٤٣٩)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٥٨٢). وله شاهد صحيح تقدم.\n(^٦) حزن: بفتح فسكون، ما غلظ من الأرض وخشن والمراد أن يصعب على النفوس. قاله السندي في حاشية المسند.\n(^٧) السهوة: الأرض اللينة التربة، شبه المعصية في سهولتها على مرتكبيها بالأرض السهلة (النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٣٠).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٥/ ١٤٩ - ١٥١ ح ٣٠١٥) وقال محققوه: إسناده ضعيف جدًّا. وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (انظر: لسان الميزان ٦/ ١٧٢)، والقضاعي (المسند ح ١٤٢٣ والمصدر السابق) من طريق نوح به قال الذهبي: أجوز أن يكون نوح بن أبي مريم أتى بخبر منكر وذكر هذا الحديث (ميزان الاعتدال ٤/ ٢٧٥) ووافقه الحافظ ابن حجر (لسان الميزان ٦/ ١٧٢).\n(^٩) في الأصل: \"سنده\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).","vol":"2","page":423},{"text":"مهدي عن بشر - يعني ابن منصور -، عن محمد بن عجلان، عن سويد بن وهب، عن رجل من أبناء أصحاب النَّبِيّ ﷺ، [عن أبيه] (^١) قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، ملأه الله أمنًا وإيمانًا، ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه - قال بشر: أحسبه قال: تواضعًا - كساه الله حلة الكرامة ومن زوّج [لله] (^٢) كساه الله تاج الملك\" (^٣).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الله بن يزيد قال: حَدَّثَنَا سعيد، حدثني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه أن رسول الله قال: \"من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتَّى يخيره من أي الحور شاء\" (^٤). ورواه أبو داود [والترمذي وابن ماجة من حديث سعيد بن أبي أيوب به، وقال الترمذي: حسن غريب (^٥)] (^٦).\n(حديث آخر) قال عبد الرزاق: أنبأنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أهل الشام يقال له: عبد الجليل، عن عمٍّ له، عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أن النَّبِيّ ﷺ قال: \"من كظم غيظًا وهو يقدر (^٧) على إنفاذه ملأه الله أمنًا وإيمانًا\" رواه ابن جرير (^٨).\n(حديث آخر) قال ابن مردويه: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن زياد، أنبأنا يحيى بن أبي طالب، أنبأنا علي بن عاصم، أخبرني يونس بن عبيد، عن الحسن، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول ﷺ: \"ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجرًا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله\" وكذا رواه ابن ماجة عن بشر بن عمر، عن حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد به (^٩).\nفقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أي: لا يعملون غضبهم في الناس بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله ﷿. ثم قال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم فلا يبقى في أنفسهم [موجِدة] (^١٠) على أحد، وهذا أكمل الأحوال،\n_________\n(^١) هذه الزيادة من (ح) و(حم)، وهي في سنن أبي داود (ح ٤٣٧٨).\n(^٢) في الأصل: \"ومن زوج فيه\" أي في الله. والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب ما يقال عند الغضب ح ٤٧٧٨)، وفي سنده جهالة شيخ سويد بن وهب، وسويد نفسه مجهول (التقريب ص ٢٦١)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ١٠٢٣).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٤٠) وسنده حسن كما سيأتي.\n(^٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٦) سنن أبي داود، الأدب، باب من كظم غيظًا (ح ٤٧٧٧)، وسنن الترمذي، البر والصلة، باب في كظم الغيط (ح ٢٠٢١)، وسنن ابن ماجة، الزهد، باب الحلم (ح ٤١٨٦)، وحسنه الترمذي بقوله: حسن غريب، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (ح ٣٣٧٥).\n(^٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"قادر\".\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب إبهام شيخ زيد بن أسلم، وعمه.\n(^٩) أخرجه ابن ماجة عن زيد بن أخرم عن بشر بن عمر به (السنن، الزهد، باب الحلم ح ٤١٨٩) قال البوصيري: إسناده صحيح رجاله ثقات (مصباح الزجاجة ٣/ ٢٩١)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (ح ٣٣٧٧).\n(^١٠) كذا في (ح) و(حم) و(مح) و(عف)، وجاء تحتها: \"معناها: غضب\"، وفي الأصل: \"مؤاخذة\" وهو تصحيف.","vol":"2","page":424},{"text":"ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذا من مقامات الإحسان، وفي الحديث: \"ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، ومن تواضع للّه رفعه الله\" (^١)، وروى الحاكم في مستدركه من حديث موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن طلحة القرشي، عن عبادة بن الصامت، عن أُبي بن كعب أن رسول الله ﷺ، قال: \"من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه\" ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٢). وقد أورده ابن مردويه من حديث علي (^٣) وكعب بن عجرة (^٤) وأبي هريرة (^٥) وأم سلمة ﵃ بنحو ذلك.\nوروي عن طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؟ هلمّوا إلى ربكم وخذوا أجوركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-428\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار.\nقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"إن رجلًا أذنب ذنبًا، فقال: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفره، فقال الله ﷿: عبدي [عمل] (^٧) ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر، فقال: ربِّ إني عملت ذنبًا فاغفره، فقال ﵎: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر فقال: ربِّ إني عملت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله ﷿: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم عمل ذنبًا آخر فقال: ربِّ، إني عملت ذنبًا فاغفره، فقال ﷿: عبدي علم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء\" (^٨). أخرجاه في الصحيحين من حديث إسحاق بن أبي طلحة بنحوه (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظه تقريبًا (الصحيح، البر، باب استحباب العفو والتواضع ح ٢٥٨٨) وورد في حاشيته: ما نقصت صدقة من مال: ذكروا فيه وجهين: أحدهما معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا مدرك بالحس والعادة، والثاني: أنه وإن نقصت صورته، كان في الثواب المرتب عليه جبر لنقصه وزيادة إلى أضعاف كثيرة.\n(^٢) وقد تعقبه الذهبي لأن الراوي عن موسى بن عقبة هو أبو أُمية بن يعلى الثقفي، ضعفه الدارقطني، وإسحاق لم يدرك عبادة (المستدرك ٢/ ٢٩٥)، وضعفه الحافظ ابن حجر (لسان الميزان ٧/ ١٣)، والهيثمي (المجمع ٨/ ١٩٢).\n(^٣) ذكره الهيثمي ونسبه إلى الطبراني في الأوسط وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف (المجمع ٨/ ١٩١).\n(^٤) ذكره الهيثمي ونسبه إلى الطبراني وقال: وفيه محمد بن جابر السحيمي: وهو متروك (المجمع ٨/ ١٩١).\n(^٥) ذكره الهيثمي ونسبه إلى الطبراني في الأوسط ثم قال: وفيه سليمان بن داود اليامي وهو ضعيف (المجمع ٨/ ١٩٢).\n(^٦) في سنده الضحاك لم يسمع من ابن عباس وسنده ضعيف.\n(^٧) في الأصل: \"أذنب\" وما أثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند كما في التخريج.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٧٩٣٥) وسنده صحيح.\n(^٩) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] (ح ٧٥٠٧)، =","vol":"2","page":425},{"text":"(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو النضر وأبو عامر، قالا: حَدَّثَنَا زهير، حَدَّثَنَا سعد الطائي، حَدَّثَنَا أبو المدله مولى أُم المؤمنين، سمع أبا هريرة، قلنا: يا رسول الله، إذا رأيناك رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد، فقال: \"لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفِّهم، ولزارتكم في بيوتكم. ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم\". قلنا: يا رسول الله، حَدَّثَنَا عن الجنة، ما بناؤها؟ قال: \"لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتَّى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين\" (^١). ورواه الترمذي وابن ماجة من وجه آخر من حديث سعد به (^٢).\nويتأكد الوضوء وصلاة ركعتين عند التوبة لما رواه الإمام أحمد بن حنبل: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا مسعر وسفيان الثوري، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة، عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا، نفعني الله بما شاء منه. وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر ﵁ حدثني - وصدق أبو بكر - أنه سمع رسول الله ﷺ، قال: \"ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ فيحسن الوضوء - قال مسعر: - فيصلي - وقال سفيان: - ثم يصلي ركعتين، فيستغفر الله ﷿ إلا غفر له\" (^٣). وهكذا (^٤) رواه علي بن المديني والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والبزار والدارقطني من طرق عن عثمان بن المغيرة [به] (^٥)، وقال الترمذي: هو حديث حسن (^٦)، وقد ذكرنا طرقه، والكلام عليه مستقصى في مسند أبي بكر الصديق ﵁، وبالجملة فهو حديث حسن، وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن خليفة النَّبِيّ أبي بكر الصديق ﵁. ومما يشهد بصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء\" (^٧).\n_________\n= وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب (ح ٢٧٥٨).\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٨٠٣٠) وصححه أحمد شاكر، وأخرجه الترمذي من طريق سعد الطائي به وحسنه (السنن، الدعوات، باب في العفو والعافية ح ٣٥٩٨).\n(^٢) المصدر السابق وسنن ابن ماجة، الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته (ح ١٧٥٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢) وسنده حسن كما قال الحافظ ابن كثير وصححه أحمد شاكر، وحسنه الترمذي (السنن، التفسير، سورة آل عمران ح ٣٠٠٩)، وقال الحافظ ابن حجر: جيد الإسناد (تهذيب \"التهذيب\" ١/ ٢٦٨)، وقال ابن عدي: أرجو أن يكون صحيحًا (الكامل المجلد الثاني ق ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٤) في الأصل: \"وهذا\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٥) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.\n(^٦) تقدم في الحاشية السابقة.\n(^٧) أخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر (الصحيح، الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء ح ٢٣٤).","vol":"2","page":426},{"text":"وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: أنه توضأ لهم وضوء النَّبِيّ ﷺ، [ثم قال: سمعت النَّبِيّ ﷺ] (^١) يقول: \"من تَوَضَّأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه\" (^٢) فقد ثبت هذا الحديث من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، عن سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين كما دلَّ عليه الكتاب المبين، من أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، قال: بلغني أن إبليس لعنه الله حين نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ..﴾ الآية، بكى (^٣).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا محرز بن عون، حَدَّثَنَا عثمان بن مطر، حَدَّثَنَا عبد الغفور، عن أبي نُصَيرة، عن أبي رجاء، عن أبي بكر ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ، قال: \"عليكم بلا إله إلا الله، والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون\" (^٤) عثمان بن مطر وشيخه ضعيفان.\nوروى الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العتواري عن أبي سعيد، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"قال إبليس: يا ربّ، وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني\" (^٥).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا عمر بن أبي خليفة، سمعت أبا بدر يحدث، عن ثابت، عن أنس، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله، أذنبت ذنبًا، فقال رسول الله ﷺ: \"إذا أذنبت فاستغفر ربك\". قال: فإني أستغفر ثم أعود فأذنب، قال: \"فإذا أذنبت فعد فاستغفر ربك\"، فقالها في الرابعة: \"استغفر ربك حتَّى يكون الشيطان هو [المحسور] (^٦) \" (^٧).\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه.\n\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: لا يغفرها أحد سواه، كما قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن مصعب، حَدَّثَنَا سلام بن مسكين والمبارك، عن الحسن، عن الأسود بن\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح).\n(^٢) صحيح البخاري، الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا (ح ١٥٩)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله (ح ٢٢٦).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بدون ذكر أنس بن مالك (١/ ١٣٣)، وأخرجه الطبري وعبد بن حميد في تفسيريهما من طريق عبد الرزاق به بدون ذكر أنس أيضًا (تفسير عبد بن حميد في حاشية تفسير ابن أبي حاتم، سورة آل عمران) في النسخة الخطية الفريدة.\n(^٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٢٣ ح ١٣٦)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بالضعف.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق عمرو بن أبي عمرو به ومن طريق دراج عن أبي الهيثم به (المسند ١٧/ ٣٣٣ - ٣٣٧ ح ١١٢٣٧ وح ١١٢٤٤) وفي سنده درّاج وفي حديثه عن أبي الهيثم ضعف (التقريب ص ٢٠١) وعمرو بن أبي لم يسمع من أبي سعيد الخدري كما قرر الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٠٤).\n(^٦) في الأصل: \"الحسرت\" وما أُثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٧) كشف الأستار بزوائد البزار (ح ٣٢٤٩)، وفي سنده أبو بدر، وهو بشار بن الحكم الضبي، قال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال ابن حبان: ينفرد عن ثابت بأشياء ليست من حديثه (لسان الميزان ٢/ ١٦).","vol":"2","page":427},{"text":"سريع أن النَّبِيّ ﷺ أُتي بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، فقال النَّبِيّ ﷺ: \"عرف الحق لأهله\" (^١).\nوقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه، كما قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حَدَّثَنَا إسحاق بن أبي إسرائيل وغيره، قالوا: حَدَّثَنَا أبو يحيى عبد الحميد الحماني، عن عثمان بن واقد، عن أبي نُصَيرة، عن مولى لأبي بكر، [عن أبي بكر] (^٢) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أصرَّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة\" (^٣). ورواه أبو داود والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد (^٤) - وقد وثقه يحيى بن معين به - وشيخه أبو نُصَيرة الواسطي واسمه: مسلم بن عبيد، وثقه الإمام أحمد وابن حبان، وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر (^٥)، ولكن جهالة مثله لا تضر لأنَّهُ تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر، فهو حديث حسن، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن من تاب تاب الله عليه (^٦)، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] وكقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠] ونظائر هذا كثيرة جدًّا. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، أنبأنا جرير، حَدَّثَنَا حبان هو ابن زيد الشرعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال وهو على المنبر: \"ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويلٌ لأقماع (^٧) القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون\" (^٨) تفرد به\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ٣٥٣ ح ١٥٥٨٧) وسنده ضعيف لأن الحسن لم يسمع من الأسود بن سريع، ومحمد بن مصعب صدوق كثير الغلط (التقريب ص ٥٠٧) قال السندي: قوله: عرف الحق لأهله؛ أي: التوبة حق له تعالى فمن قال ذلك فقد عرفها لمستحقها (حاشية المسند).\n(^٢) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٣) أخرجه الموصلي بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٢٤ ح ١٣٧) وسنده ضعيف كما سيأتي.\n(^٤) سنن أبي داود، الصلاة، باب في الاستغفار (ح ١٥١٤)، وسنن الترمذي، الدعوات، باب ما أصرّ من استغفر (ح ٣٥٥٩)، ومسند البزار (ح ٩٣) قال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي نُصيرة، وليس إسناده بالقوي، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٣٢٦).\n(^٥) ليس لأجل جهالة أبي بكر بل بسبب عثمان بن واقد أيضًا فهو صدوق ربما وهم (التقريب ص ٣٨٧) ولم يتابع عليه فقد أخرجه المروزي في مسند أبي بكر (ح ١٢٢)، والترمذي وأبو داود والبزار كما تقدم في الحاشية السابقة، والطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما وابن السني في عمل اليوم والليلة (ح ٣٦١)، البيهقي في شعب الإيمان (ح ٦٤٢)، والبغوي في شرح السنة كلهم من طريق عثمان بن واقد به.\n(^٦) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، وقول عبد الله بن عبيد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح.\n(^٧) الإقماع: جمع قمع وهو الإناء الذي يترك في رؤوس الظروف لتملأ بالمائعات من الأشربة والأدهان (النهاية ٤/ ١٠٩).\n(^٨) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ح ٦٥٤١) وصححه أحمد شاكر، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (المجمع ١٠/ ١٩١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/ ٣٠٨.","vol":"2","page":428},{"text":"أحمد.\n\n<span id=\"aya-429\"></span>ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: جزاؤهم على هذه الصفات ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من أنواع المشروبات ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يمدح تعالى الجنة.\n\n<span id=\"aya-430\"></span>﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين الذين أصيبوا يوم أُحد وقتل منهم سبعون: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم، والدائرة على الكافرين، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾\n\n<span id=\"aya-431\"></span>ثم قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يعني: القرآن فيه بيان الأمور على جليتها وكيف كان الأمم الأقدمون مع أعدائهم ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يعني: القرآن فيه خبر ما قبلكم. ﴿وَهُدًى﴾ لقلوبكم، ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: زاجر عن المحارم والمآثم.\n\n<span id=\"aya-432\"></span>\n\n<span id=\"aya-433\"></span>\n\n<span id=\"aya-434\"></span>ثم قال تعالى مسليًا للمؤمنين: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا بسبب ما جرى ﴿وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أي: إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عَبَّاس: في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يعني يقتلون في سبيله ويبذلون مُهجهم في مرضاته ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب. وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به.\nوقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم،\n\n<span id=\"aya-435\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد، كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]. وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] ولهذا قال ههنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتَّى تُبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على","vol":"2","page":429},{"text":"مقاومة الأعداء.\n\n<span id=\"aya-436\"></span>وقوله ﷺ ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ أي: قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم، تتمنون لقاء العدو وتتحرّقون عليهم وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف\" (^١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني: الموت شاهدتموه وقت لمعان السيوف وحدّ الأسنة، واشتباك الرماح، وصفوف الرجال للقتال، والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل. وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس كما تتخيل الشاة صداقة الكبش، وعداوة [الذئب] (^٢).\n\n<span id=\"aya-437\"></span>﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾.\nلما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحد وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قتل، ورجع [بن قميئة] (^٣) إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدًا، وإنما كان قد ضرب رسول الله ﷺ فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله ﷺ قد قتل، وجَوّزوا عليه ذلك، كما [قد قصَّ الله عن] (^٤) كثير من الأنبياء ﵈، فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (^٥) أي: له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه.\nقال ابن أبي نجيح، عن أبيه: أن رجلًا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أن محمدًا ﷺ قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل ﷺ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة (^٦).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الجهاد، باب كان النَّبِيّ ﷺ إذا لم يُقاتل أول النهار أخر القتال حتَّى تزول الشمس (ح ٢٩٦٥ - ٢٩٦٦)، وصحيح مسلم، الجهاد، والسير (ح ١٧٤٢).\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"الزبيب\" وهو تصحيف.\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: \"ابن أمية\"، هو تصحيف.\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: \"قد قضى الله على\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه ابن المنذر من طريق أبي بكر عن عاصم بن كليب عن أبيه عن عمر بنحوه (التفسير ص ٤٠٢ رقم ٩٧٥)، وفي سنده أبو بكر وهو ابن عياش ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه (التقريب ص ٦٢٤).\n(^٦) أخرجه البيهقي من طريق آدم بن أبي إياس، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح به (دلائل النبوة ٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩) وسنده مرسل.","vol":"2","page":430},{"text":"ثم قال تعالى منكِرًا على من حصل له ضعف: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: رجعتم القهقري ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حيًا وميتًا. وكذلك ثبت في الصحاح والمساند والسنن وغيرها من كتب الإسلام من طرق متعددة تفيد القطع، وقد ذكرت ذلك في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ أن الصديق ﵁، تلا هذه الآية لما مات رسول الله ﷺ.\nوقال البخاري: حَدَّثَنَا يحيى بن بكير، حَدَّثَنَا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة، أن عائشة ﵂، أخبرته أن أبا بكر ﵁، أقبل على فرس من مسكنه بالسُنح (^١) حتَّى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتَّى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله ﷺ يلّى وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكبَّ عليه وقبَّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأُمي واللّهِ لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد منها، وقال الزهري: حدثني أبو سلمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يحدّث الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس فاقبل الناس إليه وتركها عمر فقال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى قوله: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ قال: فواللّه لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتَّى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم فما سمعها بشر من الناس إلا يتلوها، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: واللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فَعَقِرتُ حتَّى ما تقلني رجلاي، وحتى هَوَيت إلى الأرض (^٢).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حَدَّثَنَا علي بن عبد العزيز، حَدَّثَنَا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حَدَّثَنَا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عليًا كان يقول في حياة رسول الله ﷺ ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، واللّهِ لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتَّى أموت، واللّه إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به مني (^٣)؟\n\n<span id=\"aya-438\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ أي: لا يموت أحد إلا بقدر الله وحتى يستوفي المدة التي [ضربها] (^٤) الله له، ولهذا قال: كقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] وكقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا العباس بن يزيد العبدي قال: سمعت أبا معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهبان، قال: قال رجل من المسلمين وهو حُجْر بن عدي: ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو وهذه النطفة - يعني دجلة -\n_________\n(^١) السنح - بضم السن والنون -: موضع بعوالي المدينة فيه منازل بني الحارث بن الخزرج (النهاية ٢/ ٤٠٧).\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب مرض النَّبِيّ ﷺ ووفاته ح ٤٤٥٢ - ٤٤٥٤).\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١/ ١٠٧ ح ١٧٦) وفي سنده سماك بن حرب وروايته عن عكرمة فيها اضطراب.\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"صيرها\".","vol":"2","page":431},{"text":"﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ثم أقحم فرسه دجلة، فلما أقحم، أقحم الناس، فلما رآهم العدو قالوا: ديوان (^١) فهربوا (^٢).\nوقولهْ ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي: من كان عمله للدنيا فقط نال منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء] ولهذا قال ههنا: ﴿وَسَنَجْزِى الشَّاكِرينَ﴾ أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم.\n\n<span id=\"aya-439\"></span>\n\n<span id=\"aya-440\"></span>ثم قال تعالى مسليًا للمؤمنين عمّا كان وقع في نفوسهم يوم أُحد: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قيل: معناه كم من نبي قتل وقتل معه ربيّون من أصحابه كثير. وهذا القول هو اختيار ابن جرير فإنه قال: وأما الذين قرأوا: ﴿قَاتَلَ (^٣) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل: النَّبِيّ وبعض من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمّن بقي من الربيين ممن لم يقتل، قال: ومن قرأ قاتل فإنه اختار ذلك، لأنَّهُ قال: لو قتلوا لم يكن لقول الله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ وجه معروف لأنَّهُ يستحيل أن [يوصفوا] (^٤) بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا، ثم اختار قراءة من قرأ ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ لأن الله عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أُحد وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح بأن محمدًا قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال، فقال لهم: (﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير، وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولًا آخر، فإنه قال: أي: و﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ كأين من نبي أصابه القتل ومعه ربيون أي: جماعات فما وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (^٥) فجعل قوله: حالًا، وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه (^٦)، وله اتجاه لقوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …﴾ الآية، وكذا حكاه الأُموي (^٧) في مغازيه عن كتاب محمد بن إبراهيم ولم يحكِ غيره، وقرأ بعضهم ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زرّ (^٨) عن ابن مسعود ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي:\n_________\n(^١) ديوان: أي: شيطان (انظر: المعرب ص ٢٠٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) قراءة (قُتل) و(قاتل) كلتاهما متواترتان.\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"يوهنوا\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده المتكرر عن ابن إسحاق.\n(^٦) قال السهيلي: وهذا أصح التفسيرين (الروض الأنف ٣/ ١٩٤).\n(^٧) وهو موسى بن عقبة الأُموي صاحب كتاب المغازي.\n(^٨) في الأصل: \"عن ذر\" وهو تصحيف.","vol":"2","page":432},{"text":"ألوف (^١)، وقال ابن عَبَّاس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي والربيع وعطاء الخراساني: الربيون الجموع الكثيرة (^٢).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي: علماء كثير (^٣)، وعنه أيضًا: علماء صبر أبرار وأتقياء (^٤). وَحُكِىَ ابن جرير عن بعض نحاة البصرة أن الربيين هم الذين يعبدون الرب ﷿. قال: وردَّ بعضهم عليه، فقال: لو كان كذلك لقيل: الرَبيون بفتح الراء (^٥).\nوقال ابن زيد: الربيون: الأتباع والرعية، والربانيون: الولاة (^٦).\n\n﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [قال قتادة والربيع بن أنس: ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ بقتل نبيهم ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾] (^٧) يقول: فما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتَّى لحقوا باللّه (^٨).\nوقال ابن عَبَّاس: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ تخشعوا (^٩).\nوقال السدي وابن زيد: وما ذلوا لعدوهم (^١٠).\nوقال محمد بن إسحاق والسدي وقتادة: أي ما أصابهم ذلك حين قتل نبيهم (^١١).\n﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ أي: لم يكن لهم هجير إلا ذلك\n\n<span id=\"aya-441\"></span>﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: النصر والظفر والعاقبة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ أي: جمع لهم ذلك مع هذا ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الثوري بسنده ومتنه (التفسير ص ٤٠) وسنده حسن.\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم جميعًا بحذف الإسناد سوى قول ابن عباس، وقول ابن عباس وسعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي رجاء عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمرو عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عطاء الخراساني ورد ذلك في تفسيره بتحقيقي.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي الأشهب ومبارك عنه.\n(^٥) ذكره الطبري قولي البصريين والكوفيين.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٧) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٨) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الربيع أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي جعفر الرازي عنه.\n(^٩) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم سند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس.\n(^١٠) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^١١) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن إسحاق ورد في سيرة ابن هشام ٢/ ١١٢.","vol":"2","page":433},{"text":"<span id=\"aya-442\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾.\nيحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾\n\n<span id=\"aya-443\"></span>ثم أمرهم بطاعته وموالاته والاستعانة به والتوكل عليه، فقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾\n\n<span id=\"aya-444\"></span>ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم بسبب كفرهم وشركهم، مع ما ادخره (^١) لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال، فقال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)﴾ وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: \"أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُحلت لي الغنائم، وأُعطيت الشفاعة، وكان النَّبِيّ يبعث إلى قومه خاصة وبُعثتُ إلى الناس عامة\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن أبي عدي عن سليمان يعني: التيمي، عن سيار (^٣)، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: \"فضلني ربي على الأنبياء - أو قال على الأمم - بأربع: قال: أُرسلت إلى الناس كافة، وجُعلت لي الأرض كلها ولأُمتي مسجدًا وطهورًا فأينما أدركت رجلًا من أُمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده وطهوره، ونُصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي، وأُحلت لي الغنائم\" (^٤). ورواه من حديث سليمان التيمي عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي سكن البصرة، عن أبي أُمامة [صُدي] (^٥) بن عجلان ﵁ به، وقال: حسن صحيح (^٦).\nوقال سعيد بن منصور: أنبأنا ابن وهب، أخبرني [عمرو بن] (^٧) الحارث، أن أبا يونس حدثه،\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"ادخر\" - بدون هاء -.\n(^٢) صحيح البخاري، التيمم، باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا .....﴾ [النساء: ٤٣] (ح ٣٣٥)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢١).\n(^٣) في الأصل: \"عن يسار\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٤٨)، وأخرجه الترمذي من طريق سليمان التيمي به وصححه (السنن، السير، باب ما جاء في الغنيمة ح ١٥٥٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٢٥٦).\n(^٥) في الأصل: \"أخبرني\"، وهو تصحيف.\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).","vol":"2","page":434},{"text":"عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال: \"نُصرت بالرعب على العدو\"، ورواه مسلم من حديث ابن وهب (^١).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حسين بن محمد، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُعطيت خمسًا: بُعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب شهرًا، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعته وإني اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات لا يشرك باللّه شيئًا\" (^٢). تفرد به أحمد.\nوروى العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ قال: قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة، فقال النَّبِيّ ﷺ: \"إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفًا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب\" رواه ابن أبي حاتم (^٣).\n\n<span id=\"aya-445\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ قال ابن عَبَّاس: وعدهم الله النصر (^٤).\nوقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدمين في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران] أن ذلك كان يوم أُحد، لأن عددهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطًا بالثبات والطاعة، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: أول النهار ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أي: تقتلونهم ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بتسليطه إياكم عليهم ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾.\nوقال ابن جريج: قال ابن عَبَّاس: الفشل الجبن (^٥) ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ كما وقع للرماة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وهو الظفر منهم ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ وهم الذين رغبوا في المغنم حين [رأوا] (^٦) الهزيمة ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ ثم أي: غفر لكم ذلك الصنيع، وذلك، واللّه أعلم، لكثرة عدد العدو وعددهم وقلة عدد المسلمين وعددهم.\nقال ابن جريج: قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ قال: لم يستأصلكم، وكذا قال محمد بن إسحاق: رواهما ابن جرير (^٧) ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢/ ٥١٢ ح ١٩٧٣٥) وقال محققوه: صحيح لغيره. ويشهد له حديث جابر المتقدم المتفق عليه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده ضعيف.\n(^٤) كسابقه.\n(^٥) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"ولوا\".\n(^٧) قول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد، وقول ابن إسحاق ورد في سيرة ابن هشام ٣/ ٦٧.","vol":"2","page":435},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُبيد الله، عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أُحد، قال: فأنكرنا ذلك، فقال ابن عَبَّاس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أُحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ يقول ابن عباس الحس: القتل ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا﴾ الله ﴿عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النَّبِيّ ﷺ أقامهم (^١) في موضع ثم قال: \"احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا [قد غنمنا] (^٢) فلا تشركونا\" فلما غنم النبي ﷺ، وأباحوا عسكر المشركين، أكبَّت الرماة جميعًا فدخلوا في العسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ فهم هكذا - وشبك بين يديه - وانتشبوا، فلما أخلَّ الرماة تلك الخلّة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول اللّه ﷺ، فضرب بعضهم بعضًا، والتبسوا وقُتل من المسلمين، ناس كثير، وقد كان لرسول الله ﷺ وأصحابه أول النهار حتَّى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار، إنما كانوا تحت المهراس (^٣)، وصاح الشيطان: قُتل محمد، فلم يشك فيه أنه حق، فلا زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتَّى طلع رسول الله ﷺ بين السعدين نعرفه بتكفئه إذا مشى، قال: ففرحنا حتَّى كأنه لم يصبنا ما أصابنا، قال: فرقى نحونا وهو يقول: \"اشتد غضب الله على قوم دَمَّوا وجه رسول الله\" ويقول مرة أخرى: \"اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا\" حتَّى انتهى إلينا فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل اعلُ هبل - مرتين يعني إلهه - أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر ﵁: يا رسول الله ألا أُجيبه؟ قال: \"بلى\". فلما قال: اعلُ هبل. قال عمر: الله أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان: قد أنعمت [عينها فعاد عنها أو فَعَالَ عنها] (^٤) فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله ﷺ، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر. قال: فقال أبو سفيان، يوم بيوم بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال، قال: فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا وخسرنا إذن، فقال أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال: ثم أدركته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه (^٥). هذا حديث غريب وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس، فإنه لم\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"أقامه\".\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"نقتل\" وهو تكرار ما سبق من الجملة الشرطية.\n(^٣) تحت المهراس - بكسر الميم وسكون الهاء -: ماء بجبل أُحد (معجم البلدان ٥/ ٢٣٢).\n(^٤) الزيادة من المسند، وفي (عف) فعال عنها، وكذا في (حم) و(ح) و(مح)، وفي الأصل: \"فعال عني\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٦٠٩) وصححه أحمد شاكر، وعلى الرغم ما قاله الحافظ ابن كثير فإن سنده حسن فرجاله ثقات إلا ابن أبي الزناد: وهو عبد الرحمن بن أبي الزناد صدوق فتغير لكن علي بن المديني قال: ما رواه سليمان الهاشمي عنه فهي حسان، نظرت فيها فإذا هي مقاربة (انظر شرح علل الترمذي ص ٦٠٦) وله شواهد كثيرة سردها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ٢٥ وأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن داود به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٦) وله شاهد في صحيح البخاري=","vol":"2","page":436},{"text":"يشهد أُحدًا ولا أبوه، وقد أخرجها الحاكم في مستدركه عن أبي النضر الفقيه، عن عثمان بن سعيد، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس به (^١).\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة من حديث سليمان بن داود الهاشمي به. ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها، فقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود، قال: إن النساء كن يوم أُحد خلف المسلمين يجهزنَّ على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبرّ أنه ليس منا أحد يريد الدنيا، حتى أنزل الله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ فلما خالف أصحاب رسول الله ﷺ، وعصوا ما أمروا به، [أفرد] (^٢) النبي ﷺ في تسعة: سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشرهم ﷺ، فلما رهقوه [قال: \"رحم الله رجلًا ردهم عنا\" قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه] (^٣) أيضًا قال: \"رحم الله رجلًا ردَّهم عنا\" فلم يزل يقول ذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: \"ما أنصفنا أصحابنا\" فجاء أبو سفيان فقال: اعلُ هبل: فقال رسول الله ﷺ: \"قولوا: الله أعلى وأجلّ\"، فقالوا: الله أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله ﷺ: \"قولوا: الله مولانا والكافرون لا مولى لهم\" فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر:\nفيوم علينا ويوم لنا … يوم نساء ويوم نُسَر\nحنظلة بحنظلة وفلان بفلان وفلان بفلان. فقال رسول الله ﷺ: \"لا سواء: أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون\" فقال أبو سفيان: لقد كان في القوم مثلة، وإن كان لَعَنْ غير ملأ منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها. فقال: رسول الله ﷺ: \"أكلت شيئًا\"؟ قالوا: لا. قال: \"ما كان الله ليدخل شيئًا من حمزة في النار\" قال: فوضع رسول الله ﷺ: حمزة فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه، فرفع الأنصاري وترك حمزة حتى جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة، حتى صلى عليه يومئذٍ سبعين صلاة (^٤). تفرد به أحمد أيضًا. وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لقينا المشركين يومئذٍ وأجلس النبي ﷺ جيشًا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير، وقال: \"لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا\" فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في\n_________\n= من حديث البراء بن عازب (كتاب المغازي، باب غزوة أُحد (٥/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^١) المستدرك (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧).\n(^٢) في الأصل: \"أفرض\"، وهو تصحيف والتصويب من المسند و(عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند كما في التخريج.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٤١٤) وصححه أحمد شاكر، وسنده حسن لأن رجاله ثقات إلا عطاء بن السائب صدوق اختلط لكن رواية حماد عنه قبل الاختلاط (انظر: تهذيب التهذيب ٧/ ٢٠٥ - ٢٠٧).","vol":"2","page":437},{"text":"الجبل رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله بن جبير: عهد إليّ النبي ﷺ أن لا تبرحوا فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم فأصيب سبعون قتيلًا، فأشرف أبو سفيان، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: \"لا تجيبوه\". فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: \"لا تجيبوه\". فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا فلو كان أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه، فقال له: كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يحزنك، قال أبو سفيان: اعلُ هبل. فقال النبي ﷺ: \"أجيبوه\" قالوا: ما نقول قال: \"قولوا: الله أعلى وأجل\". قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ: \"أجيبوه\" قالوا: ما نقول؟ قال: \"قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم\". قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني (^١). تفرد به البخاري من هذا الوجه، ثم رواه عن عمرو بن خالد، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن البراء بنحوه (^٢)، وسيأتي بأبسط من هذا.\nوقال البخاري أيضًا: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أُسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لما كان يوم أُحد هزم المشركون، فصرخ إبليس: أي: عباد الله أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله أبي أبي. قال: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فواللّه ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله ﷿ (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده أن الزبير بن العوام قال: واللّهِ لقد رأيتني أنظر إلى خدم هِند وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن كثير ولا قليل، ومالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتتنا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم (^٤).\nقال محمد بن إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعًا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فدفعته لقريش فلاثوا بها (^٥).\nوقال السدي، عن عبد خير قال: قال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أُحد ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (^٦)، وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود، وكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي طلحة، رواهن ابن مردويه في تفسيره.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، غزوة أحد ح ٤٠٤٣).\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده، صحيح البخاري، الجهاد، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب (ح ٣٠٣٩).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] (ح ٤٥٦٥).\n(^٤) أخرجه ابن إسحاق بسنده ومتنه كما في الروض الأنف ٣/ ١٥٥ وسنده صحيح.\n(^٥) كذا في (عف) و(مح)، و(ح): \"فلاذوا بها\": أي هربوا بها، وفي الأصل: \"فلاقوا\" وهو تصحيف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي به، وسنده حسن. وحسنه العراقي في تخريجه للإحياء (٤/ ٢١٩)، وصححه السيوطي (الدر المنثور ٤/ ٧٥).","vol":"2","page":438},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أحد بني عدي بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ فقالوا: قتل رسول الله ﷺ، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل ﵁ (^١).\nوقال البخاري: حدثنا حسان بن حسان، حدثنا محمد بن طلحة، حدثنا حميد، عن أنس بن مالك، أن عمَّه - يعني: أنس بن النضر -، غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي ﷺ لئن أشهدني الله مع رسول الله ليرين الله ما أجد، فلقي يوم أُحد فهزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه أو بشامة، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم (^٢). هذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس بنحوه (^٣).\nوقال البخاري أيضًا: حدثنا عبدان، حدثنا أبو حمزة، عن عثمان بن موهب، قال: جاء رجل حجَّ البيت فرأى قومًا جلوسًا، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني، قال: سل، قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيَّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكبر، فقال ابن عمر: تعالى لأخبرك ولأبيّن لك عما سالتني عنه، أما فراره يوم أُحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيّبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله: \"إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه \" وأما تغيّبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان، فكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: \"هذه يد عثمان\" فضرب بها على يده فقال: \"هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك\" (^٤). ثم رواه البخاري من وجه آخر عن أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب (^٥).\n\n<span id=\"aya-446\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: صرفكم عنهم ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾؛ أي في الجبل هاربين من أعدائكم. وقرأ الحسن وقتادة (إذ تَصْعَدون) (^٦) أي: في الجبل ﴿وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن إسحاق بسنده ومتنه، وسنده منقطع بين القاسم وأنس.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب غزوة أُحد ح ٤٠٤٨).\n(^٣) صحيح مسلم، الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد (ح ١٩٠٣).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ …﴾ [آل عمران: ١٥٥] ح ٤٠٦٦).\n(^٥) صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان ﵁ (ح ٣٦٩٨).\n(^٦) هذه قراءة شاذة ذكرها الطبري ونسبها إلى الحسن. وقد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن عروبة عن الحسن وقتادة.","vol":"2","page":439},{"text":"تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ أي: وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة.\nقال السدي: لما شدّ المشركون على المسلمين بأُحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها. فجعل الرسول ﷺ يدعو الناس: \"إليّ عباد الله، إليَّ عباد الله\" فذكر [الله] (^١) صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي ﷺ إياهم، فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (^٢). وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد (^٣).\nوقال عبد الله بن الزبعري (^٤): يذكر هزيمة المسلمين يوم أُحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها:\nيا غراب البين أسمعت … إنما تنطبق شيئًا قد فعل\nإن للخير وللشر مدى … وكلا ذلك وجه وقَبَل\nإلى أن قال:\nليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل\nحين حكّت بقباء بركها … واستحرّ القتل في عبد الأشل\nثم خفّوا عند ذاكم رُقّصا … وقصّ الحفّان يعلو في الجبل\nفقتلنا الضعف من إشرافهم … وعدلنا ميل بدر فاعتدل (^٥)\nالحفان: صغار النعم.\nوقد كان النبي ﷺ قد أفرد في اثني عشر رجلًا من أصحابه كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب ﵁، قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أُحد - وكانوا خمسين رجلًا - عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعًا، وقال: \"إن رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم\" [وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم] (^٦)، قال: فهزموهم قال: فأنا واللهِ رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسواقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال: أصحاب عبد الله الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أفنسيتم ما قاله\n_________\n(^١) لفظ الجلالة لم يرد في الأصل، وقد ورد في (عف) و(ح) و(مح).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن عن السدي لكنه مرسل، ويتقوى بالمراسيل التالية.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عنه، وقول قتادة والربيع بن أنس أخرجهما الطبري بأسانيد حسان، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح عنه لكنه معضل.\n(^٤) في الأصل: \"الربعي\" وهو تصحيف والمثبت من (عف) و(ح) و(مح)، وسيرة ابن هشام كما سيأتي.\n(^٥) ذكره ابن إسحاق وذكر ردَّ حسان بن ثابت عليه (انظر: سيرة ابن هشام ٣/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٦) ما بين معقوفين زيادة من المسند كما في التخريج، ولم تذكر في النسخ التي بين يدي.","vol":"2","page":440},{"text":"لكم رسول الله ﷺ؟ فقالوا: إنا واللهِ لنأتينّ الناس، فلنصيبنّ من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبقَ مع رسول الله إلا اثنا عشر رجلًا، فأصابوا مِنَّا سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا. قال أبو سفيان: أفي القوم محمد، أفي القوم محمد؟ - ثلاثًا - قال: فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد [كفيتموهم] (^١)، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبتَ واللهِ يا عدوَّ الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك، فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. وإنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها، ولم تسؤني (^٢). ثم أخذ يرتجز يقول: اعلُ هبلْ اعلُ هبلْ، فقال رسول الله ﷺ: \"ألا تجيبوه؟ \" قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: \"قولوا: الله أعلى وأجلّ\" قال: لنا العزى ولا عزى لكم. قال رسول الله ﷺ: \"ألا تجيبونه؟ \" قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: \"قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم\" (^٣). وقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصرًا، ورواه من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق بأبسط من هذا كما تقدم، والله أعلم (^٤).\nوروى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم أُحد، وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد من الجبل، فلقيهم المشركون، فقال: [ألا أحد لهؤلاء] (^٥)، فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقال: \"كما أنت يا طلحة\" فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه، وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه، فقال: \"ألا رجل لهؤلاء\"؟ فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله ﷺ مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه وأصحابه يصعدون، ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، فيقول طلحة: فأنا يا رسول الله، فيحبسه فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبقَ معه إلا طلحة فغشوهما، فقال: رسول الله ﷺ: \"من لهؤلاء\"؟ فقال طلحة: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأُصيب أنامله، فقال: حَس، فقال رسول الله: \"لو قلت: باسم الله وذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج [بك] (^٦) في جو السماء\" ثم صعد رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون (^٧).\nوقد روى البخاري عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي\n_________\n(^١) في الأصل: \"كتموهم\" وهو تصحيف والتصويب من المسند و(عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٢) في الأصل: \"ولم تسرني\" والمثبت من (عف) و(ح) و(مح) و(حم) والمسند.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٩٣) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة أُحد (ح ٤٠٤٣).\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"ألا احذر هؤلاء\" وهو تصحيف.\n(^٦) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٧) دلائل النبوة ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧.","vol":"2","page":441},{"text":"حازم، قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ - يعني يوم أُحد (^١) - وفي الصحيحين من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يبقَ مع رسول الله ﷺ، في بعض الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ، إلا طلحة بن عبيد الله وسعد عن حديثهما (^٢).\nوقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن هاشم بن هاشم الزهري، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نَثَل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أُحد وقال: \"ارمِ فداك أبي وأُمي\"، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد (^٣)، عن مروان بن معاوية (^٤).\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان، عن بعض آل سعد، عن سعد بن أبي وقاص، أنه رمى يوم أُحد دون رسول الله ﷺ، قال سعد: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يناولني النبل ويقول: \"ارمِ فداك أبي وأُمي\" حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به (^٥) وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: رأيت يوم أُحد عن يمين النبي ﷺ، وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عند أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده (^٦). يعني جبريل وميكائيل ﵇.\nوقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد وثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، واثنين من قريش، فلما أرهقوه قال: \"من يردّهم عنّا وله الجنة - أو وهو رفيقي في الجنة\"؟ فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم أرهقوه أيضًا، فقال: \"من يردّهم عنا وله الجنة\"؟ فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: \"ما أنصفنا أصحابنا\" رواه مسلم عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به نحوه (^٧).\nوقال أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: كان أُبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلنّ رسول الله ﷺ، فلما بلغت رسول الله حلفته، قال: \"بل أنا أقتله إن شاء الله \" فلما كان يوم أُحد، أقبل أُبي في الحديد مقنعًا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على\n_________\n(^١) صحيح البخاري، المغازي، باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا …﴾ [آل عمران: ١٢٢] (ح ٤٠٦٣).\n(^٢) المصدر السابق (ح ٤٠٦٠)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل طلحة والزبير (ح ٢٤١٤).\n(^٣) في الأصل: \"عن صفوان مروان\"، فأقحم اسم صفوان، والصواب ما أثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وصحيح البخاري.\n(^٤) المصدر السابق (ح ٤٠٥٥).\n(^٥) في سنده إبهام شيخ صالح بن كيسان، ويشهد له حديث علي الذي رواه البخاري وفيه: فإني سمعته يقول له يوم أُحد: \"ارمِ سعد فداك أبي وأُمي\" (الصحيح، الجهاد، باب المجن ومن يتترس بترس صاحبه الحديث الرابع).\n(^٦) صحيح البخاري، المغازي (ح ٤٠٥٤)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب في قتال جبريل وميكائيل (ح ٢٣٠٦).\n(^٧) صحيح مسلم، الجهاد، باب غزوة أُحد (ح ١٧٨٩). وهذا النص: من قوله: وقال حماد بن سلمة .. إلى نهاية نص مسلم تقدم في الأصل على رواية البخاري السابقة، والمثبت كما في (عف) و(مح).","vol":"2","page":442},{"text":"رسول الله ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير، أخو بني عبد الدار، يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقُتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أُبي بن خلف، من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة وطعنه فيها بحربته، فوقع إلى الأرض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أجزعك إنما هو خدش؟ فذكر لهم قول رسول الله ﷺ: \"بل أنا أقتل أُبيًا\" ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي، بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون، فمات إلى النار ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (^١) [الملك: ١١]. وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب بنحوه (^٢).\nوذكر محمد بن إسحاق، قال: لما أسند رسول الله ﷺ في الشعب، أُدركه أُبي بن خلف وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ، فقال القوم: يا رسول الله يعطف عليه رجل منا، فقال رسول الله ﷺ: \"دعوه\" فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، فقال بعض القوم - ما ذكر لي - فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ (^٣) منها عن فرسه مرارًا. وذكر الواقدي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، نحو ذلك. قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أُبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل، إذا أنا بنار تأجج فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ. هذا أُبي بن خلف (^٤).\nوثبت في الصحيحين من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن همَّام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"اشتدَّ غضب الله على قوم فعلوا برسول الله ﷺ - وهو حينئذٍ يشير إلى رباعيته - واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله\" (^٥)، ورواه البخاري أيضًا من حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اشتدّ غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ بيده في سبيل الله، واشتدّ غضب الله على قوم دَمّوا وجه رسول الله ﷺ (^٦).\nقال ابن إسحاق: أُصيبت رباعية رسول الله ﷺ، وشُجَّ في وجنته، وكُلِمت (^٧) شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص، فحدثني صالح بن كيسان، عمَّن حدثه، عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص إن كان ما علمته\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي عن أبي الأسود به (دلائل النبوة ٣/ ٢٥٨). وسنده مرسل ويتقوى بالمرسل التالي.\n(^٢) أخرجه البيهقي من طريق موسى بن عقبة به (دلائل النبوة ٣/ ٢١١)، وسنده مرسل أيضًا ويتقوى بالمرسل السابق.\n(^٣) أي: تقلب عن فرسه (سيرة ابن هشام ٣/ ٦٠١).\n(^٤) هذه الرواية من طريق الواقدي وفيه مقال.\n(^٥) صحيح البخاري، المغازي، باب ما أصاب النبي ﷺ من الجراح يوم أُحد (ح ٤٠٧٣)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ (ح ١٧٩٣).\n(^٦) صحيح البخاري، نفس الباب السابق (ح ٤٠٧٤).\n(^٧) أي: جُرحت.","vol":"2","page":443},{"text":"لسيء الخلق مبغضًا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله ﷺ: [\"اشتدَّ غضب الله على من دَمّى وجه رسول الله ﷺ \" (^١)] (^٢)، وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن عثمان الجزري (^٣)، عن مقسم أن رسول الله ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أُحد حين كسر رباعيته ودَمّى وجهه، فقال: \"اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرًا\" فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا إلى النار (^٤).\nوذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق (^٥) بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبير، قال: سمعت رجلًا من المهاجرين يقول: شهدت أُحدًا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول الله ﷺ وسطها، كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذٍ: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ليس معه أحد، ثم جاوزه فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته أحلف بالله إنه منا ممنوع! خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إلى ذلك، قال الواقدي: والثبت عندنا، أن الذي رمى في وجنتي رسول الله ﷺ ابن قميئه (^٦)، والذي دَمّى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص (^٧).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، أخبرني عيسى بن طلحة، عن أُم المؤمنين عائشة ﵄، قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أُحد، قال: ذاك يوم كله لطلحة ثم أنشأ يحدث، قال: كنت أول من فاء يوم أُحد، فرأيت رجلًا يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه وأراه قال: حمية، فقال: فقلت: كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلًا من قومي أحب إلي وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ[منه] (^٨)، وهو يخطف المشي خطفًا [لا أحفظه] (^٩)، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله ﷺ، وقد كُسرت رباعيته وشُجَّ في وجهه، وقد دخل في وجنته حلقتان من حِلَق المغفر، فقال رسول الله ﷺ: \"عليكما صاحبكما\" يريد طلحة، وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبت لأن أنزع ذلك من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني فتركته، فكره أن يتناولها بيده فيؤذي رسول الله ﷺ، فأزّم عليه بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيّته مع الحلقة، وذهبت لأصنع [ما صنع] (^١٠)، فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، قال:\n_________\n(^١) في سنده إبهام شيخ صالح بن كيسان ويشهد له حديث ابن عباس المتقدم الذي رواه البخاري.\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) في الأصل: \"الجوزي\" وهو تصحيف، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٥) في الأصل: \"عن أبي إسحاق\" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٦) في الأصل: \"ابن أمية\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه البيهقي من طريق الواقدي به (دلائل النبوة ٣/ ٢٦٤) وفيه الواقدي.\n(^٨) \"منه\": سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٩) في الأصل: \"لا أحفظه\" وهو تصحيف والتصويب كسابقه.\n(^١٠) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).","vol":"2","page":444},{"text":"ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة أحسن الناس هَتَمًا (^١)، فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت أصبعه، فأصلحنا من شأنه (^٢). ورواه الهيثم بن كليب والطبراني من حديث إسحاق بن يحيى به. وعند الهيثم فقال أبو عبيدة: أنشدك الله يا أبا بكر إلا تركتني؟ فأخذ أبو عبيدِة السهم بفيه، فجعل ينضنضه (^٣) كراهية أن يؤذي رسول الله ﷺ ثم استلَّ السهم بفيه فندرت ثنية أبي عبيدة، وذكر تمامه، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه، وقد ضعّف علي بن المديني هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان وأحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي وغيرهم.\nوقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، أن عمر بن السائب حدثه، أنه بلغه، أن مالكًا أبا أبي سعيد الخدري لما [جرح] (^٤) النبي ﷺ يوم أُحد مصَّ الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض فقيل له: مجه، فقال: لا والله لا أمجه أبدًا، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي ﷺ: \"من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا\" فاستشهد (^٥).\n[وقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، أنه سئل عن جرح رسول الله ﷺ فقال: جرح وجه رسول الله ﷺ وكُسرت رباعيته وهُشمت البيضة على رأسه ﷺ، فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم وكان عليٌّ يسكب عليه الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رمادًا ألصقته بالجرح فاستمسك الدم (^٦)] (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: فجزاكم غمًّا على غمّ، كما تقول العرب: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان.\nوقال ابن جرير: وكذا قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل (^٨).\nقال ابن عباس: الغمُّ الأول بسبب الهزيمة، وحين قيل: قتل محمد ﷺ، والثاني: حين\n_________\n(^١) جاء في حاشية (عف): \"الهتم: كَسرُ الثنايا\".\n(^٢) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص ٣) وسنده ضعيف بسبب إسحاق بن يحيى بن طلحة وهو ضعيف (التقريب ص ١٠٣).\n(^٣) جاء في حاشية (عف): \"النضنضة\" تحريك الحية لسانها. اهـ. وقال ابن الأثير: في حديث أبي بكر: \"دخُل عليه وهو ينضنض لسانه\" أي: يحركه (النهاية ٥/ ٧٢).\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) (مح)، وفي الأصل: \"خرج\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه البيهقي من طريق ابن وهب به (دلائل النبوة ٣/ ٢٦٦) وسنده ضعيف لإبهام شيخ عمر بن السائب.\n(^٦) صحيح البخاري، الجهاد، باب لبس البيضة (ح ٢٩١١)، وصحيح مسلم، الجهاد (ح ١٧٩٠).\n(^٧) ما بين معقوفين ورد في الأصل: \"في آخر تفسير الآيات\" وأثبت كما في (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٨) ذكره الطبري وذكر ما قبله في الآية (التفسير ٦/ ١٥٠).","vol":"2","page":445},{"text":"علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي ﷺ: \"اللهم ليس لهم أن يعلونا\" (^١).\nوعن عبد الرحمن بن عوف: الغمُّ الأول: بسبب الهزيمة، والثاني: حين قيل: قُتل محمد ﷺ كان ذلك عندهم أشدّ وأعظم من الهزيمة، رواهما ابن مردويه، وروي عن عمر بن الخطاب نحو ذلك (^٢)، وذكر ابن أبي حاتم، عن قتادة نحو ذلك أيضًا (^٣).\nوقال السدي: الغمُّ الأول: بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثاني: بإشراف العدو عليهم (^٤).\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: كربًا بعد كرب قتل مَنْ قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: قُتل نبيكم، فكان ذلك يُتتابع عليكم غمًّا بغمّ (^٥).\nوقال مجاهد وقتادة: الغمُّ الأول: سماعهم قتل محمد، والثاني: ما أصابهم من القتل والجراح (^٦).\nوعن قتادة والربيع بن أنس عكسه (^٧).\nوعن السدي: الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني: إشراف العدو عليهم (^٨)، وقد تقدم هذا القول عن السدي.\nقال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ فأثابكم بغمكم أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين والظفر بهم والنصر عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح، يومئذٍ بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون بمعصيتكم أمر ربكم، وخلافكم أمر نبيكم ﷺ غمّ ظنكم أن نبيكم قد قتل وميل العدو عليكم بعد فُلولكم [منهم] (^٩).\nوقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من الجراح والقتل، قاله (^١٠) ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف والحسن وقتادة والسدي (^١١). ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سبحانه وبحمده] (^١٢).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس مطولًا (المسند ٤/ ٣٦٨ - ٣٧٠ ح ٢٦٠٩) وحسنه محققوه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧).\n(^٢) ويشهد له سابقه عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم وعبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه.\n(^٦) أخرجهما ابن أبي حاتم بأسانيد ثابتة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٩) سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^١٠) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"قال\".\n(^١١) قول السدي أخرجه ابن أبي حاتم كسابقه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^١٢) الزيادة من (عف) و(مح).","vol":"2","page":446},{"text":"<span id=\"aya-447\"></span>﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾.\nيقول تعالى ممتنًا على عباده المؤمنين فيما أنزل عليهم من السكينة [والأمنة] (^١) وهو النعاس الذي غشيهم وهم مُسْتَلئمو (^٢) السلاح في حال همّهم وغمّهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان، كما قال تعالى في سورة الأنفال في قصة بدر: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال].\nوقال الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم ووكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود، قال: النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان (^٣).\nوقال البخاري: وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة ﵁، قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أُحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه (^٤). وهكذا رواه في المغازي معلقًا، ورواه في كتاب التفسير مسندًا عن شيبان، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أُحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه (^٥).\nوقد رواه الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: رفعت رأسي يوم أُحد وجعلت أنظر وما منهم يومئذٍ أُحد إلا يميد (^٦) تحت حجفته من النعاس، لفظ الترمذي، وقال: حسن صحيح (^٧)، ورواه النسائي أيضًا، عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن أبي قتيبة، عن ابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أنس قال: قال أبو طلحة: كنت فيمن ألقي عليه النعاس، الحديث. وهكذا رُوِي عن الزبير وعبد الرحمن بن عوف.\n_________\n(^١) سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٢) قوله: \"مستلئموا\" كذا في (عف) وجاء في الحاشية بيانه بلفظ: استلام الرجل إذا لبس لامته، وفي الأصل بلفظ: \"مسلموا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) صحيح البخاري، المغازي، باب ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا …﴾ [آل عمران: ١٥٤]. (ح ٤٠٦٨).\n(^٥) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ ح ٤٥٦٢).\n(^٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، ومعناه: يميل، وفي الأصل: \"ممتد\".\n(^٧) سنن الترمذي، تفسير القرآن، سورة آل عمران (ح ٣٠٠٧).","vol":"2","page":447},{"text":"وقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أُحد فجعل سيفي يسقط من يدي واخذه ويسقط وآخذه. قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعنه وأخذله للحق ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كَذَبة أنما هم أهل شك وريب في الله ﷿ (^١). هكذا رواه بهذه الزيادة وكأنها من كلام قتادة ﵀ وهو كما قال: [فإن] (^٢) الله ﷿ يقول: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ يعني: أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق وهم الجازمون بأن الله ﷿ سينصر رسوله وينجز له مأموله، ولهذا قال: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾ [الفتح]، وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة وأن الإِسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك إِذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم ﴿يَقُولُونَ﴾ في تلك الحال ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ أي: يسرون هذه المقالة عن رسول الله ﷺ.\nقال ابن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب، رواه ابن أبي حاتم (^٣).\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: هذا قدر قدره الله ﷿ وحكم حتم لا محيد عنه ولا مناص منه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يختبركم بما جرى عليكم ليميز الخبيث من الطيب ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما يتخالج في الصدور من السرائر والضمائر،\n\n<span id=\"aya-448\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ أي: ببعض ذنوبهم السالفة كما قال بعض السلف: إِن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإِن من جزاء السيئة السيئة بعدها.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي: عما كان منهم من الفرار ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾\n_________\n(^١) دلائل النبوة ٣/ ٢٧٣.\n(^٢) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به.","vol":"2","page":448},{"text":"أي: يغفر الذنب ويحلم عن خلقه ويتجاوز عنهم، وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان وتوليه يوم أُحد وأن الله قد عفا عنه مع من عفا عنهم عند قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ومناسب ذكره ههنا.\nقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق، قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم حنين، قال عاصم: يقول: يوم أُحد، ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر، قال: فانطلق فأخبر بذلك عثمان، قال: فقال عثمان: أما قوله أني لم أفر يوم عينين، فكيف يعيرني بذلك وقد عفى الله عنه؟ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد، وأما قوله أني تركت سنة عمر فإِني لا أطيقها ولا هو، فأتاه فحدثه بذلك (^١). والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-449\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾.\nينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار أو الحروب، لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: عن إخوانهم ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافروا للتجارة [ونحوها] (^٢) ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ أي: كانوا في الغزو ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾ أي: في البلد ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ أي: ما ماتوا في السفر، وما قتلوا في الغزو وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم، ثم قال تعالى رادًّا عليهم: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيي أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه من أمورهم (^٣) شيء.\n\n<span id=\"aya-450\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٩٠) وصححه أحمد شاكر، وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١/ ٤٥ ح ١٣٥)، والبزار من طريق عاصم به قال البزار: وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن أبي وائل من حديث عاصم، ومن حديث منصور وقد ذكرناه عن التيمي عن عاصم إذ كان حسن المخرج واقتصرنا عليه (البحر الزخار ٢/ ٥٢ ح ٣٩٥)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٧/ ٢٢٦).\n(^٢) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: \"وغيرها\" وكذا في (ح) و(حم).\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(ح) و(مح)، وفي الأصل: \"من أمرهم\"، كلاهما صحيح.","vol":"2","page":449},{"text":"تضمن هذا أن القتل في سبيل الله والموت أيضًا، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا جَمْع حطامها الفاني،\n\n<span id=\"aya-451\"></span>ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله ﷿، فيجزيه بعمله إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾.\n\n<span id=\"aya-452\"></span>﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا رسوله، ممتنًا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أُمته المتَّبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: أي شيء جعلك لهم لينًا، لولا رحمة الله بك وبهم.\nوقال قتادة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ يقول: فبرحمة من الله لنت لهم (^١).\nوما صلة، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وبالنكرة كقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ وهكذا ههنا قال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي برحمة من الله.\nوقال الحسن البصري: هذا خلق محمد ﷺ بعثه الله به (^٢).\nوهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حيوة، حدثنا [بقية] (^٣)، حدثنا محمد بن زياد، حدثني أبو راشد الحُبْراني قال: أخذ بيدي أبو أُمامة الباهلي وقال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: \"يا أبا أُمامة إن من المؤمنين من يلين لي قلبه\" (^٤). تفرد به أحمد.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ والفظ الغليظ، والمراد به ههنا غليظ الكلام [لقوله بعد ذلك: ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ أي: لو كنت سيء الكلام] (^٥)، قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفًا لقلوبهم، كما قال\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه.\n(^٣) في الأصل: \"شعبة\" وهو تصحيف وما أثبت من المسند و(عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٦٧) وسنده حسن، وبقية، هو ابن الوليد صرح بالسماع، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (المجمع ١/ ٦٣).\n(^٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).","vol":"2","page":450},{"text":"عبد الله بن عمرو: \"أنه رأى صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة إنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح\" (^١).\nوروى أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: أنبأنا بشر بن عبيد الدارمي، حدثنا عمار بن عبد الرحمن، عن المسعودي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض\" (^٢) حديث غريب. ولهذا قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وكذلك كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث تطييبًا لقلوبهم ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون؟ ولكن نقول: اذهب، فنحن معك، وبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك (^٣) مقاتلون. وشاورهم أيضًا أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المُعْنق ليموت، بالتقدم إلى أمام القوم (^٤). وشاورهم في أُحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذٍ، فأبى ذلك عليه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين؛ فقال له الصّديق: إنا لم نجئ لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال، وقال ﷺ في قصة الإفك: \"أشيروا عليّ معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم بسوء، والله ما علمت عليه إلا خيرًا\" واستشار عليًا وأُسامة في فراق عائشة ﵂ (^٥). فكان ﷺ يشاورهم في الحروب ونحوها (^٦).\nوقد اختلف الفقهاء هل كان ذلك واجبًا عليه أو من باب الندب تطييبًا لقلوبهم؟ على قولين. وقد قال الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا يحيى بن أيوب [العلاف] (^٧) بمصر، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال: أبو بكر وعمر ﵄، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٨)، وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بنحوه وأطول (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ح ٤٨٣٨).\n(^٢) في سنده بشر بن عبيد، قال ابن عدي: منكر الحديث (الكامل في الضعفاء ٢/ ٤٤٧).\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود مختصرًا (الصحيح، المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ …﴾ [الأنفال: ٩] ح ٣٩٥٢).\n(^٤) تقدم الحديث عن مشاورته ﷺ في الآية ١٢١ من هذه السورة.\n(^٥) ينظر: طبقات ابن سعد ٣/ ٥٦٧.\n(^٦) سيأتي الحديث عن مشاورته ﷺ لعلي ﵁ في سورة النور آية ١١.\n(^٧) في الأصل: \"العلاي\" وهو تصحيف والمثبت من (عف) و(مح) و(ح).\n(^٨) أخرجه الحاكم سنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٧٠).","vol":"2","page":451},{"text":"في أبي بكر وعمر، وكانا حواريّي رسول الله ﷺ ووزيريه، وأبوي المسلمين (^١).\nوقد روى الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله ﷺ، قال لأبي بكر وعمر: \"لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما\" (^٢).\nوروى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزم؟ فقال: \"مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم\" (^٣).\nوقد قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن بكير، عن شيبان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: \"المستشار مؤتمن\" (^٤) ورواه أبو داود والترمذي، وحسنه النسائي من حديث عبد الملك بن عمير بأبسط من هذا (^٥).\nثم قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"المستشار مؤتمن \" (^٦) تفرد به. و[قال أيضًا] (^٧): حدثنا أبو بكر، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعلي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه\" (^٨) تفرد به أيضًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾،\n\n<span id=\"aya-453\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ وهذا كما تقدم من قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] ثم أمرهم بالتوكل عليه، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-454\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، قال ابن عباس مجاهد والحسن وغير واحد: ما ينبغي لنبي أن يخون (^٩).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن\n_________\n(^١) سنده ضعيف بسبب الكلبي ويشهد له ما سبق.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٢٧) وسنده مرسل قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن ابن غنم لم يسمع من النبي ﷺ (المجمع ٩/ ٥٣).\n(^٣) في النفس شيء من متنه.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب المستشار مؤتمن ح ٣٧٤٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٠١٩).\n(^٥) سنن أبي داود، الأدب، باب في المشورة (ح ٥١٢٨)، وسنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في معيشة النبي ﷺ، وقال: حسن صحيح غريب.\n(^٦) سنن ابن ماجه (ح ٣٧٤٦) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٠٢٠).\n(^٧) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).\n(^٨) المصدر السابق (ح ٣٧٤٧)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (ح ٣٧٤٧).\n(^٩) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بالسند التالي، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.","vol":"2","page":452},{"text":"سفيان، عن خُصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعلَّ رسول الله ﷺ أخذها، فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: يخون (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا خُصيف، حدثنا مِقسم، حدثني ابن عباس أن هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعلَّ رسول الله أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٢). وكذا رواه أبو داود والترمذي جميعًا عن قتيبة، عن عبد الواحد بن زياد به. وقال الترمذي: حسن غريب (^٣)، ورواه بعضهم، عن خُصيف، عن مِقسم؛ يعني مرسلًا.\nوروى ابن مردويه من طريق أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: اتَّهم المنافقون رسولَ الله ﷺ بشيء فُقد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (^٤). وروي من غير وجه عن ابن عباس نحو ما تقدم.\nوهذا تبرئة له - صلوات الله وسلامه عليه - من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضًا (^٥). وكذا قال الضحاك.\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ بأن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلغه أُمته (^٦).\nوقرأ الحسن البصري وطاوس ومجاهد والضحاك ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ بضم الياء (^٧)؛ أي يخان (^٨).\nوقال قتادة والربيع بن أنس: نزلت هذه الآية يوم بدر، وقد غلَّ بعض أصحابه. رواه ابن جرير عنهما (^٩)، ثم حكى عن بعضهم أنه فسر هذه القراءة بمعنى: يتهم بالخيانة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده بنحوه، وفي سنده المسيب بن واضح وهو: صدوق يخطيء ويصر، وخُصيف هو ابن عبد الرحمن الجزري: صدوق سيء الحفظ كما في التقريب.\nوقد توبعا فقد أخرجه الواحد من طريق أبي عمر حفص بن عمر الدوري عن أبي محمد اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس (أسباب النزول ص ١٢١). وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أيضًا خُصيف.\n(^٣) سنن أبي داود، الحروف والقراءات، باب أول كتاب الحروف (ح ٣٩٧١)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة آل عمران (ح ٣٠٠٩) وقال: حسن غريب، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٠٧).\n(^٤) تقدم هذا الطريق في أسباب النزول كما تقدم في التخريج.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف بنحوه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عنه بنحوه.\n(^٧) قراءة متواترة.\n(^٨) وقول الحسن أخرجه سعيد بن منصور في تفسير الطبري كلاهما من طريق هشيم عن عوف عن الحسن، وسنده حسن.\n(^٩) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه لكنه مرسل وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند ضعيف مرسل.","vol":"2","page":453},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضًا في أحاديث متعددة، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك، حدثنا زهير - يعني ابن محمد -، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عطاء بن يسار، عن أبي مالك الأشجعي، عن النبي ﷺ قال: \"أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض [أو في الدار] (^١)، فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعًا، فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين إلى يوم القيامة\" (^٢).\nوفي الصحيحين عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين\" (^٣).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود (^٤)، حدثنا ابن لهيعة، عن ابن هبيرة والحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت المستورد بن شداد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من ولي لنا عملًا وليس له منزل فليتخذ منزلًا أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادمًا، أو ليست له دابّة فليتخذ دابّة، ومن أصاب شيئًا سوى ذلك فهو غالِّ\" (^٥). هكذا رواه الإمام أحمد.\nوقد رواه أبو داود بسند آخر وسياق آخر، فقال: حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا المعافى، حدثنا الأوزاعي، عن الحارث بن يزيد، عن جُبير بن نفير، عن المستورد بن شداد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا\" قال: قال أبو بكر: أخبرت أن النبي ﷺ، قال: \"من اتخذ غير ذلك فهو غالّ - أو سارق\" (^٦).\nقال شيخنا الحافظ المزي ﵀: رواه جعفر بن محمد الفريابي عن موسى بن مروان: فقال: عن عبد الرحمن بن جبير بدل (^٧) جبير بن نفير، وهو أشبه بالصواب (^٨).\n[(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا يعقوب القمي، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء (^٩)، فينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك\n_________\n(^١) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند كما يأتي.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٣٣٤ ح ١٧٧٩٩) وحسنه محققوه، وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ٥/ ١٠٥)، والمنذري في الترغيب ٣/ ١٦، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير ١/ ٣٠٤.\n(^٣) صحيح البخاري، المظالم، باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض (ح ٢٤٥٢)، وصحيح مسلم (ح ١٦١٠).\n(^٤) في الأصل: \"دار\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٢٩) وفي سنده عبد الله بن لهيعة فيه مقال.\n(^٦) السنن، الخراج، باب في أرزاق العمال (ح ٢٩٤٥)، وأخرجه البغوي تعليفًا بصيغة التمريض (شرح السنة ١٠/ ٨٦) وفي ذلك إشارة إلى ضعفه، وفي سنده: موسى بن مروان الرقي: مقبول (التقريب ص ٥٥٣).\n(^٧) في الأصل: \"بل\"، وهو تصحيف.\n(^٨) تحفة الأشراف ٨/ ٣٧٧.\n(^٩) الثغاء: صياح الشاة.","vol":"2","page":454},{"text":"لك من الله شيئًا قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملًا له رغاء (^١)، فيقول: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسًا له حمحمة ينادي: يا محمد، يا محمد. فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك. ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قَشْعًا من أدم (^٢) ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك\" (^٣). لم يروه أحد من أهل الكتب الستة] (^٤).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الزهري، سمع عروة يقول: حدثنا أبو حميد الساعدي: قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلًا من الأزد يقال له: [ابن اللُتبية] (^٥) على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: \"ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي: أفلا جلس في بيت أبيه وأُمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر\" (^٦)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه: ثم قال: \"اللهم هل بلغت\" ثلاثًا، وزاد هشام بن عروة: فقال أبو حميد: بصرته بعيني وسمعته بأذني واسألوا زيد بن ثابت (^٧)، أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة، وعند البخاري: واسألوا زيد بن ثابت، ومن غير وجه عن الزهري ومن طريق عن هشام بن عروة، كلاهما عن عروة به (^٨).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: [حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى] (^٩) بن سعيد، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد، أن رسول الله ﷺ قال: \"هدايا العمال غلول\" (^١٠) وهذا الحديث من أفراد أحمد، وهو ضعيف الإسناد، وكأنه مختصر من الذي قبله، والله أعلم.\n(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي في كتاب الأحكام: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أُسامة، عن داود بن يزيد الأودي، عن المغيرة بن شبل، عن قيس بن أبي حازم، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري فرددت، فقال: \"أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبنَّ شيئًا بغير إذني فإنه غلول ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لهذا\n_________\n(^١) الرغاء: صوت الإبل.\n(^٢) أي: القربة البالية من الجلد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر برقم (٨١٥٨).\n(^٤) ما بين معقوفين جاء في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) في هذا الموطن، وفي الأصل جاء بعد الأحاديث الأربعة التالية.\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"اللثية\" وهو تصحيف.\n(^٦) أي: تصيح.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٢٣ - ٤٢٤) وسنده صحيح، متفق عليه.\n(^٨) صحيح البخاري، الهبة، باب من لم يقبل الهدية (ح ٢٥٩٧)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب تحريم هدايا العمال (ح ١٨٣٢).\n(^٩) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٢٤) وضعفه الحافظ ابن كثير، وابن حجر (الفتح ٥/ ٢٢١) ويشهد له سابقه المتفق عليه.","vol":"2","page":455},{"text":"دعوتك فامض لعملك\" هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن عدي بن عميرة وبريدة والمستورد بن شداد وأبي حميد وابن عمر (^١).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا أبو حيان يحيى بن سعيد التيمي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قام فينا رسول الله ﷺ يومًا فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: \"لألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك، [لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فاقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجي يوم القيامة على رقبته رقاع تخنق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت (^٢)، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: \"لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك\" (^٣). أخرجاه من حديث أبي حيان به (^٤)] (^٥).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثني قيس، عن عدي بن عميرة الكندي قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أيها الناس من عمل لنا منكم عملًا فكتمنا منه مخيطًا فما فوقه، فهو غلّ يأتي به يوم القيامة\" قال: فقام رجل من الأنصار أسود - قال مجالِد: [هو] (^٦) سعد بن عبادة كأني أنظر إليه - فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك. قال: \"وما ذاك؟ \" قال: سمعتك تقول: كذا وكذا، قال: \"وأنا أقول ذاك الآن، من استعملناه على عمل فليجيء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذه، وما نهي عنه انتهى\" (^٧). وكذا رواه مسلم وأبو داود من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به (^٨).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، عن أبي إسحاق الفزاري، عن ابن جريج، حدثني منبوذ رجل من آل أبي رافع، عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث معهم حتى [ينحدر] (^٩) المغرب، قال أبو رافع: فبينما رسول الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب، إذ مرَّ بالبقيع، فقال: \"أف لك، [أف لك\" مرتين] (^١٠)، فكبر في ذرعي (^١١) وتأخرت وظننت أنه يريدني، فقال:\n_________\n(^١) السنن، الأحكام، باب ما جاء في هدايا الأمراء (ح ١٣٣٥) وضعفه ابن عَدي في الكامل ٢/ ٩٤٨.\n(^٢) أي: الذهب والفضة (النهاية ٣/ ٥٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٢٦) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، الجهاد، باب الغلول (ح ٣٠٧٣)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب غلظ تحريم الغلول (ح ١٨٣١).\n(^٥) ما بين معقوفين جاء في الأصل بعد رواية الطبري السابقة. وأثبت كما في (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"عن\" وهو تصحيف.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٩٢) وسنده صحيح.\n(^٨) صحيح مسلم، الإمارة، باب تحريم هدايا العمال (ح ١٨٣٣).\n(^٩) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"يقدر\" وهو تصحيف.\n(^١٠) ما بين معقوفين سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند.\n(^١١) قال السندي: أي ثبطني عما أردته، والحاصل أنه ظن أن الخطاب معه، فثقل عليه. كذا في حاشية المسند المحقق ٤٥/ ١٧٠.","vol":"2","page":456},{"text":"\"ما لك؟ امش\" قال: قلت: أحدثت حدثًا يا رسول الله، قال: \"وما ذاك\"؟ قلت: [أفّفْت بي، قال] (^١): \"لا، ولكن هذا قبر فلان بعثته ساعيًا على آل فلان فغلَّ نمرة فدُرِّع (^٢) الآن مثلها من نار\" (^٣).\n(حديث آخر) قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن سالم الكوفي المفلوج - وكان ثقة - حدثنا عبيدة (^٤) بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله ﷺ يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم ثم يقول: \"ما لي فيه إلا مثل ما لأحدكم، إياكم والغلول فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد، في الحضر والسفر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي الله به من الهم والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد ولا تأخذكم في الله لومة لائم\" (^٥). وقد روى ابن ماجه بعضه عن المفلوج به (^٦).\n(حديث آخر) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ردُّوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة\" (^٧).\n(حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا [جرير، عن مطرف] (^٨) عن أبي الجهم واسمه سليمان بن الجهم مولى البراء بن عازب، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: بعثني رسول الله ﷺ ساعيًا، ثم قال: \"انطلق أبا مسعود لا ألفينك يوم القيامة تجيء على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء، قد غللته\" قال: إذًا لا أنطلق، قال: \"إذًا لا أكرهك\" (^٩)، تفرد به أبو داود.\n(حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه: أنبأنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أنبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، أنبأنا عبد الحميد بن صالح، أنبأنا أحمد بن أبان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بُريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ، قال: \"إن [الحجر] (^١٠) ليُرْمى به في جهنم فيهوي سبعين خريفًا ما يبلغ قعرها، ويؤتي بالغلول فيقذف معه ثم يقال لمن غل: ائت به، فذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ \" (^١١).\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(مح) والمسند، وفي الأصل و(حم) لي. والصواب ما أثبت.\n(^٢) في الأصل: \"تدرع\"، وما أثبت من (عف) و(مح) والمسند.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٩٢)، وأخرجه النسائي من طريق أبي إسحاق وابن وهب عن ابن جريج به (السنن، الصلاة، باب الإسراع إلى الصلاة من غير سعي ٢/ ١١٥)، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي ح ٨٣١)، وأخرجه ابن خزيمة من طريق ابن وهب به (الصحيح ٤/ ٢٣٣٤).\n(^٤) في الأصل: \"عيينة\" وهو تصحيف.\n(^٥) زوائد المسند ٥/ ٣٣٠، وصححه الألباني بالشواهد والمتابعات (السلسلة الصحيحة ح ٦٧٠ و١٩٤٢).\n(^٦) السنن، الحدود، باب في إقامة الحدود (ح ٢٥٤٠).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مطولًا (المسند ح ٦٧٢٩) وسنده حسن، وصححه أحمد شاكر بعد أن خرجه تخريجًا وافيًا. قال الهيثمي: رواه أحمد ورجال أحمد ثقات (المجمع ٦/ ١٨٨).\n(^٨) في الأصل: \"حرم بن مطرف\" وهو تصحيف.\n(^٩) السنن، الخراج، باب في غلول الصدقة (ح ٢٩٤٧)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٥٥٤).\n(^١٠) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"المجرم\". وهو تصحيف.\n(^١١) في سنده محمد بن عثمان بن أبي شيبة اتهموه بالوضع (لسان الميزان ٥/ ٢٨٠)، والشطر الأول من الحديث =","vol":"2","page":457},{"text":"(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني سماك الحنفي أبو زميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد، حتى أتوا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله ﷺ: \"كلَّا إني رأيته في النار في بُردة غلّها - أو عباءة - \" ثم قال رسول الله ﷺ: \"يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون\". قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون (^١)، وكذا رواه مسلم والترمذي من حديث عكرمة بن عمار به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٢).\n(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث سعد بن عبادة مصدقًا، فقال: \"إياك يا سعد أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء\". قال: لا آخذه ولا أجيء به، فأعفاه (^٣). ثم رواه من طريق عبيد الله عن نافع به نحوه (^٤).\n(حديث آخر) قال أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا صالح بن محمد بن زائدة، عن سالم بن عبد الله أنه كان مع مسلمة (^٥) بن عبد الملك في أرض الروم، فوجد في متاع رجل غلول، قال: فسأل سالم بن عبد الله، فقال: حدثني أبي عبد الله عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من وجدتم في متاعه غلولًا فأحرقوه\" قال: وأحسبه قال: \"واضربوه\" قال: فأخرج متاعه في السوق فوجد فيه مصحفًا، [فسأل سالمًا] (^٦) فقال: بعه وتصدق بثمنه (^٧)، وكذا رواه علي بن المديني وأبو داود والترمذي من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوَرْدي، زاد أبو داود وأبو إسحاق الفزاري، كلاهما عن أبي واقد الليثي الصغير صالح بن محمد بن زائدة به (^٨). وقد قال علي بن المديني والبخاري وغيرهما: هذا حديث منكر من رواية أبي واقد هذا، وقال الدارقطني: الصحيح أنه من فتوى سالم فقط،\n_________\n= ثابت في المسند ٤/ ١٧٤، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ١٤٥.\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٠٣)، وأخرجه مسلم من طريق هاشم بن القاسم به (الصحيح، الأيمان، باب غلظ تحريم الغلول ح ١١٤).\n(^٢) السنن (ح ١٥٧٤).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ولفظه وصححه أحمد شاكر رقم ٨١٦٣، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٩٩).\n(^٤) رواية الطبري هذه وما بعدها إلى ما قبل حديث عمر عند الطبري جاء بعد رواية عمر المذكورة، وما أثبت حسب (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٥) في الأصل: \"سلمة\" وهو تصحيف.\n(^٦) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٤٤) وضعفه أحمد شاكر بسبب صالح بن محمد بن زائدة، وهو كما قال: وقد سبقه ابن عدي في تضعيفه (الكامل ٤/ ١٣٤١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (ح ٩٦٠).\n(^٨) سنن أبي داود، الجهاد، باب في عقوبة الغالّ (ح ١٧١٣)، وسنن الترمذي، الحدود، باب ما جاء في الغالّ ما يُصنع به (ح ١٤٦١) وقال: هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.","vol":"2","page":458},{"text":"وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ومن تابعه من أصحابه.\n(حديث آخر عن عمر ﵁) قال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن موسى بن جبير حدثه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه: أن عبد الله بن أنيس حدثه: أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يومًا الصدقة، فقال: ألم تسمع قول رسول الله ﷺ حين ذكر غلول الصدقة: \"من غلّ منها بعيرًا أو شاة فإنه يحمله يوم القيامة؟ \" قال عبد الله بن أنيس: بلى. ورواه ابن ماجه عن عمرو بن سَوّاد عن عبد الله بن وهب به (^١).\nوقد رواه الأموي عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله فيحرق على ما فيه. ثم روى عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عفان بن عطاء، عن أبيه، عن علي، قال: الغالّ يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حدِّ المملوك ويمنع نصيبه (^٢).\nوخالفه أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور فقالوا: لا يحرق متاع الغال، بل يعزَّر تعزير مثله.\nوقال البخاري: وقد امتنع رسول الله ﷺ من الصلاة على الغال، ولم يحرق متاعه، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن جبير بن مالك، قال: أمر بالمصاحف أن تغيّر، قال: فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغلَّ مصحفًا فليغله، فإنه من غلَّ شيئًا جاء به يوم القيامة، ثم قال: قرأت من فم رسول الله ﷺ سبعين سورة، أفأترك ما [أخذت] (^٣) من في رسول الله ﷺ (^٤)؟.\nوروى وكيع [في تفسيره] (^٥) عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، قال: لما أمر بتحريق المصاحف قال عبد الله بن مسعود ﵁: يا أيها الناس غلّوا المصاحف، فإنه من غلّ يأت بما غل يوم القيامة، ونِعم الغلّ المصحف يأتي به أحدكم يوم القيامة (^٦).\n[وقال أبو داود، عن سمرة بن جندب (^٧)، قال: كان رسول الله ﷺ إذا غنم غنيمة أمر بلالًا فينادي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن ماجه من طريق ابن وهب به (السنن، الزكاة، باب ما جاء في عمال الصدقة ح ١٨١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٤٦٦).\n(^٢) في سنده عثمان بن عطاء وهو الخراساني وهو ضعيف كما في التقريب.\n(^٣) كذا في المسند و(عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"أُحدث\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩٢٩) وصححه أحمد شاكر ثم علق بأن ابن مسعود أخطأ خطأ شديدًا في تأويل الآية على ما أول … ولكن في سنده أبو إسحاق وهو السبيعي، وهو من مدلسي المرتبة الثالثة الذين لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بالسماع، وقد عنعن، وأخرجه ابن أبي داود من طريق أبي إسحاق به معنعنًا (المصاحف ص ٢١، ٢٢).\n(^٥) الزيادة من (عف) و(مح).\n(^٦) في سنده ثلاث علل: شريك، وهو ابن عبد الله النخعي الكوفي وهو صدوق يخطئ كثيرًا (التقريب ص ٢٦٦)، وإبراهيم بن مهاجر: وهو صدوق لين الحفظ (التقريب ص ٩٤) وشيخه إبراهيم النخعي لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٧) كذا ذكره ابن كثير من حديث سمرة بن جندب، وهو وهم، فقد أخرجه أبو داود بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص (السنن، الجهاد، باب في القلول إذا كان يسيرًا .. ح ٢٧١٢)، وكذا أخرجه ابن حبان في =","vol":"2","page":459},{"text":"في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل يومًا بعد النداء بزمام من شعر فقال: يا رسول الله، هذا كان مما أصبنا من الغنيمة، فقال: \"أسمعت بلالًا ينادي \" ثلاثًا؟ قال: نعم. قال: \"فما منعك أن تجيء؟ \" فاعتذر إليه، فقال: \"كلا أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك\" (^١)] (^٢).\n\n<span id=\"aya-455\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)﴾\nأي: لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه، وأجير من وبيل عقابه، ومن استحق غضب الله وألزم به فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير، وهذه لها نظائر كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ﴾ [الرعد: ١٩]، وكقوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾ الآية [القصص: ٦١].\n\n<span id=\"aya-456\"></span>ثم قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾، قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: يعني أهل الخير وأهل الشر درجات (^٣).\nوقال أبو عبيدة والكسائي: منازل، يعني: متفاوتون في منازلهبم ودرجاتهم في الجنة [ودركاتهم] (^٤) في النار (^٥)، كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا …﴾ الآية [الأنعام: ١٣٢] ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيرًا ولا يزيدهم شرًا، بل يجازي كل عامل بعمله.\n\n<span id=\"aya-457\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١] أي: من جنسكم، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ يعني: القرآن ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم وتُطهَّر (^٦) من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به\n_________\n= صحيحه (الإحسان ٤٨٠٩)، والحاكم (المستدرك ٢/ ١٢٧) وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٥٩). ومما يؤكد أن في مسند عبد الله بن عمرو وليس في مسند سمرة بن جندب أن الحافظ ابن كثير لم يذكره في مسند سمرة بن جندب (جامع المسانيد ٤/ ٧ - ٤٩) وإنما ذكره في مسند عبد الله بن عمرو، وكذا المزي في تحفة الأشراف ٦/ ٨٨٣٨.\n(^١) ما بين معقوفين زيادة من (حم).\n(^٢) تقدم تخريجه في الحاشية السابقة.\n(^٣) قول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه، وقول ابن إسحاق ورد في السيرة لابن هشام ٣/ ١٢٤.\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"درجاتهم\" وهو تصحيف.\n(^٥) قول أبي عبيدة، وهو معمر بن المثنى ورد في مجاز القرآن (١/ ١٠٧) مختصرًا بلفظ: \"منازل\".\n(^٦) في الأصل: \"ويطهرهم\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).","vol":"2","page":460},{"text":"في حال شركهم وجاهليتهم، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: القرآن والسنة، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا الرسول ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لفي غيّ وجهل ظاهر جليّ بيّن لكل أحد.\n\n<span id=\"aya-458\"></span>﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وهي ما أصيب منهم يوم أُحد من قتل السبعين منهم ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ يعني يوم بدر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلًا، وأسروا سبعين أسيرًا، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ أي: من أين جرى علينا هذا؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا قُراد (^١) أبو نوح، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم أُحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفرَّ أصحاب رسول الله ﷺ عنه، وكُسرت رباعيته، وهُشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ بأخذكم الفداء (^٢). وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غزوان وهو قُراد أبو نوح بإسناده ولكن بأطول منه (^٣)، وهكذا قال الحسن البصري (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحشين، حدثنا إسماعيل بن علية، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة، ح، قال سُنَيد وهو حسين: وحدثني حجاج، عن محمد، عن عَبيدة، عن علي ﵁، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، قال: فدعا رسول الله ﷺ الناس، فذكر لهم ذلك، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا ألا نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره؟ قال: فقتل منهم يوم أُحد سبعون رجلًا، عدة أسارى أهل بدر (^٥). وهكذا رواه النسائي والترمذي من حديث أبي داود الحفري، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سفيان بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين به، ثم قال الترمذي:\n_________\n(^١) في الأصل: \"قرار\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) المسند (ح ٢٠٨)، وصححه أحمد شاكر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده مرسل ويشهد له ما سبق.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه سنيد فيه مقال، وقد توبع لكن المتابعة فيها نظر أيضًا كما سيأتي في رواية الترمذي والنسائي.","vol":"2","page":461},{"text":"حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة، وروى أبو أسامة عن هشام نحوه، وروى عن ابن سيرين عن عبيدة (^١)، عن النبي ﷺ مرسلًا (^٢).\n\nوقال محمد بن إسحاق وابن جريج والربيع بن أنس والسدي: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: بسبب عصيانكم لرسول الله ﷺ حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم (^٣). يعني بذلك الرماة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه،\n\n<span id=\"aya-459\"></span>\n\n<span id=\"aya-460\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين، كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ يعني بذلك: أصحاب عبد الله بن أُبي ابن سلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، فاتبعهم رجال من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة، ولهذا قال: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾.\nقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو صالح والحسن والسدي: يعني: كثروا سواد المسلمين (^٤).\nوقال الحسن بن صالح: ادفعوا بالدعاء، وقال غيره: رابطوا (^٥). فتعللوا قائلين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾.\nقال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حربًا لجئنا، ولكن لا تلقون قتالًا (^٦).\nقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبّان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدث، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ - يعني حين خرج إلى أحد - في ألف\n_________\n(^١) في الأصل: \"عن أبي عبيدة\" وما أثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وهو الصواب.\n(^٢) السنن الكبرى للنسائي، السير، باب قتل الأسرى (ح ٨٦٦٢)، وسنن الترمذي، السير، باب ما جاء في قتل الأسرى والفداء (ح ١٥٦٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ١١٠. ولكن لفظ الترمذي: وروى عن ابن سيرين عن عَبيدة عن علي عن النبي ﷺ مرسلًا. كذا في السنن في شرحه تحفة الأحوذي ٥/ ١٨٦، والصواب ما نقله الحافظ ابن كثير من نسخة الترمذي التي اعتمدها.\nوهذا الحديث وإن حسنه الترمذي وصححه الألباني إلا أنه يخالف ما صحَّ من أن أخذ الفداء من أسارى يوم بدر كان رأيًا عن النبي ﷺ بعد مشاورة أصحابه ﵃، ثم نزل الوحي بالعتاب موافقًا لرأي عمر في قتلهم، ولو صحّ التخيير لما جاء العتاب، وأخشى أن يكون من تدليس ابن أبي زائدة وهو زكريا، فإنه ثقة لكنه كان يدلس (التقريب ص ٢١٦)، والأصح مرسلًا فقد أخرجه الطبري بسند مرسل عن عَبيدة السلماني.\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، إلا قول ابن إسحاق فقد أخرجه بسند حسن عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند ضعيف بسبب إبهام شيخ الطبري، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه ابن المنذر بسند حسن من طريق كثير بن شِنظير عن مجاهد عن ابن عباس، وقول الضحاك أخرجه ابن المنذر من طريق شعيب بن سليمان عن الضحاك، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عتبة بن ضمرة عن أبي عون الأنصاري.\n(^٦) أخرجه ابن المنذر بنحوه بسند حسن من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير عنه.","vol":"2","page":462},{"text":"رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشرط بين أُحد والمدينة، [انخزل] (^١) عنه عبد الله بن أُبي بن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم فخرج وعصاني، ووالله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس؟ فرجع (^٢) بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه وأبوا [إلا] (^٣) الإنصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم، ومضى رسول الله ﷺ (^٤).\nقال الله ﷿: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان، لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ فإنهم يتحققون أن جندًا من المشركين قد جاؤوا من بلاد بعيدة يتحزبون على المسلمين بسبب ما أُصيب من سراتهم يوم بدر. وهم أضعاف المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-461\"></span>ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت، فينبغي [أنكم] (^٥) لا تموتون، والموت لا بدّ آتٍ إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.\nقال مجاهد، عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبي (^٦) بن سلول.\n\n<span id=\"aya-462\"></span>﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾.\nيخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار، فإن أرواحهم حيّة مرزوقة في دار القرار.\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"اعدل\".\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"فخرج\".\n(^٣) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) سيرة ابن هشام ٣/ ٦٨، وهذه المراسيل يقوي بعضها بضعًا، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"لكم\".\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد به، وفيه سنيد وابن جريج لم يسمع من مجاهد.","vol":"2","page":463},{"text":"قال محمد بن جرير: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا عمر بن يونس، عن عكرمة، حدثنا ابن إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول الله ﷺ الذين أرسلهم نبي الله ﷺ إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين، وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله ﷺ حتى أتوا غارًا مشرفًا على الماء فقعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله ﷺ[أهل هذا الماء؟ فقال - أراه ابن ملحان الأنصاري -: أنا أبلغ رسالة رسول الله ﷺ، (^١) فخرج حتى أتى حيًا منهم فاختبأ أمام البيوت، ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح، فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فزتُ وربّ الكعبة، فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل، وقال إسحاق (^٢): حدثني أنس بن مالك أن الله أنزل فيهم قرانًا: \"بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه\"، ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناها زمانًا، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (^٣) فقال: أما أنا قد سألنا عن ذلك فقال: \"أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل تحت العرش\".\nوقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: \"أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا ربّ نريد أن تردّ أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة، تركوا\" (^٤). وقد روي نحوه من حديث أنس وأبي سعيد (^٥).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ، قال: \"ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة\" (^٦). تفرد به مسلم من طريق حماد.\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط في الأصل وبقية النسخ، واستدرك من تفسير الطبري.\n(^٢) أي: ابن طلحة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري بنحوه من طريق قتادة عن أنس (الصحيح، المغازي، باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة ح ٤٠٩١).\n(^٤) صحيح مسلم، الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة (ح ١٨٨٧).\n(^٥) حديث أنس أخرجه مسلم (الصحيح، الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله (ح ١٨٧٧).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٢٦) وسنده صحيح، وأخرجه مسلم كما في الحاشية السابقة.","vol":"2","page":464},{"text":"(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان، عن محمد بن علي بن ربيعة السلمي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"أعلمت أن الله أحيا أباك؟ فقال له: تمن. فقال له: أردُّ إلى الدنيا فأقتل مرة أخرى. قال: إني قضيت الحكم أنهم إليها لا يرجعون\" (^١). تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقد ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن أبا جابر وهو: عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري ﵁، قتل يوم أُحد شهيدًا. قال البخاري: وقال أبو الوليد عن شعبة، عن ابن المنكدر: قال سمعت جابرًا قال: لما قتل أبي: جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله ﷺ ينهوني والنبي ﷺ لم ينه، وقال النبي ﷺ: \"لا تبكه - أو ما تبكيه - أما زالت] (^٢) الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع\" (^٣). وقد أسنده (^٤) هو ومسلم والنسائي من طريق آخر عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: لما قتل أبي يوم أُحد، جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وذكر تمامه بنحوه (^٥).\n(حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا هارون بن سليمان، أنبأنا علي بن عبد الله المديني، أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري، سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصّمة الأنصاري، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: \"يا جابر ما لي أراك مهتمًا؟ \" قال: قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك دينًا وعيالًا، قال: فقال: \"ألا أخبرك؟ ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحًا، قال علي: الكفاح المواجهة، قال: سلني أعطك. قال: أسألك أن أردَّ إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الربُّ ﷿: إنه قد سبق مني القول: أنهم إليها لا يرجعون. قال: أي ربِّ فأبلغ من ورائي، فأنزل الله ﷿ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية\" (^٦). ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن سليمان بن سليط الأنصاري، عن أبيه، عن جابر، به نحوه (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٢٣/ ١٦٣ ح ١٤٨٨١) وحسنه محققوه بالمتابعات.\n(^٢) في الأصل: \"رايت\" والمثبت من صحيح البخاري و(عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه تعليقًا (الصحيح، المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أُحد ح ٤٠٨٠) ووصله في (الصحيح، الجنائز، باب ٣٤ ح ١٢٩٣).\n(^٤) كما في الحاشية السابقة.\n(^٥) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر ﵄ (ح ٢٤٧١)، وسنن النسائي، الجنائز، باب في البكاء على الميت ٤/ ١٣.\n(^٦) أخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح ٣٢١٠)، وابن ماجه (السنن، المقدمة، باب ما جاء فيما - أنكرت الجهمية ح ١٩٠) كلاهما من طريق موسى بن إبراهيم بن كثير به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٠٨)، وأخرجه الحاكم من الطريق نفسه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٠٣).\n(^٧) في سنده محمد بن سليمان بن سليط: وهو مجهول كما قال العقيلي في الضعفاء. وقد تابعه موسى بن إبراهيم كما في الحاشية السابقة.","vol":"2","page":465},{"text":"وكذا رواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق علي بن المديني به (^١). وقد رواه البيهقي أيضًا من حديث أبي عبادة الأنصاري وهو عيسى بن عبد الرحمن إن شاء الله عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال النبي ﷺ لجابر: \"يا جابر ألا أبشرك؟ \" قال: بلى، بشرك الله بالخير، قال: \"شعرت أن الله أحيا أباك، فقال: تمن عليّ عبدي ما شئت أعطكه، قال: يا رب ما عبدتك حق عبادتك، أتمنى عليك أن تردَّني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك وأقتل فيك مرة أخرى، قال: إنه سلف مني أنه إليها لا يرجع\" (^٢).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا إسماعيل بن أُمية بن عمرو بن سعيد، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما أُصيب إخوانكم بأُحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم، وحسن متقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد، [ولا ينكلوا عن الحرب] (^٣)، فقال الله ﷿: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله ﷿ هذه الآيات ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (^٤) وما بعدها\" هكذا رواه أحمد، وكذا رواه ابن جرير عن يونس، عن ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق به. ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ فذكره، وهذا أثبت (^٥). وكذا رواه سفيان الثوري عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nوروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٦)، وكذلك قال قتادة والربيع والضحاك: أنها نزلت في قتلى أُحد (^٧).\n_________\n(^١) دلائل النبوة ٣/ ٢٩٨.\n(^٢) دلائل النبوة ٣/ ٢٩٨ وفي سنده ضعف بسبب فيض بن وثيق الراوي عن أبى عمارة الأنصاري، وفيض قد كذبه ابن معين (لسان الميزان ٤/ ٤٥٥)، ويشهد لبعضه رواية ابن مردويه عن جابر.\n(^٣) في الأصل: \"ولا يتكلوا على الحرب\" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) (حم) و(حم) والمسند.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٣٨٨) وسنده حسن، وصححه أحمد شاكر في (المسند ح ٢٣٨٩)، وأخرجه أبو داود (السنن، الجهاد، باب فضل الشهادة ح ٢٥٢٠)، والحاكم (المستدرك ٢/ ٨٨) كلاهما من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢١٩٩).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورواية أبي داود والحاكم تقدمت في الحاشية السابقة.\n(^٦) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٨٧).\n(^٧) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وهو مرسل ويتقوى بما سبق، وكذا قول الضحاك أخرجه من طريقين ضعيفين.","vol":"2","page":466},{"text":"(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًا\" (^١). تفرد به أحمد. وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان وعبيدة، عن محمد بن إسحاق به (^٢)، وهو إسناد جيد.\nوكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويُغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم.\nوقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثًا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضًا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه [ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد ﵀] (^٣)، رواه عن محمد بن إدريس الشافعي ﵀، عن مالك بن أنس الأصبحي ﵀، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه ﷺ أجمعين، قال: قال رسول الله ﷺ: \"نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه\" (^٤).\nقوله: \"يعلق\" أي: يأكل، وفي هذا الحديث: \"إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة\" وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر، في الجنة كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان.\n\n<span id=\"aya-463\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة، وششبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم نسأل الله الجنة.\nقال محمد بن إسحاق: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم (^٥).\nقال السدي: يُؤتى الشهيد بكتاب فيه: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بقدوم غائبهم (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٣٩٠) وسنده حسن، وصححه أحمد شاكر، وقال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات (المجمع ٥/ ٢٩٨) وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وجود إسناده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٣) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك في (عف) و(ح و(حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٨٥ ح ١٥٧٧٨)، وصححه محققوه والحافظ ابن كثير.\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٩، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن إسحاق.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وما يذكره من الغيب لا يؤخذ من التابعين.","vol":"2","page":467},{"text":"وقال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء، قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأخبر رسول الله ﷺ بأمرهم وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم، أي ربهم، أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه، فاستبشروا بذلك، فذلك قوله: ﴿فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ …﴾ (^١) الآية.\nوقد ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله ﷺ على الذين قتلوهم يدعو عليهم ويلعنهم، قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع \"أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-464\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١﴾ قال محمد بن إسحاق: استبشروا وسروا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم، وقلما ذكر الله فضلًا [ذكر به] (^٤) الأنبياء وثوابًا أعطاهم، إلا ذكر الله ما أعطى المؤمنين من بعدهم (^٥).\n\n<span id=\"aya-465\"></span>وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ هذا كان يوم حمراء الأسد (^٦)، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين، كرّوا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدًا، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أُحد سوى جابر بن عبد الله ﵁، لما سنذكره، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله عزَّ وحلَّ ولرسوله ﷺ.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن [عمرو] (^٧)، عن عكرمة، قال: لما رجع المشركون عن أحد، قالوا: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئس ما صنعتم، ارجعوا، فسمع رسول الله ﷺ بذلك، فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد - أو بئر أبي عنبة (^٨) - الشك من سفيان (^٩) فقال المشركون: نرجع من قابل، فرجع\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار.\n(^٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا …﴾ [آل عمران: ١٦٩] (ح ٢٨١٤)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت. (ح ٦٧٧).\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٩.\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"ذكرته\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٦) حمراء الأسد تبعد عن المدينة (٢٠) كيلًا جنوبًا.\n(^٧) في الأصل: \"عن عمر\" والصواب المثبت.\n(^٨) كذا في الأصل و(ح) وفي تفسير ابن أبي حاتم ورد بلفظ: بئر أبي عتبة، وكذا في نسخة (عف) و(مح)، والصواب ما أثبته وهو بئر من آبار المدينة (ينظر: خلاصة الوفا بأخبار المصطفى ص ٤٦١).\n(^٩) والصحيح أنهم بلغوا حمراء الأسد كما هو المشهور في كتب السير (ينظر: سيرة ابن هشام ٣/ ٥٣، =","vol":"2","page":468},{"text":"رسول الله ﷺ، فكانت تعد غزوة، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ (^١). ورواه ابن مردويه من حديث محمد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس … فذكره. وقال محمد بن إسحاق: كان يوم أُحد يوم السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذّن مؤذن رسول الله ﷺ في الناس بطلب العدو، وأذّن مؤذنه أن لا يخرج معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة، لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسي فتخلف على [أخواتك] (^٢)، فتخلفت عليهنَّ، فأذن له رسول الله ﷺ فخرج معه، وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبًا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم (^٣).\nقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ من بني عبد الأشهل، كان قد شهد أُحدًا، قال: شهدتُ أُحدًا مع رسول الله ﷺ أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي - أو قال لي -: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل فخرجنا مع رسول الله، وكنت أيسر جراحًا منه، فكان إذا غلب حملته عُقبة، ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون (^٤).\nوقال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵄ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ قالت لعروة: يا ابن [أختي] (^٥) كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر ﵁ لما أصاب نبي الله ﷺ ما أصاب يوم أُحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: \"من يرجع في أثرهم\"\n_________\n= والمغازي للواقدي ص ٣٣٨، وطبقات ابن سعد ٢/ ٤٩، وتاريخ الطبري ٢/ ٥٣٥، والبداية والنهاية ٤/ ٤٩، والاكتفاء في مغازي رسول الله ٢/ ١١٤)، وللمزيد ينظر: تفسير سورة آل عمران من تفسير ابن أبي حاتم بتحقيقي.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل، ووصله الطبراني (المعجم الكبير ١١/ ٢٧٤ ح ١١٦٣٢)، وابن مردويه (كما ذكره الحافظ ابن كثير) كلاهما من طريق محمد بن منصور عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه. وصححه السيوطي في لباب النقول ص ٦١. وقال الحافظ ابن حجر: ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس .. إلا أن المحفوظ إرساله عن عكرمة ليس فيه ابن عباس (الفتح ٨/ ٢٢٨).\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"أخواتكم\" وهو تصحيف.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٦ - ١٠٧، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق عن حسين بن عبد الله عن عكرمة، وسنده مرسل.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٣/ ١٠٧ - ١٠٨، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به. ولبعضه شواهد صحيحة كما في الرواية التالية.\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل: \"يا ابن أخي\"، وفيه تصحيف.","vol":"2","page":469},{"text":"فانتدب منهم سبعون رجلًا فيهم أبو بكر والزبير ﵄ (^١). هكذا رواه البخاري منفردًا به بهذا السياق، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن الأصم، عن عباس الدوري، عن أبي النضر، عن أبي سعيد المؤدب، عن هشام بن عروة به، ثم قال: صحيح، ولم يخرجاه، كذا قال (^٢).\nورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، وهديّة بن عبد الوهاب، عن سفيان بن عيينة. عن هشام بن عروة به (^٣)، وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان به. وقد رواه الحاكم أيضًا من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي، عن عروة، قال: قالت لي عائشة: يا بنيّ إن أباك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٤).\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر من أصل كتابه، أنبأنا سمويه، أنبأنا عبد الله بن الزبير، أنبأنا سفيان، أنبأنا هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵄، قال لي رسول الله ﷺ: \"إن كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح: أبو بكر والزبير ﵄، ورفع هذا الحديث خطأ محض من جهة إسناده لمخالفته رواية الثقات من وقفه على عائشة ﵂ كما قدمناه، ومن جهة معناه فإن الزبير ليس هو من آباء عائشة، وإنما قالت ذلك عائشة لعروة بن الزبير، لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵁.\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أُحد بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ: \"إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفًا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب\" وكانت وقعة أُحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أُحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى النبي ﷺ واشتد عليهم الذي أصابهم، وإن رسول الله ﷺ ندب الناس لينطلقوا معه ويتبعوا ما كانوا متبعين، وقال: \"إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج، ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل\" فجاء الشيطان [فخوّف] (^٥) أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: \"إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد لأحضض الناس\" فانتدب معه أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي والزبير وسعد وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلًا، فساروا في طلب أبي سفيان فطلبوه حتى بلغوا الصفراء (^٦)، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢] (ح ٤٠٧٧).\n(^٢) المستدرك ٢/ ٢٩٨ وصححه ووافقه الذهبي.\n(^٣) السنن، المقدمة، باب فضل الزبير (ح ١٢٤)، وأخرجه مسلم من طريق هشام بن عروة به (الصحيح، فضائل طلحة والزبير ح ٢٤١٨).\n(^٤) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه (المستدرك ٣/ ٣٦٣)، وسنده صحيح أخرجه مسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد به (الصحيح، فضائل الصحابة، باب فضائل طلحة والزبير ﵄ ح ٢٤١٨/ ٥٢).\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"يخوف\".\n(^٦) وهو وادٍ يبعد عن المدينة أكثر من ١٠٠ كيلًا جنوبًا على طريق مكة القديم.","vol":"2","page":470},{"text":"اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ (^١).\nثم قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أُم مكتوم، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة، وقد مرَّ به - كما حدثني عبد الله بن أبي بكر - معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم [ومشركهم] (^٢) عيبة نصح لرسول الله ﷺ بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئًا كان بها، ومعبد يومئذٍ مشرك، فقال: يا محمد، أما والله لقد عزَّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله [عافاك] (^٣) فيهم، [ثم خرج] (^٤) ورسول الله ﷺ بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا حَدّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟ لنكرّنّ على بقيتهم ثم فلنفرغنَّ منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدًا، قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد وأصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثلهم، [يتحرقون] (^٥) عليكم تحرقًا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فواللّه لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فواللّه لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتًا من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت:\nكادت تهد من الأصوات راحلتي … إذ سالت الأرض بالجُرد الأبابيل (^٦)\nتتردي بأسد كرام [لا تنابلة] (^٧) … عند اللقاء ولا ميل معازيل (^٨)\n[فظلت] (^٩) عدوا أظن الأرض مائلة … لما سمعو برئيس غير مخذول\nفقلت:\nويل ابن حرب من لقائكم … إذا تفطمطت (^١٠) البطحاء بالجيل\nإني نذير لأهل [البسل (^١١) صاحية] (^١٢) … لكل ذي إربة منهم ومعقول\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.\n(^٢) في الأصل: \"شركهم\" وما أثبت من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) في الأصل: \"عاك\" وهو تصحيف والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٥) في الأصل: \"يتحزبون\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٦) الجرد جمع اجرد: وهو القصير الشعر من الخيل وهو من علامات عتقها وكرمها، والأبابيل: الجماعات المتفرقة، كما في حاشية تفسير الطبري (حاشية تفسير الطبري).\n(^٧) كذا في (عف) و(مح)، وسيرة ابن هشام، وفي الأصل: \"تنايلة\".\n(^٨) المعازيل: جمع معزال وهو الذي لا سلاح معه.\n(^٩) كذا في (عف) و(مح)، وسيرة ابن هشام، وفي الأصل: \"وطلب عددًا مك\" وهو تصحيف.\n(^١٠) اهتزت وارتجت.\n(^١١) أهل البسل: أي قريش.\n(^١٢) كذا في (عف) و(مح)، وسيرة ابن هشام، وفي الأصل: \"البسر صاحبة\".","vol":"2","page":471},{"text":"من جيش أحمد لا وخشٍ تنابلة … وليس بوصف ما أنذرت بالقيل\nقال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومرّ به ركب من بني عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمرّ الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل (^١).\nوذكر ابن هشام عن أبي عبيدة، قال: قال رسول الله ﷺ حين بلغه رجوعهم: \"والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو أصبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب\".\nوقال الحسن البصري في قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾: إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا، فقال رسول الله ﷺ: إن أبا سفيان قد رجع، وقد قذف الله في قلبه الرعب، فمن ينتدب في طلبه؟ فقام النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فاتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي ﷺ يطلبه، فلقي عيرًا من التجار، فقال: ردوا محمدًا ولكم من الجعل كذا وكذا، وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعًا وأني راجع إليهم، فجاء التجار فأخبروا رسول الله ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ: \"حسبنا الله ونعم الوكيل\". فأنزل الله هذه الآية (^٢).\nوهكذا قال عكرمة وقتادة وغير واحد: إن هذا السياق نزل في شأن حمراء الأسد (^٣).\nوقيل: نزلت في بدر الموعد (^٤)، والصحيح الأول.\n\n<span id=\"aya-466\"></span>وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا …﴾ الآية، أي الذين توعدهم الناس بالجموع خوّفهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك بل توكلوا على الله واستعانوا به، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.\nقال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، قال: أراه قال: حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانًا، وقالوا: \"حسبنا الله ونعم الوكيل\" (^٥).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٢ - ١٥٣، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل التالية.\n(^٣) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه.\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ …﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآية ح ٤٥٦٣).","vol":"2","page":472},{"text":"وقد رواه النسائي عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وهارون بن عبد الله، كلاهما عن يحيى بن أبي بكير، عن أبي بكر وهو ابن عياش به (^١)، والعجب أن الحاكم أبا عبد الله رواه من حديث أحمد بن يونس به، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٢). ثم رواه البخاري عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: كان آخر قول إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار: ﴿ا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^٣).\nوقال عبد الرزاق: قال ابن عيينة: وأخبرني زكريا، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، قال: هي كلمة إبراهيم ﵇ حين ألقي في البنيان (^٤) رواه ابن جرير (^٥).\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن موسى الثوري، حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن زياد السكري، أنبأنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قيل له يوم أُحد: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فأنزل الله هذه الآية (^٦).\nوروى أيضًا بسنده عن محمد بن عُبيد الله الرافعي، عن أبيه، عن جده أبي رافع: أن النبي ﷺ، وجَّه عليًا في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة، فقال: إن القوم قد جمعوا لكم، فقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فنزلت فيهم هذه الآية (^٧).\nثم قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا الحسن بن سفيان، أنبأنا أبو خيثمة مصعب بن سعيد، أنبأنا موسى بن أعين، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا وقعتم في الأمر العظيم، فقولوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^٨) هذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح وإبراهيم بن أبي العباس، قالا: حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سَعْد، عن خالد بن معدان، عن سيف، عن عوف بن مالك أنه حدثهم أن النبي ﷺ، قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي ﷺ: \"ردّوا علي الرجل\" فقال: \"ما قلت؟ \" قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال النبي ﷺ: \"إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر، فقل: حسبي الله\n_________\n(^١) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٠٨١).\n(^٢) المستدرك ٢/ ٢٩٨.\n(^٣) الصحيح، التفسير، باب ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ …﴾ [آل عمران: ١٧٣] (ح ٤٥٦٤).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه وزيادة بيان بلفظ: في البنيان؛ يعني النار. ورجاله ثقات لكن الشعبي لم يسمع ابن عبد الله بن عمرو، وشهد له ما سبق في صحيح البخاري.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق بلفظ: \"حين ألقي في النار\".\n(^٦) يشهد له ما سبق عن ابن عباس في صحيح البخاري.\n(^٧) في سنده: محمد بن عبيد الله الرافعي قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدًّا ذاهب (ميزان الاعتدال ٣/ ٦٣٤ - ٦٣٥).\n(^٨) في سنده: مصعب بن سعيد قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالمناكير ويصحف عليهم، والضعف على حديثه بيّن (الكامل في الضعفاء ٦/ ٢٣٦٢).","vol":"2","page":473},{"text":"ونعم الوكيل\" وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث بقية عن بحير عن خالد، عن سيف وهو الشامي، ولم ينسب عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ بنحوه (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا مطرف، عن عطية، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ [المدثر]، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته يسمع متى يؤمر فينفخ؟ \"، فقال أصحاب رسول الله ﷺ، فما نقول؟ قال: \"قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا\" (^٢) وقد روي هذا من غير وجه، وهو حديث جيد.\nوروينا عن أُم المؤمنين زينب بنت جحش وعائشة ﵂، أنهما تفاخرتا، فقالت [زينب] (^٣) زوجني الله وزوكجن [أهلوكن] (^٤) وقالت عائشة: نزلت براءتي من السماء في القرآن، فسلمت لها زينب، ثم قالت: كيف قلت حين ركبت راحلة صفوان بن المعطل؟ فقالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل. قالت زينب: قلت كلمة المؤمنين (^٥).\n\n<span id=\"aya-467\"></span>ولهذا قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم وردّ عنهم بأس من أراد كيدهم فرجعوا إلى بلدهم ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ مما أضمر لهم عدوهم ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.\nوقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر بن داود الزاهد، حدثنا محمد بن نعيم، حدثنا [بشر] (^٦) بن الحكم، حدثنا مبشر بن عبد الله بن رزين، حدثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ قال: النعمة أنهم سلموا، والفضل أن عيرًا مرت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول الله ﷺ فربح فيها مالًا فقسمه بين أصحابه (^٧).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ قال: هذا أبو سفيان، قال لمحمد ﷺ، موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا. فقال محمد ﷺ: \"عسى\"، فانطلق رسول الله ﷺ لموعده حتى نزل بدرًا، فوافقوا السوق فيها، فابتاعوا، فذلك قول الله ﷿: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٤، ٢٥)، وأخرجه أبو داود من طريق بقية به (السنن، الأقضية، باب الرجل يحلف على حقه ح ٣٦٢٧) وفي سنده: بحير: وهو مجهول (التقريب ١/ ٩٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٣٩٠) وضعفه أحمد شاكر، وقال الحافظ ابن كثير: حديث جيد.\n(^٣) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(مح) وتفسير الطبري.\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"أهلك\".\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق المعلى بن عرفان عن محمد بن عبد الله بن جحش بنحوه (التفسير ٦/ ١٩٤ - ١٩٥) وفي سنده المعلى بن عرفان قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث السان الميزان ٦/ ٦٤). وسنده ضعيف.\n(^٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتقريب، ودلائل النبوة، وفي الأصل: \"بشير\"، وهو تصحيف.\n(^٧) دلائل النبوة ٣/ ٣١٨، وسنده صحيح.","vol":"2","page":474},{"text":"سُوءٌ …﴾ الآية، قال: وهى غزوة بدر الصغرى، رواه ابن جرير (^١)، وروى أيضًا عن القاسم، عن الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج، قال: لما عهد رسول الله ﷺ لموعد أبي سفيان فجعلوا يلقون المشركين فيسألونهم عن قريش، فيقولون: قد جمعوا لكم، يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرعبوهم، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى قدموا بدرًا، فوجدوا أسواقها عافية لا ينازعهم فيها أحد، قال فقدم رجل من المشركين فأخبر أهل مكة بخيل محمد، وقال في ذلك:\nنفرت قلوصي من خيول محمد … وعجوة منثورة كالعُنجد (^٢)\nواتخذت ماء قديد (^٣) موعدي\nقال ابن جرير: هكذا أنشدنا القاسم وهو خطأ، وإنما هو:\nقد نفرت من رفقتي محمد … وعجوة (^٤) من يثرب كالعُنجد\nتهوي على دين أبيها [الأتلد] (^٥) … قد جعلت ماء قديد موعدي\nوماء ضَجنان (^٦) لها ضحى الغد (^٧)\n\n<span id=\"aya-468\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة (^٨)، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجأوا إِلي، فإِني (^٩) كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٨] وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة] وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢﴾ [غافر].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به، وسنده صحيح لكنه مرسل يتقوى بسابقه.\n(^٢) العنجد: هو الزبيب الأسود.\n(^٣) قرية تبعد عن مكة ١٠٠ كيلًا شمالًا.\n(^٤) العجوة: أحد التمور المشهورة في المدينة.\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"الأتيدي\" وهو تصحيف.\n(^٦) ضَجنان: بفتح الضاد وسكون الجيم جبل قريب من قديد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وتعليقه، وفي سنده سنيد وهو ضعيف وابن جريج أرسله، ولأوله شاهد تقدم عن ابن عباس.\n(^٨) في الأصل: \"ذو بأس وذو شدة\" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٩) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل و(ح) و(حم): \"فأنا\".","vol":"2","page":475},{"text":"<span id=\"aya-469\"></span>﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾.\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ وذلك من شدة حرصه على الناس، كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: لا يحزنك ذلك ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدره أن [لا] (^١) يجعل لهم نصيبًا في الآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-470\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن ذلك إِخبارًا مقررًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: استبدلوا هذا بهذا ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ أي: ولكن يضرون أنفسهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-471\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ كقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون] وكقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾ [القلم] وكقوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة].\n\n<span id=\"aya-472\"></span>ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: لا بدّ أن يعقد سببًا من المحنة، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، يعني بذلك: يوم أُحد الذي امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله ﷺ، وهتك به ستر المنافقين. فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله ﷺ، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.\nقال مجاهد: ميز بينهم يوم أُحد (^٢).\nوقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة (^٣).\nوقال السدي: قالوا: إن كان محمد صادقًا فليخبرنا بمن يؤمن به منا ومن يكفر، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، حتى يخرج المؤمن من الكافر (^٤). روى ذلك كله ابن جرير.\n_________\n(^١) سقط في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"2","page":476},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي: أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ الآية [الجن]، ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-473\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ﴾ أي: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه بل هو مضرة عليه في دينه، وربما كان في دنياه. ثم أخبر بمآل [أمر ماله] (^١) يوم القيامة، فقال: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\nقال البخاري: حدثنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني: بشقيه - يقول: أنا مالك، أنا كنزك\" ثم تلا هذه الآية ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية (^٢)، تفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح به (^٣).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا [حُجين] (^٤) بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: \"إِن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله له ماله يوم القيامة شجاعًا (^٥) أقرع له زبيبتان، ثم يلزمه يطوقه يقول: أنا كنزك أنا كنزك\" (^٦) وهكذا رواه النسائي عن الفضل بن سهل، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة به (^٧). ثم قال النسائي: ورواية عبد العزيز عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أثبت من رواية عبد الرحمن، عن أبيه عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\n(قلت): ولا منافة بين الروايتين، فقد يكون عند عبد الله بن دينار من الوجهين، والله أعلم.\nوقد ساقه الحافظ أبو بكر بن مردويه من غير وجه عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ومن حديث محمد بن أبي حميد عن زياد الخطمي، عن أبي هريرة به (^٨).\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: \"أمرنا له\"، وفي (حم): \"أمره إليه\".\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ …﴾ آل عمران: ١٨٠] ح ٤٥٦٥).\n(^٣) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ح ٣٢٥٨).\n(^٤) كذا في (عف) و(مح)، وفي (حم): \"حجر\"، وفي الأصل: \"حجاج\" والصواب ما أثبت كما في المسند وترجمته في التقريب.\n(^٥) الشجاع: الحية.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠/ ٢٢ ح ٥٧٢٩) وصححه محققوه.\n(^٧) سنن النسائي، الزكاة، باب مانع زكاة ماله ٥/ ٣٨، وصحح إسناده المنذري (الترغيب والترهيب ١/ ٥٤٠).\n(^٨) يشهد له ما تقدم في صحيح البخاري.","vol":"2","page":477},{"text":"(حديث آخر) قال الإِمام أحمد: حدثنا سفيان، عن جامع، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه، يفر منه وهو يتبعه، فيقول: أنا كنزك\" ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^١)، وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، عن جامع بن أبي راشد، زاد الترمذي: وعبد الملك بن أعين، كلاهما عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٢). وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي بكر بن عياش وسفيان الثوري، كلاهما عن أبي إِسحاق السبيعي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به (^٣)، ورواه ابن جرير من غير وجه عن ابن مسعود موقوفًا (^٤).\n(حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أُمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: \"من ترك بعده كنزًا مثل له شجاعًا أقرع يوم القيامة له زبيبتان يتبعه، ويقول: من أنت؟ ويلك، فيقول: أنا كنزك الذي خلفت بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها (^٥)، ثم يتبع سائر جسده\" (^٦) إِسناد جيد قوي، ولم يخرجوه. وقد رواه الطبراني عن جرير بن عبد الله البجلي (^٧)، ورواه ابن جرير وابن مردويه من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: \"لا يأتي الرجل مولاه فيسأله من فضل ماله عنده فيمنعه إياه إِلا دُعي له يوم القيامة شجاع يتلمظ (^٨) فضله الذي منع\" (^٩) لفظ ابن جرير.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن أبي قزعة، عن رجل، عن النبي ﷺ، قال: \"ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل جعله الله عنده، فيبخل به عليه، إِلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه\" ثم رواه من طريق أخرى عن أبي قزعة واسمه: حجر بن بيان (^١٠)، عن أبي مالك العبدي موقوفًا، ورواه من وجه آخر عن أبي قزعة مرسلًا (^١١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها، رواه ابن جرير (^١٢)، والصحيح الأول وإِن دخل هذا في معناه، وقد يقال: إن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٥٧٧) وصححه أحمد شاكر.\n(^٢) سنن الترمذي، التفسير، سورة آل عمران (ح ٣٠١٢)، وسنن النسائي، الزكاة، باب التغليظ في حبس الزكاة ٥/ ١١.\n(^٣) المستدرك ٢/ ٢٩٨.\n(^٤) أخرجه الطبري موقوفًا بأسانيد صحيحة.\n(^٥) القضم: الأكل بأطراف الأسنان (النهاية ٤/ ٧٧).\n(^٦) أخرجه البزار من طريق يزيد بن زريع به (مسند البزار ح ٨٨٢)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٣/ ٦٧).\n(^٧) المعجم الكبير (ح ٢٣٤٣).\n(^٨) يتلمظ: يدير لسانه ويحركه (النهاية ٤/ ٢٧١).\n(^٩) أخرجه الطبري من طريق بهز بن حكيم به وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري.\n(^١٠) \"حجر بن بيان\" كذا في كل النسخ وفي رواية الطبري: \"حجير بن بيان\" كما في النسخة المحققة على عدة نسخ خطية بإشراف معالي د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن داود بن أبي هند عن أبي قزعة عن حجير بن بيان (مسند ابن أبي شيبة ٢/ ٩٤) وسنده صحيح.\n(^١١) أخرجه الطبري بسنده مرسلًا ومتصلًا.\n(^١٢) أخرجه الطبري من طريق عطية العوفي به، وسنده ضعيف.","vol":"2","page":478},{"text":"هذا أولى بالدخول، والله ﷾ أعلم، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧] فإن الأمور كلها مرجعها إلى الله ﷿. فقدموا من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بنياتكم وضمائركم.\n\n<span id=\"aya-474\"></span>\n\n<span id=\"aya-475\"></span>﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾.\nقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك، فسأل عباده القرض؟ فأنزل الله ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية، رواه ابن مردوله وابن أبي حاتم (^١).\nوقال محمد بن إِسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أنه حدثه، عن ابن عباس ﵁، قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁ بيت المدراس فوجد من يهود أناسًا كثيرًا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له: أشيع، فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتقِ الله وأسلم، فوالله إِنك لتعلم أن محمدًا رسول من عند الله قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيًا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيًا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر ﵁ فضرب وجه فنحاص ضربًا شديدًا، وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله، فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إِلى رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد أبصر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: \"ما حملك على ما صنعت؟ \" فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قد قال قولًا عظيمًا، زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك، غضبت لله مما قال: فضربت وجهه، فجحد فنحاص ذلك، وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله فيما قال فنحاص ردًّا عليه وتصديقًا لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية، رواه ابن أبي حاتم (^٢).\nوقوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ تهديد ووعيد، ولهذا قرنه تعالى بقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٢٣١).","vol":"2","page":479},{"text":"حَقٍّ﴾ أي: هذا قولهم في الله وهذه معاملتهم لرسل الله وسيجزيهم الله على ذلك شر الجزاء، ولهذا قال تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا،\n\n<span id=\"aya-476\"></span>وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ يقول تعالى تكذيبًا لهؤلاء الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم، أن لا يؤمنوا لرسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته، فتقبلت منه، أن تنزل نار من السماء تأكلها، قاله ابن عباس والحسن (^١) وغيرهما.\nقال الله ﷿: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والبراهين، ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي: وبنار تأكل القرابين المتقبلة، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أي: فلم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل.\n\n<span id=\"aya-477\"></span>ثم قال تعالى مسليًا لنبيه محمد ﷺ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ أي: لا [يهيدنك] (^٢) تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة بمن قبلك من الرسل الذين كذبوا مع ما جاءوا به من البينات وهي الحجج والبراهين القاطعة، ﴿وَالزُّبُرِ﴾ وهي الكتب المتلقاة من السماء كالصحف المنزلة على المرسلين، ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أي: البين الواضح الجلي.\n\n<span id=\"aya-478\"></span>﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾.\nيخبر تعالى إخبارًا عامًّا يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن] فهو تعالى وحده هو الحي الذي إلا يموت، والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولًا، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها في صلب آدم وانتهت البرية، أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها (^٣) وقليلها، فلا يظلم أحدًا مثقال ذرة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأويسي، حدثنا علي بن أبي علي\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور مختصرًا.\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"لا يهمنك\"، وجاء في (عف) بيان المعنى: \"لا يزعجنك.\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"كبيرها\".","vol":"2","page":480},{"text":"الهاشمي، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: لما توفي النبي ﷺ وجاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإِياه فارجوا، فإِن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال جعفر بن محمد: فأخبرني أبي أن علي بن أبي طالب قال: أتدرون من هذا؟ هذا ﵇ (^١).\nوقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ أي: من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة فقد فاز كل الفوز.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئتم ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ \" (^٢). هذا حديث ثابت في الصحيحين، من غير هذا الوجه بدون هذه الزيادة (^٣)، وقد رواه بدون هذه الزيادة أبو حاتم، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه (^٤)، ومن حديث محمد بن عمرو هذا ورواه ابن مردويه من وجه آخر، فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، أنبأنا حميد بن مسعدة، أنبأنا عمر بن علي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها\" قال: ثم تلا هذه الآية ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (^٥).\nوتقدم عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ما رواه الإمام أحمد عن وكيع بن الجراح [في تفسيره] (^٦)، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أحبَّ أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن أبي علي الهاشمي: وهو ضعيف (الجرح والتعديل ٦/ ١٩٧) ومحمد بن علي بن الحسين لم يسمع من علي ﵁، وسنده ضعيف. وقد أشبع الحافظ ابن حجر هذا الحديث تخريجًا ولكن جميع طرقه ضعيفة (الإصابة ١/ ٤٤٢ - ٤٤٣) وبالنسبة للمتن فإن فيه نكارة لأن الخضر ميت، وإن قيل: إنه حي!\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل رباط يوم في سبيل الله (ح ٢٨٩٢)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله (ح ١٨٨١).\n(^٤) الإحسان (ح ٧٤١٧)، والمستدرك ٢/ ٢٩٩.\n(^٥) أخرجه البخاري من طريق أبي حازم عن سهل (الصحيح، الجهاد، باب فضل رباط يوم في سبيل الله ح ٢٨٩٢).\n(^٦) الزيادة من (عف).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مطولًا (المسند ح ٦٧٩٣) وصححه أحمد شاكر، وأخرجه مسلم من طريق الأعمش به (الصحيح، الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول ح ١٨٤٤).","vol":"2","page":481},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ تصغير لشأن الدنيا، وتحقير لأمرها، وأنها دنيئة فانية، قليلة زائلة، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾] [الأعلى] وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] وقال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠]. وفي الحديث: \"والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع إليه\" (^١)؟\nقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ قال: هي متاع هي متاع متروكة [أوشكت] (^٢) - والله الذي لا إله إلا هو - أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله (^٣).\n\n<span id=\"aya-479\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة]، أي: لا بدّ أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر مسليًا لهم عما ينالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمرًا لهم بالصفح والصبر والعفو حتى يفرج الله، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أن أُسامة بن زيد أخبره، قال: كان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ قال: وكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم (^٤). هكذا رواه مختصرًا.\nوقد ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية مطولًا، فقال: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أن أُسامة بن زيد، حدثه أن رسول الله ﷺ ركب على حمار عليه قطيفة فدكية، وأردف أُسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مرّ بمجلس فيه عبد الله بن أُبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أُبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خَمّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث المستورد بن شداد (الصحيح، الجنة وصفة نعيمها، باب فناء الدنيا ح ٢٨٥٨).\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: \"وسكن\"، وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه البخاري من طريق أبي اليمان به مطولًا كما سيأتي.","vol":"2","page":482},{"text":"وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله ﷺ، ثم وقف، فنزل، ودعاهم إلى الله ﷿ وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أُبي: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقًّا فلا تؤذنا به في مجالسنا. ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة ﵁: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستبَّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا [يتثاورون] (^١) فلم يزل النبي ﷺ[يخفضهم] (^٢) حتى سكتوا، ثم ركب النبي ﷺ دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ﷺ: \"يا سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟ \" يريد عبد الله بن أُبي، قال: كذا وكذا، فقال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فوالله الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما [أبى] (^٣) الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله، شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ، وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا …﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا …﴾ الآية [البقرة: ١٠٩]، وكان النبي ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن له فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرًا، فقتل الله به صناديد كفار قريش قال عبد الله بن أُبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام فأسلموا (^٤).\nفكل من قام بحق أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر فلا بدّ أن يؤذى، فما له دواء إلا الصبر في الله، والاستعانة بالله والرجوع إلى الله ﷿.\n\n<span id=\"aya-480\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾.\nهذا توبيخ وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأن ينوهوا بذكره في الناس، ليكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والخط الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تحذير للعلماء أن\n_________\n(^١) كذا في صحيح البخاري و(حم)، وفي الأصل: \"يتوارون\"، وفي (عف): \"يتبارزون\" والصحيح ما في الصحيح.\n(^٢) في الأصل: \"يحضهم\" وما أثبت من رواية البخاري.\n(^٣) في الأصل: \"أتى\" وما أثبت من رواية البخاري.\n(^٤) البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] (ح ٤٥٦٦).","vol":"2","page":483},{"text":"يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسالكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئًا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي ﷺ، أنه قال: \"من سئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار\" (^١).\n\n<span id=\"aya-481\"></span>وقوله تعالى ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يعني بذلك: [المرائين] (^٢) المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ: \"من ادعى دعوة كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة\" (^٣). وفي الصحيح أيضًا: \"المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة، أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان قال: اذهب يا رافع لبوابه إلى ابن عباس. فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم وهذه، إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. وقال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أرَوه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه (^٥)، وهكذا رواه البخاري في التفسير، ومسلم والترمذي والنسائي في تفسيريهما، وابن أبي حاتم، وابن جرير، والحاكم في مستدركه وابن مردويه كلهم من حديث عبد الملك بن جريج بنحوه، ورواه البخاري أيضًا من حديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن علقمة بن وقاص، أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس … فذكره.\nوقال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا محمد بن جعفر، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رجالًا من المنافقين كان إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا …﴾ الآية (^٦)، وكذا رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم بنحوه (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة (المسند ح ٧٥٦١) وصححه أحمد شاكر.\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(مح) وهو الصواب، وفي الأصل و(حم): \"المرابين\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث ثابت بن الضحاك بلفظه وأطول (الصحيح، الأيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه بعد حديث ١١٠).\n(^٤) صحيح البخاري، النكاح، باب المتشبع بما لم ينل (ح ٥٢١٩)، وصحيح مسلم، اللباس، باب النهي عن التزوير في اللباس وغيره (ح ٢١٢٩).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧١٢) وهو متفق عليه فقد أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير، باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا …﴾ [آل عمران: ١٨٨] ح ٤٥٦٨)، ومسلم (الصحيح، صفات المنافقين ح ٢٠١٥).\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) صحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٧٧).","vol":"2","page":484},{"text":"وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال: كان أبو سعيد ورافع بن خديج وزيد بن ثابت عند مروان، فقال: يا أبا سعيد رأيت قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، ونحن نفرح بما أتينا ونحب أن نحمد بما لم نفعل؟ فقال أبو سعيد: إن هذا ليس من ذاك، إنما ذاك أن ناسًا من المنافقين كانوا يتخلفون إذا بعث رسول الله ﷺ بعثًا، فإن كان فيهم نكبة فرحوا بتخلفهم، وإن كان لهم نصر من الله وفتح حلفوا لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح، فقال مروان: أين هذا من هذا؟ فقال أبو سعيد: وهذا يعلم هذا؟ فقال مروان: أكذلك يا زيد؟ قال: نعم، صدق أبو سعيد. ثم قال أبو سعيد: وهذا يعلم ذاك يعني رافع بن خديج، ولكنه يخشى إن أخبرك أن تنزع قلائصه في الصدقة، فلما خرجوا قال زيد لأبي سعيد الخدري: ألا تحمدني على ما شهدت لك، فقال أبو سعيد، شهدت الحق، فقال زيد: أَوَلا تحمدني على ما شهدت الحق؟ ثم رواه من حديث مالك، عن زبد بن أسلم، عن رافع بن خديج: أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فقال مروان: يا رافع في أي شيء نزلت هذه الآية؟ فذكره كما تقدم عن أبي سعيد ﵃ (^١)، وكان مروان يبعث بعد ذلك يسأل ابن عباس كما تقدم، فقال له: ما ذكرناه. ولا منافاة بين ما ذكره ابن عباس وما قاله هؤلاء، لأن الآية عامة في جميع ما ذكره، والله أعلم.\nوقد روى ابن مردويه أيضًا من حديث محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن الزهري، عن محمد بن ثابت الأنصاري، أن ثابت بن قيس الأنصاري قال: يا رسول الله، والله لقد خشيت أن أكون هلكت، قال: \"لِمَ\"؟ قال: نهى الله المرء أن يحب أن يُحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد، ونهى الله عن الخيلاء وأجدني أحبُّ الجمال، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال رسول الله ﷺ: \"ألا ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ \" فقال: بلى يا رسول الله. فعاش حميدًا وقتل شهيدًا يوم مسيلمة [الكذاب] (^٢) (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يقرأ بالتاء على مخاطبة المفرد، وبالياء (^٤) على الإخبار عنهم أي: لا يحسبون أنهم ناجون من العذاب بل لا بد لهم منه ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾\n\n<span id=\"aya-482\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾ أي: هو مالك كل شيء، والقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه، واحذروا غضبه ونقمته فإنه العظيم الذي لا أعظم منه، والقدير الذي لا أقدر منه.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه من الصحيحين.\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"الدواب\" وهو تصحيف.\n(^٣) سنده ضعيف لأن الزهري لم يسمع من محمد بن ثابت الأنصاري كما في ترجمة محمد بن ثابت في تهذيب التهذيب ٧/ ٨٤.\n(^٤) القراءتان متواترتان.","vol":"2","page":485},{"text":"<span id=\"aya-483\"></span>﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾.\nقال الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التُستَري، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش اليهود، فقالوا: [بمَ] (^١) جاءكم موسى؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، فدعا ربه، فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ فليتفكروا فيها (^٢). وهذا مشكل فإن هذه الآية مدنية، وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبًا كان بمكة، والله أعلم، ومعنى الآية أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه انخفاضها وكثافتها واتضاعها، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت وبحار وجبال وقفار وأشجار ونبات، وزروع وثمار، وحيوان ومعادن، ومنافع مختلفة الألوان والروائح والطعوم والخواص.\n﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرًا، ويقصر الذي كان طويلًا. وكان ذلك تقدير العزيز العليم، ولهذا قال تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف]\n\n<span id=\"aya-484\"></span>ثم وصف تعالى أولي الألباب، فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ قال: \"صلّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبك\" (^٣) أي: لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته وعلمه وحكمته واختياره ورحمته.\nوقال الشيخ أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة ولي فيه عبرة. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل والاعتبار (^٤).\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(ح) و(مح)، وفي الأصل و(حم): \"بما\".\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ١٢ ح ١٢٣٢٣) وسنده ضعيف بسبب يحيى وهو ابن عبد الحميد الحماني وهو حافظ لكنه متهم بسرقة الحديث كما في التقريب، وجعفر بن أبي المغيرة عن سعيد ليس بالقوي (تهذيب التهذيب ٢/ ١٠٨) ومتنه فيه نكارة.\n(^٣) صحيح البخاري، تقصير الصلاة، باب إذا لم يُطق قاعدًا صلى على جنب (ح ١١٧).\n(^٤) هذا النص وما بعده إلى إنشاد الحسين بن عبد الرحمن يبدو أنه منقول من كتاب التوكل والاعتبار.","vol":"2","page":486},{"text":"وعن الحسن البصري أنه قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، وقال الفضيل: قال الحسن: الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك.\nوقال سفيان بن عيينة: الفكرة نور يدخل قلبك وربما تمثل بهذا البيت:\nإذا المرء كانت له فكرة … ففي كل شيء له عبرة\nوعن عيسى ﵇ أنه قال: طوبى لمن كان قيله تذكرًا، وصمته تفكرًا، ونظره عبرًا.\nقال لقمان الحكيم: إن طول الوحدة ألهم للفكرة، وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة.\nوقال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئ قط إلا فهم ولا فهم امرؤ قط إلا علم، ولا علم امرؤ قط إلا عمل.\nوقال عمر بن عبد العزيز: الكلام بذكر الله ﷿ حسن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة.\nوقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها. وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعًا من بين أصحابه قد ذهب عقله.\nوقال عبد الله بن المبارك: مرَّ رجل براهب عند مقبرة ومزبلة، فناداه فقال: يا راهب، إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر: كنز الرجال، وكنز الأموال. وعن ابن عمر: أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين، فيقول: أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه، فيقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].\nوعن ابن عباس أنه قال: ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه.\nوقال الحسن البصري: يا ابن آدم، كل في ثلث بطنك، واشرب في ثلثه، ودع ثلثه الآخر تتنفس للفكرة، وقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة، انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة.\nوقال بشر بن الحارث الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه.\nوقال الحسن، عن عامر بن عبد قيس، قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ، يقولون: إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر. وعن عيسى ﵇ أنه قال: يا ابن آدم الضعيف اتق الله حيث ما كنت، وكن في الدنيا ضيفًا، واتخذ المساجد بيتًا، وعلم عينيك البكاء، وجسدك الصبر، وقلبك الفكر، ولا تهتم برزق غد. وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁، أنه بكى يومًا بين أصحابه، فسئل عن ذلك، فقال: فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها، فاعتبرت منها بها ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادكر. وقال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:\nنزهة المؤمن الفكر … لذة المؤمن العبر\nنحمد الله وحده … نحن كل على خطر\nرُبَّ لاه وعمره … قد تقضى وما شَعر\nرُبَّ عيش قد كان فو … ق المنى مونقَ الزهر","vol":"2","page":487},{"text":"في خرير من العيو … ن وظل من الشجر\nوسرور من النبا … ت وطيب من الثمر\nغيرته وأهله … سرعة الدهر بالغير\nنحمد اللّه وحده … إن في ذا المعتبر\nإن في ذا لعبرة … للبيب إن اعتبر\nوقد ذمَّ الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف] ومدح عباده المؤمنين [﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾] (^١) قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ أي: ما خلقت هذا الخلق عبثًا، بل بالحق لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ثم نزهوه من العبث وخلق الباطل، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: عن أن تخلق شيئًا باطلًا ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أي: يا من خلق الخلق بالحق والعدل، يا من هو منزه عن النقائص والعيب [والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك] (^٢) وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا. ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذاب كالأليم.\n\n<span id=\"aya-485\"></span>ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [أي]: (^٣) يوم القيامة لا مجير لهم منك. ولا محيد لهم عما أردت بهم\n\n<span id=\"aya-486\"></span>﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ أي: داعيًا يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول ﷺ ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ أي: يقول آمنوا بربكم فآمنا؛ أي: فاستجبنا له واتبعناه؛ ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [أي: بإيماننا واتباعنا نبيك] (^٤)، ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي: استرها. ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ فيما بيننا وبينك، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ أي: ألحقنا بالصالحين،\n\n<span id=\"aya-487\"></span>﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ قيل: معناه على الإيمان برسلك، وقيل: معناه على ألسنة رسلك. وهذا أظهر.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن محمد، عن أبي عقال، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"عسقلان (^٥) أحد العروسين يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفًا لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسين ألفًا شهداء وفودًا إلى الله، وبها صفوف الشهداء رؤوسهم مقطعة في أيديهم تثجُّ أوداجهم (^٦) دمًا، يقولون: ﴿رَبَّنَا\n_________\n(^١) هذه الزيادة ما بين معقوفين لا توجد في النسخ التي بين يدي، وهو مثبت من الأزهرية كما في طبعة الشعب، وفي نسخة جار الله كما في طبعة دار طيبة بتحقيق سامي السلامة، ومن هاتين الطبعتين أضفت النص.\n(^٢) هذه الزيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: \"إلى\" وهو تصحيف.\n(^٤) الزيادة من (عف) و(مح).\n(^٥) عسقلان: مدينة في فلسطين على ساحل البحر تقع بين غزة وبيت جبرين (معجم البلدان ٤/ ١٢٢).\n(^٦) الأوداج: جمع ودج وهو: عرق في العنق (الصحاح ١/ ٣٤٦).","vol":"2","page":488},{"text":"وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ فيقول الله: صدق عبيدي اغسلوهم بنهر البيضة، فيخرجون منه نقاء بيضًا، فيسرحون (^١) في الجنة حيث شاؤوا\" (^٢). وهذا الحديث يُعدُّ من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعًا، والله أعلم.\n\n﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: على رؤوس الخلائق، ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رسلك وهو القيام يوم القيامة بين يديك.\nوقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن سُريج، حدثنا المعتبر، حدثنا الفضل بن عيسى، حدثنا محمد بن المنكدر، أن جابر بن عبد الله حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: \" [العار] (^٣) والتخزية تبلغ من ابن آدم في القيامة في المقام بين يدي الله ﷿ ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار\" (^٤). حديث غريب.\nوقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده، فقال البخاري ﵀: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس ﵄، قال: بتُّ عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) …﴾ الآيات، ثم قام فتوضأ واستن، فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح (^٥). وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني، عن [ابن أبي مريم (^٦)] (^٧) به. ثم رواه البخاري من طرق عن مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، أن ابن عباس أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته، قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، [فنام] (^٨) رسول الله ﷺ حتى إذا انتصف الليل أو قبله أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله ﷺ من منامه فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شَنٍّ معلقة فتوضأ منها، فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي. قال ابن عباس ﵄: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلى ركعتين ثم\n_________\n(^١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"فيروحون\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٢٥) وسنده ضعيف جدًّا بسبب أبي عقال وهو: هلال بن زيد بن يسار البصري نزيل عسقلان وهو متروك (التقريب ٢/ ٣٢٣). وعده ابن الجوزي ضمن الموضوعات ٢/ ٥٤، ٥٥، ورد عليه الحافظ ابن حجر في القول المسدد ص ٣٣.\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) ومسند أبي يعلى، وفي الأصل: \"المعاد\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه أبو يعلى سنده ومتنه (المسند ٣/ ٣١١ ح ١٧٧٦). وسنده ضعيف بسبب الفضل بن عيسى وهو: الرقاشي منكر الحديث ورمي بالقدر (التقريب ص ٤٤٦).\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية ح ٤٥٦٩).\n(^٦) كذا في صحيح مسلم، وفي الأصل: \"ابن مريم\".\n(^٧) صحيح مسلم، صلاة المسافرين (ح ١٩٠).\n(^٨) كذا في صحيح البخاري و(عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"قام\" وهو تصحيف.","vol":"2","page":489},{"text":"ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح (^١). وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن مالك به. ورواه مسلم أيضًا (^٢) وأبو داود من وجوه أخر عن مخرمة بن سليمان به.\n(طريق أخرى) لهذا الحديث عن ابن عباس ﵄، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن علي، حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرّة، أنبأنا خلاد بن يحيى، أنبأنا يونس بن أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس، قال: أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله ﷺ وأحفظ صلاته. قال: فصلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة العشاء الآخرة حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره، قام [فمرَّ بي] (^٣)، فقال: من هذا؟ عبد الله؟ قلت: نعم، قال: فمه قلت أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة. قال: \"فالحق الحق فلما أن دخل قال: افرش عبد الله؟ فأتى بوسادة من مسوح. قال: فنام رسول الله ﷺ عليها حتى سمعت غطيطه (^٤)، ثم استوى على فراشه قاعدًا، قال: فرفع رأسه إلى السماء، فقال: \"سبحان الملك القدوس\" ثلاث مرات ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها (^٥). وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه حديثًا في ذلك أيضًا.\n(طريق أخرى) رواها ابن مردويه من حديث عاصم بن بهدلة، عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة بعدما مضى ليل، فنظر إلى السماء وتلا هذه الآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾، ثم قال: \"اللهم اجعل في قلبي نورًا، [وفي سمعي نورًا] (^٦) وفي بصري نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن بين يدي نورًا، ومن خلفي نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا وأعظم لي نورًا يوم القيامة\" (^٧).\nوهذا الدعاء ثابت في بعض طرق الصحيح من رواية كريب عن ابن عباس ﵁، ثم روى ابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش اليهود، فقالوا: بمَ جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده البيضاء للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبًا، فدعا ربه ﷿، فنزلت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الوضوء، باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره ح ١٨٣).\n(^٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (ح ٧٦٣).\n(^٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"حرى\"!\n(^٤) الغطيط: الصوت الذي يخرج مع نفس النائم (النهاية ٣/ ٣٧٢).\n(^٥) حديث صحيح أخرجه مسلم من طريق محمد بن علي بن عبد الله بن عباس به (الصحيح، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل ح ٧٦٣).\n(^٦) ما بين المعقوفين سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٧) سنده ضعيف لإبهام شيخ عاصم بن بهدلة.","vol":"2","page":490},{"text":"﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ قال: فليتفكروا فيها (^١)، لفظ ابن مردويه. وقد تقدم هذا الحديث من رواية الطبراني في أول الآية، وهذا يقتضي أن تكون هذه الآيات مكية، والمشهور أنها مدنية، ودليله الحديث الآخر.\nقال ابن مردويه: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن علي الحراني، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا حشرج بن نباتة الواسطي أبو مكرم، عن الكلبي وهو أبو جَناب، عن عطاء، قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة ﵂، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت: يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: قول الشاعر: زر غبًا تزدد حبًا. فقال ابن عمر: ذرينا أخبرينا بأعجب شيء رأيتِهِ من رسول الله ﷺ، فبكت وقالت: كل أمره كان عجبًا، أتاني في ليلتي حتى مسَّ جلده جلدي، ثم قال: \"ذريني أتعبد لربي ﷿ قالت: فقلت: والله إني لأحب قربك، وإني أحب أن تَعَبّد لربك، فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صبَّ الماء، ثم قام يصلي فبكى حتى بلَّ لحيته، ثم سجد فبكى حتى بلَّ الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح. قالت: فقال: يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم وما تأخر؟ فقال: \"ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل عليّ في هذه الليلة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ \" ثم قال: \"ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها\" (^٢).\nوقد رواه عبد بن حميد في تفسيره عن جعفر بن عون، عن أبي جناب الكلبي، عن عطاء (^٣). قال: دخلت أنا وعبد الله بن عمر وعبيد بن عمير على أُم المؤمنين عائشة ﵂ وهي في خدرها، فسلمنا عليها، فقالت: من هؤلاء؟ قال: فقلنا: هذا عبد الله بن عمر وعبيد بن عمير. قالت: يا عبيد بن عمير. ما يمنعك من زيارتنا، قال: ما قال الأول: زر غبًا تزدد حبًا. قالت: إنا لنحب زيارتك وغشيانك. قال عبد الله بن عمر: دعينا من بطالتكما هذه، أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله ﷺ. قال: فبكت ثم قالت: كل أمره كان عجبًا، أتاني في ليلتي حتى دخل معي في فراشي، حتى لصق جلده بجلدي، ثم قال: \"يا عائشة ائذني لي أتعبد لربي\". قالت: إني لأحب قربك وأحب هواك. قالت: فقام إلى قربة في البيت فما أكثر صبّ الماء، ثم قام فقرأ القرآن، ثم بكى حتى رأيت أن دموعه بلغت حقويه حجره، قالت: ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه، قالت: ثم اتكأ على جنبه الأيمن ووضع يده تحت خده، ثم بكى حتى رأيت دموعه قد بلغت الأرض فدخل عليه بلال فآذنه بصلاة الفجر، ثم قال: الصلاة يا رسول الله، فلما رآه بلال يبكي قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم مختصرًا من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني عن يعقوب القمي عن جعفر به، وسنده ضعيف بسبب يحيى وجعفر كما تقدم في أول رواية لتفسير الآية. وما ذكره الحافظ من دليل آخر فإنه ضعيف أيضًا كما سيأتي.\n(^٢) سنده ضعيف بسبب أبي جناب الكلبي وهو: يحيى بن أبي حَيَّن ضعفوه لكثرة تدلسيه (التقريب ص ٥٨٩) ولم يصرح بالسماع. وفي متنه مبالغة في قوله: فبكى حتى بلّ الأرض!\n(^٣) في الأصل ورد بلفظ: \"وقد رواه عبد بن حميد عن جعفر بن عون عن أبي جناب الكلبي عن عطاء\" بأطول من هذا وأتم سياقًا. وكذا في (حم) و(ح)، وأما في (عف) و(مح) فقد ساقه بطوله كما أثبت أعلاه.","vol":"2","page":491},{"text":"تأخر؟ فقال: \"يا بلال أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ وما لي لا أبكي وقد نزل عليّ الليلة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ \" ثم قال: \"ويل لمن قرأ هذه الآيات ولم يتفكر فيها\" (^١). وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن عمران بن موسى، عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سويد النخعي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة … فذكر نحوه (^٢). وهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار عن شجاع بن أشرس به (^٣). ثم قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز: سمعت سُنيدًا يذكر عن سفيان هو الثوري رفعه، قال: \"من قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها ويله\" يعد بأصابعه عشرًا (^٤). قال الحسن بن عبد العزيز: فأخبرني عبيد بن السائب قال: قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرؤهن وهو يعقلهن.\nقال ابن أبي الدنيا: وحدثني قاسم بن هاشم، حدثنا علي بن عياش، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان قال: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلق به المتعلق من الفكر فيهن وما ينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هنية ثم قال: يقرؤهن وهو يعقلهن.\n(حديث آخر) فيه غرابة. قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير، حدثنا إسحاق بن إبراهيم البستي (^٥) (ح) قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو قال: أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سليمان بن موسى الزهري، أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي، أنبأنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة (^٦). مظاهر بن أسلم: ضعيف.\n\n<span id=\"aya-488\"></span>﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: فأجابهم ربهم، كما قال الشاعر (^٧):\nوداعٍ دعا يا من يجيبُ إلى النَّدى … فلم يستجبْه عند ذاك مجيبُ\nقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سلمة رجل من آل أُم سلمة، قال: قالت أُم سلمة: يا رسول الله لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء. فأنزل الله تعالى:\n_________\n(^١) سنده ضعيف بسبب أبي جناب الكلبي كما تقدم آنفًا.\n(^٢) الإحسان ٢/ ٣٢٩ (ح ٦٢٠) في سنده عبد الملك بن أبي سليمان: صدوق له أوهام (التقريب ص ٣٦٣).\n(^٣) في سنده أبو جناب الكلبي أيضًا.\n(^٤) في سنده سنيد وهو الحسين بن داود ضعيف.\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"الليثي\".\n(^٦) سنده ضعيف بسبب مظاهر بن أسلم المخزومي: وهو ضعيف كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٧) هو كعب بن سعد الغنوي، وقد ورد هذا البيت في تفسير الطبري، والأصمعيات ص ١٤، وأمالي القالي ٢/ ١٥١.","vol":"2","page":492},{"text":"﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى …﴾ إلى آخر الآية. وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا (^١). وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة. ثم قال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أُم سلمة، قالت: آخر آية نزلت هذه الآية: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ …﴾ إلى آخرها، رواه ابن مردويه (^٢)، ومعنى الآية أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا [ما سألوا] (^٣) مما تقدم ذكره فاستجاب لهم ربهم عقب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة] وقوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ هذا تفسير للإجابة، أي قال لهم مجيبًا لهم أنه لا يضيع عمل عامل منكم لديه، بل يوفى كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى، وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: جميعكم في ثوابي سواء، ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ أي: تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والإخوان والخلان والجيران، ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم، ولهذا قال: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج] وقوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه.\nوقد ثبت في الصحيحين أن رجلًا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال: \"نعم\"، ثم قال: \"كيف قلت؟ فأعاد عليه ما قال، فقال: نعم، إلا الدّين، قاله لي جبريل آنفًا\" (^٤). ولهذا قال تعالى: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\nوقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلًا كثيرًا، كما قال الشاعر:\nإن يعذب يكن غرامًا وإن … يُعط جزيلًا فإنه لا يبالي\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن، كتاب التفسير ٣/ ١١٣٦ ح ٥٥٢)، وأخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة النساء ح ٢٠٢٣)، والحاكم (المستدرك ٢/ ٣٠٠) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح بما قبله (صحيح سنن الترمذي ح ٢٤٢٠) ويقصد بما قبله طريق مجاهد عن أُم سلمة التالي.\n(^٢) أخرجه الطبري والحاكم كلاهما من طريق ابن أبي نجيج به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤١٦) وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري.\n(^٣) سقط في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث أبي قتادة (الصحيح، الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كُفرت خطاياه إلا الدين ح ١٨٨٥).","vol":"2","page":493},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ أي: عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحًا.\nقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن [دحيم] (^١) بن إبراهيم قال: قال الوليد بن مسلم: أخبرني حَريز بن عثمان، أن شداد بن أوس كان يقول: يا أيها الناس، لا تتهموا الله في قضائه، فإنه لا يبغي على مؤمن، فإذا أنزل بأحدكم شيء مما يحب، فليحمد الله، وإذا أنزل به شيء مما يكره، فليصبر وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب (^٢).\n\n<span id=\"aya-489\"></span>\n\n<span id=\"aya-490\"></span>\n\n<span id=\"aya-491\"></span>﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾.\nيقول تعالى: لا تنظر إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه من النعمة والغبطة والسرور، فعما قليل يزول هذا كله عنهم ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجًا، وجميع ما هم فيه ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾ [غافر]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان] وقال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق] أي: قليلًا، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾ [القصص]\nوهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر أن مآلهم إلى النار، قال بعده: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي ضيافة من عند الله ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾.\nوقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا أبو طاهر سهل بن عبد الله، أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سعيد بن يحيى، أنبأنا عبيد الله بن الوليد [الوصافي] (^٣)، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ قال: \"إنما سموا الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقًّا كذلك لولدك عليك حق\" كذا رواه ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن جناب، حدثنا عيسى بن يونس، عن عبد الله بن الوليد [الوصافي] (^٤).\nعن محارب بن دثار، عن ابن عمر، قال: إنما سماهم الله أبرارًا لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقًّا كذلك لولدك عليك حق (^٥)، وهذا أشبه، والله أعلم.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، عن\n_________\n(^١) كذا في تفسير ابن أبي حاتم و(عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"رحيم\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه معلق.\n(^٣) (^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"الرصافي\" وهو تصحيف.\n(^٥) رواية ابن مردويه وابن أبي حاتم فيها عبيد الله بن الوليد الوصافي وهو ضعيف (التقريب ١/ ٥٤٠)، وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه.","vol":"2","page":494},{"text":"رجل، عن الحسن، قال: الأبرار الذين لا يؤذون الذرّ (^١).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود، قال: قال عبد الله يعني: ابن مسعود: ما من نفس برّة ولا فاجرة إلا الموت خير لها، لئن كان برًّا لقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ (^٢).\nوكذا رواه عبد الرزاق عن الأعمش، عن الثوري به. وقرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ …﴾ الآية [آل عمران: ١٧٨].\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا ابن أبي جعفر، عن فرج بن فضالة، عن لقمان، [عن] (^٣) أبي الدرداء أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ ويقول: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ (^٤) [آل عمران: ١٧٨].\n\n<span id=\"aya-492\"></span>﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾.\nيخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، ويؤمنون بما أنزل على محمد مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله أي مطيعون له، خاضعون متذللون بين يديه، ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا يكتمون ما بأيديهم من البشارات بمحمد ﷺ وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودًا أو نصارى، وقد قال تعالى في سورة القصص: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] الآية، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ …﴾ [البقرة: ١٢١] الآية. وقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء] وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلًا كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود، ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه شيخ هشام: مبهم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية به (المصنف ١٣/ ٣٠٣ رقم ١٦٤٢٠)، وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٨).\n(^٣) في الأصل: \"بن\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب فرج بن فضالة: وهو ضعيف (التقريب ص ٤٤٤).","vol":"2","page":495},{"text":"لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا …﴾ الآية [المائدة: ٨٢ - ٨٥]، وهكذا قال ههنا: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\nوقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب ﵁، لما قرأ سورة ﴿كهيعص (١)﴾ [مريم] بحضرة النجاشي ملك الحبشة وعنده البطاركة والقساوسة، بكى وبكوا معه حتى أخضبوا لحاهم.\nوثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي ﷺ إلى أصحابه وقال: \"إن أخًا لكم بالحبشة قد مات، فصلوا عليه\" فخرج إلى الصحراء فصفّهم وصلّى عليه (^١).\nوروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: لما توفي النجاشي قال رسول الله ﷺ: \"استغفروا لأخيكم\" فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة، فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ …﴾ الآية (^٢)، ورواه [عبد بن حميد و] (^٣) ابن أبي حاتم من طريق أخرى عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن (^٤) عن النبي ﷺ، ثم رواه ابن مردويه من طرق عن حميد، عن أنس بن مالك، بنحو ما تقدم (^٥) ورواه أيضًا ابن جرير من حديث أبي بكر الهذلي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ حين مات النجاشي: \"إن أخاكم أصحمة قد مات\"، فخرج رسول الله ﷺ فصلى كما يصلي على الجنائز فكبر عليه أربعًا، فقال المنافقون: يصلي على علج مات بأرض الحبشة، فأنزل الله ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ (^٦) وقال أبو داود (^٧): حدثنا محمد بن عمرو الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: لما مات النجاشي كنا نحدث أنه لا يزال يرى على قبره (^٨) نور.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الجنائز، باب الصفوف على الجنازة (ح ١٣٢٠)، وصحيح مسلم، الجنائز، باب في التكبير على الجنازة (ح ٩٥١).\n(^٢) أخرجه ابن حاتم من طريق أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة عن مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به، وأحمد هذا ضعيف الحديث (الجرح والتعديل ٢/ ٧١) وله متابعات وشواهد ترقيه إلى درجة الحسن لغيره. وقد سردتها في تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٣) الزيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه النسائي من طريق حميد وعن الحسن (التفسير ١/ ٣٥٩ ح ١٠٩) وسنده مرسل.\n(^٥) أخرجه النسائي من طريق حميد به (التفسير ١/ ٣٥٨ ح ١٠٨) وصححه محققوه.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق أبي بكر الهذلي به، وسنده ضعيف بسبب أبي بكر متروك كما في التقريب.\n(^٧) رواية أبي داود تقدمت رواية الحاكم في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل جاءت بعد رواية الحاكم.\n(^٨) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في النور يرى عند قبر الشهيد ح ٢٥٢٣)، وسنده حسن.","vol":"2","page":496},{"text":"وقد روى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو العباس السياري بمرو، حدثنا عبد الله بن علي الغزال، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: نزل بالنجاشي عدو من أرضهم، فجاءه المهاجرون، فقالوا: إنا نحب أن نخرج إليهم حتى نقاتل معك وترى جرأتنا ونجزيك بما صنعت بنا، فقال: لا، دواء بنصرة الله ﷿ خير من دواء بنصرة الناس، قال: وفيه نزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^١).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: مسلمة أهل الكتاب (^٢).\nوقال عباد بن منصور: سألت الحسن البصري عن قول الله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ …﴾ الآية، قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد ﷺ فاتبعوه، وعرفوا الإسلام فأعطاهم الله تعالى أخبر اثنين: للذي كانوا عليه من الإسلام من قبل محمد ﷺ، وبالدين الذي اتبعوا محمدًا ﷺ (^٣)، رواهما ابن أبي حاتم.\nوقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين\" فذكر منهم: ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا يكتمون ما بأيديهم من العليم كما فعله الطائفة المرذولة منهم، بل يبذلون ذلك [مجانًا] (^٥)، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\nقال مجاهد: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يعني: سريع الإحصاء، رواه ابن أبي حاتم (^٦) وغيره.\n\n<span id=\"aya-493\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [قال الحسن البصري ﵀: أمروا أن يصبروا] (^٧) على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يَملّون دينهم (^٨)، وكذا قال غير واحد من علماء السلف، وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات، وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة، قاله ابن عباس وسهل بن حنيف ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم (^٩)، وروى ابن أبي حاتم ههنا الحديث الذي رواه مسلم والنسائي من حديث مالك بن أنس، عن العلاء بن\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وتعليقه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شبل عن ابن أبي نجيح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم مختصرًا بسند حسن من طريق أبي بكر الحنفي عن عباد به.\n(^٤) صحيح البخاري، العلم، باب تعليم الرجل أمته (ح ٩٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ (ح ١٥٤).\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"حجابًا\" وهو تصحيف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن.\n(^٩) سيأتي ذكره مرفوعًا وموقوفًا في الروايات التالية.","vol":"2","page":497},{"text":"عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: \"ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط\" (^١).\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا أبو جحيفة علي بن يزيد الكوفي، أنبأنا ابن أبي كريمة، عن محمد بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أقبل عليّ أبو هريرة يومًا، فقال: أتدري يا ابن أخي فيمَ نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾؟ قلت: لا. قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد ويصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم أنزلت ﴿اصْبِرُوا﴾ أي: الصلوات الخمس، ﴿وَصَابِرُوا﴾ أنفسكم وهواكم، ﴿وَرَابِطُوا﴾ في مساجدكم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما عليكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن منصور عن ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت، عن داود بن صالح، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثني ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن شرحبيل، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أدلكم على ما يكفر الذنوب والخطايا؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط\" (^٣).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثني يحيى بن يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب\"؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: \"إسباغ الوضوء في أماكنها، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط\" (^٤).\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي، أنبأنا محمد بن عبد الله بن السلام البيروتي، أنبأنا محمد بن غالب الأنطاكي، أنبأنا عثمان بن عبد الرحمن، أنبأنا الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي أيوب ﵁، قال: وقف علينا رسول الله ﷺ، فقال: \"هل لكم إلى ما يمحو الله به الذنوب ويعظم به الأجر؟ \" قلنا: نعم يا رسول الله، وما هو؟ قال: \"إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة\". قال: وهو قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ فذلك هو الرباط في المساجد، وهذا حديث غريب من هذا الوجه جدًّا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ومسلم (الصحيح، الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء ح ٣٥١).\n(^٢) أخرجه الحاكم من طريق سعيد به (المستدرك ٢/ ٣٠٠، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًّا بسبب عبد الله بن سعيد المقبري وهو متروك (التقريب ص ٣٠٦).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحسنه محققه أحمد شاكر.\n(^٥) في سنده الوازع بن نافع العقيلي، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك (لسان الميزان ٦/ ٢١٣).","vol":"2","page":498},{"text":"وقال عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، حدثني داود بن صالح، قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: [يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾؟ قال: قلت: لا. قال: إنه لم يكن] (^١) يا ابن أخي في زمان رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة، رواه ابن جرير (^٢)، وقد تقدم سياق ابن مردويه له، وأنه من كلام أبي هريرة ﵁، والله أعلم، وقيل: المراد بالمرابطة ههنا: مرابطة الغزو [في نحور العدو] (^٣) وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك وذكر كثرة الثواب فيه، فروى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي ﵄ أن رسول الله ﷺ، قال: \"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما [عليها] \" (^٤) (^٥).\n(حديث آخر) روى مسلم عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه وأمن الفَتَّان\" (^٦).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، أخبرني أبو هانئ الخولاني، أن عمرو بن مالك الجَنْبي أخبره، أنه سمع فضالة بن عبيد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه يَنْمي (^٧) له عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر\" (^٨)، وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي هانئ الخولاني وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن حبان في صحيحه أيضًا.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، وحسن بن موسى وأبو سعيد عبد الله بن يزيد كلهم عن عبد الله بن لهيعة، حدثنا [مشرح بن هاعان] (^٩)، سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كل ميت يختم له على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك به، وأخرجه الحاكم من طريق ابن المبارك به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠١).\n(^٣) سقط كسابقه.\n(^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وصحيح البخاري، وفي الأصل: \"وما فيها\" وهو تصحيف.\n(^٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل رباط يوم في سبيل الله (ح ٢٨٩٢).\n(^٦) صحيح مسلم، الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله (ح ١٩١٣).\n(^٧) كذا في المسند، وفي كل النسخ: ينمو، وكذا في سنن أبي داود كما في التخريج.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٠)، وأخرجه الترمذي من طريق ابن المبارك به وقال: حسن صحيح (السنن، الجهاد، باب ما جاء في فضل من مات مرابطًا ح ١٦٢١)، وأخرجه أبو داود من طريق ابن وهب عن أبي هانئ به (السنن، الجهاد، باب في فضل الرباط ح ٢٥٠٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢١٨٢)، وأخرجه الحاكم من طريق ابن المبارك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٤٤).\n(^٩) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والمسند وفي الأصل: \"مسوح بن عاهان\" وهو تصحيف.","vol":"2","page":499},{"text":"يجري عليه عمله حتى يبعث ويأمن من الفتَّان\" (^١). وروى الحارث بن محمد بن أبي أُسامة في مسنده عن المقبري وهو عبد الله بن يزيد به إلى قوله: \"حتى يبعث\" دون ذكر \"الفتان\" (^٢). وابن لهيعة إذا صرح بالتحديث فهو حسن ولا سيما مع ما تقدم من الشواهد.\n(حديث آخر) قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني الليث، عن زهرة بن معبد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"من مات مرابطًا في سبيل الله أجرى عليه عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجرى عليه رزقه، وأمن من الفتَّان، وبعثه الله يوم القيامة آمنًا من الفزع\" (^٣).\n(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا موسى، أنبأنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"من مات مرابطًا وقي فتنة القبر، وأمن من الفزع الأكبر، وغدا عليه وريح برزقه من الجنة، وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة\" (^٤).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي، عن إسحاق بن عبد الله، عن أُم الدرداء ترفع الحديث، قالت: \"من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام أجزأت عنه رباط سنة\" (^٥).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا كهمس، حدثنا مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، قال: قال عثمان ﵁ وهو يخطب على منبره: إني محدثكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلّا الظن بكم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها\" (^٦) وهكذا رواه أحمد أيضًا عن روح، عن كهمس، عن مصعب بن ثابت، عن عثمان (^٧)، وقد رواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير، قال: خطب عثمان بن عفان الناس، فقال: يا أيها الناس إني سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا لم يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم [وبصحابتكم] (^٨) فليختر مختار لنفسه أو ليدع سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة صيامها وقيامها\" (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ١٥٠، ١٥٧) وسنده حسن، وحسنه الحافظ ابن كثير كما سيأتي ويشهد له ما سبق.\n(^٢) بغية الباحث بزوائد الحارث (ح ٦٢٧).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب فضل الرباط في سبيل الله ح ٢٧٦٧)، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/ ٣٩١، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٢٣٤).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٠٤) وسنده حسن بالشواهد.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ٥٨٨ ح ٢٧٠٤٠) وضعفه محققوه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٠٩ ح ٤٦٣) وضعفه محققوه بسبب ضعف مصعب بن ثابت وعدم سماعه من عثمان.\n(^٧) فيه مصعب بن ثابت أيضًا.\n(^٨) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وسنن ابن ماجه، وفي الأصل: \"ونصحا منكم\" وهو تصحيف.\n(^٩) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب فضل الرباط في سبيل الله ح ٢٧٦٦)، وسنده ضعيف بسبب مصعب بن ثابت.","vol":"2","page":500},{"text":"(طريق أخرى) عن عثمان ﵁. قال الترمذي: حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا أبو عقيل [زهرة بن معبد] (^١) عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت عثمان وهو على المنبر يقول: إني كتمتكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ كراهية تفرقكم عني، ثم بدا لي أن أحدثكموه: ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل\". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه (^٢)، قال محمد - يعنى البخاري -: أبو صالح مولى عثمان اسمه: بركان، وذكر غير الترمذي أن اسمه الحارث، والله أعلم. وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث الليث بن [سعد] (^٣) وعبد الله بن لهيعة، وعنده زيادة في آخره، فقال يعني عثمان: فليرابط امرؤ كيف شاء هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد.\n(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، حدثنا محمد بن المنكدر، قال: مرَّ سلمان الفارسي. بشرحبيل بن السمط، وهو في مرابَط له وقد شقّ عليه وعلى أصحابه، فقال: أفلا أحدثك يا ابن السمط بحديث سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: بلى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"رباط يوم في سبيل الله أفضل - أو قال: خير - من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وقي فتنة القبر، ونمي له عمله إلى يوم القيامة\" (^٤) تفرد به الترمذي من هذا الوجه، وقال: هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ زيادة وليس إسناده بمتصل، وابن المنكدر لم يدرك سلمان.\n(قلت): الظاهر أن محمد بن المنكدر سمعه من شرحبيل بن السمط، وقد رواه مسلم والنسائي من حديث مكحول وأبي عبيدة بن عقبة، كلاهما عن شرحبيل بن السمط وله صحبة، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات، جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتَّان\" وقد تقدم سياق مسلم بمفرده (^٥).\n(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، حدثنا محمد بن يعلى السلمي، حدثنا عمر بن صبيح، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن مكحول، عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لرباط يوم في سبيل الله، من وراء عورة المسلمين محتسبًا من غير شهر رمضان أعظم أجرًا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها، ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبًا من غير شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرًا - أراه قال: - من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها، فإن رده الله تعالى إلى أهله سالمًا لم تكتب عليه سيئة ألف سنة،\n_________\n(^١) كذا في سنن الترمذي و(عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"زهرة بن سعيد\".\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، الجهاد، باب ما جاء في فضل المرابط ح ١٦٦٧)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق الليث به (المسند ١/ ٥١٣ ح ٤٧٠) وحسنه محققوه، وصححه أحمد شاكر في المسند برقم (٤٧٠).\n(^٣) في الأصل: \"سعيد\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل المرابط ح ١٦٦٥) وحسنه، وفي سنده محمد بن المنكدر لم يسمع من سلمان الفارسي ويشهد له ما تقدم في الصحيحين.\n(^٥) تقدم في الحديث الثاني من هذه الأحاديث الواردة في فضل الرباط في سبيل الله تعالى.","vol":"2","page":501},{"text":"وتكتب له الحسنات، ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة\" (^١) هذا حديث غريب، بل منكر من هذا الوجه، وعمر بن صبيح متهم.\n(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا عيسى بن يونس الرملي، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن سعيد بن خالد بن أبي طويل، سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"حرس ليلة في سبيل الله خير من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة. السنة ثلثمائة وستون يومًا، واليوم كألف سنة\" (^٢) وهذا حديث غريب أيضًا، وسعيد بن خالد هذا ضعفه أبو زرعة وغير واحد من الأئمة، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقال الحاكم: روى عن أنس أحاديث موضوعة.\n(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن الصباح، أنبأنا عبد العزيز بن محمد عن صالح بن محمد بن زائدة، عن [عمر بن عبد العزيز] (^٣)، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ: \"رحم الله حارس الحرس\" (^٤) فيه انقطاع بين عمر بن عبد العزيز وعقبة بن عامر، فإنه لم يدركه، والله أعلم.\n(حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية يعني ابن سلام عن زيد - يعني ابن سلام - أنه سمع أبا سلام قال: حدثني السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين حتى كانت عشية، فحضرت الصلاة مع رسول الله ﷺ، فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم فتبسم النبي ﷺ وقال: \"تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله\" ثم قال: \"من يحرسنا الليلة\"؟ قال: أنس [بن أبي مرثد] (^٥): أنا يا رسول الله، فقال: \"فاركب\" فركب فرسًا له، فجاء إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: \"استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغز من قبلك الليلة\" فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى [مصلاه] (^٦)، فركع ركعتين ثم قال: \"هل أحسستم فارسكم؟ \" فقال رجل: يا رسول الله ما أحسسناه فثوب بالصلاة، فجعل النبي ﷺ وهو يصلي يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته قال: \"أبشروا فقد جاءكم فارسكم\" فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء حتى وقف على النبي ﷺ، فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرتني،\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب فضل الرباط في سبيل الله ح ٢٨٦٨)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير أيضًا في جامع الأسانيد ١/ ١٥٠ بأنه من وضع عمر بن صبيح.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب فضل الحرس والتكبير في سبيل الله ح ٢٧٧٠)، وذكره ابن الجوزي وضعفه في العلل المتناهية (ح ٩٥٦)، وقال الألباني: إنه موضوع (السلسلة الضعيفة ح ١٢٣٤).\n(^٣) في الأصل: \"يحيى بن عبد العزيز\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الحهاد، باب فضل الحرس والتكبير ح ٢٧٦٩)، وضعفه الحافظ ابن كثير بسبب الانقطاع، وضعفه البوصيري بسبب صالح بن محمد بن زائدة (مصباح الزجاجة ٢/ ٣٩٤).\n(^٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل: \"ابن أبي مزيد\" وهو تصحيف.\n(^٦) في الأصل: \"الصلاة\" والتصويب كسابقه.","vol":"2","page":502},{"text":"فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أرَ أحدًا، فقال له رسول الله ﷺ: \"هل نزلت الليلة؟ \" قال: لا إلا مصليًا أو قاضي حاجة، فقال له: \"أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها\". ورواه النسائي عن محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني عن أبي توبة، وهو الربيع بن نافع به (^١).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عبد الرحمن بن شريح، سمعت محمد بن [شمير] (^٢) الرعيني يقول: سمعت أبا عامر التّجيي، قال الإمام أحمد: وقال غير زيد أبا علي الجنبي يقول: [سمعت أبا ريحانة يقول] (^٣): كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأتينا ذات ليلة إلى شرف، فبتنا عليه، فأصابنا برد شديد حتى رأيت من يحفر في الأرض حفرة يدخل فيها ويلقي عليه الجحفة يعني الترس، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ من الناس نادى: \"من يحرسنا في هذه الليلة فأدعو له بدعاء يكون له فيه فضل؟ \" فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فقال: \"ادن\" فدنا، فقال: \"من أنت \"؟ فتسمى له الأنصاري، ففتح رسول الله ﷺ بالدعاء فأكثر منه. فقال أبو ريحانة: فلما سمعت ما دعا به رسول الله ﷺ، قلت: أنا رجل آخر، فقال: \"ادن\"، فدنوت فقال: \"من أنت؟ \" قال: فقلت: أنا أبو ريحانة، فدعا بدعاء هو دون ما دعا للأنصاري، ثم قال: \"حرمت النار على عين دمعت - أو بكت - من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله\" (^٤).\nوروى النسائي منه: \"حرمت النار … \" إلى آخره عن عصمة بن الفضل عن زيد بن الحباب به، وعن الحارث بن مسكين عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن شريح به (^٥)، وأتم وقال في الروايتين عن أبي علي الجَنَبي.\n(حديث آخر) قال الترمذي: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا [شعيب بن رُزيق] (^٦) أبو شيبة، عن عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله\" ثم قال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رُزيق، قال: وفي الباب عن عثمان وأبي ريحانة (^٧). (قلت): وقد تقدما، ولله الحمد.\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الجهاد، باب فضل الحرس في سبيل الله تعالى (ح ٢٥٠١)، وسنن النسائي الكبرى، كتاب السير (ح ٨٨٧٠)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي توبة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢٣٧)، وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ٨/ ٢٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢١٨٣).\n(^٢) كذا في (عف) و(ح) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"سهر\" وهو تصحيف.\n(^٣) سقط في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) (مح) والمسند.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٤)، وأخرجه النسائي من طريق زيد به ولكن من طريق أبي علي الجنبي كما سيأتي، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٢٩٢٠)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن شريح وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٨٣).\n(^٥) سنن النسائي، الجهاد، باب ثواب عين سهرت في سبيل الله ﷿ ٦/ ١٥، وتقدم تصحيحه.\n(^٦) كذا في سنن الترمذي و(عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"بن رزين\".\n(^٧) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، الجهاد، باب في فضل الحرس في سبيل الله ح ١٦٣٩) وفيه =","vol":"2","page":503},{"text":"(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا [رِشدين، عن زَبّان] (^١)، عن سهل بن معاذ، عن أبيه معاذ بن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \" [من] (^٢) حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لا بأجرة سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] \" (^٣) تفرد به أحمد ﵀.\n(حديث آخر) روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع\" (^٤).\nفهذا آخر ما تيسر إيراده من الأحاديث المتعلقة بهذا المقام، ولله الحمد على جزيل الإنعام، على تعاقب الأعوام والأيام.\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا مطرف بن عبد الله المديني، حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعًا من الروم [وما] (^٥) يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة يجعل الله بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ (^٦).\n[وهكذا روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة.\nقال: أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودعته للخروج، وأنشدها معي إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة، وفي رواية سنة سبع وسبعين ومائة.\nيا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنك في العبادة تلعب\n_________\n= شعيب بن زريق وحديثه لا يعتبر عن عطاء الخراساني (تهذيب التهذيب ٤/ ٣٥٣)، وعطاء الخراساني صدوق كثير الأوهام كما في التقريب ص ٢٩٢، ويشهد له حديث أبي ريحانة السابق وحديث عثمان السابق. فيكون حسنًا لغيره.\n(^١) كذا في المسند و(عف) و(ح) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: \"رشدين بن علي بن رباح\".\n(^٢) في الأصل: \"حق\" وهو تصحيف والتصويب كسابقه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٣٧) وسنده ضعيف بسبب رِشدين وهو: ابن سعد المَهري ضعيف (التقريب ص ٢٠٩).\n(^٤) صحيح البخاري، الجهاد، باب الحراسة في الغزو (ح ٢٨٨٧).\n(^٥) في الأصل: \"وأنا\" وهو تصحيف والتصويب كسابقه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام مالك عن زيد بن أسلم به (الموطأ، الجهاد، باب الترغيب في الجهاد ٢/ ٤٤٦) وفي سنده زيد بن أسلم لم يسمع من أبي عبيدة ولا من عمر ﵄، وأخرجه الحاكم معضولًا من طريق زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠١) وأخرجه الإمام أحمد بسند صحيح من طريق عياض الأشعري عن أبي عبيدة، وليس فيه ذكر الآية (المسند ٣٤٤).","vol":"2","page":504},{"text":"من كان يخضب خده بدموعه … فنحورنا بدمائنا تتخضب\nأو كان يتعب خيله في باطل … فخيولنا يوم الصبيحة تتعب\nريح العبير لكم ونحن عبيرنا … وهج السنابك والغبار الأطيب\nولقد أتانا من مقال نبينا … قول صحيح صادق لا يكذب\nلا يستوي وغبارَ خيل الله في … أنف امرئ ودخانَ نار تلهب\nهذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد بميت لا يكذب\nقال: فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قال: قلت: نعم، قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا وأملى عليّ الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله، علمني عملًا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله، فقال: \"هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ \" فقال: يا رسول الله، أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي ﷺ: \"فوالذي نفسي بيده لو طُوّقْتَ ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله، أَوَما علمت أن الفرس المجاهد ليستن في طوله، فيكتب له بذلك الحسنات\"] (^١) (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن\" ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في قول الله ﷿: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتمونى (^٣).\nوالحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من طريق ذكوان عن أبي هريرة بنحوه (الصحيح، الجهاد، باب فضل الجهاد والسير ح ٢٧٨٥).\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من الأزهرية حسب طبعة الشعب.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"2","page":505},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>سورة النساء</span>\nقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة (^١). وكذا روى ابن مردويه، عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت، وروى من طريق عبد الله بن لهيعة، عن أخيه عيسى، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت سورة النساء قال رسول الله ﷺ: \"لا حبس\" (^٢).\nوقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا [أبو البختري] (^٣) عبد الله بن محمد بن شاكر، حدثنا محمد بن بشر العبدي، حدثنا مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرُني أن لي بها الدنيا وما فيها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ …﴾ الآية [النساء: ٤٠]، و﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ …﴾ الآية [النساء: ٣١]، و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] و﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ …﴾ الآية [النساء: ٦٤]، [﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]] (^٤) ثم قال: هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه فقد اختلف في ذلك (^٥).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل، عن ابن مسعود قال: خمس آيات من النساء لهن أحب إليّ من الدنيا جميعًا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء] رواه ابن (^٦) جرير. ثم روَى من طريق صالح المري عن قتادة، عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما\n_________\n(^١) سنده ضعيف بسبب عطية العوفي: ضعيف، ويشهد له ما رواه البخاري عن عائشة أنها قالت: وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده (الصحيح، فضائل القرآن، باب تأليف القرآن ح ٤٩٩٣)، والنبي ﷺ لم يدخل على عائشة إلا بالمدينة (ينظر: الإصابة ٤/ ٣٥٩).\n(^٢) قال ابن الأثير: أراد أنه لا يوقف مال ولا يُزوى عن وارثه، وكأنه إشارة إلى ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من حبس مال الميت ونسائه (النهاية ١/ ٣٢٩)، والحديث ضعيف بسبب عيسى بن لهيعة (الضعفاء للعقيلي ٣/ ٣٩٧).\n(^٣) في الأصل: \"أبو البحتري\" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح) والمستدرك.\n(^٤) الزيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) المستدرك ٢/ ٣٠٥ وقد وافقه الذهبي فيما قاله الحاكم.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به (وسنده ضعيف بسبب إبهام شيخ معمر).","vol":"3","page":5},{"text":"طلعت عليه الشمس وغربت، أولهن: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء] والثانية: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ [النساء] والثالثة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء]، ثم ذكر قول ابن مسعود سواء - يعني: في الخمسة الباقية (^١) -.\nوروى الحاكم من طريق أبي نعيم، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن أبي مليكة: سمعت ابن عباس يقول: سلوني عن سورة النساء فإني قرأت القرآن وأنا صغير. ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٢).\n\n<span id=\"aya-494\"></span>﷽\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾.\nيقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومنبهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم ﵇ ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء ﵍ خلقت من ضلعه الأقصر (^٣) من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، عن ابن عباس، قال: خلقت المرأة من الرجل فجعل نهمتها في الرجل وخلق الرجل من الأرض فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم (^٤).\nوفي الحديث الصحيح: \"إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج\" (^٥).\nوقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي: وذرأ منهما؛ أي: من آدم وحواء رجالًا كثيرًا ونساءً، ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر. ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ أي: واتقوا الله بطاعتكم إياه. قال إبراهيم ومجاهد والحسن: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي كما يقال: أسألك بالله وبالرحم (^٦).\n[وقال الضحاك] (^٧): واتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق صالح المري به، وسنده ضعيف جدًّا بسبب صالح المري متروك كما في تهذيب التهذيب والتاريخ الكبير ٢/ ٢٧٤.\n(^٢) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٠١).\n(^٣) أخرج الطبري بسند صحيح من طريق مجاهد قال: حواء من قُصيرى بن آدم. والقُصيرى: أسفل الأضلاع (تاج العروس: ق ص ر).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده منقطع لأن قتادة لم يسمع ابن عباس.\n(^٥) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته ح ٣٣٣١).\n(^٦) أخرجه الطبري بأسانيد صحاح عنهم ثلاثتهم.\n(^٧) الزيادة من (ح) و(حم).","vol":"3","page":6},{"text":"ولكن بروها وصلوها، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن والضحاك والربيع وغير واحد (^١).\nوقرأ بعضهم: (والأرحام) بالخفض على العطف على الضمير في به، أي: تساءلون بالله وبالأرحام، كما قال مجاهدَ وغيره (^٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أي: هو مراقب لجميع أحوالكم وأعمالكم، كما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦].\nوفي الحديث الصحيح: \"اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك\" (^٣)، وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب. ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة ليعطف بعضهم على بعض، ويحننهم على ضعفائهم.\nوقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ حين قدم عليه أولئك النفر من مضر وهم [مجتابو] (^٤) النّمار (^٥) - أي: من عريهم وفقرهم - قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، ثم حضّهم على الصدقة فقال: \"تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره … \" وذكر تمام الحديث (^٦)، وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة الحاجة، وفيها ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الآية (^٧).\n\n<span id=\"aya-495\"></span>﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾.\nيأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق منصور بن عباد عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق خُصيف عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند مرسل مرفوع من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الربيع أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، بلفظ: \"أسألك بالله وبالرحم\".\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب مطولًا (الصحيح، الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ح ٨).\n(^٤) في الأصل تصحيف غير واضح والمثبت من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٥) أي: يرتدون ثياب صوف مخططة.\n(^٦) صحيح مسلم، الزكاة، (باب الحث على الصدقة ح ١٠١٧).\n(^٧) المسند (ح ٢٤٨٨)، وهو بسند مسلم نفسه.","vol":"3","page":7},{"text":"قال سفيان الثوري، عن أبي صالح: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك (^١).\nوقال سعيد بن جبير: لا تتبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول: لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام (^٢).\nوقال سعيد بن المسيب والزهري: لا تعط مهزولًا وتأخذ سمينًا (^٣).\nوقال إبراهيم النخعي والضحاك: لا تعط زائفًا وتأخذ جيدًا (^٤).\nوقال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشاة المهزولة ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف ويقول: درهم بدرهم (^٥).\nوقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والسدي وسفيان بن حسين: أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعًا (^٦).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس: أي: إثمًا كبيرًا عظيمًا (^٧).\nوروى ابن مردويه عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ قال: \"إثمًا كبيرًا\" ولكن في إسناده محمد بن يوسف الكُدَيْمي وهو ضعيف (^٨). وروي هكذا عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وقتادة ومقاتل بن حيان والضحاك وأبي مالك وزيد بن أسلم وأبي سنان مثل قول ابن عباس (^٩).\nوفي الحديث المروي في سنن أبي داود: \"اغفر لنا حوبنا وخطايانا\" (^١٠).\nوروى ابن مردويه بإسناده إلى واصل مولى أبي عيينة، عن ابن سيرين، عن ابن عباس، أن أبا أيوب طلق امرأته فقال له النبي ﷺ: \"يا أبا أيوب إن طلاق أم أيوب كان حوبًا\" قال ابن سيرين: الحوب الإثم (^١١)، ثم قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن عنهما.\n(^٤) قول النخعي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مغيرة عنه، وقول الضحاك أخرجه الثوري في تفسيره بسند صحيح عن أبي سنان ضرار بن مرة عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط بن نصر عنه.\n(^٦) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول السدي فأخرجه بسند حسن كسابقه.\nوقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس، وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ٨/ ٢٤٦).\n(^٨) لم يثبت مرفوعًا ولكن صح موقوفًا كما تقدم عن ابن عباس.\n(^٩) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم ومعظم أقوالهم أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^١٠) أخرجه أبو داود من طريق زيادة بن محمد الأنصاري عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء مرفوعًا (السنن، الطب، باب كيف الرقى؟ ح ٣٨٩٢)، وسنده ضعيف بسبب زيادة بن محمد وهو منكر الحديث (التقريب ص ٢٢١).\n(^١١) أخرجه الطبراني من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني عن حماد بن زيد عن واصل به (المعجم الكبير=","vol":"3","page":8},{"text":"[هَوْذة] (^١) بن خليفة، حدثنا عوف، عن أنس، أن أبا أيوب أراد طلاق أُم أيوب، فاستأذن النبي ﷺ فقال: \"إن طلاق أُم أيوب لحوب\" فأمسكها (^٢)، ثم روى ابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث علي بن عاصم، عن حميد الطويل، سمعت أنس بن مالك أيضًا يقول: أراد أبو طلحة أن يطلق [أم سليم] (^٣) امرأته فقال النبي ﷺ: \"إن طلاق [أُم سليم] (^٤) لحوب\" فكفّ (^٥). والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه.\n\n<span id=\"aya-496\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير ولم يضيق الله عليه.\nوقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رجلًا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله (^٦).\nثم قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يُقسطوا إليهنَّ. ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحو من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كُنَّ قليلات المال والجمال (^٧).\nوقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي: انكحوا ما شئتم من النساء سواهن إن شاء أحدكم ثنتين وإن شاء\n_________\n= ١٢/ ١٩٦ ح ١٢٨٧٦)، وفي سنده الحماني: ضعيف (مجمع الزوائد ٩/ ٢٦٥)، وأخرجه أبو عمر الدوري مرسلًا عن ابن سيرين (قراءات النبي ﷺ ص ٨٢ ح ٣٠).\n(^١) في الأصل: \"هز\" وهو تصحيف: والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٢) في سنده عوف وهو ابن أبي جميلة الأعرابي لم يسمع من أنس (ينظر: تهذيب التهذيب ٨/ ١٦٦).\n(^٣) (^٤) في الأصل: \"أم سلمة\" وهو تصحيف: من (ح) و(حم) و(مح) والمستدرك.\n(^٥) أخرجه الحاكم من طريق علي بن عاصم به وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: لا والله، عليّ واهٍ (المستدرك ٢/ ٣٠٢)، وعلي بن عاصم هو ابن صهيب الواسطي: صدوق يخطئ ويصرّ ورمي بالتشيع (التقريب ص ٤٠٣)، وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث ضمن مناكير علي بن عاصم (الكامل في الضعفاء ٥/ ١٨٣٨).\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] ح ٤٥٧٣).\n(^٧) المصدر السابق (ح ٤٥٧٤).","vol":"3","page":9},{"text":"ثلاثًا، وإن شاء أربعًا. كما قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه، بخلاف قصر الرجال على أربع، فمن هذه الآية كما قال ابن عباس وجمهور العلماء، لأن المقام مقام امتنان واباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره. قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة، وهذا الذي قاله الشافعي ﵀: مجمع عليه بين العلماء إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة، أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع. وقال بعضهم: بلا حصر. وقد يتمسك بعضهم بفعل رسول الله ﷺ في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع كما ثبت في الصحيحين (^١)، وأما إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاري (^٢)، وقد علقه البخاري.\nوقد روينا عن أنس أن رسول الله ﷺ تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن بثلاث عشرة (^٣). واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع. وهذا عند العلماء من خصائصه دون غيره من الأمة لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع، ولنذكر الأحاديث في ذلك:\nقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا معمر عن الزهري، قال ابن جعفر في حديثه: أنبأنا ابن شهاب عن سالم، عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي ﷺ: \"اختر منهن أربعًا\" فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك، ولعلك لا تمكث إلا قليلًا. وايم الله لتراجعن نساءك ولترجعن في مالك أو لأورثهن منك ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رِغال (^٤) (^٥). وهكذا رواه الشافعي والترمذي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم، من طرق عن إسماعيل بن علية وغندر ويزيد بن زريع وسعيد بن أبي عروبة وسفيان الثوري وعيسى بن يونس، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، والفضل بن موسى وغيرهم من الحفاظ، عن معمر بإسناده مثله إلى قوله: \"اختر منهن أربعًا\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس وأنس (الصحيح، النكاح، باب كثرة النساء ح ٥٠٦٧ و٥٠٦٨)، وأخرجه مسلم من حديث ابن عباس أيضًا (الصحيح، الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها ح ١٤٦٥).\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث أنس موصولًا صحيح البخاري، الغسل، باب إذا جامع ثم عاد ح ٢٦٨، وبدايته: \"كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهنّ إحدى عشرة … \" وقد بيّن الحافظ ابن كثير المراد بالإحدى عشرة وهن: التسع المذكورات في حديث ابن عباس والجاريتان مارية وريحان (ينظر: البداية والنهاية ٥/ ٣١٣).\n(^٣) أخرجه ابن عدي من طريق بحر بن كُنيز عن قتادة عن أنس، وذلك ضمن مناكير بحر (الكامل ٢/ ٤٨٤)، وبحر بن كُنير ضعيف (التقريب ص ١٢٠).\n(^٤) أبو رغال: هو أبو ثقيف من ثمود (قصص الأنبياء للحافظ ابن كثير ١/ ١١٣).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨/ ٢٥٢ ح ٤٦٣١)، وصححه محققوه، ونقلوا عن السندي: وقوله: فقذفه، أي: فطلقتهن فرارًا من إرثهن، والحديث يدل على كراهة طلاق الفارّ، وأنه ينبغي له المراجعة.\n(^٦) ترتيب مسند الشافعي، النكاح، (باب الترغيب في التزويج ح ٤٣)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة (ح ١١٢٨)، وسنن ابن ماجه، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده أكثر =","vol":"3","page":10},{"text":"وباقي الحديث في قصة عمر من أفراد أحمد (^١)، وهي زيادة حسنة وهي مُضَعّفة لما علل به البخاري هذا الحديث فيما حكاه عنه الترمذي حيث قال بعد روايته له: سمعت البخاري يقول: هذا الحديث غير محفوظ. والصحيح ما رواه شعيب وغيره عن الزهري [حُدّثت] (^٢) عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة … فذكره. قال البخاري: وإنما حديث الزهري عن سالم، عن أبيه أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر: لتراجعن نساءك أو لأرجمنَّ قبرك كما رجم قبر أبي رغال. وهذا التعليل فيه نظر، والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري مرسلًا (^٣). وهكذا رواه مالك عن الزهري مرسلًا (^٤). قال أبو زرعة: وهو أصح.\nوقال البيهقي: ورواه عُقيل عن الزهري: بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد (^٥). وقال أبو حاتم: وهذا وهم إنما هو الزهري، عن محمد بن أبي سويد. بلغنا أن رسول الله ﷺ … فذكره (^٦).\nقال البيهقي: ورواه يونس وابن عيينة عن الزهري، عن محمد بن أبي سويد وهذا كما علله البخاري وهذا الإسناد الذي قدمناه من مسند الإمام أحمد، رجاله ثقات على شرط الشيخين ثم قد روي من غير طريق معمر بل والزهري.\nقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو علي الحافظ، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا أبو بُرَيد عمرو بن يزيد الجرمي، أخبرنا [سيف] (^٧) بن عبيد الله، حدثنا سرار بن مجشر، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة فأسلم وأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا (^٨). هكذا أخرجه النسائي في سننه، قال أبو علي بن السكن: تفرد به سرار بن مجشر وهو ثقة. وكذا وثقه ابن معين قال أبو علي: وكذا رواه السميدع بن واهب عن سرار. قال البيهقي: وروينا من حديث قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس، وعروة بن مسعود الثقفي وصفوان بن أمية - يعني حديث غيلان بن سلمة. فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لسوغ له رسول الله ﷺ سائرهن في بقاء العشرة وقد أسلمن معه فلما أمره بإمساك أربع وفراق سائرهن دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال، فإذا كان هذا في الدوام، ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى، والله ﷾ أعلم بالصواب.\n(حديث آخر في ذلك) روى أبو داود وابن ماجه في سننهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن حُمَيْضة بن الشمردل وعند ابن ماجه بنت الشمردل، حكى أبو داود أن منهم من\n_________\n= من أربع نسوة (ح ١٩٥٣)، وسنن الدارقطني ٣/ ٢٦٩، والسنن الكبرى للبيهقي ٧/ ١٨١.\n(^١) قال الحافظ ابن حجر: والموقوف على عمر هو الذي حكم البخاري بصحته عن الزهري عن سالم عن أبيه (التلخيص الحبير ٣/ ١٩٢).\n(^٢) في الأصل: \"حديث\" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) المصنف ٧/ ١٦٢ (ح ١٢٦٢١).\n(^٤) الموطأ، الطلاق، باب جامع الطلاق ٢/ ٥٨٦ (ح ٧٦).\n(^٥) السنن الكبرى ٧/ ١٨٢.\n(^٦) العلل ١/ ٤٠١.\n(^٧) في الأصل: \"منيف\" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٨) السنن الكبرى ٧/ ١٨٣.","vol":"3","page":11},{"text":"يقول: الشمرذل - بالذال المعجمة -، عن قيس بن الحارث، وعند أبي داود في رواية الحارث بن قيس بن عميرة الأسدي قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت للنبي ﷺ فقال: \"اختر منهن أربعًا\" (^١)، وهذا الإسناد حسن: ومجرد هذا الاختلاف لا يضر مثله لما للحديث من الشواهد.\n(حديث آخر في ذلك) قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي في مسنده: أخبرني من سمع ابن أبي الزناد يقول: أخبرني عبد المجيد بن سُهيل بن عبد الرحمن عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية الديلي ﵁، قال: أسلمت وعندي خمس نسوة فقال لي رسول الله ﷺ: \"اختر أربعًا أيتهن شئت وفارق الأخرى\" فعمدت إلى أقدمهن صحبة عجوز عاقر معي منذ ستين سنة فطلقتها (^٢). فهذه كلها شواهد لِصحة ما تقدم من حديث غيلان كما قاله البيهقي ﵀.\nوقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فإن خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة أو على الجواري السراري فإنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحب فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج، وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال بعضهم: ذلك أدنى ألا تكثر عيالكم، قاله زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة (^٣) والشافعي ﵏، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] أي: فقرًا ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة: ٢٨] وقال الشاعر (^٤):\nفما يدري الفقير متى غناه … وما يدري الغني متى يعيل\nوتقول العرب: عال الرجل يعيل عيلة: إذا افتقر، ولكن في هذا التفسير ههنا نظر، فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر كذلك يخشى من تعداد السراري أيضًا، والصحيح قول الجمهور: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: لا تجورواه (^٥)، يقال: عال في الحكم إذا قسط وظلم وجار، وقال أبو طالب في قصيدته المشهورة (^٦):\nبميزان قسط لا يخيس شعيرة … له شاهد زائدة من نفسه غير عائل\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الطلاق، باب من أسلم وعنده نساء أكثر من أربع (ح ٢٢٤١)، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب الرجل يسلم عنده أكثر من أربع نسوة (ح ١٩٥٢)، وحسنه الحافظ ابن كثير، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٦٠).\n(^٢) ترتيب مسند الشافعي، النكاح، باب الترغيب في التزويج (ح ٤٤)، وفي سنده إبهام شيخ الإمام الشافعي، ويشهد له ما سبق.\n(^٣) قول زيد بن أسلم أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي هلال عنه، وقول ابن عيينة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن.\n(^٤) هو أُحيحة بن الجلاح، والبيت ذكره الفراء في معاني القرآن ١/ ٢٥٥، ونسبه إلى أحيحة ابن منظور (لسان العرب: مادة ع ي ل).\n(^٥) صح عن عائشة ﵂ موقوفًا.\n(^٦) ذكره الطبري وابن هشام (السيرة ١/ ٢٩٦)، وعلق محمود شاكر بقوله: من القصيدة التي زعموا أن أبا طالب قالها … وقوله: لا تُخس شعيرة؛ أي لا تنقص مقدار شعيرة. اهـ.\nوالشاهد من البيت قوله: \"غير عائل\"، أي: غير جائر.","vol":"3","page":12},{"text":"وقال هشيم، عن أبي إسحاق قال: كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان لا أعول. رواه ابن جرير (^١)، وقد روى ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو حاتم بن حبان في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، حدثنا محمد بن شعيب، عن عمر بن محمد بن زيد، عن عبد الله بن عمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال: \"لا تجوروا\" قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث خطأ، والصحيح: عن عائشة موقوف (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس وعائشة ومجاهد وعكرمة والحسن وأبي مالك وأبي رزين والنخعي والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: لا تميلوا (^٣)، وقد استشهد عكرمة ﵀ ببيت أبي طالب الذي قدمناه، ولكن ما أنشده كما هو المروي في السيرة (^٤)، وقد رواه ابن جرير ثم أنشده جيدًا واختار ذلك (^٥).\n\n<span id=\"aya-497\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: النحلة المهر (^٦).\nوقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: نحلة فريضة (^٧). وقال مقاتل وقتادة وابن جريج: نحلة؛ أي: فريضة. زاد ابن جريج: مسماة (^٨).\nوقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب، يقول: لا يَنكحُها إلا بشيء واجب لها، وليس ينبغي لأحد بعد النبي ﷺ أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق (^٩)، ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك كما يمنح المنحة ويعطي النحلة طيبًا بها كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبًا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالًا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده منقطع لأن أبا إسحاق، وهو السبيعي، لم يسمع من عثمان ﵁.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه ونقده، وأخرجه ابن حبان عن ابن أسلم عن عبد الرحمن بن إبراهيم به (موارد الظمآن ص ٤٢٨).\n(^٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الزبير بن الخريث عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يونس عنه، وقول أبي مالك أخرجه الثوري في تفسيره بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه، وقول النخعي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مغيرة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر بن راشد عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٢٩٦.\n(^٥) أخرجه الطبري بنحو رواية ابن أبي حاتم المتقدمة عن عكرمة.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا، وفيه عنعنة ابن إسحاق، ويشهد له ما سبق وما لحق.\n(^٨) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول قتادة: أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول ابن جريج أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن ثور عنه.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه بلفظه وأطول.","vol":"3","page":13},{"text":"طيبًا، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن السدي، عن يعقوب بن المغيرة بن شعبة، عن علي قال: إذا اشتكى أحدكم شيئًا فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحو ذلك فليبتع بها عسلًا ثم ليأخذ ماء السماء فيجتمع هنيئًا مريئًا شفاءً مباركًا (^١).\nوقال هشيم، عن سيار، عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها فنهاهم الله عن ذلك. ونزل ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عمير [الخثعمي] (^٣)، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي، عن عبد الرحمن بن البَيْلماني قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قالوا: يا رسول الله فما العلائق بينهم؟ قال: \"ما تراضى عليه أهلوهم\" (^٤).\nوقد روى ابن مردويه من طريق حجاج بن أرطأة عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البَيْلماني عن عمر بن الخطاب قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: \"أنكحوا الأيامى - ثلاثًا -\" فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله ما العلائق بينهم؟ قال: \"ما تراضى عليه أهلوهم\" ابن البَيْلماني ضعيف ثم فيه انقطاع أيضًا (^٥).\n\n<span id=\"aya-498\"></span>﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾.\nينهى ﷾ عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قيامًا، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها ومن ههنا يؤخذ الحجر على السفهاء وهم أقسام، فتارة يكون الحجر للصغر، فإن الصغير مسلوب العبارة، وتارة يكون الحجر للجنون، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وتارة للفلس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه، حجر عليه.\nوقد قال الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قال: هم بنوك والنساء (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وحكمه مفصل في تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق هشيم به.\n(^٣) في الأصل: \"الحنفي\" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف البيلماني وإرساله.\n(^٥) سنده كسابقه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق جويبر عن الضحاك به، وسنده ضعيف بسبب ضعف جويبر، وعدم سماع الضحاك من ابن عباس.","vol":"3","page":14},{"text":"وكذا قال ابن مسعود والحكم بن عُتيبة والحسن والضحاك: هم النساء والصبيان (^١).\nوقال سعيد بن جبير: هم اليتامى (^٢).\nوقال مجاهد وعكرمة وقتادة: هم النساء (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"وإن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها\" (^٤). ورواه ابن مردويه مطولًا.\nوقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا حرب بن سُريح، عن معاوية بن قرة، عن أبي هريرة ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قال: هم الخدم، وهم شياطين الإنس (^٥).\nوقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، يقول: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤونتهم ورزقهم (^٦). وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة [سيئة] (^٧) الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهًا، وقد قال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، ورجل كان له على رجل دين فلم يُشهِد عليه (^٨).\nوقال مجاهد: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ يعني: في البر والصلة (^٩).\nوهذه الآية الكريمة تضمنت الإحسان إلى العائلة ومن تحت الحجر بالفعل من الإنفاق في الكساوي والأرزاق والكلام الطيب وتحسين الأخلاق.\n_________\n(^١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سلمة بن نبيط عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن كلاهما من طريق سالم عنه.\n(^٣) ذكرهم الطبري وابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد: أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف رواية عثمان عن علي بن يزيد (التقريب ٢/ ١٠)، وضعف علي بن يزيد (التقريب ٢/ ٤٦).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا بسنده ومتنه، ولم أجد من رواه موصولًا.\n(^٦) أخرجه الطبري وأبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٧) في الأصل: \"سية\" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة به (المصنف ٤/ ٣٠٩)، وأخرجه الحاكم من طريق معاذ بن معاذ العنبري عن أبيه عن شعبة مرفوعًا وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد … وقال الذهبي: لم يخرجاه لأن الجمهور رووه عن شعبة موقوفًا، ورفعه معاذ بن معاذ عنه (المستدرك ٢/ ٣٠٢)، ولا يصح رفعه.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"3","page":15},{"text":"<span id=\"aya-499\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي ومقاتل بن حيان؛ أي: اختبروهم (^١) ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ قال مجاهد: يعني الحلم (^٢)، قال الجمهور من العلماء: البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد، [وفي سنن أبي داود عن علي قال: حفظت من رسول الله ﷺ: \"لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل\" (^٣)، وفي الحديث الآخر عن عائشة وغيرها من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ قال: \"رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستقيظ، وعن المجنون حتى يفيق\" (^٤)] (^٥)، أو يستكمل خمس عشرة سنة وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن ابن عمر، قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أُحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعُرضتُ عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، فقال عمر بن عبد العزيز لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير (^٦).\nواختلفوا في إنبات الشعر الخشن حول الفرج، وهي الشعرة، هل تدل على بلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال، يُفرق في الثالث بين صبيان المسلمين فلا يدل على ذلك لاحتمال المعالجة، وبين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغًا في حقهم لأنه لا يتعجل بها إلى ضرب الجزية عليه. فلا يعالجها، والصحيح أنها بلوغ في حق الجميع لأن هذا أمر جبلّي يستوي فيه الناس واحتمال المعالجة بعيد، ثم قد دلت السنة على ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عطية القرظي ﵁، قال: عُرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلى سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي (^٧)، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة بنحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٨). وإنما كان كذلك لأن سعد بن معاذ ﵁ كان قد حكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الغريب: حدثنا ابن علية، عن إسماعيل بن أمية،\n_________\n(^١) قول ابن عباس: أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول مقاتل أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير عنه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) السنن، الوصايا، باب متى ينقطع اليُتم ح ٢٨٧٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٩٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود (السنن، الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًا ح ٤٣٩٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٩٨)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٩).\n(^٥) كذا في: (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل تأخر بعد رواية الصحيحين.\n(^٦) أخرجه البخاري (الصحيح، الشهادة، باب ما يكره من الأطناب في المدح ح ٢٦٦٤، وصحيح مسلم، الإمارة، باب بيان سن البلوغ ح ١٨٦٨).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد عن عطية بلفظه (المسند ٤/ ٣١٠)، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الترمذي من طريق عطية به (السنن، السير، باب ما جاء في النزول على الحكم ح ١٥٨٤، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح ١٢٨٨)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٢٣).","vol":"3","page":16},{"text":"عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمر، أن غلامًا ابتهر جارية في شعره، فقال عمر ﵁: انظروا إليه فلم يوجد أنبت فدرأ عنه الحد، قال أبو عبيد: ابتهرها؛ أي: قذفها، والابتهار أن يقول: فعلت بها وهو كاذب، فإن كان صادقًا فهو الابتيار، قال الكميت في شعره:\nقبيح بمثلي نعت الفتاة … إما ابتهارًا وإما ابتيارًا (^١)\nوقوله ﷿: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني صلاحًا في دينهم وحفظًا لأموالهم (^٢). وكذا روي عن ابن عباس (^٣) والحسن البصري (^٤) وغير واحد من الأئمة وهكذا قال الفقهاء: متى بلغ الغلام مصلحًا لدينه وماله انفك الحجر عنه فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه.\nوقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ أي: مبادرة قبل بلوغهم، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ من كان في غنية عن مال اليتيم فليستعفف عنه ولا يأكل منه شيئًا.\nوقال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم (^٥).\n﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ نزلت في والي اليتيم، وحدثنا الأشج وهارون بن إسحاق قالا: حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجًا أن يأكل منه، وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر قيامه عليه (^٦). ورواه البخاري عن إسحاق، عن عبد الله بن نمير، عن هشام به (^٧).\nقال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين: أجرة مثله أو قدر حاجته، واختلفوا هل يرد إذا أيسر؟ على قولين؛ (أحدهما): لا، لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرًا، وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي، لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل.\nقال أحمد: حدثنا عبد الوهاب، حدثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: \"كُلْ من مال يتيمك غير\n_________\n(^١) غريب الحديث ٣/ ٢٨٩ وسنده صحيح، والبيت ذكره ابن منظور (لسان العرب: باب ب هـ ر).\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه بلفظ: \"فإن عرفتم منهم رشدًا\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عنه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عنه.\n(^٦) هذه الروايات الثلاث ذكرها ابن أبي حاتم بأسانيدها ومتونها وأصله في الصحيح كما سيأتي.\n(^٧) صحيح البخاري، التفسير، سورة النساء، باب ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] (ح ٤٥٧٥).","vol":"3","page":17},{"text":"مسرف ولا مبذر ولا متأثل (^١) مالًا ومن غير أن تقي مالك - أو قال - تفدي مالك بماله\" شك حسين (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، حدثنا حسين المكتب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن عندي يتيمًا عنده مال وليس عندي شئ ما، آكل من ماله؟ قال: \"بالمعروف غير مسرف\" (^٣). ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث حسين المعلم به (^٤).\nوروى أبو حاتم بن حبان في صحيحه وابن مردويه في تفسيره من حديث يعلى بن مهدي، عن جعفر بن سليمان، عن [أبي عامر] (^٥) الخزاز، عن عمرو بن دينار، عن جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله مما أضرب يتيمي؟ قال: \"ما كنت ضاربًا منه ولدك غير واق مالك بماله ولا متأثل منه مالًا\" (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتامًا وإن لهم إبلًا ولي إبل، وأنا أمنح في إبلي وأفْقر، فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها وتهنأ (^٧) جرباها وتلوط حوضها (^٨) وتسقي عليها فاشرب غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب (^٩). ورواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد به (^١٠).\nوبهذا القول وهو عدم أداء البدل، يقول عطاء بن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري. (والثاني) نعم، لأن مال اليتيم على الحظر، وإنما أبيح للحاجة فيرد بدله كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة.\n_________\n(^١) يقال: مال مؤثل ومجد مؤثل، أي: مجموع ذو أصل، وأثلة الشيء: أصله (النهاية ١/ ٢٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٧٤٧)، وصححه أحمد شاكر وذكر الحافظ ابن حجر أن إسناده قوي (الفتح ٨/ ٢٤١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وإسناده حسن، وقد فصلت الكلام عن إسناده في تحقيقي له.\n(^٤) سنن أبي داود، الوصايا، باب ما جاء فيما لولي اليتيم (ح ٢٨٧٨)، وسنن النسائي، الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم ٦/ ٢٥٦، وسنن ابن ماجه، الوصايا، باب قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] (ح ٢٧١٨)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح ٣٤٢٩).\n(^٥) في الأصل: \"ابن عامر\" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٦) أخرجه ابن حبان من طريق مُعلى بن مهدي به (الإحسان ١٠/ ٥٥ ح ٤٢٤٤)، وأخرجه البيهقي من طريق معلى بن مهدي به، ثم قال: كذا رواه والمحفوظ ما أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن قتادة، ثنا أبو منصور العباس بن الفضل النضروي، ثنا أحمد بن نجدة، ثنا سعيد بن منصور، ثنا حماد بن زيد وسفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن العرني أن رجلًا قال: يا رسول الله … قال: وهذا مرسل (السنن الكبرى ٦/ ٤)، ويشهد له سابقه.\n(^٧) تهنأ: أي الطلاء بالهناء وهو القطران (ينظر: القاموس المحيط، مادة: هـ ن أ).\n(^٨) تلوط حوضها: أي تصلحه بالطين (ينظر: النهاية، مادة: ل وط).\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق به وسنده صحيح.\n(^١٠) الموطأ، صفة النبي ﷺ، باب جامع ما جاء في الطعام والشراب ٢/ ٩٣٤ (ح ٣٣).","vol":"3","page":18},{"text":"وقد قال ابن أبي الدنيا: حدثنا ابن خيثمة، حدثنا وكيع عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن [حارثة] (^١) بن مضرب قال: قال عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن [احتجت] (^٢) استقرضت، فإذا أيسرت قضيت (^٣).\n(طريق أخرى) قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: قال عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت (^٤)، إسناد صحيح.\nوروى البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك (^٥)، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يعني: القرض (^٦). قال: وروي عن عبيدة وأبي العالية، وأبي وائل، وسعيد بن جبير في إحدى الروايات ومجاهد والضحاك والسدي نحو ذلك (^٧)، وروى من طريق السدي عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل بثلاث أصابع (^٨). ثم قال: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا [ابن مهدي] (^٩)، عن سفيان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل من ماله يقوت على يتيمه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم (^١٠). قال: وروي عن مجاهد وميمون بن مهران في إحدى الروايات والحكم نحو ذلك (^١١).\nوقال عامر الشعبي: لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة فإن أكل منه قضاه، رواه ابن أبي حاتم (^١٢).\nوقال ابن وهب: حدثنا نافع بن أبي نعيم القارئ قال: سألت يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة عن قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فقالا: ذلك في اليتيم إن كان فقيرًا أنفق\n_________\n(^١) في الأصل: \"حماد بن مضرب\" وهو تصحيف والمثبت من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٢) في الأصل: \"احتجب\" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه الطبري وابن المنذر كلاهما من طريق الثوري به، وسنده صحيح، وأخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ١٣/ ١٩٤، وتغليق التعليق ٥/ ٢٩٣ - ٢٩٥).\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن، تفسير سورة المائدة ٤/ ١٥٣٨ ح ٧٨٨)، وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٥) السنن الكبرى (٦/ ٤).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٧) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وقول سعيد بن جبير أخرجه الثوري في تفسيره بسند صحيح عن حماد عن سعيد، وقول مجاهد أخرجه الثوري أيضًا في تفسيره بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السدي به، وسنده حسن.\n(^٩) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"ابن مخلدي\" وهو تصحيف.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق الثوري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٢).\n(^١١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم: بحذف السند.\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عن الشعبي.","vol":"3","page":19},{"text":"عليه بقدر فقره، ولم يكن للولي منه شيء (^١)، وهذا بعيد من السياق، لأنه قال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ يعني: من الأولياء. ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ أي: منهم ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالتي هي أحسن. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] أي: لا تقربوه إلّا مصلحين له، فإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [يعني: بعد بلوغهم الحلم وإيناسكم الرشد منهم فحينئذٍ سلموا إليهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم] (^٢) ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ وهذا أمر من الله تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه، ثم قال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام وحال تسليمهم للأموال هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مبخوسة مدخلة، مروج حسابها، مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: \"يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-500\"></span>﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾.\nقال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئًا، فأنزل الله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ …﴾ الآية (^٤)، أي: الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم بما يدلي به إلى الميت من قرابة، أو زوجية، أو ولاء، فإنه لحمة كلحمة النسب. وقد روى ابن مردويه من طريق ابن هراسة عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: جاءت أم كُجّة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن لي ابنتين قد مات أبوهما وليس لهما شيء، فأنزل الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ …﴾ الآية (^٥)، وسيأتي هذا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) ما بين معقوفين سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) صحيح مسلم، الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة (ح ١٨٢٦).\n(^٤) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه لكنه مرسل ويتقوى بمرسل قتادة فقد أخرجه ابن أبي حاتم أيضًا بسند صحيح من طريق معمر بن راشد عنه.\n(^٥) في سنده ابن هراسة وهو: إبراهيم بن هراسة: متروك (التاريخ الكبير ١/ ٣٣٣، والجرح والتعديل ٢/ ١٤٣)، قال الحافظ ابن حجر: هو ضعيف وقد خالفه بشر بن المفضل عن عبد الله بن محمد بن جابر (الإصابة ١/ ٢٧٢)، وحديث بشر بن المفضل فيه أن البنتين ابنتا سعد بن الربيع. رواه أبو داود في السنن، الفرائض، باب ما جاء في ميراث الصلب (ح ٢٨٩١)، كما سيأتي في آية ١١ من هذه السورة.","vol":"3","page":20},{"text":"الحديث عند آيتي الميراث بسياق آخر (^١)، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-501\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾، قيل: المراد وإذا حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ فليرضخ لهم من التركة نصيب، وإن ذلك كان واجبًا في ابتداء الإسلام، وقيل: يستحب.\nواختلفوا هل هو منسوخ أم لا؟ على قولين، فقال البخاري: حدثنا أحمد بن حميد، أخبرنا عُبيد الله الأشجعي عن سفيان، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. تابعه سعيد عن ابن عباس (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: هي قائمة يعمل بها (^٣).\nوقال الثوري: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في هذه الآية، قال: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم (^٤)، وهكذا روي عن ابن مسعود وأبي موسى وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبي العالية والشعبي والحسن (^٥). وقال ابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح والزهري ويحيى بن يعمر: إنها واجبة (^٦).\nوروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن ابن سيرين قال: ولي عبيدة وصية فأمر بشاة فذبحت فأطعم أصحاب هذه الآية وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي (^٧).\n[وقال مالك فيما يروى عنه من التفسير في جزء مجموع عن الزهري: أن عروة أعطى من مال مصعب حين قسم ماله، وقال الزهري: هي محكمة. وقال مالك: عن عبد الكريم، عن مجاهد قال: هي حق واجب ما طابت به الأنفس] (^٨).\nذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم:\nقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة: أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والقاسم بن محمد أخبراه أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قسم ميراث\n_________\n(^١) وهما آية ١١ و١٢ من هذه السورة، والحديث هو حديث الإمام أحمد عن جابر.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ …﴾ [النساء: ٨] ح ٤٥٧٦).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف الحسين وهو سُنيد، ويشهد له سابقه في صحيح البخاري.\n(^٤) أخرجه الثوري في تفسيره بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الثوري به.\n(^٥) ذكرهم ابن أبي حاتم إلا رواية ابن مسعود، وذكر لهم بحذف السند إلا رواية أبي موسى الأشعري فقد أخرجها بسند صحيح من طريق حِطّان بن عبد الله الرقاشي عنه.\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقد أخرج الطبري وابن أبي شيبة معظم أقوالهم بأسانيد ثابتة (المصنف ١١/ ١٩٣ - ١٩٦، رقم ١٠٩٣٨ و١٠٩٤٨ و١٠٩٤٩).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٨) الزيادة من (ح) و(حم) (مح)، وأسانيد الإمام مالك ثابتة إلى الزهري ومجاهد.","vol":"3","page":21},{"text":"أبيه عبد الرحمن وعائشة حية، قالا: فلم يدع في الدار مسكينًا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، قال: وتلا ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾، قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: ما أصاب، ليس ذلك له إنما ذلك إلى الوصية وإنما هذه الآية في الوصية يريد الميت يوصي لهم، رواه ابن أبي حاتم (^١).\nذكر من قال: هذه الآية منسوخة بالكلية:\nقال سفيان الثوري، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قال: منسوخة (^٢)، وقال إسماعيل بن مسلم المكي عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال في هذه الآية ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ نسختها الآية التي بعدها ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] (^٣). وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فأنزل الله بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه، فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفى (^٤)، [رواهن] (^٥) ابن مردويه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر (^٦). وحدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا سعيد بن عامر، عن همام، حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: إنها منسوخة، كانت قبل الفرائض كان ما ترك الرجل من مال أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوي القربى إذا حضروا القسمة ثم نسخ بعد ذلك نسختها المواريث فألحق الله بكل ذي حق حقه، وصارت الوصية من ماله يوصي بها لذوي قرابته حيث شاء (^٧). [وقال مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: هي منسوخة، نسختها المواريث والوصية] (^٨). وهكذا روي عن عكرمة وأبي الشعثاء والقاسم بن محمد وأبي صالح وأبي مالك وزيد بن أسلم والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنهم قالوا: إنها منسوخة (^٩)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم، وقد اختار ابن جرير ههنا قولًا غريبًا جدًّا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن بن أبي الربيع عن عبد الرزاق به، وهو بسنده ولفظه في تفسير عبد الرزاق وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٢٤٢).\n(^٢) في سنده محمد بن السائب الكلبي وقد صرح بأن كل ما رواه عن أبي صالح فهو كذب.\n(^٣) أخرجه النحاس من طريق سلمة بن الفضل عن إسماعيل به (الناسخ والمنسوخ ص ٩٥)، في سنده إسماعيل بن مسلم المكي: ضعيف، كما في التقريب.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق عطية العوفي به، وسنده ضعيف بسبب ضعف العوفي.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"رواه\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف عثمان بن عطاء، وعطاء لم يسمع من ابن عباس.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وسنده صحيح.\n(^٨) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح)، وسند مالك صحيح.\n(^٩) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.","vol":"3","page":22},{"text":"وحاصله أن معنى الآية عنده ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي: وإذا حضر قسمة مال الوصية أولو قرابة الميت ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا﴾ لليتامى والمساكين إذا حضروا ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ هذا مضمون ما حاوله بعد طول العبارة والتكرار، وفيه نظر، والله أعلم.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ هي قسمة الميراث (^١)، وهكذا قال غير واحد، والمعنى على هذا لا على ما سلكه أبو جعفر بن جرير ﵀، بل المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يعطونه، فأمر الله تعالى وهو الرؤوف الرحيم أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون برًا بهم وصدقة عليهم، وإحسانًا إليهم وجبرًا لكسرهم. كما قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وذمّ الذين يستغلون المال خفية خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة. كما أخبر عن أصحاب الجنة ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] أي: بليل. وقال: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾ [القلم] فـ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠] فمن جحد حق الله عليه عاقبه في أعز ما يملكه، ولهذا جاء في الحديث \"ما خالطت الصدقة مالًا إلا أفسدته\" (^٢)، أي: منعها يكون سبب محاق ذلك المال بالكلية.\n\n<span id=\"aya-502\"></span>\n\n<span id=\"aya-503\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب. فينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة (^٣)، وهكذا قال مجاهد وغير واحد (^٤).\nوثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده، قال: يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: \"لا\". قال: فالشطر؟ قال: \"لا\". قال: فالثلث؟ قال: \"الثلث، والثلث كثير\". ثم قال رسول الله ﷺ: \"إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس\" (^٥) [وفي الصحيح عن ابن عباس قال: لو أن الناس] (^٦) غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال: \"الثلث، والثلث كثير\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عطية العوفي به.\n(^٢) أخرجه الحميدي (المسند ح ٢٣٧)، والبزار (كشف الأستار ح ٨٨١)، والبيهقي (السنن الكبرى ٤/ ١٥٩)، كلهم من طريق محمد بن عثمان الجمحي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. ومحمد بن عثمان ضعيف (التقريب ص ٤٩٦).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.\n(^٥) صحيح البخاري، الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس (ح ٢٧٤٢)، وصحيح مسلم، الوصية، باب الوصية بالثلث (ح ١٦٢٨).\n(^٦) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٧) صحيح البخاري، الوصايا، باب الوصية بالثلث (ح ٢٧٤٣)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٦٢٩).","vol":"3","page":23},{"text":"قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء، استحب للميت أن يستوفي في وصيته الثلث، [وإن كانوا فقراء] (^١) استحب أن ينقص الثلث، وقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ فليتقوا الله في مباشرة أموال اليتامى ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]، حكاه ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس (^٢)، وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلمًا، فأولًا رغبهم، أي: كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذراريهم إذا وليتهم، ثم أعلمهم أن من أكل مال اليتيم ظلمًا، فإنما يأكل في بطنه نارًا ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب فإنما يأكلون نارًا تتأجج في بطونهم يوم القيامة.\nوفي الصحيحين من حديث سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات\" (^٣) قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: \"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات\" (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيدة، أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العَمّي، حدثنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا: يا رسول الله، ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: \"انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير. رجال كل منهم له مشفران (^٥) كمشفر البعير، وهو موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم، ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في فيّ أحدهم حتى يخرج من أسفله، ولهم خوار (^٦) وصراخ، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا، إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا\" (^٧).\nوقال السدي: يبعث أكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من راه بأكل مال اليتيم (^٨).\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا زياد بن المنذر، عن نافع بن الحارث، عن أبي برزة أن رسول الله ﷺ قال: \"يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارًا\" قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: \"ألم تر أن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"وإن كان فقيرًا\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف لضعف العوفي.\n(^٣) الموبقات أي: المهلكات.\n(^٤) صحيح البخاري، الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء] (ح ٢٧٦٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (ح ٨٩).\n(^٥) أي شفتان (القاموس المحيط، باب: ش ف هـ).\n(^٦) جؤار: أي رفع الصوت والاستغاثة (النهاية ١/ ٢٣٢).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب أبي هارون العبدي وهو: عمارة بن جوين متروك ومنهم من كذبه (التقريب ٢/ ٤٩).\n(^٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط بن نصر عن السدي.","vol":"3","page":24},{"text":"فِي بُطُونِهِمْ نَارًا …﴾ الآية\"، رواه ابن أبي حاتم [عن أبي زرعة، عن عقبة بن مكرم، وأخرجه] (^١) ابن حبان في صحيحه عن أحمد بن [علي] (^٢) بن المثنى عن عقبة بن مكرم (^٣). وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر العبدي، حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُحرِّج مال الضعيفين: المرأة واليتيم\" (^٤). أي: أوصيكم باجتناب مالهما، وتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن أبي عباس ﵄، قال: لما نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾، انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] (^٥)، قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.\n\n<span id=\"aya-504\"></span>﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾.\nهذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض، وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هي كالتفسير لذلك. ولنذكر منها ما هو متعلق بتفسير ذلك. وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة، والحجاج بين الأئمة، فموضعه كتب الأحكام، والله المستعان.\nوقد ورد الترغيب في تعلم الفرائض وهذه الفرائض الخاصة من أهم ذلك، وقد روى أبو داود\n_________\n(^١) سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح)، وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٢) في الأصل: \"يعلى\" والمثبت من (ح) و(حم) و(مح)، وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم وابن حبان بالإسناد المذكور (الإحسان ١٢/ ٣٧٧ ح ٥٥٦٦)، وفي إسناديهما وإسناد ابن مردويه: زياد بن المنذر: كذاب (المجروحين ١/ ٣٠٦، والمطالب العالية ٣/ ٣٢١ ح ٣٥٨٦)، فالإسناد ضعيف جدًّا.\n(^٤) في سنده أحمد بن عصام: ضعيف (لسان الميزان ١/ ٢٢٠)، وأخرجه ابن ماجه من طريق ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"اللهم إني أُحرجُ حق الضعيفين: اليتيم والمرأة\" (السنن، الأدب، باب حق اليتيم ح ٣٦٧٨)، وصححه البوصيري وذكر المعنى، أُحرج عن هذا الإثم: بمعنى: بضيع حقهما (مصباح الزجاج ٣/ ١٦٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٩٦٧)، وأخرجه الحاكم من طريق المقبري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٢٨)، وكذا أخرجه ابن حبان (الإحسان ٢/ ٣٧٦ ح ٥٥٦٥).\n(^٥) تقدم الأثر عند هذه الآية.","vol":"3","page":25},{"text":"وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، عن عبد الرحمن بن [رافع] (^١) التنوخي، عن عبد الله بن عمرو ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة\" (^٢).\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا هريرة تعلموا الفرائض وعلموا فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي\" رواه ابن ماجه وفي إسناده ضعف (^٣). وقد روي من حديث ابن مسعود وأبي سعيد، وفي كل منهما نظر (^٤). قال سفيان بن عيينة: إنما سمّى الفرائض نصف العلم، لأنه يبتلى به الناس كلهم.\nوقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني [ابن المنكدر] (^٥)، عن جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله ﷺ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي ﷺ لا أعقل شيئًا، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رش علي فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (^٦). وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج به (^٧)، ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر.\n(حديث آخر عن جابر في سبب نزول الآية) قال أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله هو ابن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالًا، ولا ينكحان إلا ولهما مال، قال: فقال: \"يقضي الله في ذلك\" فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: \"أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك\" (^٨). وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل به، قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه (^٩).\n_________\n(^١) في الأصل: \"نافع\" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٢) سنن أبي داود، الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض (ح ٢٨٨٥)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب اجتناب الرأي والقياس (ح ٥٤)، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زياد كما في التقريب.\n(^٣) سنن ابن ماجه، الفرائض، باب الحث على تعليم الفرائض (ح ٢٧١٩)، وسنده ضعيف بسبب ضعف أحد رواته وهو حفص بن عمر بن أبي العطاف كما في التقريب ص ١٧٣.\n(^٤) حديث ابن مسعود أخرجه الترمذي ثم قال: هذا حديث فيه اضطراب (السنن، الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض ح ٢٠٩)، وأخرجه النسائي من طريق ابن المبارك عن عوف عمن حدثه عن سليمان بن جابر عن ابن مسعود (السنن الكبرى، الفرائض، باب الأمر بتعليم الفرائض ح ٦٣٠٦)، قال الدارقطني: والقول قول ابن المبارك ومن تابعه (العلل ٥/ ٧٨ ح ٧٢٦)، وحديث أبي سعيد وهو الخدري أخرجه الدارقطني من طريق عطية العوفي عنه (السنن ٤/ ٨٢)، وعطية العوفي ضعيف تقدم ذكره.\n(^٥) في الأصل: \"ابن المنذر\" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] (ح ٤٥٧٧).\n(^٧) صحيح مسلم، الفرائض، باب ميراث الكلالة (ح ١٦١٦).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣٥٢)، وسنده حسن.\n(^٩) سنن أبي داود، الفرائض، باب ما جاء في ميراث الصلب (ح ٢٨٩١)، وسنن الترمذي، الفرائض، باب =","vol":"3","page":26},{"text":"والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسبب الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث ههنا تبعًا للبخاري ﵀ فإنه ذكره ههنا، والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم.\nفقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي: يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا [يجعلون جميع الميراث للذكور] (^١) دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، [وفاوت] (^٢) بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤونة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى، وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح وقد رأى امرأة من السبي فرق بينها وبين ولدها، فجعلت تدور على ولدها، فلما وجدته أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك \"؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: \"فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها\" (^٣).\nوقال البخاري ههنا: حدثنا محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وذلك لما أنزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم وقال: تعطى المرأة الربع أو الثمن، وتعطى البنت النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة، اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغير، فقال بعضهم: يا رسول الله تُعطى الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ويعطى الصبي الميراث وليس يغني شيئًا وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم ويعطونه الأكبر فالأكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن\n_________\n= ميراث البنات (ح ٢٠٩٢)، وسنن ابن ماجه، الفرائض، باب فرائض الصلب (ح ٢٧٢٠)، وصححه الترمذي وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢١٩٩).\n(^١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"يعطون جميع الميراث للذكر\" وكلاهما صحيح.\n(^٢) في الأصل: \"قارب\" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ (صحيح البخاري، الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ح ٥٩٩٩)، وصحيح مسلم، التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى (ح ٢٧٥٤).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] ح ٤٥٧٨)، وسنده مسلسل بالمفسرين.","vol":"3","page":27},{"text":"جرير أيضًا (^١).\nوقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ قال بعض الناس: قوله: ﴿فَوْقَ﴾ زائدة، وتقديره فإن كن نساء اثنتين، كما في قوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] وهذا غير مسلم لا هنا ولا هناك. فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع، ثم قوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ لو كان المراد ما قالوه لقال: فلهما ثلث ما ترك وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة، فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين. وإذا ورثت الأختان الثلثين فلأن ترث البنتان الثلثين بالطريق الأولى والأحرى. وقد تقدم في حديث جابر أن النبي ﷺ، حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين، فدل الكتاب والسنة على ذلك، وأيضًا فإنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فلو كان للبنتين النصف لنصّ عليه أيضًا، فلما حكم به للواحدة على انفرادها، دل على أن البنتين في حكم الثلاث، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (^٢)، الأبوان لهما في الإرث أحوال:\n(أحدها): أن يجتمعا مع الأولاد فيفرض لكل واحد منهما السدس، فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة، فرض لها النصف، وللأبوين لكل واحد منهما السدس وأخذ الأب السدس الآخر [بالتعصيب] (^٣)، فيجمع له والحالة هذه بين الفرض والتعصيب.\nالحال الثاني: أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأم والحالة هذه الثلث، ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض، ويكون قد أخذ ضعفي ما حصل للأُم، وهو الثلثان، فلو كان معهما - والحالة هذه - زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف والزوجة الربع.\nثم اختلف العلماء ماذا تأخذ الأُم بعد فرض الزوج والزوجة، على ثلاثة أقوال:\n(أحدها): أنها تأخذ ثلث الباقي في المسألتين، لأن الباقي كأنه جميع الميراث بالنسبة إليهما. وقد جعل الله لها نصف ما جعل للأب. فتأخذ ثلث الباقي ويأخذ الأب ثلثيه، هذا قول عمر وعثمان، [وأصح الروايتين] (^٤) عن علي، وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور العلماء.\n(والقول الثاني): أنها تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فإن الآية أعمّ من أن يكون معها زوج أو زوجة أو لا، وهو قول ابن عباس. وروي عن علي ومعاذ بن جبل نحوه. وبه يقول شريح وداود الظاهري. واختاره أبو الحسين محمد بن عبد الله بن اللبان البصري في كتابه (الإيجاز في علم الفرائض) وهذا فيه نظر، بل هو ضعيف، لأن ظاهر الآية إنما هو إذا استبد بجميع التركة، وأما في هذه المسألة فيأخذ الزوج أو الزوجة الفرض ويبقى الباقي كأنه جميع التركة فتأخذ ثلثه كما تقدم.\n_________\n(^١) أخرجاه في تفسيريهما وسنده ضعيف.\n(^٢) تقدم في بداية تفسير الآية نفسها.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"في الروايتين\".","vol":"3","page":28},{"text":"(والقول الثالث): أنها تأخذ ثلث جميع المال في مسألة الزوجة، فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة من اثني عشر، وتأخذ الأُم الثلث وهو أربعة، فيبقى خمسة للأب، وأما في مسألة الزوج فتأخذ ثلث الباقي لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال، فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة وللأم ثلث الباقي بعد ذلك وهو سهم، وللأب الباقي بعد ذلك وهو سهمان. ويحكى هذا عن ابن سيرين وهو قول مركب من القولين الأولين، موافق كلًا منهما في صورة وهو ضعيف أيضًا، والصحيح الأول، والله أعلم.\n(والحال الثالث من أحوال الأبوين): وهو اجتماعهما مع الإخوة، سواء كانوا من الأبوين أو من الأب أو من الأم، فإنهم لا يرثون مع الأب شيئًا، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فيفرض لها مع وجودهم السدس، فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب، أخذ الأب الباقي. وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور.\nوقد روى البيهقي من طريق شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه دخل على عثمان، فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة، فقال عثمان: لا أستطيع [تغيير] (^١) ما كان قبلي، ومضى في [الأمصار] (^٢) وتوارث به الناس (^٣). وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان هذا صحيحًا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به، والمنقول عنهم خلافه، وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه [عن خارجة بن زيد، عن أبيه أنه قال: العرب] (^٤) تسمي الأخوين إخوة (^٥). وقد أفردت لهذه المسألة جزءًا على حدة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أضروا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم عن الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم، ونفقتهم عليهم دون أمهم (^٦). وهذا كلام حسن. لكن روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم وهذا قول\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"الآثار\"، وكذا أخرجه الطبري والحاكم (المستدرك ٤/ ٣٣٥)، والبيهقي (السنن الكبرى ٦/ ٢٢٧)، كلهم من طريق ابن أبي ذئب عن شعبة به، وشعبة هو ابن دينار الهاشمي: صدوق سيء الحفظ (التقريب ص ٢٦٦)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وقد نقل الحافظ ابن حجر تصحيح الحاكم ثم قال: وفيه نظر فإن شعبة ضعفه النسائي (التلخيص الحبير ٣/ ٨٥)، ولكنه قال في موفقه الخُبر الخَبر: هذا موقوف حسن (١/ ٤٨٢)، والعلة التي ذكرها الحافظ ابن كثير هي الفيصل في ضعف هذه الرواية.\n(^٣) قوله: \"وتوارث به الناس\" وردت في (السنن الكبرى للبيهقي ٦/ ٢٢٧)، ولم ترد في رواية الطبري.\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٥) أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن آدم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به (السنن الكبرى ٦/ ٢٢٧)، وما ذكره معروف عند العرب.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وسنده حسن.","vol":"3","page":29},{"text":"شاذ رواه ابن جرير في تفسيره فقال: حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: السدس الذي حجبته الإخوة الأم لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أبيهم (^١)، ثم قال ابن جرير: وهذا قول مخالف لجميع الأمة. وقد حدثني يونس، أخبرنا سفيان، أخبرنا عمرو، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس أنه قال: الكلالة: من لا ولد له ولا والد (^٢).\nوقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية وذلك عند [إمعان] (^٣) النظر يفهم من فحوى الآية الكريمة. وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه وأصحاب التفاسير من حديث أبي إسحاق، عن الحارث بن عبد الله الأعور، عن علي بن أبي طالب، قال: إنكم تقرؤون ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأُم يتوارثون دون بني العلات. يرث الرجل أخاه لأبيه وأُمه دون أخيه لأبيه. ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم (^٤).\n(قلت): لكن كان حافظًا للفرائض معتنيًا بها وبالحساب، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: إنما فرضنا للآباء والأبناء، وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر [في الجاهلية وعلى خلاف ما كان عليه الأمر] (^٥) في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللأبوين الوصية، كما تقدم عن ابن عباس، إنما نسخ الله ذلك إلى هذا ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم، لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي أو الأخروي أو هما من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس، فلهذا قال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: كأن النفع متوقع ومرجو من هذا كما هو متوقع ومرجو من الآخر، فلهذا فرضنا لهذا ولهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض، هو فرض من الله، الله حكم به وقضاه، والله العليم الحكيم الذي يضع الأشياء\n_________\n(^١) كذا في النسخ وكذا في النسخة المحققة على عدة نسخ، وأما في نسخة أحمد شاكر بلفظ: \"أُمهم\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وتعليقه، ولعل ابن عباس رجع عن ذلك بدليل ما ذكره ورواه الطبري بأنه قد روى عنه خلاف ذلك.\nوكلا الروايتين أخرجهما عبد الرزاق في مصنفه رقم (١٩٠٢٧ و١٩١٨٩).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"إنعام\".\n(^٤) المسند (ح ٥٩٥)، وسنن الترمذي، الفرائض، باب ما جاء في ميراث الأخوة من الأب والأم (ح ٨٧٣٧) وتتمة كلامه: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، وسنن ابن ماجه، الفرائض باب ميراث العصبة (ح ٢٧٣٩)، والحارث الأعور الكوفي ضعيف كما في التقريب، وأخرجه الحاكم ثم قال: هذا حديث رواه الناس عن أبي إسحاق والحارث بن عبد الله … ولم يخرجه الشيخان، وقد صحت هذه الفتوى عن زيد (المستدرك ٤/ ٣٣٦).\n(^٥) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).","vol":"3","page":30},{"text":"في محالها، ويعطي كلًا ما يستحقه بحسبه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\n\n<span id=\"aya-505\"></span>﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾.\nيقول تعالى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم إذا متن من غير ولد، ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وقد تقدم أن الدين مقدم على الوصية، وبعده الوصية ثم الميراث، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب ثم قال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان والثلاث والأربع يشتركن فيه. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الكلام عليه كما تقدم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الكلالة مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه، كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن الكلالة، فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة من لا ولد له ولا والد، فلما ولي عمر بن الخطاب قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه، رواه ابن جرير وغيره (^١).\nوقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت آخر الناس عهدًا بعمر بن الخطاب فسمعته يقول: القول ما قلت وما قلت وما قلت، قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد (^٢). وهكذا قال علي وابن مسعود، وصحّ \"مِن\" غير وجه عن ابن عباس وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبي والنخعي والحسن وقتادة وجابر بن زيد والحكم (^٣)، وبه يقول أهل المدينة وأهل الكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم، وقد حكى الإجماع عليه غير واحد، وورد فيه حديث مرفوع، قال أبو الحسين بن اللبان: وقد روي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الشعبي به، وسنده منقطع فإن الشعبي لم يسمع أبا بكر ولا عمر، ويتقوى بالرواية التالية.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح صححه الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير ٣/ ٨٩)، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان بن عيينة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٤).\n(^٣) ذكرهم السيوطي في الدر المنثور.","vol":"3","page":31},{"text":"عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه من لا ولد له، والصحيح عنه الأول، ولعل الراوي ما فهم عنه ما [أراد] (^١) وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أي: من أُم كما هو في قراءة بعض السلف، منهم سعد بن أبي وقاص (^٢)، وكذا [فسرها] (^٣) أبو بكر الصديق فيما رواه قتادة عنه (^٤) ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ إخوة الأُم يخالفون بقية الورثة من وجوه:\n(أحدها): أنهم يرثون مع من أدلوا به، وهي الأُم.\n(الثاني): أن ذكورهم وإناثهم سواء.\n(الثالث): أنهم لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا ولد ابن.\n(الرابع): أنهم لا يزادون على الثلث، وإن كثر ذكورهم وإناثهم.\nقال ابن أبي حاتم: [حدثنا يونس] (^٥)، حدثنا ابن وهب، أخبرنا يونس، عن الزهري، قال: قضى عمر بن الخطاب ﵁ أن ميراث الإخوة من الأُم بينهم للذكر مثل الأنثى، قال محمد بن شهاب الزهري: ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم بذلك من رسول الله ﷺ، وهذه الآية هي التي قال الله تعالى فيها: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (^٦).\nواختلف العلماء في المسألة المشتركة، وهي زوج وأم أو جدة واثنان من ولد الأُم وواحد أو أكثر من ولد الأبوين، فعلى قول الجمهور للزوج النصف، وللأُم أو الجدة السدس ولولد الأُم الثلث ويشاركهم فيه ولد الأب والأُم بما بينهم من القدر المشترك وهو إخوة الأُم، وقد وقعت هذه المسألة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأعطى الزوج النصف، والأُم السدس، وجعل الثلث لأولاد الأُم، فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين، هبّ أن أبانا كان حمارًا، ألسنا من أم واحدة؟ فشرك بينهم (^٧).\nصحَّ التشريك عنه وعن عثمان، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ﵃، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح القاضي ومسروق وطاوس ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز والثوري وشريك، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه، وكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم، بل يجعل الثلث لأولاود الأُم، ولا شيء لأولاد الأبوين، والحالة هذه لأنهم عصبة. وقال وكيع بن الجراح: لم يختلف عنه في\n_________\n(^١) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن عنه (المصنف ١١/ ٤١٧ ح ١١٦٥٠).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"قرأها\".\n(^٤) قتادة لم يسمع من أبي بكر فسنده منقطع.\n(^٥) سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح)، وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، والزهري لم يسمع من عمر.\n(^٧) أخرجه الحاكم بنحوه من طريق الشعبي عن عمر وعلي وعبد الله وزيد، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٣٧).","vol":"3","page":32},{"text":"ذلك. وهذا قول أُبي بن كعب وأبي موسى الأشعري. وهو المشهور عن ابن عباس. وهو مذهب الشعبي وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد [وزفر] (^١) بن الهُذيل والإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن آدم ونعيم بن حماد وأبي ثور وداود بن علي الظاهري، [واختاره أبو الحسين بن اللبان الفرضي] (^٢) ﵀ في كتابه (الإيجاز). وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: لتكن وصيته على العدل لا على الإضرار والجور والحيف بأن يحرم بعض الورثة أو ينقصه، أو يزيده على ما قدر الله له من الفريضة، فمن سعى في ذلك، كان كمن ضادّ الله في حكمته، وقسمته. ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر الدمشقي الفراديسي، حدثنا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: \"الإضرار في الوصية من الكبائر\" (^٣). وكذا رواه ابن جرير من طريق عمر بن المغيرة هذا، وهو أبو حفص بصري سكن المصيصة، قال أبو القاسم بن عساكر: ويعرف بمفتي المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، وقال فيه أبو حاتم الرازي: هو شيخ (^٤)، وقال علي بن المديني: هو مجهول لا أعرفه، لكن رواه النسائي في سننه عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا: \"الإضرار في الوصية من الكبائر\" وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن عائذ بن حبيب، عن داود بن أبي هند (^٥)، ورواه ابن جرير من حديث جماعة من الحفاظ عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا (^٦)، وفي بعضها: ويقرأ ابن عباس ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. قال ابن جرير: والصحيح الموقوف، ولهذا اختلف الأئمة في الإقرار للوارث، هل هو صحيح أم لا؟ على قولين:\n(أحدهما): لا يصح لأنه مظنة التهمة أن يكون قد أوصى له بصيغة الإقرار. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\". وهذا مذهب مالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، والقول القديم للشافعي ﵏، وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإقرار. وهو مذهب طاوس وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز واختاره البخاري في صحيحه، واحتج بأن رافع بن خدج أوصى أن لا تكشف الفزارية عما أغلق عليه بابها، قال: وقال بعض الناس: لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة، وقد قال النبي ﷺ: \"إياكم والظن، فإن الظن\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"زيد\" وهو تصحيف.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"وأحباهم أبو الحسين بن اللبان القرظي\" وهو تصحيف في أوله وآخره.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، في سنده عمر المغيرة ضعيف جدًّا (تهذيب التهذيب ١/ ٢٢٠)، ولم يصح مرفوعًا، وإنما صح موقوفًا، وأخرجه الطبري والبيهقي من طرق عن ابن عباس موقوفًا، وعقب البيهقي فقال: هذا هو الصحيح موقوف (السنن الكبرى ٦/ ٢٧١)، وأخرجه العقيلي في الضعفاء وقال: لا يعرف أحد رفعه غير عمر بن المغيرة المصيصي (انظر: نصب الراية ٤/ ٤٠٢)، وصححه الطبري موقوفًا أيضًا كما نقل عنه الحافظ ابن كثير.\n(^٤) الجرح والتعديل (٦/ ١٣٦).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"3","page":33},{"text":"أكذب الحديث\" وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فلم يخص وارثًا ولا غيره (^١)، انتهى ما ذكره. فمتى كان الإقرار صحيحًا مطابقًا لما في نفس الأمر، جرى فيه هذا الخلاف، ومتى كان حيلة ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم، فهو حرام بالإجماع وبنص هذه الآية الكريمة ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ثم قال تعالى:\n\n<span id=\"aya-506\"></span>﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾.\nأي هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه [وفقدهم] (^٢) له عند عدمه، هي حدود الله، فلا تعتدوها ولا تجاوزوها، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيها فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضها بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾\n\n<span id=\"aya-507\"></span>﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ أي: لكونه غير ما حكم الله به وضادّ الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم رضى بما قسم الله وحكم به، وضاد الله في حكمه وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم - قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة\" قال: ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (^٣).\nقال أبو داود في باب الإضرار في الوصية من سننه: حدثنا عَبْدَة بن عبد الله، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا نصر بن علي الحُدّاني، حدثنا الأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني، حدثني شهر بن حوشب أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت، فيُضارّان في الوصية، فتجب لهما النار\" وقال: قرأ عليّ أبو هريرة من ههنا ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] حتى بلغ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^٤)،\n_________\n(^١) ذكر البخاري مذهب طاوس وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز وقول رافع والحريث، والتعليق كله معلقًا الصحيح، الوصايا، باب قول الله ﷿: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] قبل حديث رقم ٢٧٤٩، والحديث ذكر الحافظ ابن حجر أن البخاري وصله في الأدب المفرد (الفتح ٥/ ٣٧٦).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"وفقرهم\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٧٧٢٨)، وسنده ضعيف بسبب شهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام (التقريب ص ٢٦٩).\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الوصايا، باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية ح ٢٨٦٧)، ولم يذكره الألباني في صحيح سنن أبي داود.","vol":"3","page":34},{"text":"وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أشعث ابن عبد الله بن جابر الحداني به، وقال الترمذي: حسن غريب (^١)، وسياق الإمام أحمد أتم وأكمل.\n\n<span id=\"aya-508\"></span>﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾.\nكان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ولهذا قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: الزنا ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك.\nقال ابن عباس ﵁: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم (^٢). وكذا رُوي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك، أنها منسوخة (^٣)، وهو أمر متفق عليه.\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي، أثر عليه، وكرب لذلك، وتَرَبّد وجهه، فأنزل الله ﷿ عليه ذات يوم، فلما سُري عنه، قال: \"خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة\" (^٤). وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن حطان، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ ولفظه: \"خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم\" (^٥). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي\n_________\n(^١) سنن الترمذي، الوصايا، باب ما جاء في الوصية بالثلث (ح ٢١١٧)، وسنن ابن ماجه، الوصايا، باب الحيف في الوصية (ح ٢٧٠٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب عن ابن عباس، وفي سنده عطاء لم يسمع من ابن عباس وقد تابعه علي بن أبي طلحة كما في رواية الطبري والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣١٠، ويشهد له حديث عبادة بن الصامت ﵁ كما سيأتي في صحيح مسلم. فالإسناد حسن لغيره.\n(^٣) هذه الأقوال ذكرها كلها ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عطاء الخراساني تقدم في سابقه ضمن إسناد ابن عباس، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وأخرجه الطبري بإسناد صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بإسناد حسن من طريق أسباط عن السدي. وقول زيد بن أسلم أخرجه الطبري بإسناد صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣١٨)، وسنده صحيح فقد أخرجه مسلم كما سيأتي.\n(^٥) صحيح مسلم، الحدود، باب حد الزنى (ح ١٦٩٠)، وسنن الترمذي، الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثيب (ح ١٤٣٣).","vol":"3","page":35},{"text":"عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة، أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي، عُرف ذلك في وجهه، فلما أُنزلت ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فلما ارتفع الوحي قال رسول الله ﷺ: \"خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورمي بالحجارة\" (^١). وقد روى الإمام أحمد أيضًا هذا الحديث عن وكيع بن الجراح، حدثنا الفضل بن دلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حُرَيث، عن سلمة بن المحبق، قال: قال رسول الله ﷺ: \"خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم\" (^٢). وكذا رواه أبو داود مطولًا من حديث الفضل بن دلهم، ثم قال: وليس هو بالحافظ، كان قصابًا بواسط.\n(حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عباس بن [حمدان] (^٣)، حدثنا أحمد بن داود، حدثنا عمرو بن عبد الغفار، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن أُبي كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يجلدان ويرجمان، والشيخان يرجمان\" (^٤) هذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوروى الطبراني من طريق ابن لهيعة عن أخيه عيسى بن لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت سورة النساء، [قال رسول الله ﷺ: \"لا حبس بعد سورة النساء\" (^٥)] (^٦).\nوقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، قالوا: لأن النبي ﷺ رجم ماعزًا والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك، فدل على أن الجلد ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-509\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ أي: واللذان يفعلان الفاحشة فآذوهما، قال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وغيرهما؛ أي: بالشتم والتعيير والضرب بالنعال (^٧). وكان الحكم كذلك، حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم.\n_________\n(^١) مسند الطيالسي (ح ٥٨٤).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٧٦)، وسنده ضعيف بسبب الفضل بن دلهم ضعفه ابن معين كما في (ميزان الاعتدال ٣/ ٣٠١)، وقال ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه: هذا خطأ إنما أراه عن الحسن عن حطان عن قتادة (العلل ١/ ٤٥٦)، ولكن متنه صحيح كما تقدم.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي (مح): \"حمران\" وفي الأصل: \"عمران\" وهو تصحيف.\n(^٤) في سنده عمرو بن عبد الغفار وهو الفقيمي، قال أبو حاتم: متروك، وقال ابن عدي: اتهم بوضع الحديث (لسان الميزان ٤/ ٤٦٩).\n(^٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٣٦٥)، وفي سنده عيسى بن لهيعة ضعيف كما تقدم في أول تفسير السورة.\n(^٦) ما بين معقوفين سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.","vol":"3","page":36},{"text":"وقال عكرمة وعطاء والحسن وعبد الله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا (^١).\nوقال السدي: نزلت في الفتيان من قبل أن يتزوجوا (^٢).\nوقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا (^٣) - لا يكنى، وكأنه يريد اللواط (^٤) - والله أعلم.\nوقد روى أهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به\" (^٥).\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ أي: أقلعا ونزعا عما كانا عليه وصلحت أعمالها وحسنت، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ أي: لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقد ثبت في الصحيحين \"إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها الحد ولا يثرب عليها\" (^٦). أي: ثم لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت.\n\n<span id=\"aya-510\"></span>\n\n<span id=\"aya-511\"></span>﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾.\nيقول الله تعالى: إنما يتقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم يتوب ولو قبل معاينة الملك ليقبض روحه قبل الغرغرة.\nقال مجاهد وغير واحد: كل من عصى الله خطأً أو عمدًا، فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب (^٧).\nوقال قتادة، عن أبي العالية أنه كان يحدث أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة، رواه ابن جرير (^٨).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي الله به، فهو جهالة عمدًا كان أو غيره (^٩).\n_________\n(^١) هذه الأقوال أخرجها الطبري بأسانيد ضعاف، ويشهد لها ما تقدم من روايات.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه الطبري بإسنادين أحدهما صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) كذا في النسخ التي بين يدي والمراد: \"اللواط\".\n(^٥) أخرجه أبو داود (السنن، الحدود، باب فيمن عمل عمل قوم لوط ح ٤٤٦٢)، والترمذي (السنن، الحدود، باب ما جاء في حد اللوطي ح ١٤٥٦)، والنسائي بنحوه (السنن الكبرى، الرجم، باب من عمل عمل قوم لوط ح ٧٣٣٧)، وابن ماجه (السنن، الحدود، باب من عمل عمل قوم لوط ح ٢٥٦١)، كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو به، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٣٧٤٥).\n(^٦) صحيح البخاري، الحدود، باب لا يثرب على الأمَة إذا زنت (ح ٦٨٣٩)، وصحيح مسلم الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمة في الزنى (ح ١٧٠٣).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن قتادة لكنه مرسل لأنه لم يسمع إلا من أنس ﵁.","vol":"3","page":37},{"text":"وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها، قال ابن جريج: وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوه (^١).\nوقال أبو صالح، عن ابن عباس: من جهالته عمل السوء (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ قال: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت (^٣).\nوقال الضحاك: ما كان دون الموت فهو قريب (^٤).\nوقال قتادة والسدي: ما دام في صحته (^٥)، وهو مروي عن ابن عباس.\nوقال الحسن البصري: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، ما لم يغرغر (^٦).\nوقال عكرمة: الدنيا كلها قريب (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-90>ذكر الأحاديث في ذلك:</span>\nقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عياش، وعصام بن خالد، قالا: حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر\" (^٨). رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به. وقال الترمذي: حسن غريب. ووقع في سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو، وهو وهم إنما هو عبد الله بن عمر بن الخطاب (^٩).\n(طريق أخرى) عن ابن عمر قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله [الباهلي] (^١٠)، حدثنا أيوب بن نهيك الحلبي، سمعت عطاء بن أبي رباح، قال: سمعت عبد الله بن عمر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه وأدنى من ذلك، وقبل موته بيوم وساعة يعلم الله منه التوبة\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الحسين - وهو سُنيد - عن حجاج، عن ابن جريج به، وسنده ضعيف بسبب ضعف سُنيد.\n(^٢) أخرجه الطبري عن أبي صالح به، وسنده ضعيف لضعف أبي صالح وهو باذام أو باذان مولى أم هاني.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق النضر بن طهمان عن الضحاك به.\n(^٥) قول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مسكين بن عبد الله الطاحي، عن حوشب، عن الحسن، وفي سنده مسكين ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٨/ ٣٢٩)، وله شاهد يقويه كما سيأتي في رواية الإمام أحمد عن ابن عمر.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦١٦٠)، وسنده حسن وصححه أحمد شاكر.\n(^٩) سنن الترمذي، الدعوات (ح ٣٥٣٧)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب ذكر التوبة (ح ٥٢٥٣)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٣٠).\n(^١٠) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"البابلي\" وفي (مح): البابلتي.","vol":"3","page":38},{"text":"والإخلاص إليه إلا قبل منه\" (^١).\n(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن إبراهيم بن ميمونة، أخبرني رجل من بلحارث يقال له: أيوب قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: من تاب قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه، ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه، فقلت له: إنما قال الله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ فقال: إنما أحدثك ما سمعته من رسول الله ﷺ (^٢). وهكذا رواه أبو داود الطيالسي وأبو عمر الحوضي وأبو عامر العقدي عن شعبة.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن [البَيْلماني] (^٣)، قال: اجتمع أربعة من أصحاب النبي ﷺ، فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم\"، فقال الآخر: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم\"، فقال الثالث: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة\"، قال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه\" (^٤). وقد رواه سعيد بن منصور عن الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البَيْلماني، فذكر قريبًا منه.\n(حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا عمران بن عبد الرحيم، حدثنا عثمان بن الهيثم، حدثنا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-91>أحاديث في ذلك مرسلة:</span>\nقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر\"، هذا مرسل حسن عن الحسن البصري ﵀ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم من طريق يحيى بن عبد الله به (الحلية ٣/ ٣٢٠)، وسنده ضعيف لضعف أيوب بن نهيك، ضعفه أبو حاتم، وقال الأزدي: متروك (لسان الميزان ١/ ٤٩٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود الطيالسي بسنده ومتنه (منحة المعبود ح ٢٢٨٤)، وأخرجه الإمام أحمد (المسند ح ٦٩٢٠)، والطبري وابن أبي حاتم والبخاري (التاريخ الكبير ٢/ ٤٢٧)، كلهم من طريق رجل من بلحارث. ولم يصرح باسمه فالإسناد ضعيف وسكت عنه الحافظ ابن حجر (تعجيل المنفعة ص ٤٧ و٤٨).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"السماني\"، وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم به (المسند ٥/ ٣٦٢)، وفي سنده عبد الرحمن بن البيلماني ضعيف كما في التقريب؛ ويشهد له حديث ابن عمر السابق.\n(^٥) في سنده عمران بن عبد الرحيم بن أبي الورد: وضاع (لسان الميزان ٤/ ٣٤٧).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل، ويشهد له حديث ابن عمر السابق.","vol":"3","page":39},{"text":"(حديث آخر) قال ابن جرير أيضًا ﵀: حدثنا ابن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بشير بن كعب أن نبي الله ﷺ قال: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر\"، وحدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال … فذكر مثله (^١).\n(أثر آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا عمران، عن قتادة، قال: كنا عند أنس بن مالك وثمَّ أبو قلابة، فحدث أبو قلابة فقال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة، فقال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح، فقال الله ﷿: وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح. وقد ورد هذا في حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم [العتواري] (^٢)، كلاهما عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، قال: \"قال إبليس: وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله ﷿: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني\" (^٣).\nفقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى الله ﷿ وهو يرجو الحياة، فإن توبته مقبولة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وحشرجت الروح في الحلق وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم، فلا توبة مقبولة حينئذٍ، ولات حين مناص، ولهذا قال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾، وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية [غافر: ٨٤، ٨٥]، وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، وقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ يعني: أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته، ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض.\nقال ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ قالوا: نزلت في أهل الشرك (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال: حدثني أبي، عن مكحول أن عمر بن نعيم حدثه عن أسامة بن سلمان أن أبا ذر حدثهم أن رسول الله ﷺ، قال: \"إن الله يقبل توبة عبده أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب\". [قيل: وما وقوع الحجاب؟] (^٥) قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقتادة لم يسمع من عباده ويشهد له حديث ابن عمر السابق.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"العراري\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق يزيد بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن أبي سعيد الخدري به (المسند ١٧/ ٣٤٤ ح ١١٢٤٤)، وحسنه محققوه بتعدد طرقه.\n(^٤) قول أبي العالية والربيع بن أنس أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد عن أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية.\n(^٥) سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج.","vol":"3","page":40},{"text":"\"أن تخرج النفس وهي مشركة\" (^١)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: موجعًا شديدًا مقيمًا.\n\n<span id=\"aya-512\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾.\nقال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال الشيباني: وذكره أبو الحسن [السوائي] (^٢)، ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، قال: كانوا إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك، هكذا رواه البخاري (^٣) وأبو داود والنسائي وابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث أبي إسحاق الشيباني واسمه سليمان بن أبي سليمان، عن عكرمة، وعن أبي الحسن السوائي واسمه عطاء، كوفي أعمى، كلاهما عن ابن عباس بما تقدم (^٤). وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله تعالى عن ذلك، أي: نهى عن ذلك (^٥)، تفرد به أبو داود، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس بنحو ذلك. فقال وكيع، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن مقسم، عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي [عنها] (^٦) زوجها، فجاء رجل فألقى عليها ثوبًا كان أحق بها، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ٤١٠ - ٤١١ ح ٢١٥٢٢)، وسنده ضعيف لجهالة عمر بن نعيم (لسان الميزان ٤/ ٣٣٦).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح) وصحيح البخاري، وفي الأصل: \"السراري\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] ح ٤٥٧٩).\n(^٤) سنن أبي داود، النكاج، باب ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (ح ٢٠٨٩)، وتفسير النسائي من السنن الكبرى ص ٤٣، وتفسير ابن أبي حاتم، وسنده صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٣٩).\n(^٥) سنن أبي داود، النكاح، باب ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (ح ٢٠٩٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٤٠).\n(^٦) زياد من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق وكيع به بدون ذكر ابن عباس وسنده مرسل.","vol":"3","page":41},{"text":"وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى عليها حميمه (^١) ثوبه فمنعها من الناس فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها (^٢).\nوقال العوفي عنه: كان الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم، ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها، ولم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٣).\nوقال [زيد] (^٤) بن أسلم في قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية، ورث امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يرثها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك، رواه ابن أبي حاتم (^٥).\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا علي بن المنذر، حدثنا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٦). ورواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل به (^٧). ثم روى من طريق [ابن جريج] (^٨) قال: أخبرني عطاء أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة، حبسها أهلها على الصبي يكون فيهم، فنزلت ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٩).\nوقال ابن جريج: قال [مجاهد] (^١٠): كان الرجل إذا توفي، كان ابنه أحق بامرأته ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه (^١١).\nوقال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في كُبيشة بنت معن بن عاصم من الأوس، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، لا أنا ورثت\n_________\n(^١) حميمة: أي خاصته ومن يقرب منه (النهاية ١/ ٤٤٦).\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به.\n(^٤) في الأصل: \"يزيد\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي سعيد الأشج عن محمد بن فضيل به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.\n(^٨) في الأصل: \"ابن جرير\" وهو تصحيف.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج به وهو مرسل كذلك.\n(^١٠) كذا في (حم) و(مح)، وفي تفسير الطبري، وفي الأصل: \"عطاء\" وهو خطأ وتكرار لسابقه.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"3","page":42},{"text":"زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فأنزل الله هذه الآية (^١). وقال السدي عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها، جاء وليه فألقى عليها ثوبًا، فإن كان له ابن صغير، أو أخ، حبسها حتى يشب، أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم [يلق] (^٢) عليها ثوبًا، نجت، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٣).\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها، فيحبسها رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها أو يزوجها ابنه، رواه ابن أبي حاتم (^٤). ثم قال: وروي عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح وأبي مجلز والضحاك والزهري وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان (^٥)، نحو ذلك [قلت] (^٦)، فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية وما ذكره مجاهد، ومن وافقه، وكل ما كان فيه نوع من ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لا تُضَارّوهن في العشرة، لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقًّا من حقوقها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: يقول: ولا تقهروهن ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يعني: الرجل، تكون له امرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي (^٧). وكذا قال الضحاك وقتادة (^٨)، واختاره ابن جرير.\nوقال ابن المبارك وعبد الرزاق: أخبرنا معمر، قال: أخبرني سماك بن الفضل، عن ابن البَيْلماني، قال: نزلت هاتان الآيتان، إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام.\nوقال عبد الله بن المبارك: يعني قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ في الجاهلية، ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في الإسلام (^٩).\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والضحاك وأبو قلابة وأبو صالح والسدي وزيد بن أسلم وسعيد بن أبي هلال: يعني: بذلك الزنا (^١٠).\n_________\n(^١) وسنده مرسل.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل: \"يكن\".\n(^٣) أخرجه الطبري بالإسناد المتقدم قبل رواية مجاهد، وسنده ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سالم عن مجاهد.\n(^٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٦) كذا في (حم) و(ح) و(مح)، وفي الأصل: \"قال\".\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.\n(^٨) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لم يصرح باسم شيخه.\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق عن معمر به، وأخرجه الطبري من طريق ابن المبارك به وهو مرسل، وعبد الرحمن ضعيف كما في التقريب.\n(^١٠) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وتقدم التخريج في الآية ١٥ من هذه السورة الكريمة.","vol":"3","page":43},{"text":"يعني: إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها، وتضاجرها حتى تتركه لك، وتخالعها، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ …﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩] وقال ابن عباس [وعكرمة] (^١) والضحاك: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان (^٢)، واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله الزنا والعصيان، والنشوز، وبذاء اللسان وغير ذلك. يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى [تبرئه] (^٣) من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد، والله أعلم. وقد تقدم فيما رواه أبو داود منفردًا به من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال: وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت، أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك؛ أي: نهى عن ذلك (^٤). وهكذا قال عكرمة عن ابن عباس والحسن البصري، وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية، ولكن نهى المسلمون عن فعله في الإسلام.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: كان العضل في قريش بمكة ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها الخاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها قال: فهذا قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [الآية (^٥). وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾] (^٦)، هو كالعضل في سورة البقرة (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال رسول الله ﷺ: \"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي\" (^٨) وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين ﵂، يتودد إليها بذلك، قالت: سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعدما حملت اللحم فسبقني، فقال: \"هذه بتلك\" (^٩). ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله ﷺ فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان إذا صلى العشاء فدخل منزله يسمر مع\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"الحسن\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة به.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) وفي الأصل: \"تترك\" وفي (مح): تهبه.\n(^٤) تقدم في بداية تفسير هذه الآية الكريمة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٦) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٨) أخرجه الترمذي من حديث عائشة (السنن، المناقب، باب في فضل أزواج النبي ﷺ ح ٣٨٩٢)، وقال: حسن غريب صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٤٠٥٧).\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة (المسند ٤٠/ ١٤٤ ح ٢٤١١٨)، وصححه محققوه.","vol":"3","page":44},{"text":"أهله قليلًا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار. وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتب الأحكام، ولله الحمد.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أي: فعسى أن يكون صبركم مع إمساككم لهن وكراهتهن فيه، خير كثير لكم في الدنيا والآخرة، كما قال ابن عباس في هذه الآية: هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولدًا، ويكون في ذلك الولد خير كثير (^١)، وفي الحديث الصحيح: \" [لا يفرك] (^٢) مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقًا رضي منها آخر\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-513\"></span>\n\n<span id=\"aya-514\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ أي: إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها فلا يأخذ مما كان أصدق الأولى شيئًا ولو كان قنطارًا من المال، وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته ههنا (^٤). وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وقد كان عمر بن الخطاب [نهى عن كثرة الإصداق] (^٥) ثم رجع عن ذلك، كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تَغلّوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها النبي ﷺ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول: كلفت إليك علق القربة (^٦) (^٧)، رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء واسمه: هرم بن مُسَيب البصري، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (^٨).\n(طريق أخرى عن عمر) قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن المجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ﷺ، ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم في صُدُق (^٩) النساء، وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه وإنما الصّدُقات (^١٠) فيما بينهم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: \"لا يترك\" وهو على المعنى.\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا (الصحيح، الرضاع، باب الوصية بالنساء ح ١٤٦٩).\n(^٤) سورة آل عمران آية ١٤.\n(^٥) سقط في الأصل، واستدرك من (ح) و(مح) و(حم).\n(^٦) أي تحملت لأجلك كل شيء حتى علق القربة، وهو حبلها الذي تعلق به (النهاية ٣/ ٢٩٠).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وأطول (المسند ١/ ٢٨٣ ح ٢٨٥)، وصححه محققوه وأحمد شاكر.\n(^٨) سنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في مهور النساء (ح ١١١٤)، وتقدم تصحيحه، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٨٨٩).\n(^٩) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"صداق\".\n(^١٠) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"صداق\".","vol":"3","page":45},{"text":"أربعمائة درهم، فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؟ قال: فقال: اللهم غفرًا، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل (^١). إسناده جيد قوي (^٢).\nوقال ابن المنذر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن قيس بن ربيع، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ - من ذهب - قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود، (فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئًا)، فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته (^٣).\n(طريق أخرى عن عمر فيها انقطاع) قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي القُصّة - يعني يزيد بن الحصين الحارثي - فمن زاد، ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت امرأة من صفة النساء طويلة، في أنفها فطس: ما ذاك لك. قال: ولم؟ قالت: لأن الله قال: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا …﴾ الآية، فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ (^٤)، ثم عمل عمر بن الخطاب بخلاف ما كان [نهى] (^٥) عنه فإنه أصدق أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة بنت رسول الله ﷺ أربعين ألفًا إكرامًا لها، وعلى ذلك كان عمل الناس فيما بعد لما فتح الله عليهم الأمصار وصارت إليهم تلك الأموال. قال الطبراني: حدثني الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن ابن سيرين قال: تزوج الحسن بن علي امرأة أرسل إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم، وهذا إسناد صحيح. وكان الحسن بن علي يمتع المطلقة من نسائه بعشرة آلاف، فقالت إحداهن لما وضعت بين يديها وقد بانت منه: متاع قليل من حبيب مفارق. وأصدق مصعب بن الزبير\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى في مسنده كما في المقصد العلي للهيثمي ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥ (ح ٧٥٧)، وضعفه الدارقطني (في العلل ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، والألباني في إرواء الغليل ٦/ ٣٤٨.\n(^٢) وتبعه السخاوي في المقاصد الحسنة (ح ٨١٤)، والسيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٦٦، والصحيح هو الحديث السابق من طريق أبي العجفاء.\n(^٣) أخرجه ابن المنذر بسنده ومتنه (التفسير رقم ١٥١١)، وأخرجه عبد الرزاق عن قيس به (المصنف ٦/ ١٨٠)، وسنده ضعيف ضعفه الألباني بسبب الانقطاع بين أبي عبد الرحمن السلمي وعمر، وسوء حفظ قيس بن الربيع (الإرواء ٦/ ٣٤٨).\n(^٤) سنده ضعيف بسبب الانقطاع بين عمر وجد الزبير بن بكار.\n(^٥) كلمة \"نهى\" سقط من الأصل.","vol":"3","page":46},{"text":"عائشة بنت طلحة شيئًا كثيرًا ذكرناه في التاريخ، وأُصدقت فاطمة بنت الحسين بن علي ألف ألف، ومثل هذه الأشياء كانت تشتهر في زمانها ولم يبلغنا عن أحد من أئمة تلك المدة إنكار ذلك والله أعلم، وأما مغالاة بني أمية وبني العباس وأهل دولتهم في الأصدقة فشيء عجيب وتكثير بعيد لما فيه من السرف، والله أعلم.\nولهذا قال [منكرًا] (^١): ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد أفضيت إليها وأفضت إليك؟ قال ابن عباس ومجاهد والسدي وغير واحد: يعني بذلك الجماع (^٢)، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ، قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما: \"الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ \" [ثلاثًا] (^٣)، فقال الرجل: يا رسول الله مالي؟ - يعني ما أصدقها - قال: \"لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها\" (^٤). في سنن أبي داود وغيره عن بصرة بن أبي بصرة (^٥) أنه تزوج امرأة بكرًا في خدرها، فإذا هي حبلى من الزنا، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقضى لها بالصداق، وفرق بينهما، وأمر بجلدها، وقال: \"الولد عبد لك\" (^٦)، فالصداق في مقابلة البضع. ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، أن المراد بذلك العقد (^٧). وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾] (^٨)، قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (^٩). قال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد وأبي العالية والحسن وقتادة ويحيى بن أبي كثير والضحاك والسدي، نحو ذلك (^١٠). وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: هو قوله: \"أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله\" فإن\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(مح) و(حم).\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق بكر بن عبد الله المزني عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح عن ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج.\n(^٤) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر (الصحيح، الطلاق، باب قول الإمام للمتلاعنين: إن أحدكما كاذب .. ح ٥٣١٢)، وأخرجه مسلم (الصحيح، اللعان، الحديث الرابع رقم ١٤٩٣).\n(^٥) كذا في الأصل وفي سنن أبي داود: \"بصرة ابن أكثم\"، وكلاهما صحابي.\n(^٦) أخرجه أبو داود من طريق ابن جريج عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار … يقال له: بصرة بنحوه (السنن، النكاح، باب في الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى ح ٢١٣١)، وذكر أبو حاتم أنه مرسل (العلل ١/ ٤١٨)، وفي سنده ابن جريج لم يصرح بالسماع.\n(^٧) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حبيب بن أبي ثابت عنه، وقول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، وقول سعيد بن جبير ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٨) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٩) سنده حسن.\n(^١٠) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف الإسناد.","vol":"3","page":47},{"text":"كلمة الله هي التشهد في الخطبة، قال: وكان فيما أعطى النبي ﷺ ليلة أسري به، قال له: \"جعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي\" رواه ابن أبي حاتم (^١).\nوفي صحيح مسلم عن جابر في خطبة حجة الوداع أن النبي ﷺ قال فيها: \"واستوصوا بالنساء خيرًا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-515\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾، حرم الله تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم، وإعظامًا واحترامًا أن توطأ من بعده، حتى إنها لتحرم عن الابن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا قيس بن الربيع، حدثنا أشعث بن سوار، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار، قال: لما توفي [أبو قيس] (^٣) - يعني: ابن الأسلت - وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته، فقالت: إنما أعدك ولدًا وأنت من صالحي قومك، ولكن آتي رسول الله ﷺ فأستأمره فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: إن أبا قيس توفي، فقال: \"خيرًا\" ثم قالت: إن ابنه قيسًا خطبني، وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعده ولدًا فما ترى؟ فقال لها: \"ارجعي إلى بيتك\"، قال: فنزلت ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت خلف على أُم عبيد الله بنت ضمرة، وكانت تحت الأسلت أبيه وفي الأسود بن خلف، وكان خلف على ابنة أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكان عند [أبيه] (^٥) خلف، وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد كانت عند أُمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية (^٦). وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولًا به في الجاهلية، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ كما قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] قال: وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة، تزوج بامرأة أبيه، فأولدها ابنه النضر بن كنانة، قال: وقد قال ﷺ: \"ولدت من نكاح لا من سفاح\" (^٧)، قال: فدل على أنه كان سائغًا لهم ذلك، فإن أراد أنهم كانوا يعدونه نكاحًا فيما بينهم. فقد قال ابن جرير: [حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي، حدثنا قُراد] (^٨)، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن سعيد بن سابق عن أبي جعفر به وسنده مرسل.\n(^٢) أخرجه مسلم مطولًا من حديث جابر (الصحيح، الحج، باب حجة النبي ﷺ ح ١٢١٨).\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب أشعث بن سوار، وهو ضعيف (التقريب ١/ ٧٩).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) و(مح) والطبري، وفي الأصل: \"ابنه\" وهو تصحيف.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وأطول، وسنده ضعيف بسبب حسين وهو سنيد وكذلك إرسال عكرمة.\n(^٧) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٠/ ٣٩٩ ح ١٠٨١٢)، والبيهقي (السنن الكبرى ٧/ ١٩٠)، كلاهما من طريق أبي الحويرث عن ابن عباس. وسنده ضعيف لأن أبا الحويرث مجهول كما في التقريب.\n(^٨) كذا في (ح) و(حم) وفي الأصل محمد بن عبد الله المخزومي، ثنا بزاز وهو تصحيف.","vol":"3","page":48},{"text":"أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] (^١). وهكذا قال عطاء وقتادة (^٢)، ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر، والله أعلم، وعلى كل تقدير فهو حرام في هذه الآية، مبشع غاية التبشع، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، وقد قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء] فزاد ههنا ﴿وَمَقْتًا﴾ أي: بغضًا؛ أي: هو أمر كبير في نفسه، ويؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة لأنهن أمهات لكونهن زوجات النبي ﷺ وهو كالأب للأُمة بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه (^٣).\nوقال عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿وَمَقْتًا﴾ أي: يمقت الله عليه، ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي: وبئس طريقًا لمن سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل ويصير ماله فيئًا لبيت المال. كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن البراء بن عازب، عن خاله [أبي بردة] (^٤) - وفي رواية: ابن عمر، وفي رواية: عن عمه - أنه بعثه رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه [من بعده] (^٥) أن يقتله ويأخذ ماله (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أشعث، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: مرَّ بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له النبي ﷺ فقلت له: أي عمّ أين بعثك النبي؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه (^٧).\n(مسألة): وقد أجمع العلماء على تحريم من وطئها الأب بتزويج أو ملك أو شبهة، واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع، أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه منها لو كانت أجنبية، ونصّ (^٨) الإمام أحمد ﵀ أنها تحرم أيضًا بذلك، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة حُديج الحصني مولى معاوية قال: اشترى لمعاوية جارية بيضاء جميلة، فأدخلها عليه مجردة وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها، ويقول: نعم المتاع، لو كان له متاع اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا، ادع لي ربيعة بن عمرو الجُرشي، وكان فقيهًا، فلما دخل عليه قال: إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد، فقال: لا تفعل\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات، وقراد هو عبد الرحمن بن غزوان الضبي، وسنده صحيح.\n(^٢) قول عطاء أخرجه الطبري بسند فيه سُنيد وهو ضعيف، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق زهير بن محمد عن عطاء بن أبي رباح.\n(^٤) (^٥) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بنحوه (المسند ٣٠/ ٥٧٢ ح ١٨٦١٠)، وضعفه محققوه.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/ ٥٤٣ ح ١٨٥٧٩)، وضعفه محققوه، وفي سنده أشعث وهو ابن سوار: ضعيف كما في التقريب.\n(^٨) كذا في الأصل، وفي (حم) و(مح): \"وعن\".","vol":"3","page":49},{"text":"يا أمير المؤمنين فإنها لا تصلح له، ثم قال: ما رأيت، ثم قال: ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري، فدعوته وكان آدم شديد الأدمة، فقال: دونك هذه بيض بها ولدك، قال: وكان عبد الله بن مسعدة هذا وهبه رسول الله ﷺ لابنته فاطمة فربته، ثم أعتقته، ثم كان بعد ذلك مع معاوية من الناس على علي بن أبي طالب ﵁.\n\n<span id=\"aya-516\"></span>﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾.\nهذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب وما يتبعه من الرضاع ومن المحارم بالصهر، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان بن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: حرمت عليكم سبع نسبًا وسبع صهرًا، وقرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ …﴾ الآية (^١)، وحدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير، مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع، ثم قرأ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ فهن النسب (^٢).\nوقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ فإنها بنت، فتدخل في العموم كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها لأنها ليست بنتًا شرعية، فكما لم تدخل في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية، والله أعلم، وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ أي: كما يحرم عليك أمك التي ولدتك، كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك، ولهذا روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أُم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الرضاعة تحرّم ما تحرّم الولادة\" (^٣)، وفي لفظ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح أخرجه البخاري من طريق يحيى بن سعيد عن سفيان به (الصحيح، النكاح، باب \"ما يحل من النساء وما يحرم\" ح ٥١٠٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) صحيح البخاري، فرض الخمس، باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ وما نسب من البيوت إليهن (ح ٣١٠٥)، وصحيح مسلم، الرضاع، باب ما يحرم من الرضاعة (ح ١٤٤٤).","vol":"3","page":50},{"text":"لمسلم: \"يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب\" (^١).\n[وقال بعض الفقهاء: كل ما يحرم بالنسب يحرم] (^٢) بالرضاعة إلا في أربع صور، وقال بعضهم: ست صور هي مذكورة في كتب الفروع والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك، لأنه يوجد مثل بعضها من النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر فلا يرد على الحديث شيء أصلًا ألبتة، ولله الحمد وبه الثقة.\nثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية، وهذا قول مالك، ويحكى عن ابن عمر، وإليه ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري. وقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ، قال: \"لا تحرم المصة ولا المصتان\" (^٣).\nوقال قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، والمصة ولا المصتان\" (^٤)، وفي لفظ آخر: \"لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان\" رواه مسلم (^٥).\nوممن ذهب إلى هذا القول: الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور، وهو محكي عن علي وعائشة وأم الفضل وابن الزبير وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير ﵏. وقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرة، عن عائشة ﵂، قالت: كان فيما أنزل من القرآن (عشر رضعات معلومات يحرمن) ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن (^٦). وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، نحو ذلك (^٧). وفي حديث سهلة بنت سهيل، أن رسول الله ﷺ أمرها أن ترضع سالمًا مولى أبي حذيفة خمس رضعات (^٨)، وكانت عائشة تأمر من تريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات، وبهذا قال الشافعي وأصحابه، ثم ليعلم أنه لا بدّ أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور. وكما قدمنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة عند قوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث عائشة (الصحيح، الرضاع، باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، الحديث التاسع ٢/ ١٠٧٠).\n(^٢) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه مسلم من طريق ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن عائشة، صحيح مسلم، الرضاع، باب في المصة والمصتان (ح ١٤٥٠).\n(^٤) المصدر السابق (ح ٢٠).\n(^٥) المصدر السابق (ح ٢٢).\n(^٦) صحيح مسلم، الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات (ح ١٤٥٢).\n(^٧) المصنف ٧/ ٤٦٦ رقم (١٣٩١٢).\n(^٨) أخرجه البخاري، النكاح، باب الأكفاء في الدين (ح ٥٠٨٨)، وصحيح مسلم الرضاع، باب رضاعة الكبير (ح ١٤٥٣).","vol":"3","page":51},{"text":"واختلفوا هل يحرم لبن الفحول، كما هو قول الجمهور الأئمة الأربعة وغيرهم، أو إنما يختص الرضاع بالأم فقط، ولا ينتشر إلى ناحية الأب، كما هو قول لبعض السلف؟ على قولين، تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير.\nوقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، أما أم المرأة فإنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها، سواء دخل بها أو لم يدخل، وأما الربيبة وهي بنت المرأة فلا تحرم بمجرد العقد على أمها حتى يدخل، فإن طلّق الأم قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج بنتها، ولهذا قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في تزويجهن، فهذا خاص بالربائب [وحدهنّ. وقد توهم (^١) بعضهم عود الضمير إلى الأمهات والربائب] (^٢)، فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها، لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي رضي الله تعالى عنه، في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أيتزوج أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة (^٣). وحدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى عن (^٤) سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت، قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج أمها (^٥). وفي رواية عن قتادة، عن سعيد، عن زيد بن ثابت، أنه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل (^٦).\nوقال ابن المنذر: حدثنا إسحاق عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو بكر بن حفص، عن مسلم بن عويمر الأجدع، أن بكر بن كنانة أخبره أن أباه أنكحه امرأة بالطائف، قال: فلم أجامعها حتى توفى عمي عن أمها، وأمها ذات مال كثير، فقال أبي: هل لك في أمها؟ قال: فسألت ابن عباس وأخبرته الخبر، فقال: انكح أمها؟ قال: وسألت ابن عمر، فقال: لا تنكحها، فأخبرت أبي ما قال ابن عباس، وما قال ابن عمر، فكتب إلى معاوية فأخبره في كتابه ما قال ابن عمر وابن عباس، فكتب معاوية: إني لا أحل ما حرم الله، ولا أحرم ما أحل الله، وأنت وذاك والنساء سواها كثير. فلم ينه ولم يأذن لي، فانصرف أبي عن أمها فلم ينكحها (^٧).\n_________\n(^١) قوله: \"وقد توهم\" كذا في (ح) و(حم)، وفي (مح): \"فهم\".\n(^٢) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن أبي عروبة به (المصنف ١٤/ ١٧١)، وسنده صحيح.\n(^٤) في الأصل: \"بن سعيد\"، وكذا في الطبري، وفي بعض النسخ كما أثبت.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع عن قتادة به، وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج به (المصنف ٦/ ٢٧٥ رقم ١٠٨١٩)، ومسلم بن عويمر لم أجد له ترجمة.","vol":"3","page":52},{"text":"وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن سماك بن الفضل، عن رجل، عن عبد الله بن الزبير، قال: الربيبة والأُم سواء لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة (^١). وفي إسناده رجل مبهم لم يسم.\nوقال ابن جريج: أخبرني عكرمة بن خالد أن مجاهدًا قال له: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ أراد بهما الدخول جميعًا (^٢). فهذا القول كما ترى مروي عن علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير ومجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس، وقد توقف فيه معاوية. وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصابوني فيما نقله الرافعي عن [العبادي] (^٣). وقد روي عن ابن مسعود مثله، ثم رجع عنه، قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي فروة، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود: أن رجلًا من بني شمِخ من فزارة تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته. فاستفتى ابن مسعود، فأمره أن يفارقها ثم يتزوج أمها، فتزوجها وولدت له أولادًا، ثم أتى ابن مسعود المدينة، فسئل عن ذلك، فأخبر أنها لا تحل له، فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل: إنها عليك حرام ففارقها (^٤). وقد خالفه جمهور العلماء من السلف والخلف فرأوا أن الربيبة لا تحرم بمجرد العقد على الأم وأنها لا تحرم إلا بالدخول بالأُم بخلاف الأم، فإنها تحرم بمجرد العقد على الربيبة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن محمد بن هارون [بن عَزْرة] (^٥)، حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقول: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها، روي أنه قال: إنها مبهمة، فكرهها (^٦). ثم قال: وروي عن ابن مسعود وعمران بن حصين ومسروق وطاوس وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وابن سيرين وقتادة والزهري نحو ذلك (^٧). وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وجمهور الفقهاء قديمًا وحديثًا، ولله الحمد والمنة.\nقال ابن جرير: والصواب قول من قال: الأُم من المبهمات، لأن الله لم يشترط معهن الدخول كما شرط ذلك مع أمهات الربائب، مع أن ذلك أيضًا إجماع [من الحجة] (^٨) التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه. وقد روي بذلك أيضًا عن النبي ﷺ خبر غير أن في إسناده\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق عن معمر به (المصنف ٦/ ٢٧٨ رقم ١٠٨٣٣)، وسنده ضعيف بسبب إبهام الرجل الذي أشار إليه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج به (المصنف ٦/ ٢٧٥ رقم ١٠٨١٧).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي (مح): \"العباري\"، وهو تصحيف وفي الأصل: \"البيضاوي\".\n(^٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٩/ ١١٧ ح ٨٥٧٩)، قال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح (المجمع ٤/ ٢٧٠)، وأخرجه عبد الرزاق عن الثوري به (المصنف ٦/ ٢٧٣ رقم ١٠٨١١) وسنده صحيح، وأبو فروة هو: عروة بن الحارث الهمداني، وأبو عمرو الشيباني هو: سعد بن إياس.\n(^٥) كذا في تفسير ابن أبي حاتم وترجمة شيخه جعفر، وفي الأصل و(ح) و(حم) و(مح): \"بن عروة\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الله بن بكر عن سعيد به (السنن الكبرى ٧/ ١٦٠)، وسنده حسن.\n(^٧) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.\n(^٨) سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح).","vol":"3","page":53},{"text":"نظرًا، وهو ما حدثني به المثنى، حدثنا حبان بن موسى، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: \"إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلقها، فإن شاء تزوج الابنة\"، ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره (^١).\nوأما قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فجمهور الأمة على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل، أولم تكن في حجره، قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]. وفي الصحيحين أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان، [وفي لفظ لمسلم عزة بنت أبي سفيان] (^٢)، قال: \"أو تحبين ذلك\"؟ قالت: نعم لست لك بِمُخْلِيَةٍ، وأحب من شاركني في خير أختي، قال: \"فإن ذلك لا يحل لي\". قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تكح بنت أبي سلمة، قال: \"بنت أم سلمة\" قالت: نعم. قال: \"إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لبنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن\" (^٣)، وفي رواية البخاري: \"إني لو لم أتزوج أُم سلمة ما حلّت لي\" (^٤)، فجعل المناط في التحريم [مجرد تزوجه أم سلمة، وحكم بالتحريم] (^٥) لذلك، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف، وقد قيل: بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل، فإذا لم تكن كذلك فلا تحرم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام - يعني: ابن يوسف - عن ابن جريج، حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، أخبرني مالك [بن أوس] (^٦) بن الحدثان، قال: كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة؟ قلت: نعم وهي بالطائف. [قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي بالطائف] (^٧) قال: فانكحها، قلت: فأين قول الله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾؟ قال: إنها لم تكن في حجرك إنما ذلك إذا كانت في حجرك (^٨). هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم، وهو قول غريب جدًّا، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك ﵀، واختاره ابن\n_________\n(^١) ذكره الطبري بالرواية نفسها وبتعليقه، وفي سنده المثنى بن الصباح: ضعيف (التقريب ص ٥١٩).\n(^٢) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) صحيح البخاري، النكاح، باب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (ح ٥١٠١) وصحيح مسلم، الرضاع، باب تحريم الربيبة (ح ١٤٤٩).\n(^٤) صحيح البخاري، النكاح، باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير (ح ٥١٢٣).\n(^٥) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٦) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"بن رزين\" وهو تصحيف.\n(^٧) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصححه أيضًا السيوطي (الدر ٢/ ١٣٦).","vol":"3","page":54},{"text":"حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين بن تيمية ﵀، فاستشكله وتوقف في ذلك، والله أعلم.\nوقال ابن المنذر: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا الأثرم، عن أبي عبيدة قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، قال: في بيوتكم (^١).\nوأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين، توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر: ما أحب أن أخبرهما جميعًا (^٢). يريد أن أطأهما جميعًا بملك يميني، وهذا منقطع.\nوقال سنيد بن داود في تفسيره: حدثنا أبو الأحوص، عن طارق بن عبد الرحمن، عن قيس، قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله (^٣). وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وبنتها من ملك اليمين، لأن الله حرم ذلك في النكاح، قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وملك اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما روي عن ابن عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم. قال هشام عن قتادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة، وكذا قال قتادة عن أبي العالية.\nومعنى قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أي: نكحتموهن، قاله ابن عباس وغير واحد (^٤). وقال ابن جريج عن عطاء: هو أن تهدى إليه فيكشف ويفتش ويجلس بين رجليها. وقلت: أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها؟ قال: هو سواء، وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها (^٥).\nوقال ابن جرير: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يحرّم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها أو قبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ أي: وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية. كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. قال: كنا نحدث - والله أعلم - أن النبي ﷺ لما نكح امرأة زيد، قال المشركون\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر في تفسيره برقم (١٥٤٧) بسنده ومتنه، وسنده ثابت فالرواية أوردها أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ١٢١.\n(^٢) أخرجه الإمام مالك بسند متصل عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه أن عمر بن الخطاب به وفي آخره، ونهى عن ذلك (الموطأ، النكاح، باب ما جاء في كراهية إصابة الأختين بملك اليمين ٢/ ٥٣٨ ح ٣٣).\n(^٣) سنده حسن، وقيس هو: ابن أبي حازم البجلي ثقة (التقريب ص ٢٨١).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج به (المصنف ٦/ ٢٧٦ رقم ١٠٨٢٢)، وسنده صحيح.\n(^٦) ذكره الطبري بلفظه في تفسيره (٦/ ٥٦٠).","vol":"3","page":55},{"text":"بمكة في ذلك، فأنزل الله ﷿ ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ونزلت ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزلت ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا خالد بن الحارث، عن الأشعث، عن الحسن بن محمد: أن هؤلاء الآيات مبهمات ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (^٢)، ثم قال: وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول، نحو ذلك (^٣).\n(قلت): معنى مبهمات، أي: عامة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرم بمجرد العقد عليها، وهذا متفق عليه، فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة كما هو قول الجمهور، ومن الناس من يجعله (^٤) إجماعًا وليس من صلبه، [فالجواب] (^٥) من قوله ﷺ: \"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب\" (^٦)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين معًا في التزويج، وكذا في ملك اليمين إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عن ذلك وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل ولا استثناء فيما سلف، كما قال: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] [فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدًا] (^٧)، وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديمًا وحديثًا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان، خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة. قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي وهب الجَيْشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه، قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق أحداهما (^٨). ثم رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن لهيعة، وأخرجه أبو داود والترمذي أيضًا من حديث [يزيد بن أبي حبيب، كلاهما عن أبي وهب الجَيْشاني، قال الترمذي: واسمه ديلم بن] (^٩) الهوشع. عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه به، وفي لفظ للترمذي: فقال النبي ﷺ: \"اختر أيتهما شئت\"، ثم قال: [الترمذي: هذا حديث حسن (^١٠). وقد رواه ابن ماجه أيضًا] (^١١) بإسناد آخر فقال: حدثنا أبو\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج به (المصنف ٦/ ٢٨٠ رقم ١٠٨٣٧)، وسنده مرسل.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) ذكره كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٤) كذا في الأصل، وفي (ح) و(حم) و(مح): \"يحكيه\".\n(^٥) والزيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٦) حديث صحيح تقدم في بداية تفسير آية ٢٣ من هذه السورة.\n(^٧) والزيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٣٢)، وسنده حسن إذ توبع ابن لهيعة كما سيأتي في الرواية التالية.\n(^٩) والزيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^١٠) سنن أبي داود، الطلاق، باب فيمن أسلم وعنده نساء أكثر من أربع أو أختان (ح ٢٢٤٣)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده أختان (ح ١١٢٩).\n(^١١) والزيادة من (ح) و(حم) و(مح).","vol":"3","page":56},{"text":"بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي وهب الجَيْشاني، عن أبي خراش الرعيني، عن الديلمي قال: قدمت على رسول الله ﷺ وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية، فقال: \"إذا رجعت فطلق إحداهما\" (^١) قلت: فيحتمل أن أبا خراش هذا هو الضحاك بن فيروز، ويحتمل أن يكون غيره، فيكون أبو وهب قد رواه عن اثنين عن فيروز الديلمي، والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أحمد بن يحيى الخولاني، حدثنا هيثم بن خارجة، حدثنا يحيى بن إسحاق، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن رُزَيق بن حكيم، عن كثير بن مرة، عن الديلمي قلت: يا رسول الله، إن تحتي أختين، قال: \"طلّق أيهما شئت\" (^٢)، فالديلمي المذكور أولًا هو الضحاك بن فيروز الديلمي قال أبو زرعة الدمشقي: كان يصحب عبد الملك بن مروان، والثاني هو أبو فيروز الديلمي ﵁، وكان من جملة الأمراء باليمن الذين وَلُوا قتل الأسود العنسي المتنبئ لعنه الله، وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضًا لعموم الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن [عبد الله بن أبي عتبة] (^٣)، عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين، فكرهه فقال له - يعني السائل -: يقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فقال له ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: وبعيرك مما ملكت يمينك (^٤). وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك. قال الإمام مالك ﵀ عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب: أن رجلًا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده، فلقي رجلًا من أصحاب النبي ﷺ فسأله عن ذلك، فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدًا فعل ذلك لجعلته نكالًا. قال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال: وبلغني عن الزبير بن العوام مثل ذلك (^٥).\nقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري ﵀ في كتاب [الاستذكار] (^٦): إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طالب لصحبته عبد الملك بن مروان، وكانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب ﵁، ثم قال أبو عمر: حدثني خلف بن أحمد قراءة عليه: أن خلف بن مطرف حدثهم: حدثنا أيوب بن سليمان وسعيد بن سليمان ومحمد بن عمر بن لبابة، قالوا: حدثنا أبو زيد\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه، النكاح، باب الرجل يسلم وعنده أختان (ح ١٩٥١)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٥٨٧).\n(^٢) تقدم تحسينه في الرواية السابقة.\n(^٣) كذا في تفسير ابن أبي حاتم والتقريب، وفي الأصل بلفظ: \"عبد الله بن أبي نجيبة أو عتبة\"، وفي (ح) و(حم) و(مح): \"عبد الله بن أبي عنبة أو عتبة\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه وتعليق (الموطأ، النكاح، باب ما جاء في كراهية إصابة الأختين ٢/ ٧٢)، وسنده إلى عثمان صحيح.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"الاستدرك\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":57},{"text":"عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، عن موسى بن أيوب الغافقي، حدثني عمي إياس بن عامر، قال: سألت علي بن أبي طالب ﵁ فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني، اتخذت إحداهما سرية فولدت لي أولادًا ثم رغبت في الأخرى فما أصنع؟ فقال علي ﵁: تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى، قلت: فإن ناسًا يقولون: بل تزوجها ثم تطأ الأخرى، فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها، أليس ترجع إليك؟ لأن تعتقها أسلم لك. ثم أخذ علي بيدي فقال لي: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله ﷿ من الحرائر إلا العدد، أو قال: إلا الأربع، ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب، ثم قال أبو عمر: هذا الحديث رحلة، لو لم يصب الرجل من أقصى المغرب أو المشرق إلى مكة غيره لما خابت رحلته (^١). قلت: وقد روي عن علي نحو ما روي عن عثمان.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، حدثنا عبد الرحمن بن غزوان، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال لي علي بن أبي طالب: حرمتهما آية وأحلتهما آية - يعني: الأختين -[قال ابن عباس] (^٢): فحُرِمهنّ عليّ قرابتي منهن ولا يحرمهن عليّ قرابة بعضهن من بعض، يعني: الإماء وكانت الجاهلية يحرمون ما تحرمون إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين. فلما جاء الإسلام أنزل [اللّه ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]] (^٣). ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يعني: في النكاح (^٤)، ثم قال أبو عمر: روى الإمام أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن سلمة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود قال: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد، وعن ابن سيرين والشعبي نحو ذلك.\nقال أبو عمر: وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ابن عباس، ولكنهم اختلف عليهم، ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار والحجاز ولا العراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام ولا المغرب، إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس، وقد ترك من يعمل ذلك ما اجتمعنا عليه، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما لا يحل ذلك في النكاح. وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ …﴾ إلى آخر الآية، أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون نظرًا وقياسًا الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب. وكذلك هو عند جمهورهم، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذَّ عنها (^٥).\n\n<span id=\"aya-517\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: وحرم عليكم من الأجنبيات\n_________\n(^١) الاستذكار ١٦/ ٢٥٢.\n(^٢) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) سنده حسن.\n(^٥) الاستذكار (١٦/ ٢٥٠ - ٢٥١).","vol":"3","page":58},{"text":"المحصنات، وهن المزوجات ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، يعني: إلا ما ملكتموهن بالسبي فإنه يحل لكم وطؤهن إذا [استبرأتموهن] (^١)، فإن الآية نزلت في ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان - هو الثوري -، عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال: أصبنا نساء من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فاستحللنا بها فروجهن (^٢). وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن هشيم، ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، ثلاثتهم عن عثمان البتي، ورواه ابن جرير من حديث أشعث بن سوار - عن عثمان البتي -، ورواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة، كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري … فذكره (^٣)، وهكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، [عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري به. وقد روي من وجه آخر] (^٤) عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري، قال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة، عن أبي سعيد الخدري أن أصحاب رسول الله ﷺ أصابوا سبايا يوم أوطاس، لهن أزواج من أهل الشرك، فكان أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ كفوا وتأثموا من غشيانهن، قال: فنزلت هذه الآية في ذلك ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٥). وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة، زاد مسلم: وشعبة، ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة بإسناده نحوه (^٦). وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا أعلم أن أحدًا ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة - كذا قال - وقد تابعه سعيد وشعبة، والله أعلم.\nوقد روى الطبراني من حديث الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في سبايا خيبر، وذكر مثل حديث أبي سعيد (^٧)، وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقًا لها من زوجها أخذًا بعموم هذه الآية.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج؟ قال: كان عبد الله يقول: بيعها طلاقها. ويتلو هذه الآية\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"اشتريتموهن\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٧٢)، وسنده صحيح على شرط مسلم.\n(^٣) صحيح مسلم، الرضاع، باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء (ح ١٤٥٦)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في الرجل يسبي الأمة. (ح ١١٣٢).\n(^٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٨٤)، وهو على شرط مسلم.\n(^٦) صحيح مسلم، الرضاع، باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، (ح ١٤٥٦)، وسنن أبي داود، النكاح، باب في وطء السبايا (ح ٢١٥٥)، وسنن النسائي، النكاح، باب تأويل قول الله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (٦/ ١١٠)، وسنن الترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يسبي الأمة ولها زوج … (ح ١١٣٢).\n(^٧) المعجم الأوسط ٤/ ٢٩٧ (ح ٤٢٥١)، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.","vol":"3","page":59},{"text":"﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وكذا رواه سفيان، عن منصور ومغيرة والأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: بيعها طلاقها (^١). وهو منقطع، ورواه سفيان الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود، قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج، فسيدها أحق ببضعها (^٢). ورواه سعيد عن قتادة، قال: إن أُبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس، قالوا: بيعها طلاقها (^٣). وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلاق الأمة [ست] (^٤): بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، [وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها] (^٥) (^٦). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال: هُنّ ذوات الأزواج حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك، فبيعها طلاقها. قال معمر: وقال الحسن مثل ذلك (^٧)، وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: إذا كان لها زوج، فبيعها طلاقها (^٨). وروى عوف عن الحسن: بيع الأمة طلاقها، وبيعه طلاقها (^٩).\nفهذا قول هؤلاء من السلف، وقد خالفهم الجمهور قديمًا وحديثًا، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقًا لها لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها ونجزّت عتقها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله ﷺ، بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ وقصتها مشهورة (^١٠)، فلو كان بيع الأمة طلاقها كما قال هؤلاء ما خيرها النبي ﷺ، فلما خيّرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط، والله أعلم. وقد قيل: المراد بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني: العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي، واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، حكاه ابن جرير عن أبي العالية (^١١) وطاوس وغيرهما. وقال عمر وعبيدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم (^١٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بأسانيد ولفظه، والانقطاع هو بين إبراهيم النخعي وابن مسعود. ويتقوى بطريق الثوري التالي.\n(^٢) سنده صحيح، وخالد هو الحذاء.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الأعلى عن سعيد به، وسنده إلى أبي صحيح، وأما عن جابر وابن عباس فمنقطع لأن قتادة لم يسمع منهما.\n(^٤) في الأصل: \"سبيت\" وهو تصحيف.\n(^٥) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح) وتفسير الطبري.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومنته، وسنده صحيح، ولم يذكر منها إلا خمسًا.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بالطريقين وكلاهما صحيح السند.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد به (المصنف ٥/ ٨٤)، وسنده صحيح.\n(^٩) أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن عوف الأعرابي به (المصنف ٥/ ٨٤)، وسنده صحيح.\n(^١٠) صحيح البخاري، الشروط، باب الشروط في البيوع (ح ٢٧١٧)، وصحيح مسلم، العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، الحديث بعد (ح ١٥٠٤).\n(^١١) بل أسنده الطبري عن أبي العالية فقط بنحوه، وفي سنده سنيد: ضعيف.\n(^١٢) قول عمر أخر الطبري، وفي سنده أشعث بن سوار ضعيف كما في التقريب، وقول عبيدة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عنه.","vol":"3","page":60},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم، فالزموا كتابه، ولا تخرجوا عن حدوده، والزموا شرعه وما فرضه. وقال عبيدة وعطاء والسدي في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: [يعني: الأربع (^١). وقال إبراهيم: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾] (^٢) يعني: ما حرم عليكم (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما عدا من ذكرن من المحارم، هن لكم حلال، قاله عطاء (^٤) وغيره: وقال عبيدة والسدي: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ما دون الأربع (^٥)، وهذا بعيد، والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يعني: ما ملكت أيمانكم (^٦). وهذه الآية هي التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين، وقول من قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع، أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي، ولهذا قال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] وكقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] وكقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ. ثم أبيح ثم نسخ مرتين، وقال آخرون أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة ثم نسخ مرة، ولم يبح بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وكان ابن عباس وأُبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة) (^٧)، وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (^٨). ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب الأحكام. وفي\n_________\n(^١) قول عبيدة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن سيرين عنه، وقول عطاء أخرجه الطبري بسند فيه سنيد: وهو ضعيف، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٢) ما بين معقوفين سقط، واستدرك من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور عن إبراهيم النخعي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند فيه سنيد.\n(^٥) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عَبيدة أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع: ضعيف.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٧) هذه القراءة شاذة تفسيرية ذكرها الطبري عن أُبي وابن عباس بحذف السند، ورواها عن سعيد بن جبير من طريق عمرو بن مرة عنه.\n(^٨) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة خيبر (ح ٤٢١٦)، وصحيح مسلم، النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ … (ح ٣٠/ ١٤٠٦).","vol":"3","page":61},{"text":"صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، عن أبيه، أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، فقال: \"يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا\" (^١)، وفي رواية لمسلم: في حجة الوداع، وله ألفاظ موضعها كتاب الأحكام.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ من حمل هذه الآية على نكاح المتعة إلى أجل مسمى، قال: فلا جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تراضوا على زيادة به، وزيادة للجعل، قال السدي: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى، يعني: الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما، فقال: أتمتع منك أيضًا بكذا وكذا، فإن زاد قبل أن يستبرئ رحمها يوم تنقضي المدة، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ (^٢). قال السدي: إذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، فلا يرث واحد منهما صاحبه، ومن قال بالقول الأول جعل معناه كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء] أي: إذا فرضت لها صداقًا فأبرأتك منه أو عن شيء منه، فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك.\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم الحضرمي أن رجالًا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة، فقال: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به من بعد الفريضة (^٣).\nيعني: إن وضعت لك منه شيئًا فهو لك سائغ. واختار هذا القول ابن جرير.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ والتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها (^٤)، يعني: في المقام أو الفراق. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مناسب ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات.\n\n<span id=\"aya-518\"></span>﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ أي: سعة وقدرة ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: الحرائر العفائف المؤمنات. وقال ابن وهب: أخبرني عبد الجبار عن ربيعة ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢١/ ١٤٠٦).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وما ذكره منسوخ ولا يؤخذ من السدي ما يؤيد بدعته.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالإسناد الثابت عن علي بن أبي طلحة به.","vol":"3","page":62},{"text":"مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قال ربيعة: الطول الهوى، يعني: ينكح الأمة إذا كان هواه فيها، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١)، ثم أخذ يشنع على هذا القول ويرده ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: فتزوجوا من الإيماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون، ولهذا قال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، قال ابن عباس وغيره: فلينكح من إماء المؤمنين (^٢)، وكذا قال السدي ومقاتل بن حيان (^٣) ثم اعترض بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: هو العالم. بحقائق الأمور وسرائرها، [وإنما لكم] (^٤) أيها الناس الظاهر من الأمور، ثم قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده ليس له أن يتزوج بغير إذنه، كما جاء في الحديث \"أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر\" (^٥) أي: زانٍ. فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج المرأة بإذنها لما جاء في الحديث \"لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها\" (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وادفعوا مهورهن بالمعروف، أي: عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئًا استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات.\nوقوله تعالى: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: عفائف عن الزنا لا يتعاطينه، ولهذا قال: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ وهن الزواني اللاتي لا يمنعن من أرادهن بالفاحشة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، قال ابن عباس: المسافحات هن الزواني المعلنات (^٧)، يعني: الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أرادهن بالفاحشة. و﴿مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ يعني: أخلاء، وكذا روي عن أبي هريرة ومجاهد والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير ومقاتل بن حيان والسدي، قالوا: أخلاء (^٨). وقال الحسن البصري: يعني: الصديق (^٩). وقال الضحاك أيضًا: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ذات الخليل الواحد المقرة به، نهى الله عن ذلك (^١٠). يعني تزويجها ما دامت كذلك.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به، وفي سنده عبد الحبار وهو ابن عمر الأيلي: ضعيف (التقريب ص ٣٣٢).\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"وإيمانكم\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه أبو داود (السنن، النكاح، باب في نكاح العبد بغير إذن سيده ح ٢٠٧٨)، والترمذي (السنن، النكاح، باب في نكاح العبد بغير إذن سيده ح ١١١١ - ١١١٢)، وقال: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٩٤)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٨٨٧).\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (السنن، النكاح، باب لا نكاح إلا بولي ح ١٨٨٢)، وأخرجه الدارقطني بنحوه (السنن ٣/ ٢٢٧ ح ٢٦)، وصححه ابن الملقن (خلاصة البدر المنير ٢/ ١٨٧ ح ١٩٣٨)، والألباني (الإرواء ٦/ ٢٤٩).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٨) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٩) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.","vol":"3","page":63},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ اختلف القراءة في أحصن، فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد مبني لما لم يسم فاعله، وقرئ بفتح الهمزة والصاد فعل لازم (^١)، ثم قيل: معنى القراءتين واحد، واختلفوا فيه على قولين:\n(أحدهما): أن المراد بالإحصان ههنا الإسلام، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي (^٢)، وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب وهو منقطع، وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي في رواية الربيع، قال: وإنما قلنا ذلك، استدلالًا بالسنة، وإجماع أكثر أهل العلم. وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا مرفوعًا، قال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، حدثنا أبي، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن جابر، عن رجل، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قال: \"إحصانها إسلامها وعفافها\" وقال: المراد به هاهنا التزويج. قال: وقال علي: اجلدوهن، ثم قال ابن أبي حاتم: وهو حديث منكر (^٣). (قلت): وفي إسناده ضعف، وفيه من لم يسم، ومثله لا تقوم به حجة. وقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها (^٤).\nوقيل: المراد به ههنا التزويج، وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم (^٥). ونقله أبو علي الطبري في كتابه [الإفصاح] (^٦) عن الشافعي، فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه. وقد روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد أنه قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة (^٧)، وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس (^٨)، رواهما ابن جرير في تفسيره. وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي (^٩).\nوقيل: بل معنى القراءتين متباين. فمن قرأ: (أحصن) بضم الهمزة فمراده التزويج، ومن قرأ بفتحها فمراده الإسلام. اختاره أبو جعفر بن جرير في تفسيره وقرره ونصره، والأظهر - والله أعلم - أن المراد بالإحصان ههنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول ﷾: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ\n_________\n(^١) كلاهما قراءتان متواترتان.\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحكمه، وفيه أيضًا رجل مبهم.\n(^٤) أخرجه الطبري عن سفيان بن وكيع بسنده إليهما، وسفيان ضعيف.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وبقية التابعين ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"الإيضاح\" وهو تصحيف.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن إدريس عن ليث به، ورجاله ثقات إلا ليث بن أبي سليم وقد توبع كما في الرواية التالية فسنده حسن.\n(^٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.\n(^٩) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.","vol":"3","page":64},{"text":"الْعَذَابِ …﴾ الآية، فالسياق كله في الفتيات المؤمنات فتعين أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي: تزوجن، كما فسره ابن عباس ومن تبعه، وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، وذلك أنهم يقولون: إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكرًا، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة ممن زنى من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك.\n(الجواب الأول): فأما الجمهور فقالوا: لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم.\nوقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء، فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن علي ﵁ أنه خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لنبي الله ﷺ فقال: \"أحسنت أتركها حتى تماثل\" (^١)، وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه: \"فإذا تعالت من نفاسها (^٢) فاجلدها خمسين\" (^٣)، وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها؛ فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية، فليجلدها الحد، ولا يثرب (^٤) عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها؛ فليبعها ولو بحبل من شعر\" أخرجاه (^٥)، ولمسلم: \"إذا زنت ثلاثًا فليبعها في الرابعة\" (^٦)، وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا (^٧).\n(الجواب الثاني): جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حدّ عليها، وإنما تضرب تأديبًا وهو المحكي عن ابن عباس ﵁. وإليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري في رواية عنه وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم فقدم على العموم عندهم، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: \"إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير\". قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة وأخرجاه في الصحيحين (^٨). وعند مسلم قال ابن شهاب: الضفير الحبل. قالوا: فلم يؤقت فيه عدد كما أقت في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات من العذاب،\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الحدود، باب تأخير الحد عن النفساء (ح ١٧٠٥)، والذي بعده.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل: \"عن نفاسها\". ومعنى تعالت: أي: طهرت (النهاية ٣/ ٢٩٣).\n(^٣) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن علي (المسند ٢/ ٣٥٤ ح ١١٤٢)، وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٤) أي لا يوبخ بعد الضرب (النهاية ١/ ٢٠٩).\n(^٥) صحيح البخاري، الحدود، باب لا يثرب على الأمة إذا زنت (ح ٦٨٣٩)، وصحيح مسلم، الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى (ح ١٧٠٣).\n(^٦) المصدر السابق بعد ١٧٠٣ بحديث.\n(^٧) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الحدود، باب ما جاء في حد الزنا ٢/ ٨٢٧)، وسنده صحيح.\n(^٨) تقدم تخريجه قبل حاشيتين.","vol":"3","page":65},{"text":"فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك، - والله أعلم - وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور، عن سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس على أمة حد حتى تحصن - أو حتى تزوج - فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات\" (^١) وقد رواه ابن خزيمة عن عبد الله بن عمران العابدي، عن سفيان به مرفوعًا، وقال: رفعه خطأ إنما هو من قول ابن عباس. وكذا رواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمران وقال مثل ما قاله ابن خزيمة. قالوا: وحديث علي وعمر قضايا أعيان، وحديث أبي هريرة عنه أجوبة:\n(أحدها): أن ذلك محمول على الأمة المزوجة جمعًا بينه وبين هذا الحديث.\n(الثاني): أن لفظة الحد في قوله: \"فليجلدها الحد\" مقحمة من بعض الرواة بدليل.\n(الجواب الثالث): وهو أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم من رواية واحد، وأيضًا فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم من حديث عباد بن تميم، عن عمه - وكان قد شهد بدرًا - أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير\" (^٢).\n(الرابع): أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق [لفظة] (^٣) الحد في الحديث على الجلد، لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد، أو أنه أطلق لفظة الحد على التأديب، كما أطلق الحد على ضرب [من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ، وعلى جلد] (^٤) من زنى بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة، وإنما ذلك تعزير وتأديب عند من يراه كأحمد وغيره من السلف. وإنما الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة. ورجم الثيب أو اللائط، والله أعلم.\nوقد روى ابن جرير في تفسيره: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج (^٥)، وهذا إسناد صحيح عنه، ومذهب غريب إن أراد أنها لا تضرب الأمة أصلًا لا حدًا، وكأنه أخذ بمفهوم الآية ولم يبلغه الحديث، وإن أراد أنها لا تضرب حدًا، ولا ينفي ضربها تأديبًا فهو كقول ابن عباس ﵁ ومن تبعه في ذلك، والله أعلم.\n(الجواب الثالث): أن الآية دلّت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حد الحرة، فأما قبل الإحصان فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وكحديث عبادة بن الصامت: \"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجمها بالحجارة\" (^٦)، والحديث في صحيح مسلم وغير ذلك من الأحاديث. وهذا القول هو المشهور\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن ح ٦١٦)، والصحيح وقفه على ابن عباس، وأخرجه البيهقي من طريقه به وقال: رفعه خطأ والوقف أصح (السنن الكبرى ٨/ ٢٤٣)، وكذا قال ابن خزيمة كما سيأتي في روايته.\n(^٢) السنن الكبرى، الرجم، باب حد الزاني البكر (ح ٧٢٣٨).\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح كما قال الحافظ ابن كثير.\n(^٦) صحيح مسلم، الحدود، باب حد الزنى (ح ١٦٩٠).","vol":"3","page":66},{"text":"عن داود بن علي الظاهري وهو في غاية الضعف، لأن الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب، وهو خمسون جلدة، فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال؟ وهذا الشارع ﵇ سأله أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: \"اجلدوها\"، ولم يقل: مائة، فلو كان حكمها كما زعم داود لوجب بيان ذلك لهم، لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء بعد نزول بيان حكم جلد الأمة وإلا فما الفائدة في قولهم: ولم تحصن لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت، لكن لما علموا حكم أحد الحكمين سألوا عن حكم الآخر فبينه لهم، كما في الصحيحين أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه فذكرها لهم، ثم قال: \"والسلام ما قد علمتم\"، وفي لفظ: لما أنزل الله قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] قالوا: هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ .. وذكر الحديث (^١). وهكذا هذا (^٢) السؤال.\n(الجواب الرابع): عن مفهوم الآية جواب أبي ثور فإن مذهبه ما هو أغرب من قول داود من وجوه، وذلك أنه يقول: فإذا أحصن فإن عليهن نصف ما على المحصنات، أي: المزوجات وهو الرجم، وهو لا ينصف فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت، وأما قبل الإحصان فيجب جلدها خمسين، فأخطأ في فهم الآية وخالف الجمهور في الحكم، بل قد قال أبو عبد الله الشافعي ﵀: ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا، وذلك لأن الآية دلّت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهن المحصنات المذكورات في أول الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ والمراد بهن الحرائر فقط من غير تعرض لتزويج غيره، وقوله: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم، والله أعلم. وقد روى أحمد نصًا في رد مذهب أبي ثور من رواية الحسن بن سعد عن أبيه: أن صفيّة كانت قد زنت برجل من الخمس، فولدت غلامًا، فادعاه الزاني، فاختصما إلى عثمان بن عفان فرفعهما إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: أقضي فيهما بقضاء رسول الله ﷺ: \"الولد للفراش، وللعاهر الحجر\"، وجلدهما خمسين خمسين (^٣)، وقيل: بل المراد من المفهوم التنبيه بالأعلى على الأدنى؛ أي: إن الإماء على النصف من الحرائر في الحد وإن كن محصنات وليس عليهن رجم أصلًا لا قبل النكاح ولا بعده، وإنما عليهن الجلد في الحالتين بالسنة، قال ذلك صاحب الإفصاح (^٤)، وذكر هذا عن الشافعي فيما رواه ابن عبد الحكم عنه، وقد ذكره البيهقي في كتاب السنن والآثار (^٥)، وهو بعيد من لفظ الآية، لأنا إنما استفدنا تنصيف الحد من الآية لا من سواها فكيف يفهم منها التنصيف\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الصلاة، باب، الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (ح ٤٠٥).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"هو\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق الحجاج بن أرطأة عن الحسن بن سعد عن أبيه أن يُحنَّس وصفية كانا من سبي الخمس، فزنت صفية برجل … (المسند ٢/ ١٩١ ح ٨٢٠)، وضعفه محققوه.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"الإيضاح\". وهو تصحيف.\n(^٥) معرفة السنن والآثار ٦/ ٣٦٥.","vol":"3","page":67},{"text":"فيما عداها وقال: بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه وهو قول في مذهب أحمد ﵀، فأما قبل الإحصان فله ذلك، والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة، وهذا أيضًا بعيد لأنه ليس في لفظ الآية ما يدل عليه، ولولا هذه لم ندر ما حكم الإماء في التنصيف، ولوجب دخولهن في عموم الآية في تكميل الحد مائة، أو رجمهن كما ثبت في الدليل عليه، وقد تقدم عن علي ﵁ أنه قال: أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن، وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور: \"إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها\" (^١)، فتلخص في الأمة: أنها إذا زنت أقوال:\nأحدها: تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده. وهل تنفى؟ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: إنها تنفى (^٢) عنه.\nوالثاني: لا تنفى عنه مطلقًا.\nوالثالث: أنها تنفى نصف سنة وهو نصف نفي الحرة، وهذا الخلاف في مذهب الشافعي، وأما أبو حنيفة فعنده أن النفي تعزير ليس من تمام الحد، وإنما هو رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء، وعند مالك أن النفي إنما هو على الرجال وأما النساء فلا، لأن ذلك مضاد لصيانتهن وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا النساء. نعم حديث عبادة وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه (^٣)، رواه البخاري وذلك مخصوص بالمعنى وهو أن المقصود من النفي الصون، وذلك مفقود في نفي النساء، والله أعلم.\nوالثاني: أن الأمة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان وتضرب تأديبًا غير محدود بعدد محصور، وقد تقدم ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها لا تضرب قبل الإحصان، وإن أراد نفيه فيكون مذهبًا بالتأويل وإلا فهو كالقول الثاني.\nالقول الآخر: أنها تجلد قبل الإحصان مائة، وبعده خمسين، كما هو المشهور عن داود.\nوهو أضعف الأقوال: أنها تجلد قبل الإحصان خمسين، وترجم بعده، وهو قول أبي ثور وهو ضعيف أيضًا، والله ﷾ أعلم بالصواب (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي: إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليه الصبر عن الجماع، وعنت بسبب ذلك كله، فله حينئذٍ أن يتزوج بالأمة، وإن ترك تزوجها وجاهد نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء لسيدها إلا أن يكون الزوج عربيًّا، فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول قديم للشافعي، ولهذا قال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ومن هذه الآية الكريمة\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية.\n(^٢) في الأصل: \"لا تنفى\" ولفظ لا مقحم.\n(^٣) صحيح البخاري، الحدود، باب البكران يجلدان وينفيان (ح ٦٨٣٣).\n(^٤) بعد هذا النص ورد في الأصل نص بورقه كاملة مقحم من سورة المائدة، وسيذكر هناك إن شاء الله تعالى.","vol":"3","page":68},{"text":"استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء على أنه لا بدّ من عدم الطول لنكاح الحرائر ومن خوف العنت لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيهن من الزنا (^١) في العدول عن الحرائر إليهن، وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين، فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوجًا بحرة، جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضًا سواء كان واجدًا الطول حرة أُم لا، وسواء خاف العنت أم لا، وعمدتهم فيما ذهبوا إليه عموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أي: العفائف وهو يعم الحرائر والإماء، وهذه الآية عامة وهذه أيضًا ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور.\n\n<span id=\"aya-519\"></span>﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾.\nيخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم أيها المؤمنون ما أحل لكم وحرم عليكم مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: من الإثم والمحارم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله.\n\n<span id=\"aya-520\"></span>وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ أي: يريد أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلًا عظيمًا\n\n<span id=\"aya-521\"></span>﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم، ولهذا أباح الإماء بشروط، كما قال مجاهد وغيره ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ أي: في أمر النساء (^٢). وقال وكيع: يذهب عقله عندهن. وقال موسى الكليم ﵇ لنبينا محمد ﷺ، [ليلة الإسراء] (^٣) حين مر عليه راجعًا من عند سدرة المنتهى، فقال له: \"ماذا فرض عليكم، فقال: أمرني بخمسين صلاة في كل يوم وليلة، فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، [فإني قد بلوت] (^٤) الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمتك أضعف أسماعًا وأبصارًا وقلوبًا، فرجع، فوضع عشرًا. ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسًا … \" الحديث (^٥).\n_________\n(^١) كذا في الأصل و(ح) و(حم)، وفي (مح) بلفظ: \"الدناءة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"فإنه قد تكون\"، وهو تصحيف.\n(^٥) سيأتي تخريجه في الصحيحين عند بداية سورة الإسراء مفصلًا.","vol":"3","page":69},{"text":"<span id=\"aya-522\"></span>\n\n<span id=\"aya-523\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾.\nينهى ﵎ عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضًا بالباطل؛ أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في [غالب الحكم الشرعي] (^١) مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته، وإلا رددته ورددت معه درهمًا، قال: هو الذي قال الله ﷿ فيه: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن داود الأودي، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله في الآية، قال: إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف للناس؟ فأنزل الله بعد ذلك ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ …﴾ الآية [النور: ٦١] (^٤). وكذا قال قتادة (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ قرئ (تجارة) بالرفع وبالنصب (^٦)، وهو استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، ولكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وكقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]. ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي ﵀ على أنه لا يصح البيع إلا بالقول، لأنه يدل على التراضي نصًا بخلاف المعاطاة، فإنها قد لا تدل على الرضى ولا بدّ، وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"غالب الشرع\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق حماد عن داود بن أبي هند به، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الطبراني وصححه السيوطي (الدر ٢/ ١٤٣)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع ٧/ ٣).\n(^٤) أخرجه ابن حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٥) أخرجه ابن حاتم بسند ضعيف فيه محمد بن أبي حماد: مقبول ويشهد له سابقه.\n(^٦) كلاهما قراءتان متواترتان.","vol":"3","page":70},{"text":"قطعًا، فصححوا بيع المعاطاة مطلقًا، ومنهم من قال: يصح في المحقرات وفيما يعده الناس بيعًا وهو احتياط نظر من محققي المذهب، والله أعلم.\nوقال مجاهد: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ بيعًا أو عطاء يعطيه أحد أحدًا، ورواه ابن جرير (^١)، ثم قال: وحدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن القاسم، عن سليمان الجعفي، عن أبيه، عن ميمون بن مهران، قال: قال رسول الله ﷺ: \"البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلمًا\" (^٢). هذا حديث مرسل. ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا\" (^٣)، وفي لفظ البخاري: \"إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا\"، وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف، ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام بحسب ما يتبين فيه حال البيع ولو إلى سنة في القرية ونحوها، كما هو المشهور عن مالك ﵀، وصححوا بيع المعاطاة مطلقًا وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعًا، وهو اختيار طائفة من متأخري الأصحاب. والله أعلم. كما هو متفق عليه.\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: بارتكاب محارم الله، وتعاطي معاصيه، وأكل أموالكم بينكم بالباطل ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال لما بعثه النبي ﷺ، عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ، ذكرت ذلك له، فقال: \"يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب\" قال: قلت: يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا (^٤)، وهكذا رواه أبو داود من طريق يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب [به. ورواه أيضًا عن محمد بن أبي سلمة، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب] (^٥) عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع وإرسال ميمون بن مهران.\n(^٣) صحيح البخاري، البيوع، باب كم يجوز الخيار (ح ٢١٠٧)، وصحيح مسلم، البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين (ح ١٥٣١).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٠٣، ٢٠٤)، وفي سنده ابن لهيعة وقد توبع في رواية أبي داود فأخرجه من طريق ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب به (السنن، الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ ح ٣٣٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢٤)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٧٧).\n(^٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح).","vol":"3","page":71},{"text":"عنه … فذكر نحوه، وهذا (^١) - والله أعلم - أشبه بالصواب. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد البلخي، حدثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يوسف بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله، خفت أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ …﴾ الآية، فسكت عنه رسول الله ﷺ (^٢)، ثم أورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدًا مُخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بسم تردى به فسمه في يده، يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه، فهو مترد في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا\" وهذا الحديث ثابت في الصحيحين (^٣)، وكذلك رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، وعن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحاك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة\" (^٤)، وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة. وفي الصحيحين من حديث الحسن، عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكينًا نحر بها يده، فما رقأ الدم حتى مات\"، قال الله ﷿: \"عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة\" (^٥).\nولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه معتديًا فيه ظالمًا في تعاطيه؛ أي: عالمًا بتحريمه متجاسرًا على انتهاكه ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا …﴾ الآية، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد.\n\n<span id=\"aya-524\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾، أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها، كفرنا عنكم صغائر الذنوب وأدخلناكم الجنة، ولهذا قال: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس رفعه قال: لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا ﷿، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، يقول الله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (^٦) وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) في سنده يوسف بن خالد بن عمير: متروك (التقريب ص ٦١٠)، وتقدم تخريجه وتصحيحه في الحديث السابق من طرق أخرى.\n(^٣) صحيح البخاري، الطب، باب شرب السم والدواء (ح ٥٧٧٨)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان (ح ١٠٩).\n(^٤) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس (ح ١٣٦٣).\n(^٥) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس (ح ١٣٦٤)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ١٨٠.\n(^٦) أخرجه البزار بسنده ومتنه كما في مختصر زوائد مسند البزار للحافظ ابن حجر (٢/ ٧٨ ح ١٤٥٦)، ثم قال: =","vol":"3","page":72},{"text":"الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر، قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن قُرْثع الضبي، عن سلمان الفارسي، قال: قال لي النبي ﷺ: \"أتدري ما يوم الجمعة؟ \" قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم، قال: \"لكن أدري ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كانت كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت [الكبائر] (^١) \" (^٢)، وقد روى البخاري من وجه آخر عن سلمان نحوه (^٣).\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، أخبرني صهيب مولى العُتْواري، أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد يقولان: خطبنا رسول الله ﷺ يومًا، فقال: \"والذي نفسي بيده\" ثلاث مرات، ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري ماذا حلف عليه، ثم رفع رأسه وفي وجهه البشر، فكان أحب إلينا من حمر النعم، فقال: \"ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام\"، وهكذا رواه النسائي والحاكم في مستدركه من حديث الليث بن سعد به، ورواه الحاكم أيضًا وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال به ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-92>تفسير هذه السبع</span>\nوذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات\". قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: \"الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات\" (^٥).\n(طريق أخرى عنه) قال ابن أبي حاتم: [حدثنا أبي] (^٦)، حدثنا فهد بن عوف، حدثنا أبو عوانة، عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال: \"الكبائر سبع: أولها الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر،\n_________\n= الجلد: ضعيف، وكذا ضعفه الهيثمي (كشف الأستار ح ٢٢٠٠)، وقد توبع فأخرجه الطبري من طريق زياد بن مخراق، عن معاوية بن قرة به، وسنده صحيح.\n(^١) كذا في الأصل و(مح)، وفي (ح) و(حم): \"المقتلة\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٣٩)، وحسنه المنذري (الترغيب ١/ ٤٨٧)، والهيثمي (مجمع الزوائد ٢/ ١٧٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢٧٧).\n(^٣) صحيح البخاري، الجمعة، باب الدهن للجمعة (ح ٨٨٣).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه أحمد شاكر (ح ٩١٨٥)، وأخرجه النسائي، الزكاة، باب وجوب الزكاة ٥/ ٨، وابن حبان (الإحسان ٥/ ١٧٤٨)، والحاكم (المستدرك ٢/ ٢٠٠)، وصححه ووافقه الذهبي.\n(^٥) صحيح البخاري، الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى …﴾ [النساء: ١٠] (ح ٢٧٦٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (ح ١٤٥).\n(^٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من تفسير ابن أبي حاتم ونسخة (ح) و(حم) و(مح).","vol":"3","page":73},{"text":"والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة\" (^١)، فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر، لا ينفي ما عداهن إلا عند من يقول بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند عدم القرينة ولا سيما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم، كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر غير هذه السبع، فمن ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه حيث قال: حدثنا أحمد بن كامل القاضي إملاء، حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد، حدثنا معاذ بن هانئ، حدثنا حرب بن شداد، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن عبد الحميد بن سنان، عن عبيد بن عمير، عن أبيه - يعني عمير بن قتادة ﵁ -، أنه حدثه - وكانت له صحبة - أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: \"ألا إن أولياء الله المصلون من يقم الصلوات الخمس التي كتبت عليه، ويصوم رمضان ويحتسب صومه، يرى أنه عليه حق، ويعطي زكاة ماله يحتسبها ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها\"، ثم إن رجلًا سأله فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ فقال: \" [تسع] (^٢): الشرك بالله، وقتل نفس مؤمن بغير حق، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا، ثم قال: لا يموت رجل لا يعمل هؤلاء الكبائر، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة إلا كان مع النبي ﷺ في دار أبوابها مصاريع من ذهب\"، هكذا رواه الحاكم مطولًا (^٣)، وقد أخرجه أبو داود والترمذي مختصرًا من حديث معاذ بن هانئ به. وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديثه مبسوطًا (^٤)، ثم قال الحاكم: رجاله كلهم يحتج بهم في الصحيحين إلا عبد الحميد بن سنان. (قلت): وهو [حجازي] (^٥) لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات. وقال البخاري: في حديثه نظر، وقد رواه ابن جرير عن سليمان بن ثابت الجحدري، عن سلم بن سلام، عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبيد بن عمير، عن أبيه … فذكره، ولم يذكر في الإسناد عبد الحميد بن سنان (^٦)، والله أعلم.\n(حديث آخر في معنى ما تقدم) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن الوليد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن ابن عمرو، قال: صعد النبي ﷺ المنبر، فقال: \"لا أقسم، لا أقسم\"، ثم نزل فقال: \"أبشروا أبشروا، من صلى الصلوات الخمس واجتنب الكبائر السبع، نودي من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي سنده فهد بن عوف كذب (ميزان الاعتدال ٤/ ٤٥٥)، والكبائر كلها تقدمت في الصحيحين إلا السابقة وهي: الانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة.\n(^٢) كذا في المستدرك ونسخه (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"السبع\". وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه وتعقبه بأن عبد الحميد بن سنان مجهول (المستدرك ١/ ٥٩)، وفي التقريب (ص ٣٣٣)، مقبول، ويشهد لمعظمه حديث ابن عمر التالي، ولهذا حسن هذا الحديث المنذري (الترغيب ١/ ٥٣٥)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون (المجمع ١/ ٥٣).\n(^٤) أخرجه أبو داود (السنن، الوصايا، باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم (ح ٢٨٧٥)، والنسائي (السنن، تحريم الدم، باب ذكر الكبائر ٧/ ٨٩)، ولم يخرجه الترمذي، وأخرجه ابن أبي حاتم أيضًا كلهم من طريق عبد الحميد بن سنان به. ويشهد لمعظمه حديث ابن عمر في تفسير الطبري كما سيأتي بعد الحديث الآتي.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"بخاري\". وهو تصحيف.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسقط منه: عبد الحميد بن سنان، ويشهد له ما بعد الحديث الآتي.","vol":"3","page":74},{"text":"أبواب الجنة: ادخل\". قال عبد العزيز: لا أعلمه. إلا قال: \"بسلام\". وقال المطلب: سمعت من سأل عبد الله بن عمرو، أسمعت رسول الله ﷺ يذكرهن؟ قال: نعم \"عقوق الوالدين، وإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربا\" (^١).\n(حديث آخر في معناه) قال أبو جعفر بن جرير في التفسير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا زياد بن مخراق، عن [طيسلة بن مياس] (^٢) قال: كنت مع النجدات (^٣) فأصبت ذنوبًا لا أرها إلا من الكبائر، فلقيت ابن عمر، فقلت له: إني أصبت ذنوبًا لا أراها إلا من الكبائر، قال: ما هي؟ قلت: أصبت كذا وكذا قال: ليس من الكبائر. قلت: وأصبت كذا وكذا. قال: ليس من الكبائر. قال - بشيء لم يسمه طيسلة - قال: هي تسع وسأعدهن عليك \"الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلمًا، وإلحاد في المسجد الحرام، والذي يستسحر، وبكاء الوالدين من العقوق\". قال زياد: وقال طيسلة: لما رأى ابن عمر فرقي قال: أتخاف النار أن تدخلها؟ قلت: نعم. قال: وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: نعم. قال: أحي والداك؟ قلت: عندي أمي. قال: فوالله لئن أنت ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات (^٤) (^٥).\n(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا سليمان بن ثابت الجحدري الواسطي، حدثنا سلم بن سلام، حدثنا أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي النهدي، قال: أتيت ابن عمر وهو في ظل أراك يوم عرفة وهو يصب الماء على رأسه ووجهه، قلت: أخبرني عن الكبائر؟ قال: هي [تسع] (^٦) قلت: ما هي؟ قال: \"الإشراك بالله، وقذف المحصنة\" قال: قلت: قبل القتل؟ قال: \"نعم ورغمًا، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا\" (^٧) هكذا رواه من هذين الطريقين موقوفًا. وقد رواه علي بن الجعد عن أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي، قال: أتيت ابن عمر عشية عرفة، وهو تحت ظل أراكة، وهو يصب الماء على رأسه فسألته عن الكبائر؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"هن سبع\" قال: قلت: وما هن؟ قال: \"الإشراك بالله، وقذف المحصنة\" قال: قلت: قبل الدم؟ قال: \"نعم، ورغمًا، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم\n_________\n(^١) ذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه مسلم بن الوليد بن العباس، ولم أر من ذكره (المجمع ١/ ١٠٨ - ١٠٩)، وقال نحوه المنذري في (الترغيب ١/ ٣٠٣).\n(^٢) كذا في تفسير الطبري ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"طيلة بن حساس\". وهو تصحيف.\n(^٣) النجدات: فرقة من الخوارج من أصحاب نجدة بن عامر الخارجي.\n(^٤) قوله: \"الموجبات\" كذا في تفسير الطبري ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"الموبقات\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق ابن علية به (الأدب المفرد ح ٨)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٦)، وحسنه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٢.\n(^٦) كذا في تفسير الطبري ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"سبع\"، وهو تصحيف.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه البخاري في التاريخ الكبير ٤/ ٣٦٧، وقال الحافظ ابن حجر: مداره على أيوب بن عتبة وهو: ضعيف (التلخيص الحبير ٢/ ١٠٨)، ولمعظمه شواهد تقدمت.","vol":"3","page":75},{"text":"أحياءً وأمواتًا\" (^١). وهكذا رواه الحسن بن موسى الأشيب، عن أيوب بن عتبة اليماني وفيه ضعف، والله أعلم.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان أن أبا رُهم السمعي حدثهم عن أبي أيوب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من عبد الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر فله الجنة - أو دخل الجنة -\" فسأله رجل ما الكبائر؟ فقال: \"الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة، والفرار يوم الزحف\" ورواه أحمد أيضًا، والنسائي من غير وجه عن بقية (^٢).\n(حديث آخر) روى ابن مردويه في تفسيره من طريق سليمان بن داود اليماني - وهو ضعيف - عن الزهري، عن الحافظ أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، قال: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم قال: وكان في الكتاب: \"إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: إشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا وأكل مال اليتيم\" (^٣).\n(حديث آخر فيه ذكر شهادة الزور): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عُبيد الله بن أبي بكر، قال: سمعت أنس بن مالك: قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر، أو سُئل عن الكبائر، فقال: \"الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين\"، وقال: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ \" قال: قول \"الزور - أو شهادة الزور - \" (^٤) قال شعبة: أكبر ظني أنه قال: شهادة الزور أخرجاه من حديث شعبة به (^٥). وقد رواه ابن مردويه [من طريقين آخرين غريبين عن أنس بنحوه] (^٦).\n(حديث آخر) أخرجه الشيخان من حديث عبد الرحمن بن أبي بَكْرة، عن أبيه، قال: قال النبي ﷺ: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ \" قلنا: بلى يا رسول الله. قال: \"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين\" وكان متكئًا، فجلس فقال: \"ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور\" فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (^٧).\n(حديث آخر فيه ذكر قتل الولد) وهو ثابت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم؟ وفي رواية: أكبر، قال: \"أن تجعل لله ندًا وهو خلقك\". قلت:\n_________\n(^١) أخرجه علي بن الجعد (الجعديات ح ٣٤٢٦)، وفيه أيضًا أيوب بن عتبة، ولمعظمه شواهد تقدمت.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤١٣، ٤١٤)، وأخرجه النسائي من طريق بقية به (السنن، تحريم الدم، باب ذكر الكبائر ٧/ ٨٨)، وصححه الألباني في صحيحه سنن النسائي (ح ٣٧٤٣)، وحسنه الأرناؤوط في جامع الأصول ١٠/ ٦٢٦.\n(^٣) في سنده سليمان بن داود اليماني: ضعيف، ولمعظمه شواهد تقدمت.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٣١)، وهو متفق عليه.\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور (ح ٢٦٥٣)، ومسلم في صحيحه، الإيمان، باب بيان الكبائر (ح ٨٨).\n(^٦) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل من طريق أخرى عن سفيان عن أنس بنحوه.\n(^٧) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ٢٦٥٤)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٨٧).","vol":"3","page":76},{"text":"ثم أي؟ قال: \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك\". قلت: ثم أي؟ قال: \"أن تزاني حليلة (^١) جارك\" ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (^٢) [الفرقان: ٧٠].\n(حديث آخر فيه ذكر شرب الخمر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثني أبو صخر أن رجلًا حدثه عن عمارة بن حزم أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص وهو بالحجر بمكة، وسأله رجل عن الخمر فقال: والله إن عظيمًا عند الله الشيخ مثلي يكذب في هذا المقام على رسول الله ﷺ، فذهب فسأله، ثم رجع فقال: سألته عن الخمر، فقال: \"هي أكبر الكبائر، وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته\" (^٣) غريب من هذا الوجه.\n(طريق أخرى) رواها الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن داود بن صالح، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن أبا بكر الصديق ﵁ وعمر بن الخطاب وأناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ ﵃ أجمعين -، جلسوا بعد وفاة رسول الله ﷺ فذكروا أعظم الكبائر، فلم يكن عندهم ما ينتهون إليه، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك، فوثبوا (^٤) إليه حتى أتوه في داره، فأخبرهم أنهم تحدثوا عند رسول الله ﷺ أن ملكًا من بني إسرائيل أخذ رجلًا فخيره بين أن يشرب خمرًا، أو يقتل نفسًا، أو يُزاني، أو يأكل لحم خنزير، أو يقتله، فاختار شرب الخمر، وإنه لما شربها لم يمتنع من شيء أراده منه، وإن رسول الله ﷺ قال لنا مجيبًا: \"ما من أحد يشرب خمرًا إلا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت أحد وفي مثانته (^٥) منها شيء إلا حرم الله عليه الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية\" (^٦). هذا حديث غريب من هذا الوجه جدًّا، وداود بن صالح هذا هو [التمار] (^٧) المدني مولى الأنصار، قال الإمام أحمد: لا أرى به بأسًا. وذكره ابن حبان في الثقات ولم أر أحدًا [جرحه] (^٨).\n(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو وفيه ذكر اليمين الغموس. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: \"أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس - شعبة الشاك - واليمين\n_________\n(^١) كذا في الصحيحين ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"تزني بحليله جارك\".\n(^٢) متفق عليه، تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ ابن صخر.\n(^٤) أي نهضوا وقاموا مسرعين (النهاية: وث ب).\n(^٥) أي العضو الذي يجتمع فيه البول أسفل البطن (النهاية: م ث ن).\n(^٦) أخرجه الحاكم من طريق الدراوردي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٤٧)، وقال المنذري: رواه الطبراني بإسناد صحيح (الترغيب ٣/ ٢٥٨)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٥/ ٧٠). وأخشى أن يكون متنه من الزاملتين اللتين اشتهر بهما عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(^٧) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"اليماني\"، وهو تصحيف.\n(^٨) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"أخرجه\"، وهو تصحيف.","vol":"3","page":77},{"text":"الغموس\" (^١) ورواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث شعبة، وزاد البخاري وشيبان كلاهما عن فراس به (^٢).\n(حديث آخر في اليمين الغموس) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا هشام بن سعد، عن محمد بن زيد بن مهاجر بن [قنفذ] (^٣) التيمي، عن أبي أمامة الأنصاري، عن عبد الله بن أنيس الجهني، عن رسول الله ﷺ قال: \"أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح البعوضة إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة\" (^٤)، وهكذا رواه أحمد في مسنده وعبد بن حميد في تفسيره، كلاهما عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث بن سعد به، وأخرجه الترمذي عن عبد بن حميد به، وقال: حسن غريب (^٥)، وأبو أمامة الأنصاري هذا هو ابن ثعلبة ولا يعرف اسمه، وقد روى عن النبي ﷺ أحاديث. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه عبد الرحمن بن إسحاق المدني عن محمد بن زيد، عن عبد الله بن أبي أمامة، عن أبيه، عن عبد الله بن أنيس، فزاد عبد الله بن أبى أمامة. (قلت): هكذا وقع في تفسير ابن مردويه وصحيح ابن حبان من طريق عبد الرحمن بن إسحاق كما ذكره شيخنا ﵀ (^٦).\n(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو في التسبب إلى شتم الوالدين، قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع عن مسعر وسفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله [بن عمرو] (^٧) رفعه سفيان إلى النبي ﷺ، ووقفه مسعر على عبد الله بن عمرو، قال: \"من الكبائر أن يشتم الرجل والديه\"، قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: \"يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه\" (^٨) أخرجه البخاري عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عمه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه\" قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: \"يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه، فيسب أمه\" (^٩) وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان وشعبة ويزيد بن الهاد، ثلاثتهم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٠١)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب اليمين الغموس (ح ٦٦٧٥)، وسنن الترمذي، تفسير سورة النساء (ح ٣٠٢١)، وسنن النسائي كتاب تحريم الدم، باب ذكر الكبائر ٧/ ٨٩.\n(^٣) كذا في تفسير ابن أبي حاتم ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"سعد\". وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن كما سيأتي.\n(^٥) المسند ٣/ ٤٩٥، وسنن الترمذي، باب ومن سورة النساء (ح ٣٠٢٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه (المستدرك ٤/ ٢٩٦)، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١/ ١١٠).\n(^٦) كذا في الأصل وفي (ح) و(حم) و(مح): \"فسح الله في أجله\".\n(^٧) زياد من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٩) صحيح البخاري، الأدب، باب لا يسب الرجل والديه (ح ٥٩٧٣).","vol":"3","page":78},{"text":"عن سعد بن إبراهيم به مرفوعًا بنحوه (^١)، وقال الترمذي: صحيح (^٢)، وثبت في الصحيحين (^٣) أن رسول الله ﷺ قال: \"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر\" (^٤).\n(حديث آخر في ذلك) قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دُحيم، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، [أن رسول الله ﷺ قال] (^٥): \"من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض الرجل المسلم، والسبّتان والسبّة\" (^٦). هكذا روي هذا الحديث، وقد أخرجه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن جعفر بن مسافر، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة\" (^٧) وكذا رواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن العلاء، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … فذكر مثله.\n(حديث آخر فيه ذكر الجمع بين الصلاتين من غير عذر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه، عن [حنش] (^٨)، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر\" (^٩)، وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي عن أبي سلمة يحيى بن خلف، عن المعتمر بن سليمان به، ثم قال: حنش هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره (^١٠).\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة - يعني العدوي -، قال: قُرئ علينا كتاب عمر بن الخطاب ﵁: من الكبائر جمع بين الصلاتين - يعني بغير عذر - والفرار من الزحف، والنهبة (^١١). وهذا إسناد صحيح. والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (ح ١٤٦).\n(^٢) سنن الترمذي، البر والصلة، باب ما جاء في عقوق الوالدين (ح ١٩٠٢).\n(^٣) كذا في الأصل و(حم)، وفي (مح): \"الصحيح\".\n(^٤) صحيح البخاري، الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله (ح ٤٨).\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي سنده عمرو بن أبي سلمة صدوق، وروايته عن زهير بن محمد ضعيفه، ولكنه توبع في رواية ابن التالية، فسنده حسن.\n(^٧) أخرجه أبو داود برواية الحسن بن العبد وبرواية ابن داسة كلاهما عن أبي داود، قال المزي: هذا الحديث في رواية الحسن بن العبد وابن داسة ولم يذكره أبو القاسم (تحفة الإشراف ١/ ٣٢٨) لذا لم أجده برواية اللؤلؤي عنه وهي السنن المشهورة بين أيدينا.\n(^٨) كذا في تفسير ابن أبي حاتم ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"حسن\" وهو تصحيف.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده حنش: ضعيف، والأصح وقفه كما سيأتي موقوفًا على عمر ﵁.\n(^١٠) السنن، الصلاة، باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين في الحضر (ح ١٨٨).\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير.","vol":"3","page":79},{"text":"والعصر، تقديمًا أو تأخيرًا، وكذا المغرب والعشاء هما من شأنه أن يجمع بسبب من الأسباب الشرعية، فإذا تعاطاه أحد بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكبًا كبيرة، فما ظنك بترك الصلاة بالكلية، ولهذا روى مسلم في صحيحه عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة\" (^١). وفي السنن مرفوعًا عنه ﵊ أنه قال: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر\" (^٢)، وقال: \"من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله\" (^٣)، وقال: \"من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله\" (^٤).\n(حديث آخر) فيه اليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا شبيب بن بشر (^٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان متكئًا، فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر؟ فقال: \"الشرك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، وهذا أكبر الكبائر\" (^٦)، وقد رواه البزار عن عبد الله بن إسحاق العطار، عن أبي عاصم النبيل، عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلًا قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: \"الإشراك بالله واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله ﷿ \" (^٧) وفي إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفًا، فقد روي عن ابن مسعود نحو ذلك. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا مطرف، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن أبي الطفيل قال: قال ابن مسعود: أكبر الكبائر الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، وكذا رواه من حديث الأعمش وأبي إسحاق عن وبرة عن أبي الطفيل، عن ابن مسعود به (^٨)، ثم رواه من طرق عدة عن أبي الطفيل، عن ابن مسعود وهو صحيح إليه بلا شك.\n(حديث آخر) فيه سوء الظن بالله. قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم بن بندار، حدثنا أبو حاتم بكر بن عبدان، حدثنا محمد بن عمر بن مهاجر، حدثنا أبو حذيفة إسحاق البخاري، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: أكبر الكبائر سوء الظن بالله ﷿ (^٩). حديث غريب جدًّا.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (ح ١٣٤).\n(^٢) سنن الترمذي، الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة (ح ٢٦٢١)، وسنن النسائي، الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة ١/ ٢٣١، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة (ح ١٠٧٩)، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٧٢٦).\n(^٣) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب من ترك العصر (ح ٥٥٣).\n(^٤) صحيح مسلم، المساجد، باب التغليظ في تفويت صلاة العصر (ح ٦٢٦).\n(^٥) في الأصل: \"بسر\" والتصويب من تفسير ابن أبي حاتم ونسخة (ح) و(حم) و(مح).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده شبيب بن بشر: صدوق يخطئ كما في التقريب، ولعله هو الذي رفع الحديث والأصح وقفه.\n(^٧) كشف الأستار (ح ١٠٦).\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ومن طرق أخرى وجزم الحافظ ابن كثير بصحته.\n(^٩) في سنده إسحاق بن بشر قال ابن عدي: أحاديثه كلها غير محفوظة ومنكرة إما إسنادًا أو متنًا، لا يتابعه أحد عليها (الكامل ١/ ٣٣١).","vol":"3","page":80},{"text":"(حديث آخر) فيه [التعرب] (^١) بعد الهجرة (^٢) قد تقدم في رواية عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا (^٣).\n\nقال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين، حدثنا [عمرو بن خالد] (^٤) الحراني، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن سهل بن أبي حَثْمة، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"الكبائر سبع، ألا تسألوني عنهن؟ الشرك بالله، وقتل النفس والفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، والتعرب بعد الهجرة\" (^٥)، وفي إسناده نظر، ورفعه غلط فاحش، والصواب ما رواه ابن جرير: حدثنا تميم بن المنتصر، حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن سهل بن أبي حَثْمة، عن أبيه، قال: إني لفي هذا المسجد، مسجد الكوفة، وعلي ﵁ يخطب الناس على المنبر يقول: يا أيها الناس، الكبائر سبع فأصاخ الناس، فأعادها ثلاث مرات، ثم قال: لم لا تسألوني عنها؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، ما هي؟ قال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار يوم الزحف، والتعرب بعد الهجرة. فقلت لأبي: يا أبه، ما التعرب بعد الهجرة، كيف لحق ههنا؟ قال: يا بني وما أعظم من أن يهاجر الرجل حتى إذا وقع سهمه في [الفيء] (^٦) ووجب عليه الجهاد، خلع ذلك من عنقه، فرجع أعرابيًا كما كان (^٧).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا أبو معاوية - يعني شيبان -، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس الأشجعي، قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: \"ألا إنما هن أربع أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا\" قال: فما أنا بأشح عليهن مني إذ سمعتهن من رسول الله ﷺ (^٨). ثم رواه أحمد أيضًا والنسائي وابن مردويه من حديث منصور بإسناده مثله.\n(حديث آخر) تقدم من رواية عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: \"الإضرار في الوصية من الكبائر\" (^٩) والصحيح ما رواه غيره عن\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"القربة\" وهو تصحيف.\n(^٢) الصواب التعرب بعد الهجرة. قال ابن الأثير: هو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرًا، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد (النهاية ٣/ ٢٠٢).\n(^٣) تقدم عند هذه الآية وتبين أنه ضعيف الإسناد.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"خالد بن عمرو\" وهو مقلوب.\n(^٥) ضعفه الحافظ ابن كثير، والصحيح وقفه كما سيأتي.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"نبي\" وهو تصحيف.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير، وكذا الحافظ ابن حجر (الفتح ١٢/ ١٨٢).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٣٩)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٥١)، أخرجه النسائي السنن الكبرى (التفسير ح ١١٣٧٣)، والطبراني في المعجم الكبير، وقال الهيثمي: ورجاله ثقات (المجمع ١/ ١٠٩).\n(^٩) تقدم في تفسير آخر آية ١٢ من هذه السورة الكريمة.","vol":"3","page":81},{"text":"داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال ابن أبي حاتم: وهو الصحيح عن ابن عباس من قوله.\n(حديث آخر في ذلك) قال ابن جرير: حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الرحمن، حَدَّثَنَا [عباد بن عباد] (^١)، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، أن أناسًا من أصحاب النَّبِيّ ﷺ ذكروا الكبائر وهو متكئ، فقالوا: الشرك باللّه، وأكل مال اليتيم، وفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغلول، والحر، وأكل الربا، فقال رسول الله ﷺ: \"فأين تجعلون ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا …﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية (^٢)؟ في إسناده ضعف، وهو حسن.\n\n<span data-type='title' id=toc-93>(ذكر أقوال السلف في ذلك):</span>\nقد تقدم ما روي عن أميريّ المؤمنين عمر وعلي ﵄ في ضمن الأحاديث المذكورة، وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن، أن أناسًا سألوا عبد الله بن عمرو بمصر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله ﷿ أمر أن يعمل بها لا يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك، فقدم وقدموا معه، فلقيه عمر ﵁ فقال: متى قدمت؟ فقال: منذ كذا وكذا. قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف ردّ عليه. فقال: يا أمير المؤمنين، إن ناسًا لقوني بمصر فقالوا: إنا نرى أشياء في كتاب الله أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك. قال: فاجمعهم لي. قال: فجمعتهم له. قال ابن عون: أظنه قال: في بهو، فأخذ أدناهم رجلًا فقال: أنشدك باللّه وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم. قال: [فهل أحصيته في نفسك؟ فقال: اللهم لا. قال: ولو قال: نعم، لخصمه] (^٣). قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أمرك؟ ثم تتبعهم حتَّى أتى على آخرهم قال: فثكلت عمر أمه، أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله، قد علم ربنا أنه ستكون لنا سيئات، قال: [وتلا] (^٤) ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. ثم قال: هل علم أهل المدينة؟ أو قال: هل علم أحد فيما قدمتم؟ قالوا: لا. قال: لو علموا لوعظت بكم (^٥). إسناد حسن ومتن حسن وإن كان من رواية الحسن عن عمر، وفيها انقطاع إلا أن مثل هذا اشتهر، فتكفي شهرته.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا أبو أحمد - يعني الزبيري -، حَدَّثَنَا علي بن صالح، عن عثمان بن المغيرة، عن مالك بن [جوين] (^٦)، عن علي ﵁. قال: الكبائر الإشراك باللّه، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد\n_________\n(^١) كذا في تفسير الطبري ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"حماد بن عباد\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده جعفر بن الزبير تكلم فيه، وهذا سبب الضعف الذي ذكره الحافظ ابن كثير، أما قوله: وهو حسن، فإن ذلك بالشواهد يرتقي إلى الحسن.\n(^٣) (^٤) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من الطبري و(ح) و(حم) و(مح).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه الحسن لم يسمع من عمر.\n(^٦) كذا في تفسير ابن أبي حاتم و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"جرير\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":82},{"text":"الهجرة، والسحر، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة (^١).\nوتقدم عن ابن مسعود أنه قال: أكبر الكبائر الإشراك باللّه، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله ﷿.\nوروى ابن جرير من حديث الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق والأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، كلاهما عن ابن مسعود، قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها (^٢)، ومن حديث سفيان الثوري [وشعبة] (^٣)، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها، ثم تلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (^٤).\n\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا المنذر بن شاذان، حَدَّثَنَا يعلى بن عبيد، حَدَّثَنَا صالح بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضول الماء بعد الري، ومنع طروق الفحل إلا بجعل (^٥) (^٦).\nوفي الصحيحين عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: \"لا يمنع فضل الماء ليمنع به الله\" (^٧)، وفيهما عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: \"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل … \" (^٨) وذكر تمام الحديث.\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: \"من منع فضل الماء وفضل الله منعه الله فضله يوم القيامة\" (^٩).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا الحسين بن محمد بن شنبة الواسطي، حَدَّثَنَا أبو أحمد، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ما أخذ على النساء من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات إلا مالك بن جوين سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٨/ ٢٠٧).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البزار من طريق الأعمش به وصححه الحافظ ابن حجر (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٧٨ ح ١٤٥٧)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (المجمع ٧/ ٧)، وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥٩).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"سعيد\" وهو تصحيف.\n(^٤) سنده صحيح.\n(^٥) أي منع إعارة الفحل يقال: اطرقني فحلك: أي أعرني فحلك ليضرب في إبلي (ينظر: لسان العرب ١٠/ ٢١٦).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف صالح بن حيان (التقريب ١/ ٣٥٨)، ولبعضه شواهد صحيحة تقدمت.\n(^٧) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁، صحيح البخاري، الحرث والمساقاة، باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء (ح ٢٣٥٣)، وصحيح مسلم، المساقاة، باب تحريم بيع فضل الماء (ح ١٥٦٦).\n(^٨) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، المساقاة، باب إثم من منع ابن السبيل من الماء ح ٢٣٥٨)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار (ح ١٧٣).\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد من طريق ليث بن أبي سليم عن عمرو بن شعيب به (المسند ٢/ ١٧٩) وله شواهد تقدمت في الصحيحين وحسنه الألباني في (السلسلة الصحيحة ٣/ ١٤٢٢).","vol":"3","page":83},{"text":"الكبائر، قال ابن أبي حاتم: يعني قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] (^١).\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا ابن علية، حَدَّثَنَا زياد بن مخراق، عن معاوية بن قرة، قال: أتينا أنس بن مالك فكان فيما حَدَّثَنَا قال: لم أر مثل الذي بلغنا عن ربنا تعالى لم نخرج له عن كل أهل ومال، ثم سكت هُنيهة ثم قال: واللّه لما كلفنا ربنا أهون من ذلك لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر فما لنا ولها، وتلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-94>أقوال ابن عباس في ذلك:</span>\nروى ابن جرير من حديث المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن طاوس، قال: ذكروا عند ابن عباس الكبائر فقالوا: هي سبع، فقال: هي أكثر من سبع وسبع (^٣)، قال سليمان: فما أدري كم قالها من مرة؟\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا قبيصة، حَدَّثَنَا سفيان، عن ليث، عن طاوس، قال: قلت لابن عباس: ما السبع الكبائر؟ قال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع (^٤). ورواه ابن جرير عن ابن حميد، عن جرير، عن ليث، عن طاوس قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت الكبائر السبع التي ذكرهن الله ما هُنَّ؟ قال: هُنَّ إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع (^٥).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قيل لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: هن إلى السبعين أقرب (^٦)، وكذا قال أبو العالية الرياحي ﵀.\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا المثنى، حَدَّثَنَا أبو حذيفة، حَدَّثَنَا شبل، عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير: أن رجلًا قال لابن عباس: كم الكبائر سبع؟ قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار (^٧). وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شبل به (^٨).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، رواه ابن جرير (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري عن محمد بن عبد الأعلى عن المعتمر به، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده ليث وهو ابن أبي سليم تكلم فيه وقد توبع فأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ومصنفه (١٠/ ٤٦٠ رقم ١٩٧٠٢)، عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه به. وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وليث هو ابن أبي سليم وكلاهما توبع.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه في التفسير والمصنف (١٠/ ٤٦٠ رقم ١٩٧٠٢) وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"3","page":84},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن حرب الموصلي، حَدَّثَنَا ابن فضيل، حَدَّثَنَا شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الكبائر كل ما وعد الله عليه النار كبيرة (^١)، وكذا قال سعيد بن جبير والحسن البصري، وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حَدَّثَنَا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت أن ابن عباس كان يقول: كل ما نهى الله عنه كبيرة، وقد ذكرت الطرفة، قال: هي النظرة (^٢)، وقال أيضًا: حَدَّثَنَا أحمد بن حازم، أخبرنا أبو نعيم، حَدَّثَنَا عبد الله بن معدان، عن أبي الوليد، قال: سألت ابن عباس عن الكبائر، فقال: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-95>(أقوال التابعين)</span>\nقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، قال: سألت عَبيدة عن الكبائر فقال: الإشراك باللّه، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وأكل الربا، والبهتان. قال: ويقولون: أعرابية بعد هجرة. قال ابن عون: فقلت لمحمد: فالسحر؟ قال: إن البهتان يجمع شرًا كثيرًا (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حَدَّثَنَا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن عبيد بن عمير، قال: الكبائر سبع، ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله، الإشراك باللّه منهن ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ …﴾ الآية [الحج: ٣١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠] و﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣]، والفرار من الزحف ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا …﴾ الآية [الأنفال: ١٥]، والتعرب بعد الهجرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥] وقتل المؤمن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا …﴾ الآية [النساء: ٩٣] وكذا رواه ابن أبي حاتم أيضًا في حديث أبي إسحاق عن عبيد بن عمير بنحوه (^٥).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا المثنى، حَدَّثَنَا أبو حذيفة، حَدَّثَنَا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء - يعني ابن أبي رباح -، قال: الكبائر سبع: قتل النفس، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا جرير، عن مغيرة،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقد توبع عبد الله بن معدان و\"أبو الوليد\" في رواية ابن أبي حاتم السابقة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى عَبيدة ومحمد هو ابن سيرين.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وكذا ابن أبي حاتم، وسنده حسن إلى عبيد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن إلى عطاء.","vol":"3","page":85},{"text":"قال: كان يقال: شتم أبي بكر وعمر ﵄ من الكبائر (^١).\nقلت: وقد ذهب طائفة من العلماء إلى تكفير مَن سبَّ الصحابة، وهو رواية عن مالك بن أنس ﵀ (^٢). وقال محمد بن سيرين: ما أظن أحدًا ينتقص أبا بكر وعمر وهو يحب رسول الله ﷺ، رواه الترمذي (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حَدَّثَنَا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش (^٤) قال زيد بن أسلم في قول الله ﷿: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ من الكبائر: الشرك بالله، والكفر بآيات الله ورسله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن دعى للّه ولدًا أو صاحبة، ومثل ذلك من الأعمال والقول الذي لا يصلح معه عمل. وأما كل ذنب يصلح معه دين، ويقبل معه عمل، فإن الله يغفر السيئات بالحسنات (^٥). وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا بشر بن معاذ، حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ …﴾ الآية: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر وذكر لنا أن النَّبِيّ ﷺ قال: \"اجتنبوا الكبائر، وسددوا، وأبشروا\" (^٦).\nوقد روى ابن مردويه من طرق عن أنس، وعن جابر مرفوعًا: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي\"، ولكن في إسناده من جميع طرقه ضعف، إلا ما رواه عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي\" فإنه إسناد صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه أبو عيسى الترمذي منفردًا به من هذا الوجه عن عباس العنبري، عن عبد الرزاق، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح (^٧)، وفي الصحيح شاهد لمعناه وهو قوله ﷺ بعد ذكر الشفاعة: \"أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا ولكنها للخاطئين [المتلوثين] (^٨) \" (^٩).\nوقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة، فمن قائل: هي ما عليه حد في الشرع، ومنهم من قال: هي ما عليه وعيد مخصوص من الكتاب والسنة، وقيل غير ذلك. قال أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي في كتابه الشرح الكبير الشهير في كتاب الشهادات منه: ثم اختلف الصحابة ﵃، فمن بعدهم في الكبائر وفي الفرق بينها وبين الصغائر، وللأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى مغيرة.\n(^٢) وقد سرد الذهبي أحاديث كثيرة في ذلك (الكبائر ص ٢٦٠ - ٢٦٤).\n(^٣) سنن الترمذي، المناقب، باب في مناقب عمر بن الخطاب ﵁ (ح ٣٦٨٥).\n(^٤) في الأصل: \"عبد الله بن عباس\" وهو نسبة إلى الجد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الله بن عياش بن عباس القتباني: صدوق يغلط. (التقريب ١/ ٤٣٩).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، والسند إلى قتادة حسن لكنه مرسل.\n(^٧) سنن الترمذي، صفة القيامة (ح ٢٤٣٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٩٨٣).\n(^٨) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"المذنبين\".\n(^٩) أخرجه ابن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري (السنن، الزهد، باب ذكر الشفاعة ح ٤٣١١)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٣/ ٣٢٠)، وجود إسناده المنذري (الترغيب ٤/ ٤٤٨)، وقال الهيثمي: ورواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح (المجمع ١٠/ ٣٨١)، وقد رواه الإمام أحمد في المسند (ح ٥٤٥٢) وصححه أحمد شاكر.","vol":"3","page":86},{"text":"(أحدهما): أنها المعصية الموجبة للحد.\n(والثاني): أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة، وهذا أكثر ما يوجد لهم، وهو إلى الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر.\n(والثالث): قال إمام الحرمين في الإرشاد وغيره: كل جريمة تنبئ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، فهي مبطلة للعدالة.\n(والرابع): ذكر القاضي أبو سعيد الهروي أن الكبيرة كل فعل نص الكتاب على تحريمه وكل معصية توجب في جنسها حدًا من قتل أو غيره، وترك كل فريضة مأمور بها على الفور والكذب في الشهادة والرواية واليمين، هذا ما ذكروه على سبيل الضبط، ثم قال: وفصل القاضي الروياني فقال: الكبائر سبع: قتل النفس بغير الحق، والزنا، واللواطة، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبًا، والقذف، وزاد في الشامل على السبع المذكورة: شهادة الزور، وأضاف إليها صاحب العدة: أكل الربا والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله ﷺ عمدًا، وسب الصحابة، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، ويقال: الوقيعة في أهل العلم، وحملة القرآن، ومما يعد من الكبائر: الظهار، وأكل لحم الخنزير والميتة إلا عن ضرورة، ثم قال الرافعي ﵀: وللتوقف مجال في بعض هذه الخصال. قلت: وقد صنف الناس في الكبائر مصنفات منها ما جمعه شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي (^١) الذي بلغ نحوًا من سبعين كبيرة، وإذا قيل: إن الكبيرة ما توعد عليها الشارع بالنار بخصوصها، كما قال ابن عَبَّاس (^٢) وغيره: وما تُتُبّع ذلك، اجتمع منه شيء كثير، وإذا قيل: كل ما نهى الله عنه فكثير جدًّا، واللّه أعلم.\n\n<span id=\"aya-525\"></span>﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾.\nقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٣). ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن\n_________\n(^١) كتابه الكبائر طبع عدة طبعات.\n(^٢) تقدم برواية ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٢٢)، وأخرجه الترمذي (السنن، تفسير سورة النساء ح ٣٠٢٢)، والطبري وابن أبي حاتم والحاكم كلهم من طريق سفيان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري، والألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤١٩)، وقد تكلم في سماع مجاهد من أم سلمة وقد عاصرها فترة طويلة في أربعين سنة.","vol":"3","page":87},{"text":"مجاهد، عن أُم سلمة أنها قالت: قلت: يا رسول الله … فذكره، وقال: غريب. ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن أُم سلمة قالت: يا رسول الله … ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث الثوري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أُم سلمة: يا رسول الله، لا نقاتل فنستشهد، ولا نقطع الميراث، فنزلت ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، ثم أنزل الله ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى …﴾ الآية [آل عمران: ١٩٥] (^١).\nثم قال ابن أبي حاتم: وكذا روى سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح بهذا اللفظ، وروى يحيى القطان ووكيع بن الجراح عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أُم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله … وروي عن مقاتل بن حيان وخصيف نحو ذلك (^٢).\nوروى ابن جرير من حديث ابن جريج، عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا: أنزلت في أُم سلمة (^٣). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن شيخ من أهل مكة، قال: نزلت هذه الآية في قول النساء: ليتنا الرجال، فنجاهد كما يجاهدون، ونغزو في سبيل الله ﷺ (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حَدَّثَنَا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، حَدَّثَنَا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر - يعني ابن أبي المغيرة -، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، قال: أتت امرأة إلى النَّبِيّ ﷺ قالت: يا رسول الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؛ إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾، فإنه عدل مني وأنا صنعته (^٥).\nوقال السدي في قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ فإن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، وقالت النساء: نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الشهداء، فإنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا، فأبى الله ذلك ولكن قال لهم: سلوني من فضلي (^٦)، قال: ليس بعرض الدنيا، وقد روي عن قتادة نحو ذلك.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ يقول: لا يتمنى الرجل فيقول: ليت لو أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله (^٧). وقال الحسن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عنهم في الحاشية السابقة.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسبق تصحيحه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وفي سنده شيخ معمر مبهم، ويتقوى بما سبق.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده جعفر بن أبي المغيرة صدوق يهم كما في التقريب، وخالف رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد السابقة.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه لكنه مرسل.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.","vol":"3","page":88},{"text":"ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك، نحو هذا (^١) وهو الظاهر من الآية ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح: \"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله فهما في الأجر سواء\" (^٢)، فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حضّ على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا، فقال: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: في الأمور الدنيوية، وكذا الدينية أيضًا، لحديث أم سلمة وابن عباس. وهكذا قال عطاء بن أبي رباح: نزلت في النهي عن تمني ما لفلان، وفي تمني النساء أن يكن رجالًا فيغزون، رواه ابن جرير (^٣)، ثم قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ أي: كل له جزاء على عمله بحسبه إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، هذا قول ابن جرير، وقيل: المراد بذلك في الميراث؛ أي كل يرث بحسبه، رواه الوالبي عن ابن عباس (^٤)، ثم أرشدهم إلى ما يصلحهم، فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض، فإن هذا أمر محتوم، والتمني لا يجدي شيئًا، ولكن سلوني من فضلي أعطكم، فإني كريم وهاب، وقد روى الترمذي وابن مردويه من حديث حماد بن واقد، سمعت إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج\" ثم قال الترمذي: كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النَّبِيّ ﷺ، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح (^٥)، وكذا رواه ابن مردويه من حديث وكيع، عن إسرائيل، ثم رواه من حديث قيس بن الربيع، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وإن أحب عباده إليه الذي يحب الفرج\" (^٦).\n\nثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه، لهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.\n_________\n(^١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن سيرين أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أيوب السختياني عنه.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود. الصحيح البخاري، الزكاة، باب إنفاق المال في حقه (ح ١٤٠٩)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (ح ٨١٦).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو سنيد ضعيف.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به بنحوه.\n(^٥) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، الدعوات، باب في انتظار الفرج ح ٣٥٧١)، وسنده ضعيف بسبب حماد بن واقد وهو ضعيف (التقريب ص ١٧٩)، وضعف سنده الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٤٩٢).\n(^٦) في سنده حكيم بن جبير وهو ضعيف (التقريب ص ١٧٦).","vol":"3","page":89},{"text":"<span id=\"aya-526\"></span>﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾.\nقال ابن عَبَّاس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح وقتادة وزيد بن أسلم والسدي والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم، في قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي: ورثة (^١)، وعن ابن عباس في رواية: أي عصبة (^٢)، قال ابن جرير: والعرب تسمي ابن العم مولى، كما قال الفضل بن عباس:\nمهلًا بني عمنا مهلًا موالينا … لا تُظهرنَّ لنا ما كان مدفونا (^٣)\nقال: ويعني بقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، من تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام: ولكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم، فآتوهم نصيبهم من الميراث كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا، ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة.\nقال البخاري: حَدَّثَنَا الصلت بن محمد، حَدَّثَنَا أبو أُسامة، عن إدريس، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: ورثة، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [كان] (^٤) المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النَّبِيّ ﷺ بينهم، فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصر [والرفادة] (^٥) والنصيحة وقد ذهب الميراث ويُوصَى له، ثم قال البخاري: سمع أبو أُسامة إدريس، وسمع إدريس عن طلحة (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو أُسامة، حَدَّثَنَا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (^٧)، وحدثنا\n_________\n(^١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس أسنده، وقد أخرجه هو والبخاري من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس (صحيح البخاري، التفسير، سورة النساء، باب ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] ح ٤٥٨٠).\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.\n(^٣) ذكره الطبري وأبو عبيدة (مجاز القرآن ١/ ١٢٥).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: \"كانوا\".\n(^٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"والزيادة\".\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (الصحيح، التفسير، سورة النساء باب ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] ح ٤٥٨٥).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"3","page":90},{"text":"الحسن بن محمد بن الصباح، حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول: ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله ﷺ: \"كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام\" فنسختها هذه الآية ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] (^١). ثم قال: وروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والحسن وابن المسيب وأبي صالح وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة والسدي والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا: هم الحلفاء (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا شريك، أعن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس - ورفعه - قال: \"ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا حدة شدة\"] (^٣) (^٤).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا وكيع، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: وحدثنا أبو كريب، حَدَّثَنَا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل بن يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة، وما يسرني أن لي حمر النعم وأني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة\"، هذا لفظ ابن جرير (^٥). وقال ابن جرير أيضًا: حَدَّثَنَا عقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا ابن علية، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ قال: \"شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم، وإني أنكثه\" قال الزهري: قال رسول الله ﷺ: \"لم يصب الإسلام حلفًا إلا زاده شدة\" قال: \"ولا حلف في الإسلام\"، وقد ألف النَّبِيّ ﷺ بين قريش والأنصار (^٦). وهكذا رواه الإمام أحمد عن بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري بتمامه (^٧).\nلفظ ابن جرير: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا هشيم، أخبرني مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم: أنه سأل النَّبِيّ ﷺ عن الحلف، قال: فقال: \"ما كان من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عثمان بن عطاء وهو ضعيف وقد تابعه ابن جريج لكن أباه عطاء لم يسمع من ابن عباس وهو صدوق اختلط، ويشهد له حديث جبير بن مطعم مرفوعًا: \"لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة\" (صحيح مسلم، الفضائل، باب مؤاخاة النَّبِيّ ﷺ ح ٢٥٣٠).\n(^٢) ذكرهم جميعًا ابن أبي حاتم بحذف السند وأغلبهم أخرج رواياتهم الطبري وعبد الرزاق بأسانيد ثابتة وبعضها ضعيفة تتقوى بالثابتة.\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من المسند، فقد أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٢٩).\n(^٤) في سنده سماك وفي روايته عن عكرمة اضطراب، ويشهد له الحديث الصحيح السابق عن جبير بن مطعم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده صحيح أخرجه مسلم من حديث مطعم بن جبير (الصحيح، فضائل الصحابة ح ٢٥٣٠).\n(^٧) المسند (ح ١٦٥٥).","vol":"3","page":91},{"text":"حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام\" (^١) وهكذا رواه أحمد عن هشيم (^٢)، وحدثنا أبو كريب، حَدَّثَنَا وكيع، عن داود بن أبي عبد الله، عن ابن جدعان، عن جدته، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ، قال: \"لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة\" (^٣). وحدثنا أبو كريب حَدَّثَنَا يونس بن بكير، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: \"لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة\". وحدثنا أبو كريب، حَدَّثَنَا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لما دخل رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح، قام خطيبًا في الناس فقال: \"يا أيها الناس ما كان من حلف الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في الإسلام\" (^٤)، ثم رواه من حديث حسين المعلم وعبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب به. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد، حَدَّثَنَا ابن نمير وأبو أُسامة، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة\" (^٥). وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد - وهو أبو بكر بن أبي شيبة - بإسناده مثله، ورواه أبو داود عن عثمان بن محمد بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر وابن نمير وأبي أسامة، ثلاثتهم عن زكريا - وهو ابن أبي زائدة - بإسناده مثله، ورواه ابن جرير من حديث محمد بن بشر به. ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه به (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم أنه سأل النَّبِيّ ﷺ عن الحلف فقال: \"ما كان حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام\" (^٧) وكذا رواه شعبة عن مغيرة - وهو ابن مقسم - عن أبيه به. وقال محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين، قال: كنت أقرأ على أُم سعد بنت سعد بن الربيع مع ابن ابنها موسى بن سعد وكانت يتيمة في حجر أبي بكر، فقرأت عليها ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فقالت: لا ولكن ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ (^٨) أَيْمَانُكُمْ﴾ قالت: إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى أن يسلم، فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم حين حمل على الإسلام بالسيف، أمر الله أن يؤتيه نصيبه، رواه ابن أبي حاتم (^٩)، وهذا قول غريب، والصحيح الأول، وأن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمروا أن يوفوا بالعهود والعقود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوه قبل ذلك، وتقدم في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وجود سنده الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٢٢٦٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره (المسند ٣٤/ ٢١٩ ح ٢٠٦١٣) أي أنه يتقوى بالشواهد والمتابعات.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق وما لحق.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه عنعنة محمد بن إسحاق، وقد توبع في الرواية التالية في تفسير الطبري.\n(^٥) (^٦) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٧) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٨) قراءة متواترة (النشر في القراءات العشر ٢/ ٢٤٩).\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عنعنة محمد بن إسحاق وكذا أخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق ولم يصرح بالتحديث (السنن، الفرائض، باب نسخ العقد بميراث الرحم ح ٢٩٢٣).","vol":"3","page":92},{"text":"حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة: \"لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة\"، وهذا نص في الرد على من ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل، والصحيح قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي: ورثة من قراباته من أبويه وأقربيه، هم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر\" (^١)؛ أي: اقسموا الميراث على أصحاب الفروض الذين ذكرهم الله في آياتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: قبل نزول هذه الآية فآتوهم نصيبهم؛ أي: من الميراث، فأيما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له، وقد قيل: إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل وحكم الحلف الماضي أيضًا، فلا توارث به، كما قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو أُسامة، حَدَّثَنَا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، قال: من النصرة والنصيحة والرفادة ويوصي له وقد ذهب الميراث (^٢). ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن أبي أُسامة (^٣)، وكذا روي عن مجاهد وأبي مالك نحو ذلك (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف (^٥)، وهكذا نص غير واحد من السلف أنها منسوخة بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: من الميراث، قال: وعاقد أبو بكر مولى فورثه، رواه ابن جرير (^٦). وقال الزهري، عن ابن المسيب: نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالًا غير أبنائهم ويورثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيبًا في الوصية، ورد الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة، وأبى الله أن يكون للمدعين ميراث ممن ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيبًا من الوصية، رواه ابن جرير (^٧)، وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله:\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه (ح ٦٧٣٢)، وصحيح مسلم، الفرائض، باب ألحقوا الفرائض بأهلها (ح ١٦١٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه؛ وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ولفظه؛ وسنده صحيح.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور بن المعتمر عنه، وقول أبي مالك أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حصين عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت عن ابن أبي طلحة به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر بن إياس عنه، لكن سعيد بن جبير لم يدرك أبا بكر ﵁ (جامع التحصيل ص ١٨٢).\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق الزهري به وسنده مرسل.","vol":"3","page":93},{"text":"﴿فَآتُوهُمْ﴾ أي: من النصرة والنصيحة والمعونة، لا أن المراد ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من الميراث حتَّى تكون الآية منسوخة، ولا أن ذلك كان حكمًا ثم نسخ بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي [محكمة] (^١) لا منسوخة، وهذا الذي قاله: فيه نظر، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإرث كما حكاه غير واحد من السلف، وكما قال ابن عَبَّاس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه حتَّى نسخ ذلك، فكيف يقول: إن هذه الآية محكمة غير منسوخة (^٢)؛ واللّه أعلم.\n\n<span id=\"aya-527\"></span>﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ أي: الرجل قيم على المرأة؛ أي: هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الأعظم لقوله ﷺ: \"لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة\" (^٣) رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وكذا منصب القضاء وغير ذلك، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه ﷺ، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيمًا عليها، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: أمراء، عليها أن تطيعه فيما أمرها به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله (^٤)، وكذا قال مقاتل والسدي والضحاك (^٥).\nوقال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تشكو أن زوجها [لطمها] (^٦)، فقال رسول الله ﷺ: \"القصاص\"، فأنزل الله ﷺ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فرجعت بغير قصاص، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عنه (^٧)، وكذلك أرسل هذا الخبر قتادة وابن جريج والسدي، أورد ذلك كله ابن جرير، وقد أسنده ابن مردويه من وجه آخر فقال: حَدَّثَنَا أحمد بن علي النسائي، حَدَّثَنَا محمد بن هبة الله الهاشمي، حَدَّثَنَا محمد بن محمد [الأشعث، حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، قال: حَدَّثَنَا أبي عن جدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه] (^٨)،\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"محله\" وهو تصحيف.\n(^٢) أجاب الأستاذ أحمد شاكر عن هذا الاعتراض على الطبري في تفسير الطبري ٨/ ٢٨٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه (المغازي، باب كتاب النَّبِيّ ﷺ إلى كسرى وقيصر ح ٤٤٢٠).\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.\n(^٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"لظلمها\" وهو تصحيف.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح عن الحسن لكنه مرسل.\n(^٨) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).","vol":"3","page":94},{"text":"عن علي، قال: أتى رسول اللّه ﷺ رجل من الأنصار بامرأة له، فقالت: يا رسول الله إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري وإنه ضربها فأثر في وجهها، فقال رسول الله ﷺ: \"ليس ذلك له\" فأنزل الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: قوامون على النساء في الأدب، فقال رسول الله ﷺ: \"أردت أمرًا وأراد الله غيره\" (^١).\nوقال الشعبي في هذه الآية ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ قال: الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنه لو قذفها لاعنها، ولو قذفته جلدت (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ أي: من النساء ﴿قَانِتَاتٌ﴾ قال ابن عَبَّاس وغير واحد: يعني: مطيعات لأزواجهن (^٣) ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ وقال السدي وغيره: أي تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله (^٤).\nوقوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: المحفوظ من حفظه الله. قال ابن جرير: حدثني المثنى، حَدَّثَنَا أبو صالح، حَدَّثَنَا أبو معشر، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك\" قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ …﴾ إلى آخرها، ورواه ابن أبي حاتم عن يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري به، مثله سواء (^٥). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن إسحاق، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، عن عُبيد الله بن أبي جعفر: أن ابن قارظ أخبره أن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت\" (^٦) تفرد به أحمد من طريق عبد الله بن قارظ عن عبد الرحمن بن عوف.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أي: والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن، والنشوز هو الارتفاع، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه، فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال، وقد قال رسول الله ﷺ: \"لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من\n_________\n(^١) في سنده محمد بن محمد الأشعث وضع نسخة رواها عن موسى بن إسماعيل بن جعفر عن أبيه عن جده (لسان الميزان ٥/ ٣٦٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عَبيدة السلماني عنه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كل بسنده المذكور، وسندهما صحيحان، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٦١) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٨٣٨).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٦٦١) وضعفه أحمد شاكر، وفي سنده عنعنة ابن لهيعة وهو من مدلسي الطبقة الخامسة الذين لا يقبل حديثهم إلا إذا صرحوا بالسماع.","vol":"3","page":95},{"text":"عظم حقه عليها\" (^١).\nوروى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتَّى تصبح\"، ورواه مسلم، ولفظه: \"إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتَّى تصبح\" (^٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾، وقوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الهجر هو أن لا يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره (^٣)، وكذا قال غير واحد. وزاد آخرون منهم السدي والضحاك وعكرمة وابن عباس في رواية: ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة أيضًا، عن ابن عباس: يعظها فإن هي قبلت وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد (^٥). وقال مجاهد والشعبي وإبراهيم ومحمد بن كعب ومقسم وقتادة: الهجر هو أن لا يضاجعها (^٦).\nوقد قال أبو داود: حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حُرة الرقاشي، عن عمه أن النَّبِيّ ﷺ قال: \"فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع\" قال حماد: يعني: النكاح (^٧).\nوفي السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: \"أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت\" (^٨).\nوقوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي: إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضربًا غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر، عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال في حجة الوداع: \"واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف\" (^٩)، وكذا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود من حديث قيس بن سعد (السنن، النكاح، باب في حق الزوج على المرأة ح ٢١٤٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٧٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٨٧).\n(^٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء (ح ٣٢٣٧)، وصحيح مسلم، النكاح، باب تحريم امتناعها من فراش زوجها (ح ١٤٣٦).\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ثابت عنه.\n(^٤) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٧) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، النكاح، باب في ضرب النساء ح ٢١٤٥)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ص ١٨٧٨).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ٤٤٧، وأبو داود، السنن، النكاح، باب في حق المرأة على زوجها (ح ٢١٤٢)، وسنن الدراقطني ٣/ ٢٦، والسنن الكبرى للبيهقي ٦/ ١٠٠، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ١٨٧٥)، ويشهد له حديث جابر في نهي رسول الله ﷺ عن ضرب الوجه صحيح مسلم، اللباس، باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه (ح ٢١١٦).\n(^٩) صحيح مسلم، الحج، باب حجة النَّبِيّ ﷺ (ح ١٢١٨).","vol":"3","page":96},{"text":"قال ابن عَبَّاس وغير واحد: ضربًا غير مبرح، قال الحسن البصري: يعني غير مؤثر (^١). وقال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضوًا ولا يؤثر فيها شيئًا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربًا غير مبرح، ولا تكسر لها عظمًا، فإن أقبلت وإلا فقد أحل الله لك منها الفدية (^٢).\nوقال سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب (^٣) قال: قال النَّبِيّ ﷺ: \"لا تضربوا إماء الله\" فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: \"ذئر (^٤) النساء على أزواجهن، فرخص رسول الله ﷺ في ضربهن\"، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ: \"لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم\" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سليمان بن داود - يعني: أبا داود الطيالسي -، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن داود الأودي، عن عبد الرحمن المُسلي، عن الأشعث بن قيس، قال: ضفت عمر ﵁، فتناول امرأته فضربها، وقال: يا أشعث، احفظ عني ثلاثًا حفظتهن عن رسول الله ﷺ: \"لا تسأل الرجل فيم ضرب امرأته، ولا تنم إلا على وتر، ونسي الثالثة\" (^٦)، وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن أبي عوانة، عن داود الأودي به (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله له منها، فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليهن، وهو ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن.\n\n<span id=\"aya-528\"></span>﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾.\nذكر الحال الأول وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة. ثم ذكر الحال الثاني [وهو إذا كان النفور من الزوجين، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا﴾] (^٨) حَكَما مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمَا مِّنْ ﴿أَهْلِهَا﴾ وقال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ينظر في أمرهما يمنع الظالم منهما من الظلم، فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حُميد عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"ذياب\".\n(^٤) كذا في (حم)، وفي الأصل و(مح): \"دير\".\n(^٥) سنن أبي داود، النكاح، باب في ضرب النساء (ح ٢١٤٦)، والسنن الكبرى (ح ٩١٦٧)، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب ضرب النساء (ح ١٩٨٥)، وصححه الحافظ ابن حجر (الإصابة ١/ ١٤٥)، والألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٧٩).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٧٥ ح ١٢٢) وضعفه محققوه بسبب جهالة عبد الرحمن المُسلي.\n(^٧) مسند الطيالسي (ح ٤٧)، وسنن أبي داود، النكاح، باب في ضرب النساء (ح ٢١٤٧)، وسنن النسائي الكبرى (ح ٩١٦٨)، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب في ضرب النساء (ح ١٩٨٦) وحكمه كسابقه.\n(^٨) ما بين المعقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).","vol":"3","page":97},{"text":"أهل المرأة وثقة من قوم الرجل ليجتمعا فينظرا في أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق، وتشوف الشارع إلى التوفيق، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أمر اللّه ﷿ أن يبعثوا رجلًا صالحًا من أهل الرجل، ورجلًا مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة، قصروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي لم يرض ولا يرث الكاره الراضي، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس، قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا (^٢). وقال: أنبأنا ابن جريج، حدثني ابن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت: تصير إلي وأنفق عليك، فكان إذا دخل عليها قالت: أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان فذكرت له ذلك، فضحك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما، فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا (^٣).\nوقال عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: شهدت عليًا وجاءته امرأة وزوجها مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكمًا وهؤلاء حكمًا، فقال علي للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، فقالت المرأة: [رضيت بكتاب] (^٤) الله لي وعلي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت واللّه لا تبرح حتى ترضى بكتاب اللّه ﷿ لك وعليك، رواه ابن أبي حاتم (^٥)، ورواه ابن جرير، عن يعقوب، عن ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي مثله (^٦)، ورواه من وجه آخر عن ابن [سيرين] (^٧)، عن عبيدة، عن علي به، وهذا مذهب جمهور العلماء على أن الحكمين إليهما الجمع والتفرقة حتى قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ومصنفه (١٦/ ٥١٢ رقم ١١٨٨٥) بسنده ومتنه وسنده صحيح، وفي سنده انقطاع بين معمر وعثمان.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ١٦/ ٥١٢ رقم ١١٨٨٧)، وصحح سنده الحافظ ابن حجر (الإصابة ٤/ ٣٧٢).\n(^٤) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق به، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٧) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"سفيان\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":98},{"text":"بطلقتين أو ثلاث فعلا (^١)، وهو رواية عن مالك، وقال الحسن البصري: الحكمان يحكمان في الجمع لا في التفرقة (^٢). وكذا قال قتادة وزيد بن أسلم (^٣)، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود: ومأخذهم قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ولم يذكر التفريق، وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين فإنه ينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف.\nوقد اختلف الأئمة في الحكمين، هل هما منصوبان من جهة الحاكم، فيحكمان وإن لم يرض الزوجان. أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟ على قولين والجمهور على الأول، لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ فسماهما حكمين ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديد من مذهب الشافعي وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، الثاني منهما بقول علي ﵁ للزوج حين قال: أما الفرقة فلا، قال: كذبت حتى تقر بما أقرت به. قالوا: فلو كانا حاكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج، والله أعلم.\nقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحكمين إذا اختلف قولهما فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا هل ينفذ قولهما في التفرقة؟ ثم حكي عن الجمهور أن ينفذ قولهما فيها أيضًا من غير توكيل (^٤).\n\n<span id=\"aya-529\"></span>﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾.\nيأمر ﵎ بعبادته وحده لا شريك له، فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئًا من مخلوقاته، كما قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: \"أتدري ما حق اللّه على العباد؟ \" قال: اللّه ورسوله أعلم، قال: \"أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا\"، ثم قال: \"أتدري ما حق العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم\" (^٥) ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن اللّه سبحانه جعلهما سببًا لخروجك من العدم إلى الوجود وكثيرًا ما يقرن اللّه سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وكقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء كما جاء في الحديث: \"الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح من طريق عبيدة عن إبراهيم (التفسير رقم ٦٣٢).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٣) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح عنه.\n(^٤) ذكره في الاستذكار ١٨/ ١١١.\n(^٥) أخرجه الشيخان من حديث معاذ بن جبل. صحيح البخاري، التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ (ح ٧٣٧٣)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (ح ٣٠).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ١٧)، والترمذي وحسنه في السنن، الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على =","vol":"3","page":99},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم فأمر اللّه بالإحسان إليهم والحنو عليهم ثم قال: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فأمر اللّه سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة.\nوقوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يعني: الذي بينك وبينه قرابة، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الذي ليس بينك وبينه قرابة (^١)، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وميمون بن مهران والضحاك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة (^٢).\nوقال أبو إسحاق، عن نوف البكالي في قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يعني: الجار المسلم، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ يعني: اليهودي والنصراني، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٣).\nوقال جابر الجعفي: عن الشعبي، عن علي وابن مسعود: والجار ذي القربى، يعني المرأة (^٤).\nوقال مجاهد أيضًا في قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ يعني: الرفيق في السفر (^٥)، وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار، فلنذكر منها ما تيسر وباللّه المستعان:\n(الحديث الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمر بن محمد بن زيد أنه سمع أباه محمدًا يحدث عن عبد اللّه بن عمر: أن رسول اللّه ﷺ قال: \"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه\" (^٦) أخرجاه في الصحيحين من حديث عمر بن محمد بن زيد بن عبد اللّه بن عمر به (^٧).\n(الحديث الثاني): قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عَمْرو، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه\" وروى أبو داود والترمذي نحوه من حديث سفيان بن عيينة، عن [بشير] (^٨) أبي إسماعيل، زاد الترمذي: وداود بن شابور، كلاهما عن مجاهد به، ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا\n_________\n= ذي القرابة (ح ٦٥٨)، وابن خزيمة في صحيحه (ح ٢٠٦٧)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٠٧) وفي سنده: الرُباب بنت صُليع أم الرائح مقبولة (التقريب ص ٧٤٧)، ويشهد له حديث زينب الثقفية وفيه: لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة (صحيح البخاري الزكاة، باب الزكاة على الزوج (ح ١٤٦٦)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل الصدقة والنفقة (ح ١٠٠٠).\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.\n(^٢) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي عن نوف به، وأخرجه ابن أبي حاتم معلقًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق إسرائيل عن جابر الجعفي به وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي عبد اللّه سليم المكي عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٥٥٧٧)، وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح البخاري، الأدب، باب الوصاة بالجار (ح ٦٠١٤)، وصحيح مسلم، البر، باب الوصية بالجار (ص ٢٦٢٤).\n(^٨) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"بشر\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":100},{"text":"الوجه، وقد روي عن مجاهد وعائشة وأبي هريرة عن النبي ﷺ (^١).\n(والحديث الثالث): قال أحمد أيضًا: حدثنا عبد اللّه بن يزيد، أخبرنا حيوة، أخبرنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي يحدث عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: \"خير الأصحاب عند اللّه خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند اللّه خيرهم لجاره\" (^٢) ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد، عن عبد اللّه بن المبارك، عن حيوة بن شريح به، وقال: حسن غريب (^٣).\n(الحديث الرابع): قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن [عباية] (^٤) بن رفاعة، عن عمر، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"لا يشبع الرجل دون جاره\" (^٥)، تفرد به أحمد.\n(الحديث الخامس): قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد اللّه، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا ظبية الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود يقول: قال رسول اللّه ﷺ لأصحابه: \"ما تقولون في الزنا؟ \" قالوا: حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ: \"لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره\"، قال: \"ما تقولون في السرقة؟ \" قالوا: حرمها اللّه ورسوله، فهي حرام، قال: \"لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره\" (^٦) تفرد به أحمد، وله شاهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود: قلت: يا رسول اللّه؛ أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل للّه ندًا وهو خلقك\" قلت: ثم أي؟ قال: \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك\". قلت: ثم أي؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك\" (^٧).\n(الحديث السادس): قال الإمام أحمد: حدثنا [يزيد، حدثنا هشام] (^٨)، عن حفصة، عن أبي العالية، عن رجل من الأنصار قال: خرجت من أهلي أريد النبي ﷺ، فإذا به قائم ورجل\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢/ ١٦٠)، وأبو داود، السنن، الأدب، باب في حق الجوار (ح ٥١٥٢)، الترمذي في السنن البر والصلة، باب ما جاء في حق الجوار (ح ١٩٤٣) وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٢٩١) ويشهد له الحديث السابق المتفق عليه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٦٧) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح ١١٥) من طريق حيوة به، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٨٤)، وأخرجه الحاكم من طريق حيوة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٠١) وحسنه الترمذي كما سيأتي.\n(^٣) السنن، البر والصلة، باب ما جاء في حق الجوار (ح ١٩٤٤).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"عناية\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٥٤) وسنده ضعيف لأن عباية لم يسمع من عمر (مجمع الزوائد ٨/ ١٦٧).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٨)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق محمد بن فضيل به (ح ١٠٣)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٧٦)، وذكره الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات (المجمع ٨/ ١٧١).\n(^٧) تقدم في سورة البقرة آية ٢٢ و١٦٥.\n(^٨) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"يزيد بن هشام\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":101},{"text":"[معه] (^١) مقبل عليه، فظننت أن لهما حاجة، قال الأنصاري: لقد قام رسول اللّه ﷺ حتى جعلت أرثي لرسول اللّه ﷺ من طول القيام، فلما انصرف قلت: يا رسول اللّه، لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال: \"ولقد رأيته؟ \" قلت: نعم، قال: \"أتدري من هو؟ \". قلت: لا، قال: \"ذاك جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه\" ثم قال: \"أما إنك لو سلمت عليه لردّ عليك السلام\" (^٢).\n(الحديث السابع): قال [عبد] (^٣) بن حميد في مسنده: حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا أبو بكر - يعني: المدني - عن جابر بن عبد اللّه، قال: جاء رجل من العوالي ورسول اللّه ﷺ، وجبريل ﵇، يصليان حيث يصلى على الجنائز، فلما انصرف قال الرجل: يا رسول اللّه، من هذا الرجل الذي رأيت معك؟ قال: \"وقد رأيته؟ \" قال: نعم. قال: \"لقد رأيت خيرًا كثيرًا، هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى رأيت أنه سيورثه\" (^٤)، تفرد به من هذا الوجه وهو شاهد للذي قبله.\n(الحديث الثامن): قال أبو بكر البزار: حدثنا عبيد اللّه بن محمد أبو الربيع الحارثي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عبد الرحمن بن الفضل، عن عطاء الخراساني، عن الحسن، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقًّا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقًّا، فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الذي له حقان فجار مسلم، له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم\" (^٥)، قال البزار: لا نعلم أحدًا روى عن عبد الرحمن بن الفضل إلا ابن أبي فديك.\n(الحديث التاسع): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي عمران، عن طلحة بن عبد اللّه، عن عائشة، أنها سألت رسول اللّه ﷺ فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: \"إلى أقربهما منك بابًا\" (^٦)، ورواه البخاري من حديث شعبة به.\n[(الحديث العاشر): روى الطبراني وأبو نعيم عن عبد الرحمن بن أبي قُراد قال: إن رسول اللّه ﷺ توضأ فجعل الناس يتمسحون بوضوئه، فقال: \"ما يحملكم على ذلك؟ \" قالوا:\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح) والمسند.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٢)، وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨/ ١٦٧)، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٣/ ٤٠٣ (ح ٨٩١).\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"عبد اللّه\" والصواب ما أثبت.\n(^٤) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب من المسند ح ١١٢٩)، وفي سنده أبو بكر المدني وهو الفضل بن مبشر فيه لين (التقريب ص ٤٤٧)، وسنده ضعيف.\n(^٥) أخرجه البزار بسنده ومتنه مختصر زوائد مسند البزار، قال الحافظ ابن حجر: والحارثي متهم (٢/ ٢٥١ ح ١٨٠٤)، وقال الهيثمي: وضاع (مجمع الزوائد ٨/ ١٦٤).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٧٥)، وأخرجه أبو داود من طريق أبي عمران به (السنن، الأدب، باب في حق الجوار ح ٥١٥٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٢٩٤).","vol":"3","page":102},{"text":"حب اللّه ورسوله. قال: \"من سره أن يحب اللّه ورسوله فليصدق الحديث إذا حدث، وليؤد الأمانة إذا ائتمن، وليحسن جوار من جاوره\" (^١).\n(الحديث الحادي عشر): قال أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي عشان، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"إن أول خصمين يوم القيامة جاران\"] (^٢) (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قال الثوري، عن جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علي وابن مسعود، قالا: هي المرأة (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي والحسن وسعيد بن جبير في إحدى الروايات، نحو ذلك (^٥)، وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: هو الرفيق في السفر (^٦).\nوقال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح (^٧).\nوقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر (^٨).\nوأما ابن السبيل، فعن ابن عباس وجماعة: هو الضيف (^٩)، وقال مجاهد وأبو جعفر الباقر والحسن والضحاك ومقاتل: هو الذي يمر عليك مجتازًا في السفر (^١٠). وهذا أظهر، وإن كان مراد القائل بالضيف المار في الطريق، فهما سواء، وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة براءة، وبالله الثقة وعليه التكلان.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وصية بالأرقاء، لأن الرقيق ضعيف الحيلة أسير في أيدي الناس، فلهذا ثبت أن رسول اللّه ﷺ جعل يوصي أمته في مرض الموت، يقول: \"الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم\" (^١١) فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه، وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثنا [بَحير بن سعد] (^١٢)، عن خالد بن معدان، عن\n_________\n(^١) ذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبيد بن واقد القيسي وهو ضعيف (المجمع ٤/ ١٤٨).\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من (مح).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥١)، وحسنه الهيثمي (المجمع ١٠/ ٣٥٢)، وقال المنذري: إسناده جيد (الترغيب ٣/ ٣٥٥)، وحسنه السيوطي والألباني في صحيح الجامع الكبير (ح ٢٥٦٠).\n(^٤) تقدم في بداية تفسير الآية، وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف.\n(^٥) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد وعكرمة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جابر الجعفي عنهما، ويشهد لهما قول ابن عباس، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي بكير التيمي عنه.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حاتم بن أبي عجلان عنه، ولم أقف على ترجمة لحاتم.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه.\n(^١٠) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف الإسناد إلا قول مجاهد فأخرجه بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^١١) أخرجه ابن ماجه، السنن، الوصايا، باب هل أوصى رسول الله ﷺ (ح ٢٦٩٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢١٨٣) وحسنه البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ٣٦١).\n(^١٢) كذا في المسند، وفي نسخة (حم) و(مح) والأصل: \"يحيى بن سعيد\"، والصواب ما أُثبت.","vol":"3","page":103},{"text":"المقدام بن معديكرب، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"ما أطمعت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة\" (^١) ورواه النسائي من حديث بقية (^٢)، وإسناده صحيح، وللّه الحمد.\nوعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعطِهم، فإن رسول اللّه ﷺ قال: \"كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوتهم\" رواه مسلم (^٣).\nوعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق\" رواه مسلم أيضًا (^٤).\nوعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: \"إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره وعلاجه\" أخرجاه، ولفظه للبخاري (^٥)، ولمسلم: \"فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهًا قليلًا، فليضع في يده أكلة أو أكتين\" (^٦).\nوعن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"هم إخوانكم خولكم جعلهم اللّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم\" أخرجاه (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ هو أي: مختالًا في نفسه، [معجبًا متكبرًا فخورًا على الناس، يرى أنه خير منهم فهو في نفسه] (^٨) كبير وهو عند اللّه حقير، وعند الناس بغيض.\nقال مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا﴾ يعني: متكبرًا ﴿فَخُورًا﴾ يعني: يَعُدّ ما أعطى، وهو لا يشكر الله تعالى (^٩). يعني: يفخر على الناس بما أعطاه اللّه من نعمه، وهو قليل الشكر للّه على ذلك.\nوقال ابن جرير: حدثني القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن عبد اللّه بن واقد أبي رجاء الهروي، قال: لا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، وتلا ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾، ولا عاقًا إلا وجدته جبارًا [شقيًا] (^١٠)، وتلا ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [مريم: ٣٢] (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣١)، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) السنن الكبرى (ح ٩٢٠٤)، وتحفة الأشراف ٨/ ٥٠٧.\n(^٣) صحيح مسلم، الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك (ح ٩٩٦).\n(^٤) صحيح مسلم، الأيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل (ح ١٦٦٢).\n(^٥) صحيح البخاري، العتق، باب إذا أتى أحدكم خادمُه بطعامه (ح ٢٥٥٧).\n(^٦) صحيح مسلم، الموضع السابق (ح ١٦٦٣).\n(^٧) صحيح البخاري، الأيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية (ح ٣٠)، وصحيح مسلم، الموضع السابق ١٦٦٠/ ٤٠.\n(^٨) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^١٠) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"سيا\"، وهو تصحيف.\n(^١١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين، وهو سنيد: ضعيف.","vol":"3","page":104},{"text":"وروى ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب مثله في المختال الفخور، وقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، عن الأسود بن شيبان، حدثنا يزيد بن عبد اللّه بن الشخير، قال: قال مطرف: كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه، فلقيته، فقلت: يا أبا ذر، بلغني أنك تزعم أن رسول الله ﷺ حدثكم: \"إن اللّه يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة\"؟ فقال: أجل، فلا إخالني، أكذب على خليلي ثلاثًا؟ قلت: من الثلاثة الذين يبغض اللّه؟ قال: المختال الفخور. أوليس تجدونه عندكم في كتاب اللّه المنزل؟ ثم قرأ الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (^١)، وحدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب بن خالد، عن أبي تميمة، عن رجل من بلهجم، قال: قلت: يا رسول اللّه، أوصني، قال: \"إياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن اللّه لا يحب المخيلة\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-530\"></span>\n\n<span id=\"aya-531\"></span>﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾.\nيقول تعالى ذامًّا الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به من بر الوالدين والإحسان إلى الأقارب، واليتامى، والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم من الأرقاء، ولا يدفعون حق اللّه فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضًا، وقد قال رسول اللّه ﷺ: \"وأي داء أدوأ من البخل\" (^٣). وقال: \"إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا\" (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فالبخيل جحود لنعمة اللّه لا تظهر عليه ولا تبين، لا في مأكله ولا في ملبسه ولا في إعطائه وبذله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ [العاديات: ٦، ٧]، أي: بحاله وشمائله ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨] وقال ههنا: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ولهذا توعدهم بقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وأطول، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق خرشة بن الحر عن أبي ذر بنحوه (الصحيح، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار ح ١٠٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، والرجل المبهم هو صحابي واسمه: جابر بن سليم ﵁ إذ صرح بذلك أبو داود فقد أخرجه من طريق أبي تميمة عن أبي جري جابر بن سليم بنحوه وأطول (السنن، اللباس، باب في إسبال الإزار ح ٤٠٨٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٤٢).\n(^٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح ٢٩٦)، من حديث جابر، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٢١٩)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٢٢٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا (المسند ح ٦٤٨٧)، وصححه محققوه وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٥١٧٦)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١١).","vol":"3","page":105},{"text":"ويجحدها فهو كافر لنعم اللّه [عليه] (^١)، وفي الحديث: \"إن اللّه إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن يظهر أثرها عليه\" (^٢)، وفي الدعاء النبوي: \"واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها، وأتممها علينا\" (^٣).\nوقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد ﷺ وكتمانهم ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٤)، وقاله مجاهد (^٥) وغير واحد، ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلًا في ذلك بطريق الأولى، فإن السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذلك الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ فإنه ذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذين يقصدون [بإعطائهم] (^٦) السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه اللّه، وفي الحديث الذي ذُكر فيه الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار وهم: العالم، والغازي، والمنفق المراؤون بأعمالهم، يقول صاحب المال: \"ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك، فيقول اللّه: كذبت إنما أردت أن يقال: كريم فقد قيل\"؛ أي: أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك (^٧).\nوفي الحديث: أن رسول اللّه ﷺ، قال لعدي بن حاتم: \"إن أباك رام أمرًا فبلغه\" (^٨).\nوفي حديث آخر: أن رسول اللّه ﷺ سئل عن عبد اللّه بن جدعان: هل ينفعه إنفاقه وإعتاقه؟ فقال: \"لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين\" (^٩). ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ أي: إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان، فإنه سول لهم وأملى لهم، وقارنهم فحسَّن لهم القبائح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾، ولهذا قال الشاعر:\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث مالك بن نضلة الجشمي بنحوه (المسند ٢٥/ ٢٢٢ ح ١٥٨٨٧)، وصححه محققوه، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٥٤١٧)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٢٩٠).\n(^٣) أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود مرفوعًا (السنن، الصلاة، باب من ذكر التورك في الرابعة ح ٩٦٩)، والطبراني في المعجم الكبير (ح ١٠٤٢٦)، وقال الهيثمي: سنده جيد (المجمع ١٠/ ١٨٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٨٥٥).\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، وسنده حسن، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه قال: نزلت في اليهود.\n(^٦) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا بنحوه وأطول (الصحيح، الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة … ح ١٩٠٥).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ٢٥٨)، قال الهيثمي: ورجاله ثقات (المجمع ١/ ١٢٤)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٤٠).\n(^٩) أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂ (الصحيح، الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل ح ٢١٤).","vol":"3","page":106},{"text":"عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقتدي\n\n<span id=\"aya-532\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾ أي: وأي شيء يضرهم لو آمنوا بالله وسلكوا الطرائق الحميدة، وعدلوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله ورجاء موعوده في الدار الآخرة لمن أحسن عملًا، وأنفقوا مما رزقهم اللّه في الوجوه التي يحبها اللّه ويرضاها، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه، ويلهمه رشده، ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن الجناب الأعظم الإلهي الذي من طرد عن بابه، فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة، عياذًا باللّه من ذلك.\n\n<span id=\"aya-533\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.\nيخبر تعالى أنه لا يظلم عبدًا من عباده يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى مخبرًا عن لقمان أنه قال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] وفي الصحيحين من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللّه ﷺ في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: \"فيقول اللّه ﷿: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار\" (^١)، وفي لفظ: \"أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار فيخرجون خلقًا كثيرًا\" (^٢)، ثم يقول أبو سعيد: اقرؤوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ (^٣)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن عنترة، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، قال: قال عبد اللّه بن مسعود: يؤتى بالعبد والأمة يوم القيامة فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أمها أو أخيها أو زوجها، ثم قرأ ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، فيغفر اللّه من حقه ما يشاء ولا يغفر من حقوق الناس\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [القيامة: ٢٢] (ح ٧٤٣٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ١٨٣).\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك، صحيح البخاري، التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة (ح ٧٥١٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ١٩٣).\n(^٣) هذا القول لأبي سعيد وهو الخدري، تتمة للحديث قبل السابق المتفق عليه.","vol":"3","page":107},{"text":"شيئًا، فينصب للناس فينادى: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فيقول: رب فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل ذي حق بقدر طُلبته، فإن كان وليًا للّه ففضل له مثقال ذرة ضاعفها اللّه له حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ علينا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قال: ادخل الجنة وإن كان عبدًا [شقيًا] (^١) قال الملك: ربِّ فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكًا إلى النار (^٢). ورواه ابن جرير من وجه آخر عن زاذان به نحوه (^٣) ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا فضيل - يعني: ابن مرزوق -، عن عطية العوفي، حدثني عبد اللّه بن عمر، قال: نزلت هذه الآية في الأعراب ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] قال رجل: فما للمهاجرين يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ما هو أفضل من ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ (^٤)، وحدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد اللّه بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة ولا يخرج من النار أبدًا (^٥). وقد يُستدل له بالحديث الصحيح أن العباس قال: يا رسول اللّه، إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعته بشيء؟ قال: \"نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار\" (^٦)، وقد يكون هذا خاصًّا بأبي طالب من دون الكفار بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا عمران، حدثنا قتادة، عن أنس أن رسول اللّه ﷺ قال: \"إن اللّه لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة\" (^٧).\nوقال أبو هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك في قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا سليمان - يعني ابن المغيرة -، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان، قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: بلغني أن اللّه تعالى يعطي عبده المؤمن\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"حبشيًا\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق زاذان به نحوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٦) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، قصة أبي طالب (ح ٣٨٨٣)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب (ح ٢٠٩).\n(^٧) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢٠١١)، وأخرجه مسلم من طريق قتادة به (الصحيح، صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة ح ٢٨٠٨).\n(^٨) قول أبي هريرة أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه علي بن زيد بن جدعان، وبقية الرواة ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند وهي تشهد لرواية أبي هريرة.","vol":"3","page":108},{"text":"بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، قال: فقُضي أني انطلقت حاجًا أو معتمرًا، فلقيته فقلت: بلغني عنك حديث أنك تقول: سمعت رسول اللّه ﷺ: \"إن اللّه ﷿ يجزى العبد بالحسنة ألف ألف حسنة\" قال: فقضي أني انطلقت حاجًّا أو معتمرًا، فلقيته؛ فقلت: بلغني عنك حديث أنك تقول: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: \"إن اللّه يعطي العبد بالحسنة ألف ألف حسنة قال أبو هريرة: لا بل سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: \"إن اللّه يعطيه ألفي ألف حسنة\"، ثم تلا ﴿يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فمن يقدر قدره؟ (^١). ورواه الإمام أحمد فقال: حدثنا يزيد، ثنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: أتيت أبا هريرة، فقلت له: بلغني أنك تقول: إن [الحسنة] (^٢) تضاعف ألف ألف حسنة! قال: وما أعجبك من ذلك؟ فواللّه لقد سمعت - يعني: النبي ﷺ - يقول: \"إن اللّه ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة\" (^٣)، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، واللّه أعلم.\n\n<span id=\"aya-534\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ يقول تعالى: مخبرًا عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه، فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة حين يجيء من كل أمة بشهيد - يعني: الأنبياء ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل]، وقال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال لي رسول اللّه ﷺ: \"اقرأ علي\" فقلت: يا رسول الله اقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: \"نعم إني أحب أن أسمعه من غيري\" فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فقال: \"حسبك الآن\" فإذا عيناه تذرفان، ورواه هو ومسلم أيضًا من حديث الأعمش به (^٤)، وقد روي من طرق متعددة عن ابن مسعود فهو مقطوع به عنه ورواه أحمد من طريق أبي حيان وأبي رزين عنه (^٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري، عن أبيه، قال: وكان أبي ممن صحب النبي ﷺ: إن النبي ﷺ أتاهم في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٢١، ٥٢٢)، وسنده ضعيف بسبب ضعف علي بن زيد.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"الجنة\"، وهو تصحيف.\n(^٣) سنده ضعيف بسبب علي بن زيد.\n(^٤) صحيح البخاري، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ …﴾ [النساء: ٤١] (ح ٤٥٨٢)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل استماع القرآن (ح ٨٠٠).\n(^٥) المسند (١/ ٣٧٤).","vol":"3","page":109},{"text":"من أصحابه، فأمر النبي ﷺ قارئًا فقرأ حتى أتى على هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فبكى رسول اللّه ﷺ حتى اضطرب لحياه وجنباه، فقال: \"يا رب، هذا شهدت على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أره\" (^١).\nوقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، عن المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن عبد اللّه - هو ابن مسعود - في هذه الآية، قال: قال رسول الله ﷺ: \"شهيد عليهم ما دمت فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم\" (^٢). [وأما ما ذكره أبو عبد الله القرطبي في التذكرة حيث قال: باب ما جاء في شهادة النبي ﷺ على أمته، قال ابن المبارك: أخبرنا رجل من الأنصار، عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس من يوم إلا تعرض فيه على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم، يقول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فإنه أثر وفيه انقطاع، فإن فيه رجلًا مبهمًا لم يسم، وهو من كلام سعيد بن المسيب لم يرفعه، وقد قبله القرطبي فقال بعد إيراده: قد تقدم أن الأعمال تعرض على اللّه كل يوم اثنين وخميس، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة، قال: ولا تعارض، فإنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم، ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام (^٣)] (^٤).\n\n<span id=\"aya-535\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾: لو انشقت وبلعتهم مما يرون من أهوال الموقف وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ، كقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠].\nوقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ إخبار عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه ولا يكتمون منه شيئًا.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عمرو، عن مطرف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: سمعت اللّه ﷿ يقول - يعني: إخبارًا عن المشركين يوم القيامة أنهم قالوا -: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا: [تعالوا فلنجحد، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده فضيل بن سليمان، وهو النميري صدوق يخطئ كثيرًا (التقريب ص ٤٤٧)، ويونس بن محمد ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٩/ ٢٤٦)، ولبعضه شاهد متفق عليه تقدم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق الثوري به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٣١٩)، وأخرجه الطبراني، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٢٢).\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من (حم) و(مح).\n(^٤) ذكره القرطبي في: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص ٢٩٤.","vol":"3","page":110},{"text":"مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾] (^١)، فختم اللّه على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (^٢)، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف عليّ في القرآن، قال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ قال: ليس هو بالشك، ولكن اختلاف قال: فهات ما اختلف عليك من ذلك، قال: أسمع اللّه يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣] وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقد كتموا. فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن اللّه لا يغفر إلا لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره ولا يغفر شركًا جحد المشركون، فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يغفر لهم، فختم اللّه على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (^٣).\nوقال [جويبر] (^٤)، عن الضحاك: إن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس، قول الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن اللّه تعالى جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن اللّه لا يقبل من أحد شيئًا إلا ممن وحّده، فيقولون: تعالوا نقل فيسألهم فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قال: فيختم اللّه على أفواههم ويستنطق جوارحهم فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك يتمنون لو أن الأرض سويت بهم ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. رواه ابن جرير (^٥).\n\n<span id=\"aya-536\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾.\nينهى ﵎ عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلى ما يقول، وعن قربان محالها التي هي المساجد للجنب، إلا أن يكون مجتازًا من باب إلى باب من غير مكث، وقد كان هذا قبل تحريم الخمر، كما دل عليه الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ …﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]. فإن رسول اللّه ﷺ تلاها على عمر، فقال: \"اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا\"، [فلما\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب إبهام شيخ معمر.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"ابن جرير\" وهو تصحيف.\n(^٥) وسنده ضعيف بسبب جويبر وهو متروك، أخرجه الطبري من طريق جويبر به. ووقع في طبعة أحمد شاكر تصحيف فورد بلفظ: \"الزبير\".","vol":"3","page":111},{"text":"نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال: \"اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا\"] (^١)، فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلوات، فلما نزل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] فقال عمر: انتهينا انتهينا (^٢). وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن شرحبيل، عن عمر بن الخطاب في قصة تحريم الخمر، فذكر الحديث، وفيه: فنزلت الآية التي في النساء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فكان منادي رسول اللّه ﷺ إذا قامت الصلاة ينادي: أن لا يقربن الصلاة سكران، لفظ أبي داود (^٣).\nوذكروا في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: نزلت فيّ أربع آيات، صنع رجل من الأنصار طعامًا فدعا أناسًا من المهاجرين وأناسًا من الأنصار، فأكلنا وشربنا حتى سكرنا، ثم افتخرنا، فرفع رجل لَحْيَ بعير ففزر به أنف سعد، فكان سعد مفزور الأنف، وذلك قبل تحريم الخمر، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية (^٤)، والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة، ورواه أهل السنن إلا ابن ماجه من طرق عن سماك به (^٥).\n(سبب آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه [الدشتكي] (^٦)، حدثنا أبو جعفر، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموا فلانًا، قال: فقرأ (قل يا أيها الكافرون، ما أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون)، فأنزل اللّه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، هكذا رواه ابن أبي حاتم (^٧)، وكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن عبد الرحمن الدشتكي به، وقال: حسن صحيح (^٨). وقد رواه ابن جرير، عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي: أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر، شربوا الخمر فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ ﴿قُلْ\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (حم) و(مح) والتخريج.\n(^٢) حديث صحيح تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢١٩.\n(^٣) السنن، الأشربة، باب في تحريم الخمر (ح ٣٦٧٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣١١٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضل سعد (ح ١٧٤٨)، وسنن أبي داود، الجهاد، باب في النفل (ح ٢٧٤٠)، وسنن الترمذي، تفسير سورة العنكبوت (ح ٣١٨٠) والسنن الكبرى للنسائي (ح ١١١٩٦).\n(^٦) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"الرستكي\" وهو تصحيف.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو جعفر وهو الرازي صدوق سيء الحفظ، وقد توبع كما سيأتي، فسنده حسن.\n(^٨) أخرجه الترمذي من طريق أبي جعفر به وقال: حسن صحيح غريب (السنن، تفسير سورة النساء ح ٣٠٢٦)، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان عن عطاء به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٧)، وأخرجه تمام الرازي من طريق علي بن عاصم عن عطاء به (الفوائد ٢/ ٧٩٨).","vol":"3","page":112},{"text":"يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فخلط فيها، فنزلت ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^١)، وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري به (^٢)، ورواه ابن جرير أيضًا عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: كان علي في نفر من أصحاب النبي ﷺ في بيت عبد الرحمن بن عوف، فطعموا فأتاهم بخمر فشربوا منها، وذلك قبل أن يحرم الخمر، فحضرت الصلاة فقدموا عليًا فقرأ بهم ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ فلم يقرأها كما ينبغي، فأنزل اللّه ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ثم قال: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد اللّه بن حبيب - وهو أبو عبد الرحمن السلمي -: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعامًا وشرابًا، فدعا نفرًا من أصحاب النبي ﷺ فصلى بهم المغرب، فقرأ: (قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين)، فأنزل اللّه ﷿ هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ وذلك أن رجالًا كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى قبل أن يحرم الخمر، فقال الله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى …﴾ الآية، رواه ابن جرير (^٤)، وكذا قال أبو رزين ومجاهد (^٥) وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات ثم نسخ بتحريم الخمر (^٦). وقال الضحاك في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾: لم يعن بها سكر الخمر وإنما عنى بها سكر النوم (^٧)، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ثم قال ابن جرير: والصواب أن المراد سكر الشراب، قال: ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب، لأن ذاك في حكم المجنون، وإنما خوطب بالنهي الثمل الذي يفهم التكليف، وهذا حاصل ما قاله: وقد ذكره غير واحد من الأصوليين، وهو أن الخطاب توجه إلى من يفهم الكلام دون السكران الذي لا يدري (^٨) ما يقال له فإن الفهم شرط التكليف، وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) سنن أبي داود، الأشربة، باب تحريم الخمر (ح ٣٦٧١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣١١٨).\n(^٣) أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما، والرواية الأولى فيها ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، وقد تفرد بأن الذي قرأ هو علي بن أبي طالب، والصواب عبد الرحمن بن أبي عوف ﵃، وأما الرواية الثانية فحكمها كالروايات الحسنة المتقدمة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو سند ضعيف لكن يتقوى بما سبق من الروايات الثابتة.\n(^٥) قول أبي رزين أخرجه الطبري بثلاثة أسانيد فيها محمد بن حميد الرازي ضعيف، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسند حسن.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سلمة بن نبيط عنه، وقد رده الطبري ورده حق.\n(^٨) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"لا يدرك\".","vol":"3","page":113},{"text":"والنهار، فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائمًا، والله أعلم، وعلى هذا فيكون كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإسلام والمداومة على الطاعة لأجل ذلك.\nوقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ هذا أحسن ما يقال في حد السكران أنه الذي لا يدري ما يقول، فإن المخمور فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره وخشوعه فيها. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول\" (^١) انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، ورواه هو والنسائي من حديث أيوب به (^٢). وفي بعض ألفاظ الحديث: \"فلعله ذهب يستغفر فيسب نفسه\" (^٣).\nوقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار (^٤)، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب، إلا عابري سبيل، قال: تمر به مرًا، ولا تجلس (^٥). ثم قال: وروي عن عبد اللّه بن مسعود، وأنس، وأبي عبيدة، وسعيد بن المسيب، وأبي الضحى، وعطاء، ومجاهد، ومسروق، وإبراهيم النخعي، وزيد بن أسلم، وأبي مالك، وعمرو بن دينار، والحكم بن عتيبة، وعكرمة، والحسن البصري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن شهاب، وقتادة نحو ذلك (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن قول اللّه ﷿: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، [فيردون الماء ولا يجدون ممرًا إلا في المسجد] (^٧)، فأنزل اللّه ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٨). ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب ﵀، ما ثبت في صحيح البخاري: أن رسول اللّه ﷺ قال: \"سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر\" (^٩)، وهذا قاله في آخر حياته ﷺ، علمًا منه أن أبا بكر ﵁ سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٥٠)، وأخرجه البخاري من طريق أيوب به كما سيأتي.\n(^٢) صحيح البخاري، الوضوء، باب الوضوء من النوم (ح ٢١٣).\n(^٣) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ٢١٤).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"محمد بن يسار\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو جعفر الرازي، وهو صدوق سيء الحفظ ويشهد له الأقوال التالية، فسنده حسن.\n(^٦) ذكرهم جميعهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق عَبيدة عنه، وبقية الآثار أخرجها الطبري وابن أبي شيبة (المصنف ١/ ١٤٦ - ١٤٧)، والسنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤١٣.\n(^٧) الزيادة من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده يزيد بن أبي حبيب لم أتأكد من روايته عن أحد الصحابة، وذكر ابن حجر أنه كان يرسل كما في التقريب.\n(^٩) صحيح البخاري، الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد (ح ٤٦٧).","vol":"3","page":114},{"text":"الدخول في المسجد كثيرًا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين (^١)، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد، إلا بابه ﵁، ومن روى إلا باب علي، كما وقع في بعض السنن (^٢)، فهو خطأ، والصواب ما ثبت في الصحيح. ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب اللبث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضًا، في معناه، إلا أن بعضهم قال: يمنع مرورهما لاحتمال التلويث، ومنهم من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور، جاز لهما المرور، وإلا فلا. وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول اللّه ﷺ: \"ناوليني الخُمرة من المسجد\" فقلت: إني حائض، فقال: \"إن حيضتك ليست في يدك\" وله عن أبي هريرة مثله (^٣)، ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها، والله أعلم.\nوروى أبو داود من حديث أفلت بن خليفة العامري، عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه ﷺ: \"إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب\" (^٤)، قال أبو سليمان الخطابي: ضَعّف هذا الحديث جماعة وقالوا: أفلت مجهول، لكن رواه ابن ماجه، من حديث أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذهلي، عن [جسرة] (^٥) عن أم سلمة، عن النبي ﷺ به (^٦)، قال أبو زرعة الرازي: يقولون: [جسرة] (^٧) عن أم سلمة، والصحيح جسرة عن عائشة، فأما ما رواه أبو عيسى الترمذي: من حديث سالم بن أبي حفصة عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا علي لا يحل لأحد أن يجنب، في هذا المسجد غيري وغيرك\" (^٨) فإنه حديث ضعيف لا يثبت، فإن سالمًا هذا متروك، وشيخه عطية ضعيف، واللّه أعلم.\n(قول آخر) في معنى الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا عبيد اللّه بن موسى، أخبرني ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن زر بن حبيش، عن علي ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال: لا يقرب الصلاة، إلا أن يكون مسافرًا تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء فيصلي، حتى يجد الماء، ثم رواه من وجه آخر عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن علي بن أبي طالب … فذكره (^٩). قال:\n_________\n(^١) هذا الشاهد يصلح لحكم جواز العبور من المسجد لا لصحة سبب نزول الآية.\n(^٢) قال الحافظ ابن حجر: أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي، وقد جمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين (فتح الباري ٧/ ١٤، ١٥).\n(^٣) صحيح مسلم، الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله (ح ٢٩٨، ٢٩٩).\n(^٤) سنن أبي داود، الطهارة، باب في الجنب يدخل المسجد (ح ٢٣٢)، ونقل البغوي عن أحمد أنه ضعف هذا الحديث (شرح السنة ٢/ ٤٦)، وضعف سنده عبد الحق الإشبيلي (الأحكام الوسطى ١/ ٣٠٧).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وسنن ابن ماجه، وفي الأصل: \"حبيش\" وهو تصحيف.\n(^٦) سنن ابن ماجه، الطهارة، باب ما جاء في اجتناب الحائض المسجد (ح ٦٤٥)، وفي سنده محدوج مجهول (كما في التقريب ص ٥٢١)، وضعف إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ١/ ٢٣٠).\n(^٧) كذا في (حم) و(مح) وسنن ابن ماجه، وفي الأصل: \"حبيش\" وهو تصحيف.\n(^٨) أخرجه الترمذي من طريق سالم بن أبي حفصة به (السنن، المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁ ح ٣٧٢٧)، وفي سنده سالم بن أبي حفصة: صدوق في الحديث إلا إنه شيعي غالي (التقريب ص ٢٢٦)، والمتن يؤيد بدعته في الغلو بعلي ﵁، فالحديث ضعيف كما قرر الحافظ.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بالسندين به وكلا الإسنادين حسن.","vol":"3","page":115},{"text":"وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات، وسعيد بن جبير والضحاك، نحو ذلك (^١). وقد روى ابن جرير، من حديث وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد اللّه، وعن زر بن حبيش عن علي … فذكره. ورواه من طريق العوفي وأبي مجلز: عن ابن عباس … فذكره (^٢). ورواه عن سعيد بن جبير، وعن مجاهد، والحسن بن مسلم، والحكم بن عتيبة، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن مثل ذلك (^٣). وروي من طريق ابن جريج عن عبد اللّه بن كثير، قال: كنا نسمع أنه في السفر (^٤). ويُستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن من حديث أبي قلابة عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك، فإن ذلك خير\" (^٥).\nثم قال ابن جرير بعد حكايته القولين: والأولى قول من قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بيّن حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب، في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ لو كان معنيًا به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها، وأنتم سكارى، حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضًا جنبًا، حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل، قال: والعابر السبيل: المجتاز مرًا وقطعًا، يقال منه: عبرت هذا الطريق، فأنا أعبره عبرًا وعبورًا، ومنه يقال: عبر فلان النهر، إذا قطعه وجاوزه، ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار، هي عبر الأسفار لقوتها على قطع الأسفار (^٦).\nوهذا الذي نصره، هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة، ولمحلها أيضًا، واللّه أعلم.\nوقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة ومالك والشافعي، أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم، إن عدم الماء، أو لم يقدر على\n_________\n(^١) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند وقول ابن عباس وسعيد بن جبير أخرجهما الطبري بسندين صحيحين.\n(^٢) أخرجه الطبري من هذه الطرق وفيها ضعف ويتقوى بما سبق.\n(^٣) أخرجه الطبري من طرق هؤلاء وكلها بأسانيد ثابتة.\n(^٤) أخرجه الطبري وفيه الحسين وهو سنيد ضعيف ويتقوى بسابقه ولاحقه ..\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٥/ ١٨٠)، وأبو داود في السنن، الطهارة، باب الجنب يتيمم (ح ٣٣٢)، والترمذي في السنن، الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب (ح ١٢٤)، وقال: حسن صحيح، كلهم من طريق أبي قلابة به، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢١)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي قلابة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٧٦ - ١٧٧)، وصححه ابن حبان وأبو الحسن بن القطان كما سيأتي في ص ١٦٨.\n(^٦) ذكره الطبري في نهاية تفسير هذه الآية (٤٣).","vol":"3","page":116},{"text":"استعماله بطريقه، وذهب الإمام أحمد: إلى أنه متى توضأ الجنب، جاز له المكث في المسجد، لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بسند صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد - هو الدراوردي - عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول اللّه ﷺ، يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا وضوء الصلاة (^١). وهذا إسناد على شرط مسلم، واللّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ هو أما المرض المبيح للتيمم، فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء، فوات عضو أو شينه أو تطويل البرء، ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض، لعموم الآية.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا قيس، عن خُصَيْف، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار، كان مريضًا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأنزل اللّه هذه الآية (^٢)، هذا مرسل والسفر معروف، ولا فرق فيه بين الطويل والقصير.\nوقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، كُني بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر، وأما قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فقرئ لمستم ولامستم، واختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين:\n(أحدهما): أن ذلك كناية عن الجماع، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قال: الجماع (^٣). وروي عن علي وأُبي بن كعب ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثني حميد بن مسعدة، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس فقلت له: إن ناسًا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع، قال: فمن أي الفريقين كنت؟ قلت: كنت من الموالي، قال: غُلب فريق الموالي. إن اللمس والمس والمباشرة: الجماع، ولكن اللّه يكني ما شاء بما شاء، ثم رواه عن ابن بشار، عن غندر، عن شعبه به نحوه،\n_________\n(^١) صحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده خُصيف: صدوق سيء الحفظ اختلط كما في التقريب وأعله ابن كثير بالإرسال.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر إلى سعيد بن جبير (الفتح ٨/ ٢٧٢).\n(^٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وبعض هذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.","vol":"3","page":117},{"text":"ثم رواه من غير وجه، عن سعيد بن جبير نحوه (^١). ومثله قال: حدثني [يعقوب، حدثنا هشيم] (^٢) قال: حدثنا أبو بشر، أخبرنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: اللمس والمس والمباشرة: الجماع ولكن اللّه يكني بما يشاء (^٣)، حدثنا عبد الحميد بن بيان، أنبأنا إسحاق الأرزق، عن سفيان، عن عاصم الأحول، عن بكر بن عبد اللّه، عن ابن عباس، قال: الملامسة: الجماع، ولكن الله كريم يكني بما يشاء (^٤)، وقد صح من غير وجه، عن عبد اللّه بن عباس، أنه قال ذلك، ثم رواه ابن جرير: عن بعض من حكاه ابن أبي حاتم عنهم، ثم قال ابن جرير وقال آخرون: عنى اللّه تعالى بذلك كل لمس بيد أو بغيرها من أعضاء الإنسان، وأوجبوا الوضوء على كل من مس بشيء من جسده شيئًا من جسدها مفضيًا إليه، ثم قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن مخارق، عن طارق، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: اللمس ما دون الجماع (^٥)، وقد رواه من طرق متعددة، عن ابن مسعود بمثله، وروى من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: القبلة من المس وفيها الوضوء (^٦). روى الطبراني بإسناده عن عبد اللّه بن مسعود قال: يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده ومن القبلة [وكان يقول في هذه الآية ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: هو الغمز] (^٧) (^٨).\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبيد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة، ويرى فيها الوضوء، ويقول: هي من اللماس (^٩). وروى ابن أبي حاتم وابن جرير أيضًا: من طريق شعبة عن مخارق، عن طارق، عن عبد اللّه، قال: اللمس ما دون الجماع (^١٠)، ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر، وعبيدة، وأبي عثمان النهدي، وأبي عبيدة - يعني ابن عبد اللّه بن مسعود -، وعامر الشعبي، وثابت بن الحجاج، وإبراهيم النخعي، وزيد بن أسلم، نحو ذلك (^١١).\n(قلت): وروى مالك، عن الزهري، عن سالم بن عبد اللّه بن عمر، عن أبيه، أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسه بيده من الملامسة، فمن قبّل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء (^١٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"يعقوب بن هاشم\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويتقوى بسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٣٥).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أبو عبيدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود (المجمع ١/ ٢٤٧)، وقد توبع بواسطة طارق في الرواية السابقة.\n(^٧) زيادة من (مح).\n(^٨) أخرجه الطبراني من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود، وسنده منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود (مجمع الزوائد ١/ ٢٤٧).\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه مالك عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه (الموطأ، باب الوضوء من قبلة الرجل ١/ ٦٥)، وسنده صحيح.\n(^١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، وسنده صحيح.\n(^١١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقد خرجت آثارهم في تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم، سورة النساء.\n(^١٢) تقدم تخريجه قبل روايتين.","vol":"3","page":118},{"text":"وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني في سننه: عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نحو ذلك (^١)، ولكن روينا عنه من وجه آخر: أنه كان يقبّل امرأته ثم يصلي ولا يتوضأ (^٢)، فالرواية عنه مختلفة، فيحمل ما قاله في الوضوء إن صح عنه، على الاستحباب، والله أعلم. والقول بوجوب الوضوء من المس، هو قول الشافعي وأصحابه، ومالك، والمشهور عن أحمد بن حنبل ﵏، قال ناصر هذه المقالة: قد قرئ في هذه الآية ﴿لَامَسْتُمُ﴾ و(لمستم) (^٣)، واللمس يطلق في الشرع على الجس باليد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] أي: جسوه، وقال رسول اللّه ﷺ لماعز حين أقر بالزنا، يعرّض له بالرجوع عن الإقرار: \"لعلك قبلت أو لمست؟ \" (^٤)، وفي الحديث الصحيح: \"واليد زناها اللمس\" (^٥)، وقالت عائشة ﵂: قلّ يوم إلا ورسول اللّه ﷺ يطوف علينا، فيقبل ويلمس (^٦)، ومنه ما ثبت في الصحيحين، أن رسول اللّه ﷺ نهى عن بيع الملامسة (^٧)، وهو يرجع إلى الجس باليد، على كلا التفسيرين، قالوا: ويطلق في اللغة على الجس باليد، كما يطلق على الجماع، قال الشاعر:\nوألمستُ كفي كفَّه أطلب الغنى\nواستأنسوا أيضًا بالحديث الذي رواه أحمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وأبو سعيد، قالا: حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، وقال أبو سعيد: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، قال: إن رسول اللّه ﷺ أتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئًا إلا أتاه منها، غير أنه لم يجامعها، قال: فأنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]، قال: فقال له رسول الله ﷺ: \"توضأ ثم صلّ\" قال معاذ: فقلت: يا رسول اللّه، أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال: \"بل للمؤمنين عامة\" (^٨)، ورواه الترمذي من حديث زائدة به، وقال: ليس بمتصل (^٩)، ورواه النسائي: من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، مرسلًا (^١٠)، قالوا: فأمره بالوضوء، لأنه لمس المرأة ولم يجامعها، وأجيب بأنه منقطع بين ابن أبي ليلى ومعاذ، فإنه لم يلقه، ثم يحتمل\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (السنن ١/ ٤٤ ح ٣٧)، وفي سنده عبد الله بن شبيب وهو متهم بسرقة الحديث وقلب الأخبار (لسان الميزان ٣/ ٢٩٧).\n(^٢) مسند الفاروق ﵁ (١/ ١١٥ - ١١٧).\n(^٣) كلتاهما قراءتان متواترتان.\n(^٤) أخرجه البخاري (الصحيح، الحدود، باب هل يقول الإمام للمُقر: لعلك لمست وغمزت ح ٦٨٢٤).\n(^٥) أخرجه البخاري (الصحيح، الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج ح ٦٨٢٤).\n(^٦) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٣٥).\n(^٧) صحيح البخاري، البيوت، باب بيع المنابذة (ح ٢١٤٦)، وصحيح مسلم، البيوع، باب إبطال بيع الملامسة والمنابذة (ح ١٥١١).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٢١٤٦ ح ٢٢١١٢)، وقال محققوه: صحيح لغيره. وهو كما قالوا، فله شواهد صحيحة صححها الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٣٢٦ و٣٣٢٩).\n(^٩) سنن الترمذي تفسير سورة هود (ح ٣١١٣)، وقد برهن الترمذي على الانقطاع بين ابن أبي ليلي ومعاذ.\n(^١٠) ينظر: تحفة الإشراف (ح ١١٣٤٣).","vol":"3","page":119},{"text":"أنه إنما أمره بالوضوء والصلاة للتوبة، كما تقدم في حديث الصديق: \"ما من عبد يذنب ذنبًا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر اللّه له … \" الحديث، وهو مذكور في سورة آل عمران، عند قوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ …﴾ [آل عمران: ١٣٥] (^١).\nثم قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الجماع، دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبّل بعض نسائه، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم قال: حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السدي، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ، ثم يقبل ثم يصلي، ولا يتوضأ، ثم قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ، قبّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت (^٢)، وهكذا رواه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، عن جماعة من مشايخهم، عن وكيع به (^٣)، ثم قال أبو داود: روي عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني، وقال يحيى القطان لرجل: احك عني أن هذا الحديث شبه لا شيء، وقال الترمذي: سمعت البخاري يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة (^٤). وقد وقع في رواية ابن ماجه: عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد الطنافسي، عن وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة (^٥)، وأبلغ من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده: من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة (^٦)، وهذا نص في كونه عروة بن الزبير، ويشهد له قوله: من هي إلا أنت فضحكت، لكن روى أبو داود عن إبراهيم بن مخلد الطالقاني، عن عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، قال: حدثنا أصحاب لنا، عن عروة المزني، عن عائشة … فذكره (^٧)، واللّه أعلم.\n_________\n(^١) ينظر تخريجه في: تفسير سورة آل عمران آية ١٣٥.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنديه ومتنيه وترجيحه. وصححهما أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري وفي تحقيقه لسنن الترمذي وقد أطال في تخريجه ليبرهن على صحة سنده، وأخرجه الترمذي بإسناده نفسه ومتنه (السنن، الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة ح ٨٦).\n(^٣) سنن أبي داود، الطهارة، باب الوضوء من القبلة (ح ١٧٩)، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الوضوء من القبلة (ح ٥٠٢) قال البوصيري: وقد رواه البزار بإسناد حسن، ورواه المصنف بإسنادين فالحديث حجة بالاتفاق. اهـ.\nوصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٦٥). ولكن الحديث ليس حجة بالاتفاق لأن البعض قد أعله كما أفصح عن ذلك أحمد شاكر وأجاب عن ذلك بالتفصيل في تحقيقه لسنن الترمذي كما تقدم في الحاشية السابقة إشارة.\n(^٤) ذكره أبو داود في السنن كما سبق في تخريجه وتتمة كلامه ما يلي: وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا. السنن (ح ١٨٠).\n(^٥) تقدم تخريجه قبل حاشيتين.\n(^٦) المسند ٦/ ٢١٠.\n(^٧) السنن، الطهارة، باب الوضوء من القبلة (ح ١٨٠).","vol":"3","page":120},{"text":"[وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا أبو زيد، عمر بن شَبّة] (^١)، حدثنا سهاد بن عباد، حدثنا مندل بن علي، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة، وعن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ ينال مني القبلة بعد الوضوء، ثم لا يعيد الوضوء (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن أبي روق الهمداني، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة ﵂، أن رسول اللّه ﷺ قبّل ثم صلى ولم يتوضأ (^٣)، رواه أبو داود والنسائي، من حديث يحيى القطان، زاد أبو داود: وابن مهدي، كلاهما عن سفيان الثوري به. ثم قال أبو داود والنسائي: لم سمع إبراهيم التيمي من عائشة (^٤).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن سنان، عن عبد الرحمن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أُم سلمة، أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم، ثم لا يفطر ولا يحدث وضوءًا (^٥). وقال أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة، عن النبي ﷺ: أنه كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ (^٦). وقد رواه الإمام أحمد، عن محمد بن فضيل، عن حجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة، عن النبي ﷺ به (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية: أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد طلب الماء، فمتى طلبه فلم يجده، جاز له حينئذٍ التيمم، وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع، كما هو مقرر في موضعه، كما هو في الصحيحين من حديث عمران بن حصين: أن رسول اللّه ﷺ رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: \"يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم، ألست برجل مسلم؟ \" قال: بلى يا رسول اللّه، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء، قال: \"عليك بالصعيد فإنه يكفيك\" (^٨). ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فالتيمم في اللغة، هو القصد، تقول العرب: [تيممك] (^٩) اللّه بحفظه؛ أي: قصدك، ومنه قول امرئ القيس شعرًا (^١٠):\nولما رأتْ أن المنيةَ وِردُها … وأن الحصى من تحت أقدامها دامِ\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط، واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة ولكنه توبع بالروايات السابقة.\n(^٣) المسند ٦/ ٦٢ بنحوه وسنده كسابقه.\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه وتعليقه السنن (ح ١٧٨).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف يزيد بن سنان الرهاوي (مجمع الزوائد ١/ ٢٤٧).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٧) المسند ٦/ ٦٢، وفيه حجاج بن أرطأة مدلس ولم يصرح بالسماع، وقد توبع فيتقوى بحديث عائشة المتقدم.\n(^٨) صحيح البخاري، التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم … (ح ٣٤٤)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الفائتة … (ح ٦٨٢).\n(^٩) كذا في النسخة الأزهرية حسب طبعة الشعب، وفي الأصل و(حم) و(مح): \"نواك\". والمثبت هو الصحيح.\n(^١٠) في ديوان امرئ القيس ص ٤٧٥.","vol":"3","page":121},{"text":"تيممت العين عند ضارج (^١) … يفيئ عليها الفيء عرمضها (^٢) طامِ\nوالصعيد قيل: هو كل ما صعد على وجه الأرض، فيدخل فيه التراب والرمل والشجر والحجر والنبات، وهو قول مالك، وقيل: ما كان من جنس التراب، كالرمل والزرنيخ والنورة، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقيل: هو التراب فقط، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهما، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أي: ترابًا أملس طيبًا، وبما ثبت في صحيح مسلم، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء\" وفي لفظ: \"وجعل ترابها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء\" (^٣).\nقالوا: فخصص الطهورية بالتراب، في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه، والطيب ههنا قيل: الحلال، وقيل: الذي ليس بنجس، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، إلا ابن ماجه من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن [بُجْدان] (^٤)، عن أبي ذر، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجده فليمسه بشرته فإن ذلك خير\" وقال الترمذي: حسن صحيح (^٥)، وصححه ابن حبان أيضًا، ورواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده، عن أبي هريرة وصححه الحافظ أبو الحسن القطان.\nوقال ابن عباس: أطيب الصعيد تراب الحرث، رواه ابن أبي حاتم (^٦)، ورفعه ابن مردويه في تفسيره.\nوقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ التيمم بدل عن الوضوء في التطهر به، لا أنه بدل منه في جميع أعضائه، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع، ولكن اختلف الأئمة في كيفية التيمم على أقوال:\nأحدهما: وهو مذهب الشافعي في الجديد: أنه يجب أن يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين، لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين، كما في آية السرقة ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، قالوا: وحمل ما أطلق ههنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية، وذكر بعضهم: ما رواه الدارقطني عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين\" (^٧)، ولكن لا يصح، لأن في أسانيده ضعفاء، لا يثبت\n_________\n(^١) ضارج: اسم مكان اختلف في موضعه (معجم البلدان ٣/ ٤٥٠).\n(^٢) العرمض: عشب أخضر يعلو الماء.\n(^٣) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢٢).\n(^٤) كذا في (حم)، والمسند والتخريج، وفي (مح): \"مجدان\"، وفي الأصل: \"نجران\" وكلاهما تصحيف.\n(^٥) تقدم تخريجه وصحته قبل خمس صفحات.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس، وقابوس لين الحديث كما في التقريب.\n(^٧) سنن الدارقطني ١/ ١٨٠ (ح ١٦)، وضعفه الحافظ ابن حجر (الفتح ١/ ٤٤١)، وضعفه الحافظ ابن كثير أيضًا.","vol":"3","page":122},{"text":"الحديث بهم، وروى أبو داود عن ابن عمر، في حديث، أن رسول اللّه ﷺ، ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه (^١)، ولكن في إسناده محمد بن ثابت العبدي، وقد ضعفه بعض الحفاظ، ورواه غيره من الثقات، فوقفوه على فعل ابن عمر، قال البخاري وأبو زرعة وابن عدي: وهو الصواب، وقال البيهقي: رفع هذا الحديث منكر، واحتج الشافعي بما رواه عن إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث، عن عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج، عن ابن الصمة: أن رسول اللّه ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا خارجة بن مصعب، عن عبد اللّه بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم، قال: رأيت رسول اللّه ﷺ يبول، فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ حتى فرغ، ثم قام إلى الحائط فضرب بيديه عليه، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه على الحائط فمسح بهما يديه إلى المرفقين، ثم ردّ عليّ السلام (^٣).\nوالقول الثاني: أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين، وهو القول القديم للشافعي.\nوالثالث: أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة.\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رجلًا أتى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء، فقال عمر لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فلما أتينا النبي ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: \"إنما كان يكفيك\" وضرب النبي ﷺ بيده الأرض، ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه (^٤). وقال أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، أن رسول اللّه ﷺ قال في التيمم: \"ضربة للوجه والكفين\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود من طريق محمد بن ثابت عن نافع، عن ابن عمر، وضعفه بقوله: سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثًا منكرًا في التيمم … لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي ﷺ ورووه فعل ابن عمر (السنن، الطهارة، باب التيمم في الحضر ح ٣٣٠). وضعفه الحافظ ابن كثير أيضًا.\n(^٢) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (الأم ١/ ٤٢)، وفي سنده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي: متروك (التقريب ص ٩٣) ويشهد له الحديث الصحيح التالي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده خارجة بن مصعب وهو السرخسي متروك كان يدلس عن الكذابين (التقريب ص ١٨٦)، وضعفه أحمد شاكر وقد توبع في رواية البخاري فأخرجه عن يحيى بن بكير عن الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج به (الصحيح، التيمم، باب التيمم في الحضر ح ٣٣٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٦٥)، وأخرجه البخاري من طريق شعبة به (الصحيح، التيمم، باب التيمم في الحضر ح ٣٣٨).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٦٣)، وأخرجه الدارمي من طريق عفان به وصححه (السنن ح ٧٥١)، وأخرجه الترمذي من طريق قتادة به وقال: حسن صحيح (السنن الطهارة، باب التيمم ح ١٤٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٢٥).","vol":"3","page":123},{"text":"(طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، عن سليمان الأعمش، حدثنا شقيق، قال: كنت قاعدًا مع عبد اللّه وأبي موسى، فقال أبو موسى لعبد اللّه: لو أن رجلًا لم يجد الماء لم يصل؟ فقال عبد اللّه: لا، فقال أبو موسى: أما تذكر إذ قال عمار لعمر: ألا تذكر إذ بعثني رسول اللّه ﷺ وإياك في إبل، [فأصابتني] (^١) جنابة فتمرغت في التراب، فلما رجعت إلى رسول الله ﷺ أخبرته، فضحك رسول اللّه ﷺ وقال: \"إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم مسح كفيه جميعًا، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة؟ \" فقال عبد الله: لا جرم، ما رأيت عمر قنع بذاك، قال: فقال له أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة النساء ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؟ قال: فما درى عبد اللّه ما يقول، وقال: لو رخصنا لهم في التيمم لأوشك أحدهم إذا برد الماء على جلده أن يتيمم (^٢).\nوقال تعالى في آية المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] استدل بذلك الشافعي، على أنه لا بدّ في التيمم، أن يكون بتراب طاهر، له غبار يعلق بالوجه واليدين منه شيء، كما رواه الشافعي بإسناده المتقدم عن ابن الصمّة: أنه مرّ بالنبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه، حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، فضرب يده عليه، ثم مسح وجهه وذراعيه (^٣).\nوقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] أي: في الدين الذي شرعه لكم ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فلهذا أباح لكم، إذا لم تجدوا الماء، أن تعدلوا إلى التيمم ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] ولهذا كانت هذه الأمة مختصة [بشرعية] (^٤) التيمم، دون سائر الأمم، كما ثبت في الصحيحين، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل\" وفي لفظ: \"فعنده طهوره ومسجده\"، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة\" (^٥).\nوتقدم في حديث حذيفة عند مسلم: \"فضلنا على الناس بثلاث، جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا إذا لم نجد الماء\" (^٦)، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ أي: ومن عفوه عنكم وغفره لكم أن شرع التيمم، وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم الماء، توسعة عليكم ورخصة لكم،\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"فأصابني\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٦٥)، وأخرجه البخاري من طريق سليمان الأعمش به نحوه (الصحيح، التيمم باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض … ح ٣٤٦).\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة، وأصله صحيح.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: بشريعة.\n(^٥) صحيح البخاري، التيمم (ح ٣٣٥)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢١).\n(^٦) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢٢).","vol":"3","page":124},{"text":"وذلك أن هذه الآية الكريمة فيها تنزيه الصلاة، أن تفعل على هيئة ناقصة، من سكر حتى يصحو المكلف ويعقل ما يقول، أو جنابة حتى يغتسل، أو حدث حتى يتوضأ، إلا أن يكون مريضًا أو عادمًا للماء، فإن اللّه ﷿ قد أرخص في التيمم، والحالة هذه رحمة بعباده ورأفة بهم، وتوسعة عليهم، وللّه الحمد والمنة.\n(ذكر سبب نزول مشروعية التيمم) وإنما ذكرنا ذلك ههنا لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على آية المائدة، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحتّم تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد أُحد بيسير يقال: في محاصرة النبي ﷺ لبني النضير، وأما المائدة فإنها من أواخر ما نزل ولا سيما صدرها، فناسب أن نذكر السبب ههنا، وباللّه الثقة.\nقال أحمد: حدثنا ابن نمير عن [هشام] (^١) عن أبيه، عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول اللّه ﷺ رجالًا في طلبها فوجدوها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا بغير وضوء، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه، فأنزل اللّه آية التيمم، فقال أسيد بن الحضير لعائشة: جزاك اللّه خيرًا، فواللّه ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل اللّه لك وللمسلمين فيه خيرًا (^٢).\n(طريق أخرى) قال البخاري: حدثنا عبد اللّه بن يوسف، أنبأنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عقد لي، فأقام رسول اللّه ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله ﷺ وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر ورسول اللّه ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول اللّه ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء اللّه أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول اللّه ﷺ على فخذي فقام رسول اللّه ﷺ حين أصبح على غير ماء فأنزل اللّه آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته (^٣)، وقد رواه [البخاري أيضًا عن قتيبة وإسماعيل (^٤)، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك] (^٥) (^٦).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح قال، قال ابن شهاب: حدثني عبيد اللّه بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر: أن رسول الله ﷺ عرس\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"هاشم\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٥٧)، وسنده صحيح أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن نمير به (الصحيح، التيمم، باب إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا ح ٣٣٦).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التيمم ح ٣٣٤).\n(^٤) صحيح البخاري، فضائل الصحابة (ح ٣٦٧٢)، وكتاب التفسير (ح ٤٦٠٧).\n(^٥) ما بين معقوفين استدرك من (حم) و(مح).\n(^٦) صحيح مسلم، الحيض، باب التيمم (ح ٣٦٧).","vol":"3","page":125},{"text":"بأولات الجيش (^١) ومعه زوجته عائشة، فانقطع عقد لها من جزع ظفار (^٢)، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فأنزل اللّه على رسوله رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الأباط (^٣). وقد رواه ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا صيفي بن ربعي، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي اليقظان، قال: كنا مع رسول الله ﷺ فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الفجر، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليه رخصة المسح بالصعيد الطيب، فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة نزلت فيك رخصة، فضربنا بأيدينا ضربة لوجوهنا، وضربة لأيدينا إلى المناكب والأباط (^٤).\n(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا [العلاء] (^٥) بن أبي سَويّة، حدثني الهيثم بن رُزيق المالكي من بني مالك بن كعب بن سعد وعاش مائة وسبع عشرة سنة، عن أبيه، عن الأسلع بن شريك، قال: كنت أرحل ناقة رسول اللّه ﷺ فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله ﷺ الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقة رسول اللّه ﷺ وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض، فأمرت رجلًا من الأنصار فرحلها، ثم رضفت (^٦) أحجارًا فأسخنت بها ماء فاغتسلت ثم لحقت رسول اللّه ﷺ وأصحابه، فقال: \"يا أسلع ما لي أرى رحلتك تغيرت\" قلت: يا رسول الله لم أرحلها، رحلها رجل من الأنصار، قال: \"ولم؟ \" قلت: إني أصابتني جنابة فخشيت القرّ (^٧) على نفسي، فأمرته أن يرحلها، ورضفت أحجارًا فأسخنت بها ماء فاغتسلت به، فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ (^٨)، وقد روي من وجه آخر عنه (^٩).\n_________\n(^١) عرس باولات الجيش: أي نزل آخر الليل في موضع قرب المدينة المنورة.\n(^٢) أي: قلادة من خرز يماني لأن ظفار بلدة بسواحل اليمن.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/ ٢٦٠ ح ١٨٣٢٢)، وصححه محققوه. وما ورد من صيغة هذا المسح قد وجهه الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٤٤٥).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه أحمد شاكر.\n(^٥) في الأصل: \"العباس\"، والتصويب من المختارة ٤/ ٢١٦، وأسد الغابة ١/ ٩١، والتقريب.\n(^٦) الرضف: واحدتها رضفة، وهى الحجارة المحماة على النار (النهاية ٢/ ٢٣١).\n(^٧) أي: البرد.\n(^٨) أخرجه الضياء المقدسي من طريق ابن مردويه به (المختارة ٤/ ٢١٦ - ٢١٧)، وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ح ٨٧٧)، والبيهقي (السنن الكبرى ١/ ٥ - ٦)، كلاهما من طريق محمد بن مرزوق به. وسنده ضعيف لأن الهيثم بن زريق، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه (لسان الميزان ٦/ ٢٠٦)، وقال الأثير: فيه نظر (أسد الغابة ١/ ٩١).\n(^٩) أخرجه الطبري بسند فيه الربيع بن بدر: متروك (التقريب ص ٢٠٦).","vol":"3","page":126},{"text":"<span id=\"aya-537\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾.\nيخبر تعالى عن اليهود - عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة - أنهم يشترون الضلالة بالهدى، ويعرضون عما أنزل اللّه على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين في صفة محمد ﷺ، ليشتروا به ثمنًا قليلًا من حطام الدنيا، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع،\n\n<span id=\"aya-538\"></span>﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أي: هو أعلم بهم ويحذركم منهم، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: كفى به وليًا لمن لجأ إليه ونصيرًا لمن استنصره.\n\n<span id=\"aya-539\"></span>ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ \"من\" في هذا لبيان الجنس كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].\nوقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يتأولون الكلام على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله ﷿ قصدًا منهم وافتراء ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أي: يقولون: سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه، هكذا فسره مجاهد وابن زيد (^١)، وهو المراد، وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم وأنهم يتولون عن كتاب اللّه بعدما عقلوه وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من [الإثم] (^٢) والعقوبة، وقوله: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: اسمع ما نقول، لا سمعت، رواه الضحاك عن ابن عباس (^٣).\nوقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك (^٤)، قال ابن جرير: والأول أصح، وهو كما قال: وهذا استهزاء منه واستهتار، عليهم لعنة الله.\n﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أي: يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم: راعنا، وإنما يريدون الرعونة، وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] ولهذا قال تعالى: عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يظهرونه ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ يعني: بسبهم النبي ﷺ، ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: قلوبهم مطرودة عن الخير مبعدة منه، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم، وقد تقدم قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] والمقصود أنهم لا يؤمنون إيمانًا نافعًا.\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"الملائم\".\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الضحاك به، وهو لم يسمع ابن عباس.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.","vol":"3","page":127},{"text":"<span id=\"aya-540\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾.\nيقول تعالى آمرًا أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد ﷺ من الكتاب العطيم الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات، ومتهددًا لهم إن لم يفعلوا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ قال بعضهم: معناه من قبل أن نطمس وجوهًا، فطمسها هو ردها إلى الأدبار وجعل أبصارهم من ورائهم، ويحتمل أن يكون المراد: من قبل أن نطمس وجوهًا فلا نبقي لها سمعًا ولا بصرًا ولا أثرًا، ونردها مع ذلك إلى ناحية الأدبار.\nقال العوفي، عن ابن عباس في الآية وهي ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾: وطمسها أن تعمى ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين من قفاه (^١)، وكذا قال قتادة وعطية العوفي (^٢)، وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهو مثل ضربه اللّه لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى [سُبُل] (^٣) الضلالة، يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [يس]: هذا مثل ضربه اللّه لهم في ضلالهم، ومنعهم عن الهدى.\nقال مجاهد: من قبل أن نطمس وجوهًا، [يقول: عن صراط الحق] (^٤) فنردها على أدبارها؛ أي: في الضلالة (^٥).\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس والحسن نحو هذا (^٦).\nقال السدي: فنردها على أدبارها، فنمنعها عن الحق، قال: نرجعها كفارًا ونردهم قردة (^٧)، وقال ابن زيد: نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز (^٨). وقد ذُكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية.\nقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة، قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال: أسلم كعب زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة، فخرج إليه عمر فقال: يا كعب، أسلم. فقال: ألستم تقرأون في كتابكم ﴿مَثَلُ الَّذِينَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عطية العوفي أخرجه الطبري.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"سبيل\".\n(^٤) سقط في الأصل واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي به لكن بدون ذكر: ونردهم قردة.\n(^٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه لكن بدون ذكر: أرض الحجاز.","vol":"3","page":128},{"text":"حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] وأنا قد حملت التوراة، قال: فتركه عمر ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلًا من أهلها حزينًا وهو يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا …﴾ الآية، قال كعب: يا رب أسلمت مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين (^١). وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر من وجه آخر، فقال: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حَلْبَس، عن أبي إدريس عائذ اللّه الخولاني، قال: كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب، وكان يلومه في إبطائه عن رسول اللّه ﷺ، قال: فبعثه إليه لينظر أهو هو؟ قال كعب: فركبت حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ فبادرت الماء فاغتسلت، وإني لأمسح وجهي مخافة أن أطمس ثم أسلمت (^٢).\nوقوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة [على الاصطياد] (^٣) وقد مسخوا قردة وخنازير، وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف (^٤). وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: إذا أمر بأمر فإنه لا يخالف ولا يمانع.\n\n<span id=\"aya-541\"></span>ثم أخبر تعالى أنه ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: من الذنوب ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هو أي: من عباده، وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر:\n(الحديث الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا [أبو عمران] (^٥) الجوني، عن يزيد بن بابَنوس، عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه ﷺ: \"الدواوين عند اللّه ثلاثة: ديوان لا يعبأ اللّه به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره اللّه، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وأما الديوان الذي لا يعبأ اللّه به شيئًا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن اللّه يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك اللّه منه شيئًا فظلم العباد بعضهم بعضًا، القصاص لا محالة\" (^٦) تفرد به أحمد.\n(الحديث الثاني): قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن مالك، حدثنا زائدة بن أبي الرّقاد، عن زياد النميري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: \"الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه اللّه، فأما الظلم الذي لا يغفره اللّه فالشرك، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وأما الظلم الذي يغفره اللّه فظلم العباد لأنفسهم فيما\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف جابر بن نوح وهو: الحماني (التقريب ص ١٣٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًّا بسبب أن عمرو بن واقد متروك (التقريب ٢/ ٨١).\n(^٣) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٤) آية ١٦٣ - ١٦٦.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"عمران\".\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٤٠)، وسنده ضعيف بسبب ضعف صدقة بن موسى، وجهالة ابن بابنوس إذا أخرجه الحاكم من طريق صدقه به. كما قرر الذهبي في استدراكه على الحاكم (المستدرك ٤/ ٥٧٥ - ٥٧٦).","vol":"3","page":129},{"text":"بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضًا حتى يدين لبعضهم من بعض\" (^١).\n(الحديث الثالث): قال الإمام أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ثور بن يزيد، عن أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: \"كل ذنب عسى اللّه أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا\" (^٢) ورواه النسائي عن محمد بن مثنى، عن صفوان بن عيسى به (^٣).\n(الحديث الرابع): قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثنا ابن غنم أن أبا ذر حدثه عن رسول اللّه ﷺ، قال: \"إن اللّه يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني، فإني غافر لك على ما كان منك، يا عبدي إنك إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي، لقيتك بقرابها مغفرة\" (^٤) تفرد به أحمد من هذا الوجه.\n(الحديث الخامس): قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا حسين، عن ابن بريدة أن [يحيى بن يعمر] (^٥) حدثه أن أبا الأسود الديلي، حدثه أن أبا ذر، حدثه قال: أتيت رسول اللّه ﷺ فقال: \"ما من عبد قال: لا إله إلا اللّه ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة\". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: \"وإن زنى وإن سرق\". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: \"وإن زنى وإن سرق\" ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: \"على رغم أنف أبي ذر\"، قال: فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر، وكان أبو ذر يحدث بهذا ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر (^٦). أخرجاه من حديث حسين، به (^٧).\n(طريق أخرى) عنه: قال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة عشاء، ونحن ننظر إلى أُحد، فقال: \"يا أبا ذر\" قلت: لبيك يا رسول اللّه. قال: \"ما أحب أن لي أُحدًا ذاك عندي ذهبًا أمسي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينارًا أرصده - يعني لدين -، إلا أن أقول به في عباد اللّه هكذا\"، وحثا عن يمينه وبين يديه وعن يساره، قال: ثم مشينا، فقال: \"يا أبا ذر [إن الأكثرين هم الأقلون يوم\n_________\n(^١) ذكره الهيثمي في كشف الأستار (ح ٣٤٣٩)، وسنده ضعيف بسبب زائدة بن أبي الرقاد: منكر الحديث كما في التقريب ص ٢١٣.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٩٩)، وسنده صحيح كما يلي:\n(^٣) أخرجه النسائي من طريق صفوان بن عيسى به (السنن، باب تعظيم الدم ٧/ ٨٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٧١٩)، وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ١٠/ ٢٠٨)، وأخرجه الحاكم من طريق صفوان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٥١).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٤)، وسنده حسن لغيره إذ فيه شهر وهو ابن حوشب: صدوق كثير الأوهام والإرسال، وقد صرح بالسماع وله شواهد في الصحيحين تقدمت.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"يحيى بن معمر\" وهو تصحيف.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٦٦)، وسنده صحيح كما يلي.\n(^٧) صحيح البخاري، اللباس، باب الثياب البيض (ح ٥٨٢٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب من مات لا يشرك باللّه شيئًا دخل الجنة (ح ١٥٤).","vol":"3","page":130},{"text":"القيامة، إلا من قال: هكذا وهكذا\"، فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره، قال: ثم مشينا، فقال: \"يا أبا ذر] (^١) كما أنت حتى آتيك\" قال: فانطلق حتى توارى عني، قال: فسمعت لغطًا وصوتًا، فقلت: لعل رسول الله ﷺ عرض له، قال: فهممت أن أتبعه، ثم ذكرت قوله: لا تبرح حتى آتيك، فانتظرته حتى جاء، فذكرت له الذي سمعت، فقال: \"ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك باللّه شيئًا دخل الجنة\" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: \"وإن زنى وإن سرق\" (^٢)، أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به (^٣)، وقد رواه البخاري ومسلم أيضًا، كلاهما عن قتيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول اللّه ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: \"من هذا؟ \" فقلت: أبو ذر، جعلني اللّه فداك. قال \"يا أبا ذر تعال\". قال: فمشيت معه ساعة، فقال: \"إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه اللّه خيرًا فنفخ فيه عن يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرًا\" قال: فمشيت معه ساعة، فقال لي: \"اجلس ههنا\"، فأجلسني في قاع حوله حجارة، فقال لي: \"اجلس ههنا حتى أرجع إليك\". قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه، فلبث عني فأطال اللبث، ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول: \"وإن زنى وإن سرق\" قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلت: يا نبي اللّه، جعلني الله فداك من تكلم في جانب الحرة، ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئًا، قال: \"ذاك جبريل عرض لي من جانب الحرة، فقال: بشّر أمتك أنه من مات لا يشرك باللّه شيئًا دخل الجنة، قلت: يا جبريل، وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر\" (^٤).\n(الحديث السادس): قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد اللّه بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول اللّه، ما الموجبتان، قال: \"من مات لا يشرك باللّه شيئًا وجبت له الجنة، ومن مات يشرك باللّه شيئًا وجبت له النار\" (^٥)، وذكر تمام الحديث تفرد به من هذا الوجه.\n(طريق أخرى): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن عمرو بن خلاد الحراني، حدثنا منصور بن إسماعيل القرشي، حدثنا موسى بن عبيدة الرَّبذِي، أخبرني عبد اللّه بن عبيدة، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"ما من نفس تموت لا تشرك باللّه شيئًا إلا حلت\n_________\n(^١) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح) والمسند.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٢)، وسنده صحيح كما يلي.\n(^٣) صحيح البخاري، الاستقراض، باب أداء الديون (ح ٢٣٨٨)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الترغيب في الصدقة (ح ٩٤).\n(^٤) صحيح البخاري، الرقاق، باب المكثرون هم المقلّون (ح ٦٤٤٣)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الترغيب في الصدقة (ح ٩٤).\n(^٥) أخرجه عبد بن حميد كما في المنتخب (ح ١٠٦٠)، وفي سنده عنعنة أبي الزبير عن جابر وابن أبي ليلى وهو: محمد بن عبد الرحمن فيه مقال، وكلاهما توبع فأخرجه مسلم من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر (الصحيح، الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ح ١٥١).","vol":"3","page":131},{"text":"لها المغفرة، إن شاء الله عذبها وإن شاء غفر لها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ \" (^١)، ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من حديث موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن جابر: أن النبي ﷺ قال: \"لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب\" قيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال: \"الإشراك بالله قال: ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئًا إلا حلت لها المغفرة من الله تعالى، إن يشاء أن يعذبها وإن يشاء أن يغفر لها\" ثم قرأ نبي الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢).\n(الحديث السابع): قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة\" (^٣) تفرد به من هذا الوجه.\n(الحديث الثامن): قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل، عن عبد الله بن ناشر من بني سريع، قال: سمعت أبا رَهْم قاصّ أهل الشام يقول: سمعت أبا أيوب الأنصاري يقول: إن رسول الله ﷺ، خرج ذات يوم إليهم، فقال لهم: \"إن ربكم ﷿ خيرني بين سبعين ألفًا يدخلون الجنة غفرًا (^٤) بغير حساب وبين الخبيئة عنده لأمتي\"، فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله، أيخبأ ذلك ربك؟ فدخل رسول الله ﷺ ثم خرج وهو يكبر فقال: \"إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفًا والخبيئة عنده\" قال أبو رهم: يا أبا أيوب: وما تظن خبيئة رسول الله ﷺ، فأكله الناس بأفواههم، فقالوا: وما أنت وخبيئة رسول الله ﷺ؟ فقال أبو أيوب: دعوا الرجل عنكم أخبركم عن خبيئة رسول الله ﷺ كما أظن، بل كالمستيقن إن خبيئة رسول الله أن يقول: \"رب من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله مصدقًا لسانه قلبه أدخله الجنة\" (^٥).\n(الحديث التاسع): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى بن يونس (ح)، وأخبرنا هاشم بن القاسم الحراني فيما كتب إليّ، قال: حدثنا عيسى بن يونس نفسه، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن أبي سورة ابن أخي أبي أيوب الأنصاري، عن أبي أيوب، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام. قال: \"وما دينه؟ \" قال: يصلي ويوحد الله تعالى. قال: \"استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه\" فطلب الرجل ذاك منه فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: \"وجدته شحيحًا على دينه\" قال: فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة الربذي كما في التقريب.\n(^٢) في سنده أيضًا موسى الربذي.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٧٩)، وفي سنده عطية وهو العوفي صدوق يخطئ كثيرًا كما في التقريب، ويشهد له ما اتفق عليه في الحديث الخامس السابق.\n(^٤) كذا في الأصل: و(حم) و(مح)، وفي المسند: \"عفوا\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤١٣)، وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٩).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وسنده ضعيف لضعف واصل الرقاشي وضعف أبي سورة كما في التقريب.","vol":"3","page":132},{"text":"(الحديث العاشر): قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك، حدثنا أبي، حدثنا مستور أبو همام الهنائي، حدثنا ثابت، عن أنس، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما تركت حاجة ولا داجة (^١) إلا قد أتيت، قال: \"أليس تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؟ \" ثلاث مرات قال: نعم، قال: \"فإن ذلك يأتي على ذلك كله\" (^٢).\n(الحديث الحادي عشر): قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوش اليمامي (^٣)، قال: قال لي أبو هريرة: يا يمامي لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة أبدًا. قلت: يا أبا هريرة، إن هذه كلمة يقولها أحدنا [لأخيه] (^٤) وصاحبه إذا غضب قال: لا تقلها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كان في بني إسرائيل رجلان: كان أحدهما مجتهدًا في العبادة، وكان الآخر مسرفًا على نفسه، وكانا متآخيين، وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب، فيقول: يا هذا أقصر، فيقول: خلني وربي أبعثت عليّ رقيبًا؟ قال: إلى أن رآه يومًا على ذنب استعظمه، فقال له: ويحك، أقصر! قال: خلني وربي، أبعثت عليّ رقيبًا؟ فقال والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة أبدًا، قال: فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما، واجتمعا عنده، فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أكنت عالمًا، أكنت على ما في يدي قادرًا؟ اذهبوا به إلى النار - قال: - فوالذي نفس أبي القاسم بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته\" (^٥)، ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار، حدثني ضمضم بن جوش به (^٦).\n(الحديث الثاني عشر): قال الطبراني: [حدثنا أبو شيخ محمد] (^٧) بن الحسين بن عجلان الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: قال الله ﷿: \"من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئًا\" (^٨).\n(الحديث الثالث عشر): قال الحافظ أبو بكر البزار والحافظ أبو يعلى: حدثنا هدبة بن خالد،\n_________\n(^١) أي ما تركت شيئًا دعتني نفسي إليه من المعاصي إلا وقد ركبته … والداجة: الحاجة الكبيرة (النهاية ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٥٥ ح ٣٤٣٣)، وصححه محققه، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ٨٣).\n(^٣) كذا في (مح)، وفي الأصل و(حم): \"الهنائي\".\n(^٤) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ٤٦ ح ٨٢٩٢)، قال محققوه: إسناده حسن ومتنه غريب تفرد به عكرمة.\n(^٦) السنن، الأدب، باب في النهي عن البغي (ح ٤٩٠١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٩٧).\n(^٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"حدثنا شيخ عن محمد\".\n(^٨) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٢٤١ ح ١١٦١٥)، وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن الحكم كما في التقريب، وأخرجه الحاكم من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم به وصححه وتعقبه الذهبي بأن حفص بن عمر العدني واهٍ (المستدرك ٤/ ٢٦٢).","vol":"3","page":133},{"text":"حدثنا سهل بن أبي حزم، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من وعده الله على عمل ثوابًا، فهو منجزه له، ومن توعده على عمل عقابًا، فهو فيه بالخيار\" تفردا به (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا بحر بن نصر الخولاني، حدثنا خالد - يعني: ابن عبد الرحمن الخراساني -، حدثنا الهيثم بن جمَّاز عن سلام بن أبي مطيع، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر، قال: كنا أصحاب النبي ﷺ لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وقاذف المحصنات، وشاهد الزور، حتى نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فأمسك أصحاب النبي ﷺ عن الشهادة (^٢). ورواه ابن جرير من حديث الهيثم بن جمَّاز به (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا عبد الملك بن أبي عبد الرحمن المقري، حدثنا عبد الله بن عاصم، حدثنا صالح - يعني: [المري] (^٤) -، حدثنا أبو بشر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب، حتى نزلت علينا هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال: فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله ﷿ (^٥).\nوقال البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا شيبان بن أبي شيبة، حدثنا حرب بن سُريج، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا نبينا ﷺ يقول: \" ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال: \"أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة\" (^٦).\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، أخبرني مُجَبّر، عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ …﴾ إلى آخر الآية [الزمر: ٥٣]، قام رجل فقال: والشرك بالله يا نبي لله؟ فكره ذلك رسول الله ﷺ فقال: \" ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ \" رواه ابن جرير (^٧)، وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر.\n_________\n(^١) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٤٥٦ ح ٢٢٠٤)، وقال الحافظ ابن حجر: سُهيل لا يتابع على حديثه، وكذا أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٦٦ ح ٣٣١٦)، وضعفه محققة لضعف سهيل بن أبي حزم، وهو كما قال فقد ضعفه الحافظ ابن حجر في التقريب ص ٢٥٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي سنده الهيثم بن جماز ضعفه ابن معين وأحمد وأبو حاتم وأبو زرعة (تاريخ ابن معين ٢/ ٦٢٦، وميزان الاعتدال ٦/ ٢٠٤، والجرح والتعديل ٩/ ٨١، وقد توبع كما سيأتي في الرواية الثانية ورواية البزار بعدها.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"المزني\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده صالح المري وهو ضعيف كما في التقريب، وقد توبع كما في رواية البزار التالية.\n(^٦) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٤٦٣ ح ٢٢١٩)، قال الهيثمي: وسنده جيد (مجمع الزوائد ١٠/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي عن أبيه به، وأخرجه الطبري من الطريق نفسه =","vol":"3","page":134},{"text":"وهذه الآية التي في سورة تنزيل مشروطة بالتوبة، فمن تاب من أي ذنب وإن تكرر منه، تاب الله عليه، ولهذا قال: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] أي بشرط التوبة، ولو لم يكن كذلك لدخل الشرك فيه، ولا يصح ذلك لأنه تعالى قد حتم ههنا بأنه لا يغفر الشرك، وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء، أي: وإن لم يتب صاحبه فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه، والله أعلم. وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي: الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًا وهو خلقك … \" وذكر تمام الحديث (^١)، وقال ابن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ قال: \"أخبركم بأكبر الكبائر الشرك بالله\" ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وعقوق الوالدين، ثم قرأ ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] (^٢).\n\n<span id=\"aya-542\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾.\nقال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية وهي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ في اليهود والنصارى حين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] (^٣).\nوقال ابن زيد: نزلت في قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، وفي قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] (^٤).\nوقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم ويزعمون أنهم لا ذنب لهم، وكذا قال عكرمة وأبو مالك، وروى ذلك ابن جرير (^٥).\n_________\n= لكن لم يصرح باسم شيخه، وفي سنديهما مجبر مسكوت عنه (تعجيل المنفعة ص ٣٩٣، والإكمال لابن ماكولا ٧/ ٢٠٨، والمشتبه للذهبي ٢/ ٥٧١)، وقد حسّن روايته أحمد شاكر لأنه تابعي، كما في تعليقه على تفسير الطبري.\n(^١) تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢٢.\n(^٢) في سنده سعيد بن بشير وهو ضعيف كما في التقريب، والحسن البصري اختلف في سماعه من عمران (جامع التحصيل ص ١٩٧).\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه، وهو معضل ويتقوى بالمرسلين السابقين.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة وأبي مالك أخرجهما الطبري بسندين فيهما سفيان بن وكيع وهو ضعيف ويتقوى بسابقه.","vol":"3","page":135},{"text":"وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ …﴾ وذلك أن اليهود قالوا: إن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة وسيشفعون لنا ويزكوننا، فأنزل الله على محمد ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ …﴾ الآية، رواه ابن جرير (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا ابن حمير، عن ابن لهيعة، عن بشير بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان اليهود يقومون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله: إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، وأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (^٢). ثم قال: وروي عن مجاهد وأبي مالك والسدي وعكرمة والضحاك، نحو ذلك (^٣).\nوقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب كما ليس لأبنائنا ذنوب، فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ فيهم (^٤).\nوقيل: نزلت في ذم التمادح والتزكية، وقد جاء في الحديث الصحيح عند مسلم عن المقداد بن الأسود قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المداحين التراب (^٥).\nوفي الحديث الآخر المخرج في الصحيحين من طريق خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ، سمع رجلًا يثني على رجل، فقال: \"ويحك قطعت عنق صاحبك\"، ثم قال: \"إن كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا، ولا يزكي على الله أحدًا\" (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر بن الخطاب: من قال: أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال: هو عالم فهو جاهل، ومن قال: هو في الجنة فهو في النار (^٧). ورواه ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، عن عمر أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه فمن قال إنه مؤمن فهو [كافر، ومن قال هو عالم فهو] (^٨) جاهل، ومن قال إنه في الجنة فهو في النار (^٩).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، أنبأنا شعبة، عن سعد بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه بنحوه، وسنده ضعيف مسلسل بالضعفاء ويتقوى بالآثار اللاحقة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده ابن لهيعة ولم يصرح بالسماع وتشهد له الآثار اللاحقة.\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وهذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيد بعضها ثابت.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق علي بن الحكم عن الضحاك.\n(^٥) صحيح مسلم، الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط (ح ٣٠٠٢).\n(^٦) صحيح البخاري، الشهادات، باب إذا زكى رجلًا كفاه (ح ٢٦٦٢)، وصحيح مسلم، الزهد والرقائق (ح ٣٠٠٠).\n(^٧) أخرجه حنبل بن إسحاق عن الإمام أحمد به (شرح السنة للالكائي ٣/ ٩٧٥ ح ١٧٧٧)، وكذا صرح الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (٢/ ٥٧٤).\n(^٨) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٩) أخرجه مسدد من طريق موسى بن عبيدة به (كما في المطالب العالية ١/ ١٦٠ ح ٢١١) وفي سنده موسى بن عبيدة وهو: الربذي ضعيف كما في التقريب.","vol":"3","page":136},{"text":"إبراهيم، عن معبد الجهني، قال: كان معاوية قلما يحدث عن النبي ﷺ قال: وكان قلما يكاد أن يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن النبي ﷺ يقول: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح فإنه الذبح\" (^١)، وروى ابن ماجه منه: \"إياكم والتمادح فإنه الذبح\" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن شعبة به (^٢)، ومعبد هذا هو ابن عبد الله بن عُليم البصري القدري.\nوقال ابن جرير: حدثنا يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ليغدو بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء، يلقى الرجل ليس يملك له نفعًا ولا ضرًا، فيقول له: إنك والله [كيت] (^٣) وكيت، فلعله أن يرجع ولم يَحْل من حاجته بشيء، وقد أسخط الله، ثم قرأ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ …﴾ الآية (^٤). وسيأتي الكلام على ذلك مطولًا عند قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: المرجع في ذلك إلى الله ﷿ لأنه أعلم بحقائق الأمور وغوامضها.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: ولا يترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: هو ما يكون في شق النواة (^٥). وعن ابن عباس أيضًا: هو ما فتلت بين أصابعك (^٦). وكلا القولين متقارب.\n\n<span id=\"aya-543\"></span>وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ أي: في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، وقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئًا في قوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة]، قال: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: وكفى بصنيعهم هذا كذبًا وافتراء ظاهرًا.\n\n<span id=\"aya-544\"></span>\n\n<span id=\"aya-545\"></span>وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أما الجبت، فقال محمد بن إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر بن الخطاب أنه قال: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٩٣) وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (السنن، الأدب، باب المدح ح ٣٧٤٣)، وحسنه البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ١٨١)، والألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٢٨٤).\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"كذبت\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق قيس بن مسلم به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٤٣٧).\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وبقية الآثار ذكرها ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج بعضها عبد الرزاق والطبري بأسانيد صحيحة.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مجاهد عنه بنحوه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه البخاري معلقًا عن عمر (الصحيح، تفسير سورة =","vol":"3","page":137},{"text":"وهكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن والضحاك والسدي (^١).\nوعن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن وعطية: الجبت الشيطان، وزاد ابن عباس: بالحبشية (^٢) وعن ابن عباس أيضًا: الجبت الشرك (^٣).\nوعنه: الجبت الأصنام (^٤).\nوعن الشعبي: الجبت الكاهن (^٥).\nوعن ابن عباس: الجبت حيي بن أخطب (^٦)، وعن مجاهد: الجبت كعب بن الأشرف (^٧)، وقال العلامة أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح: الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وفي الحديث: \"الطيرة والعيافة والطّرْق من الجبت\". قال: وليس هذا من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذَوْلَقِيّ (^٨).\nوهذا الحديث الذي ذكره رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف [عن حيان أبي العلاء، حدثنا قطن] (^٩) بن قبيصة عن أبيه وهو قبيصة بن مخارق أنه سمع النبي ﷺ قال: \"إن العيافة (^١٠) والطرق (^١١) والطيرة (^١٢) من الجبت\" وقال عوف: العيافة زجر الطير، والطرق الخط يخط في الأرض، والجبت، قال الحسن: إنه الشيطان (^١٣). وهكذا رواه\n_________\n= النساء، باب ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٣]) قال الحافظ ابن حجر: وصله عبد بن حميد في تفسيره ومسدد في مسنده وعبد الرحمن بن رسته في كتاب الإيمان كلهم من طريق ابن إسحاق عن حسان بن فائد عن عمر مثله وإسناده قوي، وقد وقع التصريح بسماع ابن إسحاق له من حسان وسماع حسان من عمر في رواية ابن رسته (الفتح ٨/ ٢٥٢، وتهذيب التهذيب ٢/ ٢٥٢).\n(^١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند وأخرج الطبري وابن المنذر بعضها بأسانيد صحيحة، وقول عكرمة قال الحافظ ابن حجر: وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح (الفتح ٨/ ٢٥٢).\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند معلق، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي عنه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حنش بن الحارث عنه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد.\n(^٨) الصحاح ١/ ٢٤٥.\n(^٩) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"عن الحسان بن العلاء حدثنا قطر\" وهو تصحيف.\n(^١٠) العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها (لسان العرب ٩/ ٢٦١).\n(^١١) الطّرق: الضرب بالحصى، وهو ضرب من التكهن (لسان العرب ١٠/ ٢١٥).\n(^١٢) الطيرة: التشاؤم بالشيء (النهاية ٣/ ١٥٢).\n(^١٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤/ ٢٠٨ ح ٢٠٦٠٤)، وضعفه محققوه، وسنده حسن فقد أخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٦١٣١)، وحسنه النووي وصححه السيوطي كما في فيض القدير شرح الجامع الصغير (٤/ ٣٩٦)، وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ٧/ ٦٣٩).","vol":"3","page":138},{"text":"أبو داود في سننه، والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث عوف الأعرابي به (^١).\nوقد تقدم الكلام على الطاغوت في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله أنه سئل عن الطواغيت، فقال: هم كهان تنزل عليهم الشياطين (^٣).\nوقال مجاهد: الطاغوت الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم (^٤).\nوقال الإمام مالك: الطاغوت هو كل ما يعبد من دون الله ﷿ (^٥).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي: يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم.\nوقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء (^٦)، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العُناة (^٧)، ونسقي الحجيج، ومحمد صُنبور (^٨) قطع أرماحنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلًا، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ (^٩)، وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس وجماعة من السلف. [وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ قال: أنتم خير، قال: فنزلت ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر: ٣] ونزل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى ﴿نَصِيرًا﴾ (^١٠)] (^١١).\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الطب، باب الخط وزجر الطير (ح ٣٩٠٧)، والسنن الكبرى (ح ١١١٠٨)، وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٢) آية ٢٥٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٦) الكوماء: الناقة العظيمة السنام (لسان العرب ١٢/ ٥٢٩).\n(^٧) العناة: جمع عاني أي: الأسير (لسان العرب ١٥/ ١٠٢).\n(^٨) صنبور: بضم الصاد أي: الرجل الفرد الضعيف الذليل بلا أهل وعقب وناصر (ترتيب القاموس المحيط ٢/ ٨٥٦).\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل ويشهد له ما يليه إذ رواه ابن أبي حاتم موصولًا كما يلي.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق محمد بن أبي عدي به.\n(^١١) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"3","page":139},{"text":"وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان الذين حَزّبوا الأحراب من قريش وغطفان وبني قريظة حي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق وأبو عمار ووحوح بن عامر وهوذة بن قيس فأمّا وحوح وأبو عمار وهوْذة فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأول فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه، فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] (^١).\nوهذا لعن لهم وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك، ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم وجاءوا معهم يوم الأحزاب حتى حفر النبي ﷺ وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥].\n\n<span id=\"aya-546\"></span>﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾، وهذا استفهام إنكاري؛ أي: ليس لهم نصيب من الملك ثم وصفهم بالبخل، فقال: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ أي: لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لما أعطوا أحدًا من الناس ولا سيما محمدًا ﷺ شيئًا، ولا ما يملأ النقير وهو النقطة التي في النواة في قول ابن عباس (^٢) والأكثيرين.\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي: خوف أن يذهب ما بأيديكم مع أنه لا يتصور نفاده وإنما هو من بخلكم وشحكم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي: بخيلًا،\n\n<span id=\"aya-547\"></span>\n\n<span id=\"aya-548\"></span>ثم قال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: بذلك حسدهم النبي ﷺ على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له، لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل.\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن السدي، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال ابن عباس: نحن الناس دون الناس، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن إسحاق في سيرته (كما في سيرة ابن هشام ٣/ ١٠٢٤)، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به ونسبه السيوطي إلى ابن إسحاق والطبري (الدر المنثور ٢/ ١٧٢) وسنده حسن، وقد فصلت دراسة هذا الإسناد في مقدمة التفسير الصحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وذكر ابن أبي حاتم خمسة من المفسرين الذين رووه بنحوه.","vol":"3","page":140},{"text":"وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أي: فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل، الذين هم من ذرية إبراهيم النبوة وأنزلنا عليهم الكتب وحكموا فيهم بالسنن، وهي الحكمة، وجعلنا منهم الملوك ومع هذا ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: بهذا الإيتاء وهذا الإنعام، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ أي: كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم؛ أي: من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟ (^١).\nوقال مجاهد: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ (^٢).\nفالكفرة منهم أشد تكذيبًا لك، وأبعد عما جئتهم به من الهدى، والحق المبين، ولهذا قال: متوعدًا لهم ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.\n\n<span id=\"aya-549\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾.\nيخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ أي: ندخلهم نارًا دخولًا يحيط بجميع أجرامهم وأجزائهم، ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم، فقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ قال الأعمش عن ابن عمر: إذا احترقت جلودهم بدلوا جلودًا غيرها بيضاء أمثال القراطيس، رواه ابن أبي حاتم (^٣).\nوقال يحيى بن يزيد الحضرمي: أنه بلغه في الآية، قال: يجعل للكافر مائة جلد، بين كل جلدين لون من العذاب، ورواه ابن أبي حاتم (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ …﴾ الآية، قال: تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة. قال حسين: وزاد فيه فضيل، عن هشام، عن الحسن ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ كلما أنضجتهم فأكلت لحومهم قيل لهم: عودوا فعادوا (^٥). وقال أيضًا: ذكر عن هشام بن عمار، حدثنا سعيد بن يحيى - يعني سعدان - حدثنا نافع مولى يوسف السلمي البصري، عن نافع، عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ح ١١٣١٣)، وفي سنده يحيى الحماني وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٧/ ٩).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ثوير فهو: ابن أبي فاختة ضعيف رمي بالرفض كما في التقريب.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عمر بن خالد المعافري عن يحيى بن يزيد الحضرمي بلاغًا ولم يصرح باسم شيخه، وعمر ويحيى لم أجد لهما ترجمة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكن مثل هذه الأخبار الغيبية لا تؤخذ عن التابعين.","vol":"3","page":141},{"text":"ابن عمر، قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فقال عمر: أعدها علي، فأعادها، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها تبدل في ساعة مائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعتُ رسول الله ﷺ (^١)، وقد رواه ابن مردويه عن محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن عبدان بن محمد المروزي، عن هشام بن عمار به (^٢). ورواه من وجه آخر بلفظ آخر، فقال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمران، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا نافع أبو هرمز، حدثنا نافع عن ابن عمر، قال: تلا رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ …﴾ الآية، قال: فقال عمر: أعدها علي، وثم كعب، فقال: أنا عندي تفسير هذه الآية قرأتها قبل الإسلام قال: فقال: هاتها يا كعب فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله ﷺ صدقناك، وإلا لم ننظر إليها، فقال: إني قرأتها قبل الإسلام: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعت من رسول الله ﷺ (^٣). وقال الربيع بن أنس: مكتوب في الكتاب الأول: أن جلد أحدهم أربعون ذراعًا، وسنه تسعون ذراعًا، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودًا غيرها (^٤).\nوقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من هذا، قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أبو يحيى الطويل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذرعًا، وإن ضرسه مثل أُحد\" (^٥) تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقيل: المراد بقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: سرابيلهم، حكاه ابن جرير (^٦). وهو ضعيف لأنه خلاف الظاهر.\n\n<span id=\"aya-550\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها وأرجائها حيث شاءوا وأين أرادوا وهم خالدون فيها أبدًا لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولًا.\nوقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الحيض والنفاس والأذى والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة، كما قال ابن عباس: مطهرة من الأقذار والأذى (^٧). وكذا قال عطاء والحسن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه لم يصرح باسم شيخه، وكذلك نافع: متروك الحديث (لسان الميزان ٦/ ١٤٧).\n(^٢) سنده كسابقه بسبب نافع مولى يوسف السلمي.\n(^٣) سنده كسابقه بسبب نافع أبي هرمز وهو نفسه مولى يوسف السلمي.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع به، والروايه صريحة أَنها من الإسرائيليات.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨/ ٤١٩ ح ٤٨٠٠)، في سنده أبو يحيى الفتات لين الحديث (التقريب ٦٨٤)، وضعف إسناده محققوه. ولقوله: وإن ضرسه مثل أُحد، شاهد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (الصحيح، الجنة وصفة نعيمها ح ٢٨٥١).\n(^٦) ذكره الطبري بدون إسناد لأحد (التفسير ٧/ ١٦٦).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"3","page":142},{"text":"والضحاك والنخعي وأبو صالح وعطية والسدي (^١).\nوقال مجاهد: مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد (^٢).\nوقال قتادة: مطهرة من الأذى والمآثم، ولا حيض ولا كلف (^٣).\nوقوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ أي: ظلًا عميقًا كثيرًا غزيرًا طيبًا أنيقًا. قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، وحدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، قالا: حدثنا شعبة، قال: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: \"إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها؛ شجرة الخلد\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-551\"></span>﴿* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾.\nيخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها. وفي حديث الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: \"أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك\" رواه الإمام أحمد وأهل السنن (^٥)، وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله ﷿ على عباده من الصلوات والزكوات والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه ولا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك، فأمر الله ﷿ بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء\" (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة، وإن كان قتل في سبيل الله، فيقال: أد أمانتك، فيقول: فأنى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها فيحملها على عاتقه، قال: فتنزل عن عاتقه فيهوي على أثرها أبد الآبدين. قال زاذان: فأتيت البراء فحدثته، فقال: صدق أخي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٧).\nوقال سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن ابن عباس في الآية، قال: هي مبهمة\n_________\n(^١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة وأبان عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأصله في الصحيحين بدون لفظ: \"شجرة الخلد\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق يوسف بن ماهك عن رجل عن أبيه (المسند ٣/ ٤١٤)، وكذا أخرجه أبو داود في السنن، الإجازة، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده (ح ٣٥٣٤)، والترمذي في السنن (ح ١٢٦٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٧٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٠١٨).\n(^٦) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا (الصحيح، البر والصلة، باب تحريم الظلم ح ٢٥٨٢).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"3","page":143},{"text":"للبر والفاجر (^١).\nوقال محمد بن الحنفية: هي مُسْجَلة للبر والفاجر (^٢).\nوقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: قال أُبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة ائتمنت على فرجها (^٤).\nوقال الربيع بن أنس: هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس (^٥).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، قال: قال يدخل فيه وعظ السلطان النساء (^٦)، يعني: يوم العيد.\nوقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة (^٧) واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية، وفتح مكة، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، فكان معه لواء المشركين يوم أُحد، وقتل يومئذٍ كافرًا، وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيرًا من المفسرين قد يشتبه عليه هذا بهذا، وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه.\nوقال محمد بن إسحاق في غزوة الفتح: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة: أن رسول الله ﷺ لما نزل بمكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعًا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له، فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكنّ له الناس في المسجد (^٨).\nقال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول ﷺ قام على باب الكعبة، فقال: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج\" وذكر بقية الحديث في خطبة النبي ﷺ يومئذٍ إلى أن قال: ثم جلس رسول الله في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق وكيع عن سفيان به، وسنده ضعيف بسبب إبهام شيخ ابن أبي ليلى، وكذلك ابن أبي ليلى وهو محمد بن عبد الرحمن صدوق سيء الحفظ جدًّا.\n(^٢) لم أجد من أخرجه مسندًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مسروق عن أُبي.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو سنيد ضعيف، وفيه إرسال ابن جريج.\n(^٨) سنده حسن وهو في سيرة ابن هشام (٤/ ١٢٥٣).","vol":"3","page":144},{"text":"ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ: \"أين عثمان بن طلحة؟ \" فدعي له، فقال له: \"هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر\" (^١).\nقال ابن جرير: حدثني القاسم، حدثنا الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا …﴾، قال: نزلت في عثمان بن طلحة، قبض منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة فدخل في البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية، فدعا عثمان إليه فدفع إليه المفتاح، قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة وهو يتلو هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فداه أبي وأمي ما سمعته يتلوها قبل ذلك (^٢). حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري قال: دفعه إليه، وقال: \"أعينوه\" (^٣).\nوروى ابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة دعا عثمان بن طلحة، فلما أتاه قال: \"أرني المفتاح\" فأتاه به، فلما بسط يده إليه قام إليه العباس، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، اجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده، فقال رسول الله ﷺ: \"أرني المفتاح يا عثمان\" فبسط يده يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى، فكف عثمان يده. ثم قال رسول الله ﷺ: \"يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح\" فقال: هاك بأمانة الله، قال: فقام رسول الله ﷺ ففتح باب الكعبة، فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم ﵊ معه قداح يستقسم بها، فقال رسول الله ﷺ: \"ما للمشركين قاتلهم الله، وما شأن إبراهيم وشأن القداح\" ثم دعا بجفنة فيها ماء، فأخذ ماء فغمسه فيه، ثم غمس به تلك التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم وكان في الكعبة، فألزقه في حائط الكعبة، ثم قال: \"يا أيها الناس هذه القبلة\"، قال: ثم خرج رسول الله ﷺ فطاف في البيت شوطًا أو شوطين ثم نزل عليه جبريل فيما ذكر لنا برد المفتاح، ثم قال رسول الله ﷺ: \" ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ \" حتى فرغ من الآية (^٤).\nوهذا من المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت نزلت في ذلك أو لا، فحكمها عام، ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: هي للبر والفاجر (^٥)؛ أي: هي أمر لكل أحد.\nوقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، ولهذا قال محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب: إن هذه الآية إنما نزلت في الأمراء،\n_________\n(^١) سنده منقطع وهو في سيرة ابن هشام (٤/ ١٢٥٤).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحسين وهو سنيد، وإرسال ابن جريج.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو كسابقه وفيه أيضًا إرسال الزهري.\n(^٤) في سنده الكلبي وقد صرح بأن روايته عن أبي صالح عن ابن عباس كذب كما في تهذيب التهذيب في ترجمة محمد بن السائب الكلبي.\n(^٥) تقدم تخريج قول ابن عباس في الصفحة السابقة.","vol":"3","page":145},{"text":"يعني: الحكام بين الناس (^١)، وفي الحديث: \"إن الله مع الحاكم ما لم يجر فإذا جار وكله الله إلى نفسه\" (^٢)، وفي الأثر: \"عدل يوم كعبادة أربعين سنة\".\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: يأمركم به من أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي: سميعًا لأقوالكم، بصيرًا بأفعالكم، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو يُقْري هذه الآية ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ يقول: \"بكل شيء بصير\" (^٣).\nوقد قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يحيى بن عبدك القزويني، أنبأنا المقري - يعني: أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد -، حدثنا حرملة - يعني: ابن عمران التجيبي المصري -، حدثني أبو يونس، سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ويضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه ويقول: هكذا سمعت رسول الله يقرؤها ويضع إصبعيه. قال أبو زكريا: وصفه لنا المقري، ووضع أبو زكريا إبهامه اليمنى على عينه اليمنى، والتي تليها على الأذن اليمنى، وأرانا فقال: هكذا وهكذا (^٤).\nرواه أبو داود وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه (^٥)، وابن مردويه في تفسيره من حديث أبي عبد الرحمن المقري بإسناده نحوه. وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة واسمه سليم بن جبير.\n\n<span id=\"aya-552\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾.\nقال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم ونسبه للمذكورين بحذف السند، وقول زيد بن أسلم أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق أبي مكين عنه (المصنف ١٢/ ٢٢٢ رقم ١٢٦٠٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي بنحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى (السنن، الأحكام، باب ما جاء في الإمام العادل ح ١٣٢٩)، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وكذا أخرجه ابن ماجه (السنن، الأحكام، باب التغليط في الحيف والرشوة (ح ٢٣١٢)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٧٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٩٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب تفرد ابن لهيعة وعدم تصريحه بالسماع.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ثابت كما يلي:\n(^٥) سنن أبي داود، السنة، باب في الجهمية (ح ٤٧٢٨)، والإحسان (ح ٢٦٥)، والمستدرك ١/ ٢٤، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه اللالكائي (شرح أصول الاعتقاد ٣/ ٦٨٨)، وقال الحافظ ابن حجر: سنده قوي على شرط مسلم (الفتح ١٣/ ٣٧٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٥٤).","vol":"3","page":146},{"text":"قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه رسول الله ﷺ في سرية (^١)، وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من حديث حجاج بن محمد الأعور به. وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن [سعد بن عبيدة] (^٣)، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء، قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: اجمعوا لي حطبًا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال: فهمّ القوم أن يدخلوها، قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها، قال: فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال لهم: \"لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف\" (^٤). أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به (^٥).\nوقال أبو داود: حدثنا مسدّد، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﷺ، قال: \"السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة\" وأخرجاه من حديث يحيى القطان (^٦).\nوعن عبادة بن الصامت قال: \"بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله\"، قال: \"إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان\"، أخرجاه (^٧).\nوفي الحديث الآخر: عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"اسمعوا وأطيعوا، وإن أمّر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زيبية\"، رواه البخاري (^٨).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا حبشيًا مُجَدّع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ …﴾ [النساء: ٥٩] ح ٤٥٨٤).\n(^٢) صحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء … (ح ١٨٣٤)، وسنن أبي داود، الجهاد، باب الطاعة (ح ٢٦٢٤)، وسنن الترمذي، الجهاد، باب ما جاء في الرجل يبعث وحده سرية (ح ١٦٧٢)، وسنن النسائي، الجهاد، باب قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ٧/ ١٥٤ - ١٥٥.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"سعيد بن عبيدة\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٢٢) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، الأحكام، باب السمع والطاعة (ح ٧١٤٥)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء (ح ١٨٤٠).\n(^٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في الطاعة ح ٢٦٢٦)، وهو صحيح متفق عليه أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، الجهاد، باب السمع والطاعة ح ٢٩٥٥)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء … (ح ١٨٣٩).\n(^٧) صحيح البخاري، الفتن، باب قول النبي ﷺ: \"سترون بعدي أمورًا … \" (ح ٧٠٥٥)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء (ح ١٨٤٠/ ٤١).\n(^٨) صحيح البخاري، الأذان، باب أمامة العبد والمولى (ح ٦٩٣).","vol":"3","page":147},{"text":"الأطراف، رواه مسلم (^١).\nوعن أم الحصين أنها سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: \"ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، اسمعوا له وأطيعوا\" رواه مسلم (^٢)، وفي لفظ له: \"عبدًا حبشيًا مجدوعًا\".\nوقال ابن جرير: حدثني علي بن مسلم الطوسي، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عبد الله بن محمد بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البرّ ببره والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق وصلّوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساؤوا فلكم وعليهم\" (^٣).\nوعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \"كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون\" قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: \"أوفوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم\"، أخرجاه (^٤).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية\"، أخرجاه (^٥).\nوعن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ: يقول: \"من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية\" رواه مسلم (^٦).\nوروى مسلم أيضًا عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه، فقال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلًا فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في [جشره] (^٧) إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: \"إنه لم يكن نبي من قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء … (ح ١٨٣٧).\n(^٢) صحيح مسلم، الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا (ح ١٢٩٨).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًّا بسبب عبد الله بن محمد بن عروة، متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات (لسان الميزان ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢).\n(^٤) صحيح البخاري، الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (ح ٣٤٥٥)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (ح ١٨٤٢).\n(^٥) صحيح البخاري، الفتن، باب قول النبي ﷺ: \"سترون بعدي أمور تنكرونها\" (ح ٧٠٥٣)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين (ح ١٨٤٩).\n(^٦) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٨٤٤).\n(^٧) كذا في (حم) و(مح) وصحيح مسلم، وفي الأصل: \"شجرة\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":148},{"text":"يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر\"، قال: فدنوت منه فقلت: أنشدك بالله، آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا، والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] قال: فسكت ساعة، ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله (^١). والأحاديث في هذا كثيرة.\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية عليها خالد بن الوليد وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبًا منهم عرّسوا وأتاهم [ذو العُيينتين] (^٢) فأخبرهم، فأصبحوا قد هربوا غير رجل فأمر أهله فجمعوا متاعهم، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال: يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت فهل إسلامي نافعي غدًا، وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفع فأقم، فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدًا غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله، فبلغ عمارًا الخبر، فأتى خالدًا فقال: خل عن الرجل فإنه قد أسلم وإنه في أمان مني، فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبا وارتفعا إلى النبي ﷺ فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير، فاستبا عند رسول الله ﷺ فقال خالد: أتترك هذا العبد الأجدع يسبني، فقال رسول الله ﷺ: \"يا خالد لا تسب عمارًا فإنه من يسب عمارًا يسبه الله، ومن يبغضه يبغضه الله، ومن يلعن عمارًا يلعنه الله\" فغضب عمار فقام فتبعه خالد فأخذ بثوبه فاعتذر إليه فرضي عنه، فأنزل الله ﷿ قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^٣) وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق، عن السدي مرسلًا، ورواه ابن مردويه من رواية الحكم بن ظُهير، عن السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس … فذكره بنحوه (^٤)، والله أعلم.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: أهل الفقه والدين (^٥).\nوكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو العالية: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: العلماء (^٦).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإمارة، (ح ١٨٤٤).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"ذو العينين\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن لكنه مرسل.\n(^٤) سنده ضعيف جدًّا بسبب الحكم بن ظُهير متروك رمي بالرفص واتهمه ابن معين (التقريب ص ١٧٥).\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ص ٧٣ بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم جميعًا بحذف السند إلا قول مجاهد فقد أسنده، وقول مجاهد أخرجه أبو خيثمة زهير بن حرب بسند صحيح من طريق الأعمش عن مجاهد (كتاب العلم ص ١٢٤)، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق =","vol":"3","page":149},{"text":"والظاهر - والله أعلم - أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء كما تقدم. وقد قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣] وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وفي الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطعاني، ومن عصى أميري فقد عصاني\" (^١)، فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: خذوا بسنته ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله كما تقدم في الحديث الصحيح: \"إنما الطاعة في المعروف\".\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أبي مراية، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: \"لا طاعة في معصية الله\" (^٢).\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف؛ أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله (^٣). وهذا أمر من الله ﷿ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فدل على أنه من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: وأحسن عاقبة ومآلًا كما قاله السدي وغير واحد، وقال مجاهد: وأحسن جزاء، وهو قريب.\n_________\n= بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عطاء - وهو ابن السائب - أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الملك العرزمي عنه، وقول أبي العالية أخرجه ابن أبي شيبة بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه (المصنف ١٢/ ٢١٣ رقم ١٢٥٨١).\n(^١) صحيح البخاري، الأحكام، باب قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ …﴾ [آل عمران: ١٣٢] (ح ٧١٣٧)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمير (ح ١٨٣٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٢٦)، في سنده أبو مراية العجلي البصري مسكوت عنه وذكره ابن حبان في الثقات (تعجيل المنفعة ص ٥١٩)، وله شاهد في صحيح مسلم، الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء (ح ١٨٣٩)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٨١).\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد، وليث فيه مقال ولكن معناه صحيح وقد ثبت مثله عن السدي فيما رواه عنه الطبري بسند حسن وثبت عن قتادة فيما رواه الطبري بسند حسن.","vol":"3","page":150},{"text":"<span id=\"aya-553\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾.\nهذا إنكار من الله ﷿ على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف (^١). وقيل: في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية (^٢)، وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة. وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا، ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ …﴾ إلى آخرها.\n\n<span id=\"aya-554\"></span>وقوله: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يعرضون عنك إعراضًا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان: ٢١] وهؤلاء بخلاف المؤمنينن الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].\n\n<span id=\"aya-555\"></span>ثم قال تعالى في ذم المنافقين: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أي: يعتذرون إليك ويحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى أعدائك إلا الإحسان والتوفيق؛ أي: المداراة والمصانعة لا اعتقادًا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى﴾ إلى قوله: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]. وقد قال الطبراني: حدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد [الحوطي] (^٣)، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بمرسلين رواهما الطبري أحدهما رواه بسند صحيح عن مجاهد وآخر رواه بسند جيد عن الربيع بن أنس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح إلى مجاهد أن المتخاصمين رجل منافق وآخر يهودي.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"الجعطي\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ح ١٢٠٤٥)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي اليمان به وقال الهيثمي عن سند الطبراني: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٩)، وصححه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٩.","vol":"3","page":151},{"text":"<span id=\"aya-556\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم. ولهذا قال له: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تعنفهم على ما في قلوبهم ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أي: وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم.\n\n<span id=\"aya-557\"></span>﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ أي: فرضت طاعته على من أرسله إليهم.\nوقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال مجاهد؛ أي: لا يطيع أحد إلا بإذني (^١). يعني: لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك.\nكقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أي: عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية، يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﷺ، فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم، ولهذا قال: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه [الشامل] (^٢) الحكاية المشهورة عن العتبي (^٣)، قال: كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد جئتك مستغفرًا لذنبي مستشفعًا بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول:\nيا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم\nنفسي الفدا لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم\nثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقال: \"يا عتبي، إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-558\"></span>وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"الشمائل\" وهو تصحيف.\n(^٣) العتبي: هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز القرطبي، ومن تصانيفه العتبية وهي مستخرجة من سماعات مالك بن أنس، مات سنة ٢٥٤ هـ (جذوة المقتبس ص ٣٦، وشذرات الذهب ٢/ ١٢٩).\n(^٤) وهذه القصة ذكرها النووي في المجموع ٨/ ٢١٧، وهي تعتمد على المنامات، وعدم ذكرها أولى.","vol":"3","page":152},{"text":"الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة، ولا منازعة، كما ورد في الحديث: \"والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لم جئت به\" (^١).\nوقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، قال: خاصم الزبير رجلًا في شريج من الحرة (^٢)، فقال النبي ﷺ: \"اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك\" فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: \"اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك\". واستوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما ﷺ بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (^٣). هكذا رواه البخاري ههنا، أعني في كتاب التفسير من صحيحه من حديث معمر، وفي كتاب الشرب من حديث ابن جريج ومعمر أيضًا، وفي كتاب الصلح من حديث شعيب بن أبي حمزة، ثلاثتهم عن الزهري، عن عروة … فذكره (^٤)، وصورته صورة الإرسال، وهو متصل في المعنى، وقد رواه الإمام أحمد من هذا الوجه فصرح بالإرسال، فقال: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث أنه كان يخاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا إلى النبي ﷺ في شراج الحرة، كان يسقيان بها كلاهما، فقال النبي ﷺ للزبير \"اسق ثم أرسل إلى جارك\" فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: \"اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\" فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه، وكان النبي ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم، قال عروة: فقال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾، هكذا رواه الإمام أحمد (^٥)، وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير، فإنه لم يسمع منه، والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله، فإن أبا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (ح ١٥)، وضعفه الألباني بسبب ضعف نعيم بن حماد أحد رواة هذا الحديث، وصححه النووي وتعقبه ابن رجب (جامع العلوم والحكم ٢/ ٤٣١).\n(^٢) شريج من الحرة: أي مسيل الماء من الحرة إلى السهل، والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود (النهاية ٢/ ٤٥٦).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ …﴾ [النساء: ٦٥] ح ٤٥٨٥).\n(^٤) الصحيح، المساقاة، باب شرب الأعلى قبل الأسفل (ح ٢٣٦١، ٢٣٦٢)، وكتاب الصلح، باب إذا أشار الإمام بالصلح … (ح ٢٧٠٨).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٤١٩).","vol":"3","page":153},{"text":"محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رواه كذلك في تفسيره، فقال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني الليث ويونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام، أنه خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا مع النبي ﷺ إلى رسول الله ﷺ، في شراج الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه الزبير، فقال رسول الله ﷺ: \"اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك\" فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: \"اسقِ يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\" واستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ، استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (^١)، وهكذا رواه النسائي من حديث ابن وهب به. ورواه أحمد والجماعة كلهم من حديث الليث به (^٢). وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير. وكذا ساقه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن الزبير، والله أعلم. والعجب كل العجب من الحاكم أبي عبد الله النيسابوري فإنه روى هذا الحديث من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير …، فذكره، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٣). فإني لا أعلم أحدًا قام بهذا الإسناد عن الزهري بذكر عبد الله بن الزبير غير ابن أخيه، وهو عنه ضعيف.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي أبو دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سلمة رجل من آل أبي سلمة، قال: خاصم الزبير رجلًا إلى النبي ﷺ فقضى للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته، فنزلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ …﴾ الآية (^٤)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو حيوة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء، فقضى النبي ﷺ أن يسقي الأعلى ثم الأسفل، هذا مرسل ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري (^٥».\n(ذكر سبب آخر غريب جدًّا) قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى - قراءة -،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ٤، وسنن أبي داود، الأقضية، أبواب من القضاء (ح ٣٦٣٧)، وسنن الترمذي، الأحكام، باب في الرجلين يكون أحدهما أسفل … (ح ١٣٦٣) وقال: حسن صحيح، وسنن ابن ماجه، الرهون، باب الشرب من الأودية (ح ٢٤٨٠).\n(^٣) المستدرك ٣/ ٣٦٤.\n(^٤) سنده مرسل ووصله الحميدي من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سلمة عن أم سلمة (المسند ح ٣٠٠).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل قال الحافظ ابن حجر: إسناده قوي مع إرساله، فإن كان سعيد بن المسيب سمعه من الزبير فيكون موصولًا (الفتح ٥/ ٣٥).","vol":"3","page":154},{"text":"أخبرنا ابن وهب، وأخبرني عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود، قال: اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ فقضى بينهما، فقال المقضي عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\"، انطلقا إليه، فلما أتيا إليه، فقال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله ﷺ على هذا. فقال: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فردنا إليك: فقال: أكذاك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما. فخرج إليها مشتملًا على سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فأتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قتل عمر والله صاحبي، ولولا أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله ﷺ: \"ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن\" فأنزل الله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾، فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فأنزل ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] الآية (^١)، وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به، وهو أثر غريب مرسل، وابن لهيعة ضعيف.\n(طريق أخرى) قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في تفسيره: حدثنا شعيب بن شعيب، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عتبة بن ضمرة، حدثني أبي أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى، فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه، فقال الذي قضي له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ، فقضى لي، فقال أبو بكر: أنتما على ما قضى به رسول الله ﷺ، فأبى صاحبه أن يرضى فقال: نأتي عمر بن الخطاب، فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ، فقضى لي عليه، فأبى أن يرضى، فسأله عمر بن الخطاب فقال كذلك، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله، فأنزل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ …﴾ إلى آخر الآية (^٢).\n\n<span id=\"aya-559\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾.\nيخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما فعلوه، لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر، وهذا من علمه ﵎ بما لم يكن أو كان، فكيف كان يكون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾.\nقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثني إسحاق، حدثنا أبو الأزهر، عن إسماعيل، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده معضل لأن أبا الأسود لم يلق أحدًا من الصحابة فهو تابع تابعي.\n(^٢) سنده مرسل لأن ضمرة تابعي.","vol":"3","page":155},{"text":"إسحاق [السبيعي] (^١)، قال: لما نزلت ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: \"إن من أمتي لرجالًا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي\" (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن منير، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن الحسن قال: لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ …﴾ الآية، قال أناس من أصحاب النبي ﷺ: لو فعل ربنا لفعلنا، فبلغ النبي ﷺ، فقال: \"للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي\" (^٣).\nوقال السدي: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا، فقال ثابت: والله لو كتب علينا ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لفعلنا، فأنزل الله هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم (^٤) وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا بشر بن السري، حدثنا مصعب بن ثابت، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير قال: لما نزلت ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله والله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت. قال: \"صدقت يا أبا بكر\" (^٥)، وحدثنا أبي، ثنا محمد بن أبي عمر العدني قال: سئل سفيان عن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو نزلت لكان ابن أُم عبد منهم\" (^٦).\nوحدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد، قال: لما تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ أشار رسول الله ﷺ بيده إلى عبد الله بن رواحة، فقال: \"لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل\" يعني: ابن رواحة (^٧)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به وتركوا ما ينهون عنه ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النهي ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾.\nقال السدي: أي: وأشد تصديقًا (^٨)\n\n<span id=\"aya-560\"></span>﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة\n\n<span id=\"aya-561\"></span>﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ أي: في الدنيا والآخرة،\n\n<span id=\"aya-562\"></span>\n\n<span id=\"aya-563\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ أي: من عمل بما أمره الله به وترك ما نهاه الله عنه ورسوله فإن الله ﷿ يسكنه دار كرامته\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"الشعيبي\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويتقوى بالمرسل التالي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن مرسل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن لكنه مرسل.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن مصعب بن ثابت لين الحديث كما في التقريب، وعامر لم يدرك أبا بكر الصديق.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن لكنه مرسل.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومته، وسنده حسن لكنه مرسل لأن شريح بن عبيد تابعي.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"3","page":156},{"text":"ويجعله مرافقًا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة وهم الصديقون، ثم الشهداء والصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم، ثم أثنى عليهم تعالى فقال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.\nوقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من نبي يمرض إِلا خير بين الدنيا والآخرة\" وكان في شكواه التي قبض فيها أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: \"مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين\" فعلمت أنه خُيّر (^١). وكذا رواه مسلم من حديث شعبة عن سعد بن إِبراهيم به (^٢). وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الآخر: \"اللهم الرفيق الأعلى\" ثلاثًا ثم قضى (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-96>ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة:</span>\nقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ: \"يا فلان ما لي أراك محزونًا؟ \" فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه، فقال: ما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك وغدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يردّ النبي ﷺ شيئًا، فأتاه جبريل بهذه الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ قال: فبعث النبي ﷺ فبشره (^٤). وقد روي هذا الأثر مرسلًا عن مسروق، وعن عكرمة، وعامر الشعبي وقتادة، وعن الربيع بن أنس (^٥)، وهو من أحسنها سياقًا.\nقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ …﴾ الآية، وقال: إِن أصحاب النبي ﷺ، قالوا: قد علمنا أن النبي ﷺ له فضل على من آمن به في درجات الجنات ممن اتبعه وصدقه، وكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضًا. فأنزل الله في ذلك، يعني هذه الآية، فقال - يعني: رسول الله ﷺ: \"إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه، وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] ح ٤٥٨٦).\n(^٢) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة ﵂ (ح ٢٤٤٤).\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂ (صحيح البخاري، المغازي، باب مرض النبي ﷺ ح ٤٤٣٧)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٤٤٤).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف، وفيه إرسال سعيد بن جبير، ويتقوى بالآثار والأحاديث التالية.\n(^٥) قول مسروق أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي الضحى عنه لكنه مرسل، وقول عكرمة أخرجه ابن حاتم بسند ضعيف، وقول الشعبي أخرجه الطبري بسند ضعيف وستأتي رواية أخرى عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن مرسل، وقول الربيع كما يلي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده جيد لكنه مرسل.","vol":"3","page":157},{"text":"وقد روي مرفوعًا من وجه آخر، فقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إليّ من نفسي، وأحب إليّ من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك، عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى نزلت عليه ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ (^١). وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه في صفة الجنة من طريق الطبراني، عن أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال، عن عبد الله بن عمران العابدي به، ثم قال: لا أرى بإسناده بأسًا، والله أعلم.\nوقال ابن مردويه أيضًا: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا أبو بكر بن ثابت ابن عباس المصري، حدثنا خالد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن عامر الشعبي، عن ابن عباس: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني لأحبك حتى إني لأذكرك في المنزل فيشق ذلك علي، وأحب أن أكون معك في الدرجة، فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئًا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية (^٢). وقد رواه ابن جرير عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، عن الشعبي مرسلًا (^٣).\nوثبت في صحيح مسلم من حديث [هقل] (^٤) بن زياد عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: كنت أبيت عند النبي ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: \"سل\"، فقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: \"أو غير ذلك؟ \" قلت: هو ذاك. قال: \"فأعَنّي على نفسك بكثرة السجود\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إِسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عيسى بن طلحة، عن عمرو بن مرة الجهني، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله ﷺ: \"من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة وهكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه\" (^٦) تفرد به أحمد.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني من طريق عبد الله بن عمران به (المعجم الصغير ١/ ٢٦)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة (مجمع الزوائد ٧/ ١٠)، وحسنه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٨٨)، وهو موافق لما ذكر الحافظ ابن كثير عن المقدسي.\n(^٢) أخرجه الطبراني بالإسناد نفسه (المعجم الكبير ٢/ ٨٦ ح ١٢٥٥٩)، قال الهيثمي: وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط (المجمع ٧/ ٩)، ورواية خالد بن عبد الله عنه بعد الاختلاط (الكواكب النيرات ص ٣٢٢).\n(^٣) أخرجه الطبري سندًا ومتنًا، وقد سقط من طبعة أحمد شاكر وأثبت في طبعة معالي الدكتور عبد الله التركي ٧/ ٢١٦.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وصحيح مسلم والتقريب، وفي الأصل: \"معقل\" وهو تصحيف.\n(^٥) صحيح مسلم، الصلاة، باب فضل السجود (ح ٤٨٩).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد إذ نسبه إليه الهيثمي أيضًا (مجمع الزوائد ٨/ ١٥٠)، ولم أجده في المسند، وفي سنده =","vol":"3","page":158},{"text":"قال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو سعيد مولى أبي هاشم، حدثنا ابن لهيعة، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقًا إِن شاء الله\" (^١).\nوروى الترمذي من طريق سفيان الثوري، عن أبي حمزة، عن الحسن البصري، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء\" ثم قال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو حمزة اسمه عبد الله بن جابر شيخ بصري (^٢).\nوأعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال: \"المرء مع من أحب\"، قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث (^٣). وفي رواية عن أنس أنه قال: إني لأحب رسول الله ﷺ، وأحب أبا بكر وعمر ﵄، وأرجو أن الله يبعثني معهم وإن لم أعمل كعملهم (^٤).\nقال الإمام مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم\" قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: \"بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\"، أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك واللفظ لمسلم (^٥)، ورواه الإِمام أحمد، حدثنا فزارة، أخبرني فليح، عن هلال - يعني ابن علي -، عن عطاء، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون - أو ترون - الكوكب الدري الغابر في الأفق الطالع في تفاضل الدرجات\". قالوا: يا رسول الله أولئك النبيون؟ قال: \"بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\" (^٦). قال الحافظ الضياء المقدسي: هذا الحديث على شرط البخاري، والله أعلم.\n_________\n= ابن لهيعة ولم يصرح بالسماع، وسنده ضعيف.\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٦٣)، وسنده ضعيف لضعف زبان كما في التقريب، وعدم تصريح ابن لهيعة.\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، البيوع، باب ما جاء في التجار ١٢٠٨)، وسنده ضعيف لأن الحسن البصري لم يسمع من أبي سعيد الخدري.\n(^٣) صحيح البخاري، الأدب، باب ما جاء في قول الرجل: ويلك (ح ٦١٦٧)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب المرء مع من أحب (ح ٢٦٣٩/ ١٦٣)، واللفظ لمسلم.\n(^٤) صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب عمر ﵁ (ح ٣٦٨٨)، وصحيح مسلم، الحديث السابق نفسه.\n(^٥) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح ٣٢٥٦)، وصحيح مسلم، الجنة وصفه نعيمها، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة (ح ٢٨٣١).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٣٩)، وفي سنده فزارة وهو: ابن عمرو أبو الفضل قال =","vol":"3","page":159},{"text":"وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عفيف بن سالم، عن أيوب بن عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: أتى رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ يسأله فقال له رسول الله ﷺ: \"سل واستفهم\" فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة، ثم قال: أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بما عملت به، إني لكائن معك في الجنة، قال رسول الله ﷺ: \"نعم، والذي نفسي بيده، إنه ليُرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام\" ثم قال رسول الله ﷺ: \"من قال: لا إله إلا الله، كان له بها عهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده، كتب له بها مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة\" فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة من نعم الله، فتكاد أن تستنفد ذلك كله إلا أن يتطاول الله برحمته\" ونزلت هذه الآيات ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ إلى قوله: ﴿نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ١ - ٢٠] فقال الحبشي: وإن عينيّ لتريان ما ترى عيناك في الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\" فاستبكى حتى فاضت نفسه، قال ابن عمر: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حفرته بيديه (^١). فيه غرابة ونكارة وسنده ضعيف، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عند الله برحمته وهو الذي أهلهم لذلك لا بأعمالهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق.\n\n<span id=\"aya-564\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) * فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾.\nيأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد، وتكثير العدد بالنفير في سبيل الله ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: جماعة بعد جماعة وفرقة بعد فرقة وسرية بعد سرية، والثباب جمع ثبة، وقد تجمع الثبة على ثبين.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ أي: عصبًا، يعني: سرايا متفرقين، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يعني: كلكم (^٢)، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وخُصيف الجزري (^٣).\n_________\n= الحافظ ابن حجر: فيه نظر (تعجيل المنفعة ص ٣٣٣)، ويشهد له حديث أبي سعيد الخدري السابق المتفق عليه.\n(^١) المعجم الكبير ١٢/ ٤٣٦ (ح ١٣٥٩٥)، وضعف سنده الهيثمي بسبب ضعف أيوب بن عتبة (مجمع الزوائد ١٠/ ٤١٠)، وضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.\n(^٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج الطبري أثر السدي وقتادة كل واحد بإسناد حسن.","vol":"3","page":160},{"text":"<span id=\"aya-565\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ قال مجاهد وغير واحد: نزلت في المنافقين (^١).\nوقال مقاتل بن حيان: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أي: ليتخلفن عن الجهاد (^٢). ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو في نفسه، ويبطئ غيره عن الجهاد كما كان عبد الله بن أُبي بن سلول - قبحه الله - يفعل، يتأخر عن الجهاد ويثبط الناس عن الخروج فيه. وهذا قول ابن جريج وابن جرير (^٣)، ولهذا قال تعالى إخبارًا عن المنافق أنه يقول إذا تأخر عن الجهاد: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: قتل وشهادة وغلب العدو لكم لما لله في ذلك من الحكمة ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي: إذ لم أحضر معهم وقعة القتال يعد ذلك من نعم الله عليه، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل.\n\n<span id=\"aya-566\"></span>﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: نصر وظفر وغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي: كأنه ليس من أهل دينكم ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه. وهو أكبر قصده وغاية مراده.\n\n<span id=\"aya-567\"></span>ثم قال تعالى: [﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ أي: المؤمن النافر] (^٤) ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا، وما ذلك إلا لكفرهم وعدم إيمانهم، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: كل من قاتل في سبيل الله سواء قتل أو غلب وسلب فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين: وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-568\"></span>﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾.\nيحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله، وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بها، ولهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعني: مكة، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، ثم وصفها بقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أي: سخر لنا من عندك وليًا وناصرًا، قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو سنيد: ضعيف.\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (مح).\n(^٥) صحيح البخاري، فرض الخمس، باب قول النبي ﷺ: \"أحلت لكم الغنائم\" (ح ٣١٢٣)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب فضل الجهاد (ح ١٨٧٦).","vol":"3","page":161},{"text":"سفيان عن [عبيد الله] (^١)، قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين (^٢). حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس تلا ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله ﷿ (^٣).\n\n<span id=\"aya-569\"></span>ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أي: المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه، والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان، ثم هيج تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.\n\n<span id=\"aya-570\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾.\nكان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها: كونهم كانوا في بلدهم، وهو بلد حرام، أشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه، جزع بعضهم منه، وخافوا مواجهة الناس خوفًا شديدًا ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي لو ما أخرت فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويتم الأولاد، وتأيّم النساء، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾ الآيات [محمد].\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة وعلي بن زنجة، قالا: حدثنا علي بن الحسن، عن الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، وعن عكرمة، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي ﷺ بمكة، فقالوا: يا نبي الله، كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، قال: \"إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم\" فلما حوله الله إلى المدينة، أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وصحيح البخاري، وفي الأصل: \"عبد الله\" وهو تصحيف.\n(^٢) صحيح البخاري، تفسير سورة النساء، باب قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥] (ح ٤٥٨٧).\n(^٣) المصدر السابق (ح ٤٥٨٨).","vol":"3","page":162},{"text":"الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ (^١)، ورواه النسائي والحاكم (^٢) وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به، وقال أسباط، عن السدي: لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الموت.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (^٣). وقال مجاهد: إن هذه الآية نزلت في اليهود، رواه ابن جرير (^٤).\nوقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: آخرة المتقي خير من دنياه. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: من أعمالكم بل توفونها أتم الجزاء، وهذه تسلية لهم عن الدنيا وترغيب لهم في الآخرة وتحريض لهم على الجهاد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد، عن هشام، قال: قرأ الحسن ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ قال: رحم الله عبدًا صحبها على حسب ذلك، وما الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه (^٥).\n[وقال ابن معين: كان أبو مصهر ينشد:\nولا خير في الدنيا لمن لم يكن … من الله في دار المقام نصيب\nفإن تُعجب الدنيا رجالًا فإنها … متاع قليل والزوال قريب] (^٦)\n\n<span id=\"aya-571\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: أنتم صائرون إلى الموت لا محالة ولا ينجو منه أحد منكم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والمقصود أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه من ذلك شيء سواء جاهد أو لم يجاهد، فإن له أجلًا محتومًا، ومقامًا مقسومًا، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفًا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء (^٧).\nوقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: حصينة منيعة عالية رفيعة، وقيل: هي بروج في السماء قاله السدي (^٨)، وهو ضعيف، والصحيح أنها المنيعة؛ أي: لا يغني حذر وتحصن من الموت، كما قال زهير بن أبي سلمى:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسند صحيح.\n(^٢) سنن النسائي، الجهاد، باب وجوب الجهاد ٦/ ٣، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٢٨٩١)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٧).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وهو مرسل.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه ابن عساكر من طريق أبي الزناد عن خالد (مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور ٨/ ٢٦).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"3","page":163},{"text":"ومن خاف أسباب المنايا يلقها … ولو رام أسباب السماء بسلّم (^١)\nثم قيل: المشيَّدة هي المشيدة كما قال: وقصر مشيد، وقيل: بل بينهما فرق، وهو أن المشيدة بالتشديد هي المطولة، وبالتخفيف هي المزينة بالشيد وهو الجص، وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم - ههنا - حكاية مطولة عن مجاهد، أنه ذكر أن امرأة فيمن كان قبلنا أخذها الطلق، فأمرت أجيرها أن يأتيها بنار، فخرج فإذا هو برجل واقف على الباب، فقال: ما ولدت المرأة؟ فقال: جارية، فقال: أما إنها ستزني بمائة رجل ثم يتزوجها أجيرها ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فكرّ راجعًا، فبعج بطن الجارية بسكين فشقه ثم ذهب هاربًا، وظن أنها قد ماتت، فخاطت أمها بطنها فبرئت وشبت وترعرعت ونشأت أحسن امرأة ببلدتها، فذهب ذاك الأجير ما ذهب ودخل البحور فاقتنى أموالًا جزيلة، ثم رجع إلى بلده وأراد التزوج، فقال لعجوز: أريد أن أتزوج بأحسن امرأة بهذه البلدة، فقالت: ليس ههنا أحسن من فلانة، فقال: اخطبيها علي، فذهبت إليها فأجابت، فدخل بها فأعجبته إعجابًا شديدًا، فسألته عن أمره ومن أين مقدمه، فأخبرها خبره وما كان من أمره في الجارية، فقالت: أنا هي وأرته مكان السكين، فتحقق ذلك، فقال: لئن كنت إياها فلقد أخبرني باثنتين لا بد منهما:\n(إحداهما) أنك قد زنيت بمائة رجل، فقالت: لقد كان شيء من ذلك ولكن لا أدري ما عددهم فقال: هم مائة.\n(والثاني) أنك تموتين بالعنكبوت فاتخذ لها قصرًا منيعًا شاهقًا ليحرزها من ذلك، فبينما هم يومًا فإذا بالعنكبوت في السقف فأراها، فقالت: أهذه هي التي تحذرها علي، والله لا يقتلها إلا أنا، فأنزلوها من السقف، فعمدت إليها فوطئتها بإبهام رجلها فقتلتها، فطار من سمها شيء فوقع بين ظفرها ولحمها واسودت رجلها، فكان في ذلك أجلها، فماتت (^٢).\nونذكر ههنا قصة صاحب الحضر وهو الساطرون لما احتال عليه [سابور] (^٣) حتى حصره فيه وقتل من فيه بعد محاصرة سنتين، وقالت العرب في ذلك أشعارًا منها:\nوأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ … لة تجبى إليه والخابور\nشاده مرمرًا وجلله كلسًا … فللطير في ذراه وكور\nلم تهبه أيدي المنون فباد الـ … ملك عنه فبابه مهجور\nولما دخل على عثمان جعل يقول: اللهم اجمع أمة محمد ثم تمثل بقول الشاعر:\nأرى الموت لا يبقى عزيزًا ولم يدع … لعاد ملاذًا في البلاد ومربعًا\nيبيت أهل الحصن والحصن مغلق … ويأتي الجبال في شماريخها معًا\n[قال ابن هشام: وكان كسرى سابور ذو الأكتاف قتل الساطرون ملك الحضر، وقال ابن هشام: إن الذي قتل صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان، وأذل\n_________\n(^١) ديوان زهير ص ٣٠.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما من طريق أبي همام عيسى بن حميد الراسبي عن كثير أبي الفضل عن مجاهد، وأبو همام ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٦/ ٢٧٤)، والقصة فيها غرابة كيف قتلها بذلك السبب، وكيف تزوجها وعرف أنها وقعت في ذلك المنكر.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"سابر\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":164},{"text":"ملوك الطوائف، ورد الملك إلى الأكاسرة، فأما سابور ذو الأكتاف فهو من بعد ذلك بزمن طويل، والله أعلم، ذكره السهيلي، قال ابن هشام: فحصره سنتين وذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور في غيبته وهو في العراق، وأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة، فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، فدست إليه أن تتزوجني إن فتحت لك باب الحصن، فقال: نعم، فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر وكان لا يبيت إلا سكران، فأخذت مفاتيح باب الحصن من تحت رأسه فبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب، ويقال: دلتهم على طلسم كان في الحصن لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء فتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم ترسل، فإذا وقعت على سور الحصن سقط ذلك ففتح الباب، ففعل ذلك، فدخل سابور، فقتل ساطرون واستباح الحصن وخربه، وسار بها معه وتزوجها، فبينما هي نائمة على فراشها ليلًا إذ جعلت تتململ لا تنام، فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد فيه ورقة آس، فقال لها سابور: هذا الذي أسهرك فما كان أبوك يصنع بك؟ قالت: كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ، ويسقيني الخمر، قال الطبري (^١): كان يطعمني المخ والزبد، وشهد أبكار النحل، وصفو الخمر! وذكر أنه كان يرى مخ ساقها، قال: فكان جزاء أبيك ما صنعت به؟! أنت إلي بذاك أسرع، ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس، فركض الفرس حتى قتلها، وفيه يقول عدي بن زيد العبادي أبياته المشهورة:\nأيها الشامت المعير بالدهر … أأنت المبرأ الموفور\nأم لديك العهد الوثيق من الأيـ … ــام بل أنت جاهل مغرور\nمن رأيت المنون خلد أم من … ذا عليه من أن يضام خفير\nأين كسرى كسرى الملوك … أنوشروان أم أين قبله سابور\nوبنو الأصفر الكرام ملوك … الروم لم يبق منهم مذكور\nوأخو الحضر إذ بناه … وإذ دجلة تجبى إليه والخابور\nشاده مرمرًا وجلله … كلسًا فللطير في ذراه وكور\nلم تهبه ريب المنون فباد الـ … ملك عنه فبابه مهجور\nوتذكر رب الخورنق إذا شرف … يومًا وللهدى تفكير\nسرَّه ماله وكثرة ما يملك … والبحر معرض والسدير\nفارعوى قلبه وقال فما … غبطة حي إلى الممات يصير\nثم أضحوا كأنهم ورق جف … فألوت به الصبا والدبور\nثم بعد الفلاح والملك والأمة … وارتهم هناك القبور] (^٢)\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك، هذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي (^٣): ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو إنتاج أو غير ذلك كما يقوله أبو العالية والسدي (^٤)،\n_________\n(^١) لم أجده في تفسير الطبري.\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من (مح).\n(^٣) (^٤) قول أبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن.","vol":"3","page":165},{"text":"﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: من قبلك وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك، كما قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وكما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]، وهكذا قال هؤلاء المنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهرًا وهم كارهون له في نفس الأمر، ولهذا إذا أصابهم شر إنما يسندونه إلى اتباعهم النبي ﷺ. وقال السدي: وإن تصبهم حسنة، قال: والحسنة الخصب، تنتج مواشيهم وخيولهم وأنعامهم، ويحسن حالهم وتلد نساؤهم الغلمان، قالوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ والسيئة الجدب والضرر في أموالهم، تشاءموا بمحمد ﷺ وقالوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يقولون: بتركنا ديننا واتباعنا محمدًا أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (^١).\nوقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر والمؤمن والكافر.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، أي: الحسنة والسيئة (^٢). وكذا قال الحسن البصري.\nثم قال تعالى منكرًا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم وكثرة جهل وظلم: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.\nذكر حديث غريب يتعلق بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.\nقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا السكن بن سعيد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا إسماعيل بن حماد، عن مقاتل بن حيان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ، فأقبل أبو بكر وعمر في قبيلتين من الناس وقد ارتفعت أصواتهما، فجلس أبو بكر قريبًا من النبي ﷺ، وجلس عمر قريبًا من أبي بكر، فقال رسول الله ﷺ: \"لم ارتفعت أصواتكما؟ \" فقال رجل: يا رسول الله، قال أبو بكر: يا رسول الله الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا، فقال رسول الله ﷺ: \"فما قلت يا عمر؟ \" فقال: قلت: الحسنات والسيئات من الله فقال رسول الله ﷺ: \"إن أول من تكلم فيه جبريل وميكائيل، فقال مكيائيل مقالتك يا أبا بكر، وقال جبريل مقاتلك يا عمر\" فقال: \"نختلف فيختلف أهل السماء وإن يختلف أهل السماء يختلف أهل الأرض، فتحاكما إلى إسرائيل فقضى بينهم أن الحسنات والسيئات من الله\". ثم أقبل على أبي بكر وعمر فقال: \"احفظا قضائي بينكما، لو أراد الله أن لا يعصى لما خلق إبليس\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس بن تيمية: هذا حديث موضوع (^٤) مختلق باتفاق أهل المعرفة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق رجل مبهم عن السدي وسنده ضعيف بسبب الإبهام والإرسال.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.\n(^٣) أخرجه البزار بسنده ومتنه كما في مختصر زوائد مسند البزار، وقال الحافظ ابن حجر: هذا خبر منكر وفي الإسناد ضعف (ح ١٥٩٧).\n(^٤) وكذلك جعله ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٧٣).","vol":"3","page":166},{"text":"<span id=\"aya-572\"></span>ثم قال تعالى مخاطبًا لرسوله ﷺ والمراد جنس الإنسان ليحصل الجواب: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: من فضل الله ومنه ولطفه ورحمته ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: فمن قبلك، ومن عملك أنت، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠] قال السدي والحسن البصري وابن جريج وابن زيد: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: بذنبك (^١). وقال قتادة في الآية ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾: عقوبة لك يا ابن آدم بذنبك. قال: وذكر لنا أن النبي ﷺ قال: \"لا يصيب رجلًا خدش عود ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر\" (^٢)، وهذا الذي أرسله قتادة قد روي متصلًا في الصحيح: \"والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن هم ولا حزن، ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله عنه بها من خطاياه\" (^٣).\nوقال [أبو صالح] (^٤): ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: بذنبك وأنا الذي قدرتها عليك، رواه ابن جرير (^٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سهل - يعني: ابن بكار -، حدثنا الأسود بن شيبان، حدثني عقبة بن واصل ابن أخي مطرف، عن مطرف بن عبد الله، قال: ما تريدون من القدر أما تكفيكم الآية التي في سورة النساء ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: من نفسك، والله ما وكلوا إلى القدر وقد أمروا وإليه يصيرون (^٦).\nوهذا كلام متين قوي في الرد على القدرية والجبرية أيضًا. ولبسطه موضع آخر.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ أي: تبلغهم شرائع الله وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: على أنه أرسلك وهو شهيد أيضًا بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إياه وبما يردون عليك من الحق كفرًا وعنادًا.\n\n<span id=\"aya-573\"></span>﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾.\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأن من أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.\n_________\n(^١) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحسين، وهو: سنيد، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن لكنه مرسل ويشهد ما يليه.\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري (صحيح البخاري، المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض ح ٥٦٤١، ٥٦٤٢)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض (ح ٢٥٧٣).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"ابن صالح\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه عقبة بن واصل، ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٦/ ٣١٨).","vol":"3","page":167},{"text":"قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني\" (^١)، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن الأعمش [به] (^٢) (^٣).\nوقوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: ما عليك منه إن عليك إلا البلاغ فمن اتبعك سعد ونجا، وكان لك من الأجر نظير ما حصل له، ومن تولى عنك خاب وخسر وليس عليك من أمره شيء، كما جاء في الحديث: \"من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-574\"></span>وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: خرجوا وتواروا عنك ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أي: استسروا ليلًا فيما بينهم بغير ما أظهروه لك، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين الذي هم موكلون بالعباد، يعلمون ما يفعلون والمعنى في هذا التهديد أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلًا من مخالفة الرسول ﷺ وعصيانه وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [النور: ٤٧]، وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: اصفح عنهم واحلم عليهم ولا تؤاخذهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تخف منهم أيضًا ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: كفى به وليًا وناصرًا ومعينًا لمن توكل عليه وأناب إليه.\n\n<span id=\"aya-575\"></span>﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾.\nيقول تعالى آمرًا لهم بتدبر القرآن وناهيًا لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبرًا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: لو كان مفتعلًا مختلقًا، كما يقوله من يقول من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافًا؛ أي: اضطرابًا وتضادًا كثيرًا؛ أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله، كما قال تعالى مخبرًا عن الراسخين في العلم حيث\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) \"به\" سقطت من الأصل واستدركت من (حم) و(مح).\n(^٣) صحيح البخاري، الأحكام، باب قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] (ح ٧١٣٧)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (ح ١٨٣٥).\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث عَدي بن حاتم بنحوه (الصحيح، الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة ح ٨٧٠).","vol":"3","page":168},{"text":"قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] أي: محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسًا ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من صحابة رسول الله ﷺ على باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله ﷺ مغضبًا قد احمرّ وجهه يرميهم بالتراب ويقول: \"مهلًا يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، إنما نزل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه\" (^١). وهكذا رواه أيضًا عن أبي معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال لهم: \"ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم\" قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله ﷺ ولم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده (^٢)، ورواه ابن ماجه من حديث داود بن أبي هند به نحوه (^٣).\nوقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، قال: كتب إليَّ [عبد الله] (^٤) بن رباح يحدث عن عبد الله بن عمرو، قال: هجرت إلى رسول الله ﷺ يومًا، فإنا لجلوس إذ اختلف اثنان في آية، فارتفعت أصواتهما، فقال: \"إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب\" (^٥). ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن زيد به (^٦).\n\n<span id=\"aya-576\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة. وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن حفص، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: \"كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع\" (^٧). وكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن محمد بن الحسين بن إشكاب، عن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٧٠٢)، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٧٨)، وسنده حسن.\n(^٣) السنن، المقدمة، باب في القدر (ح ٨٥)، وقال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات (مصباح الزجاجة ١/ ٥٨)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ٦٩).\n(^٤) زيادة من (حم) و(مح) والتخريج.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٩٢)، وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح مسلم، العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن (ح ٢٦٦٦)، والسنن الكبرى للنسائي، كتاب فضائل القرآن (ح ٨٠٩٥).\n(^٧) صحيح مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (ح ٥).","vol":"3","page":169},{"text":"علي بن حفص عن شعبة مسندًا، ورواه مسلم أيضًا من حديث معاذ بن هشام العنبري وعبد الرحمن بن مهدي، وأخرجه أبو داود أيضًا من حديث حفص بن عمرو النمري، ثلاثتهم عن شعبة، عن خبيب، عن حفص بن عاصم به، مرسلًا (^١).\nوفي الصحيحين، عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ، نهى عن قيل وقال (^٢)؛ أي: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبين.\nوفي سنن أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: \"بئس مطية الرجل زعموا\" (^٣).\nوفي الصحيح: \"من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين\" (^٤).\nولنذكر ههنا حديث عمر بن الخطاب المتفق على صحته حين بلغه أن رسول الله ﷺ، طلق نساءه، فجاء من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على النبي ﷺ، فاستفهمه: أطلقت نساءك؟ فقال: \"لا\" فقمت: الله أكبر … وذكر الحديث بطوله (^٥).\nوعند مسلم فقلت: أطلقتهن؟ فقال: \"لا\". فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي، لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر (^٦). ومعنى يستنبطونه؛ أي: يستخرجونه من معادنه، يقال: استنبط الرجل العين إذا حفرها واستخرجها من قعورها.\nوقوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني المؤمنون (^٧).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني: كلكم (^٨).\nواستشهد من نصر هذا القول بقول الطِّرمَّاح بن حكيم في مدح يزيد بن المهلب:\nاشمَّ كثير يدي النوال … قليل المثالب والقادحة (^٩)\nيعني: لا مثالب له ولا قادحة فيه.\n_________\n(^١) المصدر السابق وسنن أبي داود، الأدب، باب التشديد في الكذب (ح ٤٩٩٢).\n(^٢) صحيح البخاري، الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] (ح ١٤٧٧)، وصحيح مسلم، الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة (ح ٥٩٣).\n(^٣) السنن، الأدب، باب قول الرجل: زعموا (ح ٤٩٧٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود و(ح ٤١٥٨).\n(^٤) صحيح مسلم، المقدمة ص ٩.\n(^٥) صحيح البخاري، العلم، باب التناوب في العلم (ح ٨٩)، وصحيح مسلم، الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء (ح ١٤٧٩).\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) أخرجه الطبرى وابن أبي حاتم بسند ثابت عن ابن أبي طلحة به.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق بسنده ولفظه، وسنده صحيح.\n(^٩) ديوان الطرماح ص ٨٣.","vol":"3","page":170},{"text":"<span id=\"aya-577\"></span>﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾.\nيأمر تعالى عبده ورسوله محمدًا ﷺ بأن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عنه فلا عليه منه، ولهذا قال: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمرو بن زنيج، حدثنا حكام، حدثنا الجراح الكندي، عن أبي إسحاق، قال: سألت البراء بن عازب عن الرجل يلقى مائة من العدو فيقاتل فيكون ممن قال الله فيه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؟ قال: قد قال الله تعالى لنبيه: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\nورواه الإمام أحمد عن سليمان بن داود، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا، إن الله بعث رسوله ﷺ وقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ إنما ذلك في النفقة (^٢). وكذا رواه ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش وعلي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن البراء به.\nثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي، حدثنا محمد بن حمير، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت على النبي ﷺ ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، قال لأصحابه: \"وقد أمرني ربي بالقتال فقاتلوا\" حديث غريب (^٣).\nوقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ …﴾ أي: على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عليه، كما قال لهم ﷺ يوم بدر وهو يسوي الصفوف: \"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض\" (^٤).\nوقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها\". قالوا: يا رسول الله أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال: \"إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة\" (^٥) وروي من حديث عبادة ومعاذ وأبي الدرداء، نحو ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٨١)، وسنده صحيح وقد أخرجه البخاري من حديث حذيفة (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ح ٤٥١٦).\n(^٣) في سنده محمد بن حمير تُكلم فيه (لسان الميزان ٥/ ١٥٠).\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث أنس مطولًا (الصحيح، الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد ح ١٩٠١).\n(^٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله (ح ٢٧٩٠).","vol":"3","page":171},{"text":"وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: \"يا أبا سعيد، من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا ونبيًا، [وجبت له الجنة] (^١) \"، قال: فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها عليّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال رسول الله ﷺ: \"وأخرى يرفع الله العبد بها مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض\". قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: \"الجهاد في سبيل الله\"، رواه مسلم (^٢).\nوقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء. ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤].\n\n<span id=\"aya-578\"></span>وقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ أي: من يسعى في أمر فيترتب عليه خير كان له نصيب من ذلك، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ أي: يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ، أنه قال: \"اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء\" (^٣).\nوقال مجاهد بن جبر: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض (^٤).\nوقال الحسن البصري: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ﴾ ولم يقل: من يشفّع (^٥).\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.\nقال ابن عباس وعطاء وعطية وقتادة ومطر الوارق ﴿مُقِيتًا﴾ أي: حفيظًا (^٦).\nوقال مجاهد: شهيدًا، وفي رواية عنه: حسيبًا (^٧).\nوقال سعيد بن جبير والسدي وابن زيد: قديرًا (^٨).\n_________\n(^١) سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح) والتخريج.\n(^٢) صحيح مسلم، الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد في الجنة (ح ١٨٨٤).\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري (صحيح البخاري، الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها ح ١٤٣٢)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب استحباب الشفاعة (ح ٢٦٢٧).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حميد الطويل عن الحسن بنحوه، وأخرجه الطبري بسند ضعيف لم يصرح باسم شيخه بلفظه.\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وبقية الأقوال ذكرها أبي حاتم بحذف السند.\n(^٧) القول الأول عن مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، والقول الثاني عن مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق شريك عن خُصيف عنه.\n(^٨) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.","vol":"3","page":172},{"text":"وقال عبد الله بن كثير: المقيت: الواصب (^١).\nوقال الضحاك: المقيت: الرزاق (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن مطرف، حدثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل، عن رجل، عن عبد الله بن رواحة، وسأله رجل عن قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قال: مقيت لكل إنسان بقدر عمله (^٣).\n\n<span id=\"aya-579\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة.\nقال ابن جرير: حدثنا موسى بن سهل الرملي، حدثنا عبد الله بن [السري] (^٤) الأنطاكي، حدثنا هشام بن لاحق، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: \"وعليك السلام ورحمة الله\"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله ﷺ: \"وعليك السلام ورحمة الله وبركاته\" ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له: \"وعليك\"، فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت عليّ فقال: \"إنك لم تدع لنا شيئًا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فرددناها عليك\" (^٥). وهكذا رواه ابن أبي حاتم معلقًا، فقال: ذكر عن أحمد بن الحسن الترمذي، حدثنا عبد الله بن السري أبو محمد الأنطاكي، قال أبو الحسن - وكان رجلًا صالحًا -: حدثنا هشام بن لاحق … فذكره بإسناده مثله (^٦)، ورواه أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن لاحق أبو عثمان … فذكره مثله (^٧)، ولم أره في المسند، والله أعلم.\nوفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله ﷺ.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير أخو سليمان بن كثير، حدثنا جعفر بن سليمان بن عوف، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: السلام عليكم يا رسول الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: \"عشر\"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: \"عشرون\"، ثم جاء آخر فقال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو سند ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ إسماعيل.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"السدي\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن عبد الله بن السري روى مناكير كثيرة (التقريب ص ٣٠٥).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتن، وحكمه كسابقه.\n(^٧) في سنده هشام بن لاحق ضعفه العقيلي، وترك حديثه الإمام أحمد (لسان الميزان ٦/ ١٩٨).","vol":"3","page":173},{"text":"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، ثم جلس فقال: \"ثلاثون\" (^١)، وكذا رواه أبو داود عن محمد بن كثير، وأخرجه الترمذي والنسائي والبزار من حديثه، ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف (^٢).\nوقال البزار: قد روي هذا عن النبي ﷺ من وجوه هذا أحسنها إسنادًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيًا، ذلك بأن الله يقول: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (^٣).\nوقال قتادة: فحيوا بأحسن منها؛ يعني للمسلمين، أو ردوها؛ يعني لأهل الذمة (^٤). وهذا التنزيل فيه نظر كما تقدم في الحديث من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به، فإن بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام، رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة فلا يبدؤون بالسلام ولا يزادون، بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: وعليك\" (^٥).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه\" (^٦).\nوقال سفيان الثوري، عن رجل، عن الحسن البصري، قال: السلام تطوع والرد فريضة (^٧).\nوهذا الذي قال، هو قول العلماء قاطبة، أن الرد واجب على من سلم عليه، فيأثم إن لم يفعل، لأنه خالف أمر الله في قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم\"] (^٨) (^٩).\n\n<span id=\"aya-580\"></span>وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات وتضمن قسمًا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٣٩)، وسنده حسن، وسيأتي تخريجه.\n(^٢) سنن أبي داود، الأدب، باب كيف السلام؟ (ح ٥١٩٥)، وسنن الترمذي، الاستئذان، باب ما ذكر في فضل السلام وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، والسنن الكبرى للنسائي (ح ١٠١٦٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢١٦٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق سماك به (الأدب المفرد ح ١١٠٧)، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٨٤٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) صحيح البخاري، الاستئذان، باب كيف يرد على أهل الذمة السلام؟ (ح ٦٢٥٧)، وصحيح مسلم، السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب السلام (ح ٢١٦٤).\n(^٦) المصدر السابق (ح ٢١٦٧).\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وفي سنده انقطاع لإبهام شيخ الثوري، وأخرجه البخاري متصلًا عن الحسن (الأدب المفرد ح ١٠٤٠)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٧٩٤).\n(^٨) سنن أبي داود، الأدب، باب في إفشاء السلام (ح ٥١٩٣)، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة أيضًا (الصحيح، الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ح ٩٣).\n(^٩) ما بين معقوفين لا يوجد في النسخ واستدرك من نسخة دار الكتب حسب طبعة البابي الحلبي.","vol":"3","page":174},{"text":"لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهذه اللام موطئة للقسم، فقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر وقسم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي: لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو ولا رب سواه.\n\n<span id=\"aya-581\"></span>﴿* فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين على قولين، واختلف في سبب ذلك فقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا شعبة، قال عدي بن ثابت: أخبرني عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ خرج إلى أُحد فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، هم المؤمنون، فأنزل الله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الفضة\" (^١) أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة (^٢).\nوقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في وقعة أُحد أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذٍ بثلث الجيش، رجع بثلاثمائة وبقي النبي ﷺ في سبعمائة (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله، أو كما قالوا: أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم، نستحل دماءهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحدًا من الفريقين عن شيء، فنزلت ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. رواه ابن أبي حاتم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٩٩٢١)، وهو حديث متفق عليه كما يلي.\n(^٢) صحيح البخاري، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] ح ٤٥٨٩)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٧٦).\n(^٣) ذكره ابن إسحاق بدون سند (سيرة ابن هشام ٢/ ٦٤).\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق العوفي به وسنده ضعيف، ولد شواهد تالية.","vol":"3","page":175},{"text":"وقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا (^١).\nوقال زيد بن أسلم، عن ابن لسعد بن معاذ: أنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أُبي، حين استعذر من رسول الله ﷺ على المنبر في قضية الإفك (^٢). وهذا غريب، وقيل غير ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ.\nقال ابن عباس: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: أوقعهم (^٣).\nوقال قتادة: أهلكهم (^٤).\nوقال السدي: أضلهم (^٥).\nوقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي: لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه،\n\n<span id=\"aya-582\"></span>وقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها وما ذاك إلا لشدة عدواتهم وبغضهم لكم، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تركوا الهجرة، قاله العوفي عن ابن عباس (^٦).\nوقال السدي: أظهروا كفرهم (^٧).\n﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك،\n\n<span id=\"aya-583\"></span>ثم استثنى الله من هؤلاء، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: إلا الذين لجأوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة فاجعلوا حكمهم كحكمهم، وهذا قول السدي وابن زيد وابن جرير (^٨).\nوقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر النبي ﷺ على أهل بدر وأحد وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: صه، فقال النبي ﷺ: \"دعوه، ما تريد؟ \" قال:\n_________\n(^١) قول أبي سلمة بن عبد الرحمن أخرجه ابن أبي حاتم والإمام أحمد (المسند ١/ ١٩٢)، بسند حسن، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح لكنه مرسل، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه مرسل وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم به.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري وأبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن العوفي به.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٨) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.","vol":"3","page":176},{"text":"بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومي أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا [لم تخشن] (^١) قلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله ﷺ بيد خالد بن الوليد فقال: \"اذهب معه فافعل ما يريد\" فصالحهم خالد على ألا يعينوا على رسول الله ﷺ وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (^٢).\nورواه ابن مردويه من طريق حماد بن سلمة، وقال: فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم (^٣)، وهذا أنسب لسياق الكلام.\nوفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية: فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد ﷺ وأصحابه وعهدهم (^٤).\nوقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية (^٥) [التوبة: ٥].\nوقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾، هؤلاء قوم آخرون من المستثنين عن الأمر بقتالهم وهم الذي يجئيون إلى المصاف وهم حصرة صدروهم؛ أي: ضيقة صدروهم مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضًا أن يقاتلوا قومهم معكم بل هم لا لكم ولا عليكم ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ أي: من لطفه بكم أن كفهم عنكم ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: المسالمة ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين فحضروا القتال وهم كارهون كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي ﷺ يومئذٍ عن قتل العباس وأمر بأسره.\n\n<span id=\"aya-584\"></span>وقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي ﷺ ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن فيعبدون معهم ما يعبدون ليأمنوا بذلك عندهم وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، وقال ههنا: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ أي: انهمكوا فيها.\nوقال السدي: الفتنة - ههنا - الشرك (^٦).\nوحكى ابن جرير عن مجاهد أنها نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وسقط من الأصل.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف علي بن زيد بن جدعان.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حماد به (المصنف ١٤/ ٢٣٢)، وفي سنده أيضًا علي بن زيد بن جدعان.\n(^٤) صحيح البخاري، الشروط، باب الشروط في الجهاد (ح ٢٧٣١).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس، وسنده ضعيف لأن عطاء لم يسمع من ابن عباس.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"3","page":177},{"text":"رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا (^١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [المهادنة والصلح] (^٢) ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن القتال، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ [إسراء] (^٣) ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: أين لقيتموهم، ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: بينًا واضحًا.\n\n<span id=\"aya-585\"></span>﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾.\nيقول تعالى: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، وكما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة\" (^٤) ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه، وقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ قالوا: هو استثناء منقطع، كقول الشاعر (^٥):\nمن البيض لم تظعن بعيدًا ولم تطأ … على الأرض إلا ريط مُرحَّل (^٦)\nولهذا شواهد كثيرة. واختلف في سبب نزول هذه، فقال مجاهد وغير واحد: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه وهي أسماء بنت مخرمة، وذلك أنه قتل رجلًا كان يعذبه مع أخيه على الإسلام وهو الحارث بن يزيد العامري، فأضمر له عياش السوء، فاسلم ذلك الرجل وهاجر وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه فحمل عليه فقتله، فأنزل الله هذه الآية (^٧).\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت في أبي الدرداء لأنه قتل رجلًا وقد قال كلمة الإيمان حين رفع عليه السيف، فأهوى به إليه فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي ﷺ، قال: إنما قالها متعوذًا فقال له: \"هل شققت عن قلبه؟ \" (^٨)، وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل.\n(^٢) (^٣) ما بين معقوفين زيادة من نسخة دار الكتب المصرية كما في طبعة البابي الحلبي.\n(^٤) صحيح البخاري، الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ …﴾ [المائدة: ٤٥] (ح ٦٨٧٨)، وصحيح مسلم، القسامة، باب ما يباح به دم المسلم (ح ١٦٧٦).\n(^٥) هو جرير بن عطية الغطفي كما صرح الطبري في تفسيره.\n(^٦) ديوان جرير بن عطية ٢/ ٩٤٥، والمرحل: نوع من ملابس اليمن سُمي مرحلًا لأن عليه تصاوير رحل (لسان العرب: ر ح ل)\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل ويتقوى بمرسل رواه ابن أبي حاتم بسند حسن عن سعيد بن جبير.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد به، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن وانقطاعه لأنه لم =","vol":"3","page":178},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ هذان واجبان في قتل الخطأ، أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة فلا تجزئ [الكافرة] (^١) وحكى ابن جرير عن ابن عباس والشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري أنهم قالوا: لا يجزئ الصغير حتى يكون قاصدًا للإيمان (^٢).\nوروي من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، قال: في حرف، فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزئ فيها صبي (^٣). واختار ابن جرير أنه إن كان مولودًا بين أبوين مسلمين أجزأ وإلا فلا، والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلمًا صح عتقه عن الكفارة سواء كان صغيرًا أو كبيرًا.\nقال الإمام أحمد: أنبأنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن رجل من الأنصار: أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله، إن علي عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله: \"أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ \" قالت: نعم. قال: \"أتشهدين أني رسول الله؟ \" قالت: نعم. قال: \"أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ \" قالت: نعم. قال: \"أعتقها\" (^٤). وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره.\nوفي موطأ مالك ومسندي الشافعي وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي من طريق هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم: أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله ﷺ: \"أين الله؟ \" قالت: في السماء. قال: \"من أنا؟ \" قالت: رسول الله ﷺ، قال: \"أعتقها، فإنها مؤمنة\" (^٥).\nوقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ هو الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل عوضًا لهم عما فاتهم من قتليهم، وهذه الدية إنما تجب أخماسًا، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث الحجاج بن أرطأة، عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك، عن ابن مسعود، قال: قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرين بنت مخاض (^٦)، وعشرين بني مخاض ذكورًا، وعشرين بنت لبون (^٧)، وعشرين جذعة (^٨)، وعشرين حقة (^٩)، لفظ [النسائي] (^١٠) قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا\n_________\n= يسمع من أبي الدرداء، ومتنه مخالف لما في الصحيح.\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"الكفارة\" وهو تصحيف.\n(^٢) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عن قتادة، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٣) سنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٥١)، وصحَّح سنده الحافظ ابن كثير، وأخرجه عبد الرزاق به (المصنف رقم ١٦٨١٤)، وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١/ ٢٨).\n(^٥) الموطأ، العتق، باب ما يجوز من العتق ٢/ ٥٩٥، ومسند الشافعي (ح ١١٩٦)، ومسند أحمد ٥/ ٤٤٧، وصحيح مسلم، المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة (ح ٥٣٧)، مطولًا، وكفي بتصحيح مسلم.\n(^٦) هي التي أتى عليها الحول (سنة).\n(^٧) هي التي أتى عليها حولان (سنتان).\n(^٨) هي التي دخلت في السنة الخامسة.\n(^٩) هي التي دخلت في السنة الرابعة.\n(^١٠) كذا في (حم) و(مح) وسنن النسائي وفي الأصل: \"الثاني\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":179},{"text":"إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفًا (^١)، كما روي عن علي وطائفة (^٢).\nوقيل: يجب أرباعًا وهذه الدية على العاقلة لا في ماله، قال الشافعي ﵀: لم أعلم مخالفًا أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على العاقلة وهو أكثر من حديث الخاصة (^٣)، وهذا الذي أشار إليه ﵀ قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها (^٤).\nوهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ المحض في وجوب الدية، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثًا لشبهه بالعمد.\nوفي صحيح البخاري عن عبد الله عمر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتلهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فرفع يديه وقال: \"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد\" وبعث عليًا فودى قتلاهم وما أتلف من أموالهم حتى ميلغة الكلب (^٥) (^٦). وهذا الحديث يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال.\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي: فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: إذا كان القتيل مؤمنًا ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير، وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنًا فدية كاملة، وكذا إن كان كافرًا أيضًا عند طائفة من العلماء، وقيل: يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل: ثلثها كما هو مفصل في كتاب الأحكام، ويجب أيضًا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: لا إفطار بينهما بل يسرد صومهما إلى آخرهما، فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيض أو نفاس استأنف، واختلفوا في السفر هل يقطع أم لا؟ على قولين. وقوله: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: هذه توبة\n_________\n(^١) المسند ٧/ ٣٢٨ - ٣٢٩، وسنن أبي داود، الديات، باب الدية كم هي؟ (ح ٤٥٤٥)، وقال: هو قول عبد الله. اهـ. أي لم يصح رفعه وسنن الترمذي، الديات (ح ١٣٨٦)، وسنن النسائي، الديات، باب ذكر أسنان دية الخطأ ٨/ ٤٣، وسنن ابن ماجه، الديات، باب دية الخطأ (ح ٢٦٣١)، وسنن الدارقطني ٣/ ١٧٣، وقال: هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة، وسرد علله في العلل ٥/ ٦٩٤. وأخرجه البيهقي وجزم أنه من قول ابن مسعود (السنن الكبرى ٨/ ٧٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق عاصم بن ضمرة عن علي بلفظ آخر: \"إذ جعلها أرباعًا خمسة وعشرين ثم خمسة وعشرين … \" وهكذا (المصنف ٦/ ٢٧٣).\n(^٣) ذكره في الأم ٦/ ١٠١.\n(^٤) صحيح البخاري، الطب، باب الكهانة (ح ٥٧٥٨)، وصحيح مسلم، القسامة، باب دية الجنين (ح ١٦٨١).\n(^٥) ميلغة الكلب: أي الإناء الذي يلغ فيه، أي يشرب فيه الكلب.\n(^٦) صحيح البخاري، المغازي، باب بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد (ح ٤٣٣٩).","vol":"3","page":180},{"text":"القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين، واختلفوا فيمن لا يستطع الصيام، هل يجب عليه إطعام ستين مسكينًا كما في كفارة الظهار؟ على قولين:\nأحدهما: نعم كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر ههنا، لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص.\nوالقول الثاني: لا يعدل إلى الطعام، لأنه لو كان واجبًا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ قد تقدم تفسيره غير مرة.\n\n<span id=\"aya-586\"></span>ثم لما بيّن تعالى حكم القتل الخطأ شرع في بيان حكم القتل العمد، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدًّا، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء\" (^١)، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود من رواية [عمرو] (^٢) بن الوليد بن عبدة المصري عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يزال المؤمن [معنقًا] (^٣) صالحًا ما لم يصب دمًا حرمًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا بلَّح (^٤) \" (^٥).\nوفي حديث آخر: \"لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم\" (^٦)، وفي الحديث الآخر: \"لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار\" (^٧).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الرقاق، باب القصاص يوم القيامة (ح ٦٥٢٣)، وصحيح مسلم، القسامة، باب المجازاة بالدماء في الآخرة (ح ١٦٧٨).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) والتقريب، وفي الأصل: \"عمر\" وهو تصحيف.\n(^٣) كذا في (حمل و(مح) والنهاية لابن الأثير، وفي الأصل: \"شفيعًا\" وهو تصحيف، ومعنى معنقًا: مسرعًا في طاعته منبسطًا في عمله (النهاية ٣/ ٣١٠).\n(^٤) هذا الحديث هو في سنن أبي داود كما قال الحافظ ابن كثير ولكنه أغفل من النسخة المطبوعة التي بين أيدينا، وقد صرح بذلك المزي بعد أن ذكر الحديث بطريقه ولفظه (تحفة الإشراف ٤/ ٢٥٦ ح ٥١٠٥)، وفي سنده خالد بن دهقان: مقبول (التقريب ص ١٨٧).\n(^٥) بلحّ الرجل إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر أن يتحرك (النهاية ١/ ١٥١).\n(^٦) أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا (السنن، الديات، باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن ح ١٣٩٥)، وحسنه المنذري (الترغيب ٣/ ٢٠٢)، وصححه ابن الملقن (خلاصة البدر المنير ٢/ ٢٦١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١١٢٦).\n(^٧) صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٥/ ٥٨ (ح ٥١٢٣).","vol":"3","page":181},{"text":"وفي الحديث الآخَر: \"ومن أعان على قتل المسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله\" (^١).\nوقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدًا، وقال البخاري: حَدَّثَنَا آدم، حَدَّثَنَا شعبة، حَدَّثَنَا المغيرة بن النعمان، قال: سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء (^٢). وكذا رواه هو أيضًا ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة به (^٣). ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فقال: ما نسخها شيء (^٤).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا بن بشار، حَدَّثَنَا ابن عون، حَدَّثَنَا شعبة، عن سعيد بن جبير، قال: قال عبد الرحمن بن أبزى سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ....﴾ الآية، قال: لم ينسخها شيء، وقال في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]، قال: نزلت في أهل الشرك (^٥).\nوقال ابن جرير أيضًا: حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا جرير، عن منصور، حدثني سعيد بن جبير أو حدثني الحكم، عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم ولا توبة له، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من ندم (^٦).\nحَدَّثَنَا ابن حميد وابن وكيع قالا: حَدَّثَنَا جرير، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجعد، قال: كنا عند ابن عباس بعدما كف بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ قال: أفرأيت إن تاب وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال ابن عَبَّاسٍ: ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم ﷺ يقول: \"ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمدًا جاء يوم القيامة أخذه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله وبيده الأخرى رأسه\"، يقول: \"يا رب، سل هذا فيمَ قتلني\" وايم الذي نفس عبد الله بيده، لقد\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا (السنن، الديات، باب التغليط في قتل مسلم ظلمًا ح ٢٦٢٠)، وسنده ضعيف جدًّا بسبب يزيد بن زياد الدمشقي متروك (التقريب ص ٦٠١).\n(^٢) صحيح البخاري، تفسير سورة النساء، باب ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا …﴾ [النساء: ٩٣] (ح ٤٥٩٠).\n(^٣) صحيح مسلم، التفسير (ح ٣٠٢٣)، وسنن النسائي، تحريم الدم، باب تعظيم الدم (ح ٨٥١٧).\n(^٤) سنن أبي داود، الفتن والملاحم، باب في تعظيم قتل المؤمن (ح ٤٢٧٥)، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وبالإسناد نفسه أخرجه مسلم (الصحيح، التفسير ح ٣٠٢٣/ ١٨).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، وقد توبع فأخرجه البخاري من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جرير به (الصحيح، مناقب الأنصار، باب ما لقي النَّبِيّ ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة ح ٣٨٥٥).","vol":"3","page":182},{"text":"أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتَّى قبض نبيكم ﷺ، وما نزل بعدها من برهان (^١).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، سمعت يحيى بن المجبر يحدث عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس أن رجلًا أتى إليه فقال: أرأيت رجلًا قتل رجلًا عمدًا؟ فقال: جزاؤه جهنم خالدًا فيها، الآية، قال: لقد نزلت من آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتَّى قبض رسول الله ﷺ، وما نزل وحي بعد رسول الله ﷺ قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ثكلته أمه رجل قتل رجلًا متعمدًا يجئ يوم القيامة آخذًا قاتله بيمينه أو بيساره - أو آخذًا رأسه بيمينه أو بشماله - تشخب أوداجه دمًا من قبل العرش، يقول: يا رب، سل عبدك فيمَ قتلني (^٢)؟ \"، وقد رواه النسائي عن قتيبة وابن ماجه، عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني ويحيى الجابر وثابت الثمالي عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس … فذكره (^٣)، وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف زيد بن ثابت وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم نقله ابن أبي حاتم (^٤).\nوفي الباب أحاديث كثيرة، فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في تفسيره؛ حَدَّثَنَا دعلج بن أحمد، حَدَّثَنَا محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي (ح)، وحدثنا عبد الله بن جعفر، وحدثنا إبراهيم بن فهد، قالا: حَدَّثَنَا عبيد بن عبيدة، حَدَّثَنَا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"يجئ المقتول متعلقًا بقاتله يوم القيامة آخذًا رأسه بيده الأخرى فيقول: يا رب سل هذا فيمَ قتلني؟ قال: فيقول: قتلته لتكون العزة لك، فيقول: فإنها لي، قال: ويجئ آخر متعلقًا بقاتله فيقول: رب سل هذا فيمَ قتلني. قال فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له بؤ بإثمه، قال: فيهوي في النار سبعين خريفًا\" وقد رواه النسائي عن إبراهيم بن المستمر [العروقي] (^٥)، عن عمرو بن عاصم، عن معتمر بن سليمان به (^٦).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا صفوان بن عيسى، حَدَّثَنَا ثور بن يزيد، عن أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية ﵁ يقول: سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول: \"كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا\" وكذا رواه النسائي عن محمد بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده يحيى بن عبد الله الجابر لين الحديث (التقريب ص ٥٩٢)، وقد توبع كما سيأتي في الروايات اللاحقة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٣٠٣)، وصححه محققه وغيره كما سيأتي.\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، سورة النساء (٣٠٢٩)، وسنن النسائي، تحريم الدم، باب تعظيم الدم ٧/ ٨٥، وسنن ابن ماجه (ح ٢٦٢١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٢٥).\n(^٤) ذكرهم جميعًا ابن أبي حاتم بحذف السند وقد خرجتها هناك.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) والتقريب وفي الأصل: \"العدولي\" وهو تصحيف.\n(^٦) سنن النسائي، تحريم الدم، باب تعظيم الدم ٧/ ٨٤ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٧٣٢).","vol":"3","page":183},{"text":"المثنى، عن صفوان بن عيسى به (^١).\nوقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا سمويه، حَدَّثَنَا عبد الأعلى بن مسهر، حَدَّثَنَا صدقة بن خالد، حَدَّثَنَا خالد بن دهقان، حَدَّثَنَا ابن أبي زكريا، قال: سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركًا، أو من قتل مؤمنًا متعمدًا\" وهذا غريب جدًّا من هذا الوجه، والمحفوظ حديث معاوية المتقدم، فالله أعلم، ثم روى ابن مردويه من طريق بقية بن الوليد، عن نافع بن يزيد: حدثني ابن جبير الأنصاري، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"من قتل مؤمنًا متعمدًا فقد كفر باللّه ﷿\" (^٢) وهذا حديث [منكر] (^٣) أيضًا، وإسناده مظلم جدًّا، قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا النضر، حَدَّثَنَا سليمان بن المغيرة، حَدَّثَنَا حميد، قال: أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي، فقال لنا: هلما فأنتما أشب سنًا مني، وأوعى للحديث مني، فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم، فقال له أبو العالية: حدث هؤلاء بحديثك، فقال: حَدَّثَنَا عقبة بن مالك الليثي قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فأغارت على قوم، فشذ من القوم رجل فاتبعه رجل من السرية شاهرًا سيفه، فقال الشاذ من القوم: إني مسلم، فلم ينظر فيما قال، قال: فضربه فقتله، فنمي الحديث إلى رسول الله ﷺ، فقال فيه قولًا شديدًا، فبلغ القاتل، فبينما رسول الله ﷺ يخطب إذ قال القاتل: والله ما قال الذي قال: إلا تعوذًا من القتل، قال: فأعرض رسول الله ﷺ عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته، ثم قال أيضًا: يا رسول الله ما قال الذي قال، إلا تعوذًا من القتل، فأعرض عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته ثم لم يصبر حتَّى قال الثالثة: واللّه يا رسول الله ما قال الذي قال، إلا تعوذًا من القتل، فأقبل عليه رسول الله ﷺ تعرف المساءة في وجهه، فقال: \"إن الله أبى على من قتل مؤمنًا ثلاثًا\" (^٤)، ورواه النسائي من حديث سليمان بن المغيرة (^٥).\nوالذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله ﷿، فإن تاب وأناب، وخشع وخضع وعمل عملًا صالحًا بدلٌ الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ إلى أن قال: ﴿إِلَّا مَنْ\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٩٩)، وأخرجه النسائي من طريق صفوان بن عيسى به (السنن، تحريم الدم، باب تعظيم الدم ٧/ ٨١)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٧١٩).\n(^٢) هاتان الروايتان ضعفهما الحافظ ابن كثير، ومتنهما يؤيد الخوارج في تكفير القاتل، وضعفها أيضًا ابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٥٩).\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"مثله\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، وأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن المغيرة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٨ - ١٩)، وأخرجه الضياء المقدسي من حديث أنس مقتصرًا على آخره وصححه محققه (المختارة ٦/ ١٦٣ ح ٢١٦٤)، وصححه السيوطي في الجامع الصغير ١/ ٧١، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٦٨٩).\n(^٥) السنن الكبرى (ح ٨٥٩٣).","vol":"3","page":184},{"text":"﴿تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٧٠] وهذا خبر لا يجوز نسخه وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل، واللّه أعلم.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣] وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك وشك ونفاق وقتل وفسق وغير ذلك، كل من تاب؛ أي: من أي ذلك تاب الله عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها لتقوية الرجاء، والله أعلم.\nوثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مِائَة نفس، ثم سأل عالمًا: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة (^١) كما ذكرناه غير مرة، وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم وبعث نبينا بالحنيفية السمحة.\nفأما الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا …﴾ الآية، فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه بإسناده مرفوعًا من طريق محمد بن جامع العطار، عن العلاء بن ميمون العنزي، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا (^٢)، ولكن لا يصح، ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه على قولي أصحاب الموازنة والإحباط، وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، واللّه أعلم بالصواب.\nوبتقدير دخول القاتل في النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحًا ينجو به فليس بمخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواترت الأحاديث عن رسول ﷺ: \"أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان\" (^٣)، وأما حديث معاوية: \"كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا\" (^٤) فعسى للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء باب (رقم ٥٤ ح ٣٤٧٠) وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (ح ٢٧٦٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن جامع عن العلاء بن ميمون العنزي به وسنده ضعيف لأن العلاء تفرد بهذا الحديث ولا يعرف إلا به (ميزان الاعتدال ٣/ ١٠٥) ومحمد بن جامع ليس بصدوق (الجرح والتعديل ٧/ ٢٢٣).\n(^٣) متفق عليه صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) …﴾ [القيامة: ٢٢] (ح ٧٤٣٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ٣٠٢).\n(^٤) تقدم في تفسير آية ٤٨ سورة النساء الحديث الثالث.","vol":"3","page":185},{"text":"تنفي وقوع ذلك في أحدهما وهو القتل لما ذكرنا من الأدلة، وأما من مات كافرًا فالنص أن الله لا يغفر له ألبتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين، وهي لا تسقط بالتوبة، ولكن لا بدّ من ردها إليهم ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغصوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولكنه لا بدّ من ردها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بدّ من المطالبة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة، إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك والله أعلم.\nثم لقاتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة، فأما في الدنيا فتسلط أولياء المقتول عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوا، أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثًا، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، كما هو مقرر في كتاب الأحكام.\nواختلف الأئمة: هل تجب عليه كفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام؟ على أحد القولين كما تقدم في كفارة الخطأ، على قولين:\nفالشافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون: نعم، يجب عليه، لأنَّهُ إذا وجبت عليه الكفارة في الخطأ فلأن تجب عليه في العمد أولى، فطردوا هذا في كفارة اليمين الغموس واعتضدوا بقضاء الصلاة المتروكة عمدًا كما أجمعوا على ذلك في الخطأ.\nوقال أصحاب الإمام أحمد وآخرون: قتل العمد أعظم من أن يكفر فلا كفارة فيه، وكذا اليمين الغموس ولا سبيل لهم إلى الفرق بين هاتين الصورتين وبين الصلاة المتروكة عمدًا، فإنهم يقولون بوجوب قضائها إذا تركت عمدًا، وقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة في قتل العمد بما رواه الإمام أحمد حيث قال: حَدَّثَنَا عارم بن الفضل، حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش، عن واثلة بن الأسقع، قال: أتى النَّبِيّ ﷺ نفر من بني سليم فقالوا: إن صاحبا لنا قد أوجب، قال: \"فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار\" (^١).\nوقال أحمد: حَدَّثَنَا إبراهيم بن إسحاق، حَدَّثَنَا ضمرة بن ربيعة، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع الليثي فقلنا له: حَدَّثَنَا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، فقال: \"أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار\" (^٢).\nوكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة به، ولفظ أبي داود عن الغريف\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٧)، وفي سنده الغريف الديلمي مقبول كما في التقريب، وضعفه الألباني (إرواء الغليل ٧/ ٣٣٩ ح ٣٣٠٩)، وأخرجه الحاكم من طريق الغريف به وصححه وسكت عنه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢١٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده (المسند ٣/ ٤٩١)، وفيه أيضًا الغريف.","vol":"3","page":186},{"text":"الديلمي قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حَدَّثَنَا حديثًا ليس فيه زيادة ولا نقصان فغضب فقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص، قلنا: إنما أردنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، يعني: النار بالقتل، فقال: \"أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار\" (^١).\n\n<span id=\"aya-587\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾.\nقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن أبي بكير وخلف بن الوليد وحسين بن محمد قالوا: حَدَّثَنَا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النَّبِيّ ﷺ يرعى غنمًا له فسلم عليهم، فقالوا: لا يسلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النَّبِيّ ﷺ، فنزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا …﴾ إلى آخرها (^٢)، ورواه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، عن عبد العزيز بن أبي رزمة، عن إسرائيل به، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أسامة بن زيد (^٣)، ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به، ثم قال: صحيح الإسناد، ولن يخرجاه (^٤)، ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن إسرائيل به (^٥)، وقال في بعض كتبه غير التفسير (^٦) - وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط -: وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيمًا لعلل منها: أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا من هذا الوجه، ومنها أن عكرمة في روايته عندهم نظر، ومنها أن الذي نزلت فيه هذه الآية عندهم مختلف فيه فقال بعضهم: نزلت في محلّم بن جثامة، وقال بعضهم: أسامة بن زيد، وقيل غير ذلك.\nقلت: وهذا كلام غريب وهو مردود من وجوه: أحدها: أنه ثابت عن سماك حدث به عنه غير واحد من الأئمة الكبار، الثاني: أن عكرمة محتج به في الصحيح، الثالث: أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس، كما قال البخاري: حَدَّثَنَا علي بن عبد الله، حَدَّثَنَا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال: قال ابن عَبَّاسٍ: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم فقتلوه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (سنن أبي داود، العتق، باب في ثواب العتق ح ٣٩٦٤)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٤٨٩٢)، وفيه أيضًا الغريف الديلمي.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٢٣ و٢٤٦٢)، وفي سنده سماك وهو ابن حرب وفي روايته عن عكرمة اضطراب لكنه روي من طريق آخر كما سيأتي في رواية البخاري، فسنده صحيح.\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، سورة النساء (ح ٣٠٣٠).\n(^٤) المستدرك ٢/ ٢٣٥.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وحكمه كسابقه.\n(^٦) لعله في تهذيب الآثار لأن منهجه مطابق لمنهج هذا النص.","vol":"3","page":187},{"text":"وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال ابن عباس: عرض الدنيا تلك الغنيمة، وقرأ ابن عباس: ﴿السَّلَامَ﴾ (^١).\nوقال سعيد بن منصور: حَدَّثَنَا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، قال: لحق المسلمون رجلًا في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (^٢). وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق سفيان بن عيينة به، [(وقد ذكرت في المسند في ترجمة جزء من الحدرجان ﵁) (^٣) أن أخاه فزارًا، هاجر إلى رسول الله ﷺ، عن أمر أبيه بإسلامهم وإسلام قومهم، فلقيته سرية لرسول الله ﷺ، في عماية الليل، وكان قد قال لهم: إنه مسلم، فلم يقبلوا منه فقتلوه، قال جزء: فقدمت على رسول الله ﷺ، فأعطاني ألف دينار دية أخي وأمر لي بمائة ناقة حمراء فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …﴾ الآية] (^٤) (^٥).\nوأما قصة [محلّم] (^٦) بن جثامة، فقال الإمام أحمد ﵀: حَدَّثَنَا يعقوب، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، حَدَّثَنَا يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ﵁، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتَّى إذا كنا ببطن إضم، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع له ووطب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه [محلّم] (^٧) بن جثامة فقتله، لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر نزل فينا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿خَبِيرًا﴾ (^٨) تفرد به أحمد.\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن وكيع، حَدَّثَنَا جرير، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: بعث رسول الله ﷺ بن جثامة مبعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ، فتكلم فيه عيينة والأقرع: فقال الأقرع، يا رسول الله، سر اليوم وغر غدًا، فقال عيينة: لا واللّه حتَّى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي، فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] ح ٤٥٩١).\n(^٢) وهو سبب نزول صحيح كما تقدم في صحيح البخاري. وهو في سنن سعيد بن منصور (٤/ ١٣٥٠) رقم (٦٧٧).\n(^٣) ما بين قوسين لا يوجد في الطبعات وهو في نسخة (مح). وقوله: وقد ذكرت في المسند … هو في جامع المسانيد ٢/ ١٨٢ (ح ١٨٣٣)، وجزء هذا له ترجمة: أسد الغابة ١/ ٣٣٥، وفي الإصابة ١/ ٢٣٣.\n(^٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(حم) واستدرك من (مح) وجامع المسانيد لابن كثير.\n(^٥) أخرجه أبو نعيم من طريق عبد الرحمن بن جزء الحدرجان عن أبيه به (جامع المسانيد ٢/ ١٨٢ ح ١٨٣٣)، قال الحافظ ابن حجر: هذا إسناد مجهول (الإصابة ١/ ٢٣٣).\n(^٦) (^٧) كذا في (حم) و(مح) والمسند وفي الأصل: \"محكم\".\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١١) وسنده حسن وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ٧).","vol":"3","page":188},{"text":"ليستغفر له، فقال رسول الله ﷺ: \"لا غفر الله لك\"، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتَّى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاؤوا إلى النَّبِيّ ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: \"إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم\" ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا …﴾ الآية (^١).\nوقال البخاري: قال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ للمقداد: \"إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فقتلته، فكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل\" هكذا ذكره البخاري معلقًا مختصرًا (^٢).\nوقد روي مطولًا موصولًا، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا حمدان (^٣) بن علي البغدادي، حَدَّثَنَا جعفر بن سلمة، حَدَّثَنَا أبو بكر بن علي بن مقدم، حَدَّثَنَا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى عليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلًا شهد أن لا إله إلا الله؟ واللّه لأذكرن ذلك للنبي ﷺ، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، إن رجلًا شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال: \"ادعوا لي المقداد، يا مقداد: أقتلت رجلًا يقول: لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله غدًا؟ \" قال: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾، فقال رسول الله ﷺ للمقداد: \"كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل\" (^٤).\nوقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي؛ خير مما رغبتم فيه عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر لكم الإيمان فتغافلتم عنه واتهمتموه بالمصانعة والتقية لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، فما عند الله من الرزق الحلال خير لكم من مال هذا.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفًا، وكما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦] وهذا مذهب سعيد بن جبير لما رواه الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تخفون إيمانكم في المشركين (^٥). ورواه عبد الرزاق\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، وعنعنة ابن إسحاق.\n(^٢) صحيح البخاري، الديات، باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] (ح ٦٨٦٦).\n(^٣) حمدان كذا في النسخ الخطية وفي كشف الأستار (ح ٢٢٠٢)، ومختصر زوائد مسند البزار (ح ١٤٥٨)، باسم أحمد وكلاهما صحيح لأن حمدان لقبه (التقريب ص ٨٣).\n(^٤) مختصر زوائد مسند البزار (ح ١٤٥٨)، وكشف الأستار (ح ٢٢٠٢)، قال الهيثمي: إسناده جيد (مجمع الزوائد ٧/ ١١ - ١٢)، ونقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق وكيع عن الثوري به.","vol":"3","page":189},{"text":"عن ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾: تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه، وهذا اختيار ابن جرير (^١).\nوقال ابن أبي حاتم، وذكر عن قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير: قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ توزعون عن مثل هذا (^٢). وقال الثوري عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق: لم تكونوا مؤمنين ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾. قال السدي ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: تاب عليكم فحلف أُسامة لا يقتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله ﷺ فيه (^٣).\nوقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تأكيد لما تقدم، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قال سعيد بن جبير: هذا تهديد ووعيد.\n\n<span id=\"aya-588\"></span>\n\n<span id=\"aya-589\"></span>﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾.\nقال البخاري: حَدَّثَنَا حفص بن عمر، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته، فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (^٤). حَدَّثَنَا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النَّبِيّ ﷺ: \"ادع فلانًا\"، فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: \"اكتب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله) \"وخلف النَّبِيّ ﷺ ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، أنا ضرير، فنزلت مكانها ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٥). قال البخاري أيضًا: حَدَّثَنَا إسماعيل بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، حدثني سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، قال: فأقبلت حتَّى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله ﷺ أملى علي \"لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله\" فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي، قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله ﷺ، وكان فخذه على فخذي فثقلت علي خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. تفرد به البخاري دون مسلم (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ولفظه، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده معلق لعدم التصريح باسم شيخه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، لكنه مرسل.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده، ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء باب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ …﴾ [النساء: ٩٥] ح ٤٥٩٣).\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٥٩٤).\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٥٩٢).","vol":"3","page":190},{"text":"وقد روي من وجه آخر عند الإمام أحمد عن زيد فقال: حَدَّثَنَا سليمان بن داود، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، قال: قال زيد بن ثابت: إني قاعد إلى جنب النَّبِيّ ﷺ إذ أوحي إليه وغشيته السكينة، قال: فرفع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة، قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئًا قط أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ثم سري عنه، فقال: \"اكتب يا زيد\"، فأخذت كتفًا، فقال: \"اكتب \"لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله\" الآية كلها إلى قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ \" فكتب ذلك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان رجلًا أعمى، فقام حين سمع فضيلة المجاهدين، وقال: يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد ومن هو أعمى وأشباه ذلك؟ قال زيد: فواللّه ما قضى كلامه - أو ما هو إلا أن قضى كلامه - حتَّى غشيت النَّبِيّ ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه، فقال: \"اقرأ\" فقرأت عليه \"لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله\"، فقال النَّبِيّ ﷺ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال زيد: فألحقتها، فواللّه كأني أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف (^١). ورواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، به نحوه (^٢).\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر أنبأ الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ فقال: \"اكتب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله) \"فجاء عبد الله بن أُم مكتوم، فقال: يا رسول الله، إني أحب الجهاد في سبيل الله ولكن بي من الزمانة ما قد ترى، قد ذهب بصري، قال زيد: فثقلت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي حتَّى خشيت أن ترضها ثم سري عنه، ثم قال: \"اكتب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ \" (^٣). ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزري -، أن مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث أخبره أن ابن عباس أخبره ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدر والخارجون إلى بدر، انفرد به البخاري دون مسلم (^٤). وقد رواه الترمذي من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ عن بدر والخارجون إلى بدر، ولما نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله، فهل لنا رخصة؟ فنزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٩٠)، وصححه الألباني كما سيأتي.\n(^٢) سنن أبي داود، الجهاد، باب في الرخصة في القعود من العذر (ح ٢٥٠٧)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٢١٨٨).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح وأخرجه البخاري من طريق عبد الرزاق به (صحيح البخاري، الباب السابق ح ٤٥٩٥).","vol":"3","page":191},{"text":"الضرر، هذا لفظ الترمذي. ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه (^١). فقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان مطلقًا، فلما نزل بوحي سريع ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، صار ذلك مخرجًا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد من العمى والعرج والمرض، عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين، قال ابن عَبَّاسٍ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (^٢)، وكذا ينبغي أن يكون، كما ثبت في صحيح البخاري من طريق زهير بن معاوية، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه\"، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: \"نعم حبسهم العذر\" (^٣)، وهكذا رواه أحمد عن محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس به، وعلقه البخاري مجزومًا، ورواه أبو داود عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه\"، قالوا: وكيف يكونون معنا فيه يا رسول الله؟ قال: \"نعم حبسهم العذر\" لفظ أبي داود (^٤)، وفي هذا المعنى قال الشاعر:\nيا راحلين إلى البيت العتيق لقد … سرتم جُسومًا وسرنا نحن أرواحا\nإنا أقمنا على عذر وعن قدر … ومن أقام على عذر فقد راحا\nوقوله: ﷺ أي: الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية.\nقال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجنان العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول الرحمة والبركات، إحسانًا منه وتكريمًا، ولهذا قال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾.\nوقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة مِائَة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء الأرض\" (^٥).\nوقال الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من رمى بسهم فله أجره درجة\" فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: \"أما إنها ليست بعتبة أُمك، ما بين الدرجتين مِائَة عام\" (^٦).\n_________\n(^١) سنن الترمذي، تفسير القرآن سورة النساء (ح ٣٠٣٢).\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة وأخشى وقوع سقط التفسير وهو قوله: \"أهل العذر\" كما رواه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة عنه.\n(^٣) صحيح البخاري، الجهاد، باب من حبسه العذر عن العدو (ح ٢٨٣٨).\n(^٤) أخرجه البخاري معلقًا بالجزم عقب الحديث السابق، ووصله الإمام أحمد (المسند ٣/ ١٦٠)، وأبو داود، السنن، الجهاد، باب الرخصة في القعود من العذر (ح ٢٥٠٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢١٨٩).\n(^٥) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله ح ٢٧٩٠)، وأخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (الصحيح، الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد ح ١٨٨٤).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي عوانة بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر (الإصابة ٦/ ٣٢٤).","vol":"3","page":192},{"text":"<span id=\"aya-590\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾.\nقال البخاري: حَدَّثَنَا عبد الله بن يزيد المقرئ، حَدَّثَنَا حيوة وغيره، قالا: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله ﷺ، يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم، فيقتله أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، رواه الليث عن أبي الأسود (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن منصور [الرمادي] (^٢)، حَدَّثَنَا أبو أحمد - يعني الزبيري -، حَدَّثَنَا محمد بن شريك المكي، حَدَّثَنَا عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض. قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ …﴾ إلى آخر الآية. قال: فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية لا عذر لهم. قال: فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم (الفتنه) (^٣)، فنزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٨] (^٤).\nقال عكرمة: نزلت هذه الآية في شباب من قريش كانوا تكلموا بالإسلام بمكة منهم: علي بن أُمية بن خلف وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو العاص بن [منبّه] (^٥) بن الحجاج والحارث بن زمعة (^٦).\nقال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله ﷺ بمكة وخرجوا مع المشركين يوم بدر فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية (^٧) الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ …﴾ [النساء: ٩٧] ح ٤٥٩٦).\n(^٢) \"الرمادي\" كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"الرفادي\" وهو تصحيف.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"البقيه\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) كذا في (حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: و(مح) \"منصور\" وهو تصحيف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومنته، وسنده حسن لكنه مرسل.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن لكنه معضل لأن الضحاك تابع تابعي.","vol":"3","page":193},{"text":"أي: بترك الهجرة ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً …﴾ الآية.\nوقال أبو داود: حَدَّثَنَا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود، حَدَّثَنَا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب، أما بعد، قال رسول الله ﷺ: \"من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله\" (^١).\nوقال السدي: لما أسر العباس وعقيل ونوفل قال رسول الله ﷺ للعباس: \"افد نفسك وابن أخيك\" فقال: يا رسول الله، ألم نصل إلى قبلتك، ونشهد شهادتك، قال: \"يا عباس، إنكم خاصمتم فخصمتم\"، ثم تلا عليه هذه الآية ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، رواه ابن أبي حاتم (^٢).\n\n<span id=\"aya-591\"></span>وقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ هذا عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على الخلاص (^٣) من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.\nقال مجاهد وعكرمة والسدي: يعني طريقًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-592\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أي: يتجاوز الله عنهم بترك الهجرة، عسى من الله موجبة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.\nقال البخاري: حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد: \"اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف\" (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو معمر المنقري، حدثني عبد الوارث، حَدَّثَنَا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ رفع يده بعدما سلم وهو\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في الإقامة بأرض الشرك ح ٢٧٨٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٢٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل.\n(^٣) كذا في الأصل: وفي (حم) و(مح): \"التخلص\" وكلاهما مستقيم المعنى.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عنه، وقول السدي، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ …﴾ [النساء: ٩٩] ح ٤٥٩٨).","vol":"3","page":194},{"text":"مستقبل القبلة، فقال: \"اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا من أيدي الكفار\".\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا المثنى، حَدَّثَنَا حجاج، حَدَّثَنَا حماد، عن علي بن زيد، عن عبد الله أو إبراهيم بن عبد الله القرشي، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يدعو في دبر صلاة الظهر: \"اللهم خلّص الوليد، [وسلمة] (^١) بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا\" (^٢)، ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه كما تقدم.\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أُبي يزيد، قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت أنا وأُمي من المستضعفين من النساء والولدان (^٣).\nوقال البخاري: أنبأنا أبو النعمان، حَدَّثَنَا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله ﷿ (^٤).\n\n<span id=\"aya-593\"></span>وقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ هذا تحريض على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه، والمراغم مصدر تقول العرب: راغم فلان قومه مراغمًا ومراغمة، قال النابغة بن جعدة:\nكطود (^٥) يُلاذ بأركانه … عزيز المراغم والمهرب (^٦)\nوقال ابن عباس: المراغم التحول من أرض إلى أرض (^٧). وكذا روي عن الضحاك والربيع بن أنس والثوري (^٨).\nوقال مجاهد: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ يعني: متزحزحًا عما يكره (^٩).\nوقال سفيان بن عيينة: مراغمًا كثيرًا؛ يعني: بروجًا (^١٠).\nوالظاهر - والله أعلم - أنه المنع الذي يُتحصّن به ويراغم به الأعداء.\nقوله: ﴿وَسَعَةً﴾ يعني: الرزق، قاله غير واحد منهم قتادة حيث قال في قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾؛ أي: من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى (^١١).\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"سليم\"، وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف إلا أنه توبع كما تقدم في رواية البخاري فسنده حسن لغيره.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٥٩٧). ويشهد له لا حقه.\n(^٥) الطود: الجبل العظيم.\n(^٦) شعر النابغة الجعدي ص ٣٣.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه.\n(^٨) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأسند الطبري قول الضحاك والربيع بأسانيد يقوي بعضها بعضًا وتتقوى برواية ابن عباس.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم من طرق نافع عن ابن عيينة، وفي سنده خباب ذكره أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٣/ ٣٩٥).\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.","vol":"3","page":195},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ومن يخرج من منزله بنية الهجرة فمات في أثناء الطريق فقد حصل له عند الله ثواب من هاجر، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه\" (^١).\nوهذا عام في الهجرة وفي جميع الأعمال. ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم أكمل بذلك العابد المائة ثم سأل عالمًا: هل له من توبة؟ فقال له: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر يعبد الله فيه. فلما ارتحل من بلده مهاجرًا إلى البلد الآخَر أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائبًا، وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فأمر الله هذه أن تقترب من هذه، وهذه أن تبتعد فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة (^٢). وفي رواية: أنه لما جاءه الموت ناء بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها.\nقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن عتيك، عن أبيه عبد الله بن عتيك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من خرج من بيته مجاهدًا في سبيل الله\"، ثم قال: بأصابعه هؤلاء الثلاث الوسطى والسبابة والإبهام فجمعهن، وقال: \"وأين المجاهدون في سبيل الله فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله - يعني: بحتف أنفه على فراشه، واللّه إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول اللّه ﷺ ومن قتل قعصًا فقد استوجب المآب\" (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة [الحزامي] (^٤)، حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي، عن المنذر بن عبد الله، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فنزلت فيه ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ\n_________\n(^١) صحيح البخاري، بدء الوحي، باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ؟ (ح ٥٤)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب قوله ﷺ: \"إنما الأعمال بالنيات\" (ح ١٩٠٧).\n(^٢) تقدم تخريجه في آخر تفسير آية ٩٣ من هذه السورة المباركة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/ ٣٤٠ ح ١٦٤١٤)، وضعفه محققوه بسبب وعنعنة ابن إسحاق، ومحمد بن إبراهيم لم يوثقه سوى ابن حبان. ومعنى: استوجب المآب: أي الآخرة أي مات شهيدًا فاستحق لذلك الدار الآخرة. قاله السندي في حاشية المسند.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"الخزاعي\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":196},{"text":"اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال الزبير: فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغتني، لأنَّهُ قل أحد ممن هاجر من قريش إلا ومعه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره (^١). وهذا الأثر غريب جدًّا، فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدنية، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره وإن لم يكن ذلك سبب النزول، واللّه أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا سليمان بن داود مولى عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا سهل بن عثمان، حَدَّثَنَا [عبد الرحمن بن سليمان، حَدَّثَنَا أشعث - هو ابن سوار -، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: خرج ضمرة] (^٢) بن جندب إلى رسول الله ﷺ فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله ﷺ، فنزلت ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ …﴾ الآية (^٣)، وحدثنا أبي، حَدَّثَنَا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي الذي كان مصاب البصر وكان بمكة، فلما نزلت ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ فقلت: إني لغني، وإني لذو حيلة، فتجهز يريد النَّبِيّ ﷺ، فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^٤).\nوقال الطبراني: حَدَّثَنَا الحسن بن عروبة البصري، حَدَّثَنَا حيوة بن شريح الحمصي، حَدَّثَنَا بقية بن الوليد، حَدَّثَنَا ابن ثوبان، عن أبيه، حَدَّثَنَا مكحول، عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أنبأنا أبو مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله قال: من انتدب خارجًا في سبيلي غازيًا ابتغاء وجهي، وتصديق وعدي، وإيمانًا برسلي فهو في ضمان على الله، إما أن يتوفاه بالجيش فيدخله الجنة، وإما أن يرجع في ضمان الله، وإن طالب عبدًا فنغصه حتَّى يرده إلى أهله مع ما نال من أجر، أو غنيمة، ونال من فضل الله فمات، أو قتل، أو رفصته فرسه، أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله، فهو شهيد\". وروى أبو داود من حديث بقية من فضل الله إلى آخره، وزاد بعد قوله: \"فهو شهيد، وإن له الجنة\" (^٥)] (^٦) (^٧). وقال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا إبراهيم بن زياد سبَلان، حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن حميد بن أبي ميمون (^٨)،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف فيه المنذر بن عبد الله الحزامي: مقبول، وعبد الرحمن بن عبد الملك صدوق يخطئ كما في التقريب ولم يتابعا.\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أشعث بن سوار ضعيف، وعبد الله بن سليمان بن أبي الجون صدوق يخطئ وقد توبعا بواسطة عمرو بن دينار ومحمد بن شريك في رواية لابن أبي حاتم كما له شواهد تقوية.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) ما بين معقوفين زيادة من (مح).\n(^٦) المعجم الكبير (ح ٣٤١٨)، وأخرجه الحاكم من طريق بقية به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٧٨).\n(^٧) أخرجه أبو داود في سننه، الجهاد، باب فيمن مات غازيًا (ح ٢٤٩٩). في إسناده ابن ثوبان فيه مقال.\n(^٨) حميد بن أبي ميمونة كذا في الأصل و(مح)، وفي (حم): \"حميد بن أبي حميد\" وفي مسند أبي يعلى: \"جميل بن أبي ميمونة\" (المسند ١١/ ٢٣٨ ح ٦٣٥٧).","vol":"3","page":197},{"text":"عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من خرج حاجًا فمات، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرًا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيًا في سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة\" (^١). وهذا حديث غريب من هذه الوجه.\n\n<span id=\"aya-594\"></span>﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …﴾ الآية [المزمل: ٢٠] وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ أي: تخففوا فيها إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك، فمن قائل: لا بدّ أن يكون سفر طاعة من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة، وغير ذلك، كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء ويحكى عن مالك في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بدّ أن يكون مباحًا، لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] أباح له تناول الميتة مع الاضطرار إلا بشرط أن لا يكون عاصيًا بسفره، وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة.\nوقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: حَدَّثَنَا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين (^٢)، وهذا مرسل، ومن قائل: يكفي مطلق السفر سواء كان مباحًا أو محظورًا حتَّى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل ترخص لوجود مطلق السفر، وهذا قول أبي حنيفة والثوري وداود لعموم الآية وخالفه الجمهور.\nوأما قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حالٌ نزول هذه الآية، فإن في ابتداء الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سرية خاصة. وسائر الأحيان حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] وكقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ …﴾ الآية [النساء: ٢٣].\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا ابن إدريس، حَدَّثَنَا ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٢٣٨ ح ٦٣٥٧)، وفي سنده ابن إسحاق لم يصرح بالسماع، وجميل بن أبي ميمونة ذكره البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير ٢/ ٢١٦)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٧٤٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف ٢/ ٤٤٧)، ورجاله ثقات لكنه مرسل.","vol":"3","page":198},{"text":"بابيه، عن يعلى بن أُمية، قالت: سألت عمر بن الخطاب قلت له: قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر ﵁: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: \"صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته\" (^١). وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث ابن جريج عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن صحيح من حديث عمر، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه ورجاله معروفون (^٢).\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا مالك بن مغول عن أبي حنظلة الحذاء، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان، فقلت: أين قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونحن آمنون؟ فقال: سنة رسول الله ﷺ (^٣).\nوقال ابن مردوية: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن عيسى، حَدَّثَنَا علي بن محمد بن سعيد: حَدَّثَنَا [منجاب] (^٤)، حَدَّثَنَا شريك، عن قيس بن وهب، عن أبي الوداك، قال: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر فقال: هي رخصة نزلت من السماء، فإن شئتم فردّوها (^٥).\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا ابن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عباس، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف بينهما ركعتين ركعتين (^٦). وهكذا رواه النسائي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن عون به.\nقال أبو عمر بن عبد البر: وهكذا رواه أيوب وهشام ويزيد بن إبراهيم التستري عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس ﵂، عن النَّبِيّ ﷺ مثله.\nقلت: وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعًا عن قتيبة، عن هشيم، عن منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين، فصلى ركعتين، ثم قال الترمذي: صحيح (^٧).\nوقال البخاري: حَدَّثَنَا أبو معمر، حَدَّثَنَا عبد الوراث، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعت [أنسًا] (^٨) يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٧٤)، وسنده صحيح على شرط مسلم.\n(^٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين (ح ٦٨٦)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة المسافر (ح ١١٩٩)، وسنن الترمذي، تفسير سورة النساء (ح ٣٠٣٤)، وسنن النسائي، بداية كتاب تقصير الصلاة ٣/ ١١٦، وسنن ابن ماجه، الصلاة، باب تقصير الصلاة في السفر (ح ١٠٦٥).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين به، وصححه أحمد شاكر (المسند ح ٦١٩٤).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"سحاب\" وهو تصحيف.\n(^٥) في سنده شريك صدوق سيء الحفظ، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة المصنف ٢/ ٤٤٨، وصححه الترمذي ثم الألباني كما سيأتي.\n(^٧) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في كم تقصر الصلاة (ح ٥٤٧)، وسنن النسائي، كتاب تقصر الصلاة [الباب الأول] في السفر ٣/ ١١٧ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ١٣٥٧).\n(^٨) كذا في (حم) و(مح)، وصحيح البخاري، وفي الأصل: \"إنسانًا\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":199},{"text":"ركعتين حتَّى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا (^١).\nوهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي به (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن وهب الخزاعي، قال: صليت مع النَّبِيّ ﷺ الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس، وآمنه ركعتين (^٣). ورواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن ابن أبي إسحاق السبيعي عنه به، ولفظ البخاري: حَدَّثَنَا أبو الوليد، حَدَّثَنَا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت حارثة بن وهب، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ آمن ما كان بمنى ركعتين (^٤).\nوقال البخاري: حَدَّثَنَا مسدد، حَدَّثَنَا يحيى، حَدَّثَنَا عبيد الله، أخبرني نافع، عن عبد الله - هو ابن عمر -، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين، وأبي بكر وعمر وعثمان صدرًا من إمارته، ثم أتمها، وكذا رواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان به (^٥).\nوقال البخاري: حَدَّثَنَا قتيبة، حَدَّثَنَا عبد الواحد، عن الأعمش، حَدَّثَنَا إبراهيم: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان ﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود ﵁ فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله ﷿ بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان (^٦). ورواه البخاري أيضًا من حديث الثوري عن الأعمش به وأخرجه مسلم من طرق عنه منها عن قتيبة كما تقدم (^٧).\nفهذه الأحاديث دالة صريحًا على أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف، ولهذا قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر ههنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية، وهو قول مجاهد والضحاك والسدي كما سيأتي بيانه، واعتضدوا أيضًا بما رواه الإمام مالك عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيدت في صلاة الحضر (^٨). وقد روى هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه، كتاب تقصير الصلاة (ح ١٠٨١).\n(^٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين (ح ٦٩٣)، وسنن أبي داود، الصلاة باب متى يتم المسافر؟ (ح ١٢٣٣)، وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في كم تقصر الصلاة (ح ٥٤٨)، وسنن النسائي، تقصير الصلاة في السفر ٣/ ١١٨ وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة (ح ١٠٧٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٠٦)، وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ١٠٨٣).\n(^٥) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ١٠٨٢)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٦٩٤).\n(^٦) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ١٠٨٤).\n(^٧) صحيح البخاري، الحج، باب الصلاة بمنى (ح ١٦٥٧)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى (ح ٦٩٥).\n(^٨) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، قصر الصلاة في السفر ١/ ١٤٦ ح ٨)، وسنده صحيح.","vol":"3","page":200},{"text":"عن قتيبة، أربعتهم عن مالك به (^١).\nقالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد بالقصر ههنا قصر الكمية، لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ وأصرح من ذلك دلالة على هذا ما رواه الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، [حدثنا] (^٢) سفيان وعن عبد الرحمن، عن سفيان، عن زبيد اليامي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر ﵁، قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر، على لسان محمد ﷺ (^٣)، وهكذا رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من طرق عن زبيد اليامي به، وهذا إسناد على شرط مسلم (^٤).\nوقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى عن عمر، وقد جاء مصرحًا به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب إن شاء الله، وإن كان يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي قد قالوا: إنه لم يسمع منه، وعلى هذا أيضًا: فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي من طريق الثوري عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن [الثقة] (^٥) عن عمر … فذكره، وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن كعب بن عجرة، عن عمر (^٦)، فاللّه أعلم.\nوقد روى مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، زاد مسلم والنسائي: وأيوب بن عائد، كلاهما عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة وهكذا رواه وكيع وروح بن عبادة عن أُسامة بن زيد الليثي، حدثني الحسن بن مسلم بن يناف، عن طاوس، عن ابن عباس قال: فرض الله ورسوله ﷺ الصلاة في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، فكما يصلى في الحضر قبلها وبعدها فكذلك يصلي في السفر. ورواه ابن ماجه من حديث أسامة بن زيد عن طاوس نفسه (^٧). فهذا ثابت عن ابن عباس ﵂، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة ﵂، لأنها أخبرت أن\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الصلاة، باب كيف فُرضت الصلاة؟ (ح ٣٥٥)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٦٨٥)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة السفر (ح ١١٩٨)، وسنن النسائي الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة؟ ١/ ٢٢٥.\n(^٢) كذا في المسند وسقط من الأصل (حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (١/ ٣٦٧ ح ٢٥٧)، وصححه محققوه.\n(^٤) سنن النسائي، كتاب تقصير الصلاة ٣/ ١٨٣، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة (ح ١٠٦٣)، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٤/ ١٩٧ (ح ٢٧٨٣)، وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"البقية\" وهو تصحيف.\n(^٦) سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب تقصير الصلاة في السفر (ح ١٠٦٤).\n(^٧) صحيح مسلم، صلاة المسافرين (ح ٦٨٧)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعتين (ح ١٢٤٧)، وسنن النسائي: الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة ١/ ٢٢٦، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب تقصير الصلاة في السفر (ح ١٠٦٨).","vol":"3","page":201},{"text":"أصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر، فلما استقر ذلك، صح أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس - واللّه أعلم -، لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث عمر ﵁، وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ قصر الكيفية كما في صلاة الخوف، ولهذا قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾،\nولهذا قال بعدها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ …﴾ إلى آخرها [النساء: ١٠٢] فبين المقصود من القصر ههنا، وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لما عقد البخاري كتاب صلاة الخوف صدره بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢] وهكذا قال جويبر عن الضحاك في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ قال: ذاك عند القتال يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه (^١).\nوقال أسباط، عن السدي في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا …﴾ الآية. إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر، فهي تمام التقصير لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة فالتقصير ركعة (^٢).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ يوم كان النَّبِيّ ﷺ وأصحابه بعُسفان (^٣)، والمشركون بضَجنان (^٤)، فتوافقوا، فصلى النَّبِيّ ﷺ بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات بركوعهم، وسجودهم، وقيامهم معًا جميعًا فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، روى ذلك ابن أبي حاتم (^٥)، ورواه ابن جرير عن مجاهد والسدي وعن جابر وابن عمر (^٦)، واختار ذلك أيضًا فإنه قال بعدما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب.\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حَدَّثَنَا ابن أبي فديك، حَدَّثَنَا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال [لعبد] (^٧) الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال عبد الله: إنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق جويبر به، وسنده ضعيف لضعف جويبر.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط به.\n(^٣) عسفان: بضم أوله وإسكان ثانية قرية جامعة لبني المصطلق من خزاعة (معجم ما استعجم ٨/ ٩٤٤)، وما زالت موجودة وتبعد عن مكة حوالي (٨٠) كيلًا شمالًا.\n(^٤) ضَجنان: بفتح أوله وإسكان ثانية .. جبل بناحية مكة على طريق المدينة (المصدر السابق ٢/ ٨٥٦).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل ووصله أيضًا من طريق ورقاء عن منصور عن مجاهد عن أبي عياش الزرقي، وأخرجه سعيد بن منصور (السنن، التفسير رقم ٦٨٦)، وأبو داود (السنن، الصلاة، باب صلاة الخوف ح ١٢٣٦)، والحاكم (المستدرك ١/ ٣٣٧)، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٠٩٦)، وصححه الحافظ ابن كثير كما سيأتي في الآية ١٠٢ من هذه السورة.\n(^٦) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه لكنه مرسل ويتقوى بسابقه وبقول جابر الذي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يزيد الفقير عنه، وقول ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة من طريق سماك الحنفي عنه (المصنف ٢/ ٤٤٩). وسنده حسن.\n(^٧) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"لسعد\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":202},{"text":"وجدنا نبينا ﷺ يعمل عملًا عملنا به (^١).\nفقد سمى صلاة الخوف مقصورة وحمل الآية عليها لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع لا بنص القرآن، وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضًا: حَدَّثَنَا أحمد بن الوليد القرشي، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم [يجيء] (^٢) هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة (^٣)، ولقوله تعالى بعدها:\n\n<span id=\"aya-595\"></span>﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾\nصلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صوبها، والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة تكون ثلاثية كالمغرب، وتارة تكون ثنائية كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ورجالًا وركبانًا، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة. ومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة لحديث ابن عباس المتقدم، وبه قال أحمد بن حنبل. قال المنذري في الحواشي. وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد، وإليه ذهب طاوس والضحاك.\nوقد حكى أبو عاصم العبادي عن محمد بن نصر المروزي: أنه يرى رد الصبح إلى ركعة في الخوف، وإليه ذهب ابن حزم أيضًا. وقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة لأنها ذكر الله، وقال آخرون: تكفي تكبيرة واحدة، فلعله أراد ركعة واحدة. كما قاله الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه، وبه قال جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وكعب وغير واحد من الصحابة والسدي، ورواه ابن جرير، ولكن الذي حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة واحدة، كما هو مذهب إسحاق بن راهويه وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب [بن] (^٤) بخت المكي، حتَّى قال: فإن لم يقدر على التكبير فلا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ٤٢٧٦)، وأحمد في المسند (ح ٥٣٣٣)، كلاهما من طريق الزهري به، وسنده صحيح.\n(^٢) سقط في الأصل وأثبت من (حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق مسعر عن سماك به (المصنف ٢/ ٤٤٩)، وسنده حسن.\n(^٤) سقط في الأصل وأثبت من (حم) و(مح).","vol":"3","page":203},{"text":"يتركها في نفسه؛ يعني بالنية. رواه سعيد بن منصور في سننه عن إسماعيل بن عياش، عن شعيب بن دينار عنه، فالله أعلم.\nومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النَّبِيّ ﷺ يوم الأحزاب الظهر والعصر فصلاهما بعد الغروب (^١)، ثم صلى بعدهما المغرب، ثم العشاء، وكما قال بعدها يوم بني قريظة حين جهز إليهم الجيش: \"لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة\"، فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل المسير، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق، وأخر آخرون منهم صلاة العصر فصلوها في بني قريظة بعد الغروب، ولم يعنف رسول الله أحدًا من الفريقين (^٢).\nوقد تكلمنا على هذا في كتاب \"السيرة\"، وبيّنا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر، وإن كان الآخرون معذورين أيضًا، والحجة ههنا في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد من الطائفة الملعونة اليهود.\nوأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك، وهذا بينٌ في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي ﵀ وأهل السنن (^٣). ولكن يشكل عليه ما حكاه البخاري في صحيحه حيث قال:\n(باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو) قال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء، أخروا الصلاة حتَّى ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتَّى يأمنوا، وبه قال مكحول:\nوقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة حصن تُستَر (^٤) عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها (^٥). انتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث\n_________\n(^١) وذلك كما قال ﷺ: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى … \" (أخرجه مسلم، الصحيح، المساجد، باب الدليل لمن قال: \"الصلاة الوسطي هي صلاة العصر\"ح ٦٢٧).\n(^٢) صحيح البخاري، الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب (ح ٩٤٦).\n(^٣) مسند الشافعي (ح ٥٥٣)، وسنن النسائي، الأذان، باب الأذان للفائت من الصلوات ٢/ ١٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي (ح ٦٣٨).\n(^٤) تُستر: أعظم مدينة خوستان (مراصد الاطلاع ١/ ٢٦٢).\n(^٥) قول الأوزاعي رواه البخاري معلقًا وقال الحافظ ابن حجر: ذكره الوليد بن مسلم عنه في كتاب السير (الفتح ٢/ ٤٣٤)، وقول مكحول وصله الحافظ ابن حجر فذكر رواية عبد بن حميد في تفسيره عن عمر بن سعيد الدمشقي، عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول (تغليق التعليق ٢/ ٣٧١ - ٣٧٢)، وأما قول أنس رواه البخاري معلقًا ووصله بواسطة ابن أبي شيبة وابن سعد في الطبقات عن عفان بن مسلم ثنا همام بن يحيى، عن قتادة عن أنس … (تغليق التعليق ٢/ ٣٧٢).","vol":"3","page":204},{"text":"تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة (^١)، وكأنه كالمختار لذلك، واللّه أعلم.\nولمن جنح إلى ذلك له أن يحتج بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تُستَر فإنه يشتهر غالبًا، ولكن كان ذلك في إمارة عمر (^٢) بن الخطاب، ولم ينقل أنه أنكر عليهم ولا أحد من الصحابة، واللّه أعلم.\nقال هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق لأن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق في قول الجمهور، علماء السير والمغازي، وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي ومحمد بن سعد كاتبه وخليفة بن الخياط وغيرهم (^٣).\nوقال البخاري وغيره: كانت ذات الرقاع بعد الخندق لحديث أبي موسى وما قدم إلا في خيبر (^٤)، والله أعلم.\nوالعجب كل العجب أن المزني وأبا يوسف القاضي وإبراهيم بن إسماعيل بن علية، ذهبوا إلى أن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره ﵊، الصلاة يوم الخندق وهذا غريب جدًّا، وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف، [والحمل على] (^٥) تأخير الصلاة يومئذٍ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب، والله أعلم.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي: إذا صليت بهم إمامًا في صلاة الخوف، وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك قصرها إلى ركعة كما دل عليه الحديث - فرادى ورجالًا وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد، وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة لما ساغ ذلك، وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النَّبِيّ ﷺ لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ضعيف، ويرد عليه مثل قول مانعي الزكاة الذين احتجوا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده ﷺ إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه، وندفعها إلى من صلاته؛ أي: دعاؤه سكن لنا، ومع هذا رد عليهم الصحابة، وأبوا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة وقتلوا من منعها منهم.\nولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولًا قبل ذكر صفتها، قال ابن جرير: حدثني ابن\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب (ح ٩٤٦)، وباب التبكير والغلس بالصبح (ح ٩٤٧).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"زمن عمر\".\n(^٣) السيرة لابن هشام ٢/ ٢٠٣، والمغازي للواقدي ١/ ٣٣٥، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٦١.\n(^٤) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة ذات الرقاع (ح ٤١٢٨). وقوله: وما قدم إلا في خيبر؛ أي ما قدم من الحبشة.\n(^٥) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"3","page":205},{"text":"المثنى، حدثني إسحاق، حَدَّثَنَا عبد الله بن هاشم، أنبأنا سيف عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي له، قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك [بحول] (^١) [غزا] (^٢) النَّبِيّ ﷺ فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها، قال: فأنزل الله ﷿ بين الصلاتين ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، فنزلت صلاة الخوف (^٣)، وهذا سياق غريب جدًّا، ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت ﵁ عند الإمام أحمد وأهل السنن، فقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا الثوري عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح، قال: فصففنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا جميعًا، ثم رفع فرفعنا جميعًا، ثم سجد النَّبِيّ ﷺ بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، [وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء] (^٤)، ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم رفع فرفعوا جميعًا، ثم سجد النَّبِيّ ﷺ والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم، ثم انصرف، قال: فصلاها رسول الله ﷺ مرتين: مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم (^٥).\nثم رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، عن منصور به نحوه، وهكذا رواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن جرير بن عبد الحميد، والنسائي من حديث شعبة، وعبد العزيز بن عبد الصمد، كلهم عن منصور به، وهذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة (^٦)، فمن ذلك ما رواه البخاري حيث قال: حَدَّثَنَا حيوة بن شريح، حَدَّثَنَا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄، قال: قام النَّبِيّ ﷺ وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه،\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"تحول\" وهو تصحيف.\n(^٢) سقط في الأصل، \"وأثبت\" من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سيف وهو ابن عمر التميمي: ضعيف (التقريب ص ٢٦٢)، ولبعض روايته شواهد كما قال الحافظ ابن كثير.\n(^٤) سقط في الأصل وأثبت من (حم) و(مح) والتخريج.\n(^٥) تقدم تخريجه وتصحيحه في آخر تفسير آية ١٠١ من هذه السورة الكريمة.\n(^٦) تقدم عزوه لمصادره كسابقه.","vol":"3","page":206},{"text":"وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في الصلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا (^١).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن سليمان اليشكري أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة؛ أي: يوم أنزل أو أي يوم هو، فقال جابر: انطلقنا نتلقى عير قريش آتية من الشام حتَّى إذا كنا بنخل، جاء رجل من القوم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، قال: نعم. قال: هل تخافني؟ قال: \"لا\" قال: فمن يمنعك مني؟ قال: \"الله يمنعني منك\" قال: فسل السيف، ثم تهدده وأوعده، ثم نادى بالرجل وأخذ السلاح، ثم نودي بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم، فصلى بالذين يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين، والآخرون يحرسونهم، ثم سلم فكانت للنبي ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين، فيومئذٍ أنزل الله في إقصار الصلاة وأمر المؤمنين بأخذ السلاح (^٢).\nورواه الإمام أحمد فقال: حَدَّثَنَا سريج، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس هو اليشكري، عن جابر بن عبد الله، قال: قاتل رسول الله ﷺ محارب خصفة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث حتَّى قام على رسول الله ﷺ بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟ [قال: \"الله\"، فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ، فقال: \"ومن يمنعك مني؟ \"] (^٣)، قال: كن خير آخذ. قال: \"أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ \" قال: لا، ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، [فأتى قومه] (^٤) فقال: جئتكم من عند خير الناس، فلما حضرت الصلاة، صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين: طائفة بإزاء العدو، وطائفة صلوا مع رسول الله ﷺ، فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين وانصرفوا، فكانوا مكان الطائفة الذين كانوا بإزاء العدو، ثم انصرف الذين كانوا بإزاء العدو فصلوا مع رسول الله ﷺ ركعتين، فكان لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين (^٥). تفرد به من هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا أبو قطن عمرو بن الهيثم، حَدَّثَنَا المسعودي، عن يزيد الفقير، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما؟ فقال: الركعتان في السفر تمام، إنما القصر واحدة عند القتال، بينما نحن مع رسول الله ﷺ في قتال، إذ أقيمت الصلاة، فقام رسول الله ﷺ فصف طائفة، وطائفة وجهها قبل العدو،\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الخوف، باب يَحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف (ح ٩٤٤).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده قتادة لم يصرح بالسماع ولكنه توبع بوسطة أبي بشر وهو جعفر بن أبي وحشية، كما سيأتي في الرواية التالية.\n(^٣) سقط في الأصل وأثبت من (حم) و(مح) والمسند.\n(^٤) زيادة من المسند.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه سنده محققوه (المسند ٢٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠ ح ١٥١٩٠).","vol":"3","page":207},{"text":"فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم ومكانهم نحو ذا، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله ﷺ فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله ﷺ جلس فسلم، [وسلم] (^١) الذين خلفه، وسلم أولئك، فكانت لرسول الله ﷺ ركعتين، وللقوم ركعة ركعة، ثم قرأ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ …﴾ الآية (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ، صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه وصف خلفه، فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتَّى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك حتَّى قاموا في مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة وسجدتين ثم سلم، فكانت للنبي ﷺ ركعتين، ولهم ركعة (^٣)، ورواه النسائي من حديث شعبة، ولهذا الحديث طرق عن جابر، وهو في صحيح مسلم من وجه آخر بلفظ آخر (^٤)، وقد رواه عن جابر جماعة كثيرون في الصحيح والسنن والمسانيد.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا نعيم بن حماد، حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال: هي صلاة الخوف، صلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مقبلة على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو فصلى بهم رسول الله ﷺ[ركعة أخرى ثم سلم بهم، ثم قامت كل طائفة منهم فصلت] (^٥) ركعة ركعة (^٦)، وقد روى هذا الحديث الجماعة في كتبهم من طريق معمر به (^٧)، ولهذا الحديث طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة، وقد أجاد الحافظ أبو بكر بن مردويه في سرد طرقه وألفاظه، وكذا ابن جرير، ولنحرره في كتاب الأحكام الكبير، إن شاء الله وبه الثقة.\nوأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب لظاهر الآية، وهو أحد قولي الشافعي، ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: بحيث تكونون على أهبة إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٩٨)، وسنده صحيح، وتخريجه كما يلي:\n(^٤) سنن النسائي، صلاة الخوف ٣/ ١٧٤، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف (ح ٨٤٠).\n(^٥) سقط في الأصل، وأثبت من (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق الزهري به مختصرًا (صحيح البخاري، الصلاة، صلاة الخوف)، وأخرجه مسلم من طريق معمر به مختصرًا (صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف ح ٨٣٩).\n(^٧) تقدم في الحاشية تخريجه من الصحيحين وكفى بهما.","vol":"3","page":208},{"text":"<span id=\"aya-596\"></span>﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾.\nيأمر الله تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف وإن كان مشروعًا مرغبًا فيه أيضًا بعد غيرها، ولكن ههنا آكد لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب، وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها، كما قال تعالى في الأشهر الحرم: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وإن كان هذا منهيًا عنه في غيرها، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمتها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: في سائر أحوالكم، ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فإذا أمنتم وذهب الخوف، وحصلت الطمأنينة ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فأتموها وأقيموها كما أمرتم بحدودها، وخشوعها، وركوعها، وسجودها، وجميع شؤونها.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال ابن عَبَّاس: أي: مفروضًا (^١)، وكذا روي عن مجاهد وسالم بن عبد الله وعلي بن الحسين ومحمد بن علي والحسن ومقاتل والسدي وعطية العوفي (^٢).\nقال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال ابن مسعود: إن للصلاة وقتًا كوقت الحج (^٣).\nوقال زيد بن أسلم: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال: منجمًا كلما مضى نجم جاء نجم (^٤)؛ يعني: كلما مضى وقت جاء وقت.\n\n<span id=\"aya-597\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم، بلى جدوا فيهم وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ أي: كما يصيبكم الجراح والقتل كذلك يحصل لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ثم قال تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي: أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد كما وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ وهو وعد حق، وخبر صدق، وهم لا يرجون شيئًا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم وأشد رغبة فيه، وفي إقام كلمة الله وإعلائها.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه وينفذه ويمضيه من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) ذكر ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عطية العوفي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق فضيل بن مرزوق عنه.\n(^٣) أخراجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لعدم سماع قتادة من ابن مسعود (المراسيل ص ١٦٨، ١٧٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي جعفر الرازي عن زيد بن أسلم.","vol":"3","page":209},{"text":"أحكامه الكونية [والشرعية] (^١)، وهو المحمود على كل حال.\n\n<span id=\"aya-598\"></span>\n\n<span id=\"aya-599\"></span>\n\n<span id=\"aya-600\"></span>﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾.\nيقول تعالى: مخاطبًا لرسوله محمد ﷺ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: هو حق من الله، وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه، وقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان ﷺ له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أُم سلمة، عن أُم سلمة أن رسول الله ﷺ، سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: \"ألا إنما أنا بشر وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو ليذرها\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا أُسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أُم سلمة، قالت: جاء رجلان من الأنصار [يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست، ليس عندهما بينة] (^٣). فقال رسول اللّه ﷺ: \"إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة\" فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ: \"أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق بينكما ثم استهما، ثم ليحلل كل منكما صاحبه\" (^٤)، وقد رواه أبو داود من حديث أُسامة بن زيد به، وزاد: \"إني إنما أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه\" (^٥).\nوقد روى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس: أن نفرًا من الأنصار غزوا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظن بها رجل من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله ﷺ - فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"والشريعة\" وهو تصحيف.\n(^٢) صحيح البخاري، الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين (ح ٢٦٨٠)، وصحيح مسلم، الأقضية، باب الحكم بالظاهر (ح ١٧١٣).\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(مح)، وأثبت من (حم).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٢٠)، متفق عليه تقدم تخريجه في الحديث السابق بنحوه. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٤٥٥).\n(^٥) أخرجه أبو داود من طريق أسامة به (السنن، الأقضية، باب في قضاء القاضي إذا أخطأ ح ٣٥٨٥).","vol":"3","page":210},{"text":"وستوجد عنده، فانطلقوا إلى نبي الله ﷺ ليلًا فقالوا: يا نبي الله إن صاحبنا بريء وإن صاحب الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علمًا، فأعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك، فقام رسول الله ﷺ، فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-601\"></span>ثم قال تعالى للذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين يجادلون عن الخائنين، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠] يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾ [النساء: ١١١] يعني: السارق والذين جادلوا عن السارق، وهذا سياق غريب، وكذا ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم في هذه الآية: إنها نزلت في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة (^٢).\nوقد روى هذه القصة محمد بن إسحاق مطولة، فقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية من جامعه، وابن جرير في تفسيره: حَدَّثَنَا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة الحراني، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان ﵁، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم: بنو أبيرق بشر (^٣) وبشير (^٤) ومبشر (^٥)، وكان بشير رجلًا منافقًا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ، ثم ينحله لبعض العرب، ثم يقول: قال فلان: كذا وكذا، وقال فلان: كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الرجل الخبيث أو كما قال الرجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة (^٦) من الشام من الدَّرمَك (^٧) ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس، وسنده ضعيف.\n(^٢) أخرج هذه الآثار الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا ويتقوى أيضًا بالرواية المرفوعة التالية.\n(^٣) بشر هو ابن الحارث بن عمرو بن حارثة الظفري الأنصاري صحابي (الاستيعاب ١/ ١٥٤).\n(^٤) بشير هو أبو طعمة بن الحارث الأنصاري الشاعر وكان منافقًا يهجو النَّبِيّ ﷺ، أسلم وشهد أحد ثم ارتد سنة أربع (السيرة لابن هشام ١/ ٥٢٤)، والاستيعاب ١/ ١٥٤.\n(^٥) هو ابن الحارث بن عمرو الأنصاري شهد أُحدًا صحابي (الاستيعاب ٣/ ٤٥٦).\n(^٦) ضافطة: الضافط الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن (النهاية ٣/ ٩٤).\n(^٧) الدرمك: الدقيق النقي الأبيض (النهاية ٢/ ١١٤).","vol":"3","page":211},{"text":"التمر الشعير، فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملًا من الدرمك فجعله في مشربة له، وفي المشربة (^١) سلاح ودرع وسيف، فعدي عليه من تحت البيت، فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي، إنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار -: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل (^٢) رجلًا منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟! والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتَّى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام، فلا حاجة لنا فيه، فقال النَّبِيّ ﷺ: \"سآمر في ذلك\"، فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلًا منهم يقال له: أسير بن عروة (^٣) فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان (^٤) وعمه، عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت النَّبِيّ ﷺ فكلمته، فقال: \"عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت\"، قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ، فقال: \"الله المستعان\"، فلم نلبث أن نزل القرآن ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ يعني: بني أبيرق، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: مما قلت لقتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمًا﴾ أي: لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١] إلى قوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ قولهم للبيد ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فلما نزل القرآن أتى رسول الله ﷺ بالسلاح فرده إلى رفاعة، فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخًا قد عسى أو عشي - الشك من أبي عيسى - في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولًا (^٥) لما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على\n_________\n(^١) المشربة: الغرفة (النهاية ٢/ ٤٥٥).\n(^٢) لبيد بن سهل بن الحارث بن عروة الظفري الأنصاري صحابي جليل (الاستيعاب ٣/ ٣١١ والإصابة ٣/ ٣٠٩).\n(^٣) أسير بن عروة بن سواد بن الهيثم الظفري الأنصاري صحابي جليل (الاستيعاب ١/ ٤٠ والإصابة ١/ ٦٥).\n(^٤) قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر الظفري الأنصاري صحابي جليل (الاستيعاب ٣/ ٣٨، والإصابة ٣/ ٢١٧).\n(^٥) أي غشًا وخدعة.","vol":"3","page":212},{"text":"سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء] فلما نزل على سلافة بنت سعد (^١)، رماها (^٢) حسان بن ثابت بأبيات من شعر فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت به، فرمته في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير. لفظ الترمذي، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني (^٣). ورواه يونس بن بكير وغير واحد عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا لم يذكروا فيه، عن أبيه، عن جده (^٤).\nورواه ابن أبي حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة به ببعضه. ورواه ابن المنذر في تفسيره: حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل - يعني الصائغ -، حَدَّثَنَا الحسن بن أحمد بن شعيب الحراني، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة … فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس بن أيوب والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة به، ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إسرائيل، وقد روى هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه المستدرك عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه أتم منه وفيه الشعر، ثم قال: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها، لأنَّهُ مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ تهديد لهم ووعيد. وقد قال الطبراني: ثنا الحسين بن إسحاق التُستري، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا عبد الله بن موسى، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن جبير الأزدي أنه قال للنبي ﷺ: أوصني. قال: \"أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-602\"></span>ثم قال تعالى:\n_________\n(^١) سلافة بنت سعد بن شهيد بن عمرو بن زيد بن أُمية بن زيد بن مالك الأنصارية صحابية جليلة (ينظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٧٦ وجمهرة أنساب العرب ٢/ ٣٣٤).\n(^٢) أي هجاها.\n(^٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، تفسير سورة النساء ح ٣٠٣٦)، وسنده حسن وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وتخريجه كما يلي.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم بالأسانيد المذكورة مع تفاوت في بعض الألفاظ، وأخرجه الحاكم من طريق يونس بن بكير به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٨٥)، وتشهد له الآثار السابقة لهذا الحديث.\n(^٥) زيادة من (مح) ولا يوجد في النسخ المطبوعة، وسنده مرسل.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"3","page":213},{"text":"﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ أي: هب أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدي لهم عند الحكام الذين يحكمون بالظاهر وهم متعبدون بذلك، فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى؟ ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذٍ يوم القيامة في ترويج دعواهم؟ أي: لا أحد يومئذٍ يكون لهم وكيلًا، ولهذا قال: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.\n\n<span id=\"aya-603\"></span>﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾.\nيخبر تعالى عن كرمه وجوده أن كل من تاب إليه، تاب عليه من أي ذنب كان. فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: أخبر الله عباده بعفوه وحلمه وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال رواه ابن جرير (^١).\nوقال ابن جرير أيضًا: حَدَّثَنَا محمد بن مثنى، حَدَّثَنَا محمد بن أبي عدي، حَدَّثَنَا شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبًا أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول منه شيئًا قرضه بالمقاريض فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرًا، فقال عبد الله ﵁: ما آتاكم الله خير مما آتاهم، جعل الماء لكم طهورًا، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ (^٢).\nوقال أيضًا: حدثني يعقوب، حَدَّثَنَا هشيم، عن ابن عون، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: جاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل فسألته عن امرأة فجرت فحبلت، فلما ولدت قتلت ولدها، قال عبد الله بن مغفل: لها النار، فانصرفت وهي تبكي فدعاها ثم قال: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠] قال: فمسحت عينها ثم مضت (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، حَدَّثَنَا شعبة، عن عثمان بن المغيرة، قال: سمعت علي بن ربيعة من بني أسد يحدث عن أسماء أو ابن أسماء من بني فزارة، قال: قال علي ﵁: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه. وحدثني\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحبيب بن أبي ثابت لم يصرح بالسماع وهو كثير الإرسال والتدليس كما في التقريب.","vol":"3","page":214},{"text":"أبو بكر - وصدق أبو بكر - قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مسلم يذنب ذنبًا، ثم يتوضأ ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله لذلك الذنب، إلا غفر له\" وقرأ هاتين الآيتين ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ …﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآية. وقد تكلمنا على هذا الحديث وعزيناه إلى من رواه من أصحاب السنن، وذكرنا ما في سنده من مقال في مسند أبي بكر الصديق ﵁، وقد تقدم بعض ذلك في سورة آل عمران أيضًا (^١).\nوقد رواه ابن مردويه في تفسيره من وجه آخر عن علي فقال: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن زياد، حَدَّثَنَا إبراهيم بن إسحاق الحربي، حَدَّثَنَا داود بن مهران الدباغ، حَدَّثَنَا عمر بن يزيد، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي، قال: سمعت أبا بكر - هو الصدوق - يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من عبد أذنب فقام فتوضأ فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى واستغفر من ذنبه، إلا كان حقًّا على الله أن يغفر له\" لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ ثم رواه من طريق أبان بن أبي عياش عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي، عن الصديق، بنحوه، وهذا إسناد لا يصح (^٢).\nوقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن علي بن دُحيم، حَدَّثَنَا أحمد بن حازم، حَدَّثَنَا موسى بن مروان الرقي، حَدَّثَنَا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، حدثني كعب بن ذهل الأزدي قال: سمعت أبا الدرداء يحدث قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلسنا حوله، وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع، ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما عليه، وأنه قام فترك نعليه، قال أبو الدرداء: فأخذ ركوة من ماء فاتبعته فمضى ساعة ثم رجع ولم يقض حاجته، فقال: \"إنه أتاني آت من ربي فقال: إنه ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ فأردت أن أبشر أصحابي\".\nقال أبو الدرداء: وكانت قد شقَّت على الناس الآية التي قبلها ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فقلت: يا رسول الله، وإن زنى وإن سرق، ثم استغفر ربه غفر له؟ قال: \"نعم\". ثم قلت الثانية، قال: \"نعم\". قلت الثالثة، قال: \"نعم، وإن زنى وإن سرق ثم استغفر الله، غفر الله له على رغم أنف عويمر\". قال: فرأيت أبا الدرداء يضرب أنف نفسه بأصبعه، هذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه بهذا السياق، وفي إسناده ضعف (^٣).\n\n<span id=\"aya-604\"></span>وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ …﴾ الآية، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] يعني: أنه لا يغني أحد عن أحد، وإنما على كل نفس ما عملت لا يحمل عنها غيرها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: من علمه وحكمته، وعدله ورحمته كان ذلك،\n\n<span id=\"aya-605\"></span>ثم قال: ﴿وَمَنْ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه وتحسينه في تفسير سورة آل عمران آية ١٣٥.\n(^٢) ولكن له شواهد تقدمت في تفسير سورة آل عمران آية ١٣٥.\n(^٣) وهو كما قال، فإن تمام بن نجيح ضعيف، وكعب بن ذهل فيه لين (التقريب ص ١٣٠ و٤٦١).","vol":"3","page":215},{"text":"يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ يعني: كما اتهم بنو أبيرق بصنيعهم القبيح ذلك الرجل الصالح وهو لبيد بن سهل كما تقدم في الحديث (^١) أو زيد بن السمين اليهودي على ما قاله الآخرون، وقد كان بريئًا وهم الظلمة الخونة، كما أطلع الله على ذلك رسوله ﷺ، ثم هذا التقريع وهذا التَّوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بصفتهم فارتكب مثل خطيئتهم، فعليه مثل عقوبتهم.\n\n<span id=\"aya-606\"></span>وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nوقال الإمام ابن أبي حاتم: أنبأنا هاشم بن القاسم الحراني فيما كتب إلي، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، وذكر قصة بني أبيرق، فأنزل الله: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: أسير بن عروة وأصحابه (^٢)، يعني بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء برآء، ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول الله ﷺ، ولهذا أنزل الله فصل القضية وجلاءها لرسول الله ﷺ ثم امتن عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له، وما أنزل عليه من الكتاب وهو القرآن والحكمة، وهي السنة ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ أي: قبل نزول ذلك عليك، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى] وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦]، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.\n\n<span id=\"aya-607\"></span>﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ يعني: كلام الناس ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: إلا نجوى من قال ذلك: كما جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حَدَّثَنَا محمد بن سليمان بن الحارث، حَدَّثَنَا محمد بن يزيد بن خُنيس، قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده، فدخل عليه سعيد بن حسان المخزومي، فقال له سفيان الثوري: الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أُم صالح، أردده علي، فقال: حدثتني أم صالح، عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"كلام ابن آدم كله عليه لا له ما خلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، وذكر الله\" فقال محمد بن يزيد: ما أشد هذا الحديث فقال سفيان وما شدة هذا الحديث؟ إنما جاءت به امرأة عن امرأة هذا في\n_________\n(^١) تقدم تحسينه في تفسير الآية ١٠٦ - ١٠٨ من هذه السورة.\n(^٢) تقدم تخريجه وتحسينه مطولًا كاملًا.","vol":"3","page":216},{"text":"كتاب الله الذي أرسل به نبيكم ﷺ: أَوَ ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾؟ فهو هذا بعينه، أَوَ ما سمعت الله يقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ] هذا بعينه، أَوَ ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر] فهو هذا بعينه (^١).\nوقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجة من حديث محمد بن يزيد بن خُنَيس، عن سعيد بن حسان به، ولم يذكر أقوال الثوري إلى آخرها، ثم قال الترمذي: حديث غريب، لا يعرف إلا من حديث ابن خُنَيس (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا صالح بن كيسان، حَدَّثَنَا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا\"، وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها، قال: وكانت أم كلثوم بنت عقبة من المهاجرات اللاتي بايعن رسول الله ﷺ (^٣). وقد رواه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق عن الزهري به نحوه (^٤).\nقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله. قال: \"إصلاح ذات البين\"، قال: \"وفساد ذات البين هي الحالقة\". ورواه أبو داود والترمذي من حديث أبي معاوية، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٥).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الرحيم، حَدَّثَنَا سريج بن يونس، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، حَدَّثَنَا أبي، عن حميد، عن أنس أن النَّبِيّ ﷺ قال لأبي أيوب: \"ألا أدلك على تجارة؟ \" قال: بلى يا رسول الله. قال: \"تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا\" ثم قال البزار: وعبد الرحمن بن عبد الله العمري: لين، وقد حدث\n_________\n(^١) في سنده سعيد بن حسان المخزومي: صدوق له أوهام (التقريب ص ٢٣٤)، ومحمد بن يزيد بن خُنيس: مقبول (التقريب ص ٥١٣).\n(^٢) سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب رقم ٦٢ (ح ٢٤١٢)، وسنن ابن ماجة، الفتن، باب كف اللسان في الفتن (ح ٣٩٧٤)، وسنده ضعيف كسابقه في رواية ابن مردويه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٠٣) وهو حديث متفق عليه كما يلي.\n(^٤) صحيح البخاري، الصلح، باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس (ح ٢٦٩٢)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه (ح ٢٦٠٥).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٤٤ و٤٤٥)، وأخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب في إصلاح ذات البين ح ٤٩١٩)، والترمذي كلاهما عن أبي معاوية به، وصححه الترمذي (السنن، كتاب صفة القيامة ح ٢٥٠٩) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٠٣٧).","vol":"3","page":217},{"text":"بأحاديث لم يتابع عليها (^١). ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: مخلصًا في ذلك محتسبًا ثواب ذلك عند الله ﷺ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا كثيرًا واسعًا.\n\n<span id=\"aya-608\"></span>وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ، فصار في شق، والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له.\nوقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأُمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك، قد ذكرنا منها طرفًا صالحًا في كتاب أحاديث الأصول، ومن العلماء من ادعى تواتر معناها، والذي عول عليه الشافعي ﵀ في الاحتجاج على كون الإجماع حجة (^٢) تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها على ذلك، ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجًا له، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾ [القلم: ٤٤] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات] وقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ [الكهف].\n\n<span id=\"aya-609\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾.\nقد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ … الآية (^٣)، وذكرنا ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة، وقد روى الترمذي: حديث ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة، عن أبيه، عن علي ﵁ أنه قال: ما في\n_________\n(^١) أخرجه البزار بسند ومتنه وتعليقه وتضعيفه (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٢٢٢ ح ١٧٤١).\n(^٢) ينظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي ص ٤٧١.\n(^٣) تقدم في هذه السورة آية ٤٨.","vol":"3","page":218},{"text":"القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ثم قال: هذا حسن غريب (^١).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: فقد سلك غير الطريق الحق، وضل عن الهدى وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-610\"></span>وقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمود بن غيلان، أنبأنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسن بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب قال: مع كل صنم جنية (^٢).\nوحدثنا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة الباهلي، عن عبد العزيز بن محمد، عن هشام - يعني ابن عروة -، عن أبيه، عن عائشة ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قالت: أوثانًا (^٣). وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومجاهد وأبي مالك والسدي ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (^٤).\nوقال جويبر، عن الضحاك في الآية: قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، قال: فاتخذوهن أربابًا، وصوروهن جواري فحكموا وقلدوا، وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعده؛ يعنون: الملائكة (^٥).\nوهذا التفسير شبيه بقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف: ١٩] وقال: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)﴾ [الصافات: ١٥٨].\nوقال علي بن أبي طلحة والضحاك، عن ابن عباس ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال: يعني موتى (^٦). وقال مبارك - يعني: ابن فضالة -، عن الحسن: إن يدعون من دونه إلا إناثًا. قال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح، إما خشبة يابسة وإما حجر يابس. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٧)، وهو غريب.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، تفسير سورة النساء ح ٣٠٣٧) وسنده ضعيف بسبب ثوير: ضعيف ورمي بالرفض (التقريب ص ١٣٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين بن واقد: صدوق يهم لكنه يتقوى بالشاهد التالي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) ذكرهم ابن حاتم كلهم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح قول أبي مالك وهو الغفاري أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حصين عنه، وقول السدي الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق جويبر به، وسنده ضعيف لضعف جويبر.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"3","page":219},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أي: هو الذي أمرهم بذلك وحسنه وزينه لهم، وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس]. وقال تعالى إخبارًا عن الملائكة أنهم يقولون يوم القيامة عن المشركين الذين ادعوا عبادتهم في الدنيا: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ:٤١].\n\n<span id=\"aya-611\"></span>\n\n<span id=\"aya-612\"></span>وقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طرده وأبعده من رحمته، وأخرجه من جواره، وقال: ﴿وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي: معينًا مقدرًا معلومًا.\nقال مقاتل بن حيان: من كل ألف، تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة (^١). ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الحق، ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي: أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم، وقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.\nقال قتادة والسدي وغيرهما: يعني تشقيقها وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة (^٢).\n﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، قال ابن عَبَّاس: يعني بذلك خصي الدواب (^٣)، وقد روي عن ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب وعكرمة وأبي عياض وقتادة وأبي صالح والثوري (^٤).\nوقد ورد في حديث النهي عن ذلك، وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: يعني بذلك الوشم (^٥).\nوفي صحيح مسلم، النهي عن الوشم في الوجه، وفي لفظ: لعن الله من فعل ذلك (^٦).\nوفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله عز وجلت، ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله ﷿ (^٧)؛ يعني قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقال ابن عَبَّاس في رواية عنه ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والحكم والسدي والضحاك وعطاء الخراساني في قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل لكنه معضل منقطع ويشهد له الحديث القدسي: يقول الله ﷺ يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك ربنا وسعديك. فيُنادَي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج ذريتك بعثًا إلى النار. قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعين .. (أخرجه البخاري في صحيحة، التفسير باب ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] ح ٤٧٤١).\n(^٢) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمار بن أبي عمار عن ابن عباس.\n(^٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج الطبري بعض الآثار بأسانيد ثابتة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن الحسن.\n(^٦) أخرجهما مسلم من حديث جابر مرفوعًا (الصحيح، اللباس والزينة، باب النهي عن ضرب الحيوان ح ٢١١٦ و٢١١٧).\n(^٧) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] (ح ٤٨٨٦)، وصحيح مسلم، اللباس، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة (ح ٢١٢٥).","vol":"3","page":220},{"text":"يعني: دين الله ﷿ (^١)، هذا كقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] على قول من جعل ذلك أمرًا؛ أي: لا تبدلوا فطرة الله ودعوا الناس على فطرتهم، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تجدون بها من جدعاء؟ \" (^٢).\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله ﷿: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم\" (^٣).\n\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ أي: فقد خسر الدنيا والآخرة، وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها.\n\n<span id=\"aya-613\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وهذا إخبار عن الواقع، فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ كما قال تعالى مخبرًا عن إبليس يوم المعاد ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم].\n\n<span id=\"aya-614\"></span>وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المستجيبين له فيما وعدهم ومناهم ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: مصيرهم ومآلهم يوم القيامة ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ أي: ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص، ولا مناص.\n\n<span id=\"aya-615\"></span>ثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء ومالهم في مآلهم من الكرامة التامة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: يصرفونها حيث شاؤوا وأين شاؤوا ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: بلا زوال ولا انتقال ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: هذا وعد من الله، ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر الدَّال على تحقيق الخبر، وهو قوله: ﴿حَقًّا﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ أي: لا أحد أصدق منه قولًا؛ أي: خبرًا لا إله إلا هو ولا ربَّ سواه، وكان رسول الله ﷺ يقول في خطبته:\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بإسنادين صحيحين من طريق القاسم بن أبي بزة وابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري من طريق القاسم بن أبي بزة عنه، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الثوري بسند صحيح من طريق قيس بن مسلم عنه وقول الحسن وقتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند حسن من طريق كثير مولى سمرة عنه.\n(^٢) صحيح البخاري، الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يُصلى عليه؟ (ح ١٣٥٨)، وصحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (ح ٢٦٥٨).\n(^٣) صحيح مسلم، صفة الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (ح ٢٨٦٥).","vol":"3","page":221},{"text":"\"إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار\" (^١).\n\n<span id=\"aya-616\"></span>﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾.\nقال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى باللّه منكم ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ....﴾ الآية، ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان (^٢). وكذا روي عن السدي ومسروق والضحاك وأبي صالح وغيرهم (^٣). وكذا روى العوفي عن ابن عباس ﵁ أنه قال في هذه الآية: تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوارة: كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا فقضى الله بينهم، وقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ....﴾ الآية، وخير بين الأديان فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (^٤).\nوقال مجاهد: قالت العرب: لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ دِينِهِمْ مَا كَانُوا﴾ [آل عمران: ٢٤] (^٥).\nوالمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وليس كل من ادعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه هو على الحق سمع قوله بمجرد ذلك، حتَّى يكون له من الله برهان، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام، ولهذا قال بعده: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الصحيح، الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (ح ٨٦٧).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويتقوى بالروايات التالية.\n(^٣) قول السدي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه به، وقول مسروق أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مسلم أبي صخر عنه، وقول أبي صالح أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق العوفي به وسنده ضعيف.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"3","page":222},{"text":"(٨)﴾ [الزلزلة] وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من الصحابة (^١).\nقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الله بن نمير، حَدَّثَنَا إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زهير، قال: أُخبرت أن أبا بكر ﵁ قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية (﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فكل سوء عملناه جزيناه به؛ فقال النَّبِيّ ﷺ: \"غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟ \" قال: بلى. قال: \"فهو مما تجزون به\" (^٢). ورواه سعيد بن منصور عن خلف بن خليفة، عن إسماعيل بن أبي خالد به، ورواه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى، عن أبي خيثمة، عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد به، ورواه الحاكم من طريق سفيان الثوري عن إسماعيل به (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الوهاب بن عطاء، عن زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: سمعت أبا بكر يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا\" (^٤).\nوقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن هشيم بن جهيمة، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي طالب، حَدَّثَنَا عبد الوهاب بن عطاء، حَدَّثَنَا زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد، قال: قال عبد الله بن عمر انظروا المكان الذي فيه عبد الله بن الزبير مصلوبًا فلا تمرن (^٥) عليه، قال: فسها الغلام فإذا عبد الله بن عمر ينظر إلى ابن الزبير فقال: يغفر الله لك ثلاثًا، أما واللّه ما علمتك إلا صوّامًا قوامًا وصّالًا للرحم، أما واللّه إني لأرجو مع مساوي ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها، قال: ثم التفت إلي فقال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من يعمل سوءًا في الدنيا يجز به\" ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن الفضل بن سهل، عن عبد الوهاب بن عطاء به مختصرًا، وقال في مسنده: عن الفضل بن سهل، عن عبد الوهاب بن عطاء به مختصرًا: وقد قال في مسند الزبير: حَدَّثَنَا إبراهيم بن المستمر العروقي، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن سليم بن حيان، حدثني أبي، عن جدي حيان بن بسطام، قال: كنت مع ابن عمر فمر بعبد الله بن الزبير وهو مصلوب، فقال: رحمة الله عليك أبا خُبيب، سمعت أباك - يعني الزبير -، يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا والآخرة\" (^٦) ثم قال: لا نعلمه يروى عن الزبير\n_________\n(^١) سيأتي في سورة الزلزلة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٨)، وفي سنده انقطاع لأن أبا بكر بن أبي زهير وهو الثقفي لم يسمع أبا بكر الصديق (المراسيل ص ٢٥٨)، ومدار الحديث يتوقف على هذا الراوي كما سيأتي في الروايات الأخرى ولكن يشهد له ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال رسول الله: \"قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتَّى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها\" (الصحيح، البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن ح ٢٥٧٤).\n(^٣) سنن سعيد بن منصور (ح ٦٩٦)، وموارد الظمآن (ح ١٧٣٤)، ومسند أبي يعلى (ح ٩٩)، والمستدرك ٣/ ٧٤.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٣). وضعفه محققه بسبب ضعف زياد وعلي بن زيد وهو ابن جدعان.\n(^٥) كذا في (مح) وفي الأصل: \"فلا تحزن\".\n(^٦) في سنده أيضًا زياد وعلي بن زيد، وهو مخالف لرواية مسلم (الصحيح، فضائل الصحابة، باب ذكر كذاب ثقيف ح ٢٥٤٥).","vol":"3","page":223},{"text":"إلا من هذا الوجه (^١).\nوقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا أحمد بن كامل، حَدَّثَنَا محمد بن سعد العوفي، حَدَّثَنَا روح بن عبادة، حَدَّثَنَا موسى بن عبيدة، حدثني مولى [بن سباع] (^٢) قال: سمعت ابن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النَّبِيّ ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي؟ \" قلت: بلى يا رسول الله. قال: فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني قد وجدت انفصامًا في ظهري حتَّى تمطيت لها. فقال رسول الله ﷺ: \"ما لك يا أبا بكر؟ \" قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأينا لم يعمل السوء وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول اللّه ﷺ: \"أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون، فإنكم تجزون بذلك في الدنيا حتَّى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتَّى يجزوا به يوم القيامة\"، وهكذا رواه الترمذي عن يحيى بن موسى وعبد بن حميد عن روح بن عبادة به. ثم قال: وموسى بن عبيدة يضعف، ومولى بن سباع مجهول (^٣).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا القاسم قال: حَدَّثَنَا الحسين قال: حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح قال: لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله ﷺ: \"إنما هي المصيبات في الدنيا\" (^٤).\n(طريق أخرى عن الصديق) قال ابن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حَدَّثَنَا محمد بن عامر السعدي، حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى، حَدَّثَنَا فضيل بن عياض، عن سليمان بن مهران، [عن مسلم] (^٥) بن صبيح، عن مسروق، قال: قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، ما أشد هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ فقال رسول الله ﷺ: \"المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا جزاء\" (^٦).\n(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني عبد الله بن أبي زياد وأحمد بن منصور، قالا: أنبأنا زيد بن الحباب، حَدَّثَنَا عبد الملك بن الحسن الحارثي، حَدَّثَنَا محمد بن زيد بن قنفذ، عن عائشة، عن أبي بكر قال: لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله، كل ما نعمل نؤاخذ به؟ فقال: \"يا أبا بكر أليس يصيبك كذا وكذا؟ فهو كفارة\" (^٧).\n(حديث آخر) قال سعيد بن منصور: أنبأنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن\n_________\n(^١) السند الأول أخرجه البزار في (البحر الزخار ١/ ٧٥ ح ٢١)، وأشار إلى ضعفه كما تقدم في زياد وعلي بن زيد بن جدعان، والسند الثاني أخرجه بسنده ومتنه وتعليقه كما في (مختصر زوائد البزار ٢/ ٨١ ح ١٤٦١)، وضعفه الدارقطني في (العلل ٤/ ٢٢٣).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وقد سقط من الأصل.\n(^٣) أخرجه الترمذي من طريق موسى بن عبيدة به وضعفه (السنن تفسير سورة النساء ح ٣٠٣٩).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحسين وهو ابن داود ولقبه: سُنيد.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح)، وسقط من الأصل.\n(^٦) يشهد له حديث أبي هريرة المتقدم في صحيح مسلم.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه أحد شاكر بسبب الانقطاع بين محمد بن زيد بن قنفذ وعائشة.","vol":"3","page":224},{"text":"بكر بن سوادة حدثه أن يزيد بن أبي يزيد حدثه عن عبيد بن عمير، عن عائشة أن رجلًا تلا هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال: إنا لنجزى بكل ما علمناه، هلكنا إذًا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: \"نعم يجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه في جسده فيما يؤذيه\" (^١).\n(طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا سلمة بن بشير، حَدَّثَنَا هشيم، عن أبي عامر، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأعلم أشد آية في القرآن، فقال: \"ما هي يا عائشة؟ \" قلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقال: \"هو ما يصيب العبد المؤمن حتَّى النكبة ينكبها\" ورواه ابن جرير من حديث هشيم به. ورواه أبو داود من حديث أبي عامر صالح بن رستم الخزاز به (^٢).\n(طريق أخرى) قال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أُمية أنها سألت عائشة عن هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقالت: ما سألني أحد عن هذه الآية منذ سألت عنها رسول الله ﷺ، فقال: \"يا عائشة هذه مبايعة الله للعبد مما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة حتَّى البضاعة يضعها في كمه، فيفزع لها، فيجدها في جيبه حتَّى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه، كما أن يخرج التبر الأحمر (^٣) من الكير\" (^٤).\n(طريق أخرى) قال ابن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبو القاسم، حَدَّثَنَا سريج بن يونس، حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن زيد بن المهاجر، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قال: \"إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتَّى في القبض عند الموت\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حسين، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة قالت: قال: رسول الله: \"إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفّرها، ابتلاه الله بالحزن ليكفّرها\" (^٦).\n(حديث آخر) قال سعيد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، سمع محمد بن قيس بن مخرمة يخبر أن أبا هريرة ﵁ قال: لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ شق ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"سددوا وقاربوا، فإن في كل\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن ح ٦٩٩)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق ابن وهب به (المسند ٦/ ٦٥)، قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح (المجمع ٧/ ١٥)، وصححه السيوطي (الدر المنثور ٢/ ٢٢٧) طبعة المعرفة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده سلمة بن بشير وهو النيسابوري قال أبو حاتم: شيخ (الجرح والتعديل ٤/ ١٥٧)، وقد توبع فأخرجه الطبري من طريق يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به وأخرجه أبو داود من طريق عثمان بن عمر عن أبى عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة به (السنن، الجنائز، باب عيادة النساء ح ٣٠٩٣).\n(^٣) التبر الأحمر أي: الذهب.\n(^٤) أخرجه أبو داود الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ١٥٨٤)، وفي سنده أيضًا علي بن زيد بن جدعان ورواية مسلم التالية تشهد له.\n(^٥) يشهد له أيضًا رواية مسلم التالية مع رواية سعيد بن منصور.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٥٧)، وسنده ضعيف لما قيل في ليث بن أبي سُليم.","vol":"3","page":225},{"text":"ما يصاب به المسلم كفارة حتَّى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها\" (^١)، هكذا رواه أحمد عن سفيان بن عيينة، ومسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به، ورواه ابن مردويه من حديث روح ومعتمر، كلاهما عن إبراهيم بن يزيد، عن عبد الله بن إبراهيم، سمعت أبا هريرة يقول: لما نزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [بكينا] (^٢) وحزنًا، وقلنا: يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شيء، قال: \"أما والذي نفسي بيده إنها لكما أنزلت، ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا، فإنه لا يصيب أحدًا منكم مصيبة في الدنيا إلا كفّر الله بها من خطيئته حتَّى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه\" (^٣).\nوقال عطاء بن يسار، عن أبي سعيد وأبي هريرة: أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: \"ما يصيب المسلم من نُصِبَ ولا وصب ولا سقم ولا حزن حتَّى الهمّ يهمّه إلا كفّر الله من سيئاته\" أخرجاه (^٤).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى، عن سعد بن إسحاق، حدثتني زينب بنت كعب بن عجرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا، ما لنا بها؟ قال: \"كفارات\". قال أبي: وإن قلّت، قال: \"حتَّى الشوكة فما فوقها\"، قال: فدعا أبي على نفسه أنه لا يفارقه الوعك حتَّى يموت في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة، فما مسه إنسان إلا وجد حره حتَّى مات ﵁ (^٥). تفرد به أحمد.\n(حديث آخر) روى ابن مردويه من طريق حسين بن واقد، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: قيل: يا رسول الله ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قال: \"نعم ومن يعمل حسنة يجز بها عشرًا\" فهلك من غلب واحدته عشراته (^٦).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن وكيع، حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: الكافر، ثم قرأ ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] (^٧). وهكذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما فسرا السوء ههنا بالشرك أيضًا (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن ح ٦٩٤)، وسنده صحيح كما يلي:\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"سقطت\".\n(^٣) صحيح مسلم، البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه (ح ٢٥٧٤)، والسنن الكبرى (ح ١١١٢٢).\n(^٤) صحيح البخاري، المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض (ح ٥٦٤١)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٥٧٣).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٣)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٢٩٢٨)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٠٨).\n(^٦) سنده ضعيف جدًّا لأن الكلبي صرّح أن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب. كما في ترجمته في تهذيب التهذيب.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان، ولكن له متابعة في تفسير ابن أبي حاتم وشاهد في تفسير الطبري كما يلي.\n(^٨) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه =","vol":"3","page":226},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إلا أن يتوب فيتوب الله عليه، رواه ابن أبي حاتم (^١)، والصحيح أن ذلك عام في جميع الأعمال لما تقدم من الأحاديث، وهذا اختيار ابن جرير، واللّه أعلم.\n\n<span id=\"aya-617\"></span>وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، لما ذكر الجزاء على السيئات وأنه لا بدّ أن يأخذ مستحقها من العبد إما في الدنيا وهو الأجود له، وإما في الآخرة والعياذ باللّه من ذلك، ونسأله العافية في الدنيا والآخرة، والصفح والعفو والمسامحة، شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكرانهم وإناثهم بشرط الإيمان، وأنه سيدخلهم الجنة ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو النقرة التي في ظهر نواة التمرة، وقد تقدم الكلام على الفتيل وهو الخيط في شق النواة (^٢)، وهذا النقير وهما في نواة التمرة، وكذا القطمير وهو اللفافة التي على نواة التمرة، والثلاثة في القرآن.\n\n<span id=\"aya-618\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أخلص العمل لربه ﷿ فعمل إيمانًا واحتسابًا، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: اتبع في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما؛ أي: يكون خالصًا صوابًا والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متابعًا للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمتى فقد الإخلاص كان منافقًا وهم الذين يراءون الناس، ومن فقد المتابعة كان ضالًا جاهلًا، ومتى جمعهما كان عمل المؤمنين ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ [الأحقاف: ١٦] ولهذا قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران: ٦٨] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣] [وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١] (^٣) والحنيف: هو المائل عن الشرك قصدًا؛ أي: تاركًا له عن بصيرة، ومقبل على الحق بكليته لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد.\nوقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ وهذا من باب الترغيب في اتباعه، لأنَّهُ إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له، فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه به في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم] قال كثيرون من علماء السلف: أي: قام بجميع ما أمر به في كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير، وقال تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ\n_________\n= الطبري بسند فيه ابن حُميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، ويتقوى برواية ابن عباس السابقة.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) تقدم في هذه السورة آية ٥٣.\n(^٣) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"3","page":227},{"text":"الْمُشْرِكِينَ ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ....﴾ الآية [النحل].\nوقال البخاري: حَدَّثَنَا سليمان بن حرب، حَدَّثَنَا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذًا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح، فقرأ ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فقال رجل: من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم (^١).\nوقد ذكر ابن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما سماه الله خليلًا من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جدب، فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل، وقال بعضهم من أهل مصر: ليمتار طعامًا لأهله من قبله فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب من أهله مرّ بمفازة ذات رمل، فقال: لو ملأت غرائري (^٢) من هذا الرمل لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك فتحول ما في الغرائر من الرمل دقيقًا، فلما صار إلى منزله نام، وقام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقًا فعجنوا منه وخبزوا، فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فقال: نعم هو من عند خليلي الله، فسماه الله خليلًا (^٣). وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًا لا يصدق ولا يكذب، وإنما سمي خليل الله لشدة محبة ربه ﷿ له، لما قام به من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ لما خطبهم في آخر خطبة خطبها، قال: \"أما بعد؛ أيها الناس فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله\" (^٤).\nوجاء من طريق جندب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود عن النَّبِيّ قال: \"إن الله اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا\" (^٥).\nوقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حَدَّثَنَا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حَدَّثَنَا إبراهيم بن يعقوب [الجوزجاني] (^٦) بمكة، حَدَّثَنَا عبد الله الحنفي، حَدَّثَنَا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله ينتظرونه، فخرج حتَّى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجب، إن الله اتخذ من خلقه خليلًا فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليمًا، وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته، وقال آخر: آدم اصطفاه الله فخرج عليهم فسلم، وقال: \"قد سمعت كلامكم وعجبكم إن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ح ٤٣٤٨).\n(^٢) الغرائر: جمع غِرارة وهي: الأوعية التي يوضع فيها التبن والقمح.\n(^٣) ذكره الطبري من دون سند، وتعقب الحافظ ابن كثير وجيه.\n(^٤) صحيح البخاري، الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد (ح ٤٦٦)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ (ح ٢٣٨١).\n(^٥) صحيح مسلم، المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (ح ٥٣٢).\n(^٦) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"الجوجاني\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":228},{"text":"وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، وكذلك محمد ﷺ قال: ألا وإني حبيب الله، ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر أنا أول شافع وأول مشفع، ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح الله ويدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين، ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر\" (^١)، وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها.\nوقال قتادة، عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: أتعجبون من أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه (^٢)، وكذا روي عن [أنس] (^٣) بن مالك وغير واحد من الصحابة والتابعين والأئمة من السلف والخلف.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا يحيى بن عبدك القزويني، حَدَّثَنَا محمد - يعني: ابن سعيد بن سابق -، حَدَّثَنَا عمرو - يعني ابن أبي قيس -، عن عاصم، عن أبي راشد، عن [عبيد بن عمير] (^٤)، قال: كان إبراهيم ﵇ يضيف الناس، فخرج يومًا يلتمس أحدًا يضيفه فلم يجد أحدًا يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلًا قائمًا، فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها، قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده، أبشره بأن الله قد اتخذه خليلًا، قال: من هو؟ فواللّه إن أخبرتني به، ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له جارًا حتَّى يفرق بيننا الموت، قال: ذلك العبد أنت. قال: أنا؟ قال: نعم، قال: فيم اتخذني ربي خليلًا؟ قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم (^٥).\nوحدثنا أبي، حَدَّثَنَا محمود بن خالد السلمي، حَدَّثَنَا الوليد، عن إسحاق بن يسار، قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلًا ألقى في قلبه الوجل حتَّى أن خفقان قلبه ليسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير في الهواء وهكذا جاء في صفة رسول الله ﷺ أنه كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل إذا اشتد غليانها من البكاء (^٦).\n\n<span id=\"aya-619\"></span>وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع ملكه وعبيده وخلقه وهو المتصرف في جميع ذلك، لا رادّ لما قضى، ولا معقب لما حكم، ولا يسأل عمَّا يفعل لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أي: علمه نافذ في جميع ذلك لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي من طريق زمعة به ثم قال: حديث غريب (السنن، المناقب، باب في فضل النَّبِيّ ﷺ ح ٣٦١٦)، وسنده ضعيف لأن زمعة بن صالح ضعيف، وقال الألباني: إسناده لا بأس به في الشواهد (السلسلة الصحيحة ح ١٥٧٠).\n(^٢) أخرجه الحاكم من طريق قتادة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٦٩)، وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٦٠٨).\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"سقط\".\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"عبد الله بن عمير\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن إلى عبيد وهو تابعي، ولكنه من أخبار أهل الكتاب.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الوليد وهو ابن مسلم يدلس تدليس التسوية ولم يصرح بالسماع، فسنده ضعيف ولآخره شاهد في بكاء النَّبِيّ ﷺ.","vol":"3","page":229},{"text":"ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا تخفى عليه ذرة لما تراءى للناظرين أو ما توارى.\n\n<span id=\"aya-620\"></span>﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾.\nقال البخاري: حَدَّثَنَا عبيد بن إسماعيل، حَدَّثَنَا أبو أُسامة قال: حَدَّثَنَا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [إلى قوله] (^١): ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشة: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله حتَّى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلًا فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها، فنزلت هذه الآية (^٢). وكذلك رواه مسلم عن أبي كريب، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي أُسامة (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: قرأت على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية، قال: والذي ذكر الله أنه يتلى عليه في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ …﴾ [النساء: ٣].\nوبهذا الإسناد عن عائشة قالت: وقول الله ﷿: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن (^٤)، وأصله ثابت في الصحيحين من طريق يونس بن يزيد الأيلي به (^٥).\nوالمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله ﷿، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون له فيها رغبة [لدمامتها] (^٦) عنده أو في نفس الأمر، فنهاه الله ﷿ أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ فكان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي\n_________\n(^١) كذا في (مح) وصحيح البخاري، وسقطت من الأصل.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧، ح ٤٦٠٠).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب التفسير (ح ٣٠١٧).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مقطعًا، وهو متفق عليه كما يلي.\n(^٥) صحيح البخاري، الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] (ح ٥٠٦٤)، وصحيح مسلم، كتاب التفسير ح ٣٠١٨).\n(^٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"لزمامتها\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":230},{"text":"عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدًا فإن كانت جميلة وهويها، تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا حتَّى تموت، فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه (^١). وقال في قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ كانوا في الجاهدية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فنهى الله عن ذلك وبين لكل ذي سهم سهمه، فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] صغيرًا أو كبيرًا، وكذا قال سعيد بن جبير وغيره، وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال ولا جمال فانكحها واستأثر بها (^٢).\nوقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ تهييج على فعل الخيرات وامتثالًا للأوامر، وإن الله ﷿ عالم بجميع ذلك، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه.\n\n<span id=\"aya-621\"></span>﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا ومشرعًا من حال الزوجين تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها، فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها، فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ثم قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: من الفراق، وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي: الصلح عند المشاحة خير من الفراق، ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله ﷺ على فراقها فصالحته على أن يمسكها وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها على ذلك.\n(ذكر الرواية بذلك) قال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل، ونزلت هذه الآية ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا …﴾ الآية. قال ابن عَبَّاس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز (^٣). ورواه الترمذي عن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي به، وقال: حسن غريب (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الثابت ومتنه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن كثير الداري عن ابن جبير.\n(^٣) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢٦٨٣)، وفيه سماك بن حرب وروايته عن عكرمة فيها اضطراب لكن يشهد له حديث عائشة في الصحيحين الذي سيأتي بعد رواية الشافعي.\n(^٤) أخرجه الترمذي من طريق الطيالسي به (السنن، تفسير سورة النساء ح ٣٠٤٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٨٦).","vol":"3","page":231},{"text":"قال الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ توفي عن تسع نسوة وكان يقسم لثمان (^١).\nوفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان النَّبِيّ ﷺ يقسم لها بيوم سودة (^٢). وفي صحيح البخاري من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة نحوه (^٣).\nوقال سعيد بن منصور: أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه عروة، قال: أنزل الله في سودة وأشباهها ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت، ففرقت (^٤) أن يفارقها رسول الله ﷺ وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله ﷺ عائشة ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ (^٥). قال البيهقي: وقد رواه أحمد بن يونس، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد موصولًا (^٦)، وهذه الطريق رواها الحاكم في مستدركه فقال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حَدَّثَنَا أحمد بن يونس، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت له: يا ابن أختي، كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتَّى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ: يا رسول الله، يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ، قالت عائشة: ففي ذلك أنزل الله ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (^٧). وكذلك رواه أبو داود عن أحمد بن يونس به (^٨)، والحاكم في مستدركه، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٩). وقد رواه ابن مردويه من طريق أبي بلال الأشعري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به نحوه ومن رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن هشام بن عروة بنحوه مختصرًا، واللّه أعلم.\nوقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي في أول معجمه: حَدَّثَنَا محمد بن يحيى، حَدَّثَنَا مسلم بن إبراهيم، حَدَّثَنَا هشام الدستوائي، حَدَّثَنَا القاسم بن أبي بزة، قال: بعث النَّبِيّ ﷺ إلى سودة بنت زمعة بطلاقها، فلما أن أتاها جلست له على طريق عائشة، فلما رأته قالت له: أنشدك بالذي أنزل عليك كلامه واصطفاك على خلقه لما راجعتني، فإني قد كبرت ولا حاجة لي\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (الأُم ٥/ ٩٨)، ويشهد له الحديث التالي المتفق عليه.\n(^٢) صحيح البخاري، النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها (ح ٥٢١٢)، وصحيح مسلم، الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها (ح ١٤٦٣).\n(^٣) صحيح البخاري، الهبة، باب هبة المرأة لغير زوجها (ح ٢٥٩٣).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"فعرفت\" ومعنى فرقت؛ أي: خافت.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن ح ٧٠٢)، وسنده حسن.\n(^٦) السنن الكبرى ٧/ ٢٩٧.\n(^٧) المستدرك ٢/ ١٨٦.\n(^٨) السنن، النكاح، باب في القسم بين النساء (ح ٢١٣٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن داود (ح ١٨٦٨).\n(^٩) المستدرك ٢/ ١٨٦.","vol":"3","page":232},{"text":"في الرجال، لكن أريد أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فراجعها فقالت: فإني جعلت يومي وليلتي لِحبَّة رسول الله ﷺ (^١)، وهذا غريب مرسل.\nوقال البخاري: حَدَّثَنَا محمد بن مقاتل، أنبأنا عبد الله، أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قال: الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حِلّ، فنزلت هذه الآية (^٢).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن وكيع، حَدَّثَنَا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قالت: هذا في المرأة تكون عند الرجل، فلعله لا يكون بمستكثر منها، ولا يكون لها ولد ويكون لها صحبة فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني (^٣).\nحدثني المثنى، حَدَّثَنَا حجاج بن منهال، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن هشام، عن عروة، عن عائشة، في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: هو الرجل يكون له امرأتان: إحداهما قد كبرت، أو هي دميمة، وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني (^٤)، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير وجه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، بنحو ما تقدم (^٥)، ولله الحمد والمنة.\nقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حميد وابن وكيع، قالا: حَدَّثَنَا جرير، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فسأله عن آية، فكرهه فضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ ثم قال: عن مثل هذا فاسألوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز (^٦). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسن الهسنجاني، حَدَّثَنَا مسدد، حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فسأله عن قول الله ﷿: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، قال علي: يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها، أو سوء خلقها، أو قذذها فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئًا حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج (^٧).\nوكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة وحماد بن سلمة وأبي الأحوص، ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل، أربعتهم عن سماك به. وكذا فسرها ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد بن جبير\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد من طريق مسلم بن إبراهيم به (الطبقات الكبري ٨/ ٥٤) وسنده صحيح لكنه مرسل.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا ....﴾ [النساء: ١٢٨] ح ٤٦٠١).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان وهو ضعيف ويشهد له الحديث السابق.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وله شاهد كسابقه.\n(^٥) تقدم تخريجه من الصحيحين في بداية تفسير الآية نفسها.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده انقطاع لأن ابن سيرين لم يسمع عمر. ويشهد لآخره ما سبق.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٣).","vol":"3","page":233},{"text":"والشعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطية العوفي ومكحول والحسن والحكم بن عتيبة وقتادة (^١) وغير واحد من السلف والأئمة، ولا أعلم في ذلك خلافًا أن المراد بهذه الآية هذا، واللّه أعلم.\nوقال الشافعي: أنبأنا ابن [عيينة] (^٢)، عن الزهري، عن ابن المسيب أن بنت محمد بن مسلم كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمرًا إما كبرًا أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني وأقسم لي ما بدا لك، فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا …﴾ الآية (^٣)، وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار بأطول من هذا السياق (^٣).\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي: حَدَّثَنَا سعيد بن أبي عمرو، حَدَّثَنَا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، أنبأنا علي بن محمد بن عيسى، أنبأنا أبو اليمان، أخبرني شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن السنة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز الرجل وإعراضه عن امرأته في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا …﴾ إلى تمام الآيتين، أن المرء إذا نشز عن امرأته وآثر عليها، فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها أو تستقر عنده على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه فإن استقرت عنده على ذلك فكرهت أن يطلقها فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك فإن لم ترض عليها الطلاق وصالحها على أن يعطيها من ماله ما ترضاه وتقر عنده على الأثر في القسم من ماله ونفسه صلح له ذلك وكان صلحها عليه كذلك، ذكر سعيد بن المسيب وسليمان: الصلح الذي قال الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ جري وقد ذكر لي أن رافع بن خديج الأنصاري وكان من أصحاب النَّبِيّ ﷺ كانت عنده امرأة حتَّى إذا كبرت تزوج عليها فتاة شابة، وآثر عليها الشابة، فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة، ثم أمهلها حتَّى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر عليها الشابة فناشدته الطلاق، فطلقها تطليقة أخرى ثم أمهلها حتَّى إذا كادت تحل راجعها ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق، فقال لها: ما شئت، إنما بقيت لك تطليقة واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة، وإن شئت [فارقتك] (^٤)، فقالت: لا بل أستقر على الأثرة فأمسكها على ذلك، فكان ذلك صلحهما ولم ير رافع عليه إثمًا حين رضيت أن تستقر عنده على الأثرة فيما آثر به عليها.\nوهكذا رواه بتمامه عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار … فذكره بطوله (^٥)، واللّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني التخيير أن يخير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها (^٦).\n_________\n(^١) ذكر أغلبهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"عبد\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الواحدي من طريق الشافعي به (أسباب النزول ص ١٧٨)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٨).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) والسنن الكبرى للبيهقي، وفي الأصل: \"فارقيني\".\n(^٥) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٧/ ٢٩٦)، وأخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه به، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"3","page":234},{"text":"والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النَّبِيّ ﷺ سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة ﵂ ولم يفارقها، بل تركها من جملة نسائه وفعله ذلك لتتأسى به أمته في [شرعية] (^١) ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه ﵊، ولما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق. قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾: بل الطلاق بغيض إليه ﷾، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة، جميعًا عن كثير بن عبيد، عن محمد بن خالد، عن معروف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أبغض الحلال إلى الله الطلاق\". ثم رواه أبو داود عن أحمد بن يونس، عن معروف، عن محارب، قال: قال رسول الله ﷺ … فذكره معناه مرسلًا (^٢). وقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتقسموا لهن أسوة أمثالهن، فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء.\n\n<span id=\"aya-622\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي: لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة، فلا بدّ من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع كما قاله ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا ابن أبي شيبة، حَدَّثَنَا حسين الجعفي، عن زائدة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت هذه الآية ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ في عائشة (^٤). يعني: أن النَّبِيّ ﷺ كان يحبها أكثر من غيرها، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: \"اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك\" يعني: القلب، هذا لفظ أبي داود، وهذا إسناد صحيح، لكن قال الترمذي: رواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا، قال: وهذا أصح (^٥).\nوقوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي: فتبقى هذه الأخرى معلقة.\nقال ابن عَبَّاس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان: معناها: لا ذات زوج ولا مطلقة (^٦).\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"شريعة\" وهو تصحيف.\n(^٢) سنن أبي داود، النكاح، باب في كراهية الطلاق (ح ٢١٧٧)، وسنن ابن ماجة، كتاب الطلاق (ح ٢٠١٨)، ورجح الألباني أنه مرسل (إرواء الغليل ح ٢٥٤٥).\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول عَبيدة السلماني أخرجه الطبري والبيهقي بسند صحيح من طريق ابن سيرين عنه (السنن الكبرى ٧/ ٢٩٨)، وقول الحسن البصري أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عنه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) المسند ٦/ ١٤ وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر (ح ١١٤٠)، وتتمة كلام الترمذي: وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة. ا هـ. والصحيح أنه مرسل كما سيأتي في سورة الأحزاب آية ٥١.\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عنه، وبقية المفسرين ذكرهم ابن أبي =","vol":"3","page":235},{"text":"وقال أبو داود الطيالسي: أنبأنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط\" (^١)، وهكذا رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث همام بن يحيى، عن قتادة به. وقال الترمذي: إنما أسنده همام ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة، قال: كان يقال: ولا يعرف هذا الحديث مرفوعًا إلا من حديث همام (^٢).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: وإن أصلحتم في أموركم وقسمتم بالعدل فيما تملكون واتقيتم الله في جميع الأحوال غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض،\n\n<span id=\"aya-623\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ وهذه هي الحالة الثالثة، وهي حالة الفراق وقد أخبر الله تعالى أنهما إذا تفرقا فإن الله يغنيه عنها ويغنيها عنه بأن يعوضه من هو خير له منها، ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أي: واسع الفضل عظيم المن حكيمًا في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.\n\n<span id=\"aya-624\"></span>﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾.\nيخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأنه الحاكم فيهما، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى الله ﷿ بعبادته وحده لا شريك له. ثم قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ كما قال تعالى إخبارًا عن موسى أنه قال لقومه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] [وقال: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]] (^٣)؛ أي: غني عن عباده، ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود في جميع ما يقدره ويشرعه،\n\n<span id=\"aya-625\"></span>قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: هو القائم على كل نفسٍ بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء.\n\n<span id=\"aya-626\"></span>وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، وكما قال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وقال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا\n_________\n= حاتم بحذف السند، وقد أخرج الطبري معظمها بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^١) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢٤٥٤)، وسنده صحيح كما يلي.\n(^٢) المسند ٢/ ٣٤٧، وسنن أبي داود، النكاح، باب القسمة بين النساء (ح ٢١٣٣)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في التسوية (ح ١١٥٠)، وسنن النسائي، عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه ٧/ ٦٣، وسنن ابن ماجة، النكاح، باب القسمة بين النساء (ح ١٩٦٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (ح ١٦٠٣)، والأرناؤط (جامع الأصول ١١/ ٥١٣).\n(^٣) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"3","page":236},{"text":"أضاعوا أمره. وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم] أي: وما هو عليه بممتنع،\n\n<span id=\"aya-627\"></span>وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: يا من ليس له همة إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أغناك وأعطاك وأقناك، كما قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٠، ٢٠٢] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ …﴾ الآية [الشورى: ٢٠] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء].\nوقد زعم ابن جرير أن المعنى في هذه الآية ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: من المنافقين الذين أظهروا الإيمان لأجل ذلك ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾ وهو ما حصل من المغانم وغيرها مع المسلمين (^١)، وقوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أي: وعند الله ثواب الآخرة وهو ما ادخر لهم من العقوبة في نار جهنم وجعلها كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥، ١٦] ولا شكَّ أن هذه الآية معناها ظاهر، وأما تفسيره الآية الأولى بهذا ففيه نظر، فإن قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ظاهر في حصول الخير في الدنيا والآخرة؛ أي بيده هذا وهذا، فلا يقتصرن قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته [سامية] (^٢) إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو الذي قد قسم السعادة والشقاوة بين الناس في الدنيا والآخرة، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا وممن يستحق هذا. ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.\n\n<span id=\"aya-628\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾.\nيأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط؛ أي: بالعدل، فلا يعدلوا عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه، وقوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ كما قال: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] أي: ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذٍ تكون صحيحة عادلة حقًّا خالية من التحريف والتبديل والكتمان، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٢٩٩ - ٣٠٠.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"شابية\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":237},{"text":"عن الأمر فقل الحق فيه ولو عادت مضرته عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من كل أمر يضيق عليه.\nوقوله: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد، وهو مقدم على كل أحد.\nوقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي: لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما. وقوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل ألزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ومن هذا القبيل قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النَّبِيّ ﷺ يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير وما يحملني حبي إياه، وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وسيأتي الحديث مسندًا في سورة المائدة (^١) إن شاء الله تعالى.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف: تلووا؛ أي: تحرفوا الشهادة (^٢) وتغيروها، واللّي هو: التحريف وتعمد الكذب، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ [آل عمران: ٧٨] والإعراض هو كتمان الشهادة وتركها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\nوقال النَّبِيّ ﷺ: \"خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها\" (^٣)، ولهذا توعدهم الله بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي: وسيجازيكم بذلك.\n\n<span id=\"aya-629\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾.\nيأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه [ودعائمه] (^٤)، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة] أي: بصرنا فيه وزدنا هدى وثبتنا عليه، فأمرهم بالإيمان به وبرسوله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٢٨].\n_________\n(^١) آية ٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ مرفوعًا (الصحيح، الأقضية، باب بيان خير الشهود خ ١٧١٩).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"دعامته\".","vol":"3","page":238},{"text":"وقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني: القرآن، ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة، وقال في القرآن: ﴿نَزَلَ﴾ لأنَّهُ نزل مفرقًا منجمًا على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم، وأما الكتب المتقدمة، فكانت تنزل جملة واحدة، لهذا قال تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: فقد خرج عن طريق الهدى وبعد عن القصد كل البعد.\n\n<span id=\"aya-630\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾.\nيخبر تعالى عمن دخل في الإيمان، ثم رجع عنه، ثم رجع واستمر على ضلاله وازداد حتَّى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو فيه فرجًا ولا مخرجًا ولا طريقًا إلى الهدى، ولهذا قال: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أحمد بن عبدة، حَدَّثَنَا حفص بن جميع، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال: تمادوا على كفرهم حتَّى ماتوا (^١). وكذا قال مجاهد (^٢).\nوروى ابن أبي حاتم من طريق جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن علي ﵁، أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثًا، ثم تلا هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-631\"></span>ثم قال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ يعني أن المنافقين من هذه الصفة، فإنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم،\n\n<span id=\"aya-632\"></span>ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون؛ أي: بالمؤمنين، في إظهارنا لهم الموافقة، قال الله تعالى منكرًا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾، ثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها له وحده لا شريك له ولمن جعلها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن واضطراب سماك عن عكرمة لا يضر لأنَّهُ ثبت عن مجاهد أيضًا كما يلي.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شريك عن جابر الجعفي به وسنده ضعيف بسبب سوء حفظ شريك وضعف جابر ويتقوى بالشواهد إذ ورد عن عمر وعثمان وابن عمر ﵃ والزهري وعمر بن عبد العزيز (ينظر: مصنف عبد الرزاق ١٠/ ١٦٤ - ١٦٥)، ومصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ١٣٧، ١٣٨ و١٢/ ٢٧٣ والموطأ ٢/ ٧٣٧، والطبقات الكبرى لابن سعد ٥/ ٣٥١، والسنن الكبرى ٨/ ٣٠٧.","vol":"3","page":239},{"text":"له، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من [جناب] (^١) الله والالتجاء إلى عبوديته والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حسين بن محمد، حَدَّثَنَا أبو بكر بن عياش، عن حميد الكندي، عن عبادة بن نسيء، عن [أبي ريحانة] (^٢) أن النَّبِيّ ﷺ قال: \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزًا [وكرمًا] (^٣) فهو عاشرهم في النار\" (^٤) تفرد به أحمد، وأبو ريحانة هذا هو أزدي، ويقال: أنصاري، واسمه شمعون، بالمعجمة، فيما قاله البخاري، وقال غيره: بالمهملة، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-633\"></span>وقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي: إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله وَيُسْتَهْزَأُ وينتقص بها وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ في المأثم، كما جاء في الحديث: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخَر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر\" (^٥).\nوالذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨] قال مقاتل بن حيان: نسخت هذه الآية التي في سورة الأنعام (^٦)، يعني: نسخ قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ لقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ [الأنعام: ٦٩]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ أي: [كما اشتركوا] (^٧) في الكفر كذلك شارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم [أبدًا] (^٨)، ويجمع بينهم في دار العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشراب الحميم والغسلين لا الزلال.\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"جانب\".\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"أبي ركان\" وهو تصحيف.\n(^٣) كذا في المسند وفي النسخ: \"وكبرا\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٤)، وسنده ضعيف لأن عبادة لم يسمع من أبي ريحانة (العلل المتناهية ٢/ ١٢٩٥).\n(^٥) أخرجه الترمذي من طريق ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن جابر ثم قال: حديث حسن غريب (السنن، الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام ح ٢٨٠١)، وفي سنده ليث فيه مقال ويتقوى بالمتابعات فقد روي من طريق أخرى، وعن أبي الزبير عن جابر، وقد أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٨٨) وقال الحافظ ابن حجر: إسناده جيد (الفتح ٩/ ٢٥٠).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.\n(^٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"بما أشركوا\".\n(^٨) كذا في (حم) و(مح) وسقطت من الأصل.","vol":"3","page":240},{"text":"<span id=\"aya-634\"></span>﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾.\nيخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم وظهور الكفر عليهم وذهاب ملتهم، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: نصر وتأييد وظفر وغنيمة ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة، ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان كما وقع يوم أُحد، فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ساعدناكم في الباطن، وما أدوناهم خبالًا وتخذيلًا حتَّى انتصرتم عليهم.\nوقال السدي: ﴿نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ تغلب عليكم (^١). كقوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩] وهذا أيضًا تودد منهم إليهم، فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم وقلة إيقانهم.\nقال تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: بما يعلمه منكم أيها المنافقون من البواطن الرديئة. فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرًا في الحياة الدنيا، لما له في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويحصل ما في الصدور.\nوقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن الأعمش، [عن ذر، عن سبيع] (^٢) الكندي، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: كيف هذه الآية ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾؛ فقال علي ﵁: أدنه أدنه، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (^٣). وكذا روى ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، قال: ذاك يوم القيامة، وكذا روى السدي عن أبي مالك الأشجعي، يعني: يوم القيامة (^٤).\nوقال السدي: ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: حجة (^٥)، ويحتمل أن يكون المعنى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ أي: في الدنيا بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ وعلى هذا يكون ردًا على المنافقين فيما\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: \"عن ذريع\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الثوري عن الأعمش به (التفسير ص ٩٨)، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق الثوري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٩).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف للانقطاع بين عطاء الخراساني وابن عباس، ويشهد له سابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق أسباط عن السدي.","vol":"3","page":241},{"text":"أملوه ورجوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين خوفًا على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ [المائدة: ٥٢].\nوقد استدل كثير من الفقهاء بهذا الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافر، لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال، ومن قال منهم بالصحة، يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.\n\n<span id=\"aya-635\"></span>﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾.\nقد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] وقال ههنا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ولا شكَّ أن الله لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم [يعتقدون] (^١) أن أمرهم كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرًا، فكذلك يكون حكمهم عند الله يوم القيامة وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾ [المجادلة: ١٨] وقوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي: هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا، وكذلك يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ [الحديد].\nوقد ورد في الحديث: \"من سمّع سمّع الله به، ومن راءى راءى الله به\" (^٢). وفي حديث آخر: \"إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس ويعدل به إلى النار\" عياذًا باللّه من ذلك.\nوقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة إذا قاموا إليها، قاموا وهم\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"يعتذرون\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث جندب بن عبد الله ﵁ (صحيح البخاري، الرقاق، باب الرياء والسمعة ح ٦٤٩٩)، وصحيح مسلم، الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (ح ٢٩٨٦).","vol":"3","page":242},{"text":"كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها كما روى ابن مردويه من طريق عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: يُكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه عظيم الرغبة شديد الفرح، فإنه يناجي الله وإن الله تجاهه يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو هذه الآية ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (^١). وروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس نحوه.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ هذه صفة ظواهرهم كما قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ أي: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيرًا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبًا كصلاة العشاء في وقت العتمة، وصلاة الصبح في وقت الغلس، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال ومعهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار\" (^٢). وفي رواية: \"والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين، لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار\" (^٣).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا محمد بن إبراهيم بن أبي بكر المقدمي، حَدَّثَنَا محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ﷿\" (^٤).\nوقوله: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: في صلاتهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون.\nوقد روى الإمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، [تلك صلاة المنافق] (^٥) يجلس يرقب الشمس حتَّى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا\" (^٦)، وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر [المدني] (^٧)، عن العلاء بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك الحنفي عن ابن عباس مختصرًا، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة (صحيح البخاري، الأذان، باب فضل العشاء في الجماعة ح ٦٥٧)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة (ح ٦٥١).\n(^٣) صحيح البخاري، الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة (ح ٦٤٤)\n(^٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٩/ ٥٤ ح ٥١١٧)، وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن مسلم الهجري.\n(^٥) زيادة من (حم) و(مح) والتخريج.\n(^٦) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الصلاة، باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ١/ ٢٢٠)، وسنده صحيح.\n(^٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"المزني\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":243},{"text":"عبد الرحمن به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^١).\n\n<span id=\"aya-636\"></span>وقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يعني: المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا ولا مع الكافرين ظاهرًا وباطنًا، بل ظواهرهم مع المؤمنين وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء وتارة يميل إلى أولئك ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا …﴾ الآية [البقرة: ٢٠] وقال مجاهد: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أصحاب محمد ﷺ ﴿وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يعني: اليهود (^٢).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا عبد الوهاب، حَدَّثَنَا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ولا تدري أيتهما تتبع\" (^٣)، تفرد به مسلم (^٤)، فرواه عن محمد بن المثنى، وقال ابن جرير: وحدثنا محمد بن المثنى مرة أخرى، عن عبد الوهاب فوقف به على ابن عمر ولم يرفعه، قال: حَدَّثَنَا به عبد الوهاب مرتين كذلك (^٥).\nقلت: وقد رواه الإمام أحمد عن إسحاق بن يوسف، عن عبيد الله، [وكذا رواه إسماعيل بن عياش، وعلي بن عاصم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا] (^٦)، وكذا رواه عثمان بن محمد بن أبي شيبة، عن عبدة، عن عبيد الله به مرفوعًا، ورواه حماد بن سلمة، عن عبيد الله أو عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا. ورواه أيضًا صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ بمثله (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا خلف بن الوليد، حَدَّثَنَا الهذيل بن بلال، عن ابن عبيد أنه جلس ذات يوم بمكة وعبد الله بن عمر معه، فقال أبي: قال رسول الله ﷺ: \"إن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الربيضين من الغنم، إن أتت هؤلاء نطحتها، فين أتت هؤلاء نطحتها\" فقال له ابن عمر: كذبت، فأثنى القوم على أبي خيرًا أو معروفًا، فقال ابن عمر: ما أظن صاحبكم إلا كما تقولون، ولكني شاهدي الله إذ قال: \"كالشاة بين الغنمين\"، فقال: هو سواء، فقال: هكذا سمعته (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا المسعودي، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: بينما عبيد بن عمير يقص وعنده عبد الله بن عمر، فقال عبيد بن عمير: قال رسول الله ﷺ: \"مثل المنافق كالشاة بين ربيضين، إذا أتت هؤلاء نطحتها، وإذا أتت هؤلاء نطحتها\"، فقال ابن عمير:\n_________\n(^١) صحيح مسلم، المساجد، باب استحباب التبكير بالعصر (ح ٦٢٢)، وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في تعجيل العصر (ح ١٦٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، صفات المنافقين وأحكامهم (ح ٢٧٨٤).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقد ثبت مرفوعًا كما تقدم.\n(^٦) ما بين معقوفين زيادة من (حم) و(مح).\n(^٧) المسند ٩/ ٩٩ (ح ٥٠٧٩)، وصححه محققوه.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩/ ٢٦٧ ح ٥٣٥٩)، وضعفه محققوه بسبب ضعف الهذيل بن بلال، ولشطره الأول شاهد صحيح تقدم.","vol":"3","page":244},{"text":"ليس كذلك، إنما قال رسول الله ﷺ: \"كشاة بين غنمين\"، قال: فاحتفظ الشيخ وغضب، فلما رأى ذلك ابن عمر قال: أما إني لو لم أسمعه لم أردّ ذلك عليك (^١).\n(طريقة أخرى عن ابن عمر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا [معمر] (^٢)، عن عثمان بن بودويه، عن يَعفُر بن رَوذي، قال: سمعت عبيد بن عمير وهو يقص يقول: قال رسول الله ﷺ: \"مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين\"، فقال ابن عمر: ويلكم لا تكذبوا على رسول الله ﷺ، إنما قال رسول الله ﷺ: \"مثل المنافق كمثل الشاة [العائرة] (^٣) بين الغنمين\" (^٤)، ورواه ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله - هو ابن مسعود -، قال: مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى واد، فوقع أحدهم فعبر، ثم وقع الآخَر حتَّى إذا أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي: ويلك أين تذهب إلى الهلكة، ارجع عودك على بدئك، وناداه الذي عبر: هلم إلى النجاة، فجعل ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، قال: فجاء سيل فأغرقه، فالذي عبر هو المؤمن، والذي غرق المنافق ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ والذي مكث الكافر (^٥).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا بشر، حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا شعبة، عن قتادة: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك، قال: وذكر لنا أن نبي اللّه ﷺ كان يضرب مثلًا للمؤمنين وللمنافق وللكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتَّى إذا كاد يصل إلى المؤمن، ناداه الكافر، أن هلم إلي فإني أخشى عليك، وناداه المؤمن: أن هلم إلي فإن عندي وعندي يحصي له ما عنده، فما زال المنافق يتردد بينهما حتَّى أتى عليه آذيُّ (^٦) فغرقه، وإن المنافق لم يزل في شكَّ وشبهة حتَّى أتى عليه الموت وهو كذلك، قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: \"مثل المنافق كمثل ثاغية (^٧) بين غنمين، رأت غنمًا على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف، ثم رأت غنمًا على نشز فأتتها فشامّتها (^٨) فلم تعرف\" (^٩)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي: ومن صرفه عن طريق الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] فإنه من يضلل الله فلا هادي له، والمنافقون الذين أضلهم عن سبيل الله فلا هادي لهم ولا منقذ لهم مما هم فيه، فإنه تعالى لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يُسألون.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨/ ٤٧٦ ح ٤٨٧٢)، وضعفه محققوه لأن المسعودي اختلط وسماع يزيد وهو ابن هارون بعد الاختلاط ويشهد له ما سبق.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: \"عمر\" وهو تصحيف.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: \"الناعرة\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩/ ٤٣٣ ح ٥٦١٠)، وضعفه محققوه بسبب سكوت النقاد عن يَعفُر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) أي الموج الشديد.\n(^٧) ثغت الشاة: أي صاحت.\n(^٨) شامتها: دنت إليها وشمتها لتعرف أهي أخواتها أم غيرها. قاله أحمد شاكر في حاشية الطبري.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى قتادة لكنه مرسل.","vol":"3","page":245},{"text":"<span id=\"aya-637\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾.\nينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين؛ يعني: مصاحبتهم ومصادقتهم، ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه، ولهذا قال ههنا: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجة عليكم في عقوبته إياكم.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا مالك بن إسماعيل، حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ قال: كل سلطان في القرآن حجة (^١). وهذا إسناد صحيح، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي والضحاك والسدي [والنضر بن عربي (^٢)] (^٣).\n\n<span id=\"aya-638\"></span>ثم أخبرنا تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: يوم القيامة جزاء على كفرهم الغليظ.\nقال الوالبي، عن ابن عباس: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: في أسفل النار (^٤). وقال غيره: النار دركات كما أن الجنة درجات.\nوقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي هريرة ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت ترتج عليهم، كذا رواه ابن جرير عن ابن وكيع، عن يحيى بن يمان، عن سفيان الثوري به (^٥).\nورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليهم، فتوقد من تحتهم ومن فوقهم (^٦).\nقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا عبد الرحمن، حَدَّثَنَا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد الله - يعني: ابن مسعود - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت من نار تطبق عليهم (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) ذكرهم ابن كثير بحذف السند، وأخرج الطبري بعض الآثار بأسانيد ثابتة.\n(^٣) كذا في (حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل و(مح): \"النضر بن عدي\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن ابن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان ضعيف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"3","page":246},{"text":"ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، عن سفيان، عن سلمة، عن خيثمة، عن ابن مسعود ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت من حديد مبهمة عليهم (^١). ومعنى قوله: مبهمة؛ أي: مغلقة مقفلة لا يهتدى لمكان فتحها.\nوروى ابن أبي حاتم، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو سلمة، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن زيد، عن القاسم بن عبد الرحمن أن ابن مسعود سئل عن المنافقين، فقال: يجعلون في توابيت من نار تطبق عليهم في أسفل درك من النار (^٢). ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي: ينقذهم مما هم فيه ويخرجهم من أليم العذاب.\n\n<span id=\"aya-639\"></span>ثم أخبر تعالى أن من تاب منهم في الدنيا، تاب عليه وقبل ندمه إذا أخلص في توبته وأصلح عمله، واعتصم بربه في جميع أمره، فقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ أي: بدلوا الرياء بالإخلاص فينفعهم العمل الصالح وإن قل.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن عمرو بن مرة، عن معاذ بن جبل أن رسول اللّه ﷺ قال: \"أخلص دينك يكفك القليل من العمل\" (^٣).\n﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: في زمرتهم يوم القيامة ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾\n\n<span id=\"aya-640\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن غناه عما بسواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم، فقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أي: أصلحتم العمل وآمنتم باللّه ورسوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ أي: من شكر شكر له، ومن آمن قلبه به علمه وجازاه على ذلك أوفر الجزاء.\n\n<span id=\"aya-641\"></span>﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾.\nقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية يقول: لا يحب الله يدعو أحد علي أحد إلا أن يكون مظلومًا فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ وإن صبر فهو خير له (^٤).\nوقال أبو داود: حَدَّثَنَا عبيد الله بن [معاذ] (^٥) حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا سفيان، عن حبيب، عن عطاء، عن عائشة، قالت: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه، فقال النَّبِيّ ﷺ: \"لا تُسَبّخي (^٦) عنه\" (^٧)،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف وقد تابعه سلمة بن كهيل في الرواية السابقة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن عمرو بن مرة لم يسمع من معاذ (المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٤٧).\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: \"معقل\" وهو تصحيف.\n(^٦) أي: لا تخففي عنه إثم السرقة والعقوبة بدعائك عليه (المسند ٤٠/ ٢١٥).\n(^٧) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب فمن دعا على من ظلم ح ٤٩٠٩)، وسنده ضعيف لأن =","vol":"3","page":247},{"text":"وقال الحسن البصري: لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعني عليه، واستخرج حقي منه (^١)، وفي رواية عنه قال: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه (^٢).\nوقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفترِ عليه، لقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى: ٤١] (^٣).\nوقال أبو داود: حَدَّثَنَا القعنبي، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"المستبّان ما قالا، فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم\" (^٤).\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا المثنى بن الصباح، عن مجاهد في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قال: ضاف رجل رجلًا فلم يؤد إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس فقال: ضفت فلانًا فلم يؤد إلي حق ضيافتي، قال: فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم حتَّى يؤدي الآخَر إليه حق ضيافته (^٥).\nوقال ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قال: قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن (^٦). وفي رواية: هو الضيف المحول رحله، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول (^٧)، وكذا روي عن غير واحد عن مجاهد نحو هذا، وقد روى الجماعة سوى النسائي والترمذي من طريق الليث بن سعد، والترمذي من حديث ابن لهيعة، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر، قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا، فما ترى في ذلك؟ فقال: \"إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا منهم، وإن لم تفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم\" (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، سمعت أبا الجودي يحدث عن\n_________\n= حبيبًا وهو: ابن أبي ثابت روى عن عطاء أحاديث لم يتابع عليها وهذا الحديث منها كما قرر العقيلي في الضعفاء ١/ ٢٦٣.\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس بن عبيد البصري عن الحسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن، وإسماعيل ضعيف. والصحيح الرواية السابقة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم.\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب المستبّان ح ٤٨٩٤)، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق العلاء به (الصحيح، البر والصلة، باب النهي عن السباب ح ٢٥٨٧).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف المثنى بن الصباح ولكنه توبع في تفسير الطبري وابن أبي حاتم فيكون حسنًا لغيره.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، ولم يصرح ابن إسحاق بالسماع ويشهد له سابقه.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وحكمه كسابقه.\n(^٨) صحيح البخاري، المظالم، باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه (ح ٢٤٦١)، وصحيح مسلم، اللقطة، باب الضيافة (ح ١٧٢٧).","vol":"3","page":248},{"text":"سعيد بن المهاجر، عن المقدام أبي كريمة، عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: \"أيما مسلم ضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا، فإن حقًّا على كل مسلم نصره حتَّى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله\" (^١). تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقال أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن منصور، عن الشعبي، عن المقدام أبي كريمة، سمع رسول الله ﷺ يقول: \"ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بقنائه محرومًا كان دينًا عليه، فإن شاء اقتضاه وإن شاء تركه\" (^٢). ثم رواه أيضًا عن غندر، عن شعبة، وعن زياد بن عبد الله البكائي، وعن وكيع وأبي نعيم، عن سفيان الثوري، ثلاثتهم عن منصور به، وكذا رواه أبو داود من حديث أبي عوانة عن منصور به (^٣).\nومن هذه الأحاديث وأمثالها، ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة، ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا عمرو بن علي، حَدَّثَنَا صفوان بن عيسى، حَدَّثَنَا محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رجلًا أتى النَّبِيّ ﷺ، فقال: إن لي جارًا يؤذيني، فقال له: \"أخرج متاعك فضعه على الطريق\"، فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فكل من مر به قال: ما لك؟ قال: جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم اخزه، قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك، واللّه لا أوذيك أبدًا (^٤)، وقد رواه أبو داود في كتاب الأدب عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان به (^٥)، ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، ورواه أبو جحيفة وهب بن عبد الله، عن النَّبِيّ ﷺ، ويوسف بن عبد الله بن سلام، عن النَّبِيّ ﷺ (^٦).\n\n<span id=\"aya-642\"></span>وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ أي: إن تظهروا أيها الناس خيرًا أو أخفيتموه أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، ولهذا ورد في الأثر أن حملة العرش يسبحون الله، فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك، ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك، وفي الحديث\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٥/ ١٠٨).\n(^٢) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٠)، وأخرجه أبو داود من طريق منصور به (السنن، الأطعمة، باب ما جاء في الضيافة ح ٣٧٥٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٧٥٠).\n(^٣) المسند ٤/ ١٣٠ - ١٣٣، وسنن أبي داود، الحديث السابق (ح ٣٧٥٠).\n(^٤) أخرجه البخاري من طريق صفوان بن عيسى به (الأدب المفرد ح ١٢٤)، ومن الطريق نفسه أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٦٥)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح الأدب المفرد ح ٩٢).\n(^٥) السنن، الأدب، باب حق الجوار (ح ٥١٥٣). وقال الألباني أيضًا: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٤٢٩٢).\n(^٦) أخرجه البزار (كما في كشف الأستار ح ١٩٠٣) قال الهيثمي: فيه أبو عمر المنيهي تفرد عنه شريك (مجمع الزوائد ٨/ ١٧٣)، ويشهد له ما تقدم عن أبي هريرة وقد أخرجه الحاكم أيضًا من طريق أبي عمر به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٦٦).","vol":"3","page":249},{"text":"الصحيح: \"ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبدًا بِعَفْوٍ إلا عزًا، ومن تواضع للّه رفعه\" (^١).\n\n<span id=\"aya-643\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾.\nيتوعد ﵎ الكافرين به وبرسله، من اليهود والنصارى حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرد التشهي والعادة، وما ألفوا عليه آباءهم لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك، بل بمجرد الهوى والعصبية، فاليهود - عليهم لعائن الله - آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد ﷺ، والسامرة لا يؤمنون بنبيّ بعد يوشع خليفة موسى بن عمران، والمجوس يقال: إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم يقال له: زرادشت، ثم كفروا بشرعه فرفع من بين أظهرهم، واللّه أعلم، والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن ردّ نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي، تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فوسمهم بأنهم كفار باللّه ورسله، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي في الإيمان، ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ومسلكًا،\n\n<span id=\"aya-644\"></span>ثم أخبر تعالى عنهم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ أي: كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به، لأنَّهُ ليس شرعيًّا إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله، لآمنوا بنظيره وبمن هو أوضح دليلًا وأقوى برهانًا منه، أو نظروا حق النظر في نبوته.\nوقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: كما استهانوا بمن كفروا به، إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله ﷺ حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-645\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: بذلك أمة محمد ﷺ، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥] ثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل، فقال: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ على ما آمنوا باللّه ورسله ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لذنوبهم؛ أي إن كان لبعضهم ذنوب، والحمد لله.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (الصحيح، البر والصلة، باب استحباب العفو والتواضع ح ٢٥٨٨).","vol":"3","page":250},{"text":"<span id=\"aya-646\"></span>﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾.\nقال محمد بن كعب القرظي والسدي وقتادة: سأل اليهود رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة (^١).\nقال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفًا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به (^٢).\nوهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك كما هو مذكور في سورة سبحان ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ الآية [الإسراء] ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: بطغيانهم وبغيهم، وعتوهم وعنادهم، وهذا مفسر في سورة البقرة، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: من بعدما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يدي موسى ﵇ في بلاد مصر، وما كان من إهلاك عدوهم فرعون وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيرًا، حتَّى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا لموسى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ الآيتين [الأعراف] ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة الأعراف، وفي سورة طه، بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله ﷿، ثم لما رجع وكان ما كان، جعل [الله] (^٣) توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه، أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، ثم أحياهم الله ﷺ، وقال الله تعالى: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾\n\n<span id=\"aya-647\"></span>ثم قال: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى ﵇، ورفع الله على رؤوسهم جبلًا، ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم، خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ …﴾ الآية [الأعراف: ١٧١] ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن\n_________\n(^١) قول محمد بن كعب أخرجه الطبري من طريق أبي معشر عنه وسنده مرسل وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة وهذه المراسيل الثلاثة يقوي بعضها بعضًا.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود الملقب بسنيد ضعيف، وسنده معضل أيضًا وما تقدم يشهد لشقه الأول.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وسقط من الأصل.","vol":"3","page":251},{"text":"يدخلوا باب بيت القدس سجدًا وهم يقولون: حطة؛ أي: اللّهم حطّ عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونكولنا عنه، حتَّى تهنا في التيه أربعين سنة، فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم، ما دام مشروعًا لهم ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ أي: شديدًا، فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما حرم الله ﷿، كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ .......﴾ الآيات [الأعراف: ١٦٣] وسيأتي حديث صفوان بن عسال في سورة سبحان عند قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وفيه: وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت.\n\n<span id=\"aya-648\"></span>﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾.\nوهذه من الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم، وكفرهم بآيات الله؛ أي: حججه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على يدي الأنبياء ﵈، قوله: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جمعًا غفيرًا من الأنبياء ﵈. وقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال ابن عَبَّاس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة وغير واحد: أي في غطاء (^١).\nوهذا كقول المشركين ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾ [فصلت]، وقيل: معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم؛ أي: أوعية للعلم قد حوته وحصلته، رواه الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس (^٢)، وقد تقدم نظيره في سورة البقرة (^٣)، قال الله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول، لأنها في غلف وفي أكنّة، قال الله: بل هي مطبوع عليها بكفرهم، وعلى القول الثاني: عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: مردت قلوبهم على الكفر والطغيان، وقلة الإيمان.\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن كثير عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عنه، وقول سعيد بن جبير وعكرمة ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٢) سنده ضعيف لأن الكلبي صرّح أن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب.\n(^٣) آية ٨٨.","vol":"3","page":252},{"text":"<span id=\"aya-649\"></span>﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني أنهم رموها بالزنا (^١)، وكذلك قال السدي وجويبر ومحمد بن إسحاق وغير واحد (^٢)، وهو ظاهر من الآية، أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية وقد حملت بولدها من ذلك، زاد بعضهم: وهي حائض فعليهم لعائن الله [المتتابعة] (^٣) إلى يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-650\"></span>\n\n<span id=\"aya-651\"></span>وقولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب قتلناه، وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦] وكان من خبر اليهود، عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما بعث الله عيسى بن مريم بالبينات والهدى حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والمعجزات الباهرات التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويصور من الطين طائرًا، ثم ينفخ فيه، فيكون طائرًا يشاهد طيرانه بإذن الله ﷿، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم حتَّى جعل نبي الله عيسى ﵊، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه عليهما الصلاة والسلام، ثم لم يقنعهم ذلك، حتَّى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلًا مشركًا من عبدة الطاغوت والكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان، وأنهوا إليه أن في بيت المقدس رجلًا يفتن الناس ويضلهم، ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالمقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه، ويكف أذاه عن الناس، فلما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى ﵇، وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر، وقيل: [سبعة عشر] (^٤) نفرًا، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك. فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم، قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة، وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب، فقال: أنت هو، وألقى الله عليه شبه عيسى حتَّى كأنه هو، وفتحت روزنة من سقف البيت، وأخذت عيسى ﵇ سنة من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥].\nفلما رفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب، ظنوا أنه عيسى، فأخذوه في الليل وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه، وتبجحوا بذلك وسلم لهم طوائف من النصارى، ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول جويبر أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يعلى بن عبيد عنه.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"التابعة\" وهو تصحيف.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"ستة عشر\".","vol":"3","page":253},{"text":"فإنهم شاهدوا رفعه. وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود، أن المصلوب هو المسيح بن مريم، حتَّى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنه خاطبها (^١)، واللّه أعلم، وهذا كله من امتحان الله عباده، لما له في ذلك من الحكمة البالغة.\nوقد وضح الله الأمر وجلاه وبينه، وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى: وهو أصدق القائلين ورب العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: رأوا شبهه فظنوه إياه، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ يعني: بذلك من ادعى أنه قتله من اليهود، ومن سلمه إليهم من جهال النصارى، كلهم في شكّ من ذلك وحيرة وضلال وسعر، وبهذا قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو بل شاكين متوهمين ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ أي: منيع الجناب، لا يرام جنابه ولا يضام من لاذ [ببابه] (^٢) ﴿حَكِيمًا﴾ أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم والأمر القديم.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلًا من الحواريين، يعني: فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة، بعد أن آمن بي، قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنًا، فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام ذلك الشاب، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب، فقال: أنا، فقال: أنت هو ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة (^٣) في البيت إلى السماء، قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن من به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة، كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية (^٤)، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية (^٥)، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء\n_________\n(^١) هذه القصة ورد معظمها بأسانيد ثابتة كما سيأتي، وهي من أخبار أهل الكتاب التي لا تخالف القرآن والسنة بل غالبًا ما توافقهما.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"به\".\n(^٣) روزنة أي: شباك أو نافذة صغيرة.\n(^٤) اليعقوبية: هم أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة بأن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: الوجود والعلم والحياة، وهذه الأقانيم ليست زائدة الذات ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى ﵇ على طريق الظهور. (ينظر: الملل والنحل ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(^٥) النسطورية: هم أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه قال: إن الله واحد ذو أقانيم ثلاثة … واتحدت الكلمة بجسد عيسى ﵇ لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة وكظهور النقش في الشمع إذا طبع الخاتم (المصدر السابق بتصرف).","vol":"3","page":254},{"text":"المسلمون فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسًا حتَّى بعث الله محمدًا ﷺ (^١)، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب، عن أبي معاوية بنحوه (^٢)، وكذا ذكره غير واحد من السلف، أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، وهو رفيقي في الجنة.\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت فأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليه، صورهم الله ﷿ كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى، أو لنقتلنكم جميعًا، فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فخرج إليهم، وقال: أنا عيسى، وقد صوره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فمن ثم شبه لهم، فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك (^٣).\nوهذا سياق غريب جدًّا.\nقال ابن جرير: وقد روي عن وهب نحو هذا القول، وهو ما حدثني المثنى، حَدَّثَنَا إسحاق، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبًا يقول: إن عيسى بن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، جزع من الموت وشق عليه، فدعا الحواريين وصنع لهم طعامًا، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم، وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام، أخذ يغسل أيديهم، ويوضئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك، وتكارهوه فقال: ألا من ردَّ عليّ الليلة شيئًا مما أصنع، فليس مني، ولا أنا منه، فأقروه حتَّى إذا فرغ من ذلك، قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعاظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم، وأما حاجتي الليلة التي أستعينكم عليها، فتدعون الله لي، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتَّى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله، أما تصبرون لي ليلة واحدة، تعينوني فيها؟ فقالوا: واللّه ما ندري ما لنا، لقد كنا نسمر فنكثر السمر، وما نطيق الليلة سمرًا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال: يذهب الراعي وتفرق الغنم، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه. ثم قال: الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني. فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، وأخذوا شمعون أحد الحواريين وقالوا: هذا من أصحابه، فجحد وقال: ما أنا بصاحبه، فتركوه، ثم أخذه آخرون، فجحد كذلك ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحد\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) تفسير النسائي ١/ ٥٧٤ - ٥٧٥.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.","vol":"3","page":255},{"text":"الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجدون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى، وتنهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتَّى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شبه لهم، فمكث سبعًا، ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى ﵇، فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان تحت المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: ما تبكيان؟ فقالتا: عليك، فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبي إلا خير، وإن هذا شبه لهم، فأمُرا الحواريين يلقوني إلى مكان كذا وكذا، فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفُقد الذي باعه ودل عليه اليهود، فسأله عنه أصحابه، فقال: إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه، فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام تبعهم يقال له: يحيى، فقال: هو معكم، فانطلقوا، فإنه سيصبح كل إنسان يحدث بلغة قومه فلينذرهم وليدعهم (^١).\nسياق غريب جدًّا.\nثم قال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلًا منهم يقال له: داود، فلما أجمعوا لذلك منه، لم يفظع عبد من عباد الله بالموت فيما ذكر لي فظعه، ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع الله في صرفه عنه دعاءه، حتَّى إنه ليقول فيما يزعمون: اللهم إن كنت صارفًا هذه الكأس عن أحد من خلقك، فاصرفها عني. وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دمًا، فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى ﵇. فلما أيقن أنهم داخلون عليه، قال لأصحابه من الحواريين، وكانوا اثني عشر رجلًا: زبدي فطرس، ويعقوب بن زيدي، ويُحنس أخو يعقوب، وانداراييس، وفيلبس، وابن تلما، ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقايا، وتداوسيس، وقثانيا، ويودس زكريا يوطا (^٢).\nقال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان فيما ذكر لي رجل اسمه سرجس، وكانوا ثلاثة عشر رجلًا سوى عيسى ﵇، جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شبه لليهود مكان عيسى، قال: فلا أدري هو من هؤلاء الاثني عشر، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى وكفروا بما جاء به محمد ﷺ من الخبر عنه، فإن كانوا ثلاثة عشر، فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا، وهم بعيسى أربعة عشر، وإن كانوا اثني عشر، فإنهم دخلوا المدخل وهم ثلاثة عشر (^٣).\nقال ابن إسحاق: وحدثني رجل كان نصرانيًا فأسلم، أن عيسى حين جاءه من الله: ﴿مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، قال: يا معشر الحواريين، أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة حَتَّى يشبّه للقوم في صورتي فيقتلوه في مكاني؟ فقال سرجس: أنا يا روح الله. قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو من الإسرائيليات التي ولع بها وهب بن منبه.\n(^٢) في بعض هذه الأسماء ورد فيها بعض التصحيفات ضبطت من رواية الطبري، فقد أخرجه بسنده ومتنه، وفيه أيضًا محمد بن حميد الرازي. وأخرجه في تاريخه أيضًا ١/ ٦٠١.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.","vol":"3","page":256},{"text":"فاجلس في مجلسي، فجلس فيه، ورفع عيسى ﵇، فدخلوا عليه، فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه، وشبه لهم به، وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة، وقد رأوهم فأحصوا عدتهم، فلما دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى وأصحابه فيما يرون، وفقدوا رجلًا من العدة، فهو الذي اختلفوا فيه، وكانوا لا يعرفون عيسى، حتَّى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهمًا على أن يدلهم عليه ويعرفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه فإني سأقبّله، وهو الذي أقبّل فخذوه، فلما دخلوا، وقد رفع عيسى ورأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشك أنه هو، فأكب عليه يقبله، فأخذوه فصلبوه. ثم إن يودس زكريا يوطا ندم على ما صنع فاختنق بحبل حتَّى قتل نفسه، وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النصارى يزعم أنه يودس زكريا يوطا، وهو الذي شبه لهم، فصلبوه وهو يقول: إني لست بصاحبكم، أنا الذي دللتكم عليه، واللّه أعلم أي ذلك كان (^١).\nوقال ابن جرير، عن مجاهد: صلبوا رجلًا شبه بعيسى ورفع الله ﷿ عيسى إلى السماء حيًا (^٢)، واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه (^٣).\n\n<span id=\"aya-652\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعني: قبل موت عيسى يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم ﵇.\n\n<span data-type='title' id=toc-97>ذكر من قال ذلك:</span>\nحَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، قال: قبل موت عيسى بن مريم ﵇ (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس مثل ذلك (^٥).\nوقال أبو مالك في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: ذلك عند نزول عيسى، وقبل موت عيسى بن مريم ﵇، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به (^٦).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعني: اليهود خاصة (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده السابق ومتنه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) التفسير ٩/ ٣٧٤ (ط. شاكر).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٩)، ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه (الصحيح، الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم ﵇ ح ٢٤٢).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حصين السلمي عن أبي مالك بنحوه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك به، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس.","vol":"3","page":257},{"text":"وقال الحسن البصري: يعني: النجاشي وأصحابه، رواهما ابن أبي حاتم (^١).\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حَدَّثَنَا [ابن علية [(^٢)، حَدَّثَنَا أبو رجاء، عن الحسن ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى والله إنه لحي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا علي بن عثمان اللاحقي، حَدَّثَنَا جويرية بن بشير، قال: سمعت رجلًا قال للحسن: يا أبا سعيد، قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، قال: قبل موت عيسى، إن الله رفع إليه عيسى وهو باعثه قبل يوم القيامة مقامًا يؤمن به البر والفاجر (^٤). وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٥)، وغير واحد، وهذا القول هو الحق، كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.\nقال ابن جرير: وقال آخرون: يعني بذلك ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ بعيسى قبل موت صاحب الكتاب.\nذكر من كان يوجه ذلك إلى أنه إذا عاين [الملك] (^٦) علم الحق من الباطل، لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حت يتبين له الحق من الباطل في دينه.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية، قال: لا يموت يهودي حتَّى يؤمن بعيسى (^٧).\nحدثني المثنى، حَدَّثَنَا أبو حذيفة، حَدَّثَنَا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ كل صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته، قبل موت صاحب الكتاب (^٨).\nوقال ابن عَبَّاس: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتَّى يؤمن بعيسى (^٩).\nحَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا أبو تُميلة يحيى بن واضح، حَدَّثَنَا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لا يموت اليهودي حتَّى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، ولو عجل عليه بالسلاح (^١٠). حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حَدَّثَنَا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن الحسن، وسبب الضعف ضعف سعيد بن سليمان النشيطي.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"أنس بن عُلية\" وهو خطأ.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٦) كذا في (مح) وفي الأصل بدونه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند فيه خصيف بنحوه ويتقوى بما سبق.\n(^١٠) أخرجه الطبري وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف لكنه توبع في رواية ابن أبي طلحة السابقة.","vol":"3","page":258},{"text":"قال: هي في قراءة أُبي (قبل موتهم) ليس يهودي يموت أبدًا حتَّى يؤمن بعيسى، قيل لابن عباس: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهويّ، قيل: أرأيت إن ضربت عنق أحدهم؟ قال: يلجلج بها لسانه (^١). وكذا روى سفيان الثوري عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: لا يموت يهودي حتَّى يؤمن بعيسى ﵇ وإن ضرب بالسيف تكلم به، قال: وإن هوى تكلم به وهو يهوي (^٢)، وكذا روى أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن أبي هارون الغنوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، فهذه كلها أسانيد صحيحة إلى ابن عباس، وكذا صح عن مجاهد وعكرمة ومحمد بن سيرين، وبه يقول الضحاك وجويبر (^٣). وقال السدي وحكاه عن ابن عباس، ونقل قراءة أُبي بن كعب: (قبل موتهم) (^٤).\nوقال عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن فرات القزاز، عن الحسن في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: لا يموت أحد منهم حتَّى يؤمن بعيسى قبل أن يموت (^٥).\nوهذا يحتمل أن يكون مراد الحسن ما تقدم عنه، ويحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء.\nقال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت صاحب الكتاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>ذكر من قال ذلك:</span>\nحدثني ابن المثنى، حَدَّثَنَا الحجاج بن المنهال، حَدَّثَنَا حماد، عن حُميد، قال: قال عكرمة: لا يموت النصراني ولا اليهودي حتَّى يؤمن بمحمد ﷺ؛ يعني في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (^٦).\nثم قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا آمن به قبل موت عيسى ﵇، ولا شكَّ أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح، لأنَّهُ المقصود من سياق الآية في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن كذلك، وإنما شبّه لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن شاء الله قريبًا، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذٍ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه عتاب بن بشير صدوق يخطئ، وفيه خُصيف صدوق سيء الحفظ، ويتقوى بما سبق.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده خُصيف ويتقوى بالروايات السابقة.\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، والتخريج السابق يغني لأنَّهُ صح عن ابن عباس كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف جدًّا من طريق جويبر عن أبي، وجويبر متروك.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وحماد هو ابن سلمة، وحُميد هو: الطويل.","vol":"3","page":259},{"text":"ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: قبل موت عيسى ﵇ الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض. فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى أن كل كتابي لا يموت حتَّى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام، فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له، إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في أول هذه السورة ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨].\nوقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ....﴾ الآية [غافر: ٨٤] وهذا يدلُّ على ضعف ما احتج به ابن جرير في رد هذا القول حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كل من آمن بمحمد ﷺ أو بالمسيح ممن كفر بهما يكون على دينهما، وحينئذٍ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه، لأنَّهُ قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته، فهذا ليس بجيد إذ لا يلزم من إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى قول ابن عباس؛ ولو تردى من شاهق أو ضرب بالسيف أو افترسه سبع، فإنه لا بدّ أن يؤمن بعيسى، فالإِيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمناه، واللّه أعلم.\nومن تأمل جيدًا وأمعن النظر، اتضح له أنه هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا، بل المراد بها الذي ذكرناه من تقرير وجود عيسى ﵇ وبقاء حياته في السماء وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه، وتصادمت وتعاكست وتناقضت وخلت عن الحق، ففرط هؤلاء وأفرط هؤلاء تنقصه اليهود بما رموه به وأمه من العظائم، [وأطراه] (^١) النصارى بحيث ادعوا فيه ما ليس فيه، فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى عما يقول هؤلاء وهؤلاء علوًا كبيرًا، وتنزه وتقدس لا إله إلا هو.\n\n<span data-type='title' id=toc-99>ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له:</span>\nقال البخاري ﵀ في كتاب ذكر الأنبياء من صحيحه المتلقى بالقبول: نزول عيسى ابن مريم ﵇، حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم، حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبي عن صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويفيض المال حتَّى لا يقبله أحد، وحتى تكون السجدة خيرًا لهم من الدنيا وما فيها\"، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (^٢)، وكذا رواه مسلم\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"وإفراط\".\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (في الكتاب والباب المذكور ح ٣٤٤٨).","vol":"3","page":260},{"text":"عن الحسن الحلواني وعبد بن حميد كلاهما عن يعقوب به (^١)، وأخرجه البخاري ومسلم أيضًا من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري به. وأخرجاه من طريق الليث عن الزهري به.\nورواه ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين\" قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ موت عيسى ابن مريم، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات (^٢).\n(طريق أخرى) عن أبي هريرة، قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا روح، ثنا محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"ليهلنّ عيسى بفج الروحاء (^٣) بالحج أو العمرة، أو ليثنينهما جميعًا\" (^٤)، وكذا رواه مسلم منفردًا به من حديث ابن عيينة، والليث بن سعد ويونس بن يزيد، ثلاثتهم عن الزهري به (^٥).\nوقال أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا سفيان - هو ابن حسين -، عن الزهري، عن حنظلة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويُعطي المال حتَّى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما\" قال: وتلا أبو هريرة ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري هذا كله حديث النَّبِيّ ﷺ أو شيء قاله أبو هريرة (^٦): وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري به (^٧).\n(طريق أخرى) قال البخاري: حَدَّثَنَا ابن بكير، حَدَّثَنَا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كيف بكم إذا نزل فيكم\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم (ح ١٥٥).\n(^٢) في سنده محمد بن أبي حفصة صدوق يخطئ (التقريب ص ٤٧٤)، وقد توبع إلا في إعادة قراءة الآية ثلاث مرات فلم يُتابع عليها ولعلها من خطأ ابن أبي حفصة.\n(^٣) فجّ الروحاء: الفج هو الطريق الواسع كما في النهاية، وفج الروحاء: يقع بين مكة والمدينة، وكان طريق رسول الله ﷺ إلى بدر وإلى مكة عام الفتح … (حاشية صحيح مسلم).\n(^٤) ليثنينهما: أي يقرن بينهما.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥١٣)، وفيه محمد بن أبي حفصة صدوق يخطئ ولكنه توبع إذ رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة والليث بن سعد ويونس بن يزيد ثلاثتهم عن الزهري به (صحيح مسلم، الحج، باب إهلال النَّبِيّ ﷺ ح ٢٥٢) وما بعده.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٧٨٩٠)، وصححه المحقق ولكن فيه سفيان بن حسين وفي روايته عن الزهري مقال، وقد توبع في الصحيحين فأخرجاه من طرق أخرى عن الزهري به لكن بدون العبارة: فزعم حنظلة … إلخ (صحيح البخاري، الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم ح ٣٤٤٨)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم (ح ١٥٥).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مع الزيادة مما يدلُّ أنه تفرد بها سفيان بن حسين.","vol":"3","page":261},{"text":"المسيح بن مريم وإمامكم منكم؟ \" تابعه عقيل والأوزاعي (^١)، وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، عن معمر، وعن عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئب، كلاهما عن الزهري به (^٢).\nوأخرجه مسلم من رواية يونس والأوزاعي وابن أبي ذئب به (^٣).\n(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا همام، أنبأنا قتادة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن النَّبِيّ ﷺ قال: \"الأنبياء إخوة لعلات (^٤)، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنَّهُ لم يكن نبي بيني وبينه، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران (^٥)، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإِسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض حتَّى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون\" (^٦)، وكذا رواه أبو داود عن هُدبة بن خالد، عن همام بن يحيى (^٧).\nورواه ابن جرير ولم يورد عند هذه الآية سواه، عن بشر بن معاذ، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، كلاهما عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم - وهو مولى أم برثن صاحب السقاية -، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ … فذكر نحوه، وقال: فيقاتل الناس على الإسلام (^٨).\nوقد روى البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، والأنبياء أولاد علات، ليس بيني وبينه نبي\" (^٩)، ثم رواه عن محمد بن سنان، عن فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد\". وقال إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه بالمتابعة (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم ﵇ ح ٣٤٤٩).\n(^٢) المسند ٢/ ٢٧٢، ٣٣٦.\n(^٣) صحيح مسلم، الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا (ح ١٥٥/ ٢٤٤ - ٢٤٦).\n(^٤) العلات: الضرائر (فتح الباري ٦/ ٤٨٩).\n(^٥) أي الثياب التي فيها صفرة خفيفة (النهاية ٤/ ٣٣٦)، ونسميه في عصرنا: اللون السكري أو العسلي.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصححه محققوه (المسند ١٥/ ١٥٣ - ١٥٤ ح ٩٢٧٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٩٥).\n(^٧) سنن أبي داود، الملاحم، باب خروج الدجال (ح ٤٣٢٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٣٥).\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه أحمد شاكر.\n(^٩) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦، ح ٣٤٤٢).","vol":"3","page":262},{"text":"هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ (^١) ....\n(حديث آخر) قال مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حَدَّثَنَا معلى بن منصور، حَدَّثَنَا سليمان بن بلال، حَدَّثَنَا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتَّى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق (^٢)، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذٍ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتله، فيقول المسلمون: لا والله، لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبدًا، فيفتحون قسطنطينية، فبينما هم يقسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى ابن مريم، فيؤمهم، فإذا رآه عدو الله، ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتَّى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته\" (^٣).\n(حديث آخر) قال أحمد: حَدَّثَنَا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عفازة، عن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: \"لقيت ليلة أسري بي، إبراهيم وموسى وعيسى ﵇، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إليّ ربي ﷿ أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتَّى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافرًا فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتَّى تجوى (^٤) الأرض من نتن ريحهم، وينزل المطر فيجترف أجسادهم حتَّى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إليّ ربي ﷿ أن ذلك إذا كان كذلك، أن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلًا أو نهارًا\" (^٥)، رواه ابن ماجة عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، به نحوه (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ح ٣٤٤٣).\n(^٢) بالأعماق ودابق: موضعان بالشام بقرب مدينة حلب (حاشية صحيح مسلم).\n(^٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الفتن، باب في فتح قسطنطينية ح ٢٨٩٧).\n(^٤) قال ابن الأثير: يقال: جَوِى يَجوى إذا أنتن (النهاية ١/ ٣١٩).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٧٥)، وسنده حسن، أخرجه الحاكم من طريق العوام به وصححه ثم قال: فأما مؤثر فليس بمجهول قد روى عن ابن مسعود والبراء بن عازب، وروى عنه جماعة من التابعين، وصححه الذهبي وقال أيضًا: ومؤثر روى عنه جماعة (المستدرك ٢/ ٣٨٤)، وصحح إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة ٣/ ٢٦٠، ومؤثر ذكره ابن حبان في (الثقات ٥/ ٤٦٣)، وسكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح ٨/ ٤٢٩).\n(^٦) السنن، الفتن، باب فتنة الدجال (ح ٤٠٨١).","vol":"3","page":263},{"text":"(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، قال: أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم جمعة لنعرض عليه مصحفًا لنا على مصحفه، فلما حضرت الجمعة، أمرنا فاغتسلنا، ثم أتينا بطيب فتطيبنا، ثم جئنا المسجد فجلسنا إلى رجل فحدثنا عن الدجال، ثم جاء عثمان بن أبي العاص، فقمنا إليه فجلسنا، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام، فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق، فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تقول: نقيم نُشامَّه (^١) (^٢) ننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم، ومع الدجال سبعون ألفًا عليهم التيجان، وأكثر من معه اليهود والنساء، ثم يأتي المصر الذي يليه فيصير أهله ثلاث فرق. فرقة تقول: نشامَّه وننظر ما هو؟ وفرقة تلحق بالأعراب وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم بغرب الشام وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق (^٣)، فيبعثون سرحًا (^٤) لهم، فيصاب سرحهم فيشتد ذلك عليهم، ويصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد حتَّى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من السحر: يا أيها الناس أتاكم الغوث - ثلاثًا - فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان، وينزل عيسى ابن مريم ﵇ عند صلاة الفجر، فيقول له أميرهم: يا روح الله، تقدم صلِّ، فيقول: هذه الأمة أمراء بعضهم على بعض، فيتقدم أميرهم فيصلي، حتَّى إذا قضى صلاته أخذ عيسى حربته، فيذهب نحو الدجال، فإذا راه الدجال ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حربته بين ثندوته (^٥) فيقتله، ويهزم أصحابه، فليس يومئذٍ شيء يواري منهم أحدًا، حتَّى إن الشجرة تقول: (يا مؤمن هذا كافر)، ويقول الحجر: (يا مؤمن هذا كافر) \" (^٦). تفرد به أحمد من هذا الوجه.\n(حديث آخر) قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه المشهورة: حَدَّثَنَا علي بن محمد، حَدَّثَنَا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن رافع أبي رافع، عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فكان أكثر خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال وحذرناه، فكان من قوله أن قال: \"لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم ﵇ أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيًا إلا حذر أمته الدجال، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم، فأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل حجيج نفسه، وإن الله خليفتي في كل مسلم، وإنه يخرج من خَلَّة بين الشام والعراق فيعيث يمينًا ويعيث شمالًا، ألا يا عباد الله، أيها الناس فاثبتوا، وإني\n_________\n(^١) نُشامّه: قال السندي في حاشية المسند: بتشديد الميم وضم حرف المضارعة؛ أي: نختبره وننظر ما عنده. وقال في النهاية: يقال: شاممت فلانًا إذا قاربته وتعرفت ما عنده بالاختبار والكشف.\n(^٢) كذا في الأصل، وفي (مح): \"نشائمه\".\n(^٣) قال السندي: قرية بين حوران والغور، أي في بلاد الشام.\n(^٤) قال السدي: أي ماشية.\n(^٥) الثندوتان للرجل كالثديين للمرأة (النهاية ١/ ٢٢٣).\n(^٦) أخرجه أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعفه محققوه لضعف علي بن زيد بن جدعان (المسند ٢٩/ ٤٣١ - ٤٣٣ ح ١٧٩٠٠)، وذكروا لبعضه شواهد.","vol":"3","page":264},{"text":"سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي: إنه يبدأ فيقول: أنا نبي فلا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم، ولا ترون ربكم حتَّى تموتوا، وإنه أعور وإن ربكم ﷿ ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، وإن من فتنته أن معه جنة ونارًا، فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستغث باللّه، وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه بردًا وسلامًا، كما كانت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت أمك وأباك، أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني اتبعه فإنه ربك، وإن من فتنته أن يُسلط على نفسٍ واحدة فينشرها بالمنشار حتَّى تلقى شقين، ثم يقول: انظر إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربًا غيري، فيبعثه الله فيقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله الدجال، واللّه ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم\".\nقال أبو الحسن [الطنافسي: فحدثنا المحاربي] (^١)، حَدَّثَنَا عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"ذلك الرجل أرفع أُمتي درجة في الجنة\" قال أبو سعيد: واللّه ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب، حتَّى مضى لسبيله.\nثم قال المحاربي: رجعنا إلى حديث أبي رافع قال: وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، فيأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت حتَّى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت، وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعًا، وأنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه، إلا مكة والمدينة، فإنه لا يأتيهما من نقب (^٢) من نقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صَلتةً (^٣) حتَّى ينزل عند الظريب (^٤) الأحمر عند منقطع السبخة (^٥)، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويُدعى ذلك اليوم يوم الخلاص.\nفقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله، فأين العرب يومئذٍ؟ قال: \"هم قليل وجلهم يومئذٍ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عيسى ابن مريم ﵇، فرجع ذلك الإمام يمشي القهقهرى ليتقدم عيسى ﵇، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول: تقدم فصل، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتح، ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج (^٦)، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هاربًا، فيقول عيسى: إن لي فيك ضربة لم تسبقني بها، فيدركه عند باب لد (^٧) الشرقي فيقتله، ويهزم الله اليهود فلا يبق شيء مما خلق الله تعلى يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"الطيالسي فحدثنا المجازي\" وهو تصحيف.\n(^٢) النقب: هو طريق بين جبلين وبيان هذا الغريب من حاشية سنن ابن ماجة.\n(^٣) صلتة: أي مجردة، يقال: أصلت السيف إذا جرّده من غمده.\n(^٤) الظُّريب: تصغير ظرب وهو الجبل الصغير.\n(^٥) الأرض التي تعلوها الملوحة.\n(^٦) وهو الطيلسان الأخضر، وقيل الطيلسان المقور.\n(^٧) باب لد: بلدة قريبة من بيت المقدس.","vol":"3","page":265},{"text":"- إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي فتعال اقتله\".\nقال رسول الله ﷺ: \"وإن أيامه أربعون سنة السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة، يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخَر حتَّى يمسي\" فقيل له: كيف نصلي يا نبي الله في تلك الأيام القصار؟ قال: \"تقدرون الصلاة كما تقدرون في هذه الأيام الطوال، ثم صلوا\" قال رسول الله ﷺ: \"فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكمًا عدلًا، وإمامًا مقسطًا، يدق الصليب (^١)، ويذبح الخنزير (^٢)، ويضع الجزية (^٣)، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترتفع الشحناء والتباغض وتنزع حمة (^٤) كل ذات حمة حتَّى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتفر (^٥) الوليدة الأسد فلا يضلها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة (^٦) وتنبت نباتها كعهد آدم حتَّى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات\" قيل: يا رسول الله، وما يرخص الفرس؟ قال: \"لا تركب لحرب أبدًا\" قيل له: فما يغلي الثور؟ قال: \"يحرث الأرض كلها، وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شِداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، ويأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثانية، فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله ﷿ السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله، فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض أن تحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله\" قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: \"التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام\".\nقال ابن ماجة: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتَّى يعلمه الصبيان في الكُتّاب (^٧).\nهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه، ولبعضه شواهد من أحاديث أخر، من ذلك ما رواه مسلم، من حديث نافع وسالم، عن عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله ﷺ: \"لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتَّى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي فتعال فاقتله\" (^٨). وله من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتَّى يقاتل المسلمون\n_________\n(^١) أي يكسر الصليب.\n(^٢) يحرم أكله أو يقتله بحيث لا يوجد في الأرض ليأكله أحد.\n(^٣) أي لا يقبلها من أحد من الكفرة بل يدعوهم إلى الإسلام.\n(^٤) السَّمّ، ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة.\n(^٥) أي تحمله على الفرار.\n(^٦) الفاثور: الخوان، وقيل: هو طست.\n(^٧) أخرجه ابن ماجة بسنده ومتنه وطوله (السنن، الفتن، باب فتنة الدجال ح ٤٠٧٦)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة ولبعضه شواهد كما قال الحافظ ابن كثير، وكما سيأتي.\n(^٨) أخرجه مسلم في الصحيح، الفتن، باب لا تقوم الساعة حتَّى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء (ح ٢٩٢١).","vol":"3","page":266},{"text":"اليهود، فيقتلهم المسلمون حتَّى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود\" (^١).\nولنذكر حديث النواس بن سمعان ههنا لشبهه بهذا الحديث:\nقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حَدَّثَنَا أبو خيثمة زهير بن حرب، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي (ح) وحدثنا محمد بن مهران الرازي، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي، قاضي حمص عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي، عن النواس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع (^٢) حتَّى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك في وجوهنا، فقال: \"ما شأنكم؟ \" قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه، ورفعت حتَّى ظنناه في طائفة النخل، قال: \"غير الدجال أخوفني (^٣) عليكم إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، صفين يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، واللّه خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط (^٤)، عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج من خلة (^٥) بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا، يا عباد الله فاثبتوا\" قلنا: يا رسول الله فما لبثه في الأرض؟ قال: \"أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم\" قلنا: يا رسول الله ذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: \"لا أقدروا له قدره\". قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: \"كالغيث استدبرته الريح فيأتي على قوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم (^٦) أطول ما كانت ذرى (^٧)، وأسبغه ضروعًا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين (^٨) ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (^٩)، ثم يدعوا رجلا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم ﵇، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (^١٠)، واضعًا كفيه على أجنحة [ملكين] (^١١)، إذا طاطأ\n_________\n(^١) المصدر السابق (ح ٢٩٢٢).\n(^٢) أي: حقر وعظّم، أو خفض صوته (مختصر من حاشية صحيح مسلم، وكذا معظم ما يلي في هذا الحديث الطويل).\n(^٣) قال السندي: أخوف اسم تفضيل المبني للمفعول، وأصله: أخوف مخوفاتي عليكم، ثم حذف المضاف إلى الياء فاتصل بها أخوف، لكن جيء بالنون بينهما تشبيهًا بالفعل.\n(^٤) أي شديد جعودة الشعر، مباعد للجعودة المحبوبة.\n(^٥) أي الطريق بين الشام والعراق.\n(^٦) سارحتهم: ماشيتهم.\n(^٧) ذرى: جمع ذروة وهو أعلى سنام البعير.\n(^٨) أي: مجدبين.\n(^٩) أي: جماعة النحل، وقيل: ذكور النحل.\n(^١٠) أي لابس ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران.\n(^١١) كذا في (حم) و(مح) والتخريج وفي الأصل: \"الملائكة\".","vol":"3","page":267},{"text":"رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر جمان اللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتَّى يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى ﵇ قومًا قد عصمهم الله منه، فيمسح على وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله ﷿ إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز (^١) عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب (^٢) ينسلون، فيمر أولهم على بحيرة طبريا (^٣) فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحضر نبي الله عيسى وأصحابه حتَّى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مِائَة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف (^٤) في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله، طيرًا كأعناق البخت (^٥)، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر (^٦)، ولا وبر، فيغسل الأرض حتَّى يتركها كالزلفة (^٧) ثم يقال للأرض: أخرجي ثمرك وردي بركتك، فيومئذٍ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرسل حتَّى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام (^٨)، واللقحة من الغنم لتكفي، الفخذ عن الناس فبينما هم كذلك إذْ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فيقبض الله روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحُمر، فعليهم تقوم الساعة\" (^٩)، ورواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به.\nوسنذكره أيضًا من طريق أحمد عند قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ …﴾ الآية [الأنبياء: ٩٦].\n(حديث آخر) قال مسلم في صحيحه أيضًا: حَدَّثَنَا عبيد الله بن معاذ العنبري، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو، وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به، تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله، أو لا إله إلا الله، أو كلمة نحوهما، لقد هممت أن لا أحدث أحدًا شيئًا أبدًا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا: يحرق البيت ويكون ويكون، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: \"يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا، فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل\n_________\n(^١) أي: ضمهم.\n(^٢) المكان المرتفع.\n(^٣) تقع شمال البحر الأحمر.\n(^٤) النغف جمع نغفة وهي الدودة تكون في أنوف الإبل والغنم.\n(^٥) هي جمال طوال الأعناق مفردها: بُختي.\n(^٦) أي: لا يمنع من نزول الماء على بيت الطين الصلب.\n(^٧) كالمرآة أو كالصفحة البيضاء.\n(^٨) أي: الجماعة.\n(^٩) أخرجه مسلم بسنده ومتنه وطوله (الصحيح، الفتن، باب ذكر الدجال ح ٢١٣٧).","vol":"3","page":268},{"text":"الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير - أو إيمان - إلا قبضته، حتَّى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتَّى تقبضه\" قال: سمعتها من رسول الله ﷺ \"فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارّ رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا (^١)، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض (^٢) إبله، قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله - أو قال: - ينزل الله مطرًا كأنه الطلّ - أو قال: الظل - نعمان الشاك - فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات] ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذلك يومًا ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] وذلك ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (^٣) [القلم: ٤٢] ثم رواه مسلم [والنسائي] (^٤) في تفسيره جميعًا عن محمد بن بشار، عن غندر، عن شعبة، عن نعمان بن سالم (^٥) به.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن عبيد الله بن ثعلبة الأنصاري، عن عبد الله بن زيد الأنصاري، عن مجمع بن جارية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يقتل ابن مريم المسيح الدجال بباب لد - أو إلى جانب لد\" ورواه أحمد أيضًا عن سفيان بن عيينة ومن حديث الليث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزهري، عن عبد الله بن عبيد الله بن ثعلبة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمع بن جارية، عن رسول الله ﷺ قال: \"يقتل ابن مريم الدجال بباب لد\" وكذا رواه الترمذي عن قتيبة عن الليث به، وقال: هذا حديث صحيح، وقال: وفي الباب عن عمران بن حصين ونافع بن عتبة، وأبي برزة وحذيفة بن أسيد، وأبي هريرة وكيسان وعثمان بن أبي العاص وجابر، وأبي أمامة وابن مسعود وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب والنواس بن سمعان وعمرو بن عوف وحذيفة بن اليمان ﵃ (^٦).\nومراده برواية هؤلاء ما فيه ذكر الدجال وقتل عيسى ابن مريم ﵇ له، فأما أحاديث ذكر الدجال فقط فكثيرة جدًّا، وهي أكثر من أن تحصى لانتشارها وكثرة روايتها في الصحاح والحسان والمسانيد وغير ذلك.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سفيان، عن فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: \"لا تقوم الساعة حتَّى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج\n_________\n(^١) أصغى ليتا: أي أمال، والليت صفحة العنق وهو جانبه.\n(^٢) يطينه ويصلحه.\n(^٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه، الفتن، باب في خروج الدجال (ح ٢٩٤٠).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"الثاني\" وهو تصحيف.\n(^٥) المصدر السابق (ح ٢٩٤٠/ ١١٧)، والسنن الكبرى للنسائي، تفسير سورة المزمل (ح ١١٦٢٩).\n(^٦) المسند ٣/ ٤٢٠، وسنن الترمذي، الفتن، باب ما جاء في قتل عيسى ابن مريم الدجال (ح ٢٢٤٤).","vol":"3","page":269},{"text":"ومأجوج، [ونزول] (^١) عيسى ابن مريم والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق - أو تحشر - الناس تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا\" (^٢).\nوهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث فرات القزاز به. ورواه مسلم أيضًا من رواية عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل، عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري موقوفًا (^٣)، واللّه أعلم.\nفهذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ من رواية أبي هريرة وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص، وأبي أمامة والنواس بن سمعان وعبد الله بن عمرو بن العاص ومجمع بن جارية وأبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵃، وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه من أنه بالشام بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند إقامة صلاة الصبح، وقد بثيت في هذه الأعصار في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة منارة للجامع الأموي بيضاء من حجارة منحوتة عوضًا عن المنارة التي هدمت بسبب الحريق المنسوب إلى صنيع النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة - وكان أكثر عمارتها من أموالهم، وقويت الظنون أنها هي التي ينزل عليها المسيح عيسى ابن مريم ﵇، فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام كما تقدم في الصحيحين، وهذا إخبار من النَّبِيّ ﷺ بذلك وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان، حيث تنزاح عللهم وترتفع شبههم من أنفسهم، ولهذا كلهم يدخلون في دين الإسلام متابعة لعيسى ﵇ وعلى يديه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٩] وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] وقرئ (لعَلَم) (^٤) بالتحريك؛ أي: أمارة ودليل على اقتراب الساعة، وذلك لأنَّهُ ينزل بعد خروج المسيح الدجال فيقتله الله على يديه، كما ثبت في الصحيح: \"أن الله لم يخلق داء إلا أنزل له شفاء\" (^٥)، ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله تعالى ببركة دعائه، وقد قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-100>صفة عيسى ﵇:</span>\nقد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة: \"فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كان رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل\"، وفي حديث النواس بن سمعان: \"فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعًا كفيه على\n_________\n(^١) كذا في المسند، وفي النسخ الثلاث: \"خروج\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٦)، وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، الفتن، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (ح ٢٩٠١).\n(^٤) وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٥) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ح ٥٦٧٨).","vol":"3","page":270},{"text":"أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان اللؤلؤ، لا يحل لكافر أن يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث انتهى طرفه\" (^١).\nوروى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليلة أسري بي لقيت موسى\" قال: فنعته فإذا رجل أحسبه، قال: \"مضطرب (^٢) رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة\" قال: \"ولقيت عيسى\" فنعته النَّبِيّ ﷺ فقال: \"رَبعة (^٣) أحمر كأنه خرج من ديماس\" يعني: الحمام \"ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به … \" (^٤) الحديث، وروى البخاري من حديث مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت موسى وعيسى وإبراهيم، فأما عيسى فاحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سَبِط (^٥) كأنه من رجال الزُطّ\" (^٦)، وله ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر، ذكر النَّبِيّ ﷺ يومًا بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: \"إن الله ليس بأعور ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كان عينه عنبة طافية\"، ولمسلم عنه مرفوعًا: \"وأراني الله عند الكعبة في المنام، وإذا رجل آدم كأحسن ما ترى من أدم [الرجال] (^٧)، تضرب لِمته (^٨) بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: هو المسيح بن مريم، ثم رأيت وراءه رجلًا جعدًا قَططًا (^٩)، أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن (^١٠)، واضعًا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال\" تابعه عبيد الله عن نافع (^١١).\nثم روى البخاري عن أحمد بن محمد المكي، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: لا والله ما قال النَّبِيّ ﷺ لعيسى: أحمر، ولكن قال: \"بينما أنا نائم أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر، يُهادى (^١٢) بين رجلين ينطف رأسه ماء - أو يهراق رأسه ماء - فقلت: من هذا؟ فقالوا: ابن مريم، فذهبت ألتفت، فإذا رجل أحمر جسيم، جعد الرأس، أعور عينه اليمنى، كأنه عينه عنبة طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: الدجال، وأقرب الناس به شبهًا ابن\n_________\n(^١) تقدم الحديثان قبل بضع صفحات.\n(^٢) المضطرب الطويل غير الشديد، وقيل: الخفيف اللحم (فتح الباري ٦/ ٤٨٤).\n(^٣) رَبعة: بفتح الراء وسكون الباء، وهو المربوع، والمراد ليس بطويل جدًّا ولا قصير جدًّا بل وسط (الفتح ٦/ ٤٨٤).\n(^٤) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦] (ح ٣٤٣٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ (ح ١٦٨).\n(^٥) سَبِط: ليس بجعد الشعر (الفتح ٦/ ٤٨٥).\n(^٦) رجال الزطّ: جنس من السودان، وقيل: هم نوع من الهنود وهم طوال الأجسام مع نحافة فيها (المصدر السابق)، والحديث أخرجه البخاري في الباب السابق (ح ٣٤٣٨).\n(^٧) كذا في (حم) و(مح) وسقط من الأصل.\n(^٨) لِمته: شعر رأسه (المصدر السابق).\n(^٩) قَططا: شدة جعودة الشعر.\n(^١٠) ابن قطن: اسمه عبد العزى بن قطن بن عمرو بن جندب، من خزاعة هلك في الجاهلية (فتح الباري ٦/ ٤٨٨).\n(^١١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ح ٣٤٣٩).\n(^١٢) يمشي متمايلًا بينهما (الفتح ٦/ ٤٨٨).","vol":"3","page":271},{"text":"قطن\" قال الزهري: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية (^١)، هذه كلها ألفاظ البخاري ﵀.\nوقد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة أن عيسى ﵇ يمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم أنه يمكث سبع سنين فيحتمل - واللّه أعلم - أن يكون المراد بلبثه في الأرض أربعين سنة مجموع إقامته فيها قبل رفعه، وبعد نزوله، فإنه رفع وله ثلاث وثلاثون سنة، في الصحيح، وقد ورد ذلك في حديث في صفة أهل الجنة أنهم على صورة آدم وميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة، وأما ما حكاه ابن عساكر عن بعضهم أنه رفع وله مِائَة وخمسون سنة، فشاذ غريب بعيد.\nوذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة عيسى ابن مريم من تاريخه عن بعض السلف أنه يدفن مع النَّبِيّ ﷺ في حجرته، فالله أعلم (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قال قتادة: يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من الله وأقر بعبودية الله ﷿، وهذا كقوله تعالى في آخر سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة].\n\n<span id=\"aya-653\"></span>﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾.\nيخبر تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب [العظيمة] (^٣)، حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم، كما قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة، عن عمرو، قال: قرأ ابن عباس: طيبات كانت أحلت لهم (^٤).\nوهذا التحريم قد يكون قدريًا بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالًا لهم فحرموها على أنفسهم تشديدًا منهم على أنفسهم وتضييقًا وتنطعًا قال الطبراني: حَدَّثَنَا بكر بن سهل ومطلب بن شعيب، عن عبد الله بن صالح، حدثني ابن سريح أنه سمع سهل بن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف يحدث عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تشددوا على أنفسكم، فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم وستجدون بقاياهم في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ح ٣٤٤١).\n(^٢) ينظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ٢٠/ ١٥٤)، والأثر لم يصح.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وسقط من الأصل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"3","page":272},{"text":"الصوامع والديارات\" (^١).\nويحتمل أن يكون شرعيًا بمعنى أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالًا لهم قبل ذلك، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: ٩٣] وقد قدمنا الكلام على الآية، وأن المراد أن الجميع من الأطعمة كانت حلالًا لهم من قبل أن تنزل التوراة ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها، ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة كما قال في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ [الأنعام: ١٤٦] أي: إنما حرمنا عليهم ذلك، لأنهم يستحقون ذلك بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولهذا قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ أي: صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل وقتلوا خلقًا من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهما.\n\n<span id=\"aya-654\"></span>وقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل، قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾،\n\n<span id=\"aya-655\"></span>ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أي: الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع. وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران (^٢) ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطفٌ على الراسخين وخبره ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال ابن عَبَّاس: أنزلت في عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية (^٣) [وزيد بن سعية] (^٤) وأسد بن عبيد، الذين دخلوا في الإسلام، وصدقوا بما أرسل الله به محمدًا ﷺ (^٥).\nوقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ هكذا هو في جميع مصاحف الأئمة، وكذا هو في مصحف أبي بن كعب، وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود: (والمقيمون الصلاة)، قال: والصحيح قراءة الجميع ثم ردّ على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب (^٦)، ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم: هو مضصوب على المدح، كما جاء في قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]، قال: وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الشاعر (^٧):\n_________\n(^١) هذا الحديث زيادة من (مح) ولا يوجد في النسخ المطبوعة، والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٦/ ٨٨ وقال الهيثمي: وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث وثقه جماعة وضعفه آخرون (مجمع الزوائد ١/ ٦٢).\n(^٢) آية ٧.\n(^٣) في الأصل: \"شعية\" والتصويب من تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا بدون اسم شيخه.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وسقط من الأصل.\n(^٦) ذكرت أن هذه لم تصح، وفصلت الرد على هذه الشبهة الخطيرة في (استدراكات على تاريخ التراث العربي ١/ ٤٨ - ٤٠).\n(^٧) ديوان الخرنق بنت بدر بن هفان ص ٢٩ كما في طبعة الشعب.","vol":"3","page":273},{"text":"لا يبعدنّ قومي الذين همو … سُمّ العداة وآفة الجزُر\nالنازلين بكل معترك … والطيبون معاقد الأزر\nبمعنى: مدح النازلين.\nوقال آخرون: هو مخفوض عطفًا على قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة؛ أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة وهذا اختيار ابن جرير، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة، وفي هذا نظر، واللّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين، والله أعلم.\n﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: يصدقون بأنه لا إله إلا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها. وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ هو الخبر عما تقدم ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [يعني: الجنة] (^١).\n\n<span id=\"aya-656\"></span>﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾.\nقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال سكين وعدي بن زيد: يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ …﴾ إلى آخر الآيات (^٢). وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا الحارث، حَدَّثَنَا عبد العزيز، حَدَّثَنَا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي، قال: أنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣] إلى قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] قال: فلما تلاها عليهم يعني: على اليهود، وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة، جحدوا كل ما أنزل الله وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، ولا موسى ولا عيسى ولا على نبي من شيء، قال: فحلّ حبوته (^٣)، وقال: ولا على أحد! فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٤) [الأنعام ة ٩١، وفي هذا الذي قاله محمد بن كعب القرظي نظر، فإن هذه الآية التي في سورة الأنعام مكية، وهذه الآية التي\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وسقط من الأصل.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، وفيه تصريح ابن إسحاق بالسماع وهذا الإسناد قد بحثته مفصلًا في مقدمة التفسير الصحيح.\n(^٣) فحل حبوته: الحُبوة الاسم من الاحتباء، وهو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشده عليه، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب (لسان العرب: ح ب و).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل، وقد ردَّه الحافظ ابن كثير.","vol":"3","page":274},{"text":"في سورة النساء مدنية، وهي ردٌّ عليهم لما سألوا النَّبِيّ ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء.\nقال الله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣] ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه وما هم عليه الآن من الكذب والافتراء، ثم ذكر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد ﷺ، كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدمين، فقال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ والزبور اسم الكتاب الذي [أوحاه] (^١) الله إلى داود ﵇ وسنذكر ترجمة كل واحد من هؤلاء الأنبياء عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام، عند قصصهم في السور الآتية إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.\n\n<span id=\"aya-657\"></span>وقوله: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: من قبل هذه الآية، يعني: في السور المكية وغيرها وهذه تسمية الأنبياء الذين نص الله على أسمائهم في القرآن وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب وموسى وهارون ويونس وداود وسليمان وإلياس واليسع وزكريا ويحيى وعيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين وسيدهم محمد ﷺ.\nوقوله: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: خلقًا آخرين لم يذكروا في القرآن، وقد اختلف في عدة الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه ﵀ في تفسيره حيث قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن محمد حَدَّثَنَا جعفر بن محمد بن الحسن والحسين بن عبد الله بن يزيد، قالا: حَدَّثَنَا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثني أبي، عن جدي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذرٍّ، قال: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: \"مِائَة ألف وأربعة وعشرون ألفًا\". قلت: يا رسول الله. كم الرسل منهم؟ قال: \"ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير\". قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: \"آدم\" قلت: يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: \"نعم خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم سواه قبلًا\" ثم قال: \"يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر، وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول النبيين آدم، وآخرهم نبيك\" (^٢)، وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه الأنواع والتقاسيم (^٣)، وقد وسمه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي، فذكر هذا الحديث في كتابه \"الموضوعات\" واتهم به إبراهيم بن هشام هذا، ولا شكَّ أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث، واللّه أعلم.\nوقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن صحابي آخر فقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمد بن عوف، حَدَّثَنَا أبو المغيرة، حَدَّثَنَا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، قال: قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟ قال: \"مِائَة ألف وأربعة وعشرون ألفًا والرسل من\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"أنزل\".\n(^٢) في سنده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني: كذاب (الجرح والتعديل ٢/ ١٤٣، وميزان الاعتدال ١/ ٧٣).\n(^٣) أخرجه ابن حبان من طريق إبراهيم بن هشام به (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ح ٣٦١).","vol":"3","page":275},{"text":"ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًا غفيرًا\" (^١). معان بن رفاعة السلامي ضعيف، وعلي بن يزيد ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن ضعيف أيضًا. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا أحمد بن إسحاق أبو عبد الله الجوهري البصري، حَدَّثَنَا مكي بن إبراهيم، حَدَّثَنَا موسى بن عبيدة [الربذي] (^٢) عن يزيد الرقاشي، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"بعث الله ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس\" (^٣)، وهذا أيضًا إسناد ضعيف، فيه الربذي ضعيف وشيخه الرقاشي أضعف منه، واللّه أعلم.\nقال أبو يعلى: حَدَّثَنَا أبو الربيع، حَدَّثَنَا محمد بن ثابت العبدي، حَدَّثَنَا معبد بن خالد الأنصاري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى بن مريم، ثم كنت أنا\" (^٤).\nوقد رويناه عن أنس من وجه آخر، فأخبرنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي، أخبرنا أبو الفضل بن عساكر، أنبأنا الإمام أبو بكر القاسم بن أبي سعيد الصفار، أخبرتنا عمة أبي عائشة بنت أحمد بن منصور بن الصفار، أخبرنا الشريف أبو السنابك هبة الله بن أبي الصهباء محمد بن حيدر القرشي، حَدَّثَنَا الإمام الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، قال: أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، حَدَّثَنَا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا أحمد بن طارق، حَدَّثَنَا مسلم بن خالد، حَدَّثَنَا زياد بن سعد، عن محمد بن المنكدر، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"بعثت على إثر ثمانية آلاف نبي، من بني إسرائيل\" وهذا غريب من هذا الوجه، وإسناده لا بأس به، رجاله كلهم معرفون إلا أحمد بن طارق هذا (^٥)، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح، والله أعلم.\n[حديث أبي ذر الغفاري الطويل في عدد الأنبياء ﵈. قال محمد بن حسين الآجري: حَدَّثَنَا أبو بكر جعفر بن محمد بن الفريابي - إملاء في شهر رجب سنة سبع وتسعين ومائتين -، حَدَّثَنَا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حَدَّثَنَا أبي، عن جده، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، قال: دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس وحده، فجلست إليه، فقلت: يا رسول الله، إنك أمرتني بالصلاة. قال: \"الصلاة خير موضوع، فاستكثر أو استقل\".\nقال: قلت: يا رسول الله، فأي الأعمال أفضل؟ قال: \"إيمان باللّه وجهاد في سبيله\". قلت: يا رسول الله، فأي المؤمنين أفضل؟ قال: \"أحسنهم خلقًا\". قلت: يا رسول الله، فأي المسلمين\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف علي بن يزيد وهو الألهاني، وخاصة في روايته عن أبي أُمامة (تهذيب التهذيب ٧/ ٣٩٦ - ٣٩٧).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) ومسند أبي يعلى، وفي الأصل: \"الترمذي\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٧/ ١٥٩ ح ٤١٣٢) وسنده ضعيف للعلتين اللتين ذكرهما الحافظ ابن كثير.\n(^٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٧/ ١٣١ ح ٤٠٩٢)، وسنده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي أيضًا.\n(^٥) وقد توبع أحمد بن طارق إذ أخرجه أبو نعيم من طريق زكريا بن عدي عن مسلم بن خالد به (حلية الأولياء ٣/ ١٦٢)، وزكريا هذا ثقة كما في التقريب.","vol":"3","page":276},{"text":"أسلم؟ قال: \"من سلم الناس من لسانه ويده\". قلت: يا رسول الله، فأي الهجرة أفضل؟ قال: \"من هجر السيئات\".\nقلت: يا رسول الله أي الصلاة أفضل؟ قال: \"طول القنوت\" فقلت: يا رسول الله، فأي الصيام أفضل؟ قال: \"فرض مجزئ وعند الله أضعاف كثيرة\" قلت: يا رسول الله فأي الجهاد أفضل؟ قال: \"من عقر جواده وأهريق دمه\". قلت: يا رسول الله، فأي الرقاب أفضل؟ قال: \"أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها\". قلت: يا رسول الله، فأي الصدقة أفضل؟ قال: \"جهد من مقل وسر إلى فقير\". قلت: يا رسول الله، فأي آية ما أنزل عليك أعظم؟ قال: \"آية الكرسي\"، ثم قال: \"يا أبا ذرّ\": \"وما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة\".\nقال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: \"مِائَة ألف وأربعة وعشرون ألفًا\". قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل من ذلك؟ قال: \"ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير كثير طيب\". قلت: فمن كان أولهم؟ قال: \"آدم\" قلت: أنبي مرسل؟ قال: \"نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، سواه قبيلًا\"، ثم قال: \"يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم وشيث وخنوخ وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم، ونوح، وأربعة من العرب: هود وشعيب وصالح ونبيك يا أبا ذر، وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول الرسل آدم وآخرهم محمد\" قال: قلت: يا رسول الله، كم كتاب أنزله الله؟ قال: \"مِائَة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى خنوخ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى من قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان\".\nقال: قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: \"كانت كلها يا أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر، وكان فيها أمثال، وعلى العاقل أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل أن لا يكون ضاغنًا إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مرمّة لمعاش، أو لذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه: حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه\".\nقال: قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: \"كانت عبرًا كلها، عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، وعجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثم هو لا يعمل\". قال: قلت: يا رسول الله، فهل في أيدينا شيء مما كان في أيدي إبراهيم وموسى، وما أنزل الله عليك؟ قال: \"نعم اقرأ يا أبا ذر: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٩].\nقال: قلت: يا رسول الله، أوصني قال: \"أوصيك بتقوى الله فإنه رأس أمرك\" قال: قلت: يا رسول الله زذني قال: \"عليك بتلاوة القرآن وذكر الله، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض\".","vol":"3","page":277},{"text":"قال: قلت: يا رسول الله زدني. قال: \"إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه\". قال: قلت: يا رسول الله زدني، قال: \"عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي\". قلت: زدني. قال: \"عليك بالصمت إلا من خير فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دينك\". قلت: زدني. قال: \"انظر إلى من هو تحتك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنه أجدر لك أن لا تزدري نعمة الله عليك\". قلت: زدني. قال: \"أحبب المساكين وجالسهم، فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك\". قلت: زدني. قال: \"صل قرابتك وإن قطعوك\". قلت: زدني. قال: \"قل الحق وإن كان مرًا\" قلت: زدني. قال: \"لا تخف في الله لومة لائم\". قلت: زدني. قال: \"يردك عن الناس ما تعرف من نفسك، ولا تجد عليهم فيما تحب، وكفى بك عيبًا أن تعرف من الناس ما تجهل من نفسك، أو تجد عليهم فيما تحب\"، ثم ضرب بيده صدري فقال: \"يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق\" (^١).\nوروى الإمام أحمد عن أبي المغيرة، عن معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي - أُمامة أن أبا ذرٍّ - سأل النَّبِيّ ﷺ، فذكر أمر الصلاة والصيام والصدقة، وفضل آية الكرسي، ولا حول ولا قوة إلا باللّه، وأفضل الشهداء، وأفضل الرقاب، ونبوة آدم وأنه مكلم، وعدد الأنبياء، والمرسلين كنحو ما تقدم] (^٢).\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد: وجدت في كتاب أبي بخطه: حدثني عبد المتعالي بن عبد الوهاب، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد الأموي، حَدَّثَنَا مجالد، عن أبي الوداك، قال: قال أبو سعيد: هل تقول الخوارج بالدجال؟ قال: قلت: لا، فقال: قال رسول الله ﷺ: \"إني خاتم ألف نبي أو أكثر، وما بعث نبي يتبع إلا وقد حذر أمته منه، وإني قد بين لي فيه ما لم يبين لأحد، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخامة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تدخن\" (^٣).\n[وقد رويناه في الجزء الذي فيه رواية أبي يعلى الموصلي عن يحيى بن معين: حَدَّثَنَا مروان بن معاوية، حَدَّثَنَا مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني أختم ألف ألف نبي أو أكثر، ما بعث الله من نبي إلى قومه إلا حذرهم الدجال\"، وذكر تمام الحديث، هذا لفظه بزيادة ألف وقد تكون مقحمة (^٤)، واللّه أعلم.\nوسياق رواية الإمام أحمد أثبت وأولى بالصحة، ورجال إسناد هذا الحديث لا بأس بهم] (^٥).\nوقد روي هذا الحديث من طريق جابر بن عبد الله ﵁، قال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا عمرو بن علي، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا مجالد عن الشعبي، عن جابر، قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه الآجري في تابه (الأربعون ص ١٢٧)، وفي سنده أيضًا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني وهو\nكذاب. ولبعض فقرات الحديث أصل في الصحيح.\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من (حم)، ولا يوجد في الأصل و(مح).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٧٩)، وصنده ضعيف بسبب مجالد وهو ابن سعيد بن عمير الهمداني: ليس بالقوي كما في التقريب.\n(^٤) وفي سنده أيضًا مجالد.\n(^٥) ما بين معقوفين زيادة من (حم).","vol":"3","page":278},{"text":"رسول اللّه ﷺ: \"إني لخاتم ألف نبي أو أكثر، وإنه ليس منهم نبي إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإني قد بين لي ما لم يبين لأحد منهم، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور\" (^١).\nقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وهذا تشريف لموسى ﵇ بهذه الصفة، ولهذا يقال له: الكليم، وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن سليمان المالكي، حَدَّثَنَا مسيح بن حاتم، حَدَّثَنَا عبد الجبار بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش، فقال: سمعت رجلًا يقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر، قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي على علي بن أبي طالب، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٢).\nوإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش ﵀ على من قرأ كذلك، لأنَّهُ حرف لفظ القرآن ومعناه، وكأن هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون الله كلم موسى ﵇ أو يكلم أحدًا من خلقه، كما رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فقال له: يا ابن اللخناء، كيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ يعني: أن هذا لا يحتمل التحريف، ولا التأويل.\nوقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أحمد بن الحسين بن بهرام، حَدَّثَنَا محمد بن مرزوق، حَدَّثَنَا هانئ بن يحيى، عن الحسن بن أبي جعفر، عن قتادة، عن يحيى بن وثاب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما كلم الله موسى كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء\" (^٣).\nوهذا حديث غريب، وإسناده لا يصح، وإذا صح موقوفًا كان جيدًا، وقد روى الحاكم في مستدركه وابن مردويه من حديث حميد بن قيس الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كان على موسى يوم كلمه ربه جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي\" (^٤).\nوقال ابن مردويه بإسناده، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن الله ناجى\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٣٥) وفيه أيضًا مجالد.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (كما في مجمع البحرين ح ٣٣٢٥)، من طريق مسيح بن حاتم به، وقال الطبراني: لم يروه عن الأعمش إلا أبو بكر، وذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وعبد الجبار بن عبد الله لم أعرفه وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ١٥).\n(^٣) أخرجه الطبراني من طريق أحمد بن الحسين بن بهرام به (المعجم الصغير ح ٧٧)، وقال الهيثمي: فيه الحسن بن أبي جعفر الحفري: متروك (مجمع الزوائد ٨/ ٢٠٣).\n(^٤) أخرجه الحاكم من طريق حميد بن قيس به وصححه بقوله على شرط البخاري وتعقبه الذهبي بقوله: بل ليس على شرطه، وإنما غره أن في إسناده حميد بن قيس كذا، وهو خطأ، إنما هو حميد الأعرج الكوفي … أحد المتروكين، فظن أنه المكي الصادق (المستدرك ٢/ ٣٧٩)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ١٩٢.\nولقد سبق الترمذي بالإشارة إلى حميد الأعرج إذ أخرجه من طريقه وقال: إنه منكر الحديث (السنن، اللباس، باب ما جاء في لبس الصوف ح ١٧٣٤).","vol":"3","page":279},{"text":"موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام، وصايا كلها، فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم مما وقع في مسامعه من كلام الرب ﷿ (^١).\nوهذا أيضًا إسناد ضعيف، فإن جويبر أضعف، والضحاك لم يدرك ابن عباس ﵄.\nفأما الأثر الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وغيرهما من طريق الفضل بن عيسى الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أنه قال: لما كلم الله موسى يوم الطور، كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا رب هذا كلامك الذي كلمتني به، قال: لا يا موسى، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسنة كلها، وأنا أقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل، قالوا: يا موسى، صف لنا كلام الرحمن. قال: لا أستطيعه. قالوا: فشبه لنا. قال: ألم تسمعوا إلى صوت الصواعق، فإنه قريب منه وليس به (^٢).\nوهذا إسناد ضعيف، فإن الفضل الرقاشي هذا ضعيف بمرة.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن جزء بن جابر الخثعمي، عن كعب، قال: إن الله لما كلم موسى بالألسنة كلها، فقال له موسى: يا رب، هذا كلامك؟ قال: لا، ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له. قال: يا رب، فهل من خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا، وأشد خلقي شبهًا بكلامي أشد ما تسمعون من الصواعق (^٣).\nفهذا موقوف على كعب الأحبار، وهو يحكي عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغث والسمين.\n\n<span id=\"aya-658\"></span>وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي: أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه، لئلا يبقى لمعتذر عذر، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ [طه] وكذا قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [القصص].\nوقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله ﷿، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين\" (^٤)، وفي لفظ آخر: \"من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه\" (^٥).\n_________\n(^١) سنده ضعيف جدًّا لأن جويبر متروك.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًّا لأن الفضل الرقاشي منكر الحديث (التقريب ٢/ ١١١).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به، وفي سنده جزء بن جابر سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٢/ ٥٤٦) وهو من آثار كعب الإسرائيلية.\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] (ح ٤٦٣٤)، وصحيح مسلم، التوبة، باب غيرة الله تعالى (ح ٢٧٦٠).\n(^٥) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٧٦٠/ ٣٥).","vol":"3","page":280},{"text":"<span id=\"aya-659\"></span>﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾.\nلما تضمن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ …﴾ [النساء: ١٦٣] إلى آخر السياق، إثبات نبوته ﷺ والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ أي: وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت] ولهذا قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: في علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا الحسن بن سهل الجعفري وخزرُ بن المبارك، قالا: حَدَّثَنَا عمران بن عيينة، حَدَّثَنَا عطاء بن السائب، قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم الله، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم [يقرأ] (^١) قوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (^٢).\nقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أي: بصدق ما جاءك وأوحى إليك وأنزل عليك مع شهادة الله تعالى بذلك ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.\nقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: دخل على رسول الله ﷺ جماعة من اليهود، فقال لهم: \"إني لأعلم والله إنكم لتعلمون أني رسول الله\" فقالوا: ما نعم ذلك. فأنزل الله ﷿: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾] (^٣).\n\n<span id=\"aya-660\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾ أي: كفروا في أنفسهم، فلم يتبعوا الحق، وسعوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه، وبعدوا منه بعدًا عظيمًا شاسعًا،\n\n<span id=\"aya-661\"></span>\n\n<span id=\"aya-662\"></span>ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وفي تفسير ابن أبي حاتم: \"قرأ\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مع الخلاف السابق، وفي سنده الحسن بن سهل الجعفري ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٣/ ١٧).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث، وسنده حسن درسته في مقدمة التفسير الصحيح.","vol":"3","page":281},{"text":"ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه بأنه لا يغفر لهم ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ أي: سبيلًا إلى الخير ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وهذا استثناء منقطع ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾،\n\n<span id=\"aya-663\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أي: قد جاءكم محمد صلوات الله وسلامه عليه بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من الله ﷿، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه، يكن خيرًا لكم. ثم قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ [إبراهيم] وقال ههنا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ أي: بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه، ﴿حَكِيمًا﴾ أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\n\n<span id=\"aya-664\"></span>﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾.\nينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة، إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله يعبدونه كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقًّا أو باطلًا، أو ضلالًا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم قال: زعم الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم. فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله\" (^١). ثم رواه هو وعلي بن المديني عن سفيان بن عيينة، عن الزهري كذلك، وقال علي بن المديني: هذا حديث صحيح سنده وهكذا رواه البخاري عن [الحميدي] (^٢)، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، ولفظه: \"فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رجلًا قال: يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا فقال رسول الله ﷺ: \"أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهويكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٥٤)، وصححه محققه أحمد شاكر.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وصحيح البخاري، وفي الأصل: \"الحيدي\" وهو تصحيف.\n(^٣) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ …﴾ [مريم: ١٦] (ح ٣٤٤٥).","vol":"3","page":282},{"text":"عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿ (^١) تفرد به من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدًا، تعالى الله ﷿ عن ذلك علوًا كبيرًا، وتنزه وتقدس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم، أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه ﷿، فكان عيسى بإذنه ﷿، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق الله ﷿، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها: ﴿كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩] فكان، والروح التي أرسل بها جبريل قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩] وقال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم] وقال تعالى إخبارًا عن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ الآية [الزخرف].\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ هو قوله: ﴿كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩] فكان (^٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: سمعت [شاذ] (^٣) بن يحيى يقول في قول الله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ قال: ليس الكلمة صارت عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى (^٤).\nوهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي: أعلمها بها، كما زعمه في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] أي: يعلمك بكلمة منه ويجعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله فكان عيسى ﵇.\nوقال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٥٣)، وأخرجه ابن حبان من طريق حماد به (الإحسان ١٤/ ١٣٣ ح ٦٢٤٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٠٩٧).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"ساد\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده إلى شاذ صحيح وإن كان مجهولًا كما في التقريب، وقد سأل أبو داود الإمام أحمد فقال: عرفته، وذكره بخير (تهذيب التهذيب ٤/ ٢٩٩ - ٣٠٠).","vol":"3","page":283},{"text":"هانئ، حدثنا جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: \"من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل\".\nوقال الوليد: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير بن هانئ، عن جنادة زاد: \"من أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء\" (^١)، وكذا رواه مسلم عن داود بن رشيد، عن الوليد، عن ابن جابر به (^٢)، ومن وجه آخر عن الأوزاعي به (^٣).\nفقوله في الآية والحديث: \"وروح منه\"، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجاثية: ١٣] أي: من خلقه ومن عنده وليست من للتبعيض كما تقوله النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعه - بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: ورسول منه (^٤)، وقال غيره: ومحبة منه (^٥)، والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤] وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] وكما ورد (^٦) في الحديث الصحيح: \"فأدخل على ربي في داره\" أضافها إليها إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد.\nوقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: فصدقوا بأنّ الله واحد أحد، لا ولد له ولا صاحبة، واعلموا وتيقنوا بأنّ عيسى عبد الله ورسوله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ أي: لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وهذه الآية كالتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] وكما قال في آخر السورة المذكورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ …﴾ الآية [المائدة: ١١٦]، وقال في أولها: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة]. فالنصارى عليهم [لعائن] (^٧) الله من جهلهم ليس لهم ضابط، ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده إلهًا، ومنهم من يعتقده شريكًا، ومنهم من يعتقده ولدًا، وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة. ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] ح ٣٤٣٥).\n(^٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت (ح ٢٨).\n(^٣) المصدر السابق بعد (ح ٢٨).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شاذ بن يحيى عن يزيد بن هارون، وسنده حسن.\n(^٦) كذا في الأصل، وفي (مح): \"روي\" وما في الأصل أفصح.\n(^٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"لعنة\".","vol":"3","page":284},{"text":"ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير عندهم وهو سعيد بن بطريق بترك الإسكندرية في حدود سنة أربعمائة من الهجرة النبوية، أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي لهم، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة، وأنهم اختلفوا عليه اختلافًا لا ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفين أسقفًا، فكانوا أحزابًا كثيرة، كل خمسين منهم على مقالة، وعشرون على مقالة، ومائة على مقالة، وسبعون على مقالة، وأزيد من ذلك وأنقص. فلما رأى منهم عصابة قد زادوا على الثلاثمائة بثمانية عشر نفر، وقد توافقوا على مقالة، فأخذها الملك ونصرها وأيدها، وكان فيلسوفًا داهية، ومحق ما عداها من الأقوال، وانتظم دست أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر، وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتبًا وقوانين، وأحدثوا فيها الأمانة التي يلقنونها الولدان من الصغار ليعتقدوها ويعمدونهم عليها وأتباع هؤلاء هم الملكانية (^١). ثم إنهم اجتمعوا مجمعًا ثانيًا، فحدث فيهم اليعقوبية (^٢)، ثم مجمعًا ثالثًا فحدث فيهم النسطورية (^٣)، وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح ويختلفون في كيفية ذلك، وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم هل اتحدا، أو ما اتحدا، أو امتزجا، أو حل فيه على ثلاث مقالات وكل منهم يكفر الفرقة الأخرى، ونحن نكفر الثلاثة، ولهذا قال تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أي: يكن خيرًا لكم ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: تعالى وتقدس عن ذلك علوًا كبيرًا ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة وولد، كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم].\n\n<span id=\"aya-665\"></span>\n\n<span id=\"aya-666\"></span>﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ لن يستكبر (^٤).\nوقال قتادة: لن يحتشم ﴿الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تعريفها في تفسير الآيات ١٥٥ - ١٥٩ من هذه السورة.\n(^٢) (^٣) تقدم تعريف هاتين الفرقتين كما سبق في الحاشية السابقة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٢٣٧).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"3","page":285},{"text":"وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وليس له في ذلك دلالة، لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. وقيل: إنما ذكروا لأنهم اتخذوا آلهة مع الله كما اتخذ المسبيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عباده وخلق من خلقه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء]، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ أي: فيجمعهم إليه يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا يجور فيه، ولا يحيف، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: فيعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة، ولزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه.\nوقد روى ابن مردويه من طريق بقية، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش، عن [شقيق، عن عبد الله] (^١) مرفوعًا، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: أجورهم \"أدخلهم الجنة\" ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: \"الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في دنياهم\" (^٢) وهذا إسناد لا يثبت. وإذا روي عن ابن مسعود موقوفًا (^٣)، فهو جيد.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي: صاغرين حقيرين ذليلين كما كانوا ممتنعين مستكبرين.\n\n<span id=\"aya-667\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا جميع الناس ومخبرًا بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبهة، ولهذا قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ أي: ضياء واضحًا على الحق، قال ابن جريج وغيره: وهو القرآن (^٤).\n\n<span id=\"aya-668\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أي: جمعوا بين مقامي العبادة، والتوكل على الله في\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"شقيق بن عبد الله\" وهو تصحيف.\n(^٢) في سنده إسماعيل بن عبد الله الكندي ضعيف (ميزان الاعتدال ١/ ٢٣٥)، وضعف إسناده الحافظ ابن كثير.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم من طريق الثوري عن شقيق به موقوفًا (حلية الأولياء ٤/ ١٠٨).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود الملقب بسنيد وهو ضعيف.","vol":"3","page":286},{"text":"جميع أمورهم، وقال ابن جريج: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن. رواه ابن جرير (^١)، ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ أي: يرحمهم فيدخلهم الجنة، ويزيدهم ثوابًا ومضاعفة ورفعًا في درجاتهم من فضله عليهم وإحسانه إليهم، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: طريقًا واضحًا قصدًا قوامًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق [السلامة] (^٢) في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات. وفي حديث الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"القرآن صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين\" وقد تقدم الحديث بتمامه في أول التفسير (^٣)، ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-669\"></span>﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾.\nقال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صب علي، أو قال: صبوا عليه، فعقلت، فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض (^٥)، أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة (^٦)، ورواه الجماعة من طريق سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به، وفي بعض الألفاظ فنزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ …﴾ الآية.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان، وقال أبو الزبير قال - يعني جابرًا -: نزلت فيَّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ [فِي الْكَلَالَةِ﴾ (^٧).\nوكأن معنى الكلام - والله أعلم - يستفتونك عن الكلالة ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾] (^٨) فيها، فدل المذكور على المتروك. وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها، وأنها مأخوذة من الإكليل الذي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بالسند السابق.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"الاستقامة\".\n(^٣) تقدم في تفسير سورة الفاتحة آية ٦، لا يصح رفعه.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ …﴾ [النساء: ١٧٦] ح ٤٦٠٥).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٩٨)، وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، الوضوء، باب حب النبي ﷺ (ح ١٩٤)، وصحيح مسلم، الفرائض، باب ميراث الكلالة (ح ١٦١٦).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٨) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).","vol":"3","page":287},{"text":"يحيط بالرأس من جوانبه ولهذا فسرها أكثر العلماء بمن يموت وليس له ولد ولا والد ومن الناس من يقول: الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، وقد أشكل حكم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: ثلاث وَددتُ أن رسول الله ﷺ، كان عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، قال: قال عمر بن الخطاب: ما سألت رسول الله ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: \"يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء\" (^٢) هكذا رواه مختصرًا، وأخرجه مسلم مطولًا أكثر من هذا (^٣).\n(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك - يعني ابن مغول - يقول: سمعت الفضل بن عمرو، عن إبراهيم، عن عمر قال: سألت رسول الله ﷺ عن الكلالة، فقال: \"يكفيك آية الصيف\" فقال: لأن أكون سألت رسول الله ﷺ عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم (^٤). وهذا إسناد جيد إلا أن فيه انقطاعًا بين إبراهيم وبين عمر، فإنه لم يدركه. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الكلالة، فقال: \"يكفيك آية الصيف\" (^٥). وهذا إسناد جيد، رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر بن عياش به (^٦).\nوكان المراد بآية الصيف أنها نزلت في فصل الصيف، والله أعلم، ولما أرشده النبي ﷺ إلى تفهمها، فإِن فيها كفاية نسي أن يسأل النبي ﷺ عن معناها، ولهذا قال: فلأن أكون سألت رسول الله ﷺ عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير عن الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، قال: سأل عمر بن الخطاب النبي ﷺ عن الكلالة، فقال: \"أليس قد بيّن الله ذلك\" فنزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الأشربة، باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب (ح ٥٥٨٨)، وصحيح مسلم، التفسير، باب في نزول تحريم الخمر (ح ٣٠٣٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٦)، وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، المساجد، باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا … (ح ٥٦٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٦)، وسنده ضعيف بسبب إبراهيم لم يسمع من عمر، ولشطره الأول شاهد صحيح تقدم في الحاشية السابقة.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/ ٥٥١ ح ١٨٥٨٩)، وضعفه محققوه لأن سماع أبي بكر بن عياش من أبي إسحاق السبيعي ليس بذاك القوي، ولكن الألباني صححه كما يلي.\n(^٦) سنن أبي داود، الفرائض، باب من كان ليس له ولد وله أخوات (ح ٢٨٨٩)، وسنن الترمذي، تفسير سورة النساء (ح ٣٠٤٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٥١٢).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان.","vol":"3","page":288},{"text":"قال قتادة: وذُكر لنا أن أبا بكر الصديق قال في خطبته: ألا إن الآية التي نزلت في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأُم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت الرحم من العصبة، رواه ابن جرير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-101>ذكر الكلام على معناها:</span>\nوبالله المستعان وعليه التكلان. قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أي: مات، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله ﷿، كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن].\nقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد وهو رواية عن عمر بن الخطاب، رواها ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه، ولكن الذي يرجع إليه هو قول الجمهور وقضاء الصديق أنه الذي لا ولد له ولا والد، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ولو كان معها أب لم ترث شيئًا لأنه يحجبها بالإجماع، فدل على أنه من لا ولد له بنص القرآن ولا والد بالنص عند التأمل أيضًا، لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد بل ليس لها ميراث بالكلية.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن مكحول وعطية وحمزة وراشد، عن زيد بن ثابت أنه سئل عن زوج وأخت لأب وأُم، فأعطى الزوج النصف والأخت النصف، فكلم في ذلك فقال: حضرت رسول الله ﷺ قضى بذلك (^٢). تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقد نقل ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان في الميت: ترك بنتًا وأختًا إنه لا شيء للأخت لقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (^٣) قال: فإذا ترك بنتًا فقد ترك ولدًا فلا شيء للأخت، وخالفهما الجمهور (^٤) فقالوا في هذه المسألة: للبنت النصف بالفرض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب بدليل غير هذه الآية، وهذه الآية نصت أن يفرض لها في هذه الصورة وأما وراثتها بالتعصيب فلما رواه البخاري من طريق سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله ﷺ، النصف للبنت والنصف للأخت، ثم قال سليمان: قضى فينا ولم يذكر على عهد رسول الله ﷺ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق قتادة به، وسنده ضعيف للانقطاع بين قتادة وأبي بكر فإنه لم يسمع منه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٨٨)، وسنده ضعيف لضعف أبي بكر بن عبد الله وهو ابن أبي مريم الغساني الشامي (التقريب ص ٦٢٣).\n(^٣) ذكره الطبري من غير سند (التفسير ٩/ ٤٤٣)، ط. شاكر.\n(^٤) لا يمكن الجزم بمخالفة الجمهور إلى ابن عباس وابن الزبير إذا صح السند إليهما أو إلى أحدهما، وقد روي بحذف السند.\n(^٥) أخرجه البخاري من طريق شعبة عن سليمان به (الصحيح، الفرائض، باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة ح ٦٧٤١).","vol":"3","page":289},{"text":"وفي صحيح البخاري أيضًا عن هزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني، فسأل ابن مسعود فأخبره بقول أبي موسى فقال: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]، أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ النصف للبنت، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم (^١).\nوقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ أي: والأخ يرث جميع مالها إذا ماتت كلالة، وليس لها ولد؛ أي: ولا والد، لأنها لو كان لها والد لم يرث الأخ شيئًا، فإن فرض أن معه من له فرض صرف إليه فرضه كزوج أو أخ من أم، وصرف الباقي إلى الأخ لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر\" (^٢).\nوقوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ أي: فإن كان لمن يموت كلالة أختان، فرض لهما الثلثان وكذا ما زاد على الأختين في حكمهما، ومن ههنا أخذ الجماعة حكم البنتين كما استفيد حكم الأخوات من البنات في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١].\nوقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ هذا حكم العصبات من البنين وبني البنين والإخوة إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم، أعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: يفرض لكم فرائضه، ويحد لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه.\nوقوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها من الخير لعباده، وما يستحقه كل واحد من القرابات بحسب قربه من المتوفى.\nوقد قال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، أنبأنا ابن عون، عن محمد بن سيرين قال: كانوا في مسير، ورأس راحلة حذيفة عند ردف راحلة رسول الله ﷺ، ورأس راحلة عمر عند ردف راحلة حذيفة، قال: ونزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ فلقَّاها رسولُ الله ﷺ حذيفةَ، فلقّاها حذيفةُ عمرَ، فلما كان بعد ذلك سأل عمر عنها حذيفة فقال: والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقانيها رسول الله ﷺ، فلقيتكها كما لقانيها رسول الله ﷺ، والله لا أزيدك عليها شيئًا أبدًا، قال: فكان عمر يقول: اللهم إن كنت بينتها له، فإنها لم تبين لي، كذا رواه ابن جرير (^٣)، ورواه أيضًا عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين كذلك بنحوه (^٤)، وهو منقطع بين ابن سيرين وحذيفة.\nوقد قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في مسنده: حدثنا يوسف بن حماد المعني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من طريق أبي قيس عن هُذيل به (الصحيح، الفرائض، باب ميراث ابنة ابن مع ابنة ح ٦٧٣٦).\n(^٢) تقدم عزوه في الآية ٣٣ من هذه السورة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع بين محمد بن سيرين وحذيفة ﵁، ومتنه فيه نكارة في قول حذيفة لعمر: والله إنك لأحمق …\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه.","vol":"3","page":290},{"text":"ومحمد بن مرزوق قالا: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيقة، عن أبيه قال: نزلت آية الكلالة على النبي ﷺ وهو في مسير له فوقف النبي ﷺ، وإذا هو بحذيفة وإذا رأس ناقة حذيفة عند ردف راحلة النبي ﷺ فلقاها إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر ﵁ فلقاها إياه فلما كان في خلافة عمر نظر عمر في الكلالة، فدعا حذيفة فسأله عنها فقال حذيفة: لقد لقانيها رسول الله ﷺ، فلقيتك كما لقاني رسول الله ﷺ، والله إني لصادق والله لا أزيدك شيئًا أبدًا. ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه إلا حذيفة، ولا نعلم له طريقًا عن حذيفة إلا هذا الطريق، ولا رواه عن هشام إلا عبد الأعلى (^١).\nوكذا رواه ابن مردويه من حديث عبد الأعلى (^٢).\nوقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب أن عمر سأل رسول الله ﷺ كيف تورث الكلالة؟ قال: فأنزل الله ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ …﴾، قال: فكأن عمر لم يفهم، فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله ﷺ طيب نفس فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس فسألته عنها، فقال: \"أبوك ذكر لك هذا، ما أرى أباك يعلمها\"، قال: فكان عمر يقول: ما أراني أعلمها. وقد قال رسول الله ما قال (^٣).\nرواه ابن مردويه، ثم رواه من طريق ابن عيينة، عن عمرو، عن طاوس أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي ﷺ عن الكلالة فأملاها عليها في كتف، فقال: \"من أمرك بهذا أعمر؟ ما أراه يقيمها أو ما تكفيه آية الصيف\" قال سفيان: وآية الصيف التي في النساء: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ [النساء: ١٢] فلما سألوا رسول الله ﷺ نزلت الآية التي هي خاتمة النساء، فألقى عمر الكتف، كذا قال في هذا الحديث وهو مرسل (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عثام، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: أخذ عمر كتفًا وجمع أصحاب رسول الله ﷺ ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن، فخرجت حينئذٍ حية من البيت فتفرقوا، فقال: لو أراد الله ﷿ أن يتم هذا الأمر لأتمه (^٥). وهذا إسناد صحيح.\nوقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: حدثنا علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة، حدثنا الهيثم بن خالد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمعت محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة يحدث عن عمر بن الخطاب، قال: لأن أكون سألت رسول الله ﷺ عن\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٠٦) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبيدة بن حذيفة، وثقه ابن حبان (المجمع ٧/ ١٣)، ولا يكفي توثيق ابن حبان في هذه الحالة، وقال الحافظ ابن حجر: مقبول (التقريب ص ٦٥٦)، وهذه الرواية ليست فيها النكارة المذكور سابقًا.\n(^٢) حكمه كسابقه.\n(^٣) أخرجه إسحاق بن راهوية عن جرير به (كما في المطالب العالية المسندة ٢/ ١٤٥ ح ١٥٥١)، وفي سنده سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر.\n(^٤) أي طاوس لم يدرك عمر فالإسناد منقطع.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.","vol":"3","page":291},{"text":"ثلاث أحب إلي من حمر النعم: من الخليفة بعده؟ وعن قوم قالوا: نقر بالزكاة في أموالنا ولا نؤديها إليك، أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة. ثم قال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^١). ثم روى بهذا الإسناد إلى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن مرة، عن مرة، عن عمر، قال: ثلاث لأن يكون النبي ﷺ بينهن لنا أحب إلي من الدنيا وما فيها: [الخلافة] (^٢) والكلالة، والربا، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وبهذا الإسناد إلى سفيان بن عيينة قال: سمعت سليمان الأحول يحدث عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس قال: كنت آخر الناس عهدًا بعمر، فسمعته يقول: ما قلت، قلت: وما قلت؟ قال: قلت: الكلالة من لا ولد له، ثم قال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه (^٣).\nوهكذا رواه ابن مردويه من طريق زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، وسليمان الأحول عن طاوس، عن ابن عباس، قال: كنت آخر الناس عهدًا بعمر بن الخطاب، قال: اختلفت أنا وأبو بكر في الكلالة والقول ما قلت، قال: وذكر أن عمر شرك بين الإخوة للأم والأب وبين الإخوة للأم في الثلث إذا اجتمعوا، وخالفه أبو بكر ﵁ (^٤). وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا محمد بن حميد [العمري] (^٥)، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن عمر كتب في الجد والكلالة كتابًا، فمكث يستخير الله يقول: اللهم إن علمت فيه خيرًا فأمضه حتى إذا طعن، دعا بكتاب فمحى، ولم يدر أحد ما كتب فيه، فقال: إني كنت كتبت كتابًا في الجد والكلالة، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه (^٦).\nقال ابن جرير: وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: إني لأستحي أن أخالف فيه أبا بكر، وكان أبو بكر ﵁ يقول: هو ما عدا الولد والوالد (^٧). وهذا الذي قاله الصديق عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبة، وهو الذي يدل عليه القرآن، كما أرشد الله أنه قد بيّن ذلك ووضحه في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ولله الحمد والمنّة.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وتعليقه وتعقبه الذهبي بقوله: بل ما خرجا لمحمد شيئًا ولا أدرك عمر (المستدرك ٢/ ٣٠٣).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) والمستدرك، وفي الأصل: \"الحاقة\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرج الحاكم الروايتين وصححهما ووافقه الذهبي في كلتيهما (المستدرك ٢/ ٣٠٤).\n(^٤) في سنده زمعة بن صالح: ضعيف (التقريب ص ٢١٧).\n(^٥) اختلف في سماعه من عمر، والراجح أنه سمع منه قليلًا.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سعيد بن المسيب اختلف في سماعه من عمر، والراجح أنه سمع منه قليلًا.\n(^٧) تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء: ١٢].","vol":"3","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>سُورَةُ المَائِدَةِ وهي مدنية</span>\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية شيبان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ، إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عَضُد الناقة (^١).\nوروى ابن مردويه من حديث صباح بن سهل، عن عاصم الأحول، قال: حدثتني أم عمرو، عن عمها أنه كان في مسير مع رسول الله ﷺ، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق عُنق الراحلة من ثقلها (^٢).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها، تفرد به أحمد (^٣).\nوقد روى الترمذي عن قتيبة، عن عبد الله بن وهب، عن حُي، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: آخر سورة أنزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] [النصر] (^٤).\nوقد روى الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن وهب بإسناده نحو رواية الترمذي، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٥).\nوقال الحاكم أيضًا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن نصر، قال: قرئ على عبد الله بن وهب، أخبرني معاوية بن صالح عن أبي [الزاهرية] (^٦)، عن جبير بن نفير، قال:\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٥٥٧ ح ٢٧٥٧٥)، وضعفه محققوه بسبب ليث وهو ابن أبي سليم وشهر بن حوشب ثم بالشواهد حكموا عليه بأنه حسن لغيره. وستأتي شواهده في الروايات التالية:\n(^٢) أخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان عن عاصم الأحول به (دلائل النبوة ٧/ ١٤٥)، ويشهد له الروايات اللاحقة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٢١٨ ح ٦٦٤٣)، وقال محققوه: حسن لغيره. قال السندي: وحدوث الثقل فيه ﷺ عند نزول القرآن معلوم من الأحاديث الصحاح.\n(^٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه لكن بدون ذكر \"الفتح\" (السنن التفسير، باب ومن سورة المائدة ح ٣٠٦٣)، لكن في نسخة المباركفوري بذكر الفتح (تحفة الأحوذي ٨/ ٤٣٦)، والمراد بالفتح هنا أي سورة النصر، لأن سورة الفتح ليست من آخر ما نزل. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي كما سيأتي عزوه.\n(^٥) المستدرك ٢/ ٣١١.\n(^٦) كذا في (حم) و(مح) والمستدرك، وفي الأصل: \"الزاهوية\"، وهو تصحيف.","vol":"3","page":293},{"text":"حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، لم يخرجاه (^١)، ورواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، وزاد: وسألتها عن خُلُق رسول الله ﷺ فقالت: القرآن. ورواه النسائي من حديث ابن مهدي (^٢).\n\n<span id=\"aya-670\"></span>﷽\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مسعر، حدثني معن [وعوف] (^٣) أو أحدهما، أن رجلًا أتى عبد الله بن مسعود، فقال: اعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه (^٤).\nوقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ افعلوا، فالنبي ﷺ منهم (^٥).\nوحدثنا أحمد بن سنان، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن خيثمة قال: كل شيء في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو في التوراة يا أيها المساكين (^٦).\nفأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي، حدثنا معاوية يعني ابن هشام، عن عيسى بن راشد، عن علي بن بذيمة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا أن عليًا سيدها وشريفها وأميرها، وما من أصحاب النبي ﷺ أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب، فإنه لم يعاتب في شيء منه (^٧). فهو أثر غريب، ولفظه فيه نكارة، وفي إسناده نظر.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وتصحيحه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١١).\n(^٢) المسند ٦/ ١٨٨، والسنن الكبرى (ح ١١١٣٨).\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"عوان\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه (التفسير سورة الأنفال آية ١٥)، وسنده منقطع لأن معنا وعوفًا لم يسمعا من ابن مسعود.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم كسابقه، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه كسابقه، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم كسابقه. وضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا.","vol":"3","page":294},{"text":"وقال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر، قلت: وعلي بن بذيمة وإن كان ثقة إلا أنه شيعي غال، وخبره في مثل هذا فيه تهمة فلا يقبل، وقوله: فلم يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلا عليًا، إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى، فإنه قد ذكر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا علي، ونزل قوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [المجادلة: ١٣]، وفي كون هذا عتابًا نظر، فإنه قد قيل: إن الأمر كان ندبًا لا إيجابًا، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم يصدر من أحد منهم خلافه، وقوله: عن علي أنه لم يعاتب في شيء من القرآن فيه نظر أيضًا، فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفداء، عمَّت جميع من أشار بأخذه ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب ﵁، فعلم بهذا وبما تقدم ضعف هذا الأثر، والله أعلم.\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فيه \"هذا بيان من الله ورسوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فكتب الآيات منها حتى بلغ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] \" (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتابًا وعهدًا، وأمره فيه بأمره، فكتب \"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ عهد من محمد رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون\" (^٢).\nقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود العهود (^٣). وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك، قال: والعهود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يعني: العهود، يعني: ما أحلّ الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله، ولا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدّد في ذلك فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ (^٥) [الرعد: ٢٥].\nوقال الضحاك: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: ما أحلّ الله وحرم، وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبرى بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٢) سنده مرسل لأن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم من صغار التابعين.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٤) ذكره الطبري كسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري كسابقه.\n(^٦) يشهد له سابقه عن ابن عباس.","vol":"3","page":295},{"text":"وقال زيد بن أسلم: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح وعقد اليمين (^١).\nوقال محمد بن كعب: هي خمسة منها حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة (^٢). وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في [مجلس] (^٣) البيع بهذه الآية ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: فهذه تدل على لزوم العقد وثبوته فيقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وخالفهما في ذلك الشافعي وأحمد والجمهور، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا\" (^٤) وفي لفظ آخر للبخاري \"إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا\" (^٥) وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافيًا للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعًا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود.\nوقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، قاله الحسن وقتادة وغير واحد.\nقال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب، وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتًا في بطن أمه إذا ذبحت.\nوقد ورد في ذلك حديث في السنن رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق مجالد، عن أبي الوداك [جبر بن نوف] (^٦)، عن أبي سعيد قال: قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: \"كلوه إن شئتم فإِن ذكاته ذكاة أُمه\" وقال الترمذي: حديث حسن (^٧).\nقال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عتاب بن بشير، حدثنا [عبيد الله] (^٨) بن أبي زياد القداح المكي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ، قال: \"ذكاة الجنين ذكاة أُمه\" (^٩) تفرد به أبو داود.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن، ويشهد له قول ابن عباس المتقدم.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب وسنده ضعيف لضعف موسى، ويشهد له قول ابن عباس المتقدم.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وسقط من الأصل.\n(^٤) صحيح البخاري، البيوع، باب إذ لم يوقت الخيار هل يجوز البيع (ح ٢١٠٩).\n(^٥) صحيح البخاري، البيوع، باب إذ خير أحدهما (ح ٢١١٢).\n(^٦) كذا في (حم) والتخريج، وفي الأصل (ومح): \"حُييّ بن نوف\" وهو تصحيف.\n(^٧) سنن أبي داود، الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين (ح ٢٨٢٧)، وسنن الترمذي، الأطعمة، باب ما جاء في ذكاة الجنين (ح ١٤٧٦)، وقال هذا حديث حسن صحيح، وسنن ابن ماجه، الذبائح، باب ذكاة الجنين ذكاة أمه (ح ٣١٩٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٥١).\n(^٨) كذا في (حم) و(مح) والتخريج وهو الصواب، وفي الأصل: \"عبيد\".\n(^٩) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٢٨٢٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٥٢).","vol":"3","page":296},{"text":"وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني بذلك الميتة والدم ولحم الخنزير (^١).\nوقال قتادة: يعني بذلك الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه (^٢).\nوالظاهر - والله أعلم - أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] يعني: منها فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه، ولهذا قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال.\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قال بعضهم: هذا منصوب على الحال والمراد بالأنعام ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، ويعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثنى من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام.\nوقيل: المراد أحللنا لكم الأنعام، إلا ما استثني منها لمن التزم تحريم الصيد، وهو حرام لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] أي: أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا متعد، وهكذا ههنا؛ أي: كما أحللنا الأنعام في جميع الأحوال فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن الله قد حكم بهذا، وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.\n\n<span id=\"aya-671\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج (^٣).\nوقال مجاهد: الصفا والمروة، والهدي والبُدن من شعائر الله (^٤). وقيل: شعائر الله محارمه؟ أي: لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣٦].\nوفي صحيح البخاري عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: \"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان\" (^٥) وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) صحيح البخاري، التفسير، سورة براءة، باب ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا …﴾ [التوبة: ٣٦] (ح ٤٦٦٢).","vol":"3","page":297},{"text":"وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يعني: لا تستحلوا القتال فيه (^١)، وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك الجزري، واختاره ابن جرير أيضًا.\nوذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] والمراد أشهر التسيير الأربعة، قالوا: فلم يستثن شهرًا حرامًا من غيره، وقد حكى الإمام أبو جعفر الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة، قال: وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء (^٢) جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أمانًا من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان، ولهذه المسألة بحث آخر له موضع أبسط من هذا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولهذا لما حج رسول الله ﷺ، بات بذي الحليفة وهو وادي العقيق، فلما أصبح طاف على نسائه وكن تسعًا، ثم اغتسل وتطيب وصلى ركعتين، ثم أشعر هديه وقلده، وأهل للحج والعمرة (^٣)، وكان هديه إبلًا كثيرة تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج] وقال بعض السلف إعظامها استحسانها واستسمانها.\nقال علي بن أبي طالب: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، رواه أهل السنن (^٤).\nوقال مقاتل بن حيان: وقوله: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ فلا تستحلوها وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم، قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر وتقلد مشركوا الحرم من لحاء شجر الحرم فيأمنون به، رواه ابن أبي حاتم ثم قال: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، قال: نسخ من هذه السورة آيتان آية القلائد وقوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] (^٥) وحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا محمد بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أي قشر الشجر (النهاية ٤/ ٢٤٣).\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث عروة بن الزبير والمسور بن مخرمة ومروان وعائشة بنحوه (الصحيح، الحج، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة … ح ١٦٩٤ و١٦٩٥ و١٦٩٦).\n(^٤) سنن أبي داود، الأضاحي، باب ما يكره من الضحايا (ح ٢٨٠٤)، وسنن الترمذي، الأضاحي، باب ما يكره من الأضاحي (ح ١٤٩٨)، وقال حسن صحيح وبين معنى نستشرف أي: ننظر صحيحًا، وسنن النسائي، كتاب الأضاحي، باب المقابلة وهي ما قطع طرف أذنها ٧/ ٢١٦، وسنن ابن ماجه، الأضاحي، باب ما يكره أن يضحى به (ح ٣١٤٣)، وقال الألباني حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ٢٥٤٤).\n(^٥) سنده صحيح، وهذه الرواية وسابقتها إلى الآية ٤٠ من هذه السورة من الجزء المفقود من تفسير ابن أبي حاتم.","vol":"3","page":298},{"text":"أبي عدي، عن ابن عوف قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا (^١). وقال عطاء: كانوا يتقلدون من شجر الحرم فيأمنون فنهى الله عن قطع شجره وكذا قال مطرف بن عبد الله (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمنًا وكذا من قصده طالبًا فضل الله وراغبًا في رضوانه فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه.\nقال مجاهد وعطاء وأبو العالية ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن عبيد بن عمير والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة وغير واحد في قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ يعني بذلك التجارة (^٣)، وهذا كما تقدم في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾ قال ابن عباس: يترضون الله بحجهم (^٤).\nوقد ذكر عكرمة والسدي وابن جريج أن هذه الآية نزلت في الحطم بن هند البكري كان قد أغار على سرح المدينة فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا عليه في طريقه إلى البيت فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ (^٥).\nوقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان وإن أم البيت الحرام أو بيت المقدس وأن هذا الحكم منسوخ في حقهم - والله أعلم - فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به فهذا يمنع، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، ولهذا بعث رسول الله ﷺ عام تسع لما أمر الصديق على الحجيج عليًا وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله ﷺ ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (^٦).\nوقال ابن أبي طلحة: عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ يعني: من توجه قبل البيت الحرام فكان المؤمنون والمشركون يحجون فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدًا مني مؤمن أو كافر ثم أنزل الله بعدها ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية [التوبة:\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) قول عطاء ومطرف بن عبد الله الشخير أخرجهما الطبري والسند الأول فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي والسند الآخر فيه سفيان بن وكيع، وكلاهما ضعيف.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول مطرف بن عبد الله أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن وكيع: وهو سفيان: ضعيف.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ولقبه سُنيد: ضعيف وكذلك الإسناد معضل لأن ابن جريج من اتباع التابعين.\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه، تفسير سورة التوبة \"باب وآذان من الله ورسوله … \" (ح ٤٦٥٥).","vol":"3","page":299},{"text":"٢٨]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] فنفى المشركين من المسجد الحرام (^١).\nوقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ قال: منسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من الشجر فلم يعرض له أحد، فإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلم يعرض له أحد، وكان [المشرك] (^٢) يومئذٍ لا يُصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت فنسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٣) [التوبة: ٥].\nوقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ يعني: إن تقلدوا قلادة من الحرم فأمّنوهم، قال: ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك، قال الشاعر (^٤):\nألم تَقتلا الحِرْجين إذ أعورا لكم … يُمرَّان بالأيدي اللّحاء المضفّرا (^٥)\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أي: إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه فقد أبحنا لكم ما كان محرمًا عليكم في حال الإحرام من الصيد وهذا أمر بعد الحظر والصحيح الذي يثبت على السير، أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإِن كان واجبًا رده واجبًا وإن كان مستحبًا فمستحب أو مباحًا فمباح، ومن قال: إنه على الوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة يرد عليه آيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ من القراء من قرأ ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بفتح الألف من أن (^٦)، ومعناها ظاهر؛ أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد، وهذه الآية كما سيأتي من قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير عبد الرزاق، وفي الأصل: \"المشركون\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه وسنده صحيح.\n(^٤) هو حذيفة بن أنس الهذلي كما صرح الأستاذ محمود شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري معتمدًا على كتاب أشعار الهذليين ٣/ ١٩.\n(^٥) هذا البيت استشهد به الطبري في تفسيره وبين معنى \"الحرجين\" أي: المقتولين، ومعنى قوله: \"أعوراكم\" أي: أمكناكم من عورتهما. وقال محمود شاكر: والحرج بكسر الحاء وسكون الراء، الودعة قالوا: عنى بالحرجين: رجلين أبيضين كالودعة، فإما أن يكون البياض لونهما، وإما أن يكون كنى بذلك عن شرفهما … واللحاء: قشر الشجر، والمضفر: الذي جدل ضفائر .. وذكر سبب الشعر أن جُندبًا أخو البريق بن عياض اللحياني قتل قيسًا وسالمًا ابني عامر بن عريب الكنانيين، وقتل سالم جُنْدبًا، اختلفا ضربتين. (حاشية تفسير الطبري ٩/ ٤٧٠).\n(^٦) هذه قراءة متواترة وكذلك قراءة \"إن\".","vol":"3","page":300},{"text":"[المائدة: ٨] أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فإن العدل واجب على كل أحد في كل أحد في كل حال، وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. والعدل به قامت السموات والأرض.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عفان، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت وقد اشتد ذلك عليهم فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة فقال أصحاب النبي ﷺ: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم فأنزل الله هذه الآية (^١).\nوالشنآن هو البغض قاله ابن عباس وغيره (^٢). وهو مصدر من شنأته أشنؤه شنآنًا بالتحريك، مثل قولهم جمزان ودرجان ورقلان، من جمز ودرج ورقل.\nوقال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في ﴿شَنَآنُ﴾ فيقول: شنان، ولم أعلم أحدًا قرأ بها. ومنه قول الشاعر (^٣):\nوما العيش إلا ما تحب وتشتهي … وإن لام فيه ذو الشَّنان وفنّدا\nوقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم، قال ابن جرير: الإثم ترك ما أمر الله بفعله والعدوان مجاوزة ما حد الله في دينكم ومجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم (^٤).\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر [بن أنس] (^٥) عن جده أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا\" قيل: يا رسول الله هذا نصرته مظلومًا فكيف أنصره إذا كان ظالمًا؟ قال: \"تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره\" (^٦) انفرد به البخاري من حديث هشيم به نحوه (^٧)، وأخرجه من طريق ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا\" قيل: يا رسول الله هذا نصرته مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: \"تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه\".\nوقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان بن سعيد، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: \"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من\n_________\n(^١) سنده ضعيف ومرسل، لأن عبد الله بن جعفر هو ابن نجيح السعدي ضعيف (التقريب ١/ ٤٠٦)، وزيد بن أسلم تابعي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه أيضًا عن قتادة بسند صحيح، وأخرجه عن عبد الرحمن بن زيد بسند صحيح.\n(^٣) هو الأحوص بن محمد الأنصاري إذ ورد هذا البيت منسوبًا إليه في طبقات فحول الشعراء ص ٥٣٩.\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: \"عن أنس\" وهو تصحيف.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٩٩) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح البخاري، المظالم، باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا (ح ٢٤٤٤).","vol":"3","page":301},{"text":"الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم\" (^١). وقد رواه أحمد أيضًا في مسند عبد الله بن عمر، حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ - قال الأعمش: هو ابن عمر - عن النبي ﷺ أنه قال: \"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم\" وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة وابن ماجه من طريق إسحاق بن يوسف كلاهما عن الأعمش به (^٢).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي، حدثنا بكر بن عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن فضيل بن عمرو، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدال على الخير كفاعله\" ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد (^٣).\nقلت: وله شاهد في الصحيح \"من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\" (^٤).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن زبريق الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي قال عياش بن مؤنس: إن أبا الحسن نمران بن مُخمر، حدثه أن أوس بن شرحبيل أحد بني المجمع حدثه أن رسول الله ﷺ قال: \"من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-672\"></span>﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾.\nيخبر تعالى عباده خبرًا متضمنًا النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة، وهي ما مات من الحيوانات حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد، وما ذاك إلا لما فيها من المضرة لما فيها من\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٦٥)، وصححه أحمد شاكر والألباني كما يلي.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد وصححه محققه أحمد شاكر (المسند ح ٥٠٢٢)، وأخرجه الترمذي (السنن، القيامة، باب ٥٥ ح ٢٥٠٧)، وابن ماجه (السنن، الفتن، باب الصبر على البلاء ح ٤٠٣٢)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٩٣٩).\n(^٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ١٥٤)، وقال الهيثمي: فيه عيسى بن المختار تفرد عنه بكر بن عبد الرحمن (مجمع الزوائد ١/ ١٦٦)، وله شاهد في صحيح مسلم كما يلي:\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، (الصحيح، كتاب العلم، باب من سن سنّة حسنة أو سيئة ح ٢٦٧٤).\n(^٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١/ ١٩٧)، وسنده ضعيف بسبب ضعف إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي: صدوق يهم كثيرًا، واطلق محمد بن عوف أنه يكذب (التقريب ص ٩٩)، وقال الهيثمي: فيه عياش.","vol":"3","page":302},{"text":"الدم المحتقن فهي ضارة للدين وللبدن، فلهذا حرمها الله ﷿، ويستثنى من الميتة السمك، فإِنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه مالك في موطئه، والشافعي وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر، فقال: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" (^١)، وهكذا الجراد، لما سيأتي من الحديث.\nوقوله: ﴿وَالدَّمُ﴾ يعني به المسفوح، كقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قاله ابن عباس وسعيد بن جبير.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب المذحجي، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو - يعني: ابن أبي قيس -، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال فقال: كلوه، فقالوا: إنه دم، فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح (^٢). وكذا رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة، قالت: إنما نهى عن الدم السافح.\nوقد قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان. فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال\" (^٣). وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، قال الحافظ البيهقي: ورواه إسماعيل بن أبي إدريس، عن أُسامة، وعبد الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعًا قلت: وثلاثتهم كلهم ضعفاء، ولكن بعضهم أصلح من بعض، وقد رواه سليمان بن بلال - أحد الأثبات - عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر فوقفه بعضهم عليه، قال الحافظ أبو زرعة الرازي: وهو أصح (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا بشير بن سريج عن [أبي غالب] (^٥)، عن أبي أُمامة - وهو صُدي بن عجلان -، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم فبينما\n_________\n(^١) الموطأ، الطهارة، باب الطهور للوضوء ١/ ٢٢ (ح ١٢) ومسند الشافعي، (ح ٢٥)، ومسند أحمد ٢/ ٢٣٧، وسنن أبي داود، الطهارة، باب الوضوء بماء البحر (ح ٨٣)، وسنن الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور (ح ٦٩)، وسنن النسائي، الطهارة، باب ماء البحر ١/ ٥٠، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الوضوء بماء البحر (ح ٣٨٦)، وصحيح ابن خزيمة (ح ١١١)، وترتيب صحيح ابن حبان (ح ١٢٤٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٤٠)، وصححه البخاري فيما سأله الترمذي عنه (علل الترمذي ١/ ١٣٦)، وصححه البيهقي (المعرفة ١/ ١٥٢)، والبغوي (شرح السنة ٢/ ٥٥ ح ٢٨١)، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه.\n(^٢) في سنده عمرو بن أبي قيس له أوهام، وسماك في روايته عن عكرمة اضطراب ويشهد له سابقه.\n(^٣) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه ترتيب مسند الشافعي، كتاب الصيد والذبائح ٢/ ١٧٣ (ح ٦٠٧)، وسنده ضعيف بسبب عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والأصح وقفه على ابن عمر ﵄، كما سيأتي عن أبي زرعة.\n(^٤) ينظر العلل لابن أبي حاتم (٢/ ١٧).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"بن غالب\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":303},{"text":"نحن كذلك، إذ جاؤوا بقصعة من دم فاجتمعوا عليها يأكلونها فقالوا: هلم يا صُدي فكل، قال: قلت: ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم فأقبلوا عليه، قالوا: وما ذاك؟ فتلوت عليهم هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية (^١).\nورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث ابن أبي الشوارب بإسناده مثله، وزاد بعده هذا السياق قال: فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون عليّ، فقلت: ويحكم اسقوني شربة من ماء، فإِني شديد العطش، قال: وعليّ عباءتي، فقالوا: لا، ولكن ندعك حتى تموت عطشًا، قال: فاغتممت وضربت برأسي في العباء، ونمت على الرمضاء في حر شديد، قال: فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس ألذ منه، فأمكنني منه فشربته، فلما فرغت من شرابي استيقظت فلا والله ما عطشت، ولا عريت بعد تيك الشربة (^٢).\nورواه الحاكم في مستدركه عن علي بن حماد، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني عبد الله بن سلمة بن عياش العامري، حدثنا صدقة بن هرمز عن أبي غالب، عن أبي أمامة وذكر نحوه، وزاد بعد قوله: بعد تيك الشربة، فسمعتهم يقولون: أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تمجعوه بمذقة، فأتوني بمذقة فقلت: لا حاجة لي فيها، إن الله أطعمني وسقاني، وأريتهم بطني، فأسلموا عن آخرهم (^٣). وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحاق:\nوإياك والميتات لا تقربنّها … ولا تأخذُن عظمًا حديدًا فتفصدا (^٤)\nأي لا تفعل فعل الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئًا محددًا من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره أو حيوانًا من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة، ثم قال الأعشى:\nوذا النُصب المنصوبَ لا تأتينّه … ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا (^٥)\nوقوله: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ يعني: إنسيه ووحشيه، واللحم يعمّ جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم ههنا، وتعسفهم في الاحتجاج بقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يعنون قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد.\nوفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه\" (^٦) فإذا كان هذا التنفير لمجرد ملابسته\n_________\n(^١) في سنده بشير بن سريح ضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ٩/ ٣٨٩)، وفيه أيضًا أبو غالب صاحب أبي أمامة صدوق يخطئ (التقريب ٢/ ٤٦٠)، ولم يتابع فسنده ضعيف.\n(^٢) حكمه كسابقه.\n(^٣) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه وتعقبه الذهبي بأنّ صدقة بن هرمز ضعفه ابن معين (المستدرك ٣/ ٦٤١).\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٣٨٦.\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٣٨٧.\n(^٦) صحيح مسلم، الشعر، باب تحريم اللعب بالنردشير (ح ٢٢٦٠).","vol":"3","page":304},{"text":"بالمسّ، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به، وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره؟ وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام\" فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: \"لا، هو حرام\" (^١). وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان أنه قال لهرقل ملك الروم: نهانا عن الميتة والدم.\nوقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله فهو حرام لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات فإنها حرام بالإجماع. وإنما اختلف العلماء في متروك التسمية إما عمدًا أو نسيانًا كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام (^٢).\nوقد قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: نزل آدم بتحريم أربع ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وإن هذه الأربعة الأشياء لم تحل قط، ولم تزل حرامًا منذ خلق الله السموات والأرض، فلما كانت بنو إسرائيل حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم، فلما بعث الله عيسى ابن مريم ﵇ نزل بالأمر الأول الذي جاء به آدم وأحل لهم ما سوى ذلك، فكذبوه وعصوه (^٣). وهذا أثر غريب.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا ربعي، عن عبد الله، قال: سمعت الجارود بن أبي سبرة، قال: هو جدي، قال: كان رجل من بني رباح يقال له ابن وثيل، وكان شاعرًا، نافرًا (^٤) - غالبًا - أبا الفرزدق بماء بظهر الكوفة على أن يعقر هذا مائة من إبله وهذا مائة من إبله إذا وردت الماء، فلما وردت الماء قاما إليها بسيفيهما فجعلا يكسفان (^٥) عراقيبها، قال: فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون اللحم، قال: وعلي بالكوفة، قال: فخرج علي على بلغة رسول الله ﷺ البيضاء وهو ينادي: يا أيها الناس لا تأكلوا من لحومها، فإنها أهل بها لغير الله (^٦).\nهذا أثر غريب، ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا حماد بن [مسعدة] (^٧) عن عوف، عن أبي ريحانة، عن ابن عباس، قال: نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب، ثم قال أبو داود: محمد بن جعفر: هو غندر، أوقفه على ابن عباس (^٨)، تفرد به أبو داود.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، البيوع، باب بيع الميتة والأصنام (ح ٢٢٣٦)، وصحيح مسلم، البيوع، باب تحريم بيع الخمر والميتة … (ح ١٥٨١).\n(^٢) آية ١٢١.\n(^٣) في سنده نعيم بن حماد صدوق يخطئ كثيرًا ولم يتابع، فسنده ضعيف.\n(^٤) نافر أي: فاخر.\n(^٥) يكسفان أي: يقطعان.\n(^٦) سنده حسن.\n(^٧) كذا في (حم) و(مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل: \"سعد\" وهو تصحيف.\n(^٨) سنن أبي داود، الأضاحي، باب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب (ح. ٢٨٢)، وقال الألباني: حسن صحيح، (صحيح سنن أبي داود ح ٢٤٤٦).","vol":"3","page":305},{"text":"وقال أبو داود أيضًا: حدثنا هارون بن زيد بن أبي [الزرقاء] (^١)، حدثنا أبي، حدثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن حريث، قال: سمعت عكرمة يقول: إن رسول الله ﷺ نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل، ثم قال أبو داود: أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس (^٢)، تفرد به أيضًا.\nقوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وهي التي تموت بالخنق، إما قصدًا وإما اتفاقًا بأن تتخبل في وثاقتها، فتموت به فهي حرام، وأما (الموقوذة) فهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، كما قال ابن عباس وغير واحد: هي التي تضرب بالخشبة حتى يوقذها فتموت (^٣).\nقال قتادة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي حتى إذا ماتت أكلوها (^٤).\nوفي الصحيح أن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال: \"إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله\" (^٥) ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمعراض ونحوه بحده، فأحله، وما أصاب بعرضه فجعله وقيذًا لم يحله، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء.\nواختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله، ولم يجرحه على قولين، هما قولان للشافعي ﵁:\n(أحدهما): لا يحل كما في السهم والجامع أن كلًا منها ميت بغير جرح فهو وقيذ.\n(والثاني): إنه يحل لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكرناه، لأنه قد دخل في العموم، [وقد قررت لهذه المسألة فصلًا فليكتب ههنا] (^٦).\nفصل: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إذا أرسل كلبًا على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه، أو صدمه: هل يحل أم لا؟ على قولين:\n(أحدهما): أن ذلك حلال لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وكذا عمومات حديث عدي بن حاتم، وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي ﵀، وصححه بعض المتأخرين منهم كالنووي والرافعي.\n(قلت): وليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم والمختصر، فإنه قال في كلا الموضعين: يحتمل معنيين، ثم وجه كلًا منهما فحمل ذلك الأصحاب منه، فأطلقوا في المسألة قولين عنه، اللهم إلا أنه في بحثه حكايته للقول بالحلّ رشحه قليلًا، ولم يصرح بواحد منهما،\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل: \"الرقاشي\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأطعمة، باب في طعام المتباريين ح ٣٧٥٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣١٩٣).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق شعبة عن قتادة.\n(^٥) صحيح البخاري، البيوع، باب تفسير المشبهات (ح ٢٠٥٤)، وصحيح مسلم، الصيد، باب الصيد بالكلاب المعلمه (ح ١٩٢٩).\n(^٦) زيادة من (حم).","vol":"3","page":306},{"text":"ولا جزم به، والقول بذلك - أعني الحلّ - نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة من رواية الحسن بن زياد عنه، ولم يذكر غير ذلك. وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في تفسيره عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر، وهذا غريب جدًّا، وليس يوجد ذلك مصرحًا به عنهم، إلا أنه من تصرفه ﵀ ورضي عنه.\n(والقول الثاني): أن ذلك لا يحل، وهو أحد القولين عن الشافعي ﵀ واختاره المزني، ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضًا، والله أعلم. ورواه أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة، وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁، وهذا القول أشبه بالصواب، والله أعلم، لأنه أجرى على القواعد الأصولية وأمشى على الأصول الشرعية، واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج، قلت: يا رسول الله، إنا ملاقوا العدو غدًا، وليس معنا مُدى، أفنذبح بالقصب؟ قال: \"ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه\" الحديث بتمامه (^١)، وهو في الصحيحين. وهذا وإن كان واردًا على سبب خاص، فالعبرة بعموم اللفظ عند جمهور من العلماء في الأصول والفروع، كما سئل ﵇ عن البتع - وهو نبيذ العسل -، فقال: \"كل شراب أسكر فهو حرام\" (^٢)، أفيقول فقيه: إن هذا اللفظ مخصوص بشراب العسل، [وهكذا] (^٣) هذا، كما سألوه عن شيء من الذكاة، فقال لهم كلامًا عامًا يشمل ذاك المسؤول عنه وغيره لأنه ﵇ كان قد أوتي جوامع الكلم، إذا تقرر هذا، فما صدمه الكلب أو غمّه بثقله ليس مما أنهر دمه، فلا يحل لمفهوم هذا الحديث، فإن قيل: هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء، لأنهم إنما سألوه عن الآلة التي يذكى بها، ولم يسألوه عن الشيء الذي يذكى، ولهذا استثنى من ذلك السن والظفر حيث قال: \"ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة\" (^٤) والمستثنى يدل على جنس المستثنى منه، وإلا لم يكن متصلًا، فدل على أن المسؤول عنه هو الآلة، فلا يبقى فيه دلالة لما ذكرتم، فالجواب عن هذا بأن في الكلام ما يشكل عليكم أيضًا، حيث يقول: \"ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه\"، ولم يقل: فاذبحوا به، فهذا يؤخذ منه الحكمان معًا، يؤخذ حكم الآلة التي يذكى بها، وحكم المُذكى وأنه لا بدّ من إنهار دمه بآلة ليست سنًا ولا ظفرًا، هذا مسلك.\n(والمسلك الثاني): طريقة المزني، وهي أن السهم جاء التصريح فيه بأنه إن قتل بعرضه فلا تأكل، وإن خزق فكل، والكلب جاء مطلقًا، فيحمل على ما قيد هناك من الخَزق لأنهما اشتركا في الموجب وهو الصيد فيجب الحمل هنا وإن اختلف السبب كما وجب حمل مطلق الإعتاق في الظهار على تقييده بالإيمان في القتل، بل هذا أولى، وهذا يتوجه له على من يسلّم له أصل هذه\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الشركة، باب قسمة الغنم (ح ٢٤٨٨)، وصحيح مسلم، الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم … (ح ١٩٦٨).\n(^٢) صحيح البخاري، الوضوء، باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر (ح ٢٤٢)، وصحيح مسلم، الأشربة، باب بيان إن كل مسكر خمر … (ح ٢٠٠١).\n(^٣) زيادة من (حم).\n(^٤) هذا الحديث تتمة لحديث رافع المذكور قبل الحديث السابق.","vol":"3","page":307},{"text":"القاعدة من حيث هي، وليس فيها خلاف بين الأصحاب قاطبة، فلا بدّ لهم من جواب عن هذا، وله أن يقول: هذا قتله الكلب بثقله، فلم يحل قياسًا على ما قتله السهم بعرضه، والجامع أن كلًا منهما آلة للصيد، وقد مات بثقله فيهما، ولا يعارض ذلك بعموم الآية، لأن القياس مقدم على العموم، كما هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور، وهذا مسلك حسن أيضًا.\n(مسلك آخر): وهو أن قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] عام فيما قتلن بجرح أو غيره، لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيها لا يخلو إما أن يكون نطيحًا أو في حكمه، أو منخنقًا أو في حكمه، وأيًا ما كان، فيجب تقديم هذه الآية على تلك الوجوه:\n(أحدها): أن الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد حيث يقول لعدي بن حاتم: \"وإن أصابه بعرضه، فإنما هو وقيذ فلا تأكله\" (^١)، ولم نعلم أحدًا من العلماء فصلَ بين حكم وحكم من هذه الآية، فقال: إن الوقيذ معتبر حالة الصيد، والنطيح ليس معتبرًا، فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقًا للإجماع لا قائل به، وهو محظور عند كثير من العلماء.\n(الثماني): أن تلك الآية ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ليست على عمومها بالإجماع بل مخصوصة بما [صدْن] (^٢) من الحيوان المأكول، وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق، والعموم المحفوظ مقدم على غير المحفوظ.\n(المسلك الآخر): أن هذا الصيد والحالة هذه في حكم الميتة سواء، لأنه قد احتقن فيه الدماء وما يتبعها من الرطوبات، فلا تحل قياسًا على الميتة.\n(المسلك الآخر): أن آية التحريم، أعني قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ …﴾ إلى آخرها، محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة، أعني قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية [المائدة: ٤]، فينبغي أن لا يكون بينهما تعارض أصلًا، وتكون السنة جاءت لبيان ذلك، وشاهد ذلك قصة السهم، فإِنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية، وهو ما إذا خزقه المعراض فيكون حلالًا، لأنه من الطيبات، وما دخل في حكم تلك الآية، آية التحريم، وهو ما إذا أصابه بعرض فلا يؤكل، لأنه وقيذ، فيكون أحد أفراد آية التحريم، وهكذا يجب أن يكون حكم هذا سواء إن كان قد جرحه الكلب، فهو داخل في حكم آية التحليل، وإن لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله، فهو نطيح أو في حكمه، فلا يكون حلالًا.\n(فإِن قيل): فلم لا فصّل في حكم الكلب، فقال: ما ذكرتم إن جرحه فهو حلال، وإن لم يجرحه فهو حرام.\nفالجواب: أن ذلك نادر، لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معًا، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر، وكذا قتله إياه بثقله، فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك لندوره أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وأما السهم والمعراض فتارة يخطئ لسوء رمي راميه، أو للهو أو لنحو ذلك، بل خطؤه أكثر من إصابته،\n_________\n(^١) تقدم عزوه في الصحيح في تفسير \"الموقوذة\" من هذه الآية.\n(^٢) كذا في (مح) وفي الأصل: \"صدر\"، وفي (حم): \"صرق\".","vol":"3","page":308},{"text":"فلهذا ذكر كلًا من حكميه مفصلًا، والله أعلم، ولهذا لما كان الكلب، من شأنه أنه قد يأكل من الصيد ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد فقال: \"إن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه\" (^١) وهذا صحيح ثابت في الصحيحين، وهو أيضًا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين، فقالوا: لا يحل ما أكل منه الكلب، حكي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي: وإليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه، وأحمد بن حنبل والشافعي في المشهور عنه.\nوروى ابن جرير في تفسيره عن علي وسعيد وسلمان وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس: إن الصيد يؤكل وإن أكل منه الكلب، حتى قال سعيد وسلمان وأبو هريرة وغيرهم: يؤكل ولو لم يبق منه إلا بضعة (^٢)، وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم، وأومأ في الجديد إلى قولين، قال ذلك الإمام أبو نصر بن الصباغ وغيره من الأصحاب عنه.\nوقد روى أبو داود بإسناد جيد قوي عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله ﷺ أنه قال في صيد الكلب: \"إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله، فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يدك\" (^٣) ورواه أيضًا النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن أعرابيًا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، فذكر نحوه (^٤).\nوقال محمد بن جرير في تفسيره: حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى هو: اللاحوني، حدثنا محمد بن دينار هو: الطاحي، عن أبي إياس وهو معاوية بن قرة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال: \"إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه، فليأكل ما بقي\" (^٥) ثم إن ابن جرير علله بأنه قد رواه قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب، عن سلمان موقوفًا.\nوأما الجمهور فقدّموا حديث عدي على ذلك، وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره، وقد حمله بعض العلماء على أنه إن أكل بعد ما انتظر صاحبه فطال عليه الفصل ولم يجئ، فأكل منه لجوعه ونحوه فإنه لا بأس بذلك، لأنه والحالة هذه لا يخشى أنه إنما أمسك على نفسه بخلاف ما إذا أكل منه أول وهلة، فإنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه، والله أعلم.\nفأما الجوارح من الطيور فنص الشافعي على أنها كالكلب، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور، ولا يحرم عند الآخرين، واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه الطيور والجوارح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، قالوا: لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه، وأيضًا فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد فيعفى عن ذلك، وأيضًا فالنص إنما\n_________\n(^١) تتمة حديث عدي بن حاتم وقد تقدم عزوه في تفسير \"الموقوذة\" من هذه الآية.\n(^٢) سيأتي تخريج هذه الآثار في الآية ٤ من هذه السورة بعنوان: ذكر الآثار بذلك.\n(^٣) سنن أبي داود، الصيد، باب في الصيد (ح ٢٨٥٢)، وحكم عليه الحافظ بأنّ إسناده جيد قوي.\n(^٤) سنن النسائي، الصيد، باب الرخصة في ثمن كلب الصيد ٧/ ١٩١، وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه محمد بن دينار الطاحي: صدوق سيء الحفظ كما في التقريب، ولعله هو الذي رفع الحديث.","vol":"3","page":309},{"text":"ورد في الكلب لا في الطير. وقال الشيخ أبو علي في \"الإفصاح\": إذا قلنا: يحرم ما أكل منه الكلب، ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان، وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب لنص الشافعي ﵀، على [التسوية] (^١) بينهما، والله ﷾ أعلم.\nوأما المتردّية: فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال، فتموت بذلك، فلا تحل.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: المتردّية التي تسقط من جبل (^٢).\nوقال قتادة: هي التي تتردى في بئر (^٣).\nوقال السدي: هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر (^٤).\nوأما النطيحة: فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها، والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي: منطوحة، وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث، فيقولون: عين كحيل، وكف خضيب، ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة، وأما هذه فقال بعض النحاة: إنما استعمل فيها تاء التأنيث، لأنها أجريت مجرى الأسماء كما في قولهم: طريقة طويلة، وقال بعضهم: إنما أتي بتاء التأنيث فيها لتدل على التأنيث من أول وهلة بخلاف عين كحيل وكف خضيب لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي: ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب، فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام وإن كان قد سال منها الدم ولو من مذبحها، فلا تحل بالإجماع، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة أو نحو ذلك، فحرم الله ذلك على المؤمنين.\nوقوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ يقول: إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح فكلوه، فهو ذكي (^٥)، وكذا روي عن سعيد بن جبير والحسن البصري والسدي.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي في الآية قال: إن مصعت بذنبها أو ركضت برجلها أو طرفت بعينها، فكل (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم: حدثنا الحسين، حدثنا هشيم وعباد، قالا: حدثنا حجاج،\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"السوية\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"التي تتردى من الجبل\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به نحوه.\n(^٦) سنده حسن.","vol":"3","page":310},{"text":"عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردّية والنطيحة، وهي تحرك يدًا أو رجلًا فكلها (^١). وهكذا [روي] (^٢) عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد: أن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح، فهي حلال (^٣)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل.\nقال ابن وهب: سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها، فقال مالك: لا أرى أن تذكى أي شيء يذكى منها (^٤)؟\nوقال أشهب: سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش فيدقّ ظهره، أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل؟ فقال: إن كان قد بلغ السُّحْرة فلا أرى أن يؤكل، وإن كان أصاب أطرافه فلا أرى بذلك بأسًا، قيل له: وثب عليه فدقّ ظهره؟ فقال: لا يعجبني هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيثقب بطنها ولا يثقب الأمعاء؟ فقال: إذا شق بطنها فلا أرى أن تؤكل (^٥).\nهذا مذهب مالك ﵀. وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك ﵀ من الصورة التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها فيحتاج إلى دليل مخصص للآية، والله أعلم.\nوفي الصحيحين عن رافع بن خديج أنه قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدًا وليس معنا مُدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: \"ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة\" (^٦).\nوفي الحديث الذي رواه الدارقطني مرفوعًا، وفيه نظر، وروي عن عمر موقوفًا وهو أصح \"ألا إن الذكاة في الحلق واللّبّة، ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق\" (^٧).\nوفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية حماد بن سلمة، عن أبي العشراء الدارمي، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا من اللّبّة والحلق؟ فقال: \"لو\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن حزم من طريق هشيم به (المحلى ٨/ ١٩٤)، وفي سنديهما الحارث وهو: الأعور الهمداني تُكلم فيه وكذبه الشعبي كما في التقريب. وقد توبع كما في الرواية السابقة.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"رواه\".\n(^٣) قول طاوس أخرجه عبد الرزاق عن ابن طاوس عن طاوس به (المصنف رقم ٨٦٣٣)، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه في تفسير ومصنفه رقم (٨٦٣٥)، وقول الحسن أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن فضيل عن أشعث عنه (كما في التمهيد لابن عبد البر ٥/ ١٤٩)، وقول عبيد بن عمير أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن جريج عن أبي الزبير عنه (المصنف رقم ٨٦٣٨)، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه شيخه لم يسم، وأخرجه ابن أبي شيبة موصولًا لكن فيه جويبر: متروك.\n(^٤) أخرجه الطبري عن يونس عن ابن وهب به وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري عن يونس عن أشهب به وسنده صحيح.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير هذه الآية.\n(^٧) أخرجه الدارقطني بسند فيه سعيد بن سلام العطار ضعيف ومتهم (لسان الميزان ٣/ ٣٧)، وقد أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن عباس نحوه (فتح الباري ٩/ ٦٤١).","vol":"3","page":311},{"text":"طعنت في فخذها لأجزأ عنك\" (^١)، وهو حديث صحيح (^٢)، ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه في الحلق واللبة.\nوقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب حجارة حول الكعبة (^٣)، قال ابن جريج: وهي ثلاثمائة وستون نصبًا، كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب (^٤)، وكذا ذكره غير واحد، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله لما في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا، لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ أي: حرّم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام، واحدها زلم وقد تفتح الزاي، فيقال: زلم، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب: افعل، وعلى الآخر: لا تفعل، والثالث غفل ليس عليه شيء، ومن الناس من قال: مكتوب على الواحد: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، والثالث غفل ليس عليه شيء، فإذا أجالها فطلع سهم الأمر فعله، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد، والاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام، هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا الحجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ قال: والأزلام قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور (^٦). وكذا روي عن مجاهد وإبراهيم النخعي والحسن البصري ومقاتل بن حيان (^٧).\nوقال ابن عباس: هي قداح كانوا يستقسمون بها الأمور (^٨).\nوذكر محمد بن إسحاق وغيره: إن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له: هُبل منصوب على\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد عن وكيع عن حماد بن سلمة به، وضعفه محققوه بسبب جهالة أبي العشراء وأبيه (المسند ٣١/ ٢٧٨ ح ١٨٩٤٧).\n(^٢) قال أبو داود: وهذا في السنن \"لا يصلح\" إلا في المتردية والمتوحش (السنن، الأضاحي، باب ما جاء في ذبيحة المتردية ح ٢٨٢٥)، بعد الحديث مباشرة. وقال الحافظ ابن حجر: من قواه حمله على الوحش والمتوحش (الفتح ٩/ ٦٤١).\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود الملقب بسنيد ضعيف.\n(^٥) ذكره الطبري عند هذه الآية، وقد أخرجه بنحوه من طريق عباد بن راشد عن الحسن البصري، وسنده حسن.\n(^٦) سنده ضعيف بسبب الانقطاع بين عطاء الخراساني وابن عباس ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٧) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن البصري تقدم.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"3","page":312},{"text":"بئر داخل الكعبة، فيها توضع الهدايا، وأموال الكعبة فيه، وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم، فما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم يعدلوا عنه (^١).\nوثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها، وفي أيديهما الأزلام فقال: \"قاتلهم الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدًا\" (^٢).\nوفي الصحيح: أن سراقة بن مالك بن جعشم، لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام، هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره لا تضرهم. قال: فعصيت الأزلام واتبعتهم، ثم إنه استقسم بها ثانية وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره لا تضرهم، وكان كذلك، وكان سراقة لم يُسلم إذ ذاك ثم أسلم بعد ذلك (^٣).\nوروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن يزيد، عن رقبة، عن عبد الملك بن عمير، عن رجاء بن حيوة، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لن يلج الدرجات من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر طائرًا\" (^٤).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ قال: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون (^٥). وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار، فيه نظر، اللهم إلا أن يقال: إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة وفي القمار أخرى، والله أعلم. فإن الله سبحانه قد قرن بينها وبين القمار وهو الميسر فقال في آخر السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة] وهكذا قال ههنا: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أي: تعاطيه فسق وغي وضلالة وجهالة وشرك.\nوقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه. كما روى الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: \"إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، وشره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ١٦٨.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب من كبَّر في نواحي الكعبة (ح ١٦٠١).\n(^٣) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ … (ح ٣٩٠٦).\n(^٤) سنده ضعيف لضعف إبراهيم بن يزيد (الجرح والتعديل ٢/ ١٤٥)، وعدم سماع رجاء من أبي الدرداء (فتح الباري ١٠/ ٢١٣).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد.","vol":"3","page":313},{"text":"ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفني عنه، واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به\" (^١) لفظ أحمد، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي.\nوقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: يئسوا أن يراجعوا دينهم (^٢)، وكذا روي عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان (^٣)، وعلى هذا المعنى يورد الحديث الثابت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم\" (^٤)، ويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين لما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله، ولهذا قال تعالى آمرًا لعباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار ولا يخافوا أحدًا إلا الله، فقال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ أي: لا تخافوهم في مخالفتكم إياهم، واخشوني أنصركم عليهم وأبيدهم، وأظفركم بها، وأشف صدوركم منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل لهم الدين، تمت عليهم النعمة، ولهذا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ أي: فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي أحبه الله ورضيه، وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهو الإسلام، أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدًا (^٥).\nوقال أسباط، عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله ﷺ فمات قالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله ﷺ تلك الحجة فبينما نحن نسير إذ تجلّى له جبريل، فمال رسول الله ﷺ على الراحلة، فلم تطق الراحلة من ثقل\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد ٣/ ٣٤٤، وصحيح البخاري، التهجد، باب ما جاء في المتطوع مثنى مثنى (ح ١١٦٢)، وسنن الترمذي، أبواب الصلاة، باب في صلاة الاستخارة (ح ٤٨٠).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٣) قول عطاء أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو بن داود الملقب بسُنيد: ضعيف، ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث جابر ﵁ (الصحيح، صفات المنافقين، باب تحريش الشيطان … ح ٢٨١٢).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"3","page":314},{"text":"ما عليها من القرآن، فبركت، فأتيته فسجيّت عليه بردًا كان عليّ (^١).\nوقال ابن جريج وغير واحد: مات رسول الله ﷺ بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يومًا، رواهما ابن جرير (^٢)، ثم قال:\nحدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن فضيل، عن هارون بن [عنترة]، عن (^٣) أبيه، قال: لما نزلت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي ﷺ: \"ما يبكيك؟ \" قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، فقال: \"صدقت\" (^٤).\nويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت \"إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: وأي آية؟ قال: قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله ﷺ: عشية عرفة في يوم جمعة (^٦). ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون به. ورواه أيضًا مسلم والترمذي والنسائي أيضًا من طرق عن قيس بن مسلم به (^٧). ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية من طريق سفيان الثوري، عن قيس، عن طارق قال: قالت اليهود لعمر: والله إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدًا. فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله ﷺ حيث أنزلت: يوم عرفة، وأنا والله بعرفة، قال سفيان: وأشك، كان يوم الجمعة أم لا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية (^٨).\nوشك سفيان ﵀ إن كان في الرواية، فهو تورع حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا، وإن كان شكًا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة، فهذا ما أخاله يصدر عن الثوري ﵀، فإن هذا أمر معلوم مقطوع به، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير، ولا من الفقهاء وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة [لا يُشك] (^٩) في صحتها، والله أعلم، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن السدي لم يسمع من أسماء بنت عميس ﵂.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو بن داود ضعيف والإسناد معضل.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"غيره\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان.\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا (ح ١٤٦).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٨٨) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة (ح ٧٢٦٨)، وصحيح مسلم، التفسير (ح ٣٠١٧).\n(^٨) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (ح ٤٦٠٦).\n(^٩) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"لا أشك\".","vol":"3","page":315},{"text":"وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا رجاء بن أبي سلمة، أخبرنا عبادة بن نسي، أخبرنا أميرنا إسحاق، قال أبو جعفر بن جرير - وهو إسحاق بن خرشة - عن قبيصة يعني: ابن ذؤيب، قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأُمة نزلت عليهم هذه الآية، لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه، فقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت، والمكان الذي أنزلت فيه: نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو بكر، حدثنا قبيصة، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار - هو مولى بني هاشم -: أن ابن عباس قرأ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتخذنا يومها عيدًا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد، ويوم جمعة (^٢).\nوقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا يحيى بن الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سليمان، عن أبي عمر البزار، عن ابن الحنفية، عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو قائم عشية عرفة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش، حدثنا عمرو بن قيس السكوني، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ حتى ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة في يوم جمعة (^٤).\nوروى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن موسى بن دحية، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: نزلت هذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ يوم عرفة، ورسول الله ﷺ واقف على الموقف يوم الموقف (^٥).\nفأما ما رواه ابن جرير وابن مردويه والطبراني من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن [حنش] (^٦) بن عبد الله الضعاني، عن ابن عباس قال: ولد نبيكم ﷺ يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الإثنين، وفتح بدرًا يوم الإثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الإثنين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. ورفع الذكر يوم الإثنين (^٧). فإنه أثر غريب، وإسناده ضعيف، وقد رواه الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وتقدم نحوه في الصحيحين.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الترمذي من طريق حماد بن سلمة به وقال: حسن غريب من حديث ابن عباس وهو صحيح (السنن، التفسير، باب ومن سورة المائدة ح ٣٠٤٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٣٨).\n(^٣) يشهد له حديث عمر المتقدم في الصحيحين وفيه: نزلت على رسول الله ﷺ عشية عرفة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له حديث عمر السابق أيضًا.\n(^٥) في سنده عنعنة ابن إسحاق وقتادة، وهذه رواية الحسن عن سمرة. فيها انقطاع ويشهد له حديث عمر المتقدم.\n(^٦) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: \"حبيش\"، وهو تصحيف.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن كثير وهو مخالف لما في الصحيح عن عمر.","vol":"3","page":316},{"text":"حنش الضعاني، عن ابن عباس قال: ولد النبي ﷺ يوم الإثنين، واستنبئ يوم الإثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين، وتوفي يوم الإثنين، ووضع الحجر الأسود يوم الإثنين (^١)، هذا لفظ أحمد، ولم يذكر نزول المائدة يوم الإثنين، فالله أعلم،\nولعل ابن عباس أراد أنها نزلت يوم عيدين اثنين، كما تقدم فاشتبه على الراوي، والله أعلم.\nوقال ابن جرير: وقد قيل: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس (^٢)، ثم روى من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يقول: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس (^٣)، قال: وقد قيل: إنها نزلت على رسول الله ﷺ في مسيره إلى حجة الوداع، ثم رواه من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس.\nقلت: وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري: أنها نزلت على رسول الله ﷺ يوم [غدير] (^٤) خم (^٥) حين قال لعلي: \"من كنت مولاه فعلي مولاه\" (^٦). ثم رواه عن أبي هريرة، وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة يعني مرجعه ﵇ من حجة الوداع (^٧). ولا يصح هذا ولا هذا بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية أنها أنزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعة كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب ﵃، وأرسله الشعبي وقتادة بن دعامة وشهر بن حوشب وغير واحد من الأئمة والعلماء، واختاره ابن جرير [الطبري] (^٨) ﵀.\nوقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناوله، والله غفور رحيم له لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه، ويغفر له، وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى معصيته\" لفظ ابن حبان (^٩)، وفي لفظ لأحمد \"من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة\" (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعفه محققوه بسبب ابن لهيعة (المسند ٤/ ٣٠٤ ح ٢٥٠٦).\n(^٢) هذا القول ذكره ضمن عدة أقوال ثم رجح حديث عمر لصحة سنده أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة (التفسير ٩/ ٥٣١)، ط. شاكر.\n(^٣) طريق العوفي أخرجه الطبري وكذلك طريق أبي جعفر الرازي وسنده جيد لكنه مرسل.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"عزيز\" وهو تصحيف.\n(^٥) غدير خم هو: واد بين مكة والمدينة عند الجحفة به غدير، (ينظر معجم البلدان ٢/ ٣٨٩ و٤/ ١٨٨).\n(^٦) سنده ضعيف جدًّا بسبب أبي هارون العبدي وهو عمارة بن جوين متروك - ومنهم من كذبه -، شيعي (التقريب ص ٤٠٨).\n(^٧) ضعفه الحافظ ابن كثير أيضًا وضعفه السيوطي في الدر المنثور.\n(^٨) زيادة من (مح).\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٠/ ١١٢ ح ٥٨٧٣)، وحسن إسناده محققوه، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٦/ ٤٥١ ح ٢٧٤٢)، قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (المجمع ٣/ ١٦٢)، وصححه الألباني \"إرواء الغليل ح ٥٦٤).\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عمر ﵄، ضعفه محققوه بسبب ابن لهيعة (المسند ٩/ ٢٩٠ ح ٥٣٩٢)، =","vol":"3","page":317},{"text":"ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبًا في بعض الأحيان وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا بحسب الأحوال.\nواختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق، أو له أن يشبع أو يشبع ويتزود؟ على أقوال كما هو مقرر في كتاب الأحكام، وفيما إذا وجد ميتة وطعام الغير أو صيدًا وهو محرم، هل يتناول الميتة أو ذلك الصيد ويلزمه الجزاء أو ذلك الطعام ويضمن بدله، على قولين: هما قولان للشافعي ﵀. وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعامًا كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي، أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة (^١)، فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال: \"إذا لم تصطبحوا (^٢)، ولم تغتبقوا (^٣)، ولم تحتفئوا (^٤) بها بقلًا (^٥) فشأنكم بها\" (^٦) تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين، وكذا رواه ابن جرير عن عبد الأعلى بن واصل عن محمد بن القاسم الأسدي عن الأوزاعي به (^٧)، لكن رواه بعضهم عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن مسلم بن يزيد، عن أبي واقد به (^٨) [ومنهم من رواه عن الأوزاعي، عن حسان، عن مرثد أو أبي مرثد عن أبي واقد به] (^٩) (^١٠). ورواه ابن جرير عن هناد بن السري، عن عيسى بن يونس، عن حسان، عن رجل قد سمي له فذكره، ورواه أيضًا عن هناد، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان مرسلًا (^١١).\nوقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة فقرأته عليه، فكان فيه: ويجزئ من الاضطرار غبوق أو صبوح (^١٢).\nحدثنا أبو كريب، حدثنا هشيم عن الخصيب بن زيد التميمي، حدثنا الحسن: أن رجلًا سأل\n_________\n= وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٣/ ١٦٥)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^١) المخمصة: المجاعة.\n(^٢) تصطبحوا: من الصَّبوح وهو الشرب أول النهار، كما في حاشية السندي على المسند.\n(^٣) تغتبقوا: من الغبوق وهو الثرب آخر النهار، كما في حاشية السندي على المسند.\n(^٤) تحتفئوا: من الحُفا مهموز مقصور، وهو أصل البرديّ الأبيض الرطب منه وقد يؤكل، يقول: ما لم تقتلعوا هذا بعينه فتأكلوه.\n(^٥) البقل هو ما نبت في بزره (النهاية ١/ ٢٧٧).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه بالشواهد (المسند ٣٦/ ٢٣٢ ح ٢١٩٠١).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد المسند ٥/ ٢١٨، والطبري والحاكم من طريق الأوزاعي به (المستدرك ٤/ ١٢٥)، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه انقطاع. اص. ويتقوى بسابقه.\n(^٨) أخرجه الطبراني من طريق الأوزاعي به (المعجم الكبير ٣/ ٢٨٤).\n(^٩) زيادة من (حم).\n(^١٠) أخرجه الطبراني (المصدر السابق).\n(^١١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه رجل مبهم ويتقوى بسابقه الصحيح.\n(^١٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويتقوى أيضًا بشاهده السابق الصحيح. وتقدم معنى الغبوق والصبوح.","vol":"3","page":318},{"text":"النبي ﷺ فقال: متى يحل الحرام؟ قال: فقال: \"إلى متى يروى أهلك من اللبن أو تجيء ميرتهم\" (^١).\nحدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، حدثني عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة بن الزبير، عن جدته: أن رجلًا من الأعراب أتى النبي ﷺ يستفتيه في الذي حرّم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي ﷺ: \"يحل لك الطيبات، ويحرم عليك الخبائث، إلا أن تفتقر إلى طعام لك، فتأكل منه حتى تستغني عنه\". فقال الرجل: وما فقري الذي يحل لي وما غنائي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي ﷺ: \"إذا كنت ترجو غناء تطلبه فتبلغ من ذلك شيئًا فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه\" فقال الأعرابي: ما غنائي الذي أدعه إذا وجدته، فقال ﷺ: \"إذا أرويت أهلك غبوقًا من الليل، فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام مالك، فإنه ميسور كله فليس فيه حرام\" (^٢).\nومعنى قوله: \"ما لم تصطبحوا\" يعني: به الغداء \"وما لم تغتبقوا\" يعني: به العشاء \"أو تحتفئوا بقلًا فشأنكم بها\" فكلوا منها. وقال ابن جرير: يروى هذا الحرف، يعني قوله: \"أو تحتفئوا\" على أربعة أوجه: تحفؤا بالهمزة، وتحتفيوا: بتخفيف الياء والحاء، وتحتفّوا بتشديد، وتحتفوا بالحاء وبالتخفيف، ويحتمل الهمز، كذا رواه في التفسير (^٣).\n(حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا وهب بن عقبة العامري، سمعت أبي يحدث عن النجيع العامري أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: ما يحل لنا من الميتة؟ قال: \"ما طعامكم\"؟ قلنا: نصطبح ونغتبق. قال أبو نعيم (^٤): فسره لي عقبة، قدح غدوة وقدح عشية، قال: ذاك وأبي الجوع، وأحل لهم الميتة على هذه الحال (^٥). تفرد به أبو داود وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئًا لا يكفيهم، فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع، ولا يتقيد ذلك بسد الرمق، والله أعلم.\n(حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا سماك، عن جابر، عن سمرة: أن رجلًا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال له رجل: إن ناقتي ضلّت، فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها ولم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت له امرأته: انحرها فأبى، فنفقت (^٦) فقالت له امرأته: اسلخها حتى تقدد شحمها ولحمها فنأكله، قال: لا حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتاه فسأله، فقال: \"هل عندك غنى يغنيك؟ \" قال: لا، قال: \"فكلوها\" قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال استحييت منك (^٧). تفرد به.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ضعيف.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي.\n(^٣) ذكره الطبري في آخر تفسير هذه الآية.\n(^٤) هو الفضل بن دكين.\n(^٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأطعمة، باب في المضطر إلى الميتة ح ٣٨١٧)، وقال الحافظ ابن حجر إسناد لا بأس به (الإصابة ٨/ ٨٢)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٨٢٢)، ويشهد له ما تقدم من صحيح.\n(^٦) نفقت أي: ماتت.\n(^٧) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأطعمة، باب في المضطر إلى الميتة ح ٣٨١٦)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢٣٤).","vol":"3","page":319},{"text":"وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها والله أعلم.\nوقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ أي: متعاط لمعصية الله، فإن الله قد أباح ذلك له وسكت عن الآخر، [كما قال في سورة البقرة] (^١): ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [١٧٣] وقد استدل بهذه الآية من يقول بأنّ العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر، لأن الرخص لا تنال بالمعاصي، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-673\"></span>﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾.\nلما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها إما في بدنه أو في دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [لأنعام: ١١٩] قال بعدها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كما قال في سورة الأعراف في صفة محمد ﷺ أنه ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [١٥٧].\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن أبي بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل (^٢) الطائيين، سألا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله قد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (^٣). قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل: الطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق، وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي فقال: ليس هو من الطيبات، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن وهب: سئل مالك عن بيع الطير الذي يأكله الناس، فقال: ليس هو من الطيبات.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ أي: أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، والطيبات من الرزق، وأحل لكم ما صدتموه بالجوارح، وهي الكلاب والفهود والصقور وأشباهها، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، وممن قال ذلك علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٤) في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ وهن الكلاب المعلمة، والبازي، وكل طير يعلم للصيد والجوارح، يعني: الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها. رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن خيثمة وطاوس ومجاهد ومكحول ويحيى بن أبي كثير نحو ذلك (^٥).\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) زيد بن مهلهل هو زيد الخيل بن مهلهل بن زيد بن منهب الطائي وفد سنة تسع وسماه النبي ﷺ زيد الخير (الإصابة ١/ ٥٥٥).\n(^٣) في سنده ابن لهيعة فيه مقال.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٥) قول خيثمة أخرجه الطبري من طريق طلحة اليامي عنه، ويتقوى بسابقه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند =","vol":"3","page":320},{"text":"وروي عن الحسن أنه قال: الباز والصقر من الجوارح، وروي عن علي بن الحسين مثله (^١)، ثم روي عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله، وقرأ قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ قال: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك.\nونقله ابن جرير عن الضحاك والسدي (^٢)، ثم قال: حدثنا هناد، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أما ما صاد من الطير البازات وغيرها من الطير، فما أدركت فهو لك وإلا فلا تطعمه (^٣).\nقلت: والمحكي عن الجمهور إن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب لأنه تكلب الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب، فلا فرق، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم واختاره ابن جرير، واحتج في ذلك بما رواه عن هناد، حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد، عن الشعبي، عن [عدي بن حاتم] (^٤) قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي فقال: \"ما أمسك عليك فكل\" (^٥).\nواستثنى الإمام أحمد صيد الكلب الأسود، لأنه عنده مما يجب قتله ولا يحل اقتناؤه لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذرّ أن رسول الله ﷺ قال: \"يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود\" فقلت: ما بال الكلب الأسود من الأحمر؟ فقال: \"الكلب الأسود شيطان\" (^٦).\nوفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم قال: \"ما بالهم وبال الكلاب، اقتلوا منها كل أسود بهيم\" (^٧).\nوسميت هذه الحيوانات [التي] (^٨) يصطاد بهن جوارح من الجرح، وهو الكسب، كما تقول العرب: فلان جرح أهله خيرًا؛ أي: كسبهم خيرًا، ويقولون: فلان لا جارح له؛ أي: لا كاسب له، وقال الله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: ما كسبتم من خير وشر، وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية الشريفة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن\n_________\n= صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه. وقول طاوس أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه (المصنف رقم ٨٤٩٧).\n(^١) قول الحسن أخرجه الطبري بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، وقول علي بن الحسين أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق نافع عنه.\n(^٢) ما نقله الطبري عن الضحاك والسدي هو الاقتصار على ذكر الكلاب دون ذكر الطير، وسنده إلى السدي حسن من طريق أسباط.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن نافع به (المصنف رقم ٨٥٢٠).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"عدي بن أبي حاتم\"، وهو خطأ.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده مجالد ليس بالقوي كما في التقريب. وأخرجه أبو داود بنحوه وصححه الألباني بدون ذكر الباز (سنن أبي داود، الصيد، باب في الصيد ح ٢٨٥١، وصحيح السنن ح ٢٤٧٧).\n(^٦) صحيح مسلم، الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي (ح ٥١٠).\n(^٧) أخرج مسلم بلفظ: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب (الصحيح، المساقاة، باب الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه ح ١٥٧٣).\n(^٨) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"اللاتي\".","vol":"3","page":321},{"text":"حمزة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبان بن صالح، عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى أم رافع، عن [أبي رافع] (^١) مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، فقلت: فجاء الناس فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت؟ فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: \"إذا أرسل الرجل كلبه وسمى، فأمسك عليه، فليأكل ما لم يأكل\" (^٢).\nوهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن زبد بن الحباب بإسناده، عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ليستأذن عليه، فأذن له، فقال: قد أذنَّا لك يا رسول الله، قال: أجل \"ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب\" قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاؤوا فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقلتها؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (^٣).\nورواه الحاكم في مستدركه من طريق محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح به، وقال: صحيح، ولم يخرجاه (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع في قتل الكلاب حتى بلغ العوالي، فجاء عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة، فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (^٥).\nورواه الحاكم من طريق سماك عن عكرمة (^٦)، وكذا قال محمد بن كعب القرظي في سبب نزول هذه الآية: أنه في قتل الكلاب (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ يحتمل أن يكون حالًا من الفاعل ويحتمل أن يكون حالًا من المفعول، وهو الجوارح، أي وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو أظفارها، فيستدل بذلك والحالة هذه على أن الجارح إذا قتل الصيد بصدمته لا بمخلابه وظفره، أنه لا يحل له، كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء، ولهذا قال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أنه إذا أرسله استرسل، وإذا أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"ابن رافع\" وهو تصحيف.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى أيضًا.\n(^٤) المستدرك ٢/ ٣١١، وفيه عنعنة محمد بن إسحاق.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه الحسين وهو ابن داود الملقب بسُنيد: ضعيف، وفيه إرسال عكرمة.\n(^٦) الذي رواه الحاكم من هذا الطريق غير هذا المتن إذ أورده بعد رواية ابن إسحاق مباشرة (المستدرك ٢/ ٣١١).\n(^٧) أخرجه الطبري وفيه إبهام الراوي عن محمد بن كعب، وإرسال محمد بن كعب، فسنده ضعيف.","vol":"3","page":322},{"text":"اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فمتى كانت الجارحة معلمًا وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إرساله، حل الصيد وإن قتله بالإجماع. وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله! فقال: \"إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك\". قلت: وإن قتلن؟ قال: \"وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره\" قلت له: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: \"إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ فلا تأكله\" (^١).\nوفي لفظ لهما: \"وإذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيًا، فاذْبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته\".\nوفي رواية لهما: \"فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه\" فهذا دليل للجمهور، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقًا، ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث، وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لا يحرم مطلقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-103>ذكر الآثار بذلك:</span>\nقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: قال سلمان الفارسي: كل وإن أكل ثلثيه - يعني: الصيد - إذا أكل منه الكلب، وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وعمر بن عامر عن قتادة، وكذا رواه محمد بن زيد، عن سعيد بن المسيب عن سلمان (^٢)، ورواه ابن جرير أيضًا عن مجاهد بن موسى، عن يزيد، عن حميد، عن بكر بن عبد الله المزني، [والقاسم أن سلمان] (^٣) قال: إذا أكل الكلب فكل، وإن أكل ثلثيه (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن حميد بن مالك بن خُثيم الدؤلي أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب، فقال: كل وإن لم يبق منه إلا حذية، يعني: بضعة (^٥)، ورواه شعبة عن عبد ربه بن سعيد، عن بكير بن الأشج، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص، قال: كل وإن أكل ثلثيه (^٦).\n_________\n(^١) تقدم عزوه في الآية السابقة عند تفسير \"الموقوذة\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ومتنه وهذه الأسانيد، وفيه سعيد بن المسيب لم يسمع من سلمان الفارسي وقد أشار الطبري إلى ذلك كما سيأتي، وحكم عليه الحافظ ابن كثير ضمن الأسانيد الثابتة في هذه الرواية كما سيأتي، وله شواهد عن ابن عمر وسعد بن أبي وقاص ﵃ كما سيأتي.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"القاسم بن سلمان\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وبكر والقاسم لم يسمعا من سلمان الفارسي.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق بكير والد مخرمة به (المصنف ٥/ ٣٨٥)، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويتقوى بسابقه.","vol":"3","page":323},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عامر، عن أبي هريرة، قال: إذا أرسلت كلبك فأكل منه، فإن أكل ثلثيه وبقي ثلثه فكله (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر قال: سمعت عبد الله، وحدثنا هناد، حدثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك، أكل أو لم يأكل (^٢). وكذا رواه عبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب وغير واحد عن نافع (^٣).\nفهذه الآثار ثابتة عن سلمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وابن عمر، وهو محكي عن علي وابن عباس، واختلف فيه عن عطاء والحسن البصري، وهو قول الزهري وربيعة ومالك، وإليه ذهب الشافعي في القديم وأومى إليه في الجديد.\nوقد روي من طريق سلمان الفارسي مرفوعًا، فقال ابن جرير: حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى اللاحوني، حدثنا محمد بن دينار وهو الطاحي، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال: \"إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه فليأكل ما بقي\" ثم قال ابن جرير: وفي إسناد هذا الحديث نظر، وسعيد غير معلوم له سماع من سلمان، والثقات يروونه من كلام سلمان غير مرفوع (^٤). وهذا الذي قاله ابن جرير صحيح، لكن قد روي هذا المعنى مرفوعًا من وجوه أُخر، فقال أبو داود: حدثنا محمد بن المنهال الضرير، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن أعرابيًا يقال له: أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، إن لي كلابًا مُكلّبة، فأفتني في صيدها، فقال النبي ﷺ: \"إن كان لك كلاب مُكلّبة، فكل مما أمسكن عليك\" فقال: ذكيًا وغير ذكي، وإن أكل منه؟ قال: \"نعم، وإن أكل منه\" فقال: يا رسول الله أفتني في قوسي، قال: \"كل ما ردت عليك قوسك\" قال: ذكيًا وغير ذكي؟ \"وإن تغيب عنك ما لم يضلّ أو تجد فيه أثر غير سهمك\" قال: أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها، قال: \"اغسلها وكل فيها\" (^٥). هكذا رواه أبو داود، وقد أخرجه النسائي، وكذا رواه أبو داود من طريق يونس بن سيف، عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك\" (^٦) وهذان إسنادان جيدان.\nوقد روى الثوري عن سماك بن حرب، عن عدي قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما كان من كلب\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقد حكم عليه الحافظ ابن كثير بأنَّه من الأسانيد الثابتة، كما سيأتي بعد الرواية التالية.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق عن نافع به (المصنف رقم ٨٥١٦)، وسنده صحيح.\n(^٣) كلا الروايتين في الطبري بمسندين صحيحين.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وتعليقه، وفد أورد الحافظ ابن كثير التعليق باختصار، وهو تعليق نفيس جدير بإيراده كله.\n(^٥) (^٦) تقدم تخريجهما في الآية السابقة.","vol":"3","page":324},{"text":"ضار أمسك عليك فكل\" قلت: وإن أكل؟ قال: \"نعم\" (^١).\nوروى عبد الملك بن حبيب: حدثنا أسد بن موسى عن ابن أبي زائدة، عن الشعبي، عن عدي بمثله (^٢).\nفهذه آثار دالة على أنه يغتفر، وإن أكل منه الكلب، وقد احتج بها من لم يحرم الصيد بأكل الكلب وما أشبهه، كما تقدم عمن حكيناه عنهم، وقد توسط آخرون فقالوا: إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم لحديث عدي بن حاتم، وللعلة التي أشار إليها النبي ﷺ: \"فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه\" وأما إن أمسكه ثم انتظر صاحبه فطال عليه وجاع فأكل منه لجوعه، فإنه لا يؤثر في التحريم وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني. وهذا تفريق حسن، وجمع بين الحديثين صحيح.\nوقد تمنى الأستاذ أبو المعالي الجويني في كتابه \"النهاية\" أن لو فصل مفصل هذا التفصيل وقد حقق الله أمنيته، وقال بهذا القول والتفريق طائفة من الأصحاب منهم (^٣).\nوقال آخرون قولًا رابعًا في المسألة وهو التفرقة بين أكل الكلب فيحرم لحديث عدي، وبين أكل الصقور ونحوها فلا يحرم لأنه لا يقبل التعليم إلا بالأكل.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن عباس أنه قال في الطير: إذا أرسلته فقتل فكل، فإن الكلب إذا ضربته لم يعد وإن تعلم الطير أن يرجع إلى صاحبه وليس يضرب، فإذا أكل من الصيد ونتف الريش فكل (^٤). وكذا قال إبراهيم النخعي والشعبي وحماد بن أبي سليمان (^٥)، وقد يحتج لهؤلاء بما رواه ابن أبي حاتم، حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فما يحل لنا منها؟ قال: \"يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ثم قال ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك \" قلت: وإن قتل؟ قال: \"وإن قتل ما لم يأكل\" قلت: يا رسول الله، وإن خالطت كلابنا كلابًا غيرها؟ قال: \"فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك هو الذي أمسك\". قال: قلت: إنا قوم نرمي فما يحل لنا؟ قال: \"ما ذكرت اسم الله عليه وخزقت فكل\" (^٦). فوجه الدلالة لهم أنه اشترط في الكلب أن لا يأكل، ولم يشترط ذلك في البزاة، فدل على التفرقة بينهما في الحكم، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أي: عند إرساله كما قال النبي ﷺ\n_________\n(^١) في سنده سماك بن حرب لم يسمع من عَدي، ولكنه توبع في الرواية التالية الصحيحة فيكون سنده حسنًا لغيره.\n(^٢) أخرجه البخاري من طريق زكريا بن أبي زائدة به (الصحيح، الذبائح والصيد، باب التسمية على الصيد ح ٥٤٧٥).\n(^٣) في الأصل: بياض مقدار نصف سطر، وفي (مح) بياض مقدار سطر.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه إبراهيم النخعي لم يسمع من ابن عباس.\n(^٥) أخرج الطبري عنهم ثلاثتهم بأسانيد صحاح عنهم.\n(^٦) في سنده مجالد وهو ابن سعيد الهمداني، ليس بالقوي (التقريب ص ٥٢١).","vol":"3","page":325},{"text":"لعدي بن حاتم: \"إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك\"، وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضًا: \"إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله\" (^١). ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة كالإمام أحمد ﵀ في المشهور عنه، التسمية عند إرسال الكلب، والرمي بالسهم، لهذه الآية وهذا الحديث، وهذا القول هو المشهور عن الجمهور أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال كما قال السدي وغيره (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يقول: إذا أرسلت جارحك فقل: باسم الله، وإن نسيت فلا حرج (^٣). وقال بعض الناس: المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ علم ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال: \"سمّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك\" (^٤).\nوفي صحيح البخاري عن عائشة أنهم قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا حديث عهدهم بكفر بلحمان لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فقال: \"سموا الله أنتم وكلوا\" (^٥).\n(حديث آخر) وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا هشام، عن بُديل، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي ﷺ: \"أما إنه لو كان ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم طعامًا فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله، فليقل: باسم الله أوله وآخره\" (^٦)، وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون به (^٧)، وهذا منقطع بين عبد الله بن عبيد بن عمير وعائشة فإنه لم يسمع منها هذا الحديث بدليل ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا هشام - يعني ابن أبي عبد الله الدستوائي -، عن بُديل، عن عبد الله بن عبيد بن عمير: أن امرأة منهم يقال لها أم كلثوم حدثته عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يأكل طعامًا في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي جائع فأكله بلقمتين، فقال: \"أما إنه لو ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي اسم الله في أوله، فليقل: باسم الله أوله وآخره\" (^٨) رواه أحمد أيضًا وأبو داود والترمذي والنسائي من غير وجه عن هشام الدستوائي به،\n_________\n(^١) تقدم تخريجهما في الآية السابقة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٤) صحيح البخاري، الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين (ح ٥٣٧٦)، وصحيح مسلم، الأشربة، باب آداب الطعام والشراب (ح ٢٠٢٢).\n(^٥) صحيح البخاري، الذبائح والصيد، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم (ح ٥٥٠٧).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٤٣)، وسنده ضعيف للانقطاع الذي ذكره الحافظ ابن كثير، ويتقوى بلاحقه.\n(^٧) سنن ابن ماجه، الأطعمة، باب في التسمية عند الطعام (ح ٣٢٦٤).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٦٥)، وأخرجه الترمذي (السنن، الأطعمة، باب ما جاء في التسمية على الطعام (ح ١٨٥٨)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٥١٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٠٨).","vol":"3","page":326},{"text":"وقال الترمذي: حسن صحيح (^١).\n(حديث آخر) وقال أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا جابر بن صبح، حدثني المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي وصحبته إلى واسط، فكان يسمي في أول طعامه، وفي آخر لقمة يقول: باسم الله أوله وآخره، فقلت له: إنك تسمي في أول ما تأكل، أرأيت قولك في آخر ما تأكل باسم الله أوله وآخره، فقال: أخبرك أن جدي أمية بن مخشي وكان من أصحاب النبي ﷺ سمعته يقول: إن رجلًا كان يأكل والنبي ينظر فلم يسم حتى كان آخر طعامه لقمة، قال: باسم الله أوله وآخره، فقال النبي ﷺ: \"والله ما زال الشيطان يأكل معه حتى سمى، فلم يبق شيء في بطنه حتى قاءه\" (^٢) وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث جابر بن صبح الراسبي أبي بشر البصري (^٣)، ووثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو الفتح الأزدي: لا تقوم به حجة.\n(حديث آخر) [قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن خيثمة، عن أبي حذيفة] (^٤) - قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد واسمه سلمة بن الهيثم بن صهيب من أصحاب ابن مسعود - عن حذيفة، قال: كنا إذا حضرنا مع النبي على طعام لم نضع أيدينا خى يبدأ رسول الله فيضع يده، وإنا حضرنا معه طعامًا، فجاءت جارية كأنما تدفع فذهبت تضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، وجاء أعرابي كأنما يدفع فذهب يضع يده في الطعام فأخذ رسول الله بيده، فقال رسول الله ﷺ: \"إن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما\" يعني: الشيطان (^٥). وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث الأعمش به.\n(حديث آخر) روى مسلم وأهل السنن، إلا الترمذي من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل ولم يذكر اسم الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء\" لفظ أبي داود (^٦).\n_________\n(^١) المصدر السابق والمسند ٦/ ٢٠٧، ٢٠٨.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعفه محققوه لجهالة المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي (المسند ٣١/ ٢٩٦ ح ١٨٩٦٣).\n(^٣) سنن أبي داود، الأطعمة، باب التسمية على الطعام (ح ٣٧٦٨)، والسنن الكبرى للنسائي، الوليمة، باب ما يقول إذا نسي التسمية (ح ١٠١١٣)، ومسند كسابقه.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وسقط من الأصل.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٨٢)، وسنده صحيح وأخرجه مسلم من طريق الأعمش به (الصحيح، الأشربة باب آداب الطعام والشراب ح ٢٠١٧).\n(^٦) صحيح مسلم، الأشربة، باب آداب الطعام (ح ٢٠١٨)، وسنن أبي داود، الأطعمة، باب التسمية على الطعام (ح ٣٧٦٥)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٦٧٥٧)، وسنن ابن ماجه، الدعاء، باب ما يدعو به إذا دخل بيته (ح ٣٨٨٧).","vol":"3","page":327},{"text":"(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن وحشي بن حرب، عن أبيه، عن جده، أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إنا نأكل ولا نشبع. قال: \"فلعلكم تأكلون متفرقين اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه\" ورواه أبو داود، وابن ماجه، من طريق الوليد بن مسلم (^١).\n\n<span id=\"aya-674\"></span>﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾.\nلما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين، من الخبائث وما أحله لهم من الطيبات. قال بعده ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين، من اليهود والنصارى فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس، وأبو أمامة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء، والحسن، ومكحول، وإبراهيم النخعي، والسدي ومقاتل بن حيان: يعني ذبائحهم (^٢).\nوهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن ذبائحهم حلال للمسلمين، لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه، تعالى وتقدس.\nوقد ثبت في الصحيح: عن عبد الله بن مغفل، قال: أدلي بجراب من شحم يوم خيبر فحضنته وقلت: لا أعطي اليوم من هذا أحدًا، والتفت فإذا النبي ﷺ يبتسم (^٣).\nفاستدل به الفقهاء، على أنه يجوز تناول ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة، قبل القسمة، وهذا ظاهر، واستدل به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة، على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم، كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم، فالمالكية لا يجوزون للمسلمين أكله، لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قالوا: وهذا ليس من طعامهم، واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث، وفي ذلك نظر، لأنه قضية عين، ويحتمل أن يكون شحمًا، يعتقدون حله كشحم الظهر والحوايا ونحوهما، والله أعلم، وأجود منه في الدلالة، ما ثبت في الصحيح، أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله ﷺ شاة مَصليّة، وقد سموا ذراعها وكان يعجبه الذراع، فتناوله فنهش منه نهشة فأخبره الذراع أنه مسموم فلفظه، وأثر ذلك في ثنايا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ٤٨٥ ح ١٦٠٧٨)، وحسنه محققوه بالشواهد، وأخرجه أبو داود (السنن، الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام ح ٣٧٦٤)، وابن ماجه (السنن، الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام ح ٣٢٨٦)، كلاهما من طريق الوليد بن مسلم به، وحسنه العراقي (تخريج إحياء علوم الدين ٢/ ٥)، وقال الساعاتي: إسناده جيد (الفتح الرباني ١٧/ ٨٨)، وأخرجه ابن حبان من الطريق نفسه (الإحسان ح ٥٢٢٤).\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه عبد الرزاق من طريق الثوري عن عاصم الأحول عن عكرمة عنه (المصنف رقم ٨٥٨٣)، وسنده حسن، وقول عطاء والحسن البصري وعكرمة أخرَجه الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٣) صحيح البخاري، الذبائح والصيد، باب ذبائح أهل الكتاب (ح ٥٥٠٨)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب (ح ١٧٧٢).","vol":"3","page":328},{"text":"رسول الله ﷺ وفي أبهره، وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور فمات فقتل اليهودية التي سمتها (^١)، وكان اسمها زينب، ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه، ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا.\nوفي الحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ، أضافه يهودي، على خبز شعير وإهالة سَنِخَة (^٢) (^٣)، يعني: وَدكًا [زنخًا] (^٤) [يعني متغيرًا] (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان بن المنذر، عن مكحول قال: أنزل الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ثم نسخه الرب ﷿، ورحم المسلمين فقال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب (^٦). وفي هذا الذي قاله مكحول ﵀ نظر، فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب، إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم، وهم متعبدون بذلك، ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك، ومن شابههم، لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة ومن يتمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء، على أحد قولي العلماء ونصارى العرب، كبني تغلب وتنوخ [وبهرًا] (^٧) وجذام ولخم وعاملة ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور.\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد عن عبيدة، قال: قال علي: لا تأكلوا ذبائح بني تغلب، لأنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر (^٨)، وكذا قال غير واحد من الخلف والسلف.\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن، أنهما كانا لا يريان بأسًا، بذبيحة نصارى بني تغلب (^٩).\nوأما المجوس، فإِنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعًا وإلحاقًا لأهل الكتاب، فإنهم لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، خلافًا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل. ولما قال ذلك واشتهر عنه، أنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال عنه الإمام أحمد: أبو ثور كاسمه، يعني في هذه المسألة، وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلًا\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الجزية والموادعة، باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم؟ (ح ٣١٦٩).\n(^٢) إهالة سَنِخَة: كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به (النهاية ١/ ٨٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد من حديث أنس وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط مسلم (المسند ٢١/ ٣٤٤ ح ١٣٨٦٠).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"زنخانة\" وهو تصحيف.\n(^٥) زيادة من (مح).\n(^٦) سنده ضعيف مرسل.\n(^٧) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"نمرا\".\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن حجر (الفتح ٩/ ٦٣٧).\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة به.","vol":"3","page":329},{"text":"عن النبي ﷺ أنه قال: \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\" (^١) ولكن لم يثبت بهذا اللفظ، وإنما الذي في صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ، أخذ الجزية من مجوس هجر (^٢)، ولو سلم صحة هذا الحديث، فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فدل بمفهومه مفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان، لا يحل.\nوقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، وليس هذا إخبارًا عن الحكم عندهم، اللهم إلا أن يكون خبرًا عما أمروا به، من الأكل من كل طعام، ذكر اسم الله عليه، سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها، والأول أظهر في المعنى، أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة، كما ألبس النبي ﷺ ثوبه لعبد الله بن أبي بن سلول، حين مات ودفنه فيه (^٣). قالوا: لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه، فجازاه النبي ﷺ ذلك بذلك (^٤). فأما الحديث الذي فيه \"لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي\" (^٥) فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وذكر هذا توطئة لما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فقيل أراد بالمحصنات الحرائر، دون الإماء، حكاه ابن جرير عن مجاهد (^٦)، وإنما قال مجاهد: المحصنات الحرائر، فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة، كما قال في الرواية الأخرى عنه، وهو قول الجمهور ههنا، وهو الأشبه، لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية، وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: \"حشفًا وسوء كيلة\" والظاهر من الآية أن المراد من المحصنات العفيفات عن الزنا، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هل يعم كل كتابية عفيفة، سواء كانت حرة أو أمة، حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف، ممن فسر المحصنة بالعفيفة، وقيل: المراد بأهل الكتاب ههنا الإسرائيليات، وهو مذهب الشافعي. وقيل: المراد بذلك الذميات دون الحربيات، لقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩]، وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية، ويقول: لا أعلم شركًا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام مالك من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن عمر، (الموطأ، الزكاة، باب جزية أهل الكتاب والمجوس ح ٤٢)، وسنده ضعيف لأن محمد بن علي لم يسمع من عمر.\n(^٢) صحيح البخاري، الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب (ح ٣١٥٧).\n(^٣) أخرجه الشيخان صحيح البخاري، الجنائز، باب الكفن في القميص … (ح ١٢٦٩)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٧٤).\n(^٤) صحيح البخاري، الجهاد، باب الكسوة للأسارى (ح ٣٠٠٨).\n(^٥) أخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب من يؤمر أن يجالس ح ٤٨٣٢)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٤٥)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٢٨).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"3","page":330},{"text":"[أعظم] (^١) من أن تقول: إن ربها عيسى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (^٢) الآية [البقرة: ٢٢١].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب، حدثنا القاسم بن مالك - يعني: المزني -، حدثنا إسماعيل بن سميع، عن أبي مالك الغفاري، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قال: فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فنكح الناس نساء أهل الكتاب (^٣).\nوقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى، ولم يروا بذلك بأسًا أخذًا بهذه الآية الكريمة ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فجعلوا هذه مخصصة للتي في سورة البقرة ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ إن قيل: بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها وبينها، لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ [البينة] وكقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران: ٢٠].\nوقوله: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن؛ أي: كما هن محصنات عفائف فابذلوا لهن المهور عن طيب نفس، وقد أفتى جابر بن عبد الله وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري، بأن الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله بها أنه يفرق بينهما، وترد عليه ما بذل لها من المهر. رواه ابن جرير عنهم (^٤).\nوقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ فكما شرط الإحصان في النساء، وهي العفة عن الزنا، كذلك شرطها في الرجال، وهو أن يكون الرجل أيضًا محصنًا عفيفًا، ولهذا قال: غير مسافحين، وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم، ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ أي: ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن، كما تقدم في سورة النساء سواء، ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنا لهذه الآية وللحديث \"لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله\" (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن الحسن، قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع أحدًا أصاب فاحشة في\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وسقط من الأصل.\n(^٢) صحيح البخاري، الطلاق، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ …﴾ [البقرة: ٢٢١] ح ٥٢٨٥).\n(^٣) سنده مرسل لأن أبا مالك الغفاري تابعي.\n(^٤) رواه عنهم بأسانيد صحاح عنهم أربعتهم.\n(^٥) أخرجه أبو داود بسند حسن من طريق عمرو بن شعيب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة (السنن، النكاح، باب في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] ح ٢٠٥٢) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٠٧)، وأخرجه الحاكم من الطريق نفسه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٦٦).","vol":"3","page":331},{"text":"الإسلام أن يتزوج محصنة، فقال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين، الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب (^١). وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى عند قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور]، ولهذا قال تعالى ههنا ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-675\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾.\nقال كثيرون من السلف في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ يعني: وأنتم محدثون، وقال آخرون: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، وكلاهما قريب. وقال آخرون: بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حق المحدث واجب، وفي حق المتطهر ندب، وقد قيل: إن الأمر بالوضوء لكل صلاة كان واجبًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ.\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله، إنك فعلت شيئًا لم تكن تفعله. قال: \"إني عمدًا فعلته يا عمر\" (^٢). وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، ووقع في سنن ابن ماجه عن سفيان، عن محارب بن دثار بدل علقمة بن مرثد، كلاهما عن سليمان بن بريدة به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عباد بن موسى، أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي، حدثنا الفضل بن المبشر قال: رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدث، توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين، فقلت: أبا عبد الله، أشيء تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت النبي ﷺ يصنعه، فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله يصنعه (^٤).\nوكذا رواه ابن ماجه عن إسماعيل بن توبة، عن زياد البكائي به (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن الحسن لم يسمع من عمر ﵁.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٥٨)، وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد (ح ٢٧٧)، وسنن الترمذي، الطهارة، باب الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد (ح ١٧٢).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ضعفه البوصيري بسبب الفضل بن مبشر (مصباح الزجاجة ١/ ٢٠٢)، ويشهد له سابقه.\n(^٥) سنن ابن ماجه، الطهارة، باب الوضوء لكل صلاة … (ح ٥١١)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٤١٣)، ولعله صححه بالشاهد المتقدم.","vol":"3","page":332},{"text":"وقال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، عمن هو؟ قال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل، حدثها أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث، فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك كان يفعله حتى مات (^١). وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عوف الحمصي، عن أحمد بن خالد الوهبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ثم قال أبو داود: ورواه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، فقال عبيد الله بن عمر (^٢): يعني كما تقدم في رواية الإمام أحمد، وأيًا ما كان، فهو إسناد صحيح، وقد صرح ابن إسحاق فيه بالتحديث والسماع من محمد بن يحيى بن حبان، فزال محذور التدليس، لكن قال الحافظ ابن عساكر: رواه سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن محمد بن يحيى بن حبان به، والله أعلم، وفي فعل ابن عمر هذا ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة دلالة على استحباب ذلك، كما هو مذهب الجمهور.\nوقال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا [أزهر، عن ابن عون] (^٣)، عن ابن سيرين: أن الخلفاء كانوا يتوضؤون لكل صلاة (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت مسعود بن علي الشيباني، سمعت عكرمة يقول: كان علي ﵁ يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية (^٥).\nوحدثنا ابن المثنى، حدثني وهب بن جرير، أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: رأيت عليًا صلى الظهر ثم قعد للناس في الرحبة، ثم أتى بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مسح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث (^٥).\nوحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: أن عليًا اكتال من حب، فتوضأ وضوءًا فيه تجوز، فقال: هذا وضوء من لم يحدث (^٥). وهذه طرق جيدة عن علي يقوي بعضها بعضًا.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن حُميد، عن أنس، قال: توضأ عمر بن الخطاب وضوءًا فيه تجوز خفيفًا، فقال: هذا وضوء من لم يحدث (^٦). وهذا إسناد صحيح.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٢٥)، وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) سنن أبي داود، الطهارة، باب السواك (ح ٤٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٨).\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"أزهر بن عون\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن ابن عون به (المصنف ١/ ٤٣)، وسنده صحيح.\n(^٥) هذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيدها ومتونها، وحكم عليها الحافظ ابن كثير بأنها طرق جيدة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير.","vol":"3","page":333},{"text":"وقال محمد بن سيرين: كان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة، وأما ما رواه أبو داود الطيالسي عن أبي هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: الوضوء من غير حدث اعتداء (^١)، فهو غريب عن سعيد بن المسيب، ثم هو محمول على أن من اعتقد وجوبه فهو معتد، وأما مشروعيته استحبابًا فقد دلّت السنة على ذلك.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن عمرو بن عامر الأنصاري، سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث (^٢).\nوقد رواه البخاري وأهل السنن من غير وجه عن عمرو بن عامر به (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو سعيد البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور، عن هريم، عن عبد الرحمن بن زياد - هو: الأفريقي -، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من توضأ على طهر، كتب له عشر حسنات\" ورواه أيضًا من حديث عيسى بن يونس عن الأفريقي، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، فذكره (^٤)، وفيه قصة. وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، من حديث الأفريقي به نحوه. وقال الترمذي: وهو إسناد ضعيف (^٥).\nوقال ابن جرير: وقد قال قوم: إن هذه الآية نزلت إعلامًا من الله أن الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، وذلك لأنه ﵇ كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ.\nحدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراق البول نكلمه ولا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يردّ علينا، حتى نزلت آية الرخصة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية (^٦)، ورواه ابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم، عن أبي كريب به نحوه، وهو حديث غريب جدًّا، وجابر هذا هو ابن زيد الجعفي ضعفوه.\nوقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقدم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن أبي هلال عن قتادة به (المصنف ١/ ٤٢)، وسنده حسن. وأبو هلال هو محمد بن سليم.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٣٢)، وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، الطهارة، باب الوضوء من غير حدث (ح ٢١٤).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنديه ومتنه، وسنده ضعيف كما نقل الحافظ ابن كثير، بسبب ضعف عبد الرحمن بن زياد الأفريقي.\n(^٥) سنن أبي داود، الطهارة، باب الرجل يجدد الوضوء، من غير حدث (ح ٦٢)، وسنن الترمذي، الطهارة، باب الوضوء لكل صلاة (ح ٥٩) وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الوضوء على الطهارة (ح ٥١٢)، وسنده كسابقه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه جابر وهو ابن زيد الجعفي ضعيف (مجمع الزوائد ١/ ٢٨١).","vol":"3","page":334},{"text":"بوضوء؟ فقال: \"إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة\" (^١) وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، والنسائي عن زياد بن أيوب، عن إسماعيل - وهو ابن علية - به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن (^٢).\nوروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس قال: كنا عند النبي ﷺ فأتى الخلاء ثم إنه رجع فأتي بطعام، فقيل: يا رسول الله ألا تتوضأ؟ فقال: \"لم أصل فأتوضأ\" (^٣).\nوقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ قد استدل طائفة من العلماء بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ على وجوب النية في الوضوء، لأن تقدير الكلام ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ لها كما تقول العرب: إذا رأيت الأمير فقم، أي له. وقد ثبت في الصحيحين حديث \"الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى\" (^٤)، ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه، لما ورد في الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه\" (^٥)، ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء ويتأكد ذلك عند القيام من النوم، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده\" (^٦) وحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس، ولا اعتبار بالصلع ولا بالغَمَم إلى منتهى اللحيين والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا وفي النزعتين (^٧) والتحذيف (^٨) خلاف: هل هما من الرأس أو الوجه؟ وفي المسترسل من اللحية عن محل الفرض، قولان:\n(أحدهما): أنه يجب إفاضة الماء عليه لأنه تقع به المواجهة.\nوروى في حديث أن النبي ﷺ رأى رجلًا مغطيًا لحيته فقال: \"اكشفها فإن اللحية من الوجه\" (^٩)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأطعمة، باب غسل اليدين عند الطعام ح ٣٧٦٠) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣١٩٧)، وحسنه البغوي (شرح السنة ١١/ ٢٨٣).\n(^٢) سنن الترمذي، الأطعمة، باب في ترك الوضوء قبل الطعام (ح ١٨٤٧) وقال: حسن صحيح، وسنن النسائي، الطهارة باب الوضوء لكل صلاة (١/ ٨٥).\n(^٣) صحيح مسلم، الحيض، باب جواز أكل المحدث الطعام ح ٣٧٤.\n(^٤) صحيح البخاري، بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي (ح ١) وصحيح مسلم، الإمارة، باب إنما الأعمال بالنية (ح ١٩٠٧).\n(^٥) حسن بمجموع طرقه (ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٨٦، وإرواء الغليل ح ٨١)، ولهذا ذكر الحافظ ابن كثير أنه روي من طرق جيدة.\n(^٦) صحيح البخاري، الوضوء، باب الاستجمار وترًا (ح ١٦٢)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب كراهية غمس المتوضئ وغيره … (ح ٢٧٨).\n(^٧) النزعتان: جانبًا الجبهة (ينظر: المصباح المنير ٢/ ٢٦٨).\n(^٨) التحذيف: ما يعتاد النساء تنحية الشعر عنه، وهو القدر الذي يقع في جانب الوجه (المصباح المنير ١/ ١٣٧).\n(^٩) ضعفه الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير ١/ ٦٨).","vol":"3","page":335},{"text":"وقال مجاهد: هي من الوجه، ألا تسمع إلى قول العرب في الغلام: إذا نبتت لحيته طلع وجهه، ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق بن جمرة، عن أبي وائل، قال: رأيت عثمان يتوضأ، فذكر الحديث، قال: وخلل اللحية ثلاثًا حين غسل وجهه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل الذي رأيتموني فعلت (^١)، رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرزاق، وقال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه البخاري (^٢).\nقال أبو داود: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا أبو المليح، حدثنا [الوليد بن زوران] (^٣) عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ، أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: \"هكذا أمرني به ربي ﷿ \" (^٤) تفرد به أبو داود، وقد روي هذا الوجه من غير وجه عن أنس، قال البيهقي: وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة، عن النبي ﷺ، ثم عن علي وغيره، وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي، ثم عن النخعي وجماعة من التابعين (^٥).\nوقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه في الصحاح وغيرها أنه كان إذا توضأ تمضمض واستنشق، فاختلف الأئمة في ذلك هل هما واجبان في الوضوء والغسل كما هو مذهب أحمد بن حنبل ﵀ أو مستحبان فيهما كما هو مذهب الشافعي ومالك، لما ثبت في الحديث الذي رواه أهل السنن، وصححه ابن خزيمة عن رفاعة بن رافع الزرقي أن النبي ﷺ قال للمسيء صلاته: \"توضأ كما أمرك الله\" (^٦)، أو يجبان في الغسل دون الوضوء كما هو مذهب أبي حنيفة، أو يجب الاستنشاق دون المضمضة كما هو رواية عن الإمام أحمد، لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"من توضأ فليستنثر\" (^٧)، وفي رواية: \"إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر\" والانتثار: هو المبالغة في الاستنشاق.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن عامر بن شفيق ضعفه ابن معين (المستدرك ١/ ٥٤)، وصححه غيره كما يلي:\n(^٢) سنن الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في تخليل اللحية (ح ٣١)، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب ما جاء في تخليل اللحية (ح ٤٣٠) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٥).\n(^٣) كذا في (مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل و(حم): \"الوليد بن وردان\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب تخليل اللحية ح ١٤٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٣٢)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٤٩)، وصححه ابن القطان وابن الملقن البدر المنير ٣/ ٣٩٨).\n(^٥) السنن الكبرى ١/ ٥٤.\n(^٦) سنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع (ح ٨٦١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٧٦٧)، وأخرجه ابن خزيمة في الصحيح (ح ٥٤٥)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢٤١).\n(^٧) صحيح البخاري، الوضوء، باب الاستنثار في الوضوء (ح ١٦١)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب الإيتار في الاستنثار (ح ٢٣٧).","vol":"3","page":336},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن [يسار] (^١)، عن ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، يعني أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه، ثم أخذ غرفة من ماء ثم رش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يعني يتوضأ (^٢). ورواه البخاري عن محمد بن عبد الرحيم، عن أبي سلمة منصور بن سلمة الخزاعي به (^٣).\nوقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أي: مع المرافق كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] وقد روى الحافظ الدارقطني وأبو بكر البيهقي من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جده، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه (^٤). ولكن القاسم هذا متروك الحديث، وجده ضعيف، والله أعلم.\nويستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد فيغسله مع ذراعيه لما روى البخاري ومسلم من حديث نعيم المُجمِر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا مُحجَّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل\" (^٥).\nوفي صحيح مسلم عن قتادة عن، خلف بن خليفة، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: \"تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء\" (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ اختلفوا في هذه الباء: هل هي للإلصاق؟ وهو الأظهر، أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين. ومن الأصوليين من قال: هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة.\nوقد ثبت في الصحيحين من طريق مالك عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو: جد عمرو بن يحيى - وكان من أصحاب النبي ﷺ: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بوضوء فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"بشار\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٦٨)، وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، الوضوء، باب غسل الوجه واليدين في غرفة واحدة (ح ١٤٠).\n(^٤) سنن الدارقطني ١/ ٨٣، والسنن الكبرى ١/ ٥٦، وضعفه الحافظ ابن حجر وذكر له شواهد يقوي بعضها بعضًا (الفتح ١/ ٢٩٢) وصححه الألباني بشواهده (السلسلة الصحيحة ح ٢٠٦٧).\n(^٥) صحيح البخاري، الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور (ح ١٣٦)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة … (ح ٢٤٦).\n(^٦) صحيح مسلم، الطهارة، باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء (ح ٢٥٠).","vol":"3","page":337},{"text":"بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه (^١). وفي حديث [عبد خير] (^٢) عن علي في صفة وضوء رسول الله ﷺ نحو هذا (^٣)، وروى أبو داود عن معاوية والمقداد بن معديكرب في صفة وضوء رسول الله ﷺ مثله (^٤)، ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس، كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن.\nوقد ذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس، وهو مقدار الناصية، وذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح ولا يقدر ذلك بحد، بل لو مسح بعض شعرة من رأسه أجزأه، واحتج الفريقان بحديث المغيرة بن شعبة قال: تخلف النبي ﷺ فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: هل معك ماء؟ فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، فغسل ذراعيه ومسح بناصيته، وعلى العمامة وعلى خفيه، وذكر باقي الحديث وهو في صحيح مسلم (^٥) وغيره، فقال لهم أصحاب الإمام أحمد: إنما اقتصر على مسح الناصية لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة، ونحن نقول بذلك وأنه يقع عن الموقع، كما وردت بذلك أحاديث كثيرة وأنه كان يمسح على العمامة وعلى الخفين، فهذا أولى، وليس لكم فيه دلالة على جواز الاقتصار على مسح الناصية أو بعض الرأس من غير تكميل على العمامة، والله أعلم.\nثم اختلفوا في أنه هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثًا، كما هو المشهور من مذهب الشافعي، أو يستحب مسحة واحدة كما هو مذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه على قولين:\nفقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران بن أبان، قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثًا، فغسلهما ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثًا، ثم اليسرى ثلاثًا مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: \"من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه\" (^٦) أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من طريق الزهري به نحو هذا (^٧).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الوضوء، باب مسح الرأس كله (ح ١٨٥)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب في وضوء النبي ﷺ (ح ٢٣٥).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل: \"عبد حسين\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في (المسند ١/ ١١٠).\n(^٤) أخرجه أبو داود (السنن، الطهارة، صفة وضوء النبي ﷺ ح ١٢٤)، وصححه الألباني (صحيح سنن أبي داود ح ١١٥).\n(^٥) صحيح مسلم، الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة (ح ٢٧٤).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم ١٣٩)، وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح البخاري، الصيام، باب السواك الرطب واليابس للصائم (ح ١٩٣٤)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب صفة الوضوء (ح ٢٢٦).","vol":"3","page":338},{"text":"وفي سنن أبي داود من رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عثمان في صفة الوضوء: ومسح برأسه مرة واحدة (^١)، وكذا من رواية عبد خير عن علي مثله (^٢). واحتج من استحب تكرار مسح الرأس بعموم الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عثمان ﵁: أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا (^٣).\nوقال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا عبد الرحمن بن وردان، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني حمران قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، قال فيه: ثم مسح رأسه ثلاثًا، ثم غسل رجليه ثلاثًا ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال: \"من توضأ دون هذا كفاه\" (^٤) تفرد به أبو داود. ثم قال: وأحاديث عثمان في الصحاح تدل على أنه مسح الرأس مرة واحدة.\nقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرئ وأرجلكم بالنصب عطفًا على فاغسلوا وجوهكم وأيديكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو سلمة، حدثنا وهيب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأها وأرجلكم، يقول: رجعت إلى الغسل (^٥).\nوروي عن عبد الله بن مسعود وعروة وعطاء وعكرمة والحسن ومجاهد وإبراهيم والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان والزهري وإبراهيم التيمي نحو ذلك (^٦). وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل، كما قاله السلف.\nومن ههنا ذهب من ذهب إلى وجوب الترتيب في الوضوء كما هو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة حيث لم يشترط الترتيب، بل لو غسل قدميه، ثم مسح رأسه، وغسل يديه، ثم وجهه، أجزأه ذلك، لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء، والواو لا تدل على الترتيب، وقد سلك الجمهور في الجواب عن هذا البحث طرقًا، فمنهم من قال: الآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء عند القيام إلى الصلاة، لأنه مأمور به بفاء التعقيب وهي مقتضية للترتيب، ولم يقل أحد من الناس بوجوب غسل الوجه أولًا، ثم لا يجب الترتيب بعده، بل القائل اثنان:\nأحدهما: بوجوب الترتيب كما هو واقع في الآية.\nوالآخر يقول: لا يجب الترتيب مطلقًا، والآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء، فوجب الترتيب فيما بعده بالإجماع حيث لا فارق.\n_________\n(^١) السنن، الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ (ح ١٠٨) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٩٩).\n(^٢) (^٣) تقدم تخريجه في تفسير هذه الآية.\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ ح ١٠٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٩٨).\n(^٥) سنده صحيح.\n(^٦) قول ابن مسعود أخرجه الطبري بسند حسن من طريق زر عنه، وقول عروة أخرجه الطحاوي بسند حسن من طريق هشام بن عروة عن أبيه (شرح معاني الآثار ١/ ٤٠)، وقول عطاء أخرجه الطحاوي بسند حسن من طريق عبد الملك العرزمي عنه المصنف ١/ ٢٠، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.","vol":"3","page":339},{"text":"ومنهم من قال: لا نسلم أن الواو لا تدل على الترتيب بل هي دالة كما هو مذهب طائفة من النحاة وأهل اللغة وبعض الفقهاء، ثم نقول بتقدير تسليم كونها لا تدل على الترتيب اللغوي هي دالة على الترتيب شرعًا فيما من شأنه أن يرتب، والدليل على ذلك أنه ﷺ لما طاف بالبيت خرج من باب الصفا وهو يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، ثم قال: \"أبدأ بما بدأ الله به\" لفظ مسلم (^١)، ولفظ النسائي: \"ابدؤوا بما بدأ الله به\" (^٢) وهذا لفظ أمر، وإسناده صحيح، فدل على وجوب البداءة بما بدأ الله به، وهو معنى كونها تدل على الترتيب شرعًا، والله أعلم.\nومنهم من قال: لما ذكر الله تعالى هذه الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب، فقطع النظير عن النظير، وأدخل الممسوح بين المغسولين، دلّ ذلك على إرادة الترتيب، ومنهم من قال: لا شك أنه قد روى أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، ثم قال: \"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به\" (^٣).\nقالوا: فلا يخلو إما أن يكون توضأ مرتبًا فيجب الترتيب، أو يكون توضأ غير مرتب فيجب عدم الترتيب، ولا قائل به، فوجب ما ذكرناه.\nوأما القراءة الأخرى وهي قراءة من قرأ: ﴿وأرجلِكم﴾ بالخفض (^٤)، فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين، لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس. وقد روي عن طائفة من السلف ما يوهم القول بالمسح فقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا حميد قال: قال موسى بن أنس لأنس ونحن عنده: يا أبا حمزة، إن الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وإنه ليس شيء من بني آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فقال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج، قال الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما (^٥). إسناد صحيح إليه.\nوقال ابن جرير: جدثنا علي بن سهل، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل (^٦). وهذا أيضًا إسناد صحيح.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن ميسرة الخراساني (^٧) عن ابن جريج، عن\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الحج، باب صفة حجة النبي ﷺ (ح ١٢١٨).\n(^٢) السنن الكبرى، الحج، باب الدعاء على الصفا (ح ٣٩٦٨)، وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٣) أخرجه أبو داود من طريق عمرو بن شعيب به بمعناه بلفظ: \"هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم\"، (السنن، الطهارة، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا ح ١٣٥)، ولعل الحافظ ابن كثير اعتمد على رواية لسنن أبي داود غير التي بين أيدينا.\n(^٤) وهي قراءة متواترة كما أن قراءة النصب متواترة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده أيضًا الحافظ ابن كثير.\n(^٧) كذا في الأصل و(حم): \"محمد بن ميسر\"، وفي تفسير الطبري: محمد بن قيس. قال أحمد شاكر: أخشى أن يكون محرفًا (تفسير الطبري ١٠/ ٥٨).","vol":"3","page":340},{"text":"عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان (^١). وكذا روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قال: هو المسح (^٣). ثم قال: وروي عن ابن عمر وعلقمة وأبي جعفر محمد بن علي والحسن في إحدى الروايات، وجابر بن زيد ومجاهد في إحدى الروايات، نحوه (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب قال: رأيت عكرمة، يمسح على رجليه، قال: وكان يقوله (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إدريس، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح (^٦)، ثم قال الشعبي: ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلًا ويلغي ما كان مسحًا (^٧). وحدثنا ابن أبي زياد، أخبرنا إسماعيل قلت لعامر: إن ناسًا يقولون: إن جبريل نزل بغسل الرجلين؟ فقال: نزل جبريل بالمسح.\nفهذه آثار غريبة جدًّا، وهي محمولة على أن المراد بالمسح هو الغسل الخفيف لما سنذكره من السُنّة الثابتة في وجوب غسل الرجلين، وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض إما على المجاورة وتناسب الكلام كما في قول العرب: جُحْر ضَبّ خرب، وكقوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١] وهذا ذائع شائع في لغة العرب سائغ.\nومنهم من قال: هي محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان، قاله أبو عبد الله الشافعي ﵀. ومنهم من قال: هي دالة على مسح الرجلين، ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف كما وردت به السنة، وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين فرضًا لا بدّ منه للآية والأحاديث التي سنوردها، ومن أحسن ما يستدل على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف ما رواه الحافظ البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو علي الروذباري، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حمويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي بن أبي طالب أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتي بكوز من ماء فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضلته وهو قائم، ثم قال: إن ناسًا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق من طريق ابن جريج أنه سمع عكرمة عن ابن عباس بلفظه (المصنف رقم ٥٥) وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سعيد به، وسنده صحيح.\n(^٣) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان ولأن يوسف بن مهران: لين الحديث.\n(^٤) ما ورد عن علقمة أنه قرأ بالخفص وكذا عن مجاهد وقد أخرج أثرهما بسند ضعيف.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح ولعله يقصد نزول جبريل بالقراءة على الخفض \"بأرجلِكم\".\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"3","page":341},{"text":"يكرهون الشرب قائمًا، وإن رسول الله ﷺ صنع كما صنعت، وقال: \"هذا وضوء من لم يحدث\" (^١)، رواه البخاري في الصحيح عن آدم ببعض معناه (^٢).\nومن أوجب من الشيعة مسحهما كما يمسح الخف فقد ضلّ وأضلّ، وكذا من جوز مسحهما وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضًا، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير أنه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما للآية، فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإن كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء، لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبّر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، فحكاه من حكاه كذلك، ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء وهو معذور، فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل، سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه، وإنما أراد الرجل ما ذكرت، والله أعلم، ثم تأملت كلامه أيضًا فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ خفضًا على المسح وهو الدلك، ونصبًا على الغسل، فأوجبهما أخذًا بالجمع بين هذه وهذه.\n\n<span data-type='title' id=toc-104>ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بدّ منه:</span>\nقد تقدم حديث أمير المؤمنين عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معديكرب، أن رسول الله ﷺ غسل الرجلين في وضوئه إما مرة، وإما مرتين أو ثلاثًا، على اختلاف رواياتهم، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ توضأ فغسل قدميه، ثم قال: \"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به\" (^٣).\nوفي الصحيحين من رواية أبي عوانة عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته \"أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار\" (^٤) وكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة.\nوفي صحيح مسلم عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: \"أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار\" (^٥). وروى الليث بن سعد عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار\" رواه البيهقي والحاكم (^٦)، وهذا إسناد صحيح.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ١/ ٧٥)، وهو حديث صحيح كما يلي.\n(^٢) أخرجه البخاري من طريق آدم وهو ابن أبي إياس به نحوه (الصحيح، كتاب الأشربة، باب الشرب قائمًا خ ٥٦١٦).\n(^٣) تقدم تخريج هذه الأحاديث في تفسير هذه الآية.\n(^٤) صحيح البخاري، العلم، باب من رفع صوته بالعلم (ح ٦٠)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما (ح ٢٤١).\n(^٥) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٤٢).\n(^٦) سنن الدارقطني ١/ ٩٥، والمستدرك ١/ ١٦٢، وصححه الحافظ ابن كثير.","vol":"3","page":342},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق أنه سمع سعيد بن أبي كرب، أو شعيب بن أبي كرب، قال: سمعت جابر بن عبد الله وهو على جبل يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ويل للعراقيب من النار\" (^١).\nوحدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله قال: رأى النبي ﷺ في رِجل رَجل مثل الدرهم لم يغسله، فقال: \"ويل للأعقاب من النار\" ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد به نحوه (^٢).\nوكذا رواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وغير واحد، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سيعد بن أبي كرب، عن جابر عن النبي ﷺ مثله. ثم قال: حدثنا علي بن مسلم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله ﷺ قومًا يتوضؤون لم يصب أعقابهم الماء، فقال: \"ويل للعراقيب من النار\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أيوب بن عقبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ويل للأعقاب من النار\" (^٤) تفرد به أحمد.\nوقال ابن جرير: حدثني علي بن عبد الأعلى، حدثنا المحاربي، عن مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار\". قال: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه، ينظر إليهما.\nوحدثنا أبو كريب، حدثنا حسين، عن زائدة عن ليث، حدثني عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة أو عن أخي أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ أبصر قومًا يصلون، وفي عقب أحدهم أو كعب أحدهم، مثل موضع الدرهم أو موضع الظفر لم يمسه الماء، فقال: \"ويل للأعقاب من النار\".\nقال: فجعل الرجل إذا رأى في عقبه شيئًا لم يصبه الماء، أعاد وضوءه (^٥).\nووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك فيهما لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف، وهكذا وجه هذه الدلالة على الشيعة الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى.\nوقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الزبير عن جابر، عن عمر بن الخطاب: أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ وقال: \"ارجع فأحسن وضوءك\" (^٦).\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٣٦٩، ويشهد له ما سبق.\n(^٢) المسند ٣/ ٣٩٠، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب غسل العراقيب (ح ٤٥٤)، قال البوصيري: رجاله ثقات (مصباح الزجاجة ١/ ١٨٢).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنديه ومتنه، ويشهد له ما سبق.\n(^٤) المسند ٣/ ٤٢٦، في سنده أيوب بن عتبة فيه مقال ويشهد له ما سبق.\n(^٥) أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما، ويشهد لهما ما سبق من الصحيح.\n(^٦) صحيح مسلم، الطهارة، باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة (ح ٢٤٣).","vol":"3","page":343},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثنا جرير بن حازم أنه سمع قتادة بن دعامة، قال: حدثنا أنس بن مالك أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ قد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ﷺ: \"ارجع فأحسن وضوءك\" وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن معروف وابن ماجه عن حرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب به (^١). وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، لكن قال أبو داود: ليس هذا الحديث بمعروف، لم يروه إلا ابن وهب. وحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا يونس وحميد عن الحسن: أن رسول الله ﷺ، بمعنى حديث قتادة (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثني بُحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي ﷺ: رأى رجلًا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء (^٣). ورواه أبو داود من حديث بقية، وزاد: والصلاة (^٤). وهذا إسناد جيد قوي صحيح، والله أعلم.\nوفي حديث حمران عن عثمان في صفة وضوء النبي ﷺ أنه خلل بين أصابعه (^٥). وروى أهل السنن من حديث إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء. فقال: \"أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا\" (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله الدمشقي قال: قال أبو أمامة: حدثنا [عمرو] (^٧) بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال: \"ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر إلا خرجت خطاياه من فمه وخياشيمه، مع الماء حين ينتثر، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرجت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرّت خطايا\n_________\n(^١) السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٧٠، وسنن أبي داود، الطهارة، باب تفريق الوضوء (ح ١٧٣)، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب من توضأ فترك موضعًا … (ح ٦٦٥)، وجود إسناده الحافظ ابن كثير ويشهد له أيضًا الحديث السابق.\n(^٢) المصدر السابق في سنن أبي داود.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٢٤)، وصححه الألباني ونقل عن الإمام أحمد أنه قال في إسناده: جيد، وعن ابن التركماني وابن القيم أنهما قويا الحديث (إرواء الغليل ١/ ١٢٦).\n(^٤) سنن أبي داود، الطهارة، باب تفريق الطهارة (ح ١٧٥)، وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٥) تقدم تخريجه من الصحيحين في بداية تفسير هذه الآية عند مسألة الخلاف في استحباب تكرار مسح الرأس ثلاثا.\n(^٦) أخرجه أبو داود \"السنن\" الطهارة، باب في الاستنثار ح ١٤٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٢٩)، وأخرجه الترمذي (السنن، الصوم، باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم ح ٧٨٨)، وسنن النسائي، الطهارة، باب المبالغة في الاستنشاق ١/ ٦٦.\n(^٧) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"عمر\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":344},{"text":"يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه إلا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا خرّت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه\".\nقال أبو أُمامة: يا عمرو، انظر ما تقول، سمعت هذا من رسول الله ﷺ أيعطى هذا الرجل كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عبسة: يا أبا أُمامة، لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله وعلى رسول الله ﷺ لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا، لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك (^١).\nوهذا إسناد صحيح.\nوهو في صحيح مسلم من وجه آخر، وفيه: ثم يغسل قدميه كما أمره الله (^٢)، فدلَّ على أن القرآن يأمر بالغسل.\nوهكذا روى أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم (^٣)، ومن ههنا يتضح لك المراد من حديث عبد خير عن علي أن رسول الله ﷺ رش على قدميه الماء وهما في النعلين، فدلكهما (^٤)، إنما أراد غسلًا خفيفًا، وهما في النعلين، ولا مانع من إيجاد الغسل والرجل في نعلها، ولكن في هذا رد على المتعمقين والمتنطعين من الموسوسين.\nوهكذا الحديث الذي أورده ابن جرير على نفسه، وهو من روايته عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: أتى رسول الله ﷺ سُباطةَ قوم (^٥)، فبال قائمًا ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه (^٦). وهو حديث صحيح وقد أجاب ابن جرير عنه بأن الثقات الحفاظ رووه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: فبال قائمًا ثم توضأ ومسح على خفيه (^٧). قلت: ويحتمل الجمع بينهما بأن يكون في رجليه خفان وعليهما نعلان، وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني يعلى، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس، قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على نعليه وقدميه، ثم قام إلى الصلاة (^٨). وقد رواه أبو داود عن مسدد وعباد بن موسى، كلاهما عن هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١١٢)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب إسلام عمرو بن عبسة ﵁ (ح ٨٣٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق السبيعي به (المصنف ١/ ٣١)، وسنده ضعيف بسبب ضعف الحارث وهو الأعور الهمداني.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير هذه الآية.\n(^٥) السباطة هي الكناسة أو هي الموضع الذي يرمى فيه التراب والأوساخ (النهاية ٢/ ٣٣٥).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨/ ٤)، وأخرجه أبو داود من طريق هشيم عن يعلى به (السنن، الطهارة، باب المسح على الجوربين ح ١٦٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٤٥).","vol":"3","page":345},{"text":"أبي أوس قال: رأيت رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم، فبال وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه (^١).\nوقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ومن طريق هشيم، ثم قال: وهذا محمول على أنه توضأ كذلك وهو غير محدث، إذ كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية ومتعارضة، وقد صح عنه ﷺ الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء بالنقل المستفيض القاطع عذر من انتهى إليه وبلغه (^٢). ولما كان القرآن آمرًا بغسل الرجلين كما في قراءة النصب، وكما هو الواجب في حمل قراءة الخفض عليه، توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن لم يصح إسناده، ثم الثابت عنه خلافه، وليس كما زعموه، فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن جرير بن عبد الله البجلي قال: أنا أسلمت بعد نزول المائدة، وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعدما أسلمت (^٣)، تفرد به أحمد. وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن إبراهيم، عن همام قال: بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه، قال الأعمش: قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، لفظ مسلم (^٤).\nوقد ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ مشروعية المسح على الخفين قولًا منه وفعلًا، كما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير مع ما يحتاج إلى ذكره هناك من تأقيت المسح أو عدمه، أو التفصيل فيه، كما هو مبسوط في موضعه.\nوقد خالفت الروافض في ذلك بلا مستند بل بجهل وضلال، مع أنه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ (^٥)، كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي ﷺ النهي عن نكاح المتعة (^٦) وهم يستبيحونها، وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله ﷺ على وفق ما دلت هذه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كله وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر، ولله الحمد، وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين فعندهم أنهما في ظهر القدم فعندهم في كل رجل كعب، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم.\nقال الربيع: قال الشافعي: لم أعلم مخالفًا في أن الكعبين اللذين ذكرها الله في كتابه في\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) أخرجه الطبري من الطريقين مع التعليق.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٦٣)، والحديث متفق عليه كما يلي:\n(^٤) صحيح البخاري، الصلاة، باب الصلاة في الخِفاف (ح ٣٨٧)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب المسح على الخفين (ح ٢٧٢).\n(^٥) صحيح مسلم، الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين (ح ٢٧٦).\n(^٦) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة خيبر (ح ٤٢١٦)، وصحيح مسلم، النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ (ح ١٤٠٧).","vol":"3","page":346},{"text":"الوضوء هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، هذا لفظه، فعند الأئمة ﵏: في كل قدم كعبان، كما هو المعروف عند الناس، وكما دلت عليه السنة، ففي الصحيحين من طريق حمران عن عثمان أنه توضأ فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين، واليسرى مثل ذلك (^١).\nوروى البخاري تعليقًا مجزومًا به (^٢) وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي القاسم الحسين بن الحارث الجدلي، عن النعمان بن بشير قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: \"أقيموا صفوفكم - ثلاثًا - والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم\" قال: فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، ومنكبه بمنكبه، لفظ ابن خزيمة (^٣)، فليس يمكن أن يلزق كعبه بكعب صاحبه، إلا والمراد به العظم الناتئ في الساق حتى يحاذي كعب الآخر، فدل ذلك على ما ذكرناه من أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم كما هو مذهب أهل السنة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن موسى، أخبرنا شريك، عن يحيى بن الحارث التيمي يعني الجابر، قال: نظرت في قتلى أصحاب زيد (^٤)، فوجدت الكعب فوق ظهر القدم (^٥). وهذه عقوبة عوقب بها الشيعة بعد قتلهم، [تنكيلًا] (^٦) بهم في مخالفتهم الحق وإصرارهم عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ كل ذلك قد تقدم الكلام عليه في تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إلى إعادته لئلا يطول الكلام، وقد ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك، لكن البخاري روى ههنا حديثًا خاصًّا بهذه الآية الكريمة فقال: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه، عن عائشة قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله ﷺ ونزل، فثنى رأسه في حجري راقدًا، فأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال: حبست الناس في قلادة، فتمنيت الموت لمكان رسول الله ﷺ مني، وقد أوجعني، ثم إن النبي ﷺ استيقظ، وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (^٧)، فقال أسيد بن الحضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلا\n_________\n(^١) تقدم في تفسير هذه الآية عند ذكر الخلاف في استحباب مسح الرأس ثلاثًا.\n(^٢) أخرجه البخاري موصولًا أيضًا مختصرًا بنحوه من حديث النعمان بن بشير (الصحيح، الأذان، باب تسوية الصفوف ح ٧١٧).\n(^٣) سنن أبي داود، الصلاة، باب تسوية الصفوف (ح ٦٦٢)، وصحيح ابن خزيمة (ح ١٦٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٦١٧).\n(^٤) أي زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁.\n(^٥) في سنده إسماعيل بن موسى تفرد عن شريك بأحاديث وهو صدوق يخطئ رمي بالرفض (ميزان الاعتدال ١/ ١٥١، والتقريب ١/ ٧٥)، وفي سنده أيضًا شريك وهو ابن عبد الله القاضي فيه مقال. ويحيى الجابر: لين الحديث كما في التقريب.\n(^٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"شكلًا\" وهو تصحيف.\n(^٧) كذا في صحيح البخاري، وفي النسخ: هذه الآية.","vol":"3","page":347},{"text":"بركة لهم (^١).\nوقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر، بل أباح التيمم عند المرض وعند فقد الماء توسعة عليكم، ورحمة بكم وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء إلا من بعض الوجوه كما تقدم بيانه، وكما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة، كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائمًا يحدث الناس، فأدركت من قوله: \"ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلًا عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة\" قال: قلت: ما أجود هذا، فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود منها، فنظرت فإذا عمر ﵁ فقال: إني قد رأيتك جئت آنفًا قال: \"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء\" لفظ مسلم (^٢).\nوقال مالك، عن نهشل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه، خرج من وجهه، كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًا من الذنوب\" رواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك به (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من رجل يتوضأ فيغسل يديه أو ذراعيه، إلا خرجت خطاياه منهما، فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه، فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه\" (^٤) هذا لفظه.\nوقد رواه الإمام أحمد عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن مرة بن كعب أو كعب بن مرة السلمي، عن النبي ﷺ قال: \"وإذا توضأ العبد فغسل يديه خرجت خطاياه من بين يديه، وإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه، وإذا غسل ذراعيه خرجت خطاياه من ذراعيه، وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه\" قال شعبة: ولم يذكر مسح الرأس (^٥)، وهذا إسناد صحيح.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] ح ٤٦٧).\n(^٢) صحيح مسلم، الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء (ح ٢٣٤).\n(^٣) صحيح مسلم، الطهارة، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء (ح ٢٤٤).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح قريب من سند الإمام أحمد الذي صححه الحافظ ابن كثير كما يلي.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٣٤)، وصححه الحافظ ابن كثير وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (المجمع ١/ ٢٢٤).","vol":"3","page":348},{"text":"وروى ابن جرير من طريق شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه\" (^١).\nوروى مسلم في صحيحه من حديث يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: \"الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والله أكبر تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصبر ضياء، والصدقة برهان، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها\" (^٢).\nوفي صحيح مسلم من رواية سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يقبل الله صدقة من غلول (^٣)، ولا صلاة بغير طهور\" (^٤).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت أبا المليح الهذلي يحدث عن أبيه، قال: كنت مع رسول الله ﷺ في بيت فسمعته يقول: \"إن الله لا يقبل صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غلول\" (^٥) وكذا رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة (^٦).\n\n<span id=\"aya-676\"></span>﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾.\nيقول تعالى مذكرًا عباده المؤمنين نعمته عليهم في شرعه لهم هذا الدين العظيم. وإرساله إليهم هذا الرسول الكريم وما أخذ عليهم من العهد والميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه، وقبوله منه، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون عليهما رسول الله ﷺ عند إسلامهم كما قالوا: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله (^٧)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق شمر به، وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال ويشهد له سابقه.\n(^٢) صحيح مسلم، الطهارة، باب فضل الوضوء (ح ٢٢٣).\n(^٣) الغلول الخيانة.\n(^٤) صحيح مسلم، الطهارة، باب وجوب الطهارة (ح ٢٢٤).\n(^٥) مسند الطيالسي (ح ١٣١٩)، وسنده صحيح ويشهد له سابقه.\n(^٦) المسند ٥/ ٧٤، وسنن أبي داود، الطهارة، باب فرض الوضوء (ح ٥٩)، وسنن النسائي، الزكاة، باب الصدقة من غلول ٥/ ٥٦.\n(^٧) أخرجه الشيخان من حديث عبادة بن الصامت (صحيح البخاري، الفتن، باب قول النبي ﷺ: \"سترون=","vol":"3","page":349},{"text":"وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [الحديد]، وقيل: هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود في متابعة محمد ﷺ والانقياد لشرعه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^١).\nوقيل: هو تذكار بما أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم حين استخرجهم من صلبه وأشهدهم على أنفسهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] قاله مجاهد (^٢) ومقاتل بن حيان. والقول الأول أظهر، وهو المحكي عن ابن عباس والسدي (^٣) واختاره ابن جرير.\nثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تأكيد وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال، ثم أعلمهم أنه يعلم ما يختلج في الضمائر من الأسرار والخواطر، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\n\n<span id=\"aya-677\"></span>\n\n<span id=\"aya-678\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ أي: كونوا قوامين بالحق لله ﷿، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل لا بالجور، وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي نحلًا (^٤) فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله ﷺ، فجاءه ليشهده على صدقتي، فقال: \"أكلُ ولْدك، نحلت مثله؟ \" قال: لا، فقال: \"اتقوا الله واعدلوا في أولادكم\". وقال: \"إني لا أشهد على جور\" قال: فرجع أبي فردّ تلك الصدقة (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد صديقًا كان أو عدوًا، ولهذا قال: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه، ودلّ الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه، كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨].\nوقوله: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان] وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ (^٦).\nثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال بعده ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n= بعدي أمورًا تنكروها\" ح ٧٠٥٦)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء … (ح ١٧٠٩).\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) أي أعطاني والدي أُعطية.\n(^٥) صحيح البخاري، الهبة، باب الإشهاد في الهبة (ح ٢٥٨٧)، وصحيح مسلم، الهبات، باب لا يشهد على شهادة جور (ح ٢٦٥٠).\n(^٦) صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب (ح ٣٦٨٣)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر بن الخطاب ﵁ (ح ٢٣٩٦).","vol":"3","page":350},{"text":"وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهو الجنة التي هي من رحمته على عباده، لا ينالونها بأعمالهم بل برحمة منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسبابًا إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه فالكل منه وله، فله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-679\"></span>ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾ وهذا من عدله تعالى، وحكمته وحكمه الذي لا يجور فيه، بل هو الحكم العدل الحكيم القدير.\n\n<span id=\"aya-680\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، ذكره عن أبي سلمة، عن جابر: أن النبي ﷺ نزل منزلًا، وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، وعلق النبي ﷺ سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله ﷺ، فأخذه فسله، ثم أقبل على النبي ﷺ فقال: من يمنعك منى؟ قال: \"الله ﷿\". قال الأعرابي، مرتين أو ثلاثًا: من يمنعك مني؟ والنبي ﷺ يقول: \"الله\". قال: فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي ﷺ أصحابه، فأخبرهم خبر الأعرابي، وهو جالس إلى جنبه، ولم يعاقبه، وقال معمر: كان قتادة يذكر نحو هذا، ويذكر أن قومًا من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله ﷺ فأرسلوا هذا الأعرابي، وتأول ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية (^١). وقصة هذا الأعرابي وهو [غورث] (^٢) بن الحارث (^٣) ثابتة في الصحيح.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ وذلك أن قومًا من اليهود صنعوا لرسول الله ﷺ ولأصحابه طعامًا ليقتلوهم، فأوحى الله إليه بشأنهم، فلم يأت الطعام وأمر أصحابه فأتوه، رواه ابن أبي حاتم (^٤).\nوقال أبو مالك: نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه حين أرادوا بمحمد وأصحابه في دار كعب بن الأشرف، رواه ابن أبي حاتم (^٥).\nوذكر محمد بن إسحاق بن يسار ومجاهد وعكرمة وغير واحد، أنها نزلت في شأن بني النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله ﷺ الرُحى، لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين، ووكلوا عمرو بن جحاش بن كعب بذلك، وأمروه إن جلس النبي ﷺ تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقي تلك الرحى من فوقه، فأطلع الله النبي ﷺ على ما تمالؤوا عليه، فرجع\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح أخرجه البخاري من طريق عبد الرزاق به (الصحيح، المغازي، باب غزوة بني المصطلق من خزاعة ح ٤١٣٩)، وكذا مسلم (الصحيح، الفضائل، باب توكله على الله تعالى … ح ٨٤٣).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"عورب\" وهو تصحيف.\n(^٣) اختلف في إسلامه، وفي اسمه (الإصابة ٣/ ١٨٥).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق العوفي به.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق السدي عن أبي مالك به، وسنده مرسل، ويتقوى بلاحقه.","vol":"3","page":351},{"text":"إلى المدينة وتبعه أصحابه، فأنزل الله في ذلك هذه الآية (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني: من توكل على الله كفاه الله ما أهمه، وحفظه من شر الناس وعصمه، ثم أمر رسول الله ﷺ أن يغدو إليهم، فحاصرهم حتى أنزلهم فأجلاهم. ولله الحمد والمنّة.\n\n<span id=\"aya-681\"></span>﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾.\nلما أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ، وأمرهم بالقيام بالحق، والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين: اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنًا منه لهم، وطردًا عن بابه وجنابه، وحجابًا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم النافع، والعمل الصالح، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يعني: عرفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه.\nوقد ذكر ابن عباس وابن إسحاق وغير واحد أن هذا كان لما توجه موسى ﵇ لقتال الجبابرة، فأمر بأن يقيم نقباء من كل سبط نقيب، قال محمد بن إسحاق: فكان من سبط [روبيل] (^٢): شامون بن ركون، ومن سبط شمعون: شافاط بن حُرّي، ومن سبط يهوذا: كالب بن يوفنا، ومن سبط أتين: ميخائيل بن يوسف، ومن سبط يوسف - وهو: سبط إفرايم -: يوشع بن نون، ومن سبط بنيامين: فلطم بن دفون، ومن سبط زبولون: جدي بن شورى، ومن سبط منشأ بن يوسف: جدي بن سوسى، ومن سبط دان: حملائيل بن جمل، ومن سبط أشار: ساطور بن ملكيل، ومن سبط نفثالي: بحر بن وقسي، ومن سبط يساخر: لايل بن مكيد (^٣).\nوقد رأيت في السفر الرابع من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل وأسماء مخالفة\n_________\n(^١) هذه الآثار أخرجها الطبري عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك وعبد الله بن كثير بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"روميل\"، وهو تصحيف.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، بدون ذكر الأسماء. وقول ابن إسحاق أخرجه الطبري من طريق ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق، وهذه الأسماء يقع فيها بعض الاختلاف، وقد ضبطها الأستاذ أحمد شاكر من التوراة التي وقف عليها.","vol":"3","page":352},{"text":"لما ذكره ابن إسحاق، والله أعلم، قال فيها: فعلى بني روبيل: اليصوني بن شادون، وعلى بني شمعون: شموال بن صورشكي، وعلى بني يهوذا: الحشون بن عمياذاب، وعلى بني يساخر شال بن صالحون، وعلى بني زبولون: الياب بن حالوب، وعلى بني إفرايم: منشا بن عمنهود، وعلى بني منشا: حمليائيل بن يرصون، وعلى بني بنيامين: أبيدن بن جدعون، وعلى بني دان: جعيذر بن عميشذي، وعلى بني أشار: نحايل بن عجران، وعلى بني حاد: السيف بن دعواييل، وعلى بني نفتالي: أجذع بن عمينان (^١).\nوهكذا لما بايع رسول الله ﷺ الأنصار ليلة العقبة، كان فيهم اثنا عشر نقيبًا: ثلاثة من الأوس: وهم أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، ويقال بدله أبو الهيثم بن التيهان ﵁، وتسعة من الخزرج وهم: أبو أُمامة أسعد بن زراة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والمنذر بن عمرو بن [خُنيس] (^٢) ﵃، وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له، كما أورده ابن إسحاق ﵀ (^٣)، والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ عن أمر النبي ﷺ لهم بذلك، وهم الذين ولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي ﷺ على السمع والطاعة.\nقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله ﷺ كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله ﷺ فقال: \"اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل\" (^٤) هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا\" ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت علي، فسألت أبي ماذا قال النبي ﷺ؟ قال: \"كلهم من قريش\" وهذا لفظ مسلم (^٥).\nومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحًا يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل وقد وجد منهم أربعة على نسق وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵁، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في\n_________\n(^١) لقد وجه الخلاف الأستاذ أحمد شاكر بين هذا الذي وقف عليه الحافظ وبين رواية ابن إسحاق بأن التوراة التي كانت في يد الحافظ ابن كثير هي غير التي في أيدينا. (حاشية تفسير الطبري ١٠/ ١١٦).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"حبيش\".\n(^٣) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٤٤٣.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسند ومتنه (المسند ١/ ٣٩٨)، وفي سنده مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقوي وتغير في آخر عمره كما في التقريب وأصل الحديث في الصحيحين كما يلي.\n(^٥) صحيح البخاري، الأحكام، بدون عنوان للباب (ح ٧٢٢٢)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب الناس تبع لقريش (ح ١٨٢١).","vol":"3","page":353},{"text":"الأحاديث الواردة بذكره، فذكر أنه يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا، وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامراء (^١)، فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم.\nوفي التوراة البشارة بإسماعيل - السلام عليه -، وإن الله يقيم من صلبه اثني عشر عظيمًا، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة، وبعض الجهلة ممن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثني عشر، فيتشيع كثير منهم جهلًا وسفهًا لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك بالسنن الثابتة عن النبي ﷺ.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي: بحفظي وكلاءتي ونصري ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ أي: صدّقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي، ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي: نصرتموهم ووازرتموهم على الحق ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وهو الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته، ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: ذنوبكم أمحوها وأسترها ولا أؤاخذكم بها، ﴿وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: أدفع عنكم المحذور وأحصل لكم المقصود.\n\n<span id=\"aya-682\"></span>وقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فمن خالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده وشدّه وجحده، وعامله معاملة من لا يعرفه، فقد أخطأ الطريق الواضح، وعدل عن الهدى إلى الضلال، ثم أخبر تعالى عما حل بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده، فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ أي: فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم؛ أي: أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ أي: فلا يتعظون بموعظة لغلظها وقساوتها، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: فسدت فهومهم وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل، - عياذًا بالله من ذلك - ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: وتركوا العمل به رغبة عنه. وقال الحسن: تركوا عرى دينهم ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها (^٢).\nوقال غيره: تركوا العمل فصاروا إلى حالة رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فطر مستقيمة، ولا أعمال قويمة، ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: مكرهم وغدرهم لك ولأصحابك.\nوقال مجاهد وغيره: يعني بذلك تمالؤهم على الفتك برسول الله ﷺ (^٣).\n﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ وهذا هو عين النصر والظفر، كما قال بعض السلف ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني: به الصفح عمن أساء إليك. وقال\n_________\n(^١) مدينة تقع شمال بغداد في العراق.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.","vol":"3","page":354},{"text":"قتادة: هذه الآية ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ منسوخة بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (^١) [التوبة: ٢٩].\n\n<span id=\"aya-683\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم ﵇ وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول ﷺ، ومناصرته، ومؤازرته، واقتفاء آثاره، وعلى الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق، ونقضوا العهود، ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضًا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يُكفّر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا، فكل فرقة تحرم الأخرى، ولا تدعها تلج معبدها، فالملكانية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية (^٢) والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ثم قال تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وما نسبوه إلى الرب ﷿ وتعالى وتقدس عن قولهم علوًا كبيرًا، من جعلهم له صاحبة وولدًا، تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.\n\n<span id=\"aya-684\"></span>﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض: عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل، فقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه، وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيّروه ولا فائدة في بيانه.\nوقد روى الحاكم في مستدركه من حديث الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁، قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فكان الرجم مما أخفوا، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٣).\n\n<span id=\"aya-685\"></span>ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٢) تقدم التعريف بهذه الفرق.\n(^٣) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٥٩).","vol":"3","page":355},{"text":"الذي أنزله على نبيه الكريم فقال. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ أي: طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة، ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم [أبين] (^١) المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة.\n\n<span id=\"aya-686\"></span>﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا وحاكيًا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم، وهو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه أنه هو الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، ثم قال مخبرًا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: لو أراد ذلك، فمن ذا الذي كان يمنعه منه أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك، ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: جميع الموجودات ملكه وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يسأل عما يفعل بقدرته وسلطانه وعدله وعظمته، وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-687\"></span>ثم قال تعالى رادًا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: أنت ابني بكري، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه، وقد ردَّ عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من النبوة ما ادعوها في عيسى ﵇ وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، قال الله تعالى رادًّا عليهم ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أي: لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه، فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟\nوقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه، فتلا عليه الصوفي هذه الآية ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ وهذا الذي قاله حسن، وله شاهد في المسند للإمام أحمد حيث قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، قال: مرّ النبي ﷺ في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: أبيض.","vol":"3","page":356},{"text":"تسعى وتقول: ابني ابني، وسعت فأخذته فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار. قال: فَخَفَّضَهُم النبي ﷺ فقال: \"لا والله ما يلقي حبيبه في النار\" (^١) تفرد به أحمد.\n﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هو فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب إليه، فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور.\nوروى محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: وأتى رسول الله ﷺ نعمان بن [آضاء] (^٢) وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلموه، وكلمهم رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله فيهم ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ …﴾ إلى آخر الآية، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٣). ورويا أيضًا من طريق أسباط عن السدي في قول الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أما قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد، فيدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين ليلة حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي مناد: أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل، فأخرجوهم فذلك قولهم لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات (^٤).\n\n<span id=\"aya-688\"></span>﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدًا ﷺ خاتم النبيين، الذي لا نبي بعده ولا رسول، بل هو المعقب لجميعهم، ولهذا قال: على فترة من الرسل؛ أي: بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى ابن مريم، وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي؟\nفقال أبو عثمان النهدي وقتادة في رواية عنه: كانت ستمائة سنة. ورواه البخاري عن سلمان الفارسي (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٠٤)، وسنده صحيح ثلاثي أخرجه الحاكم من طريق حُميد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥٨) وذكر الهيثمي أن رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٨٦).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"الصا\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الطبري والبيهقي من طريق ابن إسحاق به (دلائل النبوة ٢/ ٥٣٥)، وفيه تصريح ابن إسحاق بالسماع، وسنده حسن تقدم شرحه في مقدمة التفسير الصحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط به وتتمته: وأما النصارى فإن فريقًا منهم قال للمسيح: ابن الله.\n(^٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول سلمان أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق ٤٧/ ٤٨٥).","vol":"3","page":357},{"text":"وعن قتادة: خمسمائة وستون سنة (^١).\nوقال معمر، عن بعض أصحابه: خمسمائة وأربعون سنة (^٢).\nوقال الضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة (^٣). [وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى ﵇ عن الشعبي أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي ﷺ تسعمائة وثلاثة وثلاثون سنة] (^٤) (^٥) والمشهور هو القول الأول، وهو أنها ستمائة سنة. ومنهم من يقول: ستمائة وعشرون سنة، ولا منافاة بينهما، فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية، وبين كل مائة سنة شمسية وبين القمرية نحو من ثلاث سنين، ولهذا قال تعالى في قصة أهل الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ [الكهف] أي: قمرية لتكميل ثلاثمائة الشمسية التي كانت معلومة لأهل الكتاب، وكانت الفترة بين عيسى بن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أولى الناس بابن مريم لأنا ليس بيني وبينه نبي\" (^٦).\nوهذا فيه ردّ على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي، يقال له خالد بن سنان، كما حكاه القضاعي وغيره، والمقصود أن الله بعث محمدًا ﷺ على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه أمر عمم، فإن الفساد كان قد عم جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد إلا قليلًا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى والصابئين.\nكما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حماد المجاشعي ﵁ أن النبي ﷺ خطب ذات يوم، فقال في خطبته \"وإن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن الشياطين أتتهم فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، ثم إن الله ﷿ نظر إلى أهل الأرض فمقتهم: عربهم وعجمهم، إلا بقايا من بني إسرائيل، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرأه نائمًا ويقظانَ، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشًا فقلت: يا رب إذن [يثلَغوا] (^٧) (^٨) رأسي فيدعوه خبزة، فقال: استخرجهم كما استخرجوك، [واغزُهم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٤) تاريخ ابن عساكر ٤٧/ ٤٨٤ - ٤٨٥.\n(^٥) ما بين معقوفين زيادة من (حم) و(مح).\n(^٦) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ …﴾ [مريم: ١٦] (ح ٣٤٤٢)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل عيسى ﵇ (ح ٢٣٦٥).\n(^٧) أي: يشدخوه ويشجّوه.\n(^٨) كذا في (حم) و(مح) وصحيح مسلم، وفي الأصل: \"تبلغي\" وهو تحريف.","vol":"3","page":358},{"text":"نُغزك] (^١) (^٢) وأنفق عليهم فسننفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسًا أمثاله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير ذو عيال متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا دين له، والذين هم فيكم تبع أو تبعًا - شك يحيى - لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخيل أو الكذاب، والشنظير الفاحش\" (^٣).\nثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من غير وجه عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، وفي رواية شعبة عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف، وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده أن قتادة لم يسمعه من مطرف وإنما سمعه من أربعة عنه، ثم رواه هو عن روح، عن عوف، عن حكيم الأثرم، عن الحسن قال: حدثني مطرف، عن عياض بن حمار فذكره. ورواه النسائي من حديث غندر عن عوف الأعرابي به (^٤).\nوالمقصود من إيراد هذا الحديث قوله: \"وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل\" وفي لفظ مسلم: من أهل الكتاب (^٥) وكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث الله محمدًا ﷺ، فهدى الخلائق وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ أي: لئلا تحتجوا وتقولوا يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير يعني محمدًا ﷺ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال ابن جرير: معناه إني قادر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني.\n\n<span id=\"aya-689\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇ فيما ذكر به قومه من نعم الله عليهم [وآلائه] (^٦) لديهم في جمعه لهم خيري الدنيا والآخرة: لو استقاموا على طريقتهم\n_________\n(^١) أي: نعينك.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وصحيح مسلم، وفي الأصل: \"واعزهم بعزك\"، وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٦٢)، وأخرجه مسلم من طريق قتادة به (الصحيح، الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ح ٢٨٦٥).\n(^٤) نفس المصدرين السابقين والسنن الكبرى، فضائل القرآن، باب قراءة القرآن على كل الأحوال (ح ٨٠٧١).\n(^٥) المصدر السابق في صحيح مسلم.\n(^٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"والآية\".","vol":"3","page":359},{"text":"المستقيمة، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أي: كلما هلك نبي قام فيكم نبي من لدن أبيكم إبراهيم إلى من بعده، وكذلك كانوا لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله ويحذرون نقمته حتى ختموا بعيسى ابن مريم ﵇، ثم أوحى الله إلى خاتم الأنبياء والرسل على الإطلاق محمد بن عبد الله المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵇، وهو أشرف من كل من تقدمه منهم [عليه وعليهم الصلاة والسلام] (^١).\nوقوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال عبد الرزاق: عن الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، قال: الخادم والمرأة والبيت (^٢). ورواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري أيضًا عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: المرأة والخادم ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذٍ. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٣).\nوروى ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار، سمي ملكًا (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو [هانئ] (^٥) أنه سمع أبا عبد الرحمن للحُبلُيّ يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك (^٦).\nوقال الحسن البصري: هل الملك إلا مركب وخادم ودار، رواه ابن جرير (^٧)، ثم روى عن الحكم ومجاهد ومنصور وسفيان الثوري نحوًا من هذا. وحكاه ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران.\nوقال ابن شوذب: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم واستؤذن عليه، فهو ملك.\nوقال قتادة: كانوا أول من اتخذ الخدم (^٨).\n_________\n(^١) زيادة من (مح).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفيه الحكم وهو ابن عتيبة مدلس لكنه توبع في الرواية التالية من طريق مجاهد.\n(^٣) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١١).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق حجاج بن تميم عن ميمون به، وحجاح ضعيف كما في التقريب لكنه توبع كما في رواية الحاكم السابقة.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"ها\".\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح وأخرجه مسلم من طريق ابن وهب به (الصحيح، الزهد، بدون ذكر الباب ح ٢٩٧٩).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع وهو ضعيف ويشهد له ما تقدم.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"3","page":360},{"text":"وقال السدي فقوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: يملك الرجل منكم نفسه وماله وأهله، رواه ابن أبي حاتم (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة، كتب ملكًا (^٢)، وهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوقال ابن جرير: حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، سمعت زيد بن أسلم يقول: وجعلكم ملوكًا فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله ﷺ من كان له بيت وخادم فهو ملك (^٣). وهذا مرسل غريب.\nوقال مالك: بيت وخادم وزوجة. وقد ورد في الحديث \"من أصبح منكم معافى في جسده، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها\" (^٤).\nوقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني: عالمي زمانكم، فإنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ [الجاثية]، وقال تعالى إخبارًا عن موسى لما قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)﴾ [الأعراف] والمقصود أنهم كانوا أفضل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجًا، وأكرم نبيًا، وأعظم ملكًا، وأغزر أرزاقًا، وأكثر أموالًا وأولادًا، وأوسع مملكة، وأدوم عزًا. قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة وشرفها وكرمها عند الله عند قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\nوروى ابن جرير عن ابن عباس وأبي مالك وسعيد بن جبير أنهم قالوا في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني: أمة محمد ﷺ (^٥)، فكأنهم أرادوا أن هذا الخطاب في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا﴾ مع هذه الأمة، والجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه، وهو محمول على عالمي زمانهم كما قدمنا، وقيل: المراد ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: يعني بذلك ما كان تعالى نزله عليهم من المن والسلوى، ويظللهم به من الغمام وغير ذلك مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات، فالله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) في سنده دراج في حديثه عن أبي الهيثم ضعف كما في التقريب.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل.\n(^٤) روي عن جمع من الصحابة بأسانيد ضعيفة، وحسنه الألباني بمجموع طرقه (السلسلة الصحيحة ح ٢٣١٨).\n(^٥) وقول ابن عباس لم أقف عليه في المطبوع من تفسير الطبري، ولعله في النسخة التي بيد الحافظ ابن كثير، وقول أبي مالك وسعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع وهو ضعيف.","vol":"3","page":361},{"text":"<span id=\"aya-690\"></span>\n\n<span id=\"aya-691\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن تحريض موسى ﵇ لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف ﵇، ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى، فوجدوا فيها قومًا من العمالقة الجبارين قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله موسى ﵇ بالدخول إليها وبقتال أعدائهم وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم، فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره، فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي في سيرهم حائرين لا يدرون كيف يتوجهون فيه إلى مقصد، مدة أربعين سنة عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى.\nفقال تعالى مخبرًا عن موسى أنه قال: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أي: المطهرة.\nوقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، قال: هي الطور وما حوله (^١)، وكذا قال مجاهد وغير واحد (^٢).\nوروى سفيان الثوري عن أبي سعد [البقال] (^٣) عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: هي أريحاء (^٤)، وكذا ذكر عن غير واحد من المفسرين، وفي هذا نظر، لأن أريحاء ليست هي المقصودة بالفتح، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس، وقد قدموا من بلاد مصر حين أهلك الله عدوهم فرعون، إلا أن يكون المراد بأريحاء أرض بيت المقدس، كما قاله السدي فيما رواه ابن جرير عنه (^٥)، لا أن المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الطور شرقي بيت المقدس.\nوقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل أنه وراثة من آمن منكم، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: ولا تنكلوا عن الجهاد ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾ أي: اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها قومًا جبارين أي ذوي خلق هائلة وقوى شديدة، وإنا لا نقدر على مقاومتهم ولا مصاولتهم، ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها دخلناها، وإلا فلا طاقة لنا بهم.\nوقد قال ابن جرير: حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بشار، حدثنا سفيان قال: قال [أبو سعد (^٦)]: قال عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبًا من المدينة، وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عينًا من كل سبط منهم عين، ليأتوه بخبر القوم، قال: فدخلوا المدينة فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"النعال\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وفي سنده أبو سعد البقال وهو سعيد بن المرَزُبان العبمي، وأبو سعد ضعيف في التقريب.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) كذا في (مح) وهو الصواب، وفي الأصل: \"أسعد\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":362},{"text":"فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم، فتبعهم فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، حتى التقط الاثني عشر كلهم، فجعلهم في كمه مع الفاكهة، وذهب بهم إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال لهم الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، فاذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم (^١). وفي هذا الإسناد نظر.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلًا، وهم النقباء الذين ذكرهم الله، فبعثهم ليأتوه بخبرهم، فساروا فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم، فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه، فقولوا لهم: هذا قدر فاكهتهم، فرجعوا إلى موسى فأخبروه، بما رأوا، فلما أمرهم موسى ﵇، بالدخول عليهم وقتالهم، قالوا: يا موسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. رواه ابن أبي حاتم (^٢).\nثم قال: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، عن يزيد بن الهاد، حدثني يحيى بن عبد الرحمن، قال: رأيت أنس بن مالك، أخذ عصاه فذرع فيها بشيء لا أدري كم ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسًا وخمسين، ثم قال: هكذا طول العماليق (^٣)، وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأن منهم عوج بن عنق، ابن بنت آدم ﵇، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعًا وثلث ذراع - تحرير الحساب - (^٤)، وهذا شيء يستحيى من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن\" (^٥) ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرًا، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته، وهذا كذب وافتراء، فإن الله تعالى ذكر أن نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾ [الشعراء] وقال تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوح الكافر، غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له: عوج بن عنق نظر، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-692\"></span>وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أي: فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة رسول الله موسى ﷺ، حرضهم رجلان لله عليهما نعمة عظيمة، وهما ممن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقول ابن كثير في هذا الإسناد نظر لعله بسبب أبي صعد البقال وهو سعيد بن المرزبان ضعيف مدلس (التقريب ص ٢٤١)، وهذه الرواية من الإسرائيليات الغريبة.\n(^٢) سنده ثابت ولكنه أيضًا من الإسرائيليات.\n(^٣) في سنده يحيى بن أيوب: صدوق ربما أخطأ، والرواية أيضًا من الإسرائيليات.\n(^٤) كذا في الأصل وكان الحافظ ابن كثير يشير إلى أنه يحتاج إلى تحرير الحساب لأنه أنكر ذلك بالدليل الصحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (ح ٣٣٢٦)، وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها (ح ٢٨٤١).","vol":"3","page":363},{"text":"يخاف أمر الله ويخشى عقابه، وقرأ بعضهم ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي: ممن لهم مهابة وموضع من الناس، ويقال: إنهما يوشع بن نون، وكالب (^١) بن يوقنا. قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وعطية، والسدي، والربيع بن أنس (^٢)، وغير واحد من السلف والخلف ﵏ فقالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن توكلتم على الله واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم وأيدكم وظفركم بهم، ودخلتم البلد التي كتبها الله لكم، فلم ينفع ذاك فيهم شيئًا\n\n<span id=\"aya-693\"></span>﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم، وتخلف عن مقاتلة الأعداء، ويقال: إنهم لما نكلوا عن الجهاد، وعزموا على الانصراف والرجوع إلى مصر، سجد موسى وهارون ﵇، قدام ملأ من بني إسرائيل، إعظامًا لما هموا به، وشَقَّ يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، ثيابهما، ولاما قومهما على ذلك، فيقال: إنهم رجموهما، وجرى أمر عظيم، وخطر جليل، وما أحسن ما أجاب به الصحابة ﵃ يوم بدر رسول الله ﷺ حين استشارهم في قتال النفير، الذين جاؤوا لمنع العير، الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدة، والبيض [واليلَبَ] (^٣). فتكلم أبو بكر ﵁ فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين، ورسول الله ﷺ يقول: \"أشيروا علي أيها المسلمون\" وما يقول ذلك، إلا ليستعلم ما عند الأنصار، لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذٍ، فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله، فسرّ رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك (^٤).\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حُميد، عن أنس أن رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله ﷺ قالوا: إذًا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك، ورواه الامام أحمد عن عبيدة بن حُميد عن حميد الطويل، عن أنس به (^٥)، ورواه النسائي عن محمد بن\n_________\n(^١) كذا في النسخ الثلاث وفي بعض روايات الطبري التالية: \"كلاب\".\n(^٢) قول ابن عباس وعكرمة أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي سعد عن عكرمة عن ابن عباس ويتقوى بالآثار التالية، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عطية أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع وهو ضعيف، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الربيع أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"السلب\"، واليلب: الدروع من الجلود.\n(^٤) ينظر السيرة لابن هشام ١/ ٦١٥، وستأتي شواهده كما يلي.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد عن عبيدة به وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط البخاري (المسند ٢٠/ ٢٨١ ح ١٢٩٥٤).","vol":"3","page":364},{"text":"المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد به (^١)، ورواه ابن حبان عن أبي يعلى، عن عبد الأعلى بن حماد، عن معتمر بن سليمان، عن حميد به (^٢).\nوقال ابن مردويه: أنبأنا عبد الله بن جعفر، أنبأنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا محمد بن شعيب، عن الحسن بن أيوب، عن عبد الله بن ناسخ، عن عتبة بن عبيد السلمي، قال: قال النبي ﷺ لأصحابه: \"ألا تقاتلون\"؟ قالوا: نعم، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون (^٣).\nوكان ممن أجاب يومئذٍ المقداد بن عمرو الكندي ﵁، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثني سفيان، عن مخارق بن عبد الله الأحمسي، عن طارق هو ابن شهاب، أن المقداد قال لرسول الله ﷺ يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون (^٤)، هكذا رواه أحمد من هذا الوجه، وقد رواه من طريق أخرى فقال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: لقد شهدت من المقداد مشهدًا لأن أكون أنا صاحبه أحب إليّ مما عدل به، أتى رسول الله ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك، فرأيت وجه رسول الله ﷺ يشرق لذلك وسر بذلك (^٥).\nوهكذا رواه البخاري في المغازي (^٦) وفي التفسير من طرق عن مخارق به (^٧)، ولفظه في كتاب التفسير عن عبد الله، قال: قال المقداد يوم بدر: يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن امض ونحن معك. فكأنه سرّي عن رسول الله ﷺ ثم قال البخاري: رواه وكيع عن سفيان، عن مخارق، عن طارق، أن المقداد قال للنبي ﷺ (^٨).\nوقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي، وحيل بينهم وبين مناسكهم\n_________\n(^١) السنن الكبرى (ح ١١١٤١).\n(^٢) الإحسان ١١/ ٢٤ ح ٤٧٢٢.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق الحسن بن أيوب به (المسند ٤/ ١٨٤)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد / ١٧٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٨٩)، وسنده صحيح، وأخرجه البخاري من طريق مخارق به (الصحيح، المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ …﴾ [الأنفال: ٩] ح ٣٩٥٢).\n(^٥) المسند (١/ ٣٨٩).\n(^٦) تقدم في الحاشية قبل السابقة.\n(^٧) الصحيح، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا …﴾ [المائدة: ٢٤] (ح ٤٦٠٩).\n(^٨) تقدم عزوه في الحديث السابق.","vol":"3","page":365},{"text":"\"إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت\" فقال له المقداد بن الأسود: أما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فلما سمعها أصحاب رسول الله ﷺ تتابعوا على ذلك (^١)، وهذا إن كان محفوظًا يوم الحديبية فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذٍ كما قاله يوم بدر.\n\n<span id=\"aya-694\"></span>وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥)﴾ يعني: لما نكل بنو إسرائيل عن القتال غضب عليهم موسى ﵇، وقال داعيًا عليهم ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ أي: ليس أحد يطيعني منهم فيمتثل أمر الله ويجيب إلى ما دعوت إليه إلا أنا وأخي هارون ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس: يعني اقض بيني وبينهم (^٢)، وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وكذا قال الضحاك: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم (^٣)، وقال غيره: (افرق) افصل بيننا وبينهم (^٤)، كما قال الشاعر:\nيا رب فافرق بينه وبيني … أشد ما فرقت بين اثنين (^٥)\n\n<span id=\"aya-695\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، لما دعا عليهم موسى ﵇ حين نكلوا عن الجهاد حكم الله بتحريم دخولها عليهم مدة أربعين سنة فوقعوا في التيه يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه وفيه كانت أمور عجيبة وخوارق كثيرة من تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينًا تجري لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران. وهناك نزلت التوراة وشرعت لهم الأحكام، وعملت قبة العهد ويقال لها: قبة الزمان.\nقال يزيد بن هارون، عن أصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ لآية قال: فتاهوا في الأرض أربعين سنة يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى (^٦)، وهذا قطعة من حديث الفتون، ثم كانت وفاة هارون ﵇، ثم بعده بمدة ثلاث سنين وفاة موسى ﵇، وأقام الله فيهم يوشع بن نون ﵇، نبيًا خليفة عن موسى بن عمران، ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة، ويقال: إنه لم يبق منهم أحد سوى يوشع وكالب، ومن ها هنا قال بعض المفسرين في قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هذا وقف تام.\n_________\n(^١) سنده صحيح لكنه مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي لكن يتقوى برواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فقد أخرجه الطبري من هذه الطريق أيضًا.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري ويشهد له سابقه.\n(^٤) قاله الطبري قبل بيت الشعر المذكور.\n(^٥) ذكره معمر بن المثنى في مجاز القرآن (١/ ١٦٠).\n(^٦) في سنده أصبَغ بن زيد وهو الجهني الوراق صدوق يغرب (التقريب ص ١١٣).","vol":"3","page":366},{"text":"وقوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوب بقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلما انقضت المدة، خرج بهم يوشع بن نون ﵇، أو بمن بقي منهم، وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني، فقصد بهم بيت المقدس فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر، فلما تضيفت الشمس للغروب وخشي دخول السبت عليهم، قال: إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها علي. فحبسها الله تعالى حتى فتحها، وأمر الله يوشع بن نون، أن يأمر بني إسرائيل حين يدخلون بيت المقدس، أن يدخلوا بابها سجدًا، وهم يقولون: حطة أي حط عنا ذنوبنا، فبدلوا ما أمروا به، ودخلوا يزحفون على أستاههم وهو يقولون: حبة في شعرة، وقد تقدم هذا كله في سورة البقرة (^١) (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان، عن أبي سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس، ﵁، قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: فتاهوا أربعين سنة، قال: فهلك موسى وهارون في التيه، وكل من جاوز الأربعين سنة فلما مضت الأربعون سنة، ناهضهم يوشع بن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، وهو الذي قيل له، اليوم يوم الجمعة، فهموا بافتتاحها ودنت الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس: إني مأمور، وإنك مأمورة، فوقفت حتى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار فلم تأته، فقال فيكم الغلول، فدعا رؤوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلًا فبايعهم والتصقت يد رجل منهم بيده فقال: الغلول عندك فأخرجه، فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ فوضعه مع القربان، فأتت النار فأكلته (^٣).\nوهذا السياق له شاهد في الصحيح (^٤).\nوقد اختار ابن جرير أن قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هو العامل في أربعين سنة وأنهم مكثوا لا يدخلونها أربعين سنة، وهم تائهون في البرية لا يهتدون لمقصد، قال: ثم خرجوا مع موسى ﵇، ففتح بهم بيت المقدس، ثم احتج على ذلك من قال بإجماع علماء أخبار الأولين، أن عوج بن عنق قتله موسى ﵇، قال: فلو كان قتله إياه قبل التيه، لما رهبت بنو إسرائيل من العماليق فدل على أنه كان بعد التيه، قال: وأجمعوا على أن بلعام بن باعورا أعان الجبارين بالدعاء على موسى، قال: وما ذاك إلا بعد التيه، لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه، هذا استدلاله، ثم قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قيس، عن ابن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، فوثب فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسرًا لأهل النيل سنة (^٥).\n_________\n(^١) تقدم في آية ٥٨.\n(^٢) بعض هذا الأثر ورد في صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس (ح ٣١٢٤).\n(^٣) في سنده أبو سعد وهو سعيد بن المرزبان ضعيف ومدلس (التقريب ص ٢٤١).\n(^٤) بل لبعضه شاهد في الصحيح فإن أول الرواية وآخرها في وصف الرأس ليس فيهما شاهد بل الشاهد لوسط الرواية وقوله: فأتت النار فأكلته. (صحيح البخاري الحديث السابق نفسه).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وذكر الأستاذ أحمد شاكر أن كل ما رواه الطبري من أخبار عوج بن عنق من =","vol":"3","page":367},{"text":"وروى أيضًا عن محمد بن بشار: حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف - هو البكالي - قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، فضرب عوجًا فأصاب كعبه فسقط ميتًا وكان جسرًا للناس يمرون عليه (^١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ تسلية لموسى ﵇ عنهم؛ أي: لا تأسف ولا تحزن عليهم فيما حكمت عليهم به، فإنهم يستحقون ذلك، وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود، وبيان فضائحهم ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله ﷺ وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون لتقر به أعينهم، وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم، فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا وهم في جهلهم يعمهون وفي غيهم يتردّدون، وهم البغضاء إلى الله وأعداؤه ويقولون مع ذلك: نحن أبناء الله وأحباؤه، فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأييد الخلود، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود.\n\n<span id=\"aya-696\"></span>﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾.\nيقول تعالى مبينًا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه في قول الجمهور، وهما قابيل وهابيل كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله، بغيًا عليه وحسدًا له، فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله ﷿، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ أي: اقصص على هؤلاء البغاة الحسدة إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم، وهما هابيل وقابيل، فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف.\n_________\n= مبالغات أهل الكتاب وأنها أخبار زيوف لا يعتمد عليها، وقد سبقه بذلك الإمام ابن القيم في (المنار المنيف ص ٧٦).\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسقط لفظ أبي من أبي إسحاق في طبعة أحمد شاكر، وهذه الرواية أيضًا من الإسرائيليات التي ولع بها نوف البكالي فقد كان من مسلمة أهل الكتاب.","vol":"3","page":368},{"text":"وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]. وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣] وقال: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤]، وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن الله تعالى: شرع لآدم ﵇، أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك، إلا أن يقربا قربانًا، فمن تقبل منه فهي له، فتقبّل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-105>ذكر أقوال المفسرين ههنا:</span>\nقال السدي فيما ذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما: هابيل وقابيل وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه، وقال هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوج بها، فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى، وأنهما قربا قربانًا إلى الله ﷿ أيهما أحق بالجارية، وكان آدم ﵇ قد غاب عنهما، أتى مكة ينظر إليها، قال الله ﷿: هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم لا. قال: إن لي بيتًا في مكة، فأته، فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك، فلما انطلق آدم قربا قربانًا، وكان قابيل يفخر عليه، فقال: أنا أحق بها منك هي أختي وأنا أكبر منك وأنا وصي والدي، فلما قربا قرب هابيل جذعة سمينة وقرب قابيل حزمة سنبل فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها وأكلها فنزلت النار، فاكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل إنما يتقبل الله من المتقين (^١)، رواه ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج أخبرني ابن خُثَيْم قال: أقبلت مع سعيد بن جبير، فحدثني عن ابن عباس، قال: نهي أن تنكح المرأة أخاها توأمها وأمر أن ينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة، فبينما هم كذلك إذ ولد له امرأة وضيئة وولد له أخرى قبيحة دميمة، فقال أخو الدميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي، فقال لا، أنا أحق بأختي، فقربا قربانًا فتقبل من صاحب الكبش ولم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهذا السند ضعيف لخلط السدي طرق هذا السند، وقد أشار إلى ضعف هذا السند الإمام أحمد والحافظ ابن حجر في مقدمة (العجاب في بيان الأسباب). وسيأتي إنكار الحافظ ابن كثير على قصة اختلافهم على المرأة الجارية.","vol":"3","page":369},{"text":"يتقبل من صاحب الزرع، فقتله (^١). إسناد جيد.\nوحدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ فقربا قربانهما، فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض، وصاحب الحرث بصبرة من طعامه، فقبل الله الكبش فخزنه في الجنة أربعين خريفًا، وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم ﵇ (^٢)، إسناد جيد.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن ابني آدم اللذين قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، وإنهما أمرا أن يقربا قربانًا، وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب أشر حرثه الكودن والزوان، غير طيبة بها نفسه، وإن الله ﷿، تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، قال: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه (^٣).\nوقال إسماعيل بن رافع المدني القاص: بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان، كان أحدهما صاحب غنم وكان أنتج له حمل في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبه، حتى لم يكن له مال أحب إليه منه، فلما أمر بالقربان قربه لله ﷿ فقبله الله منه، فما زال يرتع في الجنة حتى فدي به ابن إبراهيم ﵇، رواه ابن جرير (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الأنصاري، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن علي بن الحسين، قال: قال آدم ﵇ لهابيل وقابيل: إن ربي عهد إلي أنه كائن من ذريتي من يقرب القربان، فقربا قربانًا حتى تقر عيني، إذا تقبل قربانكما فقربا وكان هابيل صاحب غنم فقرب أكولة غنم خير ماله، وكان قابيل صاحب زرع، فقرب مشاقة من زرعه، فانطلق آدم معهما، ومعهما قربانهما، فصعدا الجبل، فوضعا قربانهما ثم جلسوا ثلاثتهم آدم وهما ينظران إلى القربان، فبعث الله نارًا حتى إذا كانت فوقهما دنا منها عنق، فاحتمل قربان هابيل، وترك قربان قابيل، فانصرفوا، وعلم آدم أن قابيل مسخوط عليه، فقال: ويلك يا قابيل رد عليك قربانك، فقال قابيل أحببته فصليت على قربانه ودعوت له فتقبل قربانه ورد علي قرباني، فقال قابيل لهابيل لأقتلنك وأستريح منك، دعا لك أبوك فصلى على قربانك فتقبل منك، وكان يتوعده بالقتل إلى أن احتبس هابيل ذات عشية في غنمه، فقال آدم: يا قابيل، أين أخوك؟ قال: وبعثتني له راعيًا لا\n_________\n(^١) على الرغم من قول الحافظ ابن كثير: إسناد جيد فقد أنكر قصة خلافهما على المرأة كما سيأتي، وفي سنده أيضًا حجاج وهو ابن محمد المصيصي: ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره (التقريب ص ١٥٣).\n(^٢) هذه من الروايات الإسرائيلية وفي متنه نكارة إذ كيف يكون الفترة بين إبراهيم ﵇ وابني آدم مدة أربعين خريفًا!\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة أبي المغيرة (التقريب ص ٦٧٥).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق هشام بن سعد عن إسماعيل به، وسنده ضعيف لضعف إسماعيل (التقريب ص ١٠٧).","vol":"3","page":370},{"text":"أدري، فقال آدم: ويلك يا قابيل، انطلق فاطلب أخاك، فقال قابيل في نفسه: الليلة أقتله، وأخذ معه حديدة فاستقبله وهو منقلب، فقال: يا هابيل تقبل قربانك ورد علي قرباني لأقتلنك، فقال هابيل: قربت أطيب مالي، وقربت أنت أخبث مالك وإن الله لا يقبل إلا الطيب إنما يتقبل الله من المتقين، فلما قالها غضب قابيل، فرفع الحديدة وضربه بها، فقال: ويلك يا قابيل، أين أنت من الله كيف يجزيك بعملك؟ فقتله، فطرحه في جوبة (^١) من الأرض، وحثى عليه شيئًا من التراب (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: إن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح توأمة قابيل، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبي ذلك قابيل وكره تكرمًا عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل وقال: نحن من ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي، ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه والله أعلم أي ذلك كان فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحل لك فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، قال له أبوه: يا بني قرّب قربانًا ويقرب أخوك هابيل قربانًا فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها، وكان قابيل على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قابيل قمحًا وقرب هابيل أبكارًا من أبكار غنمه، وبعضهم يقول: قرب بقرة، فأرسل الله نارًا بيضاء فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله (^٣)، رواه ابن جرير.\nوروى العوفي عن ابن عباس قال: [من] (^٤) شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه وإنما كان القربان يقربه الرجل فبينا ابنا آدم قاعدان، إذ قالا لو قربنا قربانًا، وكان الرجل إذا قرب قربانًا فرضيه الله أرسل إليه نارًا فتأكله، وإن لم يكن رضيه الله خبت النار، فقربا قربانًا، وكان أحدهما راعيًا وكان الآخر حراثًا، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها، وقرب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت بينهما فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانًا فتقبل منك وردّ علي، فلا والله لا ينظر الناس إليّ وأنت خير مني فقال: لأقتلنك، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين (^٥). رواه ابن جرير.\nفهذا الأثر يقتضي أن تقريب القربان كان لا عن سبب ولا عن تدارؤ (^٦) في امرأة كما تقدم عن\n_________\n(^١) الجوبة: الحفرة.\n(^٢) سنده ضعيف لأن القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري قال أبو حاتم: ضعيف الحديث .. حدثنا عنه الأنصاري بحديثين باطلين (الجرح والتعديل ٧/ ١١٢).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق، وفيه ابن حميد وهو: محمد بن حميد الرازي: ضعيف، وقد صرح ابن إسحاق أن روايته عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول، أي بالتوراة وأشباهها.\n(^٤) ما بين معقوفين تأخر في الأصل بسبب الخطأ في الترتيب.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٦) أي: اختلاف.","vol":"3","page":371},{"text":"جماعة ممن تقدم ذكرهم وهو ظاهر القرآن ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فالسياق يقتضي أنه إنما غضب عليه وحسده بقبول قربانه دونه، ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل وأن الذي قرب الطعام هو قابيل وأنه تقبل من هابيل شاته، حتى قال ابن عباس وغيره إنها الكبش الذي فدي به الذبيح وهو مناسب (^١)، والله أعلم.\n[ولم يتقبل من قابيل، كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف وهو المشهور عن مجاهد أيضًا، ولكن روى ابن جرير عنه أنه قال: الذي قرب الزرع قابيل وهو المتقبل منه، وهذا خلاف المشهور ولعله لم يحفظ عنه جيدًا (^٢)، والله أعلم] (^٣).\nومعنى قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: ممن اتقى الله في فعله ذلك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زيد، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثني صفوان بن عمرو، عن تميم - يعني ابن مالك المقري -، قال: سمعت أبا الدرداء يقول: لأن أستيقن أن الله قد تقبل لي صلاة واحدة أحب إليّ من الدنيا وما فيها إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (^٤).\nوحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا إسحاق بن سليمان - يعني الرازي -، عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون بن أبي حمزة، قال: كنت جالسًا عند أبي وائل فدخل علينا رجل يقال له: أبو عفيف من أصحاب معاذ فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى سمعته يقول: يحبس الناس في بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا العبادة فيمرون إلى الجنة (^٥).\n\n<span id=\"aya-697\"></span>وقوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه لتقواه، حين توعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ أي: لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب.\nقال عبد الله بن عمرو: وايمُ الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع (^٦)،\n_________\n(^١) قوله فيه نظر وقد أجبت عن ذلك قبل صفحتين.\n(^٢) ما ورد عن مجاهد بعده أسانيد صحيحة وغيرها أن المتقبل منه الذي قرب شاة وليس الذي قرب الزرع.\n(^٣) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٤) في سنده تميم بن مالك سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ٢/ ١٥٥)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٢/ ٤٤٤).\n(^٥) في سنده ميمون بن أبي حمزة وهو الأعور، قال الإمام أحمد: متروك الحديث (تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٦٨).\n(^٦) تقدم بيان ضعفه قبل ثلاث صفحات.","vol":"3","page":372},{"text":"ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: \"إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار\" قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: \"إنه كان حريصًا على قتل صاحبه\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث بن سعد، عن [عياش بن عباس] (^٢)، عن بكير بن عبد الله، عن بُسر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله ﷺ قال: \"إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي\" قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي فبسط يده إليّ ليقتلني فقال: \"كن كابن آدم\" (^٣).\nوكذا رواه الترمذي عن قتيبة بن سعيد وقال: هذا حديث حسن، وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة، ورواه بعضهم عن الليث بن سعد وزاد في الإسناد رجلًا (^٤).\nقال الحافظ ابن عساكر: الرجل هو حسين الأشجعي.\nقلت: وقد رواه أبو داود من طريقه فقال: حدثنا يزيد بن خالد الرملى، حدثنا الفضل، عن عياش بن عباس، عن [بكير] (^٥) عن بُسْر بن سعيد، عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي أنه سمع سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ في هذا الحديث قال: فقلت: يا رسول الله أرأيت إن دخل بيتي وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: \"كن كابن آدم\" وتلا ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٦).\nقال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ لعثمان بن عفان ﵁، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا مرحوم، حدثني أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرٍّ، قال: ركب النبي ﷺ حمارًا أردفني خلفه وقال: \"يا أبا ذرٍّ، أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع؟ \" قال: قال الله ورسوله أعلم، قال: \"تعفف\" قال: \"يا أبا ذرٍّ، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما (ح ٧٠٨٣)، وصحيح مسلم، الفتن، باب إذا تواجه المسلمان (ح ٢٨٨٨).\n(^٢) كذا في المسند وفي الأصل: عياش بن عياش، وفي (حم) و(مح): عباس بن عباس.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٨٥)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند، وصححه الألباني كما يلى.\n(^٤) سنن الترمذي، الفتن، باب ما جاء تكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم (ح ٢١٩٤).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"بكير بن بكر\". ولم أثبته بهذا الاسم لأن اسم أبيه عبد الله.\n(^٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الفتن، باب النهي عن السعي في الفتنة ح ٤٢٥٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٥٨١).","vol":"3","page":373},{"text":"يعني: القبر كيف تصنع؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم، قال: \"اصبر\" قال: \"يا أبا ذر، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضًا، يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف تصنع؟ \" قال: الله ورسوله أعلم، قال: \"اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك\" قال: فإن لم أترك، قال: \"فأت من أنت منهم فكن منهم\" قال: فآخذ سلاحي، قال: \"فإذًا تشاركهم فيما هم فيه ولكن إذا خشيت أن يردعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك\" (^١)، ورواه مسلم وأهل السنن سوى النسائي، من طرق عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت به (^٢)، ورواه أبو داود وابن ماجه من طريق حماد بن زيد عن أبي عمران، عن المشعث بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر بنحوه، قال أبو داود: ولم يذكر المشعث في هذا الحديث غير حماد بن زيد (^٣).\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان، عن منصور، عن ربعي، قال: كنا في جنازة حذيفة فسمعت رجلًا يقول: سمعت هذا يقول في ناس، مما سمعت من رسول الله ﷺ: \"لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى بيت في داري فلألجنه، فلئن دخل على فلان لأقولن ها، بؤ بإثمي وإثمك فأكون كخير ابني آدم\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-698\"></span>وقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي في قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾: أي بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك، قاله (^٥) ابن جرير.\nوقال آخرون: يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي، وهذا قول وجدته عن مجاهد (^٦) وأخشى أن يكون غلطًا لأن الصحيح من الرواية عنه خلافه، يعني ما رواه سفيان الثوري عن منصور، عن مجاهد ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ قال: بقتلك إياي ﴿وَإِثْمِكَ﴾ قال: بما كان منك قبل ذلك (^٧)، وكذا رواه عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله (^٨)، وروى شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتك ودمي فتبوء بهما جميعًا (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٤٩)، وأخرجه أبو داود من طريق أبي عمران الجوني به (المصدر السابق ح ٤٢٦١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٥٨٣).\n(^٢) لم أجده في صحيح مسلم وإنما فيه من طريق حماد وبسنده واقتصر على ذكر الصلاة لوقتها. وورد في سنن أبي داود كما تقدم.\n(^٣) ما ورد فيه هو حديث مسلم المتقدم.\n(^٤) رجاله ثقات إلا قبيصة صدوق ربما وهم وسنده حسن، ويشهد له حديث أبي ذرٍّ السابق.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسنده إلى السدي عن ابن عباس وتقدم أنه خلّط السدي فيه ويشهد له الآثار الأخرى كقول مجاهد الذي أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة، وقول قتادة: أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^٦) لم أجده بهذا اللفظ عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده عن الثوري به، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى به.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق شبل به.","vol":"3","page":374},{"text":"(قلت): وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثًا لا أصل له: \"ما ترك القاتل على المقتول من ذنب\" (^١).\nوقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا يشبه هذا ولكن ليس به فقال: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثنا يعقوب بن عبد الله، حدثنا عتبة بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه\" (^٢) وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه: أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه فأما أن تحمل على القاتل فلا، ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته فإن نفدت ولم يستوف حقه، أخذ من سيئات المقتول، فطرحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل، وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ في المظالم كلها (^٣)، والقتل من أعظمها وأشدها والله أعلم.\nوأما ابن جرير فقال: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن تأويله إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي وذلك هو معنى قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ وأما معنى ﴿وَإِثْمِكَ﴾ فهو إثمه يعني قتله وذلك معصية الله ﷿ في أعمال سواه وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع أهل التأويل عليه وأن الله ﷿ أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه وإذا كان هذا حكمه في خلقه فغير جائز أن تكون آثام المقتول مأخوذًا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتيله (^٤)، هذا لفظه، ثم أورد على هذا سؤالًا حاصله كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله وإثم نفسه مع أن قتله له محرم؟ وأجاب بما حاصله أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله، بل يكف عنه يده طالبًا إن وقع قتل أن يكون من أخيه لا منه، قلت: وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجرًا له لو انزجر، ولهذا قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي: تتحمل إثمي وإثمك ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾.\nوقال ابن عباس: خوفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر (^٥).\n\n<span id=\"aya-699\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ أي: فحسنت وسولت له نفسه وشجعته على قتل أخيه فقتله؛ أي: بعد هذه الموعظة وهذا الزجر.\nوقد تقدم في الرواية عن أبي جعفر الباقر وهو محمد بن علي بن الحسين أنه قتله بحديدة في يده (^٦).\n_________\n(^١) أشار الحافظ أنه لا أصل له، وقال أيضًا معناه صحيح (ينظر المقاصد الحسنة ص ٣٦٤).\n(^٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ١٥٤٥)، وقال البزار: لا نعلمه يروي عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أسنده إلا يعقوب، وضعفه الحافظ ابن كثير فقال: \"لا يصح\".\n(^٣) ينظر: صحيح مسلم حديث \"أتدرون من المفلس؟ \"، كتاب البر، باب تحريم الظلم (ح ٢٥٨١).\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٢١٦ - ٢١٧.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس به مطولًا.\n(^٦) تقدم بيان ضعفه قبل بضع صفحات.","vol":"3","page":375},{"text":"وقال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ، فطوعت له نفسه قتل أخيه، فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يومًا من الأيام وهو يرعى غنمًا له وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات فتركه بالعراء (^١)، رواه ابن جرير. وعن بعض أهل الكتاب أنه قتله خنقًا وعضًا كما تقتل السباع. وقال ابن جريج: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة ووضع رأسها على حجر، ثم أخذ حجرًا آخر فضرب به رأسها حتى قتلها وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل ذلك (^٢)، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أخذ برأسه ليقتله فاضطجع له وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال: أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه، قال: فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه، ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعًا فقال: يا حواء إن قابيل قتل هابيل، فقالت له: ويحك وأي شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك، قالت: ذلك الموت. قال: فهو الموت، فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال: ما لك؟ فلم تكلمه، فرجع إليها مرتين فلم تكلمه، فقال: عليك الصيحة وعلى بناتك، وأنا وابنيّ منها برآء (^٣)، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة؛ وأي خسارة أعظم من هذه؟\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا: حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل\" (^٤). وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود من طرق عن الأعمش به (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قال مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذٍ إلى يوم القيامة ووجهه في الشمس حيثما دارت دار، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج. قال: وقال عبد الله بن عمرو: إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم أنه\n_________\n(^١) تقدم بيان ضعفه قبل بضع صفحات.\n(^٢) هذه الرواية من الإسرائيليات التي اشتهر بها ابن جريج.\n(^٣) سنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٨٣)، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه البخاري (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم ح ٣٣٣٥)، ومسلم (الصحيح، القسامة، باب بيان إثم من سنّ القتل ح ١٦٧٧).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لثلاث علل: الأولى: الحسين هو ابن داود المُلقّب بسُنيد ضعيف، وابن جريج لم يسمع من مجاهد، ومجاهد لم يسمع من عبد الله بن عمرو.","vol":"3","page":376},{"text":"حدث عن عبد الله بن عمرو أنه كان يقول: إن أشقى الناس رجلًا ابن آدم الذي قتل أخاه، ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة إلا لحق به منه شر، وذلك أنه أول من سن القتل (^١).\nوقال إبراهيم النخعي: ما من مقتول يقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفل منه (^٢)، ورواه ابن جرير أيضًا.\n\n<span id=\"aya-700\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ قال السدي بإسناده المتقدم إلى الصحابة ﵃: لما مات الغلام تركه بالعراء، ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثى عليه، فلما رآه قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: جاء غراب إلى غراب ميت، فحثى عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ (^٤).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة حتى بعث الله الغرابين، فرآهما يبحثان، فقال: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ فدفن أخاه (^٥).\nوقال [ليث] (^٦) بن أبي سليم، عن مجاهد: كان يحمله على عاتقه مائة سنة ميتًا لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض حتى رأى الغراب يدفن الغراب، فقال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (^٧) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\nوقال عطية العوفي: لما قتله ندم فضمه إليه حتى أروح، وعكفت عليه الطيور والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله، رواه ابن جرير (^٨).\nوروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: لما قتله سقط في يده، أي ولم يدر كيف يواريه، وذلك أنه كان فيما يزعمون أول قتيل في بني آدم، وأول ميت ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾. قال: وزعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل، قال\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لثلاث علل: الأولى: ابن حميد هو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، ومحمد بن إسحاق لم يصرح بالسماع، وحكيم لم يسمع من عبد الله بن عمرو.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع: ضعيف ويشهد له الحديث السابق والمتفق عليه.\n(^٣) أخرجه الطبري وتقدم بيان ضعفه بخلط السدي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت عن ابن أبي طلحة به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك، لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.\n(^٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: \"ليس\".\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق ليث به وليث فيه مقال.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية به.","vol":"3","page":377},{"text":"له الله ﷿: يا قابيل أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رقيبًا، فقال الله: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض الآن، أنت ملعون في الأرض التي فتحت فاها فتلقت دم أخيك من يدك، فإن أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعًا تائهًا في الأرض (^١).\nوقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد خسران، فهذه أقوال المفسرين في هذه القصة، وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه، كما هو ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في قوله: \"إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل\" (^٢).\nوهذا ظاهر جلي، ولكن قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن هو البصري، قال: كان الرجلان اللذان في القرآن اللذان قال الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان من بني إسرائيل وكان آدم أول من مات (^٣)، وهذا غريب جدًّا، وفي إسناده نظر.\nوقد قال عبد الرزاق: عن معمر، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن ابني آدم ﵇ ضربا لهذه الأمة مثلًا، فخذوا بالخير منهما\" (^٤). ورواه ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلًا، فخذوا من خيرهم ودعوا شرهم\" (^٥)، وكذا أرسل هذا الحديث بكر بن عبد الله المزني (^٦)، روى ذلك كله ابن جرير.\nوقال سالم بن أبي الجعد: لما قتل ابن آدم أخاه مكث آدم مائة سنة حزينًا لا يضحك، ثم أتى فقيل له: حياك الله وبياك؛ أي: أضحكك (^٧)، رواه ابن جرير، ثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني قال: قال علي بن أبي طالب لما قتل ابن آدم أخاه بكاه آدم فقال:\nتغيَّرت البلاد ومَن عليها … فلونُ الأرض مغبر قبيح\nتغير كل ذي لون وطعم … وقلّ بشاشة الوجه المليح\nفأُجب آدم ﵊:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق وسنده ضعيف ومتنه من الإسرائيليات الصريحة المنقولة من أهل التوراة.\n(^٢) تقدم تخريجه في الصحيحين قبل بضع صفحات.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، وضعف عمر وهو ابن عبيد، ومتنه يخالف الحديث الصحيح السابق.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك به وسنده مرسل أيضًا.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه عن بكر به وسنده مرسل أيضًا.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق حسام بن المِصَك عن عمار الدهني عن سالم به، وسنده ضعيف لضعف حسام بل كاد أن يترك (التقريب ص ١٥٧).","vol":"3","page":378},{"text":"أبا هابيل قد قتلا جميعًا … وصار الحي بالميت الذبيح\nوجاء بشرَّةٍ قد كان منها … على خوف فجاء بها يصيح (^١)\nوالظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة، كما ذكره مجاهد وابن جبير أنه علقت ساقه بفخذه إلى يوم القيامة، وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له وتنكيلًا به (^٢)، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: \"ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم\" وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا، فإنا الله وإنا إليه راجعون.\n\n<span id=\"aya-701\"></span>﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾.\nيقول تعالى: من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلمًا وعدوانًا ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: شرعنا لهم وأعلمناهم ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي: من قتل نفسًا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس جميعًا، لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس، ومن أحياها؛ أي: حرم قتلها واعتقد ذلك، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار، ولهذا قال: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.\n[وقال الأعمش وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: دخلت على عثمان يوم الدار فقلت: جئت لأنصرك، وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين، فقال: يا أبا هريرة، أيسرك أن تقتل الناس جميعًا وإياي معهم؟ قلت: لا، قال: فإنك إن قتلت رجلًا واحدًا فكأنما قتلت الناس جميعًا فانصرف مأذونًا لك مأجورًا غير مأزور، قال: فانصرفت ولم أقاتل] (^٣) (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو موضوع على علي بن أبي طالب، وضعه غياث بن إبراهيم قال عنه ابن معين كذاب خبيث واتهمه كثير من النقاد بالوضع (لسان الميزان ٤/ ٤٢٢)، ومن أين الشعر لآدم ﵇؟!\n(^٢) لا يعتمد على هذه الإسرائيلية العجيبة الغريبة.\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من (حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه ابن سعد عن أبي معاوية الضرير عن الأعمش به (الطبقات الكبرى ٣/ ٥١)، وكذا خليفة بن خياط (الطبقات ص ١٢٩)، ولا تضر عنعنة الأعمش لأنه توبع بواسطة عثمان بن حكيم الأنصاري عن أبي صالح ذكوان به، فقد أخرجه الدينوري من طريق عثمان به (المجالسة ٢/ ١٦٠ ح ١٨٣)، وكذا ابن عساكر (تاريخ دمشق ٣٩/ ٣٩٧)، وسنده صحيح.","vol":"3","page":379},{"text":"أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وإحياؤها ألا يقتل نفسًا حرمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعًا يعني أنه من حرم قتلها إلا بحق حمي الناس منه (^١)، وهكذا قال مجاهد: ومن أحياها؛ أي: كف عن قتلها (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، يقول: من قتل نفسًا واحدة حرمها الله، فهو مثل من قتل الناس جميعًا، وقال سعيد بن جبير: من استحل دم مسلم فكأنما استحل دماء الناس جميعًا، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم [دماء] (^٣) الناس جميعًا، هذا قول وهو الأظهر.\nوقال عكرمة والعوفي عن ابن عباس: من قتل نبيًا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شذ على عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعًا (^٤)، رواه ابن جرير. وقال مجاهد في رواية أخرى عنه: من قتل نفسًا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا (^٥)، وذلك لأن من قتل النفس فله النار فهو كما لو قتل الناس كلهم.\nقال ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ من قتل النفس المؤمنة متعمدًا، جعل الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا، يقول: لو قتل الناس جميعًا لم يزد على مثل ذلك العذاب (^٦)، قال ابن جريج: قال مجاهد: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: من لم يقتل أحدًا فقد حمي الناس منه.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس، يعني: فقد وجب عليه القصاص، فلا فرق بين الواحد والجماعة، ومن أحياها أي عفا عن قاتل وليِّه فكأنما أحيا الناس جميعًا، وحكى ذلك عن أبيه (^٧)، رواه ابن جرير.\nوقال مجاهد في رواية: ومن أحياها؛ أي: أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة (^٨).\nوقال الحسن وقتادة في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، هذا تعظيم لتعاطي القتل، قال قتادة: عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه الطبري من طرق يقوي بعضها بعضًا عن مجاهد.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وسقط من الأصل.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حسين واقد عن عكرمة به، وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن المبارك عن ابن جريج به وفي آخره بلفظ: \"فقد استراح الناس منه\".\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن به، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن.\n(^٨) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن مجاهد.\n(^٩) قول الحسن أخرجه الطبري بأسانيد يقوى بعضها بعضًا عن الحسن، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه، وسنده صحيح.","vol":"3","page":380},{"text":"وقال ابن المبارك، عن سلام بن مسكين، عن سليمان بن علي الربعي، قال: قلت للحسن. هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل، فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا (^١).\nوقال الحسن البصري: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، قال: وزرًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، قال: أجرًا (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حُيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، اجعلني على شيء أعيش به، فقال رسول الله ﷺ: \"يا حمزة، نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها؟ \" قال: بل نفس أحييها. قال: \"عليك بنفسك\" (^٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة، ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت بنو قريظة والنضير وغيرهم من بني قينقاع ممن حول المدينة من اليهود الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج، إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها. فدوا من أسروه وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة حيث يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة].\n\n<span id=\"aya-702\"></span>وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية، المحاربة هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب: إن قبض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض. وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة].\nثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، كما قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن [يزيد، عن عكرمة] (^٤) والحسن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك به، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق سلام به (المصنف ٩/ ٣٥٩)، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عاصم عن الحسن.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر (المسند ح ٦٦٣٩)، وفي سنده ابن لهيعة، ولعل تصحيح أحمد شاكر بأنه يرى سماع حسن قبل احتراق كتب ابن لهيعة.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: زيد بن عكرمة وهو تصحيف.","vol":"3","page":381},{"text":"البصري، قالا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست تُحرِز هذه الآية الرجل المسلم من الحدّ إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب اللّه ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب (^١).\nورواه أبو داود والنسائي من طريق عكرمة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، نزلت في المشركين من تاب منهم قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية، قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، رواه ابن جرير (^٣).\nوروى شعبة عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: نزلت في الحرورية ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ رواه ابن مردويه (^٤).\nوالصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة - واسمه عبد اللّه بن زيد الجرمي البصري - عن أنس بن مالك أن نفرًا من عكل (^٥) ثمانية، قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا (^٦) المدينة، وسقمت أجسامهم فشكوا إلى رسول اللّه ﷺ ذلك، فقال: \"ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبوا من أبوالها وألبانها\" فقالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا، فقتلوا الراعي، وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت (^٧) أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا، لفظ مسلم، وفي لفظ لهما: من عكل أو عرينة (^٨)، وفي لفظ: وألقوا في الحرة فجعلوا يستسقون، فلا يسقون (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويشهد له الأثر التالي.\n(^٢) سنن أبي داود، الحدود، باب ما جاء في المحاربة (ح ٤٣٧٢)، وسنن النسائي، تحريم الدم، تأويل قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ …﴾ [المائدة: ٣٣] ٧/ ٩٤ - ٩٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٧٥٨).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت عن ابن أبي طلحة به.\n(^٤) ذكر الحافظ أن الآية عامة في المشركين وغيرهم. اهـ. أي لم تخص هذه الفرقة بعينها.\n(^٥) عكل: قبيلة من تيم الرباب، من عدنان كما في فتح الباري.\n(^٦) أي: استثقلوها ولم يوافق هواؤها أبدانهم فمرضوا.\n(^٧) أي: بمسامير محمية.\n(^٨) عُرينة نسبة إلى عُرينة بن نذير بن قسر بن عبقر بطن من بجيلة (اللباب في تهذيب الإنسان ٢/ ٣٣٦).\n(^٩) صحيح البخاري، الوضوء، باب أبوال الإبل .. (ح ٢٣٣)، وصحيح مسلم القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين (ح ١٦٧١).","vol":"3","page":382},{"text":"وفي لفظ لمسلم: ولم يحسمهم، وعند البخاري قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا اللّه ورسوله، ورواه مسلم من طريق هشيم عن عبد العزيز بن صهيب، وحميد عن أنس، فذكر نحوه وعنده فارتدوا، وقد أخرجاه من رواية قتادة عن أنس بنحوه، وقال سعيد عن قتادة: من عكل وعرينة، وراه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أنس قال: إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك، لأنهم سملوا أعين الرعاء، ورواه مسلم من حديث معاوية بن قرة عن أنس قال: أتى رسول اللّه ﷺ نفر من عرينة فأسلموا وبايعوه (^١)، وقد وقع بالمدينة الموم (^٢) وهو البرسام، ثم ذكر نحو حديثهم وزاد: عنده شباب من الأنصار قريب من عشرين فارسًا، فأرسلهم وبعث معهم قائفًا يقفو أثرهم وهذه كلها ألفاظ مسلم ﵀.\nوقال حماد بن سلمة: حدثنا قتادة وثابت البناني وحميد الطويل، عن أنس بن مالك أن ناسًا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول اللّه ﷺ في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا، فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول اللّه ﷺ في آثارهم فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم وألقاهم في الحرة قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بقيه عطشًا حتى ماتوا، ونزلت ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه وهذا لفظه، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٣).\nوقد رواه ابن مردويه من طرق كثيرة عن أنس بن مالك، منها ما رواه من طريقين عن سلام بن أبي الصهباء، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: ما ندمت على حديث، ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج، قال: أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول اللّه ﷺ. قال: قلت قدم على رسول اللّه ﷺ قوم من عرينة من البحرين، فشكوا إلى رسول اللّه ما لقوا من بطونهم، وقد اصفرت ألوانهم، وضَمُرت بطونهم، فأمرهم رسول اللّه ﷺ يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم وانخمصت بطونهم، عمدوا إلى الراعي فقتلوه، واستاقوا الإبل، فأرسل رسول اللّه ﷺ في آثارهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا. فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول: إن رسول اللّه ﷺ قد قطع أيدي قوم وأرجلهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا بحال ذود من الإبل، فكان الحجاج يحتج بهذا الحديث على الناس (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد - يعني ابن مسلم -، حدثني سعيد، عن\n_________\n(^١) هذه الألفاظ في المصدرين السابقين وصحيح البخاري، الزكاة باب استعمال إبل الصدقة (ح ١٥٠١)، وصحيح مسلم (ح ١٦٧١)، في (١٤) طريقًا ولفظًا.\n(^٢) الموم هو نوع من اختلال العقل، ويطلق على ورم الرأس وورم الصدر كما في حاشية صحيح مسلم.\n(^٣) سنن أبي داود، الحدود، باب ما جاء في المحاربة (ح ٤٣٦٧)، وسنن الترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه (ح ٧٢)، وسنن النسائي، تحريم الدم، تأويل قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ …﴾ [المائدة: ٣٣] ٧/ ٩٧. وهو في الصحيحين كما تقدم.\n(^٤) في سنده سلام بن أبي الصهباء وهو ضعيف (لسان الميزان ٣/ ٥٨)، وقد توبع فأخرجه البخاري من طريق سلام بن مسكين عن ثابت به لكنه مختصر (الصحيح، الطب، باب الدواء بألبان الإبل ح ٥٦٨٥).","vol":"3","page":383},{"text":"قتادة، عن أنس، قال كانوا أربعة نفر من عرينة، وثلاثة نفر من عُكل، فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم يلتقمون الحجارة بالحرة، فأنزل الله في ذلك ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو مسعود - يعني عبد الرحمن بن الحسن الزجاج -، حدثنا أبو سعد - يعني البقال -، عن أنس بن مالك قال: كان رهط من عرينة أتوا رسول اللّه ﷺ وبهم جهد، مصفرة ألوانهم، عظيمة بطونهم، فأمرهم أن يلحقوا بالإبل فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصفت ألوانهم، وخمصت بطونهم، وسمنوا، فقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في طلبهم، فأتي بهم، فقتل بعضهم، وسمر أعين بعضهم، وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، ونزلت ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية (^٢).\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين وهم من بجيلة، قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام (^٣).\nوقال حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الزناد، عن عبد اللّه بن عبيد اللّه، عن عبد اللّه بن عمر أو عمرو - شك يونس - عن رسول الله ﷺ بذلك، يعني: بقصة العرنيين، ونزلت فيهم آية المحاربة (^٤). ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد، وفيه عن ابن عمر من غير شك (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن خلف، حدثنا الحسن بن حماد، عن عمرو بن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير، قال: قدم على رسول اللّه ﷺ قوم من عرينة حفاة مضرورين، فأمر بهم رسول اللّه ﷺ فلما صحوا واشتدوا، قتلوا رعاء اللقاح، ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم، قال جرير: فبعثني رسول اللّه ﷺ في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعدما أشرفوا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول اللّه ﷺ، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء، ورسول اللّه ﷺ يقول: النار حتى هلكوا، قال: وكره الله ﷿ سمل الأعين، فأنزل اللّه هذه الآية ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية (^٦). هذا حديث غريب، وفي إسناده الربذي وهو ضعيف، وفي إسناده\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه أبو عوانة عن علي بن سهل به (المسند ح ٦٠٩٨)، وسنده صحيح.\n(^٢) في سنده أبو سعد البقال وهو سعيد بن المرزبان وهو ضعيف تقدم ذكره وقد توبع كما تقدم فيكون سنده حسنًا لغيره.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال، وقوله: وأصابوا الفرج الحرام مخالفة للرواية الصحيحة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) سنن أبي داود، الحدود، باب ما جاء في المحاربة (ح ٤٣٦٩)، وسنن النسائي، تحريم الدم ٧/ ١٠٠، وقال الألباني: حسن صحيح، (صحيح سنن أبي داود ح ٣٦٧٤).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة، ويتقوى معظمه بالشواهد السابقة.","vol":"3","page":384},{"text":"فائدة، وهو ذكر أمير هذه السرية، وهو جرير بن عبد اللّه البجلي، وتقدم في صحيح مسلم أن هذه السرية كانوا عشرين فارسًا من الأنصار، وأما قوله: فكره اللّه سمل الأعين، فأنزل اللّه هذه الآية، فإنه منكر، وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصًا، واللّه أعلم.\nوقال عبد الرزاق، عن إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال قدم على رسول الله ﷺ رجال من بني فزارة قد ماتوا هزلًا، فأمرهم النبي ﷺ إلى لقاحه، فشربوا منها حتى صحّوا، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها، فطلبوا فأتى بهم النبي ﷺ فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم. قال أبو هريرة ففيهم نزلت هذه الآية ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فترك النبي ﷺ سمر الأعين بعد (^١)، وروي من وجه آخر عن أبي هريرة.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا أبو القاسم محمد بن الوليد، عن عمرو بن محمد المديني، حدثنا محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي ﷺ غلام يقال له يسار، فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة فكان بها، قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة، وجاؤوا وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم قال: فبعث بهم النبي ﷺ إلى يسار، فكانوا يشربون من ألبان الإبل حتى انطوت بطونهم، ثم عدوا على يسار فذبحوه، وجعلوا الشوك في عينه، ثم أطردوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في آثارهم خيلًا من المسلمين، كبيرهم كرز بن جابر الفهري، فلحقهم فجاء بهم إليه فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم (^٢)، غريب جدًّا، وقد روي قصة العرنيين من حديث جماعة من الصحابة منهم جابر وعائشة وغير واحد، وقد اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردويه بتطريق هذا الحديث من وجوه كثيرة جدًّا فرحمه الله وأثابه.\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي يقول: سمعت أبا حمزة عن عبد الكريم وسئل عن أبوال الإبل فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين فقال: كان أناس أتوا رسول اللّه ﷺ، فقالوا: نبايعك على الإسلام، فبايعوه وهم كذبة، وليس الإسلام يريدون، ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة، فقال النبي ﷺ هذه اللقاح تغدوا عليكم وتروح، فاشربوا من أبوالها وألبانها، قال: فبينما هم كذلك إذ جاءهم الصريخ، فصرخ إلى رسول اللّه ﷺ فقال: قتلوا الراعي، واستاقوا النعم، فأمر النبي ﷺ فنودي في الناس \"أن يا خيل اللّه اركبي\" قال: فركبوا لا ينتظر فارس فارسًا، قال: وركب رسول الله ﷺ على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول اللّه ﷺ وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي ﷺ فأنزل اللّه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، قال فكان نفيهم أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين، وقتل نبي اللّه ﷺ منهم وصلب، وقطع وسمر الأعين،\n_________\n(^١) في سنده إبراهيم بن محمد الأسلمي: متروك (التقريب ص ٩٣).\n(^٢) في سنده موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي: منكر الحديث (التقريب ص ٥٥٣).","vol":"3","page":385},{"text":"قال: فما مثل رسول اللّه ﷺ قبل ولا بعد، قال: ونهى عن المثلة، وقال: \"ولا تمثلوا بشيء\" قال: وكان أنس يقول ذلك، غير أنه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم، قال: وبعضهم يقول: هم ناس من بني سليم، ومنهم من عرينة، وناس من بجيلة (^١).\nوقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العرنيين: هل هو منسوخ، أو محكم؟ فقال بعضهم: هو منسوخ بهذه الآية، وزعموا أن فيها عتابًا للنبي ﷺ كما في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ومنهم من قال: هو منسوخ بنهي النبي ﷺ عن المثلة، وهذا القول فيه نظر، ثم قائله مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ.\nوقال بعضهم: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين، وفيه نظر، فإن قصته متأخرة، وفي رواية جرير بن عبد اللّه لقصتهم ما يدل على تأخرها، فإنه أسلم بعد نزول المائدة، ومنهم من قال: لم يسمل النبي ﷺ أعينهم، وإنما عزم على ذلك حتى نزل القرآن فبين حكم المحاربين، وهذا القول أيضًا فيه نظر، فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل، وفي رواية سمر أعينهم.\nوقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل النبي ﷺ أعينهم، وتركه حسمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول اللّه ﷺ معاتبة في ذلك، وعلمه عقوبة مثلهم من القتل والقطع والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو يعني الأوزاعي، فأنكر أن يكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، ورفع عنهم السمل (^٢).\nثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور من العلماء في ذهابهم إلى أن حكم المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ وهذا مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتًا فيقتله، ويأخذ ما معه: إن هذه محاربة، ودمه إلى السلطان لا إلى ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه.\nقوله تعالى ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: من شهر السلاح في فئة الإسلام، وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار إن شاء قتله وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى محمد بن عجلان وقوله: إن نزول الآية معاتبة للنبي ﷺ هو رأي لابن عجلان، بدليل مخالفة الأوزاعي في ذلك.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"3","page":386},{"text":"وكذا قال سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك (^١) وروى ذلك كله أبو جعفر بن جرير وحكى مثله عن مالك بن أنس ﵀ ومستند هذا القول أن ظاهر أو للتخيير كما في نظائر ذلك من القرآن كقوله في جزاء الصيد ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] وكقوله في كفارة الفدية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكقوله في كفارة اليمين: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] هذه كلها على التخيير فكذلك فلتكن هذه الآية.\n[وقال الجمهور] (^٢): هذه الآية منزلة على أحوال، كما قال أبو عبد اللّه الشافعي: أنبأنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس في قطاع الطريق، إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض (^٣).\nوقد رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عطية، عن ابن عباس بنحوه (^٤)، وعن أبي مخلد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء الخراساني نحو ذلك، وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة.\nواختلفوا: هل يصلب حيًا ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب، أو بقتله برمح أو نحوه، أو يقتل أولًا ثم يصلب تنكيلًا وتشديدًا لغيره من المفسدين، وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل أو يترك حتى يسيل صديده؟ في ذلك كله خلاف محرر في موضعه، وباللّه الثقة وعليه التكلان.\nويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره إن صح سنده فقال: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عبد الملك بن مروان، كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين وهم من بجيلة، قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام، قال أنس: فسأل رسول اللّه ﷺ جبرائيل ﵇ عن القضاء فيمن حارب فقال: من سرق مالًا وأخاف السبيل، فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فأصلبه (^٥).\nوأما قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه فيقام\n_________\n(^١) هذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا إلا روايته عن الضحاك فلم يذكر عنه شيئًا.\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (ترتيب مسند الشافعي، الحدود، باب فيما جاء في قطاع الطريق ٢/ ٨٦ ح ٢٨٢)، وسنده ضعيف لأن إبراهيم بن أبي يحيى متروك.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف ٦/ ٥٨٩)، وسنده ضعيف لضعف عطية وهو العوفي.\n(^٥) تقدم تخريجه قبل بضع صفحات.","vol":"3","page":387},{"text":"عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام، رواه ابن جرير عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، والربيع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس (^١).\nوقال آخرون: هو أن ينفى من بلده إلى بلد آخر أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية (^٢) وقال الشعبي: ينفيه - كما قال ابن هبيرة - من عمله كله.\nوقال عطاء الخراساني: ينفى من جند إلى جند سنين، ولا يخرج من دار الإسلام، وكذا قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء والحسن والزهري والضحاك ومقاتل بن حيان: إنه ينفى ولا يخرج من أرض الإسلام.\nوقال آخرون: المراد بالنفي ههنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واختار ابن جرير أن المراد بالنفي ههنا أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هذا الذي ذكرته من قتلهم ومن صلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ونفيهم، خزي لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا مع ما ادخر اللّه لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا يؤيد قول من قال: إنها نزلت في المشركين فأما أهل الإسلام ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أخذ علينا رسول اللّه ﷺ كما أخذ على النساء ألا نشرك باللّه شيئًا، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يَعْضَهُ بعضنا بعضًا، فمن وفى منكم فأجره على اللّه تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره اللّه فأمره إلى اللّه: إن شاء عذبه وإن شاء غفر له (^٣).\nوعن علي قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أذنب ذنبًا فعوقب به، فاللّه أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبًا في الدنيا فستره اللّه عليه وعفا عنه، فاللّه أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه\". رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب (^٤).\nوقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث، فقال: روي مرفوعًا وموقوفًا، قال ورفعه صحيح (^٥).\nوقال ابن جرير في قوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني: شر وعار ونكال وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ﴾ أي: إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به، وقول أنس أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه وقول الليث ومالك بن أنس أخرجهما الطبري بسند حسن من طريق الوليد بن مسلم عنهما. وقول الزهري أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه.\n(^٢) أخرجه بنحوه الطبري بسند حسن عن سعيد بن جبير.\n(^٣) صحيح مسلم، الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها (ح ١٧٠٩).\n(^٤) المسند ١/ ٩٩، وسنن الترمذي، الإيمان، باب ما جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن (ح ٢٦٢٦)، وسنن ابن ماجه الحدود، باب الحد كفارة (ح ٢٦٠٤)، وحسنه الترمذي وصححه الدارقطني كما يلي.\n(^٥) العلل ٣/ ١٢٩.","vol":"3","page":388},{"text":"حتى هلكوا لهم في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: عذاب جهنم،\n\n<span id=\"aya-703\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ أما على قول من قال: إنها في أهل الشرك فظاهر، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أُسامة، عن مجالد، عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة، وكان قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم رجالًا من قريش منهم الحسن بن علي وابن عباس وعبد اللّه بن جعفر، فكلموا عليًا فيه فلم يؤمنه، فأتى سعيد بن قيس الهمداني فخلفه في داره، ثم أتى عليًا، فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، فقرأ حتى بلغ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا﴾ قال: فكتب له أمانًا، قال سعيد بن قيس: فإنه حارثة بن بدر (^١)، وكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن مجالد عن الشعبي به، وزاد فقال حارثة بن بدر:\nألا بلغا همدان إما لقيتها … على النّأي (^٢) لا يسلم عدو يعيبها\nلعمرُ أبيها إن همدان تتقي الـ … إله ويقضي بالكتاب خطيبها (^٣)\nوروى ابن جرير من طريق سفيان الثوري عن السدي، ومن طريق [أشعث] (^٤)، كلاهما عن عامر الشعبي قال: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمارة عثمان ﵁ بعدما صلى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، وإني كنت حاربت اللّه ورسوله وسعيت في الأرض فسادًا، وإني تبت من قبل أن تقدروا عليّ، فقام أبو موسى فقال: إن هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب اللّه ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب من قبل أن نقدر عليه فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير، فإن يك صادقًا فسبيل من صدق، وإن يك كاذبًا تدركه ذنوبه، فأقام الرجل ما شاء اللّه، ثم إنه خرج فأدركه اللّه تعالى بذنوبه فقتله (^٥).\nثم قال ابن جرير: حدثني علي، حدثنا الوليد بن مسلم قال: قال الليث: وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني، [وهو الأمير عندنا] (^٦)، أن عليًا الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال فطلبه الأئمة والعامة، فامتنع ولم يقدروا عليه حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلًا يقرأ هذه الآية ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِر\n_________\n(^١) في سنده مجالد فيه مقال.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"الناس\". وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه مجالد أيضًا فيه مقال.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل تصحفت إلى: \"أشعب\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أشعث به (المصنف ١٢/ ٢٨٢)، وسنده حسن.\n(^٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"وهو الآن عندنا\".","vol":"3","page":389},{"text":"الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] فوقف عليه فقال: يا عبد اللّه أعد قراءتها فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثم جاء تائبًا حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل ثم أتى مسجد رسول الله ﷺ فصلى الصبح ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار أصحابه، فلما أسفروا عرفه الناس فقاموا إليه فقال: لا سبيل لكم علي جئت تائبًا من قبل أن تقدروا علي، فقال أبو هريرة: صدق، وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة في زمن معاوية فقال: هذا علي جاء تائبًا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل، فترك من ذلك كله، قال: وخرج علي تائبًا مجاهدًا في سبيل اللّه في البحر، فلقوا الروم فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم فهربوا منه إلى شقها الآخر، فمالت به وبهم فغرقوا جميعًا (^١).\n\n<span id=\"aya-704\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾.\nقال سفيان الثوري، عن طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس: أي القربة (^٢). وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد اللّه بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد (^٣).\nوقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه (^٤).\nوقرأ ابن زيد ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] (^٥).\nوهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه. وأنشد عليه ابن جرير قول الشاعر:\nإذا غفلَ الواشون عُدنا لوصلِنا … وعاد التصافي بيننا والوسائل (^٦)\nوالوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضًا علم على أعلى منزلة في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الوليد بن مسلم، كثير التدليس والتسوية ولم يصرح بالسماع.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن ابن عباس في سورة الإسراء [آية ٥٧]، وسنده منقطع لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس، أما السند الذي ذكره الحافظ ابن كثير فقد أخرجه الطبري من طريق الثوري به بدون ذكر ابن عباس.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول أبي وائل أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول عبد الله بن كثير أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) ذكره الطبري ومعمر في مجاز القرآن ١/ ٦٤.","vol":"3","page":390},{"text":"الجنة وهي منزلة رسول اللّه ﷺ وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش، وقد ثبت في صحيح البخاري من طريق محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة\" (^١).\n(حديث آخر) في صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى اللّه عليه عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة\" (^٢).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﷺ قال: \"إذا صليتم علي فسلوا لي الوسيلة\". قيل: يا رسول اللّه، وما الوسيلة؟ قال: \"أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو\" (^٣).\nورواه الترمذي عن بندار، عن أبي عاصم، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن كعب قال: حدثني أبو هريرة، ثم قال: غريب، وكعب ليس بمعروف، لا نعرف أحدًا روى عنه غير ليث بن أبي سليم (^٤).\n(حديث آخر) عن أبي هريرة ﵁، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا محمد بن نصر الترمذي، حدثنا عبد الحميد بن صالح، حدثنا أبو شهاب، عن ليث، عن المعلى، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة رفعه، قال: \"صلوا علي صلاتكم وسلوا الله لي الوسيلة\" فسألوه، أو أخبرهم أن الوسيلة درجة في الجنة ليس ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو (^٥).\n(حديث آخر) قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: أخبرنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"سلوا اللّه لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة\"، ثم قال الطبراني لم يروه عن ابن أبي ذئب إلا موسى بن أعين (^٦)، كذا قال: وقد رواه ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الأذان، باب الدعاء عند النداء (ح ٦١٤).\n(^٢) صحيح مسلم، الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن (ح ٣٨٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر (المسند ح ٧٥٨٨).\n(^٤) سنن الترمذي، المناقب، باب في فضل النبي ﷺ (ح ٣٦١٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٨٥٧).\n(^٥) حكمه كسابقه.\n(^٦) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ١/ ٣٧٠ (ح ٦٣٧)، قال الهيثمي: وفيه الوليد بن عبد الملك الحراني: وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال: مستقيم الحديث إذا روى عن الثقات (مجمع الزوائد ١/ ٣٣٨)، =","vol":"3","page":391},{"text":"حازم، حدثنا عبيد اللّه بن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، فذكر بإسناده نحوه (^١).\n(حديث آخر) روى ابن مردويه بإسناده عن عمارة بن غزية، عن موسى بن وردان أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إن الوسيلة درجة عند اللّه ليس فوقها درجة، فسلوا اللّه أن يؤتيني الوسيلة على خلقه\" (^٢).\n(حديث آخر) روى ابن مردويه أيضًا من طريقين عن عبد الحميد بن بحر، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي ﷺ قال: \"في الجنة درجة تدعى الوسيلة، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة\" قالوا: يا رسول اللّه، من يسكن معك؟ قال: \"علي وفاطمة والحسن والحسين\" (^٣). هذا حديث غريب منكر من هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الحسن [الدشتكي] (^٤)، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد بن طريف، عن علي بن الحسين الأزدي مولى سالم بن ثوبان، قال: سمعت علي بن أبي طالب ينادي على منبر الكوفة: يا أيها الناس إن في الجنة لؤلؤتين: إحداهما بيضاء، والأخرى صفراء، أما البيضاء فإنها إلى بطنان العرش، والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها وأبوابها وأسرتها وسكانها من عرق واحد، واسمها الوسيلة، هي لمحمد ﷺ وأهل بيته، والصفراء فيها مثل ذلك هي لإبراهيم ﵇ وأهل بيته (^٥)، وهذا أثر غريب أيضًا.\nوقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لما أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم، والتاركين للدين القويم، ورغبهم في ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة من الفلاح، والسعادة العظيمة الخالدة المستمرة التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول في الغرف العالية الرفيعة، الآمنة الحسنة مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها ينعم لا بيأس، ويحيى لا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه.\n\n<span id=\"aya-705\"></span>ثم أخبر تعالى بما أعد لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ أي: لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبًا وبمثله ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به، وتيقن وصوله إليه ما تقبل ذلك منه، بل لا مندوحة عنه ولا محيص ولا مناص، ولهذا قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع\n\n<span id=\"aya-706\"></span>﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ\n_________\n= وروايته هنا عن موسى بن أعين وهو ثقة.\n(^١) في سنده موسى بن عبيدة وهو: الربذي ضعيف كما في التقريب.\n(^٢) يشهد له ما تقدم.\n(^٣) ضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صُحف إلى: \"الرستكي\".\n(^٥) سنده ضعيف جدًّا لأن سعد بن طريف متروك رافضي رماه ابن حبان بالوضع (التقريب ص ٢٣١).","vol":"3","page":392},{"text":"النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية [الحج: ٢٢]، فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته وأليم مسه ولا سبيل لهم إلى ذلك، وكلما رفعهم اللهب فصاروا في أعلى جهنم ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد فيردوهم إلى أسفلها ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها.\nوقد قال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"يؤتى بالرجل من أهل النار فيقال له: يا ابن آدم، كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال: هل تفتدي بقراب الأرض ذهبًا؟ قال: فيقول: نعم يا رب، فيقول الله: كذبت، قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل، فيؤمر به إلى النار\"، رواه مسلم والنسائي من طريق حماد بن سلمة بنحوه (^١)، وكذا رواه البخاري ومسلم من طريق معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه، عن قتادة، عن أنس به، وكذا أخرجاه من طريق أبي عمران الجوني واسمه عبد الملك بن حبيب عن أنس بن مالك به (^٢)، ورواه مطر الوراق عن أنس بن مالك، ورواه ابن مردويه من طريقه عنه.\nثم روى ابن مردويه من طريق المسعودي عن يزيد بن صهيب الفقير، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: \"يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة\" قال: فقلت لجابر بن عبد الله: يقول الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ قال: اتل أول الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ الآية، ألا إنهم الذين كفروا. وقد روى الإمام أحمد ومسلم هذا الحديث: من وجه آخر عن يزيد الفقير، عن جابر (^٣)، وهذا أبسط سياقًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن أبي شيبة الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مبارك بن فضالة، حدثني يزيد الفقير قال: جلست إلى جابر بن عبد الله وهو يحدث، فحدث أن ناسًا يخرجون من النار، قال: وأنا يومئذٍ أنكر ذلك، فغضبت وقلت: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد تزعمون أن الله يخرج ناسًا من النار، والله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ الآية، فانتهرني أصحابه، وكان أحلمهم، فقال: دعوا الرجل إنما ذلك للكفار، فقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ حتى بلغ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قد جمعته، قال: أليس الله يقول: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء] فهو ذلك المقام، فإن الله تعالى يحتبس أقوامًا بخطاياهم في النار ما شاء، لا\n_________\n(^١) صحيح مسلم، صفات المنافقين، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار وصبغ أشدهم بؤسًا في الجنة (ح ٢٨٠٧).\n(^٢) صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار (ح ٦٥٥٧)، والمصدر السابق، باب جزاء المؤمن بحسناته … (ص ٢٨٠٨).\n(^٣) أخرجه مسلم من طريق يزيد الفقير به مختصرًا (الصحيح، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ٣٢٠).","vol":"3","page":393},{"text":"يكلمهم فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم، قال: فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به (^١).\nثم قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا عمر بن حفص السدوسي، حدثنا عاصم بن عليّ، أخبرنا العباس بن الفضل، حدثنا سعيد بن المهلب، حدثني طلق بن حبيب قال: كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها، يذكر اللّه فيها خلود أهل النار، فقال: يا طلق، أتراكَ أقرأ لكتاب اللّه وأعلم بسنة رسول اللّه مني؟ إن الذين قرأت هم أهلها هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبًا فعذبوا، ثم أخرجوا منها، ثم أهوى بيديه إلى أذنيه فقال: صمّتًا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يخرجون من النار بعدما دخلوا\" ونحن نقرأ كما قرأت (^٢).\n\n<span id=\"aya-707\"></span>﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾.\nيقول تعالى حاكمًا وآمرًا بقطع يد السارق والسارقة، وروى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي، عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن مسعود كان يقرؤها (والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما) وهذه قراءة شاذة، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقًا لها لا بها، بل هو مستفاد من دليل آخر، وقد كان القطع معمولًا به في الجاهلية، فقرر في الإسلام، وزيدت شروط أخر كما سنذكره إن شاء الله تعالى، كما كانت القسامة والدية والقراض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت عليه وزيادات هي من تمام المصالح ويقال: إن أول من قطع الأيدي في الجاهلية قريش، قطعوا رجلًا يقال له: دويك مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة، كان قد سرق كنز الكعبة، ويقال: سرقه قوم فوضعوه عنده، وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئًا قطعت يده به، سواء كان قليلًا أو كثيرًا لعموم هذه الآية ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فلم يعتبروا نصابًا ولا حِرزًا، بل أخذوا بمجرد السرقة.\nوقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي، قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أخاص أم عام؟ فقال: بل عام، وهذا يحتمل أن يكون موافقة من ابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء، ويحتمل غير ذلك، فالله أعلم.\nوتمسكوا بما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده\" وأما الجمهور، فاعتبروا النصاب في السرقة وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حدة، فعند الإمام مالك بن أنس ﵀ النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة، فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه، وجب القطع، واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللّه ﷺ قطع\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من طريق يزيد الفقير به (الصحيح، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ح ٣٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري من طريق سعيد بن المهلب به مختصرًا (الأدب المفرد ح ٧١٨) وقال الألباني: صحيح لغيره (صحيح الأدب المفرد ح ٦٢٩).","vol":"3","page":394},{"text":"فيْ مِجَنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم، أخرجاه في الصحيحين (^١)، قال مالك ﵀: وقطع عثمان ﵁ في أترُجّة قومت بثلاثة دراهم، وهو أحب ما سمعت في ذلك، وهذا الأثر عن عثمان ﵁ قد رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن أن سارقًا سرق في زمن عثمان أترجّة، فأمر بها عثمان أن تقوم فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهمًا، فقطع عثمان يده. قال أصحاب مالك: ومثل هذا الصنيع يشتهر، ولم ينكر، فمن مثله يحكى الإجماع السكوتي، وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافًا للحنفية، وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافًا لهم في أنه لا بدّ من عشرة دراهم، وللشافعية في اعتبار ربع دينار، واللّه أعلم.\nوذهب الشافعي ﵀ إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدًا، والحجة في ذلك ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم من طريق الزهري عن عمرة، عن عائشة ﵄ أن رسول اللّه ﷺ قال: \"تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا\" (^٢) ولمسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة ﵂ أن رسول اللّه ﷺ قال: \"لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا\" (^٣) قال أصحابنا: فهذا الحديث فاصل في المسألة، ونصٌّ في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه. قالوا: وحديث ثمن المِجَنّ، وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهمًا، فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذا الطريق، ويروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵃، وبه يقول عمر بن عبد العزيز والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأصحابه، وإسحاق بن راهويه في رواية عنه، وأبو ثور وداود بن علي الظاهري، ﵏.\nوذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية عنه، إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي، فمن سرق واحدًا منهما أو ما يساويه، قطع عملًا بحديث ابن عمر وبحديث عائشة ﵄ ووقع في لفظ عند الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: \"اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك\" (^٤) وكان ربع الدينار يومئذٍ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهمًا. وفي لفظ للنسائي \"لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن\". قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار، فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم (^٥)، والله أعلم.\nوأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه أبو يوسف ومحمد وزفر، وكذا سفيان الثوري، ﵏، فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة، واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله ﷺ كان ثمنه عشرة دراهم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ …﴾ [المائدة: ٣٨] ح (٦٢٩٧).\n(^٢) المصدر السابق ح (٦٢٩٢).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها ح (٣١٩٠).\n(^٤) يشهد له ما سبق.\n(^٥) يشهد له الأحاديث السابقة.","vol":"3","page":395},{"text":"وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن نمير وعبد الأعلى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد النبي ﷺ عشرة دراهم (^١)، ثم قال: حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن\" (^٢) وكان ثمن المجن عشرة دراهم، قالوا: فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن، فالاحتياط الأخذ بالأكثر، لأن الحدود تدرأ بالشبهات.\nوذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار أو ما يبلغ قيمته واحدًا منهما، يحكى هذا عن علي وابن مسعود وإبراهيم النخعي وأبي جعفر الباقر رحمهم اللّه تعالى.\nوقال بعض السلف: لا تقطع الخمس إلا في خمس؛ أي: في خمسة دنانير أو خمسين درهمًا، وينقل هذا عن سعيد بن جبير ﵀. وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة \"يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده\" بأجوبة:\n(أحدها): أنه منسوخ بحديث عائشة، وفي هذا نظر، لأنه لا بدّ من بيان التاريخ.\n(والثاني): أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن، قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه.\n(والثالث): أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة، وقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قدم بغداد، اشتهر عنه أنه أورد إشكالًا على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعرًا دل على جهله وقلة عقله، فقال:\nيد بخمس مئين عسجد وديتْ … ما بالها قطعت في ربع في دينار\nتناقض ما لنا إلا السكوت له … وأن نعوذ بمولانا من النار\nولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي ﵀ أن قال: لما كانت أمينة، كانت ثمينة، ولما خانت هانت.\nومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإن في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار لئلا يجنى عليها. وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار، لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب ولهذا قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: مجازاة على صنيعهما السيء في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: تنكيلًا من الله بهما على ارتكاب ذلك، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: في انتقامه، ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: في أمره ونهيه وشرعه وقدره.\n\n<span id=\"aya-708\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾\n_________\n(^١) سنده ضعيف لعنعنة بن إسحاق.\n(^٢) سنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق ويشهد له ما سبق في الصحيح.","vol":"3","page":396},{"text":"أي: من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله فإن اللّه يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلا بدّ من ردّها إليهم أو بدلها عند الجمهور.\nوقال أبو حنيفة: متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها، وقد روى الحافظ أبو الحسن الدارقطني من حديث [محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان] (^١)، عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﷺ أتي بسارق قد سرق شملة، فقال: ما إخاله سرق، فقال السارق: بلى يا رسول الله. قال: \"اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به\" فقطع فأتي به فقال: \"تب إلى اللّه\" فقال: تبت إلى اللّه، فقال: \"تاب الله عليك\" (^٢). وقد روي من وجه آخر مرسلًا، ورجح إرساله علي بن المديني وابن خزيمة رحمهما اللّه (^٣).\nوروى ابن ماجه من حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، عن أبيه أن عمر بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللّه، إني سرقت جملًا لبني فلان، فطهرني فأرسل إليهم النبي ﷺ فقالوا: إنا افتقدنا جملًا لنا، فأمر به فقطعت يده وهو يقول: الحمد للّه الذي طهرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النار (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن يحيى بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللّه بن عمرو قال: سرقت امرأة حليًا فجاء الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللّه، سرقتنا هذه المرأة، فقال رسول اللّه ﷺ:\"اقطعوا يدها اليمنى\" فقالت المرأة: هل من توبة؟ فقال رسول اللّه ﷺ: \"أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك\"، قال: فأنزل اللّه ﷿: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ (^٥).\nوقد رواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني يحيى بن عبد اللّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللّه بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد رسول اللّه ﷺ، فجاء بها إلى الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول الله، إن هذه المرأة سرقتنا. قال قومها: فنحن نفديها، فقال رسول الله ﷺ: \"اقطعوا يدها\"، فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار، فقال: \"اقطعوا يدها\" فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول اللّه؟ قال: \"نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك\"، فأنزل اللّه في سورة المائدة ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ (^٦).\nوهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت في الصحيحين من رواية الزهري عن [عروة] (^٧)، عن عائشة أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت، في عهد النبي ﷺ في غزوة\n_________\n(^١) ما بين معقوفين زيادة من سنن الدارقطني (٣/ ١٠٢)، وفي نسخة (حم) و(مح) بياض، وسقط من الأصل.\n(^٢) أخرجه الدارقطني من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان (السنن ٣/ ١٠٢)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (ح ٢٤٣١).\n(^٣) أي بدون ذكر أبي هريرة ونقله الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٤/ ٧٤ وسنده ضعيف للإرسال.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الحدود، باب السارق يعترف ح ٢٥٨٨)، وضعفه البوصيري بسبب ابن لهيعة (مصباح الزجاجة ٢/ ٣١٧)، وكذا الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (ح ٥٦٢).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٧٧)، وحكمه كسابقه.\n(^٧) كذا في (مح) والتخريج، وفي الأصل بياض.","vol":"3","page":397},{"text":"الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ، فأتى بها رسول الله ﷺ، فكلمه فيها أُسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال: \"أتشفع في حد من حدود اللّه ﷿؟ \" فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللّه، فلما كان العشي، قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: \"أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها\"، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ، وهذا لفظ مسلم (^١). وفي لفظ له عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها.\nوعن ابن عمر قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعًا على ألسنة جاراتها وتجحده، فأمر رسول الله ﷺ بقطع يدها، رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وهذا لفظه، وفي لفظ له أن امرأة كانت تستعير الحلي للناس ثم تمسكه، فقال رسول اللّه ﷺ: \"لتتب هذه المرأة إلى الله وإلى رسوله، وترد ما تأخذ على القوم\"، ثم قال رسول اللّه ﷺ: \"قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها\" (^٢).\nوقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام، وللّه الحمد والمنة،\n\n<span id=\"aya-709\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المالك لجميع ذلك، الحاكم فيه، الذي لا معقب لحكمه، وهو الفعال لما يريد ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-710\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾.\nنزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع اللّه ﷿: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان (ح ٦٧٨٨)، وصحيح مسلم، الحدود، باب قطع السارق الشريف … (ح ١٦٨٨).\n(^٢) المسند ٢/ ١٥١، وسنن أبي داود، الحدود، باب في القطع في العادية إذا جحدت (ح ٤٣٩٥)، وسنن النسائي، قطع السارق، باب ما يكون حرزًا وما لا يكون ٨/ ٧٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٩٤).","vol":"3","page":398},{"text":"قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أعداء الإسلام وأهله، وهؤلاء كلهم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: مستجيبون له، منفعلون عنه، ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي: يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد، وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام وينهونه إلى قوم آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يتأوّلونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه، وهم يعلمون، ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ قيل: نزلت في قوم من اليهود قتلوا قتيلًا، وقالوا: تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن حكم بالدية فاقبلوه، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه، والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب اللّه الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم، فحرفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين، فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه واجعلوه حجة بينكم وبين اللّه، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك.\nوقد وردت الأحاديث في ذلك فقال مالك، عن نافع، عن عبد اللّه بن عمر ﵄: أن اليهود جاؤوا إلى رسول اللّه ﷺ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول اللّه ﷺ: \"ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ \" فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد اللّه بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد اللّه بن سلام: ارفع يدك فرفع يده، فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول اللّه ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة (^١)، أخرجاه، وهذا لفظ البخاري وفي لفظ له: فقال لليهود: \"ما تصنعون بهما؟ \" قالوا: نسخم وجوههما ونخزيهما، قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] فجاؤوا فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعور: اقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه فقال: ارفع يدك فرفع، فإذا آية الرجم تلوح، قال: يا محمد إن فيها آية الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما (^٢).\nوعند مسلم أن رسول ﷺ أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول اللّه ﷺ حتى جاء يهود فقال: \"ما تجدون في التوراة على من زنى؟ \" قالوا: نسود وجوههما ونحممهما، ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما. قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: فجاؤوا بها فقرؤوها حتى إذا مرّ بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد اللّه بن سلام وهو مع رسول اللّه ﷺ: مُره فليرفع يده فرفع يده، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول اللّه ﷺ فرجما. قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه (^٣).\n_________\n(^١) الموطأ، الحدود، باب ما جاء في الرجم (ح ١)، وصحيح البخاري، المناقب باب قول اللّه تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ …﴾ [البقرة: ١٤٦] (ح ٣٦٣٥)، وصحيح مسلم، الحدود، باب رجم اليهود … (ح ٢٧/ ١٦٩٩).\n(^٢) صحيح البخاري، التوحيد، باب ما يجوز من تفسير التوراة من كتب الله بالعربية وغيرها (ح ٧٥٤٣).\n(^٣) صحيح مسلم، الحدود، باب رجم اليهود … (ح ٢٦/ ١٦٩٩).","vol":"3","page":399},{"text":"وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، حدثنا ابن وهب، حدثنا هشام بن سعد أن زيد بن أسلم حدثه عن ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله ﷺ إلى القف، فأتاهم في بيت المدراس، فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلًا منا زنى بامرأة فاحكم. قال: ووضعوا لرسول الله ﷺ وسادة فجلس عليها، ثم قال: \"ائتوني بالتوراة\"، فأتي بها، فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها، وقال: \"آمنت بك وبمن أنزلك\" ثم قال: \"ائتوني بأعلمكم\" فأتي بفتى شاب ثم ذكر قصة الرجم نحو حديث مالك عن نافع (^١).\nوقال الزهري: سمعتُ رجلًا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه، ونحن عند ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند اللّه، قلنا: فتيا نبي من أنبيائك. قال: فأتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم بكلمة حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب فقال: \"أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ \" قالوا: يحمم ويجبه ويجلد، والتجبيه أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما، قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه رسول الله ﷺ سكت، ألظ به رسول اللّه ﷺ النشدة، فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم، فقال النبي ﷺ: \"فما أول ما ارتخصتم أمر اللّه\"؟ قال: زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في إثره من الناس فأراد رجمه، فحال قومه دونه وقالوا: لا نرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم، فقال النبي ﷺ: \"فإني أحكم بما في التوراة\" فأمر بهما فرجما، قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ فكان النبي ﷺ منهم، رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه (^٢)، وابن جرير.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد اللّه بن مرة، عن البراء بن عازب، قال: مرّ على رسول الله ﷺ يهودي محمم مجلود، فدعاهم، فقال: \"أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ \" فقالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم فقال: \"أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ \" فقال: لا واللّه، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكُنّا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي ﷺ: \"اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه\" قال: فأمر به فرجم، قال: فأنزل اللّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ أي يقولون: ائتوا محمدًا فإن أفتاكم\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الحدود، باب في رجم اليهوديين (ح ٤٤٤٩)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٧٣٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه، الحدود، باب في رجم اليهوديين (ح ٤٤٥٠)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق الزهري به (المسند ١٣/ ١٨٢ ح ٧٧٦١)، وقال محققوه: صحيح لغيره.","vol":"3","page":400},{"text":"بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: في اليهود، إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] قال: في اليهود: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] قال: في الكفار كلها (^١)، انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري (^٢) وأبو داود والنسائي وابن ماجه من غير وجه عن الأعمش به.\nوقال الإمام أبو بكر عبد اللّه بن الزبير الحميدي في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا مجالد بن سعيد الهمداني، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة، أن سلوا محمدًا عن ذلك، فإذا أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن ذلك، فقال: \"أرسلوا إلي أعلم رجلين فيكم\" فجاؤوا برجل أعور يقال له ابن صوريا، وآخر، فقال لهما النبي ﷺ: \"أنتما أعلم من قبلكما\" فقالا: قد دعانا قومنا لذلك، فقال النبي ﷺ لهما \"أليس عندكما التوراة فيها حكم اللّه\" قالا: بلى، فقال النبي ﷺ: \"فأنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وظلل عليكم الغمام، وأنجاكم من آل فرعون، وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل، ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ \" فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط، ثم قالا: نجد ترداد النظر زنية، والاعتناق زنية، والتقبيل زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدي ويعيد، كما يدخل الميل في المكحلة، فقد وجب الرجم، فقال النبي ﷺ: \"هو ذاك\" فأمر به فرجم، فنزلت ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (^٣). ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث مجالد به نحوه (^٤).\nولفظ أبي داود عن جابر، قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، فقال: \"ائتوني بأعلم رجلين منكم\" فأتوه بابني صوريا، فنشدهما \"كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ \" قالا: نجد إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، رجما، قال: \"فما يمنعكم أن ترجموهما؟ \" قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، فدعا رسول اللّه ﷺ بالشهود، فجاء أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ذكره مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول اللّه ﷺ برجمهما (^٥).\nثم رواه أبو داود عن الشعبي وإبراهيم النخعي مرسلًا، ولم يذكر فيه: فدعا بالشهود فشهدوا (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٨٦)، وسنده صحيح وأخرجه مسلم من طريق الأعمش به (الصحيح، الحدود، باب رجم اليهود … ح ١٧٠٠).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) أخرجه الحميدي بسنده ومتنه (المسند ح ١٢٩٤)، ومسنده ضعيف بسبب ضعف مجالد.\n(^٤) سنن أبي داود، الحدود، باب في رجم اليهوديين (ح ٤٤٥٢)، وسنن ابن ماجه، الأحكام، باب بما يستحلف أهل الكتاب (ح ٢٣٢٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٧٤٠)، ولعله بشواهد وبعدم ذكر نزول الآية.\n(^٥) المصدر السابق من سنن أبي داود.\n(^٦) سنن أبي داود، الباب السابق (ح ٤٤٥٣، ٤٤٥٤).","vol":"3","page":401},{"text":"فهذه الأحاديث دالة على أن رسول اللّه ﷺ، حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من اللّه ﷿ إليه بذلك، وسؤاله إياهم عن ذلك، ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطؤوا على كتمانه وجحده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة، فلما اعترفوا به مع علمهم على خلافه بأن زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعُدولهم إلى تحكيم رسول اللّه ﷺ إنما كان عن هوى منهم، وشهوة لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ أي: الجلد والتحميم، ﴿فَخُذُوهُ﴾ أي اقبلوه. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: من قبوله واتباعه.\nوقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾\n\n<span id=\"aya-711\"></span>﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: الباطل ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أي: الحرام، وهو الرشوة، كما قاله ابن مسعود وغير واحد (^١)؛ أي: ومن كانت هذه صفته كيف يطهر اللّه قلبه وأنى يستجيب له، ثم قال لنبيه ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ أي: يتحاكمون إليك ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أي: فلا عليك أن لا تحكم بينهم، لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق بل ما يوافق أهواءهم.\nقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والحسن وغير واحد: هي منسوخة بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] (^٢).\n﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالحق والعدل، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-712\"></span>ثم قال تعالى منكرًا عليهم في آرائهم الفاسدة، ومقاصدهم الزائغة في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدًا، ثم خرجوا عن حكمه، وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم، فقال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾.\n\n<span id=\"aya-713\"></span>ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها، ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ أي: وكذلك الربانيون منهم، وهم العلماء العباد، والأحبار وهم العلماء ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: بما استودعوا من كتاب اللّه الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به، ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ أي: لا تخافوا منهم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ١٤٦٦٦)، وابن أبي شيبة (المصنف ٦/ ٥٨٨)، والطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الحاكم من طريق مجاهد عنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٢)، وقول مجاهد أخرجه الطبري بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح (المصنف ٦/ ٤٩٩)، وقول الزهري أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح (المصنف رقم ١٠٠٠٧) وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.","vol":"3","page":402},{"text":"وخافوا مني، ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فيه قولان سيأتي بيانهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-106>سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات:</span>\nقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس، قال: إن الله أنزل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] قال: قال ابن عباس: أنزلها اللّه في الطائفتين من اليهود، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقًا (^١)، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي ﷺ المدينة، فذلت الطائفتان كلتاهما، لمقدم رسول اللّه ﷺ ويومئذٍ لم يظهر، ولم يوطئهما عليه وهو في الصلح، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلًا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان في حَيَّيْن قط. دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض، إنما أعطيناكم هذا ضيمًا (^٢) منكم لنا وفرقًا (^٣) منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم فكادت الحرب تهيج بينهما ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول اللّه ﷺ بينهم، ثم ذكرت العزيزة، فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيمًا منا وقهرًا لهم فدسّوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه، فدسّوا إلى رسول اللّه ﷺ ناسًا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله ﷺ، فلما جاؤوا رسول اللّه ﷺ، أخبر اللّه رسوله ﷺ بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل اللّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ ففيهم والله أنزل، وإياهم عنى اللّه ﷿ (^٤). ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد عن [أبيه] (^٥) بنحوه (^٦).\nوقال أبو جعفر بن جرير، حدثنا هناد بن السري وأبو كريب، قالا: حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن الآيات التي في المائدة قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف، تؤدى لهم الدية كاملة، وأن قريظة كانوا يؤدى لهم نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل اللّه ذلك فيهم، فحملهم\n_________\n(^١) الوسق: حمل بعير (المصباح المنير ٢/ ٣٣٦).\n(^٢) أي: ظلمًا.\n(^٣) أي: خوفًا.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر (المسند ح ٢٢١٢)، وصححه أيضًا الساعاتي (الفتح الرباني ١٨/ ١٣١).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.\n(^٦) السنن، الأقضية، باب في القاضي يخطئ (ح ٣٥٧٦)، قال الألباني حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٣٠٥٣).","vol":"3","page":403},{"text":"رسول الله ﷺ على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء، واللّه أعلم أي ذلك كان (^١). ورواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن إسحاق بنحوه (^٢).\nثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن علي بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت قريظة والنضير، وكانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل القرظي رجلًا من النضير قتل به، وإذا قتل النضيري رجلًا من قريظة، ودي بمائة وسق من تمر، فلما بعث رسول اللّه ﷺ قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة، فقالوا: ادفعوا إليه، فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله ﷺ، فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (^٣).\nورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك من حديث عبيد اللّه بن موسى بنحوه (^٤)، وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حيان وابن زيد وغير واحد.\nوقد روى العوفي وعلي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا (^٥)، كما تقدمت الأحاديث بذلك، وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله، واللّه أعلم، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى آخرها، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص، واللّه ﷾ أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد اللّه بن عبد اللّه والحسن البصري وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب (^٦)، زاد الحسن البصري: وهي علينا واجبة.\nوقال عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي اللّه لهذه الأمة بها (^٧)، رواه ابن جرير (^٨).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٣٦٣، وسنن أبي داود الأقضية، باب الحكم بين أهل الذمة (ح ٣٥٩١)، وسنن النسائي القسامة، باب تأويل قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] ٨/ ١٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٠٦١).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن ولا يضر بأن رواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب لأنه قد توبع كما في الروايات السابقة.\n(^٤) سنن أبي داود، الديات، باب النفس بالنفس (ح ٤٤٩٤)، وسنن النسائي، الباب السابق ٨/ ١٨، والمستدرك ٤/ ٣٦٦، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٧٧٢).\n(^٥) أخرجهما الطبري وطريق ابن أبي طلحة يقوي طريق العوفي.\n(^٦) قول البراء أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن مرة عنه، وقول حذيفة أخرجه الطبري بسند منقطع من طريق أبي البختري عنه وأبو البختري لم يسمع من حذيفة، وقول أبي مجلز أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.","vol":"3","page":404},{"text":"سلمة بن كهيل، عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة. فقال: من السحت، فقالا: وفي الحكم، قال: ذاك الكفر، ثم تلا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^١).\nوقال السدي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدًا أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: من جحد ما أنزل اللّه فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق، رواه ابن جرير (^٣)، ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب.\nوقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن زكريا، عن الشعبى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال: للمسلمين (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الصمد، حدثنا شعبة، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: هذا في المسلمين ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] قال: هذا في اليهود ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] قال: هذا في النصارى (^٥)، وكذا رواه هشيم والثوري، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي (^٦).\nوقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ﴾ الآية، قال: هي به كفر، قال ابن طاوس: وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله (^٧). وقال الثوري: عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق (^٨). رواه ابن جرير.\nوقال وكيع، عن سعيد المكي، عن طاوس ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: ليس بكفر ينقل عن الملة (^٩).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وتقدم صحة بعضه عن الشعبي.\n(^٦) سنده صحيح.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق وكيع به.","vol":"3","page":405},{"text":"الْكَافِرُونَ﴾ قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه (^١).\nورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٢).\n\n<span id=\"aya-714\"></span>﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾.\nوهذا أيضًا مما وبخت به اليهود وقرعوا عليه، فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس، وهم يخالفون حكم ذلك محمدًا وعنادًا، ويقيدون النضري من القرظي، ولا يفيدون القرظي من النضري، بل يعدلون إلى الدية كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار ولهذا قال هناك ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ لأنهم جحدوا حكم اللّه قصدًا منهم وعنادًا ومحمدًا، وقال ههنا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر اللّه بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا وتعدوا على بعضهم بعضًا.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن علي بن يزيد أخي يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قرأها: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ نصب النفس ورفع العين (^٣)، وكذا رواه أبو داود والترمذي والحاكم في مستدركه من حديث عبد اللّه بن المبارك، وقال الترمذي: حسن غريب (^٤).\nوقال البخاري: تفرّد ابن المبارك بهذا الحديث، وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقررًا ولم ينسخ، كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني عن نص الشافعي، وأكثر الأصحاب بهذه الآية حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة.\nوقال الحسن البصري: هي عليهم وعلى الناس عامة، رواه ابن أبي حاتم.\nوقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: أن شرع إبراهيم حجة دون غيره، وصحح منها عدم الحجية، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالًا عن الشافعي، وأكثر الأصحاب ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا، فاللّه أعلم.\nوقد حكى الإمام أبو نصر بن الصباغ ﵀ في كتابه \"الشامل\"، إجماع العلماء، على\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الحاكم من طريق سفيان بن عيينة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٣).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢١٥)، وسنده ضعيف لأن علي بن يزيد مجهول (التقريب ٢/ ٤٥٢) وقال أبو حاتم: حديث منكر (العلل ح ١٧٣٠).\n(^٤) سنن أبي داود، الحروف والقراءات (ح ٣٩٧٦)، وسنن الترمذي القراءات، باب في فاتحة الكتاب ٢٩٢٩، ونقل كلام البخاري، والمستدرك ٢/ ٢٣٦.","vol":"3","page":406},{"text":"الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه، وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة، وكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره أن رسول اللّه ﷺ كتب في كتاب عمرو بن حزم \"أن الرجل يقتل بالمرأة\" (^١)، وفي الحديث الآخر \"المسلمون تتكافأ دماؤهم\" (^٢)، وهذا قول جمهور العلماء، وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف الدية، لأن ديتها على النصف من دية الرجل، وإليه ذهب أحمد في رواية، وحكي عن الحسن وعطاء وعثمان [النهدي] (^٣) ورواية عن أحمد أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها بل تجب ديتها، وهكذا احتج أبو حنيفة - رحمه اللّه تعالى - بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي، وعلى قتل الحر بالعبد، وقد خالفه الجمهور فيهما، ففي الصحيحين عن أمير المؤمنين علي ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"لا يقتل مسلم بكافر\" (^٤) وأما العبد ففيه عن السلف آثار متعددة أنهم لم يكونوا يفيدون العبد من الحر، ولا يقتلون حرًا بعبد، وجاء في ذلك أحاديث لا تصح، وحكى الشافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك، ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية الكريمة.\nويؤيد ما قاله ابن الصباغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت في ذلك، كما قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، حدثنا حميد، عن أنس بن مالك أن الرُّبَيِّع عمة أنس، وكسرت ثنية جارية، فطلبوا إلى القوم العفو فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ فقال: \"القصاص\"، فقال أخوها أنس بن النضر: يا رسول الله، تكسر ثنية فلانة، فقال رسول اللّه ﷺ: \"يا أنس كتاب اللّه القصاص\" قال: فقال: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية فلانة، قال: \"فرضي القوم فعفوا وتركوا القصاص\"، فقال رسول اللّه ﷺ: \"إن من عباد اللّه من لو أقسم على اللّه لأبره\" (^٥) أخرجاه في الصحيحين (^٦).\nوقد رواه محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري في الجزء المشهور من حديثه، عن حميد، عن أنس بن مالك أن الرُبيّع بنت النضر عمته لطمت جارية فكسرت ثنيتها، [فعرضوا عليهم الأرش فأبوا، فطلبوا الأرش والعفو فأبوا] (^٧) فأتوا رسول اللّه ﷺ فأمرهم بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول ﷺ، أتكسر ثنية الرُبيّع؟ والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال النبي ﷺ: \"يا أنس كتاب الله القصاص\" فعفا القوم، فقال رسول اللّه ﷺ: \"إن من عباد الله من لو أقسم على اللّه لأبره\" رواه البخاري عن الأنصاري بنحوه (^٨).\nوروى أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن\n_________\n(^١) (^٢) تقدم تخريجهما في تفسير سورة البقرة آية ١٧٨.\n(^٣) كذا في الأصل، وفي نسخة (حم) و(مح): \"البتّي\".\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٨.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٢٨)، وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، الجهاد، باب قول الله ﷿: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا …﴾ [الأحزاب: ٢٣] (ح ٢٨٠٦)، وصحيح مسلم، القسامة، باب إثبات القصاص في الأسنان (ح ١٦٧٥).\n(^٧) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"فعرضوا عليهم الأرض\". وفيه تصحيف وسقط.\n(^٨) صحيح البخاري، الصلح، باب الصلح في الدية (ح ٢٧٠٣).","vol":"3","page":407},{"text":"أبي نشرة، عن عمران بن حصين أن غلامًا لأناس فقراء، قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتى أهله النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا أناس فقراء، فلم يجعل عليه شيئًا (^١).\nوكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة به (^٢). وهذا إسناد قوي، رجاله كلهم ثقات، وهو حديث مشكل، اللهم إلا أن يقال: إن الجاني كان قبل البلوغ فلا قصاص عليه، ولعله تحمل أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء أو استعفاهم عنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع السن بالسن، وتقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونساؤهم، إذا كان محمدًا في النفس وما دون النفس، ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم، إذا كان محمدًا في النفس وما دون النفس (^٣)، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>قاعدة مهمة:</span>\nالجراح تارة تكون في مفصل، فيجب فيه القصاص بالإجماع، كقطع اليد والرجل والكفّ والقدم ونحو ذلك، وأما إذا لم تكن الجراح في مفصل بل في عظم، فقال مالك ﵀: فيه القصاص إلا في الفخذ وشبهها، لأنه مخوف خطر.\nوقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيء من العظام إلا في السنّ.\nوقال الشافعي: لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقًا، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس، وبه يقول عطاء والشعبي والحسن البصري والزهري وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب سفيان الثوري والليث بن سعد، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.\nوقد احتج أبو حنيفة ﵀ بحديث الرُبيّع بنت النضر على مذهبه أنه لا قصاص في عظم إلا في السن، وحديث الرُبيّع لا حجة فيه لأنه ورد بلفظ وكسرت ثنية جارية، وجائز أن تكون سقطت من غير وكسر، فيجب القصاص والحالة هذه بالإجماع، وتمَّموا الدلالة مما رواه ابن ماجه عن طريق أبي بكر بن عياش، عن دهثم بن قُرّان، عن نمران بن جارية، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي: أن رجلًا ضرب رجلًا على ساعده بالسيف من غير المفصل فقطعها، فاستعدى النبي ﷺ فأمر له بالدية، فقال: يا رسول الله، أريد القصاص، فقال: خذ الدية، بارك الله لك فيها، ولم يقض له بالقصاص (^٤).\nوقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، ودهثم بن قُرّان العكلي ضعيف، أعرابي ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية ضعيف، أعرابي أيضًا،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، السُنّة، باب في جناية العبد يكون للفقراء ح ٤٥٩٠)، وصحح سنده الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٨٣٧).\n(^٢) سنن النسائي، القسامة، باب سقوط القود بين المماليك فيما دون النفس (٨/ ٢٥)، وقواه الحافظ ابن كثير.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الديات، باب ما لا قود فيه ح ٢٦٣٦)، ونقل البوصيري عن أبي داود أنه ضعيف بسبب دهثم بن قُرّان. (مصباح الزجاجة ٢/ ٣٣٦).","vol":"3","page":408},{"text":"وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة (^١).\nثم قالوا: لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال ثم زاد جرحه، فلا شيء له، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حدثنا [يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، وذكر] (^٢) عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني، فقال: \"حتى تبرأ\"، ثم جاء إليه فقال: أقدني، فأقاده فقال: يا رسول الله ﷺ، فقال: \"قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك اللّه وبطل عرجك\" (^٣) ثم نهى رسول الله ﷺ بأن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه (^٤)، تفرد به أحمد.\n(مسألة) فلو اقتص المجني عليه من الجاني فمات من القصاص، فلا شيء عليه عند مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم.\nوقال أبو حنيفة: تجب الدية في مال المقتص. وقال عامر الشعبي وعطاء وطاوس وعمرو بن دينار والحارث العكلي وابن أبي ليلى وحماد بن أبي سليمان، والزهري والثوري: تجب الدية على عاقلة المقتص له.\nوقال ابن مسعود وإبراهيم النخعي والحكم بن عُتيبة وعثمان البتي: يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ يقول: فمن عفا وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب.\nوقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: فمن تصدق به فهو كفارة للجارح وأجر المجروح على الله ﷿، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن خيثمة بن عبد الرحمن ومجاهد وإبراهيم في أحد قوليه وعامر الشعبي وجابر بن يزيد نحو ذلك (^٥) (^٦).\n(الوجه الثاني): ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن زاذان، حدثنا حرمي - يعني: ابن عمارة -، حدثنا شعبة، عن عمارة - يعني: ابن أبي حفصة -، عن رجل، عن جابر بن عبد اللّه في قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال: للمجروح، وروي عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي في أحد قوليه وأبي إسحاق الهمداني نحو ذلك (^٧).\n_________\n(^١) الاستذكار لابن عبد البر (٢٥/ ٢٨٧).\n(^٢) بياض في النسخ الثلاث، واستكمل من المسند (ح ٧٠٣٣، ٧٠٣٤).\n(^٣) كذا في النسخ الثلاث، وفي المسند: وبطل جرحك.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده نحوه، وضعفه محققوه بسبب تدليس وعنعنة ابن إسحاق (المسند ١١/ ٦٠٦ - ٦٠٧ ح ٧٣٤).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وتعليقه، وسنده حسن، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول إبراهيم أخرجه الطبري بسند حسن من طريق منصور بن المعتمر عنه.\n(^٦) ما تقدم هو الوجه الأول، ويليه الوجه الثاني.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لعدم التصريح باسم شيخ عمارة، ويتقوى بالأثار الخمسة التي تليه.","vol":"3","page":409},{"text":"وروى ابن جرير عن عامر الشعبي وقتادة مثله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، عن قيس - يعني ابن مسلم -، قال: سمعت طارق بن شهاب يحدث عن الهيثم [أبي] (^١) العريان النخعي، قال: رأيت عبد اللّه بن عمرو عند معاوية أحمر [شبيهًا] (^٢) بالموالي، فسألته، عن قول الله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به (^٣)، وهكذا رواه سفيان الثوري عن قيس بن مسلم، وكذا رواه ابن جرير من طريق سفيان وشعبة (^٤).\nوقال ابن مردويه: حدثني محمد بن علي، حدثنا عبد الرحيم بن محمد المجاشعي، حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج المهري، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي، حدثنا معلى - يعني ابن هلال - أنه سمع أبان بن ثعلب، عن أبي العريان الهيثم بن الأسود، عن عبد الله بن عمرو، وعن أبان بن ثعلب، عن الشعبي، عن رجل من الأنصار، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال: \"هو الذي تكسر سنه، أو تقطع يده، أو يقطع الشيء منه، أو يجرح في بدنه فيعفو عن ذلك\" - قال: - \"فيحط عنه قدر خطاياه، فإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان الثلث فثلث خطاياه، وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك\" (^٥).\nثم قال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا ابن فضيل، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال: دفع رجل من قريش رجلًا من الأنصار، فاندقت ثنيته، فرفعه الأنصاري إلى معاوية فلما ألحّ عليه الرجل، قال: شأنك وصاحبك، قال: وأبو الدرداء عند معاوية، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: \"ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه، إلا رفعه اللّه به درجة وحط عنه به خطيئة\" فقال الأنصاري: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ فقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فخلى سبيل القرشي، فقال معاوية: مروا له بمال (^٦). هكذا رواه ابن جرير.\nورواه الإمام أحمد فقال: حدثنا وكيع، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال: وكسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار، فاستعدى عليه معاوية، فقال معاوية: إنا سنرضيه، فألحّ الأنصاري، فقال معاوية: شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به، إلا رفعه اللّه به درجة وحط به عنه خطيئة\" فقال الأنصاري: فإني قد عفوت (^٧).\n_________\n(^١) كذا في النسخ الثلاث، والمثبت من ترجمته في التقريب ص ٥٧٧، وتفسير الطبري، وأما في تفسير ابن أبي حاتم فقد سقط لفظ: \"أبي\".\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل غير واضحة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الثوري والطبري في تفسيريهما، وسنده حسن.\n(^٥) سنده ضعيف جدًّا لأن معلى بن هلال قال الحافظ ابن حجر: اتفق النقاد على تكذيبه (التقريب ص ٥٤١).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للانقطاع بين أبي السفر وأبي الدرداء كما سيأتي عن الترمذي.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٤٨)، وسنده كسابقه.","vol":"3","page":410},{"text":"وهكذا رواه الترمذي من حديث ابن المبارك، وابن ماجه من حديث وكيع، كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق به، ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعًا من أبي الدرداء (^١).\nوقال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا محمد بن علي بن زيد، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا سفيان، عن عمران بن ظبيان، عن عدي بن ثابت أن رجلًا هتم (^٢) فمه رجل على عهد معاوية ﵁، فأعطي دية، فأبى إلا أن يقتص، فأعطي ديتين فأبى، فأعطي ثلاثًا فأبى، فحدث رجل من أصحاب رسول اللّه ﷺ أن رسول اللّه ﷺ عقال: \"من تصدق بدم فما دونه، فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سُريج بن النعمان، حدثنا هشيم، عن المغيرة، عن الشعبي أن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: \"ما من رجل يجرح من جسده جراحة فيتصدق بها، إلا كفر اللّه عنه مثل ما تصدق به\" (^٤).\nورواه النسائي عن علي بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد، ورواه ابن جرير عن محمود بن خداش، عن هشيم، كلاهما عن المغيرة به (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن مجالد، عن عامر، عن المحرَّر ابن أبي هريرة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: \"من أصيب بشيء من جسده فتركه للّه كان كفارة له\" (^٦).\nوقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قد تقدم عن طاوس وعطاء أنهما قالا: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.\n\n<span id=\"aya-715\"></span>﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أي: أتبعنا على آثارهم؛ يعني: أنبياء بني إسرائيل ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: مؤمنًا بها حاكمًا بما فيها، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ أي:\n_________\n(^١) سنن الترمذي، الديات، باب ما جاء في العفو (ح ١٣٩٣)، وسنن ابن ماجه، الديات، باب العفو في القصاص (ح ٢٦٩٣)، وحكمه كسابقه.\n(^٢) أي وكسر ثناياه (المصباح المنير ٢/ ٣٠٦).\n(^٣) في سنده عمران بن ظبيان وهو ضعيف (التقريب ص ٤٢٩).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣١٦)، وسنده ضعيف للانقطاع بين الشعبي وعبادة (جامع التحصيل ص ٢٤٨).\n(^٥) السنن الكبرى، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] (ح ١١١٤٦)، وتفسير الطبري، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤١٢)، وسنده ضعيف لأن مجالدًا ليس بالقوي كما في التقريب.","vol":"3","page":411},{"text":"هدى إلى الحق ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات، ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: متبعًا لها غير مخالف لما فيها إلا في القليل مما يبيّن لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] ولهذا كان المشهور من قول العلماء أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وجعلنا الإنجيل هدى يُهتدى به، ﴿وَمَوْعِظَةً﴾؛ أي: زاجرًا عن ارتكاب المحارم والمآثم، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: لمن اتقى اللّه وخاف وعيده وعقابه.\n\n<span id=\"aya-716\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ قرئ ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالنصب على أن اللام لام كي؛ أي: وآتيناه الإنجيل ليحكم أهل ملته به في زمانهم، وقرئ ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾. بالجزم على أن اللام لام الأمر؛ أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦٨] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف]. ولهذا قال ههنا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق، وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في النصارى، وهو ظاهر من السياق.\n\n<span id=\"aya-717\"></span>﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾.\nلما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، ومدحها وأثنى عليها وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع وذكر الإنجيل ومدحه وأمر أهله بإقامته واتباع ما فيه، كما تقدم بيانه، شرع تعالى في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: من الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد ﷺ، فكان نزوله كما أخبرت به، مما زادها صدقًا عند حامليها من ذوي البصائر الذين انقادوا لأمر الله، واتبعوا شرائع اللّه، وصدقوا رسل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا","vol":"3","page":412},{"text":"إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ [الإسراء] أي: إن كان ما وعدنا الله على ألسنة رسله المتقدمة من مجيء محمد ﵇ ﴿لَمَفْعُولًا﴾؛ أي: لكائنًا لا محالة ولا بد.\nوقوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال سفيان الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن [التميمي] (^١)، عن ابن عباس: أي مؤتمنًا عليه (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: المهيمن: الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله (^٣).\nورواه عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب وعطية والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي وابن زيد نحو ذلك (^٤).\nوقال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل (^٥).\nوعن الوالبي عن ابن عباس: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أي: شهيدًا (^٦)، وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي (^٧).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أي: حاكمًا على ما قبله من الكتب (^٨).\nوهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها أشملها وأعظمها وأكملها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات، ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكما عليها كلها وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].\nفأما ما حكاه ابن أبي حاتم عن عكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وابن أبي نجيح عن مجاهد، أنهم قالوا في قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ أمين على القرآن (^٩). فإنه صحيح\nفي المعنى، ولكن في تفسير هذا بهذا نظر، وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضًا نظر، وبالجملة فالصحيح الأول.\nوقال أبو جعفر بن جرير بعد حكايته له عن مجاهد: وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ، وذلك أن المهيمن عطف على المصدق، فلا يكون إلا صفة لما كان المصدق صفة له، قال: ولو كان الأمر كما قال مجاهد لقال: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"التيمي\" وهو تصحيف لأن التميمي هو: أربدة معروف بالتفسير.\n(^٢) أخرجه الطبري من عدة طرق عن الثوري به، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة.\n(^٤) ذكرهم تهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن جريج ويشهد له ما تقدم.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به.\n(^٧) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به.\n(^٩) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه، وبقية المفسرين ذكرهم بحذف السند.","vol":"3","page":413},{"text":"لما بين يديه من الكتاب، مهيمنًا عليه، يعني من غير عطف (^١).\nوقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: فاحكم يا محمد بين الناس، عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، بما أنزل اللّه إليك في هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك، هكذا وجهه ابن جرير بمعناه.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ مخيرًا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم، فردّهم إلى أحكامهم، فنزلت ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فأمر رسول اللّه ﷺ أن يحكم بينهم بما في كتابنا (^٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: آراءهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء الجهلة الأشقياء.\nوقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن التميمي، عن ابن عباس ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ قال: سبيلًا (^٣).\nوحدثنا أبو سعيد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ قال: سنة (^٤)، وكذا روى العوفي عن ابن عباس ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ سبيلًا وسنة، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبي إسحاق السبيعي، أنهم قالوا في قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: سبيلًا وسنة (^٥).\nوعن ابن عباس أيضًا، ومجاهد أيضًا، وعطاء الخراساني عكسه: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: سنة وسبيلًا (^٦).\nوالأول أنسب، فإن الشرعة وهي الشريعة أيضًا هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال: شرع في كذا؛ أي: ابتدأ فيه، كذا الشريعة وهي ما يشرع فيها إلى الماء. أما المنهاج فهو الطريق الواضح السهل، والسنن الطرائق.\nفتفسير قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس، والله أعلم.\nثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن\n_________\n(^١) ذكره الطبري (التفسير ١٠/ ٣٨١) ط. شاكر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) رواية العوفي أخرجها الطبري بسند ضعيف عنه به. ويشهد له أقوال المفسرين التالية: فقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٦) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه.","vol":"3","page":414},{"text":"رسول الله ﷺ قال: \"نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد\" (^١) يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية [النحل: ٣٦]، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حرامًا، ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفًا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.\nقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يقول: سبيلًا وسنة، والسنن مختلفة، هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يحل اللّه فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره؛ التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام (^٢). وقيل: المخاطب بهذه الآية هذه الأُمة ومعناه: لكل جعلنا القرآن ﴿مِنْكُمْ﴾ أيتها الأُمة شرعة ومنهاجًا؛ أي: هو لكم كلكم تقتدون به، وحذف الضمير المنصوب في قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أي: جعلناه، يعني القرآن، شرعة ومنهاجًا؛ أي: سبيلًا إلى المقاصد الصحيحة، وسنة أي طريقًا ومسلكًا واضحًا بينًا، هذا مضمون ما حكاه ابن جرير عن مجاهد ﵀ (^٣).\nوالصحيح القول الأول، ويدل على ذلك قوله تعالى بعده ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فلو كان هذا خطابًا لهذه الأمة، لما صح أن يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ وهم أمة واحدة، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة، التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد، وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على حدة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدًا ﷺ، الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ أي: أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة ليختبر عباده فيما شرع لهم ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله.\nوقال عبد اللّه بن كثير: ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ يعني من الكتاب (^٤).\nثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها، فقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ وهي طاعة الله واتباع شرعه الذي جعله ناسخًا لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله، ثم قال تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ …﴾ [مريم: ١٦] (ح ٣٤٤٣)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل عيسى ﵇ (ح ٢٣٦٥).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير.","vol":"3","page":415},{"text":"﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق المعادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة، والحجج البالغة والأدلة الدامغة.\nوقال الضحاك: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ يعني: أمة محمد ﷺ (^١)، والأول أظهر.\n\n<span id=\"aya-718\"></span>وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والنهي عن خلافه، ثم قال: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أي: واحذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما ينهونه إليك من أمور، فلا تغتر بهم، فإنهم كذبة كفرة خونة، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع اللّه، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أي: فاعلم أن ذلك كائن عن قدر الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما لهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ أي: إن أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق ناكبون عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٦].\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة. عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد وابن صلوبا وعبد اللّه بن صوريا وشاس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود، وأشرافهم، وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿ فيهم ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٢).\n\n<span id=\"aya-719\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة اللّه، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والبهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم [\"جنكزخان\"] (^٣) الذي وضع لهم \"الياسق\"، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي سنان عن الضحاك.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه ابن أبي حاتم معلقًا عن ابن إسحاق به.\n(^٣) في (مح): شنكزخان، وفي الأصل: \"سكرخان\" والصواب المثبت.","vol":"3","page":416},{"text":"يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن اللّه شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، المعادل في كل شيء.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هلال بن فياض، حدثنا أبو عبيدة الناجي قال: سمعت الحسن يقول: من حكم بكير حكم الله فحكم الجاهلية (^١).\nوأخبرنا يونس بن عبد الأعلى - قراءة -، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: كان طاوس إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية (^٢).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن [نجدة] (^٣) الحوطي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أبغض الناس إلى الله ﷿، من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرى بكير حق ليريق دمه\" (^٤). وروى البخاري عن أبي اليمان بإسناده نحوه بزيادة (^٥).\n\n<span id=\"aya-720\"></span>[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾.\nينهى ﵎ عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله - قاتلهم الله - ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب، حدثنا محمد - يعني ابن سعيد بن سابق -، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك بن حرب، عن عياض أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتابًا في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا يستطيع، فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا بل نصراني. قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو عبيدة الناجي لم أقف على ترجمة له، ومعناه صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: صحفت إلى: \"عبدة\".\n(^٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه في المعجم الكبير (١٠/ ٣٧٤ ح ١٠٧٤٩)، وأخرجه البخاري من طريق أبي اليمان به نحوه، الصحيح، كتاب الديات، باب من طلب دم امرئ بغير حق ح (٦٣٧٤).\n(^٥) ورد في الأصل يمين اللوحه ٣٢٤ م ما نصه: إلى هنا آخر الجزء الأول من خط المؤلف عفى الله عنا وعنه.","vol":"3","page":417},{"text":"أخرجوه، ثم قرأ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الآية (^١).\nثم قال: حدثنا محمد بن الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال: قال عبد اللّه بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الآية (^٢).\nحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب، فقال: كل، قال اللّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (^٣)، وروي عن أبي الزناد نحو ذلك (^٤).\n\n<span id=\"aya-721\"></span>\n\n<span id=\"aya-722\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك وريب ونفاق، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾؛ أي: يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك. عند ذلك قال اللّه تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾. قال السدي: يعني فتح مكة (^٥). وقال غيره: يعني القضاء والفصل (^٦).\n﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ قال السدي: يعني ضرب الجزية (^٧) على اليهود والنصارى، ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ يعني: الذي والوا اليهود والنصارى من المنافقين ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من الموالاة، ﴿نَادِمِينَ﴾ أي: على ما كان منهم مما لم يجد عنهم شيئًا، ولا دفع عنهم محذورًا، بل كان عين المفسدة، فإنهم فضحوا وأظهر اللّه أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين بعد أن كانوا مستورين، لا يدرى كيف حالهم، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم تبين أمرهم لعباد اللّه المؤمنين، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين، ويحلفون على ذلك ويتأولون فبان كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾.\nوقد اختلف القرّاء في هذا الحرف فقرأه الجمهور بإثبات الواو في قوله: ﴿وَيَقُولُ﴾، ثم منهم من رفع ويقول: على الابتداء، ومنهم من نصب عطفًا على قوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فتقديره: أن يأتي وأن يقول، وقرأ أهل المدينة (يقول الذين آمنوا) بغير واو (^٨)، وكذلك هو في مصاحفهم على ما ذكره ابن جرير. قال ابن جرير عن مجاهد ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ تقديره حينئذٍ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾ [واختلف المفسرون في] (^٩) سبب نزول هذه الآيات\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٦) أخرجه الطبرى بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"بالقضاء\".\n(^٧) أخرجه الطبرى بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٨) والقراءتان متواترتان.\n(^٩) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).","vol":"3","page":418},{"text":"الكريمات، فذكر السدي أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي فآوي إليه وأتهوّد معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث. وقال الآخر: أما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فآوي إليه وأتنصر معه، فأنزل اللّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الآيات (^١).\nوقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول اللّه ﷺ إلى بني قريظة فسألوه: ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه أي أنه الذبح (^٢)، رواه ابن جرير.\nوقيل: نزلت في عبد اللّه بن أبي بن سلول، كما قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس قال: سمعت أبي، عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول اللّه ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى اللّه ورسوله من ولاية يهود، وأتولى اللّه ورسوله، فقال عبد اللّه بن أُبي: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي، فقال رسول اللّه ﷺ لعبد اللّه بن أُبي \"يا أبا الحباب، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه\" قال: قد قبلت، فأنزل اللّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (^٣).\nثم قال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري: قال: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: أسلموا قبل أن يصيبكم اللّه بيوم مثل يوم بدر، فقال مالك بن الصيف: أغركم أن أصبتم رهطًا من قريش لا علم لهم بالقتال؟ أما لو أمررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقاتلونا، فقال عبادة بن الصامت: يا رسول اللّه، إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم كثيرًا سلاحهم شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية يهود، ولا مولى لي إلا اللّه ورسوله، فقال عبد اللّه بن أُبي: لكني لا أبرأ من ولاية يهود، إني رجل لا بدّ لي منهم، فقال رسول اللّه ﷺ: \"يا أبا الحباب، أرأيت الذي نفّست به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه\" فقال: إذًا أقبل، قال: فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] (^٤).\nوقال محمد بن إسحاق: فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله ﷺ بنو قينقاع، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد اللّه بن أُبي بن سلول حين أمكنه اللّه منهم، فقال: يا محمد أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج، قال: فأبطأ عليه رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد أحسن في موالي، قال: فأعرض عنه. قال: فأدخل يده في جيب درع رسول اللّه ﷺ، فقال له رسول اللّه ﷺ: \"أرسلني\"،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، ولكنه مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عطية بن سعد وهو العوفي، وتشهد لبعضه رواية ابن إسحاق الثابتة عن عبادة بن الصامت بعد روايتين.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ولبعضه شاهد في الرواية بعد التالية.","vol":"3","page":419},{"text":"وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللًا، ثم قال: \"ويحك أرسلني\" قال: لا واللّه لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدني في غداة واحدة إني امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله ﷺ: \"هم لك\" (^١).\nقال محمد بن إسحاق: فحدثني أبو إسحاق بن يسار عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: لما حاربت بنو فينقاع رسول الله ﷺ تشبث بأمرهم عبد اللّه بن أُبي، وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول اللّه ﷺ وكان أحد بني عوف بن الخزرج له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أُبي، فجعلهم إلى رسول اللّه ﷺ، وتبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى اللّه ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار، وولايتهم، ففيه وفي عبد الله بن أُبي نزلت الآيات في المائدة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة] (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد قال: دخلت مع رسول اللّه ﷺ على عبد الله بن أُبي نعوده، فقال له النبي ﷺ: \"قد كنت أنهاك عن حب يهود\" فقال عبد اللّه: فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات (^٣)، وكذا رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق (^٤).\n\n<span id=\"aya-723\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه، وأشدّ منعة، وأقوم سبيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم: ١٩، ٢٠] أي: بممتنع ولا صعب. وقال تعالى ههنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي: يرجع عن الحق إلى الباطل.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام (٢/ ٨٠٩).\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٩١ ح ٢١٧٥٨)، وضعفه محققوه بسبب عنعنة ابن إسحاق، وأخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٤١)، قال الساعاتي: سكت عنه أبو داود والمنذري ورواه ابن إسحاق فقال: حدثني الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد … فالحديث صحيح لأن رجاله كلهم ثقات وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث (الفتح الرباني ٢١/ ٢١١). ولكن لم أعثر على تصريح ابن إسحاق. فإن ثبت ذلك فالإسناد حسن.\n(^٤) سنن أبي داود، الجنائز، باب في العيادة رقم ٣٠٩٤ ولم يصرح ابن إسحاق بالسماع.","vol":"3","page":420},{"text":"قال محمد بن كعب: نزلت في الولاة من قريش (^١).\nوقال الحسن البصري: نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال الحسن: هو واللّه أبو بكر وأصحابه، رواه ابن أبي حاتم (^٢).\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: سمعت أبا بكر بن [عياش] (^٣) يقول: في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هم أهل القادسية (^٤).\nوقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: هم قوم من سبأ (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن محمد بن عمرو، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: ناس من أهل اليمن، ثم من كندة، من السّكُون (^٦).\nوحدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا معاوية - يعني ابن حفص -، عن أبي زياد الحلفاني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللّه، قال: سئل رسول اللّه ﷺ عن قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: \"هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السّكون (^٧)، ثم من تُجيب\" (^٨) (^٩)، وهذا حديث غريب جدًّا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبة، حدثنا عبد الصمد - يعني ابن عبد الوارث -، حدثنا شعبة، عن سماك، سمعت عياضًا يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: لما نزلت ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال رسول اللّه ﷺ: \"هم قوم هذا\" (^١٠). ورواه ابن جرير من حديث شعبة بنحوه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي صخر عن محمد بن كعب، لكنه مرسل. ولفظ ابن أبي حاتم أطول وإن المذكور جواب لعمر بن عبد العزيز.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عوف الأعرابي عن الحسن، ولكنه مرسل أيضًا.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"عباس\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا عن ابن أبي شيبة به، وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش (المصنف ١٢/ ٥٧١).\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ليث به، وسنده ضعيف بسبب ليث فإنه يخطئ ولم يتميز حديثه فترك.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده محمد بن عمرو وهو الأسدي ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٨/ ٣٢).\n(^٧) السَّكون: حي من العرب هو ابن أشرس بن ثور بن كنده من القحطانية (معجم قبائل العرب ٢/ ٥٢٨ والصحاح ٢/ ٣٨٣).\n(^٨) تُجيب: بالضم من كندة، هو تُجيب بن كندة بن ثور (الصحاح ١/ ١٠٥ ومعجم قبائل العرب ١/ ١١٦).\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وقد حكم عليه الحافظ ابن كثير. والشطر الأول منه قوله: \"قوم من أهل اليمن له شاهد كما يلي\".\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٣)، وأخرجه الطبراني من طريق سماك به (المعجم الكبير ١٧/ ٣٧١ ح ١٠١٦)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ١٦).","vol":"3","page":421},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وفي صفة رسول اللّه ﷺ أنه الضحوك القتال، فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه.\nوقوله ﷿: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ أي: لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وإقامة الحدود، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم، ولا عذل عاذل.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا سلام أبو المنذر، عن محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ، قال: أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا، وأمرني أن لا أخاف في اللّه لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا باللّه، فإنهن من كنز تحت العرش (^١).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن أبي المثنى أن أبا ذر قال: بايعني رسولُ اللّه ﷺ خمسًا وواثقني سبعًا، وأشهد اللّه عليّ تسعًا، أني لا أخاف في اللّه لومة لائم. قال أبو ذر: فدعاني رسول اللّه ﷺ فقال: \"هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟ \" قلت: نعم، قال: \"وبسطت يدي\"، فقال النبي ﷺ يشترط: \"على أن لا تسأل الناس شيئًا؟ \" قلت: نعم. قال: \"ولا سوطك وإن سقط منك، يعني تنزل إليه فتأخذه\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا جعفر، عن المعلى القُرْدوسي، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"ألا لا يمنعن أحدكم رهبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يُبَاعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظم\" تفرد به أحمد (^٣).\nوقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن زبيد (^٤)، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرًا لله فيه مقال، فلا يقول فيه، فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا؟\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٩)، وسنده صحيح. وصححوه محققوه (المسند ٣٥/ ٣٢٧ ح ٢١٤١٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وأخرجه أيضًا من طريق أبي اليمان عن أبي ذر مختصرًا (المسند ٥/ ١٧٣) وفي سنده أبو اليمان وهو عامر بن عبد الله بن لحي الهوزني، مقبول كما في التقريب، وقال محققو المسند: وأبو المثنى في عداد المجهولين (المسند ٣٥/ ٤٠١ ح ٢١٥٠٩).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٥٠) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٦٨)، وقال محققوا المسند، صحيح دون قوله: \"فإنه لا يقرب من أجل … الخ\" (المسند ١٨/ ٥٤ ح ١١٤٧٤).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"زيد\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":422},{"text":"فيقول: مخافة الناس. فيقول: إياي أحق أن تخاف (^١) \".\nورواه ابن ماجه من حديث الأعمش، عن عَمْرو بن مرة، به (^٢).\nوروى أحمد وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عبد الرحمن أبي طُوَالة، عن نهار بن عبد الله العبدي المدني، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: \"إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى إنه ليسأله يقول له: أي عبدي، رأيت منكرًا فلم تنكره؟ فإذا لَقَّن الله عبدًا حجته، قال: أيْ رب، وثقت بك وخفت الناس\" (^٣).\nوثبت في الصحيح: \"ما ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه\". قالوا: وكيف يُذلّ نفسه يا رسول اللّه؟ قال: \"يتحمل من البلاء ما لا يطيق\" (^٤).\n﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من اتصف بهذه الصفات، فإنما هو من فضل اللّه عليه، وتوفيقه له ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يَحْرِمه إياه.\n\n<span id=\"aya-724\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى اللّه ورسوله والمؤمنين. وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي عبادة اللّه وحده لا شريك له وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين والمساكين.\nوأما قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره، لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرًا عن علي بن أبي طالب أن هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، حدثنا أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: هم المؤمنون وعلي بن أبي طالب (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٧٣) وضعفه محققوا المسند بسبب الانقطاع بين أبي البختري وأبي سعيد (المسند ١٨/ ٢٣٠ ح ١١٦٩٩).\n(^٢) السنن، الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ح ٤٠٠٨) وصححه البوصيري في الزوائد، ولكن العلة قائمة بين أبي البختري وأبي سعيد الخدري.\n(^٣) المسند ٣/ ٢٧، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ح (٤٠١٧) وصححه البوصيري (مصباح الزجاجة ٣/ ٢٤٤)، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٢٤٤).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه من حديث حذيفة مرفوعًا (السنن، الفتن، الباب السابق ح ٤٠١٦) وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٢٤٣).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أيوب بن سويد، فقد ضعفه الإمام أحمد وابن المبارك وابن معين وأبو داود والساجي والجوزجاني (تهذيب التهذيب ١/ ٤٠٥ وميزان الاعتدال ١/ ٢٧٨). وهكذا جميع الروايات التي تنص على أن الآية نزلت في علي ﵁ لا تصح كما يلي.","vol":"3","page":423},{"text":"وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ (^١).\nوقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا غالب بن [عبيد اللّه] (^٢)، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية. نزلت في علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع (^٣).\nوقال عبد الرزاق: حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية، نزلت في علي بن أبي طالب (^٤)، عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به.\nوروى ابن مردويه من طريق سفيان الثوري، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان علي بن أبي طالب قائمًا يصلي، فمر سائل وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنزلت ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية، الضحاك لم يلق ابن عباس (^٥).\n\n<span id=\"aya-725\"></span>وروى ابن مردويه أيضًا من طريق محمد بن السائب الكلبي - وهو متروك -، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: خرج رسول اللّه ﷺ إلى المسجد والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم وقاعد، وإذا مسكين يسأل، فدخل رسول اللّه ﷺ، فقال: \"أعطاك أحد شيئًا؟ \" قال: نعم. قال: \"من؟ \" قال: ذلك الرجل القائم. قال \"على أي حال أعطاكه؟ \" قال: وهو راكع، قال: \"وذلك علي بن أبي طالب\". قال: فكبر رسول الله ﷺ عند ذلك وهو يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ وهذا إسناد لا يُفرح به (^٦).\nثم رواه ابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب ﵁ نفسه، وعمار بن ياسر وأبي رافع، وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها، ثم روى بإسناده عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ نزلت في المؤمنين وعلي بن أبي طالب أولهم (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا عبدة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر قال: سألته عن هذه الآية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ قلنا: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا. قلنا بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب، قال: علي من الذين آمنوا (^٨). وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للإرسال ولأن موسى بن قيس صدوق لكنه رمي بالتشيع كما في التقريب والمتن يؤيد مذهبه.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"عبد الله\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًّا لأن غالب بن عبيد الله قال عنه البخاري: منكر الحديث (التاريخ الكبير ٧/ ١٠١)، وكذا قال ابن أبي حاتم (الجرح ٧/ ٤٨).\n(^٤) في سنده عبد الوهاب بن مجاهد: ضعيف كما في التقريب.\n(^٥) وهو كما قال.\n(^٦) وهو كما قال.\n(^٧) وقد ضعف الحافظ ابن كثير هذه الروايات وهو كما قال.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن أبا جعفر رواه بلاغًا.","vol":"3","page":424},{"text":"مر به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتمه (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: من أسلم فقد تولى اللّه ورسوله والذين آمنوا، رواه ابن جرير (^٢).\nوقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت ﵁ حين تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢١، ٢٢] فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾.\n\n<span id=\"aya-726\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾.\nهذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون: وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة، المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها هزوًا يستهزئون بها، ولعبًا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد، كما قال القائل (^٣):\nوكم من عائب قولًا صحيحًا … وآفته من الفهم السقيم\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ﴾ من ههنا لبيان الجنس كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] [وقرأ] (^٤) بعضهم: والكفار بالخفض عطفًا، وقرأ آخرون بالنصب على أنه معمول (^٥)، ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تقديره ولا ﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياء، والمراد بالكفار ههنا المشركون، وكذلك وقع في قراءة ابن مسعود فيما رواه ابن جرير: (لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: اتقوا اللّه أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء إن كنتم مؤمنين بشرع اللّه الذي اتخذه هؤلاء هزوًا ولعبًا، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق أسباط به، وسنده ضعيف لأن السدي لم يلق عليًا.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٣) هو الشاعر أبو الطيب المتنبي كما في ديوانه ٤/ ١٢٠.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"قري\".\n(^٥) وكلتاهما قراءتان متواترتان.","vol":"3","page":425},{"text":"الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران: ٢٨].\n\n<span id=\"aya-727\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ أي: وكذلك إذا أذّنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب ﴿اتَّخَذُوهَا﴾ أيضًا ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ معاني عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي \"إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص - أي: ضراط - حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي التأذين، أقبل فإذا ثوب للصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم [ذلك، فليسجد سجدتين قبل السلام\" (^١) متفق عليه] (^٢).\nوقال الزهري: قد ذكر اللّه التأذين في كتابه فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ رواه ابن أبي حاتم (^٣).\nوقال أسباط، عن السدي في قوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمدًا رسول الله قال: حرق الكاذب، فدخلت خادمة ليلة من الليالي بنار وهو نائم، وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٤).\nوذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة أن رسول اللّه ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد، لقد أكرم اللّه أسيدًا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه، وقال الحارث بن هشام: أما واللّه لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليهم النبي ﷺ فقال: \"قد علمت الذي قلتم\" ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول اللّه ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، أن عبد اللّه بن محيريز أخبره وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة، قال: قلت لأبي محذورة: يا عم، إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا محذورة قال له: نعم، خرجت في نفر وكنا في بعض طريق حنين مقفل رسول اللّه ﷺ من حنين، فلقينا رسول اللّه ﷺ ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول اللّه ﷺ، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به فسمع رسول اللّه ﷺ، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه فقال رسول اللّه ﷺ: \"أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع\"؟ فأشار القوم كلهم إليّ وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، وقال: \"قم فأذن\" فقمت ولا شيء أكره إليّ من\n_________\n(^١) صحيح البخاري - الأذان - باب فضل التأذين ح (٦٠٨).\n(^٢) ما بين معقوفين بياض في الأصل واستدرك من (حم) و(مح) والتخريج.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عقيل بن خالد عن الزهري.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط به.","vol":"3","page":426},{"text":"رسول اللّه ﷺ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول اللّه ﷺ، فألقى عليّ رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه، قال: \"قل: اللّه أكبر اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللّه أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن محمدًا رسول اللّه أشهد أن محمدًا رسول اللّه، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، اللّه أكبر اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه\" ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمَرّها على وجهه، ثم بين ثدييه، ثم على كبده، حتى بلغت يد رسول اللّه ﷺ سورة أبي محذورة، ثم قال رسول اللّه ﷺ: \"بارك اللّه فيك وبارك عليك\" فقلت: يا رسول اللّه مرني بالتأذين بمكة، فقال: \"قد أمرتك به\"، وذهب كل شيء كان لرسول اللّه ﷺ من كراهة، وعاد ذلك كله محبة لرسول اللّه ﷺ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول اللّه ﷺ فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول اللّه ﷺ، وأخبرني ذلك من أدركت من أهلي ممن أدرك أبا محذورة على نحو ما أخبرني عبد اللّه بن مُحيريز (^١)، وهكذا رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه مسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة من طريق عبد اللّه بن مُحيريز، عن أبي محذورة واسمه سمرة بن معير بن لوذان، أحد مؤذني رسول الله ﷺ الأربعة، وهو مؤذن أهل مكة، وامتدت أيامه ﵁ وأرضاه (^٢).\n\n<span id=\"aya-728\"></span>﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾.\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة، فيكون الاستثناء منقطعًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج: ٨]، وكقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وفي الحديث المتفق عليه \"ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه اللّه\" (^٣).\nوقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ معطوف على ﴿أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون؛ أي: خارجون عن الطريق المستقيم.\n\n<span id=\"aya-729\"></span>ثم قال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: هل أخبركم بشر جزاء عند اللّه يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات المفسرة بقوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ٩٩ ح ١٥٣٨٠) وصححه محققوه بطرقه.\n(^٢) أخرجه مسلم مختصرًا الصحيح، الصلاة، باب صفة الأذان ح (٣٧٩).\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة، صحيح البخاري، الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ح (١٤٦٨) وصحيح مسلم، الزكاة، باب في تقديم الزكاة ح (٩٨٣).","vol":"3","page":427},{"text":"أي: أبعده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي: غضبًا لا يرضى بعده أبدًا ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ كما تقدم بيانه في سورة البقرة، وكما سيأتي إيضاحه في سورة الأعراف.\nوقد قال سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المعرور بن سويد، عن ابن مسعود قال: سئل رسول اللّه ﷺ عن القردة والخنازير: أهي مما مسخ اللّه؟ فقال: \"إن اللّه لم يهلك قومًا، أو لم يمسخ قومًا فيجعل لهم نسلًا ولا عقبًا، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك\" (^١) وقد رواه مسلم من حديث سفيان الثوري ومسعر، كلاهما عن مغيرة بن عبد اللّه [اليشكري] (^٢) به (^٣).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير: أهي من نسل اليهود؟ فقال: \"لا إن الله لم يلعن قومًا قط فيمسخهم. فكان لهم نسل ولكن هذا خلق كان، فلما غضب اللّه على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم\"، ورواه أحمد من حديث داود بن أبي الفرات به (^٤).\nوقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة والخنازير\" (^٥) هذا حديث غريب جدًّا.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ قرئ: وعَبَدَ الطاغوتَ على أنه فعل ماض، والطاغوت منصوب به؛ أي: وجعل منهم من عَبَدَ الطاغوت، وقرئ: وعَبَدَ الطَاغوتِ بالإضافة (^٦) على أن المعنى وجعل منهم خدم الطاغوت؛ أي: خدامه وعبيده، وقرئ: وعُبُدَ الطاغوتِ على أنه جمع عبد وعبيد، وعبد مثل ثمار وثُمُرْ، حكاها ابن جرير عن الأعمش، وحكى عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرؤها وعابد الطاغوت، وعن أبي وابن مسعود: وعبدوا، وعن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها: وعُبدَ الطاغوتُ على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، ثم استبعد معناها، والظاهر أنه لا بعد في ذلك، لأَن هذا من باب التعريض بهم؛ أي: وقد عبد الطاغوت فيكم وأنتم الذين فعلتموه، وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا، والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه، كيف يصدر منكم هذا، وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: مما تظنون بنا ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة، كقوله ﷿: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤].\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"الشكري\".\n(^٣) صحيح مسلم، القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها ح (٢٦٦٣).\n(^٤) أخرجه الطيالسي (المسند رقم ٣٠٧)، والإمام أحمد (المسند ١/ ٣٩٥) وسنده ضعيف لضعف أبي الأعين العبدي (المجروحين ٣/ ١٥٠).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق أيوب عن عكرمة به بنحوه (المسند ٥/ ٣٠٤ ح ٣٢٥٤) وقال محققوه: إسناده صحيح.\n(^٦) وكلتاهما قراءتان متواترتان.","vol":"3","page":428},{"text":"<span id=\"aya-730\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وهذه صفة المنافقين منهم أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر، ولهذا قال: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾ أي: عندك يا محمد ﴿بِالْكُفْرِ﴾ أي: مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر ولهذا قال: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ فخصهم به دون غيرهم.\n\n<span id=\"aya-731\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي: والله عالم بسرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإن الله عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء وقوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أي: يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على الناس وأكلهم أموالهم بالباطل، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: لبئس العمل كان عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم.\n\n<span id=\"aya-732\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ يعني: هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك، والربانيون هم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار هم العلماء فقط.\n﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني: الربانيين أنهم بئس ما كانوا يصنعون (^١)، يعني: في تركهم ذلك. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال: لهؤلاء حين لم ينهوا ولهؤلاء حين علموا، قال: وذلك الأركان، قال: ويعملون ويصنعون واحد (^٢)، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قيس، عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار، عن ابن عباس، قال: ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قال: كذا قرأ. وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، إنا لا ننهىَ (^٣)، رواه ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم، ذكره يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، حدثنا ثابت أبو سعيد الهمداني قال: لقيته بالري فحدث عن يحيى بن [يعمر] (^٤) قال: خطب علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات، فمُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقًا ولا يقرب أجلًا (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، والقراءة بلفظ يعملون شاذة.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"معمر\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة ثابت الهمداني في التقريب وميزان الاعتدال ١/ ٣٦٩).","vol":"3","page":429},{"text":"جرير، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعزُّ منه وأمنع، ولم يغيِّروا إلا أصابهم اللّه منه بعذاب\" (^١) تفرد به أحمد من هذا الوجه، ورواه أبو داود عن مسدد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن جرير قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: \"ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه، فلا يغيرون إلا أصابهم اللّه بعقاب قبل أن يموتوا\" (^٢) وقد رواه ابن ماجه عن علي بن محمد، عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه به (^٣)، قال الحافظ المزي: وهكذا رواه شعبة عن أبي إسحاق به.\n\n<span id=\"aya-733\"></span>﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾.\nيخبر تعالى عن اليهود - عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة - بأنهم وصفوا اللّه ﷿ تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا بأنه بخيل، كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء وعبروا عن البخل بأن قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد اللّه الطهراني، وحدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ أي: بخيلة (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قال: لا يعنون بذلك أن يد اللّه موثقة، ولكن يقولون: بخيل يعني أمسك ما عنده تعالى اللّه عن قولهم علوًا كبيرًا (^٥)، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي (^٦) والضحاك، وقرأ ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء] يعني: أنه ينهى عن البخل وعن التبذير، وهو زيادة الإنفاق في غير محله، وعبر عن البخل بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن اللّه، وقد قال عكرمة: إنها نزلت في فنحاص اليهودي، عليه لعنة اللّه، وقد تقدم أنه الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] فضربه أبو بكر الصديق ﵁.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بلفظ: بعقاب (المسند ٣١/ ٥٤٨ ح (١٩٢١٦) وحسن سنده محققوه.\n(^٢) سنن أبي داود، الملاحم، باب الأمر والنهي ح (٤٣٣٩) وحسنه الألباني في سنن أبي داود ح (٣٦٤٦).\n(^٣) السنن، الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ح (٤٠٠٩).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف حفص بن عمر.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٦) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه أيضًا بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"3","page":430},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له: الشاس بن قيس: إن ربك، بخيل لا ينفق، فأنزل اللّه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (^١). وقد ردَّ اللّه ﷿ عليهم ما قالوه وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ وهكذا وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [النساء: ٥٣، ٥٤]، وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢].\nثم قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي: بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، كما قال: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم] والآيات في هذا كثيرة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"إن يمين اللّه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه\" - قال: - \"وعرشه على الماء وفي يده الأخرى الفيض يرفع ويخفض\". وقال: يقول الله تعالى: \"أنفق، أنفق عليك\" (^٢). أخرجاه في الصحيحين: البخاري في التوحيد عن علي بن المديني، ومسلم فيه عن محمد بن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق به (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أي: يكون ما آتاك اللّه يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقًا وعملًا صالحًا وعلمًا نافعًا، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغيانًا، وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء، وكفرًا أي تكذيبًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء] وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: أنه لا تجتمع قلوبهم بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائمًا، لأنهم لا يجتمعون على حق، وقد خالفوك وكذبوك.\nوقال إبراهيم النخعي: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، قال: الخصومات والجدال في الدين، رواه ابن أبي حاتم (^٤).\nوقوله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ أي: كلما عقدوا أسبابًا، يكيدونك بها، وكلما\n_________\n(^١) سنده صحيح وأخرجه الطبراني من طريق ابن إسحاق به (المعجم الكبير ١٢/ ٦٧ ح ١٢٤٩٧)، وقال الهيثمي: ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ٢٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (السند ٢/ ٣١٣) وسنده صحيح؟\n(^٣) صحيح البخاري، التوحيد، ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] (ح ٧٤١٩)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الحث على النفقة ح (٩٩٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق العوام بن حوشب عن إبراهيم النخعي.","vol":"3","page":431},{"text":"أبرموا أمورًا يحاربونك بها، أبطلها الله وردّ كيدهم عليهم، وحاق مكرهم السيء بهم ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من سجيتهم أنهم دائمًا يسعون في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته،\n\n<span id=\"aya-734\"></span>ثم قال جلا وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أي: لو أنهم آمنوا بالله ورسوله واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المآثم والمحارم ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي: لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم المقصود.\n\n<span id=\"aya-735\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عَبَّاس وغيره: هو القرآن (^١)، ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدًا ﷺ، فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتمًا لا محالة.\nوقوله تعالى: ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني: بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني: لأرسل السماء عليهم مدرارًا، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني: يخرج من الأرض بركاتها (^٢). وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والسدي (^٣)، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف].\nوقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم] وقال بعضهم معناه: ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني: من غير كد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء.\nوقال ابن جرير: قال بعضهم: معناه لكانوا في الخير كما يقول القائل: هو في الخير من فرقه إلى قدمه (^٤)، ثم ردّ هذا القول لمخالفته أقوال السلف.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم عند قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ حديث علقمة، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: \"يوشك أن يرفع العلم\" فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ فقال: \"ثكلتك أمك يا ابن لبيد، إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله\" ثم قرأ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ هكذا أورده ابن أبي حاتم معلقًا من أول إسناده مرسلًا في آخره (^٥). وقد رواه الإمام أحمد بن حنبل متصلًا موصولًا، فقال: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد أنه قال: ذكر النَّبِيّ ﷺ شيئًا، فقال: \"وذاك عند ذهاب العلم\" قال: قلنا: يا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: الفرقان.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه أيضًا بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. وقول سعيد بن جبير ومن معه ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف ويتقوى بما يليه:","vol":"3","page":432},{"text":"رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرؤونه أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: \"ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء\" (^١) هكذا رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع بإسناده نحوه (^٢)، وهذا إسناد صحيح.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ كقوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: ١٥٩] وكقوله عن أتباع عيسى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧] فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد وهو أوسط مقامات هذه الأمة وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الآية [فاطر: ٣٢، ٣٣] والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأُمة كلهم يدخلون الجنة.\nوقد قال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا أحمد بن يونس الضبي، حَدَّثَنَا عاصم بن عدي، حَدَّثَنَا أبو معشر، عن يعقوب بن يزيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فقال: \"تفرقت أُمة موسى على إحدى وسبعين ملة: سبعون منها في النار، وواحدة في الجنة، وتفرقت أُمة عيسى على ثنتين وسبعين ملة: واحدة في الجنة، وإحدى وسبعون منها في النار، وتعلو أُمتي على الفرقتين جميعًا واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار\" قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: \"الجماعات الجماعات\". قال يعقوب بن يزيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ تلا فيه قرآنًا، قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ وتلا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ [الأعراف: ١٨١] يعني: أُمة محمد ﷺ (^٣). وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه وبهذا السياق، وحديث افتراق الأُمم إلى بضع وسبعين مروي من طرق عديدة، وقد ذكرناه في موضع آخر ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-736\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام.\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حَدَّثَنَا محمد بن يوسف، حَدَّثَنَا سفيان، عن إسماعيل،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٤٤٢ ح ١٧٩١٩) وصحح سنده محققوه، وأخرجه الحاكم من طريق سالم بن أبي الجعد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٥٩٠).\n(^٢) سنن ابن ماجة، الفتن، باب ذهاب القرآن والعلم ح (٤٠٤٨) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة ح (٣٢٧٢)، وكذا الحافظ ابن كثير.\n(^٣) أخرجه الآجري (الشريعة ص ١٦)، وأبو يعلى (المسند ٦/ ٣٤٠ ح ٣٦٦٨)، كلاهما من طريق أبي معشر به قال الهيثمي وفيه أبو معشر نجيح فيه ضعف (مجمع الزوائد ٧/ ٢٦٠).","vol":"3","page":433},{"text":"عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂، قالت: من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أنزل الله عليه فقد كذب [واللّه] (^١) يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية (^٢)، هكذا رواه ها هنا مختصرًا وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولًا، وكذا رواه مسلم في كتابي الإيمان، والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننهما من طرق عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع، عنها ﵂ (^٣).\nوفي الصحيحين عنها أيضًا أنها قالت: لو كان محمدًا ﷺ كاتمًا شيئًا من القرآن لكتم هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (^٤) [الأحزاب: ٣٧].\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن منصور الرمادي: حَدَّثَنَا سعيد بن سليمان، حَدَّثَنَا عباد عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: كنا عند ابن عباس، فجاء رجل فقال له: إن ناسًا يأتونا فيخبروننا أن عندكم شيئًا لم يبده رسول الله ﷺ للناس فقال ابن عَبَّاس: ألم تعلم أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ واللّه ما ورثنا رسول الله ﷺ سوداء في بيضاء (^٥)، وهذا إسناد جيد.\nوهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب ﵁: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر (^٦).\nوقال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم (^٧).\nوقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفًا، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذٍ: \"أيها الناس، إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ \" قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول: \"اللهم هل بلغت\" اللهم هل بلغت؟ (^٨).\nقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا ابن نمير، حَدَّثَنَا فضيل - يعني ابن غزوان -، عن عكرمة، عن ابن\n_________\n(^١) كذا في صحيح البخاري، وفي النسخ الثلاث بلفظ: \"وهو\".\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ح ٤٦١٢).\n(^٣) صحيح مسلم، الإيمان، باب معنى قول الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣] (ح ١٧٧)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأنعام (ح ٣٠٦٨)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ …﴾ ح ١١١٤٧).\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث عائشة (المصدر السابق بعد ح ١٧٧)، وأخرجه البخاري من حديث أنس بنحوه، الصحيح، التوحيد، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] (ح ٧٤٢٠).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وجود إسناده الحافظ ابن كثير ثم أردف له شاهدًا من البخاري كما يلي.\n(^٦) صحيح البخاري، العلم، باب كتابة العلم (ح ١١١).\n(^٧) أخرجه البخاري معلقًا ووصله الحافظ ابن حجر بسنده عن الزهري ثم أردفه برواية ابن أبي عاصم من طريق الأوزاعي عن الزهري (تغليق التعليق ٥/ ٣٦٥ - ٣٦٦).\n(^٨) صحيح مسلم، الحج، باب حجة النَّبِيّ ﷺ (ح ١٢١٨).","vol":"3","page":434},{"text":"عباس، قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع. \"يا أيها الناس؛ أي: يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: أي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: \"فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا\" ثم أعادها مرارًا، ثم رفع أصبعه إلى السماء فقال: \"اللهم هل بلغت؟ \"مرارًا. قال: يقول ابن عباس: واللّه لوصية إلى ربه ﷿، ثم قال: \"ألا فليبلغ الشاهد الغائب: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" (^١) وقد روى البخاري عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان به نحوه (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ يعني: وإن لم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به، ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾؛ أي: وقد علم ما يترتب على ذلك لو وقع.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ يعني: إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته (^٣).\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا [قبيضة بن عقبة] (^٤)، حَدَّثَنَا سفيان، عن رجل، عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ قال: يا ربِّ، كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليّ؟ فنزلت ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (^٥) ورواه ابن جرير من طريق سفيان وهو الثوري به (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بلغ أنت رسالتي وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك، وقد كان النَّبِيّ ﷺ قبل نزول هذه الآية يُحرس، كما قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا يحيى قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث، أن عائشة ﵂ كانت تحدث أن رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت: فقلت ما شأنك يا رسول الله؟ قال: \"ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسنى الليلة\" قالت: فبينا أنا على ذلك، إذ سمعت صوت السلاح، فقال: \"من هذا؟ \" فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: \"ما جاء بك؟ \" قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله ﷺ في نومه (^٧)، أخرجاه في الصحيحين من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري به (^٨)، وفي لفظ: سهر رسول الله ﷺ ذات ليلة مقدمه المدينة يعني على إثر هجرته بعد دخوله بعائشة ﵂، وكان ذلك في سنة ثنتين منها (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٣٥)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الحج، باب الخطبة أيام منى (ح ١٧٣٩).\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"سعبة بن عتبة\" وهو تصحيف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ سفيان الثوري، وإرسال مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٤٠)، وسنده صحيح.\n(^٨) صحيح البخاري، الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله (ح ٢٨٨٥) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، فصل سعد بن أبي وقاص ﵁ (ح ٢٤١٠).\n(^٩) المصدر السابق في صحيح مسلم.","vol":"3","page":435},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا إبراهيم بن مرزوق البصري، نزيل مصر، حَدَّثَنَا مسلم بن إبراهيم، حَدَّثَنَا الحارث بن عبيد - يعني: أبا قدامة -، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النَّبِيّ ﷺ يُحرس حتَّى نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قالت: فأخرج النَّبِيّ ﷺ رأسه من القبة وقال: \"يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله ﷿ \" (^١).\nوهكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، وعن نصر بن علي الجهضمي، كلاهما عن مسلم بن إبراهيم به، ثم قال: وهذا حديث غريب، وهكذا رواه ابن جرير والحاكم في مستدركه من طريق مسلم بن إبراهيم به، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وكذا رواه سعيد بن منصور عن الحارث بن عبيد أبي قدامة، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة به، ثم قال الترمذي: وقد روى بعضهم هذا عن الجريري عن ابن شقيق، قال: كان النَّبِيّ ﷺ يُحرس حتَّى نزلت هذه الآية، ولم يذكر عائشة (^٢).\nقلت: هكذا رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن علية، وابن مردويه من طريق وهيب، كلاهما عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق مرسلًا (^٣)، وقد روى هذا مرسلًا عن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي، رواهما ابن جرير (^٤)، والربيع بن أنس، رواه ابن مردويه، ثم قال: حَدَّثَنَا سليمان بن أحمد، حَدَّثَنَا أحمد بن رشدين المصري، حَدَّثَنَا خالد بن عبد السلام الصدفي، حَدَّثَنَا الفضل بن المختار، عن عبد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك الخطمي قال: كنا نحرس رسول الله ﷺ بالليل. حتَّى نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فترك الحرس (^٥).\nحَدَّثَنَا سليمان بن أحمد، حَدَّثَنَا حمد بن محمد بن حمد أبو نصر الكاتب البغدادي، حَدَّثَنَا كردوس بن محمد الواسطي، حَدَّثَنَا مُعلى بن عبد الرحمن، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان العباس عم رسول الله ﷺ فيمن يحرسه، فلما نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ترك رسول الله ﷺ الحرس (^٦).\nحَدَّثَنَا علي بن أبي حامد المديني، حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن سعيد، حَدَّثَنَا محمد بن مفضل بن إبراهيم الأشعري، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن معاوية بن عمار، حَدَّثَنَا أبي قال: سمعت أبا الزبير المكي يحدث عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتَّى نزلت ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فذهب ليبعث معه، فقال: \"يا عم إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث\" (^٧) وهذا حديث غريب وفيه نكارة، فإن هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الحارث بن عبيد صدوق يخطئ كما في التقريب، ولكن له شواهد كثيرة لاحقة فسنده حسن، وقد صححه بعض النقاد كما يلي.\n(^٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة المائدة (ح ٣٠٤٦)، وتفسير الطبري والمستدرك ٢/ ٣١ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٤٠).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهذا المرسل يتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٤) أخرجهما الطبري وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخَر، ومع سابقهما يقوي بعضهم بعضًا.\n(^٥) في سنده الفضل بن المختار ضعفه الحافظ ابن حجر (الإصابة ٧/ ٨)، ويشهد له سابقه.\n(^٦) سنده ضعيف جدًّا لأن معلى بن عبد الرحمن وهو الواسطي متهم بالوضع وقد رمي بالرفض (التقريب ص ٥٤١).\n(^٧) ضعفه الحافظ ابن كثير، وبيّن نكارته.","vol":"3","page":436},{"text":"ثم قال: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا محمد بن يحيى، حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا عبد الحميد الحماني، عن النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يحرس فكان أبو طالب يرسل إليه كل يوم رجالًا من بني هاشم يحرسونه حتَّى نزلت عليه هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قال: فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه، فقال: \"إن الله قد عصمني من الجن والإنس\" (^١)، ورواه الطبراني (^٢) عن يعقوب بن غيلان العماني، عن أبي كريب به.\nوهذا أيضًا حديث غريب، والصحيح أن هذه الآية مدنية بل هي من أواخر ما نزل بها، واللّه أعلم، ومن عصمة الله لرسوله، حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة، ونصب المحاربة له ليلًا ونهارًا، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه أبو طالب، نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام وعلى أن يتحول إلى دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها، منعوه من الأحمر والأسود، وكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله، ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جدًّا يطول ذكرها، فمن ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة:\nفقال أبو جعفر بن جرير: حَدَّثَنَا الحارث، حَدَّثَنَا عبد العزيز، حَدَّثَنَا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، وغيره، قالوا: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلًا اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال: \"الله ﷿\" فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه، وضرب برأسه الشجرة حتَّى انتثر دماغه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حَدَّثَنَا زيد بن الحباب، حَدَّثَنَا موسى بن عبيدة، حدثني زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: لما غزا رسول الله ﷺ بني أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال غورث بن الحارث من بني النجار: لأقتلن محمدًا، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له: أعطني سيفك، فإذا أعطانيه، قتلته به، قال: فأتاه. فقال: يا محمد، أعطني سيفك أشيمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده حتَّى سقط السيف من يده، فقال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) في سنده النضر وهو ابن عبد الرحمن ذكره الهيثمي باسمه واسم أبيه وبيّن أنه ضعيف (المجمع ٧/ ٢٠) بل هو متروك (كما في التقريب ص ٥٦٢).\n(^٢) المعجم الكبير ١١/ ٢٦١ (ح ١١٦٦٣) وسنده ضعيف جدًّا بسبب النضر.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب أبي معشر وهو نجيح السندي: ضعيف (التقريب ص ٥٥٩) وقد أرسله محمد بن كعب.","vol":"3","page":437},{"text":"\"حال الله بينك وبين ما تريد\"، فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (^١). وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقصة غورث بن الحارث مشهورة في الصحيح.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا أبو عمرو بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا محمد بن عبد الوهاب، حَدَّثَنَا آدم، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كنا إذا صحبنا رسول الله ﷺ في سفر تركنا له أعظم شجرة وأظلها، فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه، فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال رسول الله ﷺ: \"الله يمنعني منك ضع السيف\" فوضعه، فأنزل الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن المؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، سمعت أبا إسرائيل - يعني الجشمي -، سمعت جعدة - هو ابن خالد بن الصمة الجشمي ﵁ -، قال: سمعت النَّبِيّ ﷺ ورأى رجلًا سمينًا، فجعل النَّبِيّ ﷺ يومئ إلى بطنه بيده ويقول: \"لو كان هذا في غير هذا، لكان خيرًا لك\" قال: وأتي النَّبِيّ ﷺ برجل، فقيل: هذا أراد أن يقتلك، فقال له النَّبِيّ ﷺ: \"لم ترع ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي\" (^٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: بلغ أنت واللّه هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].\n\n<span id=\"aya-737\"></span>﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾.\nيقول تعالى: قل يا محمد ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: من الدين حتَّى تقيموا التوراة والإنجيل؛ أي: حتَّى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها، ومما فيها الأمر باتباع محمد عليّ ﷺ والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته، ولهذا قال ليث بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب موسى بن عبيدة، ولكن أصل القصة في صحيح البخاري، المغازي باب غزوة ذات الرقاع (ح ٤١٣٦).\n(^٢) أخرجه ابن حبان من طريق حماد به (موارد الظمآن ص ٣٤٠ ح ١٧٣٩) ويشهد له سابقه في صحيح البخاري.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٧١)، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير أبي إسرائيل الجشمي وهو ثقة (مجمع الزوائد ٨/ ٢٢٦)، وأخرجه النسائي من طريق شعبة به (السنن الكبرى، عمل اليوم والليلة، باب ما يقول للجائف ح ١٠٩٠٣) وصححه الحافظ ابن حجر (تهذيب التهذيب ٢/ ٨١)، وأخرجه الحاكم من طريق شعبة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٢١).","vol":"3","page":438},{"text":"أبي سليم عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: يعني: القرآن العظيم (^١)، وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ تقدم تفسيره.\n﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: فلا تحزن عليهم، ولا يهيدنّك ذلك منهم،\n\n<span id=\"aya-738\"></span>ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم المسلمون، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ وهم حملة التوراة، ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ لما طال الفصل حسن العطف بالرفع، والصابئون طائفة من النصارى والمجوس ليس لهم دين، قاله مجاهد (^٢)، وعنه: من اليهود والمجوس (^٣).\nوقال سعيد بن جبير: من اليهود والنصارى (^٤). وعن الحسن والحكم: إنهم كالمجوس (^٥).\nوقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى غير القبلة، ويقرؤون الزبور (^٦).\nوقال وهب بن منبه: هم قوم يعرفون الله وحده، وليست لهم شريعة يعملون بها، ولم يحدثوا كفرًا (^٧)، وقال ابن وهب: أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: الصابئون هم قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون كل سنة ثلاثين يومًا، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات (^٨)، وقيل: غير ذلك، وأما النصارى فمعروفون وهم حملة الإنجيل، والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله واليوم الآخَر وهو الميعاد والجزاء يوم الدين، وعملت عملًا صالحًا، ولا يكون ذلك كذلك حتَّى يكون موافقًا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم، ولا هم يحزنون، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا.\n\n<span id=\"aya-739\"></span>﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾.\nيذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة للّه ولرسوله، فنقضوا تلك العهود والمواثيق واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه وما خالفهم ردوه، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾\n\n<span id=\"aya-740\"></span>﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: وحسبوا أن لا يترتب لهم شر على ما صنعوا،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي سنان عن ليث به، وليث هو ابن أبي سليم صدوق اختلط جدًّا فلم يتميز حديثه فترك.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق حجاج بن أرطأة عن القاسم عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شريك عن سالم الأفطس عن سعيد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه محمد بن عبد الرحمن العرزمي وهو متروك.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن وهب عن ابن أبي الزناد به.","vol":"3","page":439},{"text":"فترتب، وهو أنهم عموا عن الحق وصموا فلا يسمعون حقًّا ولا يهتدون إليه، ثم تاب الله عليهم؛ أي: مما كانوا فيه، ثم ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ أي: بعد ذلك، ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: مطلع عليهم وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية.\n\n<span id=\"aya-741\"></span>﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾.\nيقول تعالى حاكمًا بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنسطورية (^١)، ممن قال منهم: بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوًا كبيرًا، هذا وقد تقدم لهم أن المسيح عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق وهو صغير في المهد أن قال: إني عبد الله، ولم يقل أنا الله ولا ابن الله، بل قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم] وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمرًا لهم بعبادة ربه وربهم، وحده لا شريك له، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: فيعبد معه غيره ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أي: فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ [الأعراف] وفي الصحيح أن النَّبِيّ ﷺ بعث مناديًا ينادي في الناس: إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وفي لفظ: مؤمنة (^٢).\nوتقدم في أول سورة النساء عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [٤٨] حديث يزيد بن بابنوس عن عائشة: الدواوين ثلاثة، فذكر منه ديوانًا لا يغفره الله، وهو الشرك بالله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، والحديث في مسند أحمد (^٣)، ولهذا قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي: وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه.\n_________\n(^١) تقدم التعريف بهذه الطوائف.\n(^٢) صحيح البخاري، الرقاق، باب الحشر (ح ٦٥٢٨).\n(^٣) تقدم في تفسير سورة النساء آية ٤٨ في الحديث الشريف الأول.","vol":"3","page":440},{"text":"<span id=\"aya-742\"></span>وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسن الهسنجاني، حَدَّثَنَا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، حَدَّثَنَا الفضل، حدثني أبو صخر في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ قال: هو قول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة (^١). وهذا قول غريب في تفسير الآية أن المراد بذلك طائفتا اليهود والنصارى، والصحيح أنها نزلت في النصارى خاصة، قاله مجاهد (^٢) وغير واحد، ثم اختلفوا في ذلك فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة: وهو أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. قال ابن جرير وغيره: والطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم (^٣)، وهم مختلفون فيها اختلافًا متباينًا ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم تكفر الأخرى، والحق أن الثلاثة كافرة.\nوقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة (^٤) بهذا الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ الآية [المائدة: ١١٦] وهذا القول هو الأظهر - واللّه أعلم - قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: ليس متعددًا بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، ثم قال تعالى متوعدًا لهم ومتهددًا ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: من هذا الافتراء والكذب ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرة من الأغلال والنكال،\n\n<span id=\"aya-743\"></span>ثم قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه.\n\n<span id=\"aya-744\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: له سوية أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الزخرف: ٥٩].\nوقوله ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة [سارة] (^٥) أُم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى، استدلالًا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيًا إلا من الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵀ الإجماع على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، الفضل هو ابن فضالة، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه (التفسير ١٠/ ٤٨٢ ط. شاكر).\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"سارية\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":441},{"text":"وقول تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ أي: يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: نوضحها ونظهرها ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون، وبأي قول يتمسكون، وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون؟\n\n<span id=\"aya-745\"></span>﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد [والأوثان] (^١)، ومبينًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإلهية، فقال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر على دفع ضر إليكم ولا إيجاد نفع إليكم، ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء، فلم عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا ولا يملك ضرًا ولا نفعًا لغيره ولا لنفسه؟\n\n<span id=\"aya-746\"></span>ثم قال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ولا تطروا من أمرتهم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتَّى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم، شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الرحمن، حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: وقد كان قائم قام عليهم فأخذ بالكتاب والسنة زمانأ، فأتاه الشيطان فقال: إنما تركت أثرًا أو أمرًا قد عمل قبلك، فلا تحمد عليه، ولكن ابتدع أمرًا من قبل نفسك، وادع إليه وأجبر الناس عليه، ففعل ثم ادّكرَ بعد فعله زمانًا، فأراد أن يتوب منه، فخلع سلطانه وملكه، وأراد أن يتعبد، فلبث في عبادته أيامًا، فأتي فقيل له: لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك، ولكن ضل فلان وفلان وفلان في سبيلك حتَّى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف لك بهداهم فلا توبة لك أبدًا؟ ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الآية ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ (^٢).\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"الأديان\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده جيد إلى الربيع لكنه من أخبار أهل الكتاب.","vol":"3","page":442},{"text":"<span id=\"aya-747\"></span>﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾.\nيخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل فيما أنزله على داود نبيه ﵇، وعلى لسان عيسى ابن مريم، بسبب عصيانهم للّه واعتدائهم على خلقه.\nقال العوفي، عن ابن عباس: لعنوا في التوراة والإنجيل وفي الزبور وفي الفرقان (^١).\n\n<span id=\"aya-748\"></span>ثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم، فقال تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ أي: كان لا ينهى أحد منهم أحدًا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه، فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.\nوقال الإمام أحمد ﵀: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا شريك بن عبد الله، عن أعلي بن بذيمة، (^٢)، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا: فجالسوهم في مجالسهم\" قال يزيد: وأحسبه قال: \"وأسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم\"، ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وكان رسول الله ﷺ متكئًا، فجلس فقال: \"لا والذي نفسي بيده حتَّى تأطروهم على الحق أطرًا\" (^٣).\nوكذا رواه الترمذي وابن ماجة من طريق علي بن بذيمة به، وقال الترمذي: حسن غريب ثم رواه هو وابن ماجة عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة مرسلًا (^٤).\nوقال أبو داود: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد النفيلي، حَدَّثَنَا يونس بن راشد، عن [علي بن بذيمة] (^٥)، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن عطية العوفي به، ولكنه توبع فقد أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"بديهة\" وهو تصحيف.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٧١٣) وضعفه محققه أحمد شاكر، والعلة الانقطاع بين أبي عبيدة وأبيه ابن مسعود.\n(^٤) سنن الترمذي، التفسير، سورة المائدة (ح ٣٠٤٨) وسنن ابن ماجة، الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ح ٤٠٠٦)، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"علي بن بديهه\" وهو تصحيف.","vol":"3","page":443},{"text":"يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض - ثم قال -: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فاسقون﴾ - ثم قال -: كلا واللّه لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو تقصرنه على الحق قصرًا\" (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، وهارون بن إسحاق الهمداني، قالا: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرًا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه، أن يكون أكيله وخليطه وشريكه\" وفي حديث هارون \"وشريبه\"، ثم اتفقا في المتن \"فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون\" ثم قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعنكم كما لعنكم\" والسياق لأبي سعيد (^٢)، كذا قال في رواية هذا الحديث، وقد رواه أبو داود أيضًا عن خلف بن هشام، عن أبي شهاب الحناط، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن سالم - وهو ابن عجلان الأفطس -، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النَّبِيّ ﷺ بنحوه، ثم قال أبو داود: كذا رواه خالد، عن العلاء، عن عمرو بن مرة به، ورواه [المحاربي] (^٣) عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله (^٤).\nقال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه خالد بن عبد الله الواسطي عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن أبي موسى (^٥).\nوالأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًّا، ولنذكر منها ما يناسب هذا المقام، قد تقدم حديث جابر عند قوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣] وسيأتي عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] حديث أبي بكر الصديق وأبي ثعلبة الخشني، فقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان أن النَّبِيّ ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم\" (^٦)، ورواه الترمذي عن علي بن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الملاحم، باب الأمر والنهي ح ٤٣٣٦) وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"البخاري\" وهو تصحيف.\n(^٤) السنن، الملاحم، باب الأمر والنهي (ح ٤٣٣٧).\n(^٥) تحفة الأشراف ٧/ ١٦١.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٨٨)، وأخرجه الترمذي وحسنه (السنن، الفتن، باب ما جاء =","vol":"3","page":444},{"text":"حجر عن إسماعيل بن جعفر به، وقال: هذا حديث حسن. وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد، عن عمرو بن عثمان، عن عاصم بن عمر بن عثمان، عن عروة، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم\" (^١). تفرد به، وعاصم هذا مجهول.\nوفي الصحيح من طريق الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، وعن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان\" رواه مسلم (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا ابن نمير، حَدَّثَنَا سيف - هو: ابن أبي سليمان -، سمعت عدي بن عدي الكندي يحدث عن مجاهد قال: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي - يعني عدي بن عميرة ﵁، يقول: سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول: \"إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتَّى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك، عذب الله الخاصة والعامة\"، ثم رواه أحمد عن أحمد بن الحجاج، عن عبد الله بن المبارك، عن سيف بن أبي سليمان، عن عيسى بن عدي الكندي، حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكره (^٣)، هكذا رواه الإمام أحمد من هذين الوجهين.\nقال أبو داود: حَدَّثَنَا محمد بن العلاء، حَدَّثَنَا أبو بكر، حَدَّثَنَا المغيرة بن زياد الموصلي عن عدي بن عدي، عن العرس - يعني ابن عميرة -، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، - وقال مرة فأنكرها - كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها\" تفرد به أبو داود، ثم رواه عن أحمد بن يونس، عن أبي شهاب، عن [مغيرة بن زياد] (^٤)، عن عدي بن عدي مرسلًا (^٥).\nوقال أبو داود: حَدَّثَنَا سليمان بن حرب وحفص بن عمر، قالا: حَدَّثَنَا شعبة - وهذا لفظه -، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: أخبرني من سمع النَّبِيّ ﷺ، وقال سليمان، حدثني رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أن النَّبِيّ ﷺ قال: \"لن يهلك الناس حتَّى يَعذروا أو يُعذروا من أنفسهم\" (^٦).\n_________\n= في الأمر بالمعروف … ح ٢١٦٩)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٧٦٢).\n(^١) السنن، الفتن، باب الأمر بالمعروف … (ح ٤٠٠٤) ويشهد له سابقه.\n(^٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (ح ٧٩).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد من الطريقين (المسند ٢٩/ ٢٥٨ و٢٦٢ ح ١٧٧٢٠ و١٧٧٢٥)، قال محققوه عن سنده: حسن لغيره. وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٤/ ١٣).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل: \"مغيرة بن أبي زياد\" وهو خطأ.\n(^٥) أخرجه أبو داود من الطريقين موصولًا ومرسلًا (السنن، الملاحم، باب الأمر والنهي ح ٤٣٤٥ و٤٣٤٦) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٥١).\n(^٦) المصدر السابق (ح ٤٣٤٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٥٣).","vol":"3","page":445},{"text":"وقال ابن ماجة: حَدَّثَنَا عمران بن موسى، حَدَّثَنَا حماد بن زيد، حَدَّثَنَا علي بن زيد بن جدعان، عن [أبي نضرة] (^١)، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا، فكان فيما قال: \"ألا لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه\". قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا (^٢).\nوفي حديث إسرائيل عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"أفضل الجهاد كلمة عدل (^٣) عند سلطان جائر\" ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه (^٤).\nوقال ابن ماجة: حَدَّثَنَا راشد بن سعيد الرملي، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن أبي غالب، عن أبي أُمامة: قال: عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله؛ أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: \"أين السائل؟ \" قال: أنا يا رسول الله. قال: \"كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر\" (^٥) تفرد به.\nوقال ابن ماجة: حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا عبد الله بن نمير وأبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرة، عن أبي البُختري عن أبي سعيد قال؛ قال رسول الله ﷺ: \"لا يَحقِر أحدكم نفسه\" قالوا يا رسول الله: كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: \"يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى\" (^٦) تفرد به، وقال أيضًا: حَدَّثَنَا علي بن محمد، حَدَّثَنَا محمد بن فضيل، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا عبد الله بن عبد الرحمن أبو طوالة، حَدَّثَنَا نهار العبدي أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يسأل العبد يوم القيامة حتَّى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؛ فإذا لقّن الله عبدًا حجته قال: يا رب رجوتك] وفَرقْتُ (^٧)\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وسنن ابن ماجة، وفي الأصل: \"أبي نصيره\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة بسنده ومتنه (السنن، الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ح ٤٠٠٧) في سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف لكنه توبع فقد أخرجه الطيالسي في مسنده (ح ٢١٥١)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ح ٢٧٨)، كلاهما من طريق قتادة عن أبي نضرة به. وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (ح ٣٢٣٧).\n(^٣) كذا في النسخ الثلاث والسنن الثلاث التي ستذكر في التخريج، وفي النسخ المطبوعة: كلمة حق.\n(^٤) سنن أبي داود، الملاحم، باب الأمر والنهي (ح ٤٣٤٤)، وسنن الترمذي، الفتن، باب ما جاء في أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر (ح ٢١٧٤)، وسنن ابن ماجة، الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ح ٤٠١١). وفي سندهم عطية وهو العوفي: ضعيف وله شواهد تقويه، ولهذا ضمنه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٤٩١) وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٥٠٥).\n(^٥) أخرجه ابن ماجة بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٠١٢)، قال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجة ح ٣٢٤١).\n(^٦) أخرجه ابن ماجة بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٠٠٨)، وسنده ضعيف لأن أبا البختري لم يسمع من أبي سعيد، وتقدم تخريجه في تفسير الآية ٥٤ من هذه السورة الكريمة.\n(^٧) أي: \"خفت الناس\".","vol":"3","page":446},{"text":"الناس\" (^١) تفرد به أيضًا ابن ماجة، وإسناده لا بأس به.\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عمرو بن عاصم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن جندب، عن حذيفة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه\" قيل: وكيف يذل نفسه؟ قال: \"يتعرض من البلاء لما لا يطيق\". وكذا رواه الترمذي وابن ماجة جميعًا عن محمد بن بشار، عن عمرو بن عاصم به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (^٢).\nوقال ابن ماجة: حَدَّثَنَا العباس بن الوليد الدمشقي، حَدَّثَنَا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حَدَّثَنَا الهيثم بن حميد، حَدَّثَنَا أبو معبد حفص بن غيلان الرعيني، عن مكحول، عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال: \"إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم\" قلنا يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: \"الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالكم\" قال زيد: تفسير معنى قول النَّبِيّ ﷺ والعلم في رذالكم إذا كان العلم في الفساق (^٣)، تفرد به ابن ماجة، وسيأتي في حديث أبي ثعلبة عند قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] شاهد لهذا، إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\n\n<span id=\"aya-749\"></span>وقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال مجاهد: يعني بذلك المنافقين (^٤).\nوقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني: بذلك موالاتهم للكافرين، وتركهم موالاة المؤمنين التي أعقبتهم نفاقًا في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سخطًا مستمرًا إلى يوم معادهم، ولهذا قال: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وفسر بذلك ما ذمهم به، ثم أخبر عنهم أنهم ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ يعني: يوم القيامة.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا هشام بن عمار، حَدَّثَنَا مسلمة بن علي، عن الأعمش بإسناد ذكره، قال: \"يا معشر المسلمين، إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال: ثلاثًا في الدنيا، وثلاثًا في الآخرة، فأما التي في الدنيا فإنه يذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فإنه يوجب سخط الرب، وسوء الحساب، والخلود في النار\"، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ هكذا ذكره ابن أبي حاتم (^٥).\nوقد رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عمار، عن مسلمة، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النَّبِيّ ﷺ فذكره، وساقه أيضًا من طريق سعيد بن [عُفير] (^٦) عن مسلمة، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة بسنده ومتنه المصدر السابق (ح ٤٠١٧) وتقدم تخريجه وتحسينه في تفسير الآية رقم ٥٤ من هذه السورة الكريمة، وحكمه موافق لما ذهب إليه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) تقدم تخريجه كسابقه، وورد بعده مباشرة.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٠١٥)، وصحح سنده البوصيري (مصباح الزجاجة ٣/ ٢٤٤)، ويؤيد هذا قول ابن كثير لأنَّهُ يشير إلى تقويته بحديث أبي تعلبة الآتي في سورة المائدة آية ١٠٥.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف معضل، بل فيه نكارة وهو ذكر الخلود في النار!\n(^٦) كذا في (حم) و(مح) والتقريب، وفي الأصل صحف إلى: \"عفر\".","vol":"3","page":447},{"text":"عبد الرحمن الكوفي، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النَّبِيّ ﷺ فذكر مثله (^١). وهذا حديث ضعيف على كل حال، واللّه أعلم.\n\n<span id=\"aya-750\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لو آمنوا حق الإيمان بالله والرسول والقرآن لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة المؤمنين باللّه والنبي وما أنزل إليه، ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله ورسوله، مخالفون لآيات وحيه وتنزيله.\n\n<span id=\"aya-751\"></span>﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتَّى [أخضلوا] (^٢) لحاهم (^٣).\nوهذا القول فيه نظر، لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة.\nوقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النَّبِيّ ﷺ ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه (^٤).\nقال السدي: فهاجر النجاشي فمات بالطريق (^٥).\nوهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلى عليه النَّبِيّ ﷺ يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة. ثم اختلف في عدة هذا الوفد، فقيل: اثنا عشر: سبعة قساوسة وخمسة رهابين. وقيل: بالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضع وستون. وقيل: سبعون رجلًا، فاللّه أعلم.\nوقال عطاء بن أبي رباح: هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين (^٦).\n_________\n(^١) ضعفه الحافظ إضافة للنكارة المذكورة في سابقه.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"اخضبوا\".\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به نحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد مرسلة يقوي بعضها بعضًا عن سعيد بن جبير وعن السدي.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل تفرد به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود وهو ضعيف، ويشهد له ما سبق عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي.","vol":"3","page":448},{"text":"وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم، فلما رأوا المسلمين، وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا (^١)، واختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة، سواء كانوا من الحبشة أو غيرها.\nفقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ما ذاك إلا لأن كفر اليهود كفر عناد وجحود ومباهتة للحق وغمط للناس وتنقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء حتَّى همّوا بقتل رسول الله ﷺ غير مرة، وسموه وسحروه، وألّبوا عليه أشباههم من المشركين عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.\nقال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الآية: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن السري، حَدَّثَنَا محمد بن علي بن حبيب الرقي، حَدَّثَنَا علي بن سعيد العلاف، حَدَّثَنَا أبو النضر، عن [الأشجعي] (^٢)، عن سفيان، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما خلا يهودي بمسلم قط إلا همّ بقتله\"، ثم رواه عن محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حَدَّثَنَا أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي، حَدَّثَنَا فرج بن عبيد، حَدَّثَنَا عباد بن العوام، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما خلا يهودي بمسلم إلا حدث نفسه بقتله\" (^٣)، وهذا حديث غريب جدًّا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: وَجَعَلنَا في قُلُوبِ ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً﴾ [الحديد: ٢٧] وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعًا في ملتهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: يوجد فيهم القسيسون وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم قسيس وقس أيضًا، وقد يجمع على قسوس، والرهبان جمع راهب، وهو العابد، مشتق من الرهبة، وهي الخوف، كراكب وركبان، وفرسان.\nقال ابن جرير: وقد يكون الرهبان واحدًا وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، وجردان وجرادين، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحدًا قول الشاعر:\nلو عاينت رُهبان دير في القلل … لانحدر الرهبان يمشي ونزل (^٤)\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا بشر بن آدم. حَدَّثَنَا نصير بن أبي الأشعث، حدثني الصلت الدهان، عن حامية (^٥) بن رئاب، قال: سألت سلمان عن قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبه عن قتادة بنحوه.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل صحف إلى: \"الأشعي\".\n(^٣) أخرجه الخطيب البغدادي من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة ثم قال: هذا حديث غريب جدًّا من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة (تاريخ بغداد ٨/ ٣١٦)، وضعفه ابن كثير.\n(^٤) ذكره في التفسير بلفظه مع الشاهد (١٠/ ٥٣) ط. شاكر.\n(^٥) كذا في الأصل ومن ترجم له، وفي (مح): جاثمة. وهو تصحيف.","vol":"3","page":449},{"text":"مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فقال: دع القسيسين في البيع والخرب، أقرأني رسول الله ﷺ: \"ذلك بأن منهم صديقين ورهبانًا\" (^١)، وكذا رواه ابن مردويه من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن نُصير بن زياد الطائي، عن صلت الدهان، عن حامية بن رئاب، عن سلمان به (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني، حَدَّثَنَا نصير بن زياد الطائي، حَدَّثَنَا صلت الدهان، عن حامية بن رئاب قال: سمعت سلمان وسئل عن قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فقال: هم الرهبان الذين هم في الصوامع والخرب فدعوهم فيها، قال سلمان: وقرأت على النَّبِيّ ﷺ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فأقرأني \"ذلك بأن منهم صديقين ورهبانًا\" (^٣).\nفقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع،\n\n<span id=\"aya-752\"></span>\n\n<span id=\"aya-753\"></span>ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: مما عندهم من البشارة ببعثة محمد ﷺ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به.\nوقد روى النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن عمر بن علي بن مقدم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وفي أصحابه ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ (^٤). وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طريق [سماك] (^٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: مع محمد ﷺ وأمته هم الشاهدون، يشهدون لنبيهم ﷺ أنه قد بلغ وللرسل أنهم قد بلغوا، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٦).\nوقال الطبراني: حَدَّثَنَا أبو شبيل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا العباس بن الفضل، عن عبد الجبار بن نافع الضبي، عن قتادة، وجعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قال: إنهم كانوا نوّاتين يعني: ملاحين (^٧)، قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة،\n_________\n(^١) أخرجه البزار بسنده ومتنه (البحر الزخار ٦/ ٤٩٩ ح ٢٥٣٧)، وسنده ضعيف لضعف نصير بن زياد (المجمع ٧/ ١٧)، وكذلك فيه حامية بن رئاب سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ٣/ ١١٨)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٣/ ٣١٤).\n(^٢) وسنده ضعيف للعلل المتقدمة في سابقه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للعلل المتقدمة في سابقه.\n(^٤) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى - التفسير - سورة المائدة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [٨٣] ١/ ٤٤٣ ح ٦٨). وسنده صحيح. قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عثمان بن بحر: ثقة (المجمع ٩/ ٤١٩).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل صحف إلى: \"مالك\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم من طريق سماك به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٣).\n(^٧) استشهد ابن الأثير بهذا الأثر وذكر أن النوتي هو الملّاح (النهاية ٥/ ١٢٣).","vol":"3","page":450},{"text":"فلما قرأ رسول الله ﷺ عليهم القرآن، آمنوا وفاضت أعينهم، فقال رسول الله ﷺ: \"لعلكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم\" فقالوا: لن ننتقل عن ديننا، فأنزل الله ذلك من قولهم: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-754\"></span>وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩] وهم الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: فجزاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا لا يحولون ولا يزولون ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع من كان،\n\n<span id=\"aya-755\"></span>ثم أخبر عن حالٌ الأشقياء فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: جحدوا بها وخالفوها، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي: هم أهلها والداخلون فيها.\n\n<span id=\"aya-756\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النَّبِيّ ﷺ، قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النَّبِيّ ﷺ، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم، فقال النَّبِيّ ﷺ: \"لكني أصوم وأفطر، وأصلي، وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني\" رواه ابن أبي حاتم (^٢)، وروى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحو ذلك (^٣)، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النَّبِيّ ﷺ عن عمله في السر فقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا أنام على الفراش. فبلغ ذلك النَّبِيّ ﷺ فقال: \"ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\" (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن عصام الأنصاري، حَدَّثَنَا أبو عاصم الضحاك بن مخلد،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه بدون ذكر الآية في آخره (المعجم الكبير ١٢/ ٥٥ ح ١٢٤٥٥)، قال الهيثمي وفيه: العباس بن الفضل الأنصاري وهو ضعيف (المجمع ٧/ ١٨)، بل هو متروك اتهمه أبو زرعة (التقريب ١/ ٥٠٢ وتهذيب الكمال ١٧/ ٤٧٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة به وسنده ضعيف لأنَّهُ ليست من الصحيفة، لأن الصحيفة خالية من الأحاديث المرفوعة كما نقلها السيوطي في الإتقان، وسبب الضعف الانقطاع بين ابن أبي طلحة وابن عباس، ولكن له شواهد تأتي، فيكون سنده حسنًا لغيره.\n(^٣) سنده ضعيف ويشهد له ما يليه في الصحيحين.\n(^٤) أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك (الصحيح، النكاح، باب الترغيب في النكاح ح ٥٠٦٣)، وأخرجه مسلم (الصحيح، النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ح ١٤٠١).","vol":"3","page":451},{"text":"عن عثمان يعني [ابن سعد] (^١)، أخبرني عكرمة، عن ابن عباس أن رجلًا أتى النَّبِيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء، وإني حرمت عليّ اللحم، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^٢). وكذا رواه الترمذي وابن جرير جميعًا عن عمرو بن علي الفلاس عن أبي عاصم النبيل به. وقال: حسن غريب (^٣). وقد روي من وجه آخر مرسلًا، وروي موقوفًا على ابن عباس، فاللّه أعلم.\nوقال سفيان الثوري ووكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا نغزو مع النَّبِيّ ﷺ وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (^٤)، أخرجاه من حديث إسماعيل (^٥)، وهذا كان قبل تحريم نكاح المتعة، والله أعلم.\nوقال الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عمرو بن شرحبيل، قال: جاء معقل بن مقرن إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني حرمت فراشي، فتلا هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (^٦).\nوقال الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود، فجيء بضرع فتنحى رجل، فقال له عبد الله: ادْنُ، فقال: إني حرمت أن آكله، فقال عبد الله: اذنُ فاطعم وكفر عن يمينك، وتلا هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية: رواهن ابن أبي حاتم، وروى الحاكم هذا الأثر الأخير في مستدركه من طريق إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن منصور به، ثم قال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٧).\nثم قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا يونس بن عبد الأعلى، حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد أن زيد بن أسلم حدثه أن عبد الله بن رواحة أضافه ضيف من أهله، وهو عند النَّبِيّ ﷺ، ثم رجع إلى أهله فوجدهم، لم يطعموا ضيفهم انتظارًا له، فقال لامرأته حبست ضيفي من أجلي هو علي حرام، فقالت امرأته: هو علي حرام. وقال الضيف: هو علي حرام، فلما رأى ذلك وضع يده\n_________\n(^١) كذا في (حم) وتفسير ابن أبي حاتم وترجمته، وفي (مح) والأصل: \"ابن سعيد\" وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف عثمان بن سعد وهو الكاتب ضعفه جمع من النقاد المعتبرين (ميزان الاعتدال ٣/ ٣٤ - ٣٥).\n(^٣) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة (ح ٣٠٥٤).\n(^٤) سنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] (ح ٤٦١٥)، وصحيح مسلم، النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ (ح ١٤٠٤).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الأعمش به، وسنده صحيح قال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد ورجال هذا وغيره رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٢٧٧).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وسنده صحيح وأخرجه الحاكم من طريق الثوري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٣)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح (المجمع ٤/ ١٩٣).","vol":"3","page":452},{"text":"وقال: كلوا باسم الله، ثم ذهب إلى النَّبِيِّ ﷺ فذكر الذي كان منهم، ثم أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^١) وهذا أثر منقطع.\nوفي صحيح البخاري في قصة الصديق مع أضيافه شبيه بهذا (^٢)، وفيه وفي هذه القصة دلالة لمن ذهب من العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلًا أو ملبسًا أو شيئًا ما عدا النساء أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضًا، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ولأن الذي حرم اللحم على نفسه كما في الحديث المتقدم لم يأمره النَّبِيّ ﷺ بكفارة، وذهب آخرون منهم الإمام أحمد بن حنبل إلى أن من حرم مأكلًا أو مشربًا أو ملبسًا أو شيئًا من الأشياء، فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزامًا له بما التزمه، كما أفتي بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١] ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [التحريم: ٢] وكذلك ها هنا لما ذكر هذا الحكم، عقبه بن بن بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتضاء التكفير، والله أعلم.\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا القاسم، حَدَّثَنَا الحسين، حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا، ويخصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن جريج، عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالمًا مولى أبي حذيفة في أصحابه تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الاختصاء، فلما نزلت فيهم بعث إليهم رسول الله ﷺ فقال: \"إن لأنفسكم حقًّا، وإن لأعينكم حقًّا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا\" فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت (^٣).\nوقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين مرسلة، ولها شاهد في الصحيحين من رواية عائشة أم المؤمنين كما تقدم ذلك (^٤)، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع بين زيد وابن رواحة ﵁.\n(^٢) وفيه أنه حلف على عدم الأكل ثم رجع عن ذلك فأكل إذ قال: والله لا أطعمه الليلة … (الصحيح، الأدب، باب ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف ح ٦١٤٠).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحسين وهو ابن داود المُلقب بسُنيد، وله شاهد كما يلي.\n(^٤) تقدم في الصفحة قبل السابقة وتخريجه من الصحيحين.","vol":"3","page":453},{"text":"وقال أسباط، عن السدي في قوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ جلس يومًا فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب النَّبِيّ ﷺ: كانوا عشرة منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون: ما حقنا إن لم نحدث عملًا، فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم فنحن نحرم، فحرم بعضهم أن يأكل اللحم والودك، وأن يأكل بالنهار، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء فكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه، فأتت امرأته عائشة ﵂ وكان يقال لها الحولاء، فقالت لها عائشة ومن عندها من أزواج النَّبِيّ ﷺ: ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين ولا تتطيبين؟ فقالت: وكيف أمتشط وأتطيب وما وقع علي زوجي، وما وقع عني ثوبًا منذ كذا وكذا؟ قال: فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله ﷺ وهن يضحكن، فقال: \"ما يضحككن؟ \" قالت: يا رسول الله إن الحولاء سألتها عن أمرها. فقالت: ما رفع عني زوجي ثوبًا منذ كذا وكذا، فأرسل إليه فدعاه فقال: \"ما لك يا عثمان؟ \" قال: إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة، وقص عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يجبّ نفسه، فقال رسول الله ﷺ: \"أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك\". فقال: يا رسول الله إني صائم. فقال: \"أفطر\" فأفطر وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت، فضحكت عائشة وقالت: ما لك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس.\nوقال رسول الله ﷺ: \"ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم، ألا إني أنام وأقوم وأفطر وأصوم وأنكح النساء، فمن رغب عني فليس مني\" فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ يقول لعثمان: لا تجبّ نفسك، فإن هذا هو الاعتداء، وأمرهم أن يكفروا عن أيمانهم فقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] رواه ابن جرير (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ يحتمل أن يكون المراد منه ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم، كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم ولا تجاوزوا الحد فيه: كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧] فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط، ولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾\n\n<span id=\"aya-757\"></span>ثم قال: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ أي: في حال كونه حلالًا طيبًا ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم، واتبعوا طاعته ورضوانه، واتركوا مخالفته وعصيانه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بطوله بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل.","vol":"3","page":454},{"text":"<span id=\"aya-758\"></span>﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾.\nوقد تقدم الكلام على اللغو في اليمين في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا (^١)، ولله الحمد والمنة، وأنه قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا واللّه وبلى واللّه. وهذا مذهب الشافعي. وقيل: هو في الهزل. وقيل: في المعصية. [وقيل: على غلبة الظن، وهو قول أبي حنيفة وأحمد. وقيل: اليمين في الغضب] (^٢) وقيل: في النسيان. وقيل: هو الحلف على ترك الماكل والمشرب والملبس ونحو ذلك (^٣)، واستدلوا بقوله: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي: بما صممتم عليه منها وقصدتموها، ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ يعني: محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه.\nوقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال ابن عَبَّاسٍ وسعيد بن جبير وعكرمة: أي من أعدل ما تطعمون أهليكم (^٤).\nوقال عطاء الخراساني: من أمثل ما تطعمون أهليكم (^٥).\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي قال: خبز ولبن، وخبز وسمن (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى - قراءة -، حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة، عن سليمان - يعني ابن أبي المغيرة -، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت بعض أهله قوت دون، وبعضهم قوتًا فيه سعة، فقال الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: من الخبز والزيت (^٧).\nوحدثنا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: من عسرهم وشرهم (^٨).\nوحدثنا عبد الرحمن بن خلف الحمصي. حَدَّثَنَا محمد بن شعيب - يعني ابن شابور -، وحدثنا\n_________\n(^١) تقدم في سورة البقرة آية ٢٢٥.\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٣) ذكر ابن أبي حاتم سبعة أوجه وساقها بأسانيدها وبعضها أوردها بحذف الإسناد.\n(^٤) قول ابن عباس وعكرمة ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول سعيد بن جبير أخرجه بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، وسنده ضعيف لضعف عثمان بن عطاء.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحارث وهو الأعور الهمداني.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف جابر وهو الجعفي.","vol":"3","page":455},{"text":"[شيبان] (^١) بن عبد الرحمن التميمي، عن ليث بن أبي سُليم، عن عاصم الأحول، عن رجل يقال له: عبد الرحمن، عن ابن ﵁ أنه قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، قال: الخبز واللحم، والخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والخل (^٢).\nوحدثنا علي بن حرب الموصلي، حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن ابن عمر في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: الخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون أهليكم الخبز واللحم (^٣).\nورواه ابن جرير عن هناد وابن وكيع، كلاهما عن أبي معاوية (^٤)، ثم روى ابن جرير عن عبيدة والأسود وشريح القاضي ومحمد بن سيرين والحسن والضحاك وأبي رزين، أنهم قالوا نحو ذلك (^٥)، وحكاه ابن أبي حاتم عن مكحول أيضًا (^٦).\nواختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: في القلة والكثرة، ثم اختلف العلماء في مقدارما يطعمهم:\nفقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد، حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن حصين الحارثي، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي ﵁ في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: يغديهم ويعشيهم (^٧).\nوقال الحسن ومحمد بن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزًا ولحمًا، زاد الحسن: فإن لم يجد فخبزًا وسمنًا ولبنًا، فإن لم يجد فخبزًا وزيتًا وخلًا، حتَّى يشبعوا (^٨).\nوقال آخرون: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما، فهذا قول عمر وعلي وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وأبي مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبي قلابة ومقاتل بن حيان. وقال أبو حنيفة: نصف صاع بُرّ وصاع مما عداه.\nوقد قال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن الحسن الثقفي، حَدَّثَنَا عبيد بن الحسن بن يوسف، حَدَّثَنَا محمد بن معاوية، حَدَّثَنَا زياد بن عبد الله بن الطفيل بن [سخبرة] (^٩) بن أخي عائشة لأمه، حَدَّثَنَا عمر بن يعلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كفّر رسول الله ﷺ بصاع من تمر، وأمر الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: \"سفيان\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الرحمن لم يُنسب.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه حسن.\n(^٥) أخرج الطبري هذه الأقوال بأسانيد معظمها ثابتة.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف الحارث وهو الأعور الهمداني.\n(^٨) أخرجه الطبري عنهما بأسانيد يقوى بعضها بعضًا.\n(^٩) كذا في (حم) وفي الأصل: \"سحرة\"، وهو تصحيف.","vol":"3","page":456},{"text":"بُر (^١). ورواه ابن ماجه عن العباس بن يزيد، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن المنهال بن عمرو به (^٢)، لا يصح هذا الحديث لحال عمر بن عبد الله هذا، فإنه مجمع على ضعفه، وذكروا أنه كان يشرب الخمر. وقال الدارقطني: متروك.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا ابن إدريس، عن داود - يعني ابن أبي هند -، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: مُد من بُرَ يعني: لكل مسكين ومعه إدامه (^٣)، ثم قال: وروي عن ابن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء وعكرمة وأبي الشعثاء والقاسم وسالم وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والحسن ومحمد بن سيرين والزهري، نحو ذلك (^٤).\nوقال الشافعي: الواجب في كفارة اليمين مُد بمُد النَّبِيّ ﷺ لكل مسكين ولم يتعرض للأدم. واحتج بأمر النَّبِيّ ﷺ للذي جامع في رمضان بأن يطعم ستين مسكينًا من مكتل يسع خمسة عشر صاعا، لكل واحد منهم مُدّ. وقد ورد حديث آخر صريح في ذلك، فقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا أحمد بن علي بن الحسن المقري، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق السراج، حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا النضر بن زرارة الكوفي، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يقيم كفارة اليمين مُدًا من حنطة بالمد الأول (^٥).\nوإسناده ضعيف لحال النضر بن زرارة بن عبد الأكرم الذهلي الكوفي نزيل بلخ، قال فيه أبو حاتم الرازي: هو مجهول مع أنه قد روى عنه غير واحد، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: روى عنه قتيبة بن سعيد أشياء مستقيمة، فالثه أعلم، ثم إن شيخه العمري ضعيف أيضًا. وقال أحمد بن حنبل: الواجب مُد من بُرّ أو مُدان من غيره، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال الشافعي: ﵀: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مَقْنَعة، أجزأه ذلك، واختلف أصحابه في القلنسوة: هل تجزئ أم لا؟ على وجهين، فمنهم من ذهب إلى الجواز احتجاجًا بما رواه ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج وعمار بن خالد الواسطي: قالا: حَدَّثَنَا القاسم بن مالك، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، قال: سألت عمران بن الحصين عن قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال: لو أن وفدًا قدموا على أميركم فكساهم قلنسوة، قلنسوة قلتم: قد كُسُوا (^٦)، ولكن هذا\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف عمر بن يعلي وهو عمر بن عبد الله بن يعلى كما في مصباح الزجاجة ٢/ ١٤٧، وضعفه الحافظ ابن كثير كما يلي.\n(^٢) سنن ابن ماجه، الكفارات، باب كم يطعم في كفارة اليمين (ح ٢١١٢)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (ح ٤٥٩).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقد خرج فضيلة د. عيادة بن أيوب الكبيسي هذه الآثار وبتن درجتها من الصحة، وفيها الصحيح والضعيف، فلا داعي للإطالة لسردها.\n(^٥) ضعفه الحافظ بسبب ضعف النضر بن زرارة وشيخه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن كثير بسبب ضعف محمد بن الزبير فهو لين الحديث كما في التقريب.","vol":"3","page":457},{"text":"إسناد ضعيف لحال محمد بن الزبير هذا، والله أعلم. وهكذا حكى الشيخ أبو حامد الإسفراييني: في الخف وجهين أيضًا، والصحيح عدم الإجزاء.\nوقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بدّ أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه، إن كان رجلًا أو امرأة كل بحسبه، واللّه أعلم.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: عباءة لكل مسكين أو شملة (^١).\nوقال مجاهد: أدناه ثوب وأعلاه ما شئت (^٢). وقال ليث عن مجاهد: يجزئ في كفارة اليمين كل شيء إلا التبان (^٣).\nوقال الحسن وأبو جعفر الباقر وعطاء وطاوس وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبو مالك: ثوب ثوب (^٤). وعن إبراهيم النخعي أيضًا: ثوب جامع كالملحفة والرداء، ولا يرى الدرع والقميص والخمار ونحوه جامعًا (^٥).\nوقال الأنصاري، عن أشعث، عن ابن سيرين والحسن: ثوبان ثوبان (^٦).\nوقال الثوري، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب: عمامة يلف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها (^٧).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا هناد، حَدَّثَنَا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أبي موسى أنه حلف على يمين، فكسا ثوبين من معقدة البحرين (^٨) (^٩).\nوقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا سليمان بن أحمد، حَدَّثَنَا أحمد بن المعلى، حَدَّثَنَا هشام بن عمار، حَدَّثَنَا إسماعيل بن [عياش] (^١٠)، عن مقاتل بن سليمان، عن أبي عثمان، عن أبي عياض، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال: \"عباءة لكل مسكين\" (^١١)، حديث غريب.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وليس عن العوفي، وما ورد عن العوفي بلفظ آخر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد (المصنف ٨/ ٥١٣ رقم ١٦٠٩٨).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث به، والتبان: هو سروال صغير يستر العورة المغلظة فقط (النهاية ١/ ١٨١).\n(^٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٥) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا عن إبراهيم النخعي.\n(^٦) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا عن الحسن البصري.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح.\n(^٨) معقد البحرين قال أحمد شاكر في حاشية الطبري: والمعقّد بتشديد القاف المفتوحة ضرب من برود هجر، لم أجد صفته.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن أبى موسى الأشعري (المصنف ٨/ ٥١٢ رقم ١٦٠٩٣).\n(^١٠) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"عباس\"، وهو تصحيف.\n(^١١) في سنده مقاتل بن سليمان فيه مقال لكن له شاهد موفوف على ابن عباس تقدم من طريق علي بن أبي طلحة.","vol":"3","page":458},{"text":"وقوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أخذ أبو حنيفة بإطلاقها فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة.\nوقال الشافعي وآخرون: لا بدّ أن تكون مؤمنة. وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل لاتحاد الموجب وإن اختلف السبب.\nومن حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي هو في موطأ مالك ومسند الشافعي وصحيح مسلم أنه ذكر أن عليه عتق رقبة، وجاء معه بجارية سوداء فقال لها رسول الله ﷺ: \"أين الله؟ \". قالت: في السماء. قال: \"من أنا؟ \" قالت: رسول الله. قال: \"أعتقها فإنها مؤمنة … \" الحديث بطوله (^١).\nفهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين؛ أيها فعل الحانث أجزأ عنه بالإجماع، وقد بدأ بالأسهل، فالإطعام أسهل وأيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فترقى فيها من الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفر بصيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾.\nوروى ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن البصري، أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم لزمه الإطعام وإلا صام (^٢).\nوقال ابن جرير حاكيًا عن بعض متأخري متفقهة زمانه أنه جائز لمن لم يكن له فضل عن رأس مال يتصرف فيه لمعاشه، ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه، ثم اختار ابن جرير أنه الذي لا يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك ما يخرج به كفارة اليمين (^٣).\nواختلف العلماء: هل يجب فيها التتابع أو يستحب ولا يجب، ويجزئ التفريق؟ قولان:\nأحدهما: لا يجب وهذا منصوص الشافعي في كتاب الأيمان، وهو قول مالك لإطلاق قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ وهو صادق على المجموعة والمفرقة، كما في قضاء رمضان لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ونص الشافعي في موضع آخر في الأم على وجوب التتابع، كما هو قول الحنفية والحنابلة، لأنَّهُ قد روي عن أُبيّ بن كعب وغيره أنهم كانوا يقرؤونها (فصيام ثلاثة أيام متتابعات). قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب أنه كان يقرؤها (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (^٤) وحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود.\nوقال إبراهيم: في قراءة أصحاب عبد الله بن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (^٥).\nوقال الأعمش: كان أصحاب ابن مسعود يقرؤونها كذلك (^٦)، وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنًا\n_________\n(^١) الموطأ، العتق، باب ما يجوز من العتق (٢/ ٥٩٥)، والرسالة فقرة رقم ٢٤٢ وصحيح مسلم، المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة (ح ٥٣٧).\n(^٢) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عنهما.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه (التفسير ١٠/ ٥٥٩) ط. شاكر.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده جيد، والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا (المصنف ٨/ ٥١٣ - ٥١٤ رقم ١٦١٠٢ - ١٦١٠٥).\n(^٦) سنده منقطع ويشهد له ما تقدم.","vol":"3","page":459},{"text":"متواترًا، فلا أقل أن يكون خبرًا واحدًا أو تفسيرًا من الصحابة وهو في حكم المرفوع.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن علي، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر الأشعري، حَدَّثَنَا الهيثم بن خالد القرشي، حَدَّثَنَا يزيد بن قيس، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن جريج، عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله، نحن بالخيار؟ قال: \"أنت بالخيار إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات\" (^١) وهذا حديث غريب جدًّا. وقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ أي: هذه كفارة اليمين الشرعية ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. قال ابن جرير: معناه لا تتركوها بغير تكفير ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: يوضحها ويفسرها ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-759\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾.\nيقول تعالى: ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر وهو: القمار، وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: الشطرنج من الميسر، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن [عُبيس] (^٢) بن مرحوم، عن حاتم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي به (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن عطاء ومجاهد وطاوس قال سفيان: أو اثنين منهم قالوا: كل شيء من القمار فهو من الميسر حتَّى لعب الصبيان بالجوز (^٤)، وروي عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب مثله (^٥)، وقالا: حتَّى الكعاب (^٦) والجوز والبيض التي تلعب بها الصبيان. وقال موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الميسر هو القمار (^٧).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس، قال: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام، فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة (^٨).\nوقال مالك، عن داود بن الحصين أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان ميسر أهل الجاهلية\n_________\n(^١) في سنده ابن جريج لم يسمع من ابن عباس فالإسناد منقطع ضعيف.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: \"عنبس\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم، وسنده منقطع بين محمد بن علي بن الحسين وعلي بن أبي طالب ﵁.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم، وفي سنده ليث وهو ابن أبي سُليم: صدوق اختلط فلم يتميز حديثه فترك.\n(^٥) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٦) وهي كعاب الغنم يلعب بها الأطفال بعد غسلها.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شجاع بن الوليد عن موسى بن عقبة به، وسنده حسن.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف بسبب الضحاك لم يلق ابن عباس.","vol":"3","page":460},{"text":"بيع اللحم بالشاة والشاتين (^١).\nوقال الزهري، عن الأعرج، قال: الميسر الضرب بالقداح على الأموال والثمار (^٢).\nوقال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر (^٣)، رواهن ابن أبي حاتم.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن منصور الرمادي، حَدَّثَنَا هشام بن عمار، حَدَّثَنَا صدقة، حَدَّثَنَا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن أبي موسى الأشعري، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجرًا، فإنها من الميسر\" (^٤) حديث غريب، وكان المراد بهذا هو النرد الذي ورد الحديث به في صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه\" (^٥). وفي موطأ مالك ومسند أحمد وسنن أبي داود وابن ماجة، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله\" (^٦) وروي موقوفًا عن أبي موسى من قوله، فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا [مكي] (^٧) بن إبراهيم، حَدَّثَنَا الجعيد، عن موسى بن عبد الرحمن الخطمي، أنه سمع محمد بن كعب وهو يسأل عبد الرحمن يقول: أخبرني ما سمعت أباك يقول عن رسول الله ﷺ، فقال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي\" (^٨).\nوأما الشطرنج فقد قال عبد الله بن عمر إنه شرّ من النرد، وتقدم عن علي أنه قال: هو من الميسر، ونص على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد، وكرهه الشافعي، رحمهم الله تعالى.\nوأما الأنصاب، فقال ابن عَبَّاس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وغير واحد: هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها. وأما الأزلام فقالوا أيضًا: هي قداح كانوا يستقسمون بها (^٩)، رواه ابن أبي حاتم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق القعنبي عن مالك به، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن عزيز عن سلامة عن عقيل عن الزهري به، وفي سنده محمد بن عزيز ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف علي بن يزيد وهو الأوداني، وإذا أراد بالكعاب النردشير فله شاهد صحيح كما يلي:\n(^٥) صحيح مسلم، الشعر، باب تحريم اللعب بالنردشير (ح ٢٢٦٠).\n(^٦) الموطأ، الرؤيا، باب ما جاء في النرد (٢/ ٧٢٩ ح ٦ والمسند ٤/ ٣٩٤)، وسنن أبو، داود، الأدب، باب في النهي عن اللعب بالنرد (ح ٤٩٣٩)، وسنن ابن ماجة، الأدب، باب اللعب في النرد (ح ٣٧٦٢)، وحسنه الألباني بالشواهد (إرواء الغليل ٨/ ٢٨٥).\n(^٧) كذا في المسند، وفي النسخ الثلاث: \"علي\".\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعفه محققوه لجهالة موسى بن عبد الرحمن الخطمي (المسند ٣٨/ ٢١٥ - ٢١٦ ح ٢٣١٣٨).\n(^٩) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس أسنده من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه عنه، وسنده =","vol":"3","page":461},{"text":"وقوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي سخط من عمل الشيطان (^١).\nوقال سعيد بن جبير: إثم (^٢).\nوقال زيد] بن أسلم: أي شر من عمل الشيطان (^٣)، ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الضمير عائد إلى الرجس؛ أي: اتركوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وهذا أثر غريب.\n\n<span id=\"aya-760\"></span>\n\n<span id=\"aya-761\"></span>\n\n<span id=\"aya-762\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ وهذا تهديد وترهيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-108>ذكر الأحاديث الواردة في بيان تحريم الخمر:</span>\nقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سُريج، حَدَّثَنَا أبو معشر، عن أبي وهب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ …﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢١٩]. فقال الناس: ما حُرّما علينا إنما قال: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، وكانوا يشربون الخمر حتَّى كان يومًا من الأيام، صلى رجل من المهاجرين، أمّ أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله أغلظ منها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فكان الناس يشربون حتَّى يأتي أحدهم الصلاة وهو مُغبق (^٤)، ثم أنزلت آية أغلظ منها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ قالوا: انتهينا ربنا. وقال الناس: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فرشهم، كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا من عمل الشيطان، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾: \"لو حرّم عليهم لتركوه كما تركتم\" (^٥) انفرد به أحمد.\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا خلف بن الوليد، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب أنه قال لما نزل تحريم الخمر، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في سورة\n_________\n= ضعيف لضعف عثمان ويتقوى بروايات التابعين، فقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بلفظ: \"الرجس: الشر\".\n(^٤) كذا في الأصل وفي (حم) وفي (مح): مُغتبق؛ أي شارب إلى آخر النهار (ينظر النهاية ٣/ ٣٤٠)، وفي المسند: وهو مُفيق. قال السندي: من الإفاقة، يريد أنهم أخذوا في الشرب في وقت بعيد عن أوقات الصلاة. ا هـ. وكلا المعنيين متقارب.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه حسن لغيره (المسند ١٤/ ٢٦٨ - ٢٦٩ ح ٨٦١٩).","vol":"3","page":462},{"text":"النساء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فكان منادي رسول الله ﷺ إذا قال: حي على الصلاة، نادى: لا يقربنّ الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ قول الله تعالى: قال عمر: انتهينا انتهينا (^١).\nوهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني، عن عمر به، وليس له عنه سواه، قال أبو زرعة: ولم يسمع منه. وصحح هذا الحديث علي بن المديني والترمذي (^٢).\nوقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول الله ﷺ: أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل (^٣).\nوقال البخاري: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم، حَدَّثَنَا محمد بن بشر، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، حدثني نافع، عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذٍ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب (^٤).\n(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا محمد بن أبي حميد، عن المصري - يعني أبا طعمة قارئ مصر -، قال: سمعت ابن عمر يقول: نزلت في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء نزل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية، فقيل: حَرُمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله، دعنا ننتفع بها كما قال الله تعالى، قال: فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله إنا لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآيتين، فقال رسول الله ﷺ: \"حَرُمت الخمر\" (^٥).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يعلى، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن القعقاع بن حكيم، أن عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف، أو من دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله ﷺ: \"يا فلان أما علمت أن الله حرَّمها؟ \" فاقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبِعها، فقال رسول الله ﷺ: \"يا فلان بماذا أمرته؟ \" فقال: أمرته أن يبيعها. قال: \"إن الذي حرّم شربها حرّم بيعها\" فأمر بها فأفرغت في البطحاء، ورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصحح سنده محققوه (المسند ١/ ٤٤٣ ح ٣٧٨).\n(^٢) سنن أبي داود، الأشربة، باب في تحريم الخمر (ح ٢٦٧٠)، وسنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة (ح ٣٠٤٩)، وسنن النسائي، الأشربة، باب تحريم الخمر ٨/ ٢٧٦.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ....﴾ [المائدة: ٩٠] (ح ٤٦١٩)، وصحيح مسلم، التفسير، باب في نزول تحريم الخمر (ح ٣٠٣٢).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٦١٦).\n(^٥) أخرجه أبو داود الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ١٩٥٧)، وسنده ضعيف لضعف محمد بن أبي حميد.","vol":"3","page":463},{"text":"أسلم، ومن طريق ابن وهب أيضًا عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، كلاهما عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس به (^١)، ورواه النسائي عن قتيبة، عن مالك به.\n(حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا محمد بن أبي بكر المقدمي، حَدَّثَنَا أبو بكر الحنفي، حَدَّثَنَا عبد الحميد بن جعفر، عن شهر بن حوشب، عن تميم الداري أنه كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية من خمر، فلما أنزل الله تحريم الخمر جاء بها، فلما رآها رسول الله ﷺ ضحك وقال: \"إنها قد حُرِّمت بعدك\" قال: يا رسول الله فابيعها وأنتفع بثمنها، فقال رسول الله ﷺ: \"لعن الله اليهود، حُرِّمت عليهم شحوم البقر والغنم، فأذابوه وباعوه، والله حَرَّم الخمر وثمنها\" (^٢).\nوقد رواه أيضًا الإمام أحمد فقال: حَدَّثَنَا روح، حَدَّثَنَا عبد الحميد بن بهرام قال: سمعت شهر بن حوشب قال: حدثني عبد الرحمن بن غُنم، أن الداري كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية من خمر، فلما كان عام حُرِّمت، جاء براوية، فلما نظر إليه ضحك، فقال: \"أشعرت أنها قد حُرِّمت بعدك\" فقال: يا رسول الله، ألا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله: \"لعن الله اليهود انطلقوا إلى ما حُرِّم عليهم من شحم البقر والغنم، فأذابوه، فباعوا به ما يأكلون، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام\" (^٣).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن نافع بن كيسان أن أباه أخبره أنه كان يتجر في الخمر في زمن رسول الله ﷺ وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق يريد بها التجارة، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني جئتك بشراب جيد، فقال رسول الله ﷺ: \"يا كيسان، إنها قد حُرِّمت بعدك\" قال: فأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنها قد حرمت وحرم ثمنها\"، فانطلق كيسان إلى الزقاق فأخذ بأرجلها ثم هراقها (^٤).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس قال: كنت [أسقي] (^٥) أبا عبيدة بن الجراح وأُبي بن كعب وسعيد بن بيضاء ونفرًا من أصحابه عند أبي طلحة حتَّى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آتٍ من المسلمين فقال: أما شعرتم أن الخمر قد حرمت؟ فقالوا: حتَّى ننظر ونسأل، فقالوا: يا أنس اسكب ما بقي في إنائك فواللّه ما عادوا فيها، وما هي\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٣٠)، وفي سنده ابن إسحاق ولم يصرح بالسماع لكنه توبع فقد أخرجه مسلم من طريقين آخرين عن عبد الرحمن بن وعلة به (الصحيح، البيوع، باب تحريم الخمر خ ١٥٧٩).\n(^٢) في سنده شهر بن حوشب فيه مقال ولم يتابع، ولكن له شواهد تقويه كما سيأتي:\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره، وذكروا له شواهد (المسند ٢٩/ ٥١٩ ح ١٧٩٩٥).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده، ومتنه (المسند ٣١/ ٢٩١ ح ١٨٩٦٠)، وضعفه محققوه بسبب ابن لهيعة والاختلاف في صحبة نافع بن كيسان.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وصحفت في الأصل إلى: \"أسي\".","vol":"3","page":464},{"text":"إلا التمر والبسر، وهي خمرهم يومئذ (^١)، أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن أنس، وفي رواية حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ البُسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي قال: اخرج فانظر، فإذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فجرت في سكك المدينة، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهرقتها فقالوا أو قال بعضهم: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (^٢).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حدثني [عبد الكبير] (^٣) بن عبد المجيد، عن عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح وأبي دُجانة ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء حتَّى مالت رؤوسهم من خليط بُسر وتمر، فسمعت مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حُرّمت. قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتَّى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سليم، ثم خرجنا إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال رجل: يا رسول الله، فما ترى فيمن مات وهو يشربها؟\nفأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية، فقال رجل لقتادة: أنت سمعته من أنس بن مالك قال: نعم، وقال رجل لأنس بن مالك، أنت سمعته من رسول الله ﷺ، قال: نعم، أو حدثني من لم يكذب، ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب (^٤).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن إسحاق، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عُبيد الله بن زَحر، عن [بكر] (^٥) بن سوادة، عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله ﷺ قال: \"إن ربي ﵎، حَرّم الخمر والكوبةَ (^٦) والقنِّين (^٧)، وإياكم والغُبيراء (^٨) فإنها ثلت خمر العالم\" (^٩).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا فرج بن فضالة، عن إبراهيم بن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٨١) وهو في الصحيحين كما يلي:\n(^٢) صحيح البخاري، المظالم، باب صب الخمر في الطريق (ح ٢٤٦٤)، وصحيح مسلم، الأشربة، باب تحريم الخمر (ح ١٩٨٠).\n(^٣) كذا في (حم) (ومح) وتفسير الطبري وصحفت في الأصل إلى: \"عبد البر\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق قتادة به مختصرًا (الصحيح، الأشربة، باب من رأى لا يخلط البسر والتمر ح ٥٦٠٠).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صُحفت إلى: \"بلد\".\n(^٦) الكوبة هي النرد أو الطبل كما في حاشية السندي على المسند.\n(^٧) القِّنين: لعبة للروم يقامرون بها، وقيل: الطنبور بالحبشة (المصدر السابق).\n(^٨) الغُبيراء: نوع من الشراب المُسكر يتخذه الحبش من الذرّة وهي تُسكر وتسمى السُّكركَة. (ينظر النهاية في غريب الحديث ٣/ ٣٣٨).\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠/ ٢٢٩ ح ٥٤٨١)، قال محققوه: حسن لغيره دون قوله: فإنها ثلث خمر العالم.","vol":"3","page":465},{"text":"عبد الرحمن بن رافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو. قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر (^١) والكوبة والقنِّين، وزادني صلاة الوتر\" قال يزيد: القنين البرابط (^٢) (^٣)، تفرد به أحمد.\nوقال أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا أبو عاصم - وهو النبيل -، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، حَدَّثَنَا يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: \"من قال على ما لم أقل فليتبوأ مقعده من جهنم\" قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة والغُبيراء وكل مسكر حرام\" تفرد به أحمد أيضًا (^٤).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبي طعمة مولاهم، وعن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أنهما سمعا ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لعنت الخمر على عشرة أوجه: لعنت الخمر بعينها، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها\"، ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث وكيع به (^٥).\nوقال أحمد: حَدَّثَنَا حسن، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حَدَّثَنَا أبو طعمة، سمعت ابن عمر يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى [المربد] (^٦) فخرجت معه، فكنت معه، فكنت عن يمينه، وأقبل أبو بكر فتأخرت عنه، فكان عن يمينه وكنت عن يساره، ثم أقبل عمر فتنحيت له فكان عن يساره، فأتى رسول الله ﷺ المربد فإذا بزقاق على المِربَد فيها خمر، قال ابن عمر: فدعاني رسول الله ﷺ بالمدية، قال ابن عمر: وما عرفت المدية إلا يومئذٍ، فأمر بالزقاق فشقت، ثم قال: \"لُعنت الخمر وشاربها، وسا قيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها ومعتصرها، وآكل ثمنها\" (^٧).\nوقال أحمد: حَدَّثَنَا الحكم بن نافع، حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب قال: قال عبد الله بن عمر: أمرني رسول الله ﷺ يأن آتيه بمدية وهي: الشفرة، فأتيته بها، فأرسل بها، فأهرقت ثم أعطانيها، وقال: \"اغدُ عليّ بها\" ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة، وفيها زقاق الخمر قد جُلبت من الشام، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته ثم أعطانيها، وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي وأن يعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق\n_________\n(^١) المزر: نبيذ يتخذ من الذرة، وقيل: من الشعير أو الحنطة (النهاية ٤/ ٣٢٤).\n(^٢) البرابط: ملهاة تشبه العود، فارسي معرب (حاشية السندي على المسند).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ١٠٤ ح ٦٥٤٧)، وضعفه محققوه لضعف فرج بن فضالة.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حسن لغيره (المسند ١١/ ١٦١ ح ٦٥٩١).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٥) وصححه أحمد شاكر (المسند ٤٧٨٧)، وأخرجه أبو داود من طريق وكيع به (السنن، الأشربة، باب العنب يعصر للخمر ح ٣٦٧٤ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح ٣١٢١).\n(^٦) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صحفت إلى: \"المرثد\". والمربد هو الموضع الذي تحبس فيه الغنم (النهاية ٢/ ١٨٢).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٧١)، وفي سنده ابن لهيعة وقد توبع في آخر الحديث كما سبق.","vol":"3","page":466},{"text":"كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ففعلت فلم أترك في أسواقها زقًا إلا شققته (^١).\n(حديث آخر) قال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الرحمن بن شريح وابن لهيعة والليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن ثابت، عن يزيد الخولاني أخبره أنه كان له عم يبيع الخمر، وكان يتصدق، قال: فنهيته عنها فلم ينته، فقدمت المدينة فلقيت ابن عباس فسألته عن الخمر وثمنها، فقال: هي حرام، وثمنها حرام، ثم قال ابن عَبَّاس ﵁: يا معشر أمة محمد، إنه لو كان كتاب بعد كتابكم، ونبي بعد نبيكم، لأنزل فيكم كما أنزل قبلكم، ولكن أخّر ذلك من أمركم إلى يوم القيامة ولعمري لهو أشد عليكم، قال ثابت: فلقيت عبد الله بن عمر فسألته عن ثمن الخمر فقال: سأخبرك عن الخمر، إني كنت مع رسول الله ﷺ في المسجد فبينما هو محتب على حبوته، ثم قال: \"من كان عنده من هذه الخمر شيء فليأتنا بها\" فجعلوا يأتونه فيقول أحدهم: عندي راوية، ويقول الآخَر: عندي زق، أو ما شاء الله أن يكون عنده، فقال رسول الله ﷺ: \"اجمعوه ببقيع كذا وكذا، ثم آذنوني\" ففعلوا، ثم آذنوه، فقام وقمت معه ومشيت عن يمينه وهو متكئ عليّ، فلحقنا أبو بكر ﵁، فأخرني رسول الله ﷺ، فجعلني عن شماله وجعل أبا بكر في مكاني، ثم لحقنا عمر بن الخطاب ﵁، فأخرني وجعله عن يساره، فمشى بينهما حتَّى إذا وقف على الخمر قال للناس\"أتعرفون هذه؟ \" قالوا: نعم يا رسول الله، هذه الخمر، قال: \"صدقتم\"، ثم قال: \"فإن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وسا قيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها ومشتريها، وآكل ثمنها\" ثم دعا بسكين فقال: \"اشحذوها\" ففعلوا، ثم أخذها رسول الله ﷺ يخرق بها الزقاق، قال: فقال الناس: في هذه الزقاق منفعة، فقال: \"أجل ولكني إنما أفعل ذلك غضبًا للّه ﷿ لما فيها من سخطه\" فقال عمر: أنا أكفيك يا رسول الله، قال: \"لا\" قال ابن وهب: وبعضهم يزيد على بعض في قصة الحديث، رواه البيهقي (^٢).\n[(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر البيهقي] (^٣) أنبأنا أبو الحسين بن بشر، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار، حَدَّثَنَا محمد بن عبيد الله المنادي، حَدَّثَنَا وهب بن جرير، حَدَّثَنَا شعبة، عن سماك، عن مصعب بن سعد. عن سعد قال: أنزلت في الخمر أربع آيات، فذكر الحديث قال: وصنع رجل من الأنصار طعامًا فدعانا، فشربنا الخمر قبل أن تحرم حتَّى انتشينا فتفاخرنا، فقالت الأنصار: نحن أفضل، وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور، فضرب به أنف سعد ففزره، وكانت أنف سعد مفزورة، فنزلت ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أخرجه مسلم من حديث شعبة (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٣٦)، وفي سنده أبو بكر بن أبي مريم ضعيف كما في التقريب.\n(^٢) أخرجه البيهقي من طريق ابن وهب به (السنن الكبرى ٨/ ٢٨٧)، والحاكم أيضًا من طريق ابن وهب به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٤٤)، قال الهيثمي: رواه الطبراني، وخالد بن يزيد لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات (المجمع ٥/ ٧٦). فإذا كان في خالد بن يزيد مقال فإن سابقه شاهد له.\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٤) السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٢٨٥، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب، في فضل سعد بن أبي وقاص (ح ١٧٤٨).","vol":"3","page":467},{"text":"(حديث آخر) قال البيهقي: وأخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبأنا أبو علي الرفاء، حَدَّثَنَا علي بن عبد العزيز، حَدَّثَنَا حجاج بن منهال، حَدَّثَنَا ربيعة بن كلثوم، حدثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا فلما أن ثمل القوم، عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته، فيقول صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول: والله لو كان بي رؤوفًا رحيمًا ما صنع بي هذا، حتَّى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال أناس من المتكلفين: هي رجس وهي في بطن فلان، وقد قتل يوم أُحد: فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا …﴾ إلى آخر الآية، ورواه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، عن حجاج بن منهال (^١).\n(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثني محمد بن خلف، حَدَّثَنَا سعيد بن محمد الحرمي، عن أبي تُميلة، عن سلام مولى حفص أبي القاسم، عن ابن بُريدة، عن أبيه قال بينا نحن قعود على شراب لنا، ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطية (^٢) لنا ونحن نشرب الخمر حلَا، إذ قمت حتَّى أتيتُ رسول الله ﷺ فأسلم عليه، إذ نزل تحريم الخمر ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ …﴾ إلى آخر الآيتين، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال: وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضها وبقي بعض في الإناء فقال: بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا (^٣).\n(حديث آخر) قال البخاري: حَدَّثَنَا صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر قال صبح أناس غَداةَ أُحد الخمر، فقتلوا من يومهم جميعًا شهداء، وذلك قبل تحريمها (^٤)، هكذا رواه البخاري في تفسيره من صحيحه.\nوقد رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حَدَّثَنَا أحمد بن عبدة، حَدَّثَنَا سفيان، عن عمرو بن دينار، سمع جابر بن عبد الله يقول: اصطبح ناس الخمر من أصحاب النَّبِيّ ﷺ، ثم قتلوا شهداء يوم أُحد فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ثم قال: وهذا إسناد صحيح، وهو كما قال: ولكن في سياقه غرابة (^٥).\n_________\n(^١) السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٢٨٥، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] (ح ١١١٥١). وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٤١ - ١٤٢) وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٢١).\n(^٢) أي: إناء خاص باللبن يصنع من فخار مطلي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سلام مولى حفص ذكره البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير ٤/ ١٣٣)، وكذا ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٤/ ٢٦٢)، وله شواهد تقدمت.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] ح ٤٦١٨).\n(^٥) صحح سنده الحافظ ابن كثير واستغرب قوله: فقالت اليهود …","vol":"3","page":468},{"text":"(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية، ورواه الترمذي عن بُندار عن غُندر عن شعبة به نحوه، وقال: حسن صحيح (^١).\n(حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا جعفر بن حميد الكوفي، حَدَّثَنَا يعقوب [القمي] (^٢)، عن عيسى بن جارية، عن جابر بن عبد الله قال: كان رجل يحمل الخمر من خيبر إلى المدينة فيبيعها من المسلمين، فحمل منها بمال فقدم بها المدينة فلقيه رجل من المسلمين فقال يا فلان، إن الخمر قد حُرّمت فوضعها حيث انتهى على تل، وسجى (^٣) عليها بأكسية، ثم أتى النَّبِيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، بلغني أن الخمر قد حُرّمت؟ قال: \"أجل\" قال لي أن أردها على من ابتعتها منه؟ قال: \"لا يصلح ردها\". قال: لي أن أهديها إلى من يكافئني منها؟ قال: \"لا\". قال: فإن فيها مالًا ليتامى في حجري، قال: \"إذا أتانا مال البحرين فأتنا نعوض أيتامك من مالهم\" ثم نادى بالمدينة، فقال رجل: يا رسول الله، الأوعية ننتفع بها؟ قال: \"فحلوا أوكيتها\" فانصبت حتَّى استقرت في بطن الوادي (^٤)، هذا حديث غريب.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا سفيان، عن السدي، عن [أبي هبيرة] (^٥) - وهو يحيى بن عباد الأنصاري -، عن أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام في حجره ورثوا خمرًا فقال: \"أهرقها\". قال: أفلا نجعلها خلًا؟ قال: \"لا\" (^٦).\nورواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث الثوري به نحوه (^٧).\n(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم حَدَّثَنَا عبد الله بن رجاء، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن سلمة، حَدَّثَنَا هلال بن أبي هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: إن هذه الآية التي في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ قال: هي في التوراة إن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل، ويبطل به اللعب والمزامير، والزفن (^٨) والكنارات (^٩)؛ يعني: البرابط والزمارات، يعني به الدف والطنابير والشعر والخمر مرة\n_________\n(^١) مسند الطيالسي (ح ٧١٥) وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة المائدة (ح ٣٠٥٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٤٣).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل صُحف إلى: \"العتبي\".\n(^٣) أي: غطى.\n(^٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٠٤ ح ١٨٨٤)، وسنده ضعيف لأن عيسى بن جارية فيه لين (التقريب ص ٤٨٣).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"هبيرة\".\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١١٩)، وسنده حسن.\n(^٧) صحيح مسلم، الأشربة، باب تحريم تخليل الخمر (ح ١٩٨٣).\n(^٨) الزفن: الرقص والدفع (النهاية ٢/ ٣٠٥).\n(^٩) في النسخ الثلاث: الكبارات، والتصويب من النهاية إذ ذكر ابن الأثير هذا الحديث ونسبه إلى عبد الله بن عمرو (النهاية ٢/ ٣٠٥).","vol":"3","page":469},{"text":"لمن طعمها، أقسم الله بيمينه وعزته من شربها بعد ما حرمتها لأعطشنه يوم القيامة، ومن تركها بعد ما حرمتها لأسقينه إياها في حظيرة القدس (^١). وهذا إسناد صحيح.\n(حديث آخر) قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، أن عمرو بن شعيب حدثهم، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ قال: \"من ترك الصلاة سكرًا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسُلبها، ومن ترك الصلاة سكرًا أربع مرات، كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال\" قيل: وما طينة الخبال؟ قال: \"عصارة أهل جهنم\" ورواه أحمد من طريق عمرو بن شعيب (^٢).\n(حديث آخر) قال أبو داود: حَدَّثَنَا محمد بن رافع، حَدَّثَنَا إبراهيم بن عمر الصنعاني قال: سمعت النعمان هو: ابن أبي شيبة الجندي يقول: عن طاوس، عن ابن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام ومن شرب مسكرًا بخست صلاته أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال\" قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: \"صديد أهل النار. ومن سقاه صغيرًا لا يعرف حلاله من حرامه، كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال\" (^٣) تفرد به أبو داود.\n(حديث آخر) قال الشافعي ﵀: أنبأنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"من شرب الخمر في الدنيا لم يتب منها حرمها في الآخرة\" أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك به. وروى مسلم عن أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر فمات وهو يدمنها ولم يتب منها، لم يشربها في الآخرة\" (^٤).\n(حديث آخر) قال ابن وهب: أخبرني عمر بن محمد، عن عبد الله بن يسار أنه سمع سالم بن عبد الله يقول: قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى\". ورواه النسائي عن عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري به. وروى أحمد عن غندر، عن شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي سعيد، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة مِنَّان ولا عاق ولا مُدمن خمر\". ورواه أحمد أيضًا عن عبد الصمد، عن عبد العزيز بن مسلم، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد به. وعن مروان بن شجاع، عن خُصيف، عن مجاهد به. ورواه النسائي عن القاسم بن زكريا، عن حسين الجعفي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد ومجاهد، كلاهما عن أبي سعيد به (^٥).\n_________\n(^١) لم أجده في تفسير ابن أبي حاتم، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من طريق ابن وهب به وحسنه محققوه (المسند ١١/ ٢٤٠ ح ٦٦٥٩)، ويشهد له لاحقه.\n(^٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأشربة، باب النهي عن المسكر ح ٣٦٨٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح ٣١٢٧).\n(^٤) صحيح البخاري، الأشربة، باب قوله الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ [المائدة: ٩٠] (ح ٥٥٧٥)، وصحيح مسلم الأشربة، باب عقوبة من شرب الخمر إذا لم يتب منها (ح ٢٠٠٣).\n(^٥) تقدم تخريجه من رواية النسائي في تفسير سورة البقرة آية ٢٦٤.","vol":"3","page":470},{"text":"(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر، ولا منان، ولا ولد زنية\" وكذا رواه عن يزيد، عن همام، عن منصور، عن سالم، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو به، وقد رواه أيضًا عن غندر وغيره، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن نبيط بن شريط، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة منان، ولا عاق والديه، ولا مدمن خمر\". ورواه النسائي من حديث شعبة كذلك، ثم قال: ولا نعلم أحدًا تابع شعبة عن نبيط بن شريط. وقال البخاري: لا يعرف لجابان سماع عن عبد الله، ولا لسالم من جابان ولا نبيط، وقد روي هذا الحديث من طريق مجاهد عن ابن عباس، ومن طريقه أيضًا عن أبي هريرة، فالله أعلم (^١).\nوقال الزهري: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أباه قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت: إنّا ندعوك لشهادة فدخل معها فطفقت كلما دخل بابًا أغلقته دونه حتَّى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت إني والله ما دعوتك لشهادة ولكن دعوتك لتقع علي أو تقتل هذا الغلام أو تشرب هذا الخمر فسقته كأسًا فقال: زيدوني فلم يرم حتَّى وقع عليها وقتل النفس فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدًا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه. رواه البيهقي (^٢) وهذا إسناد صحيح وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه\"ذم المسكر\" عن محمد بن عبد الله بن بزيع، عن الفضيل بن سليمان النميري، عن عمر بن سعيد، عن الزهري به مرفوعًا (^٣) والموقوف أصح واللّه أعلم، وله شاهد في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق سرقة حين يسرقها وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\" (^٤).\nوقال أحمد بن حنبل: حَدَّثَنَا أسود بن عامر، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما حرمت الخمر قال ناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ … إلى آخر الآية، ولما حولت القبلة قال ناس: يا رسول الله، إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٥) [البقرة: ١٤٣].\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا داود بن مهران الدباغ، حَدَّثَنَا داود - يعني: العطار - عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: صحيح لغيره دون قوله: \"ولا ولد زنية\"، المسند ١١/ ٤٩٣ (ح ٦٨٩٢).\n(^٢) أخرجه البيهقي من طريق يونس بن يزيد عن الزهري به (السنن الكبرى ٨/ ٢٨٧).\n(^٣) ذم المسكر (ح ١).\n(^٤) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، المظالم، باب النُهبى بغير إذن صاحبه ح ٢٤٧٥)، وكذا مسلم (الصحيح، الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ح ٥٧).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره (المسند ٤/ ٤٢٦ ح ٢٦٩١)، وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١/ ٩٨).","vol":"3","page":471},{"text":"خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد أنها سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول: \"من شرب الخمر لم يرض الله عنه أربعين ليلة، إن مات مات كافرًا، وإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال\" قالت: قلت: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: \"صديد أهل النار\" (^١).\nوقال الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أن النَّبِيّ ﷺ قال: لما نزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ فقال النَّبِيّ ﷺ: \"قيل لي: أنت منهم\" وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريقه (^٢).\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد: قرأت على أبي، حَدَّثَنَا علي بن عاصم، حَدَّثَنَا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"إياكم وهاتان الكعبتان (^٣) الموسومتان اللتان تزجران زجرًا فإنهما ميسر العجم\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-763\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾.\nقال الوالبي، عن ابن عباس قوله: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله به عباده في إحرامهم، حتَّى لو شاءوا لتناولوه بأيديهم، فنهاهم الله أن يقربوه (^٥).\nوقال مجاهد: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ يعني: صغار الصيد وفراخه، ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ يعني: كباره (^٦). وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم، لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ (^٧) يعني: أنه تعالى يبتليهم بالصيد، يغشاهم في رحالهم يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرًا وجهرًا، لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره وجهره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٦٠)، وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال، ولآخره شاهد تقدم عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس قبل بضعة أحاديث وذلك في بيان طينة الخبال.\n(^٢) أخرجه مسلم من طريق علي بن مسهر عن الأعمش به (صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه ﵄ ح ٢٤٥٩).\n(^٣) قال السندي: الكعبة ما يُلعب به في النرد، والمراد النهي عن النرد.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه محققوه لضعف إبراهيم بن مسلم الهجري (المسند ٧/ ٢٩٨ ح ٤٢٦٣)، وصحح الدارقطني وقفه (العلل ٥/ ٣١٥).\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.","vol":"3","page":472},{"text":"وقوله ههنا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قال السدي وغيره: يعني بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدم، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: لمخالفته أمر الله وشرعه.\n\n<span id=\"aya-764\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام، ونهي عن تعاطيه فيه، وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول وما يتولد منه ومن غيره، فأما غير المأكول من حيوانات البر، فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها، والجمهور على تحريم قتلها أيضًا، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين من طريق الزهري عن عروة، عن عائشة أُم المؤمنين أن رسول الله ﷿ قال: \"خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور\" (^١).\nوقال مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷿ قال: \"خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور\" أخرجاه، ورواه أيوب عن نافع عن ابن عمر مثله. قال أيوب: فقلت لنافع: فالحية؟ قال الحية لا شكَّ فيها. ولا يختلف في قتلها (^٢).\nومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور الذئب والسبع والنمر والفهد، لأنها أشد ضررًا منه، فاللّه أعلم.\nوقال زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة: الكلب العقور يشمل هذه السباع العادية كلها، واستأنس من قال بهذا بما روي أن رسول الله ﷺ لما دعا على عُتبة بن أبي لهب قال: \"اللهم سلط عليه كلبك بالشام\" فأكله السبع بالزرقاء (^٣) (^٤).\nقالوا: فإن قتل ما عداهن فداه، كالضبع والثعلب [وهرّ البر] (^٥) ونحو ذلك، قال مالك: وكذا يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها، وصغار الملحق بها من السباع العوادي.\nوقال الشافعي: يجوز للمحرم قتل كل ما لا يؤكل لحمه، ولا فرق بين صغاره وكباره، وجعل العِلّة الجامعة كونها لا تؤكل.\nوقال أبو حنيفة: يقتل المُحرم الكلب العقور والذئب، لأنَّهُ كلب بري، فإن قتل غيرهما فداه إلا أن يصول عليه سبع غيرهما فيقتله فلا فداء عليه، وهذا قول الأوزاعي والحسن بن صالح بن حي. وقال زُفر بن الهذيل: يفدي ما سوى ذلك وإن صال عليه.\nوقال بعض الناس: المراد بالغراب ههنا الأبقع، وهو الذي في بطنه وظهره بياض دون الأدرع\n_________\n(^١) صحيح البخاري، جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب (ح ١٨٢٩)، وصحيح مسلم، الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب (ح ١١٩٨).\n(^٢) صحيح البخاري، جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من دواب (ح ١٨٢٦)، وصحيح مسلم، الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب … (ح ١١٩٩).\n(^٣) الزرقاء مدينة في الأردن تبعد عن عمان مِائَة كيلًا.\n(^٤) أخرجه الحاكم من طريق نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال كان ابن أبي لهب يسبُ النَّبِيّ ﷺ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٣٩)، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٤/ ٣٩).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل صحف إلى: \"وهو البرد\".","vol":"3","page":473},{"text":"وهو الأسود، والأعصم وهو الأبيض، لما رواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"خمس يقتلهن المحرم: الحية، والفأرة، والحدأة، والغراب الأبقع، والكلب العقور\" (^١).\nوالجمهور على أن المراد به أعم من ذلك، لما ثبت في الصحيحين من إطلاق لفظه (^٢).\nوقال مالك ﵀: لا يقتل المحرم الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه.\nوقال مجاهد بن جبر وطائفة: لا يقتله بل يرميه، ويروى مثله عن علي.\nوقد روى هشيم: حَدَّثَنَا يزيد بن أبي زياد: عن عبد الرحمن بن أبي [نُعْم] (^٣)، عن أبي سعيد، عن النَّبِيّ ﷺ أنه سئل عما يقتل المحرم؟ فقال: \"الحية، والعقرب، والفُويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي\" رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، والترمذي عن أحمد بن منيع، كلاهما عن هشيم وابن ماجة، عن أبي كريب، عن محمد بن فضيل، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا ابن عُلية، عن أيوب قال: نُبئت عن طاوس أنه قال: لا يحكم على من أصاب صيدًا خطأ، إنما يحكم على من أصابه متعمدًا (^٥).\nوهذا مذهب غريب عن طاوس وهو متمسك بظاهر الآية، وقال مجاهد بن جبر: المراد بالمتعمد هنا القاصد إلى قتل الصيد، الناسي لإحرامه، فأما المتعمد لقتل الصيد مع ذكره لإحرامه، فذاك أمره أعظم من أن يكفر، وقد بطل إحرامه، ورواه ابن جرير عنه من طريق ابن أبي نجيح (^٦)، وليث بن أبي سليم وغيرهما عنه (^٧)، وهو قول غريب أيضًا، والذي عليه الجمهور أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه.\nوقال الزهري: دلّ الكتاب على العامد، وجرت السنة على الناسي (^٨)، ومعنى هذا أن القرآن دلّ على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ وجاءت السنة من أحكام النَّبِيّ ﷺ وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في\n_________\n(^١) سنن النسائي، مناسك الحج، باب قتل الحية ٥/ ١٨٨، وأخرجه مسلم من طريق شعبة به (الصحيح، الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب (ح ١١٩٨).\n(^٢) تقدم قبل حديثين.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل صُحف إلى: \"نعيم\".\n(^٤) سنن أبي داود، المناسك، باب ما يقتل المُحرم من الدواب (ح ١٨٤٤)، ومسند أحمد ٣/ ٣، وسنن الترمذي، الحج، باب ما يقتل المحرم من الدواب (ح ٨٣٨)، وفي سنده يزيد بن أبي زياد ضعيف (مصباح الزجاجة ٣/ ٣٩)، من أجل ذلك ضعفه البوصيري.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ أيوب وهو السختياني.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به نحوه. وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق ليث به وقد توبع ليث بواسطة ابن أبي نجيح.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بنحوه (المصنف رقم ٨١٧٨)، وسنده صحيح.","vol":"3","page":474},{"text":"الخطأ، كما دلّ الكتاب عليه في العمد، وأيضًا فإن قتل الصيد إتلاف، والإتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم، والمخطئ غير ملوم.\nوقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قرأ بعضهم بالإضافة، وقرأ آخرون بعطفها ﴿فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (^١)، وحكَى ابن جرير، أن ابن مسعود قرأها ﴿فَجَزَاءُهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (^٢). وفي قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ على كل من القراءتين دليل لما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد والجمهور، من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم، إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي خلافًا لأبي حنيفة ﵀، حيث أوجب القيمة سواء كان للصيد المقتول مثليًا أو غير مثلي، قال: وهو مخير إن شاء تصدق بثمنه، وإن شاء اشترى به هديًا، والذي حكم به الصحابة في المثل أولى بالاتباع، فإنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الغزال بعنز، وذكر قضايا الصحابة وأسانيدها مقرر في كتاب الأحكام، وأما إذا لم يكن الصيد مثليًا فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إلى مكة، رواه البيهقي.\nوقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: أنه يحكم بالجزاء في المثل أو بالقيمة في غير المثل عدلان من المسلمين.\nواختلف العلماء في القاتل: هل يجوز أن يكون أحد الحكمين؟ على قولين:\n(أحدهما): لا، لأنَّهُ قد يتهم في حكمه على نفسه، وهذا مذهب مالك.\n(والثاني): نعم، لعموم الآية، وهو مذهب الشافعي وأحمد، واحتج الأولون بأن الحاكم لا يكون محكومًا عليه في صورة واحدة. قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو نعيم الفضل بن دكين، حَدَّثَنَا جعفر هو ابن برقان، عن ميمون بن مهران أن أعرابيًا أتى أبا بكر، فقال: قتلت صيدًا وأنا محرم، فما ترى علي من الجزاء؟ فقال أبو بكر ﵁ لأبي بن كعب وهو جالس عنده: ما ترى فيما قال؟ فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله ﷺ أسألك، فإذا أنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر: وما تنكر؟ يقول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فشاورت صاحبي حتَّى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به (^٣)، وهذا إسناد جيد، لكنه منقطع بين ميمون وبين الصديق، ومثله يحتمل ههنا، فبين له الصديق الحكم برفق وتؤدة لما رآه أعرابيًا جاهلًا، وإنما دواء الجهل التعليم، فأما إذا كان المعترض منسوبًا إلى العلم، فقد قال ابن جرير: حَدَّثَنَا هناد وأبو هشام الرفاعي، قالا: حَدَّثَنَا وكيع بن الجراح، عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حجاجًا، فكنا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا، فنتماشى نتحدث. قال: فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي أو برح (^٤)، فرماه رجل كان معنا بحجر فما\n_________\n(^١) كلتاهما قراءتان متواترتان.\n(^٢) وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بجودة سنده على الرغم ما فيه من الانقطاع.\n(^٤) سنح الظبي إذا أتاك عن يسارك، وبرح إذا أتاك عن يمينك.","vol":"3","page":475},{"text":"أخطأ خُشّاءَهُ (^١)، فركب رَدْعَه ميتًا (^٢). قال: فَعَظّمْنا عليه، فلما قدمنا مكة، خرجت معه حتَّى أتينا عمر بن الخطاب ﵁، فقصَّ عليه القصة فقال: وإذا إلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة، يعني عبد الرحمن بن عوف، فالتفت عمر إلى صاحبه فكلمه، قال: ثم أقبل على الرجل فقال: أعمدًا قتلته أم خطأ؟ فقال الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله، فقال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها، واسق إهابها (^٣)، قال: فقمنا من عنده، فقلت لصاحبي: أيها الرجل، [عظم] (^٤) شعائر الله، فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتَّى سأل صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها. فلعل ذلك يعني أن يجزئ عنك، قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فبلغ عمر مقالتي، فلم يفجأنا منه إلا ومعه الدرّة، قال: فعلا صاحبي ضربًا بالدرة، أقتلت في الحرم وسفهت في الحكم؟ قال: ثم أقبل علي، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحلّ لك اليوم شيئًا يَحرُم عليك مني، فقال: يا قَبيصة بن جابر، إني أراك شاب السن، فسيح الصدر، بين اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيء، فيفسد الخلق السيء الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب (^٥).\nوروى هشيم هذه القصة عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بنحوه. ورواها أيضًا عن حصين، عن الشعبي، عن قَبيصة بنحوه. وذكرها مرسلة عن عمر بن بكر بن عبد الله المزني ومحمد بن سيرين بنحوه (^٦).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا عبد الرحمن، حَدَّثَنَا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، أخبرني ابن جرير البجلي، قال: أصبت ظبيًا وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن وسعدًا فحكما عليّ بتيس أعفر (^٧) (^٨).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن وكيع، حَدَّثَنَا ابن عيينة، عن مخارق، عن طارق، قال: أوطأ أربد (^٩) ظبيًا فقتله وهو محرم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي، فحكما فيه جديًا قد جمع الماء والشجر، ثم قال عمر: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^١٠).\nوفي هذا دلالة على جواز كون القاتل أحد الحكمين، كما قاله الشافعي وأحمد رحمهما الله.\n_________\n(^١) وهو العظم الناتئ خلف الأُذن.\n(^٢) أي خرّ على وجهه ميتًا.\n(^٣) أي اعط اهابها من يدبغه ويتخذ من جلده سقاء.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وسقط من الأصل.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق معمر عن عبد الملك بن عمير به مختصرًا وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٣١٠)، وهو كما قالا وله طرق أخرى تتلوه.\n(^٦) أخرجه الإمام مالك (الموطأ ١/ ٤١٤)، وعبد الرزاق (المصنف رقم ٨٢٤١)، من طريق ابن سيرين.\n(^٧) أي: أبيض قاله الطبري بعد الرواية نفسها.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه ابن سعد من طريق منصور به (الطبقات الكبرى ٦/ ١٥٥).\n(^٩) كذا في تفسير الطبري وفي الأصل: و(مح) صُحفت إلى: \"زيد\". وأربد هو ابن عبد الله البجلي أدرك الجاهلة ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة القسم الثالث وصحح سنده.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال وقد تابعه الشافعي فرواه عن ابن عيينة به (المسند ١/ ٣٣٢ ح ٨٦٠) وسنده صحيح.","vol":"3","page":476},{"text":"واختلفوا: هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل، وإن كان قد حكم في مثله الصحابة أو يكتفى بأحكام الصحابة المتقدمة؟ على قولين:\nفقال الشافعي وأحمد: يتبع في ذلك ما حكمت به الصحابة، وجعلاه شرعًا مقررًا لا يعدل عنه، وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى عدلين.\nوقال مالك وأبو حنيفة: بل يجب الحكم في كل فرد فرد سواء وجد للصحابة في مثله حكم أم لا، لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي: واصلًا إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك ويفرق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة.\nوقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي: إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام بين الجزاء والإطعام والصيام، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وأحد قولي الشافعي، والمشهور عن أحمد، ﵏، لظاهر \"أو\" بأنها للتخيير.\nوالقول الآخر: أنها على الترتيب، فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة، فيقوم الصيد المقتول عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه وحماد وإبراهيم.\nوقال الشافعي: يقوم مثله من النعم لو كان موجودًا، ثم يُشترى به طعام فيتصدق به فيصرف لكل مسكين مد منه، عند الشافعي ومالك وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير.\nوقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم كل مسكين مدين، وهو قول مجاهد. وقال أحمد: مد من حنطة أو مدان من غيره، فإن لم يجد أو قلنا بالتخيير، صام عن إطعام كل مسكين يومًا.\nوقال ابن جرير: وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يومًا كما في جزاء المترفه بالحلق ونحوه، فإن الشارع أمر كعب بن عجرة أن يقسم فرقًا بين ستة، أو يصوم ثلاثة أيام، والفرق ثلاثة آصع، واختلفوا في مكان هذا الإطعام، فقال الشافعي: مكانه الحرم، وهو قول عطاء. وقال مالك يطعم في المكان الذي أصاب فيه الصيد أو أقرب الأماكن إليه. وقال أبو حنيفة: إن شاء أطعم في الحرم، وإن شاء أطعم في غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-109>ذكر قوال السلف في هذا المقام:</span>\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن المغيرة، حَدَّثَنَا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن لم يجد، نظر كم ثمنه، ثم قوم ثمنه طعامًا، قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قال: إنما أريد بالطعام والصيام، أنه إذا وجد الطعام وجد جزاؤه (^١). ورواه ابن جرير من طريق جرير.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده بنحوه، وسنده حسن. وأخرجه الطبري من طريق جرير به.","vol":"3","page":477},{"text":"وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، فإذا قتل المحرم شيئًا من الصيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبيًا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل أيلًا أو نحوه، فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينًا، فإن لم يجد صام عشرين يومًا، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه، فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينًا، فإن لم يجد صام ثلاثين يومًا\" رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١)، وزاد: الطعام مدّ مدّ يشبعهم.\nوقال جابر [الجعفي] (^٢)، عن عامر الشعبي وعطاء ومجاهد ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قالوا: إنما الطعام لمن لا يبلغ الهدي رواه ابن جرير وكذا روى ابن جريج عن مجاهد وأسباط عن السدي أنها على الترتيب.\nوقال عطاء وعكرمة ومجاهد في رواية الضحاك وإبراهيم النخعي: هي على الخيار (^٣)، وهي رواية الليث عن مجاهد، عن ابن عباس، واختار ذلك ابن جرير ﵀.\nوقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي: أوجبنا عليه الكفارة ليذوق عقوبة فعله الذي ارتكب فيه المخالفة ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي: في زمان الجاهلية لمن أحسن في الإسلام واتبع شرع الله، ولم يرتكب المعصية، ثم قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي: ومن فعل ذلك بعد تحريمه في الإسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.\nقال ابن جريج: قلت لعطاء: \" ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾؟ قال: عما كان في الجاهلية. قال: قلت: وما ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾؛ قال: ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك الكفارة. قال: قلت: فهل في العود من حد تعلمه؟ قال: لا، قال قلت: فترى حقًّا على الإمام أن يعاقبه؟ قال: لا، هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله ﷿، ولكن يفتدي\" (^٤) رواه ابن جرير.\nوقيل: معناه فينتقم الله منه بالكفارة، قاله سعيد بن [جبير] (^٥) وعطاء (^٦)، ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد رجب الجزاء، ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة، وإن تكرر ما تكرر سواء الخطأ في ذلك والعمد.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: من قتل شيئًا من الصيد خطأ وهو محرم، يحكم عليه فيه كلما قتله، فإن قتله عمدًا يحكم عليه فيه مرة واحدة، فإن عاد يقال له: ينتقم الله منك، كما قال الله ﷿ (^٧).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا عمرو بن علي، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد وابن أبي عدي، جميعًا عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به مقطعًا.\n(^٢) كذا في (مح) وتفسير الطبري وفي الأصل صُحف إلى: \"الجعدي\".\n(^٣) أخرجه الطبري بأسانيد متعددة عن عطاء بن أبي رباح يقوي بعضها بعضًا.\n(^٤) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا مقطعًا عن عطاء بن أبي رباح.\n(^٥) كذا في (مح) والتخريج، وفي الأصل صُحف إلى: \"حبيب\".\n(^٦) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"3","page":478},{"text":"هشام - هو ابن حسان -، عن عكرمة، عن ابن عباس، فيمن أصاب صيدًا يحكم عليه ثم عاد قال: لا يحكم عليه، ينتقم الله منه (^١).\nوهكذا قال شريح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي (^٢)، رواهن ابن جرير، ثم اختار القول الأول.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا العباس بن يزيد العبدي، حَدَّثَنَا المعتمر بن سليمان عن زيد بن أبي المعلى، عن الحسن البصري أن رجلًا أصاب صيدًا فتجوز عنه، ثم عاد فأصاب صيدًا آخر، فنزلت نار من السماء فأحرقته، فهو قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (^٣).\nوقال ابن جرير في قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾: يقول عز ذكره: واللّه منيع في سلطانه، لا يقهره قاهر ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع، لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزة والمنعة. وقوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ يعني: أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه. وللّه الحمد والمِنّة.\n\n<span id=\"aya-765\"></span>\n\n<span id=\"aya-766\"></span>\n\n<span id=\"aya-767\"></span>\n\n<span id=\"aya-768\"></span>﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾.\nقال ابن أبي طلحة: عن ابن عباس في رواية عنه، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير وغيرهم، في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يعني: ما يصطاد منه طريًا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما يتزود منه مليحًا يابسًا (^٤).\nوقال ابن عَبَّاس في الرواية المشهورة عنه: صيده ما أخذ منه حيًا (^٥) ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما لفظه ميتًا، وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاري ﵁، وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي والحسن البصري (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرج الطبري هذه الآثار بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة به (المصنف ٤/ ٥٠٥ رقم ٨٦٦١) وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن عيينة به، وسنده ضعيف؛ لأن عكرمة لم يسمع من أبي بكريته، ويشهد له سابقه.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي وليس من طريق ابن أبي طلحة، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن سعد عن عكرمة عن ابن عباس، وعثمان ضعيف. ويتقوى بقول سعيد بن جبير وابن المسيب، أما قول ابن جبير فأخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنه، وأما قول ابن المسيب فقد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم لإسنادين يقوي أحدهما الآخَر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي مجلز عن ابن عباس بنحوه.","vol":"3","page":479},{"text":"قال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن أبي بكر الصديق أنه قال: ﴿طَعَامُهُ﴾ كل ما فيه (^١)، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا جرير، عن مغيرة، عن سماك قال: حُدثت عن ابن عباس قال: خَطب أبو بكر الناس، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ وطعامه ما قذف (^٢).\nقال: وحدثنا يعقوب، حَدَّثَنَا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عباس في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قال: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما قذف (^٣).\nوقال عكرمة، عن ابن عباس، قال: طعامه ما لفظ من ميتة (^٤)، ورواه ابن جرير أيضًا. وقال سعيد بن المسيب: طعامه ما لفظه حيًا أو حسر عنه فمات، رواه (^٥) ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا عبد الوهاب، حَدَّثَنَا أيوب، عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر، فقال: إن البحر قد قذف حيتانًا كثيرة ميتة، أفنأكلها؟ فقال: لا تأكلوها، فلما رجع عبد الله إلى أهله، أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة فأتى هذه ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ فقال: اذهب فقل له: فليأكله فإنه طعامه (^٦).\nوهكذا اختار ابن جرير أن المراد بطعامه ما مات فيه. وقد روي في ذلك خبر، وإن بعضهم يرويه موقوفًا، حَدَّثَنَا هناد بن السري قال: حَدَّثَنَا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، حَدَّثَنَا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ قال: \"طعامه ما لفظه ميتًا\".\nثم قال: وقد وقف بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة. حَدَّثَنَا هناد، حَدَّثَنَا ابن أبي زائدة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قال: طعامه ما لفظه ميتًا (^٧).\nوقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي: منفعة وقوتًا لكم أيها المخاطبون ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وهم جمع سيار، قال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر والسفر (^٨).\n_________\n(^١) هذه الأقوال ذكرها ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج بعضها الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وأخرج البخاري عن عمر نحوه تعليقًا ووصله الحافظ ابن حجر من قول ابن عباس وأبي هريرة وعكرمة. (تغليق التعليق ٤/ ٥٠٥ - ٥٠٧).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه إبهام شيخ سماك وقد توبع كما يلي:\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق سماك عن عكرمة به، وسنده حسن بما تقدم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام مالك عن نافع به (الموطأ، الصيد، باب ما جاء في صيد\nالبحرح ٤٩٤)، وفي سنده عبد الرحمن بن أبي هريرة لم أجد من وثقه سوى ابن حبان في الثقات.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنديه موقوفًا ومرفوعًا، وفي سنديهما محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي صدوق له أوهام فتاره يرفعه وتارة يوقفه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريقه موقوفًا، وهو أصح وسنده حسن.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي إسحاق الكوفي عن عكرمة، وأبو إسحاق هو عبد الله بن ميسرة: ضعيف كما في التقريب.","vol":"3","page":480},{"text":"وقال غيره: الطري منه لمن يصطاده من حاضرة البحر، وطعامه ما مات فيه أو اصطيد منه وملح وقدد، زادًا للمسافرين والنائين عن البحر.\nوقد روي نحوه عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم (^١).\nوقد استدل الجمهور على حلّ ميتته بهذه الآية الكريمة، وبما رواه الإمام مالك بن أنس عن ابن وهب وابن كيسان، عن جابر بن عبد الله قال: بعث رسول الله ﷺ بعثًا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة وأنا فيهم، قال فخرجنا حتَّى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوتنا كل يوم قليلًا قليلًا حتَّى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقال: فقد وجدنا فقدها حين فُنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب (^٢)، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت ومرت تحتهما، فلم تصبهما، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله طرق عن جابر (^٣).\nوفي صحيح مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر، فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا بدابة يقال لها: العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله ﷺ، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاثمائة حتَّى سمنّا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب (^٤) عينيه بالقلال الدهن، ويقتطع منه الفِدْر (^٥) كالثور، قال: ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا، فمرّ من تحته، وتزودنا من لحمه وشائق (^٦)، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال: \"هو رزق أخرجه الله لكم هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ \" قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه، فأكله (^٧).\nوفي بعض روايات مسلم أنهم كانوا مع النَّبِيّ ﷺ حين وجدوا هذه السمكة، فقال بعضهم: هي واقعة أخرى، وقال بعضهم: بل هي قضية واحدة، ولكن كانوا أولًا مع النَّبِيّ ﷺ، ثم بعثهم سرية مع أبي عبيدة فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أبي عبيدة، واللّه أعلم. وقال مالك عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق: أن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار، أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٢) الظرب: أي كالجبل الصغير (ينظر النهاية ٣/ ١٥٦).\n(^٣) الموطأ، صفة النَّبِيِّ ﷺ ٢/ ٧٠٩ ح ٢٤ وصحيح البخاري، الشركة، باب الشركة في الطعام (ح ٢٤٨٣)، وصحيح مسلم، الصيد، باب إباحة ميتات البحر (ح ١٩٣٥).\n(^٤) الوقب أي النقرة.\n(^٥) الفِدْر: جمع فدرة: وهي القطعة من اللحم.\n(^٦) الوشائق: جمع وشيقه وهي اللحم يقدد ويحمل في الأسفار.\n(^٧) صحيح مسلم، الصيد، باب إباحة ميتات البحر (ح ١٩٣٥/ ١٧).","vol":"3","page":481},{"text":"رسول الله ﷺ: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" (^١)، وقد روى هذا الحديث الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل وأهل السنن الأربع، وصححه البخاري والترمذي وابن حبان وغيرهم، وقد روي عن جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ بنحوه.\nوقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن حماد بن سلمة، حدثنا أبو المُهزِّم - هو يزيد بن سفيان - سمعت أبا هريرة يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة، فاستقبلنا جراد، فجعلنا نضربهن بعصينا وسياطنا، فنقتلهن، فسقط في أيدينا، فقلنا: ما نصنع ونحن محرمون؟ فسألنا رسول الله ﷺ فقال: \"لا بأس بصيد البحر\" (^٢) أبو المهزم ضعيف، والله أعلم.\nوقال ابن ماجه: حدثنا هارون بن عبد الله الحمال، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جابر وأنس بن مالك أن النبي ﷺ كان إذا دعا على الجراد قال: \"اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء\"، فقال خالد: يا رسول الله، كيف تدعو على [جند] (^٣) من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: \"إن الجراد نثرة الحوت: في البحر\" قال هاشم: قال زياد: فحدثني من رأى الحوت ينثره (^٤)، تفرد به ابن ماجه.\nوقد روى الشافعي عن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس أنه أنكر على من يصيد الجراد في الحرم (^٥).\nوقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ولم يستثن من ذلك شيئًا، قد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه كل ما فيه.\nوقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها، لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الضفدع (^٦)، وللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع، وقال: نقيقها تسبيح (^٧).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٣.\n(^٢) المسند ٢/ ٣٠٦ وسنن أبي داود، المناسك، باب في الجراد للمحرم (ح ١٨٥٤) وضعفه، وسنن الترمذي، الحج، باب ما جاء في صيد البحر للمحرم (ح ٨٥٠) وقال: غريب. وسنن ابن ماجه، الصيد، باب صيد الحيتان والجراد (ح ٣٢٢٢) وسنده ضعيف جدًّا لأن أبا المُهزِّم يزيد بن سفيان: متروك (التقريب ص ٦٧٦).\n(^٣) كذا في (مح) والتخريج، وفي الأصل: \"أجناد\".\n(^٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٣٢٢١)، وسنده ضعيف لضعف موسى بن محمد بن إبراهيم (مصباح الزجاجة ٣/ ٦٤).\n(^٥) لم أعرف من هو سعيد شيخ الشافعي.\n(^٦) المسند ٣/ ٤٥٣، وسنن أبي داود، الطب، باب في الأدوية المكروهة (ح ٣٨٧١)، وسنن النسائي، الصيد والذبائح باب الضفدع ٧/ ٢١٠، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٤١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢٧٩).\n(^٧) هذا الحديث شطره الأول صحيح كسابقه، الشطر الثاني ضعيف. أخرجه الطبراني بسند ضعيف عن=","vol":"3","page":482},{"text":"وقال آخرون: يؤكل من صيد البحر السمك، ولا يؤكل الضفدع. واختلفوا فيما سواهما، فقيل: يؤكل سائر ذلك. وقيل: لا يؤكل. وقيل: ما أكل شبهه من البر، أكل مثله في البحر. وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل، وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى.\nوقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يؤكل ما مات في البحر، كما لا يؤكل ما مات في البر، لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقد ورد حديث بنحو ذلك:\nفقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي - هو ابن قانع -، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري وعبد الله بن موسى بن أبي عثمان، قالا: حدثنا الحسين بن يزيد الطحان، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه، وما ألقى البحر ميتًا طافيًا فلا تأكلوه\" (^١)، ثم رواه من طريق إسماعيل بن أمية ويحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر به، وهو منكر.\nوقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر المتقدم ذكره، وبحديث \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" (^٢)، وقد تقدم أيضًا.\nوروى الإمام أبو عبد الله الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال\" ورواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وله شواهد، وروي موقوفًا (^٣)، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي: في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمدًا، أثم وغرم، أو مخطئًا، غرم وحرم عليه أكله، لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين، عند مالك والشافعي في أحد قوليه، وبه يقول عطاء والقاسم وسالم وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم، فإن أكله أو شيئًا منه فهل يلزمه جزاء ثانٍ؟ فيه قولان للعلماء.\n(أحدهما): نعم، قال عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء قال: إن ذبحه ثم أكله فكفارتان (^٤)، وإليه ذهب طائفة.\n(والثاني): لا جزاء عليه في أكله، نص عليه مالك بن أنس.\nقال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، ثم وجهه أبو عمر بما لو وطئ، ثم وطئ، ثم وطئ قبل أن يُحَدّ، فإنما عليه حد واحد (^٥).\n_________\n= عبد الله بن عمرو (المعجم الصغير ١/ ١٨٩) وفي سنده: المسيب بن واضح صدوق يخطئ كثيرًا (ميزان الاعتدال ٤/ ٢٤١)، وذكر ابن عدي هذا الحديث من الأحاديث التي أنكرت على المسيب (الكامل ٦/ ٢٣٨٤).\n(^١) ضعفه الحافظ ابن كثير بقوله: \"وهو منكر\".\n(^٢) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية.\n(^٣) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية (٣) من هذه السورة.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم ٨٣٦٢) وسنده صحيح.\n(^٥) الاستذكار ١١/ ٣١٢.","vol":"3","page":483},{"text":"وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل. وقال أبو ثور: إذا قتل المحرم الصيد فعليه جزاؤه وحلال أكل ذلك الصيد، إلا أنني أكرهه للذي قتله للخبر عن رسول الله ﷺ \"صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم\" (^١) وهذا الحديث سيأتي بيانه، وقوله بإباحته للقاتل غريب. وأما لغيره ففيه خلاف قد ذكرنا المنع عمن تقدم، وقال آخرون بإباحته لغير القاتل سواء المحرمون والمحلون لهذا الحديث، والله أعلم.\nوأما إذا صاد حلال صيدًا، فأهداه إلى محرم، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقًا، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده من أجله أم لا، حكى هذا القول أبو عمر بن عبد البر، عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام وكعب الأحبار ومجاهد وعطاء في رواية، وسعيد بن جبير، وبه قال الكوفيون.\nقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد، عن قتادة أن سعيد بن المسيب حدثه عن أبي هريرة أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال، أيأكله المحرم؛ قال: فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك (^٢).\nوقال آخرون: لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية، ومنعوا من ذلك مطلقًا لعموم هذه الآية الكريمة.\nوقال عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، وعبد الكريم عن ابن أبي أُمية عن طاوس، عن ابن عباس أنه كره أكل الصيد للمحرم، وقال: هي مبهمة (^٣). يعني قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ قال: وأخبرني معمر عن الزهري، عن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال. قال معمر: وأخبرني أيوب عن نافع، عن ابن عمر مثله (^٤).\nقال ابن عبد البر: وبه قال طاوس وجابر بن زيد، وإليه ذهب الثوري وإسحاق بن راهوبه في رواية، وقد روي نحوه عن علي بن أبي طالب، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن عليًا كره أكل لحم الصيد للمحرم على كل حال (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣/ ٣٦٢)، وأبو داود (السنن، الحج باب لحم الصيد) والترمذي (السنن، الحج، باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم ح ٨٤٦)، وغيرهم كلهم من طريق المطلب بن حنطب عن جابر وهو لم يسمع منه (المراسيل لابن أبي حاتم ص ٢١٠)، وسنده ضعيف.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه من طريق هشام بن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة بنحوه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه به (المصنف رقم ٨٣٢٩).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق من الطريقين عن ابن عمر (المصنف رقم ٨٣١٤ و٨٣١٥) وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق بشر بن المفضل عن سعيد بن أبي عروبة به، وسنده صحيح إن سمع سعيد من علي ﵁.","vol":"3","page":484},{"text":"وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية والجمهور: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله لحديث الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي ﷺ حمارًا وحشيًا وهو بالأبواء (^١) أو بِودّان (^٢)، فردّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: \"إنا لم نردّه عليك إلا أنا حرم\" (^٣) وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وله ألفاظ كثيرة، قالوا: فوجهه أن النبي ﷺ ظن أن هذا إنما صاده من أجله، فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه لحديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش، وكان حلالًا لم يحرم، وكان أصحابه محرمين، فتوقفوا في أكله ثم سألوا رسول الله ﷺ فقال: \"هل كان منكم أحد أشار إليها أو أعان في قتلها؟ \" قالوا: لا. قال: \"فكلوا\" وأكل منها رسول الله ﷺ (^٤). وهذه القصة ثابتة أيضًا في الصحيحين بألفاظ كثيرة.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد، قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ، وقال قتيبة في حديثه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"صيد البر لكم حلال\" قال سعيد: \" - وأنتم حرم - ما لم تصيدوه أو يصد لكم\"، وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي، جميعًا عن قتيبة. وقال الترمذي: لا نعرف للمطلب سماعًا من جابر (^٥)، ورواه الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁ من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن مولاه المطلب، عن جابر، ثم قال: وهذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس. وقال مالك ﵁، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج (^٦) وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان (^٧)، ثم أتى بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا، فقالوا: أو لا تأكل أنت؟ فقال: إني لست كهيئتكم إنما صيد من أجلي (^٨) (^٩).\n_________\n(^١) الأبواء: جبل في منطقة الفرع (ينظر فتح الباري ٤/ ٣٣) والفرع تقع جنوب المدينة.\n(^٢) ودّان: موضع بقرب الجحفة، وهي أقرب إلى الجحفة من الأبواء فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرين ميلًا (ينظر المصدر السابق) والميل يعادل ١٨٤٨ م.\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس (الصحيح، جزاء الصيد، باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًا. . . ح ١٨٢٥)، وأخرجه مسلم أيضًا (الصحيح، الحج، باب تحريم الصيد للمحرم ح ١١٩٣).\n(^٤) صحيح البخاري، جزاء الصيد، باب إذا صاد الحلال فأهدي للمحرم. . . (ح ١٨٢١) وصحيح مسلم، الحج، باب تحريم الصيد للمحرم ١١٩٦.\n(^٥) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٦) العَرج: منزل بطريق مكة (حاشية الموطأ).\n(^٧) أي صوف أحمر (حاشية الموطأ).\n(^٨) أخرجه مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الحج، باب ما لا يحل للمحرم من الصيد (ح ٨٤). وسنده صحيح.\n(^٩) لم يشرح الحافظ ابن كثير الآيات الثلاث رقم ٩٧ - ٩٩ في النسخ الثلاث وكذا النسخة الأزهرية ودار الكتب حسب ما نبه محققو طبعة الشعب. وقد قاموا بالاستدراك نقلًا من تفسير الطبري، وهو نقل مفيد لكن لو وضعوه في الحاشية لكان أفضل. لأن بعض الطبعات ظن أصحابها أنه سقط، وقد ورد فيها هذه الزيادة منقولة من طبعة الشعب.","vol":"3","page":485},{"text":"<span id=\"aya-769\"></span>﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾.\nيقول تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ أي: يا أيها الإنسان ﴿كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ يعني: أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار، كما جاء في الحديث \"ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى\" (^١).\nوقال أبو القاسم البغوي في معجمه: حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا الحوطي، حدثنا محمد بن شعيب، حدثنا معان بن رفاعة، عن أبي عبد الملك علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا، فقال النبي ﷺ: \"قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه\" (^٢).\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة، وتجنبوا الحرام ودعوه واقنعوا بالحلال واكتفوا به، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-770\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها، لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها، كما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يبلغني أحد عن أحد شيئًا، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر\" (^٣).\nوقال البخاري: حدثنا منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، وقال فيها: \"لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا\". قال: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم حنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: \"فلان\" فنزلت هذه الآية ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (^٤) رواه النضر وروح بن عبادة عن شعبة، وقد رواه البخاري في غير هذا الموضع، ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي من طرق عن شعبة بن الحجاج به (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري (المسند ٢/ ٣١٩ ح ١٠٥٣)، وصححه المحقق. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير صدقة بن الربيع وهو ثقة (المجمع ١٠/ ٢٥٥).\n(^٢) أخرجه البغوي بسنده ومتنه (معجم الصحابة ١/ ٤١٩ ح ٢٦٧) وسنده ضعيف جدًّا لأن علي بن يزيد وهو الألهاني: متروك (مجمع الزوائد ٧/ ٣٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود ﵁، وقال محققوه: إسناد ضعيف بهذه السياقة ولبعضه شواهد (المسند ٦/ ٣٠٢ ح ٣٧٥٩).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ح ٤٦٢١).\n(^٥) صحيح مسلم، الفضائل، باب توقيره ﷺ. . . (ح ٢٣٥٩)، ومسند أحمد ٣/ ٢٠٦، وسنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة (ح ٣٠٥٦)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير باب قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (ح ١١١٥٤).","vol":"3","page":486},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية، قال: فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه أن رسول الله ﷺ سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال: \"لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم\" فأشفق أصحاب رسول الله ﷺ أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يمينًا ولا شمالًا إلا وجدت كلًا لافًا رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحي فيدعي إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله، من أبي؟ قال: \"أبوك حذافة\". قال: ثم قام عمر - أو قال: فأنشأ عمر - فقال: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا عائذًا بالله - أو قال: أعوذ بالله من شر الفتن - قال: وقال رسول الله ﷺ: \"لم أرَ في الخير والشر كاليوم قط، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط\" (^١)، أخرجاه من طريق سعيد (^٢).\nورواه معمر عن الزهري، عن أنس بنحو ذلك، أو قريبًا منه. قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولدًا أعق منك قط، أكنت تأمن أن تكون أُمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس؟ فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته (^٣).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وهو غضبان، محمار وجهه، حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل فقال: أين أبي؟ قال: \"في النار\"، فقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: \"أبوك حذافة\"، فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا، وبالقرآن إمامًا، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله أعلم من آباؤنا. قال: فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية (^٤). إسناده جيد.\nوقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف، منهم أسباط عن السدي أنه قال في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قال: غضب رسول الله ﷺ يومًا من الأيام، فقام خطيبًا فقال: \"سلوني فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به\" فقام إليه رجل من قريش من بني سهم يقال له عبد الله بن حذافة، وكان يطعن فيه، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ فقال: أبوك فلان، فدعاه لأبيه، فقام إليه عمر بن الخطاب، فقبل رجله وقال: يا رسول الله، رضينا بالله ربًا، وبك نبيًا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، فاعف عنا عفا الله عنك، فلم يزل به حتى رضي فيومئذٍ قال: \"الولد للفراش، وللعاهر الحجر\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الفتن، باب التعوذ من الفتن (ح ٧٠٩٠)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب توقيره ﷺ (ح ٢٣٥٩/ ١٣٧).\n(^٣) صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال (ح ٧٢٩٤).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وجود سنده الحافظ ابن كثير، ولعله بالشواهد المتقدمة في الصحيحين، وفي سنده عبد العزيز وهو ابن أبان الأموي: متروك وكذبه ابن معين (التقريب ص ٣٥٦).\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط به ولكنه مرسل ويشهد له ما تقدم في الصحيحين والحديث التالي.","vol":"3","page":487},{"text":"ثم قال البخاري: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو الجويرية عن ابن عباس ﵄ قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية كلها (^١)، تفرد به البخاري. وقال الإمام أحمد: حدثنا منصور بن وردان الأسدي، حدثنا علي بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن أبي البختري - وهو سعيد بن فيروز -، عن علي قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال: \"لا\"، ولو قلت: نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية، وكذا رواه الترمذي وابن ماجه من طريق منصور بن وردان به، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وسمعت البخاري يقول: أبو البختري لم يدرك عليًا (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله كتب عليكم الحج\" فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: \"من السائل؟ \" فقال: فلان، فقال: \"والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم\"، فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حتى ختم الآية (^٣)، ثم رواه ابن جرير من طريق الحسين بن واقد عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة وقال: فقام محصن الأسدي، وفي رواية من هذه الطريق عكاشة بن محصن، وهو أشبه (^٤)، وإبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثني زكريا بن يحيى [بن أبان المصري، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر، حدثنا ابن مطيع معاوية بن يحيى] (^٥)، عن صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: سمعت أبا أُمامة الباهلي يقول: قام رسول الله ﷺ في الناس، فقال: \"كتب عليكم الحج\" فقام رجل من الأعراب فقال: أفي كل عام؟ قال: فغلق كلام رسول الله ﷺ، وأسكت، وأغضب واستغضب، ومكث طويلًا، ثم تكلم فقال: \"من السائل؟ \" فقال الأعرابي: أنا ذا، فقال: \"ويحك ماذا يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، ألا إنه إنما أهلك الذين من قبلكم أئمة الحرج، والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض وحرمت عليكم منها موضع خف، لوقعتم فيه\" قال: فأنزل الله عند ذلك ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ ح ٤٦٢٢).\n(^٢) تقدم تخريجه في سورة آل عمران آية ٩٧.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعف سنده أحمد شاكر لضعف إبراهيم بن مسلم الهجري، ولكنه توبع كما سيأتي في الروايات اللاحقة.\n(^٤) وفي هذه الطريق متابعة لإبراهيم الهجري بواسطة الحسين بن واقد.\n(^٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (مح) وتفسير الطبري.","vol":"3","page":488},{"text":"لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إلى آخر الآية (^١)، في إسناده ضعف.\nوظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها، وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا حجاج قال: سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هاشم مولى الهمداني، عن زيد بن زائد، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"لا يبلغني أحد عن أحد شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر\" الحديث، وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل، قال أبو داود عن الوليد، وقال الترمذي عن إسرائيل، عن السدي، عن الوليد بن أبي هاشم به، ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على رسول الله ﷺ تبين لكم ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، ثم قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي: عما كان منكم قبل ذلك ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾ أي: لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث \"أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته\" (^٣) ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها، تُبين لكم حينئذٍ لاحتياجكم إليها، ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي: ما لم يذكره في كتابه فهو مما عفا عنه، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها، وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم\" (^٤) وفي الحديث الصحيح أيضًا \"أن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-771\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ أي: قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قوم من قبلكم فأجيبوا عنها، ثم لم يؤمنوا بها، ﴿فأصبحو بها كافرين﴾ أي بسببها؛ أي: بيّنت لهم فلم ينتفعوا بها لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد بل على وجه الاستهزاء والعناد.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في الآية: أن رسول الله ﷺ أذن في الناس فقال: \"يا قوم كتب عليكم الحج\" فقام رجل من بني أسد فقال: يا رسول الله، أفي كل عام فأغضب رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا، فقال: \"والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذًا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وما أشار إليه الحافظ ابن كثير في إسناده ضعف فقد رواه الطبراني من طريق آخر عن روح بن الفرج عن أبي زيد عبد الرحمن به (المعجم الكبير ٨/ ١٨٦ ح ٧٦٧١)، قال الهيثمي: وإسناده حسن جيد (مجمع الزوائد ٤/ ٢٠٧).\n(^٢) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية.\n(^٣) صحيح البخاري الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال. . . (ح ٧٢٨٩)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب توقيره ﷺ (ح ١٣٣٧).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة في بداية آية ١٠٨.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٣٠.","vol":"3","page":489},{"text":"لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه\" فأنزل هذه الآية، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت عنه النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله عن ذلك وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه (^١)، رواه ابن جرير.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ قال: لما نزلت آية الحج، نادى النبي ﷺ في الناس فقال: \"يا أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا\" فقالوا: يا رسول الله، أعامًا واحدًا، أم كل عام؟ فقال: \"لا بل عامًا واحدًا، ولو قلت: كل عام لوجبت، ولو وجبت لكفرتم\". ثم قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ رواه ابن جرير (^٢).\nوقال خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ قال: هي البحيرة والوصيلة والسائبة والحام، ألا ترى أنه قال بعدها: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] ولا كذا ولا كذا، قال: وأما عكرمة فقال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك، ثم قال: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ (^٣) رواه ابن جرير.\nيعني عكرمة ﵀ أن المراد من هذا النهي عن سؤال وقوع الآيات كما سألت قريش أن يجري لهم أنهارًا، وأن يجعل لهم الصفا ذهبًا وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتابًا من السماء. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-772\"></span>﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾.\nقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق العوفي به، وسنده ضعيف ولكن لبعضه شواهد تقدمت.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي طلحة به، وسنده ضعيف لأن هذه الرواية المرفوعة ليست من الصحيفة، وله شواهد سابقة يتقوى بها.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق خُصيف به، وفي سنده خُصيف: صدوق سيء الحفظ خلط بآخرة ورمي بالإرجاء كما في التقريب.","vol":"3","page":490},{"text":"الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيّب السوائب\" والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج إبل، بل تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينها ذكر.\nوالحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه (^١) ودعوه للطواغيت وأعفوه عن الحمل، فلم يحمل عليه شيء، وسموه الحامي (^٢). وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث إبراهيم بن سعد به (^٣).\nثم قال البخاري: قال لي أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: سمعت سعيدًا يخبر بهذا. قال: وقال أبو هريرة، عن النبي ﷺ نحوه. ورواه ابن الهاد عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ (^٤).\nقال الحاكم: أراد البخاري أن يزيد بن عبد الله بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بخت، عن الزهري، كذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزي في الأطراف، وسكت ولم ينبه عليه، وفيما قاله الحاكم نظر، فإن الإمام أحمد وأبا جعفر بن جرير روياه من حديث الليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن الزهري نفسه (^٥)، والله أعلم.\nثم قال البخاري: حدثنا محمد بن أبي يعقوب أبو عبد الله الكرماني، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عروة أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا، ورأيت عمروًا يجر قصبه وهو أول من سيّب السوائب\" (^٦) تفرد به البخاري.\nوقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: \"يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلًا أشبه برجل منك به، ولا به منك\". فقال أكثم: تخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غيّر دين إبراهيم، وبحّر البحيرة، وسيّب السائبة، وحمى الحامي\"، ثم رواه عن هناد، عن عبدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه أو مثله، ليس هذان الطريقان في الكتب (^٧).\n_________\n(^١) أي قضى وطره من الناقة.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ. . .﴾ [المائدة: ١٠٣] (ح ٤٦٢٣).\n(^٣) صحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون. . . (ح ٢٦٥٦).\n(^٤) صحيح البخاري، بعد الحديث السابق (٤٦٢٣) مباشرة.\n(^٥) وهو كما قال فهذه الطريق في المسند (٢/ ٣٦٦)، وتفسير الطبري (١١/ ١١٦) ط. شاكر.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه، التفسير، باب ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ. . .﴾ (ح ٤٦٢٤).\n(^٧) أخرجه الطبري من الطريقين، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن عمرو به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٦٠٥).","vol":"3","page":491},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا عمرو بن مجمع، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: \"إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر (^١)، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار\" (^٢)، تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني لأعرف أول من سيّب السوائب، وأول من غيّر دين إبراهيم ﵇\" قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: \"عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار، تؤذي رائحته أهل النار، وإني لأعرف أول من بحّر البحائر\" قالوا: ومن هو يا رسول الله؟ قالوا: \"رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدَع آذانهما، وحزم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما بعد ذلك، فلقد رأيته في النار وهما يعضانه بأفواههما، ويطآنه بأخفافهما\" (^٣).\nعمرو هذا هو: ابن لحي بن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جُرْهم وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا. . .﴾ [الأنعام: ١٣٦] إلى آخر الآيات في ذلك.\nفأما البحيرة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكرًا ذبحوه، فأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جدعوا آذانها، فقالوا: هذه بحيرة (^٤).\nوذكر السدي وغيره قريبًا من هذا (^٥).\nوأما السائبة فقال مجاهد: هي من الغنم نحو ما فسر من البحيرة إلا أنها ما ولدت من ولد كان بينها وبينه ستة أولاد، كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكرًا أو ذكرين ذبحوه، فأكله رجالهم دون نسائهم (^٦).\nوقال محمد بن إسحاق: السائبة هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر، سيبت فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يحلب لبنها إلا لضيف (^٧).\nوقال أبو روق: السائبة كان الرجل إذا خرج فقضيت حاجته، سيّب من ماله ناقة أو غيرها،\n_________\n(^١) أبو خزاعة عمرو بن عامر هو عمرو بن لحي نفسه (فتح الباري ٦/ ٥٤٩).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه صحيح لغيره ثم ساقوا شواهده من الصحيحين وغيرهما (المسند ٧/ ٢٩٢ - ٢٩٣ ح ٤٢٥٨).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل ولبعضه شواهد تقدمت.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن إسحاق.","vol":"3","page":492},{"text":"فجعلها للطواغيت، فما ولدت من شيء كان لها (^١).\nوقال السدي: كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته، أو عوفي من مرض، أو كثر ماله، سيّب شيئًا من ماله للأوثان، فمن عرض له من الناس عوقب بعقوبة في الدنيا (^٢).\nوأما الوصيلة، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى السابع، فإن كان ذكرًا أو أنثَى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكرًا وأنثى في بطن واحد استحيوهما وقالوا: وصلته أخته فحرمته علينا، رواه ابن أبي حاتم (^٣).\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾، قال: فالوصيلة من الإبل كانت الناقة تبتكر بالأنثى، ثم ثنت بأنثى فسموها الوصيلة، ويقولون: وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم (^٤)، وكذا روي عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى.\nوقال محمد بن إسحاق: الوصيلة من الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن، توأمين توأمين في كل بطن سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى جعلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميتة اشتركوا فيها (^٥).\nوأما الحامي: فقال العوفي عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا لقح فحله عشرًا قيل: حام فاتركوه، وكذا قال أبو روق وقتادة (^٦).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وأما الحام فالفحل من الإبل إذا ولد لولده قالوا: حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه شيئًا ولا يجزون له وبرًا، ولا يمنعونه من حمى رعي، ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه (^٧).\nوقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: أما الحام فمن الإبل، كان يضرب في الإبل فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس [وسيّبوه] (^٨) (^٩)، وقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية.\nوقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن إسحاق.\n(^٦) قول العوفي أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وسنده ضعيف ويتقوى بلاحقه، وقول أبي روق أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق بشر بن عمارة، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٨) كذا في (مح) وفي الأصل صُحفت إلى: \"سيبويه\".\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به.","vol":"3","page":493},{"text":"الأحوص الجشمي، عن أبيه مالك بن [نضلة] (^١)، قال: أتيت النبي ﷺ في خلقان من الثياب، فقال لي: \"هل لك من مال؟ \" فقلت: نعم. قال: \"من أي المال؟ \" قال: فقلت: من كل المال: من الإبل، والغنم، والخيل، والرقيق، قال: \"فماذا آتاك الله مالًا فكثر عليك\"، ثم قال: \"تنتج إبلك وافية آذانها؟ \" قال: قلت: نعم، وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟ قال: \"فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها وتقول: هذه بحيرة، تشق آذان طائفة منها وتقول: هذه حُرُم\" قلت: نعم. قال: \"فلا تفعل إن كل ما آتاك الله لك حِلّ\"، ثم قال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾.\nأما البحيرة، فهي التي يجدعون آذانها فلا تنتفع امرأته ولا بناته ولا أحد من أهل بيته بصوفها ولا أوبارها ولا أشعارها ولا ألبانها، فإذا ماتت اشتركوا فيها.\nوأما السائبة، فهي التي يسيبون لآلهتهم ويذهبون إلى آلهتهم فيسيبونها.\nوأما الوصيلة، فالشاة تلد ستة أبطن، فإذا ولدت السابع جدعت وقطع قرنها، فيقولون: قد وصلت فلا يذبحونها، ولا تضرب ولا تمنع مهما وردت على حوض (^٢). هكذا يذكر تفسير ذلك مدرجًا في الحديث.\nوقد روي وجه آخر عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عوف بن مالك، من قوله: وهو أشبه، وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزعراء، عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن أبيه به وليس فيه تفسير هذه، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: ما شرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركين افتروا ذلك وجعلوه شرعًا لهم، وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل لهم بل هو وبال عليهم.\n\n<span id=\"aya-773\"></span>﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي: إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه، وترك ما حرمه، قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أي: لا يفهمون حقًّا ولا يعرفونه ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونهم والحالة هذه، لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلًا.\n\n<span id=\"aya-774\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم، ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبرًا لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريبًا منه أو بعيدًا.\n_________\n(^١) كذا في (مح) وتفسير ابن أبي حاتم وفي الأصل صُحفت إلى: \"فضلة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مقطعًا، وأخرجه الإمام أحمد من طريق شعبة عن أبي إسحاق به بدون قوله: ثم قال ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] إلخ (المسند ٢٥/ ٢٢٦ ح ٥٨٩١)، وأخرجه الطبراني (المعجم الصغير ح ٤٨٩)، قال الهيثمي: رجال الطبراني رجال الصحيح.","vol":"3","page":494},{"text":"قال العوفي، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية يقول تعالى: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال، ونهيته عنه من الحرام، فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به (^١)، كذا روى الوالبي عنه، وهكذا قال مقاتل بن حيان (^٢).\nفقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ نصب على الإغراء، ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فيجازي كل عامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وليس فيها دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كان فعل ذلك ممكنًا.\nوقد قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زهير - يعني: ابن معاوية -، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس قال: قام أبو بكر الصديق ﵁، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه، يوشك الله ﷿ أن يعمهم بعقابه\". قال: سمعت أبا بكر يقول: يا أيها الناس إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب للإيمان (^٣). وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن أبي خالد به، متصلًا مرفوعًا، ومنهم من رواه عنه به موقوفًا على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره، وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولًا في مسند الصديق ﵁ (^٤).\nوقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا عتبة بن أبي حكيم، حدثنا عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أُمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: \"بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أيامًا، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون كعملكم\" قال عبد الله بن المبارك: وزاد غير عتبة، قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: \"بل أجر خمسين منكم\"، ثم قال الترمذي: هذا حديث\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق العوفي به، وسنده ضعيف ويتقوى بالرواية اللاحقة.\n(^٢) قول الوالبي وهو علي بن أبي طلحة أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت عنه عن ابن عباس، وقول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٩٧ ح ١٦)، وصحح سنده محققوه، وأحمد شاكر وأخرجه سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد به (التفسير ٤/ ١٦٣٦ ح ٨٤٠) قال الحافظ ابن حجر: وهذا أصح الأسانيد عن أبي بكر ﵁. (النكت ١/ ٢٥٦).\n(^٤) سنن أبي داود، الملاحم، باب الأمر والنهي (ح ١٣٣٨)، وسنن الترمذي الفتن، باب ما جاء في نزول العذاب. . . (ح ٢١٦٨)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ١١١٥٧)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب الأمر بالمعروف. . . (ح ٤٠٠٥)، وصحيح ابن حبان (ح ٣٠٤)، والعلل للدارقطني ١/ ٢٥٣.","vol":"3","page":495},{"text":"حسن غريب صحيح (^١)، وكذا رواه أبو داود من طريق ابن المبارك، ورواه ابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم عن عتبة بن أبي حكيم (^٢).\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الجسن أن ابن مسعود ﵁، سأله رجل عن قول الله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فقال: إن هذا ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانها، تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا، أو قال: فلا يقبل منكم، فحينئذٍ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل (^٣).\nورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية، عن ابن مسعود في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ الآية، قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف، وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن الله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. قال: فسمعها ابن مسعود، فقال: مه لم يجئ تأويل هذه بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه أَي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله ﷺ ومنه أَي قد وقع تأويلهن بعد النبي ﷺ بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعًا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، وعند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية (^٤)، ورواه ابن جرير.\nوقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا الربيع بن صَبيح، عن سفيان بن عقال قال: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام، فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول الله ﷺ قال: \"ألا فليبلغ الشاهد الغائب\" فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم (^٥).\n_________\n(^١) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة (ح ٣٠٥٨).\n(^٢) سنن أبي داود، الملاحم، باب الأمر والنهي (ح ٤٣٤١)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ. . .﴾ (ح ٤٠١٤)، وتفسير الطبري وابن أبي حاتم، وفي سنده عتبة بن أبي حكيم: وهو صدوق يخطيء كثيرًا (التقريب ص ٣٨٠)، وأخرجه الحاكم من طريق عتبة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٢٢)، وقال الألباني: إسناده ضعيف ولبعضه شواهد (مشكاة المصابيح ح ٥١٤٤).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده منقطع لأن الحسن لم يسمع من ابن مسعود، ولكن تابعه أبو العالية في الرواية التالية فيقوي أحدهما الآخر وإن لم يسمع أبو العالية من ابن مسعود.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن سعيد بن سابق عن أبي جعفر الرازي به، وسنده ضعيف للانقطاع بين ابن مسعود وأبي العالية ويتقوى بسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الربيع بن صَبيح: وهو صدوق سيء الحفظ (التقريب ص ٢٠٦)، ويشهد له ما تقدم.","vol":"3","page":496},{"text":"وقال أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم، قالا: حدثنا عوف، عن سوار بن شبيب قال: كنت عند ابن عمر إذ أتاه رجل جليد العين شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، نفر ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك، فقال رجل من القوم: وأي دناءة تريد أكثر من أن يشهد بعضهم بالشرك؟ فقال رجل؛ إني لست إياك أسأل، إنما أسأل الشيخ، فأعاد على عبد الله الحديث فقال عبد الله: لعلك ترى - لا أبا لك - أني سآمرك أن تذهب فتقتلهم، عظهم وانههم، وإن عصوك فعليك بنفسك، فإن الله ﷿ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية (^١).\nوقال أيضًا: حدثني أحمد بن المقدام، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا قتادة عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم من المسلمين جلوس، فقرأ أحدهم هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم (^٢).\nوقال: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا ابن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله ﷺ، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؟ فأقبلوا عليّ بلسان واحد، وقالوا: تنزع آية من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها؟ فتمنيت أني لم أكن تكلمت، وأقبلوا يتحدثون فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حدث السن، وإنك نزعت آية ولا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوىً متبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال: تلا الحسن هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال الحسن: الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جنبه منافق يكره عمله (^٤).\nوقال سعيد بن المسيب: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فلا يضرك من ضل إذا اهتديت (^٥)، رواه ابن جرير. وكذا روي من طريق سفيان الثوري، عن أبي العميس، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سوّار بن شبيب مسكوت عنه سكت عنه ابن أبي حاتم الجرح ٢/ ٢٧٠) والبخاري (التاريخ الكبير ٢/ ١٦٨)، وانفرد بتوثيقه ابن حبان في الثقات.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أبو مازن مسكوت عنه أيضًا كما في الجرح (٩/ ٤٤٤)، فإنه اقتصر على قوله: كان من صلحاء الأزد، ويشهد له ما تقدم عن ابن مسعود.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين وهو ابن داود المُلقّب بسُنيد وهو ضعيف. ويشهد له أيضًا ما تقدم عن ابن مسعود.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ويشهد له حديث أبي بكر ﵁ المتقدم في بداية هذه الآية.","vol":"3","page":497},{"text":"البختري، عن حذيفة مثله (^١). وكذا قال غير واحد من السلف.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد الدمشقي، حدثنا الوليد، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن كعب في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: إذا هدمت كنيسة دمشق فجعلت مسجدًا، وظهر لبس العُصُب، فحينئذٍ تأويل هذه الآية (^٢).\n\n<span id=\"aya-775\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾.\nاشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز قيل إنه منسوخ، رواه العوفي عن ابن عباس (^٣).\nوقال حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم: إنها منسوخة (^٤).\nوقال آخرون: وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير، بل هو محكم، ومن ادعى نسخه فعليه البيان، فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هذا هو الخبر لقوله ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ فقيل: تقديره شهادة اثنين حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان. وقوله تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين. وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، قاله الجمهور.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ قال: من المسلمين، رواه ابن أبي حاتم (^٥).\nثم قال: وروي عن عبيدة وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم نحو ذلك (^٦).\nقال ابن جرير: وقال آخرون غير ذلك ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: من أهل الموصي، وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة (^٧) وعدة غيرهما.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان ضعيف، وأبو البختري لم يسمع من حذيفة، ويشهد له حديث أبي بكر ﵁.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده ابن لهيعة ويشهد له أيضًا قول ابن مسعود.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق العوفي به، وسنده ضعيف.\n(^٤) وهو قول مرجوح كما قرر الطبري بأن الآية محكمة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، ومعظم هذه الأقوال أخرجها الطبري والبيهقي (السنن الكبرى ١٠/ ١٦٤ - ١٦٥)، بأسانيد ثابتة.\n(^٧) ذكرهما الطبري تعليقًا.","vol":"3","page":498},{"text":"وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن عون، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: من غير المسلمين؛ يعني: أهل الكتاب (^١)، ثم قال: وروي عن عبيدة وشريح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ويحيى بن يعمر وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة وأبي مجلز والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم (^٢). نحو ذلك.\nوعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله منكم، أن المراد من قبيلة الموصي يكون المراد ههنا ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير قبيلة الموصي.\nوروى ابن أبي حاتم مثله عن الحسن البصري والزهري رحمهما الله (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية، كما صرح بذلك شريح القاضي.\nقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهود والنصارى إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في الوصية، ثم رواه عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال شريح فذكر مثله (^٤).\nوقد روي نحوه عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وهذه المسألة من أفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا: لا يجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين، وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضًا.\nوقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو داود، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال: مضت السنة أنه لا تجوز شهادة الكافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين (^٥).\nوقال ابن زيد (^٦): نزلت هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، وكان الناس يتوارثون بالوصية ثم نسخت الوصية، وفرضت الفرائض وعمل الناس بها، رواه ابن جرير (^٧)، وفي هذا نظر، والله أعلم. وقال ابن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) ذكرهم جميعًا ابن أبي حاتم بحذف السند، ومعظم رواياتهم أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن بلفظ: من غير قومكم: مسلمان.\n(^٤) أخرجه الطبري بطريقيه ومتنه، والطريق الأول سنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده صالح بن أبي الأخضر ضعيف (التقريب ص ٢٧١).\n(^٦) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وفي تفسير الطبري: زيد بن أسلم، ولكن قبله رواية عن ابن زيد وليست بهذا المتن، فهذا المتن لزيد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الله بن غياث عن زيد لكنه مرسل.","vol":"3","page":499},{"text":"جرير: اختلف في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل المراد به أن يوصي إليهما أو يشهدهما؟ على قولين:\n(أحدهما): أن يوصي إليهما، [كما قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: سئل ابن مسعود ﵁ عن هذه الآية. قال] (^١): هذا رجل سافر ومعه مال، فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، رواه ابن أبي حاتم وفيه انقطاع (^٢).\n(والقول الثاني): أنهما يكونان شاهدين، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة فإن لم يكن وصي ثالث معهما، اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة، كما في قصة تميم الداري وعدي بن بداء، كما سيأتي ذكرهما آنفًا إن شاء الله وبه التوفيق.\nوقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدين قال: لأنا لا نعلم حكمًا يحلف فيه الشاهد، وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، وهو حكم مستقل بنفسه لا يلزم أن يكون جاريًا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاص، بشهادة خاصة، في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرينة الريبة، حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة.\nوقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ قال العوفي: قال ابن عباس: يعني صلاة العصر، وكذا قال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وعكرمة ومحمد بن سيرين (^٣).\nوقال الزهري: يعني صلاة المسلمين (^٤). وقال السدي، عن ابن عباس: يعني صلاة أهل دينهما (^٥). وروى عبد الرزاق، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عَبيدة (^٦). وكذا قال إبراهيم وقتادة وغير واحد.\nوالمقصود أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: فيحلفان بالله ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: إن ظهرت لكم منهما ريبة أنهما خانا أو غلا، فيحلفان حينئذٍ بالله ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي: بأيماننا، قاله مقاتل بن حيان (^٧): ﴿ثَمَنًا﴾ أي: لا نعتاض عنه\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (مح) وتفسير الطبري.\n(^٢) الانقطاع بين يزيد وابن مسعود، وكذلك ابن إسحاق لم يصرح بالسماع من يزيد.\n(^٣) قول العوفي لم أجده ولكن قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري وابن حزم (المحلى ١٠/ ٥٩١) بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر بن إياس، عن سعيد. وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مغيرة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وأخرجه أيضًا الطبري بأسانيد صحيحة عن عامر الشعبي. وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم بسند صحيح عن عَبيدة السلماني.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما بسند حسن من طريق الليث، عن عقيل، عن الزهري، وعقيل هذا هو ابن خالد الأيلي: ثقة (التهذيب ٧/ ٢٥٥).\n(^٥) أخرجه الطبري عن السدي به وسنده منقطع لأن السدي لم يسمع من ابن عباس.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.","vol":"3","page":500},{"text":"بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: ولو كان المشهود عليه قريبًا لنا لا نحابيه ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أضافها إلى الله تشريفًا لها وتعظيمًا لأمرها، وقرأ بعضهم ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ مجرورًا على القسم رواها ابن جرير، عن عامر الشعبي (^١). وحكي عن بعضهم أنه قرأها ﴿ولا نكتم شهادةَ الله﴾ والقراءة الأولى هي المشهورة (^٢) ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: إن فعلنا شيئًا من ذلك من تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتمها بالكلية.\n\n<span id=\"aya-776\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: فإن اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين أنهما خانا أو غلَّا شيئًا من المال الموصى به إليهما، وظهر عليهما بذلك ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ هذه قراءة الجمهور وروي عن علي وابي والحسن البصرى أنهم قرؤوها ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلِيَانِ﴾ (^٣).\nوروى الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن محمد الفروي، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قرأ ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (^٤). وقرأ بعضهم ومنهم ابن عباس ﴿من الذين استحق عليهم الأولين﴾ (^٥). وقرأ الحسن ﴿من الذين استحق عليهم الأولان﴾ حكاه ابن جرير (^٦)، فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك أي متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة، وليكونا من أولى من يرث ذلك المال ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: لقولنا أنهما خانا، أحق وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ أي: فيما قلنا فيهما من الخيانة.\n﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن كنا قد كذبنا عليهما، وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لوث في جانب القاتل، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم كما هو مقرر في باب القسامة من الأحكام.\nوقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن [أبي النضر] (^٧)، عن باذان - يعني أبا صالح مولى أُم هانئ بنت أبي طالب -، عن ابن عباس، عن تميم الداري في هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: برئ الناس منها غيري وغير\n_________\n(^١) وقد أخرجه الطبري من طريق أبي عبيد القاسم بن سلام وذكر تتمته الموضحة عن أبي عبيد فقال: ينوّن شهادةً ويخفض [لفظ الجلالة] (اللهِ) على الاتصال. اهـ. وهذه القراءة شاذة.\n(^٢) وهذا النص تتمة لما سبق من تفسير الطبري، ويقصد بالقراءة الأولى: القراءة التي نقرأ بها \"ولا نكتم شهادة الله\" وما سواها شاذ. وقد رجح هذه القراءة المتواترة وقال لأنها القراءة المستفيضة. . .\n(^٣) وهاتان قراءتان متواترتان \"بضم التاء وفتحها\".\n(^٤) أي بالرفع \"الأوليان\" ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٣٧).\n(^٥) وكلا القراءتين متواترة بالرفع ﴿الأَوْلَيَانُ﴾ وبالنصب ﴿الأَوْلَيَانَ﴾.\n(^٦) ذكره الطبري معلقًا والقراءة شاذة.\n(^٧) كذا في (مح) وتفسير ابن أبي حاتم وهو محمد بن السائب الكلبي كما قرر الحافظ ابن كثير وفي الأصل: \"النضر\".","vol":"3","page":501},{"text":"عَدي بن بدّاء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بُديل بن أبي مريم بتجارة، معه جام من فضة يريد به الملك، وهو أعظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، واقتسمناه أنا وعدي، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام، فسألونا عنه، قلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة، تأثمت من ذلك، فأتيت أهله، فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا عليه، فأمرهم النبي أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم، فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عَدي بن بدّاء (^١).\nوهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به، فذكره، وعنده: فأتوا به رسول الله ﷺ فسألهم البينة، فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عَدي بن بدّاء، ثم قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث، هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يكنى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي يكنى أبا النضر، ثم قال: ولا نعرف لأبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ (^٢)، وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه، حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعَدي بن بَدّاء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جامًا من فضة مخوّصًا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجد الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعَدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، وكذا رواه أبو داود عن الحسن بن علي، عن يحيى بن آدم به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة (^٣)، وأحمد بن أبي القاسم الكوفي، قيل: إنه صالح الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده ضعيف كما قرر الترمذي. وأصل هذه القصة وردت في صحيح البخاري كما سيأتي.\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه. (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة ح ٣٠٥٩)، وأخرجه البخاري عن علي بن عبد الله عن يحيى بن آدم عن ابن أبي زائدة به (الصحيح، الوصايا، باب قول الله ﷿: ﴿﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦]).\n(^٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ح ٣٠٦٠)، وفي سنده سفيان بن وكيع: ضعيف وقد =","vol":"3","page":502},{"text":"وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين منهم عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة، وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر، رواه ابن جرير، وكذا ذكرها مرسلة مجاهد والحسن والضحاك (^١)، وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها، ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضًا ما رواه أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي أن رجلًا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه، قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري يعني أبا موسى الأشعري ﵁، فأخبراه، وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله ﷺ، قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا، ولا كذبا، ولا بدلا، ولا كتما، ولا غيرا، وأنها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما.\nثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي أن أبا موسى قضى بدقوقا، وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي، عن أبي موسى الأشعري (^٢)، فقوله: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله ﷺ الظاهر - والله أعلم - أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بَدّاء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري ﵁، كان سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرًا يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام، والله أعلم.\nوقال أسباط، عن السدي في الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ماله وما عليه، قال: هذا في الحضر ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ في السفر ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هذا الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا ما لصاحبهم، تركوهما، وإن ارتابوا، رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قال عبد الله بن عباس ﵁: كأني انظر إلى العلجين حتى انتهى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت وخوفوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين، أن صاحبهم بهذا أوصى، وأن هذه لتركته، فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا:\n_________\n= توبع فقد أخرجه البخاري عن علي بن عبد الله المديني، عن يحيى بن آدم به (الصحيح، كتاب الوصايا، باب قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ. . .﴾ [المائدة: ١٠٦] ح ٢٧٨٠)، وحسنه علي بن المديني كما نقله المزي في (تهذيب الكمال ١٨/ ٣١٢)، ولم يقف الحافظ ابن كثير على رواية البخاري لأنه حاول تخريجه من مصادر كثيرة وطرق غزيرة.\n(^١) وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا.\n(^٢) أخرجه الطبري بطريقيه ومتنه وسنده صحيح لكنه مرسل ويتقوى بما سبق.","vol":"3","page":503},{"text":"إنكما إن كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما، فإذا قال لهما ذلك فإن ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ رواه ابن (^١) جرير.\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، قالا: إذا حضر الرجل الوفاة في سفر فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإذا قدما بتركته فإن صدقهما الورثة قبل قولهما، وإن اتهموهما حلفا بعد صلاة العصر بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خنا ولا غيرنا (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد العصر: بالله ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلًا، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما قام رجلان من الأولياء فحلفا: بالله أن شهادة الكافرين باطلة وأنا لم نعتد، فذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يقول من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، وأنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء. وهكذا روى العوفي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير (^٣)، وهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف ﵃، وهو مذهب الإمام أحمد ﵀.\n\n<span id=\"aya-777\"></span>وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضي من تحليف الشاهدين الذميين، واستريب بهما أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي. وقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: يكون الحامل لهم على الإتيان بها على وجهها هو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس إن ردت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم، ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: وأطيعوا، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعته ومتابعة شرعه (^٤).\n\n<span id=\"aya-778\"></span>﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾.\nهذا إخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة عما أجيبوا به من أممهم الذين أرسلهم إليهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر]، وقول الرسل: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾، قال مجاهد والحسن البصري والسدي: إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف للانقطاع بين السدي وابن عباس فإنه لم يسمع من ابن عباس ويشهد لمعظمه سوابقه من الصحيح وغيره.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف ومرسل ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٣) أخرجه الطبري من الطريقين بمتنه، ورواية ابن أبي طلحة تقوي رواية العوفي.\n(^٤) كذا في الأصل وفي (مح): شريعته.\n(^٥) قول مجاهد سيأتي في تفسير عبد الرزاق، وقول الحسن أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق شيخ مبهم =","vol":"3","page":504},{"text":"قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ فيفزعون فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ (^١)، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عنبسة قال: سمعت شيخًا يقول: سمعت الحسن يقول في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ الآية، قال: من هول ذلك اليوم (^٢).\nوقال أسباط، عن السدي: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ ذلك أنهم نزلوا منزلًا ذهلت فيه العقول فلما سئلوا قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ ثم نزلوا منزلًا آخر، فشهدوا على قومهم (^٣)، رواه ابن جرير.\nثم قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي: ماذا عملوا بعدكم وماذا أحدثوا بعدكم؟ قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ يقولون للرب ﷿: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا (^٥)، رواه ابن جرير، ثم اختاره على هذه الأقوال الثلاثة، ولا شك أنه قول حسن، وهو من باب التأدب مع الرب ﷻ؛ أي: لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، فنحن وإن كنا أجبنا وعرفنا من أجابنا، ولكن منهم من كنا إنما نطلع على ظاهره لا علم لنا بباطنه، وأنت العليم بكل شيء، المطلع على كل شيء، فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم، فإنك ﴿أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.\n\n<span id=\"aya-779\"></span>﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾.\nيذكر تعالى ما امتنّ به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇ مما أجراه على يديه من المعجزات الباهرات وخوارق العادات، فقال: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أي: في خلقي إياك من أم بلا ذكر، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء، ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ حيث جعلتك لها برهانًا على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة، ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل ﵇، وجعلتك نبيًا داعيًا إلى الله في صغرك وكبرك، فانطقتك في\n_________\n= عن الحسن، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لابهام تلميذ الحسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف لضعف الحسين وهو ابن داود.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"3","page":505},{"text":"المهد صغيرًا، فشهدت ببراءة أُمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي، ولهذا قال: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي: تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك وضُمِّن (تكلم) تدعو، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب.\nوقوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: الخط والفهم ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾ وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم، وقد يرد لفظ التوراة في الحديث، ويراد به ما هو أعم من ذلك.\nوقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ أي: تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك، فتكون طيرًا بإذني أي فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك فتكون طيرًا ذا روح تطير بإذن الله وخلقه.\nوقوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ قد تقدم الكلام عليه في سورة آل عمران (^١) بما أغنى عن إعادته.\nوقوله: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ أي: تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته وإرادته ومشيئته.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا محمد بن طلحة - يعني ابن مصرف -، عن أبي بشر، عن أبي الهذيل، قال: كان عيسى ابن مريم ﵇ إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين، يقرأ في الأولى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، وفي الثانية: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١، ٢]، فإذا فرغ منهما مدح الله وأثنى عليه، ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديم، يا خفي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد، وكان إذا أصابته شديدة دعا بسبعة أخر: يا حي، يا قيوم، يا الله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإكرام، يا نور السموات والأرض وما بينهما، ورب العرش العظيم، يا رب (^٢).\nوهذا أثر عجيب جدًّا.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوتك ورسالتك من الله إليهم، فكذبوك واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك وصلبك فنجيتك منهم، ورفعتك إلي، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم، وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا، أو يكون هذا الامتنان واقعًا يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة، وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها نبيه محمدًا ﷺ.\n\n<span id=\"aya-780\"></span>وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ وهذا أيضًا من الامتنان عليه، ﵇، بأن جعل له أصحابًا وأنصارًا، ثم قيل: إن المراد بهذا الوحي وحي إلهام، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية [القصص: ٧]، وهو وحي إلهام بلا خلاف، وكما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ\n_________\n(^١) الآية (٤٩).\n(^٢) هذه الرواية من الإسرائيليات الغريبة لأن نزول سورتي الملك والسجدة بعد حياة عيسى.","vol":"3","page":506},{"text":"الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ الآية [النحل: ٦٨، ٦٩]، وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ أي: ألهموا ذلك، فامتثلوا ما ألهموا.\nقال الحسن البصري: ألهمهم الله ﷿ ذلك (^١).\nوقال السدي: قذف في قلوبهم ذلك (^٢)، ويحتمل أن يكون المراد وإذ أوحيت إليهم بواسطتك فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا: آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ.\n\n<span id=\"aya-781\"></span>﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾.\nهذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة، فيقال سورة المائدة، وهي مما امتنّ الله به على عبده ورسوله عيسى لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزل الله آية باهرة وحجة قاطعة، وقد ذكر بعض الأئمة أن قصتها ليست مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم، فقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ وهم أتباع عيسى ﵇ ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هذه قراءة كثيرين، وقرأ آخرون: ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ أي: هل تستطيع (^٣) أن تسأل ربك ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ والمائدة هي الخوان عليه الطعام، وذكر بعضهم: أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم، فسألوه أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها ويتقوون بها على العبادة ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: فأجابهم المسيح ﵇ قائلًا لهم: اتقوا الله ولا تسألوا هذا فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين،\n\n<span id=\"aya-782\"></span>﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أي: نحن محتاجون إلى الأكل منها، ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ إذا شاهدنا نزولها رزقًا لنا من السماء، ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي: ونزداد إيمانًا بك وعلمًا برسالتك ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: ونشهد أنها الآية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به.\n\n<span id=\"aya-783\"></span>﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾.\nقال السدي: أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدًا نعظمه نحن ومن بعدنا (^٤)، وقال سفيان الثوري: يعني يومًا نصلي فيه (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) كلتا القراءتين متواترتان.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن الثوري.","vol":"3","page":507},{"text":"وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم (^١).\nوعن سلمان الفارسي: عظة لنا ولمن بعدنا (^٢). وقيل: كافية لأولنا وآخرنا ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي: دليلًا تنصبه على قدرتك على الأشياء وعلى إجابتك لدعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك، ﴿وَارْزُقْنَا﴾ أي: من عندك رزقًا هنيئًا بلا كلفة ولا تعب ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾\n\n<span id=\"aya-784\"></span>﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ أي: فمن كذب بها من أمتك يا عيسى وعاندها، ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ أي: من عالمي زمانكم، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].\nوقد روى ابن جرير من طريق عوف الأعرابي، عن أبي المغيرة القواس، عن عبد الله بن عمرو قال: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-110>ذكر أخبار رويت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين</span>\nقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم: حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس أنه كان يحدث عن عيسى أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير، قلت لنا: إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يومًا ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يومًا إلا أطعمنا حين نفرغ طعامًا، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؛ قال عيسى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ قال: فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم (^٤)، كذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: كان ابن عباس يحدث، فذكر نحوه (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زرعة وهبة الله بن راشد، حدثنا عقيل بن خالد أن ابن شهاب أخبره عن ابن عباس أن عيسى ابن مريم قالوا له:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه إبراهيم بن عمر الصنعاني ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح ٢/ ١١٤).\n(^٣) أخرجه الطبري من طرق ثلاث عن عوف به، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين وحجاج وكلاهما فيهما مقال، وكلاهما توبع كما سيأتي في رواية ابن أبي حاتم فيكون السند حسنًا لغيره، والرواية من الإسرائيليات المسكوت عنها.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده بنحوه، وسنده صحيح.","vol":"3","page":508},{"text":"ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها، عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر، عن النبي ﷺ قال: نزلت المائدة من السماء عليها خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازبر (^٢)، وكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن قزعة، ثم رواه ابن جرير عن ابن بشار، عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار قال: نزلت المائدة وعليها ثمر من ثمار الجنة، فأمروا أن لا يخونوا ولا يخبأوا ولا يدخروا، قال: فخان القوم وخبأوا وادخروا، فمسخهم الله قردة وخنازير (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن سماك بن حرب، عن رجل من بني عجل، قال: صليت إلى جانب عمار بن ياسر، فلما فرغ قال: هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال: قلت: لا. قال: إنهم سألوا عيسى ابن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد، قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخبأوا أو تخونوا أو ترفعوا، فإن فعلتم فإني معذبكم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين. قال: فما مضى يومهم حتى خبأوا ورفعوا وخانوا، فعذبوا عذابًا لم يعذبه أحد من العالمين. وإنكم يا معشر العرب كنتم تتبعون أذناب الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولًا من أنفسكم تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم أنكم ستظهرون على العجم، ونهاكم أن تكنزوا الذهب والفضة، وايم الله لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما ويعذبكم الله عذابًا أليمًا (^٤).\nوقال: حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن إسحاق بن عبد الله أن المائدة، نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة، وسبعة أحوات، يأكلون منها ما شاؤوا. قال: فسرق بعضهم منها وقال؛ لعلها لا تنزل غدًا، فرفعت (^٥).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: نزل على عيسى ابن مريم والحواريين خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا (^٦).\nوقال خصيف، عن عكرمة ومقسم، عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة وأرغفة (^٧).\nوقال مجاهد: هو طعام كان ينزل عليهم حيث نزلوا (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن والرواية من الإسرائيليات كسابقتها.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لعدم تصريح قتادة بالسماع، لأنه مدلس من الطبقة الثالثة الذين لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بالسماع. والرواية من الإسرائيليات.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وعلته كسابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ سماك، والرواية من الإسرائيليات.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين وهو ابن داود: ضعيف ويتقوى برواية ابن عباس السابقة.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق العوفي به، وسنده ضعيف ويتقوى كسابقه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن راشد عن خصيف به، وسنده حسن.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"3","page":509},{"text":"وقال أبو عبد الرحمن السلمي: نزلت المائدة خبزًا وسمكًا (^١).\nوقال عطية العوفي: المائدة سمك فيه طعم كل شيء (^٢).\nوقال وهب بن منبه: أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاؤوا من ضروب شتى، فكان يقعد عليها أربعة آلاف، وإذا أكلوا أنزل الله مكان ذلك لمثلهم، فلبثوا على ذلك ما شاء الله ﷿ (^٣). وقال وهب بن منبه: نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات، وحشا الله بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ثم يجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون، حتى أكل جميعهم وأفضلوا (^٤).\nوقال الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير: أنزل عليها كل شيء إلا اللحم (^٥).\nوقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، وميسرة، وجرير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليها الأيدي بكل طعام إلا اللحم (^٦) وعن عكرمة: كان خبز المائدة من الأرز، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن علي فيما كتب إلي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبو عبد الله عبد القدوس بن إبراهيم بن أبي عبيد الله بن مرداس العبدري مولى بني عبد الدار، عن إبراهيم بن عمر، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الخير، أنه قال: لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة، كره ذلك جدًّا، فقال: اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها، فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ الآية، فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها، قام فألقى عنه الصوف، ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر، وعباءة من شعر، ثم توضأ واغتسل، ودخل مصلاه فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته، قام قائمًا مستقبل القبلة، وصفّ قدميه حتى استويا، فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغضّ بصره، وطأطأ رأسه خشوعًا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلَّت الأرض حيال وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال: ﴿مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فأنزل الله عليهم سفرة حمراء بين غمامتين: غمامة فوقها، وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضّة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفًا من أجل الشروط التي أخذها الله عليهم فيها، أنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين، وهو يدعو الله في مكانه ويقول: اللهم اجعلها رحمة لهم، ولا تجعلها عذابًا، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبد الرحمن السلمي.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريقين يقوي أحدهما الآخر عن عطية.\n(^٣) (^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، ووهب مشهور بروايته للإسرائيليات.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق قيس بن الربيع عن الأعمش به، وسنده حسن.\n(^٦) أخرجه الطبري من الطريقين ويقوي أحدهما الآخر.","vol":"3","page":510},{"text":"لك شاكرين، اللهم إني أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضبًا ورجزًا، إلهي اجعلها سلامة وعافية، ولا تجعلها فتنة ومثلة. فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى والحواريين وأصحابه حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخرّ عيسى والحواريون لله سجدًا شكرًا له لما رزقهم من حيث لم يحتسبوا، وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة، وأقبلت اليهود ينظرون، فرأوا أمرًا عجيبًا أورثهم كمدًا وغمًا، ثم انصرفوا بغيظ شديد، وأقبل عيسى والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليها منديل مغطى فقال عيسى: من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة، وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاء عند ربه. فليكشف عن هذه الآية حتى نراها، ونحمد ربنا، ونذكر باسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا؟ فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته، أنت أولانا بذلك، وأحقنا بالكشف عنها، فقام عيسى ﵇ واستأنف وضوءًا جديدًا، ثم دخل مصلاه، فصلى كذلك ركعات، ثم بكى بكاء طويلًا، ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقًا، ثم انصرف وجلس إلى السفرة وتناول المنديل، وقال: بسم الله خير الرازقين، وكشف عن السفرة، فإذا هو عليها بسمكة ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير، ليس في جوفها شوك، يسيل السمن منها سيلًا، قد نُضِّدَ بها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر خمس رمانات، فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا، أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية؟ فقال له شمعون: لا وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالًا يا ابن الصديقة، فقال عيسى ﵇: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الجنة، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة، فقال له: كن فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم باسم الله واحمدوا عليه ربكم، يمدكم منه ويزدكم، فإنه بديع قادر شاكر، فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنا نحب أن يرينا الله آية في هذه الآية، فقال عيسى: سبحان الله أما اكتفيتم بما رأيتم من هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى؟ ثم أقبل عيسى ﵇ على السمكة، فقال: يا سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت، فأحياها الله بقدرته، فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية، تلمظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها، لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها، ففزع القوم منها وانحازوا، فلما رأى عيسى منهم ذلك قال: ما لكم تسألون الآية فإذا أراكموها ربكم كرهتموها؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون، يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت، فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول، فقالوا: يا عيسى كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها ثم نحن بعد، فقال عيسى: معاذ الله من ذلك، يبدأ بالأكل من طلبها، فلما رأى الحواريون وأصحابه امتناع عيسى منها، خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها مثلة، فتحاموها، فلما رأى ذلك عيسى منهم دعا لها الفقراء والزمنى (^١) وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واحمدوا الله\n_________\n(^١) أي: المرضى.","vol":"3","page":511},{"text":"الذي أنزلها لكم فيكون مهنؤها لكم وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله واختموه بحمد الله، ففعلوا فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ، ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ نزلت من السماء لم ينقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، وبرئ كل زمن أكل منها، فلم يزالوا أغنياء أصحاء حتى خرجوا من الدنيا، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات، قال: وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبل بنو إسرائيل إليها يسعون من كل مكان يزاحم بعضهم بعضًا، الأغنياء والفقراء، والصغار والكبار، والأصحاء والمرضى، يركب بعضهم بعضًا، فلما رأى ذلك جعلها نوبًا بينهم تنزل يومًا ولا تنزل يومًا، فلبثوا على ذلك أربعين يومًا تنزل عليهم غبًا عند ارتفاع الضحىَ، فلا تزال موضوعة يؤكل منها حتى إذا قاموا، ارتفعت عنهم إلى جو السماء بإذن الله، وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى تتوارى عنهم. قال: فأوحى الله إلى نبيه عيسى ﵇: أن اجعل رزقي في المائدة للفقراء واليتامى، والزمنى دون الأغنياء من الناس، وغمطوا ذلك حتى شكّوا فيها في أنفسهم، وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته وقذف وسواسه في قلوب الربانيين حتى قالوا لعيسى: أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء أحق، فإنه قد ارتاب بها منا بشر كثير؟ فقال عيسى ﵇: هلكتم وإله المسيح، طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم، فلما أن فعل وأنزلها عليكم رحمة لكم ورزقًا، وأراكم فيها الآيات والعبر، كذبتم بها، وشككتم فيها، فأبشروا بالعذاب فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله، فأوحى الله إلى عيسى: إني آخذ المكذبين بشرطي فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين. قال: فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل، مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات (^١).\nهذا أثر غريب جدًّا، قطعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم وأكمل، والله ﷾ أعلم. وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل أيام عيسى ابن مريم، إجابة من الله لدعوته، كما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ هو الآية.\nوقد قال قائلون: إنها لم تنزل، فروى ليث بن أبي سليم عن مجاهد في قوله: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾، قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء (^٢)، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nثم قال ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا القاسم هو ابن سلام، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: مائدة عليها طعام أَبَوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأَبَوا أن تنزل عليهم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده مقطعًا، وفي سنده إبراهيم بن عمر الصنعاني سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح ٢/ ١١٤)، وعبد القدوس العبدري سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٦/ ٥٦).\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد. وعليه فإن هاتين الروايتين=","vol":"3","page":512},{"text":"وقال أيضًا: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن أنه قال في المائدة: إنها لم تنزل (^١).\nوحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول لما قيل لهم ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل (^٢).\nوهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا يعرفه النصارى، وليسس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما توفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودًا في كتابهم متواترًا، ولا أقل من الآحاد، والله أعلم.\nولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، قال: لأن الله تعالى أخبر بنزولها في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: ووعد الله ووعيده حق وصدق، وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم.\nوقد ذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير نائب بني أمية في فتوح بلاد المغرب، وجد المائدة هنالك مرصعة بالّلآلئ وأنواع الجواهر، فبعث بها إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق، فمات وهي في الطريق، فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده، فرآها الناس فتعجبوا منها كثيرًا لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر اليتيمة، ويقال: إن هذه المائدة كانت لسليمان بن داود ﵇، فالله أعلم.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن [عمران أبي الحكم] (^٣) عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي ﷺ: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. قال: \"وتفعلون؟ \" قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: \"بل باب التوبة والرحمة\" (^٤) ثم رواه أحمد وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من حديث سفيان الثوري به (^٥).\n_________\n= عن مجاهد مخالفتان الرواية الصحيحة المتقدمة من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بأن المائدة نزلت.\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) كذا في المسند، وفي النسخ الخطية: عمران بن الحكم وهو تصحيف وقد وقع هذا في رواية من روايتي المسند كما يلي:\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع التصحيف المذكور، (المسند ٤/ ٦٠ ح) وصححه محققوه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع التصحيف المذكور (المسند ٥/ ٢٨٤ ح ٣٢٢٣) وصححه محققوه.\nوأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٤).","vol":"3","page":513},{"text":"<span id=\"aya-785\"></span>\n\n<span id=\"aya-786\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾.\nهذا أيضًا مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇ قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد، هكذا قاله قتادة وغيره، واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] (^١).\nوقال السدي: هذا الخطاب والجواب في الدنيا (^٢)، وصوبه ابن جرير قال: وكان ذلك حين رفعه إلى سماء الدنيا واحتج ابن جرير على ذلك [لعلتين:\n(أحدهما)] (^٣): أن الكلام بلفظ المضي.\n(والثاني): قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ و﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (^٤).\nوهذان الدليلان فيهما نظر، لأن كثيرًا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي ليدل على الوقوع والثبوت. ومعنى قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية، التبري منهم، ورد المشيئة فيهم إلى الله، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه كما في نظائر ذلك من الآيات، والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر، والله أعلم، أن ذلك كائن يوم القيامة ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.\nوقد روي بذلك حديث مرفوع، رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله مولى عمر بن عبد العزيز، وكان ثقة، قال: سمعت أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز، عن أبيه أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان يوم القيامة، دُعي بالأنبياء وأممهم، ثم يُدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقرّ بها، فيقول: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ الآية [المائدة: ١١٠] ثم يقول: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فينكر أن يكون قال ذلك، فيُؤتى بالنصارى فيُسألون فيقولون: نعم هو أمرنا بذلك. قال: فيطول شعر عيسى ﵇\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.\n(^٣) كذا في (مح) وفي تفسير الطبري، وفي الأصل: \"بمعنيين\" أحدهما.\n(^٤) هذا الذي نقله الحافظ ابن كثير عن الإمام الطبري مختصر شديد ونصه كما يلي: وأن الخبرَ خبرٌ عما مضى لعلتين إحداهما: أن \"إذ\" إنما تصاحب في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها الماضي من الفعل، وإن كانت قد تُدخلها أحيانًا في موضع الخبر عما يَحدُثُ إذا عرف السامعون معناها. . . والأخرى: أن عيسى لم يُشكك هو ولا أحد من الأنبياء أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه، فيجوز أن يتوهم على عيسى أن يقول في الآخرة مجيبًا لربه تعالى، إن تعذب من اتخذني وأُمي إلهين من دونك فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم. (التفسير ٩/ ١٣٥) ط د. التركي.","vol":"3","page":514},{"text":"فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده، فيجاثيهم بين يدي الله ﷿ مقدار ألف عام حتى ترفع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار\" (^١). وهذا الحديث غريب عزيز.\nقال (^٢) ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن أبي هريرة قال: يُلَقّى عيسى حجته، ولِقَّاه الله تعالى في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ: فلقاه الله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ. . .﴾ إلى آخر الآية (^٣). وقد رواه الثوري عن معمر، عن ابن طاوس، عن طاوس بنحوه (^٤).\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ أي: إن كان صدر مني هذا فقد علمته يا رب، فإنه لا يخفى عليك شيء، فما قلته ولا أردته في نفسي ولا أضمرته، ولهذا قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ بإبلاغه ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي: ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي هذا هو الذي قلت لهم. وقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي: كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.\nقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة قال: انطلقت أنا وسفيان الثوري إلى المغيرة بن النعمان، فأملى على سفيان وأنا معه، فلما قام انتسخت من سفيان فحدثنا قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: \"يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله ﷿ حفاة، عراة، غرلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم\" (^٥) ورواه البخاري عند هذه الآية عن أبي الوليد، عن شعبة، وعن محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، كلاهما عن المغيرة بن النعمان به (^٦).\n_________\n(^١) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٩/ ٥٤)، واستغربه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) كذا في الأصل: و(مح)، ومنهج الحافظ أن يقول: قوله تعالى.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الترمذي من طريق ابن أبي عمر العدني به وقال: حسن صحيح. (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة ح ٣٠٦٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٥٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الفريابي عن الثوري به، وسنده صحيح لكنه مرسل.\n(^٥) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢٦٣٨) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] (ح ٤٦٢٥).","vol":"3","page":515},{"text":"<span id=\"aya-787\"></span>وقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله ﷿، فإنه الفعال لما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى رسوله، وجعلوا لله ندًا وصاحبة وولدًا، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وهذه الآية لها شأن عظيم، ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث: أن النبي ﷺ قام بها ليلة حتى الصباح يرددها (^١).\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثني فليت العامري، [عن جسرة العامرية] (^٢)، عن أبي ذر ﵁، قال: صلى النبي ﷺ ذات ليلة، فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ فلما أصبح، قلت: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية، حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: \"إني سألت ربي ﷿ الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئًا\" (^٣).\n(طريق أخرى وسياق آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، حدثنا قدامة بن عبد الله، حدثتني جسرة بنت دجاجة أنها انطلقت معتمرة، فانتهت إلى الربَذة (^٤)، فسمعت أبا ذر يقول: قام رسول الله ﷺ ليلة من الليالي في صلاة العشاء، فصلى بالقوم، ثم تخلف أصحاب له يصلون، فلما رأى قيامهم وتخلفهم، انصرف إلى رحله، فلما رأى القوم قد أخلوا المكان، رجع إلى مكانه يصلي، فجئت فقمت خلفه، فأومأ إليّ بيمينه، فقمت عن يمينه، ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه، فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله، فقمنا ثلاثتنا. يصلي كل واحد منا بنفسه، ونتلو من القرآن ما شاء الله أن نتلو، وقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة، فلما أصبحنا أومأت إلى عبد الله بن مسعود، أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة، فقال ابن مسعود بيده: لا أسأله عن شيء، حتى يحدث إليّ، فقلت: بأبي وأمي، قمت بآية من القرآن ومعك القرآن! لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه، قال: \"دعوت لأمتي\"، قلت: فماذا أجبت أو ماذا رد عليك؟ قال: \"أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة\" قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: \"بلى\" فانطلقت مُعنقًا (^٤)، قريبًا من قذفة بحجر، فقال عمر: يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناس بهذا نكلوا عن العبادات، فناداه أن \"ارجع\" فرجع، وتلك الآية ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص،\n_________\n(^١) وهو حديث حسن كما سيأتي.\n(^٢) كذا في (مح) ومسند أحمد وسقط من الأصل.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه (المسند ٣٥/ ٢٥٦، ٢٥٧ ح ٢١٣٢٨)، وأخرجه ابن ماجه (السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل ح ١٣٥٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢٤١)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١١١٠) وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة.\n(^٤) مُعنقا: قال السندي: اسم فاعل من الإعناق. . . والاسم منه العَنَق، وهو نوع من السير سريع.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه (المسند ٣٥/ ٣٩٠ ح ٢١٤٩٥).","vol":"3","page":516},{"text":"أن النبي ﷺ تلا قول عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ فرفع يديه، فقال: \"اللهم أمتي\" وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسأله ما يبكيه، فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن قال: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا ابن هبيرة، أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: حدثني سعيد بن المسيب، سمعت حذيفة بن اليمان يقول: غاب عنا رسول الله ﷺ يومًا، فلم يخرج حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نفسه قد قبضت فيها، فلما رفع رأسه قال: \"إن ربي ﷿ استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت أي رب، هم خلقك وعبادك، فاستشارني الثانية فقلت له كذلك، فقال لي: لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفًا ليس عليهم حساب. ثم أرسل إليّ فقال: ادع تجب وسل تعط، فقلت لرسوله: أَوَ معطيّ ربي سؤلي؟ فقال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأنا أمشي حيًا صحيحًا، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر، وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرًا، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحلّ لنا كثيرًا مما شدّد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-788\"></span>﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾.\nيقول تعالى مجيبًا لعبده ورسوله عيسى ابن مريم ﷺ، فيما أنهاه إليه من التبري من النصارى الملحدين الكاذبين على الله وعلي رسوله، ومن ردّ المشيئة فيهم إلى ربه ﷿، فعند ذلك يقول تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.\nقال الضحاك: عن ابن عباس يقول: يوم ينفع الموحدين توحيدهم (^٣).\n﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: ماكثين فيها لا يحولون ولا يزولون، رضي الله عنهم ورضوا عنه كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] وسيأتي ما يتعلق بتلك الآية من الحديث.\nوروى ابن أبي حاتم ها هنا حديثًا عن أنس فقال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا المحاربي عن ليث، عن عثمان - يعني ابن عمير - أخبرنا اليقظان، عن أنس مرفوعًا، قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم بسنده نحوه (الصحيح، الإيمان، باب دعاء النبي ﷺ لأمته. . . ح ٢٠٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٣٦١ - ٣٦٢ ح ٢٣٣٣٦)، وضعفه محققوه بسبب ابن لهيعة، وذكروا لبعضه شواهد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف منقطع لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.","vol":"3","page":517},{"text":"رسول الله ﷺ فيه \"ثم يتجلى لهم الرب ﷻ\"، فيقول: سلوني سلوني أعطكم - قال: - فيسألونه الرضا فيقول: رضاي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي فسلوني أعطكم، فيسألونه الرضا - قال: - فيشهدهم أنه قد رضي عنهم ﷾ (^١).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي هذا الفوز الكبير الذي لا أعظم منه، كما قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ [الصافات] وكما قال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]\n\n<span id=\"aya-789\"></span>وقوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ أي: هو الخالق للأشياء، المالك لها، المتصرف فيها، القادر عليها، فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته، وفي مشيئته، فلا نظير له، ولا وزير، ولا عديل، ولا والد، ولا ولد، ولا صاحبة، ولا إله غيره، ولا رب سواه.\nقال ابن وهب: سمعت حُيي بن عبد الله يحدث عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو. قال آخر سورة أنزلت سورة المائدة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عثمان بن عمير كما في التقريب.\n(^٢) تقدم تخريجه في أول هذه السورة الكريمة.","vol":"3","page":518},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>سُورَةُ الأَنْعَام وهي مكية</span>\nقال (^١) العوفي وعكرمة وعطاء، عن ابن عباس، أُنزلت سورة الأنعام بمكة (^٢).\nوقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلًا جملة واحدة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح (^٣).\nوقال سفيان الثوري، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: نزلت سورة الأنعام على النبي ﷺ[جملة، وأنا آخذة بزمام ناقة النبي ﷺ، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة (^٤).\nوقال شريك: عن ليث، عن شهر، عن أسماء قالت: نزلت سورة الأنعام على رسول الله ﷺ] (^٥) وهو في مسير في زجل من الملائكة، وقد طبقوا ما بين السماء والأرض (^٦).\nوقال السدي، عن مرة، عن عبد الله، قال: نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفًا من الملائكة (^٧).\nوروي نحوه من وجه آخر، عن ابن مسعود.\nوقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل، قالا: حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي، أخبرنا جعفر بن عون، حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: لما نزلت سورة الأنعام، سبح رسول الله ﷺ ثم قال: \"لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق\" ثم قال: صحيح على شرط مسلم (^٨).\n_________\n(^١) ورد في الحاشية دعاء للناسخ، ونصه كما يلي: اللهم كما يسرت لنا التشرف بكتابة سورة الأنعام في العشر الأخير من رمضان سنة ١١٨٣، أنعم علينا بالعفو والعافية بالتوفيق لإتمام باقيه وصلى الله على سيدنا محمد وسلم.\n(^٢) هذا أمر متفق عليه فإن سورة الأنعام مكية بالإجماع واتفق على ذلك المصنفون في المكي والمدني كالزهري وأبي عبيد والحارث المحاسبي وابن الضريس وابن الأنباري والنحاس وابن عبد الكافي وأبي عمرو الداني والبيهقي (ينظر المكي والمدني في القرآن الكريم ١/ ٢٨٥).\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ٢١٥) وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف وله شواهد لاحقة.\n(^٤) أخرجه الطبراني من طريق قبيصة عن الثوري به (المعجم الكبير ٢٤/ ١٧٨)، وفي سنده ليث بن أبي سليم وشهر بن حوشب وكلاهما فيه مقال.\n(^٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح) و(عش).\n(^٦) وسنده كسابقه لكن له شواهد.\n(^٧) سنده حسن.\n(^٨) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: وأظن هذا موضوعًا (المستدرك ٢/ ٢١٤).","vol":"3","page":519},{"text":"وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن درستويه الفارسي، حدثنا أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عمر بن طلحة الرقاشي، عن نافع بن مالك أبي سهيل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة، سد ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح، والأرض بهم ترتج\" ورسول الله يقول: \"سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم\" (^١).\nثم روى ابن مردويه، عن الطبراني، عن إبراهيم بن نائلة، عن إسماعيل بن عمر، عن يوسف بن عطية، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفًا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-790\"></span>﷽\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾.\nيقول الله تعالى مادحًا نفسه الكريمة وحامدًا لها على خلقه السموات والأرض قرارًا لعباده.\nوجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمع لفظ الظلمات، ووحد لفظ النور، لكونه أشرف، كقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] وكما قال في آخر هذه السورة ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا له شريكًا وعدلًا، واتخذوا له صاحبة وولدًا، تعالى الله ﷿ عن ذلك علوًا كبيرًا.\n\n<span id=\"aya-791\"></span>وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ يعني: أباهم آدم، الذي هم أصلهم، ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب! وقوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعني: الموت ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يعني: الآخرة (^٣)، وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، والحسن وقتادة والضحاك، وزيد بن أسلم وعطية والسدي، ومقاتل بن حيان وغيرهم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني من طريق أحمد بن محمد بن السالمي به (المعجم الأوسط ح ٦٤٤٧)، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي سهيل نافع بن مالك إلا عمر بن طلحة، ولا عن عمر بن طلحة إلا ابن أبي فديك تفرد به أحمد بن محمد السالمي. وقال الهيثمي محمد بن عبد الله بن عرس عن أحمد بن محمد بن أبي بكر السالمي لم أعرفهما (مجمع الزوائد ٧/ ٢٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني عن إبراهيم بن ناثلة به (المعجم الصغير ١/ ٨)، قال الهيثمي: فيه يوسف بن عطية الصفار وهو ضعيف (المجمع ٧/ ٢٠).\n(^٣) أخرجه الطبري والحاكم من طريق سعيد بن جبير به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٥).\n(^٤) بعض هذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة كقول مجاهد وقتادة والحسن.","vol":"3","page":520},{"text":"وقول الحسن في رواية عنه: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ وهو ما بين أن يخلق إلى أن يموت ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ وهو ما بين أن يموت إلى أن يبعث (^١)، هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسان وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها، ثم انتهائها وانقضائها وزوالها،! وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة، وعن ابن عباس ومجاهد، ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعني: مدة الدنيا (^٢)، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يعني: عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ الآية [الأنعام: ٦٠].\nوقال عطية، عن ابن عباس ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعني: النوم، يقبض فيه الروح، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يعني: أجل موت الإنسان (^٣)، وهذا قول غريب.\nومعنى قوله: ﴿عِنْدَهُ﴾ أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وكقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ [النازعات].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ قال السدي وغيره: يعني: تشكون في أمر الساعة (^٤).\n\n<span id=\"aya-792\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول القائلين - تعالى عن قولهم علوَا كبيرًا -، بأنه في كل مكان، حيث حملوا الآية على ذلك، فالأصح من الأقوال:\nأنه المدعو الله في السموات وفي الأرض؛ أي: يعبده ويوحده ويقرّ له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله ويدعونه رغبًا ورهبًا، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أي: هو إله من في السماء، وإله من في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ خبرًا أو حالًا.\n(والقول الثاني): أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، من سر وجهر، فيكون قوله يعلم، متعلقًا بقوله ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ تقديره، وهو الله يعلم سركم وجهركم، في السموات وفي الأرض، ويعلم ما تكسبون.\n(والقول الثالث): أن قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وقف تام، ثم استأنف الخبر، فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ وهذا اختيار ابن جرير، وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ أي: جميع أعمالكم خيرها وشرها.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق أبي بكر الهذلي عن الحسن، وسنده ضعيف جدًّا بسبب أبي بكر الهذلي وهو متروك (التقريب ص ٦٢٥)\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عطية العوفي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي نحوه.","vol":"3","page":521},{"text":"<span id=\"aya-793\"></span>﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين المكذبين المعاندين، أنهم مهما أتتهم من آية أي دلالة ومعجزة وحجة من الدلالات، على وحدانية الله وصدق رسله الكرام، فإنهم يعرضون عنها، فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها،\n\n<span id=\"aya-794\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾ وهذا تهديد لهم، ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بدّ أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وليجدنّ غبه وليذوقنّ وباله،\n\n<span id=\"aya-795\"></span>ثم قال تعالى واعظًا لهم ومحذرًا لهم، أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم، من القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوة، وأكثر جمعًا وأكثر أموالًا وأولادًا واستغلالًا للأرض، وعمارة لها، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ أي: من الأموال والأولاد والأعمار، والجاه العريض والسعة والجنود، ولهذا قال: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ أي: شيئًا بعد شيء.\n﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ أي: أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض؛ أي: استدراجًا وإملاء لهم ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بخطاياهم، وسيئاتهم التي اجترحوها ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أي: فذهب الأولون كأمس الذاهب، وجعلناهم أحاديث، ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أي: جيلًا آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم، فأهلكوا كإهلاكهم، فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب، ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه وإحسانه.\n\n<span id=\"aya-796\"></span>﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق، ومباهتتهم ومنازعتهم فيه، ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي: عاينوه ورأوا نزوله، وباشروا ذلك، ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وهذا كما قال تعالى مخبرًا عن مكابرتهم للمحسوسات ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ [الحجر] وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ [الطور]،\n\n<span id=\"aya-797\"></span>﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: ليكون معه نذيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ أي: لو نزلت الملائكة على ما هم عليه، لجاءهم من الله العذاب، كما قال الله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ","vol":"3","page":522},{"text":"إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ [الحجر]. ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الآية [الفرقان: ٢٢]\n\n<span id=\"aya-798\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ هو أي: ولو أنزلنا مع الرسول البشري ملكًا؛ أي: لو بعثنا إلى البشر رسولًا ملكيًا، لكان على هيئة الرجل ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر، كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [الإسراء] فمن رحمته تعالى بخلقه، أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلًا منهم، ليدعو بعضهم بعضًا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض، في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤].\nقال الضحاك، عن ابن عباس في الآية يقول: لو أتاهم ملك، ما أتاهم إلا في صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور (^١)، ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون.\nوقال الوالبي، عنه: ولشبهنا عليهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-799\"></span>وقوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ هذه تسلية للنبي ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة، في الدنيا والآخرة،\n\n<span id=\"aya-800\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ أي: فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية، الذين كذبوا رسله، وعاندوهم، من العذاب والنكال والعقوبة في الدنيا، مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم، في الآخرة، وكيف نجى رسله وعباده المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-801\"></span>﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾.\nيخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهما، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة، كما ثبت في الصحيحين، من طريق الأعمش: عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ: \"إن الله لما خلق الخلق، كتب كتابًا عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الضحاك به، وسنده منقطع لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به.\n(^٣) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، (ح ٧٤٠٤)، وصحيح مسلم، التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى (ح ٢٧٥).","vol":"3","page":523},{"text":"وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧] هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة، ليجمعن عباده ﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] وهو يوم القيامة الذي لا ريب فيه؛ أي: لا شك فيه عند عباده المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون، فهم في ريبهم يترددون.\nوقال ابن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عقبة، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محصن بن عقبة اليماني، عن الزبير بن شبيب، عن عثمان بن حاضر، عن ابن عباس، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء؟ قال: \"والذي نفسي بيده إن فيه لماء، إن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء، ويبعث الله تعالى سبعين ألف ملك، في أيديهم عصي من نار، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء\" (^١)، هذا حديث غريب.\nوفي الترمذي: \"إن لكل نبي حوضًا، وأرجو أن أكون أكثرهم واردًا\" (^٢).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم،\n\n<span id=\"aya-802\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: كل دابة في السموات والأرض الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، لا إله إلا هو، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم.\n\n<span id=\"aya-803\"></span>\n\n<span id=\"aya-804\"></span>ثم قال تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ، الذي بعثه بالتوحيد العظيم وبالشرع القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى صراط الله المستقيم: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ [الزمر] والمعنى: لا أتخذ وليًا إلا الله وحده لا شريك له، فإنه فاطر السموات والأرض؛ أي: خالقهما ومبدعهما، على غير مثال سبق ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي: وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات]، وقرأ بعضهم ههنا ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يَطْعَمُ﴾ (^٣) أي: لا يأكل.\nوفي حديث سهيل بن أبي صالح: عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: دعا رجل من الأنصار، من أهل قباء النبي ﷺ على طعام، فانطلقنا معه، فلما طعم النبي ﷺ وغسل يديه، قال: \"الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، ومنّ علينا فهدانا وأطعمنا، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وكل بلاء حسن أبلانا الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافأ ولا مكفور، ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وهدانا من\n_________\n(^١) حكم عليه الحافظ بأنه غريب.\n(^٢) أخرجه الترمذي من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعًا ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا، ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح (السنن، صفة القيامة، باب ما جاء في صفة الحوض ح ٢٤٤٣)، وقال الألباني بمجموع طرقه حسن صحيح، (السلسلة الصحيحة ح ١٥٨٩).\n(^٣) وهي قراءة شاذة.","vol":"3","page":524},{"text":"الضلال، وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلًا، الحمد لله رب العالمين\" (^١).\n﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ أي: من هذه الأمة ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ يعني: يوم القيامة\n\n<span id=\"aya-805\"></span>﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أي: العذاب ﴿يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ يعني: ﵀ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ كقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] والفوز حصول الربح، ونفي الخسارة.\n\n<span id=\"aya-806\"></span>\n\n<span id=\"aya-807\"></span>﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا: أنه مالك الضر والنفع، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا رادّ لقضائه، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ كقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].\nوفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد\" (^٢).\nولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي: وهو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه، وعظمته وعلوه، وقدرته على الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت قهره وحكمه، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ أي: في جميع أفعاله ﴿الْخَبِيرُ﴾ بمواضع الأشياء ومحالها، فلا يعطي إلا من يستحق، ولا يمنع إلا من يستحق.\n\n<span id=\"aya-808\"></span>ثم قال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ أي: من أعظم الأشياء شهادة ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: هو العالم بما جئتكم به، وما أنتم قائلون لي، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: وهو نذير لكل من بلغه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧].\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وجميع وأبو أسامة، وأبو خالد، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، في قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي ﷺ، زاد أبو خالد وكلمه (^٣)، ورواه ابن جرير من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب،\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" من السنن الكبرى (ح ١٠١٣٣)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥٤٦).\n(^٢) صحيح البخاري، الأذان، باب الذكر بعد الصلاة (ح ٨٤٤)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (ح ٥٩٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف، وقد تابعه أبو معشر في رواية الطبري ومعناه صحيح.","vol":"3","page":525},{"text":"قال: من بلغه القرآن، فقد أبلغه محمد ﷺ (^١).\nوقال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ إن رسول الله ﷺ قال: \"بلغوا عن الله فمن بلغته آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله\" (^٢).\nوقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله ﷺ، أن يدعو كالذي دعا رسول الله ﷺ، وأن ينذر بالذي أنذر (^٣).\nوقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ أيها المشركون ﴿أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ كقوله: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-809\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن أهل الكتاب: أنهم يعرفون هذا الذي جئتهم به، كما يعرفون أبناءهم بما عندهم من الأخبار والأنباء، عن المرسلين المتقدمين والأنبياء، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد ﷺ ونعته وصفته، وبلده ومهاجره وصفة أمته، ولهذا قال بعده: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: خسروا كل الخسارة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء ونوهت به في قديم الزمان وحديثه\n\n<span id=\"aya-810\"></span>ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي: لا أظلم ممن تقوّل على الله، فادعى أن الله أرسله، ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن كذب] (^٤) بآيات الله، وحججه وبراهينه ودلالاته، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: لا يفلح هذا ولا هذا، لا المفتري ولا المكذب.\n\n<span id=\"aya-811\"></span>﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يوم القيامة، فيسألهم عن الأصنام والأنداد، التي كانوا يعبدونها من دونه، قائلًا لهم ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كقوله تعالى في سورة القصص ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤)﴾ [القصص].\n\n<span id=\"aya-812\"></span>وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: حجتهم وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس أي معذرتهم (^٥)، وكذا قال قتادة (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق أبي معشر به، ومعناه صحيح.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازى عن الربيع.\n(^٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح) و(عش).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن عطاء به، وعطاء لم يسمع من ابن عباس.\n(^٦) أخرجه عبد بن حميد عن يونس عن شيبان عن قتادة (فتح الباري ٨/ ٢٨٧) وسنده صحيح.","vol":"3","page":526},{"text":"وقال ابن جريج، عن ابن عباس: أي: قيلهم (^١) وكذا قال الضحاك (^٢).\nوقال عطاء الخراساني: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ بليتهم حين ابتلوا (^٣) ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وقال ابن جرير: والصواب ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم، اعتذارًا عما سلف منهم من الشرك بالله، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن مطرف، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: يا ابن عباس، سمعت الله يقول: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قال: أما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة، إلا أهل الصلاة، فقالوا: تعالوا فلنجحد فيجحدون، فيختم الله على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثًا، فهل في قلبك الآن شيء؟ إنه ليس من القرآن إلا ونزل فيه شيء ولكن لا تعلمون وجهه (^٤).\n\n<span id=\"aya-813\"></span>وقال الضحاك، عن ابن عباس: هذه في المنافقين (^٥)، وفيه نظر، فإن هذه الآية مكية، والمنافقون إنما كانوا بالمدينة، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ [المجادلة: ١٨]، وهكذا قال في حق هؤلاء ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ كما قال: [ثُمَّ] (^٦) ﴿قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ [غافر].\n\n<span id=\"aya-814\"></span>وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ أي: يجيئون ليستمعوا قراءتك، ولا تجزي عنهم شيئًا لأن الله ﴿جعل على قلوبهم أكنة﴾ أي: أغطية، لئلا يفقهوا القرآن ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي: صممًا عن السماع النافع لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة] وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ أي: مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات والبراهين، لا يؤمنوا بها فلا فهم عندهم ولا إنصاف، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال].\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ أي: يحاجوك ويناظرونك، في الحق بالباطل، ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ما هذا الذي جئت به، إلا مأخوذًا من كتب الأوائل، ومنقولًا عنهم،\n\n<span id=\"aya-815\"></span>وقوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ في معنى ينهون عنه قولان:\n(أحدهما): أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق وتصديق الرسول والانقياد للقرآن،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس، وسنده منقطع لأن عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، وعثمان ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.\n(^٦) زيادة من (مح) و(حم).","vol":"3","page":527},{"text":"﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: ويبعدون هم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين، لا ينتفعون ولا يدعون أحدًا ينتفع.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ يردون الناس عن محمد ﷺ، أن يؤمنوا به (^١).\nوقال محمد بن الحنفية: كان كفار قريش لا يأتون النبي ﷺ وينهون عنه (^٢)، وكذا قال قتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد (^٣)، وهذا القول أظهر، والله أعلم، وهو اختيار ابن جرير.\n(والقول الثاني): رواه سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس يقول في قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى الناس عن النبي ﷺ أن يؤذى (^٤)، وكذا قال القاسم بن مخيمرة (^٥)، وحبيب بن أبي ثابت، وعطاء بن دينار، وغيره، أنها نزلت في أبي طالب (^٦).\nوقال [سعيد بن أبي هلال] (^٧): نزلت في عمومة النبي ﷺ وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس معه في العلانية، وأشد الناس عليه في السر (^٨)، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال محمد بن كعب القرظي: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: ينهون الناس عن قتله (^٩).\nوقوله: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: يتباعدون منه ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: وما يهلكون بهذا الصنيع، ولا يعود وباله إلا عليهم، وهم لا يشعرون.\n\n<span id=\"aya-816\"></span>﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾.\nيذكر تعالى حال الكفار، إذا وقفوا يوم القيامة على النار، وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك، قالوا: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم، وسنده مرسل.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لإبهام شيخ حبيب، ويتقوى بالمراسيل التالية.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن القاسم لكنه مرسل ويتقوى بالمرسل التالي.\n(^٦) قول عطاء بن دينار أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي أيوب عنه، لكنه مرسل.\n(^٧) كذا في (مح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"سعيد بن جبير أبي هلال\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن سعيد بن أبي هلال وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال ولم يصرح بالسماع، والرواية مرسلة.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي معشر السندي عن محمد بن كعب وسنده ضعيف لضعف السندي ويتقوى بالآثار السابقة.","vol":"3","page":528},{"text":"بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا، ليعملوا عملًا صالحًا، ولا يكذبوا بآيات ربهم، ويكونوا من المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بل ظهر لهم حينئذٍ ما كانوا يخفون في] (^١) أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة، كما قال قبله بيسير ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٣، ٢٤] ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم، من صدق ما جاءتهم به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه، كقوله مخبرًا عن موسى، أنه قال لفرعون ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقوله تعالى مخبرًا عن فرعون وقومه ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].\nويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين، الذين كانوا يظهرون الإيمان للناس ويبطنون الكفر، ويكون هذا إخبارًا عما يكون يوم القيامة، من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة [مكية] (^٢)، وهي العنكبوت، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ [العنكبوت] وعلى هذا فيكون إخبارًا عن قول المنافقين في الدار الآخرة، حين يعاينون العذاب، فظهر لهم حينئذٍ غبُّ ما كانوا يبطنون من الكفر والنفاق والشقاق، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-817\"></span>وأما معنى الإضراب، في قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ فإنهم ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة في الإيمان، بل خوفًا من العذاب الذي عاينوه، جزاء على ما كانوا عليه من الكفر، فسألوا الرجعة إلى الدنيا، ليتخلصوا مما شاهدوا من النار، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: في طلبهم الرجعة، رغبة ومحبة في الإيمان، ثم قال مخبرًا عنهم أنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، من الكفر والمخالفة.\n﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: في قولهم ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾،\n\n<span id=\"aya-818\"></span>﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ أي: لعادوا لما نهوا عنه، ولقالوا: أي: ما هي إلا هذه الحياة الدنيا ثم لا معاد بعدها، ولهذا قال: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾\n\n<span id=\"aya-819\"></span>ثم قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ أي: أوقفوا بين يديه قال: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾؟ أي: أليس هذا المعاد بحق، وليس بباطل كما كنتم تظنون، ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: بما كنتم تكذبون به، فذوقوا اليوم مسه ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)﴾ [الطور].\n\n<span id=\"aya-820\"></span>﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن خسارة من كذب بلقائه، وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة، وعن ندامته على ما فرط من العمل، وما أسلف من قبيح الفعل، ولهذا قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح) و(عش).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل بياض.","vol":"3","page":529},{"text":"يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ وهذا الضمير يحتمل عوده على الحياة، وعلى الأعمال وعلى الدار الآخرة؛ أي: في أمرها، وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ أي: يحملون، وقال قتادة يعملون (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد - الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن [عمرو] (^٢) بن قيس، عن أبي مرزوق، قال: يستقبل الكافر أو الفاجر عند خروجه من قبره، كأقبح صورة رآها وأنتنه ريحًا، فيقول من أنت؛ فيقول: أوَ مَا تعرفني، فيقول: لا والله، إلا أن الله قبّح وجهك، وأنتَنَ ريحك، فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا هلم أركبك، فهو قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ الآية (^٣).\nوقال أسباط، عن السدي أنه قال: ليس من رجل ظالم يدخل قبره، إلا جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الريح، وعليه ثياب دنسة، حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال: ما أقبح وجهك؟ قال: كذلك كان عملك قبيحًا، قال: ما أنتن ريحك؟ قال: كذلك كان عملك منتنًا، قال: ما أدنس ثيابك؟ قال: فيقول: إن عملك كان دنسًا، قال له: من أنت؟ قال: عملك، قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني، قال: فيركب على ظهره، فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-821\"></span>وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: إنما غالبها كذلك ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-822\"></span>﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾.\nيقول تعالى مسليًا لنبيه ﷺ، في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ أي: قد أحطنا علمًا بتكذيبهم لك، وحزنك وتأسفك عليهم، كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨] كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء] ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف] وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحفت إلى: \"معمر\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الإعضال وضعف أبي مرزوق كما في \"التقريب\" وهو لم يدرك أحدًا من الصحابة.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي وسنده حسن لكنه مرسل.","vol":"3","page":530},{"text":"أي: ولكنهم يعاندون الحق، ويدفعونه بصدورهم، كما قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي، قال: قال أبو جهل للنبي ﷺ: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ورواه الحاكم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة، حدثنا بشر بن المبشر الواسطي، عن سلام بن مسكين، عن أبي يزيد المدني، أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فصافحه، فقال له رجل: ألا أراك تصافح هذا الصابى؟ فقال: والله إني لأعلم إنه لنبي، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعًا؟ وتلا أبو يزيد ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (^٢).\nوقال أبو صالح وقتادة: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون (^٣).\nوذكر محمد بن إسحاق عن الزهري في قصة أبي جهل، حين جاء يستمع قراءة النبي ﷺ من الليل، هو وأبو سفيان صخر بن حرب، والأخنس بن شريق، ولا يشعر أحد منهم بالآخر، فاستمعوها إلى الصباح، فلما هجم الصبح تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال كل منهم للآخر: ما جاء بك؟ فذكر له ما جاء به، ثم تعاهدوا أن لا يعودوا لما يخافون من علم شباب قريش بهم، لئلا يفتتنوا بمجيئهم، فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم، ظنًا أن صاحبيه لا يجيئان، لما سبق من العهود، فلما أصبحوا جمعتهم الطريق، فتلاوموا ثم تعاهدوا أن لا يعودوا، فلما كانت الليلة الثالثة جاؤوا أيضًا، فلما أصبحوا تعاهدوا أن لا يعودوا لمثلها ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد، قال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه، قال: فقام عنه الأخنس وتركه (^٤).\nوروى ابن جرير من طريق أسباط عن السدي في قوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ لما كان يوم بدر، قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة إن محمدًا ابن أختكم فأنتم أحق من ذب عن ابن أخته، فإنه إن كان نبيًا لم\n_________\n(^١) وتعقبه الذهبي بأن ناجية لم يخرجا له شيئًا (المستدرك ٢/ ٣١٥)، ولا يضر لأن ناجية بن كعب: ثقة كما في \"التقريب\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٣) قول أبي صالح أخرجه الطبري بسند صحيح إلى أبي صالح لكنه مرسل لأن فيه: جاء جبريل إلى النبي ﷺ. . . وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وسنده صحيح.\n(^٤) سيرة ابن هشام (١/ ٢٠٧) وسنده مرسل، ويتقوى بلاحقه.","vol":"3","page":531},{"text":"تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذبًا كنتم أحق من كف عن ابن أخته، قفوا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غُلب محمد رجعتم سالمين، وإن غَلب محمد، فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئًا - فيومئذٍ سمي الأخنس وكان اسمه أُبيّ - فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا؟ فقال أبو جهل: ويحك والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ فآيات الله محمد ﷺ (^١).\n\n<span id=\"aya-823\"></span>وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ هذه تسلية للنبي ﷺ وتعزية له، فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد له بالنصر كما نصروا، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة، بعدما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر في الدنيا كما لهم النصر في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ أي: التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين، كما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة].\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من خبرهم، كيف نصروا وأيدوا على من كذبهم من قومهم، فلك فيهم أسوة وبهم قدوة.\n\n<span id=\"aya-824\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أي: إن كان شق عليك إعراضهم عنك ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: النفق السرب، فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لك سلمًا في السماء، فتصعد فيه فتأتيهم بآية، أفضل مما آتيتهم به فافعل (^٢).\nوكذا قال قتادة والسدي وغيرهما (^٣).\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ الآية [يونس: ٩٩].\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ قال: إن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول (^٤).\n\n<span id=\"aya-825\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إنما يستجيب لدعائك يا محمد من يسمع الكلام ويعيه ويفهمه، كقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ [يس: ٧٠].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن لكنه مرسل ويتقوى بسابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٣) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"3","page":532},{"text":"وقوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يعني: بذلك الكفار، لأنهم موتى القلوب، فشبههم الله بأموات الأجساد، فقال: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وهذا من باب التهكم بهم والازدراء عليهم.\n\n<span id=\"aya-826\"></span>﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين، أنهم كانوا يقولون لولا نزل عليه آية من ربه، أي خارق على مقتضى ما كانوا يريدون، ومما يتعنتون كما قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: هو تعالى قادر على ذلك، ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك، لأنه لو أنزل وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا، لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السالفة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩] وقال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾ [الشعراء: ٤].\n\n<span id=\"aya-827\"></span>وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ قال مجاهد: أي أصناف مصنفة تُعرف بأسمائها (^١).\nوقال قتادة: الطير أُمة، والإنس أُمة، والجن أُمة (^٢). وقال السدي: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: خلق أمثالكم (^٣).\nوقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: الجميع علمهم عند الله، ولا ينسى واحدًا من جميعها من رزقه وتدبير، سواء كان بريًا أو بحريًا، كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود] أي: مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ [العنكبوت].\nوقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد، حدثني محمد بن عيسى بن كيسان، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قلّ الجراد في سنة من سني عمر ﵁ التي ولي فيها، فسأل عنه فلم يخبر بشيء، فاغتمّ لذلك، فأرسل راكبًا إلى كذا، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل هل رؤي من الجراد شيء أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه، فلما رآها كبر\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"3","page":533},{"text":"ثلاثًا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"خلق الله ﷿ ألف أمة منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه\" (^١).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال: حشرها الموت (^٢)، وكذا رواه ابن جرير من طريق إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: موت البهائم حشرها، وكذا رواه العوفي عنه (^٣)، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والضحاك مثله (^٤).\n(والقول الثاني): إن حشرها هو يوم بعثها يوم القيامة، لقوله: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥] وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن منذر الثوري، عن أشياخ لهم، عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ رأى شاتين تنتطحان، فقال: \"يا أبا ذر هل تدري فيم تنتطحان؟ \" قال: لا، قال: \"لكن الله يدري وسيقضي بينهما\" (^٥) ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عمن ذكره، عن أبي ذر، قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ، إذ انتطحت عنزان، فقال رسول الله ﷺ: \"أتدرون فيم انتطحتا؟ \" قالوا: لا ندري، قال: \"لكن الله يدري وسيقضي بينهما\" رواه ابن جرير (^٦)، ثم رواه من طريق منذر الثوري، عن أبي ذر، فذكره، وزاد: قال أبو ذر: ولقد تركنا رسول الله ﷺ وما يقلب طائر جناحيه في السماء، إلا ذكر لنا منه علمًا.\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثني عباس بن محمد، وأبو يحيى البزار، قالا: حدثنا [حجاج بن نُصير] (^٧) حدثنا شعبة، عن العوام بن مُزاحم من بني قيس بن ثعلبة، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة\" (^٨).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، في قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذٍ، أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول كوني ترابًا، فلذلك يقول الكافر ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] (^٩) وقد روي هذا مرفوعًا في حديث الصور.\n_________\n(^١) ضعفه الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ١/ ٣٠)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري من الطريقين، وطريق عكرمة يقوي طريق العوفي.\n(^٤) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوهُ بالمتابعة (المسند ٣٥/ ٣٤٥ ح ٢١٤٣٨).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به.\n(^٧) كذا في المسند، وفي الأصل: و(مح) و(حم) و(عش): حجاج بن نصر، وحجاج بن نصير مترجم في \"التقريب\" وهو ضعيف.\n(^٨) أخرجه عبد الله في زوائده على المسند بسنده ومتنه، وقال محققوه: حسن لغيره (المسند ١/ ٥٤٢ ح ٥٢٠).\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"3","page":534},{"text":"<span id=\"aya-828\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: مثلهم في جهلهم، وقلة علمهم، وعدم فهمهم. كمثل أصم، وهو الذي لا يسمع، أبكم وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق، أو يخرج مما هو فيه، كقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة] وكما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور] ولهذا قال: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ أي: هو المتصرف في خلقه بما يشاء.\n\n<span id=\"aya-829\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾.\nيخبر تعالى أنه الفعّال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له، الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء، ولهذا قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ أي: أتاكم هذا أو هذا ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: لا تدعون غيره لعلمكم أَنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: في اتخاذكم آلهة معه\n\n<span id=\"aya-830\"></span>﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ أي: في وقت الضرورة، لا تدعون أحدًا سواه، وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم، كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].\n\n<span id=\"aya-831\"></span>وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ يعني: الفقر والضيق في العيش، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ وهي الأمراض والأسقام والآلام، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون،\n\n<span id=\"aya-832\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ أي: فهلا إذ ابتليناهم بذلك، تضرعوا إلينا وتمسكنوا لدينا، ولكن ﴿قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: ما رقت ولا خشعت ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من الشرك والمعاندة والمعاصي،\n\n<span id=\"aya-833\"></span>\n\n<span id=\"aya-834\"></span>﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: أعرضوا عنه وتناسوه، وجعلوه وراء ظهورهم، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذًا بالله من مكره، ولهذا قال: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ أي: من الأموال والأولاد والأرزاق، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: على غفلة، ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير.\nقال الوالبي عن ابن عباس: المبلس الآيس (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به.","vol":"3","page":535},{"text":"وقال الحسن البصري: من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به، فلا رأي له، ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له، فلا رأي له، ثم قرأ ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ قال: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا (^١)، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال قتادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قومًا قط، إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون (^٢)، رواه ابن أبي حاتم أيضًا.\nوقال مالك، عن الزهري: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: رخاء الدنيا ويسرها.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين - يعني: ابن سعد أبا الحجاج المهري -، عن حرملة بن عمران التُجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: \"إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج\" ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ (^٣) ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حرملة وابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر به (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عراك بن خالد بن يزيد، حدثني أبي، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"إذا أراد الله بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف، وإذا أراد الله بقوم اقتطاعًا، فتح لهم - أو فتح عليهم - باب خيانة\" (^٥).\n﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ كما قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾.\n\n<span id=\"aya-835\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾.\nيقول الله تعالى لرسوله ﷺ قل لهؤلاء المكذبين المعاندين: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ أي: سلبكم إياها كما أعطاكموها. فإنه ﴿هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]، ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن الحسن البصري.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٤٥)، وفي سنده رشدين بن سعد وهو ضعيف، وقد توبع في رواية الطبري فقد أخرجه عن أبي الصلت عن حرملة، وصححه الألباني كما يلي.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة وابن حرملة وقد توبع ابن لهيعة كما في الرواية السابقة في المسند وتفسير الطبري، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة ح ٤١٣).\n(^٥) سنده ضعيف للانقطاع بين ابن أبي عبلة وعبادة بن الصامت.","vol":"3","page":536},{"text":"الانتفاع الشرعي، ولهذا قال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ كما قال: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس: ٣١] وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] وقوله: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي: هل أحد غير الله يقدر على ردّ ذلك إليكم، إذا سلبه الله منكم لا يقدر على ذلك أحد سواه، ولهذا قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبينها ونوضحها ونفسرها، دالة على أنه لا إله إلا الله، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال، ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: ثم هم مع هذا البيان، يعرضون عن الحق، ويصدّون الناس عن اتباعه.\nقال العوفي، عن ابن عباس: يصدفون أي يعدلون (^١).\nوقال مجاهد وقتادة: يعرضون (^٢).\nوقال السدي: يصدّون (^٣)\n\n<span id=\"aya-836\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ أي: وأنتم لا تشعرون به، حتى بغتكم وفجأكم، ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ أي: ظاهرًا عيانًا، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: إنما كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله، وينجوا الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، كقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام]،\n\n<span id=\"aya-837\"></span>وقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: مبشرين عباد الله المؤمنين بالخيرات، ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ أي: فمن آمن قلبه بما جاؤوا به، وأصلح عمله باتباعه إياهم، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: بالنسبة لما يستقبلونه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها، الله وليهم فيما خلفوه، وحافظهم فيما تركوه،\n\n<span id=\"aya-838\"></span>ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾ أي: ينالهم العذاب، بما كفروا بما جاءت به الرسل، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته، وارتكبوا [من] (^٤) محارمه ومناهيه وانتهاك حرماته.\n\n<span id=\"aya-839\"></span>﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾.\nيقول الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ أي: لست أملكها ولا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ولم يخرجاه من طريق العوفي.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"3","page":537},{"text":"أتصرف فيها ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، إنما ذاك من علم الله ﷿، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه، ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر مني البشر، يوحى إليّ من الله ﷿، شرفني بذلك وأنعم عليّ به، ولهذا قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي: لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه.\n﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضلّ عنه فلم ينقد له، ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد]\n\n<span id=\"aya-840\"></span>وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] الذين ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١] ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أي: يومئذ ﴿مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: لا قريب لهم ولا شفيع فيهم، من عذابه إن أراده بهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ﷿، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فيعملون في هذه الدار، عملًا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه.\n\n<span id=\"aya-841\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك كقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف] وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: يعبدونه ويسألونه ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾.\nقال سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وقتادة: المراد به الصلاة المكتوبة (^١)، وهذا كقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] أي: أتقبل منكم. وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: يبتغون بذلك العمل وجه الله الكريم، وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات، وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ كما قال نوح ﵇ في [جواب] (^٢) الذين قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾ [الشعراء] أي: إنما حسابهم على الله ﷿، وليس عليّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء، وقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن فعلت هذا والحالة هذه.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط - هو: ابن محمد -، حدثني أشعث، عن كردوس، عن ابن مسعود: قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء فنزل فيهم القرآن ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) كذا في (عش) و(مح)، وسقط من الأصل.","vol":"3","page":538},{"text":"إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (^١).\n\nورواه ابن جرير من طريق أشعث، عن كردوس، عن ابن مسعود، قال: مرّ الملأ من قريش برسول الله ﷺ، وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين مَنّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعًا لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فنزلت هذه الآية ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ …﴾ إلى آخر الآية (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي - وكان قاري الأزد - عن أبي الكنود، عن خباب، في قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله ﷺ، مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم في نفر في أصحابه فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: \"نعم\"، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابًا، قال: فدعا بصحيفة ودعا عليًا ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾، فرمى رسول الله ﷺ بالصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه (^٣)، ورواه ابن جرير من حديث أسباط به (^٤)، وهذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر.\nوقال سفيان الثوري، عن المقدام بن شريح عن أبيه، قال: قال سعد: نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي ﷺ، منهم: ابن مسعود، قال: كنا نستبق إلى رسول الله ﷺ وندنو منه، فقالت قريش: تدني هؤلاء دوننا، فنزلت ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (^٥).\nرواه الحاكم في مستدركه من طريق سفيان، وقال: على شرط الشيخين، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق المقدام بن شريح به (^٦).\n\n<span id=\"aya-842\"></span>\n\n<span id=\"aya-843\"></span>وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض، ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ، كان غالب من اتبعه في أول بعثته\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه بالشواهد، (المسند ٧/ ٩٢ ح ٣٩٨٥).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، ولكن في متنه غرابة أشار إليها الحافظ ابن كثير.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده نحوه، وحكمه كسابقه.\n(^٥) أخرجه مسلم من طريق الثوري به (الصحيح، فضائل الصحابة، باب فضل سعد بن أبي وقاص ﵁ ح ٢٤١٣).\n(^٦) (المستدرك ٣/ ٣١٩)، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ح ٦٥٧٣).","vol":"3","page":539},{"text":"ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، وكما قال قوم نوح لنوح: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ الآية [هود: ٢٧]، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل، فقال له: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل (^١)، والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير، لو كان ما صاروا إليه خيرًا ويدعنا، كقولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾ [مريم] قال الله تعالى في جواب ذلك ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ [مريم] وقال في جوابهم حين قالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ أي: أليس هو أعلم بالشاكرين له، بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت] وفي الحديث الصحيح: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\" (^٢).\nوقال ابن جرير حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية، قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل في أشراف من بني عبد مناف، من أهل الكفر، إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، لو أن ابن أخيك محمدًا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه، وتصديقنا له، قال: فأتى أبو طالب النبيّ ﷺ فحدثه بذلك، فقال عمر بن الخطاب ﵁: لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلى ما يصيرون من قولهم، فأنزل الله ﷿: هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ قال: وكانوا بلالًا وعمار بن ياسر وسالمًا مولى أبي حذيفة وصبيحًا مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو، ومسعود بن القاري، وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو، وذو الشمالين، [ومرثد بن أبي مرثد، وأبو مرثد الغنوي] (^٣) حليف حمزة بن عبد المطلب، وأشباههم من الحلفاء، فنزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء، ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ الآية، فلما نزلت، أقبل عمر ﵁، فاعتذر من مقالته، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية (^٤).\n_________\n(^١) القصة وردت في بداية صحيح البخاري (ح ٧) من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٢) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (الصحيح، البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله ح ٢٥٦٤).\n(^٣) كذا في (حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل و(عش): يزيد بن أبي يزيد من غنيّ.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل، وفيه أيضًا الحسين وهو ابن داود: ضعيف.","vol":"3","page":540},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فأكرمهم بردّ السلام عليهم، وبشرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم، ولهذا قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي: أوجبها على نفسه الكريمة، تفضلًا منه وإحسانًا وامتنانًا، ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾.\nقال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل (^١).\nوقال معتمر بن سليمان: عن الحكم بن أبان عن عكرمة، في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ قال: الدنيا كلها جهالة (^٢)، رواه ابن أبي حاتم ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ أي: رجع عما كان عليه من المعاصي، وأقلع وعزم على أن لا يعود، وأصلح العمل في المستقبل، ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ \"لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي\" (^٣) أخرجاه في الصحيحين (^٤)، وهكذا رواه الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ورواه موسى عن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وكذا رواه الليث وغيره، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بذلك، وقد روى ابن مردويه من طريق الحكم بن [أبان] (^٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق، أخرج كتابًا من تحت العرش، إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة أو قبضتين، فيخرج من النار خلقًا لم يعملوا خيرًا، مكتوب بين أعينهم عتقاء الله\" (^٦).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عاضم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال: إنا نجد في التوراة عطفتين، أن الله خلق السموات والأرض، وخلق مائة رحمة، أو جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، قال: فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتباذلون، وبها يتزاورون، وبها تحن الناقة، وبها تبح البقرة، وبها تثغو الشاة، وبها تتتابع الطير، وبها تتتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع (^٧)، وقد روي هذا مرفوعًا من وجه آخر (^٨)، وسيأتي كثير من\n_________\n(^١) تقدم نحوه وأمثاله في تفسير سورة النساء آية ١٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ثلاثة شيوخ عن معتمر بن سليمان به وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣١٣) وسنده صحيح.\n(^٤) تقدم تخريجه من الصحيحين في الآية ١٢ من هذه السورة.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وترجمة الحكم، وفي الأصل: \"وأبان\" وهو تصحيف.\n(^٦) سنده حسن إذ له شواهد في سابقه في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري في آخره (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة] ح ٧٤٣٩).\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه مسلم مرفوعًا من حديث سلمان ﵁، (الصحيح، التوبة، باب سعة رحمة الله تعالى ح ٢٧٥٣).","vol":"3","page":541},{"text":"الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ومما يناسب هذه الآية من الأحاديث أيضًا، قوله ﷺ لمعاذ بن جبل: \"أتدري ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا\" ثم قال: \"أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم\" وقد رواه الإمام أحمد: من طريق كميل بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ (^١).\n\n<span id=\"aya-844\"></span>\n\n<span id=\"aya-845\"></span>﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾.\nيقول تعالى: وكما بيّنا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل، على طريق الهداية والرشاد وذمّ المجادلة والعناد، ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقرئ ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (^٢) أي: ولتستبين يا محمد، أو يا مخاطب سبيل المجرمين،\n\n<span id=\"aya-846\"></span>وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها الله إلي ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ أي بالحق الذي جاءني من الله ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: من العذاب ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: إنما يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجلكم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة، ولهذا قال: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ أي: وهو خير من فصل القضايا، وخير الفاتحين في الحكم بين عباده.\n\n<span id=\"aya-847\"></span>وقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: لو كان مرجع ذلك إليّ، لأوقعت لكم ما تستحقونه من ذلك، والله أعلم بالظالمين.\nفإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أُحد؟ فقال: \"لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب (^٣)، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد ظللتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلّم عليّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك، لتأمرني بأمرك\n_________\n(^١) الحديث تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢١.\n(^٢) وكلتاهما قراءتان متواترتان.\n(^٣) هو قرن المنازل وهو ميقات أهل نجد.","vol":"3","page":542},{"text":"فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين (^١)، فقال رسول الله ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا\" (^٢) وهذا لفظ مسلم.\nفقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم، فاستأنى بهم، وسأل لهم التأخير، لعلّ الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئًا، فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى في هذه الآية الكريمة، ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾ فالجواب والله أعلم، أن هذه الآية دلت، على أنه لو كان إليه وقوع العذاب، الذي يطلبونه حال طلبهم له، لأوقعه بهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوبًا وشمالًا، فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم.\n\n<span id=\"aya-848\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: \"مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله\" ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان] (^٣) وفي حديث عمر: أن جبريل حين تبدى له في صورة أعرابي، فسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان، فقال له النبي ﷺ فيما قاله له: \"خمس لا يعلمهن إلا الله\" ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية (^٤).\nوقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: محيط علمه الكريم بجميع الموجودات، بريها وبحريها، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما أحسن ما قال الصّرصري:\nفلا يخفى عليه الذر إمّا … تراءى للنواظر أو توارى\nوقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ أي: ويعلم الحركات حتى من الجمادات، فما ظنك بالحيوانات، ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر].\nوقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، حدثنا حسان النمري، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ قال: ما من شجرة في بر ولا بحر إلا وملك موكل بها، يكتب ما يسقط منها (^٥)، وقوله: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\n_________\n(^١) هما جبل أبو قبيس والجبل الذي يقابله وبينهما الكعبة المشرفة.\n(^٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين (ح ٣٢٣١)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين (ح ١٧٩٥).\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] (ح ٤٦٢٧).\n(^٤) صحيح البخاري، الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ (ح ٥٠).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده حسان النمري ذكره البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير ٣/ ٣٥).","vol":"3","page":543},{"text":"[قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري، حدثنا مالك بن سُعير، حدثنا الأعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة، إلا وعليها ملك موكل، يأتي الله بعلمها، رطوبتها إذا رطبت، ويبوستها إذا يبست (^١). وكذا رواه ابن جرير عن أبي الخطاب زياد بن عبد الله الحساني، عن مالك بن سعير به (^٢).\nثم قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن أبي حذيفة، حدثنا سفيان، عن عمرو بن قيس، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خلق الله النون وهي الدواة، وخلق الألواح، فكتب فيها أمر الدنيا، حتى ينقضي ما كان من خلق مخلوق، أو رزق حلال أو حرام، أو عمل بر أو فجور، وقرأ هذه الآية ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ إلى آخر الآية] (^٣) (^٤) قال محمد بن إسحاق: عن يحيى بن النضر، عن أبيه، سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: إن تحت الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن، ما لو أنهم ظهروا، - يعني لكم -، لم تروا معهم نورًا على كل زاوية من زوايا الأرض خاتم من خواتيم الله ﷿، على كل خاتم ملك من الملائكة، يبعث الله ﷿ إليه في كل يوم ملكًا من عنده أن احتفظ بما عندك (^٥).\n\n<span id=\"aya-849\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾.\nيخبر تعالى أنه يتوفى عباده في منامهم بالليل، وهذا هو التوفي الأصغر، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] فذكر في هذه الآية الوفاتين الكبرى والصغرى، وهكذا ذكر في هذا المقام، حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار، وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم، في حال سكونهم وحال حركتهم، كما قال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [الرعد] وكما قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص: ٧٣] أي: في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] أي:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف كما في \"التقريب\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده، وحكمه كسابقه.\n(^٣) ما بين معقوفين ورد في الأصل بعد رواية ابن إسحاق والمثبت من (حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه إبهام شيخ عمرو بن قيس، وتعليق ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وفي سنده عنعنة ابن إسحاق، والمتن فيه غرابة، وكأنه من أخبار بني إسرائيل ضمن الزاملتين اللتين أتى بهما عبد الله بن عمرو من اليرموك.","vol":"3","page":544},{"text":"في النهار كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ] ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: ما كسبتم من الأعمال فيه ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي: في النهار، قاله مجاهد وقتادة والسدي (^١).\nوقال ابن جريج: عن عبد الله بن كثير؛ أي: في المنام (^٢). والأول أظهر، وقد روى ابن مردويه بسند: عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ويرده إليه، فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا رد إليه\" فذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ (^٣).\nوقوله: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يعني به: أجل كل واحد من الناس، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: فيخبركم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ويجزيكم على ذلك إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر،\n\n<span id=\"aya-850\"></span>وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي: وهو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء، ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ أي: من الملائكة يحفظون بدن الإنسان، كقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] وحفظة يحفظون عمله ويحصونه كقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾ الآية [الانفطار] وكقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق].\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: احتضر وحان أجله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي: ملائكة موكلون بذلك، قال ابن عباس وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة (^٤)، يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم، وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] الأحاديث المتعلقة بذلك الشاهدة لهذا المروي عن ابن عباس وغيره بالصحة.\nوقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ أي: في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله ﷿، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين، عياذًا بالله من ذلك.\n\n<span id=\"aya-851\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ قال ابن جرير: ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ يعني: الملائكة (^٥) ﴿إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ ونذكر ها هنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان،\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير بلفظ: \"ليقضي أجل مدتهم\".\n(^٣) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طرق عن إبراهيم النخعي عن ابن عباس.\n(^٥) ذكره الطبري بدون سند.","vol":"3","page":545},{"text":"فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح (^١) لها فيقال من هذا؟ فيقال فلان، فيقال مرحبًا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله ﷿، وإذا كان الرجل السوء، قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول\" (^٢).\nهذا حديث غريب، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ يعني: الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة، فيحكم فيهم بعدله، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة] وقال: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧ - ٤٩] ولهذا قال: ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-852\"></span>﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾.\nيقول تعالى ممتنًا على عباده، في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر؛ أي: الحائرين الواقعين في المهامه البرية، وفي اللجج البحرية، إذا هاجت الرياح العاصفة، فحينئذٍ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له، كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ الآية [يونس: ٢٢، ٢٣]، وقوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ [النمل] وقال في هذه الآية الكريمة ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي: جهرًا وسرًا ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ أي: من هذه الضائقة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: بعدها\n\n<span id=\"aya-853\"></span>قال الله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾ أي: تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى.\n\n<span id=\"aya-854\"></span>وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لما قال ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ\n_________\n(^١) كذا في (عش) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"فيستفتح فيفتح\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه محققوه (المسند ١٤/ ٣٧٨ ح ٨٧٦٩).","vol":"3","page":546},{"text":"تُشْرِكُونَ﴾، عقبه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ أي: بعد إنجائه إياكم، كقوله في سورة سبحان ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ [الإسراء].\nقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا هارون الأعور، عن حفص بن سليمان عن الحسن في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: هذه للمشركين (^١).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لأمة محمد ﷺ وعفا عنهم (^٢).\nونذكر هنا الأحاديث، الواردة في ذلك والآثار، وبالله المستعان وعليه التكلان وبه الثقة.\nقال البخاري رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ يلبسكم: يخلطكم من الالتباس، يلبسوا: يخلطوا، شيعًا: فرقًا، حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"أعوذ بوجهك \" ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: \"أعوذ بوجهك\" ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"هذه أهون، أو أيسر\" (^٣) وهكذا رواه أيضًا في كتاب التوحيد، عن قتيبة، عن حماد به، ورواه النسائي أيضًا في التفسير عن قتيبة، ومحمد بن النضر بن مساور، ويحيى بن حبيب بن عدي، أربعتهم عن حماد بن زيد به، وقد رواه الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمع جابرًا عن النبي ﷺ به. ورواه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى الموصلي، عن أبي خيثمة، عن سفيان بن عيينة به (^٤)، ورواه ابن جرير في تفسيره، عن أحمد بن الوليد القرشي، وسعيد بن الربيع، وسفيان بن وكيع، كلهم عن سفيان بن عيينة به (^٥)، ورواه أبو بكر بن مردويه، من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد، وعاصم بن علي، عن سفيان بن عيينة به، ورواه سعيد بن منصور، عن حماد بن زيد، كلاهما عن عمرو بن دينار به.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه معلقًا ووصله الطبري من طريق ابن المبارك عن هارون به. والصواب أنها عامة كما سيأتي.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير ح ٤٦٢٨).\n(^٤) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] (ح ٧٤٠٦)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ١١١٦٥)، ومسند الحميدي (ح ١٢٥٩) والإحسان (ح ٧٢٢٠).\n(^٥) أخرجه الطبري بطرفه.","vol":"3","page":547},{"text":"طريق أخرى: قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا مقدام بن داود، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لما نزلت ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"أعوذ بالله من ذلك\" ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"أعوذ بالله من ذلك\" ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ قال: \"هذا أيسر\" (^١) ولو استعاذه لأعاذه.\nويتعلق بهذه الآية، أحاديث كثيرة:\n(أحدها): قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، حدثنا أبو اليمان، حدثنا أبو بكر - يعني ابن أبي مريم - عن راشد - هو ابن سعد المَقْرَئِي -، عن سعد بن أبي وقاص، قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال: \"أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد\" (^٢) وأخرجه الترمذي عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن أبي مريم به، ثم قال هذا حديث غريب.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى - هو ابن عبيد -، حدثنا عثمان بن حكيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى مررّنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين، فصلينا معه، فناجى ربه ﷿ طويلًا ثم قال: \"سألت ربي ثلاثًا: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة (^٣) فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها\" انفرد بإخراجه مسلم، فرواه في كتاب الفتن، عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن عبد الله بن نمير، وعن محمد بن يحيى بن أبي عمرو، عن مروان بن معاوية، كلاهما عن عثمان بن حكيم به (^٤).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: قرأت على عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن [جابر بن عتيك] (^٥)، أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر في حرة بني معاوية - قرية من قرى الأنصار - فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله ﷺ في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم، فأشرت إلى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعاهن فيه؟ فقلت: نعم، فقال: أخبرني بهن، فقلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدوًا من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين فأعطيهما، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها، قال: صدقت فلا يزال [الهرج] (^٦) إلى يوم القيامة (^٧). ليس هو في شيء من الكتب الستة، إسناده جيد قوي، ولله الحمد والمنة.\n(حديث آخر) قال محمد بن إسحاق: عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن علي بن\n_________\n(^١) في سنده ابن لهيعة ويشهد له سابقه بدون: ولو استعاذه لأعاذه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١/ ١٧٠)، وسنده ضعيف لضعف أبي بكر بن أبي مريم كما في التقريب.\n(^٣) أي بالقحط والجوع.\n(^٤) المسند ١/ ١٧٥، وصحيح مسلم، الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض (ح ٢٨٩٠).\n(^٥) كذا في (عش) و(مح)، وسقط من الأصل.\n(^٦) كذا في (مح) و(عش)، وصحفت في الأصل إلى: (العرح).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه محققوه (المسند ٣٩/ ١٥٨ ح ٢٣٧٤٩)، وجوده وقواه الحافظ ابن كثير، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع ٧/ ٢٢١) ويشهد له سابقه.","vol":"3","page":548},{"text":"عبد الرحمن، أخبرني حذيفة بن اليمان، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى حرة بني معاوية، قال: فصلى ثماني ركعات فأطال فيهن، ثم التفت إلي فقال: \"حبستك يا حُذيفة\" قلت الله ورسوله أعلم، قال: \"إني سألت الله ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًا من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم (^١) بينهم فمنعني\" (^٢)، رواه ابن مردويه من حديث محمد بن إسحاق.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبيدة بن حميد، حدثني سليمان الأعمش، عن رجاء الأنصاري، عن عبد الله بن شداد، عن معاذ بن جبل ﵁، قال أتيت رسول الله ﷺ فقيل لي: [خرج قبل، قال: فجعلت لا أمر بأحد إلا قال: مرّ قبل، حتى مررّت فوجدته قائمًا يصلي، قال: فجئت حتى قمت خلفه، قال: فأطال الصلاة، فلما قضى صلاته قلت: يا رسول الله، قد صليت صلاة طويلة، فقال رسول الله ﷺ: \"إني صليت صلاة رغبة ورهبة، إني سألت الله ﷿ ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلك أمتي غرقًا فأعطاني، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوًا ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردّها علي\" (^٣) ورواه ابن ماجه في الفتن عن محمد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن محمد، كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش به (^٤)، ورواه ابن مردويه: من حديث أبي عوانة، عن عبد الله بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدثه، عن أنس بن مالك، أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات، فلما انصرف، قال: \"إني صليت صلاة رغبة ورهبة، وسألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعًا فأبى عليّ\" (^٥)، ورواه النسائي في الصلاة عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب به (^٦).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، قال: قال الزهري، حدثني عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن خباب، عن أبيه، خباب بن الأرت مولى بني زهرة، وكان قد شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ، أنه قال: وافيت\n_________\n(^١) أي أن لا يجعل الخلاف والحرب بين المسلمين.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن نمير عن ابن إسحاق به (المصنف ١٠/ ٣١٨)، وفي سنده عنعنة ابن إسحاق ويشهد له ما سبق.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٤٠)، وفي سنده رجاء الأنصاري: مقبول كما في \"التقريب\"، ويشهد له ما سبق وما لحق.\n(^٤) السنن، الفتن، باب ما يكون من الفتن (ح ٣٩٥١) وسنده كسابقه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٤٦)، وأخرجه ابن خزيمة من طريق ابن وهب به (الصحيح ح ١٢٢٨)، وأخرجه الحاكم من طريق عمرو بن الحارث به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣١٤)، وله شواهد تقدمت.\n(^٦) السنن ٣/ ٢١٦.","vol":"3","page":549},{"text":"رسول الله ﷺ في ليلة صلاها كلَّها، حتى كان مع الفجر، فسلم رسول الله ﷺ من صلاته، فقلت: يا رسول الله، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها، فقال رسول الله ﷺ: \"أجل إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي ﷿ فيها ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي ﷿ أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي ﷿ أن لا يظهر علينا عدوًا من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي ﷿ أن لا يلبسنا شيعًا فمنعنيها\" (^١) ورواه النسائي من حديث شعيب بن أبي حمزة به. ومن وجه آخر، وابن حبان في صحيحه بإسناديهما عن صالح بن كيسان والترمذي، في الفتن، من حديث النعمان بن راشد، كلاهما عن الزهري به، وقال: حسن صحيح (^٢).\n(حديث آخر) قال أبو جعفر بن جرير في تفسيره: حدثني زياد بن عبد الله المزني، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا أبو مالك، حدثني نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه، أن النبي ﷺ، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، فقال: \"قد كانت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله ﷿ فيها ثلاثًا أعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به من كان قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدوًا يستبيح بيضتكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها\" قال أبو مالك: فقلت له: أبوك سمع هذا من في رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم، سمعته يحدث بها القوم، أنه سمعها من فيّ رسول الله ﷺ (^٣).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال: قال معمر: أخبرني أيوب، عن أبي قلابة، عن الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله زوى لي الأرض، حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن مُلك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها، وإني أُعطيت الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي ﷿ أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعًا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض\"، فقال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يردّ، واني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا ممن سواهم، فيهلكهم بعامة حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، وبعضهم يقتل بعضًا، وبعضهم يسبي بعضًا، قال: وقال النبي ﷺ: \"إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي، لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة\" (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده وطريق آخر وبمتنه (المسند ٣٤/ ٥٣٢ ح ٢١٠٥٣)، وصححه محققوه.\n(^٢) سنن النسائي ٣/ ٢١٦، وسنن الترمذي، الفتن، باب ما جاء في سؤال النبي ﷺ ثلاثًا في أمته (ح ٢١٧٥)، والإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ٩/ ١٨٠ (ح ٧٢٣٦).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات (الإصابة ٣/ ٧٥)، وأخرجه البزار من طريق مروان به، وحسنه الحافظ ابن حجر (مختصر زوائد البزار ح ١٦٢٩)، وأخرجه الطبراني من طريق مروان به (المعجم الكبير ٤/ ١٩٢ ح ٤١١٢)، قال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح غير نافع بن خالد (مجمع الزوائد ٧/ ٢٢٥).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٢٣)، وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ٨/ ٢٩٣)، وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٢٢٤).","vol":"3","page":550},{"text":"ليس في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، وقد رواه ابن مردويه من حديث حماد بن زيد، وعباد بن منصور، وقتادة، ثلاثتهم عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ بنحوه والله أعلم.\n(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي، وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي، قالا: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه - قال: وكان أبوه من أصحاب رسول الله ﷺ، وكان من أصحاب الشجرة - قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى والناس حوله، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، قال فجلس يومًا فأطال الجلوس، حتى أومأ بعضنا إلى بعض أن اسكتوا إنه ينزل عليه، فلما فرغ، قال له بعض القوم: يا رسول الله لقد أطلت الجلوس، حتى أومأ بعضنا إلى بعض أنه ينزل عليك، قال: \"لا ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله فيها ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت الله أن لا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط على أمتي عدوًا يستبيحها فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعًا وأن لا يذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها\" قال: قلت له: أبوك سمعها من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم سمعته يقول: إنه سمعها من رسول الله ﷺ عدد أصابعي هذه عشر أصابع (^١).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يونس - هو ابن محمد المؤدب - حدثنا ليث - هو ابن سعد - عن أبي وهب الخولاني، عن رجل قد سماه، عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: \"سألت ربي ﷿ أربعًا فأعطاني ثلاثًا، ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدوًا من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت الله ﷿ أن لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها\" (^٢). لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.\n(حديث آخر) قال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا أبو حذيفة الثعلبي، عن زياد بن علاقة، عن جابر بن سمرة السوائي، عن علي أن رسول الله ﷺ قال: \"سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة\"، فقلت: \"يا رب لا تهلك أمتي جوعًا فقال: هذه لك قلت: يا رب لا تسلط عليهم عدوًا من غيرهم يعني أهل الشرك فيجتاحهم قال: ذلك لك، قلت: يا رب لا تجعل بأسهم بينهم قال: فمنعني هذه\" (^٣).\n(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الحديث السابق.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٩٦)، وسنده ضعيف لإبهام شيخ أبي وهب الخولاني، ويتقوى بالشواهد السابقة واللاحقة.\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١/ ١٠٧ ح ١٧٩)، قال الهيثمي وفيه أبو حذيفة الثعلبي ولم أعرفه (المجمع ٧/ ٢٢٢) ويشهد له ما سبق وما لحق.","vol":"3","page":551},{"text":"أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا أبو الدرداء المروزي، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، حدثني أبي عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: \"دعوت ربي ﷿ أن يرفع عن أمتي أربعًا، فرفع الله عنهم اثنتين، وأبى عليّ أن يرفع عنهم اثنتين دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعًا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع اثنتين القتل والهرج\" (^١).\n(طريق أخرى) عن ابن عباس أيضًا، قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد، حدثني الوليد بن أبان، حدثنا جعفر بن منير، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا عمرو بن قيس، عن رجل، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: فقام النبي ﷺ فتوضأ ثم قال: \"اللهم لا ترسل على أمتي عذابًا من فوقهم ولا من تحت أرجلهم، ولا تلبسهم شيعًا ولا تذق بعضهم بأس بعض\" قال: فأتاه جبريل فقال: يا محمد، إن الله قد أجار أمتك، أن يرسل عليهم عذابًا من فوقهم أو من تحت أرجلهم (^٢).\n(حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله البزاز، حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي المنهال، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"سألت ربي لأمتي أربع خصال، فأعطاني ثلاثًا، ومنعني واحدة، سألته أن لا تكفر أمتي صفقة واحدة فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوًا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها\" ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، عن عمرو بن محمد العنقزي به نحوه (^٣).\n(طريق أخرى) وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا كثير بن زيد الليثي المدني، حدثني الوليد بن رباح مولى آل أبي ذباب، سمع أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ: \"سألت ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًا من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاني، وسألته أن لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعني\" ثم رواه ابن مردويه بإسناده، عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، ورواه البزار من طريق عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه (^٤).\n(أثر آخر) قال سفيان الثوري، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب، قال:\n_________\n(^١) سنده ضعيف جدًّا لأن إسحاق بن عبد الله بن كيسان، لينه أبو أحمد الحاكم وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان في الثقات: يتقى حديثه من رواية ابنه عنه (لسان الميزان ١/ ٣٦٥).\n(^٢) سنده ضعيف لإبهام شيخ عمرو بن قيس.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده نحوه، وسنده حسن. وله شواهد تقدمت.\n(^٤) مسند البزار كما في كشف الأستار (ح ٣٢٩٠) وله شواهد تقدمت.","vol":"3","page":552},{"text":"أربع في هذه الأمة، قد مضت اثنتان وبقيت اثنتان، ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: الرجم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: الخسف ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال سفيان: يعني الرجم والخسف (^١).\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب، ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: فهي أربع خلال، منها اثنتان بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة، ألبسوا شيعًا وذاق بعضهم بأس بعض. وبقيت اثنتان لا بد منهما واقعتان، الرجم والخسف، ورواه أحمد عن وكيع، عن أبى جعفر (^٢).\nورواه ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ﴾ الآية، قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها، فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها (^٣)، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك والسدي، وابن زيد وغير واحد في قوله: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: الرجم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: الخسف (^٤). وهذا هو اختيار ابن جرير.\nوروى ابن جرير: عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: كان عبد الله بن مسعود يصيح وهو في المسجد أو على المنبر، يقول: ألا أيها الناس إنه قد نزل بكم، إن الله يقول: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ لو جاءكم عذاب السماء لم يبق منكم أحدًا، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لو خسف بكم الأرض أهلككم، ولم يبق منكم أحدًا، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث (^٥).\n(قول ثان): قال ابن جرير وابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، سمعت خلاد بن سليمان يقول: سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول: إن ابن عباس كان يقول: في هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ فأئمة السوء ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فخدم السوء (^٦).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني أمراءكم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ\n_________\n(^١) سنده جيد تقدمت دراسته في مقدمة التفسير الصحيح.\n(^٢) سنده جيد وأخرجه الإمام أحمد عن وكيع به (المسند ٣٥/ ١٥١ ح ٢١٢٢٧)، وضعفه محققوه، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع ٧/ ٢٤)، ويشهد لبعضه الآثار التالية عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك والسدي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) أخرج الطبري هذه الآثار بأسانيد ثابتة وبعضها ضعيف يتقوى بما ثبت وبما تقدم عن أبي العالية عن أبي بن كعب.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للانقطاع بين عبد الرحمن بن زيد وابن مسعود ﵁.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عامر بن عبد الرحمن لم أجد له ترجمة، وقد تابعه علي بن أبي طلحة في الرواية التالية.","vol":"3","page":553},{"text":"أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: عبيدكم وسفلتكم (^١)، وحكى ابن أبي حاتم عن أبي سنان وعمرو بن هانئ، نحو ذلك (^٢). قال ابن جرير: وهذا القول وإن كان له وجه صحيح، لكن الأول أظهر وأقوى، وهو كما قال ابن جرير ﵀، ويشهد له بالصحة قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ [الملك] وفي الحديث: \"ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ\" (^٣) وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها، وظهور الآيات قبل يوم القيامة، وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى، وقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ يعني: يجعلكم متلبسين شيعًا فرقًا متخالفين.\nوقال الوالبي، عن ابن عباس: يعني الأهواء (^٤)، وكذا قال مجاهد وغير واحد (^٥).\nوقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه ﷺ أنه قال: \"وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة\" (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبينها ونوضحها مرة ونفسرها، ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ أي: يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه.\nقال زيد بن أسلم: لما نزلت ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية، قال رسول الله ﷺ: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف\" قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله؟، قال: \"نعم\" فقال بعضهم: لا يكون هذا أبدًا أن يقتل بعضنا بعضًا ونحن مسلمون، فنزلت ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾ [الأنعام] رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) بل أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حمزة بن إسماعيل عن أبي سنان وحمزة بن إسماعيل سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح ٣/ ٢٠٨)، وأما قول عمرو بن هانئ فهو تابعي وقد ذكره ابن أبي حاتم حكاية، معلقًا.\n(^٣) أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر ﵄، السنن، القدر (ح ٢١٥٢)، وقال: حسن صحيح، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٧٤٨).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح ثابت من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه ابن ماجه من حديث أنس بن مالك مرفوعًا (السنن، الفتن، باب افتراق الأمم ح ٣٩٩٣) وصححه البوصيري في الزوائد والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٢٢٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٢٨).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق زيد به، وسنده مرسل.","vol":"3","page":554},{"text":"<span id=\"aya-855\"></span>\n\n<span id=\"aya-856\"></span>﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ أي: بالقرآن الذي جئتهم به، والهدى والبيان، ﴿قَوْمُكَ﴾ يعني: قريشًا ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الذي ليس وراءه حق ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: لست عليكم بحفيظ، ولست بموكل بكم، كقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] أي: إنما عليّ البلاغ، وعليكم السمع والطاعة، فمن اتبعني سعد في الدنيا والآخرة، ومن خالفني فقد شقي في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: ﴿لِكُلِّ نَبَإ مُسْتَقَرٌّ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: أي لكل نبأ حقيقة (^١)؛ أي: لكل خبر وقوع، ولو بعد حين، كما قال: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ [ص]، وقال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] وهذا تهديد ووعيد أكيد، ولهذا قال بعده ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-857\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: بالتكذيب والاستهزاء، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب، ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ والمراد بذلك كل فرد، من آحاد الأمة، أن لا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله ويضعونها على غير مواضعها، فإن جلس أحد معهم ناسيًا، ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ بعد التذكر ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ولهذا ورد في الحديث \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (^٢).\nوقال السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ قال: إن نسيت فذكرت ﴿فَلَا تَقْعُدْ﴾ معهم (^٣)، وكذا قال مقاتل بن حيان (^٤)، وهذه الآية هي المشار إليها في قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٤٠] أي: إنكم إذا جلستم معهم، وأقررتموهم على ذلك، فقد ساويتموهم فيما هم فيه،\n\n<span id=\"aya-858\"></span>وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: إذا تجنبوهم، فلم يجلسوا معهم في ذلك، فقد برئوا من عهدتهم وتخلصوا من إثمهم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، عن سعيد بن جبير، قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس مرفوعًا (السنن، الطلاق، باب طلاق المكره والناسي ح ٢٠٤٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٦٤).\n(^٣) أخرج الطبري هذه الآثار بأسانيد ثابتة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.","vol":"3","page":555},{"text":"قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك؛ أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم (^١).\nوقال آخرون: بل معناه وإن جلسوا معهم، فليس عليهم من حسابهم من شيء، وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم (^٢). وعلى قولهم يكون قوله: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم، حينئذٍ تذكيرًا لهم عما هم فيه، لعلهم يتقون ذلك ولا يعودون إليه.\n\n<span id=\"aya-859\"></span>﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلًا فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم، ولهذا قال ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾؛ أي: ذكر الناس بهذا القرآن، وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: لئلا تبسل.\nقال الضحاك، عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة، والحسن والسدي: تبسل تسلم (^٣).\nوقال الوالبي، عن ابن عباس: تفتضح (^٤).\nوقال قتادة: تحبس (^٥).\nوقال مُرَّةُ وابن زيد: تؤخذ (^٦).\nوقال الكلبي: تجزى (^٧).\nوكل هذه الأقوال والعبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها الإسلام للهلكة، والحبس عن الخير والارتهان عن درك المطلوب، كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر] وقوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: لا قريب ولا أحد يشفع فيها، كما قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ أي: ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف ويتقوى بسابقيه.\n(^٣) قول الضحاك عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لأن، الضحاك لم يسمع من ابن عباس، ويشهد له الآثار التالية: فقول مجاهد وعكرمة والحسن أخرجه الطبري بأسانيد صحاح، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق الوالبي به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٦) قول ابن زيد وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري عن الكلبي، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.","vol":"3","page":556},{"text":"كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ الآية [آل عمران: ٩١]، وكذا قال ههنا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-860\"></span>﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾.\nقال السدي: قال المشركون للمسلمين: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد، فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ أي: في الكفر ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، يقول: مثلكم إن كفرتم بعد إيمانكم، كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق فضل الطريق، فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل ما يتبعهم بعد المعرفة بمحمد ﷺ، ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام (^١)، رواه ابن جرير.\nوقال قتادة: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ أضلته في الأرض (^٢). يعني استهوته سيرته، كقوله: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧].\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ الآية، هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها، والدعاة الذين يدعون إلى هدى الله ﷿، كمثل رجل ضل عن طريق تائهًا، إذ ناداه مناد: يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى، اهتدى إلى الطريق، وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان، يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله، فإنه يرى أنه في شيء، حتى يأتيه الموت فيستقبل الندامة والهلكة، وقوله: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ هم الغيلان ﴿يَدْعُونَهُ﴾ باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها وهو يرى أنه في شيء فيصبح وقد رمته في هلكة، وربما أكلته، أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشًا، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله ﷿ (^٣)، رواه ابن جرير، وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد، ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ قال: رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، وذلك مثل من يضل بعد أن هدي (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي وسنده مرسل بالنسبة لسبب النزول، وحسن بالنسبة للتفسير الوارد بعد سبب النزول.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به نحوه.","vol":"3","page":557},{"text":"وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ﴾ هو الذي يستجيب لهدى الله، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد عن الحق، وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس، ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ والضلال ما يدعو إليه الجن (^١)، رواه ابن جرير، ثم قال: وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال ويزعمون أنه هدى، قال: وهذا خلاف ظاهر الآية، فإن الله أخبر أنهم يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون ضلالًا، وقد أخبر الله أنه هدى، وهو كما قال ابن جرير: فإن السياق يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، وهو منصوب على الحال؛ أي: في حال حيرته وضلاله وجهله، وجه المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى، وتقدير الكلام فيأبى عليهم، ولا يلتفت إليهم، ولو شاء الله لهداه ولرد به إلى الطريق، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ كما قال: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] وقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ [النحل].\nوقوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: نخلص له العبادة، وحده لا شريك له،\n\n<span id=\"aya-861\"></span>﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال، ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: يوم القيامة\n\n<span id=\"aya-862\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل فهو خالقهما، ومالكهما، والمدبر لهما ولمن فيهما، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يعني: يوم القيامة، الذي يقول الله كن فيكون، عن أمره كلمح البصر، أو هو أقرب، ويوم منصوب إما على العطف على قوله واتقوه، وتقديره واتقوا يوم يقول كن فيكون، وإما على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: وخلق يوم يقول كن فيكون فذكر بدء الخلق وإعادته وهذا مناسب وإما على إضمار فعل تقديره واذكر يوم يقول كن فيكون.\nوقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملتان محلهما الجر على أنهما صفتان لرب العالمين، وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من قوله ويوم يقول كن فيكون يوم ينفخ في الصور ويحتمل أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] كقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان] وما أشبه ذلك.\nواختلف المفسرون في قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ فقال بعضهم: المراد بالصور هنا، جمع صورة؛ أي: يوم ينفخ فيها فتحيا. قال ابن جرير: كما يقال: سور لسور البلد، وهو جمع سورة، والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇، قال ابن جرير: والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) ذكره الطبري بدون سند وتقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٧٣ في مسند أحمد من حديث ابن عباس.","vol":"3","page":558},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان التيمي، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: قال أعرابي يا رسول الله ما الصور؟ قال: \"قرن ينفخ فيه\" (^١).\nوقد روينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني، في كتابه المطولات، قال: حدثنا أحمد بن الحسن المقري الأبلي، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة ﵁، قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو في طائفة من أصحابه، فقال: \"إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض، خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه، شاخصًا بصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر\" قلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال: \"القرن\" قلت: كيف هو؟ قال: \"عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السموات والأرض، ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ فينفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر، وهي كقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ [ص] فيسير الجبال، فتمر مَرّ السحاب فتكون سرابًا، ثم ترتج الأرض بأهلها رجًا، فتكون كالسفينة المرمية في البحر، تضربها الأمواج تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق في العرش ترجرجه الرياح، وهو الذي يقول: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ [النازعات]، فيميد الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع، حتى تأتي الأقطار فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع ويولي الناس مدبرين، ما لهم من أمن الله من عاصم، ينادي بعضهم بعضًا، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر: ٣٢] فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض، من قطر إلى قطر، فرأوا أمرًا عظيمًا لم يروا مثله، وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت السماء فانتثرت نجومها وانخسفت شمسها وقمرها\" قال رسول الله ﷺ: \"الأموات لا يعلمون بشيء من ذلك\" قال أبو هريرة: يا رسول الله من استثنى الله ﷿ حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]؟ قال: \"أولئك الشهداء\" وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه قال: وهو الذي يقول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج] فيكونون في ذلك العذاب ما شاء الله إلا أنه يطول، ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا، وجاء ملك الموت إلى الجبار ﷿،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه محققوه (المسند ١١/ ٥٣ ح ٦٥٠٧).","vol":"3","page":559},{"text":"فيقول: يا رب قد مات أهل السموات والأرض إلا من شئت، فيقول الله - وهو أعلم بمن بقي - فمن بقي: فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل، وبقيت أنا، فيقول الله ﷿: ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله العرش، فيقول: يا رب يموت جبريل وميكائيل، فيقول: اسكت، فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي، فيموتان، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار، فيقول: يا رب، قد مات جبريل وميكائيل، فيقول الله - وهو أعلم بمن بقي -: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي تموت، بقيت حملة عرشك، وبقيت أنا، فيقول الله: لتمت حملة العرش فتموت، ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب قد مات حملة عرشك، فيقول الله - وهو أعلم بمن بقي -: فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت أنا، فيقول الله: أنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت فمت، فيموت، فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، كان آخرًا كما كان أولًا، طوى السموات والأرض طي السجل للكتب، ثم دحاها ثم يلقفهما ثلاث مرات، ثم يقول: أنا الجبار أنا الجبار أنا الجبار ثلاثًا، ثم هتف بصوته ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] ثلاث مرات، فلا يجيبه أحد، ثم يقول لنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] يقول الله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فيبسطهما ويسطحهما، ثم يمدهما مد الأديم العكاظي ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه] ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدلة، مثل ما كانوا فيها من الأولى، من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش، ثم يأمر الله السماء أن تمطر فتمطر أربعين يومًا، حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعًا ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت فتنبت كنبات الطراثيث (^١)، أو كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت، قال الله ﷿: ليحيَى حملة عرشي فيحيون، ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يقول: ليحيى جبريل وميكائيل، فيحيان ثم يدعو الله بالأرواح فيؤتى بها تتوهج أرواح الصسلمين نورًا، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقبضها جميعًا، ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد، كما يمشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنهم، وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فتخرجون سراعًا إلى ربكم تنسلون، ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر] حفاة عراة غلفًا غرلًا، فتقفون موقفًا واحدًا مقداره سبعون عامًا لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دمًا وتعرقون، حتى يلجمكم العرق أو يبلغ الذقان، وتقولون: من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا، فتقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم خلقه الله بيده، ونفخ فيه\n_________\n(^١) الطراثيث: جمع طُرْثوثٍ وهو نبات رملي طويل مستدق يضرب إلى الحمرة وييبس.","vol":"3","page":560},{"text":"من روحه، وكلمه قبلًا، فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه فيأبى، ويقول: ما أنا بصاحب ذلك فيستقرئون الأنبياء نبيًا نبيًا، كلما جاؤوا نبيًا أبي عليهم قال رسول الله ﷺ: \"حتى يأتوني فانطلق إلى الفحص، فأخرّ ساجدًا\". قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الفحص؟ قال: \"قدام العرش، حتى يبعث الله إليّ ملكًا فيأخذ بعضدي، ويرفعني فيقول لي: يا محمد، فأقول: نعم يا رب، فيقول الله ﷿: ما شأنك؟ - وهو أعلم - فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك فاقض بينهم، قال الله: قد شفعتك، أنا آتيكم أقضي بينكم\" قال رسول الله ﷺ: \"فارجع فاقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، إذ سمعنا من السماء حسًا شديدًا، فهالنا فينزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا وهو آت، ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة، وبمثلي من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم. وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا. وهو آت، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف، حتى ينزل الجبار ﷿ في ظلل من الغمام والملائكة، فيحمل عرشه يومئذٍ، ثمانية وهم اليوم أربعة أقدامهم في تخوم الأرض السفلى، والأرض والسموات إلى حجزهم، والعرش على مناكبهم، ولهم زجل في تسبيحهم يقولون: سبحان ذي العرش والجبروت، وسبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى رب الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت، فيضع الله كرسيه حيث يشاء من أرضه ثم يهتف بصوته فيقول: يا معشر الجن والإنس، إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع قولكم وأبصر أعمالكم، فانصتوا إلي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.\nثم يأمر الله جهنم، فيخرج منها عنق (^١) ساطع مظلم، ثم يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ [يس] أو - بها تكذبون - شك أبو عاصم، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ [يس] فيميّز الله الناس وتجثو الأمم. يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ [الجاثية] فيقضي الله ﷿ بين خلقه إلا الثقلين الجن والإنس، فيقضي بين الوحوش والبهائم، حتى إنه ليقضي للجماء من ذات القرن، فإذا فرغ من ذلك، فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى، قال الله لها: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] ثم يقضي الله بين العباد، فكان أول ما يقضي فيه الدماء، ويأتي كل قتيل في سبيل الله، ويأمر الله ﷿ كل من قتل، فيحمل رأسه تشخب أوداجه (^٢)، فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول - وهو أعلم -: فيم قتلتهم؟ فيقول: قتلتهم لتكون العزة لك، فيقول الله له: صدقت فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، ثم\n_________\n(^١) عنق: أي تطعة منها.\n(^٢) أي تتفجر عروقه دمًا.","vol":"3","page":561},{"text":"تمر به الملائكة إلى الجنة، ثم يأتي كل من قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشخب أوداجه، فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول - وهو أعلم -: لم قتلتهم؟ فيقول: يا رب قتلتهم لتكون العزة لي، فيقول: تعست، ثم لا تبقى نفس قتلها إلا قتل بها، ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، ثم يقضي الله تعالى بين من بقي من خلقه حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله للمظلوم من الظالم، حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه أن يخلص اللبن من الماء، فإذا فرغ الله من ذلك، نادى مناد يسمع الخلائق كلهم: ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله فلا يبقى أحد عبد من دون الله، إلا مثلت له آلهته بين يديه، ويجعل يومئذٍ ملك من الملائكة على صورة عزير، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى بن مريم. ثم يتبع هذا اليهود وهذا النصارى، ثم قادتهم آلهتهم إلى النار، وهو الذي يقول: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ [الأنبياء] فإذا لم يبق إلا المؤمنون، فيهم المنافقون، جاءهم الله فيما شاء من هيئته فقال: يا أيها الناس، ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد غيره، فينصرف عنهم، وهو الله الذي يأتيهم، فيمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يأتيهم، فيقول: يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد غيره، فيكشف لهم عن ساقه، ويتجلى لهم من عظمته، ما يعرفون أنه ربهم فيخرون للأذقان سجدًا على وجوههم، ويخر كل منافق على قفاه، ويجعل الله أصلابهم كصياصي (^١) البقر، ثم يأذن الله لهم فيرفعون ويضرب الله الصراط بين ظهراني جهنم، كحد الشفرة أو كحد السيف، عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان (^٢)، دونه جسر دحض (^٣) مَزلَة، فيمرون كطرف العين أو كلمح البرق، أو كمر الريح أو كجياد الخيل، أو كجياد الركاب، أو كجياد الرجال، فناج سالم، وناج مخدوش ومكردس (^٤) على وجهه في جهنم، فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة، قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم - عليكم السلام -، خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلًا، فيأتون آدم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بنوح فإنه أول رسل الله، فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول: عليكم بإِبراهيم فإِن الله اتخذه خليلًا، فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك ويقول: عليكم بموسى فإن الله قربه نجيًا وكلمه وأنزل عليه التوراة. فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا ويقول: لست بصاحب ذلك، ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى بن مريم، فيؤتى عيسى بن مريم فيطلب ذلك إليه، فيقول: ما أنا بصاحبكم ولكن عليكم بمحمد\" قال رسول الله ﷺ: \"فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن، فأنطلق فآتي الجنة، فآخذ بحلقة الباب فأستفتح، فيفتح لي فأحيا\n_________\n(^١) أي قرون البقر.\n(^٢) السعدان: نبت تأكله الإبل، وله شوك تشبه حلمة الثدي.\n(^٣) دحض أي زلق لا يثبت عنده القدم.\n(^٤) المكردس: الذي جُمعت يداه ورجلاه وألقي في موضع.","vol":"3","page":562},{"text":"ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدًا، فيأذن الله لي من تحميده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد واشفع تشفع، وسل تعطه، فإذا رفعت رأسي يقول الله - وهو أعلم -: ما شأنك؟ فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة فيدخلون الجنة، فيقول الله: قد شفعتك وقد أذنت لهم في دخول الجنة\" وكان رسول الله ﷺ يقول: \"والذي نفسي بيده، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم، من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة، سبعين مما ينشئ الله ﷿، وثنتين آدميتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله؛ لعبادتهما الله في الدنيا فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليها سبعون زوجًا من سندس وإستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت، كبدها له مرآة وكبده لها مرآة. فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله، ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره وما تشتكي قبلها، فبينا هو كذلك إذ نودي إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل، إلا أنه لا مني ولا منية إلا أن لك أزواجًا غيرها، فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة، كلما أتى واحدة قالت له: والله ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك، ولا في الجنة شيئًا أحب إلي منك.\nوإذا وقع أهل النار في النار، وقع فيها خلق من خلق ربك، أوبقتهم أعمالهم، فمنهم من تأخذه النار قدميه لا تجاوز ذلك، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه (^١)، ومنهم من تأخذ جسده كله إلا وجهه، حرم الله صورته عليها\" قال رسول الله ﷺ: \"فأقول: يا رب، شفعني فيمن وقع في النار من أمتي، فيقول: أخرجوا من عرفتم، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع، فيقول الله: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار إيمانًا فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد. ثم يشفع الله فيقول: أخرجوا من في قلبه إيمانًا ثلثي دينار، ثم يقول: ثلث دينار، ثم يقول: ربع دينار، ثم يقول: قيراطًا، ثم يقول: حبة من خردل، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيرًا قط، ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع، حتى إن إبليس يتطاول مما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له. ثم يقول: بقيتُ وأنا أرحم الراحمين، فيدخل يده في جهنم، فيخرج منها ما لا يحصيه غيره، كأنهم حَمم (^٢) فيلقون على نهر، يقال له: نهر الحيوان، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل (^٣)، فما يلي الشمس منها أخيضر، وما يلي الظل منها أصيفر، فينبتون كنبات الطراثيث، حتى يكونوا أمثال الذر مكتوب في رقابهم الجهنميون، عتقاء الرحمن، يعرفهم أهل الجنة بذلك الكتاب وما عملوا خيرًا لله قط، فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم، ثم يقولون: ربنا امح عنا\n_________\n(^١) الحَقو: الكشح والإزار.\n(^٢) الحَمم: الرماد والفحم، وكل ما احترق من النار.\n(^٣) حميل السيل: ما يجيء به السيل من طين وغيره، فإذا اتفقت فيه واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة، فشبه به سرعة عود أبدانهم وأجسامهم بعد إحراق النار لها.","vol":"3","page":563},{"text":"هذا الكتاب فيمحوه الله ﷿ عنهم\" (^١).\nهذا حديث مشهور، وهو غريب جدًّا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، كاحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه هو متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر، إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء، قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جدًّا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقًا واحدًا فأنكر عليه بسبب ذلك، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفًا قد جمعه، كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث (^٢)، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-863\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾.\nقال الضحاك، عن ابن عباس: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما كان اسمه تارح، رواه ابن أبي حاتم (^٣).\nوقال أيضًا: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا أبو عاصم، أنا شبيب، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ يعني: بآزر الصنم وأبو إبراهيم اسمه تارح، وأمه اسمها مثاني، وامرأته اسمها سارة، وأم إسماعيل اسمها هاجر، وهي سرية إبراهيم (^٤).\nوهكذا قال غير واحد من علماء النسب أن اسمه تارح.\nوقال مجاهد والسدي: آزر اسم صنم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأحاديث الطوال (ح ٣٦) وسنده ضعيف جدًّا وقد فضل الحافظ ابن كثير نقده سندًا ومتنًا.\n(^٢) ومن هذه الشواهد ما رواه البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا مطولًا وما رواه البخاري بسنده عن أنس مرفوعًا مطولًا (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة] ح ٧٤٣٩ - ٧٤٤٠).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.","vol":"3","page":564},{"text":"قلت: كأنه غلب عليه آزر، لخدمته ذلك الصنم فالله أعلم، وقال ابن جرير: وقال آخرون: هو سبٌّ وعيب بكلامهم، ومعناه معوج، ولم يسنده ولا حكاه عن أحد (^١).\nوقد قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن معتمر بن سليمان، سمعت أبي يقرأ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ قال: بلغني أنها أعوج، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم ﵇ (^٢).\nثم قال ابن جرير: والصواب أن اسم أبيه آزر، ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارح، ثم أجاب بأنه قد يكون له اسمان، كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقبًا، وهذا الذي قاله جيد قوي والله أعلم.\nواختلف القراء في أداء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ فحكى ابن جرير عن الحسن البصري، وأبي يزيد المدني، أنهما كانا يقرآن ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ معناه يا آزر أتتخذ أصنامًا آلهة، وقرأ الجمهور بالفتح (^٣)، إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف أيضًا، كأحمر وأسود، فأما من زعم أنه منصوب، لكونه معمولًا لقوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ تقديره يا أبت أتتخذ آزر أصنامًا آلهة، فإنه قول بعيد في اللغة، فإن ما بعد حرف الاستفهام، لا يعمل فيما قبله لأن له صدر الكلام، كذا قرره ابن جرير وغيره، وهو مشهور في قواعد العربية، والمقصود أن إبراهيم وعظ أباه في عبادة الأصنام، وزجره عنها ونهاه فلم ينته، كما قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ أي: أتتأله لصنم تعبده من دون الله؟ ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ﴾ أي: السالكين مسلكك ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: تائهين لا يهتدون أين يسلكون، بل في حيرة وجهل وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل سليم.\nوقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾﴾ [مريم] فكان إبراهيم ﵇، يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك وتبين إبراهيم ذلك، رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة].\nوثبت في الصحيح أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة، فيقول له آزر: يا بني اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم أي رب، ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون. وأي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيقال: يا إبراهيم، انظر ما وراءك، فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار (^٤).\n_________\n(^١) لعله يريد بالآخرين الفراء لأنه ذكر نحوه في معاني القرآن (١/ ٣٤٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا.\n(^٣) القراءتان بالفتح والضم متواترتان.\n(^٤) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، (ح ٣٣٥٠).","vol":"3","page":565},{"text":"<span id=\"aya-864\"></span>وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية الله ﷿، في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ [سبأ].\nوأما ما حكاه ابن جرير وغيره عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي وغيرهم، قالوا: واللفظ لمجاهد: فرجت له السموات، فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع، فنظر إلى ما فيهن، وزاد غيره فجعل ينظر إلى العباد على المعاصي، ويدعو عليهم، فقال الله له: إني أرحم بعبادي منك، لعلهم أن يتوبوا أو يرجعوا.\nوروى ابن مردويه في ذلك حديثين مرفوعين، عن معاذ وعلي، ولكن لا يصح إسنادهما، والله أعلم.\nوروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ فإنه تعالى جلا له الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب، قال الله: إنك لا تستطيع هذا فردّه كما كان قبل ذلك (^١).\nفيحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عيانًا، ويحتمل أن يكون عن بصيرته، حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه، وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة، والدلالات القاطعة كما رواه الإمام أحمد والترمذي، وصححه عن معاذ بن جبل في حديث المنام \"أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت لا أدري يا رب، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت ذلك\" وذكر الحديث (^٢).\nقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ قيل: الواو زائدة تقديره وكذلك نُرِي إبراهيم ملكوت السموات والأرض، ليكون من الموقنين، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ [الأنعام] وقيل: بل هي على بابها؛ أي: نريه ذلك ليكون عالمًا وموقنًا.\n\n<span id=\"aya-865\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي: تغشاه وستره ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ أي: نجمًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي: غاب، قال محمد بن إسحاق بن يسار: الأفول الذهاب (^٣)، وقال ابن جرير: يقال: أفل النجم يأفل ويأفل أفولًا وأفلا، إذا غاب ومنه قول ذي الرمة (^٤):\nمصابيح ليست باللواتي تقو … دها [نجوم] (^٥) ولا بالآفلات الزوائل\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن العوفي به.\n(^٢) أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس ومن حديث معاذ بن حبل ﵃ مطولًا وقال عقب حديث معاذ: هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا: حسن صحيح (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة ص ح ٣٢٣٤ و٣٢٣٥) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٥٨١ و٢٥٨٢).\n(^٣) أخرجه الطبري مع التعليق والاستشهاد بالشعر.\n(^٤) في ديوانه ص ٤٢٥.\n(^٥) كدا في (عش) و(مح)، وسقطت من الأصل.","vol":"3","page":566},{"text":"ويقال: أين أفلت عنا؟ بمعنى أين غبت عنا.\n﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ قال قتادة: علم أن ربه دائم لا يزول (^١).\n\n<span id=\"aya-866\"></span>﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ أي: طالعًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾\n\n<span id=\"aya-867\"></span>﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أي: هذا المنير الطالع ربي ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ أي: جرمًا من النجم ومن القمر وأكثر إضاءة ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ أي: غابت ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾\n\n<span id=\"aya-868\"></span>﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ أي: أخلصت ديني، وأفردت عبادتي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق ﴿حَنِيفًا﴾ أي: في حال كوني حنيفًا؛ أي: مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nوقد اختلف المفسرون في هذا المقام: هل هو مقام نظر أو مناظرة؟\nفروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر (^٢)، واختاره ابن جرير مستدلًا بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ الآية.\nوقال محمد بن إسحاق: قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه حين تخوفت عليه من نمروذ بن كنعان، لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذٍ، فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد فولدت فيه إبراهيم، وتركته هناك (^٣)، وذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف.\nوالحق أن إبراهيم ﵊، كان في هذا المقام مناظرًا لقومه مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صور الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم، الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته، ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر، وغير ذلك مما يحتاجون إليه. وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة المُحيّرة، وهي: القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل، وأشدّهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة، فبين أولًا صلوات الله وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تزيغ عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تملك لنفسها تصرفًا، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحِكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية، ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما بين النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به نحو مضمونه مطولًا.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق محمد بن حميد، عن سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق نحوه مطولًا. والرواية من الإسرائيليات.","vol":"3","page":567},{"text":"﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة فكيدوني بها جميعًا ثم لا تنظرون ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ أي: إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذي بيده ملكوت كل شيء وخالق كل شيء، وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام؟ وهو الذي قال الله في حقه ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ الآيات [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام].\nوقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"كل مولود يولد على الفطرة\" وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، أن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله إني خلقت عبادي حنفاء\" (^١).\nوقال الله في كتابه العزيز: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ومعناه على أحد القولين كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] كما سيأتي بيانه.\nفإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله. ﴿أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] ناظرًا في هذا المقام، بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة والسجية المستقيمة، بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب، وما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرًا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرًا.\nقوله تعالى:\n\n<span id=\"aya-869\"></span>﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن خليله إبراهيم حين جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد وناظروه بشبه من القول، أنه قال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ أي: تجادلونني في أمر الله، وأنه لا إله إلا\n_________\n(^١) صحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (ح ٢٦٥٨).","vol":"3","page":568},{"text":"هو، وقد بصرني وهداني إلى الحق، وأنا على بينة منه، فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة، وقوله: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أي: ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه، أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئًا، وأنا لا أخافها، ولا أباليها، فإن كان لها كيد فكيدوني بها ولا تنظرون، بل عاجلوني بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ استثناء منقطع، أي لا يضر ولا ينفع إلا الله ﷿، ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاط علمه بجميع الأشياء فلا يخفي عليه خافية ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: فيما بينته لكم أفلا تعتبرون أن هذه الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها، وهذه الحجة نظير ما احتج بها نبي الله هود ﵇ على قومه عاد، فيما قص عنهم في كتابه حيث يقول: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود].\n\n<span id=\"aya-870\"></span>وقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ أي: كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس وغير واحد من السلف: أي حجة (^١).\nوهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣].\nوقوله ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: فأي طائفتين أصوب، الذي عبد من بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل، أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة؟\n\n<span id=\"aya-871\"></span>قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ أي: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئًا، هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة.\nقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال أصحابه وأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، وعن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شقّ ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ قال: \"إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] إنما هو الشرك (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع وابن إدريس، عن الأعمش، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عكرمة، عن ابن عاس.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] ح ٢٦٢٩).\n(^٣) المسند ١/ ٣٧٨ وسنده صحيح.","vol":"3","page":569},{"text":"علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ليس كما تظنون، إنما قال لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (^١).\nوحدثنا عمر بن تغلب النمري، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال: \"بشرك\" (^٢). قال وروي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وأبي بن كعب، وسلمان، وحذيفة، وابن عباس، وابن عمر، وعمرو بن شرحبيل، وأبي عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغير واحد نحو ذلك (^٣)، وقال ابن مردويه: حدثنا الشافعي، حدثنا محمد بن شداد المسمعي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"قيل لي أنت منهم\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا أبو جناب، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ، فلما برزنا من المدينة، إذا راكب يوضع (^٥) نحونا، فقال رسول الله ﷺ: \"كأن هذا الراكب إياكم يريد\" فانتهى إلينا الرجل، فسلَّم فرددنا عليه، فقال له النبي ﷺ: \"من أين أقبلت؟ \" قال من أهلي وولدي وعشيرتي، قال: \"فأين تريد؟ \" قال: أريد رسول الله ﷺ قال: \"فقد أصبته\" قال: يا رسول الله، علمني ما الإيمان؟ قال: \"أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت\" قال: قد أقررت، قال: ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جرذان، فهوى بعيره وهوى الرجل، فوقع على هامته فمات، فقال رسول الله ﷺ: \"عليّ بالرجل\" فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فأقعداه فقالا: يا رسول الله، قبض الرجل قال فأعرض عنهما رسول الله ﷺ: ثم قال: \"أما رأيتما إعراضي عن الرجل، فإني رأيت ملكين يدسّان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعًا\" ثم قال رسول الله ﷺ: \"هذا من الذين قال الله ﷿ فيهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ \" الآية، ثم قال: \"دونكم أخاكم\" فاحتملناه إلى الماء، فغسلناه وحنطناه وكفناه، وحملناه إلى القبر، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس على شفير القبر، فقال: \"ألحدوا ولا تشقّوا فإن اللّحد لنا والشقّ لغيرنا\" (^٦). ثم رواه أحمد عن أسود بن عامر، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وقد أسند معظمها الطبري ويشهد لها جميعًا ما تقدم وصحّ عن النبي ﷺ.\n(^٤) سنده ضعيف جدًّا بسبب محمد بن شداد المسمعي: روى أحاديث مناكير، وضعفه البرقاني والدارقطني (لسان الميزان ٥/ ١٩٩).\n(^٥) من الإيضاع وهو الإسراع.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعفه محققوه بسب أبي جناب وهو يحيى بن أبي حية الكلبي (المسند ٣١/ ٥١٣ ح ١٩١٧٦)، ولكنه توبع كما سيأتي في رواية الإمام أحمد وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":570},{"text":"عبد الحميد بن جعفر الفراء، عن ثابت، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله، فذكر نحوه وقال فيه: هذا ممن عمل قليلًا وأجر كثيرًا (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا مهران بن أبي عمر، حدثنا علي بن عبد الله، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير ساره، إذ عرض له أعرابي فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد خرجت من بلادي وتِلادي ومالي لأهتدي بهداك، وآخذ من قولك، وما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من خضر الأرض، فاعرض علي، فعرض عليه رسول الله ﷺ فقبل، فازدحمنا حوله فدخل خف بكره في بيت جرذان، فتردى الأعرابي فانكسرت عنقه، فقال رسول الله ﷺ \"صدق والذي بعثني بالحق، لقد خرج من بلاده وتلاده وماله، ليهتدي بهداي ويأخذ من قولي وما بلغني حتى ماله طعام إلا من خضر الأرض، أسمعتم بالذي عمل قليلًا وأجر كثيًرا؟ هذا منهم. أسمعتم بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون؟ فإن هذا منهم\" (^٢) [وروى ابن مردويه من حديث محمد بن يعلى الكوفي - وكان نزل الري -، حدثنا زياد بن خيثمة، عن أبي داود، عن عبد الله بن سخبرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أعطي فشكر، ومنع فصبر، وظلم فاستغفر، وظُلِم فغفر\" وسكت، قال: فقالوا يا رسول الله ما له؟ قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾] (^٣) (^٤)\n\n<span id=\"aya-872\"></span>وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ أي: وجهنا حجته على قومه، قال مجاهد وغيره: يعني بذلك قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ الآية، وقد صدقه الله وحكم له بالأمن والهداية فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ ثم قال بعد ذلك كله ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قرئ بالإضافة وبلا إضافة (^٥)، كما في سورة يوسف، وكلاهما قريب في المعنى، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أي: حكيم في أقواله وأفعاله، عليم أي: بمن يهديه ومن يضله، وإن قامت عليه الحجج والبراهين، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس] ولهذا قال ههنا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١/ ٥١٤ ح ١٩١٧٧)، وفيه متابعة ثابت لأبي جناب، وقال محققوه: حسن بطرقه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وأطول، وفي سنده علي بن عبد الله بن عامر الثعلبي وأبوه كلاهما صدوق يهم ولكنهما توبعا في الروايتين السابقين، فيكون سنده حسنًا لغيره.\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(مح) و(حم).\n(^٤) سنده ضعيف لضعف أبي داود وهو نفيع الأعمى، وكذلك عبد الله بن سخبرة: مجهول كما في \"التقريب\" وقد أرسله وضعفه البيهقي (شعب الإيمان ح ٤٤٣١)، والهيثمي (المجمع ١٠/ ٢٨٧).\n(^٥) بالإضافة هكذا ﴿دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] وبلا إضافة بالتنوين ﴿دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، وكلتاهما قراءتان متواترتان.","vol":"3","page":571},{"text":"<span id=\"aya-873\"></span>﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾.\nيذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في السن، وأيس هو وامرأته سارة من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت: ﴿يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ [هود] فبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلًا وعقبًا، كما قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ [الصافات] وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي: ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقرّ أعينكما به، كما قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه، وقعت البشارة به وبولده باسم يعقوب الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم ﵇، صن اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهبًا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله ﷿ عن قومه وعشيرته، بأولاد صالحين من صلبه على دينه، لتقر بهم عينه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ [مريم] وقال ههنا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾.\nوقوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبله هديناه كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح ﵇، فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به، وهم الذين صحبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته، وأما الخليل إبراهيم ﵇، فلم يبعث الله ﷿ بعده نبيًا، إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الآية [الحديد: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم].\nوقوله في هذه الآية الكريمة ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي: وهدينا من ذريته ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ الآية، وعود الضمير إلى نوح، لأنه أقرب المذكورين ظاهر لا إشكال فيه، وهو اختيار ابن جرير. وعوده إلى إبراهيم، لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل عليه لوط، فإنه ليس من ذرية إبراهيم، بل هو ابن أخيه ماران بن آزر، اللهم إلا أن يقال: إنه دخل في الذرية تغليبًا، وكما قال في قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا","vol":"3","page":572},{"text":"نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة] فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليبًا، وكما قال في قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١] فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود، وذمّ على المخالفة لأنه كان في تشبه بهم، فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليبًا، وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار، والملائكة من النور.\n\n<span id=\"aya-874\"></span>\n\n<span id=\"aya-875\"></span>وفي ذكر عيسى ﵇ في ذرية إبراهيم أو نوح، على القول الآخر، دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل، لأن عيسى ﵇ إنما ينسب إلى إبراهيم ﵇ بأمه ﵍، فإنه لا أب له.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا سهل بن يحيى العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا علي بن عابس، عن عبد الله بن عطاء المكي، عن أبي حرب بن أبي الأسود، قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يَعمر، فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي ﷺ، تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده؟ قال: أليس تقرأ سورة الأنعام ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حتى بلغ ﴿وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ قال: بلى. قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال: صدقت (^١).\nفلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته، أو وهبهم، دخل أولاد البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربي:\nبنونا بنو أبنائنا وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأجانب (^٢)\nوقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم أيضًا، لما ثبت في صحيح البخاري، أن رسول الله ﷺ قال للحسن بن علي: \"إن ابني هذا سيد ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\" (^٣) فسماه ابنًا، فدل على دخوله في الأبناء. وقال آخرون: هذا تجوز.\n\n<span id=\"aya-876\"></span>وقوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ ذكر أصولهم وفروعهم، وذوي طبقتهم وأن الهداية والاجتباء شملهم كلهم، ولهذا قال: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾\n\n<span id=\"aya-877\"></span>ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إياهم، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية [الزمر: ٦٥]، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوعِ، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف] وكقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ [الأنبياء: ١٧] وكقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الرحمن بن صالح وهو العتكي الكوفي صدوق يتشيع كما في \"التقريب\". وقال ابن عدي: احترق بالتشيع (ميزان الاعتدال ٢/ ٥٦٩)، والمتن يؤيد بدعته، وفيه علي بن عابس: ضعيف، فسنده ضعيف.\n(^٢) هذا البيت يستشهد به النحاة ومنهم ابن عقيل في شرحه على ألفية ابن مالك برقم (٥١) ولم ينسبه إلى قائله.\n(^٣) صحيح البخاري، الصلح، باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي ﵄ … (ح ٢٧٠٤).","vol":"3","page":573},{"text":"أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر].\n\n<span id=\"aya-878\"></span>وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ أي: أنعمنا عليه بذلك، رحمة للعباد بهم ولطفًا منا بالخليقة، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي: بالنبوة، ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا على هذه الأشياء الثلاثة، الكتاب والحكم والنبوة، وقوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أهل مكة، قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد (^١). ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أي: إن يكفر بهذه النعم، من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم، وملّيين وكتابيين، فقد وكلنا بها قومًا آخرين أي المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة.\n﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أي: لا يجحدون منها شيئًا، ولا يردون منها حرفًا واحدًا، بل يؤمنون بجميعها، محكمها ومتشابهها، جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه وإحسانه،\n\n<span id=\"aya-879\"></span>ثم قال تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الأنبياء المذكورين، مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان، وهم الأشباه، ﴿الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: هم أهل الهدى لا غيرهم ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أي: اقتد واتبع، وإذا كان هذا أمرًا للرسول ﷺ، فأمته تبع له، فيما يشرعه ويأمرهم به.\nقال البخاري عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني سليمان الأحول أن مجاهدًا أخبره، أنه سأل ابن عباس أفي (ص) سجدة؟ فقال نعم، ثم تلا ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إلى قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ثم قال هو منهم، زاد يزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد،. وسهل بن يوسف، عن العوام، عن مجاهد، قلت لابن عباس فقال: نبيكم ﷺ ممن أمر أن يقتدي بهم (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن أجرًا أي أجرة، ولا أريد منكم شيئًا، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: يتذكرون به، فيرشدون من العمى إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الكفر إلى الإيمان.\n\n<span id=\"aya-880\"></span>﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾.\nيقول الله تعالى: وما عظموا الله حق تعظيمه، إذ كذبوا رسله إليهم.\nقال ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير: نزلت في قريش (^٣)، واختاره ابن جرير.\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه ويشهد له سابقه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وزيادته (الصحيح، التفسير، باب ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ …﴾ [الأنعام: ٩٠] (ح ٤٦٣٢).\n(^٣) ما ورد عن ابن عباس بلفظ: هم الكفار، وأخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول =","vol":"3","page":574},{"text":"وقيل: نزلت في طائفة من اليهود (^١)، وقيل في فنحاص رجل منهم (^٢)، وقيل في مالك بن الصيف (^٣) ﴿قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ والأول أصح، لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد ﷺ لأنه من البشر، كما قال: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢] وكقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [الإسراء] وقال ههنا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله، في جواب سلبهم العام، بإثبات قضية جزئية موجبة، ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ وهو التوراة التي قد علمتم وكل أحد أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران، ﴿نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾، أي ليستضاء بها في كشف المشكلات، ويهتدى بها من ظلم الشبهات.\nوقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ أي: تجعلون جملتها قراطيس؛ أي: قطعًا تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم، وتحرفون منها ما تحرفون، وتبدلون وتتأولون، وتقولون هذا من عند الله؛ أي: في كتابه المنزل، وما هو من عند الله، ولهذا قال: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ أي: ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه من خبر ما سبق ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك، لا أنتم ولا آباؤكم.\nوقد قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب (^٤).\nوقال مجاهد: هذه للمسلمين (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، أي: قل الله أنزله (^٦)، وهذا الذي قاله ابن عباس، هو المتعين في تفسير هذه الكلمة، لا ما قاله بعض المتأخرين، من أن معنى ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: لا يكون خطابك لهم، إلا هذه الكلمة، كلمة \"الله\" وهذا الذي قاله هذا\n_________\n= مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عبد الله بن كثير أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف ويرويه ابن كثير عن مجاهد، ويتقوى بسابقيه.\n(^١) أخرجه الطبري بإسناد ثابت عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسندين ضعيفين عن سعيد بن جبير وعكرمة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة أنهم اليهود والنصارى.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"3","page":575},{"text":"القائل، يكون أمرًا بكلمة مفردة، من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد في لغة العرب فائدة يحسن السكوت عليها، وقوله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون، حتى يأتيهم من الله اليقين، فسوف يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد الله المتقين؟\n\n<span id=\"aya-881\"></span>وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ يعني: القرآن ﴿أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ يعني: مكة ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من أحياء العرب، ومن سائر طوائف بني آدم، ومن عرب وعجم، كما قال في الآية الأخرى ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان] وقال: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد﴾ [آل عمران: ٢٠] وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي\" وذكر منهن \"وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة\" (^١) ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: كل من آمن بالله واليوم الآخر، يؤمن بهذا الكتاب المبارك، الذي أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أي: يقيمون بما فرض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها.\n\n<span id=\"aya-882\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد أظلم، ممن كذب على الله، فجعل له شركاء أو ولدًا، أو ادعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يرسله، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾.\nقال عكرمة وقتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب (^٢).\n﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي، مما يفتريه من القول، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا﴾ الآية [الأنفال: ٣١].\nقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي: في سكراته، وغمراته، وكرباته، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بالضرب، كقوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ الآية [المائدة: ٢٨].\n_________\n(^١) تقدم في تفسير سورة النساء آية ٤٣ من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، لكن سنده مرسل، وأخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن عكرمة، وفي سنده الحسين وهو ابن داود ضعيف.","vol":"3","page":576},{"text":"وقوله: ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ الآية [الممتحنة: ٢]، وقال الضحاك وأبو صالح: ﴿باسطوا أيديهم﴾ أي بالعذاب (^١). كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] ولهذا قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بالضرب لهم، حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم، ولهذا يقولون لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ وذلك أن الكافر إذا احتضر، بشرته الملائكة بالعذاب، والنكال، والأغلال، والسلاسل، والجحيم، والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصي وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة، حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ الآية، أي اليوم تهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته والانقياد لرسله.\nوقد وردت الأحاديث المتواترة في كيفية احتضار المؤمن والكافر عند الموت وهي مقررة عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].\nوقد ذكر ابن مردويه ههنا حديثًا مطولًا جدًّا من طريق غريبة، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعًا (^٢)، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-883\"></span>وقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: يقال لهم يوم معادهم هذا كما قال: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف: ٤٨] أي: كما بدأناكم أعدناكم، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه، فهذا يوم البعث.\nوقوله: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ثم أي: من النعم والأموال التي اقتنيتموها، في الدار الدنيا وراء ظهوركم، وثبت في الصحيح، أن رسول الله ﷺ قال: \"يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس\" (^٣).\nوقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج (^٤)، فيقول الله ﷿: أين ما جمعت؟ فيقول: يا رب، جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول له: يا ابن آدم أين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئًا، وتلا هذه الآية ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ الآية، رواه ابن أبي حاتم (^٥).\nوقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم، إن كان ثم معاد، فإذا كان يوم القيامة تقطعت بهم الأسباب، وانزاح الضلال، وضل عنهم ما كانوا يفترون ويناديهم الرب ﷻ على رؤوس الخلائق ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك إذ لم يصرح الطبري باسم شيخه ومعناه صحيح، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^٢) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢١٢.\n(^٤) البذج: هو ولد الظأن وجمعه بذجان (الصحاح ١/ ٢٩٩).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا عن أبي داود عن أبي حرة عن الحسن.","vol":"3","page":577},{"text":"[القصص: ٦٢] ويقال لهم: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾ [الشعراء] ولهذا قال ههنا ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ أي: في العبادة لهم، فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم.\nثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرئ بالرفع أي شملكم، وبالنصب (^١) أي لقد تقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات والوسائب ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ أي ذهب عنكم ﴿مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ من رجاء الأصنام والأنداد، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة] وقال تعالى ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقال: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ الآية [القصص: ٦٤]، وقال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤] والآيات في هذا كثيرة جدًّا.\n\n<span id=\"aya-884\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾.\nيخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى، أي يشقه في الثرى، فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها، من الحبوب والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها من النوى، ولهذا فسر قوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: يخرج النبات الحي من الحب والنوى، الذي هو كالجماد الميت، كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٦].\nوقوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ معطوف على ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ ثم فسره ثم عطف عليه قوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ وقد عبروا عن هذا وهذا بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى، فمن قائل: يخرج الدجاجة من البيضة وعكسه، ومن قائل: يخرج الولد الصالح من الفاجر وعكسه وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها.\nثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ أي: فاعل هذا، هو الله وحده لا شريك له ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل، فتعبدون معه غيره؟\n\n<span id=\"aya-885\"></span>وقوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أي: خالق الضياء والظلام، كما قال في أول السورة ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، أي: فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح، فيضيء الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه، ويجيء النهار\n_________\n(^١) كلتا القراءتين متواترتان.","vol":"3","page":578},{"text":"بضيائه وإشراقه، كقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة، الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق الإصباح، وقابل ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أي: ساجيًا مظلمًا، لتسكن فيه الأشياء، كما قال: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى] وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل] وقال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ [الشمس].\nوقال صهيب الرومي ﵁ لامرأته وقد عاتبته في كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكنًا إلا لصهيب، إن صهيبًا إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار نومه، رواه ابن أبي حاتم (^١).\nوقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ أي: يجريان بحساب مقنن مقدر، لا يتغير ولا يضطرب، بل لكل منهما منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولًا وقصرًا، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ الآية [يونس: ٥] وكما قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس] وقال: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤].\nوقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، العليم بكل شيء، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وكثيرًا ما إذا ذكر الله تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر، يختم الكلام بالعزة والعلم، كما ذكر في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ [يس] ولما ذكر خلق السموات والأرض وما فيهن، في أول سورة حم السجدة، قال: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢].\n\n<span id=\"aya-886\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه، أن الله جعلها زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر.\nوقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ أي: قد بيناها ووضحناها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعقلون ويعرفون الحق، ويتجنبون الباطل.\n\n<span id=\"aya-887\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: آدم ﵇، كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد العزيز بن أبي رواد عن صهيب وسنده ضعيف لأن عبد العزيز لم يسمع من صهيب ﵁ بل لم يدرك أحدًا من الصحابة ﵃.","vol":"3","page":579},{"text":"وقوله: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ اختلفوا في معنى ذلك، فعن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي عبد الرحمن السلمي، وقيس بن أبي حازم، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والسدير، وعطاء الخراساني، وغيرهم ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ أي: في الأرحام (^١)، قالوا - أو أكثرهم - ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي: في الأصلاب.\nوعن ابن مسعود وطائفة عكسه، وعن ابن مسعود أيضًا وطائفة، فمستقر في الدنيا، ومستودع حيث يموت.\n[وقال سعيد بن جبير: فمستقر في الأرحام، وعلى ظهر الأرض، وحيث يموت] (^٢) (^٣).\nوقال الحسن البصري: المستقر الذي قد مات، فاستقر به عمله (^٤).\nوعن ابن مسعود: ومستودع في الدار الآخرة (^٥). والقول الأول أظهر، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ أي: يفهمون ويعون كلام الله ومعناه،\n\n<span id=\"aya-888\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي: بقدر مباركًا ورزقًا للعباد وإحياء وغياثًا للخلائق، رحمة من الله بخلقه ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. [الأنبياء: ٣٠].\n﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ أي: زرعًا وشجرًا أخضر، ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر، ولهذا قال تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ أي: يركب بعضه بعضًا كالسنابل ونحوها، ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ﴾ أي: جمع قنو، وهو عذوق الرطب ﴿دَانِيَةٌ﴾ أي: قريبة من المتناول، كما قال علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ يعني: بالقنوان الدانية قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض (^٦)، رواه ابن جرير. قال ابن جرير: وأهل الحجاز يقولون قِنوان، وقيس يقولون قُنوان، قال امرؤ القيس:\nفأثّت أعاليه وآدت أصوله … ومال بقنوان من البُسر أحمرا (^٧)\n_________\n(^١) ذكرهم ابن أبي حاتم أغلبهم بحذف السند وقول ابن مسعود أخرجه الحاكم بسند صحيح، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٤١)، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عطاء بن أبي رباح أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن جريج عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري من عدة طرق يقوي بعضها بعضًا، وقول عطاء الخراساني أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حماد بن سلمة عنه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير.\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (مح) و(حم).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور بن المعتمر عن الحسن.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق من طريق إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، وسنده ضعيف لأن النخعي لم يسمع ابن مسعود.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق الوالبي به نحوه.\n(^٧) ذكره الطبري وهو في ديوان امرئ القيس ص ٦٧.","vol":"3","page":580},{"text":"قال: وتميم يقولون قنيان بالياء (^١) قال: وهي جمع قنو، كما أن صنوان جمع صنو، وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ أي: ونخرج منه جنات من أعناب، وهذان النوعان هما أشرف الثمار عند أهل الحجاز، وربما كانا خيار الثمار في الدنيا كما امتن الله بهما على عباده، في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] وكان ذلك قبل تحريم الخمر، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [يس: ٣٤] وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ قال قتادة وغيره: متشابه في الورق قريب الشكل، [بعضه من بعض] (^٢)، ويتخالف في الثمار شكلًا وطعمًا وطبعًا.\nوقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ أي: نضجه، قاله البراء بن عازب، وابن عباس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي، وقتادة (^٣)، وغيرهم؛ أي: فكروا في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود، بعد أن كان حطبًا، صار عنبًا ورطبًا، وغير ذلك مما خلق ﷾، من الألوان والأشكال والطعوم والروائح، كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ الآية [الرعد: ٤] ولهذا قال ههنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ أيها الناس ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي: دلالات، على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون به ويتبعون رسله (^٤).\n\n<span id=\"aya-889\"></span>﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾.\nهذا ردّ على المشركين، الذين عبدوا مع الله غيره، وأشركوا به في عبادته، أن عبدوا الجن، فجعلوهم شركاء له في العبادة، تعالى الله عن شركهم وكفرهم.\nفإن قيل: فكيف عبدت الجن، مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما عبدوها، إلا عن طاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك، كقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء] وكقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ الآية [الكهف: ٥٠].\n_________\n(^١) ذكره الطبري ولم يذكر ما بعده.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"من بعضه بعض\".\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول البراء فقد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عنه، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٤) ورد في حاشية الأصل: آخر أجزاء المؤلف - رحمه لله - من هذه السورة، ومن هذه الآية ابتدأ بتعليق هذا التفسير إلى آخر القرآن، ثم فسر من سورة البقرة إلى ههنا، ووافق التعليق يوم الجمعة رابع عشر من ذي قعدة، كذا نصه، سنة إحدى وأربعين وسبع مائة، فكتب الجميع في نحو أربع سنين. اهـ.","vol":"3","page":581},{"text":"وقال إبراهيم لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ [مريم] وكقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس] وتقول الملائكة يوم القيامة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ] ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ أي: وخلقهم، فهو الخالق وحده لا شريك له، فكيف يعبد معه غيره، كقول إبراهيم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات] ومعنى الآية: أنه ﷾ هو المستقل بالخلق وحده، فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة، وحده لا شريك له.\nوقوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ينبه به تعالى عن ضلال من ضلّ، في وصفه تعالى بأن له ولدًا كما يزعم من قاله من اليهود في عزير، ومن قال من النصارى في عيسى، ومن قال من مشركي العرب في الملائكة، إنها بنات الله - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا -، ومعنى ﴿وَخَرَقُوا﴾ أي: اختلقوا وائتفكوا وتخرصوا وكذبوا، كما قاله علماء السلف:\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وخرقوا يعني تخرصوا (^١).\nوقال العوفي، عنه: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: جعلوا له بنين وبنات (^٢). وقال مجاهد: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ قال: كذبوا وكذا قال الحسن (^٣)، وقال الضحاك: وصفوا (^٤).\nوقال السدي: قطعوا (^٥).\nقال ابن جرير: وتأويله إذًا وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياهم، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير، ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلًا بالله وبعظمته، فإنه لا ينبغي لمن كان إلهًا، أن يكون له بنون وبنات، ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك (^٦)، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تقدس وتنزه وتعاظم، عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون، من الأولاد والأنداد والنظراء والشركاء.\n\n<span id=\"aya-890\"></span>﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾.\n﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدعهما، وخالقهما، ومنشئهما، ومحدثهما، على غير مثال سبق، كما قال مجاهد والسدي (^٧): ومنه سميت البدعة بدعة، لأنه لا نظير لها فيما سلف، ﴿أَنَّى\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بسابقه.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٤) كذا في الأصل وفي رواية ابن أبي حاتم، وفي (عش) و(مح) بلفظ: \"وضعوا\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بلفظ: \"ابتدعهما فخلقهما، ولم يخلق قبلها شيئًا فيتمثل عليه\"، ثم قال: وروي عن مجاهد نحو ذلك.","vol":"3","page":582},{"text":"يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: كيف يكون ولد، ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ أي: والولد إنما يكون متولدًا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه، لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبة له ولا ولد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم].\n﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء، وأنه بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه، وهو الذي لا نظير له، فأنى يكون له ولد، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\n\n<span id=\"aya-891\"></span>﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾.\nيقول تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الذي خلق كل شيء، ولا ولد له ولا صاحبة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ أي: فاعبدوه وحده، لا شريك له، وأقروا له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له، ولا والد ولا صاحبة له، ولا نظير ولا عديل ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي: حفيظ ورقيب، يدبر كل ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.\n\n<span id=\"aya-892\"></span>وقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فيه أقوال للأئمة من السلف:\n(أحدها) لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار، عن رسول الله ﷺ، من غير ما طريق ثابت، في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدًا أبصر ربه فقد كذب، وفي رواية على الله، فإن الله تعالى قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ رواه ابن أبي حاتم: من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي الضحى، عن مسروق (^١)، ورواه غير واحد عن مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه (^٢).\nوخالفها ابن عباس، فعنه: إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين، والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء الله.\nوقال ابن أبي حاتم: ذَكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحيى بن معين، قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ قال هذا في الدنيا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش به، وسنده حسن.\n(^٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم \"أمين. . .\" (ح ٣٢٣٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"3","page":583},{"text":"وذكر أبي عن هشام بن عبيد الله، أنه قال نحو ذلك (^١).\nوقال آخرون: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: جميعها وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة.\nوقال آخرون من المعتزلة، بمقتضى ما فهموه من هذه الآية، أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل، بما دلّ عليه كتاب الله وسنّة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة] وقال تعالى عن الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين].\nقال الإمام الشافعي: فدلّ هذا، على أن المؤمنين لا يحجبون عنه ﵎. أما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال وغير واحد من الصحابة، عن النبي ﷺ، أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، في العرصات وفي روضات الجنّات (^٢)، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: العقول، رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي حصين يحيى بن الحصين، قارئ أهل مكة، أنه قال ذلك (^٣)، وهذا غريب جدًا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية، والله أعلم.\nوقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو؟\nفقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلّا هو، وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر، فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى.\nوقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] وفي صحيح مسلم: \"لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك\" (^٤) ولا يلزم منه عدم الثناء فكذلك هذا.\nقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال: لا يحيط بصر أحد بالملك (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه وسنده حسن.\n(^٢) أخرج الإمام مسلم عدة أحاديث بنحوه من حديث عبد الله بن قيس وصهيب الرومي وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة (الصحيح، الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ ح ١٨٠ - ١٨١)، وباب معرفة طريق الرؤية (ح ١٨٢ - ١٨٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (ح ٤٨٦).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به.","vol":"3","page":584},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: فكلها ترى؟ (^١).\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في الآية: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وهو أعظم من أن تدركه الأبصار (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة] قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به، من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (^٣).\nوورد في تفسير هذه الآية حديث رواه ابن أبي حاتم ههنا، فقال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث السهمي، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال: \"لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفًا واحدًا، ما أحاطوا بالله أبدًا\" (^٤). غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم.\nوقال آخرون في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ بما رواه الترمذي في جامعه، وابن أبي عاصم في كتاب السنة له، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه أيضًا، والحاكم في مستدركه، من حديث الحكم بن أبان، قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه ﵎، فقلت: أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ الآية، فقال لي: لا أم لك، ذلك نوره، الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء، وفي رواية لا يقوم له شيء (^٥)، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفي معنى هذا الأمر، ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعًا: \"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه النور - أو النار - لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أبو عرفجة وهو عمير بن عرفجة الكوفي، سكت عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عطية العوفي.\n(^٥) أخرجه الترمذي (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة النجم (ح ٣٢٧٩)، وابن أبي عاصم (السنة ح ٤٣٧)، وابن أبي حاتم والحاكم (المستدرك ٢/ ٣٠٦)، وفي سنده الحكم بن أبان صدوق له أوهام كما في (التقريب ص ١٧٤)، وله شاهد من حديث أُبي أخرجه مسلم (الصحيح، الإيمان، باب قوله ﵇ نور أنى أراه ح ١٧٨)، ويشهد له أيضًا الحديث التالي.\n(^٦) أخرجه مسلم، الإيمان، باب قوله ﷺ: \"إن الله لا ينام\" (ح ١٧٩).","vol":"3","page":585},{"text":"وفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، أي: تدعثر.\nوقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه، تعالى وتقدس وتنزه، فلا تدركه الأبصار.\nولهذا كانت أُم المؤمنين عائشة ﵂، تثبت الرؤية في الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (^١) فالذي نفته الإدراك، الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال، على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة، ولا لشيء.\nوقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي: يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه، لأنه خلقها كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك] وقد يكون عبر بالإبصار عن المبصرين، كما قال السدي: في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق (^٢).\nوقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ قال: اللطيف لاستخراجها، الخبير بمكانها (^٣)، والله أعلم، وهذا كما قال تعالى إخبارًا عن لقمان فيما وعظ به ابنه ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان].\n\n<span id=\"aya-893\"></span>﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾.\nالبصائر هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به رسول الله ﷺ ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ كقوله: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٥] ولهذا قال: ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ لما ذكر البصائر، قال: ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ أي: إنما يعود وباله عليه، كقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].\n﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: بحافظ ولا رقيب، بل أنا مبلغ، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء.\n\n<span id=\"aya-894\"></span>وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: وكما فصلنا الآيات في هذه السورة، من بيان التوحيد، وأنه لا إله إلا هو، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة الجاهلين، وليقول المشركون والكافرون المكذبون: دارست يا محمد من قبلك، من أهل الكتاب\n_________\n(^١) تقدم حديثها في بداية تفسير هذه الآية.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربغ بن أنس عن أبي العالية.","vol":"3","page":586},{"text":"وقارأتهم، وتعلمت منهم، هكذا قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك (^١)، وغيرهم.\nوقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن كيسان، قال: سمعت ابن عباس يقول: دارست: تلوت، خاصمت، جادلت (^٢).\nوهذا كقوله تعالى إخبارًا عن كذبهم وعنادهم، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: ٤، ٥] الآية، وقال تعالى إخبارًا عن زعيمهم، وكاذبهم: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر].\nوقوله: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه والباطل فيجتنبونه فلّله تعالى الحكمة البالغة في إضلال أولئك وبيان الحق لهؤلاء كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] الآية، وكقوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣] ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤] وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة، على أنه تعالى أنزل القرآن هدى للمتقين، وأنه يضل به من يشاء، ويهدي من يشاء.\nولهذا قال ههنا: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾ وقرأ بعضهم ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ قال التميمي عن ابن عباس: درست أي قرأت وتعلمت (^٣)، وكذا قال مجاهد (^٤)، والسدي، والضحاك (^٥)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد.\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أربدة التميمي عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يحيى أبي المعلى العطار عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ١٣٧ ح ١١٢٨٣)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ٢٢)، وأخرجه عبد الرزاق عن سفيان به (المصنف ٢/ ٢١٦)، وعمرو بن كيسان ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح ٦/ ٢٥٦).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أربدة به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.","vol":"3","page":587},{"text":"وقال عبد الرزاق: عن معمر، قال الحسن: (وليقولوا دَرَسَتْ) يقول: تقادمت وانمحت (^١).\nوقال عبد الرزاق أيضًا: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمعت ابن الزبير يقول: إن صبيانًا يقرأون هاهنا (دَرَسَتْ)، وإنما هي ﴿دَرَسْتَ﴾ (^٢).\nوقال شعبة: حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال: هي في قراءة ابن مسعود (دَرَسَتْ)، يعني بغير ألف، بنصب السين ووقف على التاء (^٣).\nقال ابن جرير: ومعناه: انمحت وتقادمت، أي: أن هذا الذي تتلوه علينا، قد مر بنا قديمًا وتطاولت مدته.\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أنه قرأها (دُرِسَتْ)، أي: قُرِأت وتُعَلمت (^٤)، وقال معمر عن قتادة: (دُرِسَتْ) قُرِأتْ، وفي حرف ابن مسعود: (درس) (^٥).\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا حجاج، عن هارون، قال: هي في حرف أُبي بن كعب، وابن مسعود (وليقولوا دَرَسَ) (^٦)، قال: يعنون النبي ﷺ أنه قرأ، وهذا غريب، فقد روي عن أُبي بن كعب خلاف هذا: قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن ليث، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أحمد بن أبي بزة المكي، حدثنا وهب بن زمعة، عن أبيه، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب، قال: أقرأني رسول الله ﷺ ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث وهب بن زمعة، وقال: يعني بجزم السين ونصب التاء (^٧)، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n\n<span id=\"aya-895\"></span>﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾.\nيقول تعالى آمرًا لرسوله ﷺ ولمن اتبع طريقته: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: اقتد به واقتف أثره، واعمل به، فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق، الذي لا مرية فيه، لأنه لا إله إلا هو ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي اعف عنهم واصفح واحتمل أذاهم، حتى يفتح الله لك، وينصرك ويظفرك عليهم واعلم أن لله حكمة في إضلالهم، فإنه لو شاء لهدى الناس جميعا، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح وهي قراءة متواترة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح وهي قراءة متواترة.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق شعبة به، وهي قراءة متواترة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح عن سعيد به، وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند منقطع لأن قتادة لم يسمع ابن مسعود، وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق أبي عبيد به، وسنده ضعيف للانقطاع بين هارون وأُبي وابن مسعود فإنه لم يسمع منهما بل لم يدركهما. والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٧) أخرجه الحاكم من طريق وهب به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٣٨)، وفي سنده زمعة وهو ابن صالح وهو ضعيف (التقريب ص ٢١٧)، ولا يضر فإن القراءة متواترة.","vol":"3","page":588},{"text":"<span id=\"aya-896\"></span>﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ أي: بل له المشيئة والحكمة، فيما يشاؤه ويختاره، لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: حافظًا، تحفظ أقوالهم وأعمالهم ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: موكل على أرزاقهم وأمورهم إن عليك إلا البلاع كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية] وقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].\n\n<span id=\"aya-897\"></span>﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾.\nيقول الله تعالى ناهيًا لرسوله ﷺ والمؤمنين عن سبّ آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (^١).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدوًا بغير علم، فأنزل الله ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (^٢).\nوروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي أنه قال في تفسيره هذه الآية: لما حضر أبا طالب الموت: قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعه، فلما مات قتلوه.\nفانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأُمية وأُبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري، وبعثوا رجلًا منهم يقال له: المطلب، قالوا: استأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذنَ لهم عليه، فدخلوا عليه، فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدًا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعه وإلهه، فدعاه فجاء النبي ﷺ، فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول الله ﷺ: \"ما تريدون؟ \" قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، ولندعك وإلهك، فقال النبي ﷺ: \"أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة، إن تكلمتم بها ملكتم العرب، ودانت لكم بها العجم، وأدت لكم الخراج\" قال أبو جهل: وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها قالوا: فما هي؟ قال: \"قولوا: لا إله إلا الله\" فأبوا واشمأزوا، قال أبو طالب: يا ابن أخي، قل غيرها، فإن قومك قد فزعوا منها، قال: \"يا عم ما أنا بالذي يقول غيرها، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي، ما قلت غيرها\" إرادة أن يؤيسهم فغضبوا، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتمن من يأمرك،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل ويشهد له سابقه.","vol":"3","page":589},{"text":"فذلك قوله: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (^١).\nومن هذا القبيل، وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها، ما جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"ملعون من سبّ والديه\" قالوا: يا رسول الله، وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: \"يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه ويسبّ أمه فيسب أمه\" أو كما قال ﷺ (^٢).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أي: وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم، والمحاماة لها والانتصار، كذلك زينا لكل أمة من الأمم الخالية على الضلال عملهم الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة، والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: معادهم ومصيرهم ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: يجازيهم بأعمالهم، إن خيرًا فخيرٌ وإن شرًا فشرٌّ.\n\n<span id=\"aya-898\"></span>﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾.\nيقول تعالى إخبارًا عن المشركين، أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، أي حلفوا أيمانًا مؤكدة ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ أي: معجزة وخارقة ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ أي: ليصدقنها ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: قل: يا محمد هؤلاء الذين يسألونك الآيات، تعنتًا وكفرًا وعنادًا، لا على سبيل الهدى والاسترشاد، إنما مرجع هذه الآيات إلى الله، إن شاء جاءكم بها، وإن شاء ترككم.\nقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: كلّم رسول الله ﷺ قريش، فقالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كان لهم ناقة، فآتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله ﷺ: \"أي شيء تحبون أن آتيكم به؟ \"، قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبًا، فقال لهم: \"فإن فعلت تصدقوني؟ \" قالوا: نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون، فقام رسول الله ﷺ يدعو، فجاءه جبريل ﵇، فقال له: ما شئت إن شئت أصبح الصفا ذهبًا، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول الله ﷺ: \"بل يتوب تائبهم\" فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١] (^٣). وهذا مرسل، وله شواهد من وجوه أخر.\nوقال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [قيل: المخاطب بما يشعركم المشركون وإليه ذهب مجاهد وكأنه يقول لهم، وما\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل، ويتقوى بالشواهد التي ستأتي في تفسير سورة ص آية ٦.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٣١، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي معشر وهو السندي، ولإرسال محمد بن كعب وله شاهد يقويه يأتي في سورة الإسراء آية ٥٩.","vol":"3","page":590},{"text":"يدريكم بصدقكم في هذه الأيمان التي تقسمون بها، وعلى هذا فالقراءة ﴿إنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾] (^١) (^٢) بكسر أنها استئناف الخبر عنهم بنفي الإيمان عن مجيء الآيات التي طلبوها، وقرأ بعضهم (أنها إذا جاءت لا تؤمنون) بالتاء المثناة من فوق وقيل: المخاطب بقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ المؤمنون، يقول: وما يدريكم أيها المؤمنون، وعلى هذا فيجوز في قوله: ﴿أَنَّهَا﴾ الكسر كالأول والفتح على أنه معمول يشعركم، وعلى هذا فتكون لا في قوله: ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ صلة كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ [الأنبياء] أي: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك، وحرام أنهم يرجعون، وتقديره في هذه الآية، وما يدريكم أيها المؤمنون الذين تودون لهم ذلك، حرصًا على إيمانهم، أنها إذا جاءتهم الآيات يؤمنون، قال بعضهم: أنها بمعنى لعلها.\nقال ابن جرير: وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أُبي بن كعب، قال: وقد ذكر عن العرب سماعًا اذهب إلى السوق، أنك تشتري لنا شيئًا، بمعنى لعلك تشتري، قال: وقد قيل: إن قول عدي بن زيد العبادي من هذا:\nأعاذل ما يُدريك أن منيتي … إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد (^٣)\nوقد اختار هذا القول ابن جرير، وذكر عليه من شواهد أشعار العرب والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-899\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، ورُدّت عن كل أمر (^٤).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾: ونحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة (^٥)، وكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٦).\nوقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵁، أنه قال: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، وقال: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] جلّ وعلا وقال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [الزمر]. فأخبر الله سبحانه، أنهم لو ردوا لم يكونوا على الهدى، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقال: ولو رُدّوا إلى الدنيا، لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا (^٧).\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٢) والقراءتان بالفتح والكسر في قوله: \"إنها\" متواترتان.\n(^٣) ذكره الطبري مع القراءة عن أُبي من غير إسناد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد.\n(^٦) قول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء الخراساني عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ بن الفرج عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"3","page":591},{"text":"وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ أي: نتركهم ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس والسدي: في كفرهم (^١). وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة: في ضلالهم (^٢). ﴿يَعْمَهُونَ﴾ قال الأعمش: يلعبون (^٣)، وقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، والربيع، وأبو مالك، وغيره: في كفرهم يتردّدون (^٤).\n\n<span id=\"aya-900\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾.\nيقول تعالى: ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء، الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم، لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، فنزلنا عليهم الملائكة تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل، كما سألوا فقالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] و﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ [الفرقان].\n﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ أي: فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قرأ بعضهم، قِبَلًا بكسر القاف وفتح الباء، من المقابلة والمعاينة، [وقرأ آخرون بضمهما (^٥)، قيل معناه: من المقابلة والمعاينة] (^٦) أيضًا، كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس (^٧)، وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٨)، وقال مجاهد: قبلًا أي أفواجًا، قبيلًا قبيلًا (^٩)، أي تعرض عليهم كل أُمة بعد أُمة، فيخبرونهم بصدق الرسل فيما جاءوهم به ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: أن الهداية إليه لا إليهم، بل يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء] لعلمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-901\"></span>﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾.\nيقول تعالى: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك، جعلنا لكل نبي\n_________\n(^١) قول ابن عباس والسدي أخرجهما ابن أبي حاتم بسندين ضعيفين يقوي أحدهما الآخر، وتشهد لهما اللغة.\n(^٢) قول الربيع وأبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع عن أبي العالية.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سفيان عن الأعمش.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٥.\n(^٥) وكلتاهما قراءتان متواترتان.\n(^٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من الطريقين عن ابن عباس والطريق الأول يقوي الطريق الثاني.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بنحوه.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد.","vol":"3","page":592},{"text":"من قبلك أيضًا أعداء فلا يحزنك ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٨٤] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ [فصلت] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الآية [الفرقان: ٣١].\nوقال ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ: إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي (^١).\nوقوله: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ بدل من ﴿عَدُوًّا﴾ أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، والشيطان كل من خرج عن نظيره بالشر، ولا يعادي الرسل إلا الشياطين من هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم.\nقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض، قال قتادة: وبلغني أن أبا ذرّ، كان يومًا يصلي، فقال النبي ﷺ: \"تعوّذ يا أبا ذرّ من شياطين الإنس والجن\" فقال: أو إنَّ من الإنس شياطين؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\" (^٢). وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر.\nوقد روي من وجه آخر، عن أبي ذرّ ﵁، قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب، وغيره من المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذرّ، قال: أتيت رسول الله ﷺ في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال، فقال: \"يا أبا ذرّ هل صليت؟ \" قلت: لا يا رسول الله، قال: \"قم فاركع ركعتين\" قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال: \"يا أبا ذرّ هل تعوذت بالله من شياطين الإنس والجن\" قال: قلت: لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: \"نعم هم شر من شياطين الجن\" (^٣) وهذا أيضًا فيه انقطاع، وروي متصلًا.\nكما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأنا أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذرّ، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد، فجلست فقال: \"يا أبا ذرّ هل صليت؟ \" قلت: لا، قال: \"قم فصلّ\" قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال: \"يا أبا ذرّ تعوّذ بالله من شر شياطين الإنس والجن\" قال: قلت: يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: \"نعم\" وذكر تمام الحديث بطوله (^٤). وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من حديث جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي به.\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂ (صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب ٣ ح ٣ وصحيح مسلم، الإيمان، باب بدء الوحي ح ١٦٠).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع الذي ذكره الحافظ ابن كثير وقد صححه الحافظ بمجموع طرقه كما سيأتي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أيضًا انقطاع بين عائذ وأبي ذرّ، ويتقوى بالطرق الأخرى التالية:\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه محققوه (المسند ٣٥/ ٤٣١ - ٤٣٢ ح ٢١٥٤٦)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير ٦/ ٢٥٨)، فهو يوافق الحافظ ابن كثير كما تقدم.","vol":"3","page":593},{"text":"(طريق أخرى عن أبي ذر) قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن حميد بن هلال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذرّ، أن رسول الله ﷺ قال: \"يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن\" قال: قلت: يا رسول الله هل للإنس من شياطين؟ قال: \"نعم\" (^١).\n(طريق أخرى للحديث) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا ذر تعوذت من شياطين الإنس والجن\" قال: قلت: يا رسول وهل للإنس شياطين؟ قال: \"نعم\" ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (^٢).\nفهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته، والله أعلم.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال: ليس من الإنس شياطين، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن، قال: وحدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن عكرمة، في قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ قال: للإنسي شيطان، وللجني شيطان، فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا (^٣).\nوقال أسباط، عن السدي، عن عكرمة في قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: أما شياطين الإنس، فالشياطين التي تضل الإنس، وشياطين الجن التي تضل الجن، يلتقيان، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضُهم بعضًا (^٤)، ففهم ابن جرير من هذا، أن المراد بشياطين الإنس، عند عكرمة والسدي، الشياطين من الجن الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه شياطين الإنس منهم، ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عكرمة، وأما كلام السدي فليس مثله في هذا المعنى، وهو محتمل، وقد روى ابن أبي حاتم نحو هذا عن ابن عباس، من رواية الضحاك عنه، قال: إن للجن شياطين يضلونهم، مثل شياطين الإنس يضلونهم، قال: فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا: أضلله بكذا، فهو قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (^٥).\nوعلى كل حال، فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذرّ، أن للإنس شياطين منهم، وشيطان كل شيء ما رده، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أبي ذرّ، أن رسول الله ﷺ قال: \"الكلب الأسود شيطان\" ومعناه - والله أعلم -: شيطان في الكلاب (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده إبهام شيخ حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف وصححه الحافظ بمجموع طرقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنديه ومتنيه، والسند الأول يتقوى بالسند الثاني، فسنده حسن. وعكرمة سقط من السند الثاني في طبعة أحمد شاكر.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بدون ذكر عكرمة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس.\n(^٦) صحيح مسلم، الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي (ح ٥١٠).","vol":"3","page":594},{"text":"وقال ابن جريج: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: كفار الجن شياطين، يوحون إلى شياطين الإنس، كفار الإنس، زخرف القول غرورًا (^١).\nوروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني، حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: اخرج إلى الناس فحدثهم، قال: فخرجت، فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟، فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣] وقال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ قال فهمّوا بي أن يأخذوني، فقلت لهم: ما لكم ذاك، إني مفتيكم وضيفكم فتركوني (^٢).\nوإنما عرّض عكرمة بالمختار - وهو ابن أبي عبيد قبحه الله - وكان يزعم أنه يأتيه الوحي، وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر، وكانت من الصالحات، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: صدق، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١].\nوقوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف، وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره.\n﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: وذلك كله بقدر الله وقضائه، وإرادته ومشيئته، أن يكون لكل نبي عدو من هؤلاء ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي: فدعهم، ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أي: يكذبون. أي دع أذاهم، وتوكل على الله في عداوتهم، فإن الله كافيك وناصرك عليهم.\n\n<span id=\"aya-902\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾ أي: ولتميل إليه. قاله ابن عباس (^٣) ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: قلوبهم وعقولهم وأسماعهم.\nوقال السدي: قلوب الكافرين (^٤). ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ أي: يحبوه ويريدوه، وإنما يستجيب ذلك من لا يؤمن بالآخرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ [الصافات] وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ [الذاريات].\nوقوله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وليكتسبوا ما هم مكتسبون (^٥).\nوقال السدي وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي يزيد المدني عن عكرمة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من عبد الله بن وهب عنه.","vol":"3","page":595},{"text":"<span id=\"aya-903\"></span>﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾.\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: قل لهؤلاء المشركين بالله، الذين يعبدون غيره: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ أي: بيني وبينكم ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ أي: مبينًا ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: من اليهود والنصارى، ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بما عندهم من البشارات بك، من الأنبياء المتقدمين ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ [يونس] وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه، ولهذا جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا أشك ولا أسأل\".\n\n<span id=\"aya-904\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ قال قتادة: صدقًا فيما قال وعدلًا فيما حكم (^١)، يقول صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إلى آخر الآية [الأعراف: ١٥٧].\n﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى، لا في الدنيا ولا في الآخرة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوال عباده ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كل عامل بعمله.\n\n<span id=\"aya-905\"></span>﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾.\nيخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض، من بني آدم أنه الضلال، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ [الصافات] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف] وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ فإن الخرص هو الجزر، ومنه خرص النخل، وهو جزر ما عليها من التمر،\n\n<span id=\"aya-906\"></span>وذلك كله عن قدر الله ومشيئته ﴿هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فييسره لذلك ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ فييسرهم لذلك، وكل ميسر لما خلق له.\n\n<span id=\"aya-907\"></span>﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾.\nهذا إباحة من الله، لعباده المؤمنين، أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار قريش من أكل الميتات، وأكل ما ذبح\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"3","page":596},{"text":"على النصب وغيرها،\n\n<span id=\"aya-908\"></span>ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه، قرأ بعضهم فصّل بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح، ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلا في حال الاضطرار، فإنه يباح لكم ما وجدتم، ثم بيّن تعالى جهالة المشركين، في آرائهم الفاسدة، من استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم.\n\n<span id=\"aya-909\"></span>﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾.\nقال مجاهد: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ المعصية في السر والعلانية (^١)، وفي رواية عنه، هو ما ينوي مما هو عامل (^٢).\nوقال قتادة: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ أي: سره وعلانيته قليلهُ وكثيرهُ (^٣).\nوقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه الزنا مع الخليلة والصدائق والأخدان (^٤).\nوقال عكرمة: ظاهره نكاح ذوات المحارم. والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله، وهي كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ الآية [الأعراف: ٣٣]، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أي: سواء كان ظاهرًا أو خفيًا، فإن لله سيجزيهم عليه.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله ﷺ عن الإثم، فقال: \"الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-910\"></span>﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾.\nاستدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلمًا، وقد اختلف الأئمة ﵏ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nفمنهم من قال لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدًا أو سهوًا، وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن الإمام\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه مسلم من طريق عبد الرحمن بن مهدي به (الصحيح، البر والصلة، باب تفسير البر والإثم ح ٢٥٥٣).","vol":"3","page":597},{"text":"مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي، من متأخري الشافعية، في كتابه \"الأربعين\"، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والضمير قيل عائد على الأكل، وقيل عائد على الذبح لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عَدي بن حاتم وأبي ثعلبة: \"إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك\" وهما في الصحيحين (^١)، وحديث رافع بن خديج: \"ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه\" وهو في الصحيحين أيضًا (^٢)، وحديث ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال للجن: \"لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه\" رواه مسلم (^٣)، وحديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح، حتى صلينا فليذبح باسم الله\" أخرجاه (^٤)، وعن عائشة ﵂: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: \"سموا عليه أنتم وكلوا\" قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر رواه البخاري (^٥).\nووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين عن السداد، والله أعلم.\nوالمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركت عمدًا أو نسيانًا لا يضرّ، وهذا مذهب الإمام الشافعي ﵀، وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل نقلت عنه. وهو رواية عن الإمام مالك، ونصّ على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحُكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم.\nوحمل الشافعي الآية الكريمة ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقال ابن جريج عن عطاء ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس (^٦).\nوهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل الواو في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية، أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال\n_________\n(^١) تقدم تخريجه من حديث عَدي وأبي ثعلبة في تفسير سورة المائدة آية ٤.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٣.\n(^٣) صحيح مسلم، الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح (ح ٤٥٠).\n(^٤) صحيح البخاري، العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد (ح ٩٨٥) وصحيح مسلم، الأضاحي: باب وقت الأضاحي (ح ١٩٦٠).\n(^٥) صحيح البخاري، البيوع، باب من لم يرَ الوساوس … (ح ٢٠٥٧).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يحيى بن أبي زائدة عن ابن جريج به.","vol":"3","page":598},{"text":"كونه فسقًا، ولا يكون فسقًا حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة، لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية على جملة فعلية طلبية وهذا ينتقض عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ فإنها عاطفة لا محالة، فإن كانت الواو التي ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال، امتنع عطف هذه عليها فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن الواو حالية بطل ما قال من أصله، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في الآية ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: هي الميتة (^١).\nثم رواه عن أبي زرعة، عن يحيى بن عبد الله بن بكير، عن ابن لهيعة، عن عطاء وهو ابن السائب به (^٢)، وقد استدل لهذا المذهب، بما رواه أبو داود في المراسيل: من حديث ثور بن يزيد، عن الصلت السدوسي مولى سويد بن منجوف، أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم ابن حبان في كتاب الثقات، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله\" (^٣) وهذا مرسل، يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: \"إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله\" (^٤) واحتج البيهقي أيضًا بحديث عائشة ﵂ المتقدم، أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا حديثي عهد بجاهلية، يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: \"سمّوا أنتم وكلوا\" (^٥). قال: فلو كان وجود التسمية شرطًا، لم يرخص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم.\nالمذهب الثالث في المسألة: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانًا لم يضرّ، وإن تركها عمدًا لم تحلّ، هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهويه وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ونقل الإمام أبو الحسن المرغيناني، في كتابه \"الهداية\" الإجماع قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدًا، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ: لو حكم حاكم بجواز بيعه، لم ينفذ لمخالفة الإجماع، وهذا الذي قاله غريب جدًا، وقد تقدم نقل الخلاف عمّن قبل الشافعي، والله أعلم.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: من حرّم ذبيحة الناس فقد خرج من قول جميع الحُجّة،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ولكن بدون ذكر ابن عباس.\n(^٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المراسيل ح ٣٧٨) وسنده ضعيف بسبب الإرسال وجهالة الصلت السدوسي (ينظر نصب الراية ٤/ ١٨٢) وشهد له قول ابن عباس التالي.\n(^٤) أخرجه الدارقطني (السنن ٤/ ٢٩٥) وصححه البيهقي موقوفًا (السنن الكبرى ٩/ ٢٤٠)، وكذا الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير ٤/ ١٥١).\n(^٥) تقدم تخريجه قبل بضع روايات.","vol":"3","page":599},{"text":"وخالف الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في ذلك (^١)، يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: \"المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله\" (^٢) وهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزري، فإنه وان كان من رجال مسلم، إلا أن سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميدي، روياه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، من قوله فزادا في إسناده أبا الشعثاء ووقفاه، وهذا أصح، نص عليه البيهقي (^٣) وغيره من الحفاظ.\nثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك التسمية نسيانا، والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيرًا، والله أعلم، إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفًا لقول الجمهور، فيعده إجماعًا، فليُعلم هذا، والله الموفق.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهِير بن يزيد، قال: سئل الحسن، سأله رجل: أتيت بطير [كرًى] (^٤)، فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير، فقال الحسن: كُلْهُ كُله، قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (^٥).\nواحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجه عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ذرّ، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (^٦) وفيه نظر، والله أعلم.\nوقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي، فقال النبي ﷺ: \"اسم الله على كل مسلم\" (^٧)\n_________\n(^١) التفسير ١٢/ ٨٥.\n(^٢) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٩/ ٢٣٩) ورفعه خطأ كما قرر الحافظ ابن كثير، والصواب وقفه كما سيأتي في الرواية التي تليه.\n(^٣) السنن الكبرى ٩/ ٢٣٩ - ٢٤٠.\n(^٤) كذا في النسخ الخطية والمثبت من تفسير الطبري (في النسختين المحققتين) قال الأستاذ أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري: جمع الكروان وهو طائر بين الدجاجة والحمامة حسن الصوت يؤكل لحمه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.\n(^٦) أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس (السنن، الطلاق، باب طلاق المكره والناسي ح ٢٠٤٥)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٩٨)، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات إلا أنه أُعلّ بعلة غير قادحة (فتح الباري ٥/ ١٦١)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٦٤)، وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة وأبي ذرّ الغفاري (السنن ح ٢٠٤٣ و٢٠٤٤)، وصحح سندهما الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٦٢ و١٦٦٣).\n(^٧) الكامل في الضعفاء ٦/ ٣٨٥ وضعف سنده الحافظ ابن كثير.","vol":"3","page":600},{"text":"ولكن هذا إسناده ضعيف، فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي ضعيف، تكلّم فيه غير واحد من الأئمة، والله أعلم.\nوقد أفردت هذه المسألة على حِدة، وذكرت مذاهب الأئمة ومأخذهم وأدلتهم ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات، والله أعلم.\nقال ابن جرير: وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟\nفقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عنيت به، وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم، ورُوي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قال الله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ [الأنعام] وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فنسخ واستثنى من ذلك، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان - يعني: ابن المنذر - عن مكحول، قال: أنزل الله في القرآن: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ثم نسخها الربُّ ورحم المسلمين فقال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب (^٢).\nثم قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض بين حلّ طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه.\nوهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص، والله ﷾ أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: قال رجل لابن عمر: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، قال: صدق، وتلا هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ (^٣).\nوحدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، قال: كنت قاعدًا عند ابن عباس، وحجّ المختار بن أبي عبيد، فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس، زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة، فقال ابن عباس: صدق، فنفرت، وقلت: يقول ابن عباس: صدق؟ فقال ابن عباس: هما وحيان: وحي الله ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد ﷺ ووحي الشيطان إلى أوليائه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ (^٤). وقد تقدم عن عكرمة في قوله: ﴿يُوحِي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي فيه مقال.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"3","page":601},{"text":"بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] (^١) نحو هذا.\nوقوله: ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: خاصمت اليهود النبي ﷺ فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (^٢). هكذا رواه مرسلًا.\nورواه أبو داود متصلًا، فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية (^٣)، وكذا رواه ابن جرير: عن محمد بن عبد الأعلى، وسفيان بن وكيع، كلاهما عن عمران بن عيينة به (^٤).\nورواه البزار عن محمد بن موسى الجرشي، عن مروان بن عيينة به (^٥)، وهذا فيه نظر، من وجوه ثلاثة:\n(أحدها) أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا.\n(الثاني) أن الآية من الأنعام وهي مكية.\n(الثالث) أن هذا الحديث رواه الترمذي عن محمد بن موسى الجرشي، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ورواه الترمذي بلفظ أتى ناس النبي ﷺ فذكره، وقال حسن غريب، وروي عن سعيد بن جبير مرسلًا (^٦).\nوقال الطبراني: حدثنا علي بن المبارك، حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا موسى بن عبد العزيز، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أرسلت فارس إلى قريش، أن خاصموا محمدًا وقولوا له: فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح لله ﷿ بشمشير (^٧) من ذهب، يعني الميتة، فهو حرام؟ فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ أي: وإن الشياطين من فارس، ليوحون إلى أوليائهم من قريش (^٨).\nوقال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن\n_________\n(^١) تقدم في الآية رقم ١١٢ من هذه السورة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الإرسال ويتقوى بالموصول التالي.\n(^٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأضاحي، باب في ذبائح أهل الكتاب ح ٢٨١٩)، وقال الألباني: صحيح لكن ذكر اليهود فيه منكر، والمحفوظ أنهم المشركون (صحيح سنن أبي داود ح ٢٤٤٥).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٥) حكمه كسابقه.\n(^٦) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وحكمه وتعليقه (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام ح ٣٠٦٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٥٤).\n(^٧) أي سكين أو نصل.\n(^٨) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٢٤١ ح ١١٦١٤)، وفي سنده موسى بن عبد العزيز صدوق سيء الحفظ كما في التقريب، وأخرجه الطبري من طريق موسى به.","vol":"3","page":602},{"text":"عباس، في قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ورواه ابن ماجه وابن أبي حاتم، عن عمرو بن عبد الله، عن وكيع، عن إسرائيل به (^١)، وهذا إسناد صحيح.\nورواه ابن جرير، من طرق متعددة، عن ابن عباس، وليس فيه ذكر اليهود، فهذا هو المحفوظ، لأن الآية مكية، واليهود لا يحبون الميتة.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ قال: يوحي الشياطين إلى أوليائهم تأكلون مما قتلتم، ولا تأكلوا مما قتل الله وفي بعض ألفاظه، عن ابن عباس، أن الذي قتلتم ذكر اسم الله عليه، وأن الذي قد مات، لم يذكر اسم الله عليه (^٢).\nوقال [ابن جريج] (^٣): قال عمرو بن دينار عن عكرمة أن مشركي قريش كاتَبوا فارس على الروم، وكاتبتهم فارس، فكتبت فارس إليهم: إن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكلونه وما ذبحوه هم يأكلونه، فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب رسول الله ﷺ، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ونزلت: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] (^٤).\nوقال السدي في تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله، فما قتل الله فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه؟ فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ فأكلتم الميتة ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (^٥) وهكذا قاله مجاهد، والضحاك (^٦)، وغير واحد من علماء السلف ﵏.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣١].\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الأضاحي، باب في ذبائح أهل الكتاب (ح ٢٨١٨)، وسنن ابن ماجه، الذبائح، باب التسمية عند الذبح (ح ٣١٧٣)، وأخرجه ابن أبي حاتم والحاكم من طريق سماك به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٣١)، وصححه الحافظ ابن كثير، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٤٤).\n(^٢) لم أجده في الطبري بهذا السند، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق جرير به، وسنده حسن.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) و(عش) وفي الأصل: \"ابن جرير\" وهو تصحيف.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق الحسين عن حجاج عن ابن جريج به، وسنده ضعيف للإرسال والإعلال بسبب ضعف الحسين وهو ابن داود الملّقب بسُنيد.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بمرسل مجاهد التالي.\n(^٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وهو مرسل ويتقوى بسابقه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك ويتقوى بسابقيه.","vol":"3","page":603},{"text":"وقد روى الترمذي: في تفسيرها عن عَدي بن حاتم، أنه قال: يا رسول الله ما عبدوهم، فقال: \"بلى إنهم أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم\" (^١).\n\n<span id=\"aya-911\"></span>﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾.\nهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتًا، أي في الضلالة هالكًا حائرًا، فأحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتباع رسله، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ أي: يهتدي كيف يسلك؟ وكيف يتصرف به؟ والنور هو القرآن كما رواه العوفي، وابن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٢).\nوقال السدي: الإسلام (^٣). والكل صحيح.\n﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: الجهالات، والأهواء والضلالات المتفرقة، ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ أي: لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه.\nوفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم رشّ عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ\" (^٤) كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ [الملك] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [هود] وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ [فاطر]، والآيات في هذا كثيرة، ووجه المناسبة في ضرب المثلين ههنا بالنور والظلمات ما تقدم في أول السورة ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وزعم بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان، فقيل: عمر بن الخطاب، هو الذي كانت ميتًا فأحياه الله، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وقيل: عمار بن ياسر، وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل عمرو بن هشام لعنه الله، والصحيح أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر.\n_________\n(^١) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام (ح ٣٠٩٥)، وضعفه بقوله: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغُطيف بن أعين ليس بمعروف بالحديث. وغطيف ضعفه الحافظ ابن حجر (التقريب ص ٤٤٣).\n(^٢) أخرجه الطبري من الطريقين عن ابن عباس وطريق ابن أبي طلحة يقوي طريق العوفي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مطولًا، وصححه محققوه (المسند ١١/ ٢٢٠ ح ٦٦٤٤).","vol":"3","page":604},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: حسنا لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة، قدرًا من الله وحكمة بالغة لا إله إلا هو وحده لا شريك له.\n\n<span id=\"aya-912\"></span>﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾.\nيقول تعالى: وكما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين، ورؤساء ودعاة إلى الكفر، والصد عن سبيل الله، وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك، ثم تكون لهم العاقبة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الآية [الفرقان: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ الآية [الإسراء: ١٦]، قيل معناه: أمرناهم بالطاعة فخالفوا، فدمرناهم، قيل: أمرناهم أمرًا قدريًا، كما قال ههنا: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾. قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ قال: سلطنا شرارهم فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب (^١).\nوقال مجاهد (^٢) وقتادة (^٣): ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ عظماؤها.\nقلت: وهكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ [سبأ] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف] والمراد بالمكر ههنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال كقوله تعالى إخبارًا عن قوم نوح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ [نوح]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ الآية [سبأ].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، قال: كل مكر في القرآن فهو عمل (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: وما يعود وبال مكرهم ذلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"3","page":605},{"text":"وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقال: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].\n\n<span id=\"aya-913\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ أي: إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة، قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ أي: حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة، كما تأتي إلى الرسل، [وهذا كما قال تعالى] (^١) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ [الفرقان].\nوقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ أي: هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ الآية [الزخرف: ٣١ - ٣٢]، يعنون لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير جليل مبجل في أعينهم ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ أي: من مكة والطائف، وذلك أنهم - قبحهم الله - كانوا يزدرون بالرسول صلوات الله وسلامه عليه بغيًا وحسدًا، وعنادًا واستكبارًا كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الأنعام] هذا وهم يعترفون بفضله وشرفه ونسبه، وطهارة بيته ومرباه، ومنشئه صلى الله وملائكته والمؤمنون عليه، حتى إنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه \"الأمين\" وقد اعترف بذلك رئيس الكفار أبو سفيان حين سأله هرقل ملك الروم: وكيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب، قال هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. الحديث (^٢) بطوله، الذي استدل ملك الروم بطهارة صفاته ﵇ على صدق نبوته وصحة ما جاء به.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن شداد أبي عمار، عن واثلة بن الأسقع ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم\" (^٣) انفرد بإخراجه مسلم، من حديث الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام به نحوه، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه\" (^٤).\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وسقط من الأصل.\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث أبي سفيان بن حرب مطولًا (الصحيح، كتاب بدء الوحي، باب رقم ٦ ح ٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٧)، وأخرجه مسلم من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي به بدون قوله: إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل. (الصحيح، الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ ح ٢٢٧٦).\n(^٤) صحيح البخاري، المناقب، باب صفة النبي ﷺ (ح ٣٥٥٧).","vol":"3","page":606},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: قال العباس: بلغه ﷺ بعض ما يقول الناس، فصعد المنبر فقال: \"من أنا؟ \" قالوا: أنت رسول الله، فقال: \"أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فريقين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا وخيركم نفسًا\" (^١) صدق صلوات الله وسلامه عليه.\nوفي الحديث أيضًا: المروي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"قال لي جبريل: قلَّبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلًا أفضل من محمد، وقلَّبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم\" رواه الحاكم والبيهقي (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر، حدثنا عاصم، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على [دينه] (^٣)، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيء (^٤). [وقال أحمد أيضًا: حدثنا شجاع بن الوليد، قال: ذكر قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن سلمان، قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"يا سلمان، لا تبغضني فتفارق دينك\" قلت: يا رسول الله، كيف أبغضك وبك هدانا الله؟ قال: \"تبغض العرب فتبغضني\"] (^٥) (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية، ذُكر عن محمد بن منصور الجواز، حدثنا سفيان، عن أبي حسين قال: أبصر رجل ابن عباس وهو يدخل من باب المسجد، فلما نظر إليه راعه فقال: من هذا؟ قالوا: ابن عباس ابن عمّ رسول الله ﷺ فقال: \"الله أعلم حيث يجعل رسالته\" (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الآية، هذا وعيد شديد\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣٠٧ ح ١٧٨٨)، وسنده ضعيف بسبب يزيد بن أبي زياد: الهاشمي ضعيف كبر فتغيّر وصار يتلقّن وكان شيعيًا (التقريب ص ٦٠١)، ولبعضه متابعات تقدمت في رواية مسلم قبل الرواية السابقة.\n(^٢) أخرجه البيهقي من طريق الحاكم (دلائل النبوة ١/ ١٧٦)، والطبراني \"المعجم الأوسط\" (ح ٦٢٨٥) وابن أبي عاصم (السنة ح ١٤٩٤) كلهم من طريق موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، فالإسناد ضعيف. ويتقوى بالروايات السابقة.\n(^٣) كذا في (مح) و(حم) و(عش) وفي الأصل صحفت إلى: \"نبيه\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه (المسند ٦/ ٨٤ ح ٣٦٠٠).\n(^٥) كذا (مح) و(حم)، وسقط من الأصل.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٤٠)، وسنده منقطع لأن أبا ظبيان لم يسمع من سلمان ﵁ (المراسيل لابن أبي حاتم ص ٥٠).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه معلق لأن ابن أبي حاتم لم يسمع من محمد بن منصور الجواز.","vol":"3","page":607},{"text":"من الله، وتهديد أكيد لمن تكبر عن اتباع رسله والانقياد لهم فيما جاؤوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله صغار وهو الذِّلة الدائمة، لما أنهم استكبروا فأعقبهم ذلك ذلًا يوم القيامة لما استكبروا في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي: صاغرين ذليلين حقيرين.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ لما كان المكر غالبًا إنما يكون خفيًا، وهو التلطف في التحيّل والخديعة، قوبلوا بالعذاب الشديد، جزاء وفاقًا، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق] أي: تظهر المستترات والمكنونات والضمائر، وجاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ، أنه قال: \"ينصب لكل غادر لواء عند استّه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان\" (^١). والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيًا لا يطلع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علمًا منشورًا على صاحبه بما فعل.\n\n<span id=\"aya-914\"></span>﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك فهذه علامات على الخير، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].\nوقال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ يقول تعالى: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به (^٢)، وكذا قال أبو مالك وغير واحد وهو ظاهر.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: سئل رسول الله ﷺ أي المؤمنين أكيس؟ قال: \"أكثرهم ذكرًا للموت وأكثرهم لما بعده استعدادًا\" قال: وسئل النبي ﷺ عن هذه الآية ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: \"نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح\" قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: \"الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت\" (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا قبيصة، عن سفيان - يعني الثوري -، عن عمرو بن مرة،\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر (صحيح البخاري، الجزية والموادعة، باب إثم الغادر للبر والفاجر ح ٣١٨٨) وصحيح مسلم، الجهاد، باب تحريم الغدر (ح ١٧٣٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس، ولكن في سنده حفص بن عمر العدني وهو ضعيف (التقريب ص ١٧٣).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا بسبب أبي جعفر وهو: عبد الله بن المسور بن عبد الله بن عون بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدائني متهم بالكذب والوضع (تاريخ بغداد ٥/ ١٩٥)، وميزان الاعتدال (٢/ ٥٠٤).","vol":"3","page":608},{"text":"عن رجل يكنى أبا جعفر كان يسكن المدائن، قال: سئل النبي ﷺ، عن قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ فذكر نحو ما تقدم (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفرات القزاز، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"إذا دخل الإيمان القلب انفسح له القلب وانشرح\" قالوا: يا رسول الله هل لذلك من أمارة؟ قال: \"نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت\" (^٢) وقد رواه ابن جرير: عن سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن مرة، عن أبي جعفر فذكره (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن المسور، قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ قالوا: يا رسول الله ما هذا الشرح؟ قال: \"نور يقذف به في القلب\" قالوا: يا رسول الله فهل لذلك من أمارة تعرف؟ قال: \"نعم\" قالوا: وما هي؟ قال: \"الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت\" (^٤).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثني هلال بن العلاء، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله: \"إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح\" قالوا: فهل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال: \"الإنابة إلى دار الخلود والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت\" (^٥) وقد رواه من وجه آخر عن ابن مسعود متصلًا مرفوعًا فقال: حدثني ابن سنان القزاز، حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمي، عن يونس، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ قالوا: يا رسول الله وكيف يشرح صدره؟ قال: \"يدخل فيه النور فينفسح\" قالوا: وهل لذلك علامة يا رسول الله؟ قال: \"التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت\" (^٦) فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يشد بعضها بعضًا (^٧)، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده وحكمه كسابقه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا بسبب أبي جعفر.\n(^٣) أخرجه الطبري، وحكمه كسابقه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده كسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا بسبب سعيد بن عبد الملك بن واقد الحراني، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: يقال إنه أخذ كتبًا لمحمد بن سلمة فحدث بها، ورأيت فيما حدث أكاذيب، (الجرح ٢/ ٤٥). وضعفه الدارقطني (ميزان الاعتدال ١/ ٣٨٧)، وفيه أيضًا أبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للمفاوز بين عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة وبين ابن مسعود.\n(^٧) الحق أنه لا يشد بعضها بعضًا على الرغم من قوة المعنى.","vol":"3","page":609},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ قرئ بفتح الضاد وتسكين الياء، والأكثرون ﴿ضَيِّقًا﴾ بتشديد الياء وكسرها (^١)، وهما لغتان كهين وهين، وقرأ بعضهم (حَرِجًا) بفتح الحاء وكسر الراء قيل: بمعنى آثم، قاله السدي.\nوقيل: بمعنى القراءة الأخرى حرجًا بفتح الحاء والراء (^٢)، وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى، ولا يخلص إليه شيء ما ينفعه من الإيمان، ولا ينفذ فيه.\nوقد سأل عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا من الأعراب من أهل البادية من مدلج عن الحرجة، فقال: هي الشجرة تكون بين الأشجار، لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر ﵁: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير (^٣).\nوقال العوفي: عن ابن عباس، يجعل الله عليه الإسلام ضيقًا، والإسلام واسع، وذلك حين يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق (^٤).\nوقال مجاهد والسدي: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ شاكًا (^٥).\nوقال عطاء الخراساني: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ أي: ليس للخير فيه منفذ (^٦).\nوقال ابن المبارك، عن ابن جريج: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بلا إله إلا الله حتى لا يستطيع أن تدخل قلبه (^٧)، ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ من شدة ذلك عليه.\nوقال سعيد بن جبير: يجعل صدره ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، قال: لا يجد فيه مسلكًا إلا صعدًا (^٨).\nوقال السدي: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ من ضيق صدره (^٩).\nوقال عطاء الخراساني: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء (^١٠).\nوقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه، حتى يدخله الله في قلبه (^١١).\n_________\n(^١) القراءتان متواترتان.\n(^٢) القراءتان متواترتان.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند فيه عبد الله بن عمار اليمامي قال ابن أبي حاتم: مجهول (الجرح ٤/ ١٢٩).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حُميد عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر بن راشد عن عطاء الخراساني.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن المبارك به.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع فيه مقال.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني وهو ضعيف.","vol":"3","page":610},{"text":"وقال الأوزاعي: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقًا ان يكون مسلمًا؟ (^١).\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير: وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه عن وصول الإيمان إليه، يقول: فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه، مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه، لأنه ليس في وسعه وطاقته، وقال: في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقًا حرجًا، كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله، ممن أبى الإيمان بالله ورسوله فيغويه ويصده عن سبيل الله.\nوقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرجس الشيطان (^٢).\nوقال مجاهد: ﴿الرِّجْسَ﴾: كل ما لا خير فيه (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرجس العذاب (^٤).\n\n<span id=\"aya-915\"></span>﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾.\nلما ذكر تعالى طريق الضالين عن سبيله الصادّين عنها، نبه على شرف ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، فقال تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ منصوب على الحال، أي هذا الدين الذي شرعناه لك يا محمد بما أوحينا إليك هذا القرآن هو صراط الله المستقيم، كما تقدم في حديث الحارث عن علي في نعت القرآن: هو صراط الله المستقيم وحبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، رواه أحمد والترمذي بطوله (^٥).\n﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ أي: وضحناها وبيناها وفسرناها ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله\n\n<span id=\"aya-916\"></span>﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ وهي الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة، وإنما وصف الله الجنة ههنا بدار السلام، لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سَلِموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ أي: حافظهم وناصرهم ومؤيدهم ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء على أعمالهم الصالحة، تولاهم وأثابهم الجنة بمنه وكرمه.\n\n<span id=\"aya-917\"></span>﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾.\nيقول تعالى: واذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتنذرهم به ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني: الجن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الوليد بن مزيد البيروتي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بلفظ: \"الرجس: عذاب الله\".\n(^٥) تقدم في تفسير سورة الفاتحة آية ٦.","vol":"3","page":611},{"text":"وأولياءهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا.\n﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي ثم يقول: يا معشر الجن، وسياق الكلام يدل على المحذوف.\nومعنى قوله: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي: من إغوائهم، وإضلالهم، كقوله تعالى:\n﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس].\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ يعني: أضللتم منهم كثيرًا (^١) وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة (^٢).\n﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ يعني: أن أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين لله تعالى عن ذلك بهذا.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن الحسن في هذه الآية، قال: استكثرتم من أهل النار يوم القيامة، فقال أولياؤهم من الإنس: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾، قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض، إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس (^٣).\nوقال محمد بن كعب في قوله: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾: قال الصحابة: في الدنيا (^٤).\nوقال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة (^٥).\nوأما استمتاع الجن بالإنس فإنه كان فيما ذكر، ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم، فيقولون: قد سدنا الإنس والجن.\n﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ قال السدي: يعني الموت (^٦).\n﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ أي: مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها مكثًا مخلدًا إلا ما شاء الله، قال بعضهم: يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ.\nوقال بعضهم: هذا رد إلى مدة الدنيا، وقيل غير ذلك من الأقوال التي سيأتي تقريرها، عند قوله تعالى في سورة هود، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف، ويتقوى بسابقيه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مقطعًا، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب، وسنده ضعيف بسبب ضعف موسى بن عبيدة.\n(^٥) ذكره السيوطي ونسبه إلى ابن المنذر وأبي الشيخ في تفسيريهما (الدر ٦/ ٢٠٢).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"3","page":612},{"text":"يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود] وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيره هذه الآية، من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارًا (^١).\n\n<span id=\"aya-918\"></span>﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾.\nقال سعيد، عن قتادة في تفسيرها: إنما يولي الله الناس بأعمالهم، فالمؤمن وليّ المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر وليّ الكافر أينما كان وحيثما كان، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي (^٢).\nواختاره ابن جرير.\nوقال معمر، عن قتادة في تفسير الآية: يولي الله بعض الظالمين بعضًا في النار، يتبع بعضهم بعضًا (^٣).\nوقال مالك بن دينار: قرأت في الزبور، إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعًا، وذلك في كتاب الله قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ قال: ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ [الزخرف: ٣٦] قال: ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس (^٥). وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد، من طريق سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زرّ، عن ابن مسعود، مرفوعًا: \"من أعان ظالمًا سلطه الله عليه\" (^٦) وهذا حديث غريب، وقال بعض الشعراء:\nوما من يد إلا يد الله فوقها … [ولا] (^٧) ظالم إلا سيُبلى بظالم\nومعنى الآية الكريمة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاء على ظلمهم وبغيهم.\n_________\n(^١) أخرجاه بسند ثابت من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مرحوم بن عبد العزيز العطار عن مالك.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٦) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ١٤/ ١٥٣، وفيه الحسن بن زكريا العدوي يرويه عن سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، والحسن هدا متهم بالوضع (فيض القدير ٦/ ٧٣)، وقال الألباني: إسناده موضوع (السلسلة الضعيفة ح ١٩٣٧).\n(^٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"وما\".","vol":"3","page":613},{"text":"<span id=\"aya-919\"></span>﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾.\nوهذا أيضًا مما يُقرعّ الله به كافري الجن والإنس يوم القيامة، حيث يسألهم وهو أعلم هل بلغتهم الرسل رسالاته، وهذا استفهام تقرير ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أي: من جملتكم، والرسل من الإنس فقط وليس من الجن رسل، كما قد نصّ على ذلك مجاهد وابن جريج (^١) وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف.\nوقال ابن عباس: الرسل من بني آدم ومن الجن نذر (^٢). وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم: أنه زعم أن في الجن رسلًا واحتج بهذه الآية الكريمة (^٣)، وفيه نظر، لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي - والله أعلم - كقوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١)﴾ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن] ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان إنما يستخرجان من الملح لا من الحلو، وهذا واضح ولله الحمد.\nوقد نصّ هذا الجواب بعينه [ابن جرير] (^٤)، والدليل على أن الرسل إنما هم من الإنس، قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ - إلى أن قال - رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥].\nوقال تعالى عن إبراهيم: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد من الناس: إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] ومعلوم أن الجن تبع للإنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ [الأحقاف] وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: أن رسول الله ﷺ تلا عليهم سورة الرحمن وفيها قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾ [الرحمن] (^٥).\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول ابن جريج سيأتي مع رواية ابن عباس التالية.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وسنده ضعيف للانقطاع بين ابن جريج وابن عباس ويتقوى بسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي فيه مقال.\n(^٤) هذا الجواب ورد في تفسير الطبري، وفي النسخ: صحف إلى: \"ابن جريج\".\n(^٥) أخرجه الترمذي من حديث جابر: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى =","vol":"3","page":614},{"text":"وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ أي: أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة.\nوقال تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: وقد فرطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم للمعجزات، لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها، ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ أي: في الدنيا، بما جاءتهم به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.\n\n<span id=\"aya-920\"></span>﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾.\nيقول تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾ أي: إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لئلا يؤاخذ أحد بظلمه وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذبنا أحدًا إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ [الملك: ٨، ٩] والآيات في هذا كثيرة.\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير: ويحتمل قوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾ وجهين:\n(أحدهما) ﴿ذَلِكَ﴾ من أجل ﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ أهلها بالشرك ونحوه وهم غافلون، ويقول: إن لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولًا ينبههم على حجج الله عليهم، ينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة، فيقولوا: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩].\n(والوجه الثاني) أن ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ يقول: لم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام لعبيده (^١). ثم شرع يرجح الوجه الأول، ولا شك أنه أقوى، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-921\"></span>وقال (^٢): وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله، يبلغه الله إياها ويثيبه بها، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشرٌ.\n(قلت): ويحتمل أن يعود قوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: من كافري الجن والإنس،\n_________\n= آخرها … (السنن، التفسير، باب ومن سورة الرحمن ح ٣٢٩١)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٢٤).\n(^١) ذكره الطبري بنحوه (التفسير ١٢/ ١٢٤ ط. شاكر).\n(^٢) القائل هو الطبري.","vol":"3","page":615},{"text":"أي ولكل درجة في النار بحسبه، كقوله: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف: ٣٨] وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل].\n﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن جرير: أي وكل ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك، يحصيها ويثبتها لهم عنده، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه.\n\n<span id=\"aya-922\"></span>﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَرَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿الْغَنِيُّ﴾ أي: عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أي: وهو مع ذلك رحيم بهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].\n﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي: إذا خالفتم أمره ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ أي: قومًا آخرين، أي يعملون بطاعته ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه، كما أذهب القرون الأولى وأتى بالذي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾ [فاطر].\nقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].\nوقال محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة قال: سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ الذرية الأصل والذرية النسل (^١).\n\n<span id=\"aya-923\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾ أي: أخبرهم يا محمد، أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: ولا تعجزون الله، بل هو قادر على إعادتكم وإن صرتم ترابًا رفاتًا وعظامًا، هو قادر لا يعجزه شيء.\nوقال ابن أبي حاتم في تفسيرها: حدثني أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن حِمْيَر، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعُدّوا أنفسكم من الموتى والذي نفسي بيده ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾ \" (^٢).\n\n<span id=\"aya-924\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هذا تهديد شديد ووعيد أكيد، أي: استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى فأنا مستمر\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن بكير به، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي بكر بن أبي مريم.","vol":"3","page":616},{"text":"على طريقتي ومنهجي كقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾ [هود].\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ ناحيتكم (^١).\n﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: أتكون لي أو لكم وقد أنجز الله موعده لرسوله صلوات الله عليه أي فإنه تعالى مكنه في البلاد وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد وفتح له مكة وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه واستقر أمره على سائر جزيرة العرب وكذلك اليمن والبحرين، وكل ذلك في حياته ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق بعد وفاته في أيام خلفائه ﵃ أجمعين، كما قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة] وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء].\nوقال تعالى إخبارًا عن رسله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾ [إبراهيم] وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقد فعل الله ذلك بهذه الأمة المحمدية وله الحمد والمنة أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.\n\n<span id=\"aya-925\"></span>﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾.\nهذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين الذين ابتدعوا بدعًا وكفرًا وشركًا، وجعلوا لله شركاء وجزءًا من خلقه وهو خالق كل شيء ﷾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾ أي: مما خلق وبرأ ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾ أي: من الزرع والثمار ﴿وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ أي: جزءًا وقسمًا ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ وقوله: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثًا أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءًا وللوثن جزءًا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان، حفظوه وأحصوه وإن سقط منه شيء فيما سمي للصمد، ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقى شيئًا جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن، وإن سقط شيء من الحرث والثمر الذي جعلوه لله فاختلط بالذي جعلوه للوثن قالوا هذا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"3","page":617},{"text":"فقير، ولم يردوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله فسقى ما سمي للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه قربة لله، فقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الآية (^١)، وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدي (^٢) وغير واحد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية: كل شيء يجعلونه لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبدًا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى بلغ ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (^٣) أي: ساء ما يقسمون، فإنهم أخطأوا أولًا في القسم، لأن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه، وله الملك وكل شيء له وفي تصرفه وتحت قدرته ومشيئته، لا إله غيره ولا رب سواه، ثم لما قسموا فيما زعموا القسمة الفاسدة لم يحفظوها بل جاروا فيها، كقوله جل وعلا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ [النحل] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [الزخرف] وقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾ وقوله: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم].\n\n<span id=\"aya-926\"></span>﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾.\nيقول تعالى: وكما زينت الشياطين لهؤلاء أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق ووأد البنات خشية العار.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾، زينوا لهم قتل أولادهم (^٤).\nوقال مجاهد: ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خشية العيلة (^٥) (^٦).\nوقال السدي: أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات إما ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ فيهلكوهم، وإما ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾، أي فيخلطوا عليهم دينهم (^٧). ونحو ذلك قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقتادة (^٨).\nوهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾ [النحل]، وكقوله: ﴿وَإِذَا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من الطريقين، وطريق علي يقوي طريق العوفي.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) العيلة أي: الفقر وشدة الحاجة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٨) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.","vol":"3","page":618},{"text":"الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير] وقد كانوا أيضًا يقتلون الأولاد من الإملاق وهو الفقر أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تلف المال وقد نهاهم عن قتل أولادهم لذلك وإنما كان هذا كله من تزيين الشياطين وشرعهم ذلك، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: كل هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته واختياره لذلك كونًا وله الحكمة التامة في ذلك، فلا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أي: فدعهم واجتنبهم وما هم فيه فسيحكم الله بينك وبينهم.\n\n<span id=\"aya-927\"></span>﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الحِجْر: الحرام مما حرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا (^١)، وكذلك قال مجاهد والضحاك والسدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٢) وغيرهم.\nوقال قتادة: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الآية] (^٣) تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم وتغليظ وتشديد ولم يكن من الله تعالى (^٤)، وقال ابن زيد بن أسلم ﴿حِجْرٌ﴾ إنما احتجروها لآلهتهم (^٥)، وقال السدي: ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ يقولون: حرام أن يطعم إلا من شئنا (^٦).\nوهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس] وكقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة].\nوقال السدي: أما الأنعام التي حرمت ظهورها فهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها لا إذا أولدوها ولا إن نحروها.\nوقال أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود: قال لي أبو وائل: تدري ما في قوله: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾؟ قلت: لا. قال: هي البحيرة كانوا لا يحجون عليها (^٧). وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ بن الفرج عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"الا\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي بكر بن عياش به بنحوه.","vol":"3","page":619},{"text":"شأنها لا إن ركبوا ولا إن حلبوا ولا إن حملوا ولا إن نتجوا ولا إن عملوا شيئًا (^١). ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ أي: على الله وكذبًا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه فإنه لم يأذن لهم في ذلك ولا رضيه منهم ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: عليه ويسندون إليه.\n\n<span id=\"aya-928\"></span>﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾.\nقال أبو إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ الآية قال: اللّبن (^٢) [وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ فهو] (^٣) اللّبن كانوا يحرمونه على إناثهم ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تُركب فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء فنهى الله عن ذلك (^٤). وكذا قال السدي (^٥).\nوقال الشعبي: البحيرة لا يأكل من لبنها إلا الرجال وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء (^٦). وكذا قال عكرمة وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٧).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ قال: هي السائبة والبحيرة (^٨).\nوقال أبو العالية ومجاهد وقتادة في قول الله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ أي: قولهم الكذب في ذلك (^٩). يعني كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ﴾ الآية [النحل: ١١٦، ١١٧]، ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ أي: في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره ﴿عَلِيمٌ﴾ بأعمال عباده من خير وشر وسيجزيهم عليها أتم الجزاء.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به.\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به، ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف ويتقوى بأقوال التابعين التالية.\n(^٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.","vol":"3","page":620},{"text":"<span id=\"aya-929\"></span>﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾.\nيقول تعالى: قد خسر الذين صنعوا هذه [الأفاعيل] (^١) في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيّقوا عليهم في أموالهم فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى أسوأ المنازل بكذبهم على الله وافترائهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس].\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ وهكذا رواه البخاري منفردًا في كتاب مناقب قريش من صحيحه، عن أبي النعمان محمد بن الفضل عارم، عن أبي عوانة - واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري - عن أبي بشر واسمه جعفر بن إياس بن أبي وحشية به (^٢).\n\n<span id=\"aya-930\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾.\nيقول تعالى مبينًا أنه الخالق لكل شيء من الزروع والثمار والأنعام التي تصرف فيها هؤلاء المشركون بآرائهم الفاسدة، وقسموها وجزؤوها فجعلوا منها حرامًا وحلالًا، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ مسموكات، وفي رواية المعروشات ما عرش الناس، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما خرج في البر والجبال من الثمرات (^٣).\nوقال عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما عرش من الكرم ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما لم يعرش من الكرم (^٤). وكذا قال السدي (^٥).\n_________\n(^١) كذا في (عش) و(حم) و(مح) وفي الأصل: \"الأفعال وكلاهما مستقيم\".\n(^٢) صحيح البخاري، المناقب، باب قصة زمزم وجهل العرب (ح ٣٥٢٤).\n(^٣) أخرجه الطبري في رواية واحدة بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق الخراساني به، وسنده ضعيف لأن الخراساني لم يسمع ابن عباس وأخرجه البخاري معلقًا (فتح الباري ٨/ ٢٨٦).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"3","page":621},{"text":"وقال ابن جريج ﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، قال: متشابهًا في المنظر وغير متشابه في الطعم (^١).\nوقال محمد بن كعب: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ قال: من رطبه وعنبه (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال ابن جرير: قال بعضهم: هي الزكاة المفروضة، حدثنا عمرو، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: الزكاة المفروضة (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ يعني: الزكاة المفروضة يوم يُكال ويُعلم كيله (^٤). وكذا قال سعيد بن المسيب.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وذلك أن الرجل كان إذا زرع، فكان يوم حصاده لم يخرج مما حصد شيئًا، فقال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وذلك أن يعلم ما كيله وحقه من كل عشرة واحدًا، وما يلقط الناس من سنبله (^٥)، وقد روى الإمام أحمد وأبو داود في سننه من حديث محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ أمر من كل جاذّ عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين (^٦). وهذا إسناد جيد قوي.\nوقال طاوس وأبو الشعثاء وقتادة والحسن والضحاك وابن جريج: هي الزكاة (^٧).\nوقال الحسن البصري: هي الصدقة من الحب والثمار (^٨)، وكذا قال زيد بن أسلم.\nوقال آخرون: وهو حق آخر سوى الزكاة.\nوقال أشعث: عن محمد بن سيرين ونافع، عن ابن عمر في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة (^٩). رواه ابن مردويه.\nوروى عبد الله بن المبارك وغيره عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: يعطي من حضره يومئذٍ ما تيسر، وليس بالزكاة (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب ومعناه صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق يزيد بن درهم به، ويزيد فيه مقال (الجرح ٩/ ٢٦٠) وله شواهد لاحقة يتقوى بها.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي عن ابن عباس بنحوه.\n(^٦) المسند ٣/ ٣٥٩ وسنن أبي داود، الزكاة، باب حقوق المال (ح ١٦٦٢) وسنده حسن وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٤٦٤).\n(^٧) أخرجه هذه الآثار الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد صحيحة وأخرى يقوي بعضها بعضًا.\n(^٨) أخرجه الطبري وأبو عبيد في الناسخ (ص ٣٢) من طريق ابن علية عن أبي رجاء عن الحسن، وسنده صحيح.\n(^٩) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أشعث بن سوار به (المصنف ٣/ ٧٦) وسنده ضعيف لضعف أشعث (التقريب ص ١٣٣).\n(^١٠) سنده حسن.","vol":"3","page":622},{"text":"وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه.\nوقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: عند الزرع يعطي القبضة وعند الصرام يعطي القبضة، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام (^١).\nوقال الثوري: عن حماد، عن إبراهيم النخعي قال: يعطي مثل الضغث (^٢) (^٣).\nوقال ابن المبارك: عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: كان هذا قبل الزكاة، للمساكين القبضة والضغث لعلف دابته (^٤).\nوفي حديث ابن لهيعة: عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعًا، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: (ما سقط من السنبل) رواه ابن مردويه (^٥).\nوقال آخرون: هذا شيء كان واجبًا ثم نسخه الله بالعشر أو نصف العشر، حكاه ابن جرير عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية وإبراهيم النخعي والحسن والسدي وعطية العوفي وغيرهم (^٦)، واختاره ابن جرير ﵀، قلت: وفي تسمية هذا نسخًا نظر، لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل ثم إنه فصل بيانه وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم.\nوقد ذمّ الله سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة \"ن\" ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ أي: كالليل المدلهم سوداء محترقة ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: قوة وجَلَد وهِمّة ﴿قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [القلم].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ قيل: معناه: لا تسرفوا في الإعطاء فتعطوا فوق المعروف.\nوقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا ثم تباروا فيه وأسرفوا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (^٧).\nوقال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، جذ نخلًا له فقال: لا يأتيني اليوم أحد\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) الضغث ملء اليد من الحشيش المختلط، وقيل الحزمة منه ومما أشبهه من البقول (النهاية ٣/ ٩٠).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يحيى بن سعيد عن الثوري به.\n(^٤) أخرجه أبو يوسف (الخراج ص ٢١) من طريق سالم به، وسنده صحيح.\n(^٥) سنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.\n(^٦) أخرجه الطبري بأسانيد متصلة عنهم يقوي بعضها بعضًا.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عاصم الأحول عن أبي العالية، وسنده صحيح لكنه مرسل.","vol":"3","page":623},{"text":"إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (^١) رواه ابن جرير عنه. وقال ابن جريج عن عطاء: نُهوا عن السرف في كل شيء (^٢). وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف (^٣). وقال السدي في قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ قال: لا تعطوا أموالكم فتغدوا فقراء (^٤). وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب في قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم (^٥).\nثم اختار ابن جرير قول عطاء، أنه نهي عن الإسراف في كل شيء ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر - والله أعلم - من سياق الآية، حيث قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا﴾ أن يكون عائدًا على الأكل، أي: لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ الآية [الأعراف: ٣١].\nوفي صحيح البخاري تعليقًا: \"كلوا واشربوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة\" (^٦) وهذا من هذا، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-931\"></span>وقوله ﷿: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ أي: وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة وما هو فرش، قيل: المراد بالحمولة ما يحمل عليه من الإبل، والفرش الصغار منها، كما قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله: ﴿حَمُولَةً﴾ ما حمل عليه من الإبل ﴿وَفَرْشًا﴾ الصغار من الإبل، رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٧).\nوقال ابن عباس: الحمولة: هي الكبار والفرش: الصغار من الإبل (^٨)، وكذا قال مجاهد (^٩).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ أما الحمولة: فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش: فالغنم (^١٠). واختاره ابن جرير قال: وأحسبه إنما سمي فرشًا لدنوه من الأرض.\nوقال الربيع بن أنس والحسن والضحاك وقتادة وغيرهم: الحمولة: الإبل والبقر، والفرش الغنم (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق حجاج عن ابن جريج وسنده ضعيف للإعضال.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وأطول، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال، ومعناه صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن إياس بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي بكر بن عبد الله، عن عمرو بن سليم، عن سعيد بن المسيب، وسنده ضعيف جدًا لأن أبا بكر بن عبد الله متهم بالوضع (ميزان الاعتدال ٤/ ٥١٣ والمجروحين ٣/ ١٤٧).\n(^٦) أخرجه البخاري معلقًا (الصحيح، اللباس، باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الفتح ١٠/ ٢٥٢) ووصله الإمام أحمد (المسند ٢/ ١٨٢) وابن أبي الدنيا (الشكر رقم ٥١) كلاهما من طريق همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وسنده حسن.\n(^٧) ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٧).\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق أبي بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عباس، وسنده ضعيف جدًا لأن أبا بكر الهذلي متروك.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^١١) ذكره ابن أبي حاتم بحذف الإسناد.","vol":"3","page":624},{"text":"وقال السدي: أما الحمولة: فالإبل وأما الفرش فالفُصْلان والعجاجيل والغنم، وما حمل عليه فهو حمولة (^١).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحمولة: ما تركبون، والفرش: ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل تأكلون لحمها وتتخذون من صوفها لحافًا وفرشًا (^٢). وهذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن يشهد له قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ [يس] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ إلى أن قال: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل].\nوقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾ [غافر] وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: من الثمار والزروع والأنعام فكلها خلقها الله وجعلها رزقًا لكم ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: طريقه وأوامره كما اتبعها المشركون الذين حرموا ما رزقهم الله، أي من الثمار والزروع افتراء على الله، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ﴾ أي: أن الشيطان أيها الناس لكم ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أي: بين ظاهر العداوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر] وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ الآية [الأعراف: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] والآيات في هذا كثيرة في القرآن.\n\n<span id=\"aya-932\"></span>\n\n<span id=\"aya-933\"></span>﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾.\nهذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام، فيما كانوا حرموا من الأنعام وجعلوها أجزاء وأنواعًا بَحيرة وسائبة ووصيلة وحامًا، وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها في الأنعام والزروع والثمار، فبين تعالى أنه أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا، ثم بين أصناف الأنعام إلى غنم وهو بياض وهو الضأن، وسواد وهو المعز ذكره وأنثاه، وإلى إبل ذكورها وإناثها وبقر كذلك وأنه تعالى لم يحرم شيئًا من ذلك ولا شيئًا من أولادها، بل كلها مخلوقة لبني آدم أكلًا وركوبًا وحمولة وحلبًا وغير ذلك من وجوه المنافع، كما قال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.","vol":"3","page":625},{"text":"ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الآية [الزمر: ٦]. وقوله تعالى: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ردّ عليهم في قولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٣٩].\nوقوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: أخبروني عن يقين، كيف حرم الله عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك؟\nوقال العوفي، عن ابن عباس: قوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ فهذه أربعة أزواج ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يقول: لم أحرم شيئًا من ذلك ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يعني: هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى، فلم تحرمون بعضًا وتحلون بعضًا؟ ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يقول تعالى: كله حلال (^١).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ تهكم بهم فيما ابتدعوه وافتروه على الله من تحريم ما حرموه من ذلك ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: لا أحد أظلم منهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وأول من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي بن قمعة، لأنه أول من غير دين الأنبياء وأول من سيّب السوائب ووصّل الوصيلة وحمى الحامي، كما ثبت ذلك في الصحيح (^٢).\n\n<span id=\"aya-934\"></span>﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله افتراءً على الله، ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أي: آكل يأكله قيل معناه: لا أجد شيئًا مما حرمتم حرامًا سوى هذه، وقيل معناه: لا أجد من الحيوانات شيئًا حرامًا سوى هذه، فعلى هذا يكون ما ورد من التحريمات بعد هذا في سورة المائدة وفي الأحاديث الواردة رافعًا لمفهوم هذه الآية، ومن الناس من يسمي هذا نسخًا والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخًا لأنه من باب رفع مباح الأصل والله أعلم.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ يعني: المهراق (^٣). وقال عكرمة في قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ لولا هذه الآية لتتبع الناس ما في العروق كما تتبعه اليهود (^٤).\nوقال حماد، عن عمران بن حدير قال: سألت أبا مجلز عن الدم، وما يتلطخ من الذبيح من الرأس وعن القِدر يُرى فيها الحمرة؟ فقال: إنما نهى الله عن الدم المسفوح (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن العوفي به.\n(^٢) تقدم في تفسير سورة المائدة آية ١٠٣.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعناه صحيح.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عن عكرمة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حماد به.","vol":"3","page":626},{"text":"وقال قتادة: حرم من الدماء ما كان مسفوحًا، فأما اللحم خالطه الدم فلا بأس به (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة ﵂، أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأسًا، والحُمرة والدم يكونان على القِدر بأسًا، وقرأت هذه الآية (^٢)، صحيح غريب.\nوقال الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، قال: قلت لجابر بن عبد الله: إنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله ﷺ، ولكن أبى ذلك الحبر، يعني ابن عباس وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية (^٣)، وكذا رواه البخاري عن علي بن المديني، عن سفيان به (^٤)، وأخرجه أبو داود من حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، ورواه الحاكم في مستدركه (^٥) مع أنه في صحيح البخاري كما رأيت.\nوقال أبو بكر بن مردويه والحاكم في مستدركه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرًا، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو، وقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية، وهذا لفظ ابن مردويه، ورواه أبو داود منفردًا به، عن محمد بن داود بن صبيح عن أبي نعيم به (^٦)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت: يا رسول الله، ماتت فلانة تعني الشاة، قال: \"فلم لا أخذتم مسكها؟ \" قالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنما قال الله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ وإنكم لا تطعمونه، أن تدبغوه فتنتفعوا به\" فأرسلت فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها (^٨)، ورواه البخاري والنسائي، من حديث الشعبي، عن عكرمة، عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد به (المصنف ٥/ ٣٩٩) وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الحميدي بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٧٩ ح ٨٥٩) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، الذبائح، باب لحوم حمر الإنسية (ح ٥٥٢٩).\n(^٥) المستدرك ٢/ ٣١٧، وباقي السند لأبي داود.\n(^٦) السنن، الأطعمة، باب ما لم يذكر تحريمه (ح ٣٨٠٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢٢٥).\n(^٧) ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١١٥).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه محققوه بمتابعة سماك (المسند ٥/ ١٥٦ ح ٢٣٠٢٦).","vol":"3","page":627},{"text":"ابن عباس، عن سودة بنت زمعة بذلك أو نحوه (^١).\nوقال سعيد بن منصور: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عيسى بن نميلة الفزاري، عن أبيه، قال: كنت عند ابن عمر فسأله رجل عن أكل القنفذ فقرأ عليه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية، فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي ﷺ فقال: \"خبيثة من الخبائث\" فقال ابن عمر: إن كان النبي ﷺ قاله فهو كما قال. ورواه أبو داود عن أبي ثور عن سعيد بن منصور به (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي: فمن اضطر إلى أكل شيء مما حرم الله في هذه الآية الكريمة، وهو غير متلبس ببغي ولا عدوان ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: غفور له رحيم به، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية (^٣).\nوالغرض من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم، بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم، وإنما حرّم ما ذكر في هذه الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وما عدا ذلك فلم يحرم وإنما هو عفو مسكوت عنه، فكيف تزعمون أنتم أنه حرام ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله؟ وعلى هذا فلا يبقى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا، كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية ولحوم السباع وكل ذي مخلب من الطير على المشهور من مذاهب العلماء.\n\n<span id=\"aya-935\"></span>﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾.\nقال ابن جرير: يقول تعالى: وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر وهو البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع، كالإبل والنعام والإوز والبط (^٤).\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وهو البعير والنعامة (^٥)، وكذا قال مجاهد في رواية والسدي (^٦).\nوقال سعيد بن جبير: هو الذي ليس منفرج الأصابع (^٧)، وفي رواية عنه: كل شيء متفرق\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب إذا حلف أن لا يشرب نبيذًا … (ح ٦٦٨٦) وسنن النسائي، الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة (٧/ ١٧٣).\n(^٢) السنن، الأطعمة، باب في أكل لحم الحبارى (ح ٣٧٩٩) وسنده ضعيف لإبهام اسم الشيخ الراوي عن أبي هريرة.\n(^٣) آية ١٧٣.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٦) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير.","vol":"3","page":628},{"text":"الأصابع ومنه الديك (^١).\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: وكان يقال للبعير والنعامة وأشياء من الطير والحيتان (^٢)، وفي رواية: البعير والنعامة (^٣)، وحرم عليهم من الطير البط وشبهه وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع.\nوقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، قال: النعامة والبعير شقاشقًا، قلت للقاسم بن أبي بزة وحدثته ما شقاشقًا؟ قال: كل ما لا ينفرج من قوائم البهائم، قال: وما انفرج أكلته؟ قال: انفرجت قوائم البهائم والعصافير قال: فيهود تأكله، قال: ولم تنفرج قائمة البعير - خفه - ولا خف النعامة ولا قائمة الوز، فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعامة ولا الوز ولا كل شيء لم تنفرج قائمته ولا تأكل حمار الوحش (^٤). وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ قال السدي: يعني الثرب وشحم الكليتين وكانت اليهود تقول إنه حرمه إسرائيل فنحن نُحرّمه (^٥)، وكذا قال ابن زيد (^٦).\nوقال قتادة: الثرب وكل شحم كان كذلك ليس في عظم (^٧).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ يعني: ما علق بالظهر من الشحوم (^٨)، وقال السدي وأبو صالح: الإلية مما حملت ظهورهما (^٩).\nوقوله تعالى: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال الإمام أبو جعفر بن جرير: الحوايا جمع واحدها حاوياء وحاوية وحويّة وهو ما تحوّى من البطن فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن وهي المباعر وتسمى المرابض، وفيها الأمعاء (^١٠). قال: ومعنى الكلام ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [أو ما حملت الحوايا] (^١١).\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ وهي المبعر (^١٢)، وقال مجاهد: ﴿الْحَوَايَا﴾ المبعر والمِربض (^١٣)، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وقتادة وأبو مالك والسدي (^١٤)،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن كسابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"الثروب\".\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٩) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول أبي صالح أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.\n(^١٠) ذكره الطبري بلفظه.\n(^١١) كذا في (عش) و(حم) و(مح) وسقط من الأصل.\n(^١٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^١٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول قتادة والسدي أخرجه الطبري بالأسانيد الثابتة المتقدمة.","vol":"3","page":629},{"text":"وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: الحوايا المرابض التي تكون فيها الأمعاء تكون وسطها وهي بنات اللبن، وهي في كلام العرب تدعى المرابض (^١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ يعني: إلا ما اختلط من الشحوم بعظم فقد أحللناه لهم.\nوقال ابن جريج: شحم الإلية ما اختلط بالعُصْعُص فهو حلال وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين وما اختلط بعظم فهو حلال (^٢) ونحوه قال السدي (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ أي هذا التضييق إنما فعلناه بهم وألزمناهم به مجازاة على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء].\nوقوله: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: وإنا لعادلون فيما جازيناهم به، وقال ابن جرير: وإنا لصادقون فيما أخبرناك به يا محمد من تحريمنا ذلك عليهم، لا كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه على نفسه (^٤)، والله أعلم.\nوقال عبد الله بن عباس: بلغ عمر بن الخطاب ﵁، أن سمرة باع خمرًا فقال: قاتل الله سمرة ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: \"لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها\"؟ أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر به (^٥).\nوقال الليث: حدثني يزيد بن أبي حبيب، قال: قال عطاء بن أبي رباح: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول عام الفتح: \"إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام\" فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يدهن بها الجلود وتطلى بها السفن ويستصبح بها الناس؟ فقال: \"لا هو حرام\" ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: \"قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه\" [ورواه الجماعة من طرق عن يزيد بن أبي حبيب به (^٦). وقال الزهري: عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها\"] (^٧) رواه البخاري ومسلم جميعًا، عن عبدان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري به (^٨).\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٥) صحيح البخاري، البيوع، باب لا يذاب شحم الميتة ولا يُباع وَدَكه (ح ٢٢٢٣)، وصحيح مسلم، البيوع، باب تحريم بيع الخمر والميتة … (ح ١٥٨١).\n(^٦) صحيح البخاري، البيوع، باب بيع الميتة والأصنام (ح ٢٢٣٦)، وصحيح مسلم، البيوع، باب تحريم بيع الخمر والميتة (ح ١٥٨٢).\n(^٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(حم) و(مح).\n(^٨) صحيح البخاري، البيوع، باب لا يُذاب شحم الميتة (ح ١٢٢٤)، وصحيح مسلم، البيوع، باب تحريم بيع الخمر (ح ١٥٨٣).","vol":"3","page":630},{"text":"سليمان بن حرب، حدثنا وهب، حدثنا خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان قاعدًا خلف المقام، فرفع بصره إلى السماء فقال: \"لعن الله اليهود - ثلاثًا - إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، أنبأنا خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، أنبأنا ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ قاعدًا في المسجد مستقبلًا الحجر فنظر إلى السماء فضحك فقال: \"لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه\" (^٢). ورواه أبو داود من حديث خالد الحذاء (^٣).\nوقال الأعمش: عن جامع بن شداد، عن كلثوم، عن أسامة بن زيد، قال: دخلنا على رسول الله ﷺ وهو مريض نعوده، فوجدناه نائمًا قد غطى وجهه ببرد عدني فكشف عن وجهه وقال: \"لعن الله اليهود يحرمون شحوم الغنم ويأكلون أثمانها\" (^٤) وفي رواية: \"حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها\".\n\n<span id=\"aya-936\"></span>﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾.\nيقول تعالى: فإن كذبك يا محمد مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم، ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتباع رسوله، ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ترهيب لهم من مخالفتهم الرسول خاتم النبيين، وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن، كما قال تعالى في آخر هذه السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر] وقاد تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٣] وقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)﴾ [البروج] والآيات في هذا كثيرة جدًا.\n\n<span id=\"aya-937\"></span>﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾.\nهذه مناظرة ذكرها الله تعالى، وشبهة تشبث بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا،\n_________\n(^١) سنده صحيح وللمزيد ينظر الحديث التالي.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه محققوه (المسند ٤/ ٩٥ ح ٢٢٢١).\n(^٣) سنن أبي داود، البيوع، باب في ثمن الخمر والميتة (ح ٣٤٨٨)، وصححه الألباني (صحيح سنن أبي داود ٢٩٧٨).\n(^٤) أخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٩٤).","vol":"3","page":631},{"text":"فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإيمان ويحول بيننا وبين الكفر فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا بذلك، ولهذا قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ الآية [الزخرف: ٢٠]، وكذلك الآية التي في النحل (^١) مثل هذه سواء.\nقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي بهذه الشبهة ضلّ من ضلّ قبل هؤلاء وهي حجة داحضة باطلة، لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه ودمر عليهم وأدال عليهم رسله الكرام وأذاق المشركين من أليم الانتقام، ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بأن الله راض عنكم فيما أنتم فيه ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ أي: فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي: الوهم والخيال، والمراد بالظن هاهنا الاعتقاد الفاسد ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ تكذبون على الله فيما ادعيتموه.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ وقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] فإنهم قالوا: عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زلفى. فأخبرهم الله أنها لا تقربهم، فقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ يقول تعالى لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين (^٢).\n\n<span id=\"aya-938\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَة﴾ أي: له الحكمة التامة والحجة البالغة في هداية من هدى وإضلال من أضلّ، ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين ويبغض الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٩٩] وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود].\nقال الضحاك: لا حجة لأحد عصى الله ولكن لله الحجة البالغة على عباده.\n\n<span id=\"aya-939\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ أي: أحضروا شهداءكم ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ أي: هذا الذي حرمتموه وكذبتم وافتريتم على الله فيه ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أي: لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبًا وزورًا ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يشركون به ويجعلون له عديلًا.\n\n<span id=\"aya-940\"></span>﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾.\nقال داود الأودي، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁ قال: من أراد أن يقرأ\n_________\n(^١) كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥].\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"3","page":632},{"text":"صحيفة رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (^١).\nوقال الحاكم في مستدركه: حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: سمعت ابن عباس يقول: في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٢). قلت: ورواه زهير وقيس بن الربيع، كلاهما عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن قيس، عن ابن عباس به، والله أعلم.\nوروى الحاكم أيضًا في [مستدركه] (^٣) من حديث يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيكم يبايعني على ثلاث\" ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآيات \"فمن وفّى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئًا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه\" ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وإنما اتفقا على حديث الزهري عن أبي إدريس، عن عبادة \"بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا\" الحديث (^٤).\nوقد روى سفيان بن حسين كلا الحديثين، فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما، والله أعلم.\nوأما تفسيرها فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿تَعَالَوْا﴾ أي: هلمّوا وأقبلوا ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: أقصّ عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقًا لا تخرصًا ولا ظنًا بل وحيًا منه وأمرًا من عنده ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وكأن في الكلام محذوفًا دل عليه السياق، وتقديره وأوصاكم ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ولهذا قال في آخر الآية ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وكما قال الشاعر:\nحَجّ وأوصى بسليمى الأَعْبُدا … أن لا ترى ولا تكلِّم أحدًا\nولا يزال شرابها مبرّدا (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي من طريق محمد بن فضيل عن داود الأودي به وقال: هذا حديث حسن غريب (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام ح ٣٠٧٠)، وسنده حسن وداود هو ابن عبد الله الأودي يروي عن الشعبي، ويروي عنه محمد بن فضيل، وهو ثقة (تهذيب التهذيب ٣/ ١٩١)، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٧).\n(^٣) كذا في (عش) و(مح) و(حم) والمستدرك وفي الأصل صحفت إلى مسنده.\n(^٤) أخرجه الحاكم من طريق يزيد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٨)، والحديث الذي اتفقا عليه البخاري ومسلم فهو في صحيح البخاري (ح ١٨) وصحيح مسلم (ح ١٧٠٩).\n(^٥) ذكر هذا الرجز الفراء في معاني القرن (١/ ٣٦٤)، والطبري دون أن ينسباه لأحد.","vol":"3","page":633},{"text":"وتقول العرب: أمرتك أن لا تقوم. وفي الصحيحين من حديث أبي ذرّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا من أمتك دخل الجنة\"، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: \"وإن زنى وإن سرق\"، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: \"وإن زنى وإن سرق\"، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: \"وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر\".\nوفي بعض الروايات: أن قائل ذلك إنما هو أبو ذرّ لرسول الله ﷺ وأنه ﵊ قال في الثالثة: \"وإن رغم أنف أبي ذرّ\" فكان أبو ذرّ يقول بعد تمام الحديث: \"وإن رغم أنف أبي ذرّ\" (^١).\nوفي بعض المسانيد والسنن عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئًا، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك\" (^٢).\nولهذا شاهد في القرآن قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\nوفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: \"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة\" (^٣).\nوالآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًا، وروى ابن مردويه من حديث عبادة وأبي الدرداء: \"لا تشركوا بالله شيئًا وإن قطعتم أو صلبتم أو حرقتم\" (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثني سيار بن عبد الرحمن، عن يزيد بن قوذر، عن [سلمة بن شريح] (^٥)، عن عبادة بن الصامت، قال: أوصانا رسول الله ﷺ بسبع خصال \"ألا تشركوا بالله شيئًا وإن حرقتم وقطعتم وصلبتم\" (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأوصاكم وأمركم بالوالدين ﴿إِحْسَانًا﴾ أي: أن تحسنوا إليهم كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقرأ بعضهم: (ووصى (^٧) ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا) أي: أحسنوا إليهم، والله تعالى\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الجنائز، باب في الجنائز (ح ١٢٣٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا … (ح ١٥٣ - ١٥٤).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣/ ٣٩٨ ح ٢١٥٠٥)، وحسنه محققوه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٢٧).\n(^٣) صحيح مسلم، الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا (ح ١٥٠).\n(^٤) حديث عبادة سيأتي في الذي يليه، وحديث أبي الدرداء ضعفه الحافظ ابن كثير بعد الرواية التالية.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل صُحفت إلى: \"سريج\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه يزيد بن قوذر سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح ٩/ ٢٨٤)، وضعفه الحافظ ابن كثير بعد الرواية التالية.\n(^٧) وهي قراءة شاذة تفسيرية.","vol":"3","page":634},{"text":"كثيرًا ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين كما قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان] فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين بحسبهما، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية [البقرة: ٨٣]، والآيات في هذا كثيرة.\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: \"الصلاة على وقتها\" قلت: ثم أي؟ قال: \"بر الوالدين\" قلت: ثم أي؟ قال: \"الجهاد في سبيل الله\"، قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني (^١). وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده عن أبي الدرداء، وعن عبادة بن الصامت كل منهما يقول أوصاني خليلي رسول الله ﷺ: \"أطع والديك وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل\" ولكن في إسناديهما ضعف (^٢)، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لما أوصى تعالى بالوالدين والأجداد عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يئدون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، ولهذا ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أنه سأل رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًا وهو خلقك\" قلت: ثم أي؟ قال: \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك\" قلت: ثم أي؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك\" ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨] (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة والسدي وغيره: هو الفقر؛ أي: ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل (^٤)، وقال في سورة سبحان ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] أي: لا تقتلوهم خوفًا من الفقر في الآجل، ولهذا قال هناك ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم فهو على الله، وأما في هذه الآية فلما كان الفقر حاصلًا قال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لأنه الأهم ههنا، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف] وقد تقدم تفسيرها في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠].\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا أحد أغير من الله، من\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٨٣.\n(^٢) تقدم تخريج حديث عُبادة قبل الرواية السابقة.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٦٥.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.","vol":"3","page":635},{"text":"أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن\" (^١).\nوقال عبد الملك بن عمير، عن ورّاد، عن مولاه المغيرة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت مع امرأتي رجلًا لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال أتعجبون من غيرة سعد؟ \"فوالله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن\" أخرجاه (^٢).\nوقال كامل أبو العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله إنا نغار قال: \"والله إني لأغار والله أغير مني، ومن غيرته نهى عن الفواحش\" رواه ابن مردويه (^٣) ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وهو على شرط الترمذي فقد روى بهذا السند \"أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين\" (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وهذا مما نصّ ﵎ على النهي عنه تاكيدًا وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن فقد جاء في الصحيحين: عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة\"، وفي لفظ لمسلم \"والذي لا إله غيره لا يحلّ دم رجل مسلم\" وذكره، قال الأعمش: فحدثت به إبراهيم، فحدثني عن الأسود، عن عائشة بمثله (^٥)، وروى أبو داود والنسائي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ، قال: \"لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمدًا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض\" وهذا لفظ النسائي (^٦).\nوعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أنه قال وهو محصور: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس \"فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام. ولا تمنّيت أن لي بديني بدلًا منه إذ هداني الله، ولا قتلت نفسًا، فبمَ يقتلونني؟ رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن (^٧).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] (ح ٤٦٣٤)، وصحيح مسلم، التوبة، باب غيرة الله تعالى (ح ٢٧٦٠).\n(^٢) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول النبي ﷺ: \"لا شخص أغير من الله\" (ح ٧٤١٦)، وصحيح مسلم، اللعان، بدون باب (ح ١٤٩٩/ ١٧).\n(^٣) يشهد له سابقه.\n(^٤) أخرجه الترمذي من طريق كامل أبي العلاء به وقال: حسن غريب (السنن، الزهد، باب ما جاء في فناء أعمار هذه الأُمة ح ٢٣٣١) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٨١٥).\n(^٥) تقدم تخريجه في بداية تفسير آية ٩٢ من سورة النساء.\n(^٦) سنن أبي داود، الحدود، باب الحكم فيمن ارتد (ح ٤٣٥٣)، وسنن النسائي، تحريم الدم، باب الصلب ٧/ ١٠١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٥٩).\n(^٧) (المسند ١/ ٤٩١ ح ٤٣٧) وصححه محققوه وسنن الترمذي، الفتن، باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم … =","vol":"3","page":636},{"text":"وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد وهو المستأمن من أهل الحرب، فروى البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ مرفوعًا \"من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا\" (^١).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"من قتل معاهدًا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا\" رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: حسن صحيح (^٢).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: هذا مما وصاكم به لعلكم تعقلون عن الله أمره ونهيه.\n\n<span id=\"aya-941\"></span>﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾.\nقال عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال لما أنزل الله ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية [النساء: ١٠]، فانطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله، أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم رواه أبو داود (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قال الشعبي ومالك وغير واحد من السلف: يعني حتى يحتلم (^٤).\nوقال السدي: حتى يبلغ ثلاثين سنة (^٥)، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ستون سنة، قال: وهذا كله بعيد هاهنا، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يأمر تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء، كما توعد على تركه في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين] وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان.\n_________\n= وحسنه (ح ٢١٥٨)، وسنن النسائي، تحريم الدم، باب ذكر ما يحل به دم المسلم ٧/ ٩١، وسنن ابن ماجه، الحدود، باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث (ح ٢٥٣٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٠٥٢).\n(^١) صحيح البخاري، الديات، باب إثم من قتل ذميّا بغير جرم (ح ٦٩١٤).\n(^٢) سنن الترمذي، الديات، باب ما جاء فيمن قتل نفسًا معاهدة (ح ١٤٠٣)، وسنن ابن ماجه، الديات، باب من قتل معاهدًا (ح ٢٦٨٧) بنحوه، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢١٧٦)، ويشهد له سابقه.\n(^٣) تقدم تخريجه وتصحيحه في تفسير سورة البقرة آية ٢٢٠.\n(^٤) قول الشعبي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق مجالد عنه، ومجالد ليس بالقوي كما في التقريب، وقول مالك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"3","page":637},{"text":"وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي: من حديث الحسين بن قيس أبي علي الرحبي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والميزان \"إنكم وليتم أمرًا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم\" ثم قال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسين وهو ضعيف في الحديث. وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفًا (^١).\nقلت: وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث شريك، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين بهما هلكت القرون المتقدمة: المكيال والميزان\" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: من اجتهد في أداء الحق وأخذه، فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه.\nوقد روى ابن مردويه من حديث بقية، عن مُبشر بن عُبيد، عن عمرو بن ميمون بن مهران، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله ﷺ في الآية ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فقال: \"من أوفى على يده في الكيل والميزان والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما لم يؤاخذ وذلك تأويل وسعها\" (^٣) هذا مرسل غريب.\nوقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ الآية [المائدة: ٨]، وكذا التي تشبهها في سورة النساء (^٤)، يأمر تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب والبعيد، والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد في كل وقت وفي كل حال.\nوقوله: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ قال ابن جرير: يقول وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا، وإيفاء ذلك: أن تطيعوه فيما أمركم ونهاكم وتعملوا بكتابه وسنة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله (^٥).\n﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يقول تعالى: هذا أوصاكم به وأمركم به وأكد عليكم فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه قبل هذا، وقرأ بعضهم بتشديد الذال وآخرون بتخفيفها (^٦).\n\n<span id=\"aya-942\"></span>﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وفي قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي من طريق خالد بن عبد الله الواسطي عن الحسين بن قيس به مع حكمه (السنن، البيوع، باب ما جاء في المكيال والميزان ح ١٢١٧)، وفي سنده الحسين بن قيس متروك (التقريب ص ١٦٨)، والصحيح وقفه على ابن عباس.\n(^٢) في سنده شريك وهو ابن عبد الله القاضي صدوق سيء الحفظ كما في التقريب، ولعله أخطأ في رفعه.\n(^٣) في سنده مبشر بن عُبيد وهو الحمصي وهو متروك ورماه أحمد بالوضع (التقريب ص ٥١٩).\n(^٤) الآية: ١٣٥.\n(^٥) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٦) كلتاهما قراءتان متواترتان.","vol":"3","page":638},{"text":"المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله (^١). ونحو هذا، قاله مجاهد وغير واحد (^٢).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا الأسود بن عامر شاذان، حدثنا أبو بكر - هو ابن عياش -، عن عاصم - هو: ابن أبي النجود -، عن أبي وائل، عن عبد الله - هو: ابن مسعود ﵁: قال: خط رسول الله ﷺ خطًا بيده، ثم قال: \"هذا سبيل الله مستقيمًا\" وخط عن يمينه وشماله ثم قال: \"هذه السُبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه\"، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (^٣)، وكذا رواه الحاكم عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي بكر بن عياش به، وقال: صحيح ولم يخرجاه (^٤)، وهكذا رواه أبو جعفر الرازي وورقاء وعمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود مرفوعًا به نحوه (^٥). وكذا رواه يزيد بن هارون ومسدد والنسائي، عن يحيى بن حبيب بن عربي وابن حبان من حديث ابن وهب، أربعتهم عن حماد بن زيد، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به، وكذا رواه ابن جرير عن المثنى، عن الحماني، عن حماد بن زيد به، ورواه الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد به كذلك، وقال: صحيح ولم يخرجاه (^٦).\nوقد روى هذا الحديث النسائي والحاكم من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود به مرفوعًا (^٧)، وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث يحيى الحماني، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر به (^٨)، فقد صححه الحاكم كما رأيت من الطريقين، ولعل هذا الحديث عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، وعن أبي وائل شقيق بن سلمة، كلاهما عن ابن مسعود به والله أعلم.\nوقال الحاكم: وشاهد هذا الحديث حديث الشعبي، عن جابر من وجه غير معتمد (^٩)، يشير إلى الحديث الذي قال الإمام أحمد وعبد بن حميد جميعًا واللفظ لأحمد: حدثنا عبد الله بن محمد - وهو أبو بكر بن أبي شيبة -، أنبأنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال؛ كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فخط خطًا هكذا أمامه فقال: \"هذا سبيل الله\" وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال: \"هذه سبل الشيطان\" ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٢٠٧ ح ٤١٤٢) وحسنه محققوه.\n(^٤) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٨).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمرو بن أبي قيس.\n(^٦) السنن الكبرى للنسائي (ح ١١١٧٤)، وتفسير الطبري، والمستدرك ٢/ ٣١٨.\n(^٧) السنن الكبرى للنسائي (ح ١١١٧٥)، والمستدرك ٢/ ٢٣٩.\n(^٨) وسنده حسن.\n(^٩) المستدرك ٢/ ٣١٨.\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣٩٧)، وفي سنده مجالد ليس بالقوي، ويتقوى بما سبق.","vol":"3","page":639},{"text":"ورواه ابن ماجه: في كتاب السنة من سننه، والبزار عن أبي سعيد عبد الله بن سعيد، عن أبي خالد الأحمر به (^١). قلت: ورواه الحافظ بن مردويه من طريقين عن أبي سعيد الكندي، حدثنا أبو خالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: خط رسول الله ﷺ خطًا، وخط عن يمينه خطًا وخط عن يساره خطًا، ووضع يده على الخط الأوسط، وتلا هذه الآية ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (^٢) ولكن العمدة على حديث ابن مسعود مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثرًا، وقد روي موقوفًا عليه، قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبان، أن رجلًا قال لابن مسعود ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد ﷺ في أدناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد وعن يساره جواد ثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية (^٣).\nوقال ابن مردويه: حدثنا أبو عمرو، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا أبان بن عياش، عن مسلم بن عمران، عن عبد الله بن عمر، سأل عبد الله، عن الصراط المستقيم فقال ابن مسعود: تركنا محمد ﷺ في أدناه وطرفه في الجنة، وذكر تمام الحديث كما تقدم (^٤)، والله أعلم.\nوقد روي من حديث النواس بن سمعان نحوه، قال الإمام أحمد: حدثني الحسن بن سوار أبو العلاء، حدثنا - ليث يعني: ابن سعد - عن معاوية بن صالح، أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه، عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله ﷺ قال: \"ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعن جنبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يدعو: يا أيها الناس هلموا ادخلوا الصراط المستقيم جميعًا ولا تفرقوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم\" ورواه الترمذي والنسائي عن علي بن حجر، زاد النسائي وعمرو بن عثمان كلاهما عن بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان به، وقال الترمذي: حسن غريب (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ إنما وحد سبيله لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرقها وتشعبها كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة].\n_________\n(^١) السنن، المقدمة، باب اتباع سنة رسول الله ﷺ (ح ١١)، وسنده كسابقه في علته وتقويته.\n(^٢) سنده كسابقه في علته وتقويته.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن أبان بن أبي عياش متروك (التقريب ص ٨٧).\n(^٤) سنده كسابقه.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفاتحة آية ٦.","vol":"3","page":640},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ \" ثم تلا ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] حتى فرغ من ثلاث آيات ثم قال: \"ومن وفّى بهنّ فأجره على الله، ومن انتقص منهنّ شيئًا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه\" (^١).\n\n<span id=\"aya-943\"></span>﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾.\nقال ابن جرير: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ تقديره ثم قل يا محمد مخبرًا عنا أنا آتينا موسى الكتاب، بدلالة قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١].\nقلت: وفي هذا نظر، وثم ههنا إنما هي لعطف الخبر بعد الخبر لا للترتيب ههنا كما قال الشاعر (^٢):\nقل لمن ساد ثم ساد أبوه … ثم قد ساد قبل ذلك جده\nوههنا لما أخبر الله سبحانه عن القرآن بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] عطف بمدح التوراة ورسولها، فقال: ثم آتينا موسى الكتاب، وكثيرًا ما يقرن سبحانه بين ذكر القرآن والتوراة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢] وقوله أول هذه السورة ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ الآية [الأنعام: ٩١]، وبعدها ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الآية [الأنعام: ٩٢].\nوقال تعالى مخبرًا عن المشركين ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] وقال تعالى مخبرًا عن الجن أنهم قالوا: ﴿يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ الآية [الأحقاف: ٣٠].\nوقوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا﴾ أي: آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تمامًا كاملًا جامعًا، لما يحتاج إليه في شريعته كما قال: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٥]، وقوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: جزاء على إحسانه في العمل وقيامه بأوامرنا وطاعتنا كقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن] وكقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] وكقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة].\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الآية رقم ١٥١ من هذه السورة الكريمة.\n(^٢) هو أبو نواس كما في شواهد المغني للبغدادي ٣/ ٣٩.","vol":"3","page":641},{"text":"وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يقول أحسن فيما أعطاه الله (^١).\nوقال قتادة: من أحسن في الدنيا تمم له ذلك في الآخرة (^٢).\nواختار ابن جرير أن تقديره ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾ على إحسانه فكأنه جعل الذي مصدرية كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] أي: كخوضهم وقال ابن رواحة:\nوثبَّت الله ما آتاك من حسن … في المرسلين ونصرًا كالذي نُصِروا (^٣)\nوقال آخرون: الذي ههنا بمعنى الذين.\nقال ابن جرير: وذُكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرؤها (تمامًا على الذين أحسنوا) (^٤).\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾، قال: على المؤمنين والمحسنين (^٥)، وكذا قال أبو عبيدة، وقال البغوي: المحسنون الأنبياء والمؤمنون؛ يعني: أظهرنا فضله عليهم قلت: كقوله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] ولا يلزم اصطفاؤه على محمد ﷺ خاتم الأنبياء والخليل ﵉ لأدلة أخرى.\nقال ابن جرير: وروى أبو عمرو بن العلاء، عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرؤها: (تمامًا على الذي أحسنُ) (^٦) رفعًا بتأويل على الذي هو أحسن، ثم قال: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها وإن كان لها في العربية وجه صحيح، وقيل: معناه تمامًا على إحسان الله إليه زيادة على ما أحسن إليه، حكاه ابن جرير والبغوي، ولا منافاة بينه وبين القول الأول، وبه جمع ابن جرير كما بيناه، ولله الحمد.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ فيه مدح لكتابه الذي أنزله الله عليه ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾\n\n<span id=\"aya-944\"></span>﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ فيه الدعوة إلى اتباع القرآن يرغب سبحانه عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره والعمل به والدعوة إليه ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-945\"></span>﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾.\nقال ابن جرير: معناه وهذا كتاب أنزلناه لئلا تقولوا: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) ورد في السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٣٧٤.\n(^٤) ذكره الطبري معلقًا، والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) ذكره الطبري معلقًا، والقراءة شاذة تفسيرية.","vol":"3","page":642},{"text":"قَبْلِنَا﴾ (^١) يعني: لينقطع عذركم كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ الآية [القصص: ٤٧].\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هم اليهود والنصارى (^٢) وكذا قال مجاهد والسدي وقتادة (^٣) وغير واحد.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ أي: وما كنا نفهم ما يقولون لأنهم ليسوا بلساننا ونحن في غفلة وشغل مع ذلك عمّا هم فيه.\n\n<span id=\"aya-946\"></span>وقوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ أي: وقطعنا تعللكم أن تقولوا لو أنا أنزل علينا ما أنزل عليهم لكنا أهدى منهم فيما أوتوه كقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ الآية [فاطر: ٤٢]، وهكذا قال ههنا ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ يقول: فقد جاءكم من الله على لسان محمد ﷺ النبي العربي قرآن عظيم فيه بيان للحلال والحرام وهدى لما في القلوب ورحمة من الله لعباده الذين يتبعونه ويقتفون ما فيه.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أي: لم ينتفع بما جاء به الرسول ولا اتبع ما أرسل به ولا ترك غيره بل صدف عن اتباع آيات الله أي صدف الناس وصدهم عن ذلك قاله السدي (^٤).\nوعن ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أعرض عنها (^٥). وقول السدي ههنا فيه قوة لأنه قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ كما تقدم في أول السورة ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٦] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨].\nوقال في هذه الآية الكريمة: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ وقد يكون المراد فيما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أي: لا آمن بها ولا عمل بها (^٦). كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ [القيامة] وغير ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه وترك العمل بجوارحه ولكن كلام السدي أقوى وأظهر، والله أعلم.\n_________\n(^١) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي مختصرًا بلفظ: \"فصدّ عنها\".\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^٦) هذا تفسير لما تقدم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة.","vol":"3","page":643},{"text":"<span id=\"aya-947\"></span>﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾.\nيقول تعالى متوعدًا للكافرين به والمخالفين لرسله والمكذبين بآياته والصادين عن سبيله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ وذلك كائن يوم القيامة ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ وذلك قبل يوم القيامة كائن من أمارات الساعة وأشراطها حين يرون شيئًا من أشراط الساعة كما قال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عمارة، حدثنا أبو زرعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها\" فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾.\nحدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها\" وفي لفظ: \"فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل\" ثم قرأ هذه الآية (^١). هكذا روي هذا الحديث من هذين الوجهين ومن الوجه الأول أخرجه بقية الجماعة في كتبهم إلا الترمذي من طرق عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة، عن أبي زرعة ابن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة به.\nوأمّا الطريق الثاني فرواه عن إسحاق غير منسوب وقيل: هو ابن منصور الكوسج وقيل: إسحاق بن نصر، والله أعلم. وقد رواه مسلم عن محمد بن رافع النيسابوري كلاهما عن عبد الرزاق به، وقد ورد هذا الحديث من طرق آخر عن أبي هريرة كما انفرد مسلم بروايته من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة به (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، طلوع الشمس من مغربها والدجّال ودابّة الأرض\" (^٣) ورواه أحمد عن وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم سلمان، عن أبي هريرة به وعنده والدخان، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، عن وكيع ورواه هو أيضًا والترمذي من غير وجه عن فضيل بن غزوان به (^٤)، ورواه إسحاق بن عبد الله الفَروي، عن مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ولكن لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه لضعف الفَروي (^٥)، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجهما البخاري بسنديهما ومتنيهما (الصحيح، التفسير، باب \"قل هلم شهداءكم\" ح ٤٦٣٥) وباب ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (ح ٤٦٣٦).\n(^٢) أخرجه مسلم بسنديه (الصحيح، الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان ح ١٥٧) وما بعده.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) المسند ٢/ ٤٤٥، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٥٨).\n(^٥) ولا يضر ضعف الفروي لأنه قد توبع في الروايات السابقة.","vol":"3","page":644},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت آمن الناس كلهم وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ \" الآية (^١)، ورواه ابن لهيعة عن الأعرج، عن أبي هريرة به (^٢). ورواه وكيع عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة به، أخرج هذه الطرق كلها الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره. وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها قبل منه\" (^٣) لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.\n(حديث آخر): عن أبي ذرّ الغِفاري في الصحيحين وغيرهما من طرق عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، عن أبيه، عن أبي ذرّ جُندب بن جنادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ \" قلت: لا أدري قال: \"إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة ثم تقوم حتى يقال لها: ارجعي فيوشك يا أبا ذرّ أن يقال لها ارجعي من حيث جئت وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ \" (^٤).\n(حديث آخر): عن حذيفة بن أُسيد أبي شريحة الغِفاري ﵁، قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا سفيان، عن فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أُسيد الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة فقال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان والدابّة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، وخروج الدجّال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا\" (^٥). وهكذا رواه مسلم (^٦) وأهل السنن الأربعة من حديث فرات القزاز عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أُسيد به وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(حديث آخر): عن حذيفة بن اليمان ﵁.\nقال الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ فقال النبي ﷺ: \"تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين فينتبه الذين كانوا يصلون فيها، فيعملون كما كانوا يعملون قبلها، والنجوم لا ترى قد غابت\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح أخرجه مسلم من طريق الأعرج به (الصحيح، الإيمان، بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان ح ١٥٧).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من طريق ابن لهيعة به (المسند ٢/ ٣٥٠)، وقد توبع ابن لهيعة في الرواية السابقة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين به (الصحيح، الذكر والدعاء، باب استحباب الاستغفار ح ٢٧٠٣).\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، سورة يس، باب ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا. . .﴾ [يس: ٣٨] (ح ٤٨٠٢)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (ح ١٥٩).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٦) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح مسلم، الفتن، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (ح ٢٩٠١).","vol":"3","page":645},{"text":"مكانها، ثم يرقدون ثم يقومون فيصلون، ثم يرقدون ثم يقومون فيطل عليهم جنوبهم حتى يتطاول عليهم الليل، فيفزع الناس ولا يصبحون فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذ طلعت من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم\" (^١) رواه ابن مردويه، وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه والله أعلم.\n(حديث آخر): عن أبي سعيد الخدري واسمه: سعد بن مالك بن سنان ﵁ وأرضاه.\nقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا ابن أبي ليلى، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ قال: \"طلوع الشمس من مغربها\" (^٢). ورواه الترمذي عن سفيان بن وكيع، عن أبيه به وقال: غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه (^٣).\nوفي حديث طالوت بن عباد، عن فضال بن جبير، عن أبي أمامة صُدي بن عجلان قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها\" (^٤).\nوفي حديث عاصم بن أبي النجود عن زرّ بن حبيش، عن صفوان بن عسّال قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله فتح بابًا قبل المغرب عرضه سبعون عامًا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه\" رواه الترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه في حديث طويل (^٥).\n(حديث آخر): عن عبد الله بن أبي أوفى.\nقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا ضرار بن صُرَد، حدثنا ابن فضيل، عن سليمان بن زيد، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ليأتيّن على الناس ليلة تعدل ثلاث ليالي من لياليكم هذه، فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، فبينما هم كذلك إذ صاح الناس بعضهم في بعض فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد، فإذا هم بالشمس قد طلعت حتى إذا صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها قال حينئذٍ لا ينفع نفسًا\n_________\n(^١) أخرجه ابن مردويه من طريق محمد بن يوسف الرازي عن إدريس بن علي الرازي عن يحيى بن الضريس عن الثوري به ذكره السيوطي (في اللآلئ المصنوعة ١/ ٥٨)، وفي سنده محمد بن يوسف متهم بالوضع (لسان الميزان ٥/ ٤٣٦).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ٣٦٨ ح ١١٢٦٦)، وقال محققوه: صحيح لغيره. أي بالمتابعات والشواهد.\n(^٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام ح ٣٠٧١)، وقوله: رواه بعضهم ولم يرفعه. ومنهم ابن أبي شيبة فقد أخرجه من طريق وكيع به موقوفًا (المصنف ١٥/ ١٧٩).\n(^٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (ح ٨٠٢٢)، من طريق طالوت به، ومنه فضال بن جبير ضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ٨/ ٩)، ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة وهي نحو عشرة أحاديث منها: أول الآيات طلوع الشمس من مغربها. (لسان الميزان ٣/ ٤٣٤) وسنده ضعيف ويشهد له حديث عبد الله بن عمرو الآتي بعد روايتين، فيكون حسنًا لغيره.\n(^٥) سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار (ح ٣٥٣٦) وقال: حسن صحيح، وسنن النسائي ١/ ٨٣ وسنن ابن ماجه، الفتن، باب طلوع الشمس من مغربها (ح ٤٠٧٠)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٢٨٩).","vol":"3","page":646},{"text":"إيمانها\" (^١) هذا حديث غريب من هذا الوجه وليس هو في شيء من الكتب الستة.\n(حديث آخر): عن عبد الله بن عمرو.\nقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أبو حيان، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال: جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة فسمعوه وهو يحدّث عن الآيات يقول: إن أولها الدجّال قال: فانصرفوا إلى عبد الله بن عمرو فحدثوه بالذي سمعوه من مروان في الآيات فقال: لم يقل مروان شيئًا حفظت من رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ضحى فايتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها\" ثم قال عبد الله: - وكان يقرأ الكتب -: وأظن أولها خروجًا طلوع الشمس من مغربها وذلك أنها كلّما غربت أتت تحت العرش وسجدت واستأذنت في الرجوع، فأذن لها في الرجوع حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها فعلت كما كانت تفعل، أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع فلم يرد عليها شيء، ثم استأذنت في الرجوع فلا يرد عليها شيء حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب وعرفت أنه إذا أذن لها في الرجوع لم تدرك المشرق قالت: ربّ ما أبعد المشرق من لي بالناس، حتى إذا صار الأفق كأنه طوق استأذنت في الرجوع فيقال لها: من مكانك فاطلعي فطلعت على الناس من مغربها، ثم تلا عبد الله هذه الآية ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية (^٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه وأبو داود وابن ماجه في سننيهما من حديث أبي حيان التيمي - واسمه يحيى بن سعيد بن حيان - عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير به (^٣).\n(حديث آخر عنه): قال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زريق الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ابن لهيعة، عن يحيى بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي ﷺ: \"إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدًا ينادي ويجهر إلهي مرني أن أسجد لمن شئت، قال: فيجتمع إليه زبانيته فيقولون كلهم: ما هذا التضرع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم، قال: ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا، قال: فأول خطوة تضعها بأنطاكيا (^٤) فتأتي إبليس فتلطمه\" (^٥) هذا حديث غريب جدًا وسنده ضعيف ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك فأما رفعه فمنكر، والله أعلم.\n(حديث آخر): عن عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ أجمعين.\n_________\n(^١) سنده ضعيف، سليمان بن زيد ضعيف رماه ابن معين بالوضع (ينظر التقريب ص ٢٥١) ويشهد لآخره الحديث التالي، وحديث من رُمي بالوضع لا يرتقي ولا يرقي.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٠١) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، الفتن، باب في خروج الدجّال (ح ٢٩٤١)، وسنن أبي داود، الملاحم، باب أمارات الساعة (ح ٤٣١٠)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب طلوع الشمس من مغربها (ح ٤٠٦٨).\n(^٤) مدينة في بلاد الشام قريبة من مدينة حلب (معجم البلدان ١/ ٢٦٦).\n(^٥) ضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا.","vol":"3","page":647},{"text":"قال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضَمضم بن شريح بن عبيد يرده إلى مالك بن يخامر، عن ابن السعدي أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل\" فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص إن رسول الله ﷺ قال: \"إن الهجرة خصلتان: إحداهما: تهجر السيئات، والأخرى: تهاجر إلى الله ورسوله ولا تنقطع ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكُفي الناس العمل\" (^١). هذا الحديث حسن الإسناد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم.\n(حديث آخر): عن ابن مسعود ﵁.\nقال عوف الأعرابي، عن محمد بن سيرين حدثني أبو عبيدة، عن ابن مسعود أنه كان يقول: ما ذكر من الآيات فقد مضى غير أربع: طلوع الشمس من مغربها، والدجّال، ودابة الأرض، وخروج يأجوج ومأجوج. قال: وكان يقول الآية التي تختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها ألم تر أن الله يقول: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية كلها يعني طلوع الشمس من مغربها (^٢).\nحديث ابن عباس ﵄.\nرواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس مرفوعًا فذكر حديثًا طويلًا غريبًا منكرًا رفعه، وفيه أن الشمس والقمر يطلعان يومئذٍ من المغرب مقرونين وإذا انتصفا السماء رجعا ثم عادا إلى ما كانا عليه (^٣). وهو حديث غريب جدًا بل منكر بل موضوع إن ادعي أنه مرفوع، فأما وقفه على ابن عباس أو وهب بن منبه وهو الأشبه فغير مدفوع، والله أعلم.\nوقال سفيان، عن منصور، عن عامر، عن عائشة ﵂ قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت وحبست الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال رواه ابن جرير رحمه الله تعالى (^٤).\nفقوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: إذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذٍ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنًا قبل ذلك فإن كان مصلحًا في عمله فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحًا فأحدث توبة حينئذٍ لم تقبل منه توبته كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ أي: ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملًا به قبل ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٠٦ ح ١٦٧١) وحسنه محققوه.\n(^٢) أخرجه الطبري والحاكم من طريق عوف الأعرابي به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٥٤٥)، ولكن أبا عبيدة وهو ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من ابن مسعود إلا أنه يتقوى بما سبق وبالطرق التي ذكرها الطبري بعد هذه الرواية.\n(^٣) في سنده عبد المنعم بن إدريس قال الإمام أحمد: كان يكذب على وهب بن منبه … وقال ابن حبان: يضع الحديث على أبيه وغيره (لسان الميزان ٤/ ٧٤) وروايته هنا عن أبيه عن وهب. فالحديث موضوع كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق والطبري وابن أبي شيبة (المصنف ٨/ ٦٧٠) عن سفيان به، وإسناده منقطع لأن عامر الشعبي لم يسمع عائشة.","vol":"3","page":648},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تهديد شديد للكافرين ووعيد أكيد لمن سوف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك وإنما كان هذا الحكم عند طلوع الشمس من مغربها لاقتراب الساعة وظهور أشراطها كما قال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)﴾ [محمد] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر].\n\n<span id=\"aya-948\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾.\nقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى (^١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد ﷺ فتفرقوا فلما بعث محمد ﷺ أنزل الله عليه ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الآية (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمر السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، كتب إليّ عبّاد بن كثير، حدثنا ليث، عن طاوس، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾: \"وليسوا منك هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة\" (^٣). لكن هذا إسناد لا يصح فإن عبّاد بن كثير متروك الحديث ولم يختلق هذا الحديث ولكنه وهم في رفعه فإنه رواه سفيان الثوري عن ليث - وهو ابن أبي سُليم -، عن طاوس، عن أبي هريرة في الآية أنه قال: نزلت في هذه الأمة (^٤).\nوقال أبو غالب، عن أبي أمامة في قوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: هم الخوارج وروي عنه مرفوعًا ولا يصح (^٥).\nوقال شعبة، عن مجالد، عن الشعبي، عن شُريح، عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبيد بن سليمان عنه ويشهد له ما سبق.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن العوفي به ويشهد له ما سبق، والقراءة بلفظ: \"فارقوا\" متواترة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن عباد بن كثير وهو الثقفي متروك قال أحمد: روى أحاديث كذب (التقريب ص ٢٩٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به، وفي سنده ليث بن أبي سليم فيه مقال ويتقوى برواية الطبراني في الأوسط فقد أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي (المجمع ٧/ ٢٢، ٢٣).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حميد بن مهران عن أبي غالب به، وفي سنده أبو غالب صاحب أبي أمامة صدوق يخطي كما في \"التقريب\" ولم يتابع، فسنده ضعيف.","vol":"3","page":649},{"text":"لعائشة ﵂: \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ \" قال: \"هم أصحاب البدع\" (^١). وهذا رواه ابن مردويه وهو غريب أيضًا ولا يصح رفعه، والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفًا له فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق فمن اختلف فيه ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: فرقًا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله تعالى قد برأ رسول الله ﷺ مما هم فيه وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].\nوفي الحديث: \"نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد\" (^٢) فهذا هو الصراط المستقيم وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له والتمسك بشريعة الرسول المتأخر وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء والرسل برآء منها كما قال الله تعالى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج] ثم بيّن لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة فقال تعالى:\n\n<span id=\"aya-949\"></span>﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾.\nوهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل في الآية الأخرى وهي قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية كما قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجعد أبو عثمان، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: فيما يروي عن ربه ﵎: \"إن ربكم ﷿ رحيم من همّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة. ومن همّ بسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله ﷿ ولا يهلك على الله إلا هالك\" (^٣) ورواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث الجعد أبي عثمان به (^٤).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: يقول الله ﷿: \"من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر، ومن عمل قِراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئًا جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، ومن اقترب إلي ذراعًا اقتربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة\" (^٥) ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة،\n_________\n(^١) في سنده مجالد ليس بالقوي كما في \"التقريب\" ص ٥٢٠.\n(^٢) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة المائدة آية ٤٨.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٧٩)، وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، الرقاق، باب من همّ بحسنة أو بسيئة (ح ٦٤٩١)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب إذا همّ العبد بحسنة كتبت (ح ٢٠٧).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٣)، وسنده صحيح.","vol":"3","page":650},{"text":"عن وكيع، عن الأعمش (^١) به، ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من همّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كُتبت له عشرًا ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم يُكتب عليه شيء، فإن عملها كُتبت عليه سيئة واحدة\" (^٢).\nواعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام: تارة يتركها لله، فهذا تكتب له حسنة على كفّه عنها لله تعالى وهذا عمل ونية ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح فإنما تركها من جرائي أي من أجلي، وتارة يتركها نسيانًا وذهولًا عنها فهذا لا له ولا عليه لأنه لم ينو خيرًا ولا فعل شرًا، وتارة يتركها عجزًا وكسلًا عنها بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا بمنزلة فاعلها. كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: \"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار\" قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: \"إنه كان حريصًا على قتل صاحبه\" (^٣).\nوقال الإمام أبو يعلى الموصلي: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا مكي، وحدثنا الحسن بن الصباح وأبو خيثمة، قالا: حدثنا إسحاق بن سليمان كلاهما عن موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، عن جده أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من همّ بحسنة كتب الله له حسنة فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن همّ بسيئة لم تُكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها كُتبت عليه سيئة، فإن تركها كُتبت له حسنة يقول الله تعالى إنما تركها من مخافتي\"، هذا لفظ حديث مجاهد يعني ابن موسى (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الرُّكَين بن الربيع، عن أبيه، عن عمه فلان بن عَميلة، عن خُرَيم بن فاتك الأسدي، أن النبي ﷺ قال: \"إن الناس أربعة والأعمال ستة، فالناس موسع له في الدنيا والآخرة وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمال موجبتان ومثل بمثل وعشرة أضعاف وسبعمائة ضعف، فالموجبتان من مات مسلمًا مؤمنًا لا يشرك بالله شيئًا وجبت له الجنة، ومن مات كافرًا وجبت له النار، ومن همّ بحسنة فلم يعملها فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كُتبت له حسنة، ومن همّ بسيئة لم تُكتب عليه ومن عملها كُتبت واحدة ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة كانت عليه بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله ﷿ كانت بسبعمائة ضعف\" (^٥) ورواه الترمذي والنسائي من حديث الرُّكَين بن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من طريق وكيع وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش به (الصحيح، الذكر والدعاء، باب فضل الذكر والدعاء ح ٢٦٨٧).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٧٠ ح ٣٤٥١)، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق شيبان بن فروخ به (الصحيح، الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ ح ١٦٢).\n(^٣) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة المائدة آية ٢٨.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة كما في \"التقريب\" ولشقه الأول شاهد صحيح تقدم قبل الرواية السابقة.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١/ ٣٨٣ ح ١٩٠٣٥) وحسنه محققوه.","vol":"3","page":651},{"text":"الربيع، عن أبيه، عن بشير بن عميلة، عن خريم بن فاتك به ببعضه، والله أعلم (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: \"يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها بلغو فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله فإِن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون ولم يتخطّ رقبة مسلم ولم يؤذ أحدًا فهي كفّارة له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله ﷿ يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ \" (^٢).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ \" (^٣).\nوعن أبي ذرّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كلّه\" رواه الإمام أحمد وهذا لفظه (^٤) والنسائي وابن ماجه والترمذي، وزاد: \"فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ اليوم بعشرة أيام\" ثم قال: هذا حديث حسن (^٥).\nوقال ابن مسعود: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ من جاء بلا إله إلا الله، ومن جاء بالسيئة يقول بالشرك (^٦)، وهكذا جاء عن جماعة من السلف ﵃ أجمعين، وقد ورد فيه حديث مرفوع الله أعلم بصحته (^٧)، لكني لم أروه من وجه يثبت، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًا وفيما ذكر كفاية إن شاء الله وبه الثقة.\n\n<span id=\"aya-950\"></span>﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾.\nيقول تعالى آمرًا نبيه ﷺ سيد المرسلين أن يخبر بما أنعم به عليه من الهداية إلى صراطه\n_________\n(^١) سنن الترمذي (ح ١٦٢٥) وحسنه، والسنن الكبرى (ح ١١٠٢٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ٢٩٨ ح ٣٤٥٩)، وسنده ضعيف لأن محمد بن إسماعيل بن عياش لم يسمع من أبيه (مجمع الزوائد ٢/ ١٧٣) ويشهد له سابقه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣٥/ ٢٢٧ ح ٢١٣٠١) وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٥) سنن الترمذي، الصوم، باب ما جاء في صوم ثلاثة أيام من كل شهر (ح ٧٦٢)، وسنن النسائي، الصيام ٤/ ٢١٩، وسنن ابن ماجه، الصيام، باب ما جاء في صيام ثلاثة أيام من كل شهر (ح ١٧٠٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٣٨٦).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الأسود بن هلال عن ابن مسعود.\n(^٧) هذا الحديث أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"من جاء بالسيئة\" قال هي كلمة الإشراك. وسنده ضعيف لأن شيخ ابن أبي حاتم محمد بن عزيز الأيلي ضعيف ويرويه عن سلامة بن روح، وقد تكلموا في صحة سماعه عن عمه سلامة كما في \"التقريب\".","vol":"3","page":652},{"text":"المستقيم الذي لا اعوجا فيه ولا انحراف ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أي: قائمًا ثابتًا ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل] وليس يلزم من كونه ﷺ أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية، أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها لأنه ﵇ قام بها قيامًا عظيمًا وأكملت له إكمالًا تامًا لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال، ولهذا كان خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى الخليل ﵇.\nوقد قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص، حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، أنبأنا سلمة بن كهيل، سمعت ذرّ بن عبد الله الهمداني يحدث عن ابن أبزى عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: \"أصبحنا على ملة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد أخبرنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قيل لرسول الله ﷺ: أي الأديان أحب إلى الله تعالى؟ قال: \"الحنيفية السمحة\" (^٢). وقال أحمد أيضًا: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: وضع رسول الله ﷺ ذقني على منكبه، لأنظر إلى زَفَّن (^٣) الحبشة حتى كنت التي مللت فانصرفت عنه. قال عبد الرحمن عن أبيه قال: قال لي عروة: إن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يومئذٍ: \"لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة\" (^٤)، أصل الحديث مخرج في الصحيحين (^٥) والزيادة لها شواهد من طرق عدة، وقد استقصيت طرقها في شرح البخاري ولله الحمد والمنّة.\n\n<span id=\"aya-951\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر] أي: أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من طريق سفيان الثوري عن سلمة به (المسند ٢٤/ ٧٩ ح ١٥٣٦٣) وحسنه محققوه.\n(^٢) في سنده محمد بن إسحاق ولم يصرح بالسماع وسنده ضعيف ويتقوى بالشواهد إذ أخرجه البخاري معلقًا وحسنه الحافظ ابن حجر بالشواهد (الفتح ١/ ٩٤).\n(^٣) زَّفن الحبشة أي رقص ولعب أهل الحبشة (ينظر النهاية ٢/ ٣٠٥).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤١/ ٣٤٩ ح ٢٤٨٥٥)، وقال محققوه: سند حسن. وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ٢/ ٤٤٤) وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٨٨١).\n(^٥) صحيح البخاري، الصلاة، باب أصحاب الحراب في المسجد (ح ٤٥٤)، وصحيح مسلم، صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب … (ح ٨٩٢).","vol":"3","page":653},{"text":"تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى.\nقال مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾: النسك: الذبح في الحج والعمرة (^١).\nوقال الثوري، عن السدي، عن سعيد بن جبير ﴿وَنُسُكِي﴾ قال ذبحي (^٢)، وكذا قال السدي والضحاك (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أحمد بن خالد الوهبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله قال: ضحّى رسول الله ﷺ في يوم عيد النحر بكبشين وقال حين ذبحهما: \"وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-952\"></span>وقوله ﷿: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال قتادة: أي من هذه الأمة (^٥)، وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء] وقد أخبرنا تعالى عن نوح أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة] وقال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف] وقال موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [يونس] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ الآية [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ [المائدة] فأخبر تعالى أنه بعث رسله بالإسلام، ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضًا، إلى أن نسخت بشريعة محمد ﷺ التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال قائمة منصورة وأعلامها منشورة إلى قيام الساعة، ولهذا قال ﵇: \"نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد\" (^٦) فإن أولاد العلات هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى، فالدين واحد وهو\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الثوري به، وأخرجه أيضًا من طريق الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن سعيد بن جبير، وسنده صحيح.\n(^٣) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، ويشهد له سابقاه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٥٢٨).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة (صحيح البخاري - أحاديث الأنبياء، باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم ١٦] (ح ٣٤٤٢) وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل عيسى ﵊ (ح ٢٣٦٥).","vol":"3","page":654},{"text":"عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا بنو الأم الواحدة من آباء شتى، والإخوة الأعيان الأشقاء من أب واحد وأم واحدة. والله أعلم.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح ثم قال: \" ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ \"، \"اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك\" ثم ذكر تمام الحديث (^١) فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد وقد رواه مسلم في صحيحه (^٢).\n\n<span id=\"aya-953\"></span>﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ أي: أطلب ربًا سواه، ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يربيني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه، لأنه رب كل شيء ومليكه وله الخلق والأمر.\nفهذه الآية فيها الأمر بإخلاص التوكل كما تضمنت التي قبلها إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيرًا في القرآن كقوله تعالى مرشدًا لعباده أن يقولوا له: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩] وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل]، وأشباه ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله، أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد وهذا من عدله تعالى كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] قال علماء التفسير: أي فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره، ولا يهضم بأن ينقص من حسناته وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر] معناه كل نفس مرتهنة بعملها السيء، إلا أصحاب اليمين فإنه قد يعود بركة أعمالهم الصالحة على ذرياتهم وقراباتهم كما قال في سورة الطور ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مطولًا (المسند ٢/ ١٣٢ - ١٣٣ ح ٧٢٩) وصححه محققوه.\n(^٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (ح ٧٧١).","vol":"3","page":655},{"text":"أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] أي: ألحقنا بهم ذريتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة وإن لم يكونوا قد شاركوهم في الأعمال، بل في أصل الإيمان، وما ألتناهم أي أنقصنا أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئًا حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منزلة الآباء ببركة أعمالهم بفضله ومنته، ثم قال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] أي: من شر.\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: اعملوا على مكانتكم إنا عاملون على ما نحن عليه فستعرضون ونعرض عليه، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ [سبأ].\n\n<span id=\"aya-954\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ أي: جعلكم تعمرون الأرض جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن وخلفًا بعد سلف. قاله ابن زيد وغيره (^١)، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ [الزخرف] وكقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩].\nوقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أي: فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوئ والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك، كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء].\nوقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ أي: ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به، ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء\" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ترهيب وترغيب أن حسابه وعقابه سريع، فيمن عصاه وخالف رسله ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن والاه واتبع رسله فيما جاؤوا به من خبر وطلب.\nوقال محمد بن إسحاق: يرحم العباد على ما فيهم، رواه ابن أبي حاتم (^٣). وكثيرًا ما يقرن الله\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد.\n(^٢) صحيح مسلم، الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء (ح ٢٧٤٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة عن ابن إسحاق.","vol":"3","page":656},{"text":"تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين، كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر] إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وهذا لينجعَ في كلٍّ بحسبه، جعلنا الله ممن أطاعوا فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب سميع الدعاء جواد كريم وهاب.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، [حدثنا زهير] (^١) عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا، أن رسول الله ﷺ قال: \"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط أحد من الجنّة، خلق الله مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها وعند الله تسعة وتسعون\" (^٢). ورواه الترمذي عن قتيبة، عن عبد العزيز الدراوردي، عن العلاء به، وقال: حسن (^٣)، ورواه مسلم، عن يحيى بن يحيى وقتيبة وعلي بن حجر، ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء (^٤).\nآخر تفسير سورة الأنعام [ولله الحمد والمنة] (^٥)، اللهم مُنّ علينا بالعفو والعافية، وهب لنا جزيل الإنعام، وصلّ وسلم على سيدنا محمد وآله.\n_________\n(^١) كذا في (عش) و(حم) و(مح) والمسند وفي الأصل حُرِّف إلى: \"بن زهير\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٨٤) وسنده صحيح.\n(^٣) سنن الترمذي، الدعوات، باب خلقَ الله مائة رحمة … (ح ٣٥٤٢).\n(^٤) صحيح مسلم، التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى (ح ٢٧٥٥).\n(^٥) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(حم).","vol":"3","page":657},{"text":"<span data-type='title' id=toc-112>تفسير سُوْرَةُ الأَعْرَافِ</span>\n\n<span id=\"aya-955\"></span>﷽\n﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾.\nقد تقدم الكلام في أول سورة البقرة على ما يتعلق بالحروف وبسطه واختلاف الناس فيه.\nقال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبي، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس ﴿المص (١)﴾ أنا الله أفصل (^١)، وكذا قال سعيد بن جبير (^٢).\n\n<span id=\"aya-956\"></span>﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: هذا كتاب أُنزل إليك أي من ربك ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ قال مجاهد وقتادة والسدي: شك منه (^٣)، وقيل: لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به.\n﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ولهذا قال: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي: أنزلناه إليك لتنذر به الكافرين.\n﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾\n\n<span id=\"aya-957\"></span>ثم قال تعالى مخاطبًا للعالم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من ربِّ كل شيء ومليكه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف] وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف].\n\n<span id=\"aya-958\"></span>﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي: بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خزي الدنيا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، وشريك هو ابن عبد الله القاضي: صدوق سيء الحفظ، وعطاء بن السائب: صدوق اختلط، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق شيبان عن عطاء به وقد توبع شريك وسفيان بن وكيع وبقي اختلاط عطاء.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، فتارة يرويه عن سعيد بن جبير، وتارة يرويه عن أبي الضحى عن ابن عباس، فلعله بسبب اختلاطه.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"4","page":5},{"text":"موصولًا بذل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ [الحج] وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾ [القصص].\nوقوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ أي: فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته بياتًا أي ليلًا، أو هم قائلون من القيلولة وهي الاستراحة وسط النهار، وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو، كما قال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف] وقال: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ [النحل].\n\n<span id=\"aya-959\"></span>وقوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾ أي: فما كان قولهم عند مجيء العذاب، إلا أن اعترفوا بذنوبهم وأنهم حقيقون بهذا، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾ [الأنبياء].\nقال ابن جرير: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ من قوله: \"ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم\"، حدثنا بذلك ابن حميد، حدثنا جرير، عن أبي سنان، عن عبد الملك بن ميسرة الزرّاد، قال: قال عبد الله بن مسعود، قال رسول الله ﷺ: \"ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم\"، قال: قلت لعبد الملك: كيف يكون ذاك؟ قال: فقرأ هذه الآية: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-960\"></span>وقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾. كقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص] وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ [المائدة] فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضًا عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ قال: عما بُلّغوا (^٢).\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا أبو سعيد الكندي، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام يسأل عن رعيته والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها والعبد يسأل عن مال سيده\" قال الليث: وحدثني ابن طاوس مثله، ثم قرأ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن عبد الملك بن ميسرة لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"4","page":6},{"text":"الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة (^١).\n\n<span id=\"aya-961\"></span>وقال ابن عباس في قوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾: يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون (^٢).\n﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ يعني: أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا من قليل وكثير وجليل وحقير، لأنه تعالى الشهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يغفل عن شيء بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-962\"></span>\n\n<span id=\"aya-963\"></span>﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ﴾ أي: للأعمال يوم القيامة ﴿الْحَقُّ﴾ أي: لا يظلم تعالى أحدًا كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء] وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون].\n\n<span data-type='title' id=toc-113>فصل</span>\nوالذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال وإن كانت أعراضًا إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجسامًا، قال البغوي: يروى نحو هذا عن ابن عباس (^٣). كما جاء في الصحيح من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف (^٤).\nومن ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون فيقول: من\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن (ح ٨٩٣)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل (ح ١٨٢٩)، وقد صرح كلاهما بالليث أنه ابن سعد، أما الزيادة أخرجها ابن أبي حاتم من طريق المحاربي عن الليث به، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.\n(^٣) رواه البغوي معلقًا عن ابن عباس بنحوه (معالم التنزيل ٢/ ١٤٩).\n(^٤) تقدم تخريجه وصحته في فضل سورة البقرة.","vol":"4","page":7},{"text":"أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك (^١).\nوفي حديث البراء في قصة سؤال القبر: \"فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح\"، وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق (^٢).\nوقيل: يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلًا كل سجل مد البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا الله فيقول: يا ربِّ وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم. فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان، قال رسول الله ﷺ: \"فطاشت السجلات وثقلت البطاقة\" رواه الترمذي بنحو من هذا وصححه (^٣).\nوقيل: يوزن صاحب العمل كما جاء في الحديث: \"يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة\" ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] (^٤).\nوفي مناقب عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قال: \"أتعجبون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهم في الميزان أثقل من أحد\" (^٥). وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحًا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-964\"></span>﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾.\nيقول تعالى ممتنًا على عبيده فيما مكّن لهم، من أنه جعل الأرض قرارًا وجعل فيها رواسي وأنهارًا، وجعل لهم فيها منازل وبيوتًا، وأباح لهم منافعها، وسخّر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش أي مكاسب وأسبابًا يكسبون بها ويتجرون فيها ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقد قرأ الجميع: معايش بلا همز إلا عبد الرحمن بن هرمز الأعرج فإنه همزها (^٦) والصواب الذي عليه الأكثرون بلا همز، لأن معايش جمع معيشة من عاش يعيش عيشًا ومعيشة أصلها معيشة، فاستثقلت الكسرة على الياء فنقلت إلى العين فصارت\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من حديث بريدة ﵁ (المسند ٣٨/ ٤١ - ٤٢ ح ٢٢٩٥)، وقال محققوه: حسن في المتابعات والشواهد، وكذا أخرجه ابن ماجه (السنن، الأدب، باب ثواب القرآن ح ٣٧٨١)، وقال البوصيري: إسناده صحيح، وقال الألباني: ضعيف يحتمل التحسين لصحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٠٤٨).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد عن البراء مطولًا (المسند ٣٠/ ٤٩٩ - ٥٠٣ ح ١٨٥٣٤) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) أخرجه الترمذي، السنن، الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله (ح ٣٦٣٩)، وقال: حسن غريب، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢١٢٧)، وأخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بنحوه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥٢٩).\n(^٤) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا (الصحيح، التفسير، باب ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ [الرعد: ٥] ح ٤٧٢٩).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد عن ابن مسعود (المسند ١/ ٤٢٠) وسنده حسن.\n(^٦) بالهمز أي: معائش قراءة شاذة.","vol":"4","page":8},{"text":"معيشة، فلما جمعت رجعت الحركة إلى الياء لزوال الاستثقال فقيل معايش ووزنه مفاعل، لأن الياء أصلية في الكلمة بخلاف مدائن وصحائف وبصائر، جمع مدينة وصحيفة وبصيرة من مدن وصحف وأبصر، فإن الياء فيها زائدة، ولهذا تجمع على فعائل وتهمز لذلك، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-965\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾.\nينبه تعالى بني آدم في هذا [المقام] (^١) على شرف أبيهم آدم، ويبين لهم عدوهم إبليس، وما هو منطوٍ عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ [الحجر] وذلك أنه تعالى لما خلق آدم ﵇ بيده من طين لازب، وصوّره بشرًا سويًا ونفخ فيه من روحه، أمر الملائكة بالسجود له تعظيمًا لشأن الله تعالى وجلاله، فسمعوا كلهم وأطاعوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين، وقد تقدم الكلام على إبليس في أول تفسير سورة البقرة (^٢)، وهذا الذي قررناه هو اختيار ابن جرير، أن المراد بذلك كله آدم ﵇.\nوقال سفيان الثوري عن الأعمش، عن منهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ قال: خُلقوا في أصلاب الرجال، وصُوروا في أرحام النساء، رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه (^٣)، ونقل ابن جرير: عن بعض السلف أيضًا أن المراد بخلقناكم ثم صورناكم الذرية.\nوقال الربيع بن أنس والسدي وقتادة والضحاك في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي: خلقنا آدم ثم صورنا الذرية (^٤)، وهذا فيه نظر، لأنه قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فدل على أن المراد بذلك آدم وإنما قيل ذلك بالجمع، لأنه أبو البشر، كما يقول الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن النبي ﷺ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧] والمراد آباؤهم الذين كانوا في زمن موسى، ولكن لما كان ذلك منة على الآباء الذين هم أصل، صار كأنه واقع على الأبناء، وهذا بخلاف قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ الآية [المؤمنون] [فإن المراد من آدم المخلوق من السلالة] (^٥) وذريته مخلوقون من نطفة، وصحَّ هذا لأن المراد من خلقنا الإنسان الجنس لا معينًا، والله أعلم.\n_________\n(^١) كذا في (عش) و(حم) و(مح)، وسقط في الأصل.\n(^٢) آية ٣٤.\n(^٣) أخرجه الحاكم من طريق الثوري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٩).\n(^٤) قول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبيد بن سليمان عنه، ويشهد له ما أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) ما بين معقوفين من (حم) و(مح)، ولا يوجد في (عش) ولا في الأصل.","vol":"4","page":9},{"text":"<span id=\"aya-966\"></span>﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾.\nقال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (^١): لا هنا زائدة، وقال بعضهم: زيدت لتأكيد الجحد، كقول الشاعر:\nما إن رأيت ولا سمعت بمثله\nفأدخل \"إن\" وهي للنفي على ما النافية لتأكيد النفي (^٢)، قالوا: وكذا ههنا ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ مع تقدم قوله: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] حكاهما ابن جرير وردهما، واختار أن منعك مضمن معنى فعل آخر، تقديره ما أحرجك وألزمك واضطرك أن لا تسجد إذ أمرتك ونحو هذا، وهذا القول قوي حسن، والله أعلم.\nوقول إبليس لعنه الله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسًا فاسدًا في مقابلة نص قوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فشذّ من بين الملائكة لترك السجود فهذا أبلس من الرحمة أي وأيس من الرحمة فأخطأ، قبحه الله في قياسه، ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضًا، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة، ولهذا خان إبليس عنصره ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة.\nوفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم\" هكذا رواه مسلم (^٣).\nوقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، حدثنا نُعيم بن حماد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"خلق الله الملائكة من نور العرش وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم\" قلت لنعيم بن حماد: أين سمعت هذا من عبد الرزاق؟ قال: باليمن (^٤). وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح: \"وخلقت الحور العين من الزعفران\".\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب، عن\n_________\n(^١) كذا في (عش) و(حم) و(مح) وفي الأصل: \"أن لا تسجد\" مقتصرًا على الشاهد.\n(^٢) أي أن \"لا\" للتأكيد وهو أحسن من قول أنها زائدة.\n(^٣) الصحيح، كتاب الزهد، باب في أحاديث متفرقة (ح ٢٩٩٦).\n(^٤) أخرجه مسلم من طريق عبد بن حميد عن عبد الرزاق به بدون الشق الأخير: وخلقت الحور العين من الزعفران (المصدر السابق)، وهذه الزيادة لعلها من خطأ نعيم بن حماد لأنه صدوق كثير الخطأ (التقريب ص ٥٦٤)، لأن طريق عبد بن حميد ليس فيه هذه الزيادة.","vol":"4","page":10},{"text":"مطر الوراق، عن الحسن في قوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ قال: قاس إبليس وهو أول من قاس (^١). إسناده صحيح.\nوقال: حدثني [عمرو] (^٢) بن مالك، حدثني يحيى بن سليم الطائفي، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس (^٣). إسناد صحيح أيضًا.\n\n<span id=\"aya-967\"></span>﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا لإبليس بأمر قدري كوني: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ أي: بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي، فما يكون لك أن تتكبّر فيها.\nقال كثير من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة، ويحتمل أن يكون عائدًا إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ أي: الذليلين الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده ومكافأة لمراده بضده، فعند ذلك استدرك اللعين وسأل النظرة إلى يوم الدين،\n\n<span id=\"aya-968\"></span>\n\n<span id=\"aya-969\"></span>قال: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ أجابه تعالى إلى ما سأل، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع، ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب.\n\n<span id=\"aya-970\"></span>﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾.\nيخبر تعالى أنه لما أنذر إبليس ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرّد، فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: كما أغويتني.\nقال ابن عباس: كما أضللتني (^٤)، وقال غيره: كما أهلكتني لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: طريق الحق وسبيل النجاة، لأضلّنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي.\nوقال بعض النحاة: الباء هنا قسمية كأنه يقول فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم (^٥).\nقال مجاهد: صراطك المستقيم يعني الحق (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير، وهذا التصحيح يُسعف أمثالنا طلاب العلم الذين لم يعثروا على ترجمة شيخ الطبري: القاسم.\n(^٢) كذا في (عش) و(مح) و(حم) وتفسير الطبري وفي الأصل: \"عمر\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) وقال بعضهم إنها سببية وذكر القولين أبو بكر بن الأنباري والزمخشري (ينظر الدر المصون ٣/ ٢٤١).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"4","page":11},{"text":"وقال محمد بن سوقة، عن عون بن عبد الله: يعني طريق مكة (^١).\nقال ابن جرير: الصحيح أن الصراط المستقيم أعمّ من ذلك.\n(قلت): لما روى الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا أبو عقيل - يعني: الثقفي عبد الله بن عقيل -، حدثنا موسى بن المسيب، أخبرني سالم بن أبي الجعد، عن سبرة بن أبي الفاكه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ قال: فعصاه وأسلم\" قال: \"قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطِّول؟ (^٢) فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النفس والمال، فقال: تقاتل فتقتل فتُنكَح المرأة ويقسم المال؟ قال: فعصاه وجاهد\".\nوقال رسول الله ﷺ فمن ذلك منهم فمات، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، وإن قتل كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًا على الله أن يدخله الجنة أو وقصته دابة كان حقًا على الله أن يدخله الجنة\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-971\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ أشككهم في آخرتهم ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أرغبهم في دنياهم ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ أشبه عليهم أمر دينهم ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ أشهي لهم المعاصي (^٤).\nوقال ابن أبي طلحة في رواية العوفي كلاهما عن ابن عباس: أما من بين أيديهم فمن قبل دنياهم، وأما من خلفهم فأمر آخرتهم، وأما عن أيمانهم فمن قبل حسناتهم، وأما عن شمائلهم فمن قبل سيئاتهم (^٥).\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنّة ولا نار، ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، أتاك يا بن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله (^٦).\nوكذا روي عن إبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة والسدي وابن جريج، إلا أنهم قالوا: من بني أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الله بن بكير عن محمد بن سوقه به، وعبد الله بن بكير ضعيف، ذكر له ابن عدي مناكير (ميزان الاعتدال ٢/ ٢٦).\n(^٢) الطِّول: هو الحبل الذي يُشدُّ طرفه في وتد، والآخر في يد الفرس. قاله السندي في حاشية المسند.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ٣١٥ - ٣١٦ ح ١٥٩٥٨) قال محققوه: إسناده قوي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به ومن طريق العوفي به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة به.\n(^٧) أخرج الطبري قول النخعي والسدي بإسنادين صحيحين وقول الحكم وابن جريج بإسنادين ضعيفين ويتقويان بما سبق.","vol":"4","page":12},{"text":"وقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون (^١). واختار ابن جرير: أن المراد جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه والشر يحسنه لهم.\nوقال الحكم بن أبان، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ ولم يقل من فوقهم، لأن الرحمة تنزل من فوقهم (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ قال: موحدين (^٣).\nوقول إبليس هذا إنما هو ظنّ منه وتوهّم، وقد وافق في هذا الواقع، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾ [سبأ] ولهذا ورد في الحديث الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلّها، كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا نصر بن علي، حدثنا عمرو بن مُجمِّع، عن يونس بن خباب، عن ابن جبير بن مطعم يعني: نافع بن جبير، عن ابن عباس، وحدثنا عمر بن الخطاب يعني: السجستاني، حدثنا عبيد الله بن جعفر، حدثنا عبد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يونس بن خباب، عن ابن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: \"اللّهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللّهم استر عوراتي وآمن روعاتي، واحفظني من بين يديّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بك اللّهم أن أُغتال من تحتي\" (^٤). تفرد به البزار وحسّنه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري، حدثني جرير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، سمعت عبد الله بن عمر يقول: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي: \"اللّهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللّهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللّهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللّهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي، قال وكيع: من تحتي يعني الخسف (^٥)، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن مسلم به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم به، وحفص ضعيف كما في التقريب.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٤) أخرجه البزار بسنديه ومتنه وضعفه الحافظ ابن حجر لضعف يونس بن خباب (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٤٣٤ ح ٢١٦٠).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه بدون ذكر وكيع في قوله: يعني الخسف (المسند ٨/ ٤٠٣ ح ٤٧٨٥) وصححه محققوه\n(^٦) سنن أبي داود، الأدب، باب ما يقول إذا أصبح (ح ٥٠٧٤)، وسنن ابن ماجه، الدعاء، باب ما يدعو به الرجل (ح ٣٨٧١) وسنن النسائي الاستعاذة، باب الاستعاذة من الخسف ٨/ ٢٨٢ والمستدرك ١/ ٥١٧.","vol":"4","page":13},{"text":"<span id=\"aya-972\"></span>﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾.\nأكّد تعالى اللعنة [عليه] (^١) والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى، بقوله: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ قال ابن جرير: أما المذؤوم فهو المعيب، والذأم غير مشدد العيب يقال: ذأمّه يذأمه ذأمًا فهو مدؤوم، ويتركون الهمزة فيقول: ذمته أذيمه ذيمًا وذامًا، والذام والذيم أبلغ في العيب من الذم، قال: والمدحور: المُقْصي (^٢)، هو المبعد المطرود.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما نعرف المذؤوم والمذموم إلا واحدًا (^٣).\nوقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن التميمي عن ابن عباس: اخرج منها مذؤومًا مدحورًا قال مقيتًا (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: صغيرًا مقيتًا (^٥).\nوقال السدي: مقيتًا مطرودًا (^٦)، وقال قتادة: لعينًا مقيتًا (^٧).\nوقال مجاهد: منفيًا مطرودًا (^٨).\nوقال الربيع بن أنس: مذؤومًا منفيًا والمدحور المصغر (^٩).\nوقوله تعالى: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ كقوله: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء].\n\n<span id=\"aya-973\"></span>﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾.\nيذكر تعالى أنه أباح لآدم ﵇ ولزوجته حواء الجنة أن يأكلا منها من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة (^١٠)،\n\n<span id=\"aya-974\"></span>فعند ذلك حسدهما الشيطان وسعى في المكر والوسوسة والخديعة، ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن ﴿وَقَالَ﴾ كذبًا وافتراء\n_________\n(^١) كذا في (عش) و(حم) و(مح) وسقط من الأصل.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الثوري به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط به عن السدي.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عمرو به عن قتادة بلفظ: \"لعينًا منفيًّا\".\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.\n(^١٠) آية ٣٥ - ٣٦.","vol":"4","page":14},{"text":"﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ أي: لئلا تكونا ملكين أو خالدين هاهنا، ولو أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلكما، كقوله: ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] أي: لئلا تكونا ملَكين، كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي: لئلا تضلوا ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أي: لئلا تميد بكم.\nوكان ابن عباس ويحيى بن أبي كثير يقرآن: (إلا أن تكونا ملِكين) بكسر اللام (^١)، وقرأه الجمهور بفتحها،\n\n<span id=\"aya-975\"></span>﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي: حلف لهم بالله ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فإني من قبلكما هاهنا وأعلم بهذا المكان، وهذا من باب المفاعلة، والمراد أحد الطرفين، كما قال خالد بن زهير ابن عم أبي ذؤبب:\n[وقاسمها] (^٢) بالله جَهدًا لأنتُم … ألذّ من السلوى إذ ما نَشُورها (^٣)\nأي: حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله.\nوقال قتادة في الآية: حلف بالله إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكم فاتبعاني أرشدكما، وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله انخدعنا له (^٤).\n\n<span id=\"aya-976\"></span>﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾.\nقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أُبي بن كعب ﵁، قال: كان آدم رجلًا طوالًا كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع فيما وقع به من الخطيئة، بدت لي عورته عند ذلك وكان لا يراها، فانطلق هاربًا في الجنة فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة، فقال لها: أرسليني. فقالت: إني غير مرسلتك، فناداه ربه ﷿: يا آدم أمنّي تفر؟ قال يا رب إني استحييتك (^٥). وقد رواه ابن جرير وابن مردويه من طرق، عن الحسن، عن أُبي بن كعب، عن النبي ﷺ مرفوعًا (^٦)، والموقوف أصح إسنادًا.\nوقال عبد الرزاق: عن سفيان بن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة، فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما، وكان الذي وارى عنهما من سوآتهما أظفارهما، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، ورق التين يلزقان بعضه إلى بعض، فانطلق آدم ﵇ موليًا\n_________\n(^١) ملِكين بكسر اللام قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٢) كذا في (حم) و(عش) وفي الأصل: و(مح): وقاسمهما.\n(^٣) استشهد به الطبري وعزاه محققوه إلى شرح أشعار الهذليين ١/ ٢١٥.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي عروبة به، وسنده ضعيف لأن الحسن لم يسمع من أُبي.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق أبي بكر الهذلي عن الحسن به، وسنده كسابقه، وفيه أيضًا أبو بكر الهذلي وهو متروك كما في التقريب.","vol":"4","page":15},{"text":"في الجنة، فعلقت برأسه شجرة من الجنة، فناداه الله يا آدم أمنّي تفرّ؟ قال: لا ولكني استحييتك يا رب، قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك، قال: بلى يا رب ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا، قال: وهو قول الله ﷿: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ [الأعراف] قال: فبعزتي لأهبطنّك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدًّا، قال: فأُهبط من الجنة وكانا يأكلان منها رغدًا، فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب، فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد، ثم داسه ثم ذرّاه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ (^١).\nوقال الثوري: عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قال: ورق التين (^٢). صحيح إليه. وقال مجاهد: جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة، قال: كهيئة الثوب (^٣).\nوقال وهب بن منبه في قوله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]، قال: كان لباس آدم وحواء نورًا على فروجهما لا يرى هذا عورة هذه ولا هذه عورة هذا، فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوآتهما (^٤)، رواه ابن جرير بسند صحيح إليه.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة، قال: قال آدم أي رب أرأيت إن تبت واستغفرت، قال: إذًا أدخلك الجنة، وأما إبليس فلم يسأله التوبة وسأله النظرة، فأعطى كل واحد منهما الذي سأله (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن الحسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أكل آدم من الشجرة، قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني، قال: فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كرهًا ولا تضع إلا كرهًا، قال: فرنّت (^٦) عند ذلك حواء، فقيل لها: الرنّة عليك وعلى ولدك (^٧).\n\n<span id=\"aya-977\"></span>وقال الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده ضعيف جدًا لأن الحسن بن عمارة متروك (التقريب ص ١٦٢).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الثوري به وصحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صححه الحافظ ابن كثير عن وهب. وهو معروف برواية الإسرائيليات.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) أي صاحت من الحزن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحسين وهو ابن داود.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك، ويشهد له ما أخرجه الطبري بسند صحيح عن الحسن البصري وقتادة، وبسند جيد عن الربيع بن أنس نحوه.","vol":"4","page":16},{"text":"<span id=\"aya-978\"></span>﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾.\nقيل: المراد [بالخطاب باهبطوا] (^١) آدم وحواء وإبليس والحية، ومنهم من لم يذكر الحية، والله أعلم، والعمدة في العداوة آدم وإبليس، ولهذا قال تعالى في سورة طه قال: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الآية [طه: ١٢٣]، وحواء تبع لآدم، والحية إن كان ذكرها صحيحًا فهي تبع لإبليس، وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله ﷺ.\nوقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: قرار وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم وأحصاها القدر وسطرت في الكتاب الأول.\nوقال ابن عباس: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ القبور (^٢)، وعنه قال: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ [فوق] (^٣) الأرض وتحتها (^٤)، رواهما ابن أبي حاتم.\n\n<span id=\"aya-979\"></span>وقوله: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ كقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه] يخبر تعالى، أنه جعل الأرض دارًا لبني آدم مدة الحياة الدنيا، فيها محياهم وفيها مماتهم وقبورهم ومنها نشورهم ليوم القيامة، الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين ويجازي كلًا بعمله.\n\n<span id=\"aya-980\"></span>﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾.\nيمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات وهي السوآت، والرياش والريش ما يتجمل به ظاهرًا، فالأول من الضروريات والريش من التكملات والزيادات.\nقال ابن جرير: الرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من الثياب (^٥).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس وحكاه البخاري عنه: الرياش المال (^٦). وهكذا قال\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) و(عش) وفي الأصل: \"بخطاب اهبطوا\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس.\n(^٣) كذا في (مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: و(عش) و(حم): \"وجه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حميد المدني عن كريب عن ابن باس، وحميد المدني صدوق يهم كما في التقريب.\n(^٥) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٦) أخرجه البخاري معلقًا الصحيح، التفسير، سورة الأعراف، ووصله الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة به، وسنده ثابت.","vol":"4","page":17},{"text":"مجاهد وعروة بن الزبير والسدي والضحاك (^١) وغير واحد.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: الريش اللباس والعيش والنعيم (^٢).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرياش الجمال (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أصبع، عن أبي العلاء الشامي، قال: لبس أبو أُمامة ثوبًا جديدًا فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من استجد ثوبًا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به كان في ذمة الله وفي جوار الله وفي كنف الله حيًا وميتًا\" (^٤) ورواه الترمذي وابن ماجه من رواية يزيد بن هارون عن أصبع هو ابن زيد الجهني، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وشيخه أبو العلاء الشامي لا يعرف إلا بهذا الحديث، ولكن لم يخرجه أحد، والله أعلم (^٥).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا مختار بن نافع التمار، عن أبي مطر، أنه رأى عليًا ﵁ أتى غلامًا حدثًا، فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم ولبسه ما بين الرسغين إلى الكعبين، يقول حين لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي. فقيل: هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن النبي ﷺ؟ قال: هذا شيء سمعته من رسول الله ﷺ يقول عند الكسوة: \"الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي\" (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قرأ بعضهم ولباسَ التقوى بالنصب، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء (^٧)، و﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ خبره.\nواختلف المفسرون في معناه، فقال عكرمة: يقال: هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة، رواه ابن أبي حاتم (^٨).\nوقال زيد بن علي والسدي وقتادة وابن جريج: ولباس التقوى الإيمان (^٩)، وقال العوفي عن\n_________\n(^١) قول مجاهد والسدي أخرجهما الطبري بإسنادين ثابتين، وقول عروة والضحاك أخرجهما الطبري بسندين ضعيفين ويشهد لهما ما تقدم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي ويشهد له ما سبق لأن اللباس من المال.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٩٦ ح ٣٠٥)، وضعفه محققوه لجهالة أبي العلاء الشامي.\n(^٥) سنن الترمذي، الدعوات، باب ١٠٨ (ح ٣٥٦٠) وقال الترمذي: غريب، وسنن ابن ماجه، اللباس، باب ما يقول الرجل إذا لبس ثوبًا جديدًا (ح ٣٥٥٧)، وفي سنديهما أبو العلاء الشامي فالحكم كسابقه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٥٨ ح ١٣٥٥) وضعفه محققوه بسبب ضعف المختار، وجهاله أبي مطر البصري.\n(^٧) كلتاهما قراءتان متواترتان.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء الخراساني عن عكرمة.\n(^٩) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من =","vol":"4","page":18},{"text":"ابن عباس: [العمل الصالح (^١)، قال الديال بن عمرو عن ابن عباس] (^٢): هو السمت الحسن (^٣) في الوجه.\nوعن عروة بن الزبير: لباس التقوى خشية الله (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ولباس التقوى يتقي الله فيواري عورته فذاك لباس التقوى (^٥)، وكلها متقاربة، ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن جرير حيث قال: حدثني المثنى حدثنا إسحاق بن الحجاج، حدثني إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن، قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁ على منبر رسول الله ﷺ عليه قميص فوهي محلول الزرّ، وسمعته يأمر بقتل الكلاب وينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"والذي نفس محمد بيده ما أسرّ أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر\" ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال: السمت الحسن (^٦)، هكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم، وفيه ضعف.\nوقد روى الأئمة الشافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب من طرق صحيحة عن الحسن البصري، أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر (^٧).\nوأما المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير له شاهدًا من وجه آخر حيث قال حدثنا [محمود بن محمد المروزي، حدثنا حامد بن آدم المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن سلمة بن كهيل، عن جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله ﷺ: ما أسرَّ عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر] (^٨).\n_________\n= طريق ابن أبي عروبة عنه، وأما قول زيد بن علي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عيسى بن المسيب عنه بلفظ: الإسلام.\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) ما بين معقوفتين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق زياد بن عمرو عن ابن عباس، ويشهد له قول عكرمة المتقدم، لأن زياد بن عمر مجهول (لسان الميزان ٢/ ٤٩٦).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند فيه إبهام الراوي عن عروة ويشهد له قول السدي وقتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سليمان بن أرقم كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن به (المسند ٢/ ٥٤٣ ح ٥٢١) وضعفه محققوه بسبب مبارك لأنه صدوق يسوي ويدلس. وسماع الحسن من عثمان مختلف فيه فإن أبا زرعة نفى سماعه وأما ابن المديني يؤيد سماعه (العلل لابن أبي حاتم ص ٦٠)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح ١٣٠١)، وضعفه الألباني في ضعيف الأدب المفرد. وأما الشاهد التالي فلم يصح أيضًا بل هو ضعيف جدًا كما يلي.\n(^٨) ما بين معقوفين لا يوجد في النسخ، وقد استدرك من المعجم الكبير للطبراني ٢/ ١٧١، وهذه الرواية ذكرها الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الفتح آية ٢٩، وجاءت أيضًا بعد رواية عثمان بن عفان، وفي سنده =","vol":"4","page":19},{"text":"<span id=\"aya-981\"></span>﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾.\nيحذِّر تعالى بني آدم من إبليس وقبيله، مبينًا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم ﵇، في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعد ما كانت مستورة عنه، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].\n\n<span id=\"aya-982\"></span>﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾.\nقال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا فتضع المرأة على فرجها النِّسعة (^١) أو الشيء وتقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أحلّه (^٢)\nفأنزل الله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ الآية (^٣).\nقلت: كانت العرب ما عدا قريشًا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش وهم الحُمْس (^٤) يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوبًا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه، ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوبًا جديدًا، ولا أعاره أحمسي ثوبًا طاف عريانًا، وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئًا ليستره بعض الستر فتقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أحله\nوأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئًا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ فقال تعالى ردًا عليهم: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لمن ادعى ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: هذا الذي تضعونه فاحشة منكرة والله لا يأمر بمثل ذلك ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته.\n_________\nالعرزمي قال عنه الحافظ ابن كثير في سورة الفتح: متروك. اهـ. وفي سنده أيضًا حامد بن آدم: كذاب كذا قال الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٢٥).\n(^١) النسعة قطعة من الجلد مضفورة عريضة تجعل على صدر البعير.\n(^٢) نُسب هذا القول إلى امرأة اسمها: ضُباعة بنت عامر بن صعصعة كما في الروض الأنف (٢/ ٢٩٠).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق منصور عن مجاهد، وسنده حسن لكنه مرسل ومخالف لما في الصحيح فإن هذه القصة سبب نزول الآية ٣١ من سورة الأعراف وليس هذه الآية كما سيأتي.\n(^٤) الحُمْس: جمع أحمس هم قريش، لتشددهم في دينهم.","vol":"4","page":20},{"text":"<span id=\"aya-983\"></span>\n\n<span id=\"aya-984\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل والاستقامة ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات، فيما أخبروا به عن الله وما جاؤوا به من الشرائع وبالإخلاص له في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين، أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة وأن يكون خالصًا من الشرك.\nوقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ اختلف في معنى قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ فقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ يحييكم بعد موتكم (^١).\nوقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا كذلك تعودون يوم القيامة أحياء (^٢).\nوقال قتادة: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئًا ثم ذهبوا ثم يعيدهم (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولًا كذلك يعيدكم آخرًا، واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: \"يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلًا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين\" وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث شعبة (^٤)، وفي صحيح البخاري أيضًا من حديث الثوري به.\n[وقال ورقاء بن إياس أبو يزيد، عن مجاهد ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، قال: يبعث المسلم مسلمًا والكافر كافرًا (^٥).\nوقال أبو العالية: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ رُدُّوا إلى علمه فيهم] (^٦) (^٧).\nوقال سعيد بن جبير: كما بدأكم تعودون كما كتب عليكم تكونون (^٨)، وفي رواية كما كنتم عليه تكونون.\nوقال محمد بن كعب القرظي: في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه وإن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملوا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق عوف الأعرابي عن الحسن، وفي سنده وكيع بن سفيان فيه مقال، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة. وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب \"وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم. . .\" (ح ٤٦٢٥) وصحيح مسلم، الجنة ونعيمها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة (ح ٢٨٦٠).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق وقاء به، وفي سنده وقاء لين الحديث.\n(^٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سالم الأفطس عن سعيد.","vol":"4","page":21},{"text":"بأعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدؤوا عليه (^١).\nوقال السدي: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ يقول: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ كما خلقناكم فريق مهتدون وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمنًا وكافرًا (^٣).\nقلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري: \"فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة\" (^٤).\nوقال أبو القاسم البغوي: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو [غسان] (^٥)، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم\" هذا قطعة من حديث البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني في قصة قزمان يوم أحد (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: \"تبعث كل نفس على ما كانت عليه\" (^٧) وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه، عن الأعمش به، ولفظه: \"يبعث كل عبد على ما مات عليه\" (^٨) وعن ابن عباس مثله، قلت: ويتأيد بحديث ابن مسعود، قلت: ولا بد من الجمع بين هذا القول إن كان هو المراد من الآية، وبين قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه\" (^٩).\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى: \"إني خلقت\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) صحيح البخاري، الخلق، باب ذكر الملائكة … (ح ٣٨٠٨).\n(^٥) في الأصل بياض واستدرك من (عش) و(مح) و(حم) والتخريج.\n(^٦) أخرجه البخاري من طريق أبي غسان به (الصحيح، القدر، باب العمل بالخواتيم ح ٦٦٠٧).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٨) صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت (ح ٢٨٧٨) وسنن ابن ماجه، الزهد، باب النية (ح ٤٢٣٠).\n(^٩) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩.","vol":"4","page":22},{"text":"عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم\" الحديث (^١)، ووجه الجمع على هذا، أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلّهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك وجعله في غرائزهم وفطرهم، ومع هذا قدّر أن منهم شقيًا ومنهم سعيدًا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] وفي الحديث: \"كلّ الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها\" (^٢) وقدر الله نافذ في بريته، فإنه هو ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ٣] و﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].\nوفي الصحيحين: \"فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة\" (^٣) ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ ثم علّل ذلك فقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية.\nقال ابن جرير: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عنادًا منه لربه فيها، لأنه لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلّ وهو يحسب أنه مهتدٍ، وفريق الهدى فرق، وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية (^٤).\n\n<span id=\"aya-985\"></span>﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾.\nهذه الآية الكريمة ردّ على المشركين فيما كانوا يعتمدونه، من الطواف بالبيت عُراة كما رواه مسلم والنسائي وابن جرير، واللفظ له من حديث شعبة، عن سلمة بن كَهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء، الرجال بالنهار والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أُحله\nفقال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٥).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، قال: كان رجال يطوفون بالبيت عُراة فأمرهم الله بالزينة، والزينة اللباس وهو: ما يواري السوأة وما سوى ذلك من جيد البزِّ والمتاع، فأُمروا أن يأخذوا زينتهم عند كلّ مسجد (^٦). وهكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك ومالك، عن الزهري وغير واحد من\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩.\n(^٢) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة المائدة آية ٦ في آخرها.\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث علي بن أبي طالب ﵁ (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل] ح ٤٩٤٦) وباب ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ [الليل] (ح ٤٩٤٧) والباب الذي يليه (ح ٤٩٤٨)، وصحيح مسلم القدر، باب كيفية الخلق الآدمي (ح ٢٦٤٧).\n(^٤) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٥) صحيح مسلم، التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (ح ٢٠٢٨)، وسنن النسائي، الحج، باب ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ح ٥/ ٢٣٣.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويشهد له ما يليه من أقوال.","vol":"4","page":23},{"text":"أئمة السلف في تفسيرها أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت عُراة (^١).\nوقد روى الحافظ ابن مردويه من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا، أنها نزلت في الصلاة في النعال (^٢). ولكن في صحته نظر، والله أعلم، ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب لأنه من الزينة والسواك لأنه من تمام ذلك.\nومن أفضل اللباس البياض كما قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا، قال: قال رسول الله ﷺ: \"البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم وإن خير أكحالكم الإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر\" (^٣) هذا حديث جيد الإسناد، رجاله على شرط مسلم ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٤). وللإمام أحمد أيضًا وأهل السنن بإسناد جيد عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: \"عليكم بثياب البياض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب وكفّنوا فيها موتاكم\" (^٥).\nوروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين: أن تميمًا الداري اشترى رداء بألف وكان يصلي فيه (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية، قال بعض السلف جمع الله الطب كله في نصف آية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.\nوقال البخاري: قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفًا أو مخيلة (^٨)،\n_________\n(^١) قول مجاهد والزهري وإبراهيم النخعي أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٢) أخرجه العقيلي من طريق عباد بن جويرية عن الأوزاعي به ونقل عن الإمام أحمد أن عباد بن جويرية كذاب (الضعفاء الكبير ٣/ ١٣٣)، وترجم له الحافظ ابن حجر ونقل أقوال النقاد في كذبه وضعفه ثم ذكره الحديث وقال: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به (لسان الميزان ٣/ ٢٢٩).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٩٤ ح ٢٢١٩)، وصححه محققه.\n(^٤) سنن أبي داود، الطب، باب في الأمر بالكحل (ح ٣٨٧٨)، وسنن الترمذي، الجنائز، باب ما يستحب من الأكفان (ح ٩٩٤)، وسنن ابن ماجه، الجنائز، باب ما جاء فيما يستحب من الكفن (ح ١٤٧٢).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٠)، وأخرجه الترمذي (السنن، الأدب، باب ما جاء في لبس البياض (ح ٢٨١١)، وقال: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، المستدرك (٤/ ١٨٥)، وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٣/ ١٣٥).\n(^٦) المعجم الكبير (ح ١٢٤٨)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٥/ ١٣٨)، وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٧) أخرجه البخاري معلقًا، ووصله الحافظ ابن حجر فأخرجه من طريق سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس (تغليق التعليق ٥/ ٥٤)، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير.","vol":"4","page":24},{"text":"إسناده صحيح، وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: \"كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده\" (^١). ورواه النسائي وابن ماجه من حديث قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: \"كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة\" (^٢) وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سليمان بن سليم الكناني، حدثنا يحيى بن جابر [الطائي] (^٣) سمعت المقدام بن معد يكرب الكندي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان فاعلًا لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه\" (^٤). ورواه النسائي والترمذي من طرق عن يحيى بن جابر به، وقال الترمذي: حسن وفي نسخة حسن صحيح (^٥).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا سويد بن عبد العزيز (^٦)، حدثنا بَقيّة، عن يوسف بن أبي كثير، عن نوح بن ذكوان، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت\" (^٧). ورواه الدارقطني في الأفراد، وقال: هذا حديث غريب تفرد به بَقيّة.\nوقال السدي: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك (^٨) ما أقاموا في الموسم، فقال الله تعالى لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية، يقول: لا تسرفوا في التحريم (^٩).\nوقال مجاهد: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله (^١٠).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ يقول: ولا تأكلوا حرامًا ذلك الإسراف (^١١).\nوقال عطاء الخراساني: عن ابن عباس قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ في الطعام والشراب (^١٢).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٨٢) وسنده حسن.\n(^٢) سنن النسائي، الزكاة، باب الاختيال في الصدفة ٥/ ٧٩، وسنن ابن ماجه، اللباس، باب البس ما شئت … (ح ٣٦٠٥).\n(^٣) كذا في (عش) و(حم) و(مح) والمسند، وصحفت في الأصل إلى: \"الطاري\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٢)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٢١)، وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ١٣/ ٢٤٨)، وصححه الترمذي كما يلي:\n(^٥) سنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل (ح ٢٣٨١)، وسنن النسائي (ح ٦٧٦٨).\n(^٦) كذا في النُسخ، وفي مسند أبي يعلى: \"سويد بن سعيد\".\n(^٧) أخرجه أبو يعلى عن سويد بن سعيد به (المسند ٥/ ١٥٤ ح ٢٧٦٥)، وهو حديث موضوع ذكره ابن الجوزي في (الموضوعات ٣/ ٣٠)، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة ٢/ ٢٠٩).\n(^٨) الودك: دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف جدًا من طريق عبد العزيز عن أبي سعد عن مجاهد وعبد العزيز هو ابن أبان بن محمد الأموي متروك وكذبه ابن معين (التقريب ص ٣٥٦).\n(^١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.\n(^١٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الخراساني به وسنده ضعيف لأن الخراساني لم يسمع ابن عباس.","vol":"4","page":25},{"text":"وقال ابن جرير: وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ يقول الله تعالى: إن الله لا يحب المتعدّين حدّه في حلال أو حرام الغالين فيما أحل بإحلال الحرام أو بتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يحلّل ما أحلّ ويحرم ما حرم وذلك العدل الذي أمر به (^١).\n\n<span id=\"aya-986\"></span>﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾.\nيقول تعالى ردًّا على من حرّم شيئًا من المآكل أو المشارب أو الملابس من تلقاء نفسه من غير شرع من الله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ الآية، أي هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حبًا في الدنيا فهي لهم خاصة يوم القيامة، ولا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنّة مُحرّمة على الكافرين.\nقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو حُصين محمد بن الحسين القاضي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون البيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ فأمروا بالثياب (^٢).\n\n<span id=\"aya-987\"></span>﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا أحد أغير من الله فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله\" (^٣) أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن شقيق، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود (^٤)، وتقدم الكلام على ما يتعلق بالفواحش، ما ظهر منها وما بطن في سورة الأنعام (^٥).\nوقوله: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال السدي: أما الإثم فالمعصية والبغي أن تبغي على الناس بغير الحق.\nوقال مجاهد: الإثم المعاصي كلها وأخبر أن الباغي بغيه على نفسه (^٦)، وحاصل ما فسر به\n_________\n(^١) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ١٣ ح ١٢٣٢٤)، وسنده ضعيف قال الهيثمي: فيه يحيى الحماني وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٧/ ٢٣)، وفي سنده أيضًا يعقوب القمي صدوق يهم. (التقريب ص ٦٠٨).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٨١)، وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، النكاح، باب الغيرة (ح ٥٢٢٠)، وصحيح مسلم، التوبة، باب غيرة الله تعالى (ح ٢٧٦٠).\n(^٥) الآية: ١٥١.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف جدًا من طريق عبد العزيز عن أبي سعد عن مجاهد، وعبد العزيز هو ابن أبان =","vol":"4","page":26},{"text":"الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى الناس فحرم الله هذا وهذا.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ أي: تجعلوا له شركاء في عبادته ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولدًا ونحو ذلك مما لا علم لكم به، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠، ٣١].\n\n<span id=\"aya-988\"></span>﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: قرن وجيل ﴿أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: ميقاتهم المقدر لهم ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-989\"></span>ثم أنذر تعالى بني آدم أنه سيبعث إليهم رسلًا يقصون عليهم آياته وبشر وحذر، فقال: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ أي: ترك المحرمات وفعل الطاعات ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾\n\n<span id=\"aya-990\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ أي: كذبت بها قلوبهم واستكبروا عن العمل بها ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها مكثًا مخلدًا.\n\n<span id=\"aya-991\"></span>﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾.\nيقول: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي: لا أحد أظلم، ممن افترى الكذب على الله أو كذب بآياته المنزلة ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ اختلف المفسرين في معناه:\nفقال العوفي، عن ابن عباس: ينالهم ما كتب عليهم وكتب لمن كذب على الله أن وجهه مسوَدٍّ (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: نصيبهم من الأعمال من عمل خيرًا جزي به، ومن عمل شرًا جزي به (^٢).\nوقال مجاهد: ما وعدوا به من خير وشر (^٣)، وكذا قال قتادة والضحاك (^٤) وغير واحد. واختاره ابن جرير.\n_________\n= الأموي: متروك وكذبه ابن معين كما في التقريب.\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٣) أخرجه الطبري بعدة أسانيد ثابتة من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.\n(^٤) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وقول الضحاك أخرجه الطبري =","vol":"4","page":27},{"text":"وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال: عمله ورزقه وعمره (^١)، وكذا قال الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٢)، وهذا القول قوي في المعنى، والسياق يدل عليه وهو قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ ونظير المعنى في هذه الآية كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس] وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين تفزعهم عند الموت وقبض أرواحهم إلى النار يقولون لهم: أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة الدنيا وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله؟ ادعوهم يخلصوكم مما أنتم فيه قالوا: ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي: ذهبوا عنا فلا نرجو نفعهم ولا خيرهم ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أقرّوا واعترفوا على أنفسهم ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-992\"></span>\n\n<span id=\"aya-993\"></span>﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عما يقوله لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه المكذبين بآياته ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: من أمثالكم وعلى صفاتكم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: من الأمم السالفة الكافرة ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من قوله في أمم، ويحتمل أن يكون في أمم أي مع أمم.\nوقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ كما قال الخليل ﵇ ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [العنكبوت: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة].\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ أي: اجتمعوا فيها كلهم ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ أي: أخراهم دخولًا، وهم الأتباع لأولاهم وهم المتبوعون، لأنهم أشدّ جرمًا من أتباعهم فدخلوا قبلهم فيشكوهم الأتباع إلى الله يوم القيامة لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل فيقولون:\n_________\n= بسند ضعيف من طريق عبيد بن سليمان عنه، ويشهد له ما سبق.\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي صخر، وهو حميد الخراط، عن محمد بن كعب القرظي.\n(^٢) قول الربيع أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.","vol":"4","page":28},{"text":"﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: أضعف عليهم العقوبة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ [الأحزاب].\nوقوله: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أي: قد فعلنا ذلك وجازينا كلًا بحسبه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل] وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النحل].\n﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ أي: قال المتبوعون للأتباع ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ قال السدي: فقد ضللتم كما ضللنا (^١). ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهذه الحال كما أخبر الله تعالى عنهم في حال محشرهم في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ [سبأ].\n\n<span id=\"aya-994\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.\nقوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ قيل: المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء، قاله مجاهد وسعيد بن جبير: ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا رواه الثوري عن ليث، عن عطاء، عن ابن عباس (^٢).\nوقيل: المراد لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، رواه الضحاك عن ابن عباس، وقاله السدي وغير واحد (^٣)، ويؤيده ما قاله ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن المنهال هو ابن عمرو، عن زاذان، عن البراء أن رسول الله ﷺ -ذكر قبض روح الفاجر، وأنه يُصعد بها إلى السماء فيصعدون بها، فلا تمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون فلان بأقبح أسمائه التي كان يُدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء فيستفتحون بابها له فلا يُفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (^٤) هكذا رواه وهو قطعة من حديث طويل رواه أبو داود\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) هذه الأقوال أخرجها الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وأخرج بعضها ابن أبي حاتم أيضًا.\n(^٣) قول الضحاك عن ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ثابت كما يلي.","vol":"4","page":29},{"text":"والنسائي وابن ماجه من طرق عن المنهال بن عمرو به (^١).\nوقد رواه الإمام أحمد بطوله فقال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: \"استعيذوا بالله من عذاب القبر - مرتين أو ثلاثة\" ثم قال -: \"إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان - قال - فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ \" فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله ﷿: \"اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى\".\nقال: فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ، فيقولان له: وما عملك؟ فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر - قال -: ويأتيه رجل حسن الوجه وحسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المُسُوح (^٢) فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود (^٣) من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت\n_________\n(^١) سنن أبي داود، السنة، باب في المسألة في القبر (ح ٤٧٥٣)، وسنن النسائي ٤/ ٧٨، وسنن ابن ماجه (ح ١٥٤٩)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٧ - ٤٠)، وصححه البيهقي (شعب الإيمان ٢/ ٣١٦)، وقد صنف فضيلة د. عاصم القريوتي رسالة في صحة حديث البراء بن عازب ونقل تصحيح القرطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والألباني.\n(^٢) المُسُوح: جمع مِسح، كساء من الشعر غليظ.\n(^٣) السفود: حديدة يُشوى بها اللحم.","vol":"4","page":30},{"text":"على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا. فيستفتح فلا يفتح له - ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا - ثم قرأ -: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١].\nفتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه (^١) لا أدري. فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: \"أنا عملك الخبيث فيقول ربّ لا تقم الساعة\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى جنازة فذكر نحوه، وفيه: \"حتى إذا خرج روحه صلى عليه كلُ ملك السماء والأرض وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ﷿ أن يعرج بروحه من قبلهم، وفي آخره، ثم يُقيض له أعمى أصم أبكم في يدهِ مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثم يعيده الله ﷿ كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين\"، قال البراء: \"ثم يفتح له باب من النار ويُمهد له فرش من النار\" (^٣).\nوفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن جرير واللفظ له من حديث محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب أدخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. فيقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله ﷿، وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس\n_________\n(^١) هاه هاه: كلمة يقولها المتحيّر في الكلام.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/ ٤٤٩ - ٥٠٣ ح ١٨٥٣٤)، وصححه محققوه، وتقدم تصحيح النقاد له.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه كاملًا (المسند ٣٠/ ٥٧٧ - ٥٧٨ ح ١٨٦١٤)، وضعفه محققوه لضعف يونس بن خباب.","vol":"4","page":31},{"text":"الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال من هذا؟ فيقولون: فلان فيقولون: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنه لم يفتح لك أبواب السماء فترسل بين السماء والأرض فتصير إلى القبر\" (^١).\nوقد قال ابن جريج في قوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم (^٢). وهذا فيه جمع بين القولين، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ هكذا قرأه الجمهور وفسروه بأنه البعير. قال ابن مسعود: هو الجمل ابن الناقة، وفي رواية زوج الناقة (^٣).\nوقال الحسن البصري: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة (^٤) وكذا قال أبو العالية والضحاك وكذا روى علي بن أبي طلحة العوفي عن ابن عباس (^٥).\nوقال مجاهد وعكرمة عن ابن عباس: إنه كان يقرؤها (يلج الجُمَّل في سم الخياط) بضم الجيم وتشديد الميم يعني الحبل الغليظ في خرم الإبرة (^٦)، وهذا اختيار سعيد بن جبير، وفي رواية أنه قرأ حتى (يلج الجُمْل) (^٧) يعني: قلوس السفن وهي الحبال الغلاظ.\n\n<span id=\"aya-995\"></span>وقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ قال محمد بن كعب القرظي ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾، قال: الفرش ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ قال: اللحف (^٨)، وكذا قال الضحاك بن مزاحم والسدي (^٩) ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-996\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾.\nلما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر حال السعداء فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم ضد أولئك الذين كفروا بآيات الله\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في التفسير (ح ٤٦٢)، وابن ماجه في السنن، الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له (ح ٤٢٦٢)، قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات (مصباح الزجاجة ٢/ ٣٤٩)، وصححه الألباني في (صحيح سنن ابن ماجه ح ١٢٥٩) وأخرجه الطبري وصححه أحمد شاكر، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ١/ ٣٧ - ٤٠).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحسين عن حجاج عن ابن جريج.\n(^٣) أخرجه الطبري بعدة أسانيد بلفظ الروايتين.\n(^٤) خرت الإبرة: أي ثقبها والأثر أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر بن راشد عن الحسن.\n(^٥) أخرجه الطبري عنهم بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٦) أخرجه الطبري عنهم باسانيد عدة يقوي بعضها بعضًا. والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٧) وهي قراءة شاذة أيضًا وتفسيرية أيضًا.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق موسى بن عبيدة عن القرضي ويتقوى بما يليه.\n(^٩) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي روق عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.","vol":"4","page":32},{"text":"واستكبروا عنها، وينبه تعالى على أنه الإيمان والعمل به سهل لأنه تعالى قال: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾\n\n<span id=\"aya-997\"></span>﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ أي: من حسد وبغض كما جاء في صحيح البخاري من حديث قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا\" (^١).\nوقال السدي في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ لآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غلّ فهو: الشراب الطهور واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبدًا (^٢).\nوقد روى أبو إسحاق عن عاصم، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نحوًا من هذا (^٣) كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] إن شاء الله ربه وبه الثقة وعليه التكلان.\nوقال قتادة: قال علي ﵁ إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ رواه ابن جرير (^٤).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن إسرائيل قال سمعت الحسن يقول قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (^٥). وروى النسائي وابن مردويه واللفظ له من حديث أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل أهل الجنة يرى مقعده من النار\"، فيقول: لولا أن الله هداني فيكون له شكرًا. وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: \"لو أن الله هداني فيكون له حسرة\" (^٦).\nولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون؛ أي: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم. وإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: \"واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله\n_________\n(^١) صحيح البخاري، المظالم، باب قصاص المظالم (ح ٢٤٤٠).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسير سورة الزمر وعبد الله بن المبارك (الزهد ص ٥٠٨ ح ١٤٥٠)، والضياء المقدسي (المختارة ٢/ ١٦٠ ح ٥٤١)، من طريق حمزة الزيات عن أبي إسحاق به وصحح سنده محقق المختارة، وصححه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية المسند (ل ١٩٨ - أ).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق معمر عن قتادة به، وقتادة لم يسمع عليًا ﵁، ويتقوى بما يلي.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، والحسن لم يسمع عليًا ﵁، ويتقوى بالمرسل السابق.\n(^٦) أخرجه النسائي (التفسير ح ٤٧٤)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٣٥)، وعزاه الهيثمي لأحمد وقال رجاله رجال الصحيح (المجمع ١٠/ ٣٩٩)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (ح ٤٥١٤)، ويشهد له ما يليه وهو في الصحيحين.","vol":"4","page":33},{"text":"الجنة\" قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: \"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل\" (^١).\n\n<span id=\"aya-998\"></span>\n\n<span id=\"aya-999\"></span>﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)﴾.\nيخبر تعالى بما يخاطب به أهل النار على وجه التقريع والتوبيخ إذا استقروا في منازلهم ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ أن ههنا مفسرة للقول المحذوف وقد للتحقيق أي: قالوا لهم: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ كما أخبر تعالى في سورة الصافات عن الذي كان له قرين من الكفار ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ [الصافات] أي: ينكر عليه مقالته التي يقولها في الدنيا ويقرعه بما صار إليه من العذاب والنكال وكذلك تقرعهم الملائكة يقولون لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطور] وكذلك قرّع رسول الله ﷺ قتلى القليب يوم بدر فنادى \"يا أبا جهل بن هشام ويا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة - وسمى رؤوسهم - هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا، وقال عمر: يا رسول الله تخاطب قومًا قد جيفوا؟ \" فقال: \"والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا\" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي: أعلم معلم ونادى مناد ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ أي: مستقرة عليهم ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يصدّون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياء ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها أحد ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ أي: وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون أي: جاحدون مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل لأنهم لا يخافون حسابًا عليه ولا عقابًا فهم شر الناس أقوالًا وأعمالًا.\n\n<span id=\"aya-1000\"></span>\n\n<span id=\"aya-1001\"></span>﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾.\nلما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار نبه أن بين الجنة والنار حجابًا وهو: الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة، قال ابن جرير: وهو السور الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] وهو الأعراف.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل (ح ٦٤٦٣)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله … (ح ٢٨١٦).\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك ﵁ صحيح البخاري، المغازي، باب قتل أبي جهل (ح ٣٩٧٦) وصحيح مسلم، الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه (ح ٢٨٧٣).","vol":"4","page":34},{"text":"الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ (^١). ثم روى بإسناده عن السدي أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ وهو السور وهو الأعراف (^٢).\nوقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار سور له باب (^٣).\nقال ابن جرير: والأعراف جمع عُرْف وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفًا، وإنما قيل لعرف الديك عرفًا لارتفاعه (^٤).\nوحدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن عُبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: الأعراف هو الشيء المشرف (^٥).\nوقال الثوري عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: الأعراف سور كعرف الديك (^٦).\nوفي رواية عن ابن عباس: الأعراف جمع تل بين الجنة والنار حبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار، وفي رواية عنه هو سور بين الجنة والنار (^٧). وكذا قال الضحاك (^٨) وغير واحد من علماء التفسير.\nوقال السدي: إنما سمي الأعراف أعرافًا لأن أصحابه يعرفون الناس (^٩).\nواختلف عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم؟ وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، نصّ عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف ﵏، وقد جاء في حديث مرفوع رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن إسماعيل، حدثنا عبيد بن الحسين، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا النعمان بن عبد السلام، حدثنا شيخ لنا يقال له أبو عباد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله ﷺ عمن استوت حسناته وسيئاته فقال: \"أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون\" (^١٠). وهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nورواه من وجه آخر عن سعيد بن سلمة، عن أبي الحسام، عن محمد بن المنكدر، عن رجل\n_________\n(^١) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سفيان بن وكيع فيه مقال ولكنه توبع في رواية سعيد بن منصور فقد أخرجه عن ابن عيينة به (التفسير ح ٩٥٧)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين عن ابن عيينة، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري وهناد (الزهد ح ٢٠٤)، من طريق الثوري به، وأخرجه ابن أبي حاتم والطبري كلاهما من طريق إسرائيل عن جابر به، وسنده ضعيف لضعف جابر وهو ابن يزيد الجعفي.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، ومن طريق آخر.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك ويتقوى بسابقه.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^١٠) في سنده سليمان بن داود الشاذكوني كذبه ابن معين وغيره (لسان الميزان ٣/ ٥٤ - ٥٨) وفي سنده إبهام شيخ النعمان بن عبد السلام وسنده ضعيف جدًا.","vol":"4","page":35},{"text":"من مزينة قال: سئل رسول الله ﷺ عمن استوت حسناته وسيئاته فقال: \"إنهم قوم خرجوا عصاة بغير إذن آبائهم فقتلوا في سبيل الله\" (^١).\nوقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معشر حدثنا يحيى بن شبل، عن يحيى بن عبد الرحمن المزني، عن أبيه قال: سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف قال: \"هم ناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم ومنعهم من النار قتلهم في سبيل الله\" ورواه ابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن أبي معشر به (^٢). وكذا رواه ابن ماجه مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري (^٣) وابن عباس، والله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة، وقصاراها أن تكون موقوفة وفيه دلالة على ما ذكر.\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن الشعبي، عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف قال: فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة وخلفت بهم حسناتهم عن النار، قال: فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم (^٤).\nوقد رواه من وجه آخر أبسط من هذا فقال: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال: قال الشعبي أرسل إليّ عبد الحميد بن عبد الرحمن وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش فإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرًا ليس كما ذكرا فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة. فقالا: هات. فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ فبينما هم كذلك إذا طلع عليهم ربك فقال لهم اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم (^٥).\nوقال عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي قال: قال سعيد بن جبير وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ثم قرأ قول الله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون]، ثم قال: الميزان يخف بمثقال حبة، ويرجح قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل\n_________\n(^١) سنده ضعيف، لم يذكر الراوي عن سعيد بن سلمة ومن بعده.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي كما في التقريب.\n(^٣) أخرجه الطبراني من طريق محمد بن مخلد الرُعيني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد (المعجم الصغير ١/ ٢٣٨)، قال الهيثمي: فيه محمد بن مخلد الرعيني وهو ضعيف (المجمع ٧/ ٢٣)، وفيه أيضًا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف. وهذا الحديث ليس من رواية ابن ماجه ولو رواه ابن ماجه لما ذكره الهيثمي في الزوائد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الشعبي لم يسمع حذيفة ولكنه روي موصولًا فقد أخرجه الحاكم من طريق الشعبي عن صلة بن زفر عن حذيفة وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٠).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.","vol":"4","page":36},{"text":"الجنة نادوا سلام عليكم وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أهل النار ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ تعوذوا بالله من منازلهم قال: فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورًا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذٍ نورًا وكل أمة نورًا فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان بأيديهم فلم ينزع فهنالك يقول الله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ فكان الطمع دخولًا.\nقال: فقال ابن مسعود: إن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة ثم يقول: هلك من غلبت [وحدانه] (^١) أعشاره. رواه ابن جرير (^٢).\nوقال أيضًا: حدثني ابن وكيع وابن حميد قالا: حدثنا جرير، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس قال: الأعراف السور الذي بين الجنة والنار وأصحاب الأعراف بذلك المكان حتى إذا بدا الله أن يعافيهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة حافتاه قصب الذهب مكلّل باللؤلؤ ترابه المسك فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم وتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها حتى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرحمن ﵎ فقال: تمنوا ما شئتم، فيتمنون حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعون ضعفًا، فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها يسمون مساكين أهل الجنة (^٣)، وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن يحيى بن المغيرة، عن جرير به، وقد رواه سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، وعن عبد الله بن الحارث من قوله وهذا أصح والله أعلم. وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد.\nوقال سُنيد بن داود: حدثني جرير عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير قال سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف قال: \"هم آخر من يفصل بينهم من العباد فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنة فأنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم\" (^٤) وهذا مرسل حسن.\nوقيل: هم أولاد الزنى. حكاه القرطبي (^٥).\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الوليد بن موسى، عن شيبة بن عثمان، عن عروة بن رويم، عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب، فسألناه عن ثوابهم، وعن مؤمنيهم. فقال: على الأعراف وليسوا في الجنة مع أمة محمد ﷺ فسألناه وما\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(عش) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"واحدته\".\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن المبارك به، وسنده ضعيف جدًا لأن أبا بكر الهذلي متروك كما في التقريب.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق جرير به، وقرر الحافظ أنه من قول عبد الله بن الحارث. وفي متنه غرائب.\n(^٤) أخرجه الطبري عن سُنيد به، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق جرير به وهو مرسل.\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢١٢.","vol":"4","page":37},{"text":"الأعراف؟ فقال حائط الجنة تجري فيه الأنهار وتنبت فيه الأشجار والثمار (^١). ورواه البيهقي عن ابن بشران، عن علي بن محمد المصري، عن يوسف بن يزيد، عن الوليد بن موسى به (^٢).\nوقال سفيان الثوري: عن خصيف، عن مجاهد قال أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مِجلز في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ قال هم رجال من الملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار قال: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ قال: فيقال حين يدخل أهل الجنة الجنة ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩] (^٤). وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد أحد التابعين وهو غريب من قوله وخلاف الظاهر من السياق وقول الجمهور مقدم على قوله بدلالة الآية على ما ذهبوا إليه، وكذا قول مجاهد إنهم قوم صالحون علماء فقهاء فيه غرابة أيضًا، والله أعلم، وقد حكى القرطبي وغيره فيهم اثني عشر قولًا منها: أنهم شهدوا أنهم صلحاء تهرعوا من فزع الآخرة، وخلق يطلعون على أخبار الناس وقيل: هم أنبياء وقيل هم ملائكة.\nوقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه وأهل النار بسواد الوجوه (^٥). وكذا روى الضحاك عنه (^٦)، وقال العوفي، عن ابن عباس: أنزلهم الله تلك المنزلة ليعرفوا من في الجنة والنار وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه. ويتعوذوا بالله أن يجعلوهم مع القوم الظالمين وهم في ذلك يحيون أهل الجنة بالسلام لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها وهم داخلوها إن شاء الله (^٧). وكذا قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم (^٨).\nوقال معمر، عن الحسن: إنه تلا هذه الآية ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ قال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم (^٩).\n_________\n(^١) في سنده الوليد بن موسى: متروك يروي الموضوعات (لسان الميزان ٦/ ٢٢٧)، فسنده ضعيف جدًا وفي متنه غرابة.\n(^٢) البعث والنشور (ح ١١٧) وسنده كسابقه.\n(^٣) أخرجه هناد (الزهد ٢٠٣)، وابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وفي سنده خصيف صدوق سيء الحفظ كما في التقريب.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق زهير بن معاوية عن سليمان التيمي به مقطعًا، وسنده صحيح وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري ويشهد له سابقه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٨) قول مجاهد والسدي وعبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر به.","vol":"4","page":38},{"text":"وقال قتادة: قد أنبأكم الله بمكانهم من الطمع (^١).\nوقوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ قال الضحاك عن ابن عباس إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (^٢).\nوقال السدي: وإذا مرّوا بهم - يعني: بأصحاب الأعراف بزمرة يذهب بها إلى النار - قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (^٣).\nوقال عكرمة: تحدد وجوههم للنار فإذا رأوا أصحاب الجنة ذهب ذلك عنهم (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾: فرأوا وجوههم مسودّة وأعينهم مزرقّة ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^٥).\n\n<span id=\"aya-1002\"></span>﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾.\nيقول الله تعالى إخبارًا عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم يعرفونهم في النار بسيماهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ أي: كثرتكم ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: لا ينفعكم كثرتكم ولا جموعكم في عذاب الله بل صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب والنكال\n\n<span id=\"aya-1003\"></span>﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: أصحاب الأعراف (^٦).\n﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ الآية، قال فلما قالوا لهم الذي قضى الله أن يقولوا يعني: أصحاب الأعراف لأهل الجنة وأهل النار قال الله لأهل التكبر والأموال: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾ (^٧).\nوقال حذيفة: إن أصحاب الأعراف قوم تكاثفت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة وقصرت بهم سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف يعرفون الناس بسيماهم، فلما قضى الله بين العباد أذن لهم في طلب الشفاعة فأتوا آدم فقالوا: يا آدم أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك. فقال: هل تعلمون أن أحدًا خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وسبقت رحمته إليه غضبه وسجدت له الملائكة غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما علمت كنهه (^٨) ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك به لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي مكين نوح بن ربيعة عن أخيه عن عكرمة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.\n(^٨) كنه الشيء: قدره وغايته وحقيقته.","vol":"4","page":39},{"text":"ابني إبراهيم. فيأتون إبراهيم ﵇ فيسألونه أن يشفع لهم عند ربهم، فيقول: تعلمون من أحد اتخذه الله خليلًا هل تعلمون أن أحدًا أحرقه قومه بالنار في الله غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني موسى، فيأتون موسى ﵇ فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليمًا وقربه نجيًا غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا عيسى. فيأتونه ﵇ فيقولون له: اشفع لنا عند ربك. فيقول: هل تعلمون أحدًا خلقه الله من غير أب؟ فيقولون: لا. فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟ قال: فيقولون: لا، فيقول: أنا حجيج نفسي ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا محمدًا ﷺ. فيأتوني فأضرب بيدي على صدري، ثم أقول: أنا لها، ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش، فآتي ربي ﷿، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط، ثم أسجد فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي ثم أثني على ربي ﷿ ثم أخر ساجدًا، فيقال لي: ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: ربي أمتي. فيقول: هم لك. فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا غبطني بذلك المقام وهو المقام المحمود، فآتي بهم الجنة فأستفتح فيفتح لي ولهم، فيُذهب بهم إلى نهر يقال له: نهر الحيوان حافتاه قصب مكلّل باللؤلؤ، ترابه المسك وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة، فيصيرون كأنهم الكواكب الدرّية ويبقى في صدورهم شامات بيض يُعرفون بها يقال: مساكين أهل الجنة (^١).\n\n<span id=\"aya-1004\"></span>﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾.\nيخبر تعالى عن ذلّة أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم وأنهم لا يجابون إلى ذلك قال السدي: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني: الطعام (^٢).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يستطعمونهم ويستسقونهم (^٣).\nوقال الثوري، عن عثمان الثقفي، عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال: ينادي الرجل أباه أو أخاه فيقول له قد احترقت فأفضْ عليَّ من الماء. فيقال لهم: أجيبوهم، فيقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (^٤).\nوروي من وجه آخر عن سعيد، عن ابن عباس، مثله سواء (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق السدي عن حذيفة، وسنده ضعيف لأن السدي لم يسمع حذيفة ﵁، ولكثير منه شواهد في الصحيحين تقدم في حديث الشفاعة في سورة البقرة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الثوري به لكنه مرسل يتقوى بتاليه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الثوري بمثل سابقه.","vol":"4","page":40},{"text":"وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني: طعام الجنة وشرابها (^١).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، أخبرنا موسى بن المغيرة، حدثنا أبو موسى الصفار في دار عمرو بن مسلم قال: سألت ابن عباس أو سئل أي الصدقة أفضل؟ فقال: قال رسول الله ﷺ: \"أفضل الصدقة الماء ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة قالوا: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله\" (^٢).\nوقال أيضًا: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح قال: لما مرض أبو طالب قالوا له: لو أرسلت إلى ابن أخيك هذا فيرسل إليك بعنقود من الجنة لعله أن يشفيك به، فجاءه الرسول وأبو بكر عند النبي ﷺ فقال أبو بكر: إن الله حرمهما على الكافرين (^٣).\n\n<span id=\"aya-1005\"></span>ثم وصف تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه في الدنيا باتخاذهم الدين لهوًا ولعبًا واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها عما أمروا به من العمل للآخرة.\nوقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ أي: يعاملهم معاملة من نسيهم، لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء ولا ينساه كما قال تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة كما قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وقال: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦] وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤].\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ قال نسيهم الله من الخير ولم ينسهم من الشر (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا (^٥).\nوقال مجاهد: نتركهم في النار (^٦).\nوقال السدي: نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا (^٧).\nوفي الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أزوِّجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتَرْبَع؟ فيقول: بلى. فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة موسى بن المغيرة (ميزان الاعتدال ٤/ ٢٢٤)، وجهالة أبي موسى الصفار (لسان الميزان ٧/ ١١٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال أبي صالح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن بنحوه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٨) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة البقرة آية ٤٦ في آخرها.","vol":"4","page":41},{"text":"<span id=\"aya-1006\"></span>\n\n<span id=\"aya-1007\"></span>﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن إعذاره إلى المشركين بإرسال الرسل إليهم بالكتاب الذي جاء به الرسول وأنه كتاب مفصّل مبين كقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، وقوله: ﴿فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي على علم منا بما فصلناه به كما قال تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] قال ابن جرير وهذه الآية مردودة على قوله: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [الأعراف]، ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾.\nوهذا الذي قاله فيه نظر فإنه قد طال الفصل ولا دليل عليه، وإنما الأمر أنه لما أخبر بما صاروا إليه من الخسارة في الآخرة ذكر أنه قد أزاح عللهم في الدنيا بإرسال الرسل وإنزال الكتب كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولهذا قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ أي: ما وعدوا به من العذاب والنكال والجنة والنار قاله مجاهد وغير واحد (^١)، وقال مالك: ثوابه.\nوقال الربيع: لا يزال يجيء من تأويله أمر حتى يتم يوم الحساب حتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار فتمّ تأويله يومئذٍ (^٢).\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أي: يوم القيامة قاله ابن عباس (^٣).\n﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: تركوا العمل به وتناسوه في الدار الدنيا ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ أي في خلاصنا مما صرنا إليه مما نحن فيه ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ إلى الدار الدنيا ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام] كما قال ههنا: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [أي خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾] (^٤) أي ذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله فلا يشفعون فيهم ولا ينصرونهم ولا ينقذونهم مما هم فيه.\n\n<span id=\"aya-1008\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾.\nيخبر تعالى أنه خلق العالم سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام كما أخبر بذلك في غير\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق ابن أبي جعفر الرازي الربيع.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس. ومعناه صحيح.\n(^٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم).","vol":"4","page":42},{"text":"ما آية من القرآن، والستة الأيام هي: الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة. وفيه اجتمع الخلق كله، وفيه خُلق آدم ﵇.\nواختلفوا في هذه الأيام هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان، أو كل يوم كألف سنة كما نصّ على ذلك مجاهد (^١) والإمام أحمد بن حنبل ويروى ذلك من رواية الضحاك عن ابن عباس (^٢)، فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق لأنه اليوم السابع ومنه سمي السبت وهو القطع.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا حجاج، حدثنا ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: \"خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل\" فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه والنسائي من غير وجه عن حجاج وهو ابن محمد الأعور، عن ابن جريج (^٣) به. وفي استيعاب الأيام السبعة والله تعالى قد قال: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعًا والله أعلم.\nوأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله لا يشبهه شيء من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] بل الأمر كما قال الأئمة منهم: نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال من شبّه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى.\nوقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ أي: يذهب ظلام هذا بضياء هذا وضياء هذا بظلام هذا وكل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا أي سريعًا لا يتأخر عنه بل إذا ذهب هذا جاء هذا وعكسه كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس] فقوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر عن مجاهد.\n(^٢) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس.\n(^٣) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة البقرة آية ٢٩ في آخرها.","vol":"4","page":43},{"text":"النَّهَارِ﴾ أي: لا يفوته بوقت يتأخر عنه بل هو في أثره بلا واسطة بينهما ولهذا قال: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ منهم من نصب ومنهم من رفع (^١) وكلاهما قريب المعنى أي الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته ولهذا قال منبهًا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ أي له الملك والتصرف ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ كقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان].\nقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا هشام أبو عبد الرحمن، حدثنا بَقيّة بن الوليد، حدثنا عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري، عن عبد العزيز الشامي، عن أبيه وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط عمله، ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئًا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه\" لقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢).\nوفي الدعاء المأثور عن أبي الدرداء وروي مرفوعًا \"اللهم لك الملك كله ولك الحمد كله وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله وأعوذ بك من الشر كله\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-1009\"></span>﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾.\nأرشد ﵎ عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم فقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ قيل معناه تذللًا واستكانه، وخفية كما قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف] وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله ﷺ: \"أيها الناس اربِعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إن الذي تدعون سميع قريب\" الحديث (^٤).\nوقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ قال السر (^٥).\nوقال ابن جرير تضرعًا: تذللًا واستكانة لطاعته، وخفية يقول: بخشوع قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه لا جهارًا ومراءاة (^٦).\nوقال عبد الله بن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقوامًا ما كان\n_________\n(^١) أي نصب: النجوم، ورفعها، وكلاهما قراءتان متواترتان.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري: وضاع متروك (لسان الميزان ٤/ ٤٣).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفاتحة آية رقم ٢.\n(^٤) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة البقرة آية ١٨٦.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به، والخراساني لم يسمع ابن عباس، ومعناه صحيح.\n(^٦) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"4","page":44},{"text":"على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع بهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحًا رضي فعله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم] (^١).\nوقال ابن جريج: يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء ويؤمر بالتضرع والاستكانة (^٢).\nثم روي عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدعاء ولا في غيره (^٣).\nوقال أبو مجلز: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ لا يسأل منازل الأنبياء (^٤).\nوقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن زياد بن مخراق، سمعت أبا نعامة عن مولى لسعد أن سعدًا سمع ابنًا له يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيرًا كثيرًا وتعوذت به من شر كثير وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء\" وقرأ هذه الآية ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ وإن بحسبك أن تقول: \"اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول أو عمل\" (^٥). ورواه أبو داود من حديث شعبة عن زياد بن مخراق، عن أبي نعامة، عن مولى لسعد، عن سعد فذكره (^٦) والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا الجريري، عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بُني سلِ الله الجنة وعُذْ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور\" (^٧).\nوهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان به وأخرجه أبو داود عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجُريْري، عن أبي نعامة واسمه قيس بن عباية الحنفي البصري (^٨). وهو إسناد حسن لا بأس به، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن المبارك عن ابن فضالة به (الزهد ١٤٠) وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبري عن عطاء به، وسنده ضعيف لأن عطاء الخراساني لم يسمع ابن عباس.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند حسن من طريق عباد بن عباد بن علقمة عن أبي مجلز.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وزيادة (المسند ٣/ ٧٩ - ٨٠ ح ١٤٨٣)، وقال محققوه: حسن لغيره. وصححه الألباني كما سيأتي.\n(^٦) سنن أبي داود، الصلاة، باب الدعاء (ح ١٤٨٠)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ١٣١٣).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤/ ١٧٢ ح ٢٠٥٥٤)، وقال محققوه: حسن لغيره، وحسنه أيضًا الحافظ بن كثير كما سيأتي.\n(^٨) سنن ابن ماجه، الدعاء، باب كراهية الاعتداء بالدعاء (ح ٣٨٦٤)، وسنن أبي داود، الطهارة، باب الإسراف =","vol":"4","page":45},{"text":"<span id=\"aya-1010\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض وما أضره بعد الإصلاح فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضرّ ما يكون على العباد فنهى تعالى عن ذلك وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه فقال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: خوفًا مما عنده من وبيل العقاب وطمعًا فيما عنده من جزيل الثواب ثم قال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: إن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الآية [الأعراف] وقال: ﴿قَرِيبٌ﴾ ولم يقل: قريبة لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب أو لأنها مضافة إلى الله فلهذا قال: ﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nوقال مطر الوراق: تنجزوا موعود الله بطاعته، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين. رواه ابن أبي حاتم (^١).\n\n<span id=\"aya-1011\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾.\nلما ذكر تعالى أنه خالق السماوات والأرض، وأنه المتصرف الحاكم المدير المسخر، وأرشد إلى دعائه لأنه على ما يشاء قادر نبه تعالى على أنه الرزاق، وأنه يعيد الموتى يوم القيامة فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ (^٢) أي: ناشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر، ومنهم من قرأ بشرًا كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦].\nوقوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي بين المطر كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى] وقال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الروم] وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ أي: حملت الرياح سحابًا ثقالًا، أي: من كثرة ما فيها من الماء تكون ثقيلة قريبة من الأرض مدلهمة كما قال زيد بن عمرو بن نفيل ﵀:\nوأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ له … المُزْنُ تحمل عذبًا زلالًا\nوأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ له … الأرض تحمل صخرًا ثقالًا (^٣)\nوقوله: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أي إلى أرض ميتة مجدبة لا نبات فيها كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: ٣٣] الآية ولهذا قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميمًا يوم\n_________\n= في الماء (ح ٩٦) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٨٧).\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر عن مطر.\n(^٢) ﴿نُشْرًا﴾ بالنون وهي قراءة متواترة.\n(^٣) ورد ذكر البيتين في السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٢٣١.","vol":"4","page":46},{"text":"القيامة ينزل الله ﷾ ماء من السماء فتمطر الأرض أربعين يومًا، فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض. وهذا المعنى كثير في القرآن يضرب الله مثلًا ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها ولهذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1012\"></span>وقوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعًا حسنًا كما قال: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧].\n﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ قال مجاهد وغيره كالسباخ (^١) ونحوها.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر (^٢).\nوقال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا حماد بن أُسامة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به\" (^٣). رواه مسلم والنسائي من طرق عن أبي أُسامة حماد بن أسامة به (^٤).\n\n<span id=\"aya-1013\"></span>\n\n<span id=\"aya-1014\"></span>﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾.\nلما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة وما يتعلق بذلك وما يتصل به وفرغ منه شرع تعالى في ذكر قصص الأنبياء ﵈ الأول فالأول، فابتدأ بذكر نوح ﵇ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم ﵇ وهو: نوح بن لامك بن متوشلح بن أخنوخ - وهو إدريس النبي ﵇ فيما يزعمون، وهو أول من خط بالقلم - ابن برد بن مهليل بن قنين بن يانش بن شيث بن آدم ﵈. هكذا نسبه محمد بن إسحاق وغير واحد من أئمة النسب (^٥).\nقال محمد بن إسحاق: ولم يلقَ نبي من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قُتل (^٦).\nوقال يزيد الرقاشي: إنما سمي نوح لكثرة ما ناح على نفسه (^٧).\n_________\n(^١) السباخ جمع سبخة وهي الأرض المالحة الغير صالحة للزراعة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به بنحوه.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه، العلم، باب فضل من عَلِمَ وعلَّم (ح ٧٩).\n(^٤) صحيح مسلم، الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي ﷺ من الهدي والعلم (ح ٢٢٨٢)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٥٨٤٣).\n(^٥) ذكره بنحوه الحافظ ابن كثير في قصص الأنبياء ١/ ٦٠.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم وأبو نعيم (الحلية ٣/ ٥١)، كلاهما من طريق مسلم أبي عبد الله العباداني عن يزيد الرقاشي.","vol":"4","page":47},{"text":"وقد كان بين آدم إلى زمن نوح ﵉ عشرة قرون كلهم على الإسلام (^١).\nقال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير: وكان أول ما عبدت الأصنام أن قومًا صالحين ماتوا فبنى قومهم عليهم مساجد وصوروا صورة أولئك فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان جعلوا أجسادًا على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونَسرًا (^٢)، فلما تفاقم الأمر بعث الله ﷾ وله الحمد والمنة رسوله نوحًا، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له فقال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: من عذاب يوم القيامة إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢)﴾ [المطففين] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾ [الأحقاف] إلى غير ذلك من الآيات.\n\n<span id=\"aya-1015\"></span>﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١)﴾ أي: ما أنا ضالّ ولكن أنا رسول من رب كل شيء ومليكه\n\n<span id=\"aya-1016\"></span>﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾ وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغًا فصيحًا ناصحًا عالمًا بالله لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعًا: \"أيها الناس إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ \" قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ويقول: \"اللّهم اشهد اللّهم اشهد\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-1017\"></span>﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾.\nيقول تعالى إخبارًا عن نوح أنه قال لقومه ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ الآية؛ أي: لا تعجبوا من هذا، فإن هذا ليس بعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم رحمة بكم ولطفًا وإحسانًا إليكم لينذركم ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1018\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: تمادوا على تكذيبه ومخالفته وما آمن معه منهم إلا قليل كما نصّ عليه تعالى في موضع آخر ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ أي: السفينة كما قال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ\n_________\n(^١) ذكره الحافظ ابن كثير في قصص الأنبياء (١/ ٦٠)، ونسبه إلى البخاري في صحيحه وأخرجه ابن حبان بسند صحيح عن أبي امامة مرفوعًا بنحوه (الإحسان ١٤/ ٦٩ ح ٦١٩٠) وصححه محققه، وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ح ٧٥٤٥) قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة (المجمع ٨/ ٢١٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري بنحوه (الصحيح، التفسير، سورة نوح باب: ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ ح ٤٩٢٠).\n(^٣) صحيح مسلم، الحج، باب حجة النبي ﷺ (ح ١٢١٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.","vol":"4","page":48},{"text":"وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]، ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ كما قال: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥)﴾ [نوح].\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ أي: عن الحق لا يبصرونه ولا يهتدون له، فبين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه، وأنجى رسوله والمؤمنين، وأهلك أعداءهم من الكافرين كقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر].\nوهذه سُنّة الله في عباده في الدنيا والآخرة أن العاقبة فيها للمتقين والظفر والغلب لهم كما أهلك قوم نوح بالغرق ونجى نوحًا وأصحابه المؤمنين.\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم: كان قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل (^١).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما عذب الله قوم نوح إلا والأرض ملأى بهم وليس بقعة من الأرض إلا ولها مالك وحائز (^٢).\nوقال ابن وهب: بلغني عن ابن عباس أنه نجا مع نوح في السفينة ثمانون رجلًا أحدهم جرهم وكان لسانه عربيًا رواه ابن أبي حاتم (^٣)، وروي متصلًا من وجه آخر عن ابن عباس ﵄ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1019\"></span>﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾.\nيقول تعالى: وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحًا كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا. قال محمد بن إسحاق: هم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح.\nقلت: هؤلاء هم عاد الأولى الذين ذكرهم الله وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى العمد في البر كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ [الفجر] وذلك لشدّة بأسهم وقوتهم كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾ [فصلت] وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف وهي جبال الرمل.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن وهب عن مالك به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به، لأن ابن وهب لم يدرك ابن عباس. وهذه من الروايات الإسرائيلية.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق المؤمل بن أهاب، ثنا زيد بن حباب، ثنا الحسين بن واقد، عن أبي نهيك عن ابن عباس به بدون: وكان لسانه عربيًا، وفي سنده المؤمل وهو صدوق يهم كما في التقريب، وأبو نهيك هو عثمان بن نهيك الأزدي وهو مقبول كما في التقريب.","vol":"4","page":49},{"text":"قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة: سمعت عليًا يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثيبًا أحمر يخالطه مدرة (^١) حمراء ذا أراك وسدر كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت. هل رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين؟ والله إنك لتنعته نعت رجل قد رآه، قال: لا ولكني قد حدثت عنه فقال الحضرمي: وما شأنه يا أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبر هود ﵇ رواه ابن جرير (^٢).\nوهذا فيه فائدة أن مساكنهم كانت باليمن فإن هودًا ﵇ دفن هناك وقد كان من أشرف قومه نسبًا لأن الرسل إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم، ولكن كان قومه كما شدّد خلقهم شدّد على قلوبهم، وكانوا من أشدّ الأمم تكذيبًا للحق، ولهذا دعاهم هود ﵇ إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى طاعته وتقواه.\n\n<span id=\"aya-1020\"></span>﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والملأ هم الجمهور والسادة والقادة منهم ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)﴾ أي في ضلالة حيث تدعونا إلى ترك عبادة الأصنام والإقبال على عبادة الله وحده كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] الآية.\n\n<span id=\"aya-1021\"></span>﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧)﴾ أي لست كما تزعمون بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء فهو رب كل شيء ومليكه\n\n<span id=\"aya-1022\"></span>﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)﴾ وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل البلاغ والنصح والأمانة\n\n<span id=\"aya-1023\"></span>﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ أي لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولًا من أنفسكم لينذركم أيام الله ولقاءه بل احمدوا الله على ذاكم ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: واذكروا نعمة الله عليكم في جعلكم من ذرية نوح الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته لما خالفوه وكذبوه ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ أي زاد طولكم على الناس بسطة أي جعلكم أطول من أبناء جنسكم كقوله في قصة طالوت ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ أي: نعمه ومننه عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [والآلاء جمع إلى وقيل إلى] (^٣).\n\n<span id=\"aya-1024\"></span>﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾.\nيخبر تعالى عن تمردهم وطغيانهم وعنادهم وإنكارهم على هود ﵇ ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ\n_________\n(^١) المدرة: الطين الذي لا رمل فيه.\n(^٢) أخرجه الطبري عن ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، عن سلمة عن ابن إسحاق به، وابن حميد ضعيف وقد توبع إذ أخرجه البخاري من طريق أحمد بن عاصم عن عبد الله بن هارون عن أبيه عن ابن إسحاق به وصرح ابن إسحاق بالتحديث (التاريخ الكبير ١/ ١٣٥)، ويبقى في سنده محمد بن عبد الله بن أبي سعيد سكت عنه البخاري وذكره ابن حبان في (الثقات ٥/ ٣٧٦)، ولم يكف هذا التوثيق ولكن الرواية تاريخية مقبولة، واعتمدها الحافظ ابن كثير إذ استنبط منها الفائدة المذكورة أعلاه.\n(^٣) زيادة من (مح) و(حم).","vol":"4","page":50},{"text":"وَحْدَهُ﴾ الآية كقول الكفار من قريش ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال].\n\n<span id=\"aya-1025\"></span>\n\n<span id=\"aya-1026\"></span>وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أنهم كانوا يعبدون أصنامًا فصنم يقال له: صُداء، وآخر يقال له: صمود، وآخر يقالُ له: الهباء (^١). ولهذا قال هود ﵇: ﴿وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ أي قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم رجسّ قيل؛ هو مقلوب من رجز.\nوعن ابن عباس: معناه: سخط وغضب.\n﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ أي: أتحاجوني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة وهي لا تضر ولا تنفع ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلًا ولهذا قال: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه ولهذا عقبه بقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾.\nوقد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن بأنه أرسل عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم كما قال في الآية أخرى ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة] لما تمردوا وعتوا أهلكهم الله بريح عاتية فكانت تحمل الرجل منهم فترفعه في الهواء في تنكسه على أم رأسه، فتثلغ رأسه حتى تبينه من بين جثته ولهذا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق: كانوا يسكنون باليمن بين عمان وحضرموت وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله، فبعث الله إليهم هودًا ﵇ وهو من أوسطهم نسبًا وأفضلهم موضعًا، فأمرهم أن يوحدوا الله ولا يجعلوا معه إلهًا غيره، وأن يكفّوا عن ظلم الناس، فأبوا عليه وكذبوه، وقالوا: من أشد منا قوة واتبعه منهم ناس وهم يسير يكتمون إيمانهم، فلما عتّت عاد على الله وكذبوا نبيه وأكثروا في الأرض الفساد وتجبروا وبنوا بكل ريع آية عبثًا بغير نفع كلمهم هود فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١)﴾ [الشعراء] ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ أي بجنون ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود].\nقال محمد بن إسحاق: فلما أبوا إلا الكفر به أمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين فيما يزعمون حتى جهدهم ذلك قال: وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان، وطلبوا من الله الفرج فيه إنما يطلبونه بحرمة ومكان بيته، وكان معروفًا عند أهل ذلك الزمان وبه العماليق مقيمون وهم من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.","vol":"4","page":51},{"text":"سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكان سيدهم إذ ذاك رجلًا يقال له: معاوية بن بكر، وكانت له أم من قوم عاد واسمها كلهدة ابنة الخيبري، قال: فبعثت عاد وفدًا قريبًا من سبعين رجلًا إلى الحرم ليستسقوا لهم عند الحرم، فمرّوا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان: قينتان لمعاوية، وكانوا قد وصلوا إليه في شهر، فلما طال مقامهم عنده وأخذته شفقة على قومه واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف عمل شعرًا يعرض لهم بالانصراف وأمر القينتين أن تغنياهم به فقال:\nألا يا قيل ويحك قُم فَهيَنم … لعلّ الله يُصبحنا غماما\nفيسقي أرض عاد إنّ عادًا … قد أمسوا لا يُبينون الكلاما\nمن العطش الشديد وليس نرجو … به الشيخ الكبير ولا الغلاما\nوقد كانت نساؤهم بخير فقد … أمست نساؤهم عيامى (^١)\nوإن الوحش تأتيهم جهارًا … ولا تخشى لعادي سهاما\nوأنتم ههنا فيما اشتهيتم … نهاركم وليلكم التماما\nفقبحَ وفدكم من وفد قوم … ولا لُقّوا التحية والسلاما\nقال: فعند ذلك تنبه القوم لما جاؤوا له، فنهضوا على الحرم ودعوا لقومهم فدعا داعيهم وهو: قيل بن عِنز، فأنشأ الله سحابات ثلاثًا بيضاء وسوداء وحمراء، ثم ناداه مناد من السماء: اختر لنفسك أو لقومك من هذا السحاب فقال: اخترت هذه السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فناداه مناد: اخترت رمادًا رمددًا، لا تبقي من عاد أحدًا لا والدًا تترك ولا ولدًا، إلا جعلته همدًا، إلا بني اللوذية المهندا، قال: وبنو اللوذية بطن من عاد يقيمون بمكة فلم يصبهم ما أصاب قومهم. قال وهم من بقي من أنسالهم وذراريهم عاد الآخرة.\nقال: وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختارها قيل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من وادٍ يقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا وقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ يقول: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥] أي: تهلك كل شيء مرت به فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون امرأة من عاد يقال لها: مميد، فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت فلما أفاقت قالوا: ما رأيت يا مميد؟ قالت ريحًا فيها شبه النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا كما قال الله تعالى. والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحدًا إلا هلك، واعتزل هود ﵇ فيما ذكر لي ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه إلا ما تلين عليه الجلود وتلذ الأنفس، وإنها لتمرّ على عاد بالظعن ما بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة.\nوذكر تمام القصّة بطولها وهو سياق غريب فيه فوائد كثيرة وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)﴾ [هود] (^٢).\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وفي البداية والنهاية (١/ ١٢٦): \"نساءهم أيامى\": جمع أيم، التي هلك زوجها.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق بنحوه مطولًا.","vol":"4","page":52},{"text":"وقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده قريب مما أورده محمد بن إسحاق بن يسار ﵀، وقال الإمام أحمد حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي، حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ فمررت بالربَّذَة، فإذا بعجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجة هل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها، فأتيت المدينة فإذا المسجد غاصّ بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلّد سيفًا بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهًا قال: فجلست فدخل منزله أو قال: رحله فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت وسلمت فقال: هل بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم وكانت لنا الدائرة عليهم.\nومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها فدخلت فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزًا، فاجعل الدهناء فحميت العجوز واستوفزت. وقالت: يا رسول الله فإلى أين يضطر مضطرك؟ قال: قلت: إن مثلي مثل ما قال الأول: معزى حملت حتفها (^١)، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد. قال لي: \"وما وافد عاد؟ \" وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستعظمه. قلت: إن عادًا قحطوا فبعثوا وافدًا لهم يقال له: قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه. اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: خذها رمادًا رِمددًا (^٢)، لا تبقي من عاد أحدًا قال: فما بلغني أنه بعث الله عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا. قال أبو وائل وصدق قال: وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد (^٣). هكذا. رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن زيد بن الحباب به نحوه، ورواه النسائي من حديث سلام بن أبي المنذر، عن عاصم وهو: ابن بهدلة، ومن طريقه رواه ابن ماجه أيضًا عن أبي وائل، عن الحارث بن حسان البكري (^٤) به، ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن زيد بن حباب به ووقع عنده عن الحارث بن يزيد البكري فذكره، ورواه أيضًا عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن الحارث بن حسان البكري، فذكره ولم أر في النسخة أبا وائل (^٥)، والله أعلم.\n_________\n(^١) أي: لا تكن كالعنز تبحث عن المُدية (فصل المقال لأبي عبيد البكري ص ٤٥٦).\n(^٢) رِمددًا: المتناهي في الاحتراق والدقة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٠٧ ح ١٥٩٥٤)، وحسنه محققوه.\n(^٤) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة الذاريات (ح ٣٢٧٠)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٨٦٠٧)، وسنن ابن ماجه، الجهاد، باب الرايات والألوية (ح ٢٨١٦)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٢٧٢) وذكره في السلسلة الصحيحة (ح ٢١٠٠).\n(^٥) أخرجه الطبري عن أبي كريب بالإسنادين ولم يذكر أبا وائل فيهما في نسخة الأستاذ أحمد شاكر، ولكن ورد ذكره في الرواية الثانية في نسخة معالي د. التركي، وهذه فائدة الرجوع إلى عدة نسخ في التحقيق.","vol":"4","page":53},{"text":"<span id=\"aya-1027\"></span>\n\n<span id=\"aya-1028\"></span>\n\n<span id=\"aya-1029\"></span>\n\n<span id=\"aya-1030\"></span>\n\n<span id=\"aya-1031\"></span>\n\n<span id=\"aya-1032\"></span>﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)﴾.\nقال علماء التفسير والنسب: ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عاثر، وكذلك قبيلة طسم كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل ﵇، وكانت ثمود بعد عاد ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله وقد مرّ رسول الله ﷺ على ديارهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك في سنة تسع (^١).\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله ﷺ بالناس على تبوك نزل بهم الحِجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا لها القدور، فأمرهم النبي ﷺ فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال: \"إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم\" (^٢).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ وهو بالحِجر: \"لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم\" (^٣). وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه (^٤).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا يزيد بن هارون المسعودي، عن إسماعيل بن أوسط، عن محمد بن أبي كبشة الأنماري، عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحِجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فنادى في الناس: \"الصلاة جامعة\" قال: فأتيت رسول الله ﷺ وهو ممسك بعنزة وهو يقول: \"ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم\" فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله؟ قال: \"أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك. رجل من أنفسكم ينبئكم\n_________\n(^١) وقد صح ذلك كما سيأتي في رواية الإمام أحمد من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠/ ١٩٢ ح ٥٩٨٤)، قال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩/ ٣٢٢ ح ٥٤٤١) وسنده كسابقه.\n(^٤) صحيح البخاري، الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب (ح ٤٣٣)، وصحيح مسلم، الزهد، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا … (ح ٢٩٨٠).","vol":"4","page":54},{"text":"بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئًا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئًا\" (^١) لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وأبو كبشة اسمه: عمر بن سعد ويقال عامر بن سعد والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال لما مرّ رسول الله ﷺ بالحِجر قال: \"لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفجّ وتصدر من هذا الفجّ فعتوا عن أمر ربهم، فعقروها وكانت تشرب ماءهم يومًا ويشربون لبنها يومًا فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله\" فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: \"أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه\" (^٢) وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة وهو على شرط مسلم.\nقوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحًا ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء] وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nوقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ أي: قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به.\n\"وكانوا هم الذين سألوا صالحًا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صمّاء عينوها بأنفسهم وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها: الكاثبة، فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق: لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه. فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم قام صالح ﵇ إلى صلاته ودعا الله ﷿ فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وَبراء يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا، فعند ذلك آمن رئيسهم (جُندع بن عمرو) ومن كان معه على أمره، وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدّهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم، ورباب بن صمعر بن جلهس وكان لجندع بن عمرو ابن عمّ يقال له: شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن جواس، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها فأراد أن يسلم أيضًا فنهاه أولئك الرهط، فأطاعهم فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عثمة بن الدميل ﵀:\nوكانت عصبةٌ من آل عمرو … إلى دين النبي دعوا شهابا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه بنحوه (المسند ٢٩/ ٥٥٨ - ٥٥٩ ح ١٨٠٢٩)، وضعفه محققوه بسبب لين محمد بن أبي كبشة. اهـ. وحسنه الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ١/ ١٥٩)، وحسنه الهيثمي أيضًا (المجمع ١٠/ ٢٩٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٩٦)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٤٠)، وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ٦/ ٢٧٠)، وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح (المجمع ٦/ ١٩٤) وقال الحافظ ابن كثير: على شرط مسلم.","vol":"4","page":55},{"text":"عزيز ثمود كلهمُ جميعًا … فهمّ بأن يُجيب فلو أجابا\nلأصبح صالح فينا عزيزًا … وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا\nولكن الغواة من آل حُجر … تولوا بعد رُشْدهم ذئابا\nوأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يومًا وتدعه لهم يومًا، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها يحتلبونها، فيملأون ما شاءوا من أوعيتهم وأوانيهم كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾ [القمر] وقال تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فجّ، وتصدر من غيره ليسعها لأنها كانت تتضلع من الماء، وكانت على ما ذكر خلقًا هائلًا ومنظرًا رائعًا إذا مرت بأنعامهم نفرت منها، فلما طال عليهم ذلك واشتد تكذيبهم لصالح النبي ﵇ عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم، فيقال: (إنهم اتفقوا كلهم على قتلها) (^١).\nقال قتادة: بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن وعلى الصبيان (^٢).\nقلت: وهذا هو الظاهر لقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤)﴾ [الشمس] وقال: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩] وقال: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ فأسند ذلك على مجموع القبيلة فدل على رِضى جميعهم بذلك والله أعلم.\nوذكر الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من علماء التفسير أن سبب قتلها أن امرأة منهم يقال لها: عنيزة ابنة غنم بن مجلز، وتكنى أُم غنم كانت عجوزًا كافرة، وكانت من أشد الناس عداوة لصالح ﵇، وكانت لها بنات حِسان ومال جزيل، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود. وامرأة أخرى يقال لها: صدوف بنت المحيا بن دهر بن [المحيا] (^٣) ذات حسب ومال وجمال، وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة، فدعت صدوف رجلًا يقال له: الحباب، فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة، فأبى عليها فدعت ابن عمّ لها يقال له: مصدع بن مهرج بن المحيا، فأجابها إلى ذلك، ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جذع وكان رجلًا أحمر أزرق قصيرًا - يزعمون أنه كان ولد زنية وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه وهو سالف، وإنما هو من رجل يقال له: صهياد ولكن ولد على فراش سالف -. وقالت له: أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة، فعند ذلك انطلق قدار بن سالف، ومصدع بن مهرج فاستغويا غواة من ثمود فاتبعهما سبعة نفر فصاروا تسعة رهط وهم الذين قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ [النمل] وكانوا رؤساء في قومهم، فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها فطاوعتهم على ذلك فانطلقوا فرصدوا\n_________\n(^١) ما بين قوسين أخرجه الطبري عن ابن إسحاق تارة وتارة أخرى عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بنحوه مطولًا.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة بنحوه بدون قوله: بلغني، ولكن هذه الرواية من أخبار أهل الكتاب.\n(^٣) كذا في (مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"المختار\"، وهو تصحيف.","vol":"4","page":56},{"text":"الناقة حين صدرت من الماء، وقد كَمُن لها قدار بن سالف في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل أخرى، فمرّت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها وخرجت أُم غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجهًا فسفرت عن وجهها لقدار، وذمّرته وشدّ على الناقة بالسيف فكشف عن عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقبها وهو فصيلها حتى أتى جبلًا منيعًا فصعد أعلى صخرة فيه ورغا (^١). فروى عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن البصري أنه قال: يا رب أين أُمي؟ ويقال إنه رغا ثلاث مرات (^٢) وإنه دخل في صخرة فغاب فيها، ويقال بل اتبعوه فعقروه مع أُمه فالله أعلم.\nفلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة وبلغ الخبر صالحًا ﵇، فجاءهم وهم مجتمعون، فلما رأى الناقة بكى وقال ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ الآية [هود: ٦٥].\nوكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء، فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح وقالوا: إن كان صادقًا عجلناه قبلنا وان كان كاذبًا ألحقناه بناقته ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ الآية [النمل]، فلما عزموا على ذلك وتواطؤوا عليه وجاؤوا من الليل ليفتكوا بنبي الله، فأرسل الله ﷾ وله العزة ولرسوله عليهم حجارة فرضختهم سلفًا وتعجيلًا قبل قومهم، وأصبح ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح ﵇، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة، وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة، فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه عياذًا بالله من ذلك لا يدرون ماذا يفعل بهم ولا كيف ياتيهم العذاب؟ وأشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾) أي: صرعى لا أرواح فيهم، ولم يفلت منهم أحد لا صغير ولا كبير لا ذكر ولا أنثى، قالوا: إلا جارية كانت مقعدة واسمها: كلبة ابنة السلق، ويقال لها: الزريقة، وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح ﵇، فلما رأت ما رأت من العذاب أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء فأتت حيًا من الأحياء فأخبرتهم بما رأت وما حلَّ بقومها ثم استسقتهم من الماء، فلما شربت ماتت (^٣).\nقال علماء التفسير: ولم يبق من ذرية ثمود أحد سوى صالح ﵇ ومن تبعه ﵃، إلا أن رجلًا يقال له: أبو رُغال كان لما وقعت النقمة بقومه مقيمًا إذ ذاك في الحرم فلم يصبه شيء فلما خرج في بعض الأيام إلى الحلّ جاءه حَجر من السماء فقتله.\nوقد تقدم في أول القصة حديث جابر بن عبد الله في ذلك وذكروا أن أبا رُغال هذا هو والد\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بالإسناد المتقدم عن ابن إسحاق. وهي من روايات أهل الكتاب.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به وأطول، وأخرجه عبد الرزاق به، والرواية من أخبار أهل الكتاب.\n(^٣) أخرجه الطبري بنحوه من طريق ابن إسحاق. والرواية كسابقتها.","vol":"4","page":57},{"text":"ثقيف الذين كانوا يسكنون الطائف، قال عبد الرزاق عن معمر: أخبرني إسماعيل بن أُمية أن النبي ﷺ مرَّ بقبر أبي رُغال فقال: \"أتدرون من هذا؟ \" قالوا الله ورسوله أعلم، قال: \"هذا قبر أبي رغال رجل من ثمود كان في حرم الله فمنعه حرم الله عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن هاهنا ودفن معه غصن من ذهب، فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن\" (^١) وقال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهري: أبو رُغال أبو ثقيف هذا مرسل من هذا الوجه.\nوقد روي متصلًا من وجه آخر كما قال محمد بن إسحاق: عن إسماعيل بن أُمية، عن بُجير بن أبي بُجير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال: \"هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم فدفع عنه. فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه، فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن\" وهكذا رواه أبو داود، عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن ابن إسحاق به (^٢)، قال شيخنا أبو الحجاج المزي: وهو حديث حسن عزيز (^٣).\n(قلت): تفرد بوصله بُجير بن أبي بُجير هذا، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث، قال يحيى بن معين: ولم أسمع أحدًا روى عنه غير إسماعيل بن أُمية، (قلت) وعلى هذا فيخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث. وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من الزاملتين، قال شيخنا أبو الحجاج بعد أن عرضت عليه ذلك: وهذا محتمل، والله أعلم (^٤).\n\n<span id=\"aya-1033\"></span>﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾.\nهذا تقريع من صالح ﵇ لقومه، لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم عن قبول الحق وإعراضهم عن الهدى إلى العمى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم، تقريعًا وتوبيخًا وهم يسمعون ذلك، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما ظهر على أهل بدر أقام هناك ثلاثًا، ثم أمر براحلته فشدّت بعد ثلاث من آخر الليل، فركبها ثم سار حتى وقف على القليب قليب بدر، فجعل يقول: \"يا أبا جهل بن هشام يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة ويا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا\". فقال له عمر: يا رسول الله ما تكلم من أقوام قد جيفوا؟ فقال: \"والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يجيبون\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده منقطع وسيأتي موصولًا موقوفًا حسنًا عن عبد الله بن عمرو ﵄.\n(^٢) سنن أبي داود، الخراج والإمارة، باب نبش القبور العادية (ح ٣٠٨٨)، وحسنه المزي (تهذيب الكمال ٤/ ١١).\n(^٣) تهذيب الكمال ٤/ ١١.\n(^٤) ذكره الحافظ ابن كثير في قصص الأنبياء (ص ٢/ ١١٣) وزاد: لكن في المرسل الذي قبله وفي حديث جابر أيضًا شاهد له. ويبقى القول أن وقفه على عبد الله بن عمرو أرجح.\n(^٥) تقدم تخريجه وصحته في آخر تفسير آية رقم ٤٥ من هذه السورة الكريمة.","vol":"4","page":58},{"text":"وفي السيرة أنه ﵇ قال لهم: \"بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم\" (^١).\n[وهكذا] (^٢) صالح ﵇ قال لقومه: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: فلم تنتفعوا بذلك لأنكم لا تحبون الحق ولا تتبعون ناصحًا، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ وقد ذكر بعض المفسرين: أن كلّ نبي هلكت أُمته كان يذهب فيقيم في الحرم حرم مكة، والله أعلم.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مرّ رسول الله ﷺ بوادي عسفان حين حجّ قال: \"يا أبا بكر أي وادٍ هذا؟ \" قال: هذا وادي عسفان، قال: \"لقد مرّ به هود وصالح ﵉ على بكرات خطمهن (^٣) الليف أزرهم العباء وأرديتهم النِّمار (^٤)، يُلبّون يَحجُّون البيت (^٥) العتيق\".\nهذا حديث غريب من هذا الوجه لم يخرجه أحد منهم.\n\n<span id=\"aya-1034\"></span>﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَ﴾ لقد أرسدنا ﴿وَلُوطًا﴾ أو تقديره ﴿وَ﴾ اذكر ﴿لُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ولوط هو ابن هاران بن آزر وهو: ابن أخي إبراهيم الخليل ﵉، وكان قد آمن مع إبراهيم ﵇ وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل سدوم وما حولها من القرى، يدعوهم إلى الله ﷿ ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها لم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل سدوم عليهم لعائن الله.\nقال عمرو بن دينار في قوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: ما نزا ذكرُ على ذكرٍ حتى كان قوم لوط (^٦).\nوقال الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي باني جامع دمشق: لولا أن الله ﷿ قصّ علينا خبر قوم لوط ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا، ولهذا قال لهم لوط ﵇: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾\n\n<span id=\"aya-1035\"></span>﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ أي: عدلتم عن النساء وما خلق لكم ربكم منهن إلى الرجال، وهذا إسراف منكم وجهل لأنه وضع الشيء في غير محله، ولهذا قال لهم في الآية الأخرى: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] فأرشدهم إلى نسائهم، فاعتذروا إليه بأنهم لا يشتهونهن، ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾\n_________\n(^١) أخرجه ابن إسحاق عن بعض أهل العلم. (سيرة ابن هشام ١/ ٦٣٩ وفتح الباري ٧/ ٣٠٢) وسنده ضعيف.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"وهذا\".\n(^٣) بكرات جمع بكرة: الفتيّة من الإبل، والخُطُم: جمع خطام.\n(^٤) النِّمار: جمع نَمِرة الشملة المخططة، كأنها أخذت من لون النمر.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٩٥ ح ٢٠٦٦)، وضعفه محققوه لضعف زمعة.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن عمرو بن دينار.","vol":"4","page":59},{"text":"[هود] أي: لقد علمت أنه لا أَربَ لنا في النساء (^١) ولا إرادة، وإنك لتعلم مرادنا من أضيافك، وذكر المفسرون أن الرجال كانوا قد استغنى بعضهم ببعض، وكذلك نساؤهم كن قد استغنين بعضهن ببعض أيضًا.\n\n<span id=\"aya-1036\"></span>﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾.\nأي: ما أجابوا لوطًا إلا بأن همّوا بإخراجه ونفيه ومن معه من بين أظهرهم، فأخرجه الله تعالى سالمًا، وأهلكهم في أرضهم صاغرين مهانين.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قال قتادة: عابوهم بغير عيب (^٢).\nوقال مجاهد: إنهم أناس يتطهرون من أدبار الرجال وأدبار النساء (^٣). وروي مثله عن ابن عباس أيضًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-1037\"></span>﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾.\nيقول تعالى: فأنجينا لوطًا وأهله ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات] إلا امرأته فإنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها تمالئهم عليه وتعلمهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم، ولهذا لما أمر لوط ﵇ أن يسري بأهله أمر أن لا يعلمها ولا يخرجها من البلد، ومنهم من يقول: بل اتبعتهم فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم، والأظهر أنها لم تخرج من البلد ولا أعلمها لوط بل بقيت معهم، ولهذا قال ههنا ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين، وقيل من الهالكين وهو تفسير باللازم.\n\n<span id=\"aya-1038\"></span>وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ مفسر بقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود] ولهذا قال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: انظر يا محمد كيف كان عاقبة من يجترئ على معاصي الله ﷿ ويكذب رسله.\nوقد ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن اللائط يلقى من شاهق ويُتبع بالحجارة، كما فُعل بقوم لوط.\nوذهب آخرون من العلماء إلى أنه يُرجم سواء كان محصنًا أو غير محصن، وهو أحد قولي\n_________\n(^١) لا أَرب لنا في النساء: أي لا شهوة لنا في النساء.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بعدة أسانيد عن مجاهد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يسمع ابن عباس، ويشهد له سابقه.","vol":"4","page":60},{"text":"الشافعي ﵀ والحجة ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو بن أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به\" (^١).\nوقال آخرون: هو كالزاني فإن كان محصنًا رُجم، وإن لم يكن محصنًا جُلد مائة جلدة، وهو القول الآخر للشافعي، وأما إتيان النساء في الأدبار فهو اللوطية الصغرى، وهو حرام بإجماع العلماء إلا قولًا شاذًا لبعض السلف، وقد ورد في النهي عنه أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ وقد تقدم الكلام عليها في سورة البقرة (^٢).\n\n<span id=\"aya-1039\"></span>﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾.\nقال محمد بن إسحاق: هم من سلالة مدين بن إبراهيم وشعيب وهو: ابن ميكيل بن يشجر قال: واسمه بالسريانية: يثرون.\n(قلت): مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة وهي التي بقرب معان (^٣) من طريق الحجاز قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وهم أصحاب الأيكة كما سنذكره إن شاء الله وبه الثقة.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ هذه دعوة الرسل كلهم قد جاءتكم بينة من ربكم، أي قد أقام الله الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به، ثم وعظهم في معاملتهم الناس بأن يوفوا المكيال والميزان ولا يبخسوا الناس أشياءهم، أي لا يخونوا الناس في أموالهم ويأخذوها على وجه البخس، وهو نقص المكيال والميزان وتدليسًا كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين] وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد نسأل الله العافية منه، ثم قال تعالى إخبارًا عن شعيب الذي يقال له خطيب الأنبياء لفصاحة عبارته وجزالة موعظته.\n\n<span id=\"aya-1040\"></span>﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾.\nينهاهم شعيب ﵇ عن قطع الطريق الحسّي والمعنوي بقوله: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي: تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم.\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٠٠، وسنن أبي داود، الحدود، باب فيمن عمل قوم لوط (ح ٤٤٦٢)، وسنن الترمذي، الحدود، باب ما جاء في حد اللوطي (ح ١٤٥٦)، وسنن ابن ماجه، الحدود، باب من عمل عمل قوم لوط (ح ٢٥٦١)، وقال الألباني حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٣٧٤٥)، وأخرجه الحاكم من طريق عمرو بن أبي عمرو به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٥٥).\n(^٢) في آية ٢٢٣.\n(^٣) مدينة تقع في جنوب الأردن.","vol":"4","page":61},{"text":"قال السدي وغيره: كانوا عشَّارين (^١).\nوعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي: تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه (^٢).\nوالأول أظهر لأنه قال: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ وهو الطريق، وهذا الثاني هو قوله: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: وتودون أن تكون سبيل الله عوجًا مائلة ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ أي: كنتم مستضعفين لقلتكم فصرتم أعزّة لكثرة عددكم فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من الأمم الخالية والقرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله.\n\n<span id=\"aya-1041\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: قد اختلفتم علي ﴿فَاصْبِرُوا﴾ أي: انتظروا ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ وبينكم أي يفصل ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فإنه سيجعل العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين.\n\n<span id=\"aya-1042\"></span>\n\n<span id=\"aya-1043\"></span>﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾.\nهذا إخبار من الله تعالى عمّا واجهت به الكفار نبيه شعيبًا ومن معه من المؤمنين في توعدهم إياه ومن معه بالنفي عن القرية أو الإكراه على الرجوع في ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه، وهذا خطاب مع الرسول والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملّة.\nوقوله: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ يقول: أو أنتم فاعلون ذلك ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه فإنا إن رجعنا إلى ملتكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه، فقد أعظمنا الفرية على الله في جعل الشركاء معه أندادًا وهذا تعبير منه عن اتباعهم ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ وهذا ردّ إلى المشيئة فإنه يعلم كل شيء وقد أحاط بكل شيء علمًا ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: في أمورنا ما نأتي منها وما نذر ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ أي: خير الحاكمين، فإنك العادل الذي لا يجور أبدًا.\n\n<span id=\"aya-1044\"></span>\n\n<span id=\"aya-1045\"></span>﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)﴾.\nيخبر تعالى عن شدّة كفرهم وتمردهم وعتوهم وما هم فيه من الضلال وما جُبلت عليه قلوبهم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي نحوه.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: بكل سبيل حق.","vol":"4","page":62},{"text":"من المخالفة للحق ولهذا أقسموا وقالوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ فلهذا عقبه بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)﴾ أخبر تعالى هنا أنهم أخذتهم الرجفة، وذلك كما أرجفوا شعيبًا وأصحابه وتوعدهم بالجلاء كما أخبر عنهم في سورة هود فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ [هود] والمناسبة في ذلك - والله أعلم - أنهم لما تهكموا به في قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] فجاءت الصيحة فأسكتتهم، وقال تعالى إخبارًا عنهم في سورة الشعراء: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ [الشعراء] وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية [الشعراء: ١٨٧].\nفأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله ﴿أصابهم عذاب يوم الظلة﴾ وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم فزهقت الأرواح وفاضت النفوس وخمدت الأجسام ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1046\"></span>ثم قال تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها ثم قال تعالى مقابلًا لقيلهم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1047\"></span>﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾.\nأي: فتولى عنهم شعيب ﵇ بعد ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال، وقال مقرّعًا لهم وموبخًا: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: قد أديت إليكم ما أرسلت به فلا آسف عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به فلهذا قال: ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾؟\n\n<span id=\"aya-1048\"></span>\n\n<span id=\"aya-1049\"></span>﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عما اختبر به الأمم الماضية الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء، يعني بالبأساء ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام، والضراء ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ أي: يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم.\nوتقدير الكلام أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا فما فعلوا شيئًا من الذي أراد منهم، فقلب عليهم الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ أي: حوّلنا الحالة من شدّة إلى رخاء ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية ومن فقر إلى غنى ليشكروا على ذلك فما فعلوا.","vol":"4","page":63},{"text":"وقوله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي: كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، يقال: عفا الشيء إذا كثر. ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول تعالى: ابتليناهم بهذا وهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا ولا انتهوا بهذا ولا بهذا، بل قالوا: قد مسنا من البأساء والضراء ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر، وإنما هو الدهر تارات وتارات، بل لم يتفطنوا لأمر الله فيهم ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين، وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء ويصبرون على الضرّاء كما ثبت في الصحيحين: \"عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له\" (^١).\nفالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء، ولهذا جاء في الحديث: \"لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيًا من ذنوبه، والمنافق مثله كمثل الحمار لا يدري فيم ربطه أهله ولا فيم أرسلوه\" (^٢) أو كما قال، ولهذا عقب هذه الصفة بقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: أخذناهم بالعقوبة بغتة، أي على بغتة، وعدم شعور منهم أي أخذناهم فجأة كما في الحديث: \"موت الفجأة رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-1050\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾.\nيخبر تعالى عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [يونس] أي: ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس، فإنهم آمنوا وذلك بعدما عاينوا العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾ [الصافات] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾ [سبأ].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أي: آمنت قلوبهم بما جاء به الرسل وصدقت به واتبعوه، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: قطر السماء ونبات الأرض، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: ولكن كذبوا رسلهم فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم فقط من حديث صُهيب ﵁ (الصحيح، الزهد، باب المؤمن أمره كله خير ح ٢٩٩٩).\n(^٢) الشطر الأول فيما يخص المؤمن أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، صفات المنافقين، باب مثل المؤمن كالزرع ح ٢٨٠٩).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂ (المسند ٤١/ ٤٩١ ح ٢٥٠٤٢)، وقال محققوه: إسناده واهٍ، عبيد الله بن الوليد، وهو الوصافي وهو متروك.","vol":"4","page":64},{"text":"<span id=\"aya-1051\"></span>ثم قال تعالى مخوفًا ومحذرًا من مخالفة أوامره والتجرؤ على زواجره: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ أي: الكافرة ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ أي: عذابنا ونكالنا ﴿بَيَاتًا﴾ أي ليلًا ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾\n\n<span id=\"aya-1052\"></span>﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ أي: في حال شغلهم وغفلتهم\n\n<span id=\"aya-1053\"></span>﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ أي: بأسه ونقمته وقدرته عليهم وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ولهذا قال الحسن البصري ﵀: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن.\n\n<span id=\"aya-1054\"></span>﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾\nقال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾: أو لم يتبين لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم (^١)، وكذا قال مجاهد (^٢) وغيره.\nوقال أبو جعفر بن جرير في تفسيرها: يقول تعالى: أو لم يتبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها، فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم وعتَوا [عن أمر ربهم] (^٣) ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ يقول: أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ يقول: ونختم على قلوبهم ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ موعظة ولا تذكيرًا (^٤).\n(قلت) وهكذا قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)﴾ [طه] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾ [السجدة] وقال: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾ [إبراهيم]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾ [مريم] أي: هل ترى لم شخصًا أو تسمع لهم صوتًا؟.\nوقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾ [الأنعام] وقال تعالى بعد ذكره إهلاك عاد: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾ [الأحقاف].\nوقال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) كذا في تفسير الطبري، وفي النُسخ: على ربهم.\n(^٤) ذكره الطبري بلفظه.","vol":"4","page":65},{"text":"نَكِيرِ (٤٥)﴾ [سبأ] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)﴾ [الملك] وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الأنعام] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نقمه بأعدائه وحصول نعمه لأوليائه، ولهذا عقب بقوله وهو أصدق القائلين ورب العالمين.\n\n<span id=\"aya-1055\"></span>﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾.\nلما قصّ تعالى على نبيه ﷺ خبر قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين، وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أي: يا محمد ﴿مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ أي: من أخبارها ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠٠، ١٠١].\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ الباء سببية، أي فيما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم حكاه ابن عطية ﵀ وهو متجه حسن كقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية [الأنعام]، ولهذا قال هنا: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)﴾\n\n<span id=\"aya-1056\"></span>﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ أي: لأكثر الأمم الماضية ﴿مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ أي: ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال. والعهد الذي أخذه هو ما جبلهم عليه وفطرهم عليه وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو فأقروا بذلك وشهدوا على أنفسهم به، وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة لا من عقل ولا شرع، وفي الفطرة السليمة خلاف ذلك، وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن ذلك كما جاء في صحيح مسلم، يقول الله تعالى: \"إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم\" (^١).\nوفي الصحيحين: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه\" (^٢) الحديث.\nوقال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في آخر تفسير آية ٧٩ من سورة الأنعام.\n(^٢) تقدم تخريجه في آخر تفسير آية ٧٩ من سورة الأنعام.","vol":"4","page":66},{"text":"فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء] وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل] إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ فقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب في قوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: كان في علمه تعالى يوم أقروا له بالميثاق (^١)، أي: فما كانوا ليؤمنوا لعلم الله منهم ذلك، وكذا قال الربيع بن أنس (^٢)، واختاره ابن جرير.\nوقال السدي: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرهًا (^٣).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾: هذا كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] (^٤).\n\n<span id=\"aya-1057\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾.\nيقول تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: الرسل المتقدم ذكرهم كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء الله أجمعين ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ أي: بحججنا ودلائلنا البينة إلى فرعون، وهو ملك مصر في زمن موسى ﴿وَمَلَئِهِ﴾ أي: قومه ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: جحدوا وكفروا بها ظلمًا منهم وعنادًا، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل] أي: الذين صدّوا عن سبيل الله وكذبوا رسله، أي انظر كيف فعلنا بهم أغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه وأشفى لقلوب أولياء الله موسى وقومه من المؤمنين به.\n\n<span id=\"aya-1058\"></span>﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)﴾.\nيخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون وإلجامه إياه بالحجة وإظهاره الآيات البينات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ أي: أرسلني الذي هو خالق كل شيء وربه ومليكه،\n\n<span id=\"aya-1059\"></span>﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ فقال بعضهم: معناه حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، أي جدير بذلك وحري به.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"4","page":67},{"text":"وقالوا: والباء وعلى يتعاقبان يقال: رميت بالقوس وعلى القوس، وجاء على حال حسنة وبحال حسنة، وقال بعض المفسرين: معناه حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق.\nوقرأ آخرون من أهل المدينة: (حقيق عليّ) (^١) بمعنى واجب وحق علي ذلك أن لا أخبر عنه إلا بما هو حق وصدق، لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلًا على صدقي فيما جئتكم به ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أطلقهم من أسرك وقهرك، ودعهم وعبادة ربك وربهم فإنهم من سلالة نبي كريم إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن\n\n<span id=\"aya-1060\"></span>﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)﴾ أي: قال فرعون: لست بمصدقك فيما قلت ولا بمطيعك فيما طلبت، فإن كانت معك حجة فأظهرها لنراها إن كنت صادقًا فيما ادعيت.\n\n<span id=\"aya-1061\"></span>﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ الحية الذكر (^٢)، وكذا قال السدي والضحاك، وفي حديث \"الفتون\" من رواة يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون أنها قاصدة إليه اقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل (^٣).\nوقال قتادة: تحولت حية عظيمة مثل المدينة (^٤).\nوقال السدي في قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: الثعبان الذكر من الحيات فاتحة فاها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذُعر منها ووثب وأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك، وصاح يا موسى خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى ﵇ فعادت عصًا (^٥)، وروي عن عكرمة عن ابن عباس نحو هذا (^٦).\nوقال وهب بن منبه: لما دخل موسى على فرعون قال له فرعون: أعرفك؟ قال: نعم. قال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]؟ قال: فردّ إليه موسى الذي ردّ، فقال فرعون: خذوه فبادر موسى ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧)﴾ فحملت على الناس فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا قتل بعضهم بعضًا، وقام فرعون منهزمًا حتى دخل البيت (^٧)،\n_________\n(^١) وهي قراءة متواترة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق العباس بن الوليد عن يزيد به.\nوسيأتي حديث الفنون بتمامه في تفسير سورة طه آية ٤٠.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة وفيه: وقال غيره: مثل المدينة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق عكرمة به ويشهد له ما سبق.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والإمام أحمد في الزهد (ص ٧٩) بسند حسن كلهم من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه. وهذه الروايات كلها من الإسرائيليات.","vol":"4","page":68},{"text":"رواه ابن جرير والإمام أحمد، في كتابه الزهد، وابن أبي حاتم، وفيه غرابة في سياقه، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1062\"></span>وقوله: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾ أي: أخرج يده من درعه بعد ما أدخلها فيه فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض، كما قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ الآية [النمل: ١٢]، وقال ابن عباس في حديث الفتون: من غير سوء يعني من غير برص ثم أعادها إلى كمه فعادت إلى لونها الأول (^١)، وكذا قال مجاهد وغير واحد (^٢).\n\n<span id=\"aya-1063\"></span>\n\n<span id=\"aya-1064\"></span>﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾.\nأي: قال الملأ وهم الجمهور والسادة من قوم فرعون موافقين لقول فرعون فيه بعدما رجع إليه روعه واستقر على سرير مملكته بعد ذلك قال للملأ حوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فوافقوا وقالوا كمقالته، وتشاوروا في أمره كيف يصنعون في أمره؟ وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته وظهور كذبه وافترائه؟\nوتخوفوا أن يستميل الناس بسحره فيما يعتقدون فيكون ذلك سببًا لظهوره عليهم وإخراجه إياهم من أرضهم والذي خافوا منه وقعوا فيه كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦]، فلما تشاوروا في شأنه وائتمروا بما فيه اتفق رأيهم على ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله تعالى:\n\n<span id=\"aya-1065\"></span>\n\n<span id=\"aya-1066\"></span>﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾.\nقال ابن عباس: ﴿أَرْجِهْ﴾ أخره (^٣).\nوقال قتادة: احبسه (^٤) ﴿وَأَرْسِلْ﴾ أي: ابعث ﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾ أي: في الأقاليم ومدائن ملكك ﴿حَاشِرِينَ﴾ أي: من يحشر لك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم وقت كان السحر في زمانهم غالبًا كثيرًا ظاهرًا، واعتقد من اعتقد منهم، وأوهم من أوهم منهم أن ما جاء به موسى ﵇ من قبيل ما تشعبذه سحرتهم فلهذا جمعوا له السحرة ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾ [طه] وقال تعالى ههنا:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس كما تقدم في تفسير هذه الآية.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس، ومعناه اللغوي صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"4","page":69},{"text":"<span id=\"aya-1067\"></span>\n\n<span id=\"aya-1068\"></span>﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾.\nيخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسحرة الذين استدعاهم لمعارضة موسى ﵇ إن غلبوا موسى ليثيبنّهم وليعطينّهم عطاء جزيلًا، فوعدهم ومنّاهم أن يعطيهم ما أرادوا ويجعلهم من جلسائه والمقربين عنده فلما توثّقوا من فرعون لعنه الله.\n\n<span id=\"aya-1069\"></span>\n\n<span id=\"aya-1070\"></span>﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾.\nهذه مبارزة من السحرة لموسى ﵇ في قولهم: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ أي: قبلك كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥] فقال لهم موسى ﵇: ألقوا أي أنتم أولًا، قيل الحكمة في هذا والله أعلم ليرى الناس صنيعهم ويتأملوا، فإذا فرغوا من بهرجهم ومحالهم جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطلب له والانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس وكذا كان ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي: خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوا له حقيقة في الخارج ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه].\nقال سفيان بن عيينة: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ألقوا حبالًا غلاظًا وخشبًا طوالًا، قال فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (^١).\nوقال محمد بن إسحاق: صفّ خمسة عشر ألف ساحر، مع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى ﵇ معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف أهل مملكته ثم قال السحرة: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ [طه] فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعدُ. ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي، فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضًا (^٢).\nوقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل وليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ يقول: فَرَّقوهم (^٣)؛ أي: من الفرق.\nوقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن عيينة به.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة عن ابن إسحاق.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"4","page":70},{"text":"عصا حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (^١). ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-1071\"></span>\n\n<span id=\"aya-1072\"></span>\n\n<span id=\"aya-1073\"></span>\n\n<span id=\"aya-1074\"></span>\n\n<span id=\"aya-1075\"></span>\n\n<span id=\"aya-1076\"></span>﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾.\nيخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى ﵇ في ذلك الموقف العظيم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل يأمره بأن يلقي ما في يمينه وهي عصاه ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ أي: تأكل ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: ما يلقونه ويوهمون أنه حق وهو باطل.\nقال ابن عباس: فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا شيء من السماء ليس هذا بسحر، فخروا سجَّدًا وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق: جعلت تتبع تلك الحبال والعصي واحدة واحدة حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت ووقع السحرة سجدًا قالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون لو كان هذا ساحرًا ما غلبنا (^٣).\nوقال القاسم بن أبي بزة: أوحى الله إليه أن ألق عصاك فألقي عصاه فإذا هي ثعبان مبين فاغر فاه يبتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجدًا، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما (^٤).\n\n<span id=\"aya-1077\"></span>\n\n<span id=\"aya-1078\"></span>﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾.\nيخبر تعالى عما توعد به فرعون لعنه الله السحرة لما آمنوا بموسى ﵇ وما أظهره للناس من كيده ومكره في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: إن غلبته لكم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور منكم ورضًا منكم لذلك كقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧٠] وهو يعلم وكل من له لبّ أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل، فإن موسى ﵇ بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاملة سلطنته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر ممن اختار هو والملأ من قومه، وأحضرهم عنده ووعدهم بالعطاء الجزيل، ولهذا قد كانوا من أحرص الناس على ذلك وعلى الظهور في مقامهم ذلك والتقدم عند فرعون. وموسى ﵇ لا يعرف أحدًا منهم ولا رآه ولا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وكل هذه الروايات من أهل الكتاب.\n(^٢) أخرجه الطبري بالإسناد المتقدم عن سفيان بن عيينة إلى ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق سلمة عن ابن إسحاق.\n(^٤) أخرجه الطبري بالسند الحسن السابق عن القاسم بن أبي بزة.","vol":"4","page":71},{"text":"اجتمع به وفرعون يعلم ذلك وإنما قال هذا تسترًا وتدليسًا على رعاع دولته وجهلتهم كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] فإن قومًا صدقوه في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ من أجهل خلق الله وأضلهم.\nوقال السدي في تفسيره بإسناده المشهور عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قال: التقى موسى ﵇ وأمير السحرة فقال له موسى أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق. قال الساحر: لآتين غدًا بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأومننّ بك ولأشهدنّ أنك حق - وفرعون ينظر إليهما -. قالوا: فلهذا قال ما قال (^١).\nوقوله: ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: تجتمعوا أنتم وهو وتكون لكم دولة وصولة وتخرجوا منها الأكابر والرؤساء وتكون الدولة والتصرف لكم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما أصنع بكم ثم فسر هذا الوعيد بقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني: يقطع يد الرجل اليمنى ورجله اليسرى أو بالعكس ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على الجذوع.\nقال ابن عباس: وكان أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون (^٢).\n\n<span id=\"aya-1079\"></span>\n\n<span id=\"aya-1080\"></span>وقول السحرة: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي: قد تحققنا أنا إليه راجعون وعذابه أشد من عذابك ونكاله على ما تدعونا إليه اليوم وما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك فلنصبرنّ اليوم على عذابك لنخلص عن عذاب الله ولهذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: عمنا بالصبر على دينك والثبات عليه ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي: متابعين لنبيك موسى ﵇ -وقالوا لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه] فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة.\nقال ابن عباس وعبيد بن عمير وقتادة وابن جريج: كانوا في أول النهار سحرة وفي آخره شهداء (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق السدي به، وسنده ضعيف لأن السدي خلط بين الأسانيد الضعيف منها والصحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، وأخرجه الطبري من هذا الطريق إلى ابن عباس، ولكن في سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق السدي عن ابن عباس، والسدي لم يسمع ابن عباس، وقول عبيد بن عمير أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال. وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحسين، وهو ابن داود، عن حجاج عن ابن جريج ورواه عن مجاهد.","vol":"4","page":72},{"text":"<span id=\"aya-1081\"></span>﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾.\nيخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه، وما أضمروه لموسى ﵇ وقومه من الأذى والبغضة ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: لفرعون ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ﴾ أي: أتدعهم ليفسدوا في الأرض أي يفسدوا أهل رعيتك ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك. يا لله العجب صار هؤلاء يشفقون من إفساد موسى وقومه! ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون ولكن لا يشعرون ولهذا قالوا: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ قال بعضهم: الواو هاهنا حالية. أي: أتذره وقومه يفسدون في الأرض وقد ترك عبادتك؟ وقرأ ذلك أُبي بن كعب: (وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك) حكاه ابن جرير (^١).\nوقال آخرون: هي عاطفة أي أتدعهم يصنعون من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى ترك آلهتك، وقرأ بعضهم (إلاهتك) أي: عبادتك وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وغيره (^٢). وعلى القراءة الأولى قال بعضهم: كان لفرعون إله يعبده.\nقال الحسن البصري: كان لفرعون إله يعبده في السر (^٣). وقال في رواية أخرى كان له جمانة في عنقه معلقة يسجد لها (^٤).\nوقال السدي في قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وآلهته فيما زعم ابن عباس كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم فرعون أن يعبدوها فلذلك أخرج لهم السامري عجلًا جسدًا له خوار (^٥). فأجابهم فرعون فيما سألوه بقوله سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم، وهذا أمر ثان بهذا الصنيع، وقد كان نكّل بهم قبل ولادة موسى ﵇ حذرًا من وجوده، فكان خلاف ما رامه وضد ما قصده فرعون. وهكذا عومل في صنيعه أيضًا لما أراد إذلال بني إسرائيل وقهرهم فجاء الأمر على خلاف ما أراد: أعزهم الله وأذله وأرغم أنفه وأغرقه وجنوده.\n\n<span id=\"aya-1082\"></span>ولما صمّم فرعون على ما ذكره من المساءة لبني إسرائيل: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ ووعدهم بالعاقبة وأن الدار ستصير لهم في قوله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾\n\n<span id=\"aya-1083\"></span>﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ أي: قد فعلوا بنا مثل ما رأيت من الهوان والإذلال من قبل ما جئت يا موسى ومن بعد ذلك، فقال منبهًا لهم على حالهم الحاضر وما يصيرون إليه في ثاني الحال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند منقطع من طريق هارون عن أُبي، وبين هارون وأُبي مفاوز. وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح، وهذه الرواية قرينه على أن الواسطة بين ابن أبي طلحة وابن عباس هو مجاهد. والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من ثلاثة طرق يقوي بعضها بعضًا.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الحسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن السدي لأن السدي لم يسمع ابن عباس.","vol":"4","page":73},{"text":"الآية، وهذا تخصيص لهم على العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال النقم.\n\n<span id=\"aya-1084\"></span>﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: اختبرناهم وامتحنّاهم وابتليناهم ﴿بِالسِّنِينَ﴾ وهي سني الجوع بسبب قلة الزروع ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾.\nقال مجاهد، وهو دون ذلك (^١).\nوقال أبو إسحاق، عن رجاء بن حيوة: كانت النخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة (^٢).\n﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾\n\n<span id=\"aya-1085\"></span>﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أي: من الخصب والرزق ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي: هذا لنا بما نستحقه ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: جدب وقحط ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: هذا بسببهم وما جاؤوا به ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يقول: مصائبهم عند الله قال الله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٣).\nوقال ابن جريج، عن ابن عباس قال: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: إلا من قِبل الله (^٤).\n\n<span id=\"aya-1086\"></span>﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾.\nهذا إخبار من الله ﷿ عن تمرد قوم فرعون وعتوهم وعنادهم للحق وإصرارهم على الباطل في قولهم: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يقولون: أي آية جئتنا بها ودلالة وحجة أقمتها رددناها، فلا نقبلها منك ولا نؤمن بك ولا بما جئت به\n\n<span id=\"aya-1087\"></span>\n\n<span id=\"aya-1088\"></span>\n\n<span id=\"aya-1089\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ اختلفا في معناه:\nفعن ابن عباس - في رواية -: كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار، وبه قال الضحاك بن مزاحم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بدون كلمة: \"وهو\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شيبان بن عبد الرحمن النحوي عن أبي إسحاق، وهو السبيعي، به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن جريج به، وابن جريج لم يسمع ابن عباس.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وقول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند ضعيف من طريق الضحاك عنه، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.","vol":"4","page":74},{"text":"وعن ابن عباس في رواية أخرى هو كثرة الموت وكذا قال عطاء (^١).\nوقال مجاهد: الطوفان الماء والطاعون على كل حال (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن هشام الرفاعي، حدثنا [يحيى بن يمان] (^٣) حدثنا المنهال بن خليفة، عن الحجاج، عن الحكم بن ميناء، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الطوفان الموت\" (^٤). وكذا رواه ابن مردويه من حديث يحيى بن يمان به (^٥)، وهو حديث غريب.\nوقال ابن عباس في رواية أخرى: هو أمر من الله طاف بهم ثم قرأ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ [القلم] (^٦).\nوأما الجراد فمعروف مشهور وهو مأكول لما ثبت في الصحيحين عن أبي يعفور قال سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الجراد فقال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد (^٧).\nوروى الشافعي وأحمد بن حنبل وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"أُحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد والكبد والطحال\" ورواه أبو القاسم البغوي عن داود بن رشيد، عن سويد بن عبد العزيز، عن أبي تمام الأيلي، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعًا مثله (^٨).\nوروى أبو داود عن محمد بن الفرج، عن محمد بن زبرقان الأهوازي، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: سئل رسول الله ﷺ عن الجراد فقال: \"أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه\" (^٩).\nوإنما تركه ﵇ لأنه كان يعافه كما عافت نفسه الشريفة أكل الضب وأذن فيه.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في جزء جمعه في الجراد من حديث أبي سعيد الحسن بن علي العدوي، حدثنا نصر بن يحيى بن سعيد، حدثنا يحيى بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ لا يأكل الجراد ولا الكلوتين ولا الضبّ من غير أن يحرمها. أما الجراد فرجز وعذاب، وأما الكلوتان فلقربهما من البول، وأما الضبّ فقال: \"أتخوف أن يكون مسخًا\" (^١٠) ثم قال: غريب لم أكتبه إلا من هذا الوجه.\n_________\n(^١) قول عطاء: الموت. أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن جريج عن عطاء.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وصحفت في الأصل إلى: \"يحيى بن ثمان\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف المنهال.\n(^٥) وسنده ضعيف أيضًا بسبب ضعف المنهال.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق قابوس عن ابن عباس.\n(^٧) صحيح البخاري، الذبائح والصيد، باب أكل الجراد (ح ٥٤٩٥) وصحيح مسلم، الصيد والذبائح، باب إباحة الجراد (ح ١٩٥٢).\n(^٨) تقدم تخريجه وصحته موقوفًا في بداية تفسير آية ٣ من سورة المائدة.\n(^٩) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأطعمة، باب في أكل الجراد ح ٢٨١٣)، وسنده ضعيف لأن محمد بن الزبرقان وهو صدوق ربما وهم ولم يتابع، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ١٥٣٣).\n(^١٠) سنده ضعيف لأن يحيى بن خالد مجهول وروى مناكير (لسان الميزان ٦/ ٢٥١).","vol":"4","page":75},{"text":"وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يشتهيه ويحبه، فروى عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أن عمر سئل عن الجراد فقال: ليت أن عندنا منه قفعة (^١) أو قفعتين نأكله (^٢).\nوروى ابن ماجه: حدثنا أحمد بن منيع، عن سفيان بن عيينة، عن أبي سعد سعيد بن المرزبان البقال سمع أنس بن مالك يقول: كان أزواج النبي ﷺ يتهادين الجراد على الأطباق (^٣).\nوقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا بقية بن الوليد، عن يحيى بن يزيد القيني، حدثني أبي، عن صدي بن عجلان، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن مريم بنت عمران ﵍ سألت ربها ﷿ أن يطعمها لحمًا لا دم له فأطعمها الجراد فقالت: اللهم أعشه بغير رضاع وتابع بينه بغير شياع\" وقال نمير: الشياع الصوت (^٤).\nوقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا أبو تقي هشام بن عبد الملك اليزني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي زهير النميري قال: قال رسول الله ﷺ: \" [لا تقاتلوا] (^٥) الجراد فإنه جند الله الأعظم\" (^٦) غريب جدًا.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ﴾ قال: كانت تأكل مسامير أبوابهم وتدع الخشب (^٧).\nوروى ابن عساكر من حديث علي بن زيد الخرائطي، عن محمد بن كثير: سمعت الأوزاعي يقول: خرجت إلى الصحراء فإذا أنا برِجْل من جراد (^٨) في السماء فإذا برجل راكب على جرادة منها، وهو شاك في الحديد، وكلما قال بيده هكذا مال الجراد مع يده وهو يقول: الدنيا باطل باطل ما فيها الدنيا باطل باطل ما فيها الدنيا باطل باطل ما فيها.\nوروى الحافظ أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد، حدثنا أحمد بن عبد الرحيم، أخبرنا وكيع، عن الأعمش، أنبأنا عامر قال: سئل شريح القاضي عن الجراد فقال: قبَّح الله الجرادة فيها خلقة سبعة جبابرة، رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجل جمل، وذنبها ذنب حية، وبطنها بطن عقرب.\n_________\n(^١) القفعة: شبيه الزنبيل من الخوص ليس له عرى وليس بالكبير (النهاية ٤/ ٩١).\n(^٢) ذكره ابن الأثير بنحوه عن عمر ﵁ (النهاية ٤/ ٩١).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الصيد، باب صيد الحيتان والجراد ح ٣٢٢٠)، وسنده ضعيف لضعف سعيد بن المرزبان.\n(^٤) سنده ضعيف لجهالة نمير بن يزيد القيني (التقريب ص ٥٦٦)، وبقية مدلس ولم يصرح بالتحديث.\n(^٥) كذا في (حم) والتخريج، وفي الأصل صحفت إلى: \"لا تقابلوا\".\n(^٦) أخرجه الطبراني من طريق إسماعيل بن عياش به (المعجم الكبير ٢٢/ ٢٩٧)، وكذا أبو الشيخ في العظمة (ح ١٢٩٣)، وسنده ضعيف لأن ضمضم بن زرعة وهو صدوق يهم (التقريب ص ٢٨٠)، ولم يتابع ومتنه فيه نكارة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أي الجراد والكثير (النهاية ٢/ ٢٠٣).","vol":"4","page":76},{"text":"وقدمنا عند قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] حديث حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة فاستقبلنا رجل جراد فجعلنا نضربه بالعصى ونحن مُحرِمون، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: \"لا بأس بصيد البحر\" (^١).\nوروى ابن ماجه عن هارون الحمال، عن هشام بن القاسم، عن زياد بن عبد الله بن علاثة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أنس وجابر، عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا دعا على الجراد قال: \"اللهم أهلك كباره واقتل صغاره وأفسد بيضه واقطع دابره وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء\" فقال له جابر: يا رسول الله أتدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: \"إنما هو نثرة حوت في البحر\" قال هشام أخبرني زياد أنه أخبره من رآه ينثره الحوت (^٢).\nقال من حقق ذلك: إن السمك إذا باض في ساحل البحر فنضب الماء عنه وبدا للشمس أنه يفقس كله جرادًا طيارًا.\nوقدمنا عند قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] حديث عمر ﵁: إن الله خلق ألف أمة ستمائة في البحر وأربعمائة في البر، وإن أولها هلاكًا الجراد (^٣).\nوقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا يزيد بن المبارك، حدثنا عبد الرحمن بن قيس، حدثنا [سلم] بن سالم (^٤)، حدثنا أبو المغيرة الجوزجاني محمد بن مالك، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا وباء مع السيف ولا نجاء مع الجراد\" (^٥). حديث غريب.\nوأما القُمَّل فعن ابن عباس هو: السوس الذي يخرج من الحنطة (^٦)، وعنه أنه الدّبي وهو الجراد الصغير الذي لا أجنحة له (^٧).\nوبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة، وعن الحسن وسعيد بن جبير: القُمَّل دواب سود صغار (^٨).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: القُمَّل: البراغيث (^٩).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٩٦.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه، وفي آخره: قال هشام: قال زياد: فحدثني من رأى الحوت ينثره (السنن، الصيد، باب صيد الحيتان والجراد ح ٣٢٢١)، ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٤)، وضعفه البوصيري بسبب موسى بن محمد بن إبراهيم (مصباح الزجاجة ٣/ ٦٥)، وضعفه الحافظ ابن حجر (الفتح ١/ ٦٢١).\n(^٣) تقدم تخريجه وتضعيفه في سورة الأنعام آية ٣٨.\n(^٤) كذا في (حم) وفي ترجمته، وفي الأصل صحفت إلى: \"سالم بن سالم\".\n(^٥) سنده ضعيف لأن سلم بن سالم قال الخليلي: أجمعوا على ضعفه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس.\n(^٨) قول مجاهد وقتادة وأسباط أخرجه بأسانيد ثابتة عنهم.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.","vol":"4","page":77},{"text":"وقال ابن جرير: القُمَّل جمع واحدتها قملة وهي دابة تشبه القمل تأكلها الإبل فيما بلغني وهي التي عناها [الأعشى] (^١) بقوله:\nقوم يعالج قملًا أبناؤهم … وسلاسلًا أجدى وبابًا مؤصدا\nقال: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة، يزعم أن القمل عند العرب الحمنان واحدتها حمنانة وهي صغار القردان فوق القمقامة (^٢).\nوقال أبو جعفر ابن جرير: حدثنا ابن حميد الرازي، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: لما أتى موسى ﵇ فرعون قال له: أرسل معي بني إسرائيل فلم يرسلهم فأرسل الله عليهم الطوفان وهو المطر، فصبّ عليهم منه شيئًا خافوا أن يكون عذابًا فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم في تلك السنة شيئًا لم ينبته قبل ذلك من الزروع والثمار والكلأ فقالوا: هذا ما كنا نتمنى فأرسل الله عليهم الجراد فسلّطه على الكلأ، فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك فيكشف عنا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم الجراد فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فداسوا وأحرزوا في البيوت، فقالوا: قد أحرزنا فأرسل الله عليهم القمل وهو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل يخرج عشرة أجربة (^٣) إلى الرحى فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفزة، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع فقال لفرعون: ما تلقى أنت وقومك من هذا فقال: وما عسى أن يكون كيد هذا فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع ويهمّ أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا، وأرسل الله عليهم الدم فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار وما كان في أوعيتهم وجدوه دمًا عَبِطًا (^٤). فكشفوا إلى فرعون فقالوا: إنا ابتلينا بالدم وليس لنا شراب فقال: إنه قد سحركم، فقالوا من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئًا من الماء إلا وجدناه دمًا عبيطًا؟ فأتوه وقالوا يا موسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل (^٥).\nوقد روي نحو هذا عن ابن عباس والسدي وقتادة وغير واحد من علماء السلف أنه أخبر بذلك.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀: فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوبًا\n_________\n(^١) كذا في \"حم\" و\"مح\"، وفي الأصل صحف إلى \"الأعمش\".\n(^٢) ذكره الطبري بلفظه مع تقديم وتأخير وأطول.\n(^٣) أجربة: جمع جراب وهو مكيال يزن الواحد منه ثلاثة أقفزة (الأساس باب ج ر ب).\n(^٤) أي الدم الطري.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وقد توبع فأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جرير عن يعقوب القمي به مقطعًا.","vol":"4","page":78},{"text":"مغلولًا ثم أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليه الآيات فأخذه بالسنين وأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم، آيات مفصلات، فأرسل الطوفان وهو الماء ففاض على وجه الأرض، ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا ولا أن يعملوا شيئًا حتى جهدوا جوعًا فلما بلغهم ذلك ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فدعا موسى ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الجراد، فأكل الشجر فيما بلغني حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم القمل، فذُكر لي أن موسى ﵇ أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه فمشى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه بها فانثال (^١) عليهم قملًا حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار، فلما جهدهم قالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الضفادع فملأت البيوت والأطعمة والآنية فلا يكشف أحد ثوبًا ولا طعامًا إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه، فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا فسأل ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دمًا لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون من إناء إلا عاد دمًا عبيطًا (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، أنبأنا النضر، أنبأنا إسرائيل، أنبأنا جابر بن زيد، عن عكرمة، عن عبيد الله بن عمرو قال: لا تقتلوا الضفادع فإنها لما أرسلت على قوم فرعون انطلق ضفدع منها، فوقع في تنور فيه نار يطلب بذلك مرضاة الله فأبدلهنّ الله من هذا أبرد شيء يعلمه من الماء، وجعل نقيقهن التسبيح (^٣)، وروي من طريق عكرمة، عن ابن عباس نحوه (^٤). وقال زيد بن أسلم: يعني بالدم الرعاف (^٥). رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span id=\"aya-1090\"></span>﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾.\nيخبر تعالى أنهم لما عتّوا وتمردوا مع ابتلائه إياهم بالآيات المتواترة واحدة بعد واحدة انتقم منهم بإغراقه إياهم في اليمّ وهو البحر الذي فرقه لموسى، فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم، فلما استكملوا فيه ارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم، وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها،\n\n<span id=\"aya-1091\"></span>وأخبر تعالى أنه أورث القوم الذين كانوا يستضعفون وهم بنو إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ\n_________\n(^١) أي انصب انصبابًا من كل وجه.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يزيد النحوي عن عكرمة به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق زهير بن محمد عن زيد بن أسلم.","vol":"4","page":79},{"text":"وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص] وقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ [الدخان].\nوعن الحسن البصري وقتادة في قوله: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ يعني: الشام (^١).\nوقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ قال مجاهد وابن جرير وهي قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص].\nوقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ أي: وخربنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ يبنون (^٢).\n\n<span id=\"aya-1092\"></span>﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾.\nيخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى ﵇ حين جاوزوا البحر، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا ﴿فَأَتَوْا﴾ أي: فمروا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾.\nقال بعض المفسرين: كانوا من الكنعانيين وقيل: كانوا من لَخم قال ابن جريج: وكانوا يعبدون أصنامًا على صور البقر، فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك فقالوا: ﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (^٣) أي: تجهلون عظمة الله وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل\n\n<span id=\"aya-1093\"></span>﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ أي: هالك ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوروى الإمام أبو جعفر ابن جرير في تفسير هذه الآية من حديث محمد بن إسحاق وعقيل ومعمر كلهم عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله ﷺ إلى حنين قال: وكان للكفار سِدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: \"قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان الديلي، عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قِبل حُنين، فمررنا بسِدرة فقلت يا نبي الله: اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط - وكان الكفار ينوطون سلاحهم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه سفيان الثوري بسند صحيح من طريق فرات القزاز عن الحسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحسين وهو سُنيد ضعيف، عن حجاج عن ابن جريج.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وسنده حسن وقد توبع ابن إسحاق كما سيأتي.","vol":"4","page":80},{"text":"بسدرة ويعكفون حولها -، فقال النبي ﷺ: \"الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، إنكم تركبون سنن من قبلكم\" (^١) أورده ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المُزني، عن أبيه، عن جده مرفوعًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-1094\"></span>\n\n<span id=\"aya-1095\"></span>﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾.\nيُذكّرهم موسى ﵇ بنعمة الله عليهم من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره، وما كانوا فيه من الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العزة والاشتفاء من عدوهم، والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه وغرقه ودماره وقد تقدم تفسيرها في البقرة (^٣).\n\n<span id=\"aya-1096\"></span>﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾.\nيقول تعالى ممتنًّا على بني إسرائيل بما حصل لهم من الهداية بتكليمه موسى ﵇ وإعطائه التوراة وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم، فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة.\nقال المفسرون: فصامها موسى ﵇ وطواها، فلما تمّ الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل بعشر أربعين.\nوقد اختلف المفسرون في هذه العشر ما هي: فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو القعدة والعشر عشر ذي الحجة، قاله مجاهد ومسروق وابن جريج وروي عن ابن عباس وغيره (^٤).\nفعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر، وحصل فيه التكليم لموسى ﵇، وفيه أكمل الله الدين لمحمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فلما تم الميقات وعزم موسى على الذهاب إلى الطور كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] الآية فحينئذٍ استخلف موسى ﵇ على بني إسرائيل أخاه هارون ووصاه بالإصلاح وعدم الإفساد، وهذا تنبيه وتذكير وإلا فهارون ﵇ نبي شريف كريم على الله له وجاهة وجلالة صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٢٣١ ح ٢١٩٠٠) وصحح سنده محققوه.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو به وسنده ضعيف لضعف كثير بن عبد الله (التقريب ص ٤٦٠).\n(^٣) آية ٤٩ - ٥٠.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول مسروق أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف ويتقوى بسابقيه، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف في سنده محبوب بن محرز وهو لين الحديث كما في التقريب، ويتقوى كسابقه.","vol":"4","page":81},{"text":"<span id=\"aya-1097\"></span>﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾.\nيخبر تعالى عن موسى ﵇ أنه لما جاء لميقات الله تعالى وحصل له التكليم من الله تعالى سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾، وقد أشكل حرف لن ههنا على كثير من العلماء لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدلّ به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة. وهذا أضعف الأقوال، لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة كما سنوردها عند قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة].\nوقوله تعالى إخبارًا عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين] وقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا جمعًا بين هذه الآية وبين الدليل القاطع على صحة الرؤيا في الدار الآخرة.\nوقيل: إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام] وقد تقدم ذلك في الأنعام.\nوفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال لموسى ﵇: \"يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده\" ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾.\nقال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي، حدثنا قُرة بن عيسى، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أنس عن النبي ﷺ قال: لما تجلّى ربه للجبل أشار بأصبعه فجعله دكًا. وأرانا أبو إسماعيل بأصبعه السبابة (^١)، هذا الإسناد فيه رجل مبهم لم يسم.\nثم قال: حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن ليث (^٢)، عن أنس أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: هكذا بأصبعه، ووضع النبي ﷺ أصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل (^٣).\nهكذا وقع في هذه الرواية حماد بن سلمة عن ليث عن أنس والمشهور حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس كما قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: \"ووضع الإبهام قريبًا من طرف خنصره\"، قال: \"فساخ الجبل\"، قال حُميد لثابت: يقول هكذا! فرفع ثابت يده فضرب صدر حُميد وقال: يقوله رسول الله ﷺ، ويقوله أنس وأنا أكتمه (^٤)؟\nوهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده، حدثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري، حدثنا حماد بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ الأعمش، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٢١)، والسيوطي في اللآلي (١/ ٣٠).\n(^٢) هكذا في جميع النسخ، والصواب: ثابت كما في نسخ تفسير الطبري المحققة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، من طريق ثابت، وسنده صححه أحمد شاكر وغيره كما سيأتي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق حماد بن سلمة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٠).","vol":"4","page":82},{"text":"سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: قال: \"هكذا\" يعني أنه أخرج طرف الخنصر قال أحمد: أرانا معاذ فقال له حُميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة، وقال: من أنت يا حُميد؟ وما أنت [يا حُميد] (^١)؟ يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ يقول ما تريد إليه؟ (^٢).\nوهكذا رواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق، عن معاذ بن معاذ به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة به. ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد.\nوهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طرق عن حماد بن سلمة به وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\nورواه أبو محمد بن الحسن بن محمد بن علي الخلال، عن محمد بن علي بن سويد، عن أبي القاسم البغوي، عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة فذكره (^٣). وقال: هذا إسناد صحيح لا علّة فيه، وقد رواه داود بن المحبر، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا [وهذا ليس بشيء، لأن داود بن المحبر كذاب. رواه الحافظان أبو القاسم الطبراني وأبو بكر بن مردويه من طريقين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا (^٤) بنحوه وأسنده ابن مردويه من طريق ابن البيلماني، عن أبيه، عن عمر مرفوعًا ولا يصح أيضًا] (^٥).\nوقال السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: ترابًا ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال: مغشيًا عليه (^٦) رواه ابن جرير.\nوقال قتادة: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال: ميتًا (^٧).\nوقال سفيان الثوري: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب معه (^٨).\nوقال سنيد، عن حجاج بن محمد الأعور، عن أبي بكر الهذلي: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ انقعر فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة (^٩)، وجاء في بعض الأخبار أنه ساخ في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة رواه ابن مردويه.\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) ومسند أحمد، وفي الأصل: \"يا أبا حميد\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وفي آخره: فتقول انت: ما تريد إليه؟ (المسند ١٩/ ٢٨١ ح ١٢٢٦٠) وصححه محققوه.\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأعراف (ح ٣٠٧٤ والمستدرك ٢/ ٣٢٠).\n(^٤) طريق سعيد بن أبي عروبة أخرجه ابن أبي عاصم وصححه الألباني (السنة ح ٤٨٢، ٤٨٣).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل سقط وتداخل إذ ورد بلفظ: \"وأسنده ابن مردويه من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مرفوعًا ولا يصح أيضًا\".\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن المبارك عن سفيان.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سُنيد.","vol":"4","page":83},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبة، حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكناني، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن عبد الله، عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: \"لما تجلّى الله للجبال طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، بالمدينة أحد وورقان ورضوى ووقع بمكة حراء وثبير وثور\" (^١) وهذا حديث غريب بل منكر.\nوقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا عثمان بن حصين بن العلاف، عن عروة بن رويم قال: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صمًا ملساء فلما تجلّى الله لموسى على الطور دُكّ، وتفطرت الجبال، فصارت الشقوق والكهوف (^٢).\nوقال الربيع بن أنس: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء ورأى النور، صار مثل دكّ من الدكاك (^٣).\nوقال بعضهم: جعله دكًا أي فتنة.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾: فإنه أكبر منك وأشد خلقًا ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل فدك على أوله، ورأى موسى ما يصنع الجبل فخرّ صعقًا (^٤).\nوقال عكرمة: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: نظر الله إلى الجبل فصار صحراء ترابًا (^٥)، وقد قرأ بهذه القراءة بعض القراء (^٦) واختارها ابن جرير.\nوقد ورد فيها حديث مرفوع رواه ابن مردويه والمعروف أن الصعق هو الغشي هاهنا كما فسره ابن عباس وغيره لا كما فسره قتادة بالموت وإن كان صحيحًا في اللغة كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر] فإن هناك قرينة تدل على الموت كما أن هنا قرينة تدل على الغشي. وهي قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ والإفاقة لا تكون إلا عن غشي ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا وتعظيمًا وإجلالًا أن يراه أحد في الدنيا إلا مات.\nوقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال مجاهد: أن أسألك الرؤية (^٧) ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: من بني إسرائيل (^٨)، واختاره ابن جرير.\n_________\n(^١) حديث موضوع لا أصل له، قاله ابن حبان (المجروحين ١/ ٢١٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه معلقًا، وسنده ضعيف إذ لم يسم شيخه.\n(^٣) أخرجه الطبري سند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق يزيد بن حازم عن عكرمة.\n(^٦) أي قراءة ﴿دَكَّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] وهي قراءة متواترة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن رجل مبهم عن مجاهد.\n(^٨) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"4","page":84},{"text":"وفي رواية أخرى عن ابن عباس: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنه لا يراك أحد (^١). وكذا قال أبو العالية قد كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أول من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة (^٢)، وهذا قول حسن له اتجاه.\nوقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره هاهنا أثرًا طويلًا فيه غرائب وعجائب عن محمد بن إسحاق بن يسار وكأنه تلقاه من الإسرائيليات والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ فيه أبو سعيد وأبو هريرة عن النبي ﷺ، فأما حديث أبي سعيد فأسنده البخاري في صحيحه ههنا فقال: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ قد لُطم وجهه، وقال: يا محمد إن رجلًا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي. قال: \"ادعوه\". فدعوه قال: \"لم لطمت وجهه؟ \" قال: يا رسول الله إني مررت باليهودي فسمعته يقول: \"والذي اصطفى موسى على البشر قال: وعلى محمد؟ قال: فقلت: وعلى محمد، وأخذتني غضبة فلطمته فقال: \"لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبل أم جوزي بصعقة الطور\"؟ (^٣) وقد رواه البخاري في أماكن كثيرة من صحيحه ومسلم في أحاديث الأنبياء، وأبو داود في كتاب السنة من سننه من طرق عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني الأنصاري المدني، عن أبيه، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري به (^٤).\nوأما حديث أبي هريرة فقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: استبّ رجلان رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين. فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فغضب المسلم على اليهودي فلطمه، فأتى اليهودي رسول الله ﷺ فسأله فأخبره فدعاه رسول الله ﷺ فاعترف بذلك، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى ممسك بجانب العرش فلا أدري أكان ممن صعق فافاق قبلي أم كان ممن استثنى الله ﷿\" (^٥). أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به (^٦).\nوقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا ﵀ أن الذي لطم اليهودي في هذه القضية هو أبو\n_________\n(^١) كذا أورده مختصرًا وأخرجه الطبري كاملًا بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"أنا أول من يؤمن أنه لا يراك شيء من خلقك\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا. . .﴾ [الأعراف: ١٤٣] ح ٤٦٣٨).\n(^٤) صحيح مسلم، الفضائل، باب من فضائل موسى (ح ٢٣٧٤)، وسنن أبي داود، السنة، باب في التخيير بين الأنبياء (ح ٤٦٦٨).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٦٤)، وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، مطلع كتاب الخصومات (ح ٢٤١١)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب من فضائل موسى ﵇ (ح ٢٣٧٣).","vol":"4","page":85},{"text":"بكر الصديق ﵁ (^١)، ولكن تقدم في الصحيحين أنه رجل من الأنصار، وهذا هو أصح وأصرح والله أعلم.\nوالكلام في قوله ﵇: \"لا تخيروني على موسى\" كالكلام على قوله: \"لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى\" قيل: من باب التواضع، وقيل: قبل أن يعلم بذلك، وقيل: نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب وقيل: على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي والله أعلم.\nوقوله: \"فإن الناس يصعقون يوم القيامة\" الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة يحصل أمر يصعقون منه والله أعلم به. وقد يكون ذلك إذا جاء الرب ﵎ لفصل القضاء وتجلى للخلائق الملك الدّيان، كما صعق موسى من تجلّي الرب ﵎، ولهذا قال ﵇: \"فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور\"؟.\nوقد روى القاضي عياض في أوائل كتابه \"الشفاء\" بسنده عن محمد بن محمد بن مرزوق، [حدثنا هانئ بن يحيى السلمي (^٢)]، حدثنا الحسن، عن قتادة، عن يحيى بن وثاب، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"لما تجلّى الله لموسى ﵇ كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ\" (^٣) ثم قال: ولا يبعد على هذا أن يختص نبينا بما ذكرناه من هذا الباب بعد الإسراء والحظوة بما رأى من آيات ربه الكبرى (^٤). انتهى ما قاله، وكأنه صحح هذا الحديث، وفي صحته نظر ولا تخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يُعرفون (^٥)، ومثل هذا إنما يقبل من رواية العدل الضابط عن مثله حتى ينتهي إلى منتهاه، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1098\"></span>﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾.\nيذكر تعالى أنه خاطب موسى بأنه اصطفاه على أهل زمانه برسالاته تعالى وبكلامه، ولا شك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب البعث واستدل بأن الذي لطم هو أبو بكر ﵁ (الفتح ٦/ ٤٤٣).\n(^٢) في النُسخ بلفظ قتادة، والصواب ما أُثبت حسب ما ذكره شُراح كتاب \"الشفاء\" إذ صرح به أحمد الشمني مؤلف \"مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء\" ١/ ٦٩ ونقل ذلك ملا علي القاري عن الحلبي (شرح الشفاء ١/ ١٧٢) علمًا أنه ورد في الشفاء بلفظ: \"همام\"، وقد صححه الشُراح المذكورون. ويؤيد هذا رواية الطبراني وتعليقه التالي في التخريج، وترجمته في اللسان كما يلي.\n(^٣) الفرسخ يساوي: ٥،٥٤٤ كيلًا (المقادير في الفقه الإسلامي ص ٧١).\n(^٤) أخرجه القاضي بسنده ومتنه مع الخلاف الموضح في سابقه (شرح الشفاء ١/ ١٧٢) وسنده ضعيف لضعف هانئ بن يحيى السلمي، قال الحافظ: يروي عن الحسن بن أبي جعفر الرازي قال ابن حبان في الثقات: يخطئ (لسان الميزان ٦/ ١٨٧)، وأخرجه الطبراني من طريق هاني ثم قال: لم يروه عن قتادة إلا الحسن بن أبي جعفر تفرد به هاني بن يحيى. (المعجم الصغير ٧٧)، ومزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء ١/ ٦٩ وفي سنده أيضًا الحسن وهو ابن أبي جعفر ضعيف (التقريب ص ١٦٩).\n(^٥) قال هذا الحافظ ابن كثير بسبب الخلل في إيراد السند.","vol":"4","page":86},{"text":"أن محمدًا ﷺ سيد ولد آدم من الأولين والآخرين، ولهذا اختصه الله تعالى بأن جعله خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تستمر شريعته إلى قيام الساعة وأتباعه أكثر من أتباع سائر الأنبياء والمرسلين كلهم، وبعده في الشرف والفضل إبراهيم الخليل ﵇، ثم موسى بن عمران كليم الرحمن ﵇، ولهذا قال الله تعالى له: \"فخذ ما آتيتك\" أي: من الكلام والمناجاة ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: على ذلك ولا تطلب ما لا طاقة لك به، ثم أخبر تعالى أنه كتب له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلًا لكل شيء.\n\n<span id=\"aya-1099\"></span>قيل: كانت الألواح من جوهر وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكامًا مفصلة مبينة للحلال والحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص: ٤٣].\nوقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة والله أعلم، وعلى كل تقدير فكانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منها والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بعزم على الطاعة ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ قال سفيان بن عيينة: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى ﵇ أن يأخذ بأشد ما أمر قومه (^١).\nوقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب.\nقال ابن جرير: وإنما قال: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ كما يقول القائل لمن يخاطبه: سأريك غدًا إلامَ يصير إليه حال من خالف أمري! على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره (^٢)، ثم نقل معنى ذلك عن مجاهد والحسن البصري (^٣).\nوقيل: معناه: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: من أهل الشام وأعطيكم إياها وقيل: منازل قوم فرعون، والأولى أولى، والله أعلم لأن هذا بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر، وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه. والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1100\"></span>﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي ويتكبرون على الناس\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سفيان بن عيينة به.\n(^٢) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك عنه.","vol":"4","page":87},{"text":"بغير حق، أي كما استكبروا بغير حق أذلهم الله بالجهل كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقال بعض السلف: لا ينال العلم حيي ولا مستكبر، وقال آخر: من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذلك الجهل أبدًا.\nوقال سفيان بن عيينة في قوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال: أنزع عنهم فهم القرآن وأصرفهم عن آياتي.\nقال ابن جرير: وهذا يدل على أن هذا الخطاب لهذه الأمة (^١).\nقلت: ليس هذا بلازم لأن ابن عيينة إنما أراد أن هذا مطرد في حق كل أُمة ولا فرق بين أحد وأحد في هذا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس] وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أي: وإن ظهر لهم سبيل الرشد أي طريق النجاة لا يسلكوها، وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال يتخذوه سبيلًا، ثم علّل مصيرهم إلى هذه الحال بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كذبت بها قلوبهم ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي: لا يعلمون شيئًا مما فيها،\n\n<span id=\"aya-1101\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: من فعل منهم ذلك واستمر عليه إلى الممات حبط عمله.\nوقوله: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: إنما نجازيهم بحسب أعمالهم التي أسلفوها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر وكما تَدين تُدان.\n\n<span id=\"aya-1102\"></span>﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾.\nيخبر تعالى عن ضلال من ضلّ من بني إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري، من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم فشكّل لهم منه عجلًا، ثم ألقى فيه القبضة من التراب التي أخذها من أثر فرس جبريل ﵇، فصار عجلًا جسدًا له خوار: والخوار صوت البقر، وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى فأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور، حيث يقول تعالى إخبارًا عن نفسه الكريمة: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ [طه].\nوقد اختلف المفسرون في هذا العجل هل صار لحمًا ودمًا له خوار أو استمر على كونه من ذهب إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر على قولين والله أعلم. ويقال: إنهم لما صوت لهم العجل رقصوا حوله وافتتنوا به وقالوا: هذا إلهكم وإله موسى فنسي قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ\n_________\n(^١) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"4","page":88},{"text":"لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ ينكر تعالى عليهم في ضلالهم بالعجل وذهولهم عن خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه أن عبدوا معه عجلًا جسدًا له خوار لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولكن غطّى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال كما تقدم من رواية الإمام أحمد وأبي داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"حُبكَ الشيء يعمي ويصمّ\" (^١).\n\n<span id=\"aya-1103\"></span>وقوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا على ما فعلوا ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ وقرأ بعضهم: ﴿لئن لم ترحمنا﴾ بالتاء المثناة من فوق (^٢) ﴿رَبُّنَا﴾ منادى ﴿وتغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾ أي: من الهالكين، وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله ﷿.\n\n<span id=\"aya-1104\"></span>\n\n<span id=\"aya-1105\"></span>﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾.\nيخبر تعالى أن موسى ﵇ لما رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أسف قال أبو الدرداء: الأسف أشد الغضب (^٣). ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ يقول: بئس ما صنعتم في عبادة العجل بعد أن ذهبت وتركتكم.\nوقوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يقول: استعجلتم مجيئي إليكم وهو مقدر من الله تعالى.\nوقوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ قيل: كانت الألواح من زُمُردّ، وقيل: من ياقوت، وقيل: من برد، وفي هذا دلالة على ما جاء في الحديث: \"ليس الخبر كالمعاينة\" (^٤) ثم ظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضبًا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفًا وخلفًا.\nوروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولًا غريبًا لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة (^٥)، وقد ردّه ابن عطية وغير واحد من العلماء وهو جدير بالردّ، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة.\nوقوله: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ خوفًا أن يكون قد قصر في نهيهم كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ [طه] وقال\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٩٣.\n(^٢) القراءة بالتاء \"ترحمنا\" متواترة.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق نصر بن علقمة عن أبي الدرداء وأطول. وسنده منقطع لأن نصرًا لم يسمع أبا الدرداء ﵁.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا (المسند ٤/ ٢٦٠ ح ٢٤٤٧)، وصححه محققوه وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢١).\n(^٥) سيأتي بطوله في الآية ١٥٤ من هذه السورة، وهو خبر مردود كما قال الحافظ ابن كثير.","vol":"4","page":89},{"text":"ههنا: ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تسوقني سياقهم وتجعلني معهم وإنما قال: \"ابن أُمِّ\" ليكون أرق وأنجع عنده وإلا فهو شقيقه لأبيه وأُمه، فلما تحقق موسى ﵇ براءة ساحة هارون ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)﴾ [طه] فعند ذلك ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه ﷿ أن قومه فُتنوا بعده فلم يلقِ الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح\" (^١).\n\n<span id=\"aya-1106\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾.\nأما الغضب الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل فهو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة حتى قتل بعضهم بعضًا، كما تقدم في سورة البقرة ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤] وأما الذلّة فأعقبهم ذلك ذلًا وصغارًا في الحياة الدنيا.\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ نائلة لكل من افترى بدعة فإن ذل البدعة ومخالفة الرسالة متصلة من قلبه على كتفيه، كما قال الحسن البصري: إن ذلّ البدعة على أكتافهم، وإن هملجت (^٢) بهم البغلات وطقطقت بهم البراذين.\nوهكذا روى أيوب السختياني عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذه الآية ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فقال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة (^٣).\nوقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل (^٤).\n\n<span id=\"aya-1107\"></span>ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان حتى ولو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق، ولهذا عقب هذه القصة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ﴾ أي: يا محمد يا رسول التوبة ونبي الرحمة ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد تلك الفعلة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن عزرة، عن الحسن العرني، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن ذلك يعني: عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وتقدم نحوه وتصحيحه في الحديث السابق برواية الإمام أحمد.\n(^٢) أي سارت بهم سيرًا حسنًا في سرعة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر وحماد بن زيد عن أيوب به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق محمد بن أبي عمر العدني عن سفيان.","vol":"4","page":90},{"text":"الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها فتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ فتلاها عبد الله عشر مرات فلم يأمرهم بها ولم ينههم عنها (^١).\n\n<span id=\"aya-1108\"></span>﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾.\nيقول تعالى ﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ أي: سكن ﴿عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي: غضبه على قومه ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ أي: التي كان ألقاها من شدة الغضب على عبادتهم العجل غيرة لله وغضبًا له ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يقول كثير من المفسرين: إنها لما ألقاها تكسرت ثم جمعها بعد ذلك، ولهذا قال بعض السلف: فوجد فيها هدى ورحمة، وأما التفصيل فذهب وزعموا أن رضاضها لم يزل موجودًا في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية والله أعلم بصحة هذا، وأما الدليل الواضح على أنها تكسرت حين ألقاها وهي من جوهر الجنة، فقد أخبر تعالى أنه لما أخذها بعد ما ألقاها وجد فيها ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ضمن الرهبة معنى الخضوع، ولهذا عدّاها باللام.\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ قال: ربِّ إني أجد في الألواح أُمة خير أُمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أُمتي. قال: تلك أُمة أحمد. قال: ربِّ إني أجد في الألواح أُمة هم الآخرون السابقون - أي: آخرون في الخلق سابقون في دخول الجنة - ربِّ اجعلهم أُمتي قال: تلك أُمة أحمد. قال: ربِّ إني أجد في الألواح أُمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها وكان من قبلهم يقرؤون كتابهم نظرًا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئًا ولم يعرفوه وإن الله أعطاهم من الحفظ شيئًا لم يعطه أحدًا من الأُمم. قال: ربِّ اجعلهم أُمتي. قال: تلك أُمة أحمد. قال: ربِّ إني أجد في الألواح أُمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلون الأعور الكذاب فاجعلهم أُمتي. قال: تلك أُمة أحمد. قال: ربِّ إني أجد في الألواح أُمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها، وكان من قبلهم من الأُمم إِذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها نارًا فأكلتها وإن رُدّت عليه تركت فتأكلها السباع والطير، وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم قال: ربِّ فاجعلهم أُمتي. قال: تلك أُمة أحمد. قال: ربِّ إِني أجد في الألواح أُمة إِذا همّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كُتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، ربِّ اجعلهم أُمتي. قال: تلك أُمة أحمد. قال: ربِّ إِني أجد في الألواح أُمة هم المشفوعون والمشفوع لهم فاجعلهم أُمتي، قال: تلك أُمة أحمد. قال قتادة فذُكر لنا أن نبي الله موسى ﵇ نبذ الألواح وقال: اللهم [اجعلني] (^٢) من أُمة أحمد (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: \"اجعله\".\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وردّه الحافظ ابن كثير وغيره، وإن هذا الأثر من أخبار أهل الكتاب. وذلك في تفسير الآية ١٥٠ - ١٥١ من هذه السورة الكريمة.","vol":"4","page":91},{"text":"<span id=\"aya-1109\"></span>﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلًا، فاختار سبعين رجلًا، فبرز بهم ليدعوا ربهم، وكان فيما دَعوا الله أن قالوا: اللّهم أعطنا ما لم تعطه أحدًا قبلنا ولا تعطه أحدًا بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ الآية (^١).\nوقال السدي: إن الله أمر موسى أن يأتيه في ثلاثين من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ووعدهم موعدًا ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ على عينيه، ثم ذهب بهم ليعتذروا فلما أتوا ذلك المكان قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ يا موسى ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فإنك قد كلمته فأرناه ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [النساء: ١٥٣] فماتوا فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: ربِّ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق: اختار موسى من بني إِسرائيل سبعين رجلًا الخيِّرُ فالخيِّر، وقال: انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم - فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه - وعلم، فقال له السبعون فيما ذُكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كلّه، دنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا وكان موسى إِذا كلّمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا فسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا: يا موسى (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الرجفة) وهي الصاعقة فاقتلعت أرواحهم فماتوا جميعًا، فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل؟ (^٣).\nوقال سفيان الثوري: حدثني أبو إسحاق، عن عمارة بن عبيد السلولي، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: انطلق موسى وهارون وشبر وشبير فانطلقوا إلى سفح جبل. فنام هارون على سرير فتوفاه الله ﷿، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أين هارون؟ قال: توفاه الله ﷿، قالوا: أنت قتلته حسدتنا على خلقه ولينه أو كلمة نحوها قال: فاختاروا من شئتم قال: فاختاروا سبعين رجلًا قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ فلما انتهوا إليه قالوا: يا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.","vol":"4","page":92},{"text":"هارون من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد ولكن توفاني الله، قالوا: يا موسى لن تُعصى بعد اليوم فأخذتهم الرجفة، قال فجعل موسى يرجع يمينًا وشمالًا وقال: يا ربِّ ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ قال: فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم (^١).\nهذا أثر غريب جدًا وعمارة بن عبيد هذا لا أعرفه، وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق عن رجل من بني سلول عن علي فذكره.\nوقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جريج: إنهم أخذتهم الرجفة لأنهم لم يزايلوا قومهم في عبادتهم العجل ولا نهوهم (^٢)، ويتوجه هذا القول بقول موسى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾.\nوقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس (^٣) وغير واحد من علماء السلف والخلف، ولا معنى له غير ذلك، يقول: إن الأمر إلا أمرك وإن الحكم إلا لك فما شئت كان، تضلّ من تشاء وتهدي من تشاء، ولا هادي لمن أضللت ولا مضلّ لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، فالملك كله لك والحكم كله لك، لك الخلق والأمر.\nوقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ الغفر هو: الستر وترك المؤاخذة بالذنب، والرحمة إذا قُرنت مع الغفر يراد بها أن لا يوقعه في مثله في المستقبل ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ أي: لا يغفر الذنب إلا أنت ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [الأعراف: ١٥٦] هناك الفصل الأول من الدعاء لدفع المحذور وهذا لتحصيل المقصود ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: أوجب لنا وأثبت لنا فيهما حسنة. وقد تقدم تفسير الحسنة في سورة البقرة (^٤).\n﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: تبنا ورجعنا وأنبنا إليك، قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وأبو العالية والضحاك وإبراهيم التيمي والسدي وقتادة (^٥) وغير واحد: وهو كذلك لغة.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله بن يحيى، عن علي قال: إنما سميت اليهود لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (^٦) جابر هو ابن يزيد الجعفي ضعيف.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما من طريق الثوري به، وفي سنده: عمارة بن عبيد السلولي قال ابن أبي حاتم: شيخ مجهول لا يحتج به (الجرح والتعديل ٣/ ٣٦٧ وميزان الاعتدال ٣/ ١٧٧).\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن حيان عن ابن عباس.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: إن هو إلا عذابك، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع وهو سفيان بلفظ: \"إلا بليتك\". ومعناه صحيح، وقول أبي العالية والربيع بن أنس أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية بلفظ ابن عباس.\n(^٤) آية ٢٠١.\n(^٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول سعيد بن جبير ومجاهد والسدي وقتادة أخرجه بأسانيد ثابتة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف جابر بن يزيد الجعفي.","vol":"4","page":93},{"text":"<span id=\"aya-1110\"></span>﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾.\nيقول تعالى مجيبًا لموسى في قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٥] قال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: أفعل ما أشاء وأحكم ما أريد، ولي الحكمة والعدل في كل ذلك سبحانه لا إله إلا هو.\nوقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الآية عظيمة الشمول والعموم، كقوله تعالى إِخبارًا عن حملة العرش ومن حوله، أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجريري، عن أبي عبد الله الجشمي، حدثنا جندب - هو: ابن عبد الله البجلي ﵁، قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها ثم صلّى خلف رسول الله ﷺ، فلما صلّى رسول الله ﷺ أتى راحلته فأطلق عقالها ثم ركبها ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا تشرك في رحمتنا أحدًا، فقال رسول الله ﷺ: \"أتقولون هذا أضلُّ أم بعيره ألم تسمعوا ما قال؟ \" قالوا: بلى، قال: \"لقد حظرت رحمة واسعة، إن الله ﷿ خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها وبهائمها وأخّر عنده تسعًا وتسعين رحمة، أتقولون هو أضلُّ أم بعيره؟ \" (^١) رواه أحمد وأبو داود، عن علي بن نصر، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به (^٢).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان، عن النبي ﷺ قال: \"إن لله ﷿ مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخّر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة (^٣)، تفرد بإِخراجه مسلم، فرواه من حديث سليمان هو: ابن طرخان وداود بن أبي هند، كلاهما عن أبي عثمان واسمه: عبد الرحمن بن مُلّ، عن سلمان هو الفارسي، عن النبي ﷺ (^٤) به\".\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إِن لله مائة رحمة، عنده تسعة وتسعون، وجعل عندكم واحدة تتراحمون بها بين الجن والإنس وبين الخلق، فإذا كان يوم القيامة ضمّها إليه\" (^٥) تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"لله مائة رحمة فقسم منها جزءًا واحدًا بين الخلق، به يتراحم الناس والوحش والطير\" (^٦). ورواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية عن الأعمش (^٧) به.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١/ ٩٩ ح ١٨٧٩٩) وضعف سنده محققوه.\n(^٢) سنن أبي داود، الأدب، باب من ليس له غيبة (ح ٤٨٨٥).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٣٩) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى (ح ٢٧٥٣).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٥٥) وسنده حسن.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٥٥) وسنده صحيح.\n(^٧) سنن ابن ماجه، الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (ح ٤٢٩٤)، قال البوصيري: صحيح رجاله ثقات (مصباح الزجاجة ٣/ ٣١٨).","vol":"4","page":94},{"text":"وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا سعد أبو غيلان الشيباني، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن صِلة بن زفر، عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده ليدخلنّ الجنة الفاجر في دينه الأحمق في معيشته، والذي نفسي بيده ليدخلنّ الجنة الذي قد محشته النار بذنبه، والذي نفسي بيده ليغفرنّ الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إِبليس رجاء أن تصيبه\" (^١). هذا حديث غريب جدًا وسعد هذا لا أعرفه.\nوقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية، يعني فسأوجب حصول رحمتي منّةً مني وإِحسانًا إليهم كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: سأجعلها للمتصفين بهذه الصفات، وهم أمة محمد ﷺ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: الشرك والعظائم من الذنوب.\nقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قيل: زكاة النفوس، وقيل: الأموال ويحتمل أن تكون عامة لهما فإن الآية مكية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون.\n\n<span id=\"aya-1111\"></span>﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾.\n﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ وهذه صفة محمد ﷺ في كتب الأنبياء بشروا أُممهم ببعثه وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم. كما روى الإمام أحمد حدثنا إسماعيل، عن الجريري، عن أبي صخر العُقيلي، حدثني رجل من الأعراب قال: جَلبت جَلُوبة إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ، فلما فرغتُ من بيعي قلت: لألقيَّن هذا الرجل فلأسمعنَّ منه قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشرًا التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها فقال رسول الله ﷺ: \"أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي\"؟ فقال برأسه هكذا أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فقال: \"أقيموا اليهودي عن أخيكم\" ثم تولى كفنه [وجَنَنَه] (^٢) والصلاة عليه (^٣). هذا حديث جيد قوي له شاهد في الصحيح عن أنس.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ١٦٨ ح ٣٠٢٢) وسنده ضعيف جدًا لأن شيخ الطبراني محمد بن عثمان بن أبي شيبة كذبه عبد الله بن الإمام أحمد، واتهمه ابن خراش بالوضع، وقال البرقاني: لم أزل أسمعهم يذكرون أنه مقدوح فيه (لسان الميزان ٥/ ٢٨٠).\n(^٢) في الأصل غير منقوطة، وضبطت حسب مسند الإمام أحمد، ومعنى جَنَنَه: دفنه وستر عليه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٤٧٦ ح ٢٣٤٩٢)، وضعفه محققوه لجهالة أبي صخر العُقيلي. وقواه الحافظ ابن كثير برواية الحاكم التالية، لكنها مشخونة بالغرائب.","vol":"4","page":95},{"text":"وقال الحاكم صاحب المستدرك: أخبرنا محمد بن عبد الله بن إسحاق البغوي، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن إدريس، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أُمامة الباهلي، عن هشام بن العاص الأموي قال: بُعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام فخرجنا حتى قدمنا الغوطة - يعني: غوطة دمشق -، فنزلنا على جَبَلَة بن الأيهم الغساني، فدخلنا عليه فإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسوله نكلمه فقلنا: والله لا نكلمُ رسولًا وإنما بعثنا إلى الملك، فإن أذن لنا كلّمناه وإلا لم نكلّم الرسول، فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك قال: فأذن لنا فقال: تكلّموا، فكلمه هشام بن العاص ودعاه إلى الإسلام، فإذا عليه ثياب سود فقال له هشام: وما هذه التي عليك؟ فقال لبستها وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام. قلنا: ومجلسك هذا والله لنأخذنّه منك ولنأخذنّ ملك الملك الأعظم إن شاء الله، أخبرَنا بذلك نبينا محمد ﷺ قال: لستم بهم بل هم قوم يصومون بالنهار، ويقومون بالليل فكيف صومكم؟ فأخبرناه، فملئ وجهه سوادًا فقال: قوموا. وبعث معنا رسولًا إلى الملك، فخرجنا حتى إذا كنا قريبًا من المدينة قال لنا الذي معنا: إن دوابَّكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال، قلنا: والله لا ندخل إلا عليها فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون ذلك فأمرهم أن ندخل على رواحلنا، فدخلنا عليها متقلدين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفة له، فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا الله والله أكبر، فالله يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى صارت كأنها عِذق تصفقه الرياح، قال: فأرسل إلينا ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم، وأرسل إلينا أن ادخلوا فدخلنا عليه وهو على فراش له وعنده بطارقة من الروم، وكلُّ شيء في مجلسه أحمر، وما حوله حُمرة، وعليه ثياب من الحمرة، فدنونا منه فضحك. فقال: ما عليكم لو حييتموني بتحيّتكم فيما بينكم؟ وإذا عنده رجل فصيح بالعربية كثير الكلام فقلنا: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحلُّ لك وتحيّتك التي تحيا بها لا يحلُّ لنا أن نحيّيك بها. قال: كيف تحيتكم فيما بينكم؟ قلنا: السلام عليكم. قال: فيكف تحيون ملككم؟ قلنا: بها. قال: فكيف يردُّ عليكم؟ قلنا: بها، قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله إلا الله والله أكبر، فلما تكلمنا بها - والله أعلم - لقد انتفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها، قال: فهذه الكلمة التي قلتموها حيث انتفضت الغرفة أكلما قلتموها في بيوتكم انتفضت عليكم غرفكم؟ قلنا: لا، ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك، قال: لوددت أنكم كلّما قلتم انتفض كلُّ شيء عليكم وإني قد خرجت من نصف ملكي قلنا لِمَ؟ قال لأنه كان أيسر لشأنها وأجدر أن لا تكون من أمر النبوة، وأنها تكون من حيل الناس، ثم سألنا عما أراد فأخبرناه، ثم قال كيف صلاتكم وصومكم؟ فأخبرناه، فقال: قوموا فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كثير فأقمنا ثلاثًا، فأرسل إلينا ليلًا فدخلنا عليه فاستعاد قولنا فأعدناه، ثم دعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار عليها أبواب ففتح بيتًا وقفلًا فاستخرج حريرة سوداء فنشرها فإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا آدم ﵇ وإذا هو أكثر الناس شعرًا، ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها صورة بيضاء، وإذا له شعر كشعر القطط أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا نوح ﵇،","vol":"4","page":96},{"text":"ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة سوداء وإذا فيها رجل شديد البياض حسن العينين صلت الجبين طويل الخد أبيض اللحية كأنه يبتسم فقال هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إبراهيم ﵇، ثم فتح بابًا آخر فإذا فيه صورة بيضاء وإذا والله رسول الله ﷺ فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم. هذا محمد رسول الله ﷺ قال: وبكينا قال: والله يعلم أنه قام قائمًا ثم جلس. وقال: والله إنه لهو قلنا: نعم إنه هو كأنك تنظر إليه فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت ولكني عجلته لكم لأنظر ما عندكم، ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة أدماء سحماء وإذا رجل جعد قطط غائر العينين حديد النظر عابس متراكب الأسنان متقلص الشفة كأنه غضبان فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا موسى ﵇ وإلى جنبه صورة تشبهه إلا أنه مدهان الرأس عريض الجبين في عينيه قَبَل فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا هارون بن عمران ﵇، ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل آدم سبط ربعة كأنه غضبان فقال هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا لوط ﵇، ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل أبيض مشرب حمرة أقنى خفيف العارضين حسن الوجه فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسحاق ﵇، ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفته خال فقال هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يعقوب ﵇، ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه أقنى الأنف حسن القامة يعلو وجهه نور يعرف في وجهه الخشوع يضرب إلى الحُمرة قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسماعيل جد نبيكم ﷺ، ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة كصورة آدم كأن وجهه الشمس فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يوسف ﵇، ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل أحمر حَمش الساقين أخفش العينين ضخم البطن رَبَعة مُتقلد سيفًا فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا داود ﵇، ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل ضخم الأليتين طويل الرجلين راكب فرسًا فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان بن داود ﵉، ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء وإذا شاب شديد سواد اللّحية كثير الشعر حسن العينين حسن الوجه فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا عيسى ابن مريم ﵇، قلنا من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء ﵈ لأنا رأينا صورة نبينا ﵇ مثله، فقال: إن آدم ﵇ سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل عليه صورهم، فكانت في خزانة آدم ﵇ عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال، ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي وإني كنت عبدًا لأشركم ملكةً حتى أموت، ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا فلما أتينا أبا بكر الصديق ﵁ فحدثناه بما أرانا وبما قال لنا وما أجازنا، قال فبكى أبو بكر، وقال: مسكين لو أراد الله به خيرًا لفعل ثم قال: أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعت محمد ﷺ عندهم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي عن الحاكم بسنده ومتنه بنحوه (دلائل النبوة ١/ ٣٨٥ - ٣٩٠)، وقال ابن كثير: إسناده لا بأس به. اهـ. لكن في متنه غرائب.","vol":"4","page":97},{"text":"وهكذا أورده الحافظ الكبير البيهقي ﵀ في كتاب دلائل النبوّة عن الحاكم إجازة فذكره وإسناده لا بأس به.\nوقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو فقلت أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة قال أجل والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب] وحرزًا للأميين أنت عبدي ورسولي اسمك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به قلوبًا غلفًا وآذانًا صمًا وأعينًا عميًا، قال عطاء: ثم لقيت كعبًا فسألته عن ذلك فما اختلف حرفًا إلا أن كعبًا قال بلغته: قال قلوبًا غلوفيًا وآذانًا صموميًا وأعينًا عموميًا (^١)، وقد رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن سنان عن فليح، عن هلال بن علي فذكر بإسناده نحوه، وزاد بعد قوله ليس بفظ ولا غليظ: ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح (^٢)، وذكر حديث عبد الله بن عمرو، ثم قال: ويقع في كلام كثير من السلف إطلاق التوراة على كتب أهل الكتاب، وقد ورد في بعض الأحاديث ما يشبه هذا والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا محمد بن إدريس بن عمر - وراق بن الحميدي -، حدثنا محمد بن عمر بن إبراهيم من ولد جبير بن مطعم قال: حدثتني أم عثمان بنت سعيد وهي جدتي، عن أبيها سعيد بن محمد بن جبير، عن أبيه محمد بن جبير، عن أبيه جبير بن مطعم قال: خرجت تاجرًا إلى الشام فلما كنت بأدنى الشام لقيني رجل من أهل الكتاب فقال: هل عندكم رجل تنبأ؟ قلت نعم، قال: هل تعرف صورته إذا رأيتها؟ قلت نعم، فأدخلني بيتًا فيه صور فلم أر صورة النبي ﷺ، فبينا أنا كذلك إذ دخل رجل منهم علينا فقال: فيم أنتم؟ فأخبرناه فذهب بنا إلى منزله فساعة ما دخلت نظرت إلى صورة النبي ﷺ وإذا رجل آخذ بعقب النبي ﷺ قلت: من هذا الرجل القابض على عقبه؟ قال إنه لم يكن نبي إلا كان بعده نبي إلا هذا النبي فإنه لا نبي بعده، وهذا الخليفة بعده وإذا صفة أبي بكر ﵁ (^٣).\nوقال أبو داود: حدثنا [حفص بن عمر] (^٤) أبو عمرو الضرير، حدثنا حماد بن سلمة أن سعيد بن إياس الجريري أخبرهم، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن الأقرع مؤذن عمر بن الخطاب ﵁ قال: بعثني عمر إلى الأسقف فدعوته فقال له عمر: هل تجدني في الكتاب؟ قال\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، والشق الأول أخرجه البخاري كما يلي.\n(^٢) أخرجه البخاري من طريق محمد بن سنان عن فليح به (الصحيح، البيوع، باب كراهية السَّخب في الأسواق ح ٢١٢٥).\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ١٢٥ ح ١٥٣٧)، قال الهيتمي: فيه من لم أعرفهم (المجمع ٨/ ٢٣٣)، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (ح ٨٢٣١)، ثم قال: لا يروي هذا الحديث عن جبير بن مطعم إلا بهذا الإسناد تفرد به محمد بن إدريس وراق الحميدي. وأخرجه البخاري من طريق محمد، كذا غير منسوب، عن محمد بن عمر به مختصرًا (التاريخ الكبير ١/ ١٧٩)، وأخرجه البيهقي من طريق أبي سعيد الرَّبعي عن محمد بن عمر به (دلائل النبوة ١/ ٣٨٤ - ٣٨٥).\n(^٤) في النسخ الخطية باسم: عمر بن حفص والتصويب من سنن أبي داود.","vol":"4","page":98},{"text":"نعم، قال: كيف تجدني؟ قال: أجدك قرنًا، فرفع عمر الدرّة وقال: قرن مه؟ قال: قرن حديد أمير شديد، قال: فكيف تجد الذي بعدي؟ قال: أجد خليفة صالحًا غير أنه يؤثر قرابته، قال عمر يرحم الله عثمان ثلاثًا قال: كيف تجد الذي بعده؟ قال: أجده صدأ حديد، قال فوضع عمر يده على رأسه وقال: يا دَفراه (^١) يا دفراه. قال: يا أمير المؤمنين إنه خليفة صالح ولكنه يستخلف حين يستخلف والسيف مسلول والدم مهراق (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ هذه صفة الرسول ﷺ في الكتب المتقدمة وهكذا كانت حاله ﵊ لا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن شر كما قال عبد الله بن مسعود إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] فارعها سمعك فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه (^٣)، ومن أهم ذلك وأعظمه ما بعثه الله به من الأمر بعبادته وحده لا شريك له والنهي عن عبادة من سواه كما أرسل به جميع الرسل قبله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر - هو: العقدي عبد الملك بن عمرو -، حدثنا سليمان هو - ابن بلال -، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي حميد وأبي أسيد ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه\" (^٤). رواه الإمام أحمد ﵁ بإسناد جيد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي ﵁ قال: إذا سمعتم عن رسول الله ﷺ حديثًا فظنوا به الذي هو أهدى والذي هو أهنى والذي هو أتقى (^٥). ثم رواه عن يحيى بن سعيد، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: إذا حدثتم عن رسول الله ﷺ حديثًا فظنوا به الذي هو أهداه وأهناه وأتقاه (^٦).\nوقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ أي: يحلّ لهم ما كانوا حرّموه على\n_________\n(^١) الدفر: النتن. (سنن أبي داود، السنة، باب في الخلفاء، بعد حديث ٤٦٥٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود من طريق حفص بن عمر به (المصدر السابق) وسنده ضعيف على الرغم من أن رجاله ثقات لأن عبد الله بن شقيق العقيلي فيه نصب (التقريب ص ٣٠٧)، وأخرجه اللالكائي من طريق عبد الله بن شقيق به (شرح أصول الاعتقاد ح ٢٦٥٨).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٠٥.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ٤٥٦ ح ١٦٠٥٨)، وصحح سنده محققوه، وجود سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٨٢ ح ٩٨٥)، وسنده منقطع لأن أبا البختري، واسمه سعيد بن فيروز، لم يسمع عليًا ولكن رواه الإمام أحمد موصولًا من طريق أبي البختري عن أبي عبد الرحمن السُّلمي عن علي ﵁ (المسند ٢/ ٢٨٣ ح ٩٨٧) وصححه محققوه.\n(^٦) المصدر السابق.","vol":"4","page":99},{"text":"أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحام ونحو ذلك مما كانوا ضيقوا به على أنفسهم ويحرّم عليهم الخبائث.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله تعالى (^١).\nقال بعض العلماء: فكل ما أحل الله تعالى من المآكل فهو طيب نافع في البدن والدين وكل ما حرمه فهو خبيث ضار في البدن والدين، وقد تمسك بهذه الآية الكريمة من يرى التحسين والتقبيح العقليين، وأجيب عن ذلك بما لا يتسع هذا الموضع له، وكذا احتج بها من ذهب من العلماء، إلى أن المرجع في حلّ المآكل التي لم ينصّ على تحليلها ولا تحريمها إلى ما استطابته العرب في حال رفاهيتها، وكذا في جانب التحريم إلى ما استخبثته. وفيه كلام طويل أيضًا.\nوقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أنه جاء بالتيسير والسماحة كما ورد الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"بعثت بالحنيفية السمحة\" (^٢).\nوقال ﷺ لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: \"بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا وتطاوعا ولا تختلفا\" (^٣).\nوقال صاحبه أبو برزة الأسلمي: إني صحبت رسول الله ﷺ وشهدت تيسيره (^٤).\nوقد كانت الأمم التي قبلنا في شرائعهم ضيق عليهم، فوسع الله على هذه الأمة أمورها وسهلها لهم ولهذا قال رسول الله ﷺ: \"إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل\" (^٥) وقال: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (^٦) ولهذا قال: أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه: قد فعلت قد فعلت (^٧).\nوقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ أي: عظموه ووقروه، وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: القرآن والوحي الذي جاء به مبلغًا إلى الناس ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسند حسن من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا (المسند ٤١/ ٣٤٩ ح ٢٤٨٥٥).\n(^٣) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة البقرة آية ١٨٥.\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه مطولًا (الصحيح، العمل في الصلاة، باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة ح ١٢١١).\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٨٤.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٦٨.\n(^٧) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس ﵄ صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق (ح ١٢٦).","vol":"4","page":100},{"text":"<span id=\"aya-1112\"></span>﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾.\nيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: جميعكم وهذا من شرفه وعظمته ﷺ أنه خاتم النبيين وأنه مبعوث إلى الناس كافة كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠] والآيات في هذا كثيرة كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلهم.\nقال البخاري ﵀ في تفسير هذه الآية: حدثنا عبد الله، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وموسى بن هارون قالا: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر، حدثني بُسْر بن عبيد الله، حدثني أبو إدريس الخولاني قال: سمعت أبا الدرداء ﵁ يقول؛ كانت بين أبي بكر وعمر ﵄ محاورة فأغضب أبو بكر عمر فانصرف عنه عمر مغضبًا، فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال أبو الدرداء ونحن عنده فقال رسول الله ﷺ: \"أما صاحبكم هذا فقد غامر\" أي: غاضب وحاقد. قال: وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلّم وجلس إلى النبي ﷺ وقصّ على رسول الله ﷺ الخبر. قال أبو الدرداء: فغضب رسول الله ﷺ وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم. فقال رسول الله ﷺ: \"هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر صدقت\" انفرد به البخاري (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا أن رسول الله ﷺ قال: \"أعطيت خمسًا لم يعطهنّ نبي قبلي ولا أقوله فخرًا بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وأعطيت الشفاعة فأخّرتها لأمتي يوم القيامة، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا\" (^٢) إسناد جيد ولم يخرجوه.\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا قُتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا. . .﴾ [الأعراف: ١٥٨] ح ٤٦٤٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٧٢ ح ٢٧٤٣) وحسنه محققوه بالمتابعة، ولهذا جود سنده الحافظ ابن كثير.","vol":"4","page":101},{"text":"وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى انصرف إليهم فقال لهم: \"لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهنّ أحد قبلي أمّا أنا فأرسلت إلى الناس كلِّهم عامّة، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لمُلئ مني رعبًا وأحلّت لي الغنائم أكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا أينما أدركتني الصلاة تمسحّت وصلّيت، وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم، والخامسة هي ما هي قيل لي: سلّ، فإن كل نبي قد سأل، فأخرّت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله\" (^١) إسناد جيد قوي أيضًا ولم يخرجوه. وقال أيضًا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة\" (^٢) وهذا الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس - وهو: سليم بن جبير -، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار\" (^٤) تفرد به أحمد.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُعطيت خمسًا: بُعثت إلى الأحمر والأسود، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونُصرت بالرعب مسيرة شهر، وأُعطيت الشفاعة وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة، وإني قد اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات من أُمتي لم يشرك بالله شيئًا\" (^٥). وهذا أيضًا إسناد صحيح ولم أرهم خرجوه والله أعلم، وله مثله من حديث ابن عمر بسند جيد أيضًا، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين أيضًا من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُعطيت خمسًا لم يطعهنّ أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أُمتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٦٣٩ ح ٧٠٦٨)، وحسن سنده محققوه، وصححه المنذري (الترغيب ٤/ ٤٣٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢/ ٣٠٥ ح ١٩٥٣٦) وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وليس عن أبي موسى الأشعري (الصحيح، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ ح ١٥٣).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٥٠)، وأخرجه مسلم من طريق عمرو عن أبي يونس به (المصدر السابق).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤١٦)، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٦) صحيح البخاري، كتاب التيمم (ح ٣٣٥) وصحيح مسلم، المساجد (ح ٥٢١).","vol":"4","page":102},{"text":"وقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ صفة الله تعالى في قوله ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ أي: الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه الذي بيده الملك والإحياء والإماتة وله الحكم.\nوقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ أخبرهم أنه رسول الله إليهم ثم أمرهم باتباعه والإيمان به ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ أي: الذي وعدتم به وبشرتم به في الكتب المتقدمة فإنه منعوت بذلك في كتبهم، ولهذا قال ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾.\nوقوله: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ أي يصدق قوله عمله، وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ أي اسلكوا طريقه واقتفوا أثره ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي إلى الصراط المستقيم.\n\n<span id=\"aya-1113\"></span>﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل أن منهم طائفة يتبعون الحق ويعدلون به كما قال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ. . .﴾ [آل عمران: ١٩٩] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية [القصص]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية [البقرة: ١٢١] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء].\nوقد ذكر ابن جرير في تفسيرها خبرًا عجيبًا فقال: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطًا تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله ﷿ أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقًا في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هنالك حنفاء مسلمين يستقبلون قبلتنا، قال ابن جريج: قال ابن عباس فذلك قوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ [الإسراء] ووعد الآخرة عيسى ابن مريم قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السَّرب سنة ونصفًا (^١).\nوقال ابن عيينة، عن صدقة أبي الهذيل، عن السدي ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ قال: قوم بينكم وبينهم نهر من شُهْدِ (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف فقد رواه ابن جريج بلاغًا، وفيه أيضًا الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٢) نهر من شُهد: يعني نهر من عسل، قاله الأستاذ أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن عيينة به، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق حامد بن يحيى عن ابن عيينة به بلفظ: =","vol":"4","page":103},{"text":"<span id=\"aya-1114\"></span>\n\n<span id=\"aya-1115\"></span>\n\n<span id=\"aya-1116\"></span>﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾.\nتقدم تفسير هذا كله في سورة البقرة (^١) وهي مدنية وهذا السياق مكي، ونبهنا على الفرق بين هذا السياق وذاك بما أغنى عن إعادته هنا. ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-1117\"></span>﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾.\nهذا السياق هو بسط لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة] يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ أي: واسأل هؤلاء اليهود الذين بحضرتك عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله، ففاجأتهم نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة وحذر هؤلاء من كتمان صفتك التي يجدونها في كتبهم لئلا يحلّ بهم ما حلّ بإخوانهم وسلفهم، وهذه القرية هي: أيلة وهي على شاطئ بحر القلزم (^٢).\nقال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ قال: هي قرية يقال: لها أيلة بين مدين والطور (^٣). وكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي (^٤).\nوقال عبد الله بن كثير القارئ: سمعنا أنها أيلة (^٥). وقيل: هي مدين وهو رواية عن ابن عباس (^٦). وقال ابن زيد: هي قرية يقال لها: مقنا بين مدين وعينونى (^٧) (^٨).\n_________\n= بينكم وبينهم نهر من سهل، قال حامد: سهل نهر من رمل يجري، وكذا نقله السيوطي في الدر المنثور عن ابن أبي حاتم، وفي سنديهما صدقة أبو الهذيل ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح ٢/ ٤٣٣).\n(^١) سورة البقرة: ٦٠، ٦١.\n(^٢) أي البحر الأحمر، وتقع في شماله.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وفيه عنعنة بن إسحاق، وداود ثقة إلا في عكرمة، ولكن معناه صحيح، وتشهد له الآثار التالية.\n(^٤) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف، ويتقوى بسابقه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، وداود ثقة إلا في عكرمة، ولعله بسببه الخلاف عن ابن عباس فتارة يروي أنها أيلة كما سبق، وهنا إنها مدين.\n(^٧) هي قرية من قرى بيت المقدس (معجم البلدان ٣/ ٧٩٥).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.","vol":"4","page":104},{"text":"وقوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ أي: يعتدون فيه ويخالفون أمر الله فيه لهم بالوصاة به إذ ذاك ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾.\nقال الضحاك، عن ابن عباس: أي ظاهرة على الماء (^١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ظاهرة من كل مكان (^٢).\nقال ابن جرير، وقوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أي: نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده وإخفائه عنهم في اليوم الحلال لهم صيده ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ يقول: بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها، وهؤلاء قوم احتالوا على انتهاك محارم الله بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام (^٣).\nوقد قال الفقيه الإمام أبو عبد الله بن بطة ﵀: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل\" (^٤). وهذا إسناد جيد فإن أحمد بن محمد بن مسلم هذا ذكره الخطيب في تاريخه ووثقه، وباقي رجاله مشهورون ثقات، ويصحح الترمذي بمثل هذا الإسناد كثيرًا.\n\n<span id=\"aya-1118\"></span>\n\n<span id=\"aya-1119\"></span>\n\n<span id=\"aya-1120\"></span>﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾.\nيخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت كما تقدم بيانه في سورة البقرة (^٥)، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: لِمَ تنهون هؤلاء وقد عملتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم؟ قالت لهم المنكرة: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ قرأ بعضهم بالرفع كأنه على تقدير هذه معذرةٌ وقرأ آخرون بالنصب (^٦) أي نفعل ذلك ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يقولون: ولعل لهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم.\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: فلما أبى الفاعلون قبول النصيحة ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي ارتكبوا المعصية ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فنصّ على نجاة الناهين\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٤) أخرجه ابن بطة بسنده ومتنه (إبطال الحيل ص ٤٦، ٤٧)، وجود سنده الحافظ ابن كثير، وقد تقدم ذكره في سورة البقرة آية ٦٥ - ٦٦، وحسنه السخاوي في (الفتاوى الحديثية ص ٢٣٦).\n(^٥) آية ٦٥ - ٦٦.\n(^٦) وكلا القرائتين متواترة.","vol":"4","page":105},{"text":"وهلاك الظالمين، وسكت عن الساكتين لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحًا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيمًا فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم هل كانوا من الهالكين أو من الناجين على قولين.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة يقال لها: أيلة، فحرّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها فمضى على ذلك ما شاء الله ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة وقالوا: تأخذونها وقد حرّمها الله عليكم يوم سبتكم، فلم يزدادوا إلا غيًا وعتوًا، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم، فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة: تعلمون أن هؤلاء قوم قد حقّ عليهم العذاب ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وكانوا أشدّ غضبًا لله من الطائفة الأخرى فقالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وكلّ قد كانوا ينهون فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، والذين قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة (^١).\nوروى العوفي عن ابن عباس قريبًا من هذا (^٢).\nوقال حماد بن زيد، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في الآية، قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أم لا؟ قال: فلم أزل به حتى عرَّفته أنهم قد نجوا فكساني حلّة (^٣).\nوقال عبد الرزاق (^٤): أخبرنا ابن جريج، حدثني، رجل، عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يومًا وهو يبكى وإذا المصحف في حجره فأعظمت أن أدنو منه، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداك؟ قال: فقال: هؤلاء الورقات. قال: وإذا هو في سورة الأعراف. قال تعرف أيلة؟ قلت: نعم. قال: فإنه كان بها حيّ من اليهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كدّ ومؤنة شديدة كانت تأتيهم يوم سبتهم شرعًا بيضاء سمانًا كأنها الماخض تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نُهِيتُهم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام، فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة: بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت فكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة المقبلة، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحت واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون: ويلكم، الله، الله، ننهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قال الأيمنون: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به، ويتقوى بسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حماد بن زيد به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ ابن جريج.","vol":"4","page":106},{"text":"أي ينتهون، إن ينتهوا فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم، فمضوا على الخطيئة وقال الأيمنون: فقد فعلتم يا أعداء الله، والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب، ونادوا فلم يجابوا فوضعوا سلمًا وأعلوا سور المدينة رجلًا، فالتفت إليهم، فقال: أي عباد الله، قردة والله تعادى تعاوى لها أذناب قال: ففتحوا فدخلوا عليهم فعرفت القرود أنسابها من الإنس ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: أي نعم ثم قرأ ابن عباس ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ قال: فأرى الذين نهوا قد نجوا ولا أرى الآخرين ذُكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها، قال: قلت: جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم؟ وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ قال: فأمر لي فكسيت ثوبين غليظين (^١). وكذا روى مجاهد عنه (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا يونس أخبرنا أشهب بن عبد العزيز عن مالك قال: زعم ابن رومان أن قوله تعالى: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] قال: كانت تأتيهم يوم السبت فإذا كان المساء ذهبت فلا يرى منها شيء إلى يوم السبت الآخر، فاتخذ لذلك رجل خيطًا ووتدًا فربط حوتًا منها في الماء يوم السبت حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك فجحدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم فإنه جلد حوت وجدناه، فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك، ولا أدري لعله قال ربط حوتين فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه فوجدوا رائحة فجاؤوا فسألوه فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم ففعلوا مثل ما فعل حتى كثر ذلك، وكانت لهم مدينة لها ربض يغلقونها عليهم فأصابهم من المسخ ما أصابهم فغدا عليهم جيرانهم ممن كانوا حولهم يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم فنادوا فلم يجيبوهم، فتسوروا عليهم فإذا هم قردة فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك ويدنو منه ويتمسح به (^٣).\nوقد قدمنا في سورة البقرة (^٤) من الآثار في خبر هذه القرية ما فيه مقنع وكفاية ولله الحمد والمنة.\n(القول الثاني): أن الساكتين كانوا من الهالكين قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ابتدعوا السبت فابتلوا فيه فحرمت عليهم فيه الحيتان فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تر حتى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرعًا فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك ثم إن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق والطبري بنحوه، وسندهما ضعيف لإبهام شيخ ابن جريج، ولبعضه شواهد سابقة ولاحقة، والرواية إسرائيلية.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مختصرًا.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، لكنه من روايات أهل الكتاب.\n(^٤) آية ٦٥ - ٦٦.","vol":"4","page":107},{"text":"رجلًا منهم أخذ حوتًا فخزم أنف ثم ضرب له وتدًا في الساحل وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغد أخذه فشواه فأكله ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نهوه حتى ظهر ذلك في الأسواق ففعل علانية قال: فقالت: طائفة للذين ينهونهم ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ فقالوا: نسخط أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا﴾ إلى قوله: ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال ابن عباس: كانوا ثلاثًا؛ ثلث نهوا، وثلث قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم (^١)، وهذا إسناد جيد عن ابن عباس ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين أولى من القول بهذا لأنه تبين حالهم بعد ذلك. والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فيه دلالة بالمفهوم على أن الذين بقوا نجوا. وبئيس فيه قراءات كثيرة (^٢) ومعناه في قول مجاهد: الشديد (^٣). وفي رواية: أليم (^٤). وقال قتادة: موجع (^٥). والكل متقارب والله أعلم،\nوقوله: ﴿خَاسِئِينَ﴾ أي: ذليلين حقيرين مهانين.\n\n<span id=\"aya-1121\"></span>﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾.\n﴿تَأَذَّنَ﴾ تفعل من الأذان، أي: أعلم قاله مجاهد (^٦)، وقال غيره: أمر، وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة، ولهذا أُتبعت باللام في قوله: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على اليهود ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه واحتيالهم على المحارم، ويقال: إن موسى ﵇ ضرب عليهم الخراج، سبع سنين (^٧)، وقيل ثلاث عشرة سنة، وكان أول من ضرب الخراج ثم كانوا في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين، ثم صاروا إلى قهر النصارى وإذلالهم إياهم وأخذهم منهم الجزية والخراج، ثم جاء الإسلام ومحمد ﷺ فكانوا تحت قهره وذمته يؤدون الخراج والجزية.\nقال العوفي، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: هي المسكنة وأخذ الجزية منهم (^٨).\nوقال علي بن أبي طلحة، عنه: هي الجزية والذي يسومهم سوء العذاب محمد رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم مقطعًا من طريق ابن إسحاق به، وجود سنده الحافظ ابن كثير، ولعله بطرقه المتعددة.\n(^٢) المتواتر منها: بئسٍ، بيْسٍ، بئيسٍ، بيئسٍ.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"أمرَ ربك\".\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن سعيد بن جبير، فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، والرواية من أخبار أهل الكتاب.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويشهد له لاحقه.","vol":"4","page":108},{"text":"وأُمته إلى يوم القيامة (^١). وكذا قال سعيد بن جبير وابن جريج والسدي وقتادة (^٢).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن المسيب قال: يستحب أن تبعث الأنباط في الجزية (^٣). قلت: ثم آخر أمرهم أنهم يخرجون أنصارًا للدجال فيقتلهم المسلمون مع عيسى ابن مريم ﵇، وذلك آخر الزمان وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن عصاه وخالف شرعه ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب وهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة لئلا يحصل اليأس، فيقرن تعالى بين الترغيب والترهيب كثيرًا لتبقى النفوس بين الرجاء والخوف.\n\n<span id=\"aya-1122\"></span>﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾.\nيذكر تعالى أنه فرّقهم في الأرض أممًا أي: طوائف وفرقًا كما قال: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ [الإسراء].\n﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: فيهم الصالح وغير ذلك كقول الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾ [الجن]، ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ﴾ أي: اختبرناهم ﴿بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ أي: بالرخاء والشدة والرغبة والرهبة والعافية والبلاء ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-1123\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ الآية يقول تعالى: فخلف من بعد ذلك الجيل الذين فيهم الصالح والطالح خلف آخر لا خير فيهم وقد ورثوا دراسة الكتاب وهو التوراة.\nوقال مجاهد: هم النصارى (^٤). وقد يكون أعم من ذلك ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ أي: يعتاضون عن بذل الحق ونشره بعرض الحياة الدنيا، ويسوفون أنفسهم ويعدونها بالتوبة، وكلما لاح لهم مثل الأول وقعوا فيه، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ وكما قال سعيد بن جبير: يعملون الذنب ثم يستغفرون الله منه ويعترفون لله فإن عرض ذلك الذنب أخذوه (^٥).\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ قال: لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه حلالًا كان أو حرامًا ويتمنون المغفرة (^٦).\n﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، وقال قتادة في الآية: إي واللهِ لخَلفُ سَوء\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) قول قتادة والسدي أخرجه الطبري بإسنادين ثابتين، وقول سعيد بن جبير وابن جريج أخرجه الطبري بإسنادين ضعيفين، ويتقويان بما سبق.\n(^٣) رجاله ثقات وإسناده صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند حسن من طريق منصور، وهو ابن المعتمر، عن سعيد بن جبير.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"4","page":109},{"text":"﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ بعد أنبيائهم ورسلهم أورثهم الله وعهد إليهم، وقال الله تعالى في آية أخرى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] قال: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ تمنوا على الله أماني و\"غرة\" يغترون بها ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ لا يشغلهم شيء ولا ينهاهم شيء عن ذلك كلما هف لهم شيء من الدنيا أكلوه لا يبالون حلالًا كان أو حرامًا (^١).\nوقال السدي: قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ ما فيه، قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيًا إلا ارتشى في الحكم، وإن خيارهم اجتمعوا، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى، فيقال له: ما شأنك ترتشي في الحكم؟ فيقول سيغفر لي، فتطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي، يقول: وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه (^٢). قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ الآية يقول تعالى منكرًا عليهم في صنيعهم هذا مع ما أخذ عليهم من الميثاق ليبينن الحق للناس ولا يكتمونه كقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران].\nوقال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ قال: فيما يتمنون على الله من غفران ذنبوهم التي لا يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يرغبهم في جزيل ثوابه ويحذرهم من وبيل عقابه، أي وثوابي وما عندي خير لمن اتقى المحارم، وترك هوى نفسه، وأقبل على طاعة ربه ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يقول: أفليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بعرض الدنيا عما عندي عقل يردعهم عما هم فيه من السفه والتبذير؟\n\n<span id=\"aya-1124\"></span>ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد ﷺ كما هو مكتوب فيه فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ أي: اعتصموا به واقتدوا بأوامره، وتركوا زواجره ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1125\"></span>﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ يقول: رفعناه وهو قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤] (^٤).\nوقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم وهو قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به بلفظ: \"خذوا ما آتيناكم بقوة وإلا أرسلته عليكم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان به، وسنده حسن.","vol":"4","page":110},{"text":"وقال القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ثم سار بهم موسى ﵇ إلى الأرض المقدسة وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمر الله أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم وأبوا أن يقروا بها حتى نتق الله الجبل فوقهم ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قال: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم رواه النسائي (^١) بطوله.\nوقال سُنيد بن داود في تفسيره: عن حجاج بن محمد، عن أبي بكر بن عبد الله قال: هذا كتاب أتقبلونه بما فيه، فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم وما أمركم وما نهاكم؟ قالوا: انشر علينا ما فيها فإن كانت فرائضها وحدودها يسيرة قبلناها. قال: اقبلوها بما فيها. قالوا: لا حتى نعلم ما فيها كيف حدودها وفرائضها؟ فراجعوه مرارًا، فأوحى الله إلى الجبل، فانقلع فارتفع في السماء حتى إذا كان بين رؤوسهم وبين السماء قال لهم موسى: ألا ترون ما يقول ربي ﷿ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها لأرمينكم بهذا الجبل قال: فحدثني الحسن البصري قال: لما نظروا إلى الجبل خرّ كل رجل ساجدًا على حاجبه الأيسر ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل فَرقًا (^٢) من أن يسقط عليه، فكذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر. يقولون: هذه السجدة التي رفعت بها العقوبة قال أبو بكر: فلما نشر الألواح فيها كتاب الله كتبه بيده لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز، فليس اليوم يهودي على وجه الأرض صغير ولا كبير تُقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه [أي حوّل كما قال تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أي: يحركونها] (^٣).\n\n<span id=\"aya-1126\"></span>\n\n<span id=\"aya-1127\"></span>\n\n<span id=\"aya-1128\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾.\nيخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية على هذه الملة - فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تولد بهيمة جمعاء هل تحسّون فيها من جدعاء\" (^٤) وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم\" (^٥).\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم والنسائي في طريق القاسم به مطولًا وهو جزء من حديث الفتون (السنن الكبرى، التفسير باب قوله ﷿: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] ح ١١٣٢٦)، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٦٥ - ٦٦).\n(^٢) أي خوفًا.\n(^٣) زيادة من نسخة (عم).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩.\n(^٥) تقدم تخريجه كسابقه.","vol":"4","page":111},{"text":"السري بن يحيى، أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم، عن الأسود بن سريع من بني سعد قال: غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات، قال: فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فاشتد عليه ثم قال: \"ما بال أقوام يتناولون الذرية\". فقال رجل: يا رسول الله أليسوا أبناء المشركين؟ فقال: \"إن خياركم أبناء المشركين ألا أنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها\" قال الحسن: والله لقد قال الله في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية (^١).\nوقد رواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن البصري به، وأخرجه النسائي في سننه من حديث هشيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: حدثني الأسود بن سريع فذكره ولم يذكر قول الحسن البصري واستحضاره الآية عند ذلك (^٢).\nوقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم ﵇ وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وفي بعضها الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"يُقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم. فيقول: قد أردتُ منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك بي\" (^٣) أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به (^٤).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا جرير - يعني: ابن حازم -، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"أخذ الله الميثاق من ظهر آدم (^٥) ﵇ بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها (^٦)، فنثرها بين يديه [كالذرّ] (^٧) ثم كلمهم قِبَلًا (^٨) قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا﴾ إلى قوله: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ (^٩) وقد روى هذا الحديث النسائي في كتاب التفسير من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده منقطع لأن الحسن لم يسمع من الأسود لكنه صرح بالتحديث فأخرجه الإمام أحمد من طريق محمد بن جعفر عن السري بن يحيى به بدون كلام الحسن في آخره، (المسند ٢٦/ ٢٣١ ح ١٦٣٠٣) وضعفه محققوه لانقطاعه رغم تصريح الحسن بالسماع من الأسود، وقد أخرجه البخاري من طريق الحسن البصري مصرحًا بالسماع من الأسود (التاريخ الكبير ١/ ٤٤٥).\n(^٢) المسند ٣/ ٤٣٥، والسنن الكبرى، السير، باب النهي عن قتل ذراري المشركين (ح ٨٦١٦).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٢٧) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (ح ٣٣٣٤)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب طلب الكافر الفداء … (ح ٢٨٠٥).\n(^٥) ظهر آدم أي: ذريته، سُمِّي ظهر لخروجهم منه.\n(^٦) ذرأها: أي خلقها في ظهره وأودعها فيه.\n(^٧) زيادة من المسند، والذرّ: واحدها بذرة، قيل: هي النملة وقيل: غير ذلك.\n(^٨) قِبَلا: أي عيانا ومقابلة.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٦٧ ح ٢٤٥٥)، قال محققوه: رجاله ثقات رجال الشيخين غير كلثوم بن جبر فمن رجال مسلم. اهـ. وكلثوم بن جبر: صدوق يخطئ (التقريب ص ٤٦٢) وأظنه هو الذي =","vol":"4","page":112},{"text":"سننه عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، عن حسين بن محمد المروذي به، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حسين بن محمد به، إلا أن ابن أبي حاتم جعله موقوفًا، وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد وغيره، عن جرير بن حازم، عن كلثوم بن جبر به، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر (^١)، هكذا قال، وقد رواه عبد الوارث، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فوقفه (^٢)، وكذا رواه إسماعيل بن علية ووكيع عن ربيعة بن كلثوم ابن جبر، عن أبيه به (^٣)، وكذا رواه عطاء بن السائب وحبيب بن أبي ثابت وعلي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وكذا رواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٤) فهذا أكثر وأثبت. والله أعلم.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أبي هلال، عن أبي جمرة الضبعي، عن ابن عباس قال: أخرج الله ذرية آدم من ظهره كهيئة الذر وهو في أذى من الماء.\nوقال أيضًا: حدثنا علي بن سهل، حدثنا ضمرة بن ربيعة، حدثنا أبو مسعود، عن جويبر قال: مات ابن الضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام قال: فقال: يا جابر إذا أنت وضعت ابني في لحده فأبرز وجهه وحلّ عنه عقده، فإن ابني مُجْلِس ومسؤول، ففعلت به الذي أمر، فلما فرغت قلت: يرحمك الله عما يسأل ابنك من يسأله إياه؟ قال: يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم قلت: يا أبا القاسم وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم؟ قال: حدثني ابن عباس: إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خلقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وتكفل لهم بالأرزاق ثم أعادهم في صلبه، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذٍ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفّى به نفعه الميثاق الأول، ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يُقرّ به لم ينفعه الميثاق الأول، ومن مات صغيرًا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة (^٥). فهذه الطرق كلها مما تقوي وقف هذا على ابن عباس، والله أعلم.\n(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا عبد الرحمن بن الوليد، حدثنا أحمد بن أبي طيبة، عن سفيان بن سعيد، عن الأجلح، عن الضحاك، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال: أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾؟ قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (^٦). أحمد بن أبي طيبة هذا هو: أبو محمد الجرجاني\n_________\n= رفعه لأن ابن أبي حاتم رواه موقوفًا وكذا الطبري وابن سعد كما سيأتي، فكلثوم تارة يرفعه وتارة يوقفه، وبما أنه صح موقوفًا فله حكم الرفع لأنه من الغيبيات، والحافظ ابن كثير قرر أن الوقف أكثر وأثبت كما سيأتي.\n(^١) ووافقه الذهبي، المستدرك ٢/ ٥٤٤ ووافقه الذهبي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٦٢٣).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الوارث عن كلثوم به.\n(^٣) أخرجه ابن سعد عن ابن علية به (الطبقات الكبرى ١/ ٢٥).\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من هذه الطرق موقوفًا أيضًا.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق جويبر به، وسنده ضعيف لضعف جويبر وأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ويتقوى بسابقه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أحمد بن أبي طيبة فيه مقال كما قرر الحافظ ابن كثير والأصح =","vol":"4","page":113},{"text":"قاضي قومس كان أحد الزهاد أخرج له النسائي في سننه وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه. وقال ابن عدي: حدث بأحاديث كثيرة غرائب وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، وكذا رواه ابن جرير عن منصور به (^١) وهذا أصح والله أعلم.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا روح - هو: ابن عبادة -، حدثنا مالك. وحدثنا إسحاق، حدثنا مالك، عن زيد بن أبي أنيسة، أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره، عن مسلم بن يسار الجهني، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ الآية فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها ففال: \"إن الله خلق آدم ﵇ ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية. قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال رسول الله ﷺ: \"إذا خلق الله العبد للجنة استعمله بأعمال أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بأعمال أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار\" (^٢). وهكذا رواه أبو داود، عن القعنبي والنسائي، عن قتيبة والترمذي في تفسيرهما، عن إسحاق بن موسى، عن معن. وابن أبي حاتم، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب. وابن جرير، عن روح بن عبادة وسعيد بن عبد الحميد بن جعفر، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية أبي مصعب الزبيري كلهم عن الإمام مالك بن أنس به، قال الترمذي: وهذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع عمر كذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة زاد أبو حاتم وبينهما نعيم بن ربيعة (^٣).\nوهذا الذي قاله أبو حاتم رواه أبو داود في سننه، عن محمد بن مصفى، عن بقية، عن عمر بن جعثم القرشي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار الجهني، عن نعيم بن ربيعة قال: كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فذكره (^٤). وقال الحافظ الدارقطني: وقد تابع عمرُ بنَ جعثم يزيدُ بنُ سنان أبو فروة الرهاوي، وقولهما أولى بالصواب\n_________\n= وقفه، فقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن يمان عن سفيان به موقوفًا على عبد الله بن عمرو، ولكن له حكم الرفع كسابقه.\n(^١) الذي في الطبري من طريق يحيى بن سعيد عن سفيان به، وليس عن عبد الرحمن بن مهدي، وقد يكون ذلك في نسخة الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٩٩، ٤٠٠ ح ٣١١)، وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف، مسلم بن يسار الجهني لم يسمع من عمر. اهـ. وهذا التصحيح بالشواهد. وضعف سنده ابن عبد البر ثم قال: ولكن معنى الحديث قد صح عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها (التمهيد ٦/ ٣ - ١٢).\n(^٣) سنن أبي داود، السنة، باب في القدر (ح ٤٧٠٣)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأعراف (ح ٣٠٧٥) والسنن الكبرى للنسائي كتاب التفسير (ح ١١١٩٠) وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٤) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في القدر (ح ٤٧٠٤).","vol":"4","page":114},{"text":"من قول مالك والله أعلم (^١).\nقلت: الظاهر أن الإمام مالكًا إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمدًا لما جهل حال نعيم بن ربيعة ولم يعرفه فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث، ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم، ولهذا يرسل كثيرًا من المرفوعات ويقطع كثيرًا من الموصولات، والله أعلم.\n(حديث آخر) قال الترمذي عند تفسيره هذه الآية: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور ثم عرضهم على آدم فقال: أي ربِّ من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه قال: أي ربِّ من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأُمم من ذريتك يُقال له: داود. قال ربّ وكم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: أي ربِّ وقد وهبت له من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته\". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (^٢). ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين به وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (^٣).\nورواه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه حدث، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: \"ثم عرضهم على آدم فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام فقال آدم: يا ربِّ لم فعلت هذا بذريتي؟ قال: كي تشكر نعمتي. وقال آدم: يا ربّ من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نورًا؟ قال: هؤلاء الأنبياء يا آدم من ذريتك\" ثم ذكر قصة داود كنحو ما تقدم (^٤).\n(حديث آخر) قال عبد الرحمن بن قتادة النصري، عن أبيه، عن هشام بن حكيم ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أتبدأ الأعمال أم قد قضي القضاء؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: \"إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ثم أشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه ثم قال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسّرون لعمل أهل النار\" رواه ابن جرير (^٥) وابن مردويه من طرق عنه.\n_________\n(^١) العلل للدارقطني ٢/ ٢٢١ - ٢٢٣.\n(^٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأعراف (ح ٣٠٧٦) وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٥٩).\n(^٣) ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٥).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن.\n(^٥) أخرجه الطبري من عدة طرق عن عبد الرحمن بن قتادة به وفي سنده اضطراب وقد أفاض الأستاذ أحمد شاكر في ضبط سنده ثم ختم بقوله: وبعد ذلك كله فمعنى الحديث صحيح مروي عن جماعة من الصحابة بأسانيد ليس فيها هذا الاضطراب.","vol":"4","page":115},{"text":"(حديث آخر) روى جعفر بن الزبير - وهو ضعيف -، عن القاسم، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما خلق الله الخلق وقضى القضية أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله، فقال: يا أصحاب اليمين، فقالوا: لبيك وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، قال: يا أصحاب الشمال، قالوا: لبيك وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ثم خلط بينهم فقال قائل له: يا ربّ لِمَ خلطت بينهم؟ قال: لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون أن يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، ثم ردهم في صلب آدم\" رواه ابن مردويه (^١).\n(أثر آخر) قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، قال: فجمعهم له يومئذٍ جميعًا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة، فجعلهم في صورهم ثم استنطقهم، فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ الآية قال: فإني أُشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع، وأُشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا ربّ غيري ولا تشركوا بي شيئًا، وإني سأرسل إليكم رسلًا لينذروكم عهدي وميثاقي وأُنزل عليكم كتبي. قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك، فأقروا له يومئذٍ بالطاعة ورفع أباهم آدم فنظر إليهم، فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك. فقال: يا ربّ لو سويت بين عبادك؟ قال: إني أحببت أن أشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب] وهو الذي يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ومن ذلك قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)﴾ [النجم] ومن ذلك قال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف] (^٢) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم من رواية أبي جعفر الرازي به.\nوروي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف سياقات توافق هذه الأحاديث اكتفينا بإيرادها عن التطويل في تلك الآثار (^٣) كلها وبالله المستعان.\nفهذه الأحاديث دالة على أن الله ﷿ استخرج ذرية آدم من صلبه، وميّز بين أهل الجنة وأهل النار، أما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر، عن سعيد بن\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف جعفر بن الزبير.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي به، وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد من طريق سليمان بن يعقوب الربالي عن الربيع به بنحوه وفيه بعض النكارة (المسند ٣٥/ ١٥٥ ح ٢١٢٣٢) وضعفه محققوه لضعف سليمان. وسند ابن أبي حاتم أقوى وأجود.\n(^٣) وتخريج الأحاديث كذلك يغني عن تخريج تلك الآثار.","vol":"4","page":116},{"text":"جبير، عن ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن عمرو، وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم، ومن ثَم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع وقد فسّر الحسن الآية بذلك قالوا: ولهذا قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ ولم يقل من آدم، ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل من ظهره ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: جعل نسلهم جيلًا بعد جيل وقرنًا بعد قرن كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] [وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]] (^١) وقال: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣].\nثم قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أي: أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالًا وقالًا. والشهادة تارة تكون بالقول كقوله: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٣٠]، وتارة تكون حالًا كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] أي: حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك، وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ [العاديات] كما أن السؤال تارة يكون بالقال وتارة يكون بالحال كما في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤].\nقالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع هذا كما قال من قال لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه، فإن قيل: إخبار الرسول ﷺ به كافٍ في وجوده، فالجواب أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جُعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد ولهذا قال: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: لئلا تقولوا يوم القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ أي: التوحيد ﴿غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ الآية.\n\n<span id=\"aya-1129\"></span>﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾.\nقال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري، عن الأعمش ومنصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ الآية قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن باعوراء (^٢). وكذا رواه شعبة وغير واحد عن منصور به (^٣).\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس: هو صيفي بن الراهب (^٤).\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(عم) و(مح).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن منصور به، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن بشير عن قتادة به، وقتادة لم يسمع ابن عباس وسعيد ضعيف، فسنده ضعيف، ويخالف ما ثبت عن ابن عباس أنه: بلعم.","vol":"4","page":117},{"text":"قال قتادة وقال كعب: كان رجلًا من أهل البلقاء، وكان يعلم الاسم الأكبر، وكان مقيمًا ببيت المقدس مع الجبارين (^١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﵁: هو رجل من أهل اليمن يقال له: بلعم آتاه الله آياته فتركها (^٢).\nوقال مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل وكان مُجاب الدعوة يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي الله موسى ﵇ إلى ملك مدين يدعوه إلى الله فأقطعه وأعطاه فتبع دينه وترك دين موسى ﵇ (^٣).\nوقال سفيان بن عيينة، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء (^٤)، وكذا قال مجاهد وعكرمة (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن مغيرة، عن مجاهد عن ابن عباس قال: هو بلعام. وقالت ثقيف: هو أُمية بن أبي الصلت (^٦).\nوقال شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن نافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ الآية قال: هو صاحبكم أُمية بن أبي الصلت (^٧). وقد روي من غير وجه عنه وهو صحيح إليه وكأنه إنما أراد أن أُمية بن أبي الصلت يشبهه، فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة ولكنه لم ينتفع بعلمه فإنه أدرك زمان رسول الله ﷺ، وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته، وظهرت لكل من له بصيرة ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة قبحه الله.\nوقد جاء في بعض الأحاديث أنه ممن آمن لسانه ولم يؤمن قلبه فإن له أشعارًا ربانية وحكمًا وفصاحة، ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا [ابن أبي عمر] (^٨)، حدثنا سفيان، عن أبي سعيد الأعور، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ قال: هو رجل أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكانت له امرأة له منها ولد فقالت: اجعل لي منها واحدة، قال: فلك واحدة فما الذي تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بقول ابن مسعود وابن عباس ﵃.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار.\n(^٤) سنده حسن، وحصين هو ابن عبد الرحمن الأشهلي.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند ضعيف ويتقوى بما سبق.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي عدي عن شعبة، وسنده حسن، قال الهيتمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (المجمع ٧/ ٢٨)، وصححه الحافظ ابن كثير عن عبد الله بن عمرو ﵄.\n(^٨) كذا في (حم) و(عم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل تصحفت إلى: \"ابن أبي نمر\".","vol":"4","page":118},{"text":"بني إسرائيل، فدعا الله فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئًا آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة فصارت كلبة فذهبت دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس بنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردّها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت، وذهبت الدعوات الثلاث وتسمى البسوس (^١)، غريب.\nوأما المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة فإنما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل كما قال ابن مسعود وغيره من السلف.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعام وكان يعلم اسم الله الأكبر (^٢).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره من علماء السلف: كان مجاب الدعوة ولا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه (^٣).\nوأغرب بل أبعد بل أخطأ من قال: كان قد أوتي النبوة فانسلخ منها، حكاه ابن جرير عن بعضهم ولا يصح.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما نزل موسى بهم يعني بالجبارين ومن معه أتاه - يعني: بلعم - أتاه بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا فادع الله أن يردّ عنا موسى ومن معه، قال: إني إن دعوت الله أن يردّ موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم فسلخه الله ما كان عليه، فذلك قوله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (^٤).\nوقال السدي: لما انقضت الأربعون سنة التي قال الله: ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة: ٢٦] بعث يوشع بن نون نبيًا، فدعا بني إسرائيل فأخبرهم أنه نبي وأن الله أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدقوه، وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعام فكان عالمًا يعلم الاسم الأعظم المكتوم فكفر - لعنه الله - وأتى الجبارين وقال لهم: لا ترهبوا بني إسرائيل فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون وكان عندهم فيما شاء من الدنيا غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء لعظمهن، فكان ينكح أتانًا (^٥) له وهو الذي قال الله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: استحوذ عليه وعلى أمره فمهما أمره امتثل وأطاعه ولهذا قال: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ أي: من الهالكين الحائرين البائرين.\nوقد ورد في معنى هذه الآية حديث رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حيث قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه بنحوه، وسنده ضعيف لضعف أبي سعد البقال الأعور وهو مدلس أيضًا.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) الأتان: أنثى الحمار.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وهذه الرواية أيضًا من الإسرائيليات كسابقاتها.","vol":"4","page":119},{"text":"حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا محمد بن بكر، عن الصلت بن بهرام، حدثنا الحسن، حدثنا جندب البجلي في هذا المسجد أن حذيفة يعني: ابن اليمان ﵁ حدثه قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك\" قال: قلت: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي؟ قال: \"بل الرامي\" (^١).\nهذا إسناد جيد والصلت بن بهرام كان من ثقات الكوفيين ولم يُرمَ بشيء سوى الإرجاء، وقد وثقه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما.\n\n<span id=\"aya-1130\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أي: لرفعناه من التدنس عن قازورات الدنيا بالآيات التي آتيناه إياها ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها، وأقبل على لذاتها ونعيمها، وغرته كما غرت غيره من غير أولي البصائر والنهى، وقال [أبو الزاهرية] (^٢) في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ قال: تراءى له الشيطان على علوة من قنطرة [بايناس] (^٣)، فسجدت الحمارة لله وسجد بلعام للشيطان (^٤)، وكذا قال عبد الرحمن بن جبير بن نفير وغير واحد (^٥).\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: وكان من قصة هذا الرجل ما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه أنه سئل عن هذه الآية ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ فحدث عن سيار أنه كان رجلًا يقال له: بلعام وكان مجاب الدعوة، قال: وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام أو قال: الشام قال: فرعب الناس منه رعبًا شديدًا فأتوا بلعام فقالوا: ادع الله على هذا الرجل وجيشه، قال: حتى أؤامر ربي أو حتى أوامر، قال فوامر في الدعاء عليهم فقيل له: لا تدعوا عليهم فإنهم عبادي وفيهم نبيهم، قال: فقال لقومه: إني قد وامرت ربي في الدعاى عليهم. وإني قد نهيت فأهدوا له هدية، فقبلها ثم راجعوه فقالوا: ادع عليهم فقال: حتى فوامر ربي، فأمر فلم يأمره بشيء فقال: قد وامرت فلم يأمرني بشيء فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك المرة الأولى، قال: فأخذ يدعو عليهم، فإذا دعا عليهم جرى على لسانه الدعاء على قومه، وإذا أراد أن يدعو أن يفتح لقومه دعا أن يفتح لموسى وجيشه أو نحوًا من ذلك إن شاء الله، قال: فقالوا: ما نراك تدعو إلا علينا، قال: ما يجري على لساني إلا هكذا ولو دعوت عليه أيضًا ما استجيب لي ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه\n_________\n(^١) أخرجه البزار من طريق محمد بن مرزوق به كما في مختصر زوائد البزار (ح ١٣١) وحسنه الهيثمي (المجمع ١/ ١٨٨) وأخرجه ابن حبان من طريق أبي يعلى به (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ح ٨١) وجود سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) كذا في (حم) و(عم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صحفت إلى: \"أبو الراهوية\"، وفي \"مح\": أبو الزهرا. وأبو الزاهرية هو: حدير بن كريب.\n(^٣) كذا في (عم)، وفي (حم) وتفسير ابن أبي حاتم: بليناس، وفي الأصل: \"باساس\"، وفي (مح): \"لساس\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شريح بن عبيد، عن أبي الزاهرية.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير مختصرًا.","vol":"4","page":120},{"text":"هلاكهم، إن الله يبغض الزنا وإنهم إن وقعوا في الزنا هلكوا ورجوت أن يهلكهم الله، فأخرجوا النساء تستقبلهم فإنهم قوم مسافرون فعسى أن يزنوا فيهلكوا قال: ففعلوا فأخرجوا النساء تستقبلهم قال: وكان للملك ابنة فذكر من عظمها ما الله أعلم به فقال: فقال أبوها أو بلعام: لا تمكني نفسك إلا من موسى، قال: ووقعوا في الزنا قال: فأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل فأرادها على نفسه، فقالت: ما أنا بممكّنة نفسي إلا من موسى: قال: فقال: إن منزلتي كذا وكذا وإن من حالي كذا وكذا، فأرسلت إلى أبيها تستأمره قال: فقال لها: فأمكنيه، قال: ويأتيهما رجل من بني هارون ومعه الرمح فيطعنهما. قال: وأيده الله بقوة فانتظمهما جميعًا ورفعهما على رمحه فرآهما الناس - أو كما حدث - قال: وسلّط الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفًا. قال أبو المعتمر: فحدثني سيار أن بلعامًا ركب حمارة له حتى أتى العلولي أو قال طريقًا من العلولي جعل يضربها ولا تتقدم وقامت عليه فقالت: علام تضربني؟ أما ترى هذا الذي بين يديك؟ فإذا الشيطان بين يديه قال: فنزل وسجد له قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ - إلى قوله - ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ قال: فحدثني بهذا سيار ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره (^١).\n(قلت): هو بلعام ويقال: بلعم بن باعوراء ويقال: ابن أبر، ويقال: ابن باعور بن شهتوم بن قوشتم بن ماب بن لوط بن هاران، ويقال: ابن حران بن آزر، وكان يسكن قرية من قرى البلقاء.\nقال ابن عساكر: وهو الذي كان يعرف اسم الله الأعظم فانسلخ من دينه له ذكر في القرآن ثم أورد من قصته نحوًا مما ذكرناه هاهنا أورده عن وهب وغيره والله أعلم.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار: عن سالم أبي النضر أنه حدث أن موسى ﵇ لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعام إليه فقالوا له: هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلُّها بني إسرائيل، وإنّا قومك وليس لنا منزل وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله عليهم، قال: ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون كيف أذهب أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم؟ قالوا له: ما لنا من منزل فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن، فركب حمارة له متوجهًا إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل وهو جبل حُسبان، فلما سار عليها غير كثير ربضت به فنزل عنها فضربها حتى إذا أزلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيرًا حتى ربضت به فضربها حتى إذا أزلقها أذن لها فكلمته حجة عليه فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردّني عن وجهي هذا؟ تذهب إلى نبي الله والمؤمنين لتدعو عليهم، فلم ينزع عنها يضربها فخلّى الله سبيلها حين فعل بها ذلك، فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل جعل يدعو عليهم ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه، قال: واندلع لسانه فوقع على صدره فقال لهم:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ونحو متنه، والرواية فيها ضعف كما صرح في آخره أبو المعتمر: ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره. اهـ. وعلى كل حال فإن الرواية إسرائيلية لا تستحق الذكر إلا على سبيل التحذير.","vol":"4","page":121},{"text":"قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جَمِلّوا النساء وأعطوهن السلع ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهنّ فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل منهم واحد كفيتموهم، ففعلوا فلما دخلت النساء العسكر مرّت امرأة من الكنعانيين اسمها كسبى - ابنة صور رأس أمته - برجل من عظماء بني إسرائيل وهو زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، فلما رآها أعجبته، فقام فأخذ بيدها وأتى بها موسى وقال: إني أظنك ستقول هذا حرام عليك؟ قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها، قال: فوالله لا أطيعك في هذا، فدخل بها قبّته فوقع عليها وأرسل الله ﷿ الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى وكان غائبًا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس فيهم، فأخبر الخبر فأخذ حربته وكانت من حديد كلها، ثم دخل القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحييه و- كان بِكْرِ العيزار -، وجعل يقول: اللّهم هكذا نفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوه قد هلك منهم سبعون ألفًا، والمقلل لهم يقول عشرون ألفًا في ساعة من النهار، فمن هنالك تعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها الرقبة والذراع واللحى والبكر من كل أموالهم وأَنفسها، لأنه كان بكر أبيه العيزار، ففي بلعام بن باعوراء أنزل الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^١).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ اختلف المفسرون في معناه، فعلى سياق ابن إسحاق عن سالم أبي النضر أن بلعامًا اندلع لسانه على صدره، فتشبيهه بالكلب في لهيثه في كلتا حالتيه إن زجر وإن ترك ظاهر.\nوقيل: معناه فصار مثله في ضلاله واستمراره فيه وعدم انتفاعه إلى الإيمان وعدم الدعاء كالكلب في لهيثه في حالتيه إن حملت عليه وإن تركته هو يلهث في الحالين، فكذلك هذا لا ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإيمان ولا عدمه كما قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ونحو ذلك.\nوقيل: معناه: أن قلب الكافر والمنافق والضال ضعيف فارغ من الهدى فهو كثير الوجيب، فعبر عن هذا بهذا نقل نحوه عن الحسن البصري وغيره (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ﴾ أي: لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعام وما جرى له في إضلال الله إياه وإبعاده من رحمته، بسبب أنه استعمل نعمة الله عليه في تعليمه الاسم الأعظم الذي إذا سُئل به\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به نحوه، وفيه عنعنة ابن إسحاق، والرواية من أهل الكتاب.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.","vol":"4","page":122},{"text":"أعطى، وإذا دُعي به أجاب في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن وشعب الإيمان، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان، كليم الله موسى بن عمران ﵇، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: فيحذروا أن يكونوا مثله، فإن الله قد أعطاهم علمًا وميّزهم على من عداهم من الأعراب، وجعل بأيديهم صفة محمد ﷺ يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته ومؤازرته كما أخبرتهم أنبياؤهم بذلك وأمرتهم به، ولهذا من خالف منهم ما في كتابه وكتمه فلم يعلم به العباد أحل الله به ذلًا في الدنيا موصولًا بذل الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1131\"></span>وقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ يقول تعالى: ساء مثلًا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا أي ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حيز العلم والهدى وأقبل على شهوة نفسه واتبع هواه صار شبيهًا بالكلب وبئس المثل مثله، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه\" (^١).\nوقوله: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: ما ظلمهم الله ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى، وطاعة المولى، إلى الرّكون إلى دار البلى، والإقبال على التحصيل اللّذات وموافقة الهوى.\n\n<span id=\"aya-1132\"></span>﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾.\nيقول تعالى: من هداه الله فإنه لا مضلَّ له، ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة، فإنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا جاء في حديث ابن مسعود: \"إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلَّ له ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\" الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد وأهل السنن وغيرهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-1133\"></span>﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ أي: خلقنا وجعلنا لجهنم ﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أي: هيأناهم لها وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء\" (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الهبة، باب لا يحلّ لأحد أن يرجع في هبته (ح ٢٦٢٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود، السنن، الصلاة، باب الرجل يخطب على قوس (ح ١٠٩٧)، والترمذي في سننه، النكاح، باب خطبة النكاح (ح ١١٠٥)، وحسنه وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٨٨٢)، وأخرجه النسائي في سننه، النكاح، باب ما يستحب من الكلام عند النكاح ٦/ ٨٩، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب خطبة النكاح (ح ١٨٩٢)، والإمام أحمد في (المسند ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣ ح ٣٧٢٠) وصححه محققوه.\n(^٣) صحيح مسلم، القدر، باب حِحاج آدم وموسى ﵉ (ح ٢٦٥٣).","vol":"4","page":123},{"text":"وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث عائشة بنت طلحة عن خالتها عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: دُعي النبي ﷺ إلى جنازة صبيّ من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال رسول الله ﷺ: \"أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة وخق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم\" (^١)، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود: \"ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد\" (^٢) وتقدم أن الله لما استخرج ذرية آدم من صلبه وجعلهم فريقين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال: \"هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي\" (^٣) والأحاديث في هذا كثيرة ومسألة القدر كبيرة ليس هذا موضع بسطها.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ يعني: ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببًا للهداية، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة] هذا في حق المنافقين. وقال في حق الكافرين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] ولم يكونوا صمًا ولا بكمًا ولا عميًا إلا عن الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال] وقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] وقال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف].\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ أي: هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه ولا يبصرون الهدى، كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يقيتها في ظاهر الحياة الدنيا، كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١] أي: ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول. ولهذا قال في هؤلاء ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أي: من الدوابِّ لأنها قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أنسَ بها، وإن لم تفقه كلامه بخلاف هؤلاء، ولأنها تفعل ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها، بخلاف الكافر فإنه إنما خلق ليعبد الله ويوحده فكفر بالله وأشرك به، ولهذا من أطاع الله من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده، ومن كفر به من البشر كانت الدوابُّ أتمَّ منه، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1134\"></span>﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لله تسعًا وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر\" أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة\n_________\n(^١) صحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (ح ٢٦٦٢).\n(^٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (ح ٣٢٠٨)، وصحيح مسلم، القدر، الحديث الأول (٢٦٤٣).\n(^٣) تقدم في تفسير الآية ١٧٢ من هذه السورة الكريمة.","vol":"4","page":124},{"text":"عن أبي الزناد عن الأعرج عنه (^١)، ورواه البخاري عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد به (^٢)، وأخرجه الترمذي في جامعه عن الجوزجاني عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن شعيب فذكر بسنده مثله، وزاد بعد قوله: \"يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار، المتكبّر الخالق البارئ المصوّر الغفّار، القهّار الوهّاب الرزّاق الفتّاح العليم القابض الباسط، الخافض الرافع المعزّ المذل السميع البصير، الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور، الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم، الرقيب المجيب الواسع الحكيم، الودود المجيد الباعث الشهيد الحق، الوكيل القويّ المتين الوليّ الحميد المحصيّ المبدّئ المعيد، المحيّي المميت، الحيّ القيّوم الواجد الماجد الواحد الأحد، الفرد الصمد، القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر، الظاهر الباطن الوالي المتعالي، البر التواب المنتقم العفو الرؤوف، مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني، المانع الضّار النافع، النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور\" ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب (^٣). وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث، ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق صفوان به (^٤).\nوقد رواه ابن ماجه في سننه من طريق آخر عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا فسرد الأسماء كنحو مما تقدم بزيادة ونقصان (^٥)، والذي عوّل عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مُدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي أنهم جمعوها من القرآن. كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي (^٦)، والله أعلم.\nثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن يزيد بن هارون، عن فضيل بن مرزوق، عن أبي سلمة الجهني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ما أصاب\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الدعوات، باب لله مائة اسم غير واحدة (ح ٦٤١٠)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب في أسماء الله تعالى (ح ٢٦٧٧).\n(^٢) صحيح البخاري، الشروط، باب المكاتب وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله (ح ٢٧٣٦).\n(^٣) السنن، الدعوات، باب رقم ٨٣ (ح ٣٥٠٧)، وقد حرر ابن كثير الحكم على هذه الرواية بأن سرد هذه الأسماء مدرج من الرواة وليس عن النبي ﷺ، وقرر أنها ليست منحصرة في التسعة والتسعين كما سيأتي.\n(^٤) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ح ٨٠٨).\n(^٥) سنن ابن ماجه، الدعاء، باب أسماء الله ﷿: (ح ٣٨٦١)، وضعفه البوصيري لضعف عبد الملك بن محمد الصنعاني إذ يرويه عن زهير بن محمد التميمي عن موسى بن عقبة به.\n(^٦) قال الحافظ ابن حجر: وروينا في \"فوائد تمام\" من طريق أبي طاهر بن السرح عن حبان بن نافع عن سفيان بن عيينة الحديث يحني حديث: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا\" فوعدنا سفيان أن يخرجها لنا من القرآن فأبطأ، فآتينا أبا زيد فأخرجها لنا فعرضناها على سفيان فنظر فيها أربع مرات وقال: نعم هي هذه … (الفتح ١١/ ٢١٧).","vol":"4","page":125},{"text":"أحدًا قط همّ ولا حزن فقال: اللَّهم إني عبدك ابن أَمتك، ناصيتي بيدك ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي، إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدل مكانه فرحًا\" فقيل يا رسول الله: أفلا نتعلمها؟ فقال: \"بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها\" (^١) وقد أخرجه الإمام أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه بمثله (^٢).\nوذكر الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه \"الأحوذي في شرح الترمذي\" (^٣) أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم، فالله أعلم.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قال: إلحاد الملحدين أن دَعوا اللّات في أسماء الله (^٤).\nوقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قال اشتقّوا اللات من الله، والعزى من العزيز (^٥).\nوقال قتادة: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ يشركون في أسمائه (^٦).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الإلحاد: التكذيب (^٧).\nوأصل الإلحاد في كلام العرب: العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه اللّحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر (^٨).\n\n<span id=\"aya-1135\"></span>﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا﴾ أي: بعض الأمم ﴿أُمَّةٌ﴾ قائمة بالحق قولًا وعملًا ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون.\nوقد جاء في الآثار أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية هي هذه الأمة المحمدية، قال سعيد عن قتادة في تفسير هذه الآية: بلغني أن النبي ﷺ كان يقول إذا قرأ هذه الآية: \"هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف] \" (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٤٦ ح ٣٧١٢)، وضعفه محققوه اعتمادًا على تضعيف الدارقطني في العلل ٥/ ٢٠١.\n(^٢) موارد الظمآن بزوائد ابن حبان (ح ٢٣٧٢).\n(^٣) وهو كتاب: عارضة الأحوذي في شرح سنن الترمذي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به وهو لم يسمع مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٨) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٩) أخرجه الطبري من طريق سعيد به، وسنده ضعيف للإرسال.","vol":"4","page":126},{"text":"وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من أُمتي قومًا على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل\" (^١).\nوفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة\" (^٢) وفي رواية: \"حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك\" وفي رواية: \"وهم بالشام\".\n\n<span id=\"aya-1136\"></span>\n\n<span id=\"aya-1137\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ ومعناه: أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام] ولهذا قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: وسأملي لهم، أي أطول لهم ما هم فيه، ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: قوي شديد.\n\n<span id=\"aya-1138\"></span>﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ هؤلاء المكذبون بآياتنا ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي: ليس به جنون، بل هو رسول الله حقًا، دعا إلى حق ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر لمن كان له لب وقلب يعقل به ويعي به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ [التكوير] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ [سبأ] يقول: إنما أطلب منكم أن تقوموا قيامًا خالصًا لله ليس فيه تعصب ولا عناد ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ أي: مجتمعين ومتفرقين، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ في هذا الذي جاءكم بالرسالة من الله أبه جنون أم لا، فإنكم إذا فعلتم ذلك بان لكم وظهر أنه رسول الله حقًا وصدقًا.\nوقال قتادة بن دعامة: ذُكر لنا أن نبي الله ﷺ كان على الصفا فدعا قريشًا، فجعل يُفخِّذهم فخذًا فخذًا يا بني فلان، يا بني فلان فحذَّرهم بأس الله ووقائع الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوت إلى الصباح أو حتى أصبح، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرازي به وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٢) صحيح البخاري، المناقب، باب ٢٨ (ح ٣٦٤١) وصحيح مسلم، الإمارة، باب قوله ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي. . .\" (ح ١٠٣٧).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وسنده ضعيف بسبب إرسال قتادة.","vol":"4","page":127},{"text":"<span id=\"aya-1139\"></span>﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾.\nيقول تعالى: أو لم ينظر هؤلاء المكذبون بآياتنا في ملك الله وسلطانه في السماوات والأرض، وفيما خلق من شيء فيهما؟ فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمن لا نظير له ولا شبيه، ومن فعل من لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له فيؤمنوا به ويصدقوا رسوله، ويُنيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت فيهلكوا على كفرهم ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه.\nوقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: فبأي تخويف وتحذير وترهيب بعد تحذير محمد ﷺ وترهيبه، الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه يصدقون إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد من عند الله ﷿؟\nوقد روى الإمام أحمد: عن حسن بن موسى وعفّان بن مسلم وعبد الصمد بن عبد الوارث، كلهم عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت ليلة أسري بي كذا، فلما انتهينا إلى السماء السابعة فنظرت فوقي فإذا أنا برعد وبرق وصواعق، وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيّات ترى من خارج بطونهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا فنظرت إلى أسفل مني، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هؤلاء الشياطين يحومون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض ولولا ذلك لرأوا العجائب\" (^١). علي بن زيد بن جدعان له منكرات.\nثم قال تعالى:\n\n<span id=\"aya-1140\"></span>﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾.\nيقول تعالى: من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولو نظر لنفسه فيما نظر فإنه لا يجزي عنه شيئًا ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] وكما قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-1141\"></span>﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] قيل: نزلت في قريش (^٢)، وقيل: في نفر من اليهود (^٣)، والأول أشبه لأن الآية مكية،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٥٣)، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن عن قتادة لكنه مرسل، ورجحه الحافظ ابن كثير، أما الطبري فاحتمل الوجهين.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن إسحاق قال حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن =","vol":"4","page":128},{"text":"وكانوا يسألون عن وقت الساعة استبعادًا لوقوعها وتكذيبًا بوجودها، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ [يس] وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾ [الشورى].\nوقوله: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: منتهاها (^١). أي: متى محطّها؟ وأيّان آخر مدة الدنيا؟ الذي هو أول وقت الساعة ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ أمر تعالى رسوله ﷺ إذا سئل عن وقت الساعة أن يردَّ علمها إلى الله تعالى، فإنه هو الذي يجلّيها لوقتها أي يعلم جليّة أمرها ومتى يكون على التحديد، لا يعلم ذلك إلا هو تعالى، ولهذا قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nقال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: ثقل علمها على أهل السماوات والأرض أنهم لا يعلمون، قال معمر: قال الحسن: إذا جاءت ثقُلت على أهل السماوات والأرض، يقول: كبُرت عليهم (^٢).\nوقال الضحاك: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة (^٣).\nوقال ابن جريج: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: إذا جاءت انشقت السماء وانتثرت النجوم، وكُورت الشمس، وسُيرت الجبال، وكان ما قال الله ﷿، فذلك ثقلها (^٤)، واختار ابن جرير ﵀ أن المراد: ثقل علم وقتها على أهل السماوات والأرض كما قال قتادة، وهو كما قالاه كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ ولا ينفي ذلك ثقل مجيئها على أهل السماوات والأرض، والله أعلم.\nوقال السدي: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول: خَفيت في السماوات والأرض، فلا يعلم قيامها حين تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ يبغتهم قيامها تأتيهم على غفلة (^٥).\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾: قضى الله أنها ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ قال: وذُكر لنا أن نبي الله كان يقول: \"إن الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق ويخفض ميزانه ويرفعه\" (^٦).\nوقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، أنبأنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها\n_________\n= سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس بنحوه إذ ذكر أسماء النفر من اليهود.\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد وهو ابن أبي عروبة، أما الحديث المرفوع فهو ضعيف لأنه مرسل.","vol":"4","page":129},{"text":"الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومنّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها\" (^١).\nوقال مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به، قال: تقوم الساعة والرجل يحلب لقحته، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة والرجلان يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم الساعة، والرجل يلوط حوضه فما يصدر حتى تقوم (^٢).\nوقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ اختلف المفسرون في معناه:\nفقيل: معناه كما قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ يقول: كأن بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم، قال ابن عباس: لما سأل الناس النبي ﷺ عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدًا حفي بهم، فأوحى الله إليه إنما علمها عنده استأثر به، فلم يطلع الله عليها ملكًا مقربًا ولا رسولًا (^٣).\nوقال قتادة: قالت قريش لمحمد ﷺ: إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة؟ فقال الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ (^٤). وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك والسدي (^٥)، وهذا قول.\nوالصحيح عن مجاهد من رواية ابن أبي نجيح وغيره ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها (^٦)، وكذا قال الضحاك عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ يقول: كانك عالم بها لست تعلمها ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^٧).\nوقال [معمر] (^٨)، عن بعضهم: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ كأنك عالم بها (^٩).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ كأنك بها عالم وقد أخفى الله علمها على خلقه، وقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤] (^١٠)، وهذا القول أرجح في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الرقاق، باب رقم ٤٠ ح ٦٥٠٦).\n(^٢) صحيح مسلم، الفتن، باب قرب الساعة (ح ٢٩٥٤).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند مرسل عن قتادة، ويتقوى بالآثار التالية.\n(^٥) قول مجاهد سيأتي في الذي يليه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول أبي مالك أخرجه الطبري بسند حسن، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وسنده صحيح.\n(^٧) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٨) كذا في (حم) و(مح) و(عم) وفي الأصل صحفت إلى: \"يعمر\".\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق محمد بن ثور عن معمر.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.","vol":"4","page":130},{"text":"المقام من الأول، والله أعلم، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ولهذا لما جاء جبريل ﵇ في صورة أعرابي ليعلّم الناس أمر دينهم، فجلس من رسول الله ﷺ مجلس السائل المسترشد، وسأله ﷺ عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم قال: فمتى الساعة؟ قال له رسول الله ﷺ: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\" أي: لست أعلم بها منك ولا أحد بها من أحد، ثم قرأ النبي ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية (^١) [لقمان: ٣٤].\nوفي رواية فسأله عن أشراط الساعة، فبيّن له أشراط الساعة، ثم قال: \"في خمس لا يعلمهن إلا الله\" وقرأ هذه الآية، وفي هذا كلّه يقول له بعد كل جواب: صدقت، ولهذا عجب الصحابة من هذا السائل يسأله ويصدقه، ثم لما انصرف قال رسول الله ﷺ: \"هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\" وفي رواية قال: \"وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا صورته هذه\" (^٢) وقد ذكرت هذا الحديث بطرقه وألفاظه من الصحاح والحسان والمسانيد في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.\nولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال: يا محمد، قال له رسول الله ﷺ: \"هاؤم\" على نحو من صوته، قال: يا محمد متى الساعة؟ فقال له رسول الله ﷺ: \"ويحك إن الساعة آتية فما أعددت لها\"؟ قال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله، فقال له رسول الله ﷺ: \"المرء مع من أحب\"، فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث (^٣)، وهذا له طرق متعددة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة عن رسول الله ﷺ أنه قال: المرء مع من أحب\" وهي متواترة عند كثير من الحفاظ المتقنين، ففيه أنه ﵇ كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم، وهو الاستعداد لوقوع ذلك والتهيؤ له قبل نزوله وإن لم يعرفوا تعيين وقته. ولهذا قال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو أُسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول: \"إن يعش هذا لم يدركه الهرم حتى قامت عليكم ساعتكم\" يعني بذلك موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة (^٤).\nثم قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الساعة، فقال رسول الله ﷺ: \"إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة\" انفرد به مسلم (^٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان (ح ٥٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام … (ح ٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عمر ﵄ (المسند ١/ ٤٣٩ - ٤٤٠ ح ٣٧٤) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب عمر ﵁ (ح ٣٦٨٨) وصحيح مسلم، البر والصلة، باب المرء مع من أحب (ح ٢٦٣٩).\n(^٤) صحيح مسلم، الفتن، باب قرب الساعة (ح ٢٩٥٢).\n(^٥) صحيح مسلم، الفتن، باب قرب الساعة (ح ٢٩٥٣).","vol":"4","page":131},{"text":"وحدثني حجاج بن الشاعر، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا سعيد بن أبي هلال المصري، عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ قال: متى الساعة؟ فسكت رسول الله ﷺ هنيهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزدشنوءة فقال: \"إن عُمِّر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة\" قال أنس: ذلك الغلام من أترابي (^١).\nوقال: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أنس قال: مرّ غلام للمغيرة بن شعبة وكان من أترابي فقال النبي ﷺ: \"إن يؤخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة\" (^٢). ورواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه عن عمرو بن عاصم، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس، أن رجلًا من أهل البادية قال: يا رسول الله متى الساعة؟ فذكر الحديث، وفي آخره: فمرّ غلام للمغيرة بن شعبة وذكره (^٣)، وهذا الإطلاق في هذه الروايات محمول على التقييد بساعتكم في حديث عائشة ﵂.\nوقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: \"تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة\". رواه مسلم (^٤).\nوفي الصحيحين عن ابن عمر مثله، قال ابن عمر: وإنما أراد رسول الله ﷺ انخرام ذلك القرن (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أنبأنا العوام، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن [عفازة] (^٦) عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة قال: فردّوا أمرهم إلى إبراهيم ﵇، فقال: لا علم لي بها، فردّوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها فردّوا أمرهم إلى عيسى فقال عيسى: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله ﷿، وفيما عهد إلي ربي ﷿ أن الدجال خارج. قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله ﷿ إذا رآني حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرًا فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله ﷿ ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطأون بلادهم لا يأتون على شيء إلا أهلكوه ولا يمرون على ماء إلا شربوه: قال: ثم يرجع الناس إلي فيشكونهم فأدعو الله ﷿ عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم أي تنتن، قال: فينزل الله ﷿ المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر.\nقال الإمام أحمد: قال يزيد بن هارون: ثم تنسف الجبال وتُمد الأرض مدَّ الأديم، ثم رجع\n_________\n(^١) (^٢) أخرجهما الإمام مسلم، الصحيح، الفتن، باب قرب الساعة (ح ٢٩٥٣/ ١٣٧ وح ٢٩٥٣/ ١٣٨).\n(^٣) صحيح البخاري، الأدب، باب ما جاء في قول الرجل: ويلك (ح ٦١٦٧).\n(^٤) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب قوله ﷺ: \"لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم\" (ح ٢٥٣٨).\n(^٥) صحيح البخاري، العلم، باب السمر في العلم (ح ١١٦) وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٥٣٧).\n(^٦) كذا في (عم) و(حم) و(مح) ومسند أحمد، وفي الأصل صحفت إلى: \"عثمان\".","vol":"4","page":132},{"text":"إلى حديث هشيم، قال: ففيما عهد إليَّ ربي ﷿ أن ذلك إذا كان كذلك، فإن الساعة كالحامل المتمم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادتها ليلًا أو نهارًا (^١).\nورواه ابن ماجه عن بندار عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب بسنده نحوه، فهؤلاء أكابر أولي العزم من المرسلين ليس عندهم علم بوقت الساعة على التعيين، وإنما ردّوا الأمر إلى عيسى ﵇، فتكلم على أشراطها لأنه ينزل في آخر هذه الأمة منفذًا لأحكام رسول الله ﷺ ويقتل المسيح الدجال، ويجعل الله هلاك يأجوج ومأجوج ببركة دعائه، فأخبر بما أعلمه الله تعالى به.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا عبيد بن إياد بن لَقيط، قال: سمعت أبي يذكر عن حذيفة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الساعة، فقال: \"علمها عند ربي ﷿ لا يجلّيها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهرجًا\" قالوا: يا رسول الله الفتنة قد عرفناها فما الهرج؟ قال: \"بلسان الحبشة القتل\" قال: \"ويلقى بين الناس التناكر، فلا يكاد أحد يعرف أحدًا\" (^٢) لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه.\nوقال وكيع: حدثنا ابن أبي خالد، عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ لا يزال يذكر من شأن الساعة حتى نزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ الآية، ورواه النسائي من حديث عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالد به (^٣)، وهذا إسناد جيد قوي.\nفهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وسلامه نبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة والعاقب والمقفِّي والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه، مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد ﵄: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" وقرن بين أصبعيه السبابة والتي تليها (^٤)، ومع هذا كله قد أمره الله أن يردّ علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1142\"></span>﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾.\nأمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل ولا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه وتحسينه في تفسير سورة النساء آية ١٥٩ ضمن ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم إلى الأرض من السماء. وقد ضعفه محققو المسند ٦/ ٢٠ (ح ٣٥٥٦)، لأنهم جعلوا مؤثر بن عفازة مجهولًا، وقد ردّ على مثل هذه المقالة الإمام الحاكم كما فُصِّل هناك.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٣٣٥ ح ٢٣٣٠٦)، وصحح سنده محققوه لغيره بالشواهد لأن إياد بن لَقيط لم يسمع حذيفة.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق وكيع به، وأخرجه النسائي من طريق عيسى بن يونس عن ابن أبي خالد به (السنن الكبرى ح ١١٦٤٥)، وله شاهد أخرجه الحاكم من حديث عائشة ﵂ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥١٣)، ولهذا قال عنه الحافظ ابن كثير: إسناد جيد قوي.\n(^٤) حديث أنس أخرجه البخاري، الصحيح، الرقاق، باب قول النبي ﷺ: بعثت أنا والساعة كهاتين (ح ٦٥٠٤)، ومسلم، الصحيح، الفتن، باب قرب الساعة (ح ٢٩٥١)، وحديث سهل أخرجه البخاري، الصحيح الباب السابق (ح ٦٥٠٣)، ومسلم، الصحيح، الباب السابق (ح ٢٩٥٠).","vol":"4","page":133},{"text":"اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن]. وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾.\nقال عبد الرزاق: عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ قال: لو كنت أعلم متى أموت لعملت عملًا صالحًا (^١). وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد (^٢)، وقال مثله ابن جريج (^٣)، وفيه نظر لأن عمل رسول الله ﷺ كان ديمة (^٤)، وفي رواية: كان إذا عمل عملًا أثبته (^٥)، فجميع عمله كان على منوال واحد كأنه ينظر إلى الله ﷿ في جميع أحواله، اللّهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك، والله أعلم. والأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي: من المال (^٦).\nوفي رواية: لعلمت إذا اشتريت شيئًا ما أربح فيه، فلا أبيع شيئًا إلا ربحت فيه ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ ولا يصيبني الفقر (^٧).\nوقال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة ولوقت الغلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص (^٨).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ قال: لاجتنبت ما يكون من الشرّ قبل أن يكون واتقيته (^٩).\nثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير، أي نذير من العذاب وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ [مريم].\n\n<span id=\"aya-1143\"></span>﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾.\nينبّه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم ﵇. وأنه خلق منه زوجته حواء ثم انتشر الناس منهما، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الرزاق به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف ويشهد له سابقه.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده عن عائشة كان عمله ديمة (الصحيح، الصوم، باب هل يخص شيئًا من الأيام؟ ح ١٩٨٧)، وأخرجه مسلم (الصحيح، باب فضيلة العمل الدائم … ح ٧٨٣).\n(^٥) أخرجه أبو داود بسنده عن عائشة (السنن، الصلاة، باب ما يؤمر من القصد في الصلاة ح ١٣٦٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٢١٩).\n(^٦) (^٧) أخرجهما ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك به، وهو لم يلق ابن عباس.\n(^٨) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.","vol":"4","page":134},{"text":"﴿أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ أي: ليألفها ويسكن بها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] فلا ألفة بين روحين أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي: وطئها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ وذلك أول الحمل لا تجد المرأة له ألمًا، إنما هي النطفة ثم العلقة ثم المضغة.\nوقوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال مجاهد: استمرت بحمله (^١)، وروي عن الحسن وإبراهيم النخعي والسدي نحوه (^٢).\nوقال [عمرو بن] (^٣) ميمون بن مهران عن أبيه: استخفته (^٤). وقال أيوب: سألت الحسن عن قوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال: لو كنت رجلًا عربيًا لعرفت ما هي إنما هي فاستمرّت (^٥) به. وقال قتادة: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استبان حملها (^٦).\nوقال ابن جرير: معناه استمرت بالماء قامت به وقعدت (^٧).\nوقال العوفي عن ابن عباس: استمرت به فشكّت أحملت أم لا؟ (^٨) ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: صارت ذات ثقل بحملها. وقال السدي: كبر الولد في بطنها (^٩) ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي: بشرًا سويًا، كما قال الضحاك عن ابن عباس: أشفقا أن يكون بهيمة (^١٠)، وكذلك قال أبو البَخْتَرِي وأبو مالك: أشفقا أن لا يكون إنسانًا (^١١).\n\n<span id=\"aya-1144\"></span>وقال الحسن البصري: لئن آتيتنا غلامًا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ (^١٢). ذكر المفسرون ههنا آثارًا وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها، ثم نتبع ذلك ببيان الصحيح في ذلك إن شاء الله وبه الثقة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) قول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من تفسير ابن أبي حاتم، إذ تفرد به ابن أبي حاتم بذلك، وذكره السيوطي ونسبه إلى ابن أبي حاتم فقط.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك به، لأنه لم يلق ابن عباس.\n(^١١) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول أبي البَختري أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^١٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن.","vol":"4","page":135},{"text":"قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمر بن إبراهيم، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: \"لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره\" (^١). وهكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن بشار بندار، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية، عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد به، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعًا، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ورواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي، عن هلال بن فياض، عن عمر بن إبراهيم به مرفوعًا (^٢).\nوكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض، عن عمر بن إبراهيم مرفوعًا، قلت: وشاذ هو هلال، وشاذ لقبه، والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه:\n(أحدها): أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا (^٣)، فالله أعلم.\n(الثاني): أنه قد روي من قول سمرة نفسه ليس مرفوعًا، كما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه، [حدثنا بكر بن عبد الله بن سليمان التيمي] (^٤) عن أبي العلاء بن الشخير، عن سمرة بن جندب قال: سمى آدم ابنه: عبد الحارث (^٥).\n(الثالث): أن الحسن نفسه فسّر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣/ ٣٠٥ ح ٢٠١١٧)، وضعفه محققوه لضعف رواية عمر بن إبراهيم عن قتادة. اهـ.\nوقال الذهبي: حديث منكر (ميزان الاعتدال ت ٦٠٤٢)، وقد سرد علله الحافظ ابن كثير كما سيأتي.\nتنبيه: الضمير في قوله تعالى: ﴿جَعَلَا﴾ يعود إلى المشركين من ذرية آدم وحواء. وهذه الآية من قبيل الموصول لفظًا المقطوع معنى (ينظر الاتقان في علوم القرآن النوع التاسع والعشرون ١/ ١١٨).\n(^٢) تفسير الطبري وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأعراف (ح ٣٠٧٧) والمستدرك ٢/ ٥٤٥.\n(^٣) وفيه أيضًا الحسن وسماعه لهذا الحديث عن سمرة لم يثبت.\n(^٤) ما بين معقوفين كذا في النسخ الخطية وأراه مقحمًا فإن النسخ المحققة والمطبوعة من تفسير الطبري لا يوجد فيها هذا الاسم، وكذلك فإن والد معتمر هو سليمان بن طرخان يروي مباشرة عن أبي العلاء بن الشخير ويروي عنه ابنه كما في (تهذيب التهذيب ٤/ ٢٠١).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ولكن بدون ذكر بكر بن عبد الله بن سليمان التيمي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير، مع أن فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال ولعله قواه بالذي يليه، لأن الذي يليه صحيح السند.","vol":"4","page":136},{"text":"وحدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الحسن: عنى بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده يعني: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (^١).\nوحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود، والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا (^٢). وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن ﵁ أنه فسّر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله ﷺ لما عدل عنه هو ولا غيره ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل كعب أو وهب بن منبه وغيرهما، كما سيأتي بيانه إن شاء الله إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم.\nفأما الآثار فقال محمد بن إسحاق بن يسار: عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم ﵇ أولادًا، فيعبدهم لله ويسميهم عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش، قال: فولدت له رجلًا فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله يقول الله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ إلى آخر الآية (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس قوله في آدم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ - إلى قوله -: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ شكت أحملت أم لا؟ ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ فأتاهما الشيطان، فقال: هل تدريان ما يولد لكم؟ أم هل تدريان ما يكون أبهيمة أم لا؟ وزين لهما الباطل، إنه غوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سويًا ومات كما مات الأول، فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية (^٤).\nوقال عبد الله بن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال: قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ آدم ﴿حَمَلَتْ﴾ فأتاهما إبليس لعنه الله فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلنّ له قرني إيل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلنّ ولأفعلنّ يخوفهما، فسمياه عبد الحارث فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا، ثم حملت الثانية فأتاهما أيضًا فقال: أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت لتفعلنّ أو لأفعلنّ يخوفهما فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا، ثم حملت الثالثة فأتاهما أيضًا فذكر لهما فأدركهما حبُّ الولد فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ رواه ابن أبي حاتم (^٥).\nوقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لأن ابن إسحاق مدلس ولم يصرح بالسماع، وداود بن الحصين ثقه إلا في عكرمة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن المبارك به، وسنده ضعيف لأن كلًا من شريك وخصيف فيهما مقال.","vol":"4","page":137},{"text":"الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب، فإن ابن عباس رواه عن أُبي بن كعب، كما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد - يعني: ابن بشير -، عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال لها: أتطيعيني ويسلم لك ولدك، سميه عبد الحارث، فلم تفعل، فولد فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيّبهما فأطاعا (^١).\nوهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صحّ الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم\" (^٢)، ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام، فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضًا، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله ﵇: \"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج\" (^٣) وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله: \"فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم\" وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، [فذكر آدم وحواء أولًا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس، كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ الآية [الملك: ٥]، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، لهذا نظائر كثيرة في القرآن، والله أعلم] (^٤).\nولهذا قال الله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال:\n\n<span id=\"aya-1145\"></span>﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾.\nهذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئًا من الأمر ولا تضرّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تنتصر\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسر سورة البقرة آية ١٣٦.\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (الصحيح، الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ح ٣٤٦١).\n(^٤) ما بين معقوفين زيادة من (عم) و(مح).","vol":"4","page":138},{"text":"لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ أي: أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئًا ولا يستطيع ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج] أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئًا من حقير المطاعم وطارت، لما استطاعوا إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات].\n\n<span id=\"aya-1146\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ أي: لعابديهم ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ يعني: ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل ﵊ يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة كما أخبر تعالى عنه في قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ [الصافات] وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾ [الأنبياء] وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل ﵄، وكانا شابّين قد أسلما لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبًا للأرامل ليعتبر قومهما بذلك ويرتؤوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح - وكان سيدًا في قومه - صنم يعبده ويطيّبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسّانه على رأسه ويلطخّانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيّبه ويضع عنده سيفًا ويقول له: انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضًا، حتى أخذاه مرّة فقرناه مع جرو كلب ميّت، ودلّياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل، وقال:\nتالله لو كنت إلهًا مُستدن … لم تكُ والكلب جميعًا في قرن (^١)\nثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أُحد شهيدًا ﵁ (^٢) وأرضاه وجعل جنّة الفردوس مأواه.\n\n<span id=\"aya-1147\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ الآية، يعني: أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها، كما قال إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢].\n\n<span id=\"aya-1148\"></span>ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها أي مخلوقات مثلهم، بل الأناس أكمل منها لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئًا من ذلك.\n\n<span id=\"aya-1149\"></span>وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ الآية، أي: استنصروا بها علي فلا تؤخروني طرفة عين، واجهدوا جهدكم\n\n<span id=\"aya-1150\"></span>﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ أي: الله حسبي وكافني، وهو\n_________\n(^١) هذه القصة والرجز رواها ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٦/ ٣٥٤، وذكرها ابن الأثير عن ابن إسحاق (أسد الغابة ٤/ ٢٠٧).\n(^٢) ينظر الإصابة لابن حجر ٧/ ٩٤ - ٩٥.","vol":"4","page":139},{"text":"نصيري وعليه مُتّكلي وإليه ألجأ، وهو ولييّ في الدنيا والآخرة، وهو وليّ كل صالح بعدي، وهذا كما قال هود ﵇ لما قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود] وكقول الخليل: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ الآيات [الشعراء]، وكقوله لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزخرف].\n\n<span id=\"aya-1151\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى آخر الآية، مؤكد لما تقدم إلا أنه بصيغة الخطاب وذلك بصيغة الغيبة، ولهذا قال: ﴿يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾،\n\n<span id=\"aya-1152\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر].\nوقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ إنما قال: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد، ولهذا عاملهم معاملة من يعقل لأنها على صورة مصورة كالإنسان وتراهم ينظرون إليك، فعبّر عنها بضمير من يعقل.\nوقال السدي: المراد بهذا المشركون (^١)، وروي عن مجاهد نحوه (^٢)، والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير، وقاله قتادة (^٣).\n\n<span id=\"aya-1153\"></span>﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يعني: خذ ما عفي لك من أموالهم وما أتوك به من شيء فخذه، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت إليه الصدقات (^٤)، وقاله السدي (^٥).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أنفق الفضل (^٦).\nوقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: الفضل.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم (^٧)، واختار هذا القول ابن جرير. وقال: غير واحد\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) لم أجده مرويًا عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك به، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.","vol":"4","page":140},{"text":"عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس (^١).\nوقال هشام بن عروة، عن أبيه: أمر الله رسول الله ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس (^٢)، وفي رواية قال: خذ ما عفي لك من أخلاقهم.\nوفي صحيح البخاري، عن هشام، عن أبيه عروة، عن أخيه عبد الله بن الزبير قال: إنما أنزل ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ من أخلاق الناس (^٣).\nوفي رواية عن أبيه، عن ابن عمر (^٤)، وفي رواية عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنهما قالا مثل ذلك (^٥)، والله أعلم.\nوفي رواية سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن ابن الزبير: خذ العفو، قال: من أخلاق الناس، والله لآخذنّه منهم ما صحبتهم (^٦). وهذا أشهر الأقوال، ويشهد له ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم جميعًا: حدثنا يونس، حدثنا سفيان هو: ابن عيينة، عن أُمَيّ قال: لما أنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ قال رسول الله ﷺ: \"ما هذا يا جبريل؟ \" قال: إن الله أمرك أن تعفو عمّن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك (^٧)، وقد رواه ابن أبي حاتم أيضًا عن أبي يزيد القراطيسي كتابة، عن أصبغ بن الفرج عن سفيان [عن] (^٨) أُمَيّ، عن الشعبي نحوه (^٩)، وهذا مرسل على كل حال، وقد روي له شواهد من وجوه أخر، وقد روي مرفوعًا عن جابر (^١٠) وقيس بن سعد بن عبادة عن النبي ﷺ (^١١) أسندهما ابن مردويه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم عن أبي أُمامة الباهلي، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته، فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال، فقال: \"يا عقبة صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمّن ظلمك\" (^١٢) وروى الترمذي نحوه من طريق عبيد الله بن زُحر عن علي بن يزيد به. وقال: حسن.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه البخاري من طريق هشام به (الصحيح، التفسير، باب \"خذ العفو وأمر بالعرف. . .\" ح ٤٦٤٤).\n(^٣) أخرجه البخاري من طريق هشام به بلفظ: \"ما أنزل الله إلا في أخلاق الناس\" (المصدر السابق ح ٤٦٤٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم (المستدرك ١/ ١٢٤) كلاهما من طريق عروة عن ابن عمر وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٥) أخرجه ابن مردويه بسند ضعيف (ينظر فتح الباري ٨/ ٣٠٥) ويتقوى بما سبق.\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور (ينظر فتح الباري ٨/ ٣٠٥) ويشهد له ما سبق في رواية البخاري.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده وسنته، وسنده صحيح إلى أُميّ لكنه معضل فإن أُميّ تابع تابعي.\n(^٨) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وفي الأصل صُحفت إلى: \"بن\".\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^١٠) أخرجه ابن مردويه من طريق عبد العزيز بن عبد الله الماجشون عن محمد بن المنكدر عن جابر بنحو رواية أُميّ. (ينظر تخريج الزيلعي على الكشاف ل ٢٢١)، وحسنه العراقي (ينظر اتحاف السادة المتقين ٧/ ٣١٨).\n(^١١) قال العراقي: رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث جابر وقيس بن عبادة بن الصامت وأنس بأسانيد حسان (المصدر السابق).\n(^١٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٤٨)، وسنده ضعيف لضعف علي بن يزيد وشيخه القاسم كما قرر الحافظ ابن كثير.","vol":"4","page":141},{"text":"قلت: ولكن علي بن يزيد وشيخه القاسم أبو عبد الرحمن فيهما ضعف.\nوقال البخاري: قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ العرف: المعروف، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحرُّ بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبابًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحرُّ لعيينة فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به، فقال له الحرُّ، يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ وإن هذا من الجاهلين، واللهِ ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافًا عند كتاب الله ﷿ (^١)، وانفرد بإخراجه البخاري.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى - قراءة -، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن عبد الله بن نافع، أن سالم بن عبد الله بن عمر مرَّ على عير لأهل الشام وفيها جرس، فقال: إن هذا منهي عنه، فقالوا: نحن أعلم بهذا منك، إنما يكره الجلْجل الكبير، فأما مثل هذا فلا بأس به، فسكت سالم وقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (^٢).\nوقول البخاري: العرف: المعروف، نصَّ عليه عروة بن الزبير والسدي وقتادة وابن جريج (^٣) وغير واحد.\nوحكى ابن جرير أنه يقال: أوليته معروفًا وعارفًا وعارفة، كلّ ذلك بمعنى المعروف، قال: وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف، ويدخل في ذلك جميع الطاعات وبالإعراض عن الجاهلين، وذلك وإن كان أمرًا لنبيه ﷺ فإنه تأديب لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم لا بالإعراض عمَّن جهل الحق الواجب من حق الله، ولا بالصفح عمَّن كفر بالله وجهل وحدانيته وهو للمسلمين حرب (^٤).\nوقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ قال: هذه أخلاق أمر الله بها نبيه ﷺ ودلَّه عليها (^٥)، وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى فسبكه في بيتين فيهما جناس، فقال:\nخذ العفو وأمر بعرف كما … أُمرت وأعرض عن الجاهلين\nولِن في الكلام لكلّ الأنام … فمستحسن من ذوي الجاه لين\nوقال بعض العلماء: الناس رجلان، فرجل محسن فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلّفه فوق طاقته ولا ما يحرجه، وإما مسيء فمره بالمعروف، فإن تمادى على ضلاله واستعصى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وما قبله (الصحيح، التفسير الباب نفسه (ح ٤٦٤٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الله بن نافع: ضعيف كما في التقريب.\n(^٣) أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عنهم.\n(^٤) ذكره الطبري بلفظه تقريبًا.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد به.","vol":"4","page":142},{"text":"عليك واستمر في جهله فأعرض عنه، فلعل ذلك أن يردّ كيده، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت] [أي هذه الوصية] (^١) وقال في هذه السورة الكريمة أيضًا ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ فهذه الآيات الثلاث في الأعراف والمؤمنون وحم السجدة لا رابع لهنّ، فإنه تعالى، يرشد فيهن إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف بالتي هي أحسن فإن ذلك يكفّه عمّا هو فيه من التمرد بإذنه تعالى، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به من شيطان الجان، فإن لا يكفّه عنك الإحسان وإنما يريد هلاكك ودمارك بالكلية، فإنه عدو مبين لك ولأبيك من قبلك.\n\n<span id=\"aya-1154\"></span>وقال ابن جرير في تفسير قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾: وإما يغضبنّك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهل ويحملك على مجازاته ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ يقول: فاستجر بالله من نزغه ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لجهل الجاهل عليك والاستعاذة به من نزغه، ولغير ذلك من كلام خلقه لا يخفى عليه منه شيء عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه (^٢).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ قال: يا ربِّ كيف بالغضب؟، فأنزل الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (^٣).\nقلت: وقد تقدم في أول الاستعاذة حديث الرجلين اللذين تسابّا بحضرة النبي ﷺ فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمرغ غضبًا، فقال رسول الله ﷺ: \"إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\" فقيل له: فقال: ما بي من جنون (^٤).\nوأصل النزغ الفساد إما بالغضب أو غيره، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] والعياذ: الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشرّ، وأما الملاذ ففي طلب الخير، كما قال أبو الطَّيب المتنبي في شعره:\nيا من ألوذُ به فيما أو ملّه … ومن أعوذ به مما أحاذره\nلا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره … ولا يهيضون عظمًا أنت جابره (^٥)\nوقد قدمنا أحاديث الاستعاذة في أول التفسير بما أغنى عن إعادته ههنا.\n_________\n(^١) ما بين معقوفين زيادة من (عم).\n(^٢) ذكره الطبري بلفظه وأطول.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن عبد الرحمن لكنه معضل لأن عبد الرحمن تابع تابعي.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير الاستعاذة.\n(^٥) ديوان المتنبي ٢/ ٢٧٢.","vol":"4","page":143},{"text":"<span id=\"aya-1155\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾.\nيخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر أنهم ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾ أي: أصابهم طيف. وقرأ الآخرون طائف (^١)، وقد جاء فيه حديث وهما قراءتان مشهورتان، فقيل بمعنى واحد، وقيل: بينهما فرق، ومنهم من فسّر ذلك بالغضب، ومنهم من فسّره بمسّ الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسّره بالهمّ بالذنب، ومنهم من فسّره بإصابة الذنب.\nوقوله: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ أي: عقاب الله وجزيل ثوابه ووعده، ووعيده، فتابوا وأنابوا واستعاذوا بالله ورجعوا إليه من قريب ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ أي: قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه.\nوقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ وبها طيف (^٢) فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني، فقال: \"إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك\" فقالت: بل أصبر ولا حساب عليّ (^٣)، ورواه غير واحد من أهل السنن وعندهم قالت: يا رسول الله إني أصرع وأتكشف، فادع الله أن يشفيني، فقال: \"إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة\" فقالت: بل أصبر ولي الجنة، ولكن ادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها فكانت لا تتكشف (^٤). وأخرجه الحاكم من مستدركه، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عمرو بن جامع من تاريخه أن شابًا كان يتعبد في المسجد، فهويته امرأة فدعته إلى نفسها، فما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ فخرّ مغشيًا عليه، ثم أفاق فأعادها، فمات، فجاء عمر فعزّى فيه أباه، وكان قد دفن ليلًا فذهب فصلّى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال: يا فتى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن] فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر قد أعطانيهما ربي ﷿ في الجنّة مرتين (^٥).\n\n<span id=\"aya-1156\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ﴾ أي: وأخوان الشياطين من الإنس كقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وهم أتباعهم والمستمعون لهم، القابلون لأوامرهم يمدّونهم في الغيّ أي: تساعدهم الشياطين على المعاصي وتسهلها عليهم وتحسّنها لهم.\n_________\n(^١) وكلا القرائتين متواترة.\n(^٢) أصل الطيف الجنون ثم استعمل في الغضب ومسّ الشيطان ووسوسته (النهاية ٣/ ٥٣٩).\n(^٣) أخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٢٩٠٩) والحاكم كلاهما من طريق محمد بن عمرو به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢١٨)، وحسنه الهيثمي بعد عزوه إلى البزار (المجمع ٢/ ٣١٠).\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ﵄ (صحيح البخاري، المرضى، باب فضل من يصرع من الريح ح ٥٦٥٢)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض (ح ٢٥٧٦).\n(^٥) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ١٩/ ١٩٠.","vol":"4","page":144},{"text":"وقال ابن كثير: المدّ الزيادة (^١). يعني: يزيدونهم في الغيّ يعني الجهل والسّفه ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ قيل: معناه: إن الشياطين تمدّ الإنس لا تقصر في أعمالهم بذلك، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ الآية، قال: لا الإنس يقصّرون عما يعملون، ولا الشياطين تمسك عنهم (^٢).\nوقيل: معناه كما رواه العوفي عن ابن عباس قي قوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ قال: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس ثم لا يقصرون، يقول: لا يسأمون (^٣)، وكذا قال السدي وغيره يعني: أن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس ولا تسأم من إمدادهم في الشر (^٤)، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية ﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾ لا تفتر فيه ولا تبطل عنه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم] قال ابن عباس وغيره: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا (^٥).\n\n<span id=\"aya-1157\"></span>﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يقول: لولا تلقيتها. وقال مرة أخرى: لولا أحدثتها فأنشأتها (^٦).\nوقال ابن جرير، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ قال: لولا اقتضيتها، قالوا: تخرجها عن نفسك (^٧)، وكذا قال قتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٨)، واختاره ابن جرير.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يقول: تلقيتها من الله تعالى (^٩).\nوقال الضحاك: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء (^١٠).\nومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أي: معجزة وخارق، كقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾ [الشعراء] يقولون للرسول ﷺ: ألا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله حتى نراها ونؤمن بها، قال الله تعالى له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير، وفي سنده الحسين، وهو ابن داود ضعيف. ومعناه اللغوي صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بمعناه.\n(^٥) سيأتي تخريجه في سورة مريم آية ٨٣.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف ويشهد له سابقه.\n(^٨) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بالرواية الأولى عن ابن عباس.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.","vol":"4","page":145},{"text":"رَبِّي﴾ أي: أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء، وإنما أتّبع ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إلي، فإن بعث آية قبلتها وإن منعها لم أسأله ابتداء إياها إلا أن يأذن لي في ذلك، فإنه حكيم عليم، ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات وأبيَن الدلالات وأصدق الحجج والبيّنات، فقال: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1158\"></span>﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾.\nلما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظامًا له واحترامًا، لا كما كان \"يتعمده\" كفار قريش المشركون في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، ولكن يتأكد ذلك من الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما جعل الإمام ليؤتمّ به فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا\" (^١). وكذا رواه أهل السنن من حديث أبي هريرة أيضًا، وصححه مسلم بن الحجاج أيضًا، ولم يخرجه في كتابه، وقال إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ والآية الأخرى، أمروا بالإنصات (^٢).\nقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب بن رافع قال ابن مسعود: كنّا يسلّم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾.\nوقال أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن يُسير بن جابر قال: صلّى ابن مسعود فسمع ناسًا يقرؤون مع الإمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا، أما آن لكم أن تعقلوا ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ كما أمركم الله (^٣).\nقال: وحدثني أبو السائب، حدثنا حفص، عن أشعث، عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار كان رسول الله ﷺ كلّما قرأ شيئًا قرأه، فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (^٤).\nوقد روى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث الزهري عن [أبي أُكَيمة] (^٥) الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: \"هل قرأ أحد منكم معي آنفًا؟ \" قال رجل: نعم يا رسول الله، قال: \"إني أقول ما لي أنازع القرآن\" قال: فانتهى الناس عن\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الصلاة، باب التشهد في الصلاة (ح ٤٠٤).\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري به، وسنده ضعيف لضعف إبراهيم ولكنه يتقوى بالمتابعة إذ رواه ابن أبي شيبة من طريق البختري عن أبي عياض به (المصنف، الصلوات في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ٢/ ٤٧٨) ويشهد له ما يلي عن ابن مسعود ﵁.\n(^٣) أخرجه الطبري الروايتين سندًا ومتنًا، والرواية الأولى فيها انقطاع بين المسيب وابن مسعود والرواية الثانية فيها انقطاع بين داود ويسير ولكن ابن أبي حاتم أخرجه بسند صحيح متصل من طريق داود بن أبي هند عن أبي نضرة، وهو المنذر بن مالك: ثقة، عن يسير به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال الزهري.\n(^٥) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وترجمته في التقريب، وفي الأصل صُحف إلى: \"ابن أكتمة\".","vol":"4","page":146},{"text":"القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (^١).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه أبو حاتم الرازي (^٢).\nوقال عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري: قال: لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرأون فيما لا يجهر به سرًا في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرًا ولا علانية، فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (^٣).\nقلت: هذا مذهب طائفة من العلماء أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر فيه الإمام لا الفاتحة ولا غيرها، وهو أحد قوليّ الشافعية، وهو القديم كمذهب مالك ورواية عن أحمد بن حنبل، لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة، وقال في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم.\nوقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: لا يجب على المأموم قراءة أصلًا في السرية ولا الجهرية بما ورد في الحديث: \"من كان له إمام فقراءته قراءة له\" وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر مرفوعًا، وهو في موطأ مالك عن وهب بن كيسان عن جابر موقوفًا (^٤)، وهذا أصح وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد أفرد لها الإمام أبو عبد الله البخاري مصنفًا على حدة (^٥)، واختار وجوب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية أيضًا، والله أعلم.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ يعني: في الصلاة المفروضة (^٦)، وكذا روي عن عبد الله بن المغفل (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا الجريري، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عُبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان، والقاصّ يقصّ، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إليّ ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت فنظرا إليّ وأقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة قال: فنظرا إليّ فقالا: إنما ذلك في الصلاة ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (^٨) وكذا قال سفيان الثوري، عن أبي هشام إسماعيل بن كثير، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣ ح ٧٨١٩)، وصححه محققوه، وأخرجه أبو داود في سننه، الصلاة، باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام (ح ٨٢٦) والترمذي وحسنه في سننه، الصلاة، باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة (ح ٣١٢)، والنسائي في \"سننه\" الإفتتاح، باب ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر ٢/ ١٤٠، وابن ماجه في سننه، إقامة الصلاة، باب إذا قرأ الإمام فانصتوا (ح ٨٤٨) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٦٩٠).\n(^٢) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ح ١٨٤٣).\n(^٣) سنده صحيح إلى الزهري.\n(^٤) تقدم تخريجه في مطلع تفسير سورة الفاتحة.\n(^٥) وقد طبع عدة طبعات.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي المقدام،- وهو ثابت بن هرمز الكوفي -، عن عبد الله بن المغفل.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"4","page":147},{"text":"قال: في الصلاة (^١)، وكذا رواه غير واحد عن مجاهد.\nوقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم (^٢). وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وقتادة والشعبي والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن المراد بذلك في الصلاة (^٣).\nوقال شعبة، عن منصور: سمعت إبراهيم بن أبي حمزة يحدث أنه سمع مجاهدًا يقول في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة (^٤)، وكذا روى ابن جريج عن عطاء مثله (^٥).\nوقال هشيم، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: في الصلاة وعند الذكر (^٦).\nوقال ابن المبارك، عن بقية: سمعت ثابت بن عجلان يقول: سمعت سعيد بن جبير يقول في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما يجهر به الإمام من الصلاة (^٧). وهذا اختيار ابن جرير أن المراد من ذلك الإنصات في الصلاة وفي الخطبة، كما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة.\nوقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد أنه كره إذا مرّ الإمام بآية خوف أو بآية رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئًا، قال: السكوت (^٨).\nوقال مبارك بن فضالة، عن الحسن: إذا جلست إلى القرآن فأنصت له (^٩).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبَّاد بن ميسرة، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من استمع إلى آية من كتاب الله كُتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة\" (^١٠). تفرد به الإمام أحمد رحمه الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-1159\"></span>\n\n<span id=\"aya-1160\"></span>﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾.\nيأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره كثيرًا، كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) قول سعيد بن جبير وقتادة والسدي وعبد الرحمن أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق شعبة به وأخرجه من طرق أخرى يقوي بعضها بعضًا عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك به، وسنده حسن.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده حسن.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مبارك بن فضالة به، وسنده حسن.\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ١٩١ - ١٩٢ ح ٨٤٩٤)، وضعف سنده محققوه لضعف عباد، والحسن لم يسمع من أبي هريرة.","vol":"4","page":148},{"text":"ليلة الإسراء، وهذه الآية مكية. وقال ههنا: بالغدو، وهو أول النهار، والآصال: جمع أصيل كما أن الأيمان جمع يمين، وأما قوله: ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ أي: اذكر ربك في نفسك رغبة ورهبة وبالقول لا جهرًا، ولهذا قال: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداءً وجهرًا بليغًا، ولهذا لما سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] (^١).\nوفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي ﷺ: \"يا أيها الناس اربِعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته\" (^٢).\nوقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء] فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبّوه وسبّوا من أنزله وسبّوا من جاء به، فأمره الله تعالى أن لا يجهر به لئلا ينال منه المشركون ولا يخافت به عن أصحابه فلا يسمعهم، وليتخذ سبيلًا بين الجهر والإسرار، وكذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾.\nوقد زعم ابن جرير وقبله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٣) أن المراد بها أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة. وهذا بعيد منافٍ للإنصات المأمور به، ثم إن المراد بذلك في الصلاة كما تقدم أو في الصلاة والخطبة، ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان، سواء كان سرًا أو جهرًا، فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه، بل المراد الحضّ على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال، لئلا يكونوا من الغافلين، ولهذا مدح الملائكة الذين يسبّحون الليل والنهار لا يفترون، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ الآية، وإنما ذكرهم بهذا ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم، ولهذا شرع لنا السجود ههنا لما ذكر سجودهم لله ﷿، كما جاء في الحديث: \"ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها يتمّون الصفوف الأول فالأول، ويتراصون في الصف\" (^٤) وهذه أول سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع، وقد ورد في حديث رواه ابن ماجه عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه عدّها في سجدات القرآن (^٥).\nآخر تفسير سورة الأعراف، ولله الحمد والمنّة.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٨٦.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٨٦.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بلفظ: \"لا يجهر بذلك\".\n(^٤) صحيح مسلم، الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة (ح ٤٣٠).\n(^٥) سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب عدد سجود القرآن (ح ١٠٥٦)، وضعفه البوصيري بسبب وجود عثمان بن فائد وهو ضعيف (مصباح الزجاجة ١/ ٣٥٣).","vol":"4","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-114>سُوْرَةُ الأَنْفَالِ</span>\nوهي مدنية\nآياتها سبعون وست آيات. كلماتها ألف كلمة وستمائة كلمة وإحدى وثلاثون كلمة. حروفها خمسة آلاف ومائتان وأربعة وتسعون حرفًا، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1161\"></span>﷽\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾.\nقال البخاري: قال ابن عباس: الأنفال المغانم، حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﵄: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر (^١).\nأما ما علَّقه عن ابن عباس فكذلك رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: الأنفال الغنائم، كانت لرسول الله ﷺ خالصة ليس لأحد منها شيء (^٢). وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك وقتادة وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: أنها الغنائم (^٣).\nوقال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال: الأنفال الغنائم (^٤).\nقال فيها لبيد (^٥):\nإن تقوى ربنا خير نفل … وبإذن الله ريثى وعجل\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلًا يسأل ابن عباس عن الأنفال، فقال ابن عباس ﵄: الفرس من النفل والسلب من النفل. ثم عاد لمسألته فقال ابن عباس ذلك أيضًا ثم قال الرجل:\n_________\n(^١) أخرج البخاري المعلق والموصول بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير باب قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ. . .﴾ [الأنفال] ح ٤٦٤٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد وعطاء، وهو ابن أبي رباح، وقتادة وعبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة إليهم، وقول عطاء الخراساني أخرجه في تفسيره بتحقيقي.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف الكلبي وأبي صالح ويتقوى بما سبق.\n(^٥) وهو الصحابي الجليل الشاعر لبيد بن ربيعة ﵁، والبيت ورد في ديوانه ٢/ ١١ ومجاز القرآن ١/ ٢٤٠ وتفسير الطبري.","vol":"4","page":150},{"text":"الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ (^١) الذي ضربه عمر بن الخطاب (^٢).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب ﵁: إذا سئل عن شيء قال لا آمرك ولا أنهاك. ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نبيه ﷺ إلا زاجرًا آمرًا محللًا محرمًا. قال القاسم: فسلّط على ابن عباس رجل فسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل يُنفَّل فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل فقال له مثل ذلك، ثم عاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب حتى سالت الدماء على عقبيه أو على رجليه، فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك (^٣). وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، أنه فسر النفل بما ينفِّله الإمام لبعض الأشخاص من سلب أو نحوه بعد قسم أصل المغنم وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل، والله أعلم.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إنهم سألوا رسول الله ﷺ عن الخُمس بعد الأربعة من الأخماس، فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (^٤).\nوقال ابن مسعود ومسروق: لا نفل يوم الزَّحف، إنما النفل قبل التقاء الصفوف، رواه ابن أبي حاتم عنهما (^٥).\nوقال ابن المبارك وغير واحد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح في الآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: يسألونك فيما شذَّ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابّة أو عبد أو أمة أو متاع فهو نفل للنبي ﷺ يصنع به ما يشاء (^٦). وهذا يقتضي أنه فسر الأنفال بالفيء وهو: ما أُخذ من الكفار من غير قتال.\nقال ابن جرير: وقال آخرون: هي أنفال السرايا، حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا علي بن صالح بن حُيّ، قال: بلغني في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال السرايا (^٧).\nومعنى هذا ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش. وقد صرح بذلك الشعبي (^٨).\n_________\n(^١) هو صبيغ بن عسل ذكر قصته الحافظ ابن حجر (الإصابة ٢/ ١٩٨).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام مالك به (الموطأ ٢/ ٣٦٣) وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به، وسنده ضعيف للإرسال.\n(^٥) قول ابن مسعود أخرجه ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة من طريق جابر بن يزيد الجعفي عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن ابن مسعود (المصنف، الجهاد، باب في النفل ح ١٥١٢٨) وسنده ضعيف لضعف جابر ويتقوى بقول مسروق فقد أخرجه ابن زنجويه بسند صحيح من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن مسروق (الأموال ١/ ٦٦٨ رقم ١١٦٢).\n(^٦) أخرجه الطبري والطحاوي (شرح معاني الآثار ٣/ ٢٧٨) كلاهما من طريق ابن المبارك به وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري معلقًا وبسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق صالح بن حُيّ.","vol":"4","page":151},{"text":"واختار ابن جرير أنها زيادة على القسم، ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية وهو ما رواه الإمام أحمد، حيث قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي، عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر وقتل أخي عمير قتلتُ سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يُسمى ذا الكَتيفة (^١)، فأتيت به النبي ﷺ فقال؛ \"اذهب فاطرحه في القبض\" قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله، من قتل أخي وأخذ سلبي، قال: فما جاوزت إلا يسيرًا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله ﷺ: \"اذهب فخذ سلبك\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك، قال: قلت يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السَّيف، فقال: \"إن هذا السَّيف لا لك ولا لي، ضعه\" قال: فوضعته، ثم رجعت فقلت: عسى أن يعطي هذا السَّيف من لا يبلي بلائي، قال: فإذا رجل يدعوني من ورائي قال: قلت: قد أنزل الله فيّ شيئًا؟ قال: كنت سألتني السيف وليس هو لي، وإنه قد وهب لي، فهو لك. قال: وأنزل الله هذه الآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^٣). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن أبي بكر بن عياش به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٤).\nوهكذا رواه أبو داود الطيالسي، أخبرنا شعبة أخبرنا سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد، قال: نزلت فيّ أربع آيات، أصبت سيفًا يوم بدر فأتيت النبي ﷺ فقلت نفلنيه، فقال: \"ضعه من حيث أخذته\" مرتين، ثم عاودته فقال النبي ﷺ: \"ضعه من حيث أخذته\" فنزلت هذه الآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (^٥) الآية وتمام الحديث، في نزول ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] وآية الوصية، وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة به (^٦).\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف ابن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى بالمرزبان، فلما أمر رسول الله ﷺ الناس أن يردّوا ما في أيديهم من النفل، أقبلت به فألقيته في النفل، وكان رسول الله ﷺ لا يمنع شيئًا يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فسأله رسول الله ﷺ فأعطاه إياه (^٧) ورواه ابن جرير من وجه آخر.\n_________\n(^١) أي السيف العريض.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٢٩ ح ١٥٥٦)، قال محققوه: حسن لغيره. اهـ. ويتقوى بلاحقه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٣/ ١١٧ ح ١٥٣٨) وحسنه محققوه.\n(^٤) سنن أبي داود، الجهاد، باب في النفل (ح ٢٧٤٠)، وسنن الترمذي تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنفال (ح ٣٠٧٩)، والسنن الكبرى، التفسير (ح ٢١٦).\n(^٥) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٨ ح ٢٠٨).\n(^٦) صحيح مسلم، الجهاد، باب الأنفال (ح ٣٤/ ١٧٤٨).\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لإبهام شيخ عبد الله بن أبي بكر.","vol":"4","page":152},{"text":"(سبب آخر في نزول الآية):\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أُمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر، نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين، عن بواء يقول: عن سواء (^١).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية بن عمرو، أخبرنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس، فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غِرَّة (^٢)، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ: خفنا أن يصيب العدو منه غرَّة فاشتغلنا به، فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فقسمها رسول الله ﷺ بين المسلمين وكان رسول الله ﷺ إذا أغار في أرض العدو نفَّل الرُّبع، فإذا أقبل راجعًا نفَّل الثلث، وكان يكره الأنفال (^٣).\nورواه الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث به نحوه، قال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الرحمن بن الحارث، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه (^٤).\nوروى أبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه واللفظ له، وابن حبان والحاكم من طرق عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ: \"من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا\" فتسارع في ذلك شُبَّان القوم وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم جاؤوا يطلبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا رِدءً لكم لو انكشفتم لفئتم إلينا. فتنازعوا فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق، ومن طريق يعقوب عن أبيه عن ابن إسحاق به وفي آخر كل طريق بلفظ: \"على السواء\" (المسند ٣٧/ ٤١٠ ح ٢٢٧٤٧ و٣٧/ ٤١٤ ح ٢٢٧٥٣) وقال محققوه: حسن لغيره.\n(^٢) أي غفلة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده نحوه (المسند ٣٧/ ٤٢١ ح ٢٢٧٦٢)، قال محققوه: حسن لغيره.\n(^٤) سنن الترمذي، السير، باب في النفل (ح ١٥٦١) مختصرًا وحسنه، وسنن ابن ماجه، الجهاد، باب في النفل (ح ٢٨٥٢)، موارد الظمآن (ح ١٦٩٣ والمستدرك ٢/ ١٣٦)، وصححه ووافقه الذهبي.\n(^٥) أخرجه أبو داود، السنن، الجهاد، باب في النفل (ح ٢٧٣٧)، والنسائي في السنن الكبرى، التفسير =","vol":"4","page":153},{"text":"وقال الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ: \"من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، ومن أتى أسيرًا فله كذا وكذا\". فجاء أبو اليسر بأسيرين فقال: يا رسول الله صلى الله عليك، أنت وعدتنا، فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إنك لو أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر، ولا جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك مخافة أن يأتوك من ورائك، فتشاجروا ونزل القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، قال: ونزل القرآن ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] إلى آخر الآية (^١).\nوقال الإمام أبو عبيد الله القاسم بن سلام ﵀ في كتاب \"الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها\": أما الأنفال فهي المغانم وكل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب، فكانت الأنفال الأولى لرسول الله ﷺ، يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فقسمها يوم بدر على ما أراه الله من غير أن يخمِّسها على ما ذكرناه في حديث سعد، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس فنسخت الأولى (^٢).\nقلت: هكذا روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس سواء (^٣)، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي (^٤).\nوقال ابن زيد: ليست منسوخة بل هي محكمة (^٥).\nقال أبو عبيد: وفي ذلك آثار، والأنفال أصلها جماع الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة، ومعنى الأنفال في كلام العرب كل إحسان فعله فاعل تفضلًا، من غير أن يجب ذلك عليه، فذلك النفل الذي أحلَّه الله للمؤمنين من أموال عدوهم، وإنما هو شيء خصَّهم الله به تطولًا منه عليهم بعد أن كانت الغنائم محرَّمة على الأمم قبلهم، فنفَّلها الله تعالى هذه الأمة، فهذا أصل النفل (^٦).\nقلت: شاهد هذا ما في الصحيحين عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"أُعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي - فذكر الحديث إلى أن قال:- وأُحلَّت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي\". وذكر تمام الحديث (^٧).\nثم قال أبو عبيد: ولهذا سمى ما جعل الإمام للمقاتلة نفلًا، وهو تفضيله بعض الجيش على\n_________\n= (ح ٢١٧)، وتفسير الطبري وتفسير ابن مردويه (كما في تغليق التعليق ٤/ ٢١٥، فقد ذكره بسنده كاملًا) وموارد الظمآن (ح ١٧٤٣)، والمستدرك ٢/ ١٣١ وصححه ووافقه الذهبي.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري به وسنده ضعيف جدًا لأن الكلبي قد صرح أن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب.\n(^٢) الأموال ص ٤٢٦.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) قول مجاهد وعكرمة أخرجه الطبري بسندين صحيحين عنهما، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا ويشهد لها ما سبق.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بمعناه.\n(^٦) الأموال ص ٤٣١.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٤٣.","vol":"4","page":154},{"text":"بعض بشيء سوى سهامهم يفعل ذلك بهم على قدر الغناء عن الإسلام والنكاية في العدو، وفي النفل الذي ينفِّله الإمام سنن أربع لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى:\n(فإحداهن): في النفل لا خمس فيه وذلك السلب.\n(والثانية): النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس وهو أن يوجِّه الإمام السرايا في أرض الحرب، فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث بعد الخمس.\n(والثالثة): في النفل من الخمس نفسه، وهو أن تحاز الغنيمة كلها، ثم تخمس فإذا صار الخُمس في يدي الإمام، نفل منه على قدر ما يرى.\n(والرابعة): في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يخمِّس منها شيء، وهو أن يعطي الأدلاء ورعاة الماشية والسوّاق لها. وفي كل ذلك اختلاف.\nقال الربيع: قال الشافعي: الأنفال أن لا يخرج من رأس الغنيمة قبل الخُمس شيء غير السلب.\nقال أبو عبيد: والوجه الثاني من النفل هو شيء زيدوه غير الذي كان لهم وذلك من خُمس النبي ﷺ، فإن له خُمس الخُمس من كل غنيمة، فينبغي للإمام أن يجتهد، فإذا كثر العدو واشتدَّت شوكتهم وقلَّ من بإزائه من المسلمين، نفَّل منه اتباعًا لسنة رسول الله ﷺ وإذا لم يكن ذلك لم ينفل.\n(والوجه الثالث): من النفل إذا بعث الإمام سرية أو جيشًا فقال لهم قبل اللِّقاء من غنم شيئًا، فهو له، بعد الخمس فهو لهم على ما شرط الإمام، لأنهم على ذلك غزوا وبه رضوا (^١)، انتهى كلامه.\nوفيما تقدم من كلامه وهو قوله: إن غنائم بدر لم تُخمَّس نظر. ويردُّ عليه حديث علي بن أبي طالب، في شارفيه (^٢) اللذين حصلا له من الخمس يوم بدر، وقد بيّنت ذلك في كتاب السيرة (^٣) بيانًا شافيًا، ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: اتقوا الله في أموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: في قسمه بينكم على ما أراده الله، فإنه إنما يقسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف.\nوقال ابن عباس: هذا تحريج من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم (^٤). وكذا قال مجاهد (^٥)، وقال السدي: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: لا تستبوا.\nولنذكر ههنا حديثًا أورده الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي ﵀، في مسنده\n_________\n(^١) الأموال ص ٤٣١.\n(^٢) الشارف: الناقة المُسنَّة.\n(^٣) ينظر السيرة النبوية لابن كثير ٢/ ٢٦٦ وقد وردت القصة في الصحاح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مجاهد عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.","vol":"4","page":155},{"text":"فإنه قال: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا عبَّاد بن شيبة [الحبطي] (^١)، عن سعيد بن أنس، عن أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ فقال: \"رجلان من أُمتي جثيا بين يديّ ربِّ العزة ﵎، فقال أحدهما: يا ربِّ خذ لي مظلمتي من أخي. فقال الله تعالى؛ أعط أخاك مظلمته، قال: يا ربِّ لم يبق من حسناتي شيء قال: ربِّ فليحمل عني من أوزاري\". قال: ففاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء ثم قال: \"إن ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك وانظر في الجنان فرفع رأسه فقال: يا ربِّ أرى مدائن من فضة وقصورًا من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى ثمنه، قال: ربِّ ومن يملك ثمنه؟ قال أنت تملكه، قال: ماذا يا ربّ؟ قال: تعفو عن أخيك، قال: يا ربِّ، فإني قد عفوت عنه، قال الله تعالى: خذ بيد أخيك، فادخلا الجنة\". ثم قال رسول الله ﷺ: \"فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-1162\"></span>﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه. ولا يؤمنون بشيء من آيات الله ولا يتوكلون ولا يصلون إذا غابوا ولا يؤدون زكاة أموالهم، فاخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف الله المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فأدوا فرائضه ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ يقول زادتهم تصديقًا ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: لا يرجون غيره (^٣).\nوقال مجاهد: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَرَقت (^٤). أي: فزعت وخافت، وكذا قال السدي (^٥) وغير واحد، وهذه صفة المؤمن حق الإيمان الذي إذا ذكر الله وجل قلبه أي: خاف منه، ففعل أوامره وترك زواجره، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران]،\n_________\n(^١) كذا في (عم) ومسند أبي يعلى وفي الأصل و(مح) صحفت إلى: \"الحنظلي\".\n(^٢) سنده ضعيف جدًا أخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن بكر السهمي به وصححه، وتعقبه الذهبي فقال: عباد بن شيبة الحبطي عن سعيد، والأول ضعيف، وشيخه لا يُعرف (المستدرك ٤/ ٥٧٦)، وضعف سنده ابن حبان (المجروحين ٢/ ١٧١)، وقال البخاري: سعيد بن أنس عن أنس عن النبي ﷺ في المظالم لا يُتابع عليه. (التاريخ الكبير ٣/ ٤٥٩).\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"4","page":156},{"text":"وكقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات] ولهذا قال سفيان الثوري: سمعت السدي يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: هو الرجل يريد أن يظلم أو قال يهم بمعصية فيقال له: اتقِّ الله فيجلّ قلبه (^١).\nوقال الثوري أيضًا عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن شهر بن حوشب [عن أبي الدرداء] (^٢) في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: الوجل في القلب كاحتراق السعفة، أما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى. قالت: إذا وجدت ذلك فادع الله عند ذلك، فإن الدعاء يذهب ذلك (^٣).\nوقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، كقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة].\nوقد استدلَّ البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأُمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد، كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.\n﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: لا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان (^٤).\n\n<span id=\"aya-1163\"></span>وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ ينبه تعالى بذلك على أعمالهم بعدما ذكر اعتقادهم وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، وهو إقامة الصلاة وهو حق الله تعالى.\nوقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها (^٥).\nوقال مقاتل بن حيان: إقامتها المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور فيها وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها والتشهد والصلاة على النبي ﷺ هذا إقامتها (^٦). والإنفاق مما رزقهم الله يشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب. والخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه.\nقال قتادة في قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، فأنفقوا مما رزقكم الله فإنما هذه الأموال عواري\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن المبارك عن الثوري به.\n(^٢) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وتفسير الطبري وفي الأصل: \"عن أم الدرداء\".\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الثوري به. وسنده منقطع لأن شهرًا لم يسمع من أبي الدرداء (جامع التحصيل ص ٢٤٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق محمد بن فضيل عن أبي سنان ضرار بن مرة عن سعيد بن جبير (المصنف ١٣/ ٥٣٨ رقم ١٧١٩١).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان.","vol":"4","page":157},{"text":"وودائع عندك يا ابن آدم أوشكت أن تفارقها (^١).\n\n<span id=\"aya-1164\"></span>وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي: المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو كريب، حدثنا [زيد] (^٢) بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد السكسكي، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن أبي الجهم، عن الحارث بن مالك الأنصاري، أنه مرَّ برسول الله فقال له: \"كيف أصبحت يا حارث؟ \" قال: أصبحت مؤمنًا حقًّا، قال: \"انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ \" فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربّي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. فقال: \"يا حارث عرفت فالزم\" ثلاثًا (^٣).\nوقال عمرو بن مرة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾: إنما أنزل القرآن بلسان العرب كقولك فلان سيد حقًا، وفي القوم سادة. وفلان تاجر حقًا، وفي القوم تجَّار. وفلان شاعر حقًّا، وفي القوم شعراء (^٤).\nوقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: منازل ومقامات ودرجات في الجنات كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران] ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: يغفر لهم السيئات ويشكر لهم الحسنات.\nوقال الضحّاك في قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد (^٥)، ولهذا جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء\". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم فقال: \"بلى والّذي نفسي بيده، لرجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\" (^٦). وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى كما تراءون الكوكب الغابر في أفق\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) كذا في (عم) و(مح) والمعجم الكبير للطبراني وفي الأصل صحف إلى: \"يزيد\".\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ٢٦٦) قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة، وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه (المجمع ١/ ٥٧)، وأخرجه البزار من طريق يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس بنحوه ثم قال: تفرد به يوسف وهو لين الحديث. قال الحافظ ابن حجر: وله شاهد من حديث حارثة نفسه في المعجم الكبير، ولكنه قال: عن الحارث بن مالك، وفي إسناده ابن لهيعة، وله طرق ذكرتها في ترجمة الحارث بن مالك من كتابي الصحابة (مختصر زوائد مسند البزار ١/ ٧٦ ح ٢٣)، ويقصد بكتاب الصحابة: الإصابة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي سنان سعيد بن سنان عن عمرو بن مرة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سلمة بن نبيط عن الضحاك.\n(^٦) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب صفة الجنة (ح ٣٢٥٦)، وصحيح مسلم، الجنة، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة (ح ٢٨٣١).","vol":"4","page":158},{"text":"السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما\" (^١).\n\n<span id=\"aya-1165\"></span>\n\n<span id=\"aya-1166\"></span>﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾.\nقال الإمام أبو جعفر الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾، فقال بعضهم: شُبِّه به في الصلاح للمؤمنين اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم وطاعتهم لله ورسوله، ثم روى عن عكرمة نحو هذا (^٢)، ومعنى هذا: أن الله تعالى يقول كما أنكم لما اختلفتم في المغانم وتشاححّتم فيها فانتزعها الله منكم وجعلها إلى قسمه، وقسم رسوله ﷺ فقسمها على العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامَّة لكم، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة، وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم وإحراز عيرهم، فكان عاقبة كراهتكم للقتال بأن قدره لكم وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد رشدًا وهدى، ونصرًا وفتحًا، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة].\nقال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾، على كره من فريق من المؤمنين كذلك هم كارهون للقتال فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم (^٣). ثم روى عن مجاهد نحوه أنه قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ قال: كذلك يجادلونك في الحق (^٤).\nوقال السدي: أنزل الله في خروجه إلى بدر ومجادلتهم إياه، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾ لطلب المشركين ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ (^٥).\nوقال بعضهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] مجادلة كما جادلوك يوم بدر فقالوا: أخرجتنا للعير ولم تعلمنا قتالًا فنستعد له. قلت: رسول الله ﷺ إنما خرج من المدينة طالبًا لعير أبي سفيان التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام فيها أموال جزيلة لقريش فاستنهض رسول الله ﷺ المسلمين من خفَّ منهم فخرج في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وطلب نحو الساحل من على طريق بدر، وعلم أبو سفيان بخروج رسول الله ﷺ في طلبه، فبعث ضمضم بن عمرو نذيرًا إلى\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من طريق عطية به (المسند ١٧/ ٣٠٢ ح ١١٢٠٦) وضعفه محققوه، وكذا أخرجه أبو داود، السنن، الحروف والقراءات (ح ٣٩٨٧)، والترمذي في سننه، المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق (ح ٣٦٥٨)، وابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فضائل أصحاب رسول الله ﷺ (ح ٩٦)، وهذا الحديث يتقوى شقه الأول بما تقدم في الصحيحين، وأما الشق الثاني فيشهد له حديث: أصحابي كالنجوم … أورده الألباني في السلسلة الصحيحة، فيكون الحديث حسنًا لغيره.\n(^٢) ذكره الطبري بلفظه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عن عكرمة.\n(^٣) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"4","page":159},{"text":"أهل مكة، فنهضوا في قريب من ألف مقنع ما بين التسعمائة إلى الألف وتيامن أبو سفيان بالعير إلى سيف البحر، فنجا وجاء النفير فوردوا ماء بدر، وجمع الله بين المسلمين والكافرين على غير ميعاد لما يريد الله تعالى من إعلاء كلمة المسلمين ونصرهم على عدوهم والتفرقة بين الحق والباطل كما سيأتي بيانه، والغرض أن رسول الله ﷺ لما بلغه خروج النفير أوحى الله إليه يعده إحدى الطائفتين إما العير وإما النفير، ورغب كثير من المسلمين إلى العير لأنه كسب بلا قتال، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (^١).\nقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: \"إني أُخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعلَّ الله أن يغنمناها؟ \" فقلنا: نعم، فخرج وخرجنا، فلما سرنا يومًا أو يومين، قال لنا: \"ما ترون في قتال القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟ \" فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ولكنَّا أردنا العير، ثم قال: \"ما ترون في قتال القوم؟ \" فقلنا مثل ذلك. فقال المقداد بن عمرو: إذًا لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] قال: فتمنَّينا معشر الأنصار أن لو قلنا كما قال المقداد أحبّ إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، قال: فأنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾ (^٢). وذكر تمام الحديث ورواه ابن أبي حاتم من حديث ابن لهيعة بنحوه (^٣).\nوروى ابن مردويه أيضًا من حديث محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن جده قال: خرج رسول الله ﷺ إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: \"كيف ترون؟ \" فقال أبو بكر: يا رسول الله بلغنا أنهم بمكان كذا وكذا، قال: ثم خطب الناس فقال: \"كيف ترون؟ \" فقال عمر: مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال: \"كيف ترون؟ \" فقال سعد بن معاذ يا رسول الله إيانا تريد؟ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرنَّ معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له، فَصِلْ حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعادِ من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ\n_________\n(^١) هذه القصَّة ذكرها ابن هشام في السيرة ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧ وابن كثير في البداية والنهاية ٣/ ٢٦٠.\n(^٢) أخرجه الطبراني عن بكر بن سهل به (المعجم الكبير ٤/ ٢٠٨ - ٢١١ ح ٤٠٥٦) وحسنه الهيثمي (المجمع ٦/ ٧٣)، وفي سنده ابن لهيعة ويتقوى برواية الطبري فقد روي من طريق عبد الله بن وهب وابن المبارك عن ابن لهيعة دون ذكر سبب النزول وسندها حسن.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق زيد بن الحباب عن ابن لهيعة به، وسنده حسن.","vol":"4","page":160},{"text":"وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾ الآيات (^١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: لما شاور النبي ﷺ في لقاء العدو، وقال له سعد بن عبادة ما قال وذلك يوم بدر أمر الناس أن يتهيئوا للقتال وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان فأنزل الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ (^٢).\n[وقال مجاهد: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ في القتال.\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾] (^٣) أي: كراهية للقاء المشركين، وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم (^٤).\nوقال السدي: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ أي: بعدما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله به (^٥).\nقال ابن جرير: وقال آخرون: عُنى بذلك المشركين، حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ قال: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يُساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام وهم ينظرون. قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر (^٦).\nثم قال ابن جرير: ولا معنى لما قاله، لأن الذي قبل قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ خبر عن أهل الإيمان والذي يتلوه خبر عنهم. والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق: أنه خبر عن المؤمنين (^٧).\nوهذا الذي نصره ابن جرير هو الحق وهو الذي يدل عليه سياق الكلام، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1167\"></span>\n\n<span id=\"aya-1168\"></span>وقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا يحيى بن بكير وعبد الرزاق قالا: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس بن عبد المطلب - قال عبد الرزاق وهو أسير في وثاقه -: إنه لا يصلح لك، قال ولِمَ؟ قال: لأن الله ﷿ إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك الله ما وعدك (^٨). إسناد جيد ولم يخرجوه.\n_________\n(^١) سنده حسن بسابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(حم) و(مح).\n(^٤) ورد في سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٢، وأخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٧) ذكره الطبري بنحوه مع تقديم وتأخير.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٦٦ ح ٢٠٢٢)، وأخرجه الترمذي من طريق إسرائيل به وحسنه، (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنفال ح ٣٠٨٠)، وكذا الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٣٥)، وجوده الحافظ ابن كثير.","vol":"4","page":161},{"text":"ومعنى قوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أي: يحبون أن الطائفة التي لا حدّ لها ولا منعة ولا قتال تكون لهم وهي العير، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال ليظفركم بهم وينصركم عليهم، ويظهر دينه ويرفع كلمة الإسلام ويجعله غالبًا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي يدبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يُحبّون خلاف ذلك فيما يظهر لهم كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].\nوقال محمد بن إسحاق ﵀: حدثني محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس، كل قد حدثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا: لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلًا من الشام ندب المسلمين إليهم، وقال هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعلَّ الله أن ينفلِّكموها، فانتدب الناس فخفّ بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنُّوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربًا، وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان تخوفًا على أمر الناس، حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى أهل مكة وأمره أن يأتي قريشًا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة، وخرج رسول الله ﷺ في أصحابه، حتى بلغ واديًا يقال له: ذفران، فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار رسول الله ﷺ الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر ﵁ فقال، فأحسن. ثم قام عمر ﵁ فقال، فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله به، فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد، - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله ﷺ، خيرًا ودعا له بخير، ثم قال رسول الله ﷺ: \"أشيروا علي أيها الناس\". وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله إنا برآء من زمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في زمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، وكان رسول الله ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما قال رسول الله ﷺ ذلك قال له سعد بن معاذ: والله لكأنَّك تريدنا يا رسول الله؟ قال: \"أجل\". فقال: آمنَّا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله فوالّذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبر عند الحرب صُدق عند اللقاء، ولعلَّ الله يريك منَّا ما تقرّ به عينك،","vol":"4","page":162},{"text":"فسِر بنا على بركة الله، فسُر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال: \"سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنِّي الآن أنظر إلى مصارع القوم\" (^١).\nوروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا (^٢)، وكذلك قال السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد من علماء السلف والخلف، اختصرنا أقوالهم اكتفاء بسياق محمد بن إسحاق (^٣).\n\n<span id=\"aya-1169\"></span>﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نوح قُراد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زُميل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر، نظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: \"اللّهم أنجز لي ما وعدتني، اللّهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تُعبد في الأرض أبدًا\" قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ فلما كان يومئذٍ التقوا، فهزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلًا وأسر منهم سبعون رجلًا، واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليًا فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا فقال رسول الله ﷺ: \"ما ترى يا ابن الخطاب؟ \" قال: قلت: ما أرى ما رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنِّي من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكِّن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكِّن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلتُ، وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر وهما يبكيان فقلت: ما يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. قال النبي ﷺ: \"للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة\" لشجرة قريبة من النبي ﷺ وأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] من الغداء ثم أحل لهم الغنائم. فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقُتل منهم سبعون، وفرَّ أصحاب\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن إذ يشهد له ما سبق وما لحق.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما سبق.\n(^٣) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه مختصرًا وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه، مختصرًا، وهذه الروايات يقوي بعضها بعضًا وتتقوى بما سبق أيضًا.","vol":"4","page":163},{"text":"النبي ﷺ عن النبي ﷺ وكُسرت ربَاعيته، وهشِّمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران] بأخذكم الفداء (^١). ورواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طرق عن عكرمة بن عمار به وصححه علي بن المديني والترمذي وقالا: لا يعرف إلا من حديث عكرمة بن عمار اليمامي (^٢).\nوهكذا روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس أن هذه الآية الكريمة قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ في دعاء النبي ﷺ (^٣)، وكذا قال: [زيد بن يُثيع] (^٤) والسدي وابن جريج.\nوقال أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح قال: لما كان يوم بدر جعل النبي ﷺ يناشد ربه أشدَّ المناشدة يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله بعض نشدتك فوالله ليفيَنَّ الله لك بما وعدك (^٥).\nقال البخاري في كتاب المغازي باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ٢١١]: حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحبّ إليَّ مما عدل به، أتى النبي- ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤] ولكنَّا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره (^٦).\nحدثني محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: \"اللهم أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد\" فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك. فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ (^٧) [القمر] ورواه النسائي عن بندار، عن عبد الوهاب، عن عبد المجيد الثقفي (^٨).\nوقوله تعالى: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أي: يردف بعضهم بعضًا كما قال [هارون بن عنترة] (^٩)، عن ابن عباس ﴿مُرْدِفِينَ﴾ متتابعين (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦ ح ٢٢١) وحسن سنده محققوه.\n(^٢) صحيح مسلم، الجهاد، باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين (ح ١٧٦٣) وسنن أبي داود، الجهاد، باب في فداء الأسير بالمال (ح ٢٦٩٠) مختصرًا وسنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنفال (ح ٣٠٨١) وتفسير الطبري.\n(^٣) أخرجه الطبري من الطريقين مختصرًا، وطريق علي يقوي طريق العوفي.\n(^٤) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحفت إلى: \"يزيد بن تبيع\".\n(^٥) أخرجه الطبري بأسانيده عن السدي وابن جريج وزيد بن يثيع وأبي صالح، وهذه الأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٦) (^٧) أخرجهما البخاري بسنديه ومتنيه وكتابه وبابه (ح ٣٩٥٢، ٣٩٥٣).\n(^٨) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٥٥٧).\n(^٩) كذا في (عم) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صحف إلى: \"هارون بن هبيرة\".\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس، وسنده حسن، وقد أخرجه الطبري من طرق أخرى كما يلي.","vol":"4","page":164},{"text":"ويحتمل أن المراد ﴿مُرْدِفِينَ﴾ لكم: أي نجدة لكم كما قال العوفي عن ابن عباس: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ يقول المدد، كما تقول: ائت الرجل فزده كذا وكذا (^١).\nوهكذا قال مجاهد وابن كثير القاري وابن زيد: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ ممدين (^٢).\nوقال أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ قال: وراء كل ملك ملك (^٣). وفي رواية بهذا الإسناد ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قال: بعضهم على إثر بعض، وكذا قال أبو ظبيان (^٤) والضحّاك وقتادة (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن الزمعي، عن أبي الحويرث، عن محمد جبير، عن علي ﵁ قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي ﷺ وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي ﷺ في الميسرة (^٦). وهذا يقتضي إن صح إسناده أن الألف مردفة بمثلها ولهذا قرأ بعضهم: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بفتح الدال (^٧)، والله أعلم.\nوالمشهور ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: وأمدَّ الله نبيه ﷺ والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة (^٨)، وميكائيل في خمسمائة مجنبة (^٩).\nوروى الإمام أبو جعفر بن جرير ومسلم من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زُميل سماك بن وليد الحنفي، عن ابن عباس، عن عمر الحديث المتقدم، ثم قال أبو زميل: حدثني ابن عباس قال: بينا رجل من المسلمين يشتدُّ في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقيًا. قال: فنظر إليه، فإذا هو قد حطِّم وشق وجهه كضربة السوط فاخضرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله ﷺ قال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذٍ سبعين وأسروا سبعين (^١٠).\nوقال البخاري: باب شهود الملائكة بدرًا. حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: \"من أفضل المسلمين\" أو كلمة\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) أخرجه الطبري بأسانيد عنهم يقوي بعضها بعضًا.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق محمد بن الصلت عن أبي كدينة به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع، ويشهد له ما سبق.\n(^٥) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري ويشهد له ما سبق، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا بسبب عبد العزيز بن عمران متروك (التقريب ص ٣٥٨).\n(^٧) القراءة متواترة، ولكن الإسناد السابق لم يصح.\n(^٨) المجنبة: الكتيبة التي تأخذ إحدى ناحيتي الجيش.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^١٠) تقدم تخريجه في بداية تفسير هاتين الآيتين.","vol":"4","page":165},{"text":"نحوها قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة (^١). انفرد بإخراجه البخاري وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث رافع بن خديج (^٢) وهو خطأ، والصواب رواية البخاري، والله أعلم.\nوفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لعمر لمّا شاوره في قتل حاطب بن أبي بلتعة: \"إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعلَّ الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-1170\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ الآية، أي وما جعل الله بعث الملائكة وإعلامه إيّاكم بهم إلا بشرى ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ وإلا فهو تعالى قادر على نصركم على أعدائكم ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي بدون ذلك ولهذا قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد] وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران] فهذه حكم شرع الله جهاد الكفار بأيدي المؤمنين لأجلها، وقد كان تعالى إنما يعاقب الأمم السالفة المكذِّبة للأنبياء بالقوارع التي تعم تلك الأمم المكذبة كما أهلك قوم نوح بالطُّوفان، وعادًا الأولى بالدبور، وثمود بالصيّحة، وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجِّيل، وقوم شعيب بيوم الظُلة، فلما بعث الله تعالى موسى وأهلك عدوه فرعون وقومه بالغرق في اليمِّ، ثم أنزل على موسى التوراة شرع فيها قتال الكفار واستمر الحكم في بقية الشرائع بعده على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ﴾ [القصص: ٤٣] وقتل المؤمنين للكافرين، أشدُّ إهانة للكافرين، وأشفى لصدور المؤمنين، كما قال تعالى للمؤمنين من هذه الأمة ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾ [التوبة] ولهذا كان قتل صناديد قريش بأيدي أعدائهم الذين ينظرون إليهم باعين ازدرائهم أنكى لهم، وأشفى لصدور حزب الإيمان، فقتل أبي جهل في معركة القتال وحومة الوغى أشدُّ إهانة له من موته على فراشه بقارعة أو صاعقة أو نحو ذلك، كما مات أبو لهب لعنه الله بالعدسة (^٤) بحيث لم يقربه أحد من أقاربه، إنما غسلوه بالماء قذفًا من بعيد، ورجموه حتى دفنوه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين بهما في الدنيا والآخرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر] ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرعه من قتال الكفار مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله وقوته ﷾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب شهود الملائكة بدرًا ح ٣٩٩٢).\n(^٢) المعجم الكبير ٤/ ٢٧٧ ح ٤٤١٢.\n(^٣) صحيح البخاري، الجهاد، باب الجاسوس (ح ٣٠٠٧) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر (ح ٢٤٩٤).\n(^٤) العدسة: هي بثرة تخرج في البدن كالطاعون.","vol":"4","page":166},{"text":"<span id=\"aya-1171\"></span>﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾.\nيذكِّرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم أمانًا أمَّنهم به من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلَّة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٤]، قال أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد، ولقد سقط السيف من يدي مرارًا يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحَجَف (^١).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضرِّب، عن علي ﵁ قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ولقد رأيتنا وما فينا إلّا نائم، إلا رسول الله ﷺ يصلِّي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح (^٢).\nوقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان (^٣).\nوقال قتادة: النعاس في الرأس، والنوم في القلب (^٤).\nقلت: أما النعاس فقد أصابهم يوم أحد وأمر ذلك مشهور جدًا، وأما الآية الشريفة إنما هي في سياق قصة بدر، وهي دالّة على وقوع ذلك أيضًا وكأن ذلك كائن للمؤمنين عند شدَّة البأس لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله، وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونعمته عليهم وكما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح] ولهذا جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ لما كان يوم بدر في العريش مع الصدِّيق ﵁ وهما يدعوان أخذت رسول الله ﷺ سِنة من النوم ثم استيقظ مبتسمًا فقال: \"أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع\" ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ (^٥) [القمر].\nوقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: نزل النبي ﷺ حين سار إلى بدر والمشركون بينهم وبين الماء رملة دعصة، وأصاب المسلمين ضعف شديد وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوس بينهم تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله\n_________\n(^١) رواية أبي طلحة ﵁ صحيحة تقدم تخريجها في بداية تفسير آية ١٥٤ من سورة آل عمران.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٤٢ ح ٢٨٠)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الرحمن بن مهدي به (المسند ٢/ ٢٩٩ ح ١٠٢٣) وصحح سنده محققوه ..\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به. وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد بن بشير ضعيف.\n(^٥) نسبه الحافظ ابن كثير إلى كتاب المغازي للأموي (البداية والنهاية ٣/ ٢٨٤) وحسنه الألباني في تعليقه على كتاب فقه السيرة للغزالي ص ٢٤٣.","vol":"4","page":167},{"text":"وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلُّون مجنبين، فأمطر الله عليهم مطرًا شديدًا فشرب المسلمون وتطهَّروا، وأذهب الله عنهم رجس الشيطان وثبَّت الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدوابّ فساروا إلى القوم، وأمدَّ الله نبيه ﷺ والمؤمنين بألف من الملائكة فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة (^١).\nوكذا قال العوفي، عن ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا عنها نزلوا على الماء يوم بدر فغلبوا المؤمنين عليه فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلُّون مجنبين محدثين حتى تعاطوا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي فشرب المؤمنون وملؤوا الأسقية وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورًا وثبَّت به الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة فبعث الله المطر عليها فضربها حتى اشتدت وثبتت عليها الأقدام (^٢).\nونحو ذلك روي عن قتادة والضحاك والسدي (^٣)، وقد روي عن سعيد بن المسيب والشعبي والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه طشٌّ أصابهم يوم بدر (^٤). والمعروف أن رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر نزل على أدنى ماء هناك أي أول ماء وجده، فتقدم إليه الحُباب بن المنذر فقال: يا رسول الله هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلك الله إياه فليس لنا أن نجاوزه أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال: \"بل منزل نزلته للحرب والمكيدة\" فقال: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل ولكن سرّ بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم، ونغور ما وراءه من القلب، ونستقي الحياض فيكون لنا ماء وليس لهم ماء، فسار رسول الله ﷺ وسلم ففعل كذلك.\nوفي مغازي الأموي أن الحُباب لما قال ذلك، نزل ملك من السماء وجبريل جالس عند رسول الله ﷺ فقال ذلك الملك: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: إن الرأي ما أشار به الحُباب بن المنذر، فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل ﵇ فقال: \"هل تعرف هذا\"؟ فنظر إليه فقال: ما كل الملائكة أعرفهم وإنه ملك وليس بشيطان.\nوأحسن ما في هذا ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي ﵀: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء وكان الوادي دهسًا فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه ما لبَّد لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير وأصاب قريشًا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بسوابقه ولواحقه.\n(^٣) قول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط وهو مرسل يتقوى بالمراسيل الثابتة وغيرها من الموصول.\n(^٤) أخرج بعض هذه الآثار الطبري وابن أبي حاتم وهذه الآثار يقوي بعضها بعضًا، وقد ثبت عن ابن عباس نحو كما تقدم من رواية ابن أبي طلحة.\n(^٥) أخرجه ابن إسحاق بسنده ومتنه (السيرة النبوية ١/ ٦٢٠)، وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بسوابقه ولواحقه.","vol":"4","page":168},{"text":"وقال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس فأطفأ بالمطر الغبار وتلبَّدت به الأرض وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي ﵁ قال: أصابنا من الليل طشُّ من المطر - يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشحر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ وحرَّض على القتال (^٢).\nوقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي: من حدث أصغر أو أكبر وهو تطهير الظاهر ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: من وسوسة أو خاطر سيء وهو تطهير الباطن كما قال تعالى في حق أهل الجنَّة ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] فهذا زينة الظاهر ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] أي: مطهِّرًا لما كان من غلٍّ أو حسد أو تباغض وهو زينة الباطن وطهارته ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء وهو شجاعة الباطن ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ وهو شجاعة الظاهر، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1172\"></span>\n\n<span id=\"aya-1173\"></span>وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه نعمة خفيَّة أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها، وهو أنه تعالى وتقدَّس وتبارك وتمجَّد أوحى إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبِّتوا الذين آمنوا.\nقال ابن إسحاق: وآزروهم (^٣). وقال غيره: قاتلوا معهم. وقيل: كثَّروا سوادهم. وقيل: كان ذلك بأن المَلك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي ﷺ فيقول: سمعت هؤلاء القوم - يعني: المشركين - يقولون: واللهِ لئن حملوا علينا لننكشفنَّ، فيحدِّث المسلمون بعضهم بعضًا بذلك فتقوى أنفسهم (^٤) حكاه ابن جرير وهذا لفظه بحروفه.\nوقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي: ثبِّتوا أنتم المؤمنين وقووا أنفسهم على أعدائهم عن أمري لكم بذلك سألقي الرعب والذلَّة والصَغار على من خالف أمري وكذَّب رسولي ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ أي: اضربوا الهام ففلِقوها، واحتزوا الرقاب فقطِّعوها، وقطِّعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم.\nوقد اختلف المفسرون في معنى ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ فقيل: معناه اضربوا الرؤوس، قاله عكرمة (^٥).\nوقيل: معناه: أي على الأعناق وهي: الرقاب، قاله الضحاك وعطية العوفي (^٦). ويشهد لهذا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وصحح سنده الأستاذ أحمد شاكر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير.\n(^٤) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يزيد بن سعيد النحوي عن عكرمة.\n(^٦) قول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وقول عطية أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه عنه.","vol":"4","page":169},{"text":"المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤].\nوقال وكيع، عن المسعودي، عن القاسم قال: قال النبي ﷺ: \"إني لم أبعث لأعذِّب بعذاب الله، إنما بعثت لضرب الرِّقاب وشدِّ الوثاق\" (^١).\nواختار ابن جرير أنها قد تدلُّ على ضرب الرِّقاب وفلق الهام.\nقلت: وفي مغازي الأموي أن رسول الله ﷺ جعل يمرُّ بين القتلى يوم بدر فيقول: \"نفلِّق هامًا\" فيقول أبو بكر:\nمن رجال أعزَّة علينا … وهم كانوا أعقُّ وأظلما (^٢)\nفيبتدئ رسول الله ﷺ بأول البيت، ويستطعم أبا بكر ﵁ إنشاد آخره، لأنه كان لا يحسن إنشاد الشعر كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩].\nوقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به (^٣).\nوقوله: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ وقال ابن جرير: معناه واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون كلَّ طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم، والبنان جمع بنانة كما قال الشاعر (^٤):\nألا ليتني قطعت منِّي بنانةً … ولاقيتهُ في البيت يقظانَ حاذرا (^٥)\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يعني: بالبنان الأطراف (^٦). وكذا قال الضحاك وابن جريج (^٧).\nوقال السدي البنان: الأطراف، ويقال كل مفصل.\nوقال عكرمة وعطية العوفي والضحاك في رواية أخرى: كل مفصل (^٨).\nوقال الأوزاعي في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال: اضرب منه الوجه والعين وارمه بشهاب من نار فإذا أخذته حرم ذلك كلّه عليك (^٩).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: فذكر قصَّة بدر إلى أن قال: فقال أبو جهل: لا تقتلوهم قتلًا ولكن خذوهم أخذًا حتى تعرفوهم الذي صنعوا من طعنهم في دينكم، ورغبتهم عن اللّات\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه، وسنده مرسل (المصنف ١٢/ ٣٩٠).\n(^٢) قاله الحصين بن الهمام المري كما في الشعر والشعراء لابن قتيبة ٢/ ٦٤٨.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.\n(^٤) هو العباس بن مرداس السلمي كما في مجاز القرآن ١/ ٢٤٢.\n(^٥) ذكره الطبري باختصار.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٧) قول الضحاك وابن جريج أخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة ويشهد له سابقه.\n(^٨) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يزيد النحوي عنه وقول عطية العوفي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق هقل بن زياد عن الأوزاعي.","vol":"4","page":170},{"text":"والعزى، فأوحى الله إلى الملائكة ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ الآية، فقتل أبو جهل لعنه الله في تسعة وستين رجلًا، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبرًا فوفى ذلك سبعين - يعني قتيلًا - (^١). ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي خالفوهما فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق، ومأخوذ أيضًا من شقِّ العصا وهو جعلها فرقتين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه لا يفوته شيء ولا يقوم لغضبه شيء، ﵎ لا إله ولا ربَّ سواه\n\n<span id=\"aya-1174\"></span>﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ هذا خطاب للكفار أي: ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا، واعلموا أيضًا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1175\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾.\nيقول تعالى متوعدًا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أي: تقاربتم منهم ودنوتم إليهم ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: تفرُّوا وتتركوا أصحابكم\n\n<span id=\"aya-1176\"></span>﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ أي: يفرُّ بين يدي قرنه مكيدة ليريه أنه قد خاف منه فيتبعه ثم يكرُّ عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك نصّ عليه سعيد بن جبير والسدّي (^٢).\nوقال الضحّاك: أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرَّة من العدو فيصيبها ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ أي: فرَّ من هاهنا إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونونه (^٣) فيجوز له ذلك حتى لو كان في سرية ففرَّ إلى أميره أو الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة.\nقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ فحاص الناس حيصة (^٤)، فكنت فيمن حاص، فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة، فبتنا، ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: \"من القوم؟ \" فقلنا: نحن الفرَّارون فقال: \"لا بل أنتم العكّارون (^٥) أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين\" قال: فأتيناه حتى قَبَّلنا يده (^٦). وهكذا رواه أبو\n_________\n(^١) سنده ضعيف بسبب ضعف عطية العوفي، ويتقوى بآثار سابقه نصّت على القصة.\n(^٢) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك، ويشهد له سابقاه.\n(^٤) أي جالوا جولة يطلبون الفرار.\n(^٥) أي الكرارون إلى الحرب.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩/ ٢٨٢ ح ٥٣٨٤)، وضعف سنده محققوه لضعف يزيد بن أبي زياد.","vol":"4","page":171},{"text":"داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن يزيد بن أبي زياد وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زياد (^١). ورواه ابن أبي حاتم من حديث يزيد بن أبي زياد به، وزاد في آخره وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (^٢).\nقال أهل العلم: معنى قوله: \"العكَّارون\" أي: العطَّافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ في أبي عُبيد (^٣) لما قُتل على الجسر بأرض فارس لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر: لو تحيَّز إليَّ لكنت له فئة هكذا رواه محمد بن سيرين عن عمر (^٤). وفي رواية أبي عثمان النهدي عن عمر قال: لما قتل أبو عُبيد قال عمر: أيها الناس أنا فئتكم (^٥).\nوقال مجاهد: قال عمر: أنا فئة كلِّ مسلم (^٦).\nوقال عبد الملك بن عُمير، عن عمر: أيها الناس لا تغرنَّكم هذه الآية، فإنما كانت يوم بدر، وأنا فئة لكلِّ مسلم (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، حدثنا خلّاد بن سليمان الحضرمي، حدثنا نافع أنه سأل ابن عمر قلت: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة إمامنا أو عسكرنا؟ فقال إن الفئة رسول الله ﷺ فقلت: إن الله يقول: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الآية، فقال: إنما أنزلت هذه الآية في يوم بدر لا قبلها ولا بعدها (^٨).\nوقال الضحّاك في قوله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾: المتحيّز الفارُّ إلى النبي ﷺ وأصحابه، وكذلك من فرَّ اليوم إلى أميره أو أصحابه (^٩) فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب فإنه حرام وكبيرة من الكبائر لما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"اجتنبوا السبع الموبقات\" قيل: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: \"الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\" (^١٠). وله شواهد من وجوه أخر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ\n_________\n(^١) سنن الترمذي، الجهاد، باب ما جاء في الفرار من الزحف (ح ١٧١٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من الطريق نفسه مع الزيادة، وفيه أيضًا يزيد.\n(^٣) أبو عبيد هو الصحابي الجليل ابن مسعود الثقفي، وهو صاحب يوم الجسر، المعروف بجسر أبي عبيد الذي قاتل الفرس وأنكى فيهم، وكان قائد المعركة بعد خالد بن الوليد.\n(^٤) أخرجه ابن المبارك عن ابن عون عن محمد بن سيرين به (الجهاد ٢٣٣)، وكذا ابن أبي شيبة (المصنف ١٢/ ٥٣٦)، وفيه محمد بن سيرين لم يسمع عمر ولكنه توبع بواسطة أبي عثمان النهدي كما يلي:\n(^٥) أخرجه ابن المبارك (الجهاد ٢٣٤)، وابن أبي شيبة (المصنف ١٢/ ٥٣٨)، وكلاهما من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان به، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الثوري في تفسيره وابن المبارك (الجهاد ٢٦٢) به، ومجاهد لم يسمع عمر، ويقويه ما سبق.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم، وفي سنده إسماعيل بن إبراهيم البجلي ضعيف ويشهد له ما سبق.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^١٠) صحيح البخاري، الوصايا باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] (ح ٢٧٦٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الكبائر (ح ٨٩).","vol":"4","page":172},{"text":"بَاءَ﴾ أي: رجع ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ﴾ أي: مصيره ومنقلبه يوم ميعاده ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبد الله بن عمر الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، حدثنا جبلة بن سُحيم، عن أبي المثنى العبدي سمعت السدوسي - يعني: ابن الخصاصية وهو بشير بن معبد - قال: أتيت النبي ﷺ لأبايعه فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحجَّ حجَّة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله أما اثنتان فوالله لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولّى الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت، والصدقة فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذَوْدٍ هنّ رِسلُ أهلي وحمولتهم، فقبض رسول الله ﷺ يده ثم قال: \"فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذًا؟ \" قلت: يا رسول الله أنا أبايعك فبايعته عليهن كلهنَّ (^١)، هذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه في الكتب الستة. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر، حدثنا يزيد بن ربيعة، حدثنا أبو الأشعث، عن ثوبان مرفوعًا عن النبي ﷺ قال: \"ثلاثة لا ينفع معهنَّ عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف\" (^٢). وهذا أيضًا حديث غريب جدًا.\nوقال الطبراني أيضًا: حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر الشني، حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت أبي يحدث عن جدي قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه غفر له، وإن كان قد فرّ من الزحف\" (^٣). وهكذا رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل به وأخرجه الترمذي، عن البخاري، عن موسى بن إسماعيل به وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قلت: ولا يعرف لزيد مولى النبي ﷺ عنه سواه.\nوقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حرامًا على الصحابة لأنه كان فرض عين عليهم، وقيل: على الأنصار خاصة لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وقيل: المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة يروى هذا عن عمر وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي نضرة ونافع مولى ابن عمر وسعيد بن جبير والحسن البصري وعكرمة وقتادة والضحّاك وغيرهم (^٤)، وحجتهم في هذا أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها إلا عصابتهم تلك كما قال\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٣٦/ ٢٨٤ (ح ٢١٩٥٢)، قال الهيثمي: ورجال أحمد موثقون (المجمع ١/ ٤٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ٩٥)، وضعفه الهيثمي لضعف يزيد بن ربيعة (المجمع ١/ ١٠٤).\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٥/ ٨٩ ح ٤٦٧٠)، وأخرجه أبو داود من طريق موسى بن إسماعيل به (السنن، الصلاة، باب في الاستغفار ح ١٥١٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٣٤٣)، وكذا الترمذي أخرجه من طريق موسى بن إسماعيل به (السنن، الدعوات، باب في دعاء الضيف ح ٣٥٧٧).\n(^٤) بعض هذه الأقوال أخرجها الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد ثابتة، وقول أبي سعيد أخرجه أبو داود من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد، وهو الخدري، (السنن، الجهاد، باب في التولي يوم الزحف ح ٢٦٤٨)، وصححه =","vol":"4","page":173},{"text":"النبي ﷺ: \"اللَّهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض\" (^١). ولهذا قال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قال: ذلك يوم بدر فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر - أحسبه قال - فلا بأس عليه (^٢).\nوقال ابن المبارك أيضًا، عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله تعالى لمن فرَّ يوم بدر النار قال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين قال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣) [التوبة: ٢٧].\nوفي سنن أبي داود والنسائي ومستدرك الحاكم وتفسير ابن جرير وابن مردويه من حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾: إنما أنزلت في أهل بدر (^٤)، وهذا كلُّه لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حرامًا على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم كما دلَّ عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات (^٥) كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1177\"></span>﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾.\nيُبيِّن تعالى أنه خالق أفعال العباد وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير، لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم عليه ولهذا قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثر عددهم وقلّة عددكم. أي: بل هو الذي أظفركم عليهم كما قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة] يعلم ﵎ أن النصر ليس على كثرة العدد ولا بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من عنده تعالى كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].\nثم قال تعالى لنبيه ﷺ أيضًا في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته فرماهم بها وقال: \"شاهت الوجوه\" (^٦)،\n_________\n= ألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٠٦)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٧).\n(^١) أخرجه مسلم من حديث عمر (الصحيح، الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ح ١٧٦٣).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك به (الجهاد ٢٣٢) وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بما سبق.\n(^٣) سنده ضعيف لإرسال يزيد بن أبي حبيب.\n(^٤) تقدم تخريجه وصحته قبل روايتين.\n(^٥) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٦) سيأتي تخريجه من عدة طرق في تفسير هذه الآية.","vol":"4","page":174},{"text":"ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها، ففعلوا فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: رفع رسول الله ﷺ يديه يعني: يوم بدر فقال: \"يا ربِّ إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا\" فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولُّوا مدبرين (^١).\nوقال السدي: قال رسول الله ﷺ لعلي ﵁ يوم بدر: \"أعطني حصبًا من الأرض\" فناوله حصبًا عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم فلم يبقَ مشرك إلا دخل عينيه من ذلك التراب شيء، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (^٢).\nوقال أبو معشر المدني، عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب، فرمى بها في وجوه القوم وقال: \"شاهت الوجوه\" فدخلت في أعينهم كلِّهم وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ قال: هذا يوم بدر أخذ رسول الله ﷺ ثلاث حصيات فرمى بحصاة ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم وحصاة بين أظهرهم وقال: \"شاهت الوجوه\" فانهزموا (^٤). وقد روي في هذه القصة، عن عروة ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنه أنزلت في رمية النبي ﷺ يوم بدر (^٥) وإن كان قد فعل ذلك يوم حنين أيضًا.\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن عمران، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتًا وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله ﷺ تلك الرمية فانهزمنا (^٦). غريب من هذا الوجه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق أسباط به، وسنده ضعيف للإرسال والسدي فيه تشيع.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق أبي معشر به، وسنده مرسل وأبو معشر هو السندي فيه ضعف ويتقوى بما يلي.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن سنده مفصل ويتقوى بما يليه.\n(^٥) قول مجاهد وعكرمة وقتادة أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة وهي مراسيل يقوي بعضها بعضًا.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه الأستاذ أحمد شاكر وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٣/ ٢٠٣ ح ٣١٢٨) وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٦/ ٧٧).","vol":"4","page":175},{"text":"وههنا قولان آخران غريبان جدًا:\n(أحدهما): قال ابن جرير: حدثني محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن جبير أن رسول الله ﷺ يوم ابن أبي الحقيق بخيبر دعا بقوس فأُتيَ بقوس طويلة وقال: \"جيئوني بقوس غيرها\"، فجاؤوه بقوس كبداء فرمى النبي ﷺ الحصن، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو في فراشه فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (^١) وهذا غريب وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم، والله أعلم.\n(والثاني): روى ابن جرير أيضًا والحاكم في مستدركه بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: أنزلت في رمية النبي ﷺ يوم أحد أبي بن خلف بالحربة وهو في لأمته، فخدشه في ترقوته فجعل يتدأدأ عن فرسه مرارًا حتى كانت وفاته بعد أيام قاسى فيها العذاب الأليم موصولًا بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة (^٢)، وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضًا جدًا، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها لا أنها نزلت فيه خاصَّة كما تقدم والله أعلم.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ أي: ليعرف المؤمنين نعمته عليهم من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلَّة عددهم ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته (^٣). وهكذا فسره ابن جرير أيضًا، وفي الحديث: \"وكل بلاء حسن أبلانا\" (^٤).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع الدعاء عليم بمن يستحق النصر والغلب،\n\n<span id=\"aya-1178\"></span>وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل مصغر أمرهم، وأنهم وكلُّ ما لهم في [تبار (^٥)] ودمار، ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-1179\"></span>﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾.\nيقول تعالى للكفار: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أي: تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم كما قال محمد بن إسحاق وغيره عن الزهري،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق صفوان به، وسنده مرسل.\n(^٢) أخرجه الحاكم من طريق سعيد بن المسيب عن أبيه بنحوه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٧).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق محمد بن إسحاق به.\n(^٤) أخرجه النسائي (السنن الكبرى ح ١٠١٣٣)، وابن السني (عمل اليوم والليلة ح ٤٦)، والحاكم كلهم من حديث أبي هريرة مطولًا مرفوعًا وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥٤٦)، وحسنه سليم الهلالي في عجالة الراغب المتمني في تخريج كتاب عمل اليوم والليلة ٢/ ٥٥٥ (ح ٤٨٦).\n(^٥) في الأصل صحفت إلى: \"سال\".","vol":"4","page":176},{"text":"عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن أبا جهل قال يوم بدر: اللّهم أينا كان أقطع للرحم وآتانا بما لا يعرف فأحِنْهُ الغداة. وكان ذلك استفتاحًا منه فنزلت: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إلى آخر الآية (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد - يعني: ابن هارون -، أخبرنا محمد بن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللَّهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. فكان المستفتح (^٢). وأخرجه النسائي في التفسير من حديث صالح بن كيسان عن الزهري به (^٣)، وكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق الزهري به وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وروي نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة ويزيد بن رومان وغير واحد (^٤).\nوقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: اللَّهم انصر أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين فقال الله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ يقول: قد نصرت ما قلتم وهو محمد ﷺ (^٥).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو قوله تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية (^٦) [الأنفال: ٣٢].\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ أي: عما أنتم فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ كقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨] معناه: وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة نعد لكم بمثل هذه الواقعة.\nوقال السدي: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ أي: إلى الاستفتاح ﴿نَعُدْ﴾ أي: إلى الفتح لمحمد ﷺ والنصر له وتظفيره على أعدائه (^٧). والأول أقوى ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ أي: ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه فلا غالب له ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهم الحزب النبوي والجناب المصطفوي.\n_________\n(^١) سنده حسن كما يلي.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/ ٦٥ ح ٢٣٦٦١)، وحسنه محققوه، وأخرجه الحاكم من طريق الزهري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٨).\n(^٣) التفسير (من السنن الكبرى ١/ ٥١٨ ح ٢٢١).\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك ويزيد بن رومان أخرجه الطبري بسندين ضعيفين وهذه المراسيل الأربعة يقوي بعضها بعضًا وتتقوى بالروايات السابقة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن لكنه معضل ويتقوى بما سبق.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.","vol":"4","page":177},{"text":"<span id=\"aya-1180\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾.\nيأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له ولهذا قال: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي: تتركوا طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أي: بعد ما علمتم ما دعاكم إليه\n\n<span id=\"aya-1181\"></span>\n\n<span id=\"aya-1182\"></span>\n\n<span id=\"aya-1183\"></span>﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾ قيل: المراد المشركون واختاره ابن جرير (^١).\nوقال ابن إسحاق: هم المنافقون فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا وليسوا كذلك (^٢)، ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شرُّ الخلق والخليقة فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ﴾ أي: عن سماع الحق ﴿الْبُكْمُ﴾ عن فهمه ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فهؤلاء شرُّ البريَّة لأن كل دابَّة مما سواهم مطيعة لله فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، ولهذا شبَّههم بالأنعام في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١] الآية، وقال في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقيل: المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش روي عن ابن عباس ومجاهد (^٣) واختاره ابن جرير. وقال محمد بن إسحاق: هم المنافقون (^٤). قلت: ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا لأن كلًّا منهم مسلوب الفهم الصحيح والقصد إلى العمل الصالح،\nثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح ولا قصد لهم صحيح لو فرض أن لهم فهمًا فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: لأفهمهم وتقدير الكلام ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم لأنه يعلم أنه ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي: أفهمهم ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عن ذلك قصدًا وعنادًا بعد فهمهم ذلك ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه.\n\n<span id=\"aya-1184\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾.\nقال البخاري: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أجيبوا ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ لما يصلحكم. حدثني إسحاق، حدثنا رَوح، حدثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث، عن أبي سعيد بن المعلَّى ﵁ قال: كنت أصلي فمرَّ بي النبي ﷺ، فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيته فقال: \"ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، ثم قال: لأعلمنَّك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج\"، فذهب رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) ذكره الطبري بدون سند.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق بنحوه.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير، سورة الأنفال، باب ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ. . .﴾ ح ٤٦٤٦)، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق، ابن أبي نجيح عنه.\n(^٤) تكرر قبل ثمانية سطور.","vol":"4","page":178},{"text":"ليخرج فذكرت له. وقال معاذ: حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن سمع حفص بن عاصم سمع أبا سعيد رجلًا من أصحاب النبي ﷺ بهذا وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة] هي السبع المثاني (^١). هذا لفظه بحروفه وقد تقدم الكلام على هذا الحديث بذكر طرقه في أول تفسير الفاتحة.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال: للحق (^٢).\nوقال قتادة: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال: هو هذا القرآن فيه النجاة والبقاء والحياة (^٣).\nوقال السدي: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر (^٤).\nوقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي: للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الإيمان، رواه الحاكم في مستدركه موقوفًا، وقال صحيح ولم يخرجاه (^٦)، ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعًا، ولا يصح لضعف إسناده والموقوف أصح، وكذا قال مجاهد وسعيد وعكرمة والضحاك وأبو صالح وعطية ومقاتل بن حيان والسدي (^٧).\nوفي رواية عن مجاهد في قوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي: حتى يتركه لا يعقل (^٨).\nوقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه (^٩).\nوقال قتادة: هو كقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] (^١٠).\nوقد وردت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بما يناسب هذه الآية، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك ﵁، قال: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: \"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك\". قال: فقلنا: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: \"نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها\" (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة الأنفال، باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ. . .﴾ [الأنفال: ٢٤] ح ٤٦٤٧).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به.\n(^٦) ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٨).\n(^٧) أخرجه عنهم الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد ثابتة وبعضها ضعيفة تتقوى بالثابتة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^١١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩/ ١٦٠ ح ١٢١٠٧)، قال محققوه: إسناده قوي على شرط مسلم.","vol":"4","page":179},{"text":"وهكذا رواه الترمذي في كتاب القدر من جامعه عن هناد بن السري، عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، عن الأعمش، واسمه سليمان بن مهران، عن أبي سفيان واسمه طلحة بن نافع، عن أنس، ثم قال: حسن، وهكذا روي، عن غير واحد عن الأعمش، ورواه بعضهم عنه، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ وحديث أبي سفيان عن أنس أصح (^١).\n(حديث آخر): وقال الإمام عبد بن حميد في مسنده (^٢): حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال ﵁، أن النبي ﷺ كان يدعو: \"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك\" (^٣). هذا حديث جيد الإسناد إلا أن فيه انقطاعًا. وهو مع ذلك على شرط أهل السنن ولم يخرجوه.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت ابن جابر يقول: حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت النواس بن سمعان الكلابي ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: \"ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن ربِّ العالمين إذا شاء أن يقيمه أقامه وإذا شاء أن يُزيغه أزاغه\" وكان يقول: \"يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك\" قال: \"والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه\" (^٤) وهكذا رواه النسائي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر فذكر مثله (^٥).\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا حماد بن زيد، عن المعلى بن زياد، عن الحسن أن عائشة قالت: دعوات كان رسول الله ﷺ يدعو بها: \"يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك\" قالت: فقلت: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فقال: \"إن قلب الآدمي بين أصبعين من أصابع الله فإذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه\" (^٦).\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا عبد الحميد، حدثني شهر سمعت أم سلمة تحدث أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه يقول: \"اللَّهم مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك\" قالت: فقلت: يا رسول الله أوَ إِنّ القلوب لتقلَّب؟ قال: \"نعم ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله ﷿ فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب\" قالت: فقلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: \"بلى قولي اللَّهم ربِّ النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلَّات الفتن ما أحييتني\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وحكمه وتعليقه (السنن، القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن ح ٢١٤٠)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي سفيان عن جابر وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٨٨).\n(^٢) كذا في (عم) و(حم) وفي الأصل: قال الإمام أحمد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده.\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب من مسنده عبد بن حميد ح ٣٥٩) وفي سنده انقطاع بين ابن أبي ليلى وبلال ﵁ وقد جوده الحافظ ابن كثير بالشواهد السابقة واللاحقة.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ١٧٨ ح ١٧٦٣٠) وصحح سنده محققوه.\n(^٥) السنن الكبرى (ح ٧٧٣٨) وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح ١٩٩).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٩١) وسنده حسن بالشواهد السابقة واللاحقة.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ٢٠٠ ح ٢٦٥٧٦)، قال محققوه: بعضه صحيح بشواهده، =","vol":"4","page":180},{"text":"(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي، أنه سمع عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف شاء\" ثم قال رسول الله ﷺ: \"اللَّهم مصرف القلوب صرِّف قلوبنا إلى طاعتك\" انفرد بإخراجه مسلم عن البخاري فرواه مع النسائي من حديث حيوة بن شريح المصري به (^١).\n\n<span id=\"aya-1185\"></span>﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾.\nيُحذِّر تعالى عباده المؤمنين فتنة - أي: اختبارًا ومحنة - يعمُّ بها المسيء وغيره لا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب بل يعمهما حيث لم تدفع وترفع، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد بن سعيد، حدثنا غيلان بن جرير، عن مطرّف قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير ﵁: إنا قرأنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ لم نكن نحسب أنَّا أهلها حتى وقعت مِنَّا حيث وقعت (^٢)، وقد رواه البزار من حديث مطرّف عن الزبير وقال: لا نعرف مطرّفًا روى عن الزبير غير هذا الحديث (^٣)، وقد روى النسائي من حديث جرير بن حازم، عن الحسن، عن الزبير نحو هذا (^٤).\nوقد روى ابن جرير حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: قال الزبير: لقد خوفنا بها يعني: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ونحن مع رسول الله ﷺ وما ظننَّا أنَّا خصصنا بها خاصة، وكذا رواه حميد، عن الحسن، عن الزبير ﵁ (^٥).\nوقال داود بن أبي هند، عن الحسن في هذه الآية قال: نزلت في علي وعثمان وطلحة والزبير ﵃ (^٦).\nوقال سفيان الثوري، عن الصلت بن دينار، عن [عقبة بن صهبان] (^٧): سمعت الزبير يقول:\n_________\n= وهذا إسناد ضعيف لضعف شهر وهو ابن حوشب.\n(^١) المسند ٢/ ١٦٨ وصحيح مسلم، القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب (ح ٢٦٥٤).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣١ ح ١٤١٤)، قال محققوه: إسناده جيد. اهـ. وصححه أحمد شاكر برقم ١٤١٤ أيضًا، وأخرجه الضياء المقدسي من طريق الإمام أحمد به (المختارة ٣/ ٦٦ ح ٨٧٢ وحسن سنده محققه).\n(^٣) أخرجه البزار من طريق الحجاج بن نصير عن شداد به (المسند ح ٩٧٦)، وما قاله البزار فإن فيه نظر فقد رواه عن الزبير الحسن البصري وعقبة بن صبهان كما سيأتي في الروايات التالية.\n(^٤) السنن الكبرى (ح ١١٢٠٦).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه في المسند.\n(^٦) أخرجهما الطبري وحكمهما كسابقهما.\n(^٧) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وفي الأصل صُحفت إلى: \"عقبة بن ضبيان\".","vol":"4","page":181},{"text":"لقد قرأت هذه الآية زمانًا وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ (^١) وقد روي من غير وجه عن الزبير بن العوام.\nوقال السدي: نزلت في أهل بدر خاصَّة فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ يعني: أصحاب النبي ﷺ خاصَّة. وقال في رواية له عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقرُّوا المنكر بين ظهرانيهم فيعمُّهم الله بالعذاب (^٣)، وهذا تفسير حسن جدًا، ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ هي أيضًا لكم (^٤)، وكذا قال الضحّاك ويزيد بن أبي حبيب، وغير واحد.\nوقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلَّات الفتن (^٥) رواه ابن جرير.\nوالقول بأن هذا التحذير يعمُّ الصحابة وغيرهم وإن كان الخطاب معهم هو الصحيح، ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن، ولذلك كتاب مستقل يوضح فيه إن شاء الله تعالى كما فعله الأئمة وأفردوه بالتصنيف، ومن أخصِّ ما يذكر ههنا ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا أحمد بن الحجاج، أخبرنا عبد الله - يعني: ابن المبارك -، أنبأنا سيف بن أبي سليمان، سمعت عَدي بن عَدي الكندي يقول: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يعني: عدي بن عميرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله ﷿ لا يعذِّب العامَّة بعمل الخاصَّة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذَّب الله الخاصَّة والعامَّة\" (^٦) فيه رجل مبهم، ولم يخرجوه في الكتب الستة، ولا واحد منهم، والله أعلم.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، حدثنا إسماعيل - يعني: ابن جعفر -، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهل، عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهنَّ عن المنكر أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده ثم لتدعنَّه فلا يستجيب لكم\" (^٧)، ورواه عن أبي سعيد\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لأن الصلت بن دينار متروك كما في \"التقريب\".\n(^٢) أخرجه الطبري مرسلًا وفي سنده السدي فيه تشيع.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق القاسم عن ابن مسعود بنحوه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٩٢) وسنده ضعيف لإبهام شيخ عدي بن عدي الكندي، وله شاهد أخرجه الطبراني من حديث العرس بن عميرة قال عنه الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع ٧/ ٢٦٧) كما يشهد له الأحاديث التالية.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٣٣٢ ح ٢٣٣٠١)، قال محققوه: حسن لغيره. اهـ. أي بشواهده.","vol":"4","page":182},{"text":"عن إسماعيل بن جعفر (^١) وقال: \"أو ليبعثنَّ الله عليكم قومًا ثم تدعونه فلا يستجيب لكم\".\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا رزين بن حبيب الجهني، حدثني أبو الرقاد قال: خرجت مع مولاي فدفعت إلى حذيفة وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات، لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهنَّ عن المنكر ولتحاضنَّ على الخير أو ليسحتنَّكم الله جميعًا بعذاب أو ليؤمرنَّ عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم (^٢).\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد أيضًا: حدثني يحيى بن سعيد، عن زكريا، حدثنا عامر قال: سمعت النعمان بن بشير ﵁ يخطب يقول: وأومأ بأصبعيه إلى أذنيه سمعت رسول الله ﷺ يقول: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمداهن فيها كمثل قوم ركبوا سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مرُّوا على من فوقهم فآذوهم فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقًا فاستقينا منه ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا (^٣)، انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم فرواه في الشركة والشهادات، والترمذي في الفتن من غير وجه عن سليمان بن مهران الأعمش، عن عامر بن شراحيل الشعبي به (^٤).\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن علقمة بن مرثد، عن المعرور بن سويد، عن أمّ سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمَّهم الله بعذاب من عنده\" فقلت: يا رسول الله أما فيهم أناس صالحون قال: \"بلى\". قالت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: \"يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان\" (^٥).\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من قوم يعملون بالمعاصي وفيهم رجل أعزُّ منهم وأمنع لا يغيره إلا عمَّهم الله بعقاب أو أصابهم العقاب\" ورواه أبو داود، عن مسدِّد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق به (^٦).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وفي المسند أورده الإمام أحمد عن أبي سعيد حدثنا سليمان بن بلال … (المسند ٣٨/ ٣٥٢ ح ٢٣٣٢٧)، وهو الصواب كما في أطراف المسند للحافظ ابن حجر ٢/ ٢٦٣.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٩٠)، وفي سنده أبو الرقاد سكت عنه ابن أبي حاتم والبخاري وقال الهيثمي: لم أعرفه (المجمع ١٠/ ٢٩٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٦٩) وسنده صحيح كما يلي.\n(^٤) صحيح البخاري، الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه؟ (ح ٢٤٩٣)، وسنن الترمذي، أبواب الفتن (ح ٢١٧٣).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ٢١٦ ح ٢٦٥٩٦)، وضعفه محققوه بسبب ليث بن أبي سليم، لكنه يتقوى بالشواهد وقد ذكر الهيثمي بعضها، وقال: رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح (المجمع ٧/ ٢٦٨)، ولد شاهد من حديث عائشة الآتي بعد حديثين.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٦١)، وأخرجه أبو داود بنحوه (السنن، الملاحم، باب الأمر =","vol":"4","page":183},{"text":"وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق يحدث عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعزُّ وأكثر ممن يعملون ثم لم يغيروه إلا عمَّهم الله بعقاب\" (^١)، ثم رواه أيضًا عن وكيع عن إسرائيل، وعن عبد الرزاق، عن معمر، وعن أسود، عن شريك ويونس كلُّهم عن أبي إسحاق السبيعي به وأخرجه ابن ماجه، عن علي بن محمد، عن وكيع به (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا جامع بن أبي راشد، عن منذر، عن الحسن بن محمد، عن امرأته، عن عائشة تبلغ به النبي ﷺ: \"إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأهل الأرض بأسه\" فقلت: وفيهم أهل طاعة الله؟ قال: \"نعم ثم يصيرون إلى رحمة الله\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-1186\"></span>﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾.\nيُنبِّه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم، وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثَّرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطّيبات واستشكرهم، فأطاعوه وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة قليلين مستخفين مضطهدين يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله من مشرك ومجوسي ورومي، كلهم أعداء لهم لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة، فآواهم إليها وقيَّض لهم أهلها آووا ونصروا يوم بدر وغيره، وواسوا بأموالهم وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ.\nقال قتادة بن دعامة السدوسي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، قال: كان هذا الحيُّ من العرب أذلَّ الناس ذلًا، وأشقاه عيشًا، وأجوعه بطونًا، وأعراه جلودًا، وأبيَّنه ضلالًا، من عاش منهم عاش شقيًا، ومن مات منهم ردي في النار يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا من حاضر أهل الأرض يومئذٍ كانوا أشرَّ منزلًا منهم حتى جاء الله بالإسلام، فمكّن به البلاد، ووسّع به في الرزق، وجعلهم به ملوكًا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربَّكم منعم يحب الشكر، وأهلُ الشكر في مزيد من الله (^٤).\n_________\n= والنهي ح ٤٣٣٩) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٤٦).\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١/ ٥٥٨ ح ١٩٢٣٠) وحسنه محققوه.\n(^٢) السنن، الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ح ٤٠٠٩).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠/ ١٦١ ح ٢٤١٣٣)، وضعفه محققوه لإبهام المرأة التي روى عنها الحسن بن محمد، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به وسكت عنه هو والذهبي (المستدرك ٤/ ٥٢٣) ويشهد له حديث ابن عمر أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح عنه: \"إذا أراد الله تعالى بقوم عذابًا، أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثو على أعمالهم\"، (المسند ح ٤٩٨٥)، ويشهد له حديث أم سلمة المتقدم قبل حديثين.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"4","page":184},{"text":"<span id=\"aya-1187\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾.\n[قال عبد الله بن أبي قتادة] (^١) والزهري: أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم بذلك وأشار بيده إلى حلقه، أي إنه الذبح، ثم فَطِن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقًا حتى يموت أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة فربط نفسه في سارية منه، فمكث كذلك تسعة أيام حتى كان يخرُّ مغشيًّا عليه من الجهد حتى أنزل الله توبته على رسوله، فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن يحلُّوه من السارية، فحلف لا يحلُّه منها إلا رسول الله ﷺ بيده، فحلُّه، فقال: يا رسول الله: إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة، فقال: \"يجزيك الثلث أن تصدَّق به\" (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي، حدثنا محمد بن عبيد الله بن عون الثقفي، عن المغيرة بن شعبة قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان ﵁: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية (^٣).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا القاسم بن بشر بن معروف، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا محمد بن المحرم (^٤) قال: لقيت عطاء بن أبي رباح فحدثني قال: حدثني جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: \"إن أبا سفيان في موضع كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا\" فكتب رجل من المنافقين إليه إن محمدًا يريدكم فخذوا حِذركم فأنزل الله ﷿: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ الآية (^٥)، هذا حديث غريب جدًا، وفي سنده وسياقه نظر.\nوفي الصحيحين قصة حاطب بن أبي بلتعة أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله ﷺ إياهم عام الفتح، فأطلع الله رسولَه على ذلك، فبعث في إثر الكتاب فاسترجعه واستحضر حاطبًا فأقرَّ بما صنع، فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله: ألا أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟ فقال: \"دعه فإنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\" (^٦).\n_________\n(^١) كذا في (عم) و(مح)، وفي الأصل صحفت إلى عبد الرزاق، وعبد الله بن أبي قتادة الأنصاري تابعي ثقة.\n(^٢) قول عبد الله بن أبي قتادة أخرجه سعيد بن منصور (التفسير ح ٩٨٧)، والطبري وابن أبي حاتم من طريق سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله مختصرًا، وسنده صحيح لكنه مرسل، ومرسل الزهري أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف يونس بن الحارث (التقريب ص ٦١٣).\n(^٤) محمد بن المحرم ترجم له البخاري وقال: منكر الحديث (التاريخ الكبير ١/ ١٤٢).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه مع الخلاف في السند، وضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا، وفي سنده محمد المحرم منكر الحديث كما تقدم عن البخاري.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير الآية (٩) من هذه السورة الكريمة.","vol":"4","page":185},{"text":"قلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صحّ أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. والخيانة تعمُّ الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ الأمانة، الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني الفريضة. يقول: ﴿لَا تَخُونُوا﴾ لا تنقصوها (^١). وقال في رواية: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، يقول بترك سنته وارتكاب معصيته (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في هذه الآية، أي لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السرِّ إلى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم (^٣).\nوقال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم، وقال أيضًا: كانوا يسمعون من النبي ﷺ الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن زيد: نهاكم أن تخونوا الله والرَّسول كما صنع المنافقون (^٥).\n\n<span id=\"aya-1188\"></span>وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها أو تشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن] وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية [التغابن: ١٤].\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد، فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئًا، والله سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة.\nوفي الأثر يقول الله تعالى: يا ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فِتُّك فاتك كل شيء، وأنا أحبُّ إليك من كل شيء.\nوفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ثلاث من كُنَّ فيه، وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومن كان يحبُّ المرء لا يحبُّه إلا لله، ومن كان أن يلقى في النَّار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه\" (^٦)، بل حبُّ رسول الله ﷺ مقدَّم على الأولاد والأموال والنفوس، كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده لا يؤمن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده عن السدي مرسلًا.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٦) صحيح البخاري، الإيمان، باب حلاوة الإيمان (ح ١٦) وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان (ح ٦٧).","vol":"4","page":186},{"text":"أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين\" (^١).\n\n<span id=\"aya-1189\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾.\nوقال ابن عباس والسدي ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد: ﴿فُرْقَانًا﴾ مخرجًا (^٢)، زاد مجاهد في الدنيا والآخرة (^٣)، وفي رواية عن ابن عباس: ﴿فُرْقَانًا﴾ نجاة (^٤)، وفي رواية عنه نصرًا.\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿فُرْقَانًا﴾ أي: فصلًا بين الحق والباطل (^٥). وهذا التفسير من ابن إسحاق أعمُّ مما تقدم وهو يستلزم ذلك كلَّه، فإنَّ من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره وفِّقَ لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا وسعادته يوم القيامة وتكفير ذنوبه وهو محوها، وغفرها سترها عن الناس وسببًا لنيل ثواب الله الجزيل كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾ [الحديد].\n\n<span id=\"aya-1190\"></span>﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليقيدوك (^٦).\nوقال عطاء وابن زيد: ليحبسوك (^٧).\nوقال السدي: الإثبات هو الحبس والوثاق (^٨). وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء وهو مجمع الأقوال، وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء.\nوقال سُنيد عن حجاج، عن ابن جريج: قال عطاء: سمعت عُبيد بن عمير يقول: لما ائتمروا\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله ﷺ (ح ١٤ - ١٥)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب حب رسول الله ﷺ (ح ٦٩).\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس فأخرجه بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وأما قول مجاهد والسدي وقتادة فأخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عنهم.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير.\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه بلفظ: \"ليوثقوك\". وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه بلفظ: أوثقوه وثاقًا بالوثاق، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: ليوثقوك.\n(^٧) قول عطاء أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عطاء بلفظ: \"يسجنوك\"، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب، بلفظ: \"اسجنوه\".\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"4","page":187},{"text":"بالنبي ﷺ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه. قال له عمُّه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: \"يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني\". فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: \"ربي\" قال: نِعم الربُّ ربُّك استوص به خيرًا. قال: \"أنا أستوصي به، بل هو يستوصي بي\" (^١).\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثني محمد بن إسماعيل المصري المعروف بالوساوسي، أخبرنا عبد المجيد بن أبي داود، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عُبيد بن عمير، عن المطَّلب بن أبي وداعة أن أبا طالب قال لرسول الله ﷺ: ما يأتمر بك قومك؟ قال: \"يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني\". فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: \"ربِّي\". قال: نِعم الربُّ ربُّك فاستوص به خيرًا. قال: \"أنا أستوصي به، بل هو يستوصي بي\". قال: فنزلت: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية (^٢). وذِكرُ أبي طالب في هذا غريب جدًا، بل منكر، لأن هذه الآية مدنية، ثم إن هذه القصة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين لما تمكَّنوا منه واجترؤوا عليه بسبب موت عمِّه أبي طالب الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه، والدليل على صحة ما قلنا ما روى الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: وحدثني الكلبي، عن باذان مولى أم هانئ، عن ابن عباس أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة (^٣)، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا له: من أنت؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم (^٤) رأيي ونصحي. قالوا: أجل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكنَّ أن يواثبكم في أمركم بأمره.\nفقال قائل منهم: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون (^٥) حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير (^٦) والنابغة (^٧) إنما هو كأحدهم. قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سُنيد واستغرب الحافظ ابن كثير ذكر أبي طالب.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده عبد المجيد بن أبي رواد صدوق يخطئ، لكنه توبع فأخرجه ابن أبي حاتم من طريق هشام بن يوسف عن ابن جريج، وسنده صحيح لكنه مرسل، وقد استغرب ابن كثير ذكر أبي طالب، وأجاب على ذلك الأستاذ أحمد شاكر بأن الآية مكية حسب ما رواه الطبري عن ابن جريج، ولكن الإسناد لم يصح إلى ابن جريج. قال الحافظ ابن حجر: اتفقوا على أن الأنفال مدنية، لكن قيل إن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية نزلت بمكة ثم نزلت سورة الأنفال بالمدينة، وهذا غريب جدًا (فتح الباري ٨/ ٦٥٧) وقال البقاعي عن سورة الأنفال: مدنية إجماعًا نزلت في بدر (مصاعد النظر ٢/ ١٤٤) وبهذا فإن قول الحافظ ابن كثير هو الراجح.\n(^٣) دار الندوة: هي دار قصي بن كلاب، سميت بذلك لأنهم كانوا يندون فيها أي: يجتمعون للمشاورة وهي أول دار بُنيت بمكة (معجم البلدان ٢/ ٤٢٣).\n(^٤) أي لا يعدوكم ويخطئكم (لسان العرب باب ع د م).\n(^٥) أي الموت.\n(^٦) زهير هو ابن أبي سُلمى ربيعة بن رباح المزني من كبار الشعراء (طبقات فحول الشعراء ص ٥١).\n(^٧) النابغة: هو زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني، وكان أحسن شعراء العرب ديباجة (طبقات فحول الشعراء ص ٥١).","vol":"4","page":188},{"text":"فقال: والله ما هذا لكم برأي والله ليخرجنَّه ربُّه من محبسه إلى أصحابه فليوشكنَّ أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، قالوا: صدق الشيخ فانظروا في غير هذا. قال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم وكان أمره في غيركم. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعنَّ عليه ثم ليأتينَّ إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله، فانظروا رأيًا غير هذا.\nقال: فقال أبو جهل - لعنه الله -: والله لأشيرنَّ عليكم برأي ما أراكم [أبصرتموه] (^١) بعد ما رأى غيره. قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كلِّ قبيلة غلامًا شابًا وسيطا (^٢) نهدًا (^٣)، ثم يعطى كلُّ غلام منهم سيفًا صارمًا (^٤)، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرَّق دمه في القبائل كلِّها، فما أظن هذا الحيَّ من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلِّها. فإنهم إذا رأوا ذلك، قبلوا العقل (^٥) واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. قال: فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي، القول ما قال الفتى، لا أرى غيره. قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له.\nفأتى جبريل النبي ﷺ فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم فلم يبت رسول الله ﷺ في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ وأنزل في قولهم: تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ [الطور] فكان ذلك اليوم يسمى يوم الزَّحمة للذي اجتمعوا عليه من الرأي (^٦).\nوعن السدي نحو هذا السياق وأنزل الله في إرادتهم إخراجه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦)﴾ [الإسراء] وكذا روى العوفي عن ابن عباس، وروي عن مجاهد وعروة بن الزبير وموسى بن عقبة وقتادة ومقسم (^٧) وغير واحد نحو ذلك.\nوقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق فأقام رسول الله ﷺ ينتظر أمر الله حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به وأرادوا به ما أرادوا أتاه جبريل ﵇، فأمره أن لا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه، فدعا رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب فأمره أن يبيت على فراشه ويتسجَّى ببُرد له أخضر، ففعل ثم خرج رسول الله ﷺ على القوم وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب\n_________\n(^١) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وفي الأصل صُحفت إلى: \"تضرمونه\".\n(^٢) وسيطًا أي الشريف الحسيب (النهاية ٥/ ١٨٤).\n(^٣) النهد: أي القوي الضخم (النهاية ٥/ ١٣٥).\n(^٤) أي قاطعًا.\n(^٥) أي الدية.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وفيه سندان أولهما: صحيح، والثاني ضعيف ولا يمكن تصحيحه لأن القصة ملفقة، ولكن يتقوى بالمراسيل التي تليه. وهذا الأثر ورد في سيرة ابن هشام ١/ ٤٨٠ - ٤٨١.\n(^٧) هذه الروايات أخرجها الطبري وابن أبي حاتم وهي تقوي بعضها بعضًا.","vol":"4","page":189},{"text":"فجعل يذرها على رؤوسهم، وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه محمد ﷺ وهو يقرأ: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ١ - ٩]. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: روي عن عكرمة ما يؤكد هذا (^١)، وقد روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: دخلت فاطمة على رسول الله ﷺ وهي تبكي فقال: \"ما يبكيك يا بُنيَّة؟ \" قالت: يا أبتِ وما لي لا أبكي وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر يتعاهدون باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك، فقال: \"يا بُنيّة ائتني بوضوء\" فتوضأ رسول الله ﷺ، ثم خرج إلى المسجد فلما رأوه قالوا: ها هو ذا فطأطأوا رؤوسهم وسقطت رقابهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم فتناول رسول الله ﷺ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: \"شاهت الوجوه\" فما أصاب رجلًا منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر كافرًا، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ولا أعرف له عِلَّة (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجزري، عن مقسم مولى ابن عباس أخبره ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ الآية قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبيَّ ﵁، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلَع اللهُ نبيَّه ﷺ على ذلك، فبات عليُّ ﵁ على فراش رسول الله ﷺ، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون عليًا يحسبونه النبي ﷺ، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًا ردَّ الله تعالى مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل فمرُّوا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أي: فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-1191\"></span>﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾.\nيخبر تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم وعنادهم ودعواهم الباطل عند سماع آياته إذا تتلى عليهم أنهم يقولون: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾، وهذا منهم قول بلا فعل وإلا فقد\n_________\n(^١) ذكره في دلائل النبوة (٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠).\n(^٢) موارد الظمآن في زوائد صحيح ابن حبان (ح ١٦٩١) والمستدرك ٣/ ١٥٧.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٢٥١) وحسن سنده الحافظ ابن كثير وقال: وهو أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار (البداية والنهاية ٣/ ١٨١)، وحسن سنده أيضًا الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٧/ ٢٣٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به.","vol":"4","page":190},{"text":"تُحدَّوا غير ما مرَّة أن يأتوا بسورة من مثله، فلا يجدون إلى ذلك سبيلًا، وإنما هذا القول منهم يغرون به أنفسهم ومن تبعهم على باطلهم، وقد قيل: إن القائل لذلك هو: النضر بن الحارث لعنه الله كما قد نصّ على ذلك سعيد بن جبير والسدي وابن جريج (^١) وغيرهم، فإنه - لعنه الله - كان قد ذهب إلى بلاد فارس وتعلَّم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار، ولما قدم وجد رسول الله ﷺ قد بعثه الله وهو يتلو على الناس القرآن، فكان ﵊ إذا قام من مجلس جلس فيه النضر، فحدثهم من أخبار أولئك ثم يقول: بالله أينا أحسن قصصًا أنا أو محمد؟ ولهذا لما أمكن الله تعالى منه يوم بدر ووقع في الأسارى أمر رسول الله ﷺ أن تضرب رقبته صبرًا بين يديه ففعل ذلك، ولله الحمد. وكان الذي أسره المقداد بن الأسود ﵁ كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قتل النبي ﷺ يوم بدر صبرًا عقبة بن أبي معيط وطعيمة بن عدي والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول الله أسيري، فقال رسول الله ﷺ إنه كان يقول في كتاب الله ﷿ ما يقول، فأمر رسول الله ﷺ بقتله، فقال المقداد: يا رسول الله أسيري فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم أغن المقداد من فضلك\"، فقال المقداد: هذا الذي أردت، قال: وفيه أنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ (^٢) وكذا رواه هشيم، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير أنه قال: المُطعِم بن عدي (^٣) بدل طُعيمة، وهو غلط لأن المطعم بن عدي لم يكن حيًا يوم بدر، ولهذا قال رسول الله ﷺ يومئذٍ: لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم سألني في هؤلاء النتنى لوهبتهم له (^٤)، يعني الأسارى لأنه كان قد أجار رسول الله ﷺ يوم رجع من الطائف.\nومعنى: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهو جمع أسطورة أي: كتبهم اقتبسها فهو يتعلم منها ويتلوها على الناس، وهذا هو الكذب البحت كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان] أي: لمن تاب إليه وأناب فإنه يتقبل منه ويصفح عنه،\n\n<span id=\"aya-1192\"></span>وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ هذا من كثرة جهلهم وشدة تكذيبهم وعنادهم وعتوهم، وهذا مما عيبوا به وكان الأَولى لهم أن يقولوا: اللَّهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه، ولكن استفتحوا على أنفسهم واستعجلوا العذاب، وتقديم العقوبة كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾ [العنكبوت] ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ\n_________\n(^١) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وهذان مرسلان يقوي أحدهما الآخر، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف ويتقوى بالمرسلين السابقين.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٣) أخرجه الطبري عن يعقوب عن هشيم به، رجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٤) أخرجه البخاري من حديث جبير بن مطعم ﵁ (الصحيح، فرض الخمس، باب ما منَّ النبي ﷺ على الأسارى من غير الخمس ح ٣١٣٩).","vol":"4","page":191},{"text":"لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ [ص] وقوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾ [المعارج] وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة كما قال قوم شعيب له: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ [الشعراء] وقال هؤلاء: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال شعبة عن عبد الحميد صاحب الزيادي، عن أنس بن مالك قال: هو أبو جهل بن هشام قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ رواه البخاري عن أحمد ومحمد بن النضر كلاهما عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به (^١)، وأحمد هذا هو: أحمد بن النضر بن عبد الوهاب قاله الحاكم أبو أحمد والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، الله أعلم.\nوقال الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ قال هو: النضر بن الحارث بن كلدة قال: فأنزل الله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢)﴾ [المعارج] (^٢) وكذا قال مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي: إنه النضر بن الحارث (^٣) زاد عطاء فقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ [ص] وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾ [المعارج] قال عطاء: ولقد أنزل الله فيه بضع عشرة آية من كتاب الله ﷿ (^٤).\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا أبو غسان، حدثنا أبو تميلة، حدثنا الحسين، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: رأيت عمرو بن العاص واقفًا يوم أُحد على فرس وهو يقول: اللَّهم إن كان ما يقول محمد حقًا فاخسف بي وبفرسي (^٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير، سورة الأنفال، باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] (ح ٤٦٤٨)، وقد ثبت أيضًا أنها نزلت في النضر بن الحارث كما سيأتي قال الحافظ ابن حجر: ولا ينافي ذلك ما في الصحيح لاحتمال أن يكونا قالاه (فتح الباري ٨/ ٣٠٩).\n(^٢) في سنده إبهام شيخ الأعمش، وقد صرح باسمه النسائي فأخرجه من طريق الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بدون ذكر آية الأنفال (السنن الكبرى، التفسير، باب سورة المعارج ح ١١٦٢٠)، وفي سنده المنهال بن عمرو وهو صدوق ربما وهم (التقريب ص ٥٤٧). ويتقوى بالآثار التالية، فسنده حسن. وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٠٢).\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه أنه قول النضر بن الحارث والطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحو قول ابن عباس، وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا، أما قول عطاء فكما يلي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف جدًا من طريق طلحة بن عمرو عن عطاء، وطلحة بن عمرو متروك (التقريب ص ٢٨٣).\n(^٥) في سنده إبهام ابن بريدة لأن بعض أبنائه لم يسمع من بريدة.","vol":"4","page":192},{"text":"وقال قتادة في قوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية، قال: قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها فعاد الله بعائدته ورحمته على سفهة هذه الأمة وجهلتها (^١).\n\n<span id=\"aya-1193\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل سماك الحنفي، عن ابن عباس قال: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك، فيقول النبي ﷺ: قد، قد، ويقولون: اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. ويقولون: غفرانك غفرانك فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: النبي ﷺ والاستغفار فذهب النبي ﷺ وبقي الاستغفار (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثني عبد العزيز، حدثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا: قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه الله من بيننا. ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية فلما أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللَّهم. فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٣) [الأنفال: ٣٤].\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ يقول: ما كان الله ليعذب قومًا وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يقول: ومنهم مَن قد سبق له من الله الدخول في الإيمان وهو الاستغفار يستغفرون يعني: يصلُّون. يعني بهذا أهل مكة (^٤). وروي عن مجاهد وعكرمة وعطية العوفي وسعيد بن جبير والسدي نحو ذلك (^٥).\nوقال الضحاك وأبو مالك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني: المؤمنين الذين كانوا بمكة (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الغفار بن داود، حدثنا النضر بن عربي قال: قال ابن عباس: إن الله جعل في هذه الأُمة أمانين لا يزالون معصومين مجارين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم، فأمان قبضه الله إليه وأمان بقي فيكم، قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾.\nوقال أبو صالح عبد الغفار: حدثني بعض أصحابنا أن النضر بن عدي حدثه هذا الحديث،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح أخرجه مسلم من طريق عكرمة به (الصحيح، الحج باب التلبية وصفتها (ح ١١٨٥).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الإرسال.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به مقطعًا.\n(^٥) هذه الأقوال أخرجها الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد ثابتة.\n(^٦) قول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن نبيط عنه. وقول أبي مالك أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.","vol":"4","page":193},{"text":"عن مجاهد، عن ابن عباس (^١). وروى ابن مردويه، عن أبي موسى الأشعري نحوًا من هذا (^٢). وكذا روي عن قتادة وأبي العلاء النحوي المقرى (^٣).\nوقال الترمذي: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن نمير، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبَّاد بن يوسف، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنزل الله عليَّ أمانين لأُمتي ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة\" (^٤)، ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الشيطان قال: وعزتك يا ربِّ لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الربُّ: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني\". ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا رشدين - هو: ابن سعد -، حدثني معاوية بن سعيد التُجيبي، عمن حدثه، عن فضالة بن عبيد، عن النبي ﷺ أنه قال: \"العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله ﷿\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-1194\"></span>﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾.\nيخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام الرسول ﷺ بين أظهرهم، ولهذا لما خرج من بين أظهرهم أوقع الله بهم بأسه يوم بدر، فقتل صناديدهم وأسر سراتهم، وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد. وقال قتادة والسدي وغيرهما: لم يكن القوم يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون لما عذبوا (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الترمذي من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عباد بن يوسف عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا، (السنن، التفسير، باب ومن سورة الأنفال ح ٣٠٨٢) وسنده ضعيف لضعف إسماعيل بن إبراهيم، ويشهد له سابقه وما تقدم في صحيح مسلم.\n(^٣) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول أبي العلاء أخرجه الطبري من طريق عامر أبي الخطاب الثوري ويتقوى بما سبق.\n(^٤) تقدم تخريجه في الرواية قبل السابقة.\n(^٥) المسند ٣/ ٢٩ والمستدرك ٤/ ٢٦١، وسنده ضعيف لأن رواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة، ولكن يشهد له ما تقدم في صحيح مسلم من حديث ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٠) وسنده ضعيف لضعف رشدين بن سعد، وإبهام شيخ معاوية بن سعيد، ويشهد له ما تقدم من حديث ابن عباس في صحيح مسلم وغيره.\n(^٧) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"4","page":194},{"text":"واختاره ابن جرير، فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين لوقع بهم البأس الذي لا يرد، ولكن دفع عنهم بسبب أولئك، كما قال تعالى في يوم الحديبية: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ [الفتح].\nقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى قال: كان النبي ﷺ بمكة فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، قال: فخرج النبي ﷺ إلى المدينة فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، قال: وكان أولئك البقيَّة من المسلمين الذين بقوا فيها مستضعفين، يعني: بمكة ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فلما خرجوا أنزل الله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾، قال: فأذن الله في فتح مكة فهو العذاب الذي وعدهم (^١). وروي عن ابن عباس وأبي مالك والضحاك وغير واحد نحو هذا (^٢).\nوقد قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، على أن يكون المراد صدور الاستغفار منهم أنفسهم.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال في الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾، فنسختها الآية التي تليها ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، فقوتلوا بمكة فأصابهم فيها الجوع والضر (^٣)، وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي تميلة يحيى بن واضح (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثم استثنى أهل الشرك فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ أي: وكيف لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام (^٥)؟ أي: الذي بمكة يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة فيه والطواف به، ولهذا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال ابن أبزى.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول الضحّاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه سفيان بن وكيع، وقول أبي مالك أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي آخره بلفظ: \"الجوع والحصر\"، وفي سنده ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف وقد توبع فأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أحمد بن إسماعيل بن أبي ضرار عن أبي تميلة يحيى بن واضح به، وسنده حسن وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر.\n(^٤) كما في السند السابق.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف، ومعناه صحيح.","vol":"4","page":195},{"text":"قال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ أي: هم ليسوا أهل المسجد الحرام وإنما أهله النبي ﷺ وأصحابه كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة]، وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧].\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: حدثنا سليمان بن أحمد - هو الطبراني -، حدثنا جعفر بن إلياس بن صدقة المصري، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا نوح بن أبي مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ من أولياؤك؟ قال: \"كل تقي\". وتلا رسول الله ﷺ: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (^١).\nوقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده قال: جمع رسول الله ﷺ قريشًا فقال: \"هل فيكم من غيركم؟ \" فقالوا: فينا ابن أختنا وفينا حليفنا وفينا مولانا فقال: \"حليفنا منا وابن أختنا منا ومولانا منا إن أوليائي منكم المتقون\". ثم قال هذا صحيح ولم يخرجاه (^٢).\nوقال عروة والسدي ومحمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّاالْمُتَّقُونَ﴾ قال: هم محمد ﷺ وأصحابه ﵃ (^٣).\nوقال مجاهد: هم المجاهدون من كانوا وحيث كانوا (^٤).\n\n<span id=\"aya-1195\"></span>ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام، وما كانوا يعاملونه به، فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، قال عبد الله بن عمر وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو رجاء العطاردي ومحمد بن كعب القرظي وحجر بن عنبس ونبيط بن شريط وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الصفير (^٥). وزاد مجاهد، وكانوا\n_________\n(^١) سنده ضعيف جدًا بسبب نوح بن أبي مريم: كان يضع الحديث كما في التقريب، وفيه انقطاع بين يحيى وأنس وأخرجه البيهقي من طريق أبي هرمز عن أنس ثم قال: نافع السلمي أبو هرمز بصري كذبه ابن معين (السنن الكبرى ٢/ ١٥٢).\n(^٢) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٨)، وفي سنده إسماعيل بن عبيد بن رفاعة مقبول (التقريب ص ١٠٩)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق سفيان به (المسند ٣١/ ٣٢٧ ح ١٨٩٩٤).\n(^٣) قول عروة وابن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بدون ذكر: هم المجاهدون.\n(^٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عمر فأخرجه بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عمر، ويشهد له بقية الآثار فقد صح عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وعبد الرحمن بن زيد وذلك فيما رواه الطبري عنهم.","vol":"4","page":196},{"text":"يدخلون أصابعهم في أفواههم (^١).\nوقال السدي: المكاء الصفير على نحو طير أبيض يقال له: (المكّاء) ويكون بأرض الحجاز ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا يعقوب - يعني ابن عبد الله الأشعري -، حدثنا جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ قال: كانت قريش تطوف بالكعبة عراة تُصفِّر وتصفق. والمكاء: الصَّفير، وإنما شبهوا بصفير الطير ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ التصفيق (^٣)، وهكذا روي عن علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، وكذا روي عن ابن عمر ومجاهد ومحمد بن كعب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والضحاك وقتادة وعطية العوفي وحُجرْ بن عَنبس، وابن أبزى نحو هذا (^٤).\nقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عامر، حدثنا قُرَّة، عن عطية، عن ابن عمر في قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ قال قُرَّة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر فصفر ابن عمر وأمال خده وصفق بيديه (^٥).\nوعن ابن عمر أيضًا أنه قال: إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض ويصفقون ويصفرون رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عنه (^٦).\nوقال عكرمة: كانوا يطوفون بالبيت على الشمال (^٧)، قال مجاهد: وإنما كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا بذلك على النبيِّ ﷺ صلاته (^٨).\nوقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين (^٩).\nوعن سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ قال: صدهم الناس عن سبيل الله ﷿ (^١٠).\nقوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، قال: الضحاك وابن جريج ومحمد بن إسحاق: هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي (^١١)، واختاره ابن جرير ولم يحكِ غيره.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن.\n(^٤) هذه الأقوال تتمة لما سبق قبل ثلاث روايات.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أيضًا عطية العوفي.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم وفي سنده أيضًا عطية العوفي.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أخي الزهري عن الزهري.\n(^١٠) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف جدًا من طريق طلحة بن عمرو عنه لأن طلحة متروك، وقول عبد الرحمن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ بن الفرج عنه.\n(^١١) قول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن نبيط عنه، وقول ابن جريج وابن إسحاق أخرجه الطبري بسندين ضعيفين عنهما.","vol":"4","page":197},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: عذاب أهل الإقرار بالسيف، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة (^١).\n\n<span id=\"aya-1196\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾.\nقال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلُّهم (^٢) إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمدًا قد وتركم (^٣) وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلَّنا أن ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منا ففعلوا، قال: ففيهم كما ذكر عن ابن عباس أنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (^٤)، وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير والحكم بن عُتيبة وقتادة والسدي وابن أبزى: أنها نزلت في أبي سفيان ونفقته الأموال في أحد لقتال رسول الله ﷺ (^٥).\nوقال الضحاك: نزلت في أهل بدر (^٦). وعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصًا فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك ثم تذهب أموالهم ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي ندامة حيث لم تجد شيئًا لأنهم أرادوا إطفاء نور الله، وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متمُّ نوره ولو كره الكافرون وناصر دينه ومعلن كلمته ومظهر دينه على كل دين، فهذا الخزي لهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم أو مات فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي، ولهذا قال: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1197\"></span>وقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فيميز أهل السعادة من أهل الشقاء (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أي المنهزمون.\n(^٣) أي أدرك فيكم مكروهًا بالقتل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، ولكنه مرسل وهذه المراسيل وما يتلوها من مراسيل أخرى يقوي بعضها بعضًا.\n(^٥) أخرجه الطبري عن مجاهد وقتادة والسدي بأسانيد ثابتة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، ويشهد له ما سبق من الآثار.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"4","page":198},{"text":"وقال السدي: يميز المؤمن من الكافر (^١)، وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة كقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ الآية [يونس: ٢٨]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ [الروم]، وقال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] وقال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ [يس] ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون اللّام معللة لما جعل الله للكافرين من مال ينفقونه في الصدِّ عن سبيل الله أي: إنما أقدرناهم على ذلك ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٩]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران] ونظيرتها في براءة أيضًا، فمعنى الآية على هذا: إنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَالْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ﴾ أي: يجمعه كله وهو جمع الشيء بعضه على بعض كما قال تعالى في السحاب ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ [النور: ١٤٣] أي: متراكمًا متراكبًا ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: هؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-1198\"></span>﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾.\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ أي: عمَّا هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد، ويدخلوا في الإسلام والطاعة والإنابة يغفر لهم ما قد سلف أي من كفرهم، وذنوبهم وخطاياهم كما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر\" (^٢)، وفي الصحيح أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: \"الإسلام يجبُّ ما قبله والتوبة تجبُّ ما كان قبلها\" (^٣).\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ أي: يستمروا على ما هم فيه ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: فقد\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين، باب إثم من أشرك بالله (ح ٦٩٢١) وصحيح مسلم الإيمان، باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية؟ (ح ١٢٠).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسند عن عمرو بن العاص مرفوعًا بلفظ: \"إن الإسلام يجبُّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبُّ ما كان قبلها\"، (المسند ٢٩/ ٣٤٩ ح ١٧٨١٣) قال محققوه: الشطر الأول منه حسن، وأخرج مسلم في صحيحه من حديث عمر: \"أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله\"، (الصحيح، الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله ح ١٢١).","vol":"4","page":199},{"text":"مضت سنتنا في الأولين أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم أنَّا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة.\nقال مجاهد في قوله: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي في قريش يوم بدر وغيرها من الأمم (^١).\nوقال السدي ومحمد بن إسحاق: أي يوم بدر (^٢).\n\n<span id=\"aya-1199\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قال البخاري: حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن يحيى، حدثنا حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلًا جاء فقال: يا أبا عبد الرحمن ألا تصنع ما ذكر الله في كتابه ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية [الحجرات: ٩] فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا بن أخي أُعيَّر بهذه الآية، ولا أقاتل أحبُّ إليَّ من أن أُعيَّر بالآية التي يقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] إلى آخر الآية قال: فإن الله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ إذ كان الإسلام قليلًا، وكان الرجل يُفتن في دينه إما أن يقتلوه وإما أن يوثقوه حتى كثُر الإسلام فلم تكن فتنة، فلمَّا رأى أنه لا يوافقه فيما يريد قال: فما قولكم في علي وعثمان؟ قال ابن عمر: أما قولي في علي وعثمان، أما عثمان فكان الله قد عفا عنه وكرهتم أن يعفو الله عنه، وأما علي فابن عمِّ رسول الله ﷺ وختنه وأشار بيده وهذه ابنته أو بنته حيث ترون (^٣).\nوحدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا بيان، أن ابن وبرة حدثه قال: حدثني سعيد بن جبير قال: خرج علينا أو إلينا ابن عمر ﵄ فقال: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد ﷺ يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك (^٤).\nهذا كله سياق البخاري رحمه الله تعالى وقال عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس قد صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر بن الخطاب، وأنت صاحب رسول الله ﷺ فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرَّم عليَّ دم أخي المسلم. قالوا: أو لم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾؟ قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كلُّه لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله. وكذا روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أيوب بن عبد الله اللخمي، قال: كنت عند عبد الله بن عمر ﵄، فأتاه رجل فقال: إن الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن إسحاق أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه، (الصحيح، تفسير سورة الأنفال، باب قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] (ح ٤٦٥٠).\n(^٤) كسابقه (ح ٤٦٥١).","vol":"4","page":200},{"text":"تكون فتنة ويكون الدِّين لغير الله. وكذا رواه حماد بن سلمة، فقال ابن عمر: قاتلت أنا وأصحابي حتى كان الدين كلُّه لله، وذهب الشرك ولم تكن فتنة، ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة ويكون الدِّين لغير الله (^١)، رواهما ابن مردويه.\nوقال أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: قال ذو البطين، - يعني أسامة بن زيد -: لا أقاتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله أبدًا. فقال سعد بن مالك: وأنا والله لا أقاتل رجلًا: يقول: لا إله إلا الله أبدًا، فقال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾؟ فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدِّين كله لله (^٢). رواه ابن مردويه.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني: لا يكون شرك (^٣)، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم (^٤).\nوقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهري، عن عروة بن الزبير، وغيره من علمائنا، ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، حتى لا يُفتن مسلم عن دينه (^٥).\nوقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه﴾. قال الضحاك: عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يخلص التوحيد لله (^٦).\nوقال الحسن وقتادة وابن جريج: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ أن يقال: لا إله إلا الله (^٧).\nوقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله، ليس فيه شرك، ويخلع ما دونه من الأنداد (^٨).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، لا يكون مع دينكم كفر (^٩)، ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقِّها، وحسابهم على الله ﷿\" (^١٠) وفيهما عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل\n_________\n(^١) أصلهما في الصحيح كما في الحديثين السابقين.\n(^٢) سنده مرسل ولم يسم الراوي عن أبي عوانة ومن بعده، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي ظبيان حصين بن جندب، ولم يذكر: يعني أسامة بن زيد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن الضحاك به، ويتقوى بالآثار التالية.\n(^٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به ولم يصرح ابن إسحاق باسم شيخه ولكنه يتقوى بما سبق.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن الضحاك به ويتقوى بالتالي.\n(^٧) قول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٨) يشهد له ما سبق.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^١٠) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٠.","vol":"4","page":201},{"text":"شجاعة ويقاتل حميَّة، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله ﷿؟ فقال: \"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ﷿\" (^١).\nوقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: بقتالكم عما هم فيه من الكفر فكفُّوا عنه، وإن لم تعلموا بواطنهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، كقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة].\nوفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لأسامة، لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال: لا إله إلا الله فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال لأسامة: \"أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة، فقال يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا، قال: \"هلا شققت عن قلبه؟ \" وجعل يقول ويكرر عليه: \"من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ \" قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1200\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ أي: وإن استمروا على خلافكم ومحاربتكم فاعلموا أن الله مولاكم، وسيدكم وناصركم على أعدائكم فنعم المولى ونعم النصير.\nوقال محمد بن جرير: حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أبان العطار، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء فكتب إليه عروة: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإنَّك كتبت إلي تسألني، عن مخرج رسول الله ﷺ من مكة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كان من شأن خروج رسول الله ﷺ من مكة، أن الله أعطاه النبوة، فنعم النبيّ ونعم السيد ونعم العشيرة، فجزاه الله خيرًا، وعرفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته وأماتنا وبعثنا عليها، وأنه لما دعا قومه لما بعثه الله به من الهدى والنور الذي أنزل عليه لم يبعدوا منه أول ما دعاهم إليه، وكانوا يسمعون له، حتى إذا ذكر طواغيتهم، وقدم ناس من الطَّائف من قريش لهم أموال، أنكر ذلك عليه ناس واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال وأغروا به من أطاعهم، فانعطف عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتتن من افتتن وعصم الله ما شاء منهم، فلما فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملك صالح، يقال له: النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يثنى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريش يتجرون فيها، وكانت مساكن لتجارهم يجدون فيها رفاغًا من الرزق، وأمنًا ومتجرًا حسنًا، فأمرهم بها النبي ﷺ،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة، آية ١٩٢.\n(^٢) صحيح البخاري، الجهاد والسير، باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد (ح ٢٨١٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله (ح ٩٦).","vol":"4","page":202},{"text":"فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخافوا عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم، ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم، فلما رأوا ذلك استرخوا استرخاءة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولى هي التي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ قبل أرض الحبشة مخافتها، وفرارًا مما كانوا فيه من الفتن والزلزال، فلما استرخى عنهم ودخل في الإسلام من دخل منهم تحدث باسترخائهم عنهم، فبلغ من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ أنه قد استرخى عمَّن كان منهم بمكة، وأنهم لا يفتنون، فرجعوا إلى مكة وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون ويكثرون، وأنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا الإسلام بالمدينة، وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله ﷺ بمكة، فلما رأت قريش ذلك، [تذامرت] (^١) على أن يفتنوهم ويشتدوا، فأخذوهم فحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، فكانت الفتنة الآخرة، فكانت فتنتان:\nفتنة: أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة حين أمرهم النبي ﷺ بها، وأذن لهم في الخروج إليها.\nوفتنة: لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة، ثم إنه جاء رسول الله ﷺ من المدينة سبعون نقيبًا، رؤوس الذين أسلموا، فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم ومواثيقهم، على أنَّا منك وأنت مِنَّا، وعلى أن من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، فاشتدَّت عليهم قريش، عند ذلك، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه، أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله ﷺ أصحابه، وخرج هو، وهي التي أنزل الله ﷿ فيها: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (^٢)، ثم رواه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عروة بن الزبير، أنه كتب إلى الوليد يعني: ابن عبد الملك بن مروان بهذا، فذكر مثله (^٣)، وهذا صحيح إلى عروة ﵀.\n\n<span id=\"aya-1201\"></span>﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾.\nيبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصًا لهذه الأمة الشريفة، من بين سائر الأمم المتقدمة بإحلال الغنائم. والغنيمة: هي المال المأخوذ من الكفار، بإيجاف الخيل والركاب.\n_________\n(^١) كذا في تفسير الطبري، وفي الأصل: توامرت.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الأستاذ محمود شاكر ولقد أشار إلى كتاب عروة في السيرة، وعزم أن يجمعه ﵀.\n(^٣) أخرجه الطبري عن يونس بسنده مختصرًا على مطلع كتاب عروة. والسند الأول أقوى، وصححه الحافظ ابن كثير أيضًا.","vol":"4","page":203},{"text":"والفيء: ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها أو يتوفون عنها، ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف.\nومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة، وبالعكس أيضًا، ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر: ٧]، قال: فنسخت آية الأنفال تلك، وجعلت الغنائم أربعة أخماس للمجاهدين، وخمسًا منها لهؤلاء المذكورين (^١)، وهذا الذي قاله بعيد، لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في بني النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة، أن بني النضير بعد بدر، وهذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة، يقول: تلك نزلت في أموال الفيء، وهذه في الغنائم، ومن يجعل أمر الغنائم والفيء راجعًا إلى رأي الإمام، يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس، إذا رآه الإمام والله أعلم.\nفقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ توكيد لتخميس كلِّ قليل وكثير حتى الخيط والمخيط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ اختلف المفسرون ههنا:\nفقال بعضهم: لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة.\nقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية الرياحي، قال: كان رسول الله ﷺ، يؤتى بالغنيمة فيخمسها على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل (^٢).\nوقال آخرون: ذكر الله ههنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم لرسوله ﵇.\nقال الضحاك، عن ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ فأن لله خمسه، مفتاح كلام ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فجعل سهم الله وسهم الرسول ﷺ واحدًا (^٣). وهكذا قال إبراهيم النخعي والحسن بن محمد بن الحنفية، والحسن البصري والشعبي وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة وقتادة ومغيرة وغير واحد، أن سهم الله ورسوله واحد (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرازي به وسنده جيد لكنه مرسل.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك به، وتشهد له الآثار التالية.\n(^٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول عطاء فقد أخرجه بسند حسن من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، وقول إبراهيم النخعي والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وقتادة أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.","vol":"4","page":204},{"text":"ويؤيد هذا ما رواه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي، بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق، عن رجل، قال: أتيت النبي ﷺ وهو بوادي القرى، وهو يعرض فرسًا، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة؟ فقال: \"لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش\". قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: \"لا ولا السهم تستخرجه من جيبك ليس أنت أحق به من أخيك المسلم\" (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أبان، عن الحسن، قال: أوصى أبو بكر بالخمس من ماله، وقال: ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه (^٢).\nثم اختلف قائلو هذا القول، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كانت الغنيمة تخمس على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس، فربع لله وللرسول ﷺ، فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي ﷺ، ولم يأخذ النبي ﷺ من الخمس شيئًا (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بُريدة في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾، قال: الذي لله فلنبيه، والذي للرسول لأزواجه (^٤).\nوقال عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: خمس الله والرسول واحد، يحمل منه ويصنع فيه ما شاء (^٥)، يعني النبي ﷺ، وهذا أعمُّ وأشمل، وهو أنه ﷺ يتصرف في الخمس الذي جعله الله بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء، ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام الأعرج، عن المقدام بن معد يكرب الكندي، أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي ﵃، فتذاكروا حديث رسول الله ﷺ، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة، كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس، فقال عبادة: إن رسول الله ﷺ صلّى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلَّم قام رسول الله ﷺ فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: \"إن هذه من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدُّوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلُّوا، فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريمب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، وجاهدوا في الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم، ينجي الله به من الهمِّ والغمِّ\" (^٦)، هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن شقيق به (السنن الكبرى ٦/ ٣٢٤)، وصححه سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن الحسن لم يسمع من أبي بكر ﵁.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به نحوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه أبو عبيد (الأموال ٨٣٨) وابن أبي شيبة (المصنف ١٢/ ٤٣١) بسند صحيح من طريق عبد الملك بن أبي سليمان به.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٣٧١ - ٣٧٢ ح ٢٢٦٩٩)، وحسنه محققوه بالشواهد، وكذا =","vol":"4","page":205},{"text":"ولكن روى الإمام أحمد أيضًا وأبو داود والنسائي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ نحوه في قصة الخمس والنهي عن الغلول (^١). وعن عمرو بن عنبسة، أن رسول الله ﷺ صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلّم أخذ وبرة من هذا البعير، ثم قال: \"ولا يحل لي من غنائكم مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم\" (^٢) رواه أبو داود والنسائي، وقد كان للنبي ﷺ من الغنائم شيء يصطفيه لنفسه، عبد أو أمة أو فرس أو سيف أو نحو ذلك كما نصّ عليه محمد بن سيرين وعامر الشعبي، وتبعهما على ذلك أكثر العلماء.\nوروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد (^٣).\nوعن عائشة ﵂ قالت: كانت صفية من الصفي (^٤)، رواه أبو داود في سننه، وروى أيضًا بإسناده والنسائي أيضًا عن يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها فإذا فيها: \"من محمد رسول الله إلى بني زهير بن قيس إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي ﷺ، وسهم الصفي، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله\". فقلنا: من كتب هذا؟ فقال: رسول الله ﷺ (^٥). فهذه أحاديث جيدة تدلُّ على تقرير هذا وثبوته، ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه.\nوقال آخرون إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء، وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية ﵀: وهذا قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال.\nفإذا ثبت هذا وعلم، فقد اختلف أيضًا في الذي كان يناله ﵇ من الخمس، ماذا يصنع به من بعده، فقال قائلون: يكون لمن يلي الأمر من بعده، رُوي هذا عن أبي بكر وعلي وقتادة وجماعة. وجاء فيه حديث مرفوع.\nوقال آخرون: يصرف في مصالح المسلمين.\n_________\n= حسنه الحافظ ابن كثير، وأخرجه الحاكم من طريق أبي سلام الأعرج به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٤٩، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة ح ٩٨٥).\n(^١) المسند ٢/ ١٨٤، وسنن أبي داود، الجهاد، باب فداء الأسير بالمال (ح ٢٦٩٤) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٤٣).\n(^٢) سنن أبي داود، الجهاد، باب في الإمام يستأثر بشيء من الفيء لنفسه (ح ٢٧٥٥) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٩٣).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ٢٥٩ ح ٢٤٤٥) وحسنه محققوه.\n(^٤) أخرجه أبو داود (السنن، الجهاد، باب ما جاء في سهم الصفيّ ح ٢٩٩٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٥٨٧).\n(^٥) أخرجه أبو داود (السنن، الجهاد، باب ما جاء في سهم الصفيّ ح ٢٩٩٩)، وصححه سنده الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٥٩٢).","vol":"4","page":206},{"text":"وقال آخرون: بل هو مردود على بقية الأصناف، ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، اختاره ابن جرير.\nوقال آخرون: بل سهم النبي ﷺ وسهم ذوي القربى مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل.\nقال ابن جرير: وذلك قول جماعة من أهل العراق، وقيل: إن الخمس جميعه لذوي القربى، كما رواه ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا عبد الغفار، حدثنا المنهال بن عمرو، سألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين عن الخمس، فقالا: هو لنا، فقلت لعلي: فإن الله يقول: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ فقالا: يتامانا ومساكيننا (^١).\nوقال سفيان الثوري وأبو نعيم وأبو أسامة، عن قيس بن مسلم: سألت الحسن بن محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى، عن قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ فقال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة.\nثم اختلف الناس في هذين السهمين، بعد وفاة رسول الله ﷺ، فقال قائلون: سهم النبي ﷺ تسليمًا للخليفة من بعده.\nوقال آخرون: لقرابة النبي ﷺ. وقال آخرون: سهم القرابة لقرابة الخليفة، واجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر ﵄ (^٢).\nقال الأعمش: عن إبراهيم: كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي ﷺ في الكراع (^٣) والسلاح، فقلت لإبراهيم: ما كان عليُّ يقول فيه؟ قال: كان أشدهم فيه (^٤). وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء ﵏، وأما سهم ذوي القربى، فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب، لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية وفي أول الإسلام، ودخلوا معهم في الشعب غضبًا لرسول الله ﷺ وحماية له، مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حميَّة للعشيرة، وأنفة وطاعة لأبي طالب عمِّ رسول الله ﷺ، وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل، وإن كانوا بني عمهم، فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم ونابذوهم ومالؤوا بطون قريش على حرب الرسول، ولهذا كان ذم أبي طالب لهم في قصيدته اللامية أشد من غيرهم، لشدة قربهم، ولهذا يقول في أثناء قصيدته [اللامية] (^٥):\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا فإن عبد الغفار هو ابن القاسم أبو مريم الغفاري، يروي عن المنهال بن عمر (الجرح والتعديل ٦/ ٥٣) من رؤوس الشيعة رافضي يضع الحديث (ميزان الاعتدال ٢/ ٦٤٠).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ٩٣٨٢)، وأبو عبيد (الأموال ٣٩) وابن أبي شيبة (المصنف ١٢/ ٤٣١)، كلهم من طريق الثوري به وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم أيضًا من طريق الثوري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٢٨).\n(^٣) الكراع: بضم الكاف اسم يجمع الخيل والسلاح.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق عمر بن عبيد عن الأعمش به، وسنده مرسل.\n(^٥) ما بين معقوفين زيادة من (عم) و(مح).","vol":"4","page":207},{"text":"جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلا … عقوبة شرٍّ عاجل غير آجل (^١)\nبميزان قسط لا يخيس شعيرة (^٢) لـ … هـ شاهد من نفسه غير عائل\nلقد سفهت أحلام قوم تبدلوا … بني خلف قيضًا (^٣) بنا والعياطل (^٤)\nونحن الصميم من ذؤابة هاشم … وآل قصي في الخطوب الأوائل (^٥)\nوقال جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل: مشيت أنا وعثمان بن عفان، يعني ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس إلى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: \"إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد\" رواه مسلم (^٦). وفي بعض روايات هذا الحديث: \"إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام\" (^٧)، وهذا قول جمهور العلماء، إنهم بنو هاشم وبنو المطلب.\nقال ابن جرير: وقال آخرون: هم بنو هاشم، ثم روى عن خصيف عن مجاهد، قال: علم الله أن في بني هاشم فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة، وفي رواية عنه قال: هم قرابة رسول الله ﷺ الذين لا تحل لهم الصدقة (^٨)، ثم روى عن علي بن الحسين نحو ذلك (^٩).\nقال ابن جرير: وقال آخرون: بل هم قريش كلُّها، حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثني عبد الله بن نافع، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري، قال: كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن ذوي القربى، فكتب إليه ابن عباس، كنا نقول: إنَّا هم، فأبى علينا ذلك قومنا، وقالوا: قريش كلُّها ذوو قربى وهذا الحديث صحيح، رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد المقبري، عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن ذوي القربى (^١٠)، فذكره إلى قوله: فأبى ذلك علينا قومنا، والزيادة من أفراد أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني، وفيه ضعف.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي، حدثنا المعتمر بن\n_________\n(^١) كذا في (عم) و(حم) و(مح) والسيرة النبوية لابن هشام وفي الأصل: \"عقوبة سوء من غرام مماثل\".\n(^٢) الشعيرة: الحب المعروف.\n(^٣) قيضًا: أي عوضًا.\n(^٤) العياطل: هم بنو سهم.\n(^٥) ورد هذا الشعر في السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٢٧٧.\n(^٦) بل أخرجه البخاري (الصحيح، فرض الخمس، باب من الدليل على أن الخمس للإمام ح ٣١٤٠).\n(^٧) أخرجه النسائي من حديث جبير بن مطعم مرفوعًا (السنن، كتاب قسم الفيء ٧/ ١٣١).\n(^٨) أخرج الطبري الروايتين من طريق خُصيف عن مجاهد، وخصيف صدوق سيء الحفظ.\n(^٩) أخرجه الطبري من طريق الصَّبَّاح بن يحيى المزني عن السدي عن أبي الديلم عن علي بن الحسين بنحوه، وسنده ضعيف جدًا لأن الصباح المزني متروك شيعي (لسان الميزان ٣/ ١٦٠) وإسماعيل بن أبان والسدي كلاهما فيهما تشيع، وإسماعيل بن أبان هو الوراق الأزدي: كذاب.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي معشر نجيح ولكنه توبع في معظمه إذ أخرجه مسلم من طريق يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس ولكن بدون قوله: قريش كلها ذوو قربى (الصحيح، الجهاد، باب النساء الغازيات … ح ١٨١٢)، وكذا أخرجه أبو داود في سننه، الإمارة، باب بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى (ح ٢٩٨٢) والنسائي في سننه، كتاب قسم الفيء ٧/ ١٢٨ - ١٢٩.","vol":"4","page":208},{"text":"سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"رغبت لكم عن غسالة الأيدي، لأن لكم من خُمس الخُمس ما يغنيكم أو يكفيكم\" (^١)، هذا حديث حسن الإسناد، وإبراهيم بن مهدي هذا وثقه أبو حاتم، وقال يحيى بن معين: يأتي بمناكير، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ أي: أيتام المسلمين، واختلف العلماء هل يختص بالأيتام الفقراء، أو يعم الأغنياء والفقراء؟ على قولين، والمساكين: هم المحاويج الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ومسكنتهم، ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المسافر أو المريد للسفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، وليس له ما ينفقه في سفره ذلك، وسيأتي تفسير ذلك في آية الصدقات من سورة براءة إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ أي: امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وما أنزل على رسوله، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس في حديث وفد عبد القيس، أن رسول الله ﷺ قال لهم: \"وآمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع. آمركم بالإيمان بالله، ثم قال: هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخُمس من المغنم\" (^٢)، الحديث بطوله، فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان، وقد بوب البخاري على ذلك في كتاب الإيمان من صحيحه، فقال: (باب أداء الخمس من الإيمان) ثم أورد حديث ابن عباس هذا (^٣)، وقد بسطنا الكلام عليه في شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.\nوقال مقاتل بن حيان: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ أي: في القسمة (^٤)، وقوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ينبه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه، بما فرَّق به بين الحق والباطل ببدر، ويسمى الفرقان، لأن الله أعلى فيه كلمة الإيمان على كلمة الباطل وأظهر دينه ونصر نبيَّه وحزبه.\nقال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس: يوم الفرقان يوم بدر، فرَّق الله فيه بين الحق والباطل، رواه الحاكم (^٥)، وكذا قال مجاهد ومقسم وعبيد الله بن عبد الله والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد أنه يوم بدر (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن حنش وهو: الحسين بن قيس الرحبي متروك كما في التقريب وقال البخاري: لا يكتب حديثه (ينظر ميزان الاعتدال ١/ ٥٤٦)، وقد حسن الحافظ ابن كثير سنده ولعلهُ بالمتابعات والشواهد لأن أصله في الصحيح إذا أخرج مسلم في صحيحه عن المطلب بن ربيعة بن الحارث ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد\". (الصحيح، الزكاة، باب ترك استعمال آل النبي ﷺ على الصدقة) (ح ١٠٧٢).\n(^٢) صحيح البخاري، الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان (ح ٥٣) وصحيح مسلم، الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى (ح ١٧).\n(^٣) (ح ٥٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.\n(^٥) أخرجه الحاكم من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٢٣)، وأما طريق العوفي أخرجه الطبري بسند ضعيف ويتقوى بسابقه.\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم جميعًا بحذف السند، وقول مجاهد ومقسم وقتادة أخرجه الطبري عنهم بأسانيد صحيحة.","vol":"4","page":209},{"text":"وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يوم فرَّق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله ﷺ، وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله ﷺ يومئذٍ ثلثمائة وبضعة عشر رجلًا، والمشركون ما بين الألف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك (^١).\nوقد روى الحاكم في مستدركه من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن ابن مسعود، قال في ليلة القدر: تحروها لإحدى عشرة يبقين، فإن في صبيحتها يوم بدر (^٢)، وقال: على شرطهما، وروي مثله عن عبد الله بن الزبير أيضًا، من حديث جعفر بن برقان، عن رجل عنه.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يحيى بن يعقوب أبو طالب، [عن ابن عون، عن محمد بن عبد الله الثقفي] (^٣)، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال الحسن بن علي: كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة من رمضان (^٤). إسناد جيد قوي، ورواه ابن مردويه، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب، عن علي قال: كانت ليلة الفرقان، ليلة التقى الجمعان، في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان، وهو الصحيح عند أهل المغازي والسير.\nوقال يزيد بن أبي حبيب إمام أهل الديار المصرية في زمانه: كان يوم بدر يوم الاثنين، ولم يتابع على هذا، وقول الجمهور مقدم عليه (^٥)، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1202\"></span>﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾.\nيقول تعالى [مخبرًا] (^٦) عن يوم الفرقان ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إذ أنتم نزول بعدوة\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم ٩٧٢٦) وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به.\n(^٢) المستدرك ٣/ ٢٠.\n(^٣) كذا في النسخ الخطية وتفسير الطبري، ويرى الأستاذ أحمد شاكر أن الصواب: عن أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي ثم استشهد برواية سابقه لم يذكر فيها الكنية (التفسير رقم ١٦١٣٥ و١٥٩٢٥)، وأما طبعة معالي الدكتور التركي فهي كما في ابن كثير.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده يحيى بن يعقوب أبو طالب: قال البخاري: منكر الحديث (التاريخ الكبير ٨/ ٣١٢)، ووثقه أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (٨/ ١٩٨). ولعل تقوية الحافظ ابن كثير لهذا السند لأنه روي من طرق أخرى، لأنه قال: وهو الصحيح عند أهل المغازي.\n(^٥) يقصد الحافظ ابن كثير بقول الجمهور أنه يوم الجمعة وهو كما قال، ولكن يزيد بن أبي حبيب لم ينفرد به بل توبع إذ أخرجه ابن سعد وابن أبي شيبة كلاهما من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عامر بن ربيعة البدري قال: كانت بدر يوم الإثنين، (الطبقات الكبرى ٢/ ١٣، ومصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٥٤ رقم ١٨٥٠١)، ورواية يزيد بن أبي حبيب أخرجها ابن أبي حاتم من طريق مصعب بن ثابت عن عطاء بن دينار عن يزيد بن أبي حبيب. ومصعب بن ثابت لين الحديث كما في التقريب.\n(^٦) كذا في \"عم\" و\"حم\" و\"مح\"، وسقطت من الأصل.","vol":"4","page":210},{"text":"الوادي الدنيا القريبة إلى المدينة، ﴿وَهُمْ﴾ أي: المشركون نزول ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ أي: البعيدة من المدينة إلي ناحية مكة، ﴿وَالرَّكْبُ﴾ أي: العير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة، ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي: مما يلي سيف البحر، ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ أي: أنتم والمشركون إلى مكان ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾.\nقال محمد بن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، في هذه الآية، قال: ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم، ما لقيتموهم ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، من غير ملأ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه (^١).\nوفي حديث كعب بن مالك قال: إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله ﷺ وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقى السقاة، ونهد (^٣) الناس بعضهم لبعض (^٤).\nوقال محمد بن إسحاق في السيرة: ومضى رسول الله ﷺ على وجهه ذلك، حتى إذا كان قريبًا من الصفراء، بعث بسبس بن عمرو وعَدي بن أبي الزغباء الجهنيين، يلتمسان الخبر عن أبي سفيان، فانطلقا حتى إذا وردا بدرًا، فأناخا بعيريهما إلى تل من البطحاء، فاستقيا في شن (^٥) لهما من الماء، فسمعا جاريتين تختصمان، تقول إحداهما لصاحبتها اقضيني حقي، وتقول الأخرى: إنما تأتي العير غدًا أو بعد غد فأقضيك حقك، فخلص بينهما مجدي بن عمرو، وقال: صدقت، فسمع بذلك بسبس وعدي، فجلسا على بعيريهما حتى أتيا رسول الله ﷺ، فأخبراه الخبر، وأقبل أبو سفيان حين ولّيا وقد حذر، فتقدم أمام عيره، وقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره؟ فقال: لا والله، إلا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل فاستقيا من شن لهما ثم انطلقا، فجاء أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما، فأخذ من أبعارهما ففته فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، ثم رجع سريعًا فضرب وجه عيره فانطلق بها فسَاحَل (^٦)، حتى إذا رأى أنه قد أحرز عيره إلى قريش فقال: إن الله قد نجَّى عيركم وأموالكم ورجالكم فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نأتي بدرًا - وكانت بدر سوقًا من أسواق العرب - فنقيم بها ثلاثًا فنطعم بها الطعام، وننحر بها الجزر، ونسقى بها الخمر، وتعزف علينا القيان (^٧)، وتسمع بنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به وابن إسحاق صرح بالتحديث.\n(^٢) أخرجه البخاري (الصحيح، المغازي، باب قصة بدر ح ٣٩٥١).\n(^٣) أي نهضوا إلى القتال.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٥) أي قربة ماء بالية.\n(^٦) أي: سار بالقافلة نحو الساحل.\n(^٧) أي الجواري.","vol":"4","page":211},{"text":"العرب وبمسيرنا، فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدًا. فقال الأخنس بن شريق: يا معشر بني زهرة، إن الله قد أنجى أموالكم ونجى صاحبكم فارجعوا فرجعت بنو زهرة، فلم يشهدوها، ولا بنو عدي (^١).\nقال محمد بن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: وبعث رسول الله ﷺ حين دنا من بدر، علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام في نفر من أصحابه يتجسسون له الخبر، فأصابوا سقاة لقريش غلامًا لبني سعيد بن العاص، وغلامًا لبني الحجاج، فأتوا بهما رسول الله ﷺ، فوجدوه يصلِّي فجعل أصحاب رسول الله ﷺ يسألونهما لمن أنتما؟ فيقولان: نحن سقاة لقريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما، فلما أذلقوهما (^٢) قالا: نحن لأبي سفيان فتركوهما، وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتين ثم سلم، وقال: \"إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش\" قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب: العقنقل، فقال لهما رسول الله ﷺ: \"كم القوم؟ \" قالا: كثير. قال: \"ما عدتهم؟ \" قالا: ما ندري. قال: \"كم ينحرون كل يوم؟ \" قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، قال رسول الله ﷺ: \"القوم ما بين التسعمائة إلى الألف\" ثم قال لهما: \"فمن فيهم من أشراف قريش؟ \" قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأُمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ودّ، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: \"هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها\" (^٣).\nقال محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أن سعد بن معاذ قال لرسول الله ﷺ: لما التقى الناس يوم بدر يا رسول الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، وننيخ إليك ركائبك، ونلقى عدونا؟ فإن أظفرنا الله عليهم وأعزنا فذاك ما نحب، وإن تكن الأخرى، فتجلس على ركائبك وتلحق بمن وراءنا من قومنا، فقد والله تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبًا منهم، لو علموا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، ويوادونَك وينصرونك. فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرًا، ودعا له به فبني له عريش، فكان فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر، ما معهما غيرهما (^٤).\nقال ابن إسحاق: وارتحلت قريش حين أصبحت، فلما أقبلت ورآها رسول الله ﷺ تصوب من العقنقل - وهو الكثيب - الذي جاؤوا منه إلى الوادي، فقال: \"اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم أحنهم (^٥) الغداة\" (^٦).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٧ - ٦١٩.\n(^٢) أي: بالغوا في ضربهما.\n(^٣) سنده حسن لكنه مرسل، وورد في سيرة ابن هشام ١/ ٦١٦ - ٦١٧.\n(^٤) سنده منقطع لأن عبد الله بن أبي بكر لم يسمع من سعد بن معاذ. وذكره ابن هشام بسنده بنحوه (السيرة النبوية ١/ ٦٢٠ - ٦٢١).\n(^٥) أي أهلكهم.\n(^٦) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦٢١.","vol":"4","page":212},{"text":"وقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، قال محمد بن إسحاق: أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك (^١).\nوهذا تفسير جيد. وبسط ذلك أنه تعالى يقول: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد، على غير ميعاد، لينصركم عليهم ويرفع كلمة الحق على الباطل، ليصيّر الأمر ظاهرًا والحجة قاطعة والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة، ولا شبهة، فحينئذٍ يهلك من هلك أي يستمر في الكفر من استمر فيه، على بصيرة من أمره، إنه مبطل لقيام الحجة عليه، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾ أي: يؤمن من آمن ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ي: حجة وبصيرة والإيمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقالت عائشة في قصة الإفك: فهلك فيّ من هلك (^٢)، أي قال فيها ما قال من البهتان والإفك.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ أي: لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به، ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بكم، وأنكم تستحقون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين.\n\n<span id=\"aya-1203\"></span>﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾.\nقال مجاهد: أراهم الله إياه في منامه قليلًا، وأخبر النبي ﷺ أصحابه بذلك، فكان تثبيتًا لهم (^٣)، وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد (^٤)، وحكى ابن جرير عن بعضهم، أنه رآهم بعينه التي ينام بها (^٥).\nوقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن موسى [التستري] (^٦) حدثنا أبو قتيبة، عن سهل السراج، عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ قال بعينك (^٧)، وهذا القول غريب، وقد صرح بالمنام ههنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه، وقوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ أي: لجبنتم عنهم، واختلفتم فيما بينكم، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أي: من ذلك، بأن أراكهم قليلًا ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما تكنُّه الضمائر وتنطوي عليه الأحشاء، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر].\n\n<span id=\"aya-1204\"></span>وقوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ وهذا أيضًا من لطفه تعالى بهم، إذ أراهم إياهم قليلًا في رأي العين، فيجرُّؤهم عليهم ويطمعهم فيهم.\nقال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لقد قُلِّلوا في\n_________\n(^١) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦٧٢ - ٦٧٣.\n(^٢) ستأتي القصة بطولها في تفسير سورة النور آية ١١.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.\n(^٥) ذكره الطبري بصيغه: زعم بعضهم.\n(^٦) كذا في تفسير ابن أبي حاتم، وفي (مح): السدي وهو تصحيف.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وقد استغربه الحافظ ابن كثير لأنه خالف التصريح بالمنام.","vol":"4","page":213},{"text":"أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: لا بل هم مائة، حتى أخذنا رجلًا منهم فسألناه، فقال: كنا ألفًا، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١).\nوقوله: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن الحارث، عن عكرمة ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ﴾ الآية، قال: حضَّض (^٢) بعضهم على بعضهم (^٣). إسناد صحيح.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليلقي بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد تمام النعمة عليه من أهل ولايته (^٤)، ومعنى هذا أنه تعالى أغرى كلًّا من الفريقين بالآخر، وقلَّله في عينه ليطمع فيه، وذلك عند المواجهة، فلما التحم القتال وأيَّد الله المؤمنين بألف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضعيفة، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾ [آل عمران] وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين، فإن كلًّا منهما حق وصدق، ولله الحمد والمِنَّة.\n\n<span id=\"aya-1205\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾.\nهذا تعليم من الله تعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رسول الله ﷺ انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، حتى إذا مالت الشمس قام فيهم، فقال: \"يا أيها الناس لا تتمنَّوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف\" ثم قام النبي ﷺ، وقال: \"اللَّهم مُنزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم\" (^٥).\nوقال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تتمنَّوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله، فإن صخبوا وصاحوا فعليكم بالصمت\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي إسحاق السبيعي به، وسنده منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود ﵁.\n(^٢) أي: حثَّ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به.\n(^٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب كان النبي ﷺ لم يقاتل أول النهار أخَّر القتال حتى تزول الشمس (ح ٢٩٦٥)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب كراهية تمني لقاء العدو (ح ١٧٤٢).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم ٩٥١٨) وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زياد، والشق الأول له شاهد في الصحيحين كما تقدم في الحديث السابق.","vol":"4","page":214},{"text":"وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا معتمر بن سليمان، حدثنا ثابت بن زيد، عن رجل، عن زيد بن أرقم، عن النبي ﷺ مرفوعًا، قال: \"إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة\" (^١).\nوفي الحديث الآخر المرفوع، يقول الله تعالى: \"إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه\" (^٢) أي: لا يشغله ذلك الحال، عن ذكري ودعائي واستعانتي.\nوقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة في هذه الآية، قال: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون عند الضِّراب بالسيوف (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: وجب الإنصات وذكر الله عند الزحف، ثم تلا هذه الآية، قلت: يجهرون بالذكر؟ قال: نعم (^٤).\nوقال أيضًا: قرأ عليَّ يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش، عن يزيد بن قوذر، عن كعب الأحبار، قال ما من شيء أحبُّ إلى الله تعالى من قراءة القرآن والذكر، ولولا ذلك ما أمر الناس بالصلاة والقتال، ألا ترون أنه أمر الناس بالذكر عند القتال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾؟ (^٥).\nقال الشاعر:\nذكرتك والخطى يخطُر بيننا … وقد نهلت فينا المثقَّفة السُّمر\nوقال عنترة:\nولقد ذكرتك والرماح شواجر … فينا وبيض الهند تقطر من دمي\n\n<span id=\"aya-1206\"></span>فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفرُّوا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه، بل يستعينوا به ويتوكلوا عليه ويسألوه النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك، فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضًا فيختلفوا فيكون سببًا لتخاذلهم وفشلهم، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: قوتكم وحدتكم، وما كنتم فيه من الإقبال، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وقد كان للصحابة ﵃ في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة الرسول ﷺ وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا وغربًا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٥/ ٢١٣) وسنده ضعيف لإبهام شيخ ثابت بن زيد.\n(^٢) أخرجه الترمذي من حديث عمارة بن زعكرة وقال: ليس إسناده بالقوي (السنن، الدعوات ح ٣٥٨٠).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده يزيد بن قوذر سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٩/ ٢٨٤).","vol":"4","page":215},{"text":"بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم، من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش، وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم. قهروا الجميع حتى عَلت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهَّاب.\n\n<span id=\"aya-1207\"></span>﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾.\nيقول تعالى بعد أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله، وكثرة ذكره، ناهيًا لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم، بطرًا أي دفعًا للحق، ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ وهو المفاخرة والتكبر عليهم، كما قال أبو جهل: لما قيل له: إن العير قد نجا فارجعوا، فقال: لا والله لا نرجع، حتى نرِد ماء بدر، وننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان (^١)، وتتحدث العرب بمكاننا فيها يومنا أبدًا (^٢)، فانعكس ذلك عليه أجمع، لأنهم لما وردوا ماء بدر وردوا به الحِمام، ورُموا في أطواء بدر مهانين أذلاء، صَغَرة أشقياء في عذاب سرمدي أبدي، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: عالم بما جاؤوا به وله، ولهذا جازاهم عليه شرَّ الجزاء لهم.\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ قالوا: هم المشركون الذين قاتلوا رسول الله ﷺ يوم بدر (^٣).\nوقال محمد بن كعب: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾.\n\n<span id=\"aya-1208\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ الآية، حسَّن لهم - لعنه الله - ما جاؤوا له وما همُّوا به، وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر، فقال: إني جار لكم، وذلك أنه تبدَّى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، سيد بني مدلج كبير تلك الناحية (^٤)، وكل ذلك منه كما قال تعالى عنه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء].\nقال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر، سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أن أحدًا لن يغلبكم، ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾، فلما التقوا\n_________\n(^١) أي الجواري.\n(^٢) تقدم تخريجه من السيرة النبوية لابن هشام.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بقول مجاهد وقتادة والسدي إذ أخرجه الطبري عنهم بأسانيد ثابتة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه.","vol":"4","page":216},{"text":"ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة، ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قال: رجع مدبرًا، وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ الآية (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما اصطفَّ الناس، أخذ رسول الله ﷺ قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين فولَّوا مدبرين، وأقبل جبريل ﵇ إلى إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع يده ثم ولى مدبرًا وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: \"إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله، والله شديد العقاب\"، وذلك حين رأى الملائكة (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن إبليس خرج مع قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فلما حضر القتال ورأى الملائكة، نكص على عقبيه وقال: إني بريء منكم، فتشبَّث به الحارث بن هشام، فنخر في وجهه فخرَّ صعقًا فقيل له: ويلك يا سراقة على هذه الحال، تخذلنا وتبرأ منا، فقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب (^٣).\nوقال محمد بن عمر الواقدي: أخبرني عمر بن عقبة، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: لما تواقف الناس أغمي على رسول الله ﷺ ساعة، ثم كشف عنه فبشر الناس بجبريل في جند من الملائكة ميمنة الناس، وميكائيل في جند آخر ميسرة الناس، وإسرافيل في جند آخر ألف، وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي يدبر المشركين، ويخبرهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، فلما أبصر عدو الله الملائكة، نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون، فتشبَّث به الحارث بن هشام، وهو يرى أنه سراقة لما سمع من كلامه، فضرب في صدر الحارث فسقط الحارث، وانطلق إبليس لا يُرى حتى سقط في البحر ورفع [يديه] (^٤) وقال يا ربِّ موعدك الذي وعدتني (^٥). وفي الطبراني عن رفاعة بن رافع (^٦)، قريب من هذا السياق وأبسط منه، ذكرناه في السيرة، وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب، فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدَّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: أنا جار لكم أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) سنده ضعيف بسبب الكلبي بالكذب أنه متهم.\n(^٤) كذا في (عم) و(مح) ومغازي الواقدي، وفي الأصل (وحم) صحفت إلى ثوبه، وكذا في الطبعات المحققة.\n(^٥) أخرجه الواقدي بسنده ومتنه (المغازي ١/ ٧٠)، وسنده ضعيف لضعف الواقدي ولمعظمه شواهد تقدمت في الرواية قبل السابقة.\n(^٦) المعجم الكبير ٥/ ٤٢ وضعفه الهيثمي لضعف أحد رجاله واسمه: عبد العزيز بن عمران (المجمع ٦/ ٨٢).","vol":"4","page":217},{"text":"فخرجوا سراعًا (^١). قال محمد بن إسحاق: فذُكر لي أنهم كانوا يرونه في كلِّ منزل في صورة سراقة بن مالك لا ينكرونه، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان، كان الذي رآه حين نكص، الحارث بن هشام أو عمير بن وهب، فقال: أين سراقة؟ أين؟ أي: سراقة. ومثل عدو الله فذهب، قال: فأوردهم ثم أسلمهم، قال: ونظر عدو الله إلى جنود الله قد أيَّد الله بهم رسوله والمؤمنين، فنكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، وصدق عدو الله، وقال: إني أخاف الله والله شديد العقاب (^٢).\nوهكذا روي عن السدي والضحاك والحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي (^٣) وغيرهم ﵏.\nوقال قتادة: وذُكر لنا أنه رأى جبريل ﵇ تنزل معه الملائكة، فعلم عدو الله أنه لا يدان له بالملائكة، فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله وكذب عدو الله. والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، وتلك عادة عدو الله لمن أطاع واستقاد له، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شرَّ مسلَّم، وتبرأ منهم عند ذلك (^٤).\nقلت: يعني بعادته لمن أطاعه، قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ [الحشر] وقوله تعالى ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم].\nوقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن بعض بني ساعدة، قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما كفَّ بصره، يقول: لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى (^٥).\nفلما نزلت الملائكة ورآها إبليس، وأوحى الله إليهم أني معكم فثبَّتوا الذين آمنوا، وتثبيتهم، أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل، يعرفه فيقول له: أبشر فإنهم ليسوا بشيء والله معكم فكرُّوا عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحضِّض أصحابه، ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه. ثم قال: واللّات والعزى، لا نرجع حتى نقرن محمدًا وأصحابه في الحبال، فلا تقتلوهم وخذوهم أخذًا، وهذا من أبي جهل لعنه الله،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن لكنه مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وذكره ابن هشام في السيرة النبوية (١/ ٦١٣) ويتقوى بالآثار والمراسيل التالية والسابقة.\n(^٣) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الحسن البصري أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل.\n(^٥) ذكره ابن هشام في السيرة (١/ ٦٣٣).","vol":"4","page":218},{"text":"كقول فرعون للسحرة لما أسلموا: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ [الأعراف: ١٢٣] وكقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] وهو من باب البُهت والافتراء، ولهذا كان أبو جهل فرعون هذه الأمة.\nوقال مالك بن أنس، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، أن رسول الله ﷺ قال: \"ما رؤي إبليس يومًا هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر (^١) ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من نزول الرحمة والعفو عن الذنوب إلا ما رأى يوم بدر\" قالوا: يا رسول الله وما رأى يوم بدر؟ قال: \"أما إنه رأى جبريل ﵇ يَزعُ (^٢) الملائكة\" (^٣) وهذا مرسل من هذا الوجه.\n\n<span id=\"aya-1209\"></span>وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: لما دنا القوم بعضهم من بعض قلَّل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلَّل المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: غرّ هؤلاء دينهم، وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، فظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^٤).\nوقال قتادة: رأوا عصابة من المؤمنين تشددت لأمر الله، وذُكر لنا، أن أبا جهل عدو الله لما أشرف على محمد ﷺ وأصحابه، قال: والله لا يُعبد الله بعد اليوم قسوة وعتوًا (^٥).\nوقال ابن جريج في قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: هم قوم كانوا من المنافقين بمكة، قالوه يوم بدر (^٦).\nوقال عامر الشعبي: كان ناس من أهل مكة قد تكلموا بالإسلام، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قِلَّة المسلمين، قالوا: غرّ هؤلاء دينهم (^٧).\nوقال مجاهد في قوله ﷿: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال: فئة من قريش، قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أُمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج، خرجوا مع قريش من مكة، وهم على الارتياب فحبسهم ارتيابهم، فلمَّا رأوا قِلَّة أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: غرّ هؤلاء دينهم حتى قدموا على ما قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم (^٨). وهكذا قال محمد بن إسحاق بن يسار سواء.\n_________\n(^١) أي أبعد عن الخير.\n(^٢) أي يرتبهم ويصفّهم للحرب.\n(^٣) أخرجه الإمام مالك بسنده نحوه (الموطأ ١/ ٤٢٢ ح ٢٤٥)، وسنده مرسل، وأخرجه الطبري من طريق الإمام مالك به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وسنده مرسل ويتقوى بما سبق.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عن عامر، وسنده مرسل ويتقوى بما سبق.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد، ومجاهد أرسله.","vol":"4","page":219},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن في هذه الآية قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا منافقين، قال معمر: وقال بعضهم: هم قوم كانوا أقرُّوا بالإسلام وهم بمكة، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قِلَّة المسلمين، قالوا: غرّ هؤلاء دينهم (^١).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: يعتمد على جنابه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: لا يضام من التجأ إليه، فإن الله عزيز منيع الجناب عظيم السلطان ﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله لا يضعها إلا في مواضعها، فينصر من يستحق النصر، ويخذل من هو أهل لذلك.\n\n<span id=\"aya-1210\"></span>﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾.\nيقول تعالى: ولو عاينت يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار، لرأيت أمرًا عظيمًا هائلًا فظيعًا منكرًا، ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ ويقولون لهم: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.\nقال ابن جريج: عن مجاهد ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أستاههم، قال يوم بدر (^٢).\nقال ابن جريج: قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولّوا أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم (^٣).\nوقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد، في قوله: ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ يوم بدر (^٤).\nوقال وكيع: عن سفيان الثوري، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد (^٥)، وعن شعبة، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، \"يضربون وجوههم وأدبارهم\" قال: وأستاههم، ولكن الله يَكْني (^٦)، وكذا قال عمر مولى غفرة (^٧).\nوعن الحسن البصري قال: قال رجل: يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشوك، قال: \"ذاك ضرب الملائكة\" (^٨) رواه ابن جرير وهو مرسل، وهذا السياق وإن كان سببه وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر، بل قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ وفي سورة القتال مثلها (^٩)، وتقدم في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل الثابتة والروايات السابقة.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وأخرجه من طرق أقوى عن مجاهد فيه متابعة لابن جريج.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٥) أخرجه الثوري في تفسيره به وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق شعبة عن يعلى بن مسلم به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حرملة عن عمر مولى غفرة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن راشد عن الحسن لكنه مرسل.\n(^٩) آية ٢٧.","vol":"4","page":220},{"text":"سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: باسطو أيديهم بالضرب فيهم بأمر ربهم، إذ استصعبت أنفسهم، وامتنعت من الخروج من الأجساد أن تخرج قهرًا، وذلك إذ بشروهم بالعذاب والغضب من الله، كما في حديث البراء أن ملك الموت إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة المنكرة، يقول: اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سموم وحميم وظل من يحموم، فتتفرق في بدنه فيستخرجونها من جسده، كما يخرج السفود (^١) من الصوف المبلول، فتخرج معها العروق والعصب (^٢)، ولهذا أخبر تعالى: أن الملائكة تقول لهم ذوقوا عذاب الحريق.\n\n<span id=\"aya-1211\"></span>وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: هذا الجزاء بسبب ما عملتم من الأعمال السيئة في حياتكم الدنيا، جازاكم الله بها هذا الجزاء ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: لا يظلم أحدًا من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور ﵎، وتقدَّس وتنزَّه الغني الحميد، ولهذا جاء في الحديث الصحيح، عند مسلم ﵀، من رواية أبي ذرٍّ ﵁، عن رسول الله ﷺ، إن الله تعالى يقول: \"يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه\" (^٣)، ولهذا قال تعالى:\n\n<span id=\"aya-1212\"></span>﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾.\nيقول تعالى: فعل هؤلاء من المشركين المكذبين بما أرسلت به يا محمد، كما فعل الأمم المكذبة قبلهم، ففعلنا بهم ما هو دأبنا أي: عادتنا وسنتنا في أمثالهم من المكذبين من آل فرعون ومن قبلهم من الأمم المكذبة بالرسل، الكافرين بآيات الله ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بسبب ذنوبهم أهلكهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب.\n\n<span id=\"aya-1213\"></span>﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤)﴾.\nيخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه، بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد، إلا بسبب ذنب ارتكبه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]\n\n<span id=\"aya-1214\"></span>وقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: كصنعه بآل فرعون وأمثالهم، حين كذبوا بآياته، أهلكهم بسبب ذنوبهم وسلبهم تلك النعم التي\n_________\n(^١) السفود: السيخ من حديد يشوى بها اللحم.\n(^٢) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة الأعراف آية ٤٠.\n(^٣) صحيح مسلم، البر، باب تحريم الظلم (ح ٢٥٧٧).","vol":"4","page":221},{"text":"أسداها إليهم، من جنَّات وعيون وزروع وكنوز ومقام كريم، ونَعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك بل كانوا هم الظالمين.\n\n<span id=\"aya-1215\"></span>﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾.\nأخبر تعالى: أن شرَّ ما دبَّ على وجه الأرض هم الذين كفروا فهم لا يؤمنون،\n\n<span id=\"aya-1216\"></span>الذين كلَّما عاهدوا عهدًا نقضوه، كلَّما أكدوه بالأيمان نكثوه، ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ أي: لا يخافون من الله في شيء ارتكبوه من الآثام،\n\n<span id=\"aya-1217\"></span>﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ أي: تغلبهم وتظفر بهم في حرب، ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: نكِّل بهم، قاله ابن عباس والحسن البصري والضحاك والسدي وعطاء الخراساني وابن عيينة (^١)، ومعناه: غلِّظ عقوبتهم وأثخنهم قتلًا، ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ وقال السدي: يقول: لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك (^٢).\n\n<span id=\"aya-1218\"></span>﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾.\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ قد عاهدتهم ﴿خِيَانَةً﴾ أي: نقضًا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: عهدهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي تستوي أنت وهم في ذلك، قال الراجز:\nفاضرب وجوه الغدر الأعداء … حتى يجيبوك إلى السواء (^٣)\nوعن الوليد بن مسلم أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: على مهل (^٤)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ أي: حتى ولو في حق الكفار لا يحبها أيضًا.\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي الفيض، عن سليم بن عامر، قال: كان معاوية يسير في أرض الروم، وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابَّة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدرًا، إن رسول الله ﷺ قال: \"ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلنَّ عقدة ولا يشدها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء\" قال: فبلغ ذلك معاوية، فرجع، فإذا بالشيخ عمرو بن عنبسة ﵁ (^٥). وهذا الحديث\n_________\n(^١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس أسنده بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، ويتقوى بأقوال التابعين التي تليه كما يتقوى برواية الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عن السدي.\n(^٣) ذكره الطبري ثم بين معنى السواء: العدل.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح عن علي بن سهل عن الوليد بن مسلم.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٤/ ١١١، وأخرجه الترمذي من طريق شعبة به وقال: حسن صحيح (السنن، السير، باب ما جاء في الغدر ح ١٥٨٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٢٨٥).","vol":"4","page":222},{"text":"رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه، من طرق عن شعبة به (^١)، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري عن سلمان، يعني: الفارسي ﵁، أنه انتهى إلى حصن أو مدينة، فقال لأصحابه: دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله ﷺ يدعوهم، فقال: إنما كنت رجلًا منكم، فهداني الله ﷿ للإسلام، فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، وإن أبيتم نابذناكم على سواء، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بعون الله (^٢).\n\n<span id=\"aya-1219\"></span>﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾.\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ يا محمد ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ أي: فاتونا، فلا نقدر عليهم بل هم تحت قهر قدرتنا، وفي قبضة مشيئتنا، فلا يعجزوننا، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ [العنكبوت] أي: يظنون، وقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾ [النور] وقوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران]\n\n<span id=\"aya-1220\"></span>ثم أمر تعالى، بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أي: مهما أمكنكم ﴿مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي علي ثمامة بن شفيّ، أخي عقبة بن عامر، أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي\" (^٣). رواه مسلم، عن هارون بن معروف، وأبو داود عن سعيد بن منصور، وابن ماجه عن يونس بن عبد الأعلى، ثلاثتهم عن عبد الله بن وهب به (^٤). ولهذا الحديث طرق أخر، عن عقبة بن عامر، منها ما رواه الترمذي من حديث صالح بن كيسان، عن رجل عنه، وروى الإمام أحمد وأهل السنن عنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ارموا واركبوا وأن ترموا خير من أن تركبوا\" (^٥).\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الجهاد، باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه (ح ٢٧٥٩)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٨٧٣٢)، ومسند الطيالسي (ح ١١٥٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٩/ ١٢٩ ح ٢٣٧٢٦)، وسنده ضعيف لأن أبا البختري وهو سعيد بن فيروز لم يسمع من سلمان الفارسي ﵁.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٦) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه (ح ١٩١٧).\n(^٥) المسند ٤/ ١٤٤، وسنن الترمذي، فضائل الجهاد، باب ما جاء في الرمي في سبيل الله (ح ١٦٣٧)، وقال =","vol":"4","page":223},{"text":"وقال الإمام مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وِزر، فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مَرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج (^١) أو الروضة، كانت له حسنات ولو أنها قطعت طيلها (^٢)، فاستنت (^٣) شرفًا (^٤) أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرّت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي به، كان ذلك حسنات له، فهي لذلك الرجل أجر، ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخرًا ورياء ونواء، فهي على ذلك وزر\" وسئل رسول الله ﷺ عنِ الحمر، فقال: \"ما أنزل الله عليّ فيها شيئًا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] (^٥) رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم كلاهما من حديث مالك (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، أخبرنا شريك، عن الرُّكين بن الربيع، عن القاسم بن حسان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: \"الخيل ثلاثة، ففرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان، فأما فرس الرحمن فالذي يربط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله - وذكر ما شاء الله - وأما فرس الشيطان، فالذي يقامر أو يراهن عليها، وأما فرس الإنسان، فالفرس يربطها الإنسان يلتمس بطنها، فهي له ستر من الفقر\" (^٧).\nوقد ذهب أكثر العلماء، إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام مالك، إلى أن الركوب أفضل من الرمي، وقول الجمهور أقوى للحديث، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج وهاشم، قالا: حدثنا ليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة، أن معاوية بن خديج، مرّ على أبي ذرٍّ وهو قائم عند فرس له، فسأله ما تعاني من فرسك هذا؟ فقال: إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته، قال: وما دعاء بهيمة من البهائم؟ قال: والذي نفسي بيده، ما من فرس إلا وهو يدعو كل سحر، فيقول: اللَّهم أنت خولتني عبدًا من عبادك، وجعلت رزقي بيده، فاجعلني أحبَّ إليه من أهله وماله وولده (^٨).\n_________\n= الترمذي: حسن صحيح وسنن ابن ماجه، الجهاد، باب الرمي في سبيل الله (ح ٢٨١١)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٩٥).\n(^١) أي الأرض الواسعة الخضراء.\n(^٢) الطيل: الحبل الذي تربط به الخيل.\n(^٣) أي جرت.\n(^٤) أي المكان العالي من الأرض.\n(^٥) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ ٢/ ٤٤٤ ح ٣) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، المساقاة، باب شرب الناس وسقي الدواب (ح ٢٣٧١)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إثم مانع الزكاة ٩٨٧.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٩٨ ح ٣٧٥٦)، وصححه محققوه بالشواهد، وفي سنده القاسم بن حسان لم يسمع ابن مسعود ﵁، وجود سنده المنذري في الترغيب (ح ١٨٧٧)، وقال الهيثمي: ورجاله ثقات فإن كان القاسم سمع ابن مسعود فالحديث صحيح (مجمع الزوائد ٥/ ٢٦٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (ح ٣٣٤٥).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ٣٤٧ ح ٢١٤٤٢)، وصحح سنده محققوه.","vol":"4","page":224},{"text":"قال: وحدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن خديج، عن أبي ذرٍّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنه ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر، يدعو بدعوتين: يقول: اللَّهم إنك خولتني من خولتني من بني آدم، فاجعلني من أحبِّ أهله وماله إليه -أو- أحبَّ أهله وماله إليه\" (^١)، رواه النسائي، عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القطان به (^٢).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا المطعم بن المقدام الصنعاني، عن [الحسن بن أبي الحسن] (^٣). أنه قال لابن الحنظلية -يعني سهلًا-: حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، ومن ربط فرسًا في سبيل الله، كانت النفقة عليه كالماد يده بالصدقة لا يقبضها\" (^٤).\nوالأحاديث الواردة في فضل ارتباط الخيل كثيرة. وفي صحيح البخاري، عن عروة بن أبي الجعد البارقي، أن رسول الله ﷺ، قال: \"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم\" (^٥).\nوقوله: ﴿تُرْهِبُونَ﴾ أي تخوفون ﴿بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم﴾ أي: من الكفار ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ قال مجاهد يعني: بني قريظة (^٦).\nوقال السدي: فارس (^٧).\nوقال سفيان الثوري: قال ابن يمان: هم الشياطين التي في الدور (^٨)، وقد ورد حديث بمثل ذلك.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحمصي، حدثنا أبو حيوة -يعني: شريح بن يزيد المقري- حدثنا سعيد بن سنان، عن ابن عريب -يعني: يزيد بن عبد الله بن عريب-، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ كان يقول في قول الله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ قال هم الجن (^٩)، ورواه الطبراني عن إبراهيم بن دُحيم، عن أبيه، عن محمد بن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ٣٩٢ ح ٢١٤٩٧)، وصححه محققوه موقوفًا اعتمادًا على الدارقطني في العلل ٦/ ٢٦٧، وبما أن سابقه موقوف فيقوي هذا المرفوع.\n(^٢) سنن النسائي، الخيل، باب دعوة الخيل ٦/ ٢٢٣، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٣٤٦).\n(^٣) كذا في (عم) و(حم) و(مح) والمعجم الكبير للطبراني، وفي الأصل: \"الحسن بن الحسن\".\n(^٤) المعجم الكبير ٦/ ٩٨ ح ٥٦٢٣ قال الهيثمي: ورجاله ثقات (المجمع ٥/ ٢٥٩)، ويشهد له ما في الصحيح كما في الحديث التالي.\n(^٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب الخيل معقود في نواصيها الخير (ح ٢٨٥٠).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن الثوري لم يسمع من ابن يمان، وهو حذيفة ﵁.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أحمد بن الفرج الحمصي كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٧/ ٣٢).","vol":"4","page":225},{"text":"شعيب، عن [سعيد بن سنان] (^١) عن يزيد بن عبد الله بن عريب به، وزاد، قال رسول الله ﷺ: \"لا يخبل بيت فيه عتيق من الخيل\" (^٢)، وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده، ولا متنه.\nوقال مقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المنافقون (^٣)، وهذا أشبه الأقوال، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ أي: مهما أنفقتم في الجهاد، فإنه يوفى إليكم على التمام والكمال، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: أن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف (^٤)، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشكتي، حدثنا أبي، عن أبيه، حدثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي ﷺ، أنه كان يأمر أن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ فأمر بالصدقة بعدها، على كل من سألك من كل دين (^٥)، وهذا أيضًا غريب.\n\n<span id=\"aya-1221\"></span>﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾.\nيقول تعالى: إذا خفت من قوم خيانة، فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك، فقاتلهم ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾ أي: مالوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أي: المسالمة والمصالحة والمهادنة، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أي: فمِل إليها واقبل منهم ذلك، ولهذا لما طلب المشركون، عام الحُديبية الصلح، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله ﷺ، تسع سنين، أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الآخر.\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثني فضيل بن سليمان -يعني النميري- حدثنا محمد بن أبي يحيى، عن إياس بن عمرو الأسلمي، عن علي بن أبي\n_________\n(^١) كذا في المعجم الكبير، وفي النسخ الخطية: سنان بن سعيد بن سنان، وتقدمت ترجمته وضعفه في الرواية السابقة.\n(^٢) المعجم الكبير ١٧/ ١١٨ وضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٦١.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن جعفر وهو ابن أبي المغيرة صدوق يهم ولم يُتابع، واستغرب متنه الحافظ ابن كثير.","vol":"4","page":226},{"text":"طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنه سيكون اختلاف أو أمر فإن استطعت أن يكون السِّلم (^١) فافعل\" (^٢).\nوقال مجاهد: نزلت في بني قريظة (^٣)، وهذا فيه نظر، لأن السياق كله في وقعة بدر، وذكرها مكتنف لهذا كله، وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [التوبة: ٢٩] الآية (^٤)، وفيه نظر أيضًا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفًا فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلَّت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبيُّ ﷺ يوم الحُديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: صالحهم وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة، ليتقووا ويستعدوا ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أي: كافيك وحده،\n\n<span id=\"aya-1222\"></span>\n\n<span id=\"aya-1223\"></span>ثم ذكر نعمته عليه مما أيده به من المؤمنين المهاجرين والأنصار، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: جمعها على الإيمان بك، وعلى طاعتك ومناصرتك وموازرتك، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: لما كان بينهم من العداوة والبغضاء فإن الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، بين الأوس والخزرج، وأمور يلزم منها التسلسل في الشر، حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران].\nوفي الصحيحين: \"أن رسول الله ﷺ لما خطب الأنصار، في شأن غنائم حُنين، قال لهم: \"يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ \" كلما قال شيئًا، قالوا: الله ورسوله أمَنُّ\" (^٥)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزيز الجناب، فلا يخيب رجاء من توكل عليه، حكيم في أفعاله وأحكامه.\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا علي بن بشر الصيرفي\n_________\n(^١) أي: المسالم.\n(^٢) أخرجه عبد الله في زوائد أبيه بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٠٦ ح ٦٩٥)، وضعفه محققوه بسبب فضيل بن سليمان وهو: صدوق كثير الخطأ. وقال الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع ٧/ ٢٣٤).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس، وقول ابن عباس وعطاء الخراساني هو قول واحد أخرجه ابن أبي حاتم وابن الجوزي (نواسخ القرآن: ١٦٧)، كلاهما بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس. وقول عكرمة والحسن البصري أخرجه ابن الجوزي بسند حسن من طريق يزيد النحوي عنهما (نواسخ القرآن: ١٦٨)، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٥) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الطائف (ح ٤٣٣٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (ح ١٠٦١).","vol":"4","page":227},{"text":"القزويني -في منزلنا-، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن الحسين القنديلي الاستراباذي، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن النعمان الصفار، حدثنا ميمون بن الحكم، حدثنا بكر بن الشرود، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قرابة الرحم تقطع، ومنة النعمة تكفر، ولم ير مثل تقارب القلوب، يقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ وذلك موجود في الشعر:\nإذا بت ذو قربى إليك بزلة … فغشك واستغنى فليس بذي رحم\nولكن ذا القربى الذي إن دعوته … أجاب وأن يرمي العدو الذي ترمي (^١)\nقال: ومن ذلك قول القائل:\nولقد صحبت الناس ثم سبرتهم (^٢) … وبلوت ما وصلوا من الأسباب\nفإذا القرابة لا تقرب قاطعًا … وإذا المودة أقرب الأسباب\nقال البيهقي: لا أدري هذا موصول بكلام ابن عباس أو هو من قول من دونه من الرواة (^٣).\nوقال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﵁، سمعه يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، قال: هم المتحابون في الله.\nوفي رواية نزلت في المتحابين في الله (^٤). رواه النسائي والحاكم في مستدركه وقال: صحيح.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتكفر، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء، ثم قرأ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (^٥). رواه الحاكم أيضًا (^٦).\nوقال أبو عمرو الأوزاعي: حدثني عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد، ولقيته فأخذ بيدي فقال: إذا التقى المتحابان في الله فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه، تحاتت خطاياهما كما تحات ورق الشجر (^٧). قال عبدة: فقلت له: إن هذا ليسير، فقال: لا تقل ذلك فإن الله يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني (^٨).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن إبراهيم الخوزي، عن الوليد بن أبي مغيث، عن مجاهد، قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غفر لهما، قال: قلت لمجاهد:\n_________\n(^١) نسبهما صاحب (العقد الفريد ٢/ ٢١٤) إلى أبي تمام، ونسب ابن قتيبة البيت الثاني إلى أبي تمام (عيون الأخبار ٣/ ٩٠).\n(^٢) أي خبرتهم.\n(^٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (رقم ٩٠٣٤)، وفي سنده محمد بن مسلم الطائفي صدوق يخطئ من حفظه (التقريب ص ٥٠٦)، ويتقوى برواية عبد الرزاق.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن ابن مسعود، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (ح ١١٢١٠)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٩).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩).\n(^٧) تحات ورق الشجر أي: تساقط من غصنه إذا ذبل.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح وسيأتي من طريق آخر صحيح.","vol":"4","page":228},{"text":"بمصافحة يغفر لهما؟ قال مجاهد: أما سمعته يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني (^١)، وكذا روى طلحة بن مصرف عن مجاهد (^٢).\nوقال ابن عون، عن عُمير بن إسحاق، قال: كنا نتحدث أن أول ما يُرفع من الناس الألفة (^٣).\nوقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ﵀: حدثنا الحسين بن إسحاق التُستَري، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا سالم بن غيلان، سمعت جعدًا أبا عثمان، حدثني أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده، تحاتت عنهما ذنوبهما، كما تحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبدَ البحر (^٤).\n\n<span id=\"aya-1224\"></span>\n\n<span id=\"aya-1225\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾.\nيُحرِّض تعالى نبيَّه ﷺ والمؤمنين على القتال ومناجزة الأعداء ومبارزة الأقران، ويخبرهم أنه حسبهم أي كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم، وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم، ولو قلَّ عدد المؤمنين.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا سفيان، عن [شوذب] (^٥) عن الشعبي في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ قال: حسبك الله، وحسب من شهد معك (^٦). قال: وروي عن عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد مثله (^٧)، ولهذا قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ أي: حثهم أو\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده إبراهيم الخوزي ضعيف ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق طلحة بن مصرف به.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق إسماعيل بن علي عن ابن عون به، وسنده صحيح إلى عُمير.\n(^٤) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٦/ ٢٥٦)، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير سالم بن غيلان وهو ثقة (المجمع ٨/ ٣٧)، وحسن سنده المنذري في الترغيب (ح ٤٠١٢).\n(^٥) شوذب كذا في التاريخ الكبير فقد أخرجه البخاري من طريقه به (٤/ ٢٦١)، وهو معروف بالرواية عن الشعبي وبرواية سفيان عنه كما في الجرح والتعديل (٤/ ٣٧٨)، وفي الأصل: و(عم) وتفسير ابن أبي حاتم ورد باسم: ابن شوذب والصواب ما أثبت إذ أخرجه الطبري أيضًا من طريق شوذب أبي معاذ به في ثلاث روايات متتالية.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مع الفرق السابق في شوذب، وقد سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم، ومعناه صحيح.\n(^٧) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.","vol":"4","page":229},{"text":"مرهم عليه، ولهذا كان رسول الله ﷺ يُحرِّض على القتال، عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عَدَدَهم وعُدَدِهم: \"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض\" فقال عُمير بن الحمام: عرضها السّموات والأرض؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\"، فقال: بخ بخ، فقال: \"ما يحملك على قولك بخ بخ؟ \" قال: رجاء أن أكون من أهلها، قال: \"فإنك من أهلها\" فتقدم الرجل، فكسر جفن سيفه، وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم ألقى بقيتهنَّ من يده وقال: لئن أنا حييت حتى آكلهنَّ إنها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل ﵁ (^١).\nوقد روي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر بن الخطاب وكمل به الأربعون (^٢). وفي هذا نظر، لأن هذه الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة، وقبل الهجرة إلى المدينة، والله أعلم.\nثم قال تعالى مبشرًا للمؤمنين وآمرًا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كل واحد بعشرة، ثم نُسخ هذا الأمر وبقيت البشارة.\nقال عبد الله بن المبارك: حدثنا جرير بن حازم، حدثني الزبير بن الحريث، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شقَّ ذلك على المسلمين، حتى فرض الله عليهم أن لا يفرَّ واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر، بقدر ما خفف عنهم، وروى البخاري من حديث ابن المبارك نحوه (^٣).\nوقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية: قال: كتب عليهم أن لا يفرَّ عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّه عَنْكُم وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين.\nوروى البخاري، عن علي بن عبد الله، عن سفيان به نحوه (^٤).\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفًا، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم، لم يسغ لهم أن يفرُّوا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أنس ﵁ (الصحيح، الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد ح ١٩٠١).\n(^٢) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٢/ ٦٠ ح ١٢٤٧٠)، والواحدي (أسباب النزول ص ٢٣٤)، كلاهما من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي، حدثنا خلف بن خليفة عن الرماني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وسنده ضعيف جدًا لأن إسحاق بن بشر كذاب يضع الحديث (المجروحين لابن حبان ١/ ١٣٥، وتاريخ بغداد ٦/ ٣٢٨)، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير وهو مرسل، وقول سعيد بن المسيب أخرجه أبو الشيخ كما قال السيوطي في الدر المنثور.\n(^٣) صحيح البخاري، تفسير سورة الأنفال، باب \"الآن خفف الله عنكم … \" (ح ٤٦٥٣).\n(^٤) المصدر السابق (ح ٤٦٥٢).","vol":"4","page":230},{"text":"عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم (^١).\nوروى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس نحو ذلك (^٢)، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعطاء وعكرمة والحسن، وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والضحاك، وغيرهم نحو ذلك (^٣).\nوروى الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث المسيب بن شريك، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، في قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قال: نزلت فينا أصحاب محمد ﷺ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1226\"></span>وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي عمرو بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ رفع. ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٥).\n\n<span id=\"aya-1227\"></span>\n\n<span id=\"aya-1228\"></span>﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن هاشم، عن حميد، عن أنس ﵁، قال: استشار النبي ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: \"إن الله قد أمكنكم منهم\". فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد رسول الله ﷺ فقال: \"يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس\" فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد النبي ﷺ فقال: للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق ﵁، فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، قال: فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغمِّ، فعفا عنهم وقبلَ منهم الفِداء،\nقال وأنزل الله ﷿: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية (^٦).\nوقد سبق في أول السورة حديث ابن عباس في صحيح مسلم بنحو ذلك.\nوقال الأعمش: عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله ﷺ: \"ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ \" فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم واستتبهم لعلّ الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: \"يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فقدمهم\n_________\n(^١) ذكره ابن هشام في السيرة ٢/ ٣٣١، وسنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.\n(^٢) أخرجه الطبري من الطريقين وطريق ابن أبي طلحة ثابت يقوي طريق العوفي.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد وقتادة والسدي أخرجه بأسانيد ثابتة عنهم.\n(^٤) سنده ضعيف لأن المسيب بن شريك متروك (ميزان الاعتدال ٤/ ١١٤).\n(^٥) أخرجه الحاكم من طريق سلام المدايني عن أبي عمرو بن العلاء به، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: سلام واهٍ. (المستدرك ٢/ ٢٣٩)، ولكن هذه القراءة متواترة.\n(^٦) تقدم تخريجه وصحته في تفسير الآية ٩ من هذه السورة الكريمة.","vol":"4","page":231},{"text":"فاضرب أعناقهم\" وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنت في وادٍ كثير الحطب، أضرم الوادي عليهم نارًا، ثم ألقهم فيه، قال: فسكت رسول الله ﷺ فلم يردّ عليهم شيئًا، ثم قام فدخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة.\nثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: \"إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللّبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ﵇ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة] وإن مثلك يا عمر، كمثل موسى ﵇، قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] وإن مثلك يا عمر، كمثل نوح ﵇، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح] أنتم عالة (^١) فلا ينفكنَّ أحد منهم إلا بفداء، أو ضربة عنق\" قال ابن مسعود: قلت: يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء، فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله ﷺ، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله ﷺ: \"إلا سهيل بن بيضاء\" فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ إلى آخر الآية، رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي معاوية عن الأعمش به، والحاكم في مستدركه، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٢). وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة ﵄، عن النبي ﷺ نحوه. وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري.\nوروى ابن مردويه أيضًا، واللفظ له والحاكم في مستدركه، من حديث عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: لما أسر الأسارى يوم بدر، أُسر العباس فيمن أُسر، أسره رجل من الأنصار، قال: وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"إني لم أنم الليلة من أجل عمِّي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه\" فقال له عمر: أفآتهم؟ فقال: \"نعم\"، فأتى عمر الأنصار فقال لهم: أرسلوا العباس، فقالوا: لا والله لا نرسله، فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله ﷺ رضى؟ قالوا: فإن كان لرسول الله ﷺ رضى فخذه، فأخذه عمر فلما صار في يده، قال له: يا عباس أسلم فوالله لأن تسلم أحب إليَّ من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله ﷺ يعجبه إسلامك، قال: واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر فيهم، فقال: أبو بكر عشيرتك فأرسلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم ففاداهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآية (^٣)، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n_________\n(^١) أي فقراء.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد عن أبي معاوية به (المسند ٦/ ١٤٠ ح ٣٦٣٢)، وضعفه محققوه لأن أبا عبيدة لم يسمع من ابن مسعود، وذكروا أن لبعضه شواهد في صحيح مسلم. أي في الرواية السابقة.\n(^٣) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٩)، وفي سنده إبراهيم بن مهاجر فيه مقال كما =","vol":"4","page":232},{"text":"وقال سفيان الثوري، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي ﵁، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ يوم بدر، فقال: خير أصحابك في الأسارى، إن شاؤوا الفداء، وإن شاؤوا القتل، على أن يقتل عامًا مقبلًا منهم مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا. رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه من حديث الثوري به (^١)، وهذا حديث غريب جدًا.\nوقال ابن عون، [عن محمد] (^٢)، عن عبيدة، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ في أسارى يوم بدر: \"إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم، واستمتعتم بالفداء واستشهد منكم بعدتهم\" قال: فكان آخر السبعين، ثابت بن قيس قتل يوم اليمامة ﵁ (^٣)، ومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلًا (^٤)، فالله أعلم.\nوقال محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: غنائم بدر قبل أن يحلها لهم، يقول: لولا أني لا أعذب من عصاني، حتى أتقدم إليه لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (^٥)، وكذا روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد (^٦)، وقال الأعمش: سبق منه أن لا يعذب أحدًا شهد بدرًا، وروي نحوه عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن جبير وعطاء (^٧).\nوقال شعبة، عن أبي هاشم، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أي: لهم بالمغفرة (^٨). ونحوه وعن سفيان الثوري ﵀ (^٩).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يعني: في أم الكتاب الأول، أن المغانم والأسارى حلال لكم ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الأسارى ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^١٠)\n\n<span id=\"aya-1229\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ الآية. وكذا روى العوفي عن ابن عباس (^١١)، وروي مثله عن أبي هريرة، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وعطاء والحسن البصري،\n_________\n= في التقريب، ومعظمه له شواهد سابقة ولاحقة.\n(^١) سنن الترمذي، السير، باب ما جاء في قتل الأسارى والفداء (ح ١٥٦٧)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٨٦٦٢)، ومتنه يخالف قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧].\n(^٢) الزيادة من المستدرك (٢/ ١٤٠) وهو محمد بن سيرين.\n(^٣) أخرجه الحاكم من طريق أزهر بن سعد السمان عن ابن عون به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٤٠).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق محمد بن سيرين عن عبيدة، وسنده صحيح لكنه مرسل ويتقوى بسابقه.\n(^٥) سنده حسن وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، وصرح بأن عطاء هو ابن أبي رباح (سيرة ابن هشام ٢/ ٦٧٥ - ٦٧٦).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٧) قول سعد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق خيثمة عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار به، وقول الأعمش أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه قال: سبق من الله أحل لهم الغنيمة.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شعبة به بسند حسن.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق قبيصة عن سفيان.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بما سبق.","vol":"4","page":233},{"text":"وقتادة والأعمش أيضًا، أن المراد ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لهذه الأُمة بإحلال الغنائم (^١)، وهو اختيار ابن جرير ﵀.\nويُستشهد لهذا القول، بما أخرجاه في الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُحلَّت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبُعثت إلى الناس عامة\" (^٢).\nوقال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لم تحل الغنائم لسود الرؤوس غيرنا\" (^٣) ولهذا قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ الآية، فعند ذلك أخذوا من الأسارى الفداء.\nوقد روى الإمام أبو داود في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العبسي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة (^٤).\nوقد استمر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء، أن الإمام مخير فيهم إن شاء قتل كما فعل ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسرى بدر، أو بمن أسر من المسلمين، كما فعل رسول الله ﷺ في تلك الجارية وابنتها، اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردَّهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين (^٥)، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة، مقرر في موضعه من كتب الفقه.\n\n<span id=\"aya-1230\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾.\nقال محمد بن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل، عن بعض أهله، عن عبد الله بن\n_________\n(^١) قول أبي هريرة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند فيه بشير بن ميمون وهو متروك متهم كما في التقريب، وأخرجه الطبري من طريق آخر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وصححه أحمد شاكر، وقول ابن مسعود أخرجه الطبري من طريق أبي وائل عنه وصححه أحمد شاكر، وقول قتادة والأعمش والحسن البصري أخرجه الطبري بأسانيد صحاح.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير آية ٤٣ من سورة النساء.\n(^٣) أخرجه الترمذي من طريق الأعمش به وقال: حسن صحيح (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنفال ح ٣٠٨٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٦٣)، وأخرجه الإمام أحمد وصححه أحمد شاكر (المسند ح ٧٤٢٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود في سننه، الجهاد، باب فداء الأسير بالمال (ح ٢٦٩١)، وصححه الألباني دون لفظ: الأربعمائة (صحيح سنن أبي داود ح ٢٣٤٠).\n(^٥) أخرجه مسلم مطولًا عن سلمة بن الأكوع ﵁ (الصحيح، الجهاد، باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى ح ١٧٥٥).","vol":"4","page":234},{"text":"عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: \"إني قد عرفت أن أناسًا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهًا لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا منهم -أي من بني هاشم- فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرهًا\" فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟ والله لئن لقيته لألجمنَّه بالسيف، فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطاب: \"يا أبا حفص -قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله ﷺ أبا حفص- أيضرب وجه عمِّ رسول الله ﷺ بالسيف؟ \" فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه فوالله لقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول بعد ذلك: والله ما آمن من تلك الكلمة التي قلت، ولا أزال منها خائفًا إلا أن يكفرها الله تعالى عني بشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدًا ﵁ (^١).\nوبه عن ابن عباس قال: لما أمسى رسول الله ﷺ يوم بدر، والأسارى محبوسون بالوثاق، بات رسول الله ﷺ ساهرًا أول الليل فقال له أصحابه: يا رسول الله ما لك لا تنام؟ وقد أسر العباس رجل من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ: \"سمعت أنين عمي العباس في وثاقه فأطلقوه\" فسكت فنام رسول الله ﷺ.\nقال محمد بن إسحاق: وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس بن عبد المطلب وذلك أنه كان رجلًا موسرًا فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهبًا (^٢).\nوفي صحيح البخاري من حديث موسى بن عقبة قال ابن شهاب: حدثنا أنس بن مالك أن رجالًا من الأنصار قالوا: يا رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه. قال: \"لا والله لا تذرونَّ منه درهمًا\" (^٣).\nوقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن الزهري، عن جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش إلى رسول الله ﷺ في فداء أسراهم، ففدى كلُّ قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله قد كنت مسلمًا، فقال رسول الله ﷺ: \"الله أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابنيِّ أخيك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن فهر\": قال ما ذاك عندي يا رسول الله قال: \"فأين المال الذي دفنته أنت وأُم الفضل؟ فقلت لها إن أصبت في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد الله وقُثم\" قال: والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أُم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي، فقال رسول الله ﷺ: \"لا ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك\" ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق به (دلائل النبوة ٣/ ١٤٠ - ١٤١)، وسنده ضعيف لإبهام شيخ العباس بن عبد الله بن مغفل.\n(^٢) أخرجه البيهقي، وهو تتمة لسابقه وحكمه مثله، ولبعضه شواهد سابقة ولاحقة.\n(^٣) أخرجه البخاري من طريق موسى بن عقبة به (الصحيح، المغازي، باب ١٢ ح ٤٠١٨).","vol":"4","page":235},{"text":"قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدًا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله ﷿ (^١).\nوقد روى ابن إسحاق أيضًا عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية بنحو مما تقدم (^٢).\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال العباس: فيّ نزلت ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فأخبرت النبي ﷺ بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت مني فأبى، فأبدلني الله بها عشرين عبدًا كلهم تاجر مالي في يده (^٣).\nوقال ابن إسحاق أيضًا: حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄، عن جابر بن عبد الله بن رباب قال: كان العباس بن عبد المطلب يقول في نزلت والله حين ذكرت لرسول الله ﷺ إسلامي ثم ذكر نحو الحديث كالذي قبله (^٤).\nوقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ عباس وأصحابه: قال: قالوا للنبي ﷺ: آمنا بما جئت به ونشهد أنك رسول الله لننصحنَّ لك على قومنا. فأنزل الله: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ إيمانًا وتصديقًا يخلف لكم خيرًا مما أخذ منكم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الشرك الذي كنتم عليه.\nقال: فكان العباس يقول ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا وإن ليَّ الدنيا لقد قال: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ فقد أعطاني خيرًا مما أخذ مني مائة ضعف وقال: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وأرجو أن يكون قد غُفر لي (^٥).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية كان العباس أُسر يوم بدر، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب، فقال العباس حين قرئت هذه الآية: لقد أعطاني الله ﷿ خصلتين ما أحب أن لي بهما الدنيا: إني أُسرت يوم بدر ففديت نفسي بأربعين أوقية فآتاني أربعين عبدًا، وإني لأرجو المغفرة التي وعدنا الله ﷿ (^٦).\nوقال قتادة في تفسير هذه الآية: ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفًا، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى يومئذٍ شاكيًا ولا حرم سائلًا، وما صلى يومئذٍ حتى\n_________\n(^١) سنده مرسل ولبعضه شواهد سابقة ولاحقة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق إذ صرح بالسماع، وكذا أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١١/ ١٧١ ح ١١٣٩٨)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، ورجال الأوسط رجال الصحيح (المجمع ٧/ ٢٨)، وطريق الطبراني في الأوسط (٩/ ٤٨ ح ٨١٠٣) من طريق ابن إسحاق به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال ولكنه توبع في رواية ابن أبي حاتم والطبراني كما في الرواية السابقة فقد أخرجاه من طرق أخرى.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف ويتقوى بالروايات السابقة واللاحقة.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف ويتقوى بما سبق وبرواية علي بن أبي طلحة التالية.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"4","page":236},{"text":"فرقه، فأمر العباس أن يأخذ منه ويحتثي فكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا وأرجو المغفرة (^١).\nوقال يعقوب بن سفيان: حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: بعث ابن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ من البحرين ثمانين ألفًا ما أتاه مال أكثر منه لا قبل ولا بعد. قال: فنثرت على حصير ونودي بالصلاة. قال: وجاء رسول الله ﷺ فمثل قائمًا على المال، وجاء أهل المسجد فما كان يومئذٍ عدد ولا وزن ما كان إلا فيضًا وجاء العباس بن عبد المطلب فحثا في خميصة عليه وذهب يقوم فلم يستطع، قال: فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ارفع عليَّ. قال فتبسم رسول الله ﷺ حتى خرج ضاحكه أو نابه، وقال له: \"أعد من المال طائفة وقم بما تطيق\" قال: ففعل وجعل العباس يقول: وهو منطلق أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزنا، وما ندري ما يصنع الله في الأخرى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ الآية ثم قال: هذا خير مما أخذ منا وما أدري ما يصنع الله في الأخرى فمازال رسول الله ﷺ ماثلًا على ذلك المال حتى ما بقي منه درهم وما بعث إلى أهله بدرهم ثم أتى الصلاة فصلَّى (^٢).\nحديث آخر في ذلك:\nقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الطيب محمد بن محمد بن عبد الله السعيدي، حدثنا محمد بن عصام، حدثنا حفص بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: أتي رسول الله ﷺ بمال من البحرين فقال: \"انثروه في مسجدي\" قال: وكان أكثر مال أُتي به رسول الله ﷺ، فخرج إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه إذ جاءه العباس فقال يا رسول الله أعطني فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلًا فقال له رسول الله ﷺ: \"خذ\". فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: مرّ بعضهم يرفعه إليَّ. قال: \"لا\" قال: فارفعه أنت عليّ. قال: \"لا\". فنثر منه ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق فمازال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي عنه عجبًا من حرصه، فما قام رسول الله ﷺ وثَمّ منها درهم (^٣).\nوقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم يقول: وقال إبراهيم بن طهمان ويسوقه، وفي بعض السياقات أتمَّ من هذا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٢) أخرجه الحاكم من طريق هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٣٢٩)، وأصله في صحيح البخاري كما سيأتي بعد الرواية التالية.\n(^٣) أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى ٦/ ٣٥٦)، وأخرجه البخاري معلقًا من طريق إبراهيم بن طهمان به كما يلي.\n(^٤) أخرجه البخاري تعليقًا عن إبراهيم بن طهمان به (الصحيح، الصلاة، باب القسمة وتعليق القنو في المسجد ح ٤٢١)، ووصله عمر بن محمد البجيري عن إبراهيم بن طهمان به (تغليق التعليق ٢/ ٢٢٨)، والبجيري هذا له مستخرج على صحيح البخاري، وهذه الرواية منه، وهذا المستخرج مغمور لم يذكره أحد، وقد عرفت هذا المستخرج حينما اتحفني فضيلة د. محمد بكر عابد بنسخة خطية من كتب البجيري فوجدته كله مستخرجًا على البخاري، والحمد لله.","vol":"4","page":237},{"text":"<span id=\"aya-1231\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ فيما أظهروا لك من الأقوال ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل بدر بالكفر به ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ أي: بالأسارى يوم بدر ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بفعله حكيم فيه.\nقال قتادة: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح الكاتب حين ارتدَّ ولحق بالمشركين (^١).\nوقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: نزلت في عباس وأصحابه حين قالوا: لننصحنَّ لك على قومنا (^٢). وفسرها السدي على العموم (^٣). وهو أشمل وأظهر، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1232\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾.\nذكر تعالى أصناف المؤمنين وقسمهم: إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك، وإلى أنصار وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم فهؤلاء ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: كل منهم أحق بالآخر من كل أحد، ولهذا آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار كل اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثًا مقدمًا على القرابة حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث، ثبت ذلك في صحيح البخاري عن ابن عباس (^٤)، ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عنه (^٥)، وقاله مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد (^٦).\nقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن جرير -هو: ابن عبد الله البجلي ﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: \"المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة\" (^٧) تفرد به أحمد.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا شيبان، حدثنا عكرمة -يعني: ابن إبراهيم الأزدي- حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة به وأطول، وهو مرسل، وسعيد بن بشير ضعيف كما في التقريب.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بمعناه.\n(^٤) صحيح البخاري، الفرائض، باب ذوي الأرحام (ح ٦٧٤٧).\n(^٥) أخرجهما الطبري وطريق على يقوي طريق العوفي وكلاهما يتقوى برواية البخاري السابقة.\n(^٦) قول مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري بسندين صحيحين، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حبيب بن الزبير عنه.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٦٣)، وأخرجه الطبراني من طريق عبد الرحمن بن هلال عن جرير (المعجم الكبير ح ٢٤٣٨)، قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح (المجمع ١٠/ ١٥)، وأخرجه ابن حبان من طريق عاصم به وحسنه الأرناؤوط (الإحسان ١٦/ ٢٥٠ ح ٧٢٦٠)، وأخرجه الحاكم مثل الطبراني وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٨٠ - ٨١)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٠٣٦).","vol":"4","page":238},{"text":"عاصم، عن شقيق، عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"المهاجرون والأنصار، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة\" (^١) هكذا رواه في مسند عبد الله بن مسعود.\nوقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار، في غير ما آية في كتابه، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠] وقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية [الحشر] وأحسن ما قيل في قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم، فإن ظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء لا يختلفون في ذلك، ولهذا قال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن حذيفة، قال: خيَّرني رسول الله ﷺ بين الهجرة والنصرة، فاخترت الهجرة، ثم قال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾ قرأ حمزة (ولايتهم) بالكسر، والباقون بالفتح (^٣)، وهما واحد كالدلالة والدلالة ﴿مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين، وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا في بواديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب، ولا في خمسها إلا ما حضروا فيه القتال.\nكما قال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصَّة نفسه، بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال: \"اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال -أو خلال- فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكفَّ عنهم. ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفَّ عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٨/ ٤٤٦ ح ٥٠٣٣) وسنده ضعيف لضعف عكرمة بن إبراهيم، ويشهد له سابقه فيكون حسنًا لغيره.\n(^٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٧١٨)، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان: ضعيف.\n(^٣) ولايتهم، بكسر الواو وبفتحها قراءتان متواترتان.","vol":"4","page":239},{"text":"المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية. فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم\" (^١). انفرد به مسلم، وعنده زيادات أخر (^٢).\nوقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْر﴾ الآية، يقول تعالى وإن استنصركم هؤلاء الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم، لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار، بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس ﵁ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1233\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾.\nلما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، كما قال الحاكم في مستدركه: حدثنا محمد بن صالح بن هانئ حدثنا [أبو سعد] (^٤) يحيى بن منصور الهروي، حدثنا محمد بن أبان، حدثنا محمد بن يزيد وسفيان بن حسين، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة، عن النبي ﷺ قال: \"لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرًا، ولا كافر مسلمًا -ثم قرأ- ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ \" ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٥).\nقلت: الحديث في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم\" (^٦). وفي المسند والسنن، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يتوارث أهل ملتين شتى\". وقال الترمذي: حسن صحيح (^٧).\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد، عن محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، أن رسول الله ﷺ أخذ على رجل دخل في الإسلام، فقال: \"تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٥٢)، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه مسلم من طريق سفيان به نحوه (الصحيح، الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ح ١٧٣٠/ ٣).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٤) كذا في المستدرك وترجمته، وفي النسخ الخطية صحف إلى: \"أبو سعيد\".\n(^٥) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وزيادة وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٤٠).\n(^٦) الحقْ أن شطره الأول في الصحيحين أما الشطر الآخر في المسند والسنن. فالشطر الأول أخرجه الشيخان صحيح البخاري، الفرائض (ح ٦٧٦٤)، وصحيح مسلم، الفرائض (ح ١٦١٤).\n(^٧) أخرجه الترمذي من حديث جابر (السنن، الفرائض باب لا يتوارث أهل ملتين (ح ٢١٠٨)، وأخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب به (السنن، الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر ح ٢٩١١)، وكذا أخرجه ابن ماجه (السنن، الفرائض باب ميراث أهل الإسلام ح ٢٧٣١)، وقال الألباني حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ٢٢٠٧).","vol":"4","page":240},{"text":"وتصوم رمضان، وإنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب\" (^١) وهذا مرسل من هذا الوجه، وقد روي متصلًا من وجه آخر عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين\" ثم قال: \"لا يتراءى ناراهما\" (^٢).\nوقال أبو داود في آخر كتاب الجهاد: حدثنا محمد بن داود بن سفيان، أخبرني يحيى بن حسان، أنبأنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة [بن جندب، أخبرني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة] (^٣)، عن سمرة بن جندب: أما بعد قال رسول الله ﷺ: \"من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله\" (^٤).\nوذكر الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن هرمز، عن محمد وسعيد ابني عبيد، عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض\" قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: \"إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه\" ثلاث مرات، وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث حاتم بن إسماعيل به بنحوه (^٥)، ثم روى من حديث عبد الحميد بن سليمان: عن ابن عجلان، عن [ابن وثيمة النصري] (^٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض\" (^٧).\nومعنى قوله: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس، وهو: التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل.\n\n<span id=\"aya-1234\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾.\nلما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا عطف بذكر مالهم في الآخرة، فأخبر عنهم بحقيقة الإيمان كما تقدم في أول السورة وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب إن كانت، وبالرزق\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويتقوى بالحديث الموصول التالي:\n(^٢) أخرجه أبو داود من حديث جرير بن عبد الله (السنن، الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود ح ٢٦٤٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٠٤).\n(^٣) ما بين المعقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(مح) و(حم) وسنن أبي داود.\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في الإقامة بأرض الشرك ح ٢٧٨٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٢٠).\n(^٥) سنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء فيمن ترضون دينه فزوجوه (ح ١٠٩٧) وحسنه الألباني بشاهد قبله (صحيح سنن الترمذي ح ٨٦٦).\n(^٦) كذا في (عم) وسنن الترمذي، وفي الأصل: \"ابن أبي وثيمة النصري\".\n(^٧) أخرجه الترمذي من طريق عبد الحميد بن سليمان به (السنن، النكاح، باب ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه ح ١٠٨٤) وكذا ابن ماجه (السنن، النكاح، باب الأكفاء ح ١٩٦٧) وحسنه الألباني في (صحيح سنن ابن ماجه ح ١٦٠١).","vol":"4","page":241},{"text":"الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف دائم مستمر أبدًا لا ينقطع ولا ينقضي ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه. ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة، كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠] وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر]. وفي الحديث المتفق عليه بل المتواتر من طرق صحيحة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"المرء مع من أحب\" (^١). وفي الحديث الآخر: \"من أحب قومًا حشر معهم\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن جرير قال: قال رسول الله ﷺ: \"المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء لبعض، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة\" قال شريك: فحدثنا الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير، عن النبي ﷺ مثله (^٣)، تفرد به أحمد من هذين الوجهين.\n\n<span id=\"aya-1235\"></span>وأما قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم الله وليس المراد بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث كالخالة والخال والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم ويحتج بالآية ويعتقد ذلك صريحًا في المسألة بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات، كما نصَّ [عليه] (^٤) ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون به أولًا (^٥)، وعلى هذا فتشمل [ذوي] (^٦) الأرحام بالاسم الخاص، ومن لم يورثهم يحتج بأدلة من أقواها حديث: \"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\" (^٧).\nقالوا: فلو كان ذا حق لكان ذا فرض في كتاب الله مسمى فلما لم يكن كذلك لم يكن وارثًا، والله أعلم.\nآخر سورة الأنفال، ولله الحمد والمنَّة، وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧.\n(^٢) أخرجه الطبراني من حديث علي ﵁ (ح ٨٧٤) قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن ميمون الخياط وقد وثق (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٧٩)، وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ٣/ ١٩ ح ٢٥١٩)، من حديث أبي قرصافه وجابر، ويشهد له الحديث السابق.\n(^٣) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير الآية ٧٢ من هذه السورة.\n(^٤) الزيادة من \"مح\".\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم وابن الجوزي من طريقين يقوي أحدهما الآخر (نواسخ القرآن ص ٣٥٣)، وقول قتادة أخرجه الطبري والنحاس بسند صحيح من طريق معمر وسعيد بن أبي عروبة عنه (الناسخ والمنسوخ ٢/ ٣٩٤) وقول عكرمة أخرجه ابن الجوزي بسند حسن من طريق حبيب بن الزبير عنه (نواسخ القرآن ص ٣٥٥).\n(^٦) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وفي الأصل: \"ذكر\".\n(^٧) أخرجه أبو داود من حديث أبي أمامة ﵁ (السنن، الوصايا، باب في الوصية للوارث ح ٢٨٧٠)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٢٤٩٤). وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (السنن، الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث ح ٢١٢٠).","vol":"4","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>سورة التوبة</span>\nوهي مدنية\n\n<span id=\"aya-1236\"></span>\n\n<span id=\"aya-1237\"></span>﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾.\nهذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله ﷺ كما قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وآخر سورة نزلت براءة (^١)، وإنما لم يُبسمل في أولها؛ لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام، والاقتداء في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، كما قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي وسهيل بن يوسف قالوا: حدثنا عوف بن أبي جميلة، أخبرني يزيد الفارسي، أخبرني ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين وقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال؟ ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: \"ضعوا هذه الآيات في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا\"، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها وحسبت أنها منها، وقُبض رسول الله ﷺ ولم يبيِّن لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قَرنتُ بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطوال (^٢).\nوكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من طرق أخر عن عوف الأعرابي به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٣)، وأول هذه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ …﴾ [التوبة: ١] ح ٤٦٥٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه بنحوه ثم قال: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة ح ٣٠٨٦)، وفي متنه غرابة في قوله: وقُبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها. ولعل ذلك من صنيع يزيد الفارسي فهو يزيد بن يوسف الفارسي وهو مجهول (التقريب ص ٦٠٦) فسنده ومتنه ضعيف كما يلي.\n(^٣) المسند ٣٩٩ وضعفه أحمد شاكر، وسنن أبي داود، الصلاة، باب الجهر بها، أي بالبسملة، (ح ٧٨٦، والسنن الكبرى للنسائي ح ٨٠٠٧، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ح ٤٣)، والمستدرك ٢/ ٢٢١).","vol":"4","page":243},{"text":"السورة الكريمة نزل على رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك وهم بالحج، ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك وأنهم يطوفون بالبيت عُراة، فكره مخالطتهم وبعث أبا بكر الصديق ﵁ أميرًا على الحج تلك السنة؛ ليقيم للناس مناسكهم ويُعلم المشركين أن لا يحجّوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي في الناس ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فلما قفل أتبعه بعليِّ بن أبي طالب ليكون مبلغًا عن رسول الله ﷺ لكونه عصبة له كما سيأتي بيانه (^١).\nفقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: هذه براءة أي تبرؤ من الله ورسوله ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ اختلف المفسرون ههنا اختلافًا كثيرًا.\nفقال قائلون: هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة أو من له عهد دون أربعة أشهر فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]، ولما سيأتي في الحديث (^٢). ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير ﵀، وروي عن الكلبي ومحمد بن كعب القرظي وغير واحد (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية، قال: حدّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون في الأرض حيث شاؤوا وأجَّل أجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى سلخ المحرم فذلك خمسون ليلة، فأمر الله نبيه إذا انسلخ الأشهر الحُرم أن يضع السيف فيمن لا عهد له (^٤)، وكذا رواه العوفي وقال بعد قوله: (فذلك خمسون ليلة): فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف في من لم يكن بينه وبينه عهد بقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر أن يضع فيهم السيف أيضًا حتى يدخلوا في الإسلام (^٥).\nوقال أبو معشر المدني: حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرًا على الموسم سنة تسع، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين آية أو أربعين آية من براءة فقرأها على الناس، يؤجِّل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض فقرأها عليهم يوم عرفة أجلَّهم عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرًا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم وقال: لا يحجنَّ بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفنَّ بالبيت عريان (^٦).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى أهل العهد: خزاعة ومدلج\n_________\n(^١) سيأتي بيانه في تفسير آية ٣ من هذه السورة الكريمة.\n(^٢) في الآية التالية.\n(^٣) قول الكلبي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه وقول محمد بن كعب أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر، وهو نجيح السندي، عنه ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بعضه بسابقه.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق أبي معشر به وسنده ضعيف ويتقوى برواية ابن أبي طلحة السابقة وبالمراسيل اللاحقة.","vol":"4","page":244},{"text":"ومن كان له عهد أو غيرهم، فقفل رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ، فأراد رسول الله ﷺ الحج ثم قال: \"إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحجَّ حتى لا يكون ذلك\" فأرسل أبا بكر وعليًا ﵄ فطافا بالناس في ذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحاب العهد بأن يؤمّنوا أربعة أشهر فهي الأشهر المتواليات عشرون من ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر ثم لا عهد لهم، وآذن الناس كلَّهم بالقتال إلا أن يؤمنوا (^١)، وهكذا روي عن السدي وقتادة (^٢).\nوقال الزهري: كان ابتداء التأجيل من شوال وآخره سلخ المحرم (^٣). وهذا القول غريب وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها؟ وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر حين نادى أصحاب رسول الله ﷺ بذلك ولهذا قال تعالى:\n\n<span id=\"aya-1238\"></span>﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾.\nيقول تعالى: وإعلام ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وتقدم، وإنذار إلى الناس ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ وهو يوم النحر الذي هو أفضل أيام المناسك وأظهرها وأكثرها جمعًا ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ أي: بريء منهم -أيضًا- ثم دعاهم إلى التوبة إليه، فقال: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي: مما أنتم فيه من الشرك والضلال ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: استمررتم على ما أنتم عليه ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ بل هو قادر عليكم وأنتم في قبضته وتحت قهره ومشيئته، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: في الدنيا بالخزي والنكال، وفي الآخرة بالمقامع والأغلال.\nقال البخاري ﵀: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة في المؤذنين الذين بعثهم يوم النَّحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد: ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة فأذَّن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة، وأن لا يحجَّ بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان (^٤).\nورواه البخاري أيضًا: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذِّن يوم النحر بمنى ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل: الأكبر؛ من أجل قول الناس الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به، وهو مرسل ويتقوى بالمراسيل التالية.\n(^٢) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وهذان مرسلان يقوي أحدهما الآخر.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الزهري وهو مرسل.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة التوبة، باب ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ …﴾ [التوبة: ٣] ح ٤٦٥٦).","vol":"4","page":245},{"text":"حجَّ فيه رسول الله ﷺ مشرك، هذا لفظ البخاري في كتاب الجهاد (^١).\nوقال عبد الرزاق: عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: لما كان النبي ﷺ زمن حُنين اعتمر من الجعرانة ثم أمّر أبا بكر على تلك الحجَّة (^٢)، قال معمر: قال الزهري: وكان أبو هريرة يحدث أن أبا بكر أمر أبا هريرة أن يؤذِّن ببراءة في حجة أبي بكر، قال أبو هريرة: ثم أتبعنا النبي ﷺ عليًا وأمره أن يؤذِّن ببراءة، وأبو بكر على الموسم كما هو أو قال على هيئته (^٣). وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج كان سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتَّاب بن أسيد، فأما أبو بكر إنما كان أميرًا سنة تسع.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن مغيرة، عن الشعبي، عن مُحرَّر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله أو مدته إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صَحَل (^٤) صوتي (^٥). وقال الشعبي: حدثني مُحرَّر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي بن أبي طالب ﵁ حين بعثه النبي ﷺ ينادي، فكان إذا صحل ناديت فقلت: بأي شيء كنتم تنادون؟ قال بأربع، لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فعهده إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك (^٦).\nرواه ابن جرير من غير وجه عن الشعبي، ورواه شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي به، إلا أنه قال: ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى أربعة أشهر وذكر تمام الحديث. قال ابن جرير: وأخشى أن يكون وهمًا من بعض نقلته؛ لأن الأخبار متظاهرة في الأجل بخلافه (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن سماك، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال: \"لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي\" فبعث بها مع علي بن أبي طالب ﵁ (^٨). ورواه الترمذي في التفسير، عن بُندار، عن عفان وعبد الصمد كلاهما عن حماد بن سلمة به، ثم قال: حسن غريب من حديث أنس ﵁ (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، كتاب الجزية والموادعة، باب كيف يُنبذ إلى أهل العهد؟ ح ٣١٧٧).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه دون ذكر أبي هريرة ورجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه وسنده صحيح.\n(^٤) الصَّحَل: خشونة وغلظة في الصوت.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣/ ٣٥٦ ح ٧٩٧٧) وحسنه محققوه.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق قيس عن مغيرة عن الشعبي به. وقيس هذا ابن الربيع ضعيف.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق عثمان بن عمر عن شعبة به ثم ورد نقد الطبري، وأخرجه الحاكم من طريق سليمان الشيباني عن الشعبي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٣١).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠/ ٤٣٤ ح ١٣٢١٤)، وضعفه محققوه لنكارة متنه، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كذب (منهاج السنة ٥/ ٦٣).\n(^٩) السنن، تفسير القرآن، باب من سورة براءة (ح ٣٠٩٠).","vol":"4","page":246},{"text":"وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا محمد بن سليمان، -لُوَيْن- حدثنا محمد بن جابر، عن سماك، عن حنش، عن علي ﵁ قال: لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي ﷺ دعا النبي ﷺ أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة ثم دعاني فقال: \"أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم\" فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، نزل فيّ شيء؟ فقال: \"لا ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك\" (^١). هذا إسناد فيه ضعف، وليس المراد أن أبا بكر ﵁ رجع من فوره بل بعد قضائه للمناسك التي أمره عليها رسول الله ﷺ كما جاء مبينًا في الرواية الأخرى.\nوقال عبد الله أيضًا: حدثني أبو بكر، حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن سماك، عن حنش، عن علي ﵁، أن رسول الله ﷺ حين بعثه ببراءة قال: يا نبي الله إني لست باللسن ولا بالخطيب قال: \"لابد لي أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت\" قال: فإن كان ولابد فسأذهب أنا، قال: \"انطلق فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك\" قال: ثم وضع يده على فيه (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن [زيد بن يثيع] (^٣) -رجل من همدان-، سألنا عليًا بأي شيء بعثت؟ يعني: يوم بعثه النبي ﷺ مع أبي بكر في الحجة، قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا (^٤)، ورواه الترمذي عن قلابة، عن سفيان بن عيينة وقال: حسن صحيح كذا قال، ورواه شعبة عن أبي إسحاق فقال: [زيد بن أثيل] (^٥) وهم فيه (^٦)، ورواه الثوري، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن علي ﵁ (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ حين أنزلت براءة بأربع: أن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٢٧ ح ١٢٩٧)، وضعفه محققوه لضعف جابر وحنش. وضعف سنده ومتنه الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ٥/ ٣٤).\n(^٢) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٢٣ - ٤٢٤ ح ١٢٨٧)، وسنده ضعيف، وقال محققوه: حسن لغيره، حنش، وهو ابن المعتمر الكناني، قد توبع فقد رواه بنحوه ابن حبان فى صحيحه (٥٠٦٥) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن علي. اهـ. ولكن هذه المتابعة لا تسعف لأن رواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب.\n(^٣) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وترجمته، وفي الأصل: \"زيد بن أبي يثيع\"، وفي المسند: زيد بن أثيع، وأثيع هو نفسه يثيع.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع الخلاف في يثيع، (المسند ٢/ ٣٢ ح ٥٩٤) وصححه محققوه.\n(^٥) كذا في (عم) و(حم) وسنن الترمذي، وفي الأصل صُحف إلى: \"زيد بن يثيع بن أشهل\".\n(^٦) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب من سورة براءة (ح ٣٠٩٢).\n(^٧) سنده ضعيف لإبهام شيخ أبي إسحاق، ويتقوى بسابقه.","vol":"4","page":247},{"text":"إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة (^١)، ثم رواه ابن جرير، عن محمد بن عبد الأعلى، عن ابن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: أمرت بأربع فذكره (^٢).\nوقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع قال: نزلت براءة فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر ثم أرسل عليًا فأخذها، فلما رجع أبو بكر قال: نزل فيَّ شيء؟ قال: \"لا ولكن أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي\"، فانطلق إلى أهل مكة، فقام فيهم بأربع لا يدخل مكة مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي قال: لما نزلت براءة على رسول الله ﷺ وقد كان بعث أبا بكر ليقيم الحج للناس فقيل: يا رسول الله لو بعثت إلى أبي بكر؟ فقال: \"لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي\" ثم دعا عليًا فقال: \"اذهب بهذه القصة من سورة براءة وأذِّن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو له إلى مدته\".\nفخرج علي ﵁ على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكر في الطريق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج [والعرب] (^٤) إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذَّن في الناس بالذي أمره رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله ﷺ فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام وأهل المدة إلى الأجل المسمى (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرنا ابن صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي -من أهل الكوفة- يقول: سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت عليًا عن يوم الحج الأكبر فقال: إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وقد توبع في رواية الإمام أحمد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الحارث وهو الأعور الهمداني ضعيف وقد توبع في رواية الإمام أحمد المتقدمة.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق إسرائيل به، وفي متنه نكاره في قوله: \"ولكن أُمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي\".\n(^٤) زيادة من تفسير الطبري.\n(^٥) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لأنه معضل، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي ضعيف، وابن إسحاق عنعن ولم يصرح بالسماع. وذكره ابن هشام في السيرة ٤/ ١٩٠.","vol":"4","page":248},{"text":"فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إليَّ فقال: قم يا علي فأدِّ رسالة رسول الله ﷺ، فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صدرنا (^١) فأتينا منى فرميت الجمرة ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا كلهم حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط (^٢) أقرأها عليهم، فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر ألا وهو يوم عرفة (^٣).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق سألت أبا جُحيفة عن يوم الحج الأكبر قال: يوم عرفة، فقلت: أمن عندك أم من أصحاب محمد ﷺ؟ قال: كلٌّ في ذلك (^٤).\nوقال عبد الرزاق -أيضًا-: عن ابن جريج عن عطاء قال: يوم الحج الأكبر يوم عرفة (^٥).\nوقال عمر بن الوليد الشّنّي: حدثنا شهاب بن عباد البصري عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: هذا يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر فلا يصومنه أحد. قال: فحججت بعد أبي، فأتيت المدينة فسألت عن أفضل أهلها فقالوا: سعيد بن المسيب فأتيته فقلت: إني سألت عن أفضل أهل المدينة فقالوا: سعيد بن المسيب، فأخبرني عن صوم يوم عرفة، فقال: أخبرك عمَّن هو أفضل مني مائة ضعف عمر أو ابن عمر، كان ينهى عن صومه ويقول: هو يوم الحج الأكبر، رواه ابن جرير وابن أبي (^٦) حاتم، وهكذا روي عن ابن عباس وعبد الله بن الزبير ومجاهد وعكرمة وطاووس أنهم قالوا: يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر (^٧).\nوقد ورد فيه حديث مرسل رواه ابن جريج: أُخبرت عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة فقال: \"هذا يوم الحج الأكبر\" (^٨) وروي من وجه آخر عن ابن جريج، عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة عن رسول الله ﷺ أنه خطبهم بعرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"أما بعد؛ فإن هذا يوم الحج الأكبر\" (^٩).\nوالقول الثاني: أنه يوم النحر، قال هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن علي ﵁ قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر (^١٠).\nوقال إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور: سألت عليًا ﵁ عن يوم الحج الأكبر فقال: هو\n_________\n(^١) أي رجعنا.\n(^٢) الفساطيط جمع فسطاط وهو مكان استراحة المسافرين.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه أحمد شاكر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه ابن سعد (الطبقات الكبرى ٢/ ٣٨١)، والطبري من طريق عمر بن الوليد الشني به، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم لكنه باختصار، وسنده جيد.\n(^٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس، وقول ابن عباس وعكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن بخت عن عكرمة عن ابن عباس، وقول عبد الله بن الزبير أخرجه الطبري من طريق معقل بن داود عنه.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج به وليس فيه: أُخبرت، وإنما عنعن وعلى كل حال فسنده مرسل.\n(^٩) سنده مرسل أيضًا.\n(^١٠) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده صحيح.","vol":"4","page":249},{"text":"يوم النحر (^١).\nوقال شعبة، عن الحكم سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن علي ﵁ أنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبَّانة (^٢) فجاء رجل فأخذ بلجام دابته فسأله عن يوم الحج الأكبر فقال: هو يومك هذا خلِّ سبيلها (^٣).\nوقال عبد الرزاق، عن سفيان، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر (^٤).\nوروى شعبة وغيره، عن عبد الملك بن عمير به نحوه (^٥). وهكذا رواه هشيم وغيره، عن الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى.\nوقال الأعمش، عن عبد الله بن سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعير فقال: هذا يوم الأضحى وهذا يوم النحر وهذا يوم الحج الأكبر (^٦).\nوقال حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: الحج الأكبر يوم النحر (^٧)، وكذا روي عن أبي جحيفة وسعيد بن جبير وعبد الله بن شداد بن الهاد ونافع بن جبير بن مطعم والشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة وأبي جعفر الباقر والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: يوم الحج الأكبر هو يوم النحر (^٨). واختاره ابن جرير.\nوقد تقدم الحديث عن أبي هريرة في صحيح البخاري أن أبا بكر بعثهم يوم النحر يؤذِّنون بمنى (^٩)، وقد ورد في ذلك أحاديث أخر؛ كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني سهل بن محمد الحساني، حدثنا أبو جابر الحرمي، حدثنا هشام بن الغازي الجرشي، عن نافع، عن ابن عمر قال: وقف رسول الله ﷺ يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال: \"هذا يوم الحج الأكبر\" (^١٠). وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث أبي جابر واسمه محمد بن عبد الملك به، ورواه ابن مردويه -أيضًا- من حديث الوليد بن مسلم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق من طريق أبي إسحاق به، وفي سنده الحارث الأعور وقد تابعه الشعبي ويشهد له ما صح عن النبي ﷺ كما سيأتي.\n(^٢) الجبَّانة: الصحراء، وتسمى بها المقابر لأنها تكون في الصحراء (النهاية ١/ ٢٣٧).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق أبي داود عن شعبة به، وفي سنده يحيى الجزار كان يغلو في التشيع.\n(^٤) سنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق شعبة به وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري من طرق عن الأعمش به، وفي سنده الأعمش ولم يسمع من عبد الله بن سنان وهو صحابي، بل لم يدرك أحدًا من الصحابة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حماد بن سلمة به (المصنف ٤/ ٤٤٠) وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الطبري عن معظمهم بأسانيد ثابتة، وكفى أنه صح عن النبي ﷺ كما سيأتي.\n(^٩) أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ …﴾ [التوبة: ٣] ح ٤٦٥٥).\n(^١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جابر به، وأبو جابر هو محمد بن عبد الملك قال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي (الجرح ٨/ ٥)، وقد توبع فأخرجه ابن ماجه من طريق صدقة بن خالد عن هشام به (السنن، المناسك، باب الخطبة يوم النحر ح ٣٠٥٨)، وأخرجه الحاكم من طريق الوليد عن هشام به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٣١)، وأخرجه البخاري معلقًا على هشام بن الغازي به (الصحيح، الحج، باب الخطبة أيام منى بعد ح ١٧٤٢)، وتقدم وصله.","vol":"4","page":250},{"text":"عن هشام بن الغازي به، ثم رواه من حديث سعيد بن عبد العزيز، عن نافع به.\nوقال شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قام فينا رسول الله ﷺ على ناقة حمراء مخضرمة فقال: \"أتدرون أي يوم يومكم هذا؟ \" قالوا: يوم النحر، قال: \"صدقتم يوم الحج الأكبر\" (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: لما كان ذلك اليوم قعد رسول الله ﷺ على بعير له وأخذ الناس بخطامه أو زمامه، فقال: \"أي يوم هذا؟ \" قال: \"فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال: \"أليس هذا يوم الحج الأكبر؟ \" (^٢). وهذا إسناد صحيح وأصله مخرج في الصحيح.\nوقال أبو الأحوص، عن شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: \"أي يوم هذا؟ \" فقالوا: اليوم الحج الأكبر (^٣).\nوعن سعيد بن المسيب أنه قال: يوم الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم النحر. رواه ابن أبي حاتم (^٤).\nوقال مجاهد أيضًا: يوم الحج الأكبر أيام الحج كلّها (^٥)، وكذا قال أبو عبيد: قال سفيان: يوم الحج ويوم الجمل ويوم صفين أي: أيامه كلها (^٦).\nوقال سهل السراج: سئل الحسن البصري عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: ما لكم وللحج الأكبر؟ ذاك عام حجَّ فيه أبو بكر الذي استخلفه رسول الله ﷺ فحجَّ بالناس. رواه ابن أبي حاتم (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أُسامة، عن ابن عون، سألت محمدًا -يعني: ابن سيرين- عن يوم الحج الأكبر، فقال: كان يومًا وافق فيه حج رسول الله ﷺ حج أهل الوبر (^٨) (^٩).\n_________\n(^١) يشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق محمد بن سيرين به (الصحيح، الحج، باب الخطبة أيام منى ح ١٧٤١).\n(^٣) أخرجه الترمذي عن هناد عن أبي الأحوص به ثم قال: حسن صحيح، (السنن، الفتن، باب ما جاء \"دماؤكم وأموالكم عليكم حرام\" ح ٢١٥٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٧٥٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن يعلى عن سعيد بن المسيب، ويحيى سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٩/ ١٩٦)، والبخاري (التاريخ الكبير ٨/ ٣١١).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري عن الحارث، وهو ابن أبي أسامة، عن أبي عبيد به، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عثمان بن عمر عن سهل السراج به.\n(^٨) أهل الوبر: أي أهل البوادي، وهو من وبرَ الإبل، لأن بيوتهم يتخذونها منه (النهاية ١/ ١٤٥).\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.","vol":"4","page":251},{"text":"<span id=\"aya-1239\"></span>﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾.\nهذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت، فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث ومن كان له عهد مع رسول الله ﷺ فعهده إلى مدته (^١)، وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحدًا أي: يمالئ عليهم مَن سواهم، فهذا الذي يوفى له بذمته وعهده إلى مدته، ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: الموفين بعهدهم.\n\n<span id=\"aya-1240\"></span>﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾.\nاختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم ههنا ما هي؟\nفذهب ابن جرير إلى أنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣٦]. قاله أبو جعفر الباقر (^٢)، ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم، وهذا الذي ذهب إليه حكاه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٣) وإليه ذهب الضحاك (^٤) أيضًا وفيه نظر.\nوالذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي (^٥) عنه، وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها بقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] (^٦) ثم قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة [التي حرمنا عليكم فيها قتالهم وأجلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة] (^٧) سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد في هذه السورة الكريمة.\nوقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: من الأرض وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم، بقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].\n_________\n(^١) تقدمت في الآية السابقة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أبي جعفر الباقر مصرحًا بأسماء الأشهر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بالآثار التالية.\n(^٦) قول قتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عنهم، وقول مجاهد وعمرو بن شعيب، أخرجه الطبري بسند ضعيف.\n(^٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(حم) و(مح).","vol":"4","page":252},{"text":"وقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي: وأسروهم إن شئتم قتلًا وإن شئتم أسرًا.\nوقوله: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولهذا اعتمد الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهي: الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبَّه بأعلاها على أدناها؛ فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق الله ﷿، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة.\nوقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة\" الحديث (^١).\nوقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أُمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزكِ فلا صلاة له (^٢).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه!\nوقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا حميد الطويل، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا؛ فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم\" ورواه البخاري في صحيحه وأهل السنن إلا ابن ماجه، من حديث عبد الله بن المبارك، به (^٣).\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا يشرك به شيئًا فارقها والله عنه راضٍ\" قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] (^٤) ورواه ابن مردويه.\nورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة له: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٣٩.\n(^٢) سنده ضعيف لأن أبا عبيدة لم يسمع من ابن مسعود ﵁.\n(^٣) تقدم تخريجه من حديث عمر بن الخطاب في تفسير سورة الأنفال آية ٣٩.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب أبي جعفر الرازي فإن ما يرويه هنا ليس من نسخة الربيع عن أبي العالية عن أُبيّ.","vol":"4","page":253},{"text":"حكام بن سلمة، حدثنا أبو جعفر الرازي به سواء (^١).\nوهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم: إنها نسخت كلَّ عهد بين النبي ﷺ وبين أحد من المشركين وكلَّ عقد وكلَّ مدة (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: لم يبقَ لأحد من المشركين عهد ولا ذمَّة منذ نزلت براءة، وانسلاخ الأشهر الحرم ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر، من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول شهر ربيع الآخر (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية قال: أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما كان سمي لهم من العهد والميثاق، وأذهب الشرط الأول (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: قال سفيان بن عيينة: قال علي بن أبي طالب: بعث النبي ﷺ بأربعة أسياف سيف فى المشركين من العرب، قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٥) هكذا رواه مختصرًا.\nوأظن أن السيف الثاني هو: قتال أهل الكتاب لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة].\nوالسيف الثالث: قتال المنافقين في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الآية [التوبة: ٧٣].\nوالرابع: قتال الباغين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].\nثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه: فقال الضحاك والسدي هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] (^٦).\nوقال قتادة، بالعكس (^٧).\n\n<span id=\"aya-1241\"></span>﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾.\nيقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أمرتك بقتالهم\n_________\n(^١) تعظيم قدر الصلاة (ح ١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به مختصرًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للانقطاع الكبير بين سفيان وعلي ﵁.\n(^٦) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند حسن من طريق سفيان عنه.\n(^٧) أخرجه ابن الجوزي بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] قال: نُسخ ذلك في براءة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ …﴾ [التوبة: ٥] (نواسخ القرآن ص ٤٦٧).","vol":"4","page":254},{"text":"وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ أي: استأمنك فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام الله أي: القرآن تقرؤه عليه وتذكر له شيئًا من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي: وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: إنسان يأتيك ليسمع ما تقول وما أنزل عليك فهو آمن حتى يأتيك، فتُسمعه كلام الله وحتى يبلغ مأمنه حيث جاءه (^١).\nومن هذا كان رسول الله ﷺ يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدًا أو في رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، منهم عروة بن مسعود ومكرز بن حفص وسهيل بن عمرو وغيرهم، واحدًا بعد واحد يتردَّدون في القضية بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله ﷺ ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم، ولهذا -أيضًا- لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول الله ﷺ قال له: أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ: \"لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك\" (^٢).\nوقد قيَّض الله له ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له: ابن النواحة، ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة، فأرسل إليه ابن مسعود فقال له: إنك الآن لست في رسالة. وأمر به فضُربت عنقه لا ﵀ ولعنه.\nوالغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أمانًا أعطي أمانًا مادام مترددًا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه، لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء ﵏.\n\n<span id=\"aya-1242\"></span>﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾.\nيبيّن تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا فقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ أي: أمان ويتركون فيما هم فيه، وهم مشركون بالله كافرون به وبرسوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني: يوم الحديبية، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ الآية [الفتح: ٢٥]، ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أي: مهما تمسكوا بما عاقدتموهم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه أبو داود من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي ﵁ (السنن، الجهاد، باب في الرسل ح ٢٧٦١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٩٩).","vol":"4","page":255},{"text":"عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وقد فعل رسول الله ﷺ ذلك والمسلمون. استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد ومالؤوا حلفاءهم، وهم بنو بكر على خزعة أحلاف رسول الله ﷺ فقتلوهم معهم في الحرم -أيضًا-، فعند ذلك غزاهم رسول الله ﷺ في رمضان سنة ثمان، ففتح الله عليه البلد الحرام ومكنه من نواصيهم ولله الحمد والمنة، فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم فسموا: الطلقاء، وكانوا قريبًا من ألفين، ومن استمر على كفره وفرّ من رسول الله ﷺ بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر يذهب حيث شاء، ومنهم صفوان بن أُمية وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإسلام التام، والله المحمود على جميع ما يقدره ويفعله.\n\n<span id=\"aya-1243\"></span>﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾.\nيقول تعالى محرضًا للمؤمنين على معاداتهم والتبري منهم ومبينًا أنهم لا يستحقُّون أن يكون لهم عهد لشركهم بالله تعالى وكفرهم برسول الله ﷺ؛ ولأنهم لو ظهروا على المسلمين وأديلوا عليهم لم يبقوا ولم يذروا ولا راقبوا فيهم إلًا ولا ذمَّة.\nقال علي بن أبي طلحة وعكرمة والعوفي، عن ابن عباس: الإلّ: القرابة، والذمة: العهد (^١). وكذا قال الضحاك والسدي (^٢)، كما قال تميم بن مقبل:\nأفسد الناس خلوف (^٣) خلفوا … اقطعوا الإلَّ وأعراقَ الرحم\nوقال حسان بن ثابت ﵁:\nوجدناهم كاذبًا إلهم … وذو الإلّ والعهد لا يكذب (^٤)\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾ [التوبة: ١٠] قال: الله (^٥)، وفي رواية لا يرقبون الله ولا غيره (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سليمان، عن أبي مِجلز في قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] مثل قوله جبريل ميكائيل إسرافيل كأنه يقول: لا يرقبون الله (^٧)، والقول الأول أظهر وأشهر وعليه الأكثر. وعن مجاهد -أيضًا- الإلّ: العهد (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من الطريقين، وطريق ابن أبي طلحة يقوي طريق العوفي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) خلوف: جمع خَلْف وهم: بقية السوء والأشرار تخلف من سبقها.\n(^٤) ذكرهما الطبري في تفسيره ونسب كل بيت إلى قائله.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وأطول، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى هو ابن ميمون عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"4","page":256},{"text":"وقال قتادة: الإلّ: الحلف (^١).\n\n<span id=\"aya-1244\"></span>﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾.\nيقول تعالى ذمًّا للمشركين وحثًّا للمؤمنين على قتالهم: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: منعوا المؤمنين من اتباع الحق ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩)﴾\n\n<span id=\"aya-1245\"></span>\n\n<span id=\"aya-1246\"></span>﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ تقدم تفسيره وكذا الآية التي بعدها ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ إلى آخرها تقدمت.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن أبي بكر، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس؛ قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته لا يشرك به، وأقام الصلاة وآتى الزكاة فارقها والله عنه راضٍ\". وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ يقول: فإن خلعوا الأوثان وعبادتها ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (^٢) ثم قال البزار: آخر الحديث عندي والله أعلم فارقها وهو عنه راضٍ، وباقيه عندي من كلام الربيع بن أنس.\n\n<span id=\"aya-1247\"></span>﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾.\nيقول تعالى: وإن نكث المشركون الذين عاهدتموهم على مدَّة معينة أيمانهم أي: عهودهم ومواثيقهم ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي: عابوه وانتقصوه، ومن ههنا أخذ قتل من سبَّ الرسول صلوات الله وسلامه عليه، أو من طعن في دين الإسلام أو ذكره بنقص، ولهذا قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ أي: يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال.\nوقد قال قتادة وغيره: أئمة الكفر، كأبي جهل وعتبة وشيبة وأُمية بن خلف، وعدَّدَ رجالًا (^٣).\nوعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: مرّ سعد بن أبي وقاص برجل من الخوارج فقال الخارجي: هذا من أئمة الكفر. فقال سعد: كذبت بل أنا قاتلت أئمة الكفر. رواه ابن مردويه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) سنده ضعيف لسوء حفظ أبي جعفر الرازي، وما يرويه هنا ليس من الصحيفة المشهورة عن الربيع بن أنس عن أبي العالية رفيع، عن أُبي بن كعب.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، بدون ذكر شيبة.\n(^٤) لم أجده مسندًا، ونسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه فقط.","vol":"4","page":257},{"text":"وقال الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة أنه قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد (^١).\nوروي عن علي بن أبي طالب ﵁: مثله (^٢)، والصحيح أن الآية عامة وإن كان سبب نزولها مشركي قريش فهي عامة لهم ولغيرهم والله أعلم.\nوقال الوليد بن مسلم: حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه كان في عهد أبي بكر ﵁ إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال: إنكم ستجدون قومًا محوّقة (^٣) رؤوسهم، فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلًا منهم أحبُّ إليّ من أن أقتل سبعين من غيرهم وذلك بأن الله يقول: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْر﴾ رواه ابن أبي حاتم (^٤).\n\n<span id=\"aya-1248\"></span>﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾.\nوهذا أيضًا تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين بأيمانهم الذين هموا بإخراج الرسول من مكة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال] وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ الآية [الممتحنة: ١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ الآية [الإسراء: ٧٦] (^٥).\nوقوله: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قيل: المراد بذلك يوم بدر حين خرجوا لنصر عيرهم، فلما نجت وعلموا بذلك استمروا على وجههم، طلبًا للقتال بغيًا وتكبرًا كما تقدم بسط ذلك.\nوقيل: المراد نقضهم العهد وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول الله ﷺ (^٦) حتى سار إليهم رسول الله ﷺ عام الفتح وكان ما كان ولله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول تعالى: لا تخشوهم واخشون فأنا أهل أن يخشى العباد من سطوتي وعقوبتي، فبيدي الأمر وما شئت كان وما لم أشأ لم يكن،\n\n<span id=\"aya-1249\"></span>\n\n<span id=\"aya-1250\"></span>ثم قال: عزيمة على المؤمنين وبيانًا لحكمته فيما شرع لهم من الجهاد مع قدرته على إهلاك\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الأعمش به، وأخرجه البخاري من طريق إسماعيل عن زيد بن وهب عن حذيفة بمعناه (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ..﴾ [التوبة: ١٢] ح ٤٦٥٨).\n(^٢) لم أجده مسندًا، ونسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه فقط، ويتقوى برواية حذيفة ﵁.\n(^٣) محوّقة: الحوق الكنس، أراد أنهم حلقوا وسط رؤوسهم، فشبه إزالة الشعر منه بالكنس، ويجوز أن يكون من الحوق: وهو الإطار المحيط بالشيء المستدير حوله (النهاية ١/ ٤٦٢).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم عن محمد بن عبد الله الإسكندراني عن الوليد بن مسلم به. وسنده حسن.\n(^٥) قراءة متواترة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.","vol":"4","page":258},{"text":"الأعداء بأمر من عنده: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾: وهذا عام في المؤمنين كلهم.\nوقال مجاهد وعكرمة والسدي في هذه الآية ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾: يعني: خزاعة (^١)، وأعاد الضمير في قوله: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ عليهم أيضًا.\nوقد ذكر ابن عساكر في ترجمة مؤذن لعمر بن عبد العزيز ﵁، عن مسلم بن يسار، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان إذا غضبت أخذت بأنفها وقال: \"يا عويش قولي اللَّهم ربَّ النبي محمد اغفر ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلّات الفتن\" ساقه من طريق أبي أحمد الحاكم، عن الباغندي عن هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الجون عنه (^٢).\n﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من عباده ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بما يصلح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو العادل الحاكم الذي لا يجور أبدًا ولا يضيع مثقال ذرّة من خير وشر، بل يجازي عليه في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-1251\"></span>﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أيها المؤمنون أن نترككم مهملين لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ أي: بطانة ودخيلة بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله فاكتفى بأحد القسمين عن الآخر كما قال الشاعر:\nوما أدري إذا يمّمت أرضًا … أريد الخير أيُّهما يليني\nوقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت] وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٩].\nوالحاصل أنه تعالى لما شرع لعباده الجهاد بيَّن أن له فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؟ فيعلم الشيء قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه لا إله إلا هو ولا ربّ سواه، ولا رادَّ لما قدّره وأمضاه.\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري كسابقه، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أيوب السختياني عن عكرمة، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٢) في سنده هشام بن عمار الدمشقي وهو صدوق كبر فصار يتلقن (التقريب ص ٥٧٣)، ومسلم بن يسار لم يسمع عائشة، ولكنهما قد توبعا إذ أخرجه ابن السني من طريق جعفر بن عون عن أبي العميس عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة (عمل اليوم والليلة ح ٤٥٦) إلا أن الحافظ العراقي ضعف رواية ابن السني (المغني عن حمل الأسفار ١/ ٣٢٦).","vol":"4","page":259},{"text":"<span id=\"aya-1252\"></span>\n\n<span id=\"aya-1253\"></span>﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾.\nيقول تعالى: ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بُنيت على اسمه وحده لا شريك له، ومن قرأ (مسجد) (^١) الله فأراد به المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن، هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر أي بحالهم وبقالهم.\nقال السدي: لو سألت النصراني: ما دينك؟ لقال: نصراني، ولو سألت اليهودي: ما دينك؟ لقال: يهودي، والصابئ؟ لقال: صابئ، والمشرك؟ لقال: مشرك (^٢).\n﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بشركهم ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال] ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فشهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد كما قال الإمام أحمد: حدثنا [سُريج] (^٣)، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن درَّاجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان\"، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^٤). ورواه الترمذي وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب به (^٥).\nوقال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يونس بن محمّد، حدثنا صالح المري، عن ثابت البناني، عن ميمون بن سياه وجعفر بن زيد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما عُمَّار المساجد هم أهل الله\" (^٦).\nورواه الحافظ أبو بكر البزار: عن عبد الواحد بن غياث، عن صالح بن بشير المري، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما عُمَّار المساجد هم أهل الله\" ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير صالح (^٧).\nوقد روى الدارقطني في الأفراد من طريق حكامة بنت عثمان بن دينار، عن أبيها، عن أخيه مالك بن دينار، عن أنس مرفوعًا: \"إذا أراد الله بقوم عاهة نظر إلى أهل المساجد فصرف عنهم\"\n_________\n(^١) وهي قراءة متواترة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) كذا في المسند، وفي الأصل صُحف إلى: \"شُريح\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨/ ١٩٤ ح ١١٦٥١) وضعف سنده محققوه.\n(^٥) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب من سورة التوبة (ح ٣٠٩٣)، والمستدرك ٢/ ٣٣٢، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي ولكن حديث دراج عن أبي الهيثم ضعيف.\n(^٦) سنده ضعيف لضعف صالح المري (مجمع الزوائد ٢/ ٢٣).\n(^٧) أخرجه البزار في مسنده كما في كشف الأستار (رقم ٤٤٣) وسنده ضعيف علته كسابقه.","vol":"4","page":260},{"text":"ثم قال: غريب (^١).\nوروى الحافظ البهاء في المستقصى عن أبيه بسنده إلى أبي أُمية الطرسوسي، حدثنا منصور بن صقير، حدثنا صالح المري، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا يقول الله: \"وعزتي وجلالي إني لأهمُّ بأهل الأرض عذابًا فإذا نظرت إلى عُمَّار بيوتي وإلى المتحابين فيَّ وإليَّ\" المستغفرين بالأسحار صرفت ذلك عنهم (^٢). ثم قال ابن عساكر: حديث غريب.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة، حدثنا العلاء بن زياد، عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: \"إن الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإيَّاكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامَّة والمسجد\" (^٣).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: أدركت أصحاب محمد ﷺ وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه حقٌّ على الله أن يكرم من زاره فيها.\nوقال المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت وعدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ولم يأت المسجد ويصلي فلا صلاة له وقد عصى الله ورسوله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية (^٤)، رواه ابن مردويه. وقد روي مرفوعًا من وجه آخر، وله شواهد من وجوه أخر ليس هذا موضع بسطها.\nوقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ أي: التي هي أكبر عبادات البدن ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أي: التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى برِّ الخلائق.\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: ولم يخف إلا من الله تعالى ولم يخش سواه ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ يقول: من وحَّد الله وآمن باليوم الآخر يقول: من آمن بما أنزل الله ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ يعني: الصلوات الخمس ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ يقول: لم يعبد إلا الله.\nثم قال: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ﴾ يقول تعالى: إن أولئك هم المفلحون كقوله لنبيه ﷺ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة (^٥).\n_________\n(^١) هو غريب كما قال، وفي سنده أيضًا والد حكامة: عثمان بن دينار قال الذهبي في ترجمته: لا شيء والخبر كذب (ميزان الاعتدال رقم ٥٥٠٢).\n(^٢) سنده ضعيف لضعف صالح المري كما تقدم قبل روايتين، واستغربه أيضًا الحافظ ابن عساكر.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٣٥٨ ح ٢٢٠٢٩) وفي سنده العلاء بن زياد لم يسمع من معاذ، وحسنه لغيره محققوه بالشواهد.\n(^٤) هذا الجزء من السند حسن، ولكن لم يتبين من الراوي عن المسعودي، وقد صرح الحافظ ابن كثير أن له شواهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"4","page":261},{"text":"وقال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀: وعسى من الله حق (^١).\n\n<span id=\"aya-1254\"></span>\n\n<span id=\"aya-1255\"></span>\n\n<span id=\"aya-1256\"></span>\n\n<span id=\"aya-1257\"></span>﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾.\nقال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: إن المشركين قالوا: عمارة بيت الله وقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفخرون بالحرم، ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم من المشركين: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ [المؤمنون] يعني: أنهم كانوا يستكبرون بالحرم قال: ﴿بِهِ سَامِرًا﴾ كانوا يسمرون به ويهجرون القرآن والنبي ﷺ، فخير الله الإيمان والجهاد مع النبي ﷺ على عمارة المشركين البيت وقيامهم على السقاية ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته ويحرمون به. قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: الذين زعموا أنهم أهل العمارة، فسمَّاهم الله: ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئًا (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: قد نزلت في العبَّاس بن عبد المطلب حين أسر ببدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي ونفك العاني، قال الله ﷿: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: أن ذلك كله كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك (^٣).\nوقال الضحاك بن مزاحم: أقبل المسلمون على العبَّاس وأصحابه الذين أُسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونفك العاني ونحجب البيت ونسقي الحاج، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية (^٤).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن إسماعيل، عن الشعبي: قال: نزلت في علي والعباس ﵄ بما تكلما في ذلك (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي صخر قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: افتخر طلحة بن شيبة (^٦) من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه ولو أشاء بتُّ فيه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وورد أيضًا في سيرة ابن هشام (٤/ ١٩٢).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. ويتقوى بعضه بالرواية التالية من طريق ابن أبي طلحة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف معضل لأن الضحاك تابع تابعي، ويتقوى بسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق وسنده مرسل يتقوى بما سبق.\n(^٦) ورد في حاشية الأصل: لعله عثمان بن طلحة. اهـ. والمثبت هو كما في تفسير الطبري.","vol":"4","page":262},{"text":"وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بتُّ في المسجد، فقال علي ﵁: ما أدري ما تقولان لقد صلَّيت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله ﷿: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ …﴾ الآية كلَّها (^١).\nوهكذا قال السدي إلا أنه قال: افتخر علي والعباس وشيبة بن عثمان وذكر نحوه (^٢).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عمرو، عن الحسن قال: نزلت في علي وعباس وعثمان وشيبة تكلموا في ذلك، فقال العباس: ما أراني إلا أني تارك سقايتنا، فقال رسول الله ﷺ: \"أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرًا\" (^٣). ورواه محمد بن ثور: عن معمر عن الحسن فذكر نحوه (^٤).\nوقد ورد في تفسير هذه الآية حديث مرفوع فلابد من ذكره هنا، قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن النعمان بن بشير ﵁ أن رجلًا قال: ما أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صلينا الجمعة دخلنا على النبي ﷺ فسألناه، فنزلت ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^٥).\n(طريق أخرى): قال الوليد بن مسلم: حدثني معاوية بن سلَّام، عن جده أبي سلَّام الأسود، عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملًا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام. وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر بن الخطاب ﵁. وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ، وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله ﷺ فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. قال: ففعل فأنزل الله ﷿: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ورواه مسلم في صحيحه (^٦) وأبو داود وابن جرير وهذا لفظه، وابن مردويه وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن حبان في صحيحه (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ولكن فيه ابن وهب قال: أُخبرت عن أبي صخر. وفي الحالتين أن السند مرسل، ويتقوى بالمراسيل التالية.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه سابقه، لكنه مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل يتقوى بما سبق ولحق.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق محمد بن عبد الأعلى عن محمد بن ثور به. وسنده كسابقه في ثقاته ومقوياته.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفي سنده يحيى بن أبي كثير لم يسمع من النعمان ولكنه توبع كما سيأتي في الرواية الموصولة الصحيحة.\n(^٦) أخرجه مسلم من طريق معاوية بن سلَّام به (الصحيح، الأمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى ح ١٨٧٩).\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق معاوية بن سلام به، وأخرجه الواحدي من طريق أبي داود عن أبي =","vol":"4","page":263},{"text":"<span id=\"aya-1258\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾.\nأمر تعالى بمباينة الكفار به وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إن استحبوا أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك كقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢].\nوروى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجِراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله فانزل الله فيه هذه الآية: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ الآية (^١).\n\n<span id=\"aya-1259\"></span>ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله فقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ أي: اكتسبتموها وحصلتموها ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ أي: تحبونها لطيبها وحسنها، أي إن كانت هذه الأشياء ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: فانتظروا ماذا يحلّ بكم من عقابه ونكاله بكم، ولهذا قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن زهرة بن معبد، عن جده قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: والله يا رسول الله لأنت أحبُّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال رسول الله ﷺ: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه\" فقال عمر: فأنت الآن والله أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال رسول الله ﷺ: \"الآن يا عمر\" (^٢) انفرد بإخراجه البخاري فرواه عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام، عن النبي ﷺ بهذا (^٣)، وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: \"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده\n_________\n= توبة عن معاوية بن سلام به (أسباب النزول ص ١٣٩) وبهذه الرواية نكون قد وقفنا على رواية أبي داود لأنها غير موجوده في سننه.\n(^١) أخرجه البيهقي من طريق ضمرة بن ربيعة عن عبد الله بن شوذب به ثم قال: منقطع (السنن الكبرى ٩/ ٢٧)، وسبب الانقطاع أن عبد الله بن شوذب لم يدرك أحدًا من الصحابة، وأخرجه الحاكم من طريق ضمرة به وسكت عنه هو والذهبي (المستدرك ٣/ ٢٦٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٣٦) وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال وقد توبع كما سيأتي في رواية البخاري، فيكون سنده حسنًا.\n(^٣) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ﷺ؟ (ح ٦٦٣٢).","vol":"4","page":264},{"text":"وولده والناس أجمعين\" (^١).\nوروى الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له من حديث أبي عبد الرحمن الخراساني، عن عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا تبايعتم بالعِينة (^٢) وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم\" (^٣).\nوروى الإمام أحمد -أيضًا- عن يزيد بن هارون، عن [أبي جناب] (^٤)، عن شهر بن حوشب، أنه سمع [عبد الله بن عمر] (^٥)، عن رسول الله ﷺ بنحو ذلك (^٦)، وهذا شاهد للذي قبله، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1260\"></span>﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾.\nقال ابن جريج، عن مجاهد: هذه أول آية نزلت من براءة (^٧)، يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله، وأن ذلك من عنده تعالى وبتأييده وتقديره لا بعَددهم ولا بعُددهم، ونبههم على أن النصر من عنده سواء قلّ الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئًا، فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله ﷺ ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى مفصلًا، ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده وبإمداده وإن قلّ الجمع فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان ح ١٤٠)، وأخرجه مسلم من حديث أنس ﵁ وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان (ح ٤٤).\n(^٢) العِينة: هو أن يبيع رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به.\n(^٣) أخرجه أبو داود من طريق أبي عبد الرحمن الخراساني به (السنن، البيوع، باب في النهي عن العِينة ح ٣٤٦٢)، وقال الألباني صحيح بمجموع طرقه، صحيح الجامع (ح ١٤) والسلسلة الصحيحة (ح ١١) وذكر فيها ممن قوى الحديث كابن القطان وابن تيمية وابن القيم وابن كثير والشوكاني وأما الإمام أحمد فقد أخرجه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر وصححه أحمد شاكر (المسند ح ٤٨٢٥) وضعفه محققوه في طبعة الرسالة (ح ٤٨٢٥) وقد أخرجه الإمام أحمد من طريق شهر بن حوشب عن ابن عمر (المسند ٩/ ٥١ ح ٥٠٠٧) وضعفه أيضًا محققوه، والحق أن كل من الطريقين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٤) كذا في (عم) و(حم) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: \"أبي حباب\".\n(^٥) كذا في (مح) والمسند، وفي الأصل و(عم) و(حم) والنسخ المطبوعة صُحف إلى عبد الله بن عمرو.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون به (المسند ٩/ ٣٩٥ - ٣٩٦ ح ٥٥٦٢ م ١) وضعفه محققوه أيضًا بسبب ضعف أبي جناب وشهر بن حوشب، والحق أن كليهما توبعا في رواية أبي داود ورواية الإمام أحمد من طريق عطاء بن أبي رباح، ولهذا قال الحافظ ابن كثير: وهذا شاهد للذي قبله.\n(^٧) ابن جريج لم يسمع من مجاهد، وقد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، لكنه مرسل.","vol":"4","page":265},{"text":"وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت يونس يحدث عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف ولن تغلب اثنا عشر ألفأ من قلَّة\" (^١) وهكذا رواه أبو داود والترمذي ثم قال: هذا حديث حسن غريب جدًا لا يسنده أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلًا (^٢). وقد رواه ابن ماجه والبيهقي وغيره عن أكثم الجوني عن رسول الله ﷺ بنحوه (^٣) والله أعلم.\nوقد كانت وقعة حنين بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة.\nوذلك لما فرغ ﷺ من فتح مكة وتمهدت أمورها وأسلم عامة أهلها وأطلقهم رسول الله ﷺ، فبلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه وأن أميرهم مالك بن عوف بن النضر، ومعه ثقيف بكمالها وبنو جشم وبنو سعد بن بكر وأوزاع (^٤) من بني هلال وهم قليل وناس من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر، وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم وجاؤوا بقضهم وقضيضهم (^٥)، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في جيشه الذي جاء معه للفتح وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب ومعه الذين أسلموا من أهل مكة وهم الطلقاء في ألفين، فسار بهم إلى العدو فالتقوا بوادٍ بين مكة والطائف يقال له: حنين، فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح انحدروا في الوادي وقد كَمُنت فيه هوازن، فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد ثاوروهم، ورشقوا بالنبال وأصلتوا السيوف وحملوا حملة رجل واحد كما أمرهم ملكهم فعند ذلك ولَّى المسلمون مدبرين كما قال الله ﷿، وثبت رسول الله ﷺ وهو راكب يومئذٍ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحو العدو، والعباس عمُّه آخذ بركابها الأيمن، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر يثقلانها لئلا تسرع السير، وهو ينوه باسمه ﵊ ويدعو المسلمين إلى الرجعة ويقول: \"إليّ عباد الله إليّ أنا رسول الله\" ويقول في تلك الحال: \"أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب\" وثبت معه أصحابه قريب من مائة، ومنهم من قال: ثمانون. فمنهم أبو بكر وعمر ﵄ والعباس وعلي والفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث وأيمن بن أُم أيمن وأسامة بن زيد وغيرهم ﵃، ثم أمر ﷺ عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي بأعلى صوته يا أصحاب الشجرة يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها على أن لا يفرُّوا عنه فجعل ينادي بهم يا أصحاب السمُرة (^٦)، ويقول\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤١٩ ح ٢٦٨٢)، قال محققوه: رجاله ثقات رجال الشيخين، وقد اختلف في وصله وإرساله، قال أبو داود أنه مرسل. وأيده الترمذي وابن أبي حاتم فيما رواه عن أبيه أنه مرسل لا يحتمل هذا الكلام أن يكون كلام النبي ﷺ (العلل ١/ ٣٤٧).\n(^٢) سنن أبي داود، الجهاد، باب فيما يستحب من الجيوش (ح ٢٦١١)، وسنن الترمذي، السير، باب ما جاء في السرايا (ح ١٥٥٥).\n(^٣) سنن ابن ماجه، الجهاد، باب السرايا (ح ٢٨٢٧)، والسنن الكبرى ٩/ ٢٦٣ للبيهقي إذ أخرجاه من طريق أبي سلمة العاملي عن الزهري عن أنس، قال: وضعفه البوصيري لضعف العاملي (مصباح الزجاجة ٢/ ٤١٢).\n(^٤) أي: الفرق من الناس.\n(^٥) أي بأجمعهم.\n(^٦) السُمرة من شجر الطلح.","vol":"4","page":266},{"text":"تارة: يا أصحاب سورة البقرة، فجعلوا يقولون: يا لبيك يا لبيك، وانعطف الناس فتراجعوا إلى رسول الله ﷺ، حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع لبس درعه ثم انحدر عنه وأرسله ورجع بنفسه إلى رسول الله ﷺ، فلما اجتمعت شرذمة منهم عند رسول الله ﷺ أمرهم ﵇ أن يصدقوا الحملة وأخذ قبضة من تراب بعد ما دعا ربه واستنصره، وقال: \"اللَّهم أنجز لي ما وعدتني\" ثم رمى القوم بها فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينه وفمه ما يشغله عن القتال، ثم انهزموا فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجدلة (^١) بين يدي رسول الله ﷺ (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن يسار، عن أبي همَّام، عن أبي عبد الرحمن الفهري واسمه: يزيد بن أسيد ويقال: يزيد بن أنيس ويقال: كُرزُ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو في فسطاطه فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته حان الرواح؟ فقال: \"أجل\" فقال: \"يا بلال\" فثار من تحت سمرة كأنها ظلها ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك فقال: \"أسرج لي فرسي\" فأخرج سرجًا دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر قال: فأسرج فركب وركبنا، فصاففناهم عشيتنا وليلتنا فتشامت الخيلان (^٣)، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله\" ثم قال: \"يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله\" قال: ثم اقتحم عن فرسه فأخذ كفًا من تراب فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال: \"شاهت الوجوه\" فهزمهم الله تعالى. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابًا وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد (^٤).\nوهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة به (^٥).\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين، فسبق رسول الله ﷺ إليه، فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله ﷺ وأصحابه حتى انحطّ بهم الوادي في عماية الصبح (^٦)، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل، فاشتدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين يقول: \"أيها الناس هلمُّوا إليَّ\n_________\n(^١) أي مطروحة.\n(^٢) أخرج مسلم أغلب هذه القصة (الصحيح، الجهاد والسير، باب في غزوة حنين ح ١٧٧٥ - ١٧٧٦).\n(^٣) أي تقاربت خيل المسلمين مع خيل العدو.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند/ ١٣٤ - ١٣٥ ح ٢٢٤٦٨)، وقال محققوه: حسن لغيره. أي بالشواهد، وأخرجه أبو داود من طريق حماد بن سلمة به (السنن، الأدب، باب الرجل ينادي الرجل … ح ٢٣٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح ٤٣٦٠).\n(^٥) دلائل النبوة (٥/ ١٤١)، وأخرجه الحاكم من طريق حماد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٣٠).\n(^٦) أي ظلامه قبل أن يتبين.","vol":"4","page":267},{"text":"أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، فلا شيء، وركبت الإبل بعضها بعضًا، فلما رأى رسول الله ﷺ أمر الناس قال: \"يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة\" فأجابوه لبيك، لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه في عنقه ويأخذ سيفه وقوسه ثم يؤم الصوت حتى اجتمع إلى رسول الله ﷺ منهم مائة فاستعرض الناس، فاقتتلوا وكانت الدعوة أول ما كانت الأنصار ثم جعلت آخرًا بالخزرج، وكانوا صبراء عند الحرب وأشرف رسول الله ﷺ في ركابه فنظر إلى مجتلد القوم (^١) فقال: \"الآن حميَ الوطيس\" (^٢) قال: فوالله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله مُلقون، فقتل الله منهم من قتل وانهزم منهم ما انهزم وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-1261\"></span>وفي الصحيحين من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب ﵄ أن رجلًا قال له: يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، إن هوازن كانوا قومًا رماة فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس فلقد رأيت رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء وهو يقول: \"أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب\" (^٤).\nقلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة إنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه وهو مع هذا على بغلة وليست سريعة الجري ولا تصلح لفرٍّ ولا لِكرِّ ولا لهرب، وهو مع هذا أيضًا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، وما هذا كله إلا ثقة بالله وتوكلًا عليه وعلمًا منه بأنه سينصره ويتم ما أرسله به ويظهر دينه على سائر الأديان، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: طمأنينته وثباته على رسوله ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين معه ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ وهم الملائكة كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: [حدثنا القاسم] (^٥) حدثني الحسن بن عرفة قال: حدثني المعتمر بن سليمان، عن عوف هو: ابن أبي جميلة الأعرابي قال: سمعت عبد الرحمن مولى ابن برثن، حدثني رجل كان مع المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين لم يقوموا لنا حلب شاة (^٦)، قال: فلمَّا كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله ﷺ قال: فتلقَّانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا فكانت إياها (^٧).\n_________\n(^١) أي ميدان المعركة.\n(^٢) أي اشتعلت الحرب وقامت المعركة.\n(^٣) سنده حسن ويشهد له سابق ولاحقه وقد ورد نحوه في سيرة ابن هشام (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٤).\n(^٤) صحيح البخاري، الجهاد، باب من قاد دابة غيره في الحرب (ح ٢٨٦٤)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب في غزوة حنين (ح ١٧٧٦).\n(^٥) سقط من الأصل واستدرك من نسخة (مح) وتفسير الطبري.\n(^٦) كناية عن قلة الوقت.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه مسدد من طريق عوف به بلفظ: فقال:\"شاهت الوجوه\"، (المطالب =","vol":"4","page":268},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني محمد بن أحمد بن بالويه، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحارث بن حصيرة، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال ابن مسعود ﵁: كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فولَّى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلًا من المهاجرين والأنصار قدمنا ولم نولِّهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة قال: ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء يمضي قدمًا، فحادت بغلته فمال عن السرج فقلت: ارتفع رفعك الله. قال: \"ناولني كفًّا من التراب\" فناولته قال: فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابًا قال: \"أين المهاجرون والأنصار؟ \" قلت: هم هناك قال: \"اهتف بهم\" فهتفت بهم فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب وولَّى المشركون أدبارهم (^١). ورواه الإمام أحمد في مسنده عن عفان به نحوه (^٢).\nوقال الوليد بن مسلم: حدثني عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين قد عَرِيَ (^٣) ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما فقلت: اليوم أدرك ثأري منه قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائمًا عليه درع بيضاء كأنها فضة يكشف عنها العجاج فقلت: عمه ولن يخذله قال: فجئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقلت: ابن عمه ولن يخذله فجئته من خلفه فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف إذ رفع لي شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق فخفت أن تمحشني (^٤)، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، فالتفت رسول الله ﷺ وقال: \"يا شيبة يا شيبة ادن مني، اللَّهم أذهب عنه الشيطان\" قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحبُّ إليَّ من سمعي وبصري فقال: \"يا شيبة قاتل الكفار\" رواه البيهقي من حديث الوليد … فذكره (^٥).\nثم روي من حديث أيوب بن جابر، عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن شيبة، عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم حنين والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به ولكنني أبيت (^٦) أن تظهر هوازن على قريش فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إني أرى خيلًا بلقًا فقال: \"يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر\" فضرب بيده على صدري ثم قال: \"اللهم اهد شيبة\" ثم ضربها الثانية ثم قال: \"اللهم اهد شيبة\" ثم ضربها الثالثة ثم قال: \"اللهم اهد شيبة\" قال: فوالله ما رفع يده عن\n_________\n= العالية ٤/ ٤٢٤ ح ٤٣١٢)، هذا هو الثابت عن النبي ﷺ كما تقدم، أما أنهم قالوا ذلك فمخالف لما في الصحيح.\n(^١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ١٤٢)، وفي سنده ضعف كما سيأتي تفصيله في رواية الإمام أحمد، ولبعضه شواهد تقدمت.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد عن عفان به نحوه (المسند ٧/ ٣٥٤ ح ٤٣٣٦)، قال محققوه: إسناد ضعيف، عبد الرحمن والد القاسم -وهو ابن عبد الله بن مسعود- يترجح عدم سماعه هذا الخبر من أبيه.\n(^٣) أي أبغض عنه الناس.\n(^٤) أي تحرقني.\n(^٥) أخرجه البيهقي من طريق هشام بن خالد عن الوليد بن مسلم به ثم قال: قد مضى له شاهد عن مغازي محمد بن إسحاق بن يسار (دلائل النبوة ٥/ ١٤٥)، وفي سنده أبو بكر الهذلي ضعيف كما في التقريب.\n(^٦) كذا في النسخ الخطية، وفي دلائل النبوة: أنفت، وهو أفصح.","vol":"4","page":269},{"text":"صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إليّ منه وذكر تمام الحديث في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله ﷺ حتى هزم الله تعالى المشركين (^١).\nقال محمد بن إسحاق: حدثني والدي إسحاق بن يسار عمن حدثه، عن جبير بن مطعم ﵁ قال: إنَّا لَمعَ رسول الله ﷺ يوم حنين، والناس يقتتلون إذ نظرت إلى مثل البجاد (^٢) الأسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي فلم يكن إلا هزيمة القوم فما كنا نشك أنها الملائكة (^٣).\nوقال سعيد بن السائب بن يسار، عن أبيه قال: سمعت يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حنينًا مع المشركين ثم أسلم بعد، فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا (^٤).\nوقد تقدم له شاهد من حديث يزيد بن أبي أسيد، فالله أعلم.\nوفي صحيح مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همَّام قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"نُصرت بالرعبِ وأُوتيت جوامع الكلم\" (^٥). ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾.\n\n<span id=\"aya-1262\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ قد تاب الله على بقية هوازن فأسلموا وقدموا عليه مسلمين ولحقوه وقد قارب مكة عند الجعرانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يومًا فعند ذلك خيرهم بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم وكانوا ستة آلاف أسير ما بين صبي وامرأة، فردَّه عليهم، وقسم الأموال بين الغانمين، ونفَّل أناسًا من الطلقاء لكي يتألف قلوبهم على الإسلام فأعطاهم مائة من الإبل، وكان من جملة من أعطى مائة مالك بن عوف النّصْري واستعمله على قومه كما كان فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:\nما إن رأيت ولا سمعت بمثله … في الناس كُلِّهم بمثل محمد\nأوفى وأعطى للجزيل إذا احتدّى … [ومتى] (^٦) تشأ يُخبرك عما في غد\nوإذا الكتيبة عردّت أنيابها … بالسَّمهري وضرب كل مهند\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي من طريق محمد بن بكير الحضرمي عن أيوب بن جابر به (دلائل النبوة ٥/ ١٤٦).\n(^٢) البجاد أي: الكساء.\n(^٣) أخرجه البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق به (دلائل النبوة ٥/ ١٤٦) وسنده ضعيف لإبهام شيخ إسحاق بن يسار. وذكره ابن هشام في السيرة (٤/ ٦٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (التاريخ الكبير ٨/ ٣١٦)، والطبري كلاهما من طريق معن بن عيسى عن سعيد بن السائب به، وأخرجه الطبراني من طريق سعيد بن السائب به (المعجم الكبير ٢٢/ ٢٣٧ ح ٦٢٢) قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات (المجمع ٦/ ١٨٢)، وكذا أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٥/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(^٥) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، بدون ذكر باب (ح ٥٢٣).\n(^٦) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وفي الأصل: \"وما\".","vol":"4","page":270},{"text":"فكأنه ليث على أشباله وسط … [الهباءة] (^١) خادر في مرصد (^٢)\n\n<span id=\"aya-1263\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾.\nأمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين الذين هم نجس دينًا عن المسجد الحرام وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسع، ولهذا بعث رسول الله ﷺ عليًا صحبة أبي بكر ﵄ عامئذٍ وأمره أن ينادي في المشركين: أن لا يحجَّ بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. فأتمَّ الله ذلك وحكم به شرعًا وقدرًا.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ إلا أن يكون عبدًا أو أحدًا من أهل الذمة (^٣).\nوقد روي مرفوعًا من وجه آخر فقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا شريك، عن الأشعث يعني: ابن سوار، عن الحسن، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم\" (^٤) تفرد به الإمام أحمد مرفوعًا والموقوف أصح إسنادًا.\nوقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي، كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين وأتبع نهيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (^٥).\nوقال عطاء: الحرم كلُّه مسجد لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (^٦).\nودلَّت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما ورد في الصحيح: \"المؤمن لا ينجس\" (^٧) وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات لأن الله تعالى أحلَّ طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم.\n_________\n(^١) كذا في دلائل النبوة، وفي الأصل صحفت إلى: \"المساة\"، وفي (عم): \"المياه\"، وفي (حم): \"المناه\"، وفي (مح): \"الماه\".\n(^٢) أخرجه البيهقى من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو وجزة عن عثمان ﵁ بنحوه وأطول (دلائل النبوة ٥/ ١٩٨ - ١٩٩)، وأورده ابن هشام في السيرة ٤/ ١٠٦.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣/ ٣٨٧ ح ١٥٢٢١)، وضعفه محققوه، ولهذا قال الحافظ ابن كثير: والموقوف أصح إسنادًا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٦/ ٥١٢) والطبري والبيهقي (السنن الكبرى ١٠/ ١٠٣) من طرق يقوي بعضها بعضًا.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ٩٩٨٠)، والنحاس (الناسخ والمنسوخ ص ٤٢٨)، كلاهما من طريق ابن جريج عن عطاء، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الغسل، باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس ح ٢٨٣).","vol":"4","page":271},{"text":"وقال أشعث عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ (^١). رواه ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال محمد بن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا لتقطعنَّ عنا الأسواق ولتهلكنَّ التجارة وليذهبنَّ عنَّا ما كنا نصيب فيها من المرافق، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من وجه غير ذلك ﴿إِنْ شَاءَ﴾ إلى [قوله] (^٢): ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق، فعوضهم الله مما قطع أمر الشرك ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب من الجزية (^٣).\nوهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم (^٤) ﴿إِنْ شَاءَ عَلِيمٌ﴾ أي: بما يصلحكم ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: فيما يأمر به وينهى عنه، لأنه الكامل في أفعاله وأقواله العادل في خلقه وأمره ﵎، ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمَّة.\n\n<span id=\"aya-1264\"></span>وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد ﷺ لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل ولا بما جاؤوا به، وإنما يتَّبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه لا لأنه شرع الله ودينه، لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانًا صحيحًا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ؛ لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه، فلما جاء وكفروا به وهو أشرف الرسل علم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند الله. بل لحظوظهم وأهوائهم فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء، وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم، ولهذا قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.\nوهذه الآية الكريمة أول الأمر بقتال أهل الكتاب بعدما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجًا واستقامت جزيرة العرب أمر الله ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع ولهذا تجهز رسول الله ﷺ لقتال الروم، ودعا الناس إلى ذلك وأظهره لهم وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم فأوعبوا معه، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفًا، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٨/ ٤٣٣) والطبري كلاهما من طريق أشعث عن الحسن. وسنده ضعيف لضعف أشعث وهو ابن سوار.\n(^٢) كذا في (حم) و(عم) و(مح) وفي الأصل صحفت إلى: \"غيره\".\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وأورده ابن هشام في السيرة ٢/ ٥٤٧، وتشهد له ما صح من الآثار التالية.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسندين ضعيفين من طريق واقد مولى زيد بن خليدة ويتقوى بسابقه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة، وقول الضحاك أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.","vol":"4","page":272},{"text":"وكان ذلك في عام جدب ووقت قيظ وحر، وخرج رسول الله ﷺ يريد الشام لقتال الروم، فبلغ تبوك فنزل بها وأقام بها قريبًا من عشرين يومًا، ثم استخار الله في الرجوع فرجع عامه ذلك لضيق الحال وضعف الناس كما سيأتي بيانه بعد إن شاء الله تعالى (^١).\nوقد استدل بهذه الآية الكريمة من يرى أنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب أو من أشبههم كالمجوس كما صح فيهم الحديث أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر. وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه.\nوقال أبو حنيفة ﵀: بل تؤخذ من جميع الأعاجم سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين ولا تؤخذ من العرب إلا من أهل الكتاب.\nوقال الإمام مالك: بل يجوز أن تضرب الجزية على جميع الكفار من كتابي ومجوسي ووثني وغير ذلك، ولمأخذ هذه المذاهب وذكر أدلتها مكان غير هذا والله أعلم.\nوقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَة﴾ أي: إن لم يسلموا ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن قهر لهم وغلبة ﴿وَهُمْ صَاغِرُون﴾ أي: ذليلون حقيرون مهانون، فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"لا تبدئوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه\" (^٢). ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم، وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ من رواية عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: كتبت لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالح نصارى من أهل الشام:\nبسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرْطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة ولا قلاية (^٣) ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب منها، ولا نحيي منها ما كان خططًا للمسلمين، وألا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل وأن ننزل من مرَّ بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسًا، ولا نكتم غشًا للمسلمين ولا نعلِّم أولادنا القرآن، ولا نُظهر شركًا، ولا ندعو إليه أحدًا، ولا نمنع أحدًا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه، وأن نوقر المسلمين، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، لا نركب السروج ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا العربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقاديم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وأن لا نُظهر الصليب على\n_________\n(^١) ذكر البيهقي شيئًا من قصة رجوع النبي ﷺ من تبوك بدون قتال (دلائل النبوة ٥/ ٢٥٤ - ٢٥٥).\n(^٢) صحيح مسلم، السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (ح ٢١٦٧).\n(^٣) أي بيت من بيوت العبادة عندهم.","vol":"4","page":273},{"text":"كنائسنا، وأن لا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيفًا، وأن لا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نخرج شعانين (^١) ولا باعوثًا (^٢)، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم.\nقال: فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه: ولا نضرب أحدًا من المسلمين شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملِّتنا وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم ووظفنا (^٣) على أنفسنا فلا ذِمَّة لنا، وقد حلَّ لكم مِنَّا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق (^٤).\n\n<span id=\"aya-1265\"></span>﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾.\nوهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال الكفار من اليهود والنصارى لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة والفرية على الله تعالى، فأما اليهود فقالوا في العزير: إنه ابن الله! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوذكر السدي وغيره أن الشبهة التي حصلت لهم في ذلك أن العمالقة لما غلبت على بني إسرائيل، فقتلوا علماءهم وسبوا كبارهم بقي العزير يبكي على بني إسرائيل وذهاب العلم منهم حتى سقطت جفون عينيه، فبينما هو ذات يوم إذ مرَّ على جبانة (^٥) وإذا امرأة تبكي عند قبر وهي تقول: وامطعماه واكاسياه. فقال لها: ويحك من كان يطعمك قبل هذا؟ قالت: الله. قال: فإن الله حي لا يموت، قالت: يا عُزير فمن كان يعلِّم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلم تبكي\n_________\n(^١) الشعان: المنتفش الشعر، الثائر الرأس.\n(^٢) الباعوث للنصارى كالاستسقاء للمسلمين (النهاية ١/ ١٣٩).\n(^٣) أي ألزمنا أنفسنا.\n(^٤) أخرجه الحافظ ابن كثير بسنده عن شيخه الحافظ المزي بسنده عن عبد الرحمن بن غُنم بطوله ونحوه (مسند الفاروق ٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، وفي سنده يحيى بن عقبة بن أبي العيزار: وهو كذاب (ميزان الاعتدال ٤/ ٣٦٧ والمجروحين لابن حبان ٣/ ١١٧ والضعفاء الكبير للعقيلي ٤/ ٤٢١)، وذكر ابن كثير أن البيهقي أخرجه من يحيى بن عقبة أيضًا، كما ذكر أن الحافظ عبد الله بن أحمد بن زبر قاضي دمشق قد رواه في جزء جمعه في الشروط العمرية من طريق يحيى بن عقبة أيضًا، ثم رواه من طريق آخر عن محمد بن حمير (مسند الفارق ٢/ ٤٩٠)، ومحمد بن حمير مجهول وروى خبرًا منكرًا (لسان الميزان ٥/ ١٥٠)، وأخرجه ابن زبر بإسناد آخر فيه إبهام بعض شيوخه، ثم أخرجه من طريق بقية بن الوليد عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب، وهؤلاء ثلاثتهم فيهم مقال وقد عنعن بقية، ثم ختم الحافظ ابن كثير بقوله: فهذه طرق يشد بعضها بعضًا (المصدر السابق ٢/ ٤٩١)، وفيه نظر فإنها غير قوية، وخصوصًا أن المتن فيه تشديد في بعض بنود هذا الكتاب.\n(^٥) أي الصحراء التي فيها القبور.","vol":"4","page":274},{"text":"عليهم؟ فعرف أنه شيء قد وعظ به، ثم قيل له: اذهب إلى نهر كذا فاغتسل منه وصلِّ هناك ركعتين، فإنك ستلقى هناك شيخًا فما أطعمك فكله، فذهب ففعل ما أمر به، فإذا الشيخ فقال له: افتح فمك ففتح فمه، فألقى فيه شيئًا كهيئة الجمرة العظيمة ثلاث مرات، فرجع عُزير وهو من أعلم الناس بالتوراة فقال: يا بني إسرائيل قد جئتكم بالتوراة. فقالوا: يا عُزير ما كنت كذابًا، فعمد فربط على أصبع من أصابعه قلمًا وكتب التوراة بأصبعه كلها، فلما تراجع الناس من عدوهم ورجع العلماء أخبروا بشأن عُزير، فاستخرجوا النسخ التي كانوا أودعوها في الجبال وقابلوها بها، فوجدوا ما جاء به صحيحًا فقال بعض جهلتهم: إنما صنع هذا لأنه ابن الله! (^١).\nوأما ضلال النصارى في المسيح فظاهر، ولهذا كذَّب الله سبحانه الطائفتين فقال: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: لا مستند لهم فيما ادعوه سوى افترائهم واختلاقهم ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ أي: يشابهون ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلهم من الأمم ضلوا كما ضل هؤلاء ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾.\nقال ابن عباس: لعنهم الله ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف يضلون عن الحق وهو ظاهر ويعدلون إلى الباطل؟\n\n<span id=\"aya-1266\"></span>وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عَدي بن حاتم ﵁ أنه لما بلغته دعوة رسول الله ﷺ فرَّ إلى الشام، وكان قد تنصَّر في الجاهلية، فأُسرت أُخته وجماعة من قومه، ثم منَّ رسول الله ﷺ على أُخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله ﷺ، فقدم عَدي إلى المدينة، وكان رئيسًا في قومه طيء وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه فدخل على رسول الله ﷺ وفي عنق عَدي صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: \"بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلَّوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم\" وقال رسول الله ﷺ: \"يا عَدي ما تقول؟ أيفرِّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ ما يفرّك؟ أيفرّك أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم إلهًا غير الله؟ \" ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق. قال: فلقد رأيت وجهه استبشر ثم قال: \"إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون\" (^٢) وهكذا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وهذه الرواية من الإسرائيليات الغريبة والخزعبلات العجيبة.\n(^٢) أخرجه الترمذي من طريق غُطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم مقتصرًا على ذكر طرح الصليب وقراءة الآية. وقوله: أما أنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه. ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغُطيف ليس بمعروف في الحديث (السنن، تفسير القرآن، باب من سورة التوبة ح ٣٠٩٥)، وسنده ضعيف بسبب غُطيف إذ ضعفه الدارقطني والحافظ ابن حجر (ميزان الاعتدال ٢/ ١٠٦ والتقريب) ولم أجده في المسند وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم والطبراني (المعجم الكبير ١٧/ ٩٢ ح ٢١٨ والبيهقي (السنن الكبرى ١٠/ ١١٦) كلهم من طريق غُطيف به، ولآخره في ذكر اليهود والنصارى شاهد تقدم في آخر سورة الفاتحة. وحسن شيخ الإسلام ابن تيمية رواية الترمذي المختصرة (الإيمان ص ٦٤)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٧١)، ولكنه لا يرقى كله إلى الحسن إلا آخره بالشواهد.","vol":"4","page":275},{"text":"قال حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إنهم اتبعوهم فيما حلَّلوا وحرَّموا (^١).\nوقال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: الذي إذا حرَّم الشيء فهو الحرام، وما حلّله فهو الحلال، وما شرعه اتبع وما حكم به نفذ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو ولا ربَّ سواه.\n\n<span id=\"aya-1267\"></span>﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾.\nيقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب ﴿أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ أي: ما بعث به رسول الله ﷺ من الهدى ودين الحق بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفيء شعاع الشمس أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل به رسول الله ﷺ لابدّ أن يتم ويظهر، ولهذا قال تعالى مقابلًا لهم فيما راموه وأرادوه: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ والكافر هو الذي يستر الشيء ويغطيه ومنه سمي الليل كافرًا؛ لأنه يستر الأشياء، والزارع كافرًا لأنه يغطي الحب في الأرض كما قال ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠].\n\n<span id=\"aya-1268\"></span>ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ فالهدى هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع، ودين الحق هي الأعمال الصالحة الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة.\n﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: على سائر الأديان كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن الله زوى (^٢) ليَّ الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن أبي يعقوب، سمعت شقيق بن حيان يحدث عن مسعود بن قبيصة أو قبيصة بن مسعود يقول: صلَّى هذا الحي من محارب الصبح، فلما صلَّوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار إلا من اتقى الله وأدَّى الأمانة\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا سليم بن عامر، عن تميم الداريّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا\n_________\n(^١) قول حذيفة أخرجه عبد الرزاق والثوري والطبري وابن أبي حاتم كلهم من طريق أبي البختري عنه، وسنده منقطع لأن أبا البختري -واسمه فيروز- لم يسمع من حذيفة، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه.\n(^٢) زوى أي: جمع.\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث ثوبان ﵁ (الصحيح، الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض ح ٢٨٨٩).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ١٩٤ ح ٢٣١٠٩)، وضعف سنده محققوه لجهالة شقيق بن حيان ومسعود بن قبيصة.","vol":"4","page":276},{"text":"يترك الله بيت مدر ولا وبر (^١) إلا أدخله هذا الدين يعزُّ عزيزًا ويذلُّ ذليلًا، عزًّا يعز الله به الإسلام وذلًا يذل الله به الكفر\" فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان كافرًا منهم الذلُّ والصغار والجزية (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني ابن جابر، سمعت سليم بن عامر قال: سمعت المقداد بن الأسود يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام بعزِّ عزيزٍ، وبذلِّ ذليلٍ، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم فيدينون لها\" (^٣).\nوفي المسند أيضًا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن [ابن حذيفة] (^٤)، عن عَدي بن حاتم سمعه يقول: دخلت على رسول الله ﷺ فقال: \"يا عَدي أسلم تسلم\" فقلت إني من أهل دين قال: \"أنا أعلم بدينك منك\" فقلت أنت أعلم بديني مني؟ قال: \"نعم ألست من الركوسيّة (^٥) وأنت تأكل مرباع (^٦) قومك؟ \" قلت: بلى! قال: \"فإن هذا لا يحل لك في دينك\" قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها، قال: \"أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ \" قلت: لم أرَها وقد سمعت بها، قال: \"فوالذي نفسي بيده ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحنَّ كنوز كسرى بن هرمز\" قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: \"نعم كسرى بن هرمز، وليبذلنَّ المال حتى لا يقبله أحد\" قال عَدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكوننَّ الثالثة؛ لأن رسول الله ﷺ قد قالها (^٧).\nوقال مسلم: حدثنا أبو معن زيد بن يزيد الرقاشي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا\n_________\n(^١) بيت مدر أي المبني، والوبر خيم الوبر لأنها تنسج من وبر الإبل والمراد بذلك أهل البوادي والمدن والقرى (ينظر النهاية ٥/ ١٤٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٣)، وأخرجه الحاكم من طريق صفوان بن عمرو به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٤٣٠)، وكذا أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢/ ٥٨ ح ١٢٨٠)، وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ١٤)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٣).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/ ٢٣٦ ح ٢٣٨١٤) وصححه محققوه، وأخرجه الحاكم من طريق ابن جابر به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٤٣٠)، وكذا أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢٠/ ٣٥٤ ح ٦٠١)، قال الهيثمي: ورجال الطبراني رجال الصحيح (المجمع ٦/ ١٤).\n(^٤) كذا في (عم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: و(حم) وفي كل الطبعات صحفت إلى أبي حذيفة.\n(^٥) الركوسية: هو دين بين النصارى والصابئة (النهاية ٢/ ٢٥٩).\n(^٦) المرباع: ربع الغنيمة (النهاية ٢/ ١٨٦).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه مطولًا (المسند ٣٢/ ١١٩ - ١٢٠ ح ١٩٣٧٨) وحسن سنده محققوه وأن بعضه صحيح. وهو كما قالوا فإن البخاري أخرج بعضه عن عَدي (الصحيح، المناقب، باب علامات النبوة ح ٣٥٩٥)، وأخرجه الحاكم من طريق ابن سيرين عن أبي عبيدة -وهو ابن حذيفة- به نحوه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٥١٨).","vol":"4","page":277},{"text":"عبد الحميد بن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللّات والعزى\" فقلت: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الآية، أن ذلك تام (^١)، قال: \"إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ﷿، ثم يبعث الله ريحًا طيبة، فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-1269\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾.\nقال السدي: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى (^٣). وهو كما قال فإن الأحبار هم علماء اليهود كما قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]. والرهبان عباد النصارى والقسيسون علماؤهم كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢].\nوالمقصود التحذير من علماء السوء وعباد الضلال كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان في شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى (^٤).\nوفي الحديث الصحيح: \"لتركبنَّ سَنن من كان قبلكم حذو القذَّة بالقذَّة (^٥) \" قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: \"فمن؟ \" وفي رواية: فارس والروم، قال: \"فمَن الناس إلا هؤلاء؟ \" (^٦).\nوالحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس يأكلون أموالهم بذلك كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف ولهم عندهم خَرج وهدايا وضرائب تجيء إليهم، فلما بعث الله رسوله ﷺ استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم طمعًا منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات، فأطفأها الله بنور النبوة وسلبهم إياها وعوضهم الذلَّ والصَغَار وباءوا بغضب من الله تعالى.\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والنسخ المطبوعة، وفي صحيح مسلم: تامًا.\n(^٢) أخرجه مسلم بسنده ومتنه مع الفرق السابق (الصحيح، الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة ح ٢٩٠٧).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) لم أجده.\n(^٥) القُذَة: ريش السهم واحدتها قُذَّة، ومعنى حذو القذَّة بالقذَّة أي كما تقدَّر كل واحدة منهما على قدر صاحبتها وتُقطع، يضرب مثلًا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان (النهاية ٤/ ٢٨).\n(^٦) أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري بمعناه (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ح ٣٤٥٦ وصحيح مسلم، العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى ح ٢٦٦٩).","vol":"4","page":278},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس عن اتباع الحق، ويلبسون الحق بالباطل، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعونه إلى الخير وليسوا كما يزعمون، بل هم دعاة إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هؤلاء هم القسم الثالث من رؤوس الناس فإن الناس عالة على العلماء وعلى العباد وعلى أرباب الأموال، فإذا فسدت أحوال هؤلاء فسدت أحوال الناس كما قال بعضهم:\nوهل أفسد الدين إلا الملوك … وأحبار سوء ورهبانها\nوأما الكنز: فقال مالك عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر هو: المال الذي لا يؤدى زكاته (^١)، وروى الثوري وغيره عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: ما أُدّي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين وما كان ظاهرًا لا تؤدى زكاته فهو كنز (^٢)، وقد روي هذا عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة موقوفًا ومرفوعًا (^٣)، وقال عمر بن الخطاب نحوه: أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض (^٤). وروى البخاري من حديث الزهري عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر فقال: هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله طهرة للأموال (^٥)، وكذا قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك نسخها قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة﴾ [التوبة: ١٠٣] (^٦).\n[وقال سعيد عن محمد بن زياد] (^٧)، عن أبي أُمامة أنه قال: حلية السيوف من الكنز. ما أحدثكم إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ (^٨).\nوقال الثوري، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي ﵁ قال:\n_________\n(^١) أخرجه الإمام مالك بسنده ونحوه (الموطأ، الزكاة، باب ما جاء في الكنز ١/ ٢٥٦ ح ٢١) وسنده صحيح وأخرجه البخاري من طريق خالد بن أسلم عن ابن عمر بمعناه (الصحيح، الزكاة، باب من أدى زكاته فليس بكنز ح ١٤٠٤).\n(^٢) سنده صحيح ويتقوى بسابقه.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه موقوفًا، وقول جابر أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حجاج عن أبي الزبير عنه موقوفًا (المصنف ٣/ ١٥٠)، ويشهد له قول ابن عباس وابن عمر، وأخرجه الخطيب البغدادي من طريق خُصيف عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا (تاريخ بغداد ٨/ ١٢)، وسنده ضعيف بسبب خُصيف وهو صدوق سئ الحفظ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن أبي سعيد عن عمر بنحوه (المصنف ٣/ ١٥٠) ويشهد له قول ابنه وابن عباس.\n(^٥) صحيح البخاري، الزكاة، باب من أدى زكاته فليس بكنز (ح ١٤٠٤).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن زياد عن راشد بن مسلم عن عراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز، وفي سنده عبد الرحمن بن زياد ضعيف ويتقوى بسابقه.\n(^٧) كذا في (مح) و(عم) وفي الأصل صحفت إلى: \"وقال سعيد بن محمد بن زياد\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بقية عن محمد بن زياد عن أبي أمامة، وكذا الطبراني من طريق بقية به (المعجم الكبير ٧٥٣٨)، قال الهيثمي فيه بقية وهو ثقة لكنه مدلس ولم يصرح بالسماع (المجمع ٣/ ٦٧).","vol":"4","page":279},{"text":"أربعة آلاف فما دونها نفقة فما كان أكثر من ذلك فهو كنز (^١). وهذا غريب. وقد جاء في مدح التقلل من الذهب والفضة وذم التكثر منهما أحاديث كثيرة. ولنورد منها هنا طرفًا يدل على الباقي قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، أخبرني أبو حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي ﵁ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية. قال النبي: \"تبًا للذهب تبَّا للفضة\" يقولها ثلاثًا قال: فشقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال عمر ﵁ أنا أعلم لكم ذلك فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شقَّ عليهم وقالوا: فأي المال نتخذ قال: \"لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجة تعين أحدكم على دينه\" (^٢).\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني سالم بن عبد الله، أخبرنا عبد الله بن أبي الهذيل، حدثني صاحب لي أن رسول الله ﷺ قال: \"تبًا للذهب والفضة\". قال: وحدثني صاحبي أنه انطلق مع عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله قولك: \"تبًا للذهب والفضة\" ماذا ندخر؟ قال رسول الله ﷺ: \"لسانًا ذاكرًا وقلبًا شاكرًا وزوجة تعين على الآخرة\" (^٣).\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الله بن عمرو بن مرة، عن أبيه، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: لما نزل في الذهب والفضة ما نزل قالوا: فأي المال نتخذ؟ قال عمر: فأنا أعلم لكم ذلك فأوضع على بعير (^٤) فأدركه وأنا في أثره فقال: يا رسول الله أي المال نتخذ؟ قال: \"قلبًا شاكرًا ولسانًا ذاكرًا وزوجة تعين أحدكم على أمر الآخرة\" (^٥). ورواه الترمذي وابن ماجه من غير وجه عن سالم بن أبي الجعد وقال الترمذي حسن، وحكي عن البخاري أن سالمًا لم يسمعه من ثوبان (^٦) قلت: ولهذا رواه بعضهم عنه مرسلًا، والله أعلم.\n(حديث آخر): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حميد بن مالك، حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي، حدثنا أبي، حدثنا غيلان بن جامع المحاربي، عن عثمان أبي اليقظان، عن جعفر بن أبي إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري به، وسنده صحيح.\n(^٢) ذكره الزيلعي وعزاه إلى عبد الرزاق في تفسيره ثم ضعفه لما في المتن من الاضطراب (تخريج أحاديث الكشاف ٢/ ٧١). اهـ. وأظنه مكررًا وملفقًا من سند الرواية السابقة ومتن الرواية اللاحقة. بدليل أن عبد الرزاق والطبري أخرجا الروايتين السابقة واللاحقة دون الرواية الوسطى الملفقة، وكذلك حصل الاضطراب في السند فإن السند الأول لا يوجد فيه عمر بينما الرواية الملفقة المكررة دخل فيها اسم عمر من سند الرواية اللاحقة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ١٨٩ ح ٢٣١٠١)، وقال محققوه: حسن لغيره. اهـ. وذلك بالشواهد.\n(^٤) أي أسرع عليه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ٣٧/ ١١٠ ح ٢٢٤٣٧)، قال محققوه: حسن لغيره. اهـ. ويتقوى بسابقه.\n(^٦) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة (ح ٣٠٩٤)، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب أفضل النساء (ح ١٨٥٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٥٠٥).","vol":"4","page":280},{"text":"وَالْفِضَّةَ﴾ الآية، كَبُر ذلك على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحد منا أن يترك لولده مالًا يبقى بعده. فقال عمر: أنا أفرج عنكم فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إنه قد كَبُر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ: \"إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم\" قال: فكبَّر عمر، ثم قال له النبي ﷺ: \"ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته\" (^١).\nورواه أبو داود والحاكم في مستدركه وابن مردويه من حديث يحيى بن يعلى به، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه (^٢).\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس ﵁ في سفر فنزل منزلًا فقال لغلامه: ائتنا بالشفرة (^٣) نعبث بها فأنكرت عليه فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمُّها غير كلمتي هذه فلا تحفظوها عليَّ، واحفظوا ما أقول لكم سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-1270\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ أي: يقال لهم هذا الكلام تبكيتًا وتقريعًا وتهكمًا كما في قوله: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان] أي: هذا بذاك وهذا الذي كنتم تكنزون لأنفسكم، ولهذا يقال من أحب شيئًا وقدمه على طاعة الله عُذِّب به، وهؤلاء لما كان جمع هذه الأموال آثر عندهم من رضا الله عنهم عُذِّبوا بها كما كان أبو لهب -لعنه الله- جاهدًا في عداوة رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن أبا اليقظان عثمان البجلي الكوفي الأعمى ضعيف اختلط وكان يدلس ويغلوا في التشيع كما في التقريب.\n(^٢) سنن أبي داود، الزكاة، باب في حقوق المال (ح ١٦٦٤)، والمستدرك ٢/ ٣٣٣ وصححه الحاكم وقد استدرك الذهبي عليه بقوله: عثمان لا أعرفه والخبر عجيب.\n(^٣) كذا في النسخ الخطية وجامع المسانيد ٤/ ١٨٧ ح ٥١٠٧، وفي المسند: بالسُفرة. والسفرة قال ابن الأثير: السفرة: طعام يتخذه المسافر، وأكثر ما يحمل في جلد مستدير فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسُمي به (النهاية ٢/ ٣٧٣)، أما لفظ الشفرة فيحتمل السكين العريضة، ونقل محققو طبعة الشعب عن اللسان أن الشفرة والشفيرة التي تقنع من النكاح بأيسره. وأراه بعيدًا عن مقام الصحابي، وفي كل الحالات أن هذا اللفظ لم يثبت بسند متصل صحيح كما يلي.\n(^٤) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ٢٨/ ٣٣٨ ح ١٧١١٤)، قال الحافظ ابن كثير: وعندي في سماع حسان منه نظر (جامع المسانيد ٤/ ١٨٧)، وقال محققو المسند حسن بطرقه، حسان بن عطية لم يدرك شداد بن أوس، وقد أخرجه الطبراني بسند متصل من طريق حسان بن عطية عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم عن شداد به ولكن ليس فيه قصة الشفرة أو السفرة، وأخشى أن تكون مقحمة، فإن سندها منقطع لم يصح (المعجم الكبير ٧/ ٣٤٥ ح ٧١٥٧).","vol":"4","page":281},{"text":"وامرأته تعينه في ذلك كانت يوم القيامة عونًا على عذابه أيضًا ﴿فِي جِيدِهَا﴾ أي عنقها ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] أي: تجمع من الحطب في النار وتلقي عليه ليكون، ذلك أبلغ في عذابه ممن هو أشفق عليه في الدنيا كما أن هذه الأموال لما كانت أعزَّ الأشياء على أربابها كانت أضرَّ الأشياء عليهم في الدار الآخرة، فيُحمى عليها في نار جهنم وناهيك بحرها فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم.\nقال سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره لا يكوى عبد يكنز فيمس دينار دينارًا ولا درهم درهمًا، ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على حدته (^١)، وقد رواه ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعًا ولا يصح رفعه والله أعلم.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: بلغني أن الكنز يتحول يوم القيامة شجاعًا يتبع صاحبه وهو يفرُّ منه ويقول: أنا كنزك لا يدرك منه شيئًا إلا أخذه (^٢).\nوقال الإمام أبو جعفر ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"من ترك بعده كنزًا مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يتبعه ويقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك ولا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها ثم يتبعها سائر جسده\" (^٣). ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث يزيد عن سعيد به وأصل هذا الحديث في الصحيحين من رواية أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁.\nوفي صحيح مسلم من حديث سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار … \" (^٤) وذكر تمام الحديث.\nوقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن حصين، عن زيد بن وهب قال: مررت على أبي ذرِّ بالربذة فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال: كنا بالشام فقرأت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فقال معاوية: ما هذه إلا في أهل الكتاب، قال: قلت: إنها لفينا وفيهم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه سفيان الثوري في تفسيره بسنده بنحوه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل، ويشهد له الحديث الآتي الصحيح عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن خزيمة (الصحيح ح ٢٢٥٥)، وابن حبان (الإحسان ح ٨٠٣) كلاهما من طريق بشر به، ويشهد له الحديث المتفق عليه التالي.\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير باب ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ …﴾ [التوبة: ١٢] (ح ٤٦٥٩) وصحيح مسلم، الزكاة، باب أثم مانع الزكاة (ح ٩٨٧).\n(^٥) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ٤٦٦٠).","vol":"4","page":282},{"text":"ورواه ابن جرير من حديث [عبثر بن القاسم] (^١) عن حصين، عن زيد بن وهب، عن أبي ذرٍّ ﵁ .. فذكره وزاد: فارتفع في ذلك بيني وبينه القول، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقبل إليه قال: فأقبلت إليه، فلما قدمت المدينة ركبني الناس كأنهم لم يروني قبل يومئذٍ، فشكوت ذلك إلى عثمان فقال لي: تنح قريبًا. قلت: والله لن أدع ما كنت أقول (^٢).\n(قلت): كان من مذهب أبي ذرٍّ ﵁ تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يُفتي بذلك ويحثهم عليه ويأمرهم به ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية، فلم ينته فخشي أن يضرَّ الناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان وأن يأخذه إليه فاستقدمه عثمان إلى المدينة وأنزله بالرّبذة وحده وبها مات ﵁ في خلافة عثمان.\nوقد اختبره معاوية ﵁ وهو عنده هل يوافق عمله قوله؟ فبعث إليه بألف دينار ففرقها من يومه ثم بعث إليه الذي أتاه بها فقال: إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك فأخطأت فهات الذهب، فقال: ويحك إنها خرجت ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به.\nوهكذا روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنها عامة (^٣).\nوقال السدي: هي في أهل القبلة (^٤).\nوقال الأحنف بن قيس: قدمت المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: بشر الكنازين برضف (^٥) يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا؛ قال: وأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية؛ فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم؛ فقال: إن هؤلاء لا يعلمون شيئًا (^٦).\nوفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذرٍّ: \"ما يسرني أن عندي مثل أُحد ذهبًا يمر عليّ ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا دينار أرصده لدين\" (^٧). فهذا -والله أعلم- هو الذي حدا بأبي ذرٍّ على القول بهذا.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(عم) وفي الأصل غير منقوطة وفي (مح): عبيد بن القاسم، وفي الطبري الراوي عن حصين هو: \"هشيم\".\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق هشيم عن حصين به بدون الزيادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) أي الحجارة المحماه على النار.\n(^٦) أخرجه مسلم من طريق أبي العلاء عن الأحنف بن قيس بنحوه (الصحيح، الزكاة، باب في الكنازين للأموال والتغليظ عليهم ح ٩٩٢).\n(^٧) أخرجه مسلم من طريق زيد بن وهب عن أبي ذرٍّ بلفظه وأطول (الصحيح، الزكاة، باب الترغيب في الصدقة ح ٣٢/ ٢٩٩٠).","vol":"4","page":283},{"text":"عبد الله بن الصامت ﵁ أنه كان مع أبي ذرٍّ فخرج عطاؤه ومعه جارية، فجعلت تقضي حوائجه ففضلت معها سبعة، فأمرها أن تشتري به فلوسًا قال: قلت: لو ادخرته لحاجة بيوتك وللضيف ينزل بك. قال: إن خليلي عهد إليَّ أن أيما ذهب أو فضة أُوكيء (^١) عليه، فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله ﷿ (^٢). ورواه عن يزيد، عن همام به وزاد: إفراغًا (^٣).\nوقال الحافظ ابن عساكر بسنده إلى أبي بكر الشبلي في ترجمته: عن محمد بن مهدي، حدثنا عمر بن أبي سلمة، عن صدقة بن عبد الله، عن طلحة بن زيد، عن أبي فروة الرهاوي، عن عطاء، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الق الله فقيرًا، ولا تلقه غنيًا\" قال: يا رسول الله كيف لي بذلك؟ قال: \"ما سئلت فلا تمنع، وما رزقت فلا تخبيء\" قال: يا رسول الله كيف لي بذلك؟ قال رسول الله ﷺ: \"هو ذاك وإلا فالنار\" إسناده ضعيف (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا [عُيَينة] (^٥)، عن بُريد بن أصرم قال: سمعت عليًا ﵁ يقول: مات رجل من أهل الصُّفَّة وترك دينارين أو درهمين، فقال رسول الله ﷺ: \"كيتان، صلُّوا على صاحبكم\" (^٦). وقد روي هذا من طرق أُخر.\nوقال قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أُمامة صُدي بن عجلان قال: مات رجل من أهل الصفة، فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله ﷺ: \"كية\"، ثم توفي رجل في مئزره ديناران، فقال رسول الله ﷺ: \"كيتان\" (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الفراديسي، حدثنا معاوية بن يحيى الإطرابلسي، حدثني أرطاة، حدثني أبو عامر الهوزني، سمعت ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: \"ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض (^٨) إلا جعل الله بكل قيراط (^٩) صفحة من نار يكوى بها من قدمه إلى ذقنه\" (^١٠).\n_________\n(^١) أي ربط بالوكاء وهو الخيط الذي تُشد به الصرة لحفظ المال.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٥/ ٣٠٨ ح ٢١٣٨٤) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) المسند ٥/ ١٧٥ - ١٧٦، وهذه الزيادة في آخر الحديث تفيد التأكيد. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٤٠).\n(^٤) بل سنده ضعيف جدًا لأن طلحة بن زيد متروك، وقال الإمام أحمد وعلي بن المديني وأبو داود: كان يضع. (التقريب ص ٢٨٢).\n(^٥) كذا في المسند، وفي النسخ الخطية صُحف إلى: \"عيينة\".\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٧٥ ح ٧٨٨)، وقال محققوه: حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لجهالة عُتيبة وبُريد بن أصرم، وقد ذكر الحافظ أنه روي من طرق أُخر وذكر بعضها، ولكن هذه الطرق ضعيفة.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق معمر عن قتادة به، وصحح سنده الأستاذ أحمد شاكر، ولكن سنده فيه شهر بن حوشب وفيه مقال.\n(^٨) الأحمر الذهب، والأبيض الفضة.\n(^٩) القيراط جزء من الدينار وهو نصف عُشرهِ في أكثر البلاد (النهاية ١/ ١٧٢).\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده معاوية بن يحيى وهو صدوق له أوهام ولم يُتابع، وفيه إسحاق الفراديسي فيه مقال (ينظر ميزان الاعتدال ١/ ١٧٩).","vol":"4","page":284},{"text":"وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمود بن خداش، حدثنا سيف بن محمد الثوري، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يوضع الدينار على الدينار، ولا الدرهم على الدرهم ولكن يوسع جلده، فيكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون\" سيف هذا: كذاب متروك (^١).\n\n<span id=\"aya-1271\"></span>﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾.\nقال الإِمام أحمد: حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، أخبرنا محمد بن سيرين، عن أبي بكرة أن النبي ﷺ خطب في حجته فقال: \"ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان\" ثم قال: \"أي يوم هذا؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيُسميه بغير اسمه قال: \"أليس يوم النحر؟ \" قلنا بلى ثم قال: \"أي شهر هذا؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيُسميه بغير اسمه قال: \"أليس ذا الحجة؟ \" قلنا: بلى ثم قال: \"أي بلد هذا؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيُسميه بغير اسمه قال: \"أليست البلدة؟ \" قلنا: بلى. قال: \"فإن دماءكم وأموالكم -وأحسبه قال:- وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا لا ترجعوا بعدي ضلّالًا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب فلعلَّ من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه\" (^٢) رواه البخاري في التفسير وغيره. ومسلم من حديث أيوب، عن محمد وهو ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه به (^٣).\nوقد قال ابن جرير: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا روح، حدثنا أشعث، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات -ذو القعدة وذو الحجة والمحرم- ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان\" (^٤) ورواه البزار عن محمد بن معمر به.\n_________\n(^١) سنده ضعيف جدًا بسبب سيف المذكور.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤/ ٢٣ - ٢٥ ح ٢٠٣٨٦)، وصححه محققوه، وهو متفق عليه وسيذكر الحافظ ابن كثير شرح الحديث بعد إيراد طرقه.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب \"إن عدة الشهور عند الله اثنا عثر شهرًا … \" (ح ٤٦٦٢)، وصحيح مسلم، القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (ح ١٦٧٩).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أشعث وهو ابن سوار، ومحمد بن سيرين لم يسمع أبا هريرة، ويشهد له سابقه فمتنه متفق عليه.","vol":"4","page":285},{"text":"ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، وقد رواه ابن عون وقُرَّة عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه به.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا زيد بن حباب، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، حدثني صدقة بن يسار، عن ابن عمر قال: خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق فقال: \"أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم\" (^١) وروى ابن مردويه من حديث موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مثله أو نحوه (^٢).\nوقال حماد بن سلمة: حدثني علي بن زيد، عن أبي حُرَّة الرقاشي، عن عمه وكانت له صحبة قال: كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه، فقال رسول الله ﷺ: \"ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم\" (^٣).\nوقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ قال: محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة (^٤).\nوقوله ﷺ في الحديث: \"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض\" تقرير منه صلوات الله وسلامه عليه، وتثبيت للأمر على ما جعله الله، في أول الأمر من غير تقديم ولا تأخير، ولا زيادة ولا نقص، ولا نسيء ولا تبديل كما قال في تحريم مكة: \"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة\" وهكذا قال ههنا: \"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض\" أي: الأمر اليوم شرعًا كما ابتدع الله ذلك في كتابه يوم خلق السموات والأرض.\nوقد قال بعض المفسرين والمتكلمين على هذا الحديث: إن المراد بقوله: \"قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض\" أنه اتفق أن حجَّ رسول الله ﷺ في تلك السنة في ذي الحجة، وأن العرب قد كانت نسأت النسيء يحجون في كثير من السنين بل أكثرها في غير ذي الحجة، وزعموا أن حجة الصدِّيق في سنة تسع كانت في ذي القعدة.\nوفي هذا نظر كما سنبينه إذا تكلمنا عن النسيء وأغرب منه ما رواه الطبراني عن بعض السلف في جملة حديث أنه اتفق حج المسلمين واليهود والنصارى في يوم واحد وهو يوم النحر عام حجة الوداع والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة الربذي، ويشهد له الحديث السابق المتفق عليه.\n(^٢) سنده كسابقه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٤/ ٢٩٩ - ٣٠١ ح ٢٠٦٩٥)، وقال محققوه: صحيح لغيره. أي: بالشواهد لأن علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف الكلبي ويشهد له حديث أبي بكرة المتقدم تخريجه في الصحيحين.","vol":"4","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>فصل</span>\nذكر الشيخ علم الدين السخاوي في جزء جمعه سماه: \"المشهور في أسماء الأيام والشهور\" أن المحرم سمي بذلك لكونه شهرًا محرمًا، وعندي أنه سمي بذلك تأكيدًا لتحريمه لأن العرب كانت تتقلب به فتحله عامًا وتحرمه عامًا قال: ويجمع على محرمات ومحارم ومحاريم، وصفر سمي بذلك لخلو بيوتهم منهم حين يخرجون للقتال والأسفار، يقال: صفر المكان إذا خلا، ويجمع على أصفار كجمل وأجمال، وشهر ربيع الأول سميّ بذلك لارتباعهم فيه والارتباع الإقامة في عمارة الربع ويجمع على أربعاء كنصيب وأنصباء، وعلى أربعة كرغيف وأرغفة، وربيع الآخر كالأول. جمادى سمي بذلك لجمود الماء فيه، قال: وكانت الشهور في حسابهم لا تدور، وفي هذا نظر إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة فلابدّ من دورانها فلعلهم سموه بذلك أول ما سمي عند جمود الماء في البرد، كما قال الشاعر:\nوليلة من جمادى ذات أندية … لا يُبصرُ العبد في ظلمائها الطنبا\nلا ينبحُ الكلب فيها غير واحدة … حتى يلفَّ على خُرطومه الذنبا\nويجمع على جماديات كحبارى وحباريات، وقد يُذكَّر ويؤنَّث فيقال: جمادى الأولى والأول، جمادى الآخر والآخرة. رجب من الترجيب وهو التعظيم ويجمع على أرجاب ورجاب ورجبات. شعبان من تشعب القبائل وتفرقها للغارة ويجمع على شعابين وشعبانات. رمضان من شدة الرمضاء وهو الحر يقال: رمضت الفصال إذا عطشت، ويجمع على رمضانات ورماضين وأرمضة. قال: وقول من قال إنه اسم من أسماء الله خطأ لا يعرج عليه ولا يلتفت إليه، قلت: قد ورد فيه حديث ولكنه ضعيف وبينته في أول كتاب الصيام. شوال من شالت الإِبل بأذنابها للطراق قال: ويجمع على شواول وشواويل وشوالات. القعدة بفتح القاف، قلت: وكسرها، لقعودهم فيه عن القتال والترحال ويجمع على ذوات القعدة. الحجة بكسر الحاء قلت وفتحها سمي بذلك لإقامتهم الحج فيه، ويجمع على ذوات الحجة، أسماء الأيام أولها الأحد ويجمع على آحاد وأوحاد ووحود، ثم يوم الاثنين ويجمع على أثانين، الثلاثاء يُمد وُيذكَّر وُيؤنَّث ويجمع على ثلاثاوات وأثالث، ثم الأربعاء بالمد ويجمع على أربعاوات وأرابيع، والخميس يجمع على أخمسة وأخامس، ثم الجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها أيضًا ويجمع على جمع وجماعات، السبت مأخوذ من السبت وهو القطع لانتهاء العدد عنده، وكانت العرب تسمي الأيام أول ثم أهون ثم جبار ثم دبار ثم مؤنس ثم العروبة ثم شيار، قال الشاعر من العرب العرباء العاربة المتقدمين:\nأرجى أن أعيش وإن يومي … بأول أو بأهون أو جُبار\nأو التالي دُبار فإن أفُتْهُ … فمؤنس أو عروبةً أو شيَار\nوقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ فهذا مما كانت العرب أيضًا في الجاهلية تحرمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم إلا طائفة منهم يقال لهم: البُسل كانوا يحرمون من السنة ثمانية أشهر تعمقًا وتشديدًا، وأما قوله: \"ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي","vol":"4","page":287},{"text":"بين جمادى وشعبان\" فإنما أضافه إلى مضر ليبين صحة قولهم في رجب أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وهو رمضان اليوم، فبيَّن ﷺ أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد، لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فَحُرِّم قبل أشهر الحج شهرًا وهو ذو القعدة لأنهم يقعدون فيه عن القتال وحُرِّم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحُرِّم بعده شهرًا آخر وهو المحرَّم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحُرِّم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنًا.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: هذا هو الشرع المستقيم من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم والحذو بها على ما سبق من كتاب الله الأول.\nوقال تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وكذلك الشهر الحرام تُغلَّظ فيه الآثام؛ ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حق من قُتل في الحرم أو قتل ذا محرم.\nوقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: في الشهور كلها (^١).\nوقال علي بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّه﴾ الآية، فلا تظلموا فيهن أنفسكم في كلُهنَّ، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهنَّ حرامًا وعظم حرماتهنَّ، وجعل الذنب فيهنَّ أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم (^٢).\nوقال قتادة في قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه؛ اصطفى من الملائكة رسلًا، ومن الناس رسلًا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد. واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر فعظِّموا ما عظَّم الله. فإنما تعظيم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل (^٣).\nوقال الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن، عن محمد بن الحنفية بأن لا تحرموهنَّ كحرمتهنَّ (^٤).\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا تجعلوا حرامها حلالًا؛ ولا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عفان بن مسلم عن حماد بن سلمة به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق قبيصة عن الثوري به.","vol":"4","page":288},{"text":"حلالها حرامًا، كما فعل أهل الشرك، فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك زيادة في الكفر ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [التوبة: ٣٧]، وهذا القول اختيار ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ أي: جميعكم ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ أي: جميعهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.\nوقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ أو محكم على قولين:\n(أحدهما): وهو الأشهر أنه منسوخ؛ لأنه تعالى قال ههنا: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وأمر بقتال المشركين، وظاهر السياق مشعر بأنه أمر بذلك أمرًا عامًّا ولو كان محرَّمًا في الشهر الحرام لأوشك أن يقيده بانسلاخها، ولأن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين (^١) أنه خرج إلى هوازن في شوال، فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع فلُّهم لجئوا إلى الطائف، فعمد إلى الطائف فحاصرهم أربعين يومًا، وانصرف ولم يفتتحها فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام.\nوالقول الآخر: أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام، وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] وقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ٥٠] وتقدم أنها الأربعة المقررة في كل سنة لا أشهر التسيير على أحد القولين.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ فيحتمل أنه منقطع عما قبله وأنه حكم مستأنف ويكون من باب التهييج والتحضيض أي: كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم فاجتمعوا أنتم أيضًا لهم إذا حاربتموهم وقاتلوهم بنظير ما يفعلون، ويحتمل أنه أذِن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم كما قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩١].\nوهكذا الجواب عن حصار رسول الله ﷺ أهل الطائف واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام، فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف، فإنهم هم الذين ابتدءوا القتال، وجمعوا الرجال، ودعوا إلى الحرب والنزال، فعندها قصدهم رسول الله ﷺ كما تقدم، فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم، فنالوا من المسلمين وقتلوا جماعة، واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريبًا من أربعين يومًا، وكان ابتداؤه في شهر حلال ودخل الشهر الحرام فاستمر فيه أيامًا ثم قفل عنهم؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وهذا أمر مقرر وله نظائر كثيرة والله أعلم، ولنذكر الأحاديث الواردة (^٢) في ذلك وقد حررنا ذلك في السيرة والله أعلم.\n_________\n(^١) ينظر صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الطائف (ح ٤٣٢٥ وح ٤٣٣١).\n(^٢) في (عم) بياض قدر نصف ورقة ولعلّ الحافظ ابن كثير لم يذكرها لأنه قد سردها في السيرة النبوية.","vol":"4","page":289},{"text":"<span id=\"aya-1272\"></span>﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾.\nهذا مما ذمَّ الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرَّم الله وتحريمهم ما أحلَّ الله، فإنهم كان فيهم من القوة الغضبية والشهامة والحمية ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم، فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم فأخروه إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام ويحرمون الشهر الحلال ليواطئوا عدة ما حرم الله الأشهر الأربعة كما قال شاعرهم، وهو عمير بن قيس المعروف بجذلِ الطعان (^١):\nلقد علمت معدّ بأن قومي … كرام الناس إن لهم كراما\nألسنا الناسئين على معدٍ … شهور الحلِّ نجعلها حراما\nفأيّ الناس لم ندرك بوتر … وأيّ الناس [لم نُعلِك] (^٢) لجاما (^٣)\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ قال: النسيء: أن جُنَادة بن عوف بن أُمية الكناني كان يوافي الموسم في كلِّ عام، وكان يُكنى أبا ثمامة فينادي ألا إن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب ألا وإن صفر العام الأول العام حلال فيحلُّه للناس فيحرم صفرًا عامًا ويحرم المحرم عامًا، فذلك قول الله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ يقول: يتركون المحرَّم عامًا وعامًا يحرمونه (^٤)، وروى العوفي عن ابن عباس نحوه (^٥).\nوقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له فيقول: يا أيها الناس: إني لا أعاب ولا أجاب ولا مردَّ لما أقول، إنَّا قد حرَّمنا المحرم وأخرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول: إنَّا قد حرَّمنا صفر وأخرنا المحرم فهو قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّه﴾ قال: يعني الأربعة فيحلوا ما حرم الله لتأخير هذا الشهر الحرام (^٦).\nوروي عن أبي وائل والضحاك وقتادة نحو هذا (^٧).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية، قال: هذا رجل من بني كنانة يقال له: (القَلَمَّس)، وكان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يُغير بعضهم على\n_________\n(^١) هو عمير بن قيس أحد بني فراس بن ثعلبة بن مالك بن كنانة. (المصدر السابق).\n(^٢) كذا في (مح) والسيرة النبوية لابن هشام، وفي الأصل: \"يعلل\"، وفي (حم): \"لم يعلك\".\n(^٣) ذكره ابن هشام مع تقديم وتأخير بين الأبيات (السيرة النبوية ١/ ٤٥).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند فيه ليث وهو ابن أبي سليم فيه مقال ولكن يشهد له ما ثبت عن ابن عباس.\n(^٧) قول أبي وائل أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق منصور بن المعتمر عن أبي وائل، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف ويشهد له ما سبق، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.","vol":"4","page":290},{"text":"بعض في الشهر الحرام يلقى الرجل قاتل أبيه ولا يمد إليه يده، فلما كان هو قال: اخرجوا بنا. قالوا له: هذا المحرم. قال: ننسئه العام هما العام صفران، فإذا كان العام القابل قضينا جعلناهما محرمين، قال ففعل ذلك فلما كان عام قابل قال: لا تغزوا في صفر حرموه مع المحرم هما محرمان (^١).\nفهذه صفة غريبة في النسيء، وفيها نظر لأنهم في عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهر فقط وفي العام الذي يليه يحرمون خمسة أشهر فأين هذا من قوله تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّه﴾.\nوقد روي عن مجاهد صفة أخرى غريبة أيضًا فقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية، قال: فرض الله ﷿ الحج في ذي الحجة، قال: وكان المشركون يُسمُّون الأشهر: ذا الحجة المحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوالًا، وذا القعدة، وذا الحجة يحجُّون فيه مرة ثم يسكتون عن المحرم ولا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفرًا، ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون شوالًا رمضان، ثم يسمون ذا القعدة شوالًا، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، فيحجون فيه واسمه عندهم: ذا الحجة. ثم عادوا بمثل هذه الصفة فكانوا يحجون في كل عام شهرين حتى إذا وافق حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة، ثم حجَّ النبي ﷺ حجته التي حج فوافق ذا الحجة فذلك حين يقول النبي ﷺ في خطبته: \"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض\" (^٢).\nوهذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضًا وكيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة؟ وأنى هذا؟\nوقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ الآية [التوبة: ٣] وإنما نودي به في حجة أبي بكر فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ ولا يلزم من فعلهم النسيء هذا الذي ذكره من دوران السنة عليهم وحجهم في كل شهر عامين، فإن النسيء حاصل بدون هذا فإنهم لما كانوا يحلُّون شهر المحرم عامًا يحرمون عوضه صفرًا وبعده ربيع وربيع إلى آخر السنة بحالها على نظامها وعدتها وأسماء شهورها، ثم في السنة الثانية يحرمون المحرم ويتركونه على تحريمه، وبعده صفر وربيع وربيع إلى آخرها ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي: في تحريم أربعة أشهر من السنة إلا أنهم تارة يقدمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية وهو المحرم وتارة ينسئونه إلى صفر أي: يؤخرونه.\nوقد قدمنا الكلام على قوله ﷺ: \"إن الزمان قد استدار\" (^٣) الحديث، أي: إن الأمر في عدة الشهور وتحريم ما هو محرم منها على ما سبق في كتاب الله من العدد والتوالي لا كما تعتمده\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح، ولكن روايته للحديث الشريف مرسل وقد تقدم تخريج الحديث وصحته في تفسير الآية السابقة.\n(^٣) تقدم تخريجه وصحته في تفسير الآية السابقة.","vol":"4","page":291},{"text":"جهلة العرب من فصلهم تحريم بعضها بالنسيء عن بعض والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: [حدثنا صالح بن بشير] (^١) بن سلمة الطبراني، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه قال: وقف رسول الله ﷺ بالعقبة فاجتمع إليه من شاء الله من المسلمين، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: \"إنما النسيء من الشيطان زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا\" فكانوا يحرمون المحرم عامًا ويستحلون صفر ويستحلون المحرم هو النسيء (^٢).\nوقد تكلم الإمام محمد بن إسحاق على هذا في كتاب السيرة كلامًا جيدًا مفيدًا حسنًا فقال: كان أول من نسأ الشهور على العرب فأحلَّ منها ما حرم الله وحرَّم منها ما أحلّ الله ﷿ القلمس وهو: حذيفة بن عبد فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد، ثم من بعد عباد ابنه قلع بن عباد، ثم ابنه أُمية بن قلع، ثم ابنه عوف بن أُمية، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف وكان آخرهم وعليه قام الإسلام، فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فقام فيهم خطيبًا فحرم رجبًا وذا القعدة وذا الحجة ويحل المحرم عامًا ويجعل مكانه صفر ويحرمه ليواطيء عدة ما حرم الله، فيحلُّ ما حرم الله يعني ويحرم ما أحلَّ الله (^٣).\n\n<span id=\"aya-1273\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾.\nهذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارَّة القيظ (^٤) فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: ما لكم فعلتم هكذا أرضىً منكم بالدنيا بدلًا من الآخرة؟ ثم زهَّد ﵎ في الدنيا، ورغَّب في الآخرة فقال: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بم ترجع؟ \" وأشار بالسبابة (^٥). انفرد بإخراجه مسلم (^٦).\n_________\n(^١) كذا ترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٤/ ٣٩٦، وفي النسخ الخطية وتفسير ابن أبي حاتم باسم: صالح بن بشر، وهو تصحيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مع الفرق السابق، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي.\n(^٣) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية ١/ ٤٤ - ٤٥.\n(^٤) أي شدة الحر (النهاية ١/ ٤٣٩) وفي إيراده تأكيد للجملة السابقة.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٢٨)، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه مسلم من طريق يحيى بن سعيد به (الصحيح، الجنة، باب فناء الدنيا ح ٢٨٥٨).","vol":"4","page":292},{"text":"وروى ابن أبي حاتم: حدثنا بشر بن مسلم بن عبد الحميد الحمصي بحمص، حدثنا الربيع بن روح، حدثنا محمد بن خالد الوهبي، حدثنا زياد يعني: الجصاص، عن أبي عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة سمعت من إخواني بالبصرة أنك تقول: سمعت نبي الله ﷺ يقول: \"إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة\" قال أبو هريرة: بل سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة\" ثم تلا هذه الآية ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ فالدنيا ما مضى منها وما بقي منها عند الله قليل (^١).\n[وقال الثوري، عن الأعمش في الآية ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾] (^٢) قال: كزاد الراكب (^٣).\nوقال عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة. قال: ائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه، فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال: أما لي من كبير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولّى ظهره، فبكى وهو يقول: أفٍ لَكِ من دار إن كان كثيركِ لقليل، وإن كان قليلكِ لقصير، وإن كنَّا منكِ لفي غرور (^٤).\n\n<span id=\"aya-1274\"></span>ثم توعد تعالى من ترك الجهاد فقال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: استنفر رسول الله ﷺ حيًا من العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك الله عنهم القطر فكان عذابهم (^٥). ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أي: لنصرة نبيه وإقامة دينه كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ أي: ولا تضروا الله شيئًا بتوليكم عن الجهاد، ونكولكم وتثاقلكم عنه ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ أي: قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم.\nوقد قيل: إن هذه الآية وقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] وقوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] إنهن منسوخات بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] روي هذا عن ابن عباس وعكرمة والحسن وزيد بن أسلم (^٦)، وردَّه ابن جرير وقال: إنما هذا فيمن دعاهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف زياد، وهو ابن أبي زياد الجصاص، مجمع على ضعفه (ميزان الاعتدال ٢/ ٨٩).\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الثوري به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق إبراهيم بن الأشعث المعروف بلام، عن عبد العزيز بن أبي حازم به، ولام هذا روى حديثًا موضوعًا (ينظر الجرح والتعديل ٢/ ٨٨).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري وأبو داود (السنن، الجهاد، باب في نسخ تفسير العامة بالخاصة ح ٢٥٠٦) والحاكم (المستدرك ٢/ ١١٨) كلهم من طريق نجدة بن نفيع الحنفي عن ابن عباس وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفي سنده نجدة بن نفيع قال ابن حجر: مجهول كما في التقريب وقال الذهبي: لا يعرف، ميزان الاعتدال ٤/ ٢٤٥).\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس أخرجه بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني، وقول عكرمة والحسن البصري أخرجه ابن الجوزي بسند حسن من طريق يزيد النحوي عنه. (نواسخ القرآن ص ٣٦٤ - ٣٦٥).","vol":"4","page":293},{"text":"رسول الله ﷺ إلى الجهاد فتعين عليهم ذلك فلو تركوه لعوقبوا عليه، وهذا له اتجاه. والله ﷾ أعلم بالصواب.\n\n<span id=\"aya-1275\"></span>﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾.\nيقول تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾ أي: تنصروا رسوله فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه كما تولى نصره ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي: عام الهجرة لما همَّ المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه، فخرج منهم هاربًا بصحبة صديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم ثم يسيروا نحو المدينة، فجعل أبو بكر ﵁ يجزع أن يطَّلع عليهم أحد فيخلص إلى رسول الله ﷺ منهم أذى، فجعل النبي ﷺ يسكنه ويثبته ويقول: \"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما\" كما قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا ثابت، عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه قال: فقال: \"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما\" (^١). أخرجاه في الصحيحين (^٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي: تأييده ونصره عليه أي: على الرسول ﷺ في أشهر القولين، وقيل على أبي بكر، وروي عن ابن عباس وغيره قالوا: لأن الرسول ﷺ لم تزل معه سكينة (^٣). وهذا لا ينافي تجدُّد سكينة خاصة بتلك الحال ولهذا قال: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ أي: الملائكة.\n﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ قال ابن عباس يعني ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الشرك ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ هي: لا إله إلا الله (^٤).\nوفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: \"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله\" (^٥).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: في انتقامه وانتصاره، منيع الجناب لا يضام من لاذ ببابه، واحتمى بالتمسك بخطابه ﴿حَكِيمٌ﴾ في أقواله وأفعاله.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، المناقب، باب مناقب المهاجرين (ح ٣٦٥٣) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ (ح ٢٣٨١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا (ح ٢٨١٠)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (ح ١٩٠٥).","vol":"4","page":294},{"text":"<span id=\"aya-1276\"></span>﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾.\nقال سفيان الثوري، عن أبيه، عن أبي الضحى مسلم بن صُبيح: هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أول ما نزل من سورة براءة (^١).\nوقال معتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حضرمي أنه ذُكر له أن ناسًا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلًا وكبيرًا فيقول: إني لا آثم فأنزل الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية (^٢).\nأمر الله تعالى بالنفير العام مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب، وحتَّم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المنشط والمكره والعسر واليسر فقال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.\nوقال علي بن زيد، عن أنس، عن [أبي طلحة] (^٣): كهولًا وشبابًا ما سمع الله عذر أحد ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل (^٤). وفي رواية قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخًا وشبانًا جهزوني يا بني، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام فلم يتغير فدفنوه فيها (^٥).\nوهكذا روي عن ابن عباس وعكرمة وأبي صالح والحسن البصري وسهيل بن عطية ومقاتل بن حيان والشعبي وزيد بن أسلم أنهم قالوا في تفسير هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ كهولًا وشبانًا (^٦)، وكذا قال عكرمة والضحاك ومقاتل بن حيان وغير واحد (^٧).\nوقال مجاهد: شبانًا وشيوخًا وأغنياء ومساكين (^٨). وكذا قال أبو صالح وغيره (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الثوري بسنده ومتنه، وسنده حسن لكنه مرسل لأن مسلم بن صبيح تابعي، وأخرجه الطبري من طريق الثوري به.\n(^٢) أخرجه الطبري عن ابن عبد الأعلى عن معتمر به، وسنده معضل لأن حضرمي تابع تابعي لم يلق أحدًا من الصحابة.\n(^٣) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وفي الأصل: علي بن أبي طلحة. وهو خطأ لكثرة ورود علي بن أبي طلحة.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ابن عيينة عن علي بن زيد به، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد، والصحيح الرواية التالية.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن زيد وثابث بن أسلم البناني عن أنس به، وسنده صحيح؛ لأن علي بن زيد تابعه ثابت، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ١٦/ ١٥٢) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٣٥٣).\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرجه ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن عكرمة وقتادة وأبي صالح (المصنف ٥/ ٣٠٦)، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق مقاتل بن حيان ومجاهد.\n(^٧) هؤلاء تكرر ذكرهم إلا الضحاك فقد أخرج الطبري قوله بسند ضعيف ويتقوى بما سبق.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق إسماعيل عن أبي صالح.","vol":"4","page":295},{"text":"وقال الحكم بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل (^١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ يقول: انفروا نشاطًا وغير نشاط (^٢)، وكذا قال قتادة (^٣).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قالوا: فإن فينا الثقيل، وذا الحاجة والضيعة والشغل والمتيسر به أمره فأنزل الله وأبى أن [يعذرهم دون أن ينفروا ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي:] (^٤) على ما كان منهم (^٥).\nوقال الحسن بن أبي الحسن البصري -أيضًا-: في العسر واليسر (^٦). وهذا كله من مقتضيات العموم في الآية وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال الإِمام أبو عمرو الأوزاعي: إذا كان النفير إلى دروب الروم نفر الناس إليها خفافًا وركبانًا، وإذا كان النفير إلى هذه السواحل نفروا إليها خفافًا وثقالًا وركبانًا ومشاة (^٧)، وهذا تفصيل في المسألة. وقد روي عن ابن عباس ومحمد بن كعب وعطاء الخراساني وغيرهم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله (^٨).\nوقال السدي: قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ يقول: غنيًا وفقيرًا وقويًا وضعيفًا فجاءه رجل يومئذٍ زعموا أنه المقداد وكان عظيمًا سمينًا فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى فنزلت يومئذٍ ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فلما نزلت هذه الآية اشتدَّ على الناس فنسخها الله فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٩) [التوبة: ٩١].\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، عن محمد قال: شهد أبو أيوب مع رسول الله ﷺ بدرًا ثم لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا عامًا واحدًا. قال: وكان أبو أيوب يقول: قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فلا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلًا (^١٠).\nوقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا حُريز بن عثمان، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، حدثني أبو راشد الحبراني قال: وافيت المقداد بن الأسود فارس\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور عن الحكم بن عتيبة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحفت إلى: \"وأبى أن يعذبهم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور بن زاذان عن الحسن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الوليد عن أبي عمرو مختصرًا.\n(^٨) أي عند الآية ١٢٢ من هذه السورة.\n(^٩) سنده ضعيف جدًا لأن السدي شيعي ولم يدرك المقداد، ومثل هذا لا يقبل من شيعي، ثم إن المقداد مقدام وبطل لا يعرف الاستئذان في الميدان عرفناه من خلال مقولته المشهورة قُبيل غزوة بدر. بل ثبت عنه في تفسير هذه الآية قوله أمرنا أن ننفر على كل حال كما يلي في الروايتين التاليتين.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر بسند ثابت عن أُبي وأبي أيوب أنهما قالا: أُمرنا أن ننفر على كل حال (تاريخ دمشق ج ٥/ ل ٢٢٣ م).","vol":"4","page":296},{"text":"رسول الله ﷺ جالسًا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، وقد فَضَل عنه من عِظَمِه يريد الغزو فقلت له: قد أعذر الله إليك فقال: أتت علينا سورة البعوث ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (^١).\nوقال ابن جرير: [حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا حريز] (^٢)، حدثني حبان بن زيد الشرعبي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان واليًا على حمص قبل الأفسوس (^٣) إلى الجراجمة (^٤) فرأيت شيخًا كبيرًا همًّا قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت إليه فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك. قال: فرفع حاجبيه فقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافًا وثقالًا ألا إنه من يحبه الله يبتليه ثم يعيده الله فيبقيه وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله ﷿ (^٥).\nثم رغَّب تعالى في النفقة في سبيله وبذل المهج في مرضاته ومرضاة رسوله فقال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: هذا خير لكم في الدنيا والآخرة لأنكم تغرمون في النفقة قليلًا فيغنمكم الله أموال عدوكم في الدنيا مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة كما قال النبي ﷺ: \"تكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفَّاه أن يدخله الجنة، أو يرده إلى منزله بما نال من أجر أو غنيمة\" ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة].\nومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد حدثنا: محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال لرجل: \"أسلم\" قال: أجدني كارهًا قال: \"أسلم وإن كنت كارهًا\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-1277\"></span>﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾.\nيقول تعالى موبخًا للذين تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة تبوك وقعدوا بعدما استأذنوه في ذلك مظهرين أنهم ذوو أعذار ولم يكونوا كذلك فقال: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ قال ابن عباس: غنيمة قريبة (^٧). ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أي: قريبًا أيضًا ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ أي: لكانوا جاءوا معك لذلك ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أي: المسافة إلى الشام ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: لكم إذا رجعتم إليهم ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ أي: لو لم يكن لنا أعذار لخرجنا معكم قال الله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن وبقية صرح بالسماع.\n(^٢) زيادة من (مح) إذ لا توجد في النسخ الأخرى.\n(^٣) الأفسوس: بلد بثغور طرسوس في سوريا (ينظر: معجم البلدان ١/ ٣٣٠).\n(^٤) الجراجمه: قوم من نبط الشام.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن كسابقه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩/ ١١٧ ح ١٢٠٦١)، وصحح سنده محققوه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس ﵄.","vol":"4","page":297},{"text":"<span id=\"aya-1278\"></span>\n\n<span id=\"aya-1279\"></span>﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حصين بن سليمان الرازي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر، عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ نداء بالعفو قبل المعاتبة فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (^١). وكذا قال مورق العجلي وغيره (^٢).\nوقال قتادة: عاتبه كما تسمعون، ثم أنزل التي في سورة النور، فرخَّص له في أن يأذن لهم إن شاء فقال: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ الآية [النور: ٦٢] (^٣) وكذا روي عن عطاء الخراساني.\nوقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أُناس قالوا: استأذنوا رسول الله ﷺ، فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا (^٤)، ولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: في إبداء الأعذار ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ يقول تعالى هلَّا تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لأحد منهم في القعود لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم قد كانوا مصرّين على القعود عن الغزو [وإن لم تأذن لهم فيه.\nولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو] (^٥) أحد يؤمن بالله ورسوله فقال: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أي: في القعود عن الغزو ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ لأنهم يرون الجهاد قُربة، ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾\n\n<span id=\"aya-1280\"></span>﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أي: في القعود مما لا عذر له ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: لا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: شكَّت في صحة ما جئتهم به ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أي: يتحيَّرون يقدمون رجلًا ويؤخرون أخرى، وليست لهم قدم ثابتة في شيء فهم قوم حيارى هلكى لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا.\n\n<span id=\"aya-1281\"></span>﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ أي: معك إلى الغزو ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أي: لكانوا تأهبوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق موسى بن سروان عن مورق.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به وأطول، ولكنه مرسل.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، لكنه مرسل.\n(^٥) ما بين معقوفين بياض في الأصل، واستدرك من (عم) و(حم) و(مح).","vol":"4","page":298},{"text":"له ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ أي: أبغض أن يخرجوا معك قدرًا ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: أخرهم ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ أي: قدرًا.\n\n<span id=\"aya-1282\"></span>ثم بيّن تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أي: لأنهم جبناء مخذولون ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم فيؤدي إلى وقوع شرٍّ بين المؤمنين وفساد كبير.\nوقال مجاهد (^١) [وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وابن جَريج] (^٢): ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم، وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم بل هذا عام في جميع الأحوال، والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق، وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين.\nوقال محمد بن إسحاق: كان الذين استأذنوا فيما بلغني من ذوي الشرف منهم عبد الله بن أُبي بن سلول، والجدُّ بن قيس وكانوا أشرافًا في قومهم فثبَّطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معه، فيفسدوا عليه جنده وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم فقال: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (^٣).\nثم أخبر تعالى عن تمام علمه فقال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين﴾ فأخبر بأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؟ ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا؟ ومع هذا ما خرجوا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ والآيات [النساء] في هذا كثيرة.\n\n<span id=\"aya-1283\"></span>﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾.\nيقول تعالى محرِّضًا لنبيه ﵇ على المنافقين: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أي: لقد أعملوا فكرهم وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك وخذلان دينك وإخماله مدة طويلة، وذلك أول مقدم النبي ﷺ المدينة؛ رمته العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٢) في النسخ الخطية والنسخ المطبوعة: وزيد بن أسلم وابن جرير، والتصويب من تفسير الطبري إذ أخرجه بالسند المتكرر من طريق الحسين، وهو سنيد، عن حجاج عن ابن جريج وكذلك أخرجه سعيد بن منصور عن ابن جريج (السنن، التفسير ح ١٢٠)، وكذلك أخرجه الطبري بالسند الصحيح المتكرر من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وليس عن زيد بن أسلم، وقد أخرجه الثعلبي أيضًا عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (الكشف والبيان ج ٣/ ل ٨٧ ب).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٢/ ٥٤٩).","vol":"4","page":299},{"text":"المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته قال عبد الله بن أُبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه، فدخلوا في الإسلام ظاهرًا، ثم كلما أعزَّ الله الإسلام وأهله غاظهم ذلك وساءهم ولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1284\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾.\nيقول تعالى: ومن المنافقين من يقول لك يا محمد: ﴿ائْذَنْ لِي﴾ في القعود ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ بالخروج معك بسبب الجواري من نساء الروم. قال الله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي: قد سقطوا في الفتنة بقولهم هذا؛ كما قال محمد بن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن قتادة وغيرهم قالوا: قال رسول الله ﷺ ذات يوم وهو في جهازه للجدِّ بن قيس أخي بني سلمة (^١): \"هل لك يا جدّ العام في جلاد بني الأصفر؟ \" فقال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهنَّ. فأعرضَ عنه رسول الله ﷺ وقال: \"قد أذنتُ لكَ\" ففي الجدِّ بن قيس نزلت هذه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ الآية (^٢) أي: إن كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله ﷺ والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم. وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وغير واحد أنها نزلت في الجدِّ بن قيس (^٣)، وقد كان الجدُّ بن قيس هذا من أشراف بني سلمة.\nوفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لهم: \"من سيدكم يا بني سلمة؟ \" قالوا: الجدُّ بن قيس على أنا نبخله. فقال رسول الله ﷺ: \"وأي داء أدوأ من البخل! ولكن سيدكم الفتى الجعد الأبيض بِشرُ بن البراء بن معرور\" (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي: لا محيد لهم عنها ولا محيص ولا مهرب.\n\n<span id=\"aya-1285\"></span>﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾.\nيُعلِم ﵎ نبيَّه ﷺ بعداوة هؤلاء له؛ لأنه مهما أصابه من حسنة، أي: فتح وظفر على\n_________\n(^١) هو الجد بن قيس بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن غنم الأنصاري، وقال ابن عبد البر: إنه تاب فحسنت توبته، ومات في خلافة عثمان ﵁ (الاستيعاب ١/ ٢٥٤ - ٢٥٥).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وسنده مرسل، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٤/ ١٥٩).\n(^٣) قول ابن عباس لم يصرح باسم الجد بن قيس فيما أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، مختصرًا.\n(^٤) أخرجه البخاري معلقًا (الصحيح، العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق قبل حديث رقم ٢٥٥٠) ووصله الحافظ ابن حجر بسنده الطويل من حديث كعب بن مالك، ثم صحح سنده (تغليق التعليق ٣/ ٣٤٧).","vol":"4","page":300},{"text":"الأعداء مما يسره ويسر أصحابه ساءهم ذلك ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قد احترزنا من متابعته من قبل هذا ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-1286\"></span>فأرشد الله تعالى رسول الله ﷺ إلى جوابهم في عداوتهم هذه التامة فقال: ﴿قُل﴾ أي: لهم ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: نحن تحت مشيئته وقدره ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ أي: سيدنا وملجؤنا ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ونحن متوكلون عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.\n\n<span id=\"aya-1287\"></span>﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿قُل﴾ لهم يا محمد ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ أي: تنتظرون بنا ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ شهادة أو ظفر بكم؛ قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم (^١).\n﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ أي: ننتظر بكم هذا أو هذا إما ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ بسبي أو بقتل ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1288\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: مهما أنفقتم من نفقة طائعين أو مكرهين ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1289\"></span>ثم أخبر تعالى عن سبب ذلك وهو أنهم لا يتقبل منهم ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ أي: والأعمال إنما تصح بالإيمان ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ أي: ليس لهم قصد صحيح ولا هِمَّة في العمل ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ نفقة ﴿إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ: \"أن الله لا يملّ حتى تملّوا\"، \"وأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا\" (^٢). فلهذا لا يقبل الله من هؤلاء نفقة ولا عملًا؛ لأنه إنما يتقبل من المتقين.\n\n<span id=\"aya-1290\"></span>﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾.\nيقول تعالى لرسوله ﷺ: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه]. وقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون].\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال الحسن البصري: بزكاتها والنفقة منها في سبيل الله.\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^٢) حديث صحيح تقدم تخريجه.","vol":"4","page":301},{"text":"وقال قتادة: هذا من المقدم والمؤخر تقديره: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة (^١). واختار ابن جرير قول الحسن، وهو القول القوي الحسن.\nوقوله: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ أي: ويريد أن يميتهم حين يميتهم على الكفر، ليكون ذلك أنكى لهم وأشد لعذابهم. عياذًا بالله من ذلك، وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه.\n\n<span id=\"aya-1291\"></span>﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾.\nيخبر الله تعالى نبيه ﷺ عن جزعهم وفزعهم وفرقهم وهلعهم أنهم ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ يمينًا مؤكدة ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ أي: في نفس الأمر ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أي: فهو الذي حملهم على الحلف\n\n<span id=\"aya-1292\"></span>﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أي: حصنًا يتحصنون به وحرزًا يتحرزون به ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ وهي التي في الجبال ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ وهو السرب في الأرض والنفق قال ذلك في الثلاثة ابن عباس ومجاهد وقتادة (^٢).\n﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي: يسرعون في ذهابهم عنكم لأنهم إنما يخالطونكم كرهًا لا محبة، وودُّوا أنهم لا يخالطونكم ولكن للضرورة أحكام، ولهذا لا يزالون في همّ وحزن وغمٍّ لأن الإسلام وأهله لا يزال في عز ونصر ورفعة، فلهذا كلما سُرَّ المسلمون ساءهم ذلك، فهم يودون أن لا يخالطوا المؤمنين ولهذا قال: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾.\n\n<span id=\"aya-1293\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: ومن المنافقين ﴿مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ أي: يعيب عليك ﴿فِي﴾ قسم ﴿الصَّدَقَاتِ﴾ إذا فرقتها، ويتهمك في ذلك وهم المتَّهمون المأبونون، وهم مع هذا لا ينكرون للدين، وإنما ينكرون لحظ أنفسهم ولهذا ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ أي: يغضبون لأنفسهم.\nقال ابن جريج: أخبرني داود بن أبي عاصم قال: أتى النبي ﷺ بصدقة قسمها ههنا وههنا حتى ذهبت قال: ووراءه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل فنزلت هذه الآية (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري عنهم كما في الأسانيد الثلاثة المتقدمة في الآية السابقة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن جريج به، وفيه أيضًا إرسال داود بن أبي عاصم فهو تابعي، ويشهد له ما صح في قصة ذي الخويصرة كما سيأتي في الرواية بعد التالية.","vol":"4","page":302},{"text":"وقال قتادة في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾: يقول: ومنهم من يطعن عليك في الصدقات، وذُكر أن رجلًا من أهل البادية حديثَ عهدٍ بأعرابيّةٍ أتى النبي ﷺ وهو يقسم ذهبًا وفضة فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت. فقال نبي الله ﷺ: \"ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟ \" ثم قال نبي الله: \"احذروا هذا وأشباهه فإن في أمتي أشباه هذا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، فإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم\" وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: \"والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئًا ولا أمنعكموه إنما أنا خازن\" (^١).\nوهذا الذي ذكره قتادة يشبه ما رواه الشيخان من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد في قصة ذي الخويصرة واسمه: حرقوص لما اعترض على النبي ﷺ حين قسم غنائم حُنين فقال له: اعدل فإنك لم تعدل فقال: \"لقد خِبتَ وخسرت إن لم أكن أعدل\" ثم قال رسول الله ﷺ وقد رآه مقفيًا (^٢): \"إنه يخرج من ضئضيء (^٣) هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإنهم شر قتلى تحت أديم السماء\" (^٤) وذكر بقية الحديث.\n\n<span id=\"aya-1294\"></span>ثم قال تعالى منبهًا لهم على ما هو خير لهم من ذلك فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ فتضمنت هذه الآية الكريمة أدبًا عظيمًا وسرًا شريفًا حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله والتوكل على الله وحده وهو قوله: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾، وكذلك الرغبة إلى الله وحده في التوفيق لطاعة الرسول ﷺ وامتثال أوامره، وترك زواجره، وتصديق أخباره، والاقتفاء بآثاره.\n\n<span id=\"aya-1295\"></span>﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾.\nلما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي ﷺ ولمزهم إياه في قسم الصدقات بيَّن تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره فجزأها لهؤلاء المذكورين كما رواه الإمام أبو داود في سننه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعمُ -وفيه ضعف-، عن زياد بن نُعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له: \"إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل، والشق الأول يشهد له ما يليه في الصحيحين.\n(^٢) أي موليًا قفاه.\n(^٣) أي يخرج من نسله وعَقِبه (النهاية ٣/ ٦٩).\n(^٤) صحيح البخاري، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (ح ٣٦١٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (ح ١٠٦٤).\n(^٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الزكاة، باب من يعطي من الصدقة … ح ١٦٣٠)، وسنده ضعيف، لضعف عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، وهو الإفريقي.","vol":"4","page":303},{"text":"وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية هل يجب استيعاب الدفع لها أو إلى ما أمكن منها؟ على قولين:\n(أحدهما): أنه يجب ذلك وهو قول الشافعي وجماعة.\n(والثاني): أنه لا يجب استيعابها بل يجوز الدفع إلى واحد منها ويعطي جميع الصدقة مع وجود الباقين وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف منهم عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران، قال ابن جرير: وهو قول جماعة عامة من أهل العلم.\nوعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف ههنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعاب الإعطاء. ولوجوه الحِجاج والمآخذ مكان غير هذا والله أعلم.\nوإنما قدَّم الفقراء ههنا على البقية؛ لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدة فاقتهم وحاجتهم، وعند أبي حنيفة أن المسكين أسوأ حالًا من الفقير وهو كما قال.\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أنبأنا ابن عون، عن محمد قال: قال عمر ﵁: الفقير ليس بالذي لا مال له، ولكن الفقير الأخلق الكسب. قال ابن علية: الأخلق المحارف (^١) عندنا (^٢).\nوالجمهور على خلافه وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وابن زيد (^٣).\nواختار ابن جرير وغير واحد أن الفقير هو المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئًا والمسكين هو الذي يسأل ويطوف ويتبع الناس.\nوقال قتادة: الفقير من به زمانة والمسكين الصحيح الجسم (^٤).\nوقال الثوري، عن منصور، عن إبراهيم هم: فقراء المهاجرين (^٥)، قال سفيان الثوري: يعني ولا يعطى الأعراب منها شيئًا، وكذا روي عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى (^٦).\n_________\n(^١) المحارف الذي لا يملك مالًا ينميه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده منقطع لابن محمد وهو ابن سيرين، وأما سنده إلى ابن علية وهو إسماعيل فصحيح.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه بلفظ: \"المساكين\" الطوافون، والفقراء فقراء المسلمين، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: \"الفقراء الذين لا يسألون الناس، والمساكين: الذين يسألون\"، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أشعث عنه بنحو قول مجاهد، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب بنحو سابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الثوري به.\n(^٦) هذا القول المنسوب إلى الثوري غريب لم أجد مفسرًا نقله بهذا اللفظ سوى الطبري وقد أخرجه ابن أبي حاتم وأبو عبيد (الأموال رقم ١٩٣٩)، وابن زنجويه في (الأموال رقم ٢٢٨٤) بدون ذكر قول سفيان، وأما ما نسبه الحافظ ابن كثير إلى سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن فإنهما لم يروياه بهذا اللفظ الغريب وإنما أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير بلفظ: \"يعطى من =","vol":"4","page":304},{"text":"وقال عكرمة: لا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين، إنما المساكين أهل الكتاب (^١).\nولنذكر أحاديث تتعلق بكل من الأصناف الثمانية. فأما الفقراء فعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تحلُّ الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سَوِيٍّ\" (^٢) رواه أحمد وأبو داود والترمذي (^٣).\nولأحمد -أيضًا- والنسائي وابن ماجه، عن أبي هريرة مثله وعن عبيد الله بن عَدي بن الخيار: أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر فرآهما جَلدين فقال: \"إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب\" (^٤) رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد قوي.\nوقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل: أبو بكر العبسي قال: قرأ عمر ﵁: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ قال: هم أهل الكتاب (^٥) روى عنه عمر بن نافع سمعت أبي يقول ذلك.\n(قلت): وهذا قول غريب جدًا بتقدير صحة الإسناد، فإن أبا بكر هذا وإن لم ينص أبو حاتم على جهالته لكنه في حكم المجهول.\nوأما (المساكين) فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: \"الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئًا\" (^٦) رواه الشيخان.\nوأما (العاملون عليها) فهم الجُباة والسُعاة يستحقون منه قسطًا على ذلك ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله ﷺ الذين تحرم عليهم الصدقة لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله ﷺ ليستعملهما على الصدقة فقال: \"إن الصدقة لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس\" (^٧).\nوأما (المؤلفة قلوبهم) فأقسام: منهم من يُعطى ليسلم، كما أعطى النبي ﷺ صفوان بن أُمية من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركًا، قال: فلم يزل يعطيني حتى صار أحبَّ الناس إليَّ بعد\n_________\n= الزكاة من له الدار والخادم والفرس\" (المصنف ٣/ ١٧٩) وبنحو هذا اللفظ أخرجه الطبري بسنده عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى. وليس فيه: لا يعطي الأعراب منها شيئًا.\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عمر بن نافع عن عكرمة، وعمر بن نافع هو الثقفي الكوفي ضعيف.\n(^٢) أي صاحب قوة صحيح الجسم.\n(^٣) المسند ١١/ ٨٤ (ح ٦٥٣٠)، وقال محققوه: إسناده قوي. وسنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب من يعطى الصدقة (ح ١٦٣٤)، وسنن الترمذي، أبواب الزكاة، باب من سأل عن ظهر غنى (ح ٦٥٢) وحسنه.\n(^٤) المسند ٢٩/ ٤٨٦ (ح ١٧٩٧٢)، وصحح سنده محققوه، وسنن أبي داود، الزكاة، باب من يعطى الصدقة (ح ١٦٣٣)، وسنن النسائي، الزكاة، باب إذا لم يكن له دراهم ٥/ ٩٩، وقوى سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عمر بن نافع الثقفي الكوفي عن أبي بكر العبسي به، وعمر بن نافع ضعيف، وأبو بكر العبسي ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح ٩/ ٣٤١).\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٧.\n(^٧) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ترك استعمال آل النبي على الصدقة (ح ١٠٧٢).","vol":"4","page":305},{"text":"أن كان أبغضَّ الناس إلي، كما قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، أنبأنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أُمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ يوم حُنين وإنه لأبغض الناس إليَّ، فمازال يعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إليَّ (^١). ورواه مسلم والترمذي من حديث يونس عن الزهري به (^٢).\nومنهم من يُعطى ليحسن إسلامه ويثبت قلبه، كما أعطى يوم حُنين أيضًا جماعة من صناديد الطلقاء وأشرافهم مائة من الإبل، وقال: \"إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه خشية أن يكبَّه الله على وجهه في نار جهنَّم\" (^٣).\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد أن عليًّا بعث إلى النبي ﷺ بذهبية في تربتها في اليمن، فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعُيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخير، وقال: \"أتألفهم\" (^٤).\nومنهم من يُعطى لما يرجى من إسلام نظرائه.\nومنهم من يُعطى ليجبي الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد، ومحل تفصيل هذا في كتب الفروع، والله أعلم.\nوهل تعطى المؤلفة على الإسلام بعد النبي ﷺ؟ فيه خلاف:\nفروي عن عمر وعامر الشعبي وجماعة: أنهم لا يُعطون بعده لأن الله قد أعزَّ الإسلام وأهله ومكَّن لهم في البلاد، وأذلَّ لهم رقاب العباد (^٥).\nوقال آخرون: بل يُعطون لأنه ﵊ قد أعطاهم بعد فتح مكة وكسر هوازن، وهذا أمر قد يحتاج إليه فيصرف إليهم (^٦).\nوأما (الرقاب) فروي عن الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن زيد أنهم المكاتبون (^٧)، وروي عن أبي موسى الأشعري نحوه، وهو قول الشافعي والليث ﵂.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٦٥)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا … (ح ٢٣١٣)، وسنن الترمذي، الزكاة، باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم (ح ٦٦٦).\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ (الصحيح، الزكاة، باب قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] ح ١٤٧٨).\n(^٤) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا …﴾ [هود: ٥٠] (ح ٣٣٤٤)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (ح ١٠٦٤).\n(^٥) قول عمر أخرجه البخاري (التاريخ الصغير ١/ ٥٦) مختصرًا والطبري وابن أبي حاتم بأسانيد يقوي بعضها بعضًا وقد صحح والحافظ ابن حجر سند رواية البخاري (الإصابة ١/ ٥٥ و٥٩) وقول عامر الشعبي أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٣/ ٢٢٣)، والطبري وابن أبي حاتم بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يونس بن عبيد بن دينار عن الحسن البصري.\n(^٧) قول الحسن البصري أخرجه الطبري وابن أبي شيبة (المصنف ٣/ ١٧٩)، كلاهما من طريق أشعث بن سوار، وقول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.","vol":"4","page":306},{"text":"وقال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة (^١)، وهو مذهب أحمد ومالك وإسحاق، أي أن الرقاب أعمُّ من أن يُعطي المكاتَب أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالًا.\nوقد ورد في ثواب الإعتاق وفكّ الرقبة أحاديث كثيرة، وأن الله يعتق بكل عضو منها عضوًا من معتقها حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلا لأن الجزاء من جنس العمل ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ [الصافات] وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"ثلاثة حقٌّ على الله عونهم: الغازي في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف\" رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا أبا داود (^٢).\nوفي المسند عن البراء بن عازب قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله دلَّني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار؟ فقال: \"أعتق النسمة وفكَّ الرقبة\" فقال: يا رسول الله أو ليسا واحدًا؟ قال: \"لا، عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفكُّ الرقبة أن تعين في ثمنها\" (^٣).\nوأما (الغارمون) فهم أقسام:\nفمنهم من تحمل حمالة أو ضمن دينًا فلزمه فأجحف بماله أو غرم في أداء دينه أو في معصية ثم تاب فهؤلاء يدفع إليهم، والأصل في هذا الباب حديث قَبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحمَّلت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: \"أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها\" قال: ثم قال: \"يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالة فحلَّت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال سدادًا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا (^٤) من قرابة قومه، فيقولون: لقد أصابت فلانًا فاقة فحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال سدادًا من عيش- فما سواهنَّ من المسألة سُحت يأكلها صاحبها سحتًا\" رواه مسلم (^٥).\nوعن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال ﷺ: \"تصدقوا عليه\" فتصدَّق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي ﷺ لغرمائه: \"خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك\" رواه مسلم (^٦).\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه أبو عبيد من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس (الأموال ص ٧٤٩) وصححه الحافظ ابن حجر (تغليق التعليق ٣/ ٢٤)، وقول الحسن البصري أخرجه ابن أبي شيبة والطبري بالسند المتقدم في الرواية السابقة (المصنف ٣/ ١٧٩).\n(^٢) المسند ١٢/ ٣٧٩ (ح ٧٤١٦) وحسن سنده محققوه، وسنن الترمذي، فضائل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد والمكاتب (ح ١٦٥٥)، وحسنه، وسنن النسائي، النكاح، باب معونه الله الناكح ٦/ ٦١، وسنن ابن ماجه، العتق، باب المكاتب (ح ٢٥١٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه.\n(^٣) المسند ٣٠/ ٦٠٠ (ح ١٨٦٤٧) وصحح سنده محققوه.\n(^٤) أي: ذوو العقل.\n(^٥) صحيح مسلم، الزكاة، باب من تحل له المسألة (ح ١٠٤٤).\n(^٦) صحيح مسلم، المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين (ح ١٥٥٦).","vol":"4","page":307},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، أنبأنا صدقة بن موسى، عن أبي عمران الجوني، عن قيس بن يزيد، عن قاضي المِصْرَين (^١)، عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدعو الله بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يديه فيقول: يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدين؟ وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة. فيقول الله: صدق عبدي أنا أحق من قضى عنك اليوم، فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل الله ورحمته\" (^٢).\nوأما (في سبيل الله) فمنهم الغُزاة الذين لا حق لهم في الديوان، وعند الإمام أحمد والحسن وإسحاق والحج من سبيل الله للحديث.\nوكذلك (ابن السبيل) وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره، فيعطى من الصدقات ما يكفيه إلى بلده وإن كان له مال، وهكذا الحكم فيمن أراد إنشاء سفر من بلده وليس معه شيء، فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه؛ والدليل على ذلك الآية وما رواه الإمام أبو داود وابن ماجه من حديث معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى لغني\" (^٣). وقد رواه السفيانان عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلًا.\nولأبي داود، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله وابن السبيل أو جار فقير فيهدي لك أو يدعوك\" (^٤).\nوقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: حكمًا مقدرًا بتقدير الله وفرضه وقسمه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به، لا إله إلا هو ولا رب سواه.\n\n<span id=\"aya-1296\"></span>﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾.\nيقول تعالى: ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله ﷺ بالكلام فيه، ويقولون: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ أي: من قال له شيئًا صدقه فينا ومن حدثه فينا صدقه، فإذا جئناه وحلفنا له صدقنا. روي معناه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة (^٥).\n_________\n(^١) أي قاضي البصرة والكوفة، وهو شريح بن الحارث بن قيس الكوفي النخعي.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٣٤ ح ١٧٠٨)، وضعف سنده محققوه لضعف صدقه وهو: ابن موسى الدقيقي.\n(^٣) سنن أبي داود، الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني (ح ١٦٣٥) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٤٤٠)، وأخرجه ابن ماجه في سننه، الزكاة، باب من تحل له الصدقة (ح ١٨٤١).\n(^٤) السنن، الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني (ح ١٦٣٧) وسنده ضعيف لضعف عطية العوفي.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه مختصرًا، وقول مجاهد أخرجه =","vol":"4","page":308},{"text":"قال الله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي: هو أذن خير يعرف الصادق من الكاذب ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ويصدق المؤمنين ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم﴾ أي: وهو حجَّة على الكافرين ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-1297\"></span>﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾.\nقال قتادة في قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية، قال: ذُكر لنا أن رجلًا من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقًا، لهم شرٌّ من الحمير. قال: فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله ما يقول محمد لحق ولأنت أشرَّ من الحمار، قال: فسعى بها الرجل إلى النبي ﷺ أخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال: \"ما حملك على الذي قلت؟ \" فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللَّهم صدِّق الصادق وكذِّب الكاذب، فأنزل الله الآية (^١).\n\n<span id=\"aya-1298\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، أي: ألم يتحققوا ويعلموا أنه من حادَّ الله ﷿ أي شاقه وحاربه وخالفه، وكان في حدّ، والله ورسوله في حدّ ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ أي: مهانًا معذبًا، ﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ أي: وهذا هو الذلُّ العظيم والشقاء الكبير.\n\n<span id=\"aya-1299\"></span>﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾.\nقال مجاهد: يقولون القول بينهم ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا هذا (^٢).\nوهذا الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨]، وقال في هذه الآية: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ أي: إن الله سينزل على رسوله ما يفضحكم به ويبيّن له أمركم كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْل﴾ الآية [محمد: ٣٠]، ولهذا قال قتادة: كانت تسمى هذه السورة (الفاضحة) فاضحة المنافقين (^٣).\n\n<span id=\"aya-1300\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾.\nقال أبو معشر المديني، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما\n_________\n= الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^١) أخرجه الطبري بالسند السابق لكنه هنا هو مرسل وسنده ضعيف.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"4","page":309},{"text":"أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونًا وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللِّقاء. فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ، فجاء إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب. فقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ وإن رجليه لتسفعان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله ﷺ وهو متعلق بنِسْعَة (^١) رسول الله ﷺ (^٢).\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المسجد: كذبت ولكنك منافق لأخبرنَّ رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن، فقال عبد الله بن عمر أنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ورسول الله ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ الآية (^٣). وقد رواه الليث عن هشام بن سعد بنحو من هذا (^٤).\nوقال ابن إسحاق، وقد كان من جماعة من المنافقين منهم: وديعة بن ثابت أخو بني أُمية بن زيد بن عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له: مخشي بن حمير (^٥)، يسيرون مع رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا؟ والله لكأنا بكم غدًا مقرنين في الحبال، إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين فقال مخْشي بن حُمَيِّر: والله لوددت أن أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وإننا نغلب أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال رسول الله ﷺ فيما بلغني لعمار بن ياسر: \"أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى قلتم كذا وكذا\" فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه فقال وديعة بن ثابت ورسول الله واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحَقَبِها (^٦): يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي فكان الذي [عفي] (^٧) عنه في هذه الآية مخشي بن حمير فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيدًا لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر (^٨).\n_________\n(^١) النِسْعَة: سير مضفور يجعل زمامًا للبعير، وقد تُنسج عريضة تجعل على صدر البعير.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق أبي معشر به، وسنده ضعيف أبي معشر، ويتقوى بالرواية التالية والمراسيل التي تليها.\n(^٣) أخرجه الطبري عن يونس عن عبد الله بن وهب به، وصحح سنده الأستاذ أحمد شاكر.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن صالح عن الليث به، ويتقوى بسابقه.\n(^٥) مخشي بن حِمَيْر: ويقال له مُخسِّن، الأشجعي حليف لبني سلمة من الأنصار، كان من المنافقين ومن أصحاب مسجد الضرار، ثم تاب وحسنت توبته وطلب من النبي أن يغير اسمه: فسماه: عبد الله بن عبد الرحمن، فدعا مخشي ربه أن يقتل شهيدًا حيث لا يعلم، فقتل يوم اليمامة ولم يعلم له أثر (أسد الغابة ٤/ ٣٣٨ والإصابة ٣/ ٣٧٢).\n(^٦) الحَقَب: حبل يُشد به الرحل إلى بطن البعير مما يلي ذيله كي لا يجتذبه التصدير (النهاية ١/ ٤١١).\n(^٧) في الأصل بياض بقدر الكلمة. واستدرك من (عم) و(حم).\n(^٨) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥) وآخره تقدم في ترجمة مخشي.","vol":"4","page":310},{"text":"وقال قتادة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ قال: فبينما النبي ﷺ في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن -هذا أن- يفتح قصور الروم وحصونها هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا، فقال: \"عليَّ بهؤلاء النفر\" فدعاهم فقال: \"قلتم كذا وكذا\"، فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب (^١).\nوقال عكرمة في تفسير هذه الآية: كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللَّهم إني أسمع آية أنا أعنى بها تقشعر منها الجلود وتجبُّ (^٢) منها القلوب، اللَّهم فاجعل وفاتي قتلًا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت. قال: فأُصيب يوم اليمامة فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره (^٣).\n\n<span id=\"aya-1301\"></span>وقوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي: بهذا المقال الذي استهزأتم به ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ أي: لا يعفى عن جميعكم ولابد من عذاب بعضكم ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أي: مجرمين بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة.\n\n<span id=\"aya-1302\"></span>﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين، ولما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كان هؤلاء ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن الإنفاق في سبيل الله، ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أي: نسوا ذكر الله ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: عاملهم معاملة من نسيهم كقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤] ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طريق الحق الداخلون في طريق الضلالة،\n\n<span id=\"aya-1303\"></span>وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ أي: على هذا الصنيع الذي ذكر عنهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها مخلدين هم والكفار ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أي: كفايتهم في العذاب ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: طردهم وأبعدهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-1304\"></span>﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾.\nيقول تعالى: أصاب هؤلاء من عذاب الله في الدنيا والآخرة كما أصاب من قبلهم، وقوله: ﴿بِخَلَاقِهِمْ﴾ قال الحسن البصري: بدينهم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه مرسل من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٢) أي تضطرب.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه مرسل من طريق أيوب السختياني عن عكرمة، ويشهد له ما سبق من الآثار.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن.","vol":"4","page":311},{"text":"وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: في الكذب والباطل ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطلت مساعيهم فلا ثواب لهم عليها؛ لأنها فاسدة ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب.\nقال ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هؤلاء بنو إسرائيل شبَّهنا بهم لا أعلم إلا أنه قال: \"والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جُحَر ضبِّ (^١) لدخلتموه\" (^٢).\nقال ابن جريج: وأخبرني زياد بن سعد، عن محمد بن زياد بن مهاجر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده لتتبعنَّ سَنن الذين من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع وباعًا بباع، حتى لو دخلوا جُحَر ضبٍّ لدخلتموه\" قالوا: ومن هم يا رسول الله، أهل الكتاب؟ قال: فَمَه (^٣) \" (^٤). وهكذا رواه أبو معشر، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: فذكره، وزاد قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم القرآن ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، قال أبو هريرة: الخِلاق: الدين ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم؟ قال: \"فهل الناس إلا هم؟ \" (^٥) وهذا الحديث له شاهد في الصحيح (^٦).\n\n<span id=\"aya-1305\"></span>﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾.\nيقول تعالى واعظًا لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل؟ ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض إلا من آمن بعبده ورسوله نوح ﵇، ﴿وَعَادٍ﴾ كيف أهلكوا بالريح العقيم لما كذبوا هودًا ﵇، ﴿وَثَمُودَ﴾ كيف أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحًا ﵇ وعقروا الناقة، ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ كيف نصره الله عليهم وأيده بالمعجزات الظاهرة عليهم، وأهلك ملكهم نمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه الله، ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ وهم قوم شعيب ﵇ وكيف\n_________\n(^١) خصص بجحر الضب لشدة ضيقه وردائته، ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم، واتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لتبعوهم! (ينظر فتح الباري ٦/ ٤٩٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حجاج بن محمد به، وفي سنده عمر بن عطاء: ضعيف، ويشهد لآخره الحديث التالي عن أبي هريرة ﵁.\n(^٣) فمه: مه حرف استفهام بمعنى: \"من\".\n(^٤) أخرجه البخاري من طريق أبي غسان عن زيد بن أسلم به بلفظ: \"فمن\" بدل \"فمه\" وأخرجه مسلم من طريق أبي غسان به مثل لفظ البخاري (صحيح مسلم، العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى ح ٢٦٦٩).\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق أبي معشر به بدون الخلاق: الدين، وهذا اللفظ أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي معشر به، وسنده ضعيف لضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي، ويتقوى أغلبه بما سبق.\n(^٦) صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم\" (ح ٧٣١٩).","vol":"4","page":312},{"text":"أصابتهم الرجفة وعذاب يوم الظلة؟ ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ قوم لوط وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾ [النجم] أي: الأُمة المؤتكفة وقيل: أُم قراهم، وهي سدوم، والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوط ﵇ وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل القاطعات، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: بإهلاكه إياهم؛ لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم الحق، فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار.\n\n<span id=\"aya-1306\"></span>﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾.\nلما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الصحيح: \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا\" وشبك بين أصابعه (^١).\nوفي الصحيح أيضًا: \"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسهر\" (^٢).\nوقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران]، وقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمر وترك ما عنه زجر ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: سيرحم الله من اتَّصف بهذه الصفات ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: عز من أطاعه، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ﴿حَكِيمٌ﴾ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإنه له الحكمة في جميع ما يفعله ﵎.\n\n<span id=\"aya-1307\"></span>﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾.\nيخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به والمؤمنات من الخيرات والنعيم المقيم في ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: حسنة البناء طيبة القرار، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (صحيح البخاري، الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد ح ٤٨١) وصحيح مسلم. البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم ح ٢٥٨٥).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٨٤.","vol":"4","page":313},{"text":"في جنة عدن\" (^١).\nوبه قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلًا في السماء! للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضًا\" أخرجاه في الصحيحين (^٢)، وفيهما -أيضًا- عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان، فإن حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو حبس في أرضه التي ولد فيها\" قالوا: يا رسول الله أفلا نخبر الناس؟ قال: \"إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن\" (^٣). وعند الطبراني والترمذي وابن ماجه من رواية زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول … فذكر مثله (^٤)، وللترمذي عن عبادة بن الصامت مثله (^٥).\nوعن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما ترون الكوكب في السماء\" أخرجاه في الصحيحين (^٦).\nثم ليعلم أن أعلى منزلة في الجنة مكان يقال له: الوسيلة، لقربه من العرش وهو: مسكن رسول الله ﷺ من الجنة، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا صليتم عليّ فسلوا الله لي الوسيلة\". قيل: يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال: \"أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو\" (^٧).\nوفي صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة: عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلُّوا عليَّ فإنه من صلَّى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير، سورة الرحمن، باب ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن] (ح ٤٨٧٨) وصحيح مسلم، الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم (ح ١٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري بنحوه (المصدر السابق ح ٤٨٧٩)، وأخرجه مسلم بلفظه تقريبًا (الصحيح، الجنة وصفة نعيمها ح ٢٨٣٨).\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة مع تقديم وتأخير (الصحيح، التوحيد، باب \"وكان عرشه على الماء\" ح ٧٤٢٣).\n(^٤) المعجم الكبير ٢٠/ ١٥٨، وسنن الترمذي أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة درجات الجنة (٢٥٣٠) وسنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة الجنة (ح ٤٣٣١) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٤٩٦).\n(^٥) سنن الترمذي صفة الجنة، باب ما جاء في درجات الجنة (ح ٢٥٣١).\n(^٦) صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار (ح ٦٥٥٥)، وصحيح مسلم، الجنة، باب تراءي أهل الجنة أهل الغرف (ح ٢٨٣٠).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣/ ٤٠ ح ٧٥٩٨) وضعفه محققوه بسبب ما قيل في ليث وهو ابن أبي سليم.","vol":"4","page":314},{"text":"في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون هو، فمن سأل الله ليَّ الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة يوم القيامة\" (^١).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"سلوا الله لي الوسيلة فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة\" (^٢).\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث سعد بن مجاهد الطائي، عن أبي المِدلَّه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: \"لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه\" (^٣) وروي عن ابن عمر مرفوعًا نحوه.\nوعند الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنة لغرفًا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها\" فقام أعرابي فقال: يا رسول الله لمن هي؟ فقال: \"لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام\" ثم قال: حديث غريب (^٤). ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو وأبي مالك الأشعري كل منهما عن النبي ﷺ بنحوه، وكل من الإسنادين جيد وحسن، وعنده أن السائل هو: أبو مالك الأشعري (^٥)، فالله أعلم.\nوعن أُسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا هل من مشمِّر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي -وربِّ الكعبة- نور يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطَّرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية\" قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمِّرون لها، قال: \"قولوا: إن شاء الله\" فقال القوم: إن شاء الله. رواه ابن ماجه (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: رضا الله عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم، كما قال الإمام مالك ﵀ عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن (ح ٣٨٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الأوسط ١/ ٣٧٠ ح ٦٣٧) ويشهد له سابقه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق سعد بن مجاهد به وأطول (المسند ١٣/ ٤١٠ ح ٨٠٤٣)، وصحح سنده محققوه بطرقه وشواهده.\n(^٤) سنن الترمذي، صفة الجنة، باب ما جاء في صفة غرف الجنة (ح ٢٥٢٧).\n(^٥) المعجم الكبير ٣/ ٣٠١ (ح ٣٤٦٦) وحسن سنده الحافظ ابن كثير، وأخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو، ومن حديث أبي مالك الأشعري وصححهما ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٢١)، وحسنه المنذري (الترغيب ١/ ٤٢٤)، وحسنهما الألباني في صحيح الترغيب (ح ٩٣٨ و٩٣٩).\n(^٦) سنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة الجنة (ح ٤٣٣٢) وضعفه البوصيري لجهالة رجل فيه اسمه: الضحاك المعافري (مصباح الزجاجة ٣/ ٣٢٥).","vol":"4","page":315},{"text":"الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله ﷿ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربِّ وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا\" أخرجاه من حديث مالك (^١).\nوقال أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي: حدثنا الفضل [الرخامي] (^٢) حدثنا الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله ﷿: هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا ما خير مما أعطيتنا؟ قال: رضواني أكبر\" (^٣). ورواه البزار في مسنده من حديث الثوري، وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه (صفة الجنة): هذا عندي على شرط الصحيح، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1308\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾.\nأمر تعالى رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة، وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: بعث رسول الله ﷺ بأربعة أسياف (^٤): سيف للمشركين ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وسيف لكفار أهل الكتاب ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة]، وسيف للمنافقين ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، وسيف للبغاة ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق وهو اختيار ابن جرير.\nوقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قال: بيده، فإن لم يستطع فليكفهر (^٥) في وجهه (^٦).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار وصحيح مسلم، صفة الجنة، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة (ح ٢٨٢٩).\n(^٢) كذا في (عم) و(مح) و(حم) وفي الأصل صحف إلى: \"الرحامي\".\n(^٣) أخرجه الحاكم من طريق محمد بن يوسف الفريابي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٨٢)، وصححه الضياء المقدسي كما نقل الحافظ ابن كثير عنه.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير الآية رقم (٥) من هذه السورة الكريمة وتبين أنه ضعيف، وقد اقتصر هناك على ذكر السيف الأول عن علي ﵁ أما بقية السيوف الأربعة فهي تتمة من الحافظ ابن كثير كما صرح بذلك هناك إذ قال: وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب …\n(^٥) فليكفهر: أي فليلقه بوجه منقبض عابس، لا طلاقة فيه ولا بشر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمرو بن أبي جندب عن ابن مسعود.","vol":"4","page":316},{"text":"وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف؛ والمنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم (^١).\nوقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف؛ واغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم (^٢).\nوعن مقاتل والربيع مثله (^٣)، وقال الحسن وقتادة: مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم (^٤).\nوقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال؛ لأنه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا بحسب الأحوال، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1309\"></span>وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أُبي، وذلك أنه اقتتل رجلان جهني وأنصاري، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال عبد الله للأنصار: ألا تنصروا أخاكم؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي ﷺ، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف باللهِ ما قاله، فأنزل الله فيه هذه الآية (^٥).\nوروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة قال: فحدثني عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: حزنت على من أُصيب بالحَرة من قومي، فكتب إلي زيد بن أرقم وبلغه شدة حزني يذكر أنه سمع رسول الله يقول: \"اللَّهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار\" وشكَّ ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار قال ابن الفضل: فسأل أنس بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم فقال: هو الذي يقول له رسول الله ﷺ: \"أوفى الله له بِأُذُنِه\" (^٦) قال: وذلك حين سمع رجلًا من المنافقين يقول ورسول الله ﷺ يخطب: لئن كان صادقًا فنحن شرُّ من الحمير، فقال زيد بن أرقم: فهو والله صادق ولأنت شرُّ من الحمار. ثم رفع ذلك إلى رسول الله ﷺ، فجحده القائل، فأنزل الله هذه الآية تصديقًا لزيد، يعني قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية، رواه البخاري في صحيحه عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة -إلى قوله:- هذا الذي أوفى الله له بِأُذُنِه، ولعلَّ ما بعده من قول موسى بن عقبة، وقد رواه محمد بن فليح عن موسى بن عقبة بإسناده، ثم قال: قال ابن شهاب … فذكر ما بعده عن موسى، عن ابن شهاب (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك ويتقوى بسابقه.\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٤) قول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويشهد لبعضه الرواية التالية في صحيح البخاري.\n(^٦) صحيح البخاري، التفسير، سورة المنافقون، باب ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] (ح ٤٩٠٦).\n(^٧) قال الحافظ ابن حجر: وهذا مرسل جيد وكان البخاري حذفه لكونه على غير شرطه، ولا مانع من نزول الآيتين في القصتين في تصديق زيد (فتح الباري ٨/ ٦٥١).","vol":"4","page":317},{"text":"والمشهور في هذه القصة أنه كانت في غزوة بني المصطلق، فلعل الراوي وهم في ذكر الآية، وأراد أن يذكر غيرها فذكرها (^١)، والله أعلم.\nقال الأموي في مغازيه: حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده قال: لما قدم رسول الله ﷺ أخذني قومي فقالوا: إنك امرؤ شاعر فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله ﷺ ببعض العلَّة ثم يكون ذنبًا تستغفر الله منه، وذكر الحديث بطوله إلى أن قال: وكان ممن تخلف من المنافقين ونزل فيه القرآن منهم ممن كان مع النبي ﷺ الجُلاس بن سويد بن الصامت (^٢)، وكان على أم عُمير بن سعد، وكان عُمير في حجره، فلما نزل القرآن وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقًا فيما يقول لنحن شرٌ من الحمير؟ فسمعها عمير بن سعد (^٣) فقال: والله يا جُلاس إنك لأحبُّ الناس إليَّ وأحسنهم بلاء عندي وأعزَّهم عليَّ أن يصله شيء يكرهه، ولقد قلتَ مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن كتمتها لتهلكني، ولإحداهما أهون عليَّ من الأخرى، فمشى إلى رسول الله ﷺ فذكر له ما قال الجُلاس، فلما بلغ ذلك الجُلاس خرج حتى أتى النبي ﷺ فحلف بالله ما قال ما قال عُمير بن سعد، ولقد كذب عليَّ، فأنزل الله ﷿ فيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ …﴾ إلى آخر الآية، فوقفه رسول الله ﷺ عليها فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته ونزع فأحسن النزوع (^٤).\nهكذا جاء هذا مدرجًا في الحديث متصلًا به وكأنه -والله أعلم- من كلام ابن إسحاق نفسه لا من كلام كعب بن مالك (^٥).\nوقال عروة بن الزبير: نزلت هذه الآية في الجُلاس بن سويد بن الصامت، أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء، فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقًا فنحن أشرُّ من حمرنا هذه التي نحن عليها، فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لأخبرنَّ رسول الله ﷺ بما قلت، فأتيت النبي ﷺ وخفت أن ينزل فيّ القرآن أو تصيبني قارعة أو أن أخلط بخطيئته، فقلت: يا رسول الله أقبلت أنا والجلاس من قباء، فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك، قال: فدعا الجلاس فقال: \"يا جُلاس أقلت الذي قاله مصعب؟ \" فحلف فأنزل الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية (^٦).\nوقال محمد بن إسحاق: كان الذي قال تلك المقالة فيما بلغني الجُلاس بن سويد بن الصامت، فرفعها عليه رجل كان في حجره يقال له: عُمير بن سعد فأنكرها فحلف بالله ما قالها، فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع وحسنت توبته فيما بلغني (^٧).\n_________\n(^١) لقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الإشكال كما في الحاشية السابقة.\n(^٢) وكان ممن تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك (السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٥١٩).\n(^٣) هو عمير بن سعد الأوسي صحابي جليل (الإصابة ٣/ ٣٢).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن إذ صرح ابن إسحاق بالتحديث عن الزهري به.\n(^٥) بل هو من كلام كعب بن مالك كما في السند السابق وأخرجه بنحوه بسند حسن آخر عن ابن عباس ﵄.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق هشام بن عروة عن أبيه لكنه مرسل وتشهد له الروايات السابقة.\n(^٧) تقدم تخريجه في الرواية قبل السابقة من رواية ابن أبي حاتم.","vol":"4","page":318},{"text":"وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في ظل شجرة فقال: \"إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم -بعيني الشيطان- فإذا جاء فلا تكلموه\" فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق (^١)، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: \"علام تشتمني أنت وأصحابك؟ \" فانطلق الرجل فجاءه بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله ﷿: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية (^٢).\nوقوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ قيل: أنزلت في الجُلاس بن سويد وذلك أنه همَّ بقتل ابن امرأته حين قال: لأخبرن رسول الله ﷺ (^٣)، وقيل: في عبد الله بن أُبي، همَّ بقتل رسول الله ﷺ (^٤).\nوقال السدي: نزلت في أناس أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أُبي وإن لم يرض رسول الله ﷺ (^٥) وقد ورد أن نفرًا من المنافقين همّوا بالفتك بالنبي ﷺ وهو في غزوة تبوك، في بعض تلك الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلًا، قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الآية. وذلك بيِّن فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب (دلائل النبوة) من حديث محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كنت آخذًا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به وعمار يسوق الناقة، أو أنا أسوقه وعمار يقوده حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبًا قد اعترضوه فيها، قال فأنبهت رسول الله ﷺ بهم، فصرخ بهم، فولُّوا مدبرين. فقال لنا رسول الله ﷺ: \"هل عرفتم القوم؟ \" قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب قال: \"هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة وهل تدرون ما أرادوا؟ \" قلنا: لا، قال: \"أرادوا أن يزاحموا رسول الله ﷺ في العقبة فيلقوه منها\" قلنا: يا رسول الله أفلا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: \"لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدًا قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم -ثم قال:- اللَّهم ارمهم بالدبيلة\" قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: \"شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك\" (^٦).\nوقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا يزيد، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جُميع، عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر مناديًا فنادى: إن رسول الله ﷺ أخذ العقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عمارًا وهو يسوق برسول الله ﷺ، فأقبل عمار ﵁ يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: \"قد قد\" حتى هبط رسول الله ﷺ، فلما هبط نزل ورجع عمار\n_________\n(^١) أي أزرق العيون.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده أحمد شاكر.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل.\n(^٦) أخرجه البيهقي من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق به (دلائل النبوة ٥/ ٢٦٠ - ٢٦١) وسنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق، وأبو البختري وهو فيروز لم يسمع من حذيفة ﵁.","vol":"4","page":319},{"text":"فقال: يا عمار، \"هل عرفت القوم؟ \" قال: لقد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال: \"هل تدري ما أرادوا؟ \" قال: الله ورسوله أعلم قال: \"أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ فيطرحوه\" قال: فسأل عمار رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: \"نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلًا فقال: إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر، قال فعدَّ رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار أشهد: أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد\" (^١).\nوهكذا روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير نحو هذا، وأن رسول الله ﷺ أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون وهم متلثمون فأرادوا سلوك العقبة، فأطلع الله على مرادهم رسول الله ﷺ، فأمر حذيفة فرجع إليهم فضرب وجوه رواحلهم ففزعوا ورجعوا مقبوحين، وأعلم رسول الله ﷺ حذيفة وعمارًا بأسمائهم وما كانوا همُّوا به من الفتك به صلوات الله وسلامه عليه وأمرهما أن يكتما عليهم (^٢)، وكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق، إلا أنه سمَّى جماعة منهم، فالله أعلم (^٣).\nوكذا قد حكي في معجم الطبراني قاله البيهقي، ويشهد لهذه القصة بالصحة ما رواه مسلم: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أبو أحمد الكوفي، حدثنا الوليد بن جميع، حدثنا أبو الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة أو بين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟] (^٤) قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك؟ فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ولا علمنا بما أراد القوم؟ وقد كان في حرَّة يمشي فقال: إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد، فوجد قومًا قد سبقوه فلعنهم يومئذٍ (^٥)، وما رواه مسلم أيضًا من حديث قتادة عن أبي نضرة، عن قيس بن عباد، عن عمار بن ياسر قال: أخبرني حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال: \"في أصحابي اثنا عشر منافقًا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط: ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة: سراج من نار تظهر بين أكتافهم حتى ينجم في صدورهم\" (^٦) ولهذا كان حذيفة يقال له: صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، أي من تعيين جماعة من المنافقين وهم هؤلاء قد أطلعه عليهم رسول الله ﷺ دون غيره، والله أعلم.\n[وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة، ثم روي عن علي بن عبد العزيز،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/ ٢١٠ - ٢١١ ح ٢٣٧٩٢)، وقال محققوه: إسناده قوي على شرط مسلم، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ١٩٥).\n(^٢) أخرجه البيهقي من طريق عمرو بن خالد عن ابن لهيعة به نحوه.\n(^٣) أخرجه البيهقي من طريق أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير به.\n(^٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(حم) و(مح) وصحيح مسلم.\n(^٥) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، صفات المنافقين وأحكامهم ح ١١/ ٢٧٧٥).\n(^٦) المصدر السابق (ح ١٠/ ٢٧٧٥).","vol":"4","page":320},{"text":"عن الزبير بن بكار أنه قال: هم [معتب بن قشير] (^١)، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قيظي، والحارث بن سويد، وسعد بن وراه، وقيس بن فهد، وسويد بن داعس من بنى الحبلى، وقيس بن عمرو بن سهل، [وزيد بن اللصيت] (^٢)، وسلالة بن الحمام وهما من بني قينقاع أظهرا الإسلام] (^٣) (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويمن سعادته، ولو تمَّت عليه السعادة لهداهم الله لما جاء به كما قال ﷺ للأنصار: \"ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي\" كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنّ (^٥). وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب، كقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج]. وقوله ﵇: \"ما ينقم ابن جميل (^٦) إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله\" (^٧) ثم دعاهم الله ﵎ إلى التوبة فقال: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: وإن يستمروا على طريقهم يعذبهم الله عذابًا أليمًا في الدنيا أي: بالقتل والهم والغم، والآخرة أي: بالعذاب والنكال والهوان والصغَار ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أي: وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم لا يحصل لهم خيرًا ولا يدفع عنهم شرًا.\n\n<span id=\"aya-1310\"></span>\n\n<span id=\"aya-1311\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾.\nيقول تعالى: ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله\n_________\n(^١) كذا في (عم) وفي الأصل صُحف إلى: \"معتب بن فيرو\".\n(^٢) كذا في (عم) وفي الأصل صُحف إلى: \"زيد بن الصليت\".\n(^٣) ما بين معقوفين فيه ذكر أسماء المنافقين ورد ذكرهم في الأصل و(عم)، وفي (حم) و(مح) لم ترد هذه الأسماء.\n(^٤) المعجم الكبير ٣/ ١٦٥ - ١٦٦، وسنده معضل لإرسال الزبير بن بكار وهو من صغار اتباع التابعين.\n(^٥) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ (صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الطائف ح ٤٣٣٠) وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم ح ١٠٦١).\n(^٦) ابن جميل: قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه في كتب الحديث، لكن وقع في تعليق القاضي الحسين المروزي الشافعي وتبعه الروياني أن اسمه عبد الله .. وقول الأكثر أنه كان أنصاريًا (فتح الباري ٣/ ٣٣٣).\n(^٧) هذا طرف من حديث رواه أبو هريرة قال: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة، فقيل منعَ ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب فقال النبي ﷺ ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا قد احتبس أدراعه واعتده في سبيل الله … (صحيح البخاري، الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] ح ١٤٦٨).","vol":"4","page":321},{"text":"وليكونن من الصالحين، فما وفَّى بما قال، ولا صدق فيما ادعى، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقًا سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله ﷿ يوم القيامة عياذًا بالله من ذلك.\nوقد ذكر كثير من المفسرين منهم ابن عباس والحسن البصري أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في ثعلبة بن حاطب الأنصاري (^١). وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير ههنا، وابن أبي حاتم من حديث معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية، عن أبي أُمامة الباهلي، عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أنه قال لرسول الله ﷺ: ادع الله أن يرزقني مالًا، قال: فقال رسول الله ﷺ: \"ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه\" قال: ثم قال مرة أخرى فقال: \"أما ترضى أن تكون مثل نبي الله -فوالذي نفسي بيده- لو شئت أن تسير الجبال معي ذهبًا وفضةً لسارت\" قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالًا لأعطينَّ كل ذي حق حقه، فقال رسول الله ﷺ: \"اللَّهم ارزق ثعلبة مالًا\" قال: فاتخذ غنمًا فنَمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديًا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمّت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ليسألهم عن الأخبار فقال رسول الله ﷺ: \"ما فعل ثعلبة؟ \" فقالوا: يا رسول الله اتخذ غنمًا فضاقت عليه المدينة، فأخبروه بأمره، فقال: \"يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة\".\nوأنزل الله جل ثناؤه ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، ونزلت فرائض الصدقة، فبعث رسول الله ﷺ رجلين على الصدقة من المسلمين رجلًا من جهينة ورجلًا من سليم وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: \"مرا بثعلبة وبفلان -رجل من بني سليم- فخذا صدقاتهما\" فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ، فقال: ما هذه إلا جزية! ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ فانطلقا، وسمع بهما السُّلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بهما، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا وما نريد أن نأخذ هذا منك، فقال: بلى فخذوها فإن نفسي بذلك طيبة وإنما هي لله، فأخذاها منه ومرَّا على الناس، فأخذا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال: أروني كتابكما فقرأه فقال: ما هذه إلا جزية! ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي! فانطلقا حتى أتيا النبي ﷺ فلما رآهما قال: \"ويح ثعلبة\" قبل أن يكلمهما ودعا للسُّلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السُّلمي، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ الآية، قال: وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ﷺ فسأله أن يقبل\n_________\n(^١) رواية ابن عباس أخرجها الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به عن ابن عباس، ورواية الحسن البصري أخرجها الطبري بسند ضعيف بسبب ضعف شيخ الطبري ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، وعنعنة ابن إسحاق، وإرسال الحسن.","vol":"4","page":322},{"text":"منه صدقته، فقال: \"ويحك إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك\"، فجعل يحثو (^١) على رأسه التراب، فقال له رسول الله ﷺ: \"هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني\" فلما أبى رسول الله ﷺ أن يقبل صدقته رجع إلى منزله، فقبض رسول الله ﷺ ولم يقبل منه شيئًا، ثم أتى أبا بكر ﵁ حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله ﷺ وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله ﷺ وأبى أن يقبلها، فقبض أبو بكر ولم يقبلها.\nفلما ولي عمر ﵁ أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك؟ فقبض ولم يقبلها، فلما ولي عثمان ﵁ أتاه فقال: اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها منه فهلك ثعلبة في خلافة عثمان (^٢).\n\n<span id=\"aya-1312\"></span>وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ الآية، أي: أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم؛ كما في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان\" (^٣) وله شواهد كثيرة، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1313\"></span>وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الآية، يخبر تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها فإن الله أعلم بهم من أنفسهم؛ لأنه تعالى علام الغيوب أي يعلم كل غيب وشهادة، وكلَّ سر ونجوى، ويعلم ما ظهر وما بطن.\n\n<span id=\"aya-1314\"></span>﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾.\nوهذا أيضًا من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهِم في جميع الأحوال حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، كما روى البخاري: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو النعمان البصري، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود ﵁ قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا. فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ\n_________\n(^١) أي يرمي.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والطبراني (المعجم الكبير ٨/ ٢٦٠ ح ٧٨٧٣) كلهم من طريق معان بن رفاعة به وسنده ضعيف جدًا كذا قال الحافظ ابن حجر (الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ٢/ ٢٩٢)، والعلة في سنده من جهة معان بن رفاعة: قال البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني: متروك (ميزان الاعتدال ٤/ ١٣٤). وقد أفرد فضيلة د. عذاب محمود الحمش هذا الحديث برسالة مفردة فصل فيها الافتراء على هذا الصحابي الجليل بعنوان \"ثعلبة بن حاطب ﵁ المفترى عليه\".\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة (صحيح البخاري، الإيمان، باب علامة المنافق ح ٣٢)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان خصال المنافق (ح ٥٩).","vol":"4","page":323},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية (^١). وقد رواه مسلم أيضًا في صحيحه من حديث شعبة به (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا الجريري، عن أبي السليل قال: وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع فقال: حدثني أبي أو عمي أنه رأى رسول الله ﷺ بالبقيع وهو يقول: \"من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة\" قال: فحللت من عمامتي لوثًا أو لوثين وأنا أريد أن أتصدق بهما، فأدركني ما يدرك ابن آدم فعقدت على عمامتي، فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلًا أشد منه سوادًا ولا أصغر منه ولا أدم، ببعير ساقه لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها فقال: يا رسول الله أصدقة؟ قال: \"نعم\" قال: دونك هذه الناقة، قال فلمزه رجل فقال: هذا يتصدق بهذه فوالله لهي خير منه. قال: فسمعها رسول الله ﷺ فقال: \"كذبت بل هو خير منك ومنها\" ثلاث مرات، ثم قال: \"ويل لأصحاب المئين من الإبل\" ثلاثًا قالوا إلا من يا رسول الله؟ قال: \"إلا من قال بالمال هكذا وهكذا\" وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله ثم قال: \"فد أفلح المزهد المجهد\" ثلاثًا (^٣). المزهد في العيش، المجهد في العبادة.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله ﷺ، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء، وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا الصاع (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: إن رسول الله خرج إلى الناس يومًا فنادى فيهم أن اجمعوا صدقاتكم، فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله هذا صاع من تمر بتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما وأتيتك بالآخر، فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره في الصدقات، فسخر منه رجال وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا وما يصنعون بصاعك من شيء، ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول الله ﷺ: هل بقي أحد من أهل الصدقات؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لم يبق أحد غيرك\" فقال له عبد الرحمن بن عوف: فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: أمجنون أنت؟ قال: ليس بي جنون، قال: أفعلت ما فعلت؟ قال: نعم مالي ثمانية آلاف أما أربعة آلاف فأقرضها ربي وأما أربعة آلاف فلي، فقال له رسول الله ﷺ: \"بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت\". ولمزه المنافقون فقالوا: والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء وهم كاذبون إنما كان به متطوعًا، فأنزل الله ﷿ عذره وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر فقال تعالى في كتابه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه تقريبًا (الصحيح، الزكاة، باب \"اتقوا النار ولو بشق تمرة … \" ح ١٤١٥).\n(^٢) صحيح مسلم، الزكاة، باب الحمل بأجرة يتصدق بها … (ح ١٠١٨).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣/ ٤٧٠ - ٤٧١ ح ٢٠٣٦٠) وضعفه محققوه لجهالة الراوي عنه أبو السليل.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي طلحة له ويشهد له ما قبل سابقه في الصحيحين.","vol":"4","page":324},{"text":"الآية (^١)، وهكذا روي عن مجاهد وغير واحد (^٢).\nوقال ابن إسحاق: كان من المطوعين من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف تصدق بأربعة آلاف درهم وعاصم بن عدي أخو بني العجلان، وذلك أن رسول الله ﷺ رغَّب في الصدقة وحضَّ عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف وقام عاصم بن عدي وتصدق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلا رياء، وكان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة، فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل (^٣).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثًا\" قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله: عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي وألفين لعيالي، فقال رسول الله ﷺ: \"بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت\"، وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر فقال يا رسول الله: أصبت صاعين من تمر صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي، قال فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء، وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيّين عن صاع هذا؟ فأنزل الله ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ الآية (^٤)، ثم رواه عن أبي كامل، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه مرسلًا، قال ولم يسنده أحد إلا طالوت.\nوقال الإمام أبو جعفر ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن موسى بن عبيدة، حدثني خالد بن يسار، عن ابن أبي عقيل، عن أبيه، قال: بتُّ أجر الجرير على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به وجئت بالآخر أتقرب إلى رسول الله ﷺ فأتيته فأخبرته، فقال: \"انثره في الصدقة\" قال: فسخر القوم، وقالوا: لقد كان الله غنيًا عن صدقة هذا المسكين، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ الآيتين (^٥)، وكذا رواه الطبراني من حديث زيد بن حباب به (^٦)، وقال: اسم أبي عقيل: حباب ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي ويشهد لبعضه ما سبق.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد مختصرًا وهو مرسل وتشهد له رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٤/ ١٩٦).\n(^٤) مسند البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢١٦)، وفي سنده عمر بن أبي سلمة وهو صدوق يخطئ (التقريب ص ٤١٣) ولبعضه شواهد تقدمت يتقوى بها.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان، وضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي.\n(^٦) المعجم الكبير ٤/ ٤٥، وسنده ضعيف كسابقه.","vol":"4","page":325},{"text":"وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر منهم انتصارًا للمؤمنين في الدنيا، وأعدَّ للمنافقين في الآخرة عذابًا أليمًا؛ لأن الجزاء من جنس العمل.\n\n<span id=\"aya-1315\"></span>﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾.\nيخبر تعالى نبيه ﷺ بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلًا للاستغفار وأنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، وقد قيل: إن السبعين إنما ذكرت حسمًا لمادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها، وقيل: بل لها مفهوم كما روى العوفي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"لما نزلت هذه الآية أسمع ربِّي قد رخَّص لي فيهم فوالله لأستغفرنَّ لهم أكثر من سبعين مرة لعلّ الله أن يغفر لهم\" فقال الله من شدة غضبه عليهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية (^١) [المنافقون: ٦].\nوقال الشعبي: لما ثَقُلَ عبد الله بن أُبي انطلق ابنه إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي قد احتضر فأحبُّ أن تشهده وتصلي عليه فقال له النبي ﷺ: \"ما اسمك؟ \" قال: الحباب بن عبد الله قال: \"بل أنت عبد الله بن عبد الله إن الحباب اسم شيطان\"، فانطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه وهو عرق وصلَّى عليه فقيل له: أتصلي عليه وهو منافق؟ فقال: \"إن الله قال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ولأستغفرنَّ لهم سبعين وسبعين وسبعين\" (^٢). وكذا روي عن عروة بن الزبير ومجاهد بن جبير وقتادة بن دعامة رواها ابن جرير بأسانيده (^٣).\n\n<span id=\"aya-1316\"></span>﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾.\nيقول تعالى ذامًّا للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وفرحوا بقعودهم بعد خروجه: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ معه ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا﴾ أي: بعضهم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الشعبي مرسلًا، وقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن عمر بن الخطاب، والشعبي لم يسمع من عمر، ويتقوى بالمتابعة فقد أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير، باب ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ …﴾ [التوبة: ٨٠] ح ٤٦٧١) وابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن عمر ﵃، لكن بدون ذكر السؤال عن الاسم والجواب بأن الحباب اسم شيطان، كما يشهد له ما في الصحيح فقد أخرجه البخاري من طريق نافع عن ابن عمر نحوه دون ذكر السؤال عن الاسم (الصحيح، التفسير، باب ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ …﴾ [التوبة: ٨٠] ح ٤٦٧٠).\n(^٣) قول عروة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح لكنه مرسل، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه مرسل، وكذا قول قتادة، وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا وتشهد له رواية البخاري السابقة.","vol":"4","page":326},{"text":"لبعض ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدَّة الحرِّ عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قال الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾ التي تصيرون إليها بمخالفتكم ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ مما فررتم منه من الحر، بل أشدّ حرًّا من النار؛ كما قال الإمام مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"نار بني آدم التي يوقدون بها جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم\" فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ فقال: \"فُضلت عليها بتسعة وستين جزءًا\" (^١) أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وضربت في البحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد\" (^٣) وهذا أيضًا إسناده صحيح.\nوقد روى الإمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه عن عباس الدوري وعن يحيى بن أبي بكير، عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أوقد الله على النار ألف سنة حتى احمرَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة، حتى اسودَّت، فهي سوداء كالليل المظلم\" ثم قال الترمذي: لا أعلم أحدًا رفعه غير يحيى، كذا قال (^٤)، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه، عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن الحسين بن مكرم، عن عبيد الله بن سعد، عن عمه، عن شريك وهو ابن عبد الله النخعي به (^٥).\nوروى -أيضًا- ابن مردويه، من رواية مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس قال: تلا رسول الله ﷺ: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قال: \"أوقد عليها ألف عام حتى ابيضَّت، وألف عام حتى احمرَّت، وألف عام حتى اسودَّت، فهي سوداء كالليل لا يضيء لهبها (^٦).\nوروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث تمَّام بن نجيح، وقد اختلف فيه، عن الحسن، عن أنس رفعه: \"لو أن شرارة بالمشرق -أي من نار جهنم- لوجد حرُّها مَنْ بالمغرب\" (^٧).\nوروى الحافظ أبو يعلى، عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن أبي عبيدة الحداد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن شبيب، عن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن أبي هريرة\n_________\n(^١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه تقريبًا (الموطأ، كتاب جهنم، باب ما جاء في صفة جهنم ٢/ ٩٩٤ ح ١) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة (ح ٣٢٦٥) وصحيح مسلم، الجنة، شدة حرّ نار جهنم (ح ٢٨٤٣).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢/ ٢٨٠ ح ٧٣٢٧) وصحح سنده محققوه، وصححه أيضًا الحافظ ابن كثير.\n(^٤) سنن الترمذي، أبواب صفة جهنم (ح ٢٥٩١) وسنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة النار (ح ٤٣٢٠) وفي سنده شريك بن عبد الله النخعي: صدوق يخطئ كثيرًا تغير حفظه (التقريب ص ٢٦٦).\n(^٥) سنده كسابقه.\n(^٦) في سنده مبارك بن فضالة صدوق يدلس ويسوي (التقريب ص ٥١٩) ولم يصرح بالسماع.\n(^٧) سنده ضعيف لضعف تمام بن نجيح وهو الأسدي (التقريب ص ١٣٠).","vol":"4","page":327},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه\" (^١) غريب.\nوقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لمن له نعلان وشراكان من نار جهنم يغلي منهما دماغه كما يغلي المِرجل، لا يرى أن أحدًا من أهل النار أشد عذابًا منه وإنه أهونهم عذابًا\" أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش (^٢).\nوقال مسلم أيضًا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أدنى أهل النار عذابًا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن ابن عجلان، سمعت أبي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن أدنى أهل النار عذابًا رجل يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه\" (^٤) وهذا إسناد جيد قوي رجاله على شرط مسلم والله أعلم، والأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة، وقال الله تعالى في كتابه العزيز ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ [المعارج] وقال تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾ [الحج] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحرِّ، ليتقوا به من حرِّ جهنم الذي هو أضعاف أضعاف هذا ولكنهم كما قال الآخر (^٥):\nكالمستجير من الرمضاء بالنار\nوقال الآخر:\nعمرك بالحمية أفنيته … مخافة من البارد والحار\nوكان أولى لك أن تتقي … مِن المعاصي حذر النار\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١٢/ ٢٢ ح ٦٦٧٠)، وأخرجه أبو نعيم من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل وقال: غريب (الحلية ٤/ ٣٠٧)، وكذا استغربه الحافظ ابن كثير، وقال المنذري: في متنه نكارة (الترغيب ٤/ ٣٤٣).\n(^٢) أخرجه البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق به (الصحيح، الرقاق، باب صفة الجنة والنار ح ٦٥٦٢)، وأخرجه مسلم من طريق الأعمش به (الصحيح، الإيمان، باب أهون أهل النار عذابًا ح ٣٦٤/ ٢١٣).\n(^٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الإيمان، باب أهون أهل النار عذابًا ح ٢١١).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥/ ٤١٢ ح ٩٦٦٠)، وقال محققوه: إسناده قوى. وزاد ابن كثير: جيد قوي رجاله على شرط مسلم. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير يزيد بن خالد بن موهب وهو ثقة (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٩٥).\n(^٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، ولعل الصواب: كما قال الشاعر أو الراجز.","vol":"4","page":328},{"text":"<span id=\"aya-1317\"></span>ثم قال تعالى ﷻ متوعدًا هؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ الآية، قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله ﷿ استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدًا (^١). وكذا قال أبو رزين والحسن وقتادة والربيع بن خثيم وعون العقيلي وزيد بن أسلم (^٢).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش، حدثنا محمد بن جبير، عن ابن المبارك، عن عمران بن زيد، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن سفنًا أزجيت فيها لجرت\" (^٣) ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش عن يزيد الرقاشي به (^٤).\nوقال الحافظ أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عباس، حدثنا حماد الجزري، عن زيد بن رفيع رفعه، قال: إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زمانًا ثم بكوا القيح زمانًا، قال: فتقول لهم الخزنة: يا معشر الأشقياء تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا هل تجدون اليوم من تستغيثون به؟ قال: فيرفعون أصواتهم: يا أهل الجنة يا معشر الآباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشًا، وكنا طول الموقف عطاشًا ونحن اليوم عطاش، فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم، ثم يجيبهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فييأسون من كل خير\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-1318\"></span>﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾.\nيقول تعالى آمرًا لرسوله ﵊: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أي: ردَّك الله من غزوتك هذه ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة: ذُكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا (^٦) ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أي: معك إلى غزوة أخرى ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ أي: تعزيرًا لهم وعقوبة، ثم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) قول أبي رزين أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ٤١٨)، وسعيد بن منصور (السنن، التفسير رقم ١٠٢٨)، والطبري وابن أبي حاتم كلهم بأسانيد صحيحة من عدة طرق عن أبي رزين، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الربيع بن خيثم أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ٣٩٦)، والطبري بسند صحيح عن الأعمش عن أبي رزين عن الربيع بن خيثم، وقول عون العقيلي ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند مع التابعين المذكورين، وقول زيد بن أسلم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وليس فيه عن زيد بن أسلم.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٧/ ١٦١ ح ٤١٣٤)، وسنده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي.\n(^٤) سنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة النار (ح ٤٣٢٤) وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٥) سنده مرسل لأن زيد بن رفيع تابعي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وزيادة: من المنافقين، ورجاله ثقات لكنه مرسل.","vol":"4","page":329},{"text":"علَّل ذلك بقوله: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، فإن جزاء السيئة السيئة بعدها كما أن ثواب الحسنة الحسنة بعدها، كما قال في عمرة الحديبية: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥].\nوقوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ قال ابن عباس: أي الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة (^١).\nوقال قتادة: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أي: مع النساء (^٢).\nقال ابن جرير: وهذا لا يستقيم لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون، ولو أريد النساء لقال: فاقعدوا مع الخوالف أو الخالفات، ورجح قول ابن عباس ﵄.\n\n<span id=\"aya-1319\"></span>﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾.\nأمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يبرأ من المنافقين وأن لا يصلي على أحد منهم إذا مات، وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا عليه، وهذا حكم عام في كلِّ من عُرف نفاقه، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أُبي بن سلول رأس المنافقين كما قال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أُبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟! فقال رسول الله ﷺ: \"إنما خيرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيده على السبعين\" قال: إنه منافق. قال: فصلَّى عليه رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿ آية ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (^٣).\nوكذا رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أُسامة حماد بن أُسامة به (^٤)، ثم رواه البخاري، عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن عياض، عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به، وقال فصلى عليه وصلينا معه وأنزل الله ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية (^٥). وهكذا رواه الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله به (^٦).\nوقد روي من حديث عمر بن الخطاب نفسه -أيضًا- بنحو من هذا، فقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وردّه الطبري ورجح قول ابن عباس ﵄.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ …﴾ [التوبة: ٨٠] ح ٤٦٧٠).\n(^٤) صحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٧٤).\n(^٥) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] (ح ٤٦٧٢).\n(^٦) المسند ٢/ ١٨.","vol":"4","page":330},{"text":"عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لما توفي عبد الله بن أُبي [دُعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فقام إليه فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله بن أُبي] (^١) القائل يوم كذا وكذا وكذا يعدد أيامه؟! قال: ورسول الله ﷺ يبتسم، حتى إذا أكثرتُ عليه فقال: \"أخِّر عني يا عمر، إني خُيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت\" قال: ثم صلَّى عليه ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله ﷺ والله ورسوله أعلم. قال: فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية. فما صلى رسول الله ﷺ بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله ﷿ (^٢). وهكذا رواه الترمذي في التفسير من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري به، وقال: حسن صحيح (^٣).\nورواه البخاري، عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري به فذكر مثله، قال: \"أخِّر عني يا عمر\" فلما أكثرت عليه قال: \"إني خُيرت فاخترت ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها\" قال: فصلَّى عليه رسول الله ثم انصرف، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ الآية، فعجبت بعدُ من جرأتي على رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ أعلم (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مات عبد الله بن أُبي أتى ابنه النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله إنك إن لم تأته لم نزل نُعيَّر بهذا، فأتاه النبي ﷺ فوجده قد أُدخل في حفرته فقال: \"أفلا قبل أن تدخلوه\"؟ فأخرج من حفرته، وتفل عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه وألبسه قميصه (^٥)، ورواه النسائي، عن أبي داود الحراني، عن يعلى بن عبيد، عن عبد الملك وهو ابن أبي سليمان به (^٦).\nوقال البخاري: حدثنا عبد الله بن عثمان، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو سمع جابر بن عبد الله قال: أتى النبي ﷺ عبد الله بن أُبي بعد ما أدخل في قبره فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه (^٧). والله أعلم.\nوقد رواه أيضًا في غير موضع مع مسلم والنسائي من غير وجه، عن سفيان بن عيينة (^٨) به.\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(حم) ومسند أحمد.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٥٤ ح ٩٥)، وحسن سنده محققوه.\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة التوبة (ح ٣٠٩٧).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ …﴾ [التوبة: ٨٠] ح ٤٦٧١).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند/ ٢٣٧ ح ١٤٩٨٦) وصحح سنده محققوه.\n(^٦) السنن الكبرى، التفسير (ح ٩٦٦٥).\n(^٧) صحيح البخاري، اللباس، باب لبس القميص (ح ٥٧٩٥).\n(^٨) صحيح البخاري، الجنائز، باب الكفن في القميص (ح ١٢٧٠)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٧٣)، وسنن النسائي، الجنائز، باب القميص في الكفن ٤/ ٣٧.","vol":"4","page":331},{"text":"وقال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا مجالد، حدثنا عامر، حدثنا جابر \"ح\" وحدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء الدوسي، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: لما مات رأس المنافقين قال يحيى بن سعيد بالمدينة: فأوصى أن يصلي عليه النبي ﷺ فجاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال: \"إن أبي أوصى أن يكفن بقميصك -وهذا الكلام في حديث عبد الرحمن بن مغراء- قال يحيى في حديثه: فصلَّى عليه وألبسه قميصه فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وزاد عبد الرحمن: وخلع النبي ﷺ قميصه، فأعطاه إياه ومشى، فصلى عليه وقام على قبره، فأتاه جبريل ﵇ لما ولَّى قال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (^١) وإسناده لا بأس به وما قبله شاهد له.\nوقال الإمام أبو جعفر الطبري: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أحمد، حدثنا حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، أن رسول الله ﷺ أراد أن يصلي على عبد الله بن أُبي، فأخذ جبريل بثوبه وقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (^٢). ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من حديث يزيد الرقاشي وهو ضعيف (^٣).\nوقال قتادة: أرسل عبد الله بن أُبي إلى رسول الله ﷺ وهو مريض فلما دخل عليه قال له النبي ﷺ: \"أهلكك حبُّ يهود\" قال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتؤنِّبني، ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه إياه وصلَّى عليه وقام على قبره، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية (^٤).\nوقد ذكر بعض السلف أنه إنما كساه قميصه، لأن عبد الله بن أُبي لما قدم العباس طلب له قميص فلم يوجد على تفصيله إلا ثوب عبد الله بن أُبي لأنه كان ضخمًا طويلًا، ففعل ذلك به رسول الله ﷺ مكافأة له، فالله أعلم. ولهذا كان رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية الكريمة عليه لا يصلي على أحد من المنافقين ولا يقوم على قبره، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن أبيه، حدثني عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا دُعي إلى جنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيرًا قام فصلى عليها، وإن كان غير ذلك قال لأهلها: \"شأنكم بها\" ولم يصلِّ عليها (^٥).\nوكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليها حذيفة بن اليمان؛ لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، قد أخبره بهم رسول الله ﷺ، ولهذا كان يقال له: صاحب السر الذي لا يعلمه غيره أي من الصحابة.\nوقال أبو عبيد في كتاب \"الغريب\" في حديث عمر: إنه أراد أن يصلي على جنازة رجل فمرزه\n_________\n(^١) في سنده مجالد، وهو ابن سعيد، ليس بالقوي كما في التقريب وله شاهد سابق، ولهذا قال ابن كثير: إسناده لا بأس به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف يزيد الرقاشى.\n(^٣) مسند أبي يعلى ٧/ ١٤٥ (ح ٤١٢٢) وسنده كسابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل، ولشقه الأخير شواهد صحيحة تقدمت.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٢٤٩ ح ٢٢٥٥٥)، وصحح سنده محققوه. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٣/ ٣).","vol":"4","page":332},{"text":"حذيفة كأنه أراد أن يصدَّه عن الصلاة عليها. ثم حكى عن بعضهم: أن المرز -بلغة أهل اليمامة- هو القرص بأطراف الأصابع.\nولما نهى الله ﷿ عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم للاستغفار لهم، كان هذا الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين فشرع ذلك، وفي فعله الأجر الجزيل كما ثبت في الصحاح وغيرها من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان\" قيل: وما القيراطان؟ قال: \"أصغرهما مثل أحد\" (^١).\nوأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات، فروى أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا هشام، عن عبد الله بن بحير، عن هانئ، وهو أبو سعيد البربري مولى عثمان بن عفان، عن عثمان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: \"استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل\" (^٢) انفرد بإخراجه أبو داود رحمه الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-1320\"></span>﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾.\nقد تم تفسير نظير هذه الآية الكريمة (^٣)، ولله الحمد.\n\n<span id=\"aya-1321\"></span>﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾.\nيقول تعالى منكرًا وذامًّا للمتخلفين عن الجهاد الناكلين عنه مع القدرة عليه ووجود السعة والطول (^٤)، واستأذنوا الرسول في القعود وقالوا: ﴿ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء، وهنَّ الخوالف بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس، وإذا كان أمن كانوا أكثر الناس كلامًا، كما قال تعالى عنهم في الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن، وفي الحرب أجبن شيء، وكما قال الشاعر:\nأفي السلم أعيار (^٥) أجفاء وغلظة … وفي الحرب أشباه النساء العوارك (^٦)؟ (^٧)\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الجنائز، باب من انتظر حتى تدفن (ح ١٣٢٥)، وصحيح مسلم، الجنائز، باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها (ح ٤٩٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت ح ٣٢٢١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٧٥٨).\n(^٣) في تفسير الآية رقم (٥٥) من هذه السورة الكريمة.\n(^٤) أي الغنى.\n(^٥) أعيار: جمع عَير، وهو الحمار.\n(^٦) العوارك: أي الحوائض. قال السهيلي: عركت المرأة وطمثت إذا حاضت (الروض الأنف ٢/ ٨٣).\n(^٧) ذكره ابن هشام ونسبه إلى هند بنت عتبة (السيرة ١/ ٦٥٦).","vol":"4","page":333},{"text":"وقال تعالي في الآية الأخرى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ الآية [محمد].\n\n<span id=\"aya-1322\"></span>وقوله: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: بسبب نكولهم عن الجهاد والخروج مع الرسول في سبيل الله ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه ولا ما فيه مضرة لهم فيجتنبوه.\n\n<span id=\"aya-1323\"></span>\n\n<span id=\"aya-1324\"></span>﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾.\nلما ذكر تعالى ذنب المنافقين وبين ثناءه على المؤمنين وما لهم في آخرتهم، فقال: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا …﴾ إلى آخر الآيتين من بيان حالهم ومآلهم، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ أي: في الدار الآخرة في جنات الفردوس، والدرجات العلى.\n\n<span id=\"aya-1325\"></span>﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾.\nثم بيَّن تعالى حال ذوي الأعذار في ترك الجهاد الذين جاؤوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه ويبينون له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج، وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة.\nقال الضحاك، عن ابن عباس، إنه كان يقرأ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتخفيف ويقول: هم أهل العذر (^١). وكذا روى ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد سواء (^٢).\nقال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نفر من بني غفار خفاف بن إيماء بن رخصة (^٣)، وهذا: القول هو الأظهر في معنى الآية، لأنه قال بعد هذا: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: لم يأتوا فيعتذروا.\nوقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ قال: نفر من بني غفار جاؤوا فاعتذروا فلم يعذرهم الله (^٤)، وكذا قال الحسن وقتادة (^٥) ومحمد بن إسحاق والقول الأول أظهر والله أعلم، لما قدمنا من قوله بعده: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: وقعد آخرون من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك به، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس ﵄، والقراءة بالتخفيف متواترة، والمعنى صحيح.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور (السنن، التفسير رقم ١٠٣٠)، والطبري كلاهما من طريق سفيان بن عيينة به وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن إسحاق، وذكره ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ٥٥٢).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق يحيى بن زكريا عن ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد ويشهد له ما يلي.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن لكنه مرسل من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بأنها نزلت في عائذ بن عمرو وهو من قبيلة مُزينة وليس من بني غفار.","vol":"4","page":334},{"text":"الأعراب عن المجيء للاعتذار ثم أوعدهم بالعذاب الأليم فقال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-1326\"></span>﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾.\nثم بيَّن تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجِلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما، ولهذا بدأ به، ومنه ما هو عارض بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن الخروج في سبيل الله أو بسبب فقره لا يقدر على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم ولم يرجفوا بالناس ولا يثبطوهم وهم محسنون في حالهم هذا، ولهذا قال: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال سفيان الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة ﵁ قال: قال الحواريون يا روح الله أخبرنا عن الناصح لله؟ قال: الذي يؤثر حقَّ الله على حقِّ الناس، وإذا حدث له أمران أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة، بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا (^١).\nوقال الأوزاعي: خرج الناس إلى الاستسقاء فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر من حضر ألستم مقرين بالإساءة؟ قالوا: اللَّهم نعم، فقال: اللَّهم إنَّا نسمعك تقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ اللَّهم وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقنا، ورفع يديه، ورفعوا أيديهم فسُقوا (^٢).\nوقال قتادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، حدثنا ابن جابر، عن ابن فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أُذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية، وذلك أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن ينبعثوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الثوري به، وأبو ثمامة تابعي روى عن الحسين بن علي بن أبي طالب (الجرح والتعديل ٩/ ٣٥١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح (لكنه مرسل) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"4","page":335},{"text":"غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه فيهم: عبد الله بن مغفل بن مقرن المزني فقالوا: يا رسول الله احملنا. فقال لهم: \"والله لا أجد ما أحملكم عليه\" فتولوا وهم يبكون وعزَّ عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة أو محملًا. فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-1327\"></span>\n\n<span id=\"aya-1328\"></span>وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾: نزلت في بني مقرن من مزينة (^٢).\nوقال محمد بن كعب: كانوا سبعة نفر: من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير، ومن بني واقف: حرمي بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب ويكنى أبا ليلى، ومن بني المعلى: سلمان بن صخر، ومن بني سلمة: عمرو بن غنمة وعبد الله بن عمرو المزني (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالًا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ وهم البكاؤون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير، وعلية بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وحرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعياض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله ﷺ، وكانوا أهل حاجة فقال: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن الأودي، حدثنا وكيع، عن الربيع، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: \"لقد خلفتم بالمدينة أقوامًا ما أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديًا ولا نلتم من عدو نيلًا إلا وقد شركوكم في الأجر\" ثم قرأ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية (^٥)، وأصل الحديث في الصحيحين من حديث [أنس] (^٦) أن رسول الله ﷺ قال: \"إن بالمدينة أقوامًا ما قطعتم واديًا ولا سرتم سيرًا إلا وهم معكم\" قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: \"نعم حبسهم العذر\" (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، وله شواهد يتقوى بها كما سيأتي ومنها ما أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد عن أبي العالية نحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر وهو نجيح عن محمد بن كعب.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق مقطعًا ومختصرًا وذكره ابن هشام في السيرة (٢/ ٥١٨).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل، ولشطره الأول شاهد في الصحيحين كما يلي.\n(^٦) في الأصل بياض واستدرك من (عم) و(حم) و(مح) والصحيحين.\n(^٧) صحيح البخاري، الجهاد، باب من حبسه العذر عن الغزو (ح ٢٨٣٩)، وأخرجه مسلم من حديث جابر كما سيأتي في الرواية التالية.","vol":"4","page":336},{"text":"رسول الله ﷺ: \"لقد خلفتم بالمدينة رجالًا ما قطعتم واديًا ولا سلكتم طريقًا إلا شركوكم في الأجر، حبسهم المرض\" (^١). ورواه مسلم وابن ماجه من طرق عن الأعمش به (^٢).\nثم ردَّ تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء، وأنَّبهُم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1329\"></span>﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾.\nأخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي: لن نصدقكم ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أي: قد أعلمنا الله أحوالكم ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي: سيظهر أعمالكم للناس في الدنيا ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فيخبركم بأعمالكم خيرها وشرها ويجزيكم عليها.\n\n<span id=\"aya-1330\"></span>\n\n<span id=\"aya-1331\"></span>ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون لكم معتذرين لتعرضوا عنهم، فلا تؤنِّبوهم فأعرضوا عنهم احتقارًا لهم ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ أي: خبث نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ في آخرتهم جهنم ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من الآثام والخطايا، وأخبر أنهم إن رضوا عنهم بحلفهم لهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسوله، فإن الفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها للإفساد، ويقال: (فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها).\n\n<span id=\"aya-1332\"></span>﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾.\nأخبر تعالى أن في الأعراب كفارًا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشدُّ وأجدر، أي أحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، كما قال الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أُصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجني، وإن يدك لتُريبُني. فقال زيد: ما يُريبك من يدي إنها الشمال؟ فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣٠٠) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الجهاد، باب ثواب من حبسه العذر عن الجهاد (ح ١٩١١)، وسنن ابن ماجه، الجهاد باب ثواب من حبسه العذر عن الجهاد (ح ٢٧٦٥).","vol":"4","page":337},{"text":"حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ﴾ (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبي موسى، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: \"من سكن البادية جفا (^٢) ومن اتبع الصيد غفل (^٣)، ومن أتى السلطان افتتن\" (^٤)، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن سفيان الثوري به، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري (^٥).\nولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولًا، وإنما كانت البعثة من أهل القرى كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله ﷺ فردَّ عليه أضعافها حتى رضي، قال: \"لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قُرشي أو ثقفي أو أنصاري أو دوسي\" (^٦)، لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن مكة والطائف والمدينة واليمن، فهم ألطف أخلاقًا من الأعراب لما في طباع الأعراب من الجفاء.\n(حديث [الأعرابي في تقبيل الولد): قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو أُسامة وابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم، قالوا: لكنا والله ما نقبّل، فقال رسول الله ﷺ: \"وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة\" وقال ابن نمير: \"من قلبك الرحمة\"] (^٧) (^٨).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، حكيم فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته.\n\n<span id=\"aya-1333\"></span>وأخبر تعالى أن منهم ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾ أي: في سبيل الله ﴿مَغْرَمًا﴾ أي: غرامة وخسارة ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ أي: ينتظر بكم الحوادث والآفات ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لدعاء عباده عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان.\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد (الطبقات الكبرى ٦/ ١٢٣)، وابن أبي حاتم كلاهما بسند صحيح من طريق يعلى بن عبيد عن الأعمش به.\n(^٢) قال السندي: أي غَلُظ طبعه لقلة مخالطة العلماء.\n(^٣) قال السندي: أي يستولي عليه حبَّه حتى يصير غافلًا عن غيره.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٦١ ح ٣٣٦٢)، وقال محققوه: حسن لغيره. أي بالشواهد. وصححه غيرهم كما يلي.\n(^٥) سنن أبي داود، الصيد، باب في اتباع الصيد (ح ٢٨٥٩)، وسنن النسائي، الصيد والذبائح، باب اتباع الصيد ٧/ ١٩٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٨٦).\n(^٦) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة (السنن، المناقب، باب في ثقيف وبني حنيفة ح ٣٩٤٥) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٠٩١).\n(^٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(حم) و(مح).\n(^٨) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الفضائل، باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال ح ٢٣١٧).","vol":"4","page":338},{"text":"<span id=\"aya-1334\"></span>وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ هذا هو القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ أي: ألا إن ذلك حاصل لهم ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-1335\"></span>﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾.\nيخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعدَّ لهم من جنات النعيم والنعيم المقيم.\nقال الشعبي: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية (^١).\nوقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة: هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله ﷺ (^٢).\nوقال محمد بن كعب القرظي: مرَّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الآية، ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أُبي بن كعب، فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: وسمعتها من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: لقد كنت أرى أنَّا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أُبي: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (ضض ٣)﴾ [الجمعة] وفي سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ١٠]، وفي الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥].\nورواه ابن جرير (^٣)، قال: وذُكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع (الأنصارُ) (^٤) عطفًا على ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾، فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبَّهم أو أبغض أو سبَّ بعضهم، ولاسيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني: الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبثر عن مطرف عن عامر الشعبي، وذكره السيوطي بنحوه ونسبه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم، وذكره ابن أبي حاتم بحذف السند بلفظ: \"إنهم الذين صلوا إلى القبلتين\".\n(^٢) قول أبي موسى الأشعري أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق مولى لأبي موسى عن أبي موسى، ومولى أبي موسى لم أجد له ترجمة، وله شواهد عن التابعين فقد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن عون عن ابن سيرين.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب به، وأبو معشر هو نجيح السندي، وهو ضعيف.\n(^٤) ذكره الطبري بدون سند، وهي قراءة متواترة.","vol":"4","page":339},{"text":"بكر بن أبي قحافة ﵁، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبُّونهم. عياذًا بالله من ذلك.\nوهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبُّون من ﵃؟ وأما أهل السُّنة فإنهم يترضون عمن ﵁ ويسبُّون من سبَّه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله وهم متَّبِعون لا مبتدعون ويقتدون ولا يبتدون، ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون.\n\n<span id=\"aya-1336\"></span>﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾.\nيخبر تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن في أحياء العرب من حول المدينة منافقون، وفي أهل المدينة -أيضًا- منافقون ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ أي: مرنوا واستمروا عليه، ومنه يقال: شيطان مريد، ومارد، ويقال: تمرد فلان على الله، أي عتا وتجبَّر.\nوقوله: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين، وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقًا وإن كان يراه صباحًا ومساء، وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن رجل، عن جُبير بن مُطعم ﵁، قال: قلت: يا رسول الله إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة فقال: \"لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب\" وأصغى إلى رسول الله ﷺ برأسه فقال: \"إن في أصحابي منافقين\" (^١).\nومعناه: أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما لا صحة له ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم، وتقدم في تفسير قوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] أنه ﷺ أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقًا، وهذا تخصيص لا يقتضي أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلِّهم، والله أعلم.\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عمر البيروتي من طريق هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا ابن جابر، حدثني شيخ ببيروت يكنى أبا عمر، أظنه حدثني عن أبي الدرداء أن رجلًا يقال له: حرملة أتى النبي ﷺ فقال: الإيمان ههنا وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق ههنا وأشار بيده إلى قلبه، ولم يذكر الله إلا قليلًا، فقال رسول الله ﷺ: \"اللَّهم اجعل له لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وارزقه حُبِّي وحُبَّ من يحبني، وصيِّر أمره إلى خير\" فقال: يا رسول الله إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأسًا فيهم أفلا آتيك بهم؟ قال: \"من أتانا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧/ ٣٢٧ - ٣٢٨ ح ١٦٧٦٤) وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن جُبير بن مُطعم ﵁.","vol":"4","page":340},{"text":"استغفرنا له، ومن أصرَّ فالله أولى به، ولا تخرقنَّ على أحد سترًا\". قال: وكذا رواه أبو أحمد الحاكم عن أبي بكر الباغندي عن هشام بن عمار به (^١).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في هذه الآية أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون علم الناس، فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأحوال الناس، ولقد تكلفت شيئًا ما تكلفه الأنبياء قبلك، قال نبي الله نوح ﵇: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢] وقال نبي الله شعيب ﵇: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾ [هود] وقال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (^٢).\nوقال السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في هذه الآية قال: قام رسول الله ﷺ خطيبًا يوم الجمعة فقال: \"اخرج يا فلان فإنك منافق، واخرج يا فلان إنك منافق\" فأخرج من المسجد ناسًا منهم فضحهم، فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة وظن أن الناس قد انصرفوا، واختبأوا هم من عمر ظنوا أنه قد علم بأمرهم، فجاء عمر فدخل المسجد فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر قد فضح الله المنافقين اليوم، قال ابن عباس: فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر (^٣)، وكذا قال الثوري عن السدي عن أبي مالك نحو هذا (^٤).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾: يعني: القتل والسبي (^٥)، وقال في رواية: بالجوع وعذاب القبر (^٦)، ثم يردون إلى عذاب عظيم.\nوقال ابن جريج: عذاب الدنيا وعذاب القبر، ثم يردون إلى عذاب النار (^٧).\nوقال الحسن البصري: عذاب في الدنيا وعذاب في القبر (^٨).\nوقال عبد الرحمن بن زيد: أما عذاب في الدنيا فالأموال والأولاد، وقرأ قوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥] فهذه المصائب لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر، وعذاب في الآخرة في النار ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ قال: النار (^٩).\n_________\n(^١) في سنديهما إبهام شيخ ابن جابر، وابن جابر، وسنده ضعيف ومتنه فيه غرابة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري عن الحسين بن عمرو العنقزي عن أبيه عن أسباط عن السدي به، وعزاه الهيثمي إلى الطبراني في المعجم الأوسط وضعفه بسبب ضعف الحسين بن عمرو العنقزي (مجمع الزوائد ٧/ ٣٣)، وفي متنه غرابة ومنها أن عمر اختبأ منهم حياء لأنه لم يشهد الجمعة، فمثل هذا لا يقبل من رجل متشيع كالسدي.\n(^٤) لم يذكر فيه الصحابي ابن عباس ﵁.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق حجاج عن ابن جريج ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن معمر عن الحسن.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.","vol":"4","page":341},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: هو فيما بلغني ما هم فيه من أمر الإسلام وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم الذي يُردُّون إليه عذاب الآخرة والخلد فيه (^١).\nوقال سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾: عذاب الدنيا وعذاب القبر ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلًا من المنافقين، فقال: \"ستة منهم تكفيهم الدبيلة: سراج من نار جهنم يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتًا\"، وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة فإن صلى عليه وإلا تركه، وذُكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشدك الله أمنهم أنا؟ قال: لا [ولا أومِن] (^٢) منها أحدًا بعدك (^٣).\n\n<span id=\"aya-1337\"></span>﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾.\nلما بيّن تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيبًا وشكًّا، شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلًا وميلًا إلى الراحة مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: أقرُّوا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال أُخر صالحة خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه.\nوهذه الآية وإن كانت نزلت في أناس مُعيَّنين إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطَّائين المخلطين المتلوثين.\nوقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه (^٤).\nوقال ابن عباس: ﴿وَآخَرُونَ﴾ نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه، فلما رجع رسول الله ﷺ من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله ﷺ، فلما أنزل الله هذه الآية ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أطلقهم رسول الله ﷺ وعفا عنهم (^٥).\nوقال البخاري: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف، حدثنا أبو\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق بلاغًا وسنده ضعيف ويشهد له ما سبق.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"آمن\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح في الشطر الأول، أما الشطر الثاني من قوله: وذُكر لنا … فإنه مرسل.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل ويتقوى بما يلي.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، ويشهد له ما أخرجه ابن منده بسند قوي عن جابر بأن الآية نزلت في أبي لبابة وخمسة معه وقد سمّاهم (ينظر: الإصابة ١/ ٩٥).","vol":"4","page":342},{"text":"رجاء، حدثنا سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ لنا: \"أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطر كأقبح ما أنت راءٍ، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن وهذا منزلك، قالا: وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم\" (^١)، هكذا رواه البخاري مختصرًا في تفسير هذه الآية.\n\n<span id=\"aya-1338\"></span>﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾.\nأمر تعالى رسوله ﷺ بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون (^٢)، وإنما كان هذا خاصًا برسول الله ﷺ، ولهذا احتجوا بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية، وقد ردَّ عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد، أبو بكر الصديق وسائر الصحابة وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ، حتى قال الصديق: والله لو منعوني عِقالًا (^٣) -وفي رواية: عَناقًا- (^٤) كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنهم على منعه (^٥).\nوقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادع لهم واستغفر لهم، كما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي ﷺ إذا أُتي بصدقة قوم صلى عليهم فأتاه أبي بصدقته فقال: \"اللَّهم صلِّ على آل أبي أوفى\" (^٦).\nوفي الحديث الآخر أن امرأة قالت: يا رسول الله صلِّ عليَّ وعلى زوجي، فقال: \"صلى الله عليك وعلى زوجك\" (^٧).\nوقوله: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قرأ بعضهم ﴿صَلَاتَكَ﴾ على الجمع، وآخرون قرأوا ﴿إِنَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ …﴾ [التوبة: ١٠٢] ح ٤٦٧٤).\n(^٢) هنا ورد بياض بقدر كلمة.\n(^٣) العِقال: ما يشد به ظلف البعير بذراعه حال بروكه.\n(^٤) العَناق: الأنثى من ولد المعز.\n(^٥) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ ح ٧٢٨٤، ٧٢٨٥، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله ح ٢٠).\n(^٦) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة (ح ١٤٩٧)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقة ح ١٠٧٨).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله (المسند ٣/ ٣٠٣)، وأبو داود (السنن، الصلاة، باب الصلاة على غير النبي ﷺ ح ١٥٣٣) وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٧/ ٣٩٨)، وأخرجه إسماعيل القاضي وصححه الألباني \"فضل الصلاة على النبي ﷺ\" (ح ٧٧).","vol":"4","page":343},{"text":"صَلَاتَكَ﴾ على الإفراد (^١) ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس: رحمة لهم (^٢). وقال قتادة: وقار (^٣).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ أي: لدعائك ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له، قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أبو العميس، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عن ابن حذيفة، عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا دعا لرجل أصابته وأصابت ولده وولد ولده (^٤)، ثم رواه عن أبي نعيم، عن مسعر، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عن ابن لحذيفة، قال مسعر: وقد ذكره مرةً عن حذيفة: إن صلاة النبي ﷺ لتدرك الرجل وولده وولد ولده (^٥).\n\n<span id=\"aya-1339\"></span>وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللَّتين كل منهما يحطُّ الذنوب ويمحصها ويمحقها، وأخبر تعالى أن كلَّ من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال، فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها حتى تصير التمرة مثل أُحد (^٦)، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ كما قال الثوري ووكيع كلاهما عن عباد بن منصور، عن القاسم بن محمد، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى أن اللقمة لتكون مثل أُحد\" وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿ ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (^٧).\nوقال الثوري والأعمش كلاهما، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: إن الصدقة تقع في يد الله ﷿ قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ هذه الآية ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (^٨).\nوقد روى ابن عساكر في تاريخه في ترجمة عبد الله بن الشاعر السكسكي الدمشقي وأصله حمصي، وكان أحد الفقهاء، روى عن معاوية وغيره، وحكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي قال: غزا الناس في زمان معاوية ﵁ وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فغلَّ (^٩) رجل من المسلمين مائة دينار رومية. فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير فأبى أن يقبلها منه.\n_________\n(^١) وكلتا القراءتين متواترتان.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٣٨/ ٣١١ (ح ٢٣٢٧٧) وضعفه محققوه لجهالة أبي بكر بن عمرو بن عُتبة. وفيه علة أخرى أن ابن حذيفة لم يذكر اسمه (وينظر: مجمع الزوائد ٨/ ٢٦٨).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٤٠٣ ح ٢٣٣٩٤) وسنده كسابقه.\n(^٦) أي جبل أُحد المشهور.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، في سورة التوبة وفي سورة البقرة آية ٢٧٦، وصححه أحمد شاكر هناك (التفسير ٦/ ١٦ - ٢٠ ح ٦٢٥٣ و٦٢٥٧)، إلا أن قوله: وتصديق ذلك … إلخ، إدراج وليس من حديث رسول الله ﷺ. وأصله في الصحيحين بدون هذا الإدراج.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به، وسنده حسن.\n(^٩) أي سرق من الغنائم.","vol":"4","page":344},{"text":"وقال: قد تفرق الناس ولن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة، فجعل الرجل يستقري الصحابة فيقولون له مثل ذلك، فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه فأبى عليه، فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمرَّ بعبد الله بن الشاعر السكسكي فقال له: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال له: أو مطيعي أنت؟ فقال: نعم، فقال: اذهب إلى معاوية فقل له: اقبل مني خمسك. فادفع إليه عشرين دينارًا، وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله يقبل التوبة عن عباده وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم، ففعل الرجل، فقال معاوية ﵁: لأن أكون أفتيته بها أحبّ إلي من كل شيء أملكه؛ أحسن الرجل.\n\n<span id=\"aya-1340\"></span>﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾.\nقال مجاهد: هذا وعيد (^١). يعني: من الله تعالى للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه ﵎ وعلى الرسول ﷺ وعلى المؤمنين. وهذا كائن لا محالة يوم القيامة كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق] وقال: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ [العاديات] وقد يُظهر الله تعالى ذلك للناس في الدنيا، كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائنًا ما كان\" (^٢).\nوقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الصلت بن دينار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيرًا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللَّهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: أنبأنا عبد الرزاق، عن سفيان، عمَّن سمع أنسًا يقول: قال النبي ﷺ: \"إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرًا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللَّهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا\" (^٤).\nوقال البخاري: قالت عائشة ﵂: إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم فقل: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (^٥). وقد ورد في الحديث شبيه بهذا، قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن رجل مبهم عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٨) وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.\n(^٣) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص ٢٤٨ ح ١٧٩٤)، وسنده ضعيف لأن الصلت بن دينار متروك، والحسن لم يسمع من جابر، وقد روي بسند ضعيف عن أنس وعن أبي أيوب الأنصاري، أما حديث أنس فسيأتي في الذي يليه، وأما حديث أبي أيوب أخرجه الطبراني (المعجم الأوسط ١/ ١٣٠ ح ١٤٨)، وفي سنده مسلمة بن علي: وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٢/ ٣٢٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠/ ١١٤ ح ١٢٦٨٣) وسنده ضعيف لإبهام شيخ سفيان.\n(^٥) أخرجه البخاري معلقًا (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ …﴾ =","vol":"4","page":345},{"text":"حدثنا حميد، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له؟ فإن العامل يعمل زمانًا من عمره أو بُرهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة ثم يتحول فيعمل عملًا سيئًا، وإن العبد ليعمل البُرهة من دهره بعمل سيء لو مات عليه دخل النار ثم يتحول فيعمل عملًا صالحًا، وإذا أراد الله بعبده خيرًا استعمله قبل موته\" قالوا: يا رسول الله وكيف يستعمله؟ قال: \"يوفقه لعمل صالح يقبضه عليه\" (^١). تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه.\n\n<span id=\"aya-1341\"></span>﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغير واحد: هم الثلاثة الذين خُلِّفوا أي عن التوبة، وهم: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية (^٢)، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلًا وميلًا إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال لا شكًا ونفاقًا، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء وأرجي هؤلاء عن التوبة، حتى نزلت الآية الآتية وهي قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] الآية، ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨] الآية، كما سيأتي بيانه في حديث كعب بن مالك.\nوقوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: هم تحت عفو الله إن شاء فعل بهم هذا وإن شاء فعل بهم ذاك، ولكن رحمته تغلب غضبه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، حكيم في أفعاله وأقواله لا إله إلا هو ولا رب سواه.\n\n<span id=\"aya-1342\"></span>\n\n<span id=\"aya-1343\"></span>﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾.\nسبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها رجل من الخزرج يقال له: أبو عامر الراهب، وكان قد تنصَّر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله ﷺ مهاجرًا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم الله يوم بدر، شَرِق اللّعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها، وخرج فارًّا إلى كفار مكة من مشركي قريش، يمالئهم على حرب\n_________\n= [المائدة: ٦٧] قبل حديث رقم ٧٥٣٠)، ووصله ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عروة عن عائشة. وذكره الحافظ ابن حجر في (تغليق التعليق ٥/ ٣٦٦).\n(^١) أخرج الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩/ ٢٤٦ ح ١٢٢١٤) وصحح سنده محققوه. وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٢١١).\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه شيخ الطبري وهو سفيان بن وكيع وهو ضعيف، ويتقوى بما سبق، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر، ويتقوى بما سبق.","vol":"4","page":346},{"text":"رسول الله ﷺ، فاجتعموا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أُحد، فكان من أمر المسلمين ما كان وامتحنهم الله ﷿، وكانت العاقبة للمتقين.\nوكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهنَّ رسول الله ﷺ وأصيب ذلك اليوم، فجُرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى وشُجَّ رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبُّوه فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شرُّ، وكان رسول الله ﷺ قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرَّد، فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يموت بعيدًا طريدًا فنالته هذه الدعوة، وذلك أنه لما فرغ الناس من أُحد، ورأى أمر الرسول ﷺ في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هِرقل ملك الروم يستنصره على النبي ﷺ، فوعده ومنَّاه وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنّيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ﷺ ويغلبه ويردُّه عمَّا هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلًا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدًا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك، وجاؤوا فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلَّة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه؛ فقال: \"إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله\" فلما قفل ﵇ راجعًا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضِّرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أُسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله ﷺ إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة.\nكما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ الآية، هم أناس من الأنصار بنوا مسجدًا فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدًا واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجنود من الروم وأخرج محمدًا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا له: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ … وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^١) وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعروة بن الزبير (^٢) وقتادة وغير واحد من العلماء.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، قالوا: أقبل رسول الله ﷺ -يعني من تبوك- حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضِّرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) من هنا يبدأ سقط من الأصل إلى آخر آية رقم ٨٢ من سورة يونس، واستكمل من (حم) و(مح).","vol":"4","page":347},{"text":"الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: \"إني على جناح سفر وحال شغل\" -أو كما قال رسول الله ﷺ: \"ولو قد قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه\"- فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي أو أخاه عامر بن عدي أخا بلعجلان فقال: \"انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه\" فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم. فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفًا من النخل فأشعل فيه نارًا ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا …﴾ إلى آخر القصة.\nوكان الذين بنوه اثني عشر رجلًا: خذام بن خالد: من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب: من بني عبيد وموالي بني أمية بن زيد، ومعتب بن قشير: من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأزعر: من بني ضبيعة بن زيد، وعباد بن حنيف: أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف، وحارثة بن عامر وابناه: مجمع بن حارثة وزيد بن حارثة ونبتل الحارث وهم من بني ضبيعة، وبخرج وهو من بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت، وهو إلى بني أُمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر (^١).\nوقوله: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ أي: الذين بنوه ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أي: ما أردنا ببنيانه إلا خيرًا ورفقًا بالناس، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: فيما قصدوا وفيما نووا، وإنما بنوه، ضرارًا لمسجد قباء، وكفرًا بالله وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وهو: أبو عامر الفاسق الذي يقال له: (الراهب) لعنه الله، وقوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ نهي له ﷺ والأمة تبع له في ذلك عن أن يقوم فيه، أي يصلي فيه أبدًا. ثم حثه على الصلاة بمسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنيانه على التقوى: وهي طاعة الله وطاعة رسوله وجمعًا لكلمة المؤمنين ومعقلًا وموئلًا للإسلام وأهله، ولهذا قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"صلاة في مسجد قباء كعمرة\" (^٢).\nوفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان يزور مسجد قباء راكبًا وماشيًا (^٣).\nوفي الحديث: أن رسول الله ﷺ لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف كان جبريل هو الذي عيَّن له جهة القبلة، فالله أعلم.\nوقال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن هشام في السيرة ٤/ ١٧٣ - ١٧٤، وأخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وابن إسحاق لم يصرح بالسماع ولعل هذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا.\n(^٢) أخرجه الترمذي، السنن، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء (ح ٣٢٤) من حديث أسيد بن ظهير وقال: حسن غريب، وفي تحفة الأشراف (١/ ٢٧٥): حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجه (السنن، الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء ح ١٤١١)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١١٥٩).\n(^٣) صحيح مسلم، الحج، باب فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه (ح ١٣٩٩).","vol":"4","page":348},{"text":"إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية\" (^١). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث يونس بن الحارث وهو ضعيف، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه (^٢).\nوقال الطبراني: حدثنا الحسن بن علي المعمري، حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بعث رسول الله ﷺ إلى عُوَيم بن ساعدة فقال: \"ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟ \" فقال: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا وغسل فرجه، أو قال: مقعدته، فقال النبي ﷺ: \"هو هذا\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو أويس، حدثنا شرحبيل، عن عويم بن ساعدة الأنصاري: أنه حدثه أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: \"إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ \" فقالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا، إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا (^٤).\nورواه ابن خزيمة في صحيحه (^٥).\nوقال هشيم، عن عبد الحميد المدني، عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري: إن رسول الله ﷺ قال لعويم بن ساعدة: \"ما هذا الذي أثنى الله عليكم ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا؟﴾ \" الآية، قالوا: يا رسول الله إنا نغسل الأدبار بالماء (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا محمد بن سعد عن إبراهيم بن محمد، عن شرحبيل بن سعد قال: سمعت خزيمة بن ثابت يقول: نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ قال: كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط (^٧).\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك -يعني: ابن مغول-، سمعت سيارًا أبا الحكم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب في الاستنجاء بالماء ٤٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤).\n(^٢) سنن الترمذي، تفسير سورة التوبة (ح ٣١٠٠)، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الاستنجاء بالماء (ح ٣٥٧).\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٦٧ ح ١٠٦٥) وسنده ضعيف لضعف محمد بن حميد الرازي، وعنعنة ابن إسحاق وقد توبع الرازي فقد أخرجه الحاكم من طريق أحمد بن خالد الوهبي عن ابن إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٨٧) وله شواهد تقويه كما يلي.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ٢٣٥ ح ١٥٤٨٥)، وقال محققوه: حسن لغيره. أي: بالشواهد.\n(^٥) صحيح ابن خزيمة (ح ٨٣).\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق هشيم به نحوه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. وفي سنده شرحبيل بن سعد وهو صدوق اختلط كما في التقريب، ويشهد له ما سبق.","vol":"4","page":349},{"text":"لما قدم رسول الله ﷺ -يعني: قباء-، فقال: \"إن الله ﷿ قد أثنى عليكم في الطهور خيرًا أفلا تخبروني؟ \" يعني قوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ فقالوا: يا رسول الله إنا نجده مكتوبًا علينا في التوراة الاستنجاء بالماء (^١).\nوقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق عن معمر الزهري عن عروة بن الزبير، وقال عطية العوفي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والشعبي والحسن البصري (^٢)، ونقله البغوي عن سعيد بن جبير وقتادة.\nوقد ورد الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله ﷺ الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أُسس على التقوى (^٣)، وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية وبين هذا، لأنه إذا كان مسجد قباء قد أُسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أُبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: \"المسجد الذي أُسس على التقوى مسجدي هذا\" (^٤). تفرد به أحمد.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان بن التيمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد الساعدي قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أُسس على التقوى فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله ﷺ، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا النبي ﷺ فسألاه، فقال: \"هو مسجدي هذا\" (^٥). تفرد به أحمد أيضًا.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ليث، عن عمران بن أبي أنس، عن سعيد بن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أُسس على التقوى من أول يوم، فقال أحدهما: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"هو مسجدي هذا\" (^٦). تفرد به أحمد.\n(طريق أخرى): قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث، حدثني عمران بن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/ ٢٥٤ ح ٢٣٨٣٣)، وضعفه محققوه لضعف شهر بن حوشب. ولكن الشق الأول له شواهد تقدمت.\n(^٢) أغلب هذه الآثار أخرجها الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٣) أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: \"مسجدكم هذا\". (الصحيح، الحج، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ﷺ بالمدينة ح ١٣٩٨).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ٣٣ ح ٢١١٠٧) قال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف فيه عبد الله بن عامر الأسلمي متفق على ضعفه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٤٦٤ ح ٢٢٨٠٥) قال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد جيد. بل هو حسن على الأقل.\nوقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٣٤).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨/ ٣٥٨ ح ١١٨٤٦) وصححه محققوه.","vol":"4","page":350},{"text":"أبي أنس، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أُسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"هو مسجدي\" (^١). وكذا رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن الليث وصححه الترمذي (^٢)، ورواه مسلم كما سيأتي (^٣).\n(طريق أخرى): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن أنيس بن أبي يحيى، حدثني أبي قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: اختلف رجلان رجل من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف، في المسجد الذي أُسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله ﷺ، وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك فقال: \"هو هذا المسجد\" لمسجد رسول الله ﷺ، وقال في ذلك خير كثير، يعني: مسجد قباء (^٤).\n(طريق أخرى): قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حميد الخراط المدني، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن أبي سعيد فقلت: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أُسس على التقوى؟ فقال: إني أتيت رسول الله ﷺ فدخلت عليه في بيت لبعض نسائه فقلت: يا رسول الله أين المسجد الذي أُسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: \"هو مسجدكم هذا\" ثم قال: سمعت أباك يذكره (^٥)، رواه مسلم منفردًا به عن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد به، ورواه عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن حاتم بن إسماعيل عن حميد الخراط به (^٦)، وقد قال بأنه مسجد النبي ﷺ جماعة من السلف والخلف، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب (^٧)، واختاره ابن جرير.\nوقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء والتنزه عن ملابسة القاذورات.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيبًا أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ: أن رسول الله ﷺ صلى بهم الصبح، فقرأ الروم فيها، فأوهم فلما انصرف قال: \"إنه يَلِبسُ علينا القرآن أنَّ أقوامًا منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء\" (^٨). ثم رواه من طريقين آخرين عن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ٩٩ ح ١١٠٤٦) وصححه محققوه.\n(^٢) سنن الترمذي، التفسير، سورة التوبة (ح ٣٠٩٩)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة: ١٠٨] … (ح ١١٢٢٨).\n(^٣) تقدم تخريجه قبل خمس حواشي.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ٢٧٢ ح ١١١٧٨) وصحح سنده محققوه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) تقدم تخريجه قبل ثمان حواشي.\n(^٧) أخرجه الطبري عنهم كلهم بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ٢٠٩ ح ١٥٨٧٣) وحسن سنده محققوه.","vol":"4","page":351},{"text":"عبد الملك بن عمير، عن شبيب أبي روح من ذي الكَلاع، أنه صلى مع النبي ﷺ … فذكره (^١)، فدلّ هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها.\nوقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾: إن الطهور بالماء لحسن ولكنهم المطهرون من الذنوب (^٢).\nوقال الأعمش: التوبة من الذنوب والتطهر من الشرك (^٣).\nوقد ورد في الحديث المروي من طرق في السنن وغيرها أن رسول الله ﷺ قال لأهل قباء: \"قد أثنى الله عليكم في الطهور فماذا تصنعون؟ \" فقالوا: نستنجي بالماء (^٤).\nوقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أحمد بن عبد العزيز قال: وجدته في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ فسألهم رسول الله ﷺ، فقالوا: إنا نتبع الحجارة بالماء. رواه البزار، ثم قال: تفرد به محمد بن عبد العزيز عن الزهري ولم يرو عنه سوى ابنه (^٥). قلت: وإنما ذكرته بهذا اللفظ؛ لأنه مشهور بين الفقهاء ولم يعرفه كثير من المحدثين المتأخرين أو كلهم، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1344\"></span>﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾.\nيقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ومن بنى مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل، فإنما يبني هؤلاء بنيانهم على شفا جرف هار، أي طرف حفيرة منثالة ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يصلح عمل المفسدين.\nقال جابر بن عبد الله: رأيت المسجد الذي بني ضرارًا يخرج منه الدخان على عهد رسول الله ﷺ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ٢١٠ - ٢١١ ح ١٥٨٧٤) وقال محققوه: حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف لإرساله.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي المنهال، وهو سيار بن سلامة، عن أبي العالية.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي يحيى التيمي عن الأعمش، وأبو يحيى هو: إسماعيل بن إبراهيم الأحول وهو ضعيف كما في التقريب.\n(^٤) تقدم تخريجه قبل صفحتين.\n(^٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٤٧). قال الهيثمي: فيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري ضعفه البخاري والنسائي (مجمع الزوائد ١/ ٢١٢).\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والحاكم (المستدرك ٤/ ٥٩٦)، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري.","vol":"4","page":352},{"text":"وقال ابن جريج: ذُكر لنا أن رجالًا حفروا فوجدوا الدخان يخرج منه (^١)، وكذا قال قتادة (^٢).\nوقال خلف بن ياسين الكوفي: رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله تعالى في القرآن وفيه جحر يخرج منه الدخان وهو اليوم مزبلة، رواه ابن جرير ﵀ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1345\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: شكًا ونفاقًا، بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع أورثهم نفاقًا في قلوبهم كما أشرب عابدو العجل حبه، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: بموتهم، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وزيد بن أسلم والسدي وحبيب بن أبي ثابت والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٤) وغير واحد من علماء السلف، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بأعمال خلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في مجازاتهم عنها من خير وشر (^٥).\n\n<span id=\"aya-1346\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾.\nيخبر تعالى أنه عاوض عباد المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عبيده المطيعين له. ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم -والله- فأغلى ثمنهم (^٦).\nوقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله ﷿ في عنقه بيعة، وفَّى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية. ولهذا يقال من حمل في سبيل الله بايع الله أي قبل هذا العقد ووفى به.\nوقال محمد بن كعب القرظي وغيره: قال عبد الله بن رواحة ﵁ لرسول الله ﷺ -يعني ليلة العقبة-: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: \"أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا. وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم\"، قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: \"الجنة\"، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وسنده مرسل. وفي سنده الحسين وهو سُنيد بن داود: وهو ضعيف، ويشهد له سابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويتقوى برواية جابر.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق خلف بن ياسين عن أبيه وكلاهما مقدوح فيه، فخلف متهم بالوضع وأبوه متروك (لسان الميزان ٢/ ٤٠٥، ٦/ ٢٣٨).\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي وهب عنه.\n(^٥) قول الحسن البصري أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سُهيل، وهو ابن أبي حزم، عن كثير، وهو ابن زياد، عن الحسن، وسهيل ضعيف كما في التقريب ولكنه توبع فقد أخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق الفزاري عن أبي رجاء عن الحسن، وقول قتادة أخرجه الطبري بنحوه بسند حسن من طريق محمد بن يسار عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق حفص بن حميد عن شمر، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ومعناه صحيح.","vol":"4","page":353},{"text":"أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية (^١).\nوقوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ أي: سواء قَتَلوا أو قُتِلوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا فقد وجبت لهم الجنة.\nولهذا جاء في الصحيحين: \"وتكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وتصديق برسلي بأن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة\" (^٢).\nوقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ تأكيد لهذا الوعد وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة وأنزله على رسله في كتبه الكبار، وهي التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ فإنه لا يخلف الميعاد. هذا كقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] ولهذا قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفَّى بهذا العهد بالفوز العظيم، والنعيم المقيم.\n\n<span id=\"aya-1347\"></span>﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾.\nهذا نعت المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بهذه الصفات الجميلة والخلال الجليلة ﴿التَّائِبُونَ﴾ من الذنوب كلها التاركون للفواحش ﴿الْعَابِدُونَ﴾ أي: القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها وهي الأقوال والأفعال، فمن أخصِّ الأقوال الحمد، فلهذا قال: ﴿الْحَامِدُونَ﴾، ومن أفضل الأعمال الصيام وهو ترك الملاذ من الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة ههنا، ولهذا قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾ كما وصف أزواج النبي ﷺ بذلك في قوله تعالى: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] أي: صائمات، وكذا الركوع والسجود وهما عبارة عن الصلاة، ولهذا قال: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ وهم مع ذلك ينفعون خلق الله، ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه علمًا وعملًا، فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق، ولهذا قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن الإيمان يشمل هذا كله، والسعادة كل السعادة لمن اتصف به.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق عبد العزيز عن أبي معشر عن محمد بن كعب، وسنده ضعيف لأن عبد العزيز وهو ابن أبان متروك كما في التقريب، وأبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن السندي وهو ضعيف كما في التقريب، ومحمد بن كعب أرسله. وهذا القول قيل: عندما بايعت الأنصار رسول الله ﷺ ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفسًا (ينظر: أسباب النزول للواحدي ص ٢٦٣).\n(^٢) صحيح البخاري، فرض الخمس، باب قول النبي ﷺ: \"أُحلت لكم الغنائم\" (ح ٣١٢٣)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله (ح ١٨٧٦).","vol":"4","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-117>بيان أن المراد بالسياحة الصيام</span>\nقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زِرّ عن عبد الله بن مسعود قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾ الصائمون (^١). وكذا روي عن سعيد بن جبير والعوفي عن ابن عباس (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن السياحة هم الصائمون (^٣)، وكذا قال الضحاك ﵀ (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله، عن عائشة ﵂ قالت: سياحة هذه الأمة الصيام (^٥)، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وأبو عبد الرحمن السلمي والضحاك بن مزاحم وسفيان بن عيينة وغيرهم، أن المراد بالسائحين الصائمون (^٦).\nوقال الحسن البصري: ﴿السَّائِحُونَ﴾ الصائمون شهر رمضان (^٧).\nوقال أبو عمرو العبدي: ﴿السَّائِحُونَ﴾ الذين يديمون الصيام من المؤمنين (^٨).\nوقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا، وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا حكيم بن حزام، حدثنا سليمان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"السائحون هم الصائمون\" (^٩)، ثم رواه عن بُندار، عن ابن مهدي، عن إسرائيل، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾ الصائمون (^١٠). وهذا الموقوف أصح.\nوقال أيضًا: حدثني يونس، عن ابن وهب، عن عمر بن الحارث، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، قال: سئل النبي ﷺ عن السائحين، فقال: \"هم الصائمون\" (^١١). وهذا مرسل جيد وهذا أصح الأقوال وأشهرها.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به.\n(^٢) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، ورواية العوفي أخرجها الطبري والسند ضعيف ويتقوى بسابقيه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك ويتقوى بما سبق.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن إبراهيم بن يزيد وهو الجوزي متروك.\n(^٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير تقدم، وقول عطاء أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول أبي عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي إسحاق عنه، وقول الضحاك تقدم.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي الهذيل عن أبي عمرو العبدي.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده حكيم بن حزام: متروك (لسان الميزان ٢/ ٣٤٢)، والصحيح وقفه على أبي هريرة ﵁.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^١١) أخرجه الطبري سنده ومتنه، وسنده مرسل لأن عبيد بن عمير تابعي، ويشهد له سابقة.","vol":"4","page":355},{"text":"وجاء ما يدل على أن السياحة الجهاد، وهو ما روى أبو داود في سننه من حديث أبي أُمامة أن رجلًا قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة، فقال النبي ﷺ: \"سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله\" (^١).\nوقال ابن المبارك، عن ابن لهيعة: أخبرني عمارة بن غزية؛ أن السياحة ذكرت عند رسول ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"أبدلنا الله بذلك الجهاد في سبيل الله والتكبير على كل شرف\" (^٢).\nوعن عكرمة أنه قال: هم طلبة العلم (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المهاجرون (^٤)، رواهما ابن أبي حاتم.\nوليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض والتفرد في شواهة الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: \"يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر يفرُّ بدينه من الفتن\" (^٥).\nوقال العوفي وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قال: القائمون بطاعة الله (^٦)، وكذا قال الحسن البصري، وعنه رواية: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قال: لفرائض الله (^٧)، وفي رواية: القائمون على أمر الله (^٨).\n\n<span id=\"aya-1348\"></span>\n\n<span id=\"aya-1349\"></span>﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية، فقال: \"أي عمِّ، قل: لا إله إلا الله كلمة أحاجُّ لك بها عند الله ﷿\"، فقال أبو جهل وعبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (السنن، الجهاد، باب النهي عن السياحة ح ٢٤٨٦)، وحسنه الألباني (في صحيح سنن أبي داود ح ٢١٧٢)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٧٣)، وصححه أبو محمد عبد الحق الإشبيلي (تفسير القرطبي ٨/ ٢٧٠).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك بسنده ومتنه (الجهاد ص ٣٦)، وسنده حسن لكنه معضل ويشهد له سابقه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الوليد بن بكير عن عمر بن نافع عن عكرمة. والوليد وعمر كلاهما ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن.\n(^٥) صحيح البخاري، الإيمان، باب من الدين الفرار من الفتن (ح ١٩).\n(^٦) طريق ابن أبي طلحة أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت، وطريق العوفي أخرجه الطبري، وسنده ضعيف ويتقوى بطريق ابن أبي طلحة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف، ويشهد له سابقه.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه إبهام الراوي عن الحسن البصري، ويشهد له ما تقدم عن ابن عباس.","vol":"4","page":356},{"text":"أبي أُمية: يا أبا طالب أترغب عن مِلَّة عبد المطلب؟ فقال: أنا على مِلَّة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ: \"لأستغفرن لك ما لم أنه عنك\"، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾، قال: ونزلت فيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (^١) [القصص: ٥٦]. أخرجاه (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي ﵁ قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، قال: لما مات. فلا أدري، قاله سفيان أو قاله إسرائيل أو هو في الحديث: لما مات (^٣).\n(قلت): هذا ثابت عن مجاهد أنه قال: لما مات.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا زبيد بن الحارث اليامي، عن مُحارب بن دِثار، عن ابن بُريدة، عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ ونحن في سفر، فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب، فصلَّى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب وفداه بالأب والأُم وقال: يا رسول الله ما لكَ؟ قال: \"إني سألت ربي ﷿ في الاستغفار لأُمي فلم يأذن لي فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث: نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها لتذكركم زيارتها خيرًا؛ ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا وأمسكوا ما شئتم؛ ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا تشربوا مسكرًا\" (^٤).\nوروى ابن جرير من حديث علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بُريدة، عن أبيه أن النبي ﷺ لما قدم مكة، أتى رسمَ قبرٍ، فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرًا، فقلنا: يا رسول الله إنَّا رأينا ما صنعت. قال: \"إني استأذنت ربي في زيارة قبر أُمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي\" فما رؤي باكيًا أكثر من يومئذٍ (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا خالد بن خداش، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أيوب بن هانيء، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: خرج رسول الله ﷺ يومًا إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلًا ثم بكى\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٥٣٣) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] (ح ٤٦٧٥)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت … (ح ٢٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٦٢ ح ٧٧١) وحسن سنده محققوه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ١١١ ح ٢٣٠٠٣) وصحح سنده محققوه.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق علقمة به، وفي طبعة الأستاذ أحمد شاكر لم يذكر شيخ الطبري وفي طبعة معالي د. عبد الله التركي صرح باسمه أحمد وعلى كل حال يشهد له ما سبق، كما يشهد له ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: استأذنت ربي لأُمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي (الصحيح، الجنائز، باب استئذان النبي ﷺ ربه ﷿ في زيارة أمه ح ٩٧٦).","vol":"4","page":357},{"text":"فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب فدعاه ثم دعانا، فقال: \"ما أبكاكم؟ \"، فقلنا: بكينا لبكائك، قال: \"إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي\" ثم أورده من وجه آخر، ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريبًا منه، وفيه: \"وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي وأنزل عليَّ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، فأخذني ما يأخذ الولد للوالد، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكر الآخرة\" (^١).\n(حديث آخر): في معناه، قال الطبراني: حدثنا محمد بن علي المروزي، حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه أن استندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم، فذهب فنزل على قبر أُمه فناجى ربه طويلًا، ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه وبكى هؤلاء لبكائه، وقالوا: ما بكى نبي الله بهذا المكان إلا وقد أحدث الله في أمته شيئًا لا تطيقه، فلما بكى هؤلاء قام فرجع إليهم فقال: \"ما يبكيكم؟ \" قالوا: يا نبي الله بكينا لبكائك، فقلنا: لعله أحدث في أمتك شيء لا تطيقه، قال: \"لا، وقد كان بعضه، ولكن نزلتُ على قبر أُمي، فسألت الله أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة، فأبى الله أن يأذن لي فرحمتها وهي أمي فبكيت، ثم جاءني جبريل فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ فتبرأ أنت من أُمك كما تبرأ إبراهيم من أبيه، فرحمتها وهي أمي ودعوت ربي أن يرفع عن أُمتي أربعًا فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين، ودعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع عنهم القتل والهرج\" (^٢).\nوإنما عدل إلى قبر أُمه لأنها كانت مدفونة تحت كداء وكانت عسفان لهم، وهذا حديث غريب وسياق عجيب، وأغرب منه وأشد نكارة ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب السابق واللاحق بسند مجهول عن عائشة في حديث فيه قصة، أن الله أحيا أُمه فآمنت ثم عادت (^٣)، وكذلك ما رواه السهيلي في الروض بسند فيه جماعة مجهولون: إن الله أحيا له أباه وأُمه فآمنا (^٤) به. وقد قال الحافظ ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨].\nوقال أبو عبد الله القرطبي: إن مقتضى هذا الحديث .. وردَّ على ابن دحية في هذا الاستدلال، بما حاصله أن هذه حياة جديدة كما رجعت الشمس بعد غيبوبتها، فصلى علي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه تقريبًا، وفي سنده أيوب بن هانئ صدوق فيه لين كما في التقريب، وله شواهد تقدمت.\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٣١٤ ح ١٢٠٤٩)، قال الهيثمي: من عدا عكرمة لم أعرفهم (مجمع الزوائد ٧/ ٤٥٩)، وضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا.\n(^٣) سنده ضعيف لجهالة الراوي عن عائشة، ومتنه فيه نكارة، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٨٣ وضعفه السيوطي (اللآلي المصنوعة ١/ ٢٦٦) مخالفة لرواية الصحيح من حديث أبي هريرة المتقدم قبل صفحتين.\n(^٤) (الروض الأنف ١/ ١١٣)، وسنده ضعيف أيضًا وحكمه كسابقه سندًا ومتنًا.","vol":"4","page":358},{"text":"العصر، قال الطحاوي: وهو حديث ثابت يعني: حديث الشمس، قال القرطبي: فليس إحياؤهما يمتنع عقلًا ولا شرعًا، قال: وقد سمعت أن الله أحيا عمه أبا طالب فآمن به (^١).\n(قلت): وهذا كله متوقف على صحة الحديث فإذا صحَّ فلا مانع منه، والله أعلم.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، أن النبي ﷺ أراد أن يستغفر لأمه فنهاه الله ﷿ عن ذلك، فقال: \"إن إبراهيم خليل الله قد استغفر لأبيه\" فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية، كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فأمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية (^٣).\nوقال قتادة، في الآية: ذُكر لنا أن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ: قالوا: يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الأرحام، ويفكُّ العاني، ويوفِّي بالذمم أفلا نستغفر لهم؟ قال: فقال النبي ﷺ: \"بلى والله إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه\"، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ حتى بلغ قوله: ﴿الْجَحِيمِ﴾. ثم عذر الله تعالى إبراهيم ﵇، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية، قال: وذُكر لنا أن النبي ﷺ قال: \"قد أوحى الله إليَّ كلمات فدخلنَّ في أذني ووقرنَّ في قلبي: أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركًا، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على كَفاف (^٤) \" (^٥).\nوقال الثوري، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: مات رجل يهودي وله ابنٌ مسلمٌ فلم يخرج معه، فذكر ذلك لابن عباس فقال: فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاح مادام حيًا، فإذا مات وكَّله إلى شأنه، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ لم يدع (^٦).\nويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود وغيره عن علي ﵁، لما مات أبو طالب قلت: يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: \"اذهب فواره ولا تُحدثنَّ شيئًا حتى تأتيني … \" فذكر تمام الحديث (^٧).\n_________\n(^١) ذكره في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص ١٧، وما ذكره يخالف ما صح من حديث أبي هريرة المتقدم قبل صفحتين.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به، ويتقوى بما يلي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) الكفَاف: هو من الرزق على قدر حاجة المرء، لا يفضل منه شيء.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن المبارك عن الثوري به، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه أبو داود (السنن، الجنائز، باب الرجل يموت له قرابة مشرك ح ٣٢١٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٧٥٣).","vol":"4","page":359},{"text":"وروي أنه ﷺ لما مرت به جنازة عمه أبي طالب قال: \"وصلتك رحمة يا عمِّ\" (^١).\nوقال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا، لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين، يقول الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية (^٢).\nوروى ابن جرير، عن ابن وكيع، عن أبيه، عن عصمة بن زامل، عن أبيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: رحم الله رجلًا استغفر لأبي هريرة ولأمه، قلت: ولأبيه؟ قال: لا. قال: إن أبي مات مشركًا (^٣). وقوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ قال ابن عباس: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما تبيَّن له أنه عدو لله تبرأ منه، وفي رواية: لما مات تبيَّن له أنه عدو لله (^٤). وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم ﵏ (^٥).\nوقال عبيد بن عمير وسعيد بن جبير: إنه يتبرأ منه يوم القيامة حتى يلقى أباه، وعلى وجه أبيه القَترة والغَبرة، فيقول: يا إبراهيم إني كنت أعصيك وإني اليوم لا أعصيك، فيقول: أي ربِّ ألم تعدني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيقال: انظر إلى ما وراءك فإذا هو بذيخ متلطخ، أي قد مسخ ضَبعًا، ثم يسحب بقوائمه ويلقى في النار (^٦).\nوقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ قال سفيان الثوري وغير واحد: عن عاصم بن بهدلة، عن زرِّ بن حبيش عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: الأواه: الدعَّاء (^٧)، وكذا روي من غير وجه عن ابن مسعود.\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثني عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: بينما النبي ﷺ جالس قال: رجل يا رسول الله ما الأوَّاه؟ قال: \"المتضرع\" قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (^٨). ورواه ابن أبي حاتم: من حديث ابن المبارك عن عبد الحميد بن بهرام به، ولفظه قال: الأوَّاه: المتضرع الدعَّاء (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدي بسند ضعيف فيه إبراهيم بن عبد الرحمن وهو ضعيف (الكامل في الضعفاء ١/ ٢٦٠).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حبيب بن أبي مرزق عن عطاء.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لم يصرح باسم شيخ الطبري، ويتقوى بما سبق.\n(^٦) قول عُبيد بن عمير أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق الأعمش عن مجاهد عن عُبيد نحوه. لكنه مرسل، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند مرسل عند سعيد بن جبير بنحوه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق شهر به، وفي سنده شهر بن حوشب وهو صدوق كثير الإرسال والأوهام.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن المبارك به وحكمه كسابقه، وهو سند واحد.","vol":"4","page":360},{"text":"وقال الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي الغدير، أنه سأل ابن مسعود عن الأوَّاه فقال: هو الرحيم (^١)، وبه قال مجاهد وأبو ميسرة عمر بن شرحبيل والحسن البصري وقتادة وغيرهما: أي الرحيم، أي بعباد الله (^٢).\nوقال ابن المبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الأوَّاه: الموقن بلسان الحبشة (^٣)، وكذا قال العوفي عن ابن عباس أنه الموقن (^٤)، وكذا قال مجاهد والضحاك (^٥).\nوقال علي بن أبي طلحة ومجاهد، عن ابن عباس: الأواه: المؤمن، زاد علي بن أبي طلحة عنه: هو المؤمن التواب (^٦).\nوقال العوفي، عنه: هو المؤمن بلسان الحبشة (^٧). وكذا قال ابن جريج: هو المؤمن بلسان الحبشة (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال لرجل يقال له: ذو البجادين: \"إنه أوَّاه\"، وذلك أنه رجل كان إذا ذكر الله في القرآن رفع صوته بالدعاء (^٩)، ورواه ابن جرير (^١٠).\nوقال سعيد بن جبير والشعبي: الأوَّاه: المسبح (^١١).\nوقال ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جُبير بن نفير، عن أبي الدرداء ﵁ قال: لا يحافظ على سبحة الضحى إلا الأوَّاه (^١٢).\nوقال شفي بن مانع، عن أبي أيوب: الأوَّاه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها (^١٣).\nوعن مجاهد: الأواه: الحفيظ الوجل يذنب الذنب سرًا ثم يتوب منه سرًا، ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم ﵀.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وسنده حسن.\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج أقوالهم عبد الرزاق والطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٣) أخرجه الطبري عن ابن وكيع عن يحيى بن آدم عن ابن المبارك به، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان، وقد توبع في رواية ابن أبي حاتم فقد أخرجه من طرق أخر.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بما سبق وبرواية الطبري بسند حسن من طريق قابوس عن أبيه عن ابن عباس.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٦) أخرجهما الطبري من الطريقين باللفظين، وسند أحدهما يقوي الآخر.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويشهد له سابقه لكن بدون بلسان الحبشة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف وحكمه كسابقه.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٩) وسنده ضعيف بسبب ابن لهيعة ومتنه يخالف ما في الصحيح: \"أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا\".\n(^١٠) أخرجه الطبري من طريق ابن لهيعة به موقوفًا.\n(^١١) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن، وقول الشعبي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن.\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به، وسنده حسن.\n(^١٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه ابن لهيعة وأبو صالح كاتب الليث وكلاهما فيهما مقال.","vol":"4","page":361},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي، عن حجاج، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم بن يناق، أن رجلًا كان يُكثر ذكر الله ويسبح، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: \"إنه أوَّاه\" (^١).\nوقال أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن هانئ، حدثنا المنهال بن خليفة، عن حجاج بن أرطأة، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ دفن ميتًا فقال: \"رحمك الله إن كنت لأوَّاهًا\" يعني: تلَّاء للقرآن (^٢).\nوقال شعبة، عن أبي يونس الباهلي، قال: سمعت رجلًا بمكة، وكان أصله روميًا، وكان قاصًّا يحدث عن أبي ذرِّ، قال: كان رجل يطوف بالبيت الحرام ويقول في دعائه: أوه أوه، فذُكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: \"إنه أوَّاه\" قال: فخرجت ذات ليلة، فإذا رسول الله ﷺ يدفن ذلك الرجل ليلًا ومعه المصباح (^٣)، هذا حديث غريب رواه ابن جرير ومشاه.\nوروي عن كعب الأحبار أنه قال: سمعت ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ﴾ قال: كان إذا ذكر النار قال: أوه من النار (^٤).\nوقال ابن جريج، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ﴾ قال: فقيه (^٥).\nقال الإمام العلم أبو جعفر بن جرير: وأولى الأقوال قول من قال: إنه الدعاء وهو المناسب للسياق، وذلك أن الله تعالى لما ذكر أن إبراهيم إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه، وقد كان إبراهيم كثير الدعاء حليمًا عمن ظلمه وأناله مكروهًا، ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ [مريم] فحلم عنه مع أذاه له ودعا له واستغفر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (^٦).\n\n<span id=\"aya-1350\"></span>﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة وحكمه العادل: إنه لا يُضلُّ قومًا بعد إبلاغ الرسالة إليهم، حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ الآية [فصلت: ١٧].\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ الآية، قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال الحسن بن مسلم بن يناق فإنه من صغار التابعين، وفيه ضعف ابن وكيع وهو سفيان.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الترمذي من طريق يحيى بن يمان به وحسنه (السنن، الجنائز، باب ما جاء في الدفن بالليل ح ١٠٥٧)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ١٧٨).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن أبي ذرٍّ ﵁.\n(^٤) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضها لكنها كلها مرسلة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد وليس عن ابن عباس، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس ولا من مجاهد.\n(^٦) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"4","page":362},{"text":"بيان الله ﷿ للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه لهم من معصيته وطاعته عامة، فافعلوا أو ذَروا (^١).\nوقال ابن جرير: يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأما قبل أن يبين لكم كراهة ذلك بالنهي عنه فلم تضيعوا نهيه إلى ما نهاكم عنه فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعًا أو عاصيًا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه (^٢).\n\n<span id=\"aya-1351\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦)﴾ قال ابن جرير: هذا تحريض من الله تعالى لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر، وأن يثقوا بنصر الله مالك السموات والأرض ولا يرهبوا من أعدائه، فإنه لا وليّ لهم من دون الله ولا نصير لهم سواه (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن مُحرِز، عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله ﷺ بين أصحابه إذ قال لهم: \"هل تسمعون ما أسمع؟ \" قالوا: ما نسمع من شيء، فقال رسول الله ﷺ: \"إني لأسمع أطيط السماء (^٤) وما تلام أن تئط، وما فيها من موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم\" (^٥).\nوقال كعبُ الأحبار: ما من موضع خرم إبرة من الأرض إلا وملك مُوَكَّل بها يرفع علم ذلك إلى الله، وإن ملائكة السماء لأكثر من عدد التراب، وإن حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى مخه مسيرة مائة عام (^٦).\n\n<span id=\"aya-1352\"></span>﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾.\nقال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) ذكره الطبري بلفظه تقريبًا.\n(^٣) ذكره الطبري بمعناه.\n(^٤) الأطيط: هو صوت الأقتاب، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها، أي أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت، وهذا مثل وأيذان بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثمّ أطيط، وإنما هو كلام تقريب، أُريد به تقرير عظمة الله تعالى. (النهاية ١/ ٥٤).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الوهاب بن عطاء الخفاف وهو صدوق ربما أخطأ ويتقوى بالشواهد فيكون حسنًا، إذ يشهد له ما رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر ﵁ (المسند ٥/ ١٧٣)، وابن ماجه (السنن، الزهد، باب الحزن والبكاء ح ٤١٩٠)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣٧٨).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن كعب، وسنده ضعيف لضعف يزيد، وكعب الأحبار مشهور برواية الإسرائيلي من الأخبار.","vol":"4","page":363},{"text":"الأمر في سنة مُجدبة وحر شديد وعُسر من الزاد والماء (^١)، قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحرِّ على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جَهد شديد حتى لقد ذُكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصُّها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصُّها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير بن مُطعم، عن عبد الله بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله ﷿ قد عودك في الدعاء خيرًا فادع لنا، فقال: \"تحب ذلك؟ \" قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سالت السماء فأهطلت ثم سكنت، فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (^٣).\nوقال ابن جرير: في قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ أي: من النفقة والطهر والزاد والماء ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ أي: عن الحق، ويشك في دين الرسول ﷺ ويرتاب للذي نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1353\"></span>﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله، عن عمِّه محمد بن مسلم الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك -وكان قائد كعب من بنيه حين عمي- قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلَّف عن رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل، ويتقوى بالمرسل التالي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وهو مرسل أيضًا، وهذا المرسل مع المرسل السابق يقوي أحدهما الآخر.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وعزاه الهيثمي إلى البزار والطبراني في المعجم الأوسط وقال: ورجال البزار ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ١٩٤) وكذلك قال الأستاذ محمود شاكر؛ رجاله ثقات، وأخرجه الحاكم من طريق ابن وهب به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٥٩).\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"4","page":364},{"text":"في غزوة غزاها قط إلا في غزاة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبُّ أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أَذكر في الناس منها وأَشهر، وكان من خبري حين تخلَّفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورَّى (^١) بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد واستقبل سفرًا بعيدًا ومفاوز (^٢)، واستقبل عدوًا كثيرًا فَجَلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ: يريد الديوان.\nقال كعب: فَقَلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من الله ﷿.\nوغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال وأنا إليها أصعر (^٣)، فتجهز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئًا، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمّر بالناس الجدُّ، فأصبح رسول الله ﷺ غاديًا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا، وقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت بعدما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئًا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط (^٤) الغزو فهممت أن أرتحل فألحقهم وليت أني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله ﷺ يحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا (^٥) عليه في النفاق أو رجلًا ممن عذره الله ﷿ ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: \"ما فعل كعب بن مالك\"، فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله ﷺ برداه والنظر في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول الله ﷺ.\nقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلًا من تبوك، حضرني بثي (^٦) وطفقت أتذكر الكذب، وأقول بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظل (^٧) قادمًا، زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه فأصبح رسول الله ﷺ وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا\n_________\n(^١) أي سترها وكنى عنها، وأوهم أنه يريد غيرها.\n(^٢) جمع مفازة: وهي البرية القفر (الصحاح ٣/ ٨٩٠).\n(^٣) أي: أميل.\n(^٤) أي: فات.\n(^٥) أي: المعيب المشار إليه بالعيب (جامع الأصول ٢/ ١٨٧).\n(^٦) أي: شدة حزني.\n(^٧) الأظلال: الدنوّ، وأظلك فلان: أي دنا منك (المصدر السابق).","vol":"4","page":365},{"text":"بضعة وثمانين رجلًا، فيقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم ويستغفر لهم ويَكِل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت فلما سلَّمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: \"تعال\" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: \"ما خلَّفك ألم تكن قد اشتريت ظهرًا؟ \" فقلت: يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلًا (^١)، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك بصدق تجد (^٢) عليَّ فيه، إني لأرجو عقبى ذلك من الله ﷿، واللهِ ما كان لي عذر، واللهِ ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.\nقال: فقال رسول الله ﷺ: \"أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك\" فقمت، وقام إلي رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا ولقد عجزت إلا أن تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك.\nقال: فوالله ما زالوا يؤنِّبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقي معي هذا أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا: مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: فمن هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أُمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا لي فيهما أسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلَّف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيَّروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي: أحرك شفتيه بردِّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلّي قريبًا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ، فإذا التفتُ نحوه أعرض عنّي، حتّى إذا طال عليّ ذلك من هجر المسلمين مشيت حتّى تسوَّرت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ، فسلَّمت عليه فوالله ما ردَّ عليَّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، قال: فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فقال: الله ورسوله أعلم.\nقال: ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسوَّرت (^٣) الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي من أنباط (^٤) الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، قال: فطفق الناس يشيرون له إليَّ حتى جاء فدفع إلي كتابًا من ملك غسان وكنت كاتبًا، فإذا فيه:\nأما بعد؛ فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك وإن الله لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك.\n_________\n(^١) أي: فصاحة وقوة حجة.\n(^٢) أي: تغضب.\n(^٣) أي: علوت الجدار.\n(^٤) النبط والأنباط: فلاحو العجم (شرح مسلم للنووي ١٧/ ٩٣).","vol":"4","page":366},{"text":"قال: فقلت: حين قرأته وهذا أيضًا من البلاء، قال: فتيممت به التنور فسجرته (^١) به حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني يقول: يأمرك رسول الله ﷺ أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: بل اعتزلها ولا تقربها، قال: وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك، قال: فقلت: لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء، قال: فجاءت امرأة هلال بن أُمية رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن هلالًا شيخ ضعيف ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه، قال: \"لا ولكن لا يقربنّك\" قالت: وإنه والله ما به من حركة إلى شيء، وإنه والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أُمية أن تخدمه، قال: فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما أدري ما يقول فيها رسول الله ﷺ إذا استأذنته وأنا رجل شاب.\nقال: فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، قال: ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا: قد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رحُبت، سمعت صارخًا أوفى (^٢) على جبل سَلْع (^٣) يقول بأعلى صوته: أبشر يا كعب بن مالك، قال: فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء الفرج من الله ﷿ بالتوبة علينا، فآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبيّ مبشرون، وركض إليَّ رجل فرسًا وسعى ساعٍ من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك يومئذٍ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أؤم رسول الله ﷺ، وتلقَّاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بتوبة الله، يقولون: ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد والناس حوله، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله (^٤) يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة.\nقال كعب: فلمَّا سلَّمت على رسول الله ﷺ قال: وهو يبرق وجهه من السرور: \"أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك\" قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: \"لا بل من عند الله\" قال: وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: \"أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك\" قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله إنما نجَّاني الله بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت، قال: فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه (^٥) الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت\n_________\n(^١) أي: أوقدته بالصحيفة المرسلة.\n(^٢) أوفى على الشيء: أي شرف.\n(^٣) جبل مشهور من جبال المدينة النبوية المنورة يقع في شمالها.\n(^٤) هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو أحد العشرة المبشرة بالجنة (الإصابة ٢/ ٢٢٩).\n(^٥) أي: أنعم عليه.","vol":"4","page":367},{"text":"ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله ﷿ فيما بقي.\n(قال): وأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾\n\n<span id=\"aya-1354\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) …﴾ إلى آخر الآيات.\nقال كعب: فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ يومئذٍ، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة] قال: وكنا خُلِّفنا -أيها الثلاثة- عن أمر أولئك الذين قَبِل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه، فلذلك قال ﷿: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخليفنا عن الغزو، وإنما هو عمَّن حلف له واعتذر إليه فقُبل منه (^١).\nهذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته رواه صاحبا الصحيح البخاري ومسلم، من حديث الزهري بنحوه (^٢).\nفقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها، وكذا روي عن غير واحد من السلف في تفسيرها، كما رواه الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قال: هم كعب بن مالك، وهلال بن أُمية، ومرارة بن الربيع، وكلهم من الأنصار (^٣)، وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد وكلهم قال: مرارة بن ربيعة (^٤)، وكذا في مسلم: ابن ربيعة في بعض نسخه، وفي بعضها: مرارة بن الربيع، وفي رواية عن الضحاك: مرارة بن الربيع، كما وقع في الصحيحين وهو الصواب، وقوله: فسموا رجلين شهدا بدرًا، قيل: إنه خطأ من الزهري، فإنه لا يعرف شهود واحد من هؤلاء الثلاثة بدرًا، والله أعلم.\nولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب من هجر المسلمين إياهم نحوًا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده وبنحو متنه (المسند ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٩) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة تبوك (ح ٤٤١٨)، وصحيح مسلم، التوبة، باب توبة كعب بن مالك وصاحبيه ﵃ (ح ٢٧٦٩).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، ويشهد له ما سبق.\n(^٤) أخرجه الطبري عنهم بأسانيد ثابتة إلا قول الضحاك فأخرجه بسند ضعيف من طريق جويبر عنه ويتقوى، بشواهده السابقة.","vol":"4","page":368},{"text":"من خمسين ليلة بأيامها، وضاقت عليهم أنفسهم وضاقت عليهم الأرض بما رحُبت، أي مع سعتها فسدت عليهم المسالك والمذاهب فلا يهتدون ما يصنعون، فصبروا لأمر الله واستكانوا لأمر الله وثبتوا حتى فرَّج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله ﷺ في تخلفهم، وأنه كان عن غير عذر فعوقبوا على ذلك هذه المدة ثم تاب الله عليهم، فكان عاقبة صدقهم خيرًا لهم وتوبة عليهم، ولهذا قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ أي: اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجًا من أموركم ومخرجًا.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله هو: ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقًا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يكتب عند الله كذَّابًا\" (^١) أخرجاه في الصحيحين (^٢).\nوقال شعبة، عن عمرو بن مرة: سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: الكذب لا يصلح منه جدٌّ ولا هزل، اقرأوا إن شئتم ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مِنَ (^٣) الصَّادِقِينَ﴾ هكذا قرأها، ثم قال: فهل تجدون لأحد فيه رخصة [في الكذب] (^٤) (^٥).\nوعن عبد الله بن عمرو في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ قال: مع محمد ﷺ وأصحابه (^٦).\nوقال الضحاك: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما (^٧).\nوقال الحسن البصري: إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا والكفِّ عن أهل المِلَّة (^٨).\n\n<span id=\"aya-1355\"></span>﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾.\nيعاتب ﵎ المتخلفين عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك من أهل المدينة ومن حولها\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٨٤) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة] (ح ٦٠٩٤)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله (ح ٢٦٠٧).\n(^٣) كذا في الأصول وتفسير ابن أبي حاتم، وهو قراءة شاذة تفسيرية لبيان معنى المعية هنا.\n(^٤) الزيادة من تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي داود عن شعبة به، ورجاله ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من ابن مسعود ﵁.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق زيد بن أسلم عن نافع عن ابن عمر.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق خليد بن دعلج عن الحسن وخليد ضعيف كما في التقريب.","vol":"4","page":369},{"text":"من أحياء العرب، ورغبتهم بأنفسهم عن مواساته فيما حصل له من المشقة، فإنهم نقصوا أنفسهم من الأجر لأنهم ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ وهو العطش ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ وهو التعب ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ وهي المجاعة ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ أي: ينزلون منزلًا يرهب عدوهم ﴿وَلَا يَنَالُونَ﴾ منه ظفرًا وغلبة عليه ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ﴾ بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرهم وإنما هي ناشئة عن أفعالهم أعمالًا صالحة وثوابًا جزيلًا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ كقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].\n\n<span id=\"aya-1356\"></span>﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ هؤلاء الغزاة في سبيل الله ﴿نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ أي: قليلًا ولا كثيرًا ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ أي: في السير إلى الأعداء ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ ولم يقل ههنا به، لأن هذه أفعال صادرة عنهم، ولهذا قال: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوقد حصل لأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ من هذه الآية الكريمة حظ وافر ونصيب عظيم، وذلك أنه أنفق في هذه الغزوة النفقات الجليلة والأموال الجزيلة، كما قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبو موسى الغنزي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني سليمان بن المغيرة، حدثني الوليد بن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خباب السلمي، قال: خطب رسول الله ﷺ فحث على جيش العسرة فقال عثمان بن عفان ﵁: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، قال: ثم حثَّ، فقال عثمان: عليَّ مائة بعير أخرى بأحلاسها وأقتابها، قال: ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حثَّ، فقال عثمان بن عفان: عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله ﷺ قال بيده هكذا يحركها، وأخرج عبد الصمد: يده كالمتعجب \"ما على عثمان ما عمل بعد هذا\" (^١).\nوقال عبد الله أيضًا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، حدثنا عبد الله بن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: جاء عثمان ﵁ إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حتى جهز النبي ﷺ جيش العسرة، قال: فصبَّها في حجر النبي ﷺ، فرأيت النبي ﷺ يقلبها بيده ويقول: \"ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم\" يردِّدها مرارًا (^٢).\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ الآية: ما ازداد قوم في سبيل الله بعدًا من أهليهم إلا ازدادوا من الله ﷿ قربًا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائده بسنده ومتنه (المسند ٢٧/ ٢٤٧ ح ١٦٦٩٦) وضعفه محققوه لجهالة فرقد أبي طلحة.\n(^٢) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائده بسنده ومتنه (المسند ٣٤/ ٢٣٢ ح ٢٠٦٣٠)، وحسّن سنده محققوه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.","vol":"4","page":370},{"text":"<span id=\"aya-1357\"></span>﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾.\nهذا بيان من الله تعالى لما أراد من نفير الأحياء مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فإنه قد ذهبت طائفة من السلف إلى أنه كان يجب النفير على كل مسلم إذا خرج رسول الله ﷺ، ولهذا قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، قال: فنسخ ذلك بهذه الآية.\nوقد يقال: إن هذا بيان لمراده تعالى من نفير الأحياء كلها وشرذمة من كل قبيلة إن لم يخرجوا كلهم، ليتفقه الخارجون مع الرسول بما ينزل من الوحي عليه وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما كان من أمر العدو، فيجتمع لهم الأمران في هذا: النفير المعين، وبعده ﷺ تكون الطائفة النافرة من الحي إما للتفقه وإما للجهاد، فإنه فرض كفاية على الأحياء.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ يقول: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا ويتركوا النبي ﷺ وحده ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ يعني: عصبة، يعني السرايا ولا يسيروا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد أنزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون مع النبي ﷺ، وقالوا: إن الله قد أنزل على نبيكم قرآنًا وقد تعلمناه، فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم ويبعث سرايا أخرى، فذلك قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ يقول: ليتعلّموا ما أنزل الله على نبيهم وليعلّموا السرايا إذا رجعت إليهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (^١).\nوقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس من أصحاب النبي ﷺ، خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفًا، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم أصحابكم وجئتمونا؟ فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجًا وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي ﷺ، فقال الله ﷿: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ يبغون الخير ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ وليستمعوا ما في الناس وما أنزل الله فعذرهم ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ الناس كلهم إذا رجعوا إليهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (^٢).\nوقال قتادة في الآية: هذا إذا بعث رسول الله ﷺ الجيوش أمرهم الله أن لا يُعَرَّوا نبيه ﷺ، وتقيم طائفة مع رسول الله ﷺ تتفقه في الدين، وتنطلق طائفة تدعو قومها وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم (^٣).\nوقال الضحاك: كان رسول الله ﷺ إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه إلا أهل الأعذار، وكان إذا قام وأسرى السرايا لم يحل لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه، وكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن وتلاه نبي الله ﷺ على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله ﷺ: إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنًا فيقرئونهم ويفقهونهم في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، لكنه مرسل ويتقوى بسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"4","page":371},{"text":"الدين، وهو قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ يقول: إذا أقام رسول الله ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ يعني بذلك أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبي الله ﷺ قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله فسرت السرايا وقعد معه معظم الناس (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة أيضًا، عن ابن عباس في الآية، قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾: إنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله ﷺ على مُضر بالسنين، أجدبت بلادهم وكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها، حتى يحلُّوا بالمدينة من الجهد ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيَّقوا على أصحاب رسول الله ﷺ وأجهدوهم، فأنزل الله تعالى يخبر رسوله أنهم ليسوا مؤمنين، فردَّهم رسول الله ﷺ إلى عشائرهم وحذَّر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي ﷺ فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم ويتفقهون في دينهم، ويقولون للنبي ﷺ: ما تأمرنا أن نفعله؟ وأخبرنا بما نأمر به عشائرنا إذا قدمنا عليهم، قال: فيأمرهم نبي الله ﷺ بطاعة الله ورسوله ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة، وكانوا إذا أتوا قومهم قالوا: إن من أسلم فهو منا وينذرونهم، حتى إن الرجل ليفارق أباه وأُمه، وكان النبي ﷺ يخبرهم وينذرهم قومهم، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة (^٣).\nوقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] و﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، قال المنافقون: هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه، وقد كان ناس من أصحاب النبي ﷺ خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآية، ونزلت ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾ [الشورى] (^٤).\nوقال الحسن البصري في الآية: ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم (^٥).\n\n<span id=\"aya-1358\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾.\nأمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولًا فأولًا، الأقرب فالأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ رسول الله ﷺ بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، ويشهد له ما تقدم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويشهد له سابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق سليمان الأحول عن عكرمة وسنده مرسل.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن.","vol":"4","page":372},{"text":"عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهجر وخيبر وحضرموت وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجًا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لأنهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال، وذلك سنة تسع من هجرته ﵇، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع، ثم عاجلته المنيَّة صلوات الله وسلامه عليه بعد حجته بأحد وثمانين يومًا، فاختاره الله لما عنده.\nوقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر الصديق ﵁، وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل، فثبَّته الله تعالى به، فوطَّد القواعد وثبَّت الدعائم، وردَّ شارد الدين وهو راغم، وردَّ أهل الردَّة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغاة، وبيَّن الحق لمن جهله، وأدَّى عن الرسول ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد. وأنفق كنوزهما في سبيل الله كما أخبر بذلك رسول الإله.\nوكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأوّاب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقًا وغربًا. وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدًا وقربًا. ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي. ثم لما مات شهيدًا وقد عاش حميدًا. أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ شهيد الدار.\nفكسى الإسلام رياسته حلَّة سابغة، وامتدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة، فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله وظهر دينه، وبلغت الملة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها. وكلما علوا أُمة انتقلوا إلى من بعدهم ثم الذين يلونهم من العتاة الفُجَّار، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ أي: وليجد الكفار منكم غلظة في قتالكم لهم، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقًا لأخيه المؤمن غليظًا على عدوه الكافر، كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣].\nوفي الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: \"أنا الضَّحوك القتَّالٍ\" (^١)، يعني: أنه ضحوك في وجه وليه، قتَّال لهامة عدوه.\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: قاتلوا الكفار وتوكلوا على الله واعلموا أن الله معكم إذا اتقيتموه وأطعتموه، وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى لم يزالوا ظاهرين على عدوهم. ولم تزل الفتوحات كثيرة ولم تزل\n_________\n(^١) فيه نكارة لأن المعروف من فعله ﷺ كان كثير التبسم، لا كثير الضحك.","vol":"4","page":373},{"text":"الأعداء في سفال وخسار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك طمع الأعداء في أطراف البلاد وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام فأخذوا من الأطراف بلدانًا كثيرة، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام، ولله الأمر من قبل ومن بعد، فكلَّما قام ملك من ملوك الإسلام وأطاع أوامر الله وتوكل على الله فتح الله عليه من البلاد واسترجع من الأعداء بحسبه وبقدر ما فيه من ولاية الله. والله المسؤول المأمول أن يمكِّن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين، وأن يعليَّ كلمتهم في سائر الأقاليم إنه جواد كريم.\n\n<span id=\"aya-1359\"></span>\n\n<span id=\"aya-1360\"></span>﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ فمن المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ أي: يقول بعضهم لبعض أيكم زادته هذه السورة إيمانًا قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.\nوهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء. بل قد حكى غير واحد الإجماع على ذلك. وقد بسط الكلام على هذه المسألة في أول شرح البخاري ﵀ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي: زادتهم شكًا إلى شكهم وريبًا إلى ريبهم كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء] وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سببًا لضلالهم ودمارهم، كما أن سيء المزاج لو غذي به لا يزيده إلا خبالًا ونقصًا.\n\n<span id=\"aya-1361\"></span>﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾.\nيقول تعالى: أَوَ لا يرى هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ أي: يختبرون ﴿فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: لا يتوبون من ذنوبهم السالفة ولا هم يذكرون فيما يستقبل من أحوالهم، قال مجاهد: يختبرون بالسنة والجوع (^١).\nوقال قتادة: بالغزو في السنة مرة أو مرتين (^٢).\nوقال شريك، عن جابر: هو الجعفي، عن أبي الضحى عن حذيفة في قوله: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"4","page":374},{"text":"يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين فيضل بها فئام من الناس كثير. رواه ابن جرير (^١).\nوفي الحديث عن أنس: لا يزداد الأمر إلا شدة ولا يزداد الناس إلا شُحًّا، وما من عام إلا والذي بعده شرّ منه، سمعته من نبيكم ﷺ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1362\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾ هذا أيضًا إخبار عن المنافقين أنهم إذا أنزلت سورة على رسول الله ﷺ ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: تلفتوا ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ أي: تولوا عن الحق وانصرفوا عنه، وهذا حالهم في الدين لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه كقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ [المدثر] وقوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ [المعارج] أي ما لهؤلاء القوم يتفللون عنك يمينًا وشمالًا هروبًا من الحق وذهابًا إلى الباطل، وقوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥] أي لا يفهمون عن الله خطابه ولا يقصدون لفهمه ولا يريدونه بل هم في شغل عنه ونفور منه فلهذا صاروا إلى ما صاروا إليه.\n\n<span id=\"aya-1363\"></span>\n\n<span id=\"aya-1364\"></span>﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾.\nيقول تعالى ممتنًا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولًا من أنفسهم -أي: من جنسهم وعلى لغتهم كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: منكم وبلغتكم، كما قال جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي، والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولًا منا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته … وذكر الحديث.\nوقال سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، وقال ﷺ: \"خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق شريك به، وسنده ضعيف لضعف جابر وهو الجعفي.\n(^٢) هذا الحديث ذو شقين: الأول أخرجه ابن ماجه (السنن، الفتن، باب شدة الزمان ح ٤٠٣٩)، وقال الألباني: ضعيف جدًا (صحيح سنن ابن ماجه ح ٣٢٦٤)، وأخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي بأن يحيى بن السكن ضعفه صالح جزرة (المستدرك ٤/ ٤٤١). وأما الشق الثاني أخرجه البخاري من حديث أنس مرفوعًا (الفتن، باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه ح ٧٠٦٨).\n(^٣) سنده ضعيف لأن محمد بن جعفر بن محمد بن علي الهاشمي، قال الحافظ ابن حجر: \"تُكلم فيه\" (لسان الميزان ٥/ ١٠٣).","vol":"4","page":375},{"text":"وقد وصل هذا من وجه آخر كما قال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي في كتابه \"الفاصل بين الراوي والواعي\" (^١): حدثنا أبو أحمد يوسف بن هارون بن زياد، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد قال: أشهد على أبي لحدثني، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: \"خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأُمي لم يمسني من سفاح الجاهلية شيء\" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ أي: يعزُّ عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها، ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنه قال: \"بُعثت بالحنيفية السمحة\" (^٣)، وفي الصحيح: \"إن هذا الدين يسر\" (^٤) وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة يسيرة على من يسّرها الله تعالى عليه ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم.\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن فِطْر، عن أبي الطفيل، عن أبي ذرٍّ قال: تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علمًا قال: وقال رسول الله ﷺ: \"ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّن لكم\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو قَطن، حدثنا المسعودي، عن الحسن بن سعد، عن عبدة الهذلي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لم يحرِّم حرمة ألا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع ألا وإني آخذ بحُجزِكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش أو الذباب\" (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتاه ملكان فيما يرى النائم فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه. فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أُمته فقال: إن مثله ومثل أُمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضًا معشبة وحياضًا رواء تتبعوني؟ فقالوا: نعم، قال: فانطلق بهم فأوردهم رياضًا معشبة وحياضًا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضًا معشبة وحياضًا رواء أن تتبعوني؟ فقالوا: بلى. فقال: فإن بين أيديكم رياضًا هي أعشب من هذه وحياضًا هي أروى من هذه فاتبعوني، فقالت طائفة: صدق والله لنتبعه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه (^٧).\n_________\n(^١) كذا في الأصل: ولعله أورده مختصرًا: واسمه المحدث الفاصل …\n(^٢) أخرجه الرامهرمزي بسنده ومتنه (المحدث الفاصل ص ١٣٦) وسنده ضعيف أيضًا كسابقه.\n(^٣) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير سورة البقرة آية ١٨٥.\n(^٤) تقدم تخريجه وصحته كسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ١٥٥ ح ١٦٤٧)، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، وهو ثقة (مجمع الزوائد ٧/ ٢٦٥).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٣٧ ح ٣٧٠٥) وحسّن سنده محققوه.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٦٧) وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان.","vol":"4","page":376},{"text":"وقال البزار: حدثنا سلمة بن شبيب وأحمد بن منصور قالا: حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثنا أبي، عن عكرمة، عن أبي هريرة ﵁ أنه أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ يستعينه في شيء قال عكرمة: أراه قال: في دم، فأعطاه رسول الله ﷺ شيئًا ثم قال: \"أحسنت إليك\" قال الأعرابي: لا، ولا أجملت، فغضب بعض المسلمين وهمُّوا أن يقوموا إليه، فأشار رسول الله ﷺ إليهم أن كفُّوا، فلما قام رسول الله ﷺ وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت فقال: \"إنك إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت\" فزاده رسول الله ﷺ شيئًا وقال: \"أحسنت إليك؟ \" فقال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا. قال النبي ﷺ: \"إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بي يدي حتى يذهب عن صدورهم\" فقال: نعم. فلما جاء الأعرابي قال رسول الله ﷺ: \"إن صاحبكم كان جاء فسألنا فأعطيناه فزعم أنه قد رضي، كذلك يا أعرابي؟ \" فقال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا.\nفقال النبي ﷺ: \"إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورًا. فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها وأنا أعلم بها، فتوجه إليها وأخذ لها من قتام الأرض (^١) ودعاها حتى جاءت واستجابت وشد عليها رحلها، وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار\" (^٢)، رواه البزار ثم قال: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه.\n(قلت): وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان، والله أعلم.\nوقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ كقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)﴾ [الشعراء] وهكذا أمره تعالى في هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تولوا عما جئتم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: الله كافي لا إله إلا هو عليه توكلت، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل].\n﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: هو مالك كل شيء وخالقه، لأنه ربُّ العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورون بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل.\nقال [عبد الله بن] (^٣) الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس ﵄، عن أُبي بن كعب\n_________\n(^١) أي: غبار الأرض.\n(^٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٤٧٦) وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن الحكم بن أبان وهو العدني كما في التقريب (ص ٦٩)، وكذا ضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٣) الزيادة من المسند.","vol":"4","page":377},{"text":"قال: آخر آية نزلت من القرآن هذه الآية ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ …﴾ إلى آخر السورة (^١).\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبد المؤمن، حدثنا عمر بن شقيق، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب ﵁ أنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر ﵁، فكان رجال يكتبون ويُملي عليهم أُبي بن كعب فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٧] فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال لهم أُبي بن كعب: إن رسول الله ﷺ أقرأني بعدها آيتين ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ …﴾ إلى آخر السورة، قال: هذا آخر ما نزل من القرآن فختم بما فتح به بـ: الله الذي لا له إلا هو، وهو قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (^٢) [الأنبياء: ٢٥]. وهذا غريب أيضًا.\nوقال أحمد: حدثنا علي بن بحر، حدثنا علي بن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: أتى الحارث بن خِزمة بهاتين الآيتين من آخر براءة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى عمر بن الخطاب فقال: من معك على هذا؟ قال: لا أدري والله إني لأشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ ووعيتها وحفظتها فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ، ثم قال: \"لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها، فوضعوها في آخر براءة\" (^٣).\nوقد تقدم الكلام أن عمر بن الخطاب هو الذي أشار على أبي بكر الصديق ﵄ بجمع القرآن فأمر زيد بن ثابت فجمعه، وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون ذلك، وفي الصحيح أن زيدًا قال: فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة (^٤)، وقد قدمنا أن جماعة من الصحابة تذكروا ذلك عند رسول الله ﷺ كما قال خزيمة بن ثابت حين ابتدأهم بها، والله أعلم.\nوقد روى أبو داود عن يزيد بن محمد، عن عبد الرزاق بن عمر -وقال: كان من ثقات المسلمين من المتعبدين- عن مدرك بن سعد قال: يزيد شيخ ثقة، عن يونس بن ميسرة، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو ربُّ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ٤٢ ح ٢١١٣) وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان. وحسّنه محققوه بالمتابعات والشواهد.\n(^٢) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ١٤٩ - ١٥٠ ح ٢١٢٢٧) وضعف سنده محققوه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٤٠ ح ١٧١٥) وضعفه محققوه لتدليس محمد بن إسحاق وانقطاعه، وقال الأستاذ أحمد شاكر في تعليقه على المسند: عباد بن عبد الله بن الزبير ثقة، ولكنه لم يدرك قصة جمع القرآن بل ما أظنه أدرك الحارث بن خزمة، ولئن أدركه لما كان ذلك مصححًا للحديث، إذا لم يروه عنه، بل أرسل القصة إرسالًا … وقال أيضًا: منكر شاذ مخالف (المسند ٣/ ١٦٤)، وسبقهم ابن الأثير بقوله: وهذا عندي فيه نظر (أسد الغابة ١/ ٣٩٠).\n(^٤) في صحيح البخاري: \"حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري\"، وذكر القصة (الصحيح، فضائل القرآن، باب جمع القرآن ح ٤٩٨٦).","vol":"4","page":378},{"text":"العرش العظيم. سبع مرات إلا كفاه الله ما أهمَّه [صادقًا كان بها أو كاذبًا] (^١) (^٢).\nوقد رواه ابن عساكر في ترجمة عبد الرزاق، عن عمر، هذا من رواية أبي زرعة الدمشقي عنه، عن أبي سعد مدرك بن أبي سعد الفزاري، عن يونس بن ميسرة بن حَلبس، عن أُم الدرداء سمعت أبا الدرداء يقول: ما من عبد يقول: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو ربُّ العرش العظيم -سبع مرات- صادقًا كان بها أو كاذبًا إلا كفاه الله ما أهمَّه. وهذه زيادة غريبة، ثم رواه في ترجمة عبد الرزاق أبي محمد، عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرزاق، عن جده عبد الرزاق بن عمر بسنده، فرفعه فذكر مثله بالزيادة. وهذا منكر، والله أعلم] (^٣) (^٤).\nآخر سورة براءة، والحمد لله وحده.\n_________\n(^١) ما بين معقوفين زيادة من سنن أبي داود.\n(^٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه ونقده (السنن، الأدب، باب ما يقول إذا أصبح ح ٥٠٨١)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود.\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من (مح).\n(^٤) وحكمه كسابقه.","vol":"4","page":379},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>سُورَةُ يُونِس</span>\nسورة يونس مكية وآياتها تسع ومئة.\n\n<span id=\"aya-1365\"></span>﷽\n﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾.\nأما الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تقدم الكلام عليها في أوائل سورة البقرة، وقال أبو الضحى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الر﴾ أي: أنا الله أرى (^١). وكذلك قال الضحاك وغيره (^٢). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ أي: هذه آيات القرآن المحكم المبين.\nوقال مجاهد: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ قال: التوراة والإنجيل (^٣).\nوقال الحسن: التوراة والزبور (^٤).\nوقال قتادة: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال: الكتب التي كانت قبل القرآن (^٥). وهذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه.\n\n<span id=\"aya-1366\"></span>وقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ الآية، يقول تعالى منكرًا على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر كما أخبر تعالى عن القرون الماضين من قولهم: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦] وقال هود وصالح لقومهما: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] وقال تعالى مخبرًا عن كفار قريش أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص].\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمدًا ﷺ رسولًا أنكرت العرب ذلك أو\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق شريك عن أبي الضحى به، وشريك هو ابن عبد الله النخعي وهو صدوق يخطئ كثيرًا.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي روق، وهو عطية بن الحارث الهمداني، عن الضحاك.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سفيان عن مجاهد، وسفيان لم يسمع من مجاهد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أبي بكر عن الحسن، وأبو بكر هو سلمى بن عبد الله الهذلي: وهو متروك، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وهذا القول يدخل ضمن قول قتادة وقد أنكره الحافظ ابن كثير، وله الحق في ذلك فإن المراد بآيات الكتاب الحكيم هي آيات القرآن الحكيم وهذا الذي رجحه الطبري، والحافظ ابن كثير وصدره الأقوال المرجوحة.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد هذا ضعيف.","vol":"4","page":380},{"text":"من أنكر منهم فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ الآية (^١).\nوقوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ اختلفوا فيه:\nفقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ يقول: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقول: أجرًا حسنًا بما قدموا (^٣). وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٤). وهذا كقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ [الكهف].\nوقال مجاهد: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال: الأعمال الصالحة؛ صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم (^٥).\nوقال فضيل بن عمرو بن الجون، عن قتادة أو الحسن: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال: محمد: ﷺ \"يشفع لهم\" (^٦). وكذا قال زيد بن أسلم (^٧) ومقاتل بن حيان.\nوقال قتادة: سلف صدق عند ربهم (^٨). واختار ابن جرير قول مجاهد: إنها الأعمال الصالحة التي قدموها، كما يقال: له قدم في الإسلام؛ كقول حسان ﵁:\nلنا القدمُ العليا إليك وخَلفُنا … لأوَّلنا في طاعة الله تابع (^٩)\nوقول ذي الرمة:\nلكم قدم لا ينكر الناس … أنها مع الحسب العادي طمَّت على البحر (^١٠)\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ أي: مع أنا بعثنا إليهم رسولًا منهم رجلًا من جنسهم بشيرًا ونذيرًا ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر وهم الكاذبون في ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك به، وهو لم يلق ابن عباس ﵄.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يحيى بن آدم عن فضيل به.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم، وسنده ضعيف لأن ابن عيينة أخرجه في تفسيره قال: أُخبرت عن زيد بن أسلم، فهو منقطع (ينظر: تغليق التعليق ٤/ ٢٢٢).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٩) ديوان حسان ص ٢٤١.\n(^١٠) ديوان ذي الرمة ص ٢٧٢، وذكره الطبري.","vol":"4","page":381},{"text":"<span id=\"aya-1367\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾.\nيخبر تعالى أنه رب العالم جميعه، وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام قيل: كهذه الأيام. وقيل: كل يوم كألف سنة مما تعدون؛ كما سيأتي بيانه ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ والعرش أعظم المخلوقات وسقفها.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة، حدثنا أبو أُسامة، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت سعدًا الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء (^١).\nوقال وهب بن منبه: خلقه الله من نوره (^٢). وهذا غريب.\nوقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أي: يدبر الخلائق ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣] ولا يشغله شأن عن شأن ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير في الجبال والبحار والعمران والقفار ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ الآية [هود: ٦]، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\nوقال الدراوردي، عن سعد بن إسحاق بن كعب أنه قال حين نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية: لقيهم ركب عظيم لا يرون إلا أنهم من العرب فقالوا لهم: من أنتم، قالوا: من الجن خرجنا من المدينة أخرجتنا هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم (^٣).\nوقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وكقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم] وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣].\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أيها المشركون في أمركم تعبدون مع الله إلهًا غيره وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] وقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾ [المؤمنون]، وكذا الآية التي قبلها والتي بعدها.\n\n<span id=\"aya-1368\"></span>﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾.\nيخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة لا يترك منهم أحدًا حتى يعيده كما بدأه ثم ذكر\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وقال الذهبي: هذا ثابت عن هذا التابعي الإمام (العلو ص ٥٨). لكنه مرسل ولعله يتقوى بما رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بنحوه وسنده صحيح، وعزاه ابن حجر إلى عبد الرزاق (الفتح ١٣/ ٤٠٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن وهب به. واستغربه الحافظ ووهب معروف برواية الإسرائيليات.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الدراوردي به وسنده مرسل، لأن سعد بن إسحاق من صغار التابعين.","vol":"4","page":382},{"text":"تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل والجزاء الأوفى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع العذاب من ﴿سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ [الواقعة]، ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص]، ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن].\n\n<span id=\"aya-1369\"></span>﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾.\nيخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء، وجعل شعاع القمر نورًا هذا فن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما؛ لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل، وقدَّر القمر منازل فأول ما يبدو صغيرًا ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى في تمام شهر كقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس] وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ الآية [الأنعام: ٩٦]. قال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ أي: القمر ﴿مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فبالشمس تعرف الأيام وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام.\n﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: لم يخلقه عبثًا بل له حكمة عظيمة في ذلك وحجة بالغة كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص] وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون].\nوقوله: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبين الحجج والأدلة ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1370\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا لا يتأخر عنه شيئًا كقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] وقال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ الآية [يس: ٤٠] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ الآية [الأنعام: ٩٦].\nوقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: من الآيات الدالة على عظمته تعالى كما قال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥] الآية، وقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس] وقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٩] وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران] أي: العقول، وقال ههنا: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ أي: عقاب الله وسخطه وعذابه.","vol":"4","page":383},{"text":"<span id=\"aya-1371\"></span>\n\n<span id=\"aya-1372\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن حال الأشقياء الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة ولا يرجون في لقائه شيئًا ورضوا بهذه الحياة الدنيا واطمأنت إليها نفوسهم.\nقال الحسن: والله ما زينوها ولا رفعوها حتى رضوا بها (^١).\nوهم غافلون عن آيات الله الكونية، فلا يتفكرون فيها، والشرعية فلا يأتمرون بها فإن مأواهم يوم معادهم النار جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام مع ما هم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر.\n\n<span id=\"aya-1373\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾.\nهذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وامتثلوا ما أمروا به فعملوا الصالحات بأنه سيهديهم بإيمانهم.\nيحتمل أن تكون الباء ههنا سببية، فتقديره بسب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد في قوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ قال: يكون لهم نورًا يمشون به (^٢).\nوقال ابن جريج في الآية: يمثّل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره كل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك. فيجعل له نورًا من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾، والكافر يمثّل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيلزم صاحبه ويلازُّه حتى يقذفه في النار (^٣). وروي نحوه عن قتادة مرسلًا (^٤) فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1374\"></span>وقوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ أي: هذا حال أهل الجنة، قال ابن جريج: أُخبرت بأن قوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ قال: إذا مرَّ بهم الطير يشتهونه، قالوا: سبحانك اللَّهم، وذلك دعواهم فيأتيهم الملك بما يشتهونه فيسلم عليهم فيردُّون عليه، فذلك قوله: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ قال: فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم فذلك قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حوشب، وهو ابن مسلم الثقفي، عن الحسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف، فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف، وكذلك هو معضل، لأن مثل هذا لا يؤخذ من تابع تابعي، ويتقوى بما يلي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف كسابقه عن ابن جريج.","vol":"4","page":384},{"text":"وقال مقاتل بن حيان: إذا أراد أهل الجنة أن يدعوا بالطعام قال أحدهم: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ قال: فيقوم على أحدهم عشرة آلاف خادم مع كل خادم صحفة من ذهب فيها طعام ليس في الأخرى، قال: فيأكل منهم كلهن (^١).\nوقال سفيان الثوري: إذا أراد أحدهم أن يدعو بشيء قال: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [فيأتيهم ما دعوا به] (^٢) (^٣).\nوهذه الآية فيها شبه من قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٤]، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة]، وقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس]، وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [الرعد].\nوقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا فيه دلالة على أنه تعالى هو المحمود أبدًا المعبود على طول المدى، ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره، وفي ابتداء كتابه، وعند ابتداء تنزيله حيث يقول تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] إلى غير ذلك من الأحوال التي يطول بسطها، وإنه المحمود في الأولى والآخرة في الحياة الدنيا وفي الآخرة في جميع الأحوال، ولهذا جاء في الحديث: \"إن أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما يُلهَمون النفس\" (^٤). وإنما يكون ذلك كذلك لما يرون من تزايد نعم الله عليهم فتكرر وتعاد وتزداد فليس لها انقضاء ولا أمد، فلا إله إلا هو ولا رب سواه.\n\n<span id=\"aya-1375\"></span>﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾.\nيخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في الشر في حال ضجرهم وغضبهم وإنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفًا ورحمة كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير والبركة والنماء، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ الآية، أي لو استجاب لهم كلما دعوه به في ذلك لأهلكهم، ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك كما جاء في الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة، عن عبادة بن الوليد، حدثنا جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تدعوا على أنفسكم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل لكنه معضل، لأن مثل هذا الأثر لا يؤخذ من تابع تابعي.\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من تفسير الطبري.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبيد الله الأشجعي عن الثوري وحكمه كسابقه.\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ (الصحيح، الجنة وصفة نعيمها، باب فىِ صفات الجنة وأهلها ح ٢٨٣٥).","vol":"4","page":385},{"text":"ولا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم\" (^١). ورواه أبو داود من حديث حاتم بن إسماعيل به (^٢). وقال البزار: وتفرد به عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري لم يشاركه أحد فيه.\nوهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ الآية [الإسراء: ١١].\nوقال مجاهد في تفسير هذه الآية: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ الآية: هو قول الإنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه: اللَّهم لا تبارك فيه والعنه. فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-1376\"></span>﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾.\nيخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الشر كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] أي: كثير، وهما في معنى واحد، وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها، وأكثر الدعاء عند ذلك فدعا الله في كشفها ورفعها عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه وفي جميع أحواله، فإذا فرَّج الله شدته وكشف كربته أعرض ونأى بجانبه وذهب كأنه ما كان به من ذلك شيء ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾، ثم ذمَّ تعالى من هذه صفته وطريقته فقال: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد فإنه مستثنى من ذلك كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ١١]، وكقول رسول الله ﷺ: \"عجبًا لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء فصبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-1377\"></span>\n\n<span id=\"aya-1378\"></span>﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾.\nأخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية في تكذيبهم الرسل فيما جاؤوهم به من البينات والحجج الواضحات، ثم استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم وأرسل إليهم رسولًا لينظر طاعتهم له واتباعهم رسوله، وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء\" (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة بهذا، أنبأنا حماد، عن ثابت\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل به (الصحيح، الزهد، باب حديث جابر ح ٣٠٠٦).\n(^٢) سنن أبي داود، الصلاة، باب النهي أن يدعو الإنسان على أهله وماله (ح ١٥٣٢)، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث صهيب الرومي ﵁ (الصحيح، الزهد، باب المؤمن أمره كله خير ح ٢٩٩٩).\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٦٥.","vol":"4","page":386},{"text":"البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن عوف بن مالك قال لأبي بكر: رأيت فيما يرى النائم كأن سببًا دُلِّي من السماء، فانتشط رسول الله ﷺ ثم أعيد، فانتشط أبو بكر ثم ذرع الناس حول المنبر، ففضل عمر بثلاث أذرع حول المنبر.\nفقال عمر: دعنا من رؤياك لا أرب لنا فيها، فلما استخلف عمر قال: يا عوف رؤياك، قال: وهل لك في رؤياي من حاجة أَوَ لم تنتهرني؟ قال: ويحك! إني كرهت أن تنعى لخليفة رسول الله ﷺ نفسه، فقصَّ عليه الرؤيا حتى إذا بلغ ذرع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع قال: أما إحداهن فإنه كان خليفة، وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأما الثالثة فإنه شهيد.\nقال: فقال: يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ فقد استخلفت يا بن أم عمر، فانظر كيف تعمل؟ وأما قوله: فإني لا أخاف في الله لومة لائم فيما شاء الله، وأما قوله: (شهيد) فأنى لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون به (^١).\n\n<span id=\"aya-1379\"></span>﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾.\nيخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش الجاحدين المعرضين عنه إنهم إذا قرأ عليهم الرسول ﷺ كتاب الله وحججه الواضحة قالوا له: ائت بقرآن غير هذا، أي رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر أو بدله إلى وضع آخر قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ أي: ليس هذا إلي إنما أنا عبد مأمور ورسول مبلغ عن الله ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-1380\"></span>ثم قال محتجًا عليهم في صحة ما جاءهم به: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ أي: هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على إني لست أتقوله من عندي ولا افتريته أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقي، وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله ﷿ لا تنتقدون علي شيئًا تغمصوني به ولهذا قال: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل؟ ولهذا لما سأل هِرَقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه فيما سأله من صفة النبي ﷺ قال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا (^٢). وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين ومع هذا اعترف بالحق والفضل ما شهدت به الأعداء، فقال له هرقل: فقد أعرف إنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله.\nوقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث الله فينا رسولًا نعرف صدقه ونسبه\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وأطول، وسنده ضعيف جدًا لأن زيد بن عوف متروك (لسان الميزان ٢/ ٥٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري مطولًا، الصحيح، بدء الوحي، باب ٧ (ح ٦).","vol":"4","page":387},{"text":"وأمانته (^١). وقد كانت مدة مقامه ﵇ بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة (^٢). وعن سعيد بن المسيب: ثلاثًا وأربعين سنة (^٣)، والصحيح المشهور الأول.\n\n<span id=\"aya-1381\"></span>﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾.\nيقول تعالى: لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجرامًا ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وتقوَّل على الله، وزعم أن الله أرسله ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر جرمًا ولا أعظم ظلمًا من هذا، ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء؟ فإن من قال هذه المقالة صادقًا أو كاذبًا فلابد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس، فإن الفرق بين محمد ﷺ وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى وبين نصف الليل في حندس الظلماء، فمن شيم كل منهما وأفعاله وكلامه يستدل من له بصيرة على صدق محمد ﷺ وكذب مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي.\nقال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل (^٤) الناس فكنت فيمن انجفل، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب. قال: فكان أول ما سمعته يقول: \"يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام\" (^٥).\nولما وفد ضمام بن ثعلبة على رسول الله ﷺ في قومه بني سعد بن بكر قال لرسول الله فيما قال له: من رفع هذه السماء؟ قال: \"الله\". قال: ومن نصب هذه الجبال؟ قال: \"الله\". قال: ومن سطح هذه الأرض؟ قال: \"الله\". قال: فبالذي رفع هذه السماء، ونصب هذه الجبال، وسطح هذه الأرض ألله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: \"اللَّهم نعم\". ثم سأله عن الصلاة والزكاة والحج والصيام ويحلف عند كل واحدة هذه اليمين، ويحلف له رسول الله ﷺ فقال له: صدقت والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص (^٦). فاكتفى هذا الرجل بمجرد هذا، وقد أيقن بصدقه صلوات الله وسلامه عليه بما رأى وشاهد من الدلائل الدالة عليه. وقال حسان بن ثابت:\nلو لم تكن فيه آيات مبينة … كانت بديهته تأتيك بالخبر\nوأما مسيلمة فمن شاهده من ذوي البصائر علم أمره لا محالة بأقواله الركيكة التي ليست\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد مطولًا (المسند ٣/ ٢٦٣ - ٢٧٦ ح ١٧٤٠) وحسّنه محققوه.\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ (الصحيح، المناقب، باب صفة النبي ﷺ ح ٣٥٤٧).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٨/ ٤٣٧)، وذكر الحافظ ابن حجر أنه قول شاذ (فتح الباري ٦/ ٥٧٠).\n(^٤) أي ذهبوا مسرعين نحوه ﷺ (النهاية ١/ ٢٧٩).\n(^٥) أخرجه الترمذي وصححه (السنن، صفة القيامة باب أفشوا السلام وأطعموا الطعام … ح ٢٤٨٧)، وابن ماجه (السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل ح ١٣٣٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٠٩٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ١٣).\n(^٦) أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك ولم يسم ضمام بن ثعلبة، وإنما قال: رجل من البادية (الصحيح، الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام ح ١٢).","vol":"4","page":388},{"text":"بفصيحة، وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة، وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة، وكم من فرق بين قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة]، وبين عُلاك (^١) مسيلمة -قبّحه الله ولعنه-: يا ضفدع بنت ضفدعين نقي كما تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين!\nوقوله -قبّحه الله-: لقد أنعم الله على الحبلى إذ أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحَشى (^٢)!\nوقوله خلده الله في نار جهنم -وقد فعل-: الفيل وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل!\nوقوله -أبعده الله عن رحمته-: والعاجنات عجنًا، والخابزات خبزًا، واللاقمات لقمًا إهالة وسمنًا إن قريشًا قوم يعتدون .. ! إلى غير ذلك من الخرافات والهذيانات التي يأنف الصبيان أن يتلفظوا بها إلا على وجه السخرية والاستهزاء. ولهذا أرغم الله أنفه، وشرب يوم حديقة الموت (^٣) حتفه، ومزق شمله، ولعنه صحبه وأهله، وقدموا على الصدّيق تائبين، وجاؤوا في دين الله راغبين، فسألهم الصديق خليفة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنه أن يقرأوا عليه شيئًا من قرآن مسيلمة لعنه الله، فسألوه أن يعفيهم من ذلك، فأبى عليهم إلا أن يقرأوا شيئًا منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم، فقرأوا عليه من هذا الذي ذكرناه وأشباهه، فلما فرغوا قال لهم الصديق ﵁: ويحكم أين كان يذهب بعقولكم؟ والله إن هذا لم يخرج من إل (^٤) (^٥).\nوذكروا أن عمرو بن العاص وفَدَ على مسيلمة، وكان صديقًا له في الجاهلية، وكان عمرو لم يسلم بعد فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو! ماذا أنزل على صاحبكم؟ يعني: رسول الله ﷺ في هذه المدة فقال: لقد سمعت أصحابه يقرأون سورة عظيمة قصيرة فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) …﴾ [العصر] إلى آخر السورة. ففكر مسيلمة ساعة ثم قال: وأنا قد أُنزل عليَّ مثله فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر، كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب (^٦).\nفإذا كان هذا من مشرك في حال شركه لم يشتبه عليه حال محمد ﷺ وصدقه وحال مسيلمة لعنه الله وكذبه.\n_________\n(^١) العُلاك: ما يُعلك ويُمضغ.\n(^٢) الصفاق: الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، والحَسنى: ما دون الحجاب مما في البطن كله، من الكبد والطحال والكرش.\n(^٣) الحديقة: اسم لبستان كان بأرض اليمامة، فيها قتل مسيلمة الكذاب، وأصحابه يسمونها حديقة الموت (مراصد الإطلاع ١/ ٣٨٧).\n(^٤) أي من ربوبية، أو عهد (ينظر: النهاية ١/ ٦١).\n(^٥) ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ٣٥٩).\n(^٦) ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ٣٥٩).","vol":"4","page":389},{"text":"فكيف بأولي البصائر والنهى وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجى؟ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾، وكذلك من كذب بالحق الذي جاءت به الرسل وقامت عليه الحجج، لا أحد أظلم منه كما في الحديث: \"أعتى الناس على الله رجل قتل نبيًا أو قتله نبي\" (^١).\n\n<span id=\"aya-1382\"></span>﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾.\nينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ظانِّين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله، فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك شيئًا ولا يقع شيء مما يزعمون فيها، ولا يكون هذا أبدًا، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nوقال ابن جرير: معناه: أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض؟ (^٢)، ثم نزه نفسه الكريمة عن شركهم وكفرهم فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-1383\"></span>ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلَّهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام.\nقال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم وقع الاختلاف بين الناس وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان فبعث الله الرسل (^٣) بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، أي: لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، وأنه قد أجَّل الخلق إلى أجل معدود لقُضي بينهم فيما اختلفوا فيه فأسعد المؤمنين وأعنت الكافرين.\n\n<span id=\"aya-1384\"></span>﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾.\nأي: ويقول هؤلاء الكفرة المكذبون المعاندون لولا أنزل على محمد آية من ربه يعنون: كما أعطى الله ثمود الناقة، أو أن يحول لهم الصفا ذهبًا، أو يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها بساتين وأنهرًا أو نحو ذلك مما الله عليه قادر ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله كما قال تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ (المسند ٦/ ٤١٢ ح ٣٨٦٨)، وحسن سنده محققوه. وجوده الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٢٨١.\n(^٢) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٣) تقدم تخريجه وثبوته عن ابن عباس في تفسير سورة البقرة آية ٢١٣.","vol":"4","page":390},{"text":"﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾ [الفرقان] وكقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ الآية [الإسراء: ٥٩]، يقول تعالى: إن سنتي في خلقي أني إذا آتيتهم ما سألوا فإن آمنوا وإلا عالجتهم بالعقوبة، ولهذا لما خيَّر رسول الله ﷺ بين أن يُعطى ما سألوا، فإن أجابوا وإلا عوجلوا، وبين أن يتركهم وينظرهم اختار إنظارهم كما حلم عنهم غير مرة رسول الله ﷺ ولهذا قال تعالى إرشادًا لنبيه ﷺ إلى الجواب عما سألوا: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أي: الأمر كله لله وهو يعلم العواقب في الأمور ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ أي: إن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم فانتظروا حكم الله فيَّ وفيكم، هذا مع أنهم قد شاهدوا من آياته ﷺ أعظم مما سألوا حين أشار بحضرتهم إلى القمر ليلة إبداره، فانشق (^١) باثنتين: فرقة من وراء الجبل، وفرقة من دونه، وهذا أعظم من سائر الآيات الأرضية مما سألوا وما لم يسألوا، ولو علم الله منهم أنهم سألوا ذلك استرشادًا وتثبتًا لأجابهم، ولكن علم أنهم إنما يسألون عنادًا وتعنتًا فتركهم فيما رابهم وعلم أنهم لا يؤمن منهم أحد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الأنعام: ١١١] ولما فيهم من المكابرة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية [الحجر: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ الآية [الطور: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ [الأنعام] فمثل هؤلاء أقل من أن يُجابوا إلى ما سألوا لأنه لا فائدة في جوابهم لأنه دائر على تعنتهم وعنادهم لكثرة فجورهم وفسادهم ولهذا قال: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1385\"></span>﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾.\nيخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمة من بعد ضراء مستهم كالرخاء بعد الشدة والخصب بعد الجدب والمطر بعد القحط ونحو ذلك ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ قال مجاهد: استهزاء وتكذيب (^٢). كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ الآية [يونس: ١٢].\nوفي الصحيح أن رسول الله ﷺ صلى بهم الصبح على أثر سماء كانت من الليل، أي مطر، ثم قال: \"هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"قال: أصبح من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد النبي ﷺ (الصحيح، المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية ح ٣٦٣٦).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"4","page":391},{"text":"عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء (^١) كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب\" (^٢).\nوقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أي: أشد استدراجًا وإمهالًا حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب وإنما هو في مُهلة ثم يؤخذ على غَرة منه، والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله ويحصونه عليه، ثم يعرضونه على عالم الغيب والشهادة فيجازيه على الجليل والحقير النقير والقمطير.\n\n<span id=\"aya-1386\"></span>ثم أخبر تعالى أنه ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: يحفظكم ويكلؤكم بحراسته ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ أي: بسرعة سيرهم رافقين فبينما هم كذلك إذ ﴿جَاءَتْهَا﴾ أي: تلك السفن ﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ أي: شديدة ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: اغتلم (^٣) البحر عليهم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي: هلكوا ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: لا يدعون معه صنمًا ولا وثنًا بل يفردونه بالدعاء والابتهال كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء] وقال ههنا: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: هذه الحال ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: لا نشرك بك أحدًا ولنفردنك بالعبادة هناك كما أفردناك بالدعاء ههنا،\n\n<span id=\"aya-1387\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾ أي: من تلك الورطة ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: كأن لم يكن من ذلك شيء ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].\nثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم ولا تضرون به أحدًا غيركم، كما جاء في الحديث: \"ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر الله لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم\" (^٤).\nوقوله: ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصيركم ومآلكم ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: فنخبركم بجميع أعمالكم ونوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.\n_________\n(^١) قال الحافظ ابن حجر: قال ابن قتيبة في \"كتاب الأنواء\": ومعنى النوء: سقوط نجم في المغرب من النجوم الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر. قال: وهو مأخوذ من ناء إذا سقط. وقال آخرون: بل النوء طلوع نجم منها، وهو مأخوذ من ناء إذا نهض، ولا تخالف بين القولين في الوقت لأن كل نجم منها إذا طلع من المشرق وقع حال طلوعه آخر في المغرب لا يزال ذلك مستمرًا إلى أن تنتهي الثمانية والعشرون بانتهاء السنة، فإن لكل واحد منها ثلاثة عشر يومًا تقريبًا. قال: وكانوا في الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة النوء، إما بصنعهم واما بعلامته، فأبطل الشرع قولهم وجعله كفرًا (فتح الباري ٢/ ٥٢٣، ٥٢٤).\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث زيد بن خالد الجهني (الصحيح، الاستسقاء باب قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة]، ح ١٠٣٨).\n(^٣) أي: اشتد وهاج.\n(^٤) أخرجه أبو داود من حديث أبي بكرة ﵁ (السنن، الأدب، باب في النهي عن البغي ح ٤٩٠٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٩٨)، وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (السنن، صفة القيامة، باب انظروا إلى من هو أسفل منكم ح ٢٥١٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥٦).","vol":"4","page":392},{"text":"<span id=\"aya-1388\"></span>﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾.\nضرب ﵎ مثلًا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بماء أنزل من السماء مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها وما تأكل الأنعام من أبِّ وقضب وغير ذلك ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ أي: زينتها الفانية ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ أي: حسُنت بما خرج في رُباها من زهور نَضرة مختلفة الأشكال والألوان ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾ الذين زرعوها وغرسوها ﴿أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: على جذاذها وحصادها، فبينما هم كذلك إذ جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾ أي: يابسًا بعد الخضرة والنضارة ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ أي: كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك.\nوقال قتادة: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ﴾: كأن لم تنعم (^١)، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن، ولهذا جاء في الحديث: \"يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة، فيقال له: هل رأيت خيرًا قط؟ هل مرَّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا، ويؤتى بأشد الناس عذابًا في الدنيا، فيغمس في النعيم غمسة ثم يقال له: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا\" (^٢).\nوقال تعالى إخبارًا عن المهلكين: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود] ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبين الحجج والأدلة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا عن أهلها سريعًا مع اغترارهم بها وتمكنهم وثقتهم بمواعيدها وتفلُّتها عنهم، فإن من طبعها الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها، وقد ضرب الله تعالى مثل الدنيا بنبات الأرض في غير ما آية من كتابه العزيز فقال في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ [الكهف]، وكذا في سورة الزمر (^٣) والحديد (^٤) يضرب الله بذلك مثل الحياة الدنيا.\nوقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت مروان -يعني: ابن الحكم- يقرأ على المنبر: (وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها وما كان الله ليهلكهم إلا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه من حديث أنس بن مالك ﵁ (السنن، الزهد، باب صفة النار ح ٤٣٢١)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٨٨)، وأخرجه مسلم بنحوه (الصحيح، صفات المنافقين، باب صبغ أنعم أهل الدنيا ح ٢٨٠٧).\n(^٣) آية ٢١.\n(^٤) آية ٢٠.","vol":"4","page":393},{"text":"بذنوب أهلها). قال: قد قرأتها وليست في المصحف، فقال عباس بن عبد الله بن عباس: هكذا يقرؤها ابن عباس، فأرسلوا إلى ابن عباس فقال: هكذا أقرأني أُبي بن كعب (^١).\nوهذه قراءة غريبة وكأنها زيدت للتفسير.\n\n<span id=\"aya-1389\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ الآية، لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة زوالها رغب في الجنة ودعا إليها وسماها دار السلام، أي من الآفات والنقائص والنكبات فقال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾.\nقال أيوب، عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ قال: \"قيل لي: لتنم عينك وليعقل قلبك ولتسمع أذنك، فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت أذني، ثم قيل لي: مثلي ومثل ما جئت كمثل سيد بنى دارًا ثم صنع مأدبة وأرسل داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد، والله السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد ﷺ\" (^٢).\nوهذا حديث مرسل وقد جاء متصلًا من حديث الليث عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا، فقال: \"إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلًا، فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارًا ثم بنى فيها بيتًا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولًا يدعو، الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه، فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد الرسول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها\" رواه ابن جرير (^٣).\nوقال قتادة: حدثني خليد العصري، عن أبي الدرداء مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من يوم طلعت فيه الشمس إلا وبجنبيتها (^٤) ملكان يناديان يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، إن ما قلَّ وكفى خير مما كثُر وألهى\"، قال: وأنزل في قوله: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ الآية. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقال محمود شاكر: إسناده هالك. وبيّن موضع الخلل بسبب كذب عبد العزيز وهو ابن أبان الأموي. (ينظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٦٢٢).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق معمر عن أيوب به، وسند مرسل، ويتقوى بما يليه.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق حجاج عن الليث به، وفي سنده انقطاع لأن سعيد بن أبي هلال لم يسمع من جابر، وأخرجه الحاكم موصولًا من طريق سعيد بن أبي هلال عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن جابر، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٣٨)، وأخرجه الدارمي من طريق أبي قلابة عن عطية أنه سمع ربيعة الجرشي … فذكره (السنن ح ١١)، وجوّد سنده الحافظ ابن حجر (الفتح ١٣/ ٢٥٦)، وأخرجه البخاري من طريق سعيد بن مينا عن جابر بنحوه (الصحيح، الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ ح ٧٢٨١).\n(^٤) الجنبة: أي الناحية.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق قتادة به وصححه محمود شاكر. وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٦٨٦)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٤٤، ٤٤٥)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٤٤٣).","vol":"4","page":394},{"text":"<span id=\"aya-1390\"></span>﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾.\nيخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح الحسنى في الدار الآخرة كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن].\nوقوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضًا، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته.\nوقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق (^١) وغيرهم من السلف والخلف.\nوقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عفان، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقال: \"إذا دخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النار النار نادى منادٍ: يا أهلَ الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقرّ لأعينهم\" (^٢). وهكذا رواه مسلم وجماعة من الأئمة من حديث حماد بن سلمة به (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني شبيب، عن أبان، عن أبي تميمة الهجيمي أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله ﷺ: \"إن الله يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي: يا أهل الجنة -بصوت يسمع أولهم وآخرهم- إن الله وعدكم الحسنى وزيادة فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن ﷿\" (^٤). ورواه أيضًا ابن أبي حاتم من حديث\n_________\n(^١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج عبد الرزاق والطبري بعض أقوالهم بأسانيد ثابتة وضعيفة، فقول أبي بكر الصديق أخرجه الطبري وهناد (الزهد ١/ ١٣١ ح ١٧٠)، وابن خزيمة (التوحيد ص ١٢٠)، والدارقطني (الرؤية ح ١٩٣)، كلهم من طريق عامر بن سعد عن أبي بكر، وسنده ضعيف للانقطاع لأن عامر بن سعد لم يسمع من أبي بكر (تهذيب الكمال ١٤/ ٢٣، وتهذيب التهذيب ٥/ ٥٧)، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هذا حديث ليس له أصل، منكر (الجرح ٦/ ١٣٧)، وقول حذيفة أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ٣٨١)، والآجري (الشريعة ح ٥٩١)، كلهم بسند حسن من طريق أبي إسحاق السبيعي عن مسلم بن نذير عنه. وهذا القول له شاهد صحيح مرفوع كما يليه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٣٣) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين الآخرة ربهم سبحانه (ح ١٨١).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورواه من طريقين آخرين. وضعفه مع الطريقين الأستاذ محمود شاكر. ويشهد له ما سبق في الصحيح.","vol":"4","page":395},{"text":"أبي بكر الهُذلي، عن أبي تميمة الهجيمي به (^١).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن حميد، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عجرة عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: \"النظر إلى وجه الرحمن ﷿\" (^٢).\nوقال أيضًا: حدثنا ابن عبد الرحيم، حدثنا عمرو بن أبي سلمة: سمعت زهيرًا عمن سمع أبا العالية، حدثنا أُبي بن كعب أنه سأل رسول الله ﷺ عن قول الله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: \"الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله ﷿\" (^٣). ورواه ابن أبي حاتم أيضًا من حديث زهير به (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾ أي: قتام (^٥) وسواد في عرصات المحشر كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾ أي: هوان وصغار، أي لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر بل هم كما قال تعالى في حقهم: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ [الإنسان] أي: نضرة في وجوههم وسرورًا في قلوبهم، جعلنا الله منهم بفضله ورحمته آمين.\n\n<span id=\"aya-1391\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾.\nلما أخبر تعالى عن حال السعداء الذين يضاعف لهم الحسنات ويزدادون على ذلك عطف بذكر حال الأشقياء، فذكر تعالى عدله فيهم وأنه يجازيهم على السيئة بمثلها لا يزيدهم على ذلك ﴿وَتَرْهَقُهُمْ﴾ أي: تعتريهم وتعلوهم ذلة من معاصيهم وخوفهم منها كما قال: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ …﴾ الآيات [إبراهيم]، وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي: مانع ولا واقٍ يقيهم العذاب كما قال تعالى: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ [القيامة] وقوله: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ الآية، إخبار عن سواد وجوههم في الدار الآخرة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران]، وكما قال تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر الهذلي به، وأبو بكر هذا متروك وسنده ضعيف.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه محمود شاكر لضعف إبراهيم بن المختار، ويشهد له ما سبق في صحيح مسلم.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن أبي العالية، ويشهد له ما سبق في صحيح مسلم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق زهير به، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٥) أي: غبار.","vol":"4","page":396},{"text":"﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ [عبس].\n\n<span id=\"aya-1392\"></span>﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: أهل الأرض كلهم من جن وإنس وبر وفاجر، كما قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].\n﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الآية، أي: الزموا أنتم وهم مكانًا معينًا امتازوا فيه عن مقام المؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ [يس] وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ [الروم]، وفي الآية الأخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أي: يصيرون صدعين، وهذا يكون إذا جاء الرب ﵎ لفصل القضاء، ولهذا قيل ذلك يستشفع المؤمنون إلى الله تعالى أن يأتي لفصل القضاء ويريحنا من مقامنا هذا.\nوفي الحديث الآخر: \"نحن يوم القيامة على كوم (^١) فوق الناس\" (^٢).\nوقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة إخبارًا عما يأمر به المشركين وأوثانهم يوم القيامة: ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ الآية، أنهم أنكروا عبادتهم وتبرأوا منهم كما قال تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ الآية [مريم] وقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ الآية [الأحقاف].\nوقوله في هذه الآية إخبارًا عن قول الشركاء فيما راجعوا فيه عابديهم عند ادعائهم عبادتهم:\n\n<span id=\"aya-1393\"></span>﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية، أي: ما كنا نشعر بها ولا نعلم بها، وإنما كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم، والله شهيد بينا وبينكم أنّا ما دعوناكم إلى عبادتنا ولا أمرناكم بها ولا رضينا منكم بذلك، وفي هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره ممن لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئًا، ولم يأمرهم بذلك ولا رضي به ولا أراده بل تبرأ منهم وقت أحوج ما يكونون إليه، وقد تركوا عبادة الحي القيوم السميع البصير القادر على كل شيء العليم بكل شيء، وقد أرسل رسله وأنزل كتبه آمرًا بعبادته وحده لا شريك له ناهيًا عن عبادة ما سواه كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾\n_________\n(^١) الكوم: الموضع المشرف العالي.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله ﵁، مطولًا (المسند ٢٣/ ٦٣ ح ١٧٢١)، وقال محققوه: حديث صحيح، هذا إسناد ضعيف من أجل ابن لهيعة، لكن تابعه ابن جريج فيما سيأتي برقم (١٥١١٥).","vol":"4","page":397},{"text":"[الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف].\nوالمشركون أنواع وأقسام كثيرون قد ذكرهم الله في كتابه وبيّن أحوالهم وأقوالهم، وردّ عليهم فيما هم فيه أتمَّ ردِّ.\n\n<span id=\"aya-1394\"></span>وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ أي: في موقف الحساب يوم القيامة تختبر كل نفس وتعلم ما سلف من عملها من خير وشر كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق] وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة] وقال تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء] وقد قرأ بعضهم: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ (^١)، وفسرها بعضهم بالقراءة، وفسرها بعضهم بمعنى: تتبع ما قدمت من خير وشر.\nوفسرها بعضهم بحديث: \"لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت … \" الحديث (^٢).\nوقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ أي: ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل ففصلها وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: ذهب عن المشركين ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه.\n\n<span id=\"aya-1395\"></span>﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾.\nيحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته على وحدانية إلهيته فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر فيشق الأرض شقًا بقدرته ومشيئته فيخرج منها حبًا؟ ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس]، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤] ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١]، وقوله: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ أي: الذي وهبكم هذه القوة السامعة والقوة الباصرة، ولو شاء لذهب بها ولسلبكم إياها كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ الآية [الملك: ٢٣]، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٢٦].\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: بقدرته العظيمة ومنَّته العميمة، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك وأن الآية عامة لذلك كله.\n_________\n(^١) والشاهد فيها قراءة: (تتلو) وهي قراءة متواترة.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، الأذان، باب فضل السجود ح ٨٠٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ١٨٢).","vol":"4","page":398},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أي: من بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وهو المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون؟ ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن] فالملك كله العلوي والسفلي وما فيهما من ملائكة وإنس وجان فقيرون إليه عبيد له خاضعون لديه ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أي: وهم يعلمون ذلك ويعترفون به ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم؟.\n\n<span id=\"aya-1396\"></span>وقوله: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ الآية، أي: فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهاكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ أي: فكل معبود سواه باطل لا إله إلا هو واحد لا شريك له ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء والمتصرف في كل شيء؟\n\n<span id=\"aya-1397\"></span>وقوله: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ الآية، أي: كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على شركهم وعبادتهم مع الله غيره مع أنهم يعترفون بأنه الخالق الرازق المتصرف في الملك وحده الذي بعث رسله بتوحيده، فلهذا حقَّت عليهم كلمة الله أنهم أشقياء من ساكني النار كقوله: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].\n\n<span id=\"aya-1398\"></span>﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾.\nوهذا إبطال لدعواهم فيما أشركوا بالله غيره وعبدوا من الأصنام والأنداد ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: من بدأ خلق هذه السماوات والأرض ثم ينشيء ما فيهما من الخلائق ويفرق أجرام السماوات والأرض ويبدلهما بفناء ما فيهما ثم يعيد الخلق خلقًا جديدًا ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هو الذي يفعل هذا ويستقل به وحده لا شريك له ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل؟\n\n<span id=\"aya-1399\"></span>﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ أي: أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر على هداية ضال وإنما يهدي الحيارى والضلال ويقلب القلوب من الغي إلى الرشد الله الذي لا إله إلا هو.\n﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ أي: أفيتبع العبد الذي يهدي إلى الحق ويبصر بعد العمى أم الذي لا يهدي إلى شيء إلا أن يهدى لعماه وبكمه؟ كما قال تعالى إخبارًا عن إبراهيم أنه قال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وقال لقومه: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات] إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي: فما بالكم أن يذهب بعقولكم كيف سويتم بين الله وبين خلقه وعدلتم هذا بهذا، وعبدتم هذا وهذا؟ وهلَّا أفردتم الربَّ ﷻ المالك الحاكم الهادي من الضلالة بالعبادة وحده وأخلصتم إليه الدعوة والإنابة؟.","vol":"4","page":399},{"text":"<span id=\"aya-1400\"></span>ثم بيّن تعالى أنهم لا يتبعون في دينهم هذا دليلًا ولا برهانًا وإنما هو ظن منهم، أي توهم وتخيل وذلك لا يغني عنهم شيئًا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ تهديد لهم ووعيد شديد لأنه تعالى أخبر أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء.\n\n<span id=\"aya-1401\"></span>﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾.\nهذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله؛ لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني العزيزة والغريزة النافعة في الدنيا والآخرة لا تكون إلا من عند الله الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وأقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله ولا يشبه هذا كلام البشر ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المتقدمة ومهيمنًا عليه ومبينًا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل وقوله: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: وبيان الأحكام والحلال والحرام بيانًا شافيًا كافيًا حقًا لا مرية فيه من الله رب العالمين كما تقدم في حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب: \"فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم\" (^١). أي خبر عما سلف وعما سيأتي وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه الله ويرضاه.\n\n<span id=\"aya-1402\"></span>وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ أي: إن ادعيتم وافتريتم وشككتم في أن هذا من عند الله وقلتم كذبًا ومينًا: إن هذا من عند محمد فمحمد بشر مثلكم، وقد جاء فيما زعمتم بهذا القرآن، فأتوا أنتم بسورة مثله، أي من جنس هذا القرآن واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه من إنس وجان.\nوهذا هو المقام الثالث في التحدي فإنه تعالى تحداهم ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد فليعارضوه بنظير ما جاء به وحده وليستعينوا بما شاؤوا، وأخبر أنهم لا يقدرون على ذلك ولا سبيل لهم إليه فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء] ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال في أول سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود]، ثم تنازل إلى سورة فقال في هذه السورة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ وكذا في سورة البقرة وهي مدنية تحداهم بسورة منه وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبدًا فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ الآية [البقرة: ٢٤].\n_________\n(^١) تقدم في مقدمة التفسير، وسنده ضعيف لضعف الحارث الأعور.","vol":"4","page":400},{"text":"هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب ولكن جاءهم من الله ما لا قِبَل لأحد به ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا الكلام وحلاوته وجزالته وطلاوته وإفادته وبراعته، فكانوا أعلم الناس به وأفهمهم له وأتبعهم له وأشدهم له انقيادًا كما عرف السحرة بعلمهم بفنون السحر أن هذا الذي فعله موسى ﵇ لا يصدر إلا عن مؤيد مسدد مرسل من الله، وأن هذا لا يستطاع لبشر إلا بإذن الله، وكذلك عيسى ﵇ بعث في زمان علماء الطب ومعالجة المرضى فكان يبريء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ومثل هذا لا مدخل للعلاج والدواء فيه، فعرف من عرف منهم أنه عبد الله ورسوله ولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا\" (^١).\n\n<span id=\"aya-1403\"></span>وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ يقول: بل كذب هؤلاء بالقرآن ولم يفهموه ولا عرفوه ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي: ولم يحصلوا ما فيه من الهدى ودين الحق إلى حين تكذيبهم به جهلًا وسفهًا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأمم السالفة ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ أي: فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلمًا وعلوًا وكفرًا وعنادًا وجهلًا؟ فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم.\n\n<span id=\"aya-1404\"></span>وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآية، أي: ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن ويتبعك وينتفع بما أرسلت به ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ بل يموت على ذلك ويبعث عليه ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي: وهو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه ومن يستحق الضلالة، فيضله وهو المعادل الذي لا يجور بل يعطي كلًّا ما يستحقه، ﵎ وتقدس وتنزه لا إله إلا هو.\n\n<span id=\"aya-1405\"></span>﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾.\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: وإن كذبك هؤلاء المشركون فتبرأ منهم ومن عملهم ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون]، وقال إبراهيم الخليل وأتباعه لقومهم المشركين: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].\n\n<span id=\"aya-1406\"></span>وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: يسمعون كلامك الحسن والقرآن العظيم والأحاديث الصحيحة الفصيحة النافعة في القلوب والأديان والأبدان، وفي هذا كفاية عظيمة ولكن ليس ذلك\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي … ح ٤٩٨١)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة محمد ﷺ (ح ١٥٢).","vol":"4","page":401},{"text":"إليك ولا إليهم فإنك لا تقدر على إسماع الأصم وهو الأطرش، فكذلك لا تقدر على هداية هؤلاء إلا أن يشاء الله\n\n<span id=\"aya-1407\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ أي: ينظرون إليك وإلى ما أعطاك الله من التؤدة والسمت الحسن والخلق العظيم والدلالة الظاهرة على نبوتك لأولي البصائر والنهى، وهؤلاء ينظرون كما ينظر غيرهم ولا يحصل لهم من الهداية شيء كما يحصل لغيرهم بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار وهؤلاء الكفار ينظرون إليك بعين الاحتقار ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الفرقان].\n\n<span id=\"aya-1408\"></span>ثم أخبر تعالى أنه لا يظلم أحدًا شيئًا وإن كان قد هدى به من هدى وبصر به من العمى وفتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا، وأضلّ به عن الإيمان آخرين، فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون لعلمه وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾.\nوفي الحديث عن أبي ذرّ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: \"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا\" إلى أن قال في آخره: \"يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه\". رواه مسلم بطوله (^١).\n\n<span id=\"aya-1409\"></span>﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾.\nيقول تعالى مذكِّرًا للناس قيام الساعة وحشرهم من أجداثهم إلى عرصات القيامة، كأنهم يوم يوافونها لم يلبثوا في الدنيا ﴿إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ [طه] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾ [الروم].\nوهذا كله دليل على استقصار الحياة الدنيا في الدار الآخرة كما قال: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ [المؤمنون].\nوقوله: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يعرف الأبناء الآباء والقرابات بعضهم لبعض كما كانوا في الدنيا ولكن كل مشغول بنفسه ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [المؤمنون: ١٠١] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا﴾ [المعارج].\n_________\n(^١) صحيح مسلم، البر والصلة، باب تحريم الظلم (ح ٢٥٧٧).","vol":"4","page":402},{"text":"وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ [المرسلات] لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين ولا خسارة أعظم من خسارة من فرق بينه وبين أحبته يوم الحسرة والندامة.\n\n<span id=\"aya-1410\"></span>﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا لرسوله ﷺ: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أي: ننتقم منهم في حياتك لتقر عينك منهم ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: مصيرهم ومنقلبهم، والله شهيد على أفعالهم بعدك.\nوقد قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا داود بن الجارود، عن أبي السليل، عن حذيفة بن أسيد، عن النبي ﷺ قال: عُرضت عليَّ أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها، فقال رجل: يا رسول الله عُرض عليك من خلق فكيف من لم يخلق؟ فقال: صوروا لي في الطين حتى أني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه (^١). ورواه عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن عقبة بن مكرم، عن يونس بن بكير، عن زياد بن المنذر، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد به نحوه (^٢).\n\n<span id=\"aya-1411\"></span>وقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ قال مجاهد: يعني يوم القيامة (^٣) ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الآية، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾ [الزمر]، فكل أمة تعرض على الله بحضرة رسولها وكتاب أعمالها من خير وشر موضوع شاهد عليهم وحفظتهم من الملائكة شهود أيضًا أمة بعد أمة وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق إلا أنها أول الأمم يوم القيامة يفصل بينهم ويقضى لهم، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضى لهم قبل الخلائق\" (^٤). فأُمته إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.\n\n<span id=\"aya-1412\"></span>\n\n<span id=\"aya-1413\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن كفر هؤلاء المشركين في استعجالهم العذاب وسؤالهم عن وقته قبل\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ١٨١ ح ٣٠٥٥)، وسنده ضعيف جدًا، لأن زياد بن المنذر كذاب (مجمع الزوائد ١٠/ ٦٩).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده نحوه (المصدر السابق ح ٣٠٥٤)، وسنده كسابقه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ح ٨٥٦).","vol":"4","page":403},{"text":"التعيين مما لا فائدة لهم فيه كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] أي: كائنة لا محالة وواقعة وإن لم يعلموا وقتها عينًا، ولهذا أرشد تعالى رسوله ﷺ إلى جوابهم فقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ الآية، أي: لا أقول إلا ما علمني، ولا أقدر على شيء مما استأثر به إلا أن يطلعني الله عليه، فأنا عبده ورسوله إليكم، وقد أخبرتكم بمجيء الساعة، وأنها كائنة ولم يطلعني على وقتها ولكن ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ أي: لكل قرن مدة من العمر مقدرة، فإذا انقضى أجلهم ﴿فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ الآية [المنافقون: ١١]\n\n<span id=\"aya-1414\"></span>ثم أخبر أن عذاب الله سيأتيهم بغتة فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ أي: ليلًا أو نهارًا ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾\n\n<span id=\"aya-1415\"></span>﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾ يعني: أنهم إذا جاءهم العذاب قالوا: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر].\n\n<span id=\"aya-1416\"></span>﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ أي: يوم القيامة يقال لهم هذا تبكيتا وتقريعًا كقوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطور].\n\n<span id=\"aya-1417\"></span>\n\n<span id=\"aya-1418\"></span>﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾.\nيقول تعالى ويستخبرونك: ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ أي: المعاد والقيامة من الأجداث بعد صيرورة الأجسام ترابًا ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: ليس صيرورتكم ترابًا بمعجز الله عن إعادتكم كما بدأكم من العدم ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس].\nوهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [٣]، وفي التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾.\nثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب الله بملء الأرض ذهبًا ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالحق ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1419\"></span>\n\n<span id=\"aya-1420\"></span>﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾.\nيخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأن وعده حق كائن لا محالة، وأنه يحيي ويميت وإليه مرجعهم، وأنه القادر على ذلك العليم بما تفرق من الأجسام وتمزق في سائر أقطار الأرض والبحار والقفار، [﷾ تقدست أسماؤه وجلّ ثناؤه] (^١).\n_________\n(^١) زيادة من (حم).","vol":"4","page":404},{"text":"<span id=\"aya-1421\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾.\nيقول تعالى ممتنًا على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: زاجر عن الفواحش ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: من الشبه والشكوك، وهو: إزالة ما فيها من رجس ودنس.\n﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ أي: يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء]، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ الآية [فصلت: ٤٤]،\n\n<span id=\"aya-1422\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي: بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى ما يفرحون به ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة، كما قال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية وذكر بسنده عن بَقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو: سمعت أيفع بن عبد الكلاعي يقول: لما قدم خراج العراق إلى عمر ﵁ خرج عمر ومولى له، فجعل عمر يعدُّ الإبل، فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله تعالى. ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الآية، وهذا مما يجمعون (^١). وقد أسنده الحافظ أبو القاسم الطبراني فرواه عن أبي زرعة الدمشقي، عن حيوة بن شريح، عن بَقية … فذكره (^٢).\n\n<span id=\"aya-1423\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم: نزلت إنكارًا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصايل (^٣)، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا …﴾ الآيات [الأنعام: ١٣٦].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت أبا الأحوص -وهو: عوف بن مالك بن نضلة- يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه بقية لم يصرح بالسماع، وكذلك رواه ابن أبي حاتم معلقًا، وفيه أيفع: وهو ضعيف (التقريب ص ١١٧)، فسنده ضعيف.\n(^٢) في سنده أيضًا أيفع، فسنده ضعيف.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام اسم شيخ الطبري، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.","vol":"4","page":405},{"text":"رثُّ (^١) الهيئة فقال: \"هل لك مال؟ \" قلت: نعم. قال: \"من أي المال؟ \" قال: قلت: من كل المال من الإبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: \"إذا آتاك الله مالًا فَليُرَ عليك\". قال: \"هل تنتج إبلك صحاحًا آذانها، فتعمدَ إلى موسى فتقطع آذانها، فتقول: هذه بُحُر (^٢)، وتشق جلودها وتقول: هذه صُرُم (^٣)، وتحرمها عليك وعلى أهلك؟ قال: نعم. قال: فإن ما آتاك الله لك حل ساعد الله أشد من ساعدك وموسى الله أحدُّ من موساك … \" وذكر تمام الحديث (^٤). ثم رواه عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص (^٥)، وعن بهز بن أسد، عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص به (^٦). وهذا حديث جيد قوي الإسناد.\n\n<span id=\"aya-1424\"></span>وقد أنكر الله تعالى على من حرم ما أحلَّ الله أو أحلَّ ما حرم بمجرد الآراء والأهواء التي لا مستند لها ولا دليل عليها ثم توعدهم على ذلك يوم القيامة فقال: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: ما ظنهم إن يصنع بهم يوم مرجعهم إلينا يوم القيامة.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ قال ابن جرير: في تركه معاجلتهم بالعقوبة في الدنيا (^٧).\nقلت: ويحتمل أن يكون المراد لذو فضل على الناس فيما أباح لهم مما خلقه من المنافع في الدنيا ولم يحرم عليهم إلا ما هو ضارٌّ لهم في دنياهم أو دينهم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ بل يحرمون ما أنعم الله به عليهم ويضيقون على أنفسهم فيجعلون بعضًا حلالًا وبعضًا حرامًا، وهذا قد وقع فيه المشركون فيما شرعوه لأنفسهم وأهل الكتاب فيما ابتدعوه في دينهم.\nوقال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا رباح، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا موسى بن الصباح في قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ قال: إذا كان يوم القيامة يؤتى بأهل ولاية الله ﷿، فيقومون بين يدي الله ﷿ ثلاثة أصناف، فيؤتى برجل من الصنف الأول، فيقول: عبدي لماذا عملت؟ فيقول: يا ربِّ خلقت الجنة وأشجارها وثمارها وأنهارها وحورها ونعيمها وما أعددت لأهل طاعتك فيها، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقًا إليها. قال: فيقول الله تعالى: عبدي إنما عملت للجنة هذه الجنة فادخلها، ومن فضلي عليك قد أعتقتك من النار، ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي، فيدخل هو ومن معه الجنة.\nقال: ثم يؤتى برجل من الصنف الثاني فيقول: عبدي لماذا عملت؟ فيقول: يا ربِّ خلقت نارًا وخلقت أغلالها وسعيرها وسمومها ويحمومها وما أعددت لأعدائك وأهل معصيتك فيها،\n_________\n(^١) كذا في الأصول، وفي المسند: قشف، ومعناهما واحد.\n(^٢) بُحُر: جمع بحيرة، وتقدم تعريفها في سورة المائدة.\n(^٣) صُرُم: صريمة، وهي التي صُرمت آذانها.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ٢٢٢ - ٤٢٤)، وصحح سنده محققوه.\n(^٥) المسند ٤/ ١٣٧.\n(^٦) المسند ٣/ ٤٧٣، وقال الحافظ ابن كثير: جيد قوي الإسناد.\n(^٧) ذكره الطبري مطولًا.","vol":"4","page":406},{"text":"فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري خوفًا منها. فيقول: عبدي إنما عملت ذلك خوفًا من ناري، فإني قد أعتقتك من النار، ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي، فيدخل هو ومن معه الجنة.\nثم يؤتى برجل من الصنف الثالث فيقول: عبدي لماذا عملت؟ فيقول: ربِّ حبًا لك وشوقًا إليك، وعزتك لقد أسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقًا إليك وحُبّا لك. فيقول ﵎: عبدي إنما عملت حُبَّا لي وشوقًا إليَّ، فيتجلى له الربُّ ﷻ ويقول: ها أنا ذا فانظر إليَّ ثم يقول: من فضلي عليك أن أعتقك من النار وأبيحك جنتي وأزيرك ملائكتي وأسلم عليك بنفسي فيدخل هو ومن معه الجنة (^١).\n\n<span id=\"aya-1425\"></span>﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾.\nيخبر تعالى نبيه ﷺ أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته وجميع الخلائق في كل ساعة وأوان ولحظة، وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين كقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام] فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات، وكذلك الدواب السارحة في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ الآية [الأنعام] وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ الآية [هود: ٦].\nوإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء، فكيف علمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة؟ كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: إذ تأخذون في ذلك الشيء نحن مشاهدون لكم راءون سامعون، ولهذا قال ﷺ لما سأله جبريل عن الإحسان: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-1426\"></span>﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾.\nيخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما فسرهم به، فكل من كان تقيًا كان لله وليًا أنه ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما وراءهم في الدنيا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده معضل لأن موسى بن الصباح تابع تابعي، ومثل هذه الرواية لا تؤخذ إلا من أقوال الصحابة وأحاديث النبي ﷺ.\n(^٢) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧.","vol":"4","page":407},{"text":"وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وغير واحد من السلف: أولياء الله: الذين إذا رُؤوا ذُكر الله (^١).\nوقد ورد هذا في حديث مرفوع كما قال البزار: حدثنا علي بن حرب الرازي، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري -وهو: القمي-، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله مَن أولياء الله؟ قال: \"الذين إذا رُؤوا ذُكر الله\" (^٢). ثم قال البزار: وقد روي عن سعيد مرسلًا.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا أبو فضيل، حدثنا أبي، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير البجلي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من عباد الله عبادًا يغبطهم الأنبياء والشهداء\" قيل: من هم يا رسول الله لعلنا نحبهم؟ قال: \"هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس\" ثم قرأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (^٣).\nثم رواه أيضًا أبو داود من حديث جرير عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ بمثله (^٤). وهذا أيضًا إسناد جيد إلا أنه منقطع بين أبي زرعة وعمر بن الخطاب، والله أعلم.\nوفي حديث الإمام أحمد عن أبي النضر، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"يأتي من أفناء الناس ونوازع القبائل قوم لم تتصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، يفزع الناس ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون … \" (^٥)، والحديث مطول.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن ذكوان بن أبي\n_________\n(^١) قول ابن مسعود أخرجه ابن أبي الدنيا (الأولياء ص ٦٢)، والطبري، والطبراني (المعجم الكبير ١٠ ح ١٠٤٧٦)، كلهم من طريق زيد بن الحُباب عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عنه، وزيد بن الحُباب صدوق يخطئ في حديث الثوري (التقريب ص ٢٢٢)، ولكن له شواهد فسنده حسن، إذ أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني (المعجم الكبير ١٢/ ١٣ ح ١٢٣٢٥) بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٢) ذكره الهيثمي وعزاه إلى البزار والطبراني وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ٨١) وفي سنده يعقوب بن عبد الله الأشعري وهو صدوق يهم كما في التقريب، ولعله هو الذي رفعه فإن الوقف أصح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه محمود شاكر، وأخرجه ابن حبان من طريق عمارة بن القعقاع به (الإحسان ٢/ ٣٣٢)، وصحح سنده محققه، وكذا أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٧٠)، ونسبه العراقي إلى النسائي في الكبرى ثم صححه (إتحاف السادة ٦/ ١٧٤) وهو في السنن الكبرى، كتاب التفسير (ح ١١٢٣٦)، وقد روي من طرق أخرى كما يلي.\n(^٤) السنن، البيوع، باب في الرهن (ح ٣٥٢٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٠١٢).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده نحوه (المسند ٣٧/ ٥٤٠، ٥٤١ ح ٢٢٩٠٦)، وضعفه محققوه لضعف شهر بن حوشب.","vol":"4","page":408},{"text":"صالح، عن رجل، عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: \"الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له\" (^١).\nوقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، عن أبي الدرداء في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: سأل رجل أبا الدرداء عن هذه الآية فقال: لقد سألت عن شيء ما سمعت أحدًا سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله ﷺ فقال: \"هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له بشراه في الحياة الدنيا وبشراه في الآخرة الجنة\" (^٢).\nثم رواه ابن جرير عن سفيان، عن ابن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر أنه سأل أبا الدرداء عن هذه الآية … فذكر نحو ما تقدم (^٣).\n\n<span id=\"aya-1427\"></span>\n\n<span id=\"aya-1428\"></span>ثم قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن المنهال، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح قال: سمعت أبا الدرداء سئل عن هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ … فذكر نحوه سواء (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى، عن أبي سلمة، عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾؟ فقال: \"لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي -أو قال: أحد قبلك-، تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له\" (^٥). وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن عمران القطان، عن يحيى بن أبي كثير به. ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير … فذكره. ورواه علي بن المبارك عن يحيى، عن أبي سلمة قال: نُبئىنا عن عبادة بن الصامت سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية … فذكره (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني أبو حميد الحمصي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عمر بن عمرو بن عبد الأحموسي، عن حميد بن عبد الله المزني قال: أتى رجل عبادة بن الصامت فقال: آية في كتاب الله أسألك عنها قول الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فقال عبادة: ما سألني عنها أحد قبلك، سألت عنها نبي الله فقال مثل ذلك: \"ما سألني عنها أحد قبلك الرؤيا الصالحة يراها\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٤٥)، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن أبي الدرداء ﵁، وله شواهد تقوية تأتي في الروايات التالية.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وسنده كسابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وأخرجه الترمذي من طريق حماد بن زيد به (السنن، التفسير، سورة يونس ح ٣١٠٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٨٢).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٣٦٣ ح ٢٢٦٨٨)، وقال محققوه: صحيح لغيره. أي بالشواهد لأن أبا سلمة لم يسمع من عُبادة ﵁، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٧٨٦).\n(^٦) أخرجه الطيالسي من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: نبئت أن عبادة بن الصامت … (المسند ص ٧٩ ح ٥٨٣)، وأخرجه الحاكم من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبادة وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٤٠).","vol":"4","page":409},{"text":"العبد المؤمن في المنام أو تُرى له\" (^١).\nثم رواه من حديث موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد بن صفوان، عن عبادة بن الصامت أنه قال لرسول الله ﷺ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فقد عرفنا بشرى الآخرة الجنة فما بشرى الدنيا؟ قال: \"الرؤيا الصالحة يراها العبد أو تُرى له وهي جزء من أربعة وأربعين جزءًا أو سبعين جزءًا من النبوة\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا بهز، حدثنا حماد، حدثنا أبو عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرٍّ أنه قال: يا رسول الله الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه به. فقال رسول الله ﷺ: \"تلك عاجل بشرى المؤمن\" (^٣) رواه مسلم (^٤).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا حسن -يعني: الأشيب-، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا درَّاج، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: \"الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثًا وليكبر ولا يخبر بها أحدًا\" (^٥) لم يخرجوه.\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث، أن درَّاجًا أبا السمح حدثه، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لهم البشرى في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة، يبشرها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة\" (^٦).\nوقال -أيضًا-: حدثني محمد بن أبي حاتم المؤدب، حدثنا عمار بن محمد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: \"في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو تُرى له، وهي في الآخرة الجنة\".\nثم رواه عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: الرؤيا الحسنة بشرى من الله، وهي من المبشرات (^٧). هكذا رواه من هذه الطريق موقوفًا.\nوقال -أيضًا-: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر، حدثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو تُرى له\" (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الأستاذ محمود شاكر.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٦) وسنده صحيح.\n(^٤) الصحيح، البر والصلة، باب إذا أثنى على الصالح فهي بشرى (ح ٢٦٤٢).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٦٢١ ح ٧٠٤٤)، قال محققوه: صحيح لغيره، ابن لهيعة، وإن كان في حفظه شيء متابع، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح غير دراج، وهو ابن سمعان أبو السمح، وهو صدوق.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنديه ومتنيه، ويشهد لهما ما سبق.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ويشهد له ما سبق، وأخرجه مسلم من طريق أيوب السختياني عن محمد بن سيرين به (الصحيح، كتاب الرؤيا ح ٢٢٦٣).","vol":"4","page":410},{"text":"وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن حماد الدولابي، حدثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن أُم كريز الكعبية سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ذهبت النبوة وبقيت المبشرات\" (^١).\nوهكذا روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير ويحيى بن أبي كثير وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح (^٢) وغيرهم أنهم فسروا ذلك بالرؤيا الصالحة.\nوقيل: المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة (^٣). كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت].\nوفي حديث البراء ﵁: أن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب فقالوا: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان، فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء (^٤)، وأما بشراهم في الآخرة فكما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ [الحديد] وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ أي: هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n\n<span id=\"aya-1429\"></span>﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾.\nيقول تعالى لرسوله ﷺ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ قول هؤلاء المشركين، واستعن بالله عليهم، وتوكل عليه، فـ ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، أي: جميعها له ولرسوله وللمؤمنين ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده العليم بأحوالهم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه محمود شاكر، وأخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة بنحوه (الصحيح، التعبير، باب المبشرات ح ٦٩٩٠).\n(^٢) قول ابن مسعود أخرجه الطبري من طريق إبراهيم التيمي عنه وصححه محمود شاكر، وقول أبي هريرة تقدم قبل الرواية السابقة في صحيح مسلم، وقول ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه (المصنف ٧/ ٢٣٢) والطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول عروة أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق عبدة عنه (المصنف ١١/ ٥٤)، وقول يحيى بن أبي كثير أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر بن راشد عنه، وقول إبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح أخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة ويشهد لها ما سبق.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق معمر عن الزهري وقتادة.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب ﵁ مطولًا (المسند ٤/ ٢٨٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (ح ١٦٧٢).","vol":"4","page":411},{"text":"<span id=\"aya-1430\"></span>ثم أخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض، وأن المشركين يعبدون الأصنام وهي لا تملك شيئًا لا ضرًا ولا نفعًا، ولا دليل لهم على عبادتها بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم وتخرصهم وكذبهم وإفكهم،\n\n<span id=\"aya-1431\"></span>ثم أخبر أنه الذي جعل لعباده الليل ليسكنوا فيه، أي: يستريحون فيه من نصبهم وكلامهم وحركاتهم ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: مضيئًا لمعاشهم وسعيهم وأسفارهم ومصالحهم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يسمعون هذه الحجج والأدلة، فيعتبرون بها ويستدلون على عظمة خالقها ومقدّرها ومسيّرها.\n\n<span id=\"aya-1432\"></span>﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على من ادَّعى أن له ولدًا: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي: تقدّس عن ذلك هو الغني عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فكيف يكون له ولد مما خلق وكل شيء مملوك له عبد له؟ ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي: ليس عندكم دليل على ما تقولونه من الكذب والبهتان ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إنكار ووعيد أكيد وتهديد شديد كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم].\n\n<span id=\"aya-1433\"></span>ثم توعّد تعالى الكاذبين عليه المفترين ممن زعم أن له ولدًا بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة،\n\n<span id=\"aya-1434\"></span>فأما في الدنيا فإنهم إذا استدرجهم وأملى لهم متعهم قليلًا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] كما قال تعالى ههنا: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: مدة قريبة ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ أي: الموجع المؤلم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله فيما ادعوه من الإفك والزور.\n\n<span id=\"aya-1435\"></span>﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾.\nيقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أخبرهم واقصص عليهم، أي: على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾ أي: خبره مع قومه الذين كذبوه كيف أهلكهم الله ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم، ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: عَظُم عليكم ﴿مَقَامِي﴾ أي: فيكم بين أظهركم ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ إياكم ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بحججه وبراهينه ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: فإني لا","vol":"4","page":412},{"text":"أبالي ولا أكفّ عنكم سواء عظم عليكم أولًا ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون الله من صنم ووثن ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي: ولا تجعلوا أمركم عليكم ملتبسًا بل أفصلوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فـ ﴿اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾، أي: ولا تؤخروني ساعة واحدة، أي مهما قدرتم فافعلوا، فإني لا أباليكم، ولا أخاف منكم لأنكم لستم على شيء كما قال هود لقومه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ الآية [هود].\n\n<span id=\"aya-1436\"></span>وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: كذبتم وأدبرتم عن الطاعة ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: لم أطلب منكم نصحي إياكم شيئًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام لله ﷿، والإسلام هو دين الأنبياء جميعًا من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] قال ابن عباس: سبيلًا وسنة (^١).\nفهذا نوح يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] وقال تعالى عن إبراهيم الخليل: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة] وقال يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف] وقال موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] وقالت السحرة: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] وقالت بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ [المائدة] وقال خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام] أي: من هذه الأمة، ولهذا قال في الحديث الثابت عنه: \"نحن معاشر الأنبياء أولاد علَّات وديننا واحد\" (^٢). أي: وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت شرائعنا، وذلك معنى قوله: أولاد علَّات، وهم: الإخوة من أمهات شتّى والأب واحد.\n\n<span id=\"aya-1437\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: على دينه ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ وهي السفينة ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ أي: في الأرض ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: يا محمد كيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا المكذبين؟\n\n<span id=\"aya-1438\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾.\nيقول تعالى: ثم بعثنا من بعد نوح ﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والأدلة\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس ما في سورة المائدة آية ٤٨.\n(^٢) تقدم تخريجه في سورة المائدة آية ٤٨.","vol":"4","page":413},{"text":"والبراهين على صدق ما جاءوهم به ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: فما كانت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم بسبب تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: كما طبع الله على قلوب هؤلاء فما آمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم، هكذا يطبع الله على قلوب من أشبههم ممن بعدهم، ويختم على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.\nوالمراد أن الله تعالى أهلك الأمم المكذبة للرسل وأنجى من آمن بهم وذلك من بعد نوح ﵇، فإن الناس كانوا من قبله من زمان آدم ﵇ على الإسلام إلى أن أحدث الناس عبادة الأصنام فبعث الله إليهم نوحًا ﵇، ولهذا يقول له المؤمنون يوم القيامة: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض (^١).\nوقال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام (^٢).\nوقال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ [الإسراء]، وفي هذا إنذار عظيم لمشركي العرب الذين كذبوا سيد الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين، فإنه إذا كان قد أصاب من كذب بتلك الرسل ما ذكره الله تعالى من العذاب والنكال، فماذا ظن هؤلاء وقد ارتكبوا أكبر من أولئك؟\n\n<span id=\"aya-1439\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾.\nيقول تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ من بعد تلك الرسل ﴿مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ أي: قومه ﴿بِآيَاتِنَا﴾ أي: حججنا وبراهيننا ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أي: استكبروا عن اتباع الحق والانفياد له وكانوا قومًا مجرمين\n\n<span id=\"aya-1440\"></span>﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)﴾ كأنهم -قبحهم الله- أقسموا على ذلك وهم يعلمون أن ما قالوه كذب وبهتان كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ الآية [النمل: ١٤]\n\n<span id=\"aya-1441\"></span>﴿قَالَ﴾ لهم ﴿مُوسَى﴾ منكرًا عليهم ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)﴾\n\n<span id=\"aya-1442\"></span>﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾ أي: تثنينا ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي: الدين الذي كانوا عليه ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا﴾ أي: لك ولهارون ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ أي: العظمة والرياسة ﴿فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾.\nوكثيرًا ما يذكر الله تعالى قصة موسى ﵇ مع فرعون في كتابه العزيز لأنها من أعجب القصص، فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر، فسخره القدر أن ربى هذا الذي يحذر منه\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، التفسير سورة الإسراء) باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] (ح ٤٧١٢)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ١٩٤).\n(^٢) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة البقرة آية ٢١٣.","vol":"4","page":414},{"text":"على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع وعقد الله له سببًا أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده، ويرجع إليه هذا مع ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله تعالى وليس له وزير سوى أخيه هارون ﵇، فتمرد فرعون واستكبر، وأخذته الحمية والنفس الخبيثة الأبية وقوى رأسه وتولى بركنه، وادَّعى ما ليس له وتجهرم على الله وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل، والله تعالى حفيظ رسوله موسى ﵇ وأخاه هارون ويحوطهما بعنايته ويحرسهما بعينه التي لا تنام.\nولم تزل المحاجَّة والمجادلة والآيات تقوم على يدي موسى شيئًا بعد شيء ومرة بعد مرة (^١)، مما يبهر العقول ويدهش الألباب مما لا يقوم له شيء، ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨] وصمم فرعون وملؤه -قبحهم الله- على التكذيب بذلك كله والجحد والعناد والمكابرة حتى أحلَّ الله بهم بأسه الذي لا يرد، وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-1443\"></span>﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾.\nذكر الله سبحانه قصة السحرة مع موسى ﵇ في سورة الأعراف، وقد تقدم الكلام عليها هناك، وفي هذه السورة وفي سورة طه وفي الشعراء، وذلك أن فرعون لعنه الله أراد أن يتهرَّج على الناس ويعارض ما جاء به موسى ﵇ من الحق المبين بزخارف السحرة والمشعبذين، فانعكس عليه النظام، ولم يحصل له من ذلك المرام، وظهرت البراهين الإلهية في ذلك المحفل العام ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) (^٢) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف] [¬*] فظن فرعون أنه يستنصر بالسحار على رسول عالم الأسرار، فخاب وخسر الجنة واستوجب النار، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩)﴾\n\n<span id=\"aya-1444\"></span>\n\n<span id=\"aya-1445\"></span>\n\n<span id=\"aya-1446\"></span>﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾ وإنما قال لهم ذلك لأنهم لما اصطفوا وقد وعدوا من فرعون بالتقريب والعطاء الجزيل ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه] فأراد موسى أن تكون البداءة منهم ليرى الناس ما صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده فيدمغ باطلهم، ولهذا لما ﴿أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه] فعند ذلك قال موسى لما ألقوا: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا عبد الرحمن -يعني: الدشتكي-،\n_________\n(^١) في (حم): \"كرة بعد كرة\".\n(^٢) من هنا يُستأنف الأصل.\n\n[¬*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع: «الشعراء»، وما في «الشعراء»: ﴿فَأُلْقِيَ﴾ بالفاء","vol":"4","page":415},{"text":"أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن ليث -[وهو: بن أبي سليم] (^١) - قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى تقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور الآية التي من ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ والآية الأخرى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾ [الأعراف] إلى آخر أربع آيات وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] (^٢).\n\n<span id=\"aya-1447\"></span>﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾.\nيخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى ﵇ مع ما جاء به من الآيات البينات والحجج القاطعات والبراهين الساطعات إلا قليل من قوم فرعون من الذرية وهم: الشباب على وجلِّ وخوف منه ومن ملئه أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر، لأن فرعون -لعنه الله- كان جبارًا عنيدًا مسرفًا في التمرد والعتو، وكانت له سطوة ومهابة تخاف رعيته منه خوفًا شديدًا.\nقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ قال: فإن الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل، من قوم فرعون يسير، منهم امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه (^٣).\nوروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ يقول: بني إسرائيل (^٤).\nوعن ابن عباس والضحاك وقتادة الذرية: القليل (^٥).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ قال: هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم (^٦). واختار ابن جرير قول مجاهد في الذرية أنها من بني إسرائيل لا من قوم فرعون لعود الضمير على أقرب المذكورين.\nوفي هذا نظر لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب وأنهم من بني إسرائيل، فالمعروف أن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى ﵇ واستبشروا به، وقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به من كتبهم المتقدمة، وأن الله تعالى سينقذهم به من أسر فرعون ويظهرهم عليه، ولهذا لما بلغ هذا فرعون حذَّر كل الحذر، فلم يجد عنه شيئًا ولما جاء موسى آذاهم فرعون أشدَّ الأذى و﴿قَالُوا\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية، ولم يذكر في تفسير ابن أبي حاتم، والزيادة موضحة وصحيحة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف منقطع لأن ليث بن أبي سليم رواه بلاغًا، وهو من أتباع التابعين.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٥) قول ابن عباس وقتادة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق قتادة عن ابن عباس، وقتادة لم يسمع من ابن عباس، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لم يصرح باسم شيخه.\n(^٦) أخرجه الطبري بعدة أسانيد عن مجاهد يقوي بعضها بعضًا.","vol":"4","page":416},{"text":"أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ [الأعراف].\nوإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم موسى وهم بنو إسرائيل ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ أي: وأشراف قومهم أن يفتنهم، ولم يكن في بني إسرائيل من يخاف منه أن يفتن عن الإيمان سوى قارون، فإنه كان من قوم موسى، فبغى عليهم لكنه كان طاويًا إلى فرعون متصلًا به متعلقًا بحباله.\nومن قال: إن الضمير في قوله: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ عائد إلى فرعون وعظم الملك من أجل اتباعه أو بحذف آل فرعون وإقامة المضاف إليه مقامه، فقد أبعد وإن كان ابن جرير قد حكاهما عن بعض النحاة، ومما يدل على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن قوله تعالى:\n\n<span id=\"aya-1448\"></span>﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن موسى أنه قال لبني إسرائيل: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أي: فإن الله كافٍ من توكل عليه ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين العبادة والتوكل كقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩] ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل] وأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا في كل صلواتهم مرات متعددة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة].\n\n<span id=\"aya-1449\"></span>وقد امتثل بنو إسرائيل ذلك ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)﴾ أي: لا تظفرهم بنا وتسلّطهم علينا، فيظنوا أنهم إنما سلطوا لأنهم على الحق ونحن على الباطل، فيفتنوا بذلك. هكذا رُوي عن أبي مجلز وأبي الضحى (^١).\nوقال ابن أبي نجيح وغيره، عن مجاهد: لا تعذبنا بأيدي آل فرعون ولا بعذاب من عندك فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم، فيفُتنوا بنا (^٢).\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لا تسلطهم علينا فيفتنونا (^٣).\n\n<span id=\"aya-1450\"></span>وقوله: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ﴾ أي: خلّصنا برحمة منك وإحسان ﴿مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: الذين كفروا الحق وستروه ونحن قد آمنا بك وتوكلنا عليك.\n_________\n(^١) قول أبي مجلز أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عمران بن حدير عنه، وقول أبي الضحى أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان الثوري عن أبيه عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.","vol":"4","page":417},{"text":"<span id=\"aya-1451\"></span>﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾.\nيذكر تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه، وكيفية خلاصهم منهم، وذلك أن الله تعالى أمر موسى وأخاه هارون ﵉ أن يتبَّوءا، أي: يتخذا لقومهما بمصر بيوتًا.\nواختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾.\nفقال الثوري وغيره: عن خُصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال: أُمروا أن يتخذوها مساجد (^١).\nوقال الثوري -أيضًا-، عن ابن منصور، عن إبراهيم ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال: كانوا خائفين فأُمروا أن يصلوا في بيوتهم (^٢). وكذا قال مجاهد وأبو مالك والربيع بن أنس والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبوه زيد بن أسلم (^٣).\nوكأن هذا -والله أعلم- لما اشتَّد بهم البلاء من قِبل فرعون وقومه، وضيَّقوا عليهم أُمروا بكثرة الصلاة كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣].\nوفي الحديث: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى. أخرجه أبو داود (^٤).\nولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بالثواب والنصر القريب.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، قال: قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة، فأذن الله تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم وأُمروا أن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة (^٥).\nوقال مجاهد: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ لما خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في الكنائس الجامعة، أُمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرًا (^٦). وكذا قال قتادة والضحاك (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وفي سنده خُصيف وهو ابن عبد الرحمن الجزري وهو صدوق سيء الحفظ كما في التقريب، وقد توبع بواسطة حميد الطويل في رواية أخرى أخرجها الطبري، فسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الثوري وفي سنده ابن وكيع شيخ الطبري، ولكنه توبع فالإسناد حسن.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه سعيد بن منصور (التفسير ح ١٠٧٢)، وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول أبي مالك أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي سنان، وهو سعيد بن سنان عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن به ويتقوى بما سبق.\n(^٤) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير سورة البقرة آية ١٥٣.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٦) أخرجه الطبري بأسانيد عن مجاهد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٧) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر بن راشد عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند =","vol":"4","page":418},{"text":"وقال سعيد بن جبير: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي: يقابل بعضها بعضًا (^١).\n\n<span id=\"aya-1452\"></span>\n\n<span id=\"aya-1453\"></span>﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾.\nهذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى ﵇ على فرعون وملئه لما أبوا قبول الحق، واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين ظلمًا وعلوا وتكبرًا وعتوًا قال موسى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ أي: من أثاث الدنيا ومتاعها ﴿وَأَمْوَالًا﴾ أي: جزيلة كثيرة ﴿فِي﴾ هذه ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ بفتح الياء، أي أعطيتهم ذلك، وأنت تعلم أنهم لا يؤمنون بما أرسلتني به إليهم استدراجًا منك لهم كما قال تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١] وقرأ آخرون ﴿لِيُضِلُّوا﴾ بضم الياء (^٢)، أي: ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك ليظن من أغويته أنك إنما أعطيتهم هذا لحبك إياهم واعتنائك بهم. ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: أي: أهلكها؛ وقال الضحاك وأبو العالية والربيع بن أنس: جعلها الله حجارة منقوشة كهيئة ما كانت.\nوقال قتادة: بلغنا أن زروعهم تحولت حجارة.\nوقال محمد بن كعب القرظي: جعل سكَّرَهم حجارة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن أبي معشر، حدثني محمد بن قيس، أن محمد بن كعب قرأ سورة يونس على عمر بن عبد العزيز حتى بلغ ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ الآية، فقال عمر: يا أبا حمزة أي شيء الطمس؟ قال: عادت أموالهم كلها حجارة. فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له: ائتني بكيس. فجاءه بكيس، فإذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة (^٣).\nوقوله: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال ابن عباس: أي اطبع عليها (^٤). ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ وهذه الدعوة كانت من موسى ﵇ غضبًا لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له أنهم لا خير فيهم ولا يجيء منهم شيء كما دعا نوح ﵇ فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح] ولهذا استجاب الله تعالى لموسى ﵇ فيهم هذه الدعوة التي أمن عليها أخوه هارون فقال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾.\n_________\n= ضعيف، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان، فيه مقال.\n(^١) أخرجه الطبري كسابقه ويتقوى بما يليه إذ أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير وعن ابن عباس.\n(^٢) القراءتان بالفتح والضم متواترتان.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي معشر وهو نجيح السندي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.","vol":"4","page":419},{"text":"قال أبو العالية وأبو صالح وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس: دعا موسى وأمَّن هارون (^١). أي قد أجبناكما فيما سألتما من تدمير آل فرعون، وقد يحتج بهذه الآية من يقول: إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل منزلة قراءتها لأن موسى دعا وهارون أمَّن وقال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ الآية، أي: كما أجيبت دعوتكما فاستقيما على أمري.\nقال ابن جريج، عن ابن عباس: فاستقيما فامضيا لأمري وهي الاستقامة (^٢). قال ابن جريج: يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة (^٣).\nوقال محمد بن علي بن الحسن: أربعين يومًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-1454\"></span>﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾.\nيذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنوده، فإن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر صحبة موسى ﵇ وهم فيما قيل: ست مئة ألف مقاتل سوى الذرية، وقد كانوا استعاروا من القِبط حُليًّا كثيرًا، فخرجوا به معهم فاشتد حنق فرعون عليهم، فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه، فركب وراءهم في أُبهة عظيمة وجيوش هائلة لما يريده الله تعالى بهم ولم يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته، فلحقوهم وقت شروق الشمس ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ [الشعراء]، وذلك أنهم لما انتهوا إلى ساحل البحر وفرعون وراءهم ولم يبق إلا أن يتقاتل الجمعان.\nوألحّ أصحاب موسى ﵇ عليه في السؤال: كيف المَخلَص مما نحن فيه؟ فيقول: إني أمرت أن أسلك ههنا ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] فعندما ضاق الأمر اتسع، فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق البحر، فكان كل فرق كالطود العظيم، أي: كالجبل العظيم، وصار اثني عشر طريقًا لكل سبط واحد، وأمر الله الريح فنشفت أرضه ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] وتخرق الماء بين الطرق كهيئة الشبابيك ليرى كل قوم الآخرين لئلا يظنوا أنهم هلكوا، وجاوزت بنو إسرائيل البحر، فلما خرج آخرهم منه انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى وهو في مئة ألف أدهم (^٥) سوى بقية الألوان، فلما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بحذف السند إلا أثر أبي العالية والربيع فقد أخرجه بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، والبقية أخرج آثارهم الطبري بأسانيد ضعيفة عنهم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه انقطاع بين ابن جريج وابن عباس، وفيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بالإسناد المتقدم دون ذكر ابن عباس، وفيه أيضًا الحسين، ورواية ابن جريج من الإسرائيليات.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف جدًا من طريق سعد بن طريف وهو متروك -واتهم بالوضع كما في التقريب- عن محمد بن علي بن الحسين.\n(^٥) أدهم: أي فرس.","vol":"4","page":420},{"text":"رأى ذلك هاله وأحجم وهاب وهمَّ بالرجوع، وهيهات ولات حين مناص نفذ القدر واستجيبت الدعوة وجاء جبريل ﵇ على فرس وديق (^١) حائل (^٢) فمرَّ إلى جانب حصان فرعون فحمحم إليها، واقتحم جبريل البحر فاقتحم الحصان وراءه، ولم يبق فرعون يملك من نفسه شيئًا فتجلد لأمرائه وقال لهم: ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا، فاقتَحموا كلُّهم عن آخرهم، وميكائيل في ساقتهم لا يترك منهم أحدًا إلا ألحقه بهم، فلما استوسقوا (^٣) فيه وتكاملوا وهمَّ أولهم بالخروج منه أمر الله القدير البحر أن يرتطم عليهم فارتطم عليهم، فلم ينجُ منهم أحد، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون وغشيته سكرات الموت فقال -وهو كذلك-: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فآمن حيث لا ينفعه الإيمان ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر].\n\n<span id=\"aya-1455\"></span>وهكذا قال الله تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أي: أهذا الوقت تقول وقد عصيت الله قبل هذا فيما بينك وبينه؟ ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: في الأرض الذين أضلوا الناس ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ [القصص].\nوهذا الذي حكى الله تعالى عن فرعون من قوله هذا في حاله ذلك من أسرار الغيب التي أعلم الله بها رسوله ﷺ، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما قال فرعون: آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. قال: قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة\" (^٤).\nورواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم في تفاسيرهم من حديث حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: حديث حسن (^٥).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال لي جبريل: لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة\" (^٦).\nوقد رواه أبو عيسى الترمذي أيضًا وابن جرير أيضًا من غير وجه عن شعبة به، فذكر مثله،\n_________\n(^١) هي الفرس الثي تشتهي الفحل (ينظر: النهاية ٥/ ١٩٨).\n(^٢) حائل: غير حامل.\n(^٣) أي اجتمعوا.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٠ ح ٢٨٢٠)، وضعفه محققوه لضعف علي بن زيد … وقالوا: والأصح وقفه. وله شواهد تقويه كما يليه، واذا صح موقوفًا فإن له حكم الرفع، لأنه من الغيبيات التي أخبر عنها جبريل ﵇.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والترمذي كلهم من طريق حماد بن سلمة به (سنن الترمذي، تفسير سورة يونس ح ٣١٠٦)، وحسنه الترمذي، ومن الطريق نفسه أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥٧)، وصححه الحافظ ابن حجر (الكاف الشاف ٢/ ٣٦٨).\n(^٦) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢٦١٨) وسنده صحيح.","vol":"4","page":421},{"text":"وقال الترمذي: حسن غريب صحيح (^١)، ووقع في رواية عند ابن جرير عن محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، عن عطاء وعدي، عن سعيد، عن ابن عباس رفعه أحدهما فكأن الآخر لم يرفع، فالله أعلم (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أغرق الله فرعون أشار بأصبعه ورفع صوته ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ قال: فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه، فجعل يأخذ الحال بجناحيه فيضرب به وجهه فيرمسه.\nوكذا رواه ابن جرير عن سفيان بن وكيع عن أبي خالد به موقوفًا (^٣).\nوقد رُوي من حديث أبي هريرة أيضًا فقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، عن عنبسة -هو ابن أبي سعيد- عن كثير بن زاذان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: قال لي جبريل: يا محمد لو رأيتني وأنا أغطه وأدسُّ من الحال في فيه مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له، يعني: فرعون (^٤).\nكثير بن زاذان هذا قال ابن معين: لا أعرفه. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: مجهول. وباقي رجاله ثقات، وقد أرسل هذا الحديث جماعة من السلف قتادة وإبراهيم التيمي وميمون بن مهران ونقل عن الضحاك بن قيس أنه خطب بهذا للناس (^٥)، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1456\"></span>وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ قال ابن عباس وغيره من السلف: إن بعض بني إسرائيل شكّوا في موت فرعون، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده سويًا بلا روح وعليه درعه المعروفة (^٦) على نجوة من الأرض -وهو المكان المرتفع- ليتحققوا موته وهلاكه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ أي: نرفعك على نشز من الأرض ﴿بِبَدَنِكَ﴾ قال مجاهد: بجسدك (^٧).\nوقال الحسن: بجسم لا روح فيه (^٨).\nوقال عبد الله بن شداد: سويًا صحيحًا (^٩). أي: لم يتمزق ليحققوه ويعرفوه.\n_________\n(^١) السنن، تفسير سورة يونس (ح ٣١٠٧)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٦٢١٥).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسواء رُفع أم أُقف فإن له حكم الرفع كما تقدم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وكذا الطبري، وفي سنديهما عمر بن عبد الله الثقفي: وهو ضعيف، كما في التقريب، ويتقوى بما سبق.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف فيه كثير بن زاذان كما نقل الحافظ ابن كثير، ولكن يشهد له ما سبق.\n(^٥) هذه المراسيل أخرجها الطبري بأسانيد ضعاف، تتقوى بما سبق.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه من غير ذكر الدرع، أما ذكر الدرع فسيأتي بعد ثلاث روايات.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أبي بكر الهذلي عن الحسن، وأبو بكر الهذلي هو سلمى بن عبد الله: وهو متروك، كما في التقريب.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا.","vol":"4","page":422},{"text":"وقال أبو صخر: بدرعك (^١). وكل هذه الأقوال لا منافاة بينهما كما تقدم، والله أعلم.\nوقوله: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ أي: لتكون لبني إسرائيل دليلًا على موتك وهلاكك، وأن الله هو القادر الذي ناصية كل دابَّة بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شيء، ولهذا قرأ بعضهم ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ (^٢) آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ أي: لا يتعظون بها ولا يعتبرون بها.\nوقد كان إهلاكهم يوم عاشوراء كما قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غُندر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينة، واليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: \"ما هذا اليوم الذي تصومونه\" فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي ﷺ لأصحابه: \"أنتم أحق بموسى منهم فصوموه\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-1457\"></span>﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾.\nيخبر تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم الدينية الدنيوية، وقوله: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ قيل: هو بلاد مصر والشام مما يلي بيت المقدس ونواحيه، فإن الله تعالى لما أهلك فرعون وجنوده استقرت يد الدولة الموسوية على بلاد مصر بكمالها كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ [الأعراف] وقال في الآية الأخرى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء] ولكن استمروا مع موسى ﵇ طالبين إلى بلاد بيت المقدس وهي بلاد الخليل ﵇، فاستمر موسى بمن معه طالبًا بيت المقدس، وكان فيه قوم من العمالقة فنكَل بنو إسرائيل عن قتالهم، فشردهم الله تعالى في التيه أربعين سنة، ومات فيه هارون ثم موسى ﵇، وخرجوا بعدهما مع يوشع بن نون ففتح الله عليهم بيت المقدس واستقرت أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بختنصر حينًا من الدهر، ثم عادت إليهم ثم أخذها ملوك اليونان، فكانت تحت أحكامهم مدة طويلة، وبعث الله عيسى ابن مريم ﵇ في تلك المدة، فاستعانت اليهود -قبحهم الله- على معاداة عيسى ﵇ بملوك اليونان، وكانت تحت أحكامهم ووشوا عندهم، وأوحوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا فبعثوا من يقبض عليه، فرفعه الله إليه وشبه لهم بعض الحواريين بمشيئة الله وقدره فأخذوه فصلبوه واعتقدوا أنه هو ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مفضل بن فضالة بن عبيد عن أبي صخر، وأبو صخر هو: حميد بن زياد بن أبي المخارق.\n(^٢) (خلقك) بالقاف، وهي قراءة شاذة.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [يونس: ٩٠] ح ٤٦٨٠).","vol":"4","page":423},{"text":"ثم بعد المسيح ﵇ بنحو ثلاث مئة سنة دخل قسطنطين أحد ملوك اليونان في دين النصرانية وكان فيلسوفًا قبل ذلك، فدخل في دين النصارى. قيل: تقية. وقيل: حيلة. ليفسده فوضعت له الأساقفة منهم قوانين وشريعة بدعوها وأحدثوها، فبنى لهم الكنائس والبِيَع الكبار والصغار والصوامع والهياكل والمعابد والقلايات (^١)، وانتشر دين النصرانية في ذلك الزمان واشتهر على ما فيه من تبديل وتغيير وتحريف ووضع وكذب ومخالفة لدين المسيح، ولم يبق على دين المسيح على الحقيقة منهم إلا القليل من الرهبان، فاتخذوا لهم الصوامع في البراري والمهامه والقفار، واستحوذت يد النصارى على مملكة الشام والجزيرة وبلاد الروم.\nوبنى هذا الملك المذكور مدينة قسطنطينية والقمامة وبيت لحم وكنائس ببلاد بيت المقدس ومدن حوران كبُصرى وغيرها من البلدان بناءات هائلة محكمة وعبدوا الصليب من حينئذٍ وصلوا إلى الشرق وصوَّروا الكنائس، وأحلوا لحم الخنزير وغير ذلك مما أحدثوه من الفروع في دينهم والأصول ووضعوا له الأمانة الحقيرة التي يسمونها الكبيرة، وصنفوا له القوانين وبسط هذا يطول، والغرض أن يدهم لم تزل على هذه البلاد إلى أن انتزعها منهم الصحابة ﵃، وكان فتح بيت المقدس على يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ولله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: الحلال من الرزق الطيب النافع المستطاب طبعًا وشرعًا.\nوقوله: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي: ما اختلفوا في شيء من المسائل إلا من بعد ما جاءهم العلم، أي: ولم يكن لهم أن يختلفوا، وقد بيَّن الله لهم، وأزال عنهم اللبس وقد ورد في الحديث: \"إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة منها واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار\". قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\" (^٢). رواه الحاكم في مستدركه بهذا اللفظ وهو في السنن والمسانيد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي: يفصل بينهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1458\"></span>\n\n<span id=\"aya-1459\"></span>\n\n<span id=\"aya-1460\"></span>\n\n<span id=\"aya-1461\"></span>﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾.\nقال قتادة بن دعامة: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: \"لا أشك ولا أسأل\" (^٣). وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري (^٤). وهذا فيه تثبيت للأمة وإعلام لهم أن صفة نبيهم ﷺ\n_________\n(^١) القلايات جمع قلية: وهي الصومعة الصغيرة.\n(^٢) أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٢٩)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (ح ٨٥١٩).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وسنده ضعيف بسبب إرسال قتادة.\n(^٤) قول ابن عباس وسعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن أبي =","vol":"4","page":424},{"text":"موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، ثم مع هذا العلم الذي يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم يلبسون ذلك ويحرفونه ويبدلونه ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ أي: لا يؤمنون إيمانًا ينفعهم بل حين لا ينفع نفس إيمانها، ولهذا لما دعا موسى ﵇ على فرعون وملئه قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام] ثم قال تعالى:\n\n<span id=\"aya-1462\"></span>﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾.\nيقول تعالى: فهلّا كانت قرية آمنت بكمالها من الأُمم السالفة الذين بعثنا إليهم الرسل بل ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا كذبه قومه أو أكثرهم كقوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس]، ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات]، ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف].\nوفي الحديث الصحيح (^١): \"عُرض عليَّ الأنبياء، فجعل النبيّ يمرُّ ومعه الفئام من الناس، والنبيّ يمرُّ معه الرجل، والنبيّ معه الرجلان، والنبيّ ليس معه أحد\"، ثم ذكر كثرة أتباع موسى ﵇.\nثم ذكر كثرة أمته صلوات الله وسلامه عليه كثرة سدت الخافقين الشرقي والغربي، والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس، وهم أهل نينوى (^٢)، وما كان إيمانهم إلا تخوفًا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم بعدما عاينوا أسبابه وخرج رسولهم من بين أظهرهم، فعندها جأروا إلى الله واستغاثوا به وتضرعوا له واستكانوا، وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم، فعندها ﵏ وكشف عنهم العذاب وأُخروا كما قال تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.\n_________\n= وحشية، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] قال: لم يشك رسول الله ولم يسأل، وقول الحسن البصري أخرجه سعيد بن منصور (التفسير ح ١٠٧٧)، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير ومنصور عنه.\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ﵄ بنحوه (صحيح البخاري، الطب، باب من لم يرق ح ٥٧٥٢)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب (ح ٢٢٠).\n(^٢) أي أهل الموصل، وهي ثاني مدينة في العراق تقع شمال بغداد، أسأل الله تعالى أن يفك أسر العراق من المحتلّين.","vol":"4","page":425},{"text":"واختلف المفسرون: هل كَشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي؟ أو إنما كشف عنهم في الدنيا فقط على قولين:\nأحدهما: إنما كان ذلك في الحياة الدنيا كما هو مقيد في هذه الآية.\nوالثاني: فيهما لقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾ [الصافات] فأطلق عليهم الإيمان، والإيمان منقذ من العذاب الأخروي وهذا هو الظاهر، والله أعلم.\nوقال قتادة في تفسير هذه الآية: لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب فتركت إلا قوم يونس لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة ولبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا إلى الله أربعين ليلةً، فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم. قال قتادة: وذُكر أن قوم يونس بنينوى أرض الموصل (^١). وكذا روي عن ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف (^٢).\nوكان ابن مسعود يقرؤها (فهلا كانت قرية آمنت) (^٣).\nوقال أبو عمران، عن أبي الجلد قال: لما نزل بهم العذاب جعل يدور على رؤوسهم كقطع الليل المظلم، فمشوا إلى رجل من علمائهم فقالوا: علمنا دعاء ندعوا به لعل الله أن يكشف عنا العذاب. فقال: فقالوا: يا حي حين لا حي، يا حي محيي الموتى [ويا حي] (^٤) لا إله إلا أنت. قال: فكشف عنهم العذاب (^٥). وتمام القصة سيأتي مفصلًا في سورة الصافات - إن شاء الله -.\n\n<span id=\"aya-1463\"></span>\n\n<span id=\"aya-1464\"></span>﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ يا محمد لأذِن لأهل الأرض كلِّهم في الإيمان بما جئتهم به فآمنوا كلُّهم. ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود] وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ أي: تلزمهم وتلجئهم ﴿حَتَّى يَكُونُوا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طرق صحيحة لكنه مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري عن ابن مسعود وسعيد بن جبير بأسانيد ضعيفة، وأخرجه بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهذه الروايات مع ما سبق يقوي بعضها بعضًا.\n(^٣) قراءة (فهلا): قراءة شاذة تفسيرية، وقد رواها عبد الرزاق عن معمر قال: بلغني في حرف ابن مسعود … فذكرها. ومعمر لم يسمع من ابن مسعود ﵁.\n(^٤) زياد من (حم) وتفسير الطبري وتفسير ابن أبي حاتم، وسقط من الأصل ومن النسخ المطبوعة المعتمدة على النسخة الأزهرية كطبعة الشعب، وسلامة، ومكتبة أولاد الشيخ.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد (الزهد ص ٣٤)، والطبري وابن أبي حاتم كلهم من طريق صالح المري عن أبي عمران الجوني به، وصالح المري، هو ابن بشير: وهو ضعيف، كما في التقريب.","vol":"4","page":426},{"text":"مُؤْمِنِينَ﴾ أي: ليس ذلك عليك ولا إليك، بل الله ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء]، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد]، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [لغاشية] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو الفعّال لما يريد، الهادي من يشاء، المُضلّ لمن يشاء لعلمه وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ وهو الخبال والضلال ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: حجج الله وأدلته، وهو العادل في كل ذلك في هداية من هدى وإضلال من ضل.\n\n<span id=\"aya-1465\"></span>﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾.\nيرشد تعالى عباده إلى التفكر في آلائه وما خلق الله في السماوات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما في السماوات من كواكب نيرات ثوابت وسيارات والشمس والقمر، والليل والنهار واختلافهما وإيلاج أحدهما في الآخر حتى يطول هذا ويقصر هذا ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير وصنوف النبات وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا [مسخر] (^١) مذلل للسالكين يحمل سفنهم ويجري بها برفق بتسخير القدير لا إله إلا هو ولا رب سواه.\nوقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وأي شيء تغني الآيات السماوية والأرضية والرسل بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها عن قوم لا يؤمنون؟ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-1466\"></span>وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل أيام الله في الذين خلوا من قبلهم في الأمم الماضية المكذبة لرسلهم ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾\n\n<span id=\"aya-1467\"></span>﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ونهلك المكذبين بالرسل ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حقًا أوجبه الله تعالى على نفسه الكريمة كقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وكما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أي أنه قال: \"إن الله كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي\" (^٢).\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح) لا توجد في الأصل.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: =","vol":"4","page":427},{"text":"<span id=\"aya-1468\"></span>﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾.\nيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: قل: يا أيها الناس إن كنتم في شك من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف الذي أوحاه الله إليَّ، فأنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله وحده لا شريك له وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم ثم إليه مرجعكم، فإن كانت آلهتكم التي تدعون من دون الله حقًا فأنا لا أعبدها فادعوها فلتضرني فإنها لا تضر ولا تنفع وإنما الذي بيده الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له، وأمرت أن أكون من المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-1469\"></span>\n\n<span id=\"aya-1470\"></span>وقوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ الآية، أي: أخلص العبادة لله وحده حنيفًا، أي منحرفًا عن الشرك ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1471\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ. . .﴾ الآية. فيه بيان لأن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده لا يشاركه في ذلك أحد، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له.\nروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة صفوان بن سليم من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عيسى بن موسى، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: \"اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم\" (^١).\nثم رواه من طريق الليث عن عيسى بن موسى عن صفوان عن رجل من أشجع عن أبي هريرة مرفوعًا بمثله سواء (^٢).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي: لمن تاب إليه وتوكل عليه، ولو من أي ذنب كان حتى من الشرك به، فإنه يتوب عليه.\n\n<span id=\"aya-1472\"></span>﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾.\nيقول تعالى آمر لرسوله ﷺ أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا\n_________\n= ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] ح ٣١٩٤)، وصحيح مسلم، التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى … (ح ٢٧٥١).\n(^١) سنده ضعيف لضعف عيسى بن موسى (الجرح والتعديل ٦/ ٢٨٥) وفيه أيضًا صفوان بن سليم لم يسمع من أنس ﵁ ولم تصح روايته عن أنس كما قال أبو حاتم (ينظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٤٢٦).\n(^٢) سنده ضعيف أيضًا لإبهام الراوي عن أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":428},{"text":"مرية فيه ولا شك، فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الاتباع على نفسه، ومن ضلَّ عنه فإنما يرجع وبال ذلك عليه ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين، وإنما أنا نذير لكم والهداية على الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-1473\"></span>وقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ أي: تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك واصبر على مخالفة من خالفك من الناس ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أي: يفتح بينك وبينهم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أي: خير الفاتحين بعدله وحكمته.","vol":"4","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>سُورَةُ هُودٍ</span>\nوهي مكية\nقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عكرمة قال: قال أبو بكر: سألت رسول الله ﷺ: ما شيَّبك؟ قال: \"شيبتني هود، والواقعة، و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ]، و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ (^١) [التكوير].\nوقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبتَ! قال \"شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾، و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ وفي رواية: \"هود وأخواتها\" (^٢).\nوقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا حماد بن الحسن، حدثنا سعيد بن سلام، حدثنا عمر بن محمد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: \"شيبتني هود وأخواتها: الواقعة، والحاقة، و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ وفي رواية: \"هود وأخواتها\" (^٣).\nوقد روي من حديث ابن مسعود نحوه فقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن طارق الرائشي، حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن أبا بكر قال: يا رسول الله ما شيبك؟ قال: \"هود والواقعة\" (^٤). عمرو بن ثابت متروك وأبو إسحاق لم يدرك ابن مسعود. والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٠٢ ح ١٠٧) وسنده ضعيف لأن عكرمة لم يسمع من أبي بكر ﵁ (مجمع الزوائد ٧/ ٣٧، ١١٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه ثم قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه، ثم ذكره مرسلًا (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الواقعة ح ٣٢٩٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٥٢٨)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٧٦) ولكن أعله أبو حاتم حينما سئل عن هذا الإسناد فقال: هذا خطأ ليس فيه ابن عباس (العلل لابن أبي حاتم ٢/ ١١٠).\n(^٣) المعجم الكبير ٦/ ١٨٣ (٥٨٠٤) قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه سعيد بن سلام العطار وهو كذاب (مجمع الزوائد ٧/ ٤٠).\n(^٤) المعجم الكبير ١٠/ ١٢٥ (ح ١٠٠٩٢) وسنده ضعيف جدًا لأن عمرو بن ثابت متروك كما قال الحافظ ابن كثير، وذكر أيضًا الانقطاع بين أبي إسحاق وابن مسعود.","vol":"4","page":430},{"text":"<span id=\"aya-1474\"></span>﷽\n﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾.\nقد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هنا وبالله التوفيق، وأما قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أي: هي محكمة في لفظها مفصلة في معناها فهو كامل صورة ومعنى، هذا معنى ما روي عن مجاهد وقتادة (^١) واختاره ابن جرير.\nومعنى قوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي: من عند الله الحكيم في أقواله وأحكامه خبير بعواقب الأمور\n\n<span id=\"aya-1475\"></span>﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nوقوله: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي: إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه كما جاء في الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ صعد الصفا، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب فاجتمعوا فقال: \"يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا تصبحكم ألستم مصدقي؟ \" فقالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال: \"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-1476\"></span>وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها إلى الله ﷿ فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ أي: في الدنيا ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: في الدار الآخرة. قاله قتادة (^٣) كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل].\nوقد جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لسعد: \"وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك\" (^٤).\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: \"فُسِّرت\"، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه بلفظ: \"أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها: بيَّنها\"، وكذا أخرجه الطبري من الطريق نفسه.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ﵄ (صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء] ح ٤٧٧٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب في قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (ح ٢٠٨).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، الدعوات، باب الدعاء برفع الوباء والوجع ح ٦٣٧٣، وصحيح مسلم، الوصية، باب الوصية بالثلث ح ١٦٢٨).","vol":"4","page":431},{"text":"وقال ابن جرير: [حُدثت] (^١) عن المسيب بن شريك، عن أبي بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول: هلك من غلب آحاده على أعشاره (^٢).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر الله تعالى وكذب رسله فإن العذاب يناله يوم القيامة لا محالة\n\n<span id=\"aya-1477\"></span>﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: معادكم يوم القيامة ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: هو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه وانتقامه من أعدائه، وإعادة الخلائق يوم القيامة، وهذا مقام الترهيب كما أن الأول مقام ترغيب.\n\n<span id=\"aya-1478\"></span>﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾.\nقال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم، فأنزل الله هذه الآية، رواه البخاري من طريق ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، أن ابن عباس قرأ: \"ألا إنهم تثنوني صدورهم\" فقلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: الرجل كان يجامع امرأته فيستحي أو يتخلى، فيستحي فنزلت: (ألا إنهم تثنوني صدورهم) (^٣).\nوفي لفظ آخر له قال ابن عباس: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم (^٤).\nثم قال: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، قال قرأ ابن عباس: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ (^٥).\nقال البخاري: وقال غيره عن ابن عباس: ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾ يغطون رؤوسهم (^٦).\nوقال ابن عباس في رواية أخرى في تفسير هذه الآية: يعني به: الشك في الله وعمل السيئات (^٧). وكذا روي عن مجاهد والحسن وغيرهم؛ أي: أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئًا أو عملوه، فيظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأخبرهم الله تعالى أنهم حين يستغشون\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وسقطت من الأصل.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا، لأن المسيب بن شريك متروك (الجرح والتعديل ٨/ ٢٩٤)، وفيه أيضًا إبهام شيخ الطبري.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه بالقراءة الشاذة التفسيرية (صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ. . .﴾ [هود: ٥] ح ٤٦٨١) قال الحافظ ابن حجر: عن قراءة \"تثنوني\" على وزن تفعوعل (الفتح ٨/ ٣٥٠).\n(^٤) المصدر السابق (ح ٤٦٨٢).\n(^٥) المصدر السابق (ح ٤٦٨٣).\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق معمر قال: أُخبرت عن عكرمة عن ابن عباس، ورجاله ثقات لكن سنده منقطع بين معمر وعكرمة، ويشهد له ما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.","vol":"4","page":432},{"text":"ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل (^١).\n﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ من القول: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنّ صدورهم من النيات والضمائر والسرائر، وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة:\nفلا تكتمن الله ما في نفوسكم … ليخفى فمهما يكتم الله يعلم\nيؤخر فيوضع في كتاب فيدخر … ليوم حساب أو يعجل فينقم (^٢)\nفقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع وعلمه بالجزئيات وبالمعاد وبالجزاء وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة.\nوقال عبد الله بن شداد: كان أحدهم إذا مرَّ برسول الله ثنى عنه صدره وغطى رأسه فأنزل الله ذلك (^٣).\nوعود الضمير إلى (الله) أولى لقوله: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وقرأ [ابن عباس] (^٤): ألا إنهم تثنوني صدورُهم (^٥)، برفع (^٦) الصدور على الفاعلية، وهو قريب المعنى.\n\n<span id=\"aya-1479\"></span>﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾.\nأخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض صغيرها وكبيرها بحريها وبريها، وأنه يعلم مستقرها ومستودعها، أي: يعلم أين منتهى سيرها في الأرض؟ وأين تأوي إليه من وكرِها؟ وهو: مستودعها.\nوقال علي بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ أي: حيث تأوي ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموت (^٧).\nوعن مجاهد: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الرحم ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الصلب كالتي في الأنعام (^٨)، وكذا روي عن ابن عباس والضحاك (^٩) وجماعة.\n_________\n(^١) قول مجاهد تقدم في سابقه بنحو قول ابن عباس، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عنه.\n(^٢) ديوان زهير بن أبي سلمى ص ١٨.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حصين بن عبد الرحمن السلمي عن عبد الله بن شدأ، لكنه مرسل لم يرو من طريق آخر.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"ابن مسعود\".\n(^٥) قراءة: (تثنوني صدُورهم). شاذة تفسيرية.\n(^٦) أخرجه البخاري كما تقدم تخريجه من بداية تفسير الآية، ولكن يبقى حكم القراءة شاذة تفسيرية لا يُقرأ بها.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٨) أي في سورة الأنعام آية ٩٨ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ. . .﴾ [الأنعام: ٩٨] وهذا الأثر أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لم يصرح باسم شيخ الطبري.","vol":"4","page":433},{"text":"وذكر ابن أبي حاتم أقوال المفسرين ههنا (^١) كما ذكره عند تلك الآية، فالله أعلم. وأن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند الله مبين عن جميع ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-1480\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾.\nيخبر تعالى عن قدرته على كل شيء، وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأن عرشه كان على الماء قبل ذلك، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن مُحرِز، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقبلوا البشرى يا بني تميم\" قالوا: قد بشرتنا، فأعطنا، قال: \"اقبلوا البشرى يا أهل اليمن\" قالوا: قد قبلنا. فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: \"كان الله قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء\" قال: فأتاني آتٍ فقال: يا عمران انحلّت ناقتك من عقالها، قال: فخرجت في إثرها فلا أدري ما كان بعدي (^٢). وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة، فمنها قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر، فقال: \"كان الله ولم يكن شيء قبله (^٣) - وفي رواية: \"غيره\" (^٤)، وفي رواية: معه (^٥) - وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض\".\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم عمن تقدم ذكرهم وعن ابن مسعود وقيس بن أبي حازم وأبي عبد الرحمن السلمي، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة والسدي وعطاء الخراساني بنحو ما تقدم وبحذف السند. ومعظم هذه الآثار أخرجها عبد الرزاق والطبري في تفسيريهما مسندة وبعضها أخرجها الطبراني في المعجم الكبير (٩٠١٧)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٤١.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣/ ١٠٨ ح ١٩٨٧٦) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث عمران بن الحصين ﵁ (الصحيح، التوحيد، باب ﴿عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] وهو رب العرش العظيم ح ٧٤١٨).\n(^٤) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. . .﴾ [الروم: ٢٧] (ح ٣١٩١)\n(^٥) هذه الرواية مقحمة غير صحيحة نبه عليها الحافظ ابن حجر فقال: وقع في بعض الكتب في هذا الحديث: \"كان الله ولا شيء معه، وهو الآن ما عليه كان\" وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث، نبه على ذلك العلامة تقي الدين بن تيمية (فتح الباري ٦/ ٢٨٩).\n(^٦) صحيح مسلم، القدر، باب حِجاج آدم وموسى ﵉ (ح ٢٦٥٣).","vol":"4","page":434},{"text":"وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله ﷿: أَنفق أُنفق عليك\" وقال: \"يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار\" وقال: \"أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدُس، عن عمه أبي رزين واسمه: لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: \"كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك\" (^٢). وقد رواه الترمذي في التفسير وابن ماجه في السنن من حديث يزيد بن هارون به وقال: الترمذي: هذا حديث حسن (^٣).\nوقال مجاهد: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ قبل أن يخلق شيئًا (^٤)، وكذا قال وهب بن منبه وضمرة وقتادة [وابن جريج] (^٥) وغير واحد (^٦).\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ (^٧).\nوقال الربيع بن أنس: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ فلما خلق السماوات والأرض قسم ذلك الماء قسمين: فجعل نصفًا تحت العرش وهو: البحر المسجور (^٨).\nوقال ابن عباس: إنما سمي العرش عرشًا لارتفاعه (^٩).\nوقال إسماعيل بن أبي خالد: سمعت سعدًا الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء (^١٠).\nوقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: فكان كما وصف نفسه تعالى إذ ليس إلا الماء وعليه العرش، وعلى العرش ذو الجلال والإكرام، والعزة والسلطان، والملك والقدرة، والحلم والعلم، والرحمة والنعمة الفعال لما يريده (^١١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] (ح ٤٦٨٤).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/ ١٠٨ ح ١٦١٨٨) وضعفه محققوه لجهالة وكيع بن عُدُس.\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة هود (ح ٣١٠٨)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح ١٨٢) وحكمه كسابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) كذا في تفسير الطبري وفي الأصل: \"ابن جرير\".\n(^٦) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع به وسنده مرسل، لأن مثل هذا لا يؤخذ إلا من الوحي.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل به، وسنده مرسل لأن مثل هذا من الأمور الغيبية التي لا تؤخذ إلا من الوحي.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده حسن عن ابن إسحاق.","vol":"4","page":435},{"text":"وقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قول الله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح (^١).\nوقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: خلق السماوات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ولم يخلق ذلك عبثًا كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص] وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون] وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الآية [الذاريات].\nوقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي: ليختبركم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ولم يقل: أكثر عملًا، بل أحسن عملًا، ولا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا لله ﷿ على شريعة رسول الله ﷺ، فمتى فقد العمل واحدًا من هذين الشرطين حبط وبطل.\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يقول تعالى: ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم كما بدأهم مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي خلق السماوات والأرض كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت] وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون من البداءة كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].\nوقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: يقولون كفرًا وعنادًا: ما نصدقك على وقوع البعث، وما يذكر ذلك إلا من سحرته فهو يتبعك على ما تقول.\n\n<span id=\"aya-1481\"></span>وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ الآية. يقول تعالى: ولئن أخرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء المشركين إلى أجل معدود وأمد محصور وأوعدناهم إلى مدة مضروبة ليقولن تكذيبًا واستعجالًا: ما يحبسه، أي يؤخر هذا العذاب عنا، فإن سجاياهم قد ألفت التكذيب والشك، فلم يبق لهم محيص عنه ولا محيد، والأُمة تستعمل في القرآن والسنة في معانٍ متعددة، فيراد بها الأمد كقوله في هذه الآية: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾.\nوقوله في يوسف: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، وتستعمل في الإمام المقتدى به كقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ [النحل]، وتستعمل في الملة والدين، كقوله إخبارًا عن المشركين أنهم قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، وتستعمل في الجماعة كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ [يونس].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الأعمش به.","vol":"4","page":436},{"text":"والمراد من الأُمة ههنا الذين يبعث فيهم الرسول مؤمنهم وكافرهم كما في صحيح مسلم: \"والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأُمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار\" (^١).\nوأما أُمة الأتباع فهم المصدقون للرسل كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\nوفي الصحيح \"فأقول: أُمتي أُمتي\" (^٢).\nوتستعمل الأُمة في الفرقة والطائفة كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف] وكقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُون﴾ [آل عمران: ١١٣].\n\n<span id=\"aya-1482\"></span>﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾.\nيخبر تعالى عن الإنسان وما فيه من الصفات الذميمة إلا من رحم الله من عباده المؤمنين أنه إذا أصابته شدة بعد نعمة حصل له يأس وقنوط من الخير بالنسبة إلى المستقبل وكفر وجحود لماضي الحال، كأنَّه لم يرَ خيرًا ولم يرجُ بعد ذلك فرجًا.\n\n<span id=\"aya-1483\"></span>وهكذا إن أصابته نعمة بعد نقمة ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ أي يقول: ما ينالني بعد هذا ضيم ولا سوء ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ أي: فرح بما في يده بطر فخور على غيره،\n\n<span id=\"aya-1484\"></span>قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: على الشدائد والمكاره ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: في الرخاء والعافية ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: بما يصيبهم من الضراء ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ بما أسلفوه في زمن الرخاء كما جاء في الحديث: \"والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن همٌّ ولا غمٌّ ولا نصب ولا وصب ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّرَ الله عنه بها من خطاياه\" (^٣). وفي الصحيحين: \"والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له إن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن\" (^٤)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج].\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة محمد ﷺ (ح ١٥٣).\n(^٢) صحيح البخاري، التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (ح ٧٥١٠).\n(^٣) صحيح البخاري، المرضى، باب ما جاء في كفارة المرضى (ح ٥٦٤١)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من المرض (ح ٢٥٧٣).\n(^٤) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة يونس آية ١٢.","vol":"4","page":437},{"text":"<span id=\"aya-1485\"></span>﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾.\nيقول تعالى مسليًا لرسوله ﷺ عمَّا كان يتعنت به المشركون فيما كانوا يقولونه عن الرسول كما أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾ [الفرقان] فأمر الله تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه وأرشده إلى أن لا يضيق بذلك منهم صدره ولا يصدنه ذلك ولا يثنينه عن دعائهم إلى الله ﷿ آناء الليل وأطراف النهار كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر] وقال ههنا: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا﴾ أي: لقولهم ذلك، فإنما أنت نذير ولك أسوة بإخوانك من الرسل قبلك، فإنهم كُذبوا وأُوذوا فصبروا حتى أتاهم نصر الله ﷿،\n\n<span id=\"aya-1486\"></span>ثم بيّن تعالى إعجاز القرآن وأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله ولا بعشر سور مثله، ولا بسورة من مثله لأن كلام الربِّ تعالى لا يشبه كلام المخلوقين كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات. وذاته لا يشبهها شيء تعالى وتقدس وتنزه لا إله إلا هو ولا رب سواه،\n\n<span id=\"aya-1487\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن هذا الكلام منزل من عند الله متضمن علمه وأمره ونهيه ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1488\"></span>\n\n<span id=\"aya-1489\"></span>﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا وذلك أنهم لا يظلمون نقيرًا، يقول: من عمل صالحًا التماس الدنيا صومًا أو صلاة أو تهجدًا بالليل لا يعمله إلا التماس الدنيا، يقول الله تعالى: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، ﴿وَحَبِطَ﴾ عمله الذي كان يعمله لالتماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين (^١). وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد (^٢).\nوقال أنس بن مالك والحسن: نزلت في اليهود والنصارى (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه، وليس فيه: إن أهل الرياء، وهذه الزيادة أخرجها الطبري بسند ضعيف من طريق وهيب أنه بلغه عن مجاهد .. فذكره، ويشهد لرواية العوفي ما يلي:\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^٣) قول أنس بن مالك أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قتادة عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري =","vol":"4","page":438},{"text":"وقال مجاهد وغيره: نزلت في أهل الرياء (^١).\nوقال قتادة: من كانت الدنيا همه [وسدمه] (^٢) (^٣) وطلبته ونيته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الآخرة، وليس له حسنة يعطىَ بها جزاء، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة (^٤).\nوقد ورد في الحديث المرفوع نحو من هذا (^٥).\nوقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى].\n\n<span id=\"aya-1490\"></span>﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾.\nيخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عباده من الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ \" الحديث (^٦).\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن رسول الله ﷺ قال: \"يقول الله تعالى: \"إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم، وأَمَرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا\" (^٧).\nوفي المسند والسنن: \"كل مولد يولد على هذه الملَّة حتى يعرب عنه لسانه. . .\" الحديث (^٨)، فالمؤمن باقٍ على هذه الفطرة.\n_________\n= بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عنه.\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف كما تقدم قبل تعليقين.\n(^٢) كذا في تفسير الطبري وابن أبي حاتم، وفي الأصل: \"سدته\"، وفي (حم): \"شدته\".\n(^٣) السدم: هو الولوع بالشي.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرج ابن ماجه من حديث زيد بن ثابت ﵁: \"من كانت الدنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له. . .\" (السنن، الزهد، باب اللهم بالدنيا ح ٤١٠٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣١٣).\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٢٤/ ٣٥٧ ح ١٥٥٨٩)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح ١٣٢)، =","vol":"4","page":439},{"text":"قوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ أي: وجاءه شاهد من الله وهو: ما أوحاه إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة المختتمة بشريعة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو العالية والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وغير واحد في قوله تعالى: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: إنه جبريل ﵇ (^١).\nوعن علي ﵁ والحسن وقتادة هو: محمد ﷺ (^٢). وكلاهما قريب في المعنى، لأن كلًّا من جبريل ومحمد صلوات الله عليهما بلَّغ رسالة الله تعالى، فجبريل إلى محمد ومحمد إلى الأمة، وقيل: هو عليّ (^٣)، وهو ضعيف لا يثبت له قائل. والأول والثاني هو الحق، وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة والفطرة تصدقها وتؤمن بها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ وهو القرآن بلَّغه جبريل إلى النبي ﷺ وبلَّغه النبي محمد ﷺ إلى أُمته، ثم قالي تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ أي: ومن قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ أي: أنزله الله تعالى إلى تلك الأُمة إمامًا لهم وقدوة يقتدون بها، ورحمة من الله بهم، فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.\nثم قال تعالى متوعدًا لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أي: ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض مشركهم وكافرهم وأهل الكتاب وغيرهم من سائر طوائف بني آدم، على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم ممن بلغه القرآن كما قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.\nوفي صحيح مسلم من حديث شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأُمة يهودي أو نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار\" (^٤).\nوقال أيوب السختياني، عن سعيد بن جبير قال: كنت لا أسمع بحديث عن النبي ﷺ على وجهه إلا وجدت مصداقه - أو قال: تصديقه - في القرآن فبلغني أن النبي ﷺ قال: \"لا يسمع بي\n_________\n= والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٢٣)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٤٠٢).\n(^١) قول ابن عباس وعكرمة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الثوري بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول الضحاك والسدي أخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة تتقوى بما سبق.\n(^٢) قول علي ﵁ أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابنه محمد عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق جابر عن عبد الله بن نجي عن علي، وفي سنده جابر وهو الجعفي وهو ضعيف شيعي، وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ ح ١٥٣)، ومن طريق شعبة به أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ٣٩٦).","vol":"4","page":440},{"text":"أحد من هذه الأُمة يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا دخل النار\" فجعلت أقول: أين مصداقه في كتاب الله؟ قال: وقلما سمعت عن رسول الله ﷺ إلا وجدت له تصديقًا في القرآن حتى وجدت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ قال: من الملل كلِّها (^١).\nوقوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: القرآن حق من الله لا مرية ولا شك فيه، كما قال تعالى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [السجدة] وقال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة].\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾ [الأنعام: ١١٦] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ].\n\n<span id=\"aya-1491\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾.\nيبين تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس الخلائق من الملائكة والرسل والأنبياء وسائر البشر والجان، كما قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان، أخبرنا همام، حدثنا قتادة، عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل قال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعته يقول: \"إن الله ﷿ يُدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم\" ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول: ﴿الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (^٢). أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث قتادة به (^٣).\n\n<span id=\"aya-1492\"></span>وقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يردُّون الناس عن اتباع الحق وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله ﷿[ويجنبونهم] (^٤) الجنة ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: ويريدون أن يكون طريقهم\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم موصولًا من طريق أبي عمرو البصري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٤٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٨ ح ٥٤٣٦) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) صحيح البخاري، المظالم، باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] (ح ٢٤٤١)، وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول توبة القاتل … (ح ٢٧٦٨).\n(^٤) في الأصل غير منقوطة، وفي (حم): \"بحجة\".","vol":"4","page":441},{"text":"عوجًا غير معتدلة ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها\n\n<span id=\"aya-1493\"></span>﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: بل كانوا تحت قهره وغلبته وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].\nوفي الصحيحين: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" (^١)، ولهذا قال تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الآية، أي: يضاعف عليهم العذاب، وذلك أن الله تعالى جعل لهم سمعًا وأبصارًا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم، بل كانوا صُمًّا عن سماع الحق عُميًا عن اتباعه، كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل]، ولهذا يعذبون على كل أمر تركوه وعلى كل نهي ارتكبوه، ولهذا كان أصح الأقوال: أنهم مكلفون بفروع الشرائع أمرها ونهيها بالنسبة إلى الدار الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1494\"></span>\n\n<span id=\"aya-1495\"></span>وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)﴾ أي: خسروا أنفسهم لأنهم أدخلوا نارًا حامية فهم معذبون فيها لا يُفتَّر عنهم من عذابها طرفة عين كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: ذهب عنهم ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من دون الله من الأنداد والأصنام فلم تجد عنهم شيئًا بل ضرتهم كل الضرر، وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف].\nقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم] وقال الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على خسرهم ودمارهم، ولهذا قال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾ يخبر تعالى عن حالهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة، لأنهم استبدلوا الدركات عن الدرجات، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شرب الرحيق المختوم بسموم وحميم وظل من يحموم، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن ورؤيته بغضب الديان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون.\n\n<span id=\"aya-1496\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾.\nلما ذكر تعالى حال الأشقياء ثنّى بذكر السعداء وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فآمنت\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٦.","vol":"4","page":442},{"text":"قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة قولًا وفعلًا من الإتيان بالطاعات وترك المنكرات وبهذا ورثوا الجنات، المشتملة على الغرف العاليات، والسرر المصفوفات، والقطوف الدانيات، والفرش المرتفعات، والحسان الخيرات، والفواكه المتنوعات، والمآكل المشتهيات، والمشارب المستلذات، والنظر إلى خالق الأرض والسماوات، وهم في ذلك خالدون لا يموتون، ولا يهرمون ولا يمرضون ولا ينامون، ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا يتمخطون، إن هو إلا رشح مسك يعرقون،\n\n<span id=\"aya-1497\"></span>ثم ضرب تعالى مثل الكافرين والمؤمنين فقال: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أي: الذين وصفهم أولًا بالشقاء والمؤمنين بالسعادة فأولئك كالأعمى والأصم، وهؤلاء كالبصير والسميع، فالكافر أعمى عن وجه الحق في الدنيا والآخرة لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه، أصم عن سماع الحجج فلا يسمع ما ينتفع به ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال].\nوأما المؤمن ففطن ذكي لبيب بصير بالحق يُميِّز بينه وبين الباطل، فيتبع الخير ويترك الشر، سميع للحجة يفرق بينها وبين الشبهة، فلا يروج عليه باطل، فهل يستوي هذا وهذا؟ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أفلا تعتبرون فتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء؟ كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر] وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ [فاطر].\n\n<span id=\"aya-1498\"></span>\n\n<span id=\"aya-1499\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾.\nيخبر تعالى عن نوح ﵇ وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام أنه قال لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر النذارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله، ولهذا قال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾.\nوقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ أي: إن استمررتم على ما أنتم عليه عذبكم الله عذابًا أليمًا موجعًا شاقًا في الدار الآخرة\n\n<span id=\"aya-1500\"></span>﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والملأ هم السادة والكبراء من الكافرين منهم ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أي: لست بملك ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا؟ ثم ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم، ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا، ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن ترو منهم ولا فكر ولا نظر بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: في أول بادئ الرأي ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ يقولون: ما رأينا لكم علينا فضيلة في خلق ولا خلق ولا رزق ولا حال لما دخلتم في دينكم هذا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي: فيما تدعونه لكم من البر والصلاح والعبادة والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها، هذا اعتراض","vol":"4","page":443},{"text":"الكافرين على نوح ﵇ وأتباعه، وهو دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح سواء اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل ولو كانوا أغنياء، ثم الواقع غالبًا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف].\nولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي ﷺ قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هم أتباع الرسل (^١).\nوقولهم: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ليس بمذمة ولا عيب لأن الحق إذا وضح لا يبقى للرأي ولا للفكر مجال بل لا بدّ من اتباع الحق والحالة هذه لكل ذي زكاء وذكاء بل لا يفكر ويُروي ههنا إلا غبي أو عيي، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إنما جاءوا بأمر جليٍّ واضح.\nوقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: \"ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم\" (^٢). أي ما تردد ولا تروّى لأنه رأى أمرًا جليًا عظيمًا واضحًا فبادر إليه وسارع.\nوقوله: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ هم لا يرون ذلك لأنهم عمي عن الحق لا يسمعون ولا يبصرون، بل هم في ريبهم يترددون في ظلمات الجهل يعمهون، وهم الأفَّاكون الكاذبون الأقلون الأرذلون، وهم في الآخرة هم الأخسرون.\n\n<span id=\"aya-1501\"></span>﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن نوح ما ردّ على قومه في ذلك: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على يقين وأمر جليّ ونبوة صادقة، وهي الرحمة العظيمة من الله به وبهم ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: خفيت عليكم فلم تهتدوا إليها ولا عرفتم قدرها بل بادرتم إلى تكذيبها وردها، ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أي: نغصبكم بقبولها وأنتم لها كارهون.\n\n<span id=\"aya-1502\"></span>\n\n<span id=\"aya-1503\"></span>﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾.\nيقول لقومه: لا أسألكم على نصحي لكم مالًا، أجرة آخذها منكم، إنما أبتغي الأجر\n_________\n(^١) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة الأنعام آية ٥٤.\n(^٢) أخرجه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق قال: \"حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي. . .\" مرسلًا (دلائل النبوة ٢/ ١٦٤)، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٢٦٧)، ولبعضه شاهد أخرجه البخاري من حديث أبي الدرداء ﵁: \"إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبتَ، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله. . .\" (الصحيح، فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: \"لو كنت متخذًا خليلًا. . .\" ح ٣٦٦١).","vol":"4","page":444},{"text":"من الله ﷿: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين عنه احتشامًا ونفاسة منهم أن يجلسوا معهم كما سأل أمثالهم خاتم الرسل ﷺ أن يطرد عنهم جماعة من الضعفاء ويجلس معهم مجلسًا خاصًا فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. . .﴾ الآيات [الأنعام: ٥٢]، ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨].\nوقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-1504\"></span>﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾.\nيخبرهم أنه رسول من الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له بإذن الله له في ذلك ولا يسألهم على ذلك أجرًا، بل هو يدعو من لقيه من شريف ووضيع، فمن استجاب له فقد نجا، ويخبرهم أنه لا قدرة له على التصرف في خزائن الله ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وليس هو بملَك من الملائكة بل هو بشر مرسل مؤيد بالمعجزات، ولا أقول عن هؤلاء الذين تحقرونهم وتزدرونهم: إنهم ليس لهم عند الله ثواب على أعمالهم، الله أعلم بما في أنفسهم، فإن كانوا مؤمنين باطنًا كما هو الظاهر من حالهم فلهم جزاء الحسنى، ولو قطعَ لهم أحدٌ بشرٍ بعد ما آمنوا لكان ظالمًا قائلًا ما لا علم له به.\n\n<span id=\"aya-1505\"></span>﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه، والبلاء موكل بالمنطق. ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ أي: حاججتنا فأكثرت من ذلك ونحن لا نتبعك ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أي: من النقمة والعذاب، ادع علينا بما شئت، فليأتنا ما تدعو به ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)﴾\n\n<span id=\"aya-1506\"></span>﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣)﴾ أي: إنما الذي يعاقبكم ويعجلها لكم الله الذي لا يعجزه شيء\n\n<span id=\"aya-1507\"></span>﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي: أي شيء يجدي عليكم إبلاغي لكم وإنذاري إياكم ونصحي ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي: إغواؤكم ودماركم ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: هو مالك أزمة الأمور المتصرف الحاكم العادل الذي لا يجوز، له الخلق وله الأمر، وهو المبديء المعيد مالك الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-1508\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾.\nهذا كلام معترض في وسط هذه القصة مؤكد لها، ومقرر لشأنها يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: أم يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون، افترى هذا وافتعله من عنده ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ أي: فإثم ذلك عليَّ ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي: ليس ذلك مفتعلًا ولا مفترى، لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه.","vol":"4","page":445},{"text":"<span id=\"aya-1509\"></span>﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾.\nيخبر تعالى أنه أوحى إلى نوح لما استعجل قومه نقمة الله بهم وعذابه لهم فدعا عليهم نوح دعوته التي قال الله تعالى مخبرًا عنه أنه قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر] فعند ذلك أوحى الله إليه ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم\n\n<span id=\"aya-1510\"></span>﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ يعني السفينة ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بمرأى منا ﴿وَوَحْيِنَا﴾ أي: تعليمنا لك ما تصنعه ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ فقال لبعض السلف: أمره الله تعالى أن يغرز الخشب ويقطعه وييبسه، فكان ذلك في مائة سنة، ونجرها في مائة سنة أخرى (^١).\nوقيل: في أربعين سنة (^٢). والله أعلم.\nوذكر محمد بن إسحاق عن التوراة: أن الله أمره أن يصنعها من خشب الساج، وأن يجعل طولها ثمانين ذراعًا وعرضها خمسين ذراعًا، وأن يطلي باطنها وظاهرها بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤًا أزورًا (^٣) يشق الماء (^٤).\nوقال قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع في عرض خمسين (^٥).\nوعن الحسن: طولها ستمائة ذارع وعرضها ثلثمائة (^٦).\nوعنه مع ابن عباس: طولها ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة (^٧).\nوقيل: طولها ألفا ذراع وعرضها مائة ذراع (^٨)، فالله أعلم.\nقالوا كلهم: وكان ارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعًا ثلاث طبقات كل طبقة عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش، والوسطى للإنس، والعليا للطيور، وكان بابها في عرضها ولها غطاء من فوقها مطبق عليها.\nوقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير أثرًا غريبًا من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مالك عن زيد بن أسلم، والرواية من أخبار أهل الكتاب.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار، وهو معروف برواية الإسرائيليات.\n(^٣) أي عظام الصدر المقوسة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن إسحاق عن رجل مجهول.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه قال: ذُكر لنا.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق جرير بن حازم عن الحسن.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق نوح بن قيس عن محمد بن سيف عن الحسن البصري.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن الحسن، وكل هذه الروايات هي من أخبار أهل الكتاب كما صرح الحافظ ابن كثير عن ابن إسحاق أنها من التوراة.","vol":"4","page":446},{"text":"يوسف بن مهران، عن عبد الله بن عباس أنه قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلًا شهد السفينة فحدثنا عنها. قال: فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفًا من ذلك التراب بكفه فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب حام بن نوح. قال: فضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله. فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب.\nقال له عيسى ﵇: أهكذا هلكت؟ قال: لا، ولكني متُّ وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت، قال؟ حدثنا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاثة طبقات، فطبقة فيها الدواب والوحوش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر روث الدواب أوحى الله ﷿ إلى نوح ﵇ أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر بجوف السفينة يقرضها وحبالها أوحى الله إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب، فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر.\nفقال له عيسى ﵇: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة، فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت.\nقال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت قال: فطوقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت قال: فقلنا: يا رسول الله، ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال فقال له: عُد بإذن الله فعاد ترابًا (^١).\n\n<span id=\"aya-1511\"></span>وقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ أي: يهزءون به ويكذبون بما يتوعدهم به من الغرق ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ الآية، وعيد شديد وتهديد أكيد\n\n<span id=\"aya-1512\"></span>﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: يهينه في الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر أبدًا.\n\n<span id=\"aya-1513\"></span>﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾.\nهذه موعدة من الله تعالى لنوح ﵇ إذا جاء أمر الله من الأمطار المتتابعة والهتَّان (^٢) الذي لا يُقلَع ولا يَفتر، بل هو كما قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾ [القمر].\nوأما قوله: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ فعن ابن عباس التنور: وجه الأرض (^٣). أي: صارت الأرض عيونًا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن زيد بن جدعان به، وعلي بن زيد ضعيف، فالرواية سندها ضعيف وهي من الغرائب والعجائب التي يستغنى عنها في التفسير.\n(^٢) أي الأمطار التي تنصب صبًّا.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور (السنن، التفسير ح ١٠٨٧)، والطبري وابن أبي حاتم كلهم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس.","vol":"4","page":447},{"text":"تفور حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماء. وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف.\nوعن علي بن أبي طالب ﵁: التنور: فلق الصبح وتنوير الفجر (^١)، وهو ضياؤه وإشراقه والأول أظهر.\nوقال مجاهد والشعبي: كان هذا التنور بالكوفة (^٢).\nوعن ابن عباس: عين بالهند (^٣).\nوعن قتادة: عين بالجزيرة يقال لها: عين الوردة (^٤). وهذه أقوال غريبة.\nفحينئذٍ أمر الله نوحًا ﵇ أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات اثنين ذكرًا وأنثى.\nفقيل: كان أول من أدخل من الطيور الدرة، وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار، فتعلق إبليس بذنبه وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو متعلق بذنبه، فجعل يقول له نوح ﵇: ما لك ويحك ادخل. فينهض ولا يقدر فقال: ادخل وإن كان إبليس معك فدخلا في السفينة، وذكر بعض السلف أنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم الأسد حتى ألقيت عليه الحُمَّى (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: \"لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه: وكيف تطمئن المواشي ومعها الأسد؟ فسلط الله عليه الحُمَّى، فكانت أول حُمَّى نزلت في الأرض، ثم شَكَوا الفأر فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا، فأوحى الله إلى الأسد فعطس، فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها\" (^٦).\nوقوله: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي: واحمل فيها أهلك، وهم: أهل بيته وقرابته إلا من سبق عليه القول منهم ممن لم يؤمن بالله، فكان منهم ابنه: (يام) الذي انعزل وحده وامرأة نوح، وكانت كافرة بالله ورسوله.\nوقوله: ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي: من قومك ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أي: نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عامًا. فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسًا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن زياد مولى أبي جُحيفة عن أبي جُحيفة عن علي ﵁، وعبد الرحمن بن إسحاق: وهو ضعيف كما في التقريب، وزياد: مجهول (ميزان الاعتدال ٢/ ٨٩).\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث بن أبي سليم عنه، وقول الشعبي أخرجه الطبري بسند ضعيف جدًا من طريق السري بن إسماعيل عن الشعبي، والسري هذا متروك (التقريب ص ٢٣٠).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف جدًا من طريق النضر أبي عمر، وهو الحراز، عن عكرمة عن ابن عباس، والنضر: متروك (ميزان الاعتدال ٤/ ٢٦٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد ضعيف كما في التقريب.\n(^٥) هذه الأخبار من الإسرائيليات.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله، وهو من الإسرائيليات أيضًا.","vol":"4","page":448},{"text":"منهم نساؤهم (^١).\nوعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين نفسًا (^٢). وقيل: كانوا عشرة (^٣)، وقيل: إنما كان نوح وبنوه الثلاثة: (سام وحام ويافث) وكنائنه الأربع (^٤) نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة (يام)، وقيل: بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة، وهذا فيه نظر، بل الظاهر أنها هلكت لأنها كانت على دين قومها فأصابها ما أصابهم كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها، والله أعلم وأحكم.\n\n<span id=\"aya-1514\"></span>﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾.\nيقول تعالى إخبارًا عن نوح ﵇ أنه قال للذين أمر بحملهم معه في السفينة: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ أي: بسم الله يكون جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوّها، وقرأ أبو رجاء العطاردي (بسم الله مُجريها ومُرسيها) (^٥).\nوقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾ [المؤمنون] ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور عند الركوب على السفينة وعلى الدابَّة كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف]، وجاءت السُّنة بالحث على ذلك والندب إليه، كما سيأتي في سورة الزخرف - إن شاء الله وبه الثقة.\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، وحدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا محمد بن موسى الحرشي قالا: حدثنا عبد الحميد بن الحسن الهلالي، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الملك\" ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر] ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٦).\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين فذكر أنه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار، وهو معروف برواية الإسرائيليات.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده عن ابن إسحاق، وهو كسابقه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن الحكم، وهو ابن عتيبة.\n(^٥) قراءة: \"ومُرسيها\"، شاذة.\n(^٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٢/ ١٢٤ (ح ١٢٦٦١) وسنده ضعيف جدًا قال الهيثمي: فيه نهشل بن سعيد وهو متروك (مجمع الزوائد ١٠/ ١٣٢). وفيه أيضًا الضحاك لم يلق ابن عباس.","vol":"4","page":449},{"text":"غفور رحيم كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧] وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] إلى غير ذلك من الآيات التي يقرن فيها بين رحمته وانتقامه.\n\n<span id=\"aya-1515\"></span>وقوله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ أي: السفينة سائرة بهم على وجه الماء الذي قد طبق جميع الأرض حتى طفت على رؤوس الجبال وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعًا وقيل: بثمانين ميلًا، وهذه السفينة جارية على وجه الماء سائرة بإذن الله وتحت كنفه وعنايته وحراسته وامتنانه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾ [الحاقة] وقال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ [القمر].\nوقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ الآية، هذا هو الابن الرابع واسمه: (يام) وكان كافرًا دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون\n\n<span id=\"aya-1516\"></span>﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ وقيل: إنه اتخذ له مركبًا من زجاج، وهذا من الإسرائيليات والله أعلم بصحته، والذي نصَّ عليه القرآن أنه قال: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رؤوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق، فقال له أبوه نوح ﵇: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ أي: ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله، وقيل: إن عاصمًا بمعنى معصوم كما يقال: طاعم وكاسٍ، بمعنى: مطعوم ومكسو ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1517\"></span>﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾.\nيخبر تعالى أنه لما أغرق أهل الأرض كلهم إلا أصحاب السفينة أمر الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أي: شرع في النقص ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فرغ من أهل الأرض قاطبة ممن كفر بالله لم يبق منهم ديار ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ السفينة بمن فيها ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة تشامخت الجبال يومئذٍ من الغرق وتطاولت وتواضع هو لله ﷿ فلم يغرق وأرسَت عليه سفينة نوح ﵇ (^١).\nوقال قتادة: استوت عليه شهرًا حتى نزلوا منها، قال قتادة: قد أبقى الله سفينة نوح ﵇ على الجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت وصارت رمادًا (^٢).\nوقال الضحاك: الجودي: جبل بالموصل (^٣). وقال بعضهم: هو الطور.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق علي بن الحكم عن الضحاك.","vol":"4","page":450},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا محمد بن عبيد، عن توبة بن سالم قال: رأيت زر بن حبيش يصلي في الزاوية حين يدخل من أبواب كندة على يمينك، فسألته إنك لكثير الصلاة ههنا يوم الجمعة! قال: بلغني أن سفينة نوح أرست من ههنا (^١).\nوقال علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلًا معهم أهلوهم، وإنهم كانوا فيها مائة وخمسين يومًا، وإن الله وجّه السفينة إلى مكة فطافت بالبيت أربعين يومًا ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه، فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض، فذهب فوقع على الجيف، فأبطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون فلطخت رجليها بالطين، فعرف نوح ﵇ أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية، وسماها ثمانين فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي، فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح ﵇ عنهم (^٢).\nوقال كعب الأحبار: إن السفينة طافت ما بين المشرق والغرب قبل أن تستقر على الجودي (^٣).\nوقال قتادة وغيره: ركبوا في عاشر شهر رجب فساروا مائة وخمسين يومًا واستقرت بهم على الجودي شهرًا وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم. وقد ورد نحو هذا في حديث مرفوع رواه ابن جرير وأنهم صاموا يومهم ذلك (^٤). والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو جعفر، حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي، عن أبيه حبيب بن عبد الله، عن شبل، عن أبي هريرة قال: مرّ النبي ﷺ بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال: \"ما هذا الصوم؟ قالوا: هذا اليوم الذي نجى الله به موسى وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصام نوح وموسى ﵉ شكرًا لله ﷿\" فقال النبي ﷺ: \"أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم\" فصام وقال لأصحابه: \"من كان أصبح منكم صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصاب من غذاء أهله فليتم بقية يومه\" (^٥). وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولبعضه شاهد في الصحيح.\nوقوله: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: هلاكًا وخسارًا لهم وبعدًا من رحمة الله فإنهم قد هلكوا عن آخرهم فلم يبق لهم بقية.\nوقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير والحبر أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث موسى بن يعقوب الزمعي، عن قائد مولى عبيد الله بن أبي رافع، أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده توبة بن سالم ترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ١/ ٤٤٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علباء به، وسنده حسن، ولكن فيه غرائب.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق تبيع عن كعب الأحبار.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح عن قتادة لكنه مرسل.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ٣٣٥ ح ٨٧١٧) وضعف سنده محققوه لضعف عبد الصمد، وجهالة: شبل.","vol":"4","page":451},{"text":"أبي ربيعة أخبره، أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن النبي ﷺ قال: \"لو رحم الله من قوم نوح أحدًا لرحم أُم الصبي\" قال رسول الله ﷺ: \"كان نوح ﵇ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، يعني وغرس مائة سنة الشجر، فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعلها سفينة ويمرون عليه ويسخرون منه ويقولون: تعمل سفينة في البر فكيف تجري؟ قال: سوف تعلمون. فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك خشيت أُم الصبي عليه، وكانت تحبه حبًا شديدًا، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا، فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم أُم الصبي\" (^١). وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد بن جبير قصة هذا الصبي وأُمه بنحو من هذا (^٢).\n\n<span id=\"aya-1518\"></span>﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾.\nهذا سؤال استعلام وكشف من نوح ﵇ عن حال ولده الذي غرق ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدك الحق الذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟\n\n<span id=\"aya-1519\"></span>\n\n<span id=\"aya-1520\"></span>﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي الذي وعدت إنجاءهم لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، ولهذا قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحًا ﵇، وقد نصَّ غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه وإنما كان ابن زنية، ويحكى القول بأنه ليس بابنه وإنما كان ابن امرأته عن مجاهد والحسن وعبيد بن عمير وأبي جعفر الباقر وابن جريج (^٣)، واحتج بعضهم بقوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ وبقوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠] فممن قاله الحسن البصري احتج بهاتين الآيتين.\nوبعضهم يقول: ابن امرأته. وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن أو أراد أنه نسب إليه مجازًا لكونه كان ربيبًا عنده، فالله أعلم.\nوقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط (^٤)، قال: وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق موسى بن يعقوب به. وأخرجه الحاكم من طريق موسى بن يعقوب به وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: إسناده مظلم وموسى بن يعقوب ليس بذاك (المستدرك ٢/ ٣٤٢).\n(^٢) قول كعب وهو معروف بالإسرائيليات مما يؤكدان الرواية السابقة من الإسرائيليات، وقول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الأعمش عن مجاهد. وهو مرسل، ومثل هذا الخبر لا يؤخذ إلا من الوحي.\n(^٣) لم أجده سوى عن الحسن البصري أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عوف الأعرابي عنه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق والطبري كلاهما بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس.","vol":"4","page":452},{"text":"أَهْلِكَ﴾ أي: الذين وعدتك نجاتهم، وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، فإن الله سبحانه أغير من أن يمكّن امرأة نبي من الفاحشة ولهذا غضب الله على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي ﷺ، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ إلى قوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور].\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هو ابنه غير أنه خالفه في العمل والنية (^١).\nقال عكرمة: في بعض الحروف: (إنه عملَ عملًا غيرَ صالح)، والخيانة تكون على غير باب (^٢)، وقد ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ قرأ بذلك فقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: (إنه عملَ غيرَ صالحٍ) وسمعته يقول: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم) (^٣).\nوقال أحمد أيضًا (^٤): حدثنا وكيع، حدثنا هارون النحوي، عن ثابت البناني، عن شهر بن حوشب، عن أُم سلمة أن رسول الله ﷺ قرأها: (إنه عملَ غيرَ صالحٍ) أعاده أحمد أيضًا في مسنده. أُم سلمة هي أُم المؤمنين، والظاهر - والله أعلم - أنها أسماء بنت يزيد فإنها تكنى بذلك أيضًا.\nوقال عبد الرزاق أيضًا: أنبأنا الثوري، عن ابن عيينة، عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قتة قال: سمعت ابن عباس سئل وهو إلى جنب الكعبة عن قول الله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠] قال: أما إنه لم يكن بالزنا ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف، ثم قرأ ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (^٥).\nقال ابن عيينة: وأخبرني عمار الدُهني أنه سأل سعيد بن جبير عن ذلك فقال: كان ابن نوح إن الله لا يكذب (^٦). قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ قال: وقال بعض العلماء: ما فجرت امرأة نبي قط (^٧). وكذا روي عن مجاهد أيضًا وعكرمة والضحاك وميمون بن مهران وثابت بن الحجاج وهو اختيار أبي جعفر بن جرير وهو الصواب الذي لا شك فيه (^٨).\n_________\n(^١) سنده صحيح، وأخرجه سعيد بن منصور من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس. وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن عكرمة. وقراءة: (عملَ غيرَ صالح). قراءة متواترة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٥٤٩ ح ٢٧٥٦٩) وسنده ضعيف، ويشهد للقراءة الأولى القراءة المتواترة.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ١٣٦ ح ٢٦٥١٨) وقال محققوه: حديث محتمل للتحسين بشاهده.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) قوله: إن الله لا يكذب. ﷾ لعله ردُّ على من قال: إنه ابن زنية.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن عيينة به.\n(^٨) أخرجه الطبري عن الضحاك ومجاهد وعكرمة بأسانيد يقوي بعضها بعضًا. وهو ما جزم به الحافظ ابن كثير.","vol":"4","page":453},{"text":"<span id=\"aya-1521\"></span>﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾.\nيخبر تعالى عما قيل لنوح ﵇ حين أرست السفينة على الجودي من السلام عليه وعلى من معه من المؤمنين وعلى كل مؤمن ذريته إلى يوم القيامة، كما قال محمد بن كعب: دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة (^١).\nوقال محمد بن إسحاق: لما أراد الله أن يكف الطوفان أرسل ريحًا على وجه الأرض فسكن الماء وانسدت ينابيع الأرض الغمر الأكبر وأبواب [السماء] (^٢)، يقول الله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ الآية [هود: ٤٤] فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر، وكان استواء الفلك على الجودي فيما يزعم أهل التوراة في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه في أول يوم من الشهر العاشر رأى رؤوس الجبال، فلما مضى بعد ذلك أربعون يومًا فتح نوح كوة الفلك التي ركب فيها ثم أرسل الغراب لينظر له ما صنع الماء فلم يرجع إليه، فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم تجد لرجليها موضعًا فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها ثم مضى سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتون، فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض، ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع، فعلم نوح أن الأرض قد برزت فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة، ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنتين برز وجه الأرض وظهر البر وكشف نوع غطاء الفلك، وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في ست وعشرين ليلة منه ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ الآية (^٣).\n\n<span id=\"aya-1522\"></span>﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾.\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: هذه القصة وأشباهها ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ يعني: من أخبار الغيوب السالفة نوحيها إليك على وجهها كأنك شاهدها ﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ أي: نعلمك بها وحيًا منا إليك ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أي: لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها حتى يقول من يكذبك أنك تعلمتها منه، بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك، فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك وأذاهم لك، فإنا سننصرك ونحوطك بعنايتنا ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة كما فعلنا بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب، وموسى ضعيف.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وسقط من الأصل.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن إسحاق في تفسير سورة هود آية ٤٤، وهو من الإسرائيليات كما صرح بقوله: \"فيما يزعم أهل التوراة\".","vol":"4","page":454},{"text":"مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات] وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1523\"></span>﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَ﴾ ولقد أرسلنا إلى ﴿عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ آمرًا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له ناهيًا لهم عن الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة،\n\n<span id=\"aya-1524\"></span>وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله إنما يبغي ثوابه من الله الذي فطره ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة،\n\n<span id=\"aya-1525\"></span>ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة وبالتوبة عما يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة يَسَّر الله عليه رزقه وسهل عليه أمره وحفظ شأنه، ولهذا قال: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، وفي الحديث: \"من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب\" (^١).\n\n<span id=\"aya-1526\"></span>﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾.\nيخبر تعالى أنهم قالوا لنبيهم: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ أي: بحجة وبرهان على ما تدعيه ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: بمجرد قولك: اتركوهم، نتركهم ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين\n\n<span id=\"aya-1527\"></span>\n\n<span id=\"aya-1528\"></span>﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ يقولون: ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ﴾ يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أي: أنتم وآلهتكم إن كانت حقًا ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ أي: طرفة عين.\n\n<span id=\"aya-1529\"></span>وقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أي تحت قهره وسلطانه، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه، فإنه على صراط مستقيم. قال الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو، عن أيفع بن عبد الكلاعي أنه قال في قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: فيأخذ بنواصي عباده فيلقِّن المؤمن حتى يكون له\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٤ ح ٢٢٣٤)، وضعفه محققوه، وكذا ضعفه الذهبي في تلخيصه للمستدرك ٤/ ٢٦٢) بسبب جهالة الحكم بن مصعب.","vol":"4","page":455},{"text":"أشفق من الوالد لولده ويقول: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] (^١).\nوقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر ولا توالي ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له الذي بيده الملك وله التصرف، وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه، فلا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه.\n\n<span id=\"aya-1530\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾.\nيقول لهم رسولهم هود: فإن تولوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له، فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يعبدونه وحده لا يشركون به ولا يبالي بكم، فإنكم لا تضرونه بكفركم بل يعود وبال ذلك عليكم ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي: شاهد وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم ويجزيهم عليها إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر\n\n<span id=\"aya-1531\"></span>﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ وهو الريح العقيم فأهلكهم الله عن آخرهم ونجى هودًا وأتباعه من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه\n\n<span id=\"aya-1532\"></span>\n\n<span id=\"aya-1533\"></span>﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ كفروا بها وعصوا رسل الله وذلك أن من كفر بنبيٍّ كفر بجميع الأنبياء لأنه لا فرق بين أحد منهم في وجوب الإيمان به، فعاد كفروا بهود فنزل كفرهم منزلة من كفر بجميع الرسل\n﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ تركوا اتباع رسولهم الرشيد؟ واتبعوا أمر كلِّ جبَّار عنيد، فلهذا أُتبعوا في الدنيا لعنة من الله ومن عباده المؤمنين كلما ذكروا، وينادى عليهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ الآية.\nقال السدي: ما بُعث نبي بعد عاد إلا لعنوا على لسانه (^٢).\n\n<span id=\"aya-1534\"></span>﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾.\nيقول تعالى: ولقد أرسلنا ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ وهم الذي كانوا يسكنون مدائن الحجر (^٣) بين تبوك والمدينة، وكانوا بعد عاد فبعث الله منهم ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له الخالق الرازق ولهذا قال: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: ابتدأ خلقكم منها خلق منها أباكم آدم ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أي: جعلكم عُمَّارًا تعمرونها وتستغلونها ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ لسالف ذنوبكم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ فيما تستقبلونه ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق صفوان بن صالح المؤذن عن الوليد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) تبعد عن المدينة المنورة ٤٥٠ كيلًا شمالًا.","vol":"4","page":456},{"text":"<span id=\"aya-1535\"></span>﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾.\nيذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح ﵇ وبين قومه، وما كان من الجهل والعناد في قولهم: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ أي: كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وما كان عليه أسلافنا ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أي: شك كثير.\n\n<span id=\"aya-1536\"></span>﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أي: خسارة.\n\n<span id=\"aya-1537\"></span>\n\n<span id=\"aya-1538\"></span>\n\n<span id=\"aya-1539\"></span>\n\n<span id=\"aya-1540\"></span>\n\n<span id=\"aya-1541\"></span>﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾.\nوقد تقدم الكلام على هذه القصة مستوفى في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته ههنا، ولله الحمد.\n\n<span id=\"aya-1542\"></span>﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ وهم الملائكة إبراهيم بالبشرى، قيل: تبشره بإسحاق، وقيل: بهلاك قوم لوط، ويشهد للأول قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾ [هود].\n﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ أي: عليكم قال علماء البيان: هذا أحسن مما حيَّوه به، لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام.\n﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: ذهب سريعًا فأتاهم بالضيافة، وهو عجل فتى البقر، حنيذ: مشوي على الرضف وهي: الحجارة المحماة. هذا معنى ما روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وقتادة وغير واحد (^١)، كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ [الذاريات].\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"نضيج\"، وأخرجه =","vol":"4","page":457},{"text":"<span id=\"aya-1543\"></span>\n\n<span id=\"aya-1544\"></span>وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ تنكرهم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه، فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به فارغين عنه بالكلية، فعند ذلك نكرهم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.\nقال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صور رجال شُبَّان حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم أجلهم ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾ [الذاريات] فذبحه ثم شواه في الرضف وأتاهم به فقعد معهم وقامت (سارة) تخدمهم، فذلك حين يقول: (وامرأته قائمة وهو جالس) (^١) في قراءة ابن مسعود فقربه إليهم قال: ألا تأكلون؟ قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن، قال: فإن لهذا ثمنًا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلًا ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يقول: فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت (سارة) أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجبًا لأضيافنا هؤلاء نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم وهم لا يأكلون طعامنا (^٢)!\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا نصر بن علي، حدثنا نوح بن قيس، عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل [ورفائيل] (^٣). قال نوح بن قيس: فزعم [عون بن أبي شداد] (^٤) أنهم لما دخلوا على إبراهيم فقرَّب إليهم العجل مسحه جبريل بجناحه فقام، يدرج حتى لحق بأُمه وأُم العجل في الدار (^٥).\nوقوله تعالى إخبارًا عن الملائكة: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ أي: قالوا: لا تخف منا إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم، فضحكت سارة استبشارًا بهلاكهم لكثرة فسادهم وغلظ كفرهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس.\nوقال قتادة: ضحكت وعجبت أن قومًا يأتيهم العذاب وهم في غفلة (^٦).\nوقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: فضحكت، أي: حاضت (^٧).\n_________\n= الطبري بهذا اللفظ بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"المشوي النضيج\"، وكذا أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^١) هذه قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وروايته عن ابن مسعود منقطعة لأن السدي لم يلق ابن مسعود ﵁، والرواية من الإسرائيليات، والسدي معروف برواية الإسرائيليات.\n(^٣) كذا في (مح) و(حم) وفي الأصل: \"وروايل\".\n(^٤) كذا في تفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصول: \"نوح بن أبي شداد\" وقد ترجم ابن أبي حاتم لعون بن أبي شداد (الجرح والتعديل ٣/ ٣٨٥).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مع الخلاف السابق، وسنده حسن إلى عون.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده، =","vol":"4","page":458},{"text":"وقول محمد بن قيس: إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط (^١).\nوقول الكلبي: إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم (^٢)، ضعيفان جدًا، وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما فلا يلتفت إلى ذلك، والله أعلم.\nوقال وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق (^٣).\nوهذا مخالف لهذا السياق فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل، فإن يعقوب ولد إسحاق، كما قال في آية البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة].\nومن ههنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق لأنه وقعت البشارة به وأنه سيولد له يعقوب فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير؟ ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون إسماعيل وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه، ولله الحمد.\n\n<span id=\"aya-1545\"></span>﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾ حكى قولها في هذه الآية كما حكى فعلها في الآية الأخرى فإنها ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ وفي الذاريات: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾، كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجيب\n\n<span id=\"aya-1546\"></span>﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: قالت الملائكة لها: لا تعجبي من أمر الله، فإنه إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزًا عقيمًا وبعلك شيخًا كبيرًا، فإن الله على ما يشاء قدير ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ أي: هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله محمود ممجد في صفاته وذاته.\nولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: \"قولوا: اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد\" (^٤).\n_________\n= وعبد الصمد ضعيف (لسان الميزان ٤/ ٢١).\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر، وهو نجيح السندي عن محمد بن قيس. وقد ضعف الرواية الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح عن الكلبي، وقد ضعف متنه الحافظ ابن كثير.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الصمد عن وهب، وردّه الحافظ ابن كثير.\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث كعب بن عجرة ﵁ (صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ح ٤٧٩٧)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ (ح ٤٠٦).","vol":"4","page":459},{"text":"<span id=\"aya-1547\"></span>﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾.\nيخبر تعالى عن إبراهيم ﵇ أنه لما ذهب عنه الروع، وهو ما أوجس من الملائكة خيفة حين لم يأكلوا وبشروه بعد ذلك بالولد وأخبروه بهلاك قوم لوط أخذ يقول، كما قال سعيد بن جبير في الآية قال: لما جاءه جبريل ومن معه قالوا له: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] قال لهم: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنًا؟ قالوا: لا، قال: ثلاثون؟ قالوا: لا، حتى بلغ خمسة قالوا: لا، قال: أرأيتكم إن كان فيها رجل مسلم واحد أتهلكونها؟ قالوا: لا، فقال إبراهيم ﵇ عند ذلك: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ الآية [العنكبوت: ٣٢]. فسكت عنهم واطمأنت نفسه (^١).\nوقال قتادة وغيره قريبًا من هذا (^٢).\nزاد ابن إسحاق: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا، قال: فإن كان فيها لوط يدفع به عنهم العذاب، قالوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢].\n\n<span id=\"aya-1548\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾ مدح لإبراهيم بهذه الصفات الجميلة، وقد تقدم تفسيرها في سورة براءة آية ١١٤ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1549\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ أي: إنه قد نفذ فيهم القضاء وحقت عليهم الكلمة بالهلاك وحلول البأس الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين.\n\n<span id=\"aya-1550\"></span>﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾.\nيخبر تعالى عن قدوم رسله من الملائكة بعدما أعلموا إبراهيم بهلاكهم وفارقوه وأخبروه بإهلاك الله قوم لوط هذه الليلة، فانطلقوا من عنده فأتوا لوطًا ﵇ وهو على ما قيل: في أرض له، وقيل: في منزله - ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون على هيئة شُبَّان حِسان الوجوه ابتلاء من الله، وله الحكمة والحجة البالغة، فساءه شأنهم وضاقت نفسه بسببهم وخشي إن لم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف، والرواية من الإسرائيليات.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وفيه: حتى صار ذلك إلى عشرة. وليس فيه خمسة. والرواية أيضًا من الإسرائيليات.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن إسحاق مثل الرواية قبل السابقة، وصرح ابن إسحاق أن الخبر من التوراة!.","vol":"4","page":460},{"text":"يضيفهم أن يضيفهم أحد من قومه فينالهم بسوء ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد: شديد بلاؤه (^١).\nوذلك أنه علم أنه سيدافع عنهم ويشق عليه ذلك.\nوذكر قتادة أنهم أتوه وهو في أرض له فتضيفوه فاستحيا منهم، فانطلق أمامهم وقال لهم في أثناء الطريق كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه: إنه والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء. ثم مشى قليلًا ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات (^٢).\nقال قتادة: وقد كانوا أُمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك (^٣).\nوقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فبلغوا نهر سدوم نصف النهار، ولقوا بنت لوط تستقي من الماء لأهلها، وكانت له ابنتان: الكبرى رثيا، والصغرى زغرتا فقالوا: يا جارية هل من منزل؟ فقالت: مكانكم حتى آتيكم. وفرقت عليهم من قومها فأتت أباها فقالت: يا أبتاه أدرك فتيانًا على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم أحسن منهم لا يأخذهم قومك.\n\n<span id=\"aya-1551\"></span>وكان قومه نهوه أن يضيف رجلًا فقالوا: خلِّ عنا فلنضيف الرجال، فجاء بهم فلم يعلم بهم أحد إلا أهل بيته، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، فجاءوا يهرعون إليه (^٤).\nوقوله: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك روي هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وقتادة وشمر بن عطية وسفيان بن عيينة (^٥).\nوقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: لم يزل هذا من سجيتهم حتى أخذوا وهم على ذلك الحال.\nوقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يرشدهم إلى نسائهم فإن النبي للأُمة بمنزلة الوالد فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة كما قال لهم في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء] وقوله في الآية الأخرى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠)﴾ [الحجر] أي: ألم ننهك عن ضيافة الرجال؟ ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند عن قتادة عن حذيفة، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من حذيفة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد هذا ضعيف.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) قول ابن عباس ومجاهد وقتادة أخرجه الطبري عنهم بأسانيد ثابتة تقدم ذكرها قبل ثلاث روايات، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه جويبر، ويتقوى بما سبق، وقول شمر بن عطية أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حفص بن حميد عن شمر.","vol":"4","page":461},{"text":"قال مجاهد: لم يكنّ بناته ولكن كنّ من أُمته وكل نبي أبو أُمته، وكذا روي عن قتادة وغير واحد (^١).\nوقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوجوا النساء (^٢). ولم يعرض عليهم سفاحًا.\nوقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم هن بناته وهو أب لهم، ويقال في بعض القراءات: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أُمهاتهم وهو أب لهم) [الأحزاب: ٦] (^٣).\nوكذا روي عن الربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم (^٤).\nوقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أي: اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أي: فيه خير يقبل ما آمره به ويترك ما أنهاه عنه\n\n<span id=\"aya-1552\"></span>﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي: إنك لتعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا نشتهيهن ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ أي: ليس لنا غرض إلا في الذكور وأنت تعلم ذلك فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك؟\nقال السدي: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ إنما نريد الرجال (^٥).\n\n<span id=\"aya-1553\"></span>﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن نبيه لوط ﵇: إن لوطًا توعدهم بقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: لكنت نكلت بكم وفعلت بكم الأفاعيل بنفسي وعشيرتي، ولهذا ورد في الحديث من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله ﷿ فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة (^٦) من قومه\" (^٧).\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري من طريق ليث، وهو ابن أبي سليم، عن مجاهد، وليث فيه مقال ولكن تابعه ابن أبي نجيح في رواية آدم بن أبي إياس فقد أخرجه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه في تفسير سورة الأحزاب آية ٦ (التفسير المنسوب إلى مجاهد)، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن مجاهد، ويشهد له سابقه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير.\n(^٤) قول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول محمد بن إسحاق أخرجه الطبري بسند ضعيف ويتقوى بما سبق.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أي الكثرة والمنعة.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد من طريق محمد بن عمرو به (المسند ١٤/ ١٢٢ ح ٨٣٩٢)، وحسّن سنده محققوه، وكذا أخرجه الترمذي وحسنه (السنن، التفسير، ومن سورة يوسف ح ٣١١٥)، وحسّنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٩١)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٦١) وصححه أحمد =","vol":"4","page":462},{"text":"<span id=\"aya-1554\"></span>فعند ذلك أخبرته الملائكة أنهم رسول الله إِليهم وأنهم لا وصول لهم إليه ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ وأمروه أن يسري بأهله من آخر الليل، وأن يتبع أدبارهم، أي يكون ساقة لأهله ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: إِذا سمعت ما نزل بهم ولا تهولنكم تلك الأصوات المزعجة ولكن استمروا ذاهبين ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ قال الأكثرون: هو استثناء من المثبت وهو قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ تقديره ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ وكذلك قرأها ابن مسعود، ونصب هؤلاء ﴿امْرَأَتَكَ﴾ لأنه من مثبت فوجب نصبه عندهم، وقال آخرون من القراء والنحاة: هو استثناء من قوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ فجوزوا الرفع والنصب.\nوذكر هؤلاء وغيرهم من الإسرائيليات أنها خرجت معهم وأنها لما سمعت الوجبة (^١) التفتت وقالت: واقوماه فجاءها حجر من السماء فقتلها ثم قربوا له هلاك قومه تبشيرًا له، لأنه قال لهم: أهلكوهم الساعة فقالوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ هذا وقوم لوط وقوف على الباب عكوف قد جاءوا يهرعون إِليه من كل جانب، ولوط واقف على الباب يدافعهم ويردعهم وينهاهم عما هم فيه وهم لا يقبلون منه بل يتوعدونه ويتهددونه، فعند ذلك خرج عليهم جبريل ﵇ فضرب وجوههم بجناحه فطمس أعينهم فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧)﴾ الآية [القمر].\nوقال معمر، عن قتادة، عن حذيفة بن اليمان قال: كان إِبراهيم ﵇ يأتي قوم لوط فيقول: أنهاكم الله أن تعرضوا لعقوبته فلم يطيعوه حتى إِذا بلغ الكتاب أجله انتهت الملائكة إِلى لوط وهو يعمل في أرض له، فدعاهم إِلى الضيافة فقالوا: إِنا ضيوفك الليلة. وكان الله قد عهد إِلى جبريل ألا يعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات، فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة ذكر ما يعمل قومه من الشر، فمشى معهم ساعة ثم التفت إِليهم فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض شرًا منهم أين أذهب بكم؟ إِلى قومي وهم أشر خلق الله.\nفالتفت جبريل إِلى الملائكة فقال: احفظوها هذه واحدة ثم مشى معهم ساعة فلما توسط القرية وأشفق عليهم واستحيا منهم قال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أشر منهم إن قومي أشر خلق الله، فالتفت جبريل إِلى الملائكة فقال: احفظوها هاتان اثنتان، فلما انتهى إِلى باب الدار بكى حياء منهم وشفقة عليهم فقال: إِن قومي أشر خلق الله؟ أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرًا منهم.\nفقال جبريل للملائكة: احفظوا هذه ثلاث قد حق العذاب. فلما دخلوا ذهبت عجوزُه عجوزُ السوء فصعدت فلوَّحت بثوبها فأتاها الفساق يهرعون سراعًا قالوا: ما عندك؟ قالت: ضيف لوط قومًا ما رأيت قط أحسن وجوهًا منهم ولا أطيب ريحًا منهم، فهرعوا يسارعون إِلى الباب، فعالجهم لوط على الباب فدافعوه طويلًا وهو داخل وهم خارج يناشدهم الله ويقول: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] فقام الملَك فلزَّ بالباب - يقول: فسَده - واستأذن جبريل في عقوبتهم\n_________\n= شاكر في تعليقه على تفسير الطبري إذ أخرجه الطبري من الطريق نفسه.\n(^١) أي الصوت المزلزل من ضربة الملك الذي جاء بالعذاب إلى قوم لوط.","vol":"4","page":463},{"text":"فأذن الله له، فقام في الصورة التي يكون في السماء، فنشر جناحه - ولجبريل جناحان - وعليه وشاح من درٍّ منظوم وهو براق الثنايا أجلى الجبين ورأسه حُبُك حُبُك (^١) مثل المرجان، وهو اللؤلؤ كأنه الثلج ورجلاه إلى الخضرة فقال: يا لوط ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ امض يا لوط عن الباب ودعني وإياهم، فتنحى لوط عن الباب فخرج إِليهم فنشر جناحه فضرب به وجوههم شدخ أعينهم (^٢)، فصاروا عميًا لا يعرفون الطريق، ثم أمر لوط فاحتمل بأهله في ليلته قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ (^٣).\nوروي عن محمد بن كعب وقتادة والسدي نحو هذا (^٤).\n\n<span id=\"aya-1555\"></span>﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾.\nيقول تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ وكان ذلك عند طلوع الشمس ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾ وهي سدوم ﴿سَافِلَهَا﴾ كقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ [النجم] أي: أمطرنا عليها حجارة من سجيل، وهي بالفارسية: حجارة من طين. قاله ابن عباس وغيره (^٥). وقال بعضهم: أي من سنك: وهو الحجر وكل؛ وهو: الطين. وقد قال في الآية الأخرى: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] أي: مستحجرة قوية شديدة، وقال بعضهم: مشوية.\nوقال البخاري: سجيل: الشديد الكبير، سجيل وسجين اللام والنون أختان، وقال تميم بن مقبل:\nورجلة يضربون البيض (^٦) ضاحيةً … ضربًا تواصت به الأبطال سجينًا (^٧)\nوقوله: ﴿مَنْضُودٍ﴾ قال بعضهم: في السماء، أي معدة لذلك وقال آخرون: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أي: يتبع بعضها بعضًا في نزولها عليهم،\n\n<span id=\"aya-1556\"></span>وقوله: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أي: معلمة (^٨) مختومة (^٩) عليها أسماء\n_________\n(^١) أي جعد متكسر الشعر.\n(^٢) يشهد له قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧].\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق قتادة عن حذيفة، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع حذيفة.\n(^٤) قول محمد بن كعب أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن إسحاق عن محمد بن كعب معنعنًا وباختصار، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عنه بنحوه وسعيد ضعيف، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه بنحوه. وكل هذه الروايات من الإسرائيليات ولبعضها شاهد من القرآن كما تقدم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق السدي عن ابن عباس، والسدي لم يسمع من ابن عباس ويتقوى برواية الطبري إذ أخرجه من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس.\n(^٦) البيض جمع بيضة وهي الخوذة وعنى بها الرأس.\n(^٧) ذكره البخاري في صحيحه (التفسير، سورة هود، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] بعد حديث رقم ٤٦٨٤).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"4","page":464},{"text":"أصحابها؛ كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه، وقال قتادة وعكرمة: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ مطوقة بها نَضْحٌ من حمرة (^١).\nوذكروا أنها نزلت على أهل البلد وعلى المتفرقين في القرى مما حولها، فبينا أحدهم يكون عند الناس يتحدث إِذ جاءه حجر من السماء فسقط عليه من بين الناس فدمره، فتتبعهم الحجارة من سائر البلاد حتى أهلكتهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد.\nوقال مجاهد: أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم حملهم بمواشيهم وأمتعتهم ورفعهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم أكفأهم، وكان حملهم على حوافي جناحه الأيمن، قال: ولما قلبها كان أول ما سقط منها شرفاتها (^٢).\nوقال قتادة: بلغنا أن جبريل أخذ بعروة القرية الوسطى، ثم ألوى بها إِلى جو السماء حتى سمع أهل السماء ضواغي كلابهم، ثم دمر بعضهم على بعض ثم أتبع شذاذ القوم صخرًا، قال: وذُكَر لنا أنهم كانوا أربع قرى في كل قرية مائة ألف. وفي رواية: ثلاث قرى الكبرى منها سدوم، قال: وبلغنا أن إِبراهيم ﵇ كان يشرف على سدوم ويقول: سدوم يوم هالك (^٣).\nوفي رواية عن قتادة وغيره قال: وبلغنا أن جبريل ﵇ لما أصبح نشر جناحه فانتسف بها أرضهم بما فيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها وجميع ما فيها، فضمها في جناحه فحواها وطواها في جوف جناحه، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف ثم قلبها، فأرسلها إلى الأرض منكوسة ودمدم بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها ثم أتبعها حجارة من سجيل (^٤).\nوقال محمد بن كعب القرظي: كانت قرى قوم لوط خمس قريات، سدوم وهي العظمى، وصعبة، وصعود، وغمة، ودوما، احتملها جبريل بجناحه ثم صعد بها حتى إِن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها، ثم أتبعها الله بالحجارة، يقول الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات (^٥).\nوقال السدي: لما أصبح قوم لوط نزل جبريل، فاقتلع الأرض من سبع أرضين فحملها حتى بلغ بها السماء حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم فذلك قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾ [النجم] ومن لم يمت حتى سقط للأرض أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذًا في الأرض يتبعهم في القرى، فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر، فيقتله فذلك قوله ﷿: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٨٤] أي: في القرى حجارة من سجيل، هكذا قال السدي (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، والرواية من الإسرائيليات.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، ورواه بلاغًا من الإسرائيليات.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود وهو ضعيف.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف قال محمد بن كعب: حُدثت أن نبي الله ﷺ … فذكره بنحوه، وهو مرسل.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"4","page":465},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أي: وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم ببعيد عنه، وقد ورد في الحديث المروي في السنن من حديث [عمرو بن أبي عمرو] (^١) عن ابن عباس مرفوعًا: \"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به\" (^٢).\nوذهب الإمام الشافعي في قول عنه وجماعة من العلماء إلى أن اللائط يقتل سواء كان محصنًا أو غير محصن عملًا بهذا الحديث.\nوذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يلقى من شاهق، ويُتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط (^٣)، والله ﷾ أعلم [بالصواب] (^٤).\n\n<span id=\"aya-1557\"></span>﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾.\nيقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى مدين وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحجاز والشام قريبًا من معان (^٥). بلادًا تعرف بهم يُقال لها: مدين، فأرسل الله إليهم شعيبًا وكان من أشرفهم نسبًا، ولهذا قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له وينهاهم عن التطفيف في المكيال والميزان ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أي: في معيشتكم ورزقكم، وإني أخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [أي] (^٦) في الدار الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1558\"></span>﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾.\nينهاهم أولًا عن نقص المكيال والميزان إِذا أعطوا الناس، ثم أمرهم بوفاء الكيل والوزن بالقسط آخذين ومعطين، ونهاهم عن العبث في الأرض بالفساد، وقد كانوا يقطعون الطريق.\n\n<span id=\"aya-1559\"></span>وقوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: رزق الله خير لكم (^٧).\nوقال الحسن: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس (^٨).\nوقال الربيع بن أنس: وصية الله خير لكم (^٩).\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: \"عمرو بن عمر\" وهو تصحيف.\n(^٢) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير سورة الأعراف آية ٨٤.\n(^٣) ذكره الحافظ ابن كثير أوسع من هذه الأقوال في تفسير سورة الأعراف آية ٨٤.\n(^٤) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٥) معان تقع في جنوب عمان في الأردن.\n(^٦) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سفيان عمن ذكره عن ابن عباس، وفيه إبهام شيخ سفيان وشيخ شيخه.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حُميد الطويل عن الحسن.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.","vol":"4","page":466},{"text":"وقال مجاهد: طاعة الله (^١).\nوقال قتادة: حظكم من الله خير لكم (^٢).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الهلاك في العذاب والبقية في الرحمة (^٣).\nوقال أبو جعفر بن جرير: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس قال: وقد روي هذا عن ابن عباس (^٤).\nقلت: ويشبه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ الآية [المائدة: ١٠٠] وقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: برقيب ولا حفيظ، أي: افعلوا ذلك لله ﷿ لا تفعلوه ليراكم الناس بل لله ﷿.\n\n<span id=\"aya-1560\"></span>﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾.\nيقولون له على سبيل التهكم - قبحهم الله -: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ قال الأعمش: أي قراءتك (^٥). ﴿تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أي: الأوثان والأصنام ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ فتترك التطفيف على قولك، وهي أموالنا نفعل فيها ما نريد.\nقال الحسن في قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾: أي والله إِن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم (^٦).\nوقال الثوري في قوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾: يعنون الزكاة (^٧).\n﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وابن أسلم وابن جرير: يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء، قبحهم الله ولعنهم عن رحمته، وقد فعل.\n\n<span id=\"aya-1561\"></span>﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.\nيقول لهم: هل رأيتم يا قوم إِن كنت ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على بصيرة فيما أدعو إِليه ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قيل: أراد النبوة. وقيل: أراد الرزق الحلال، ويحتمل الأمرين (^٨). ﴿وَمَا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه وقال: وهذا قول روي عن ابن عباس غير مرتضى عند أهل النقل. اهـ. ولم يذكر السند.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سفيان الثوري عن الأعمش.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن الحسن، وهو البصري.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عيسى بن جعفر عن سفيان الثوري.\n(^٨) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس: يقولون: إنك لست =","vol":"4","page":467},{"text":"أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أي: أنهاكم عن الشيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم (^١). كما قال قتادة في قوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: يقول: لم أكن أنهاكم عن أمر وأركَبه (^٢).\n﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي: فيما آمركم وأنهاكم إنما أريد إِصلاحكم جهدي وطاقتي ﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾ أي: في إصابة الحق فيما أريده ﴿إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي: أرجع. قاله مجاهد وغيره (^٣).\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو قَزَعةَ سويد بن حُجَير الباهلي، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه أن أخاه مالكًا: قال: يا معاوية إِن محمدًا أخذ جيراني فانطلق إِليه، فإنه قد كلمك وعرفك فانطلقت معه، فقال: دع لي جيراني فقد كانوا أسلموا، فأعرض عنه فقام مغضبًا فقال: أما والله لئن فعلت إِن الناس يزعمون أنك لتأمرنا بالأمر وتخالف إِلى غيره، وجعلت أجره وهو يتكلم فقال رسول الله ﷺ: \"ما تقول؟ \" فقال: إنك والله لئن فعلتَ ذلك إن الناس ليزعمون أنك لتأمر بالأمر وتخالف إلى غيره. قال: فقال: \"أو قد قالوها؟ - أي قائلهم - ولئن فعلت ما ذاك إِلا عليَّ وما عليهم من ذلك من شيء أرسلوا له جيرانه\" (^٤).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: أخذ النبي ﷺ ناسًا من قومي في تهمة، فحبسهم فجاء رجل مِن قومي إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب فقال: يا محمد علامَ تحبس جيراني؟ فصمتَ رسول الله ﷺ فقال: إن ناسًا ليقولون: إِنك تنهى عن الشيء وتستخلي به، فقال النبي ﷺ: \"ما تقول؟ \" قال: فجعلت أعرض بينهما كلامًا مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبدًا، فلم يزل رسول الله ﷺ حتى فهمها فقال: \"قد قالوها؟ - أو قائلها منهم - واللهِ لو فعلتُ لكانَ عليَّ وما كان عليهم خلُّوا عن جيرانه\" (^٥).\nومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولون عنه ﷺ: إنه قال: \"إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أن منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره\n_________\n= بحليم ولا برشيد، وقول ميمون بن مهران أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي المليح، وهو الرقي، عنه بلفظ \"هزوًا\"، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود وهو ضعيف، بلفظ: \"يستهزئون\"، وقول ابن أسلم، وهو عبد الرحمن، أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله وهب عن عبد الرحمن.\n(^١) بعد هذا النص ورد في النسخة الأزهرية حسب طبعة الشعب: وقال الثوري: ولم أجده في الأصول التي اعتمدت عليها، بل لم أجد من أخرجه وأراه مقحمًا فلم أذكره.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٣/ ٢١٨ ح ٢٠٠١٤) وحسّن سنده محققوه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣/ ٢٢٣ ح ٢٠٠١٩) وحسّن سنده محققوه.","vol":"4","page":468},{"text":"قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه\" (^١) إِسناده صحيح.\nوقد أخرج مسلم بهذا السند حديث: \"إِذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إِني أسألك من فضلك\" (^٢).\nومعناه - والله أعلم - مهما بلغكم عني من خير فأنا أولاكم به. ومهما يكن من مكروه فأنا أبعدكم منه (^٣).\n﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ وقال قتادة عن عزرة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزار، عن مسروق قال: جاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت: تنهى عن الواصلة (^٤)؟ قال: نعم، قالت: فعله بعض نسائك، فقال: ما حفظت وصية العبد الصالح إِذًا ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (^٥).\nوقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن أبي سليمان العتبي قال: كانت تجيئنا كتب عمر بن عبد العزيز فيها الأمر والنهي، فيكتب في آخرها وما كنت من ذلك إِلا كما قال العبد الصالح: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (^٦).\n\n<span id=\"aya-1562\"></span>﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾.\nيقول لهم: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ أي: لا تحملنكم عداوتي وبغضي على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد، فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط من النقمة والعذاب.\nوقال قتادة: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ يقول: لا يحملنكم فراقي (^٧).\nوقال السدي: عداوتي، على أن تتمادوا في الضلال والكفر فيصيبكم من العذاب ما أصابهم (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، حدثنا ابن أبي غنية، حدثني عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي قال: كنت مع مولاي أمسك دابته وقد أحاط الناس بعثمان بن عفان إِذ أشرف علينا من داره فقال:\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ٤٥٦ ح ١٦٠٥٨) وصحح سنده محققوه، وكذلك الحافظ ابن كثير.\n(^٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين وقصرها، باب ما يقول إذا دخل المسجد (ح ٧١٣).\n(^٣) هذا شرح للحديث قبل السابق.\n(^٤) الواصلة: هي المرأة التي تصل شعرها بشعر آخر، تريد طول الشعر، وتوهم أن ذلك من أصل شعرها.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. وأخرجه الإمام أحمد مطولًا وصححه الأستاذ أحمد شاكر (المسند ح ٣٩٤٥).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا عن عثمان بن أبي شيبة به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.","vol":"4","page":469},{"text":"﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ يا قوم لا تقتلوني إِنكم إِن قتلتموني كنتم هكذا وشبك بين أصابعه (^١).\nوقوله: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ قيل: المراد في الزمان.\nقال قتادة: يعني إنما هلكوا بين أيديكم بالأمس (^٢)، وقيل: في المكان، ويحتمل الأمران\n\n<span id=\"aya-1563\"></span>﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من سالف الذنوب ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة. وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ لمن تاب.\n\n<span id=\"aya-1564\"></span>﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾.\nيقولون: ﴿يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ ما نفهم ﴿كَثِيرًا﴾ من قولك ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ قال سعيد بن جبير والثوري: وكان ضرير البصر (^٣).\nوقال الثوري: كان يقال له: خطيب الأنبياء (^٤).\n[قال السدي: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ قال: أنت واحد (^٥).\nوقال أبو روق: يعنون ذليلًا لأن عشيرتك ليسوا على دينك] (^٦) (^٧) ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ أي: قومك لولا معزتهم علينا لرجمناك قيل: بالحجارة وقيل: لسببناك ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ أي: ليس عندنا لك معزة\n\n<span id=\"aya-1565\"></span>﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ يقول: أتتركوني لأجل قومي ولا تتركوني إِعظامًا لجناب الربِّ ﵎ أن تنالوا نبيه بمساءة وقد اتخذتم كتاب الله ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي: نبذتموه خلفكم لا تطيعونه ولا تعظمونه ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي هو يعلم جميع أعمالكم وسيجزيكم بها.\n\n<span id=\"aya-1566\"></span>﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾.\nلما يئس نبي الله شعيب من استجابتهم له قال: يا قوم ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: طريقتكم وهذا تهديد شديد ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على طريقتي ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد هذا ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شريك عن سالم بن عجلان الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأخرجه الحاكم من طريق شريك به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٦٨)، وأخرجه ابن أبي حاتم والطبري من طريق شريك به إلى سعيد بن جبير ويتقوى بسابقه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الفضل بن دُكين عن الثوري.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن السدي.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق، وبشر بن عمارة ضعيف.\n(^٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).","vol":"4","page":470},{"text":"كَاذِبٌ﴾ أي: مني ومنكم ﴿وَارْتَقِبُوا﴾ أي: انتظروا ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾\n\n<span id=\"aya-1567\"></span>قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ وقوله: ﴿دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أي هامدين لا حراك بهم.\nوذكر ههنا أنهم أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة وفي الشعراء عذاب يوم الظلة وهم أمة واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها، وإِنما ذكر في كل سياق ما يناسبه ففي الأعراف لما قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] ناسب أن يذكر الرجفة، فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها وأرادوا إِخراج نبيهم منها، وههنا لما أساءوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ذكر الصيحة التي أسكتتهم وأخمدتهم، وفي الشعراء لما قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ [الشعراء] قال: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] وهذا من الأسرار الدقيقة، ولله الحمد والمنة كثيرًا دائمًا.\n\n<span id=\"aya-1568\"></span>وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: يعيشوا في دارهم قبل ذلك ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ وكانوا جيرانهم قريبًا منهم في الدار وشبيهًا بهم في الكفر وقطع الطريق وكانوا عربًا شبههم.\n\n<span id=\"aya-1569\"></span>\n\n<span id=\"aya-1570\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن إِرسال موسى بآياته ودلالاته الباهرة إِلى فرعون وهو مالك ديار مصر على أمة القبط وملئه ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: منهجه ومسلكه وطريقته في الغي ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي: ليس فيه رشد ولا هدى. وإِنما هو جهل وضلال وكفر وعناد، وكما أنهم اتبعوه في الدنيا وكان مقدمهم ورئيسهم كذلك هو يقدمهم يوم القيامة إلى نار جهنم، فأوردهم إِياها وشربوا من حياض رداها، وله في ذلك الحظ الأوفر، من العذاب الأكبر، كما قال تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ [المزمل] وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ [النازعات].\n\n<span id=\"aya-1571\"></span>وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفورين في العذاب يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] وقال تعالى إِخبارًا عن الكفرة أنهم يقولون في النار: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ [الأحزاب].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو الجهم، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢/ ٢٧ ح ٧١٢٧) قال محققوه: إسناده ضعيف جدًا. اهـ. وذلك لضعف أبي الجهم.","vol":"4","page":471},{"text":"<span id=\"aya-1572\"></span>وقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية، أي: أتبعناهم زيادة على عذاب النار لعنة في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ قال مجاهد: زيدوا لعنة يوم القيامة فتلك لعنتان (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ قال: لعنة الدنيا والآخرة (^٢) وكذا قال الضحاك وقتادة (^٣)، وهو كقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾ [القصص] وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر].\n\n<span id=\"aya-1573\"></span>﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾.\nلما ذكر تعالى خبر الأنبياء وما جرى لهم من أممهم، وكيف أهلك الكافرين ونجى المؤمنين؟ قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ أي أخبارهم ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ﴾ أي: عامر ﴿وَحَصِيدٌ﴾ أي: هالك\n\n<span id=\"aya-1574\"></span>﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ أي: إِذ أهلكناهم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بهم ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ أوثانهم التي يعبدونها ويدعونها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما نفعوهم ولا أنقذوهم لما جاء أمر الله بإِهلاكهم ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.\nقال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي غير تخسير (^٤).\nوذلك أن سبب هلاكهم ودمارهم إنما كان باتباعهم تلك الآلهة وعبادتهم إياها، فبهذا أصابهم ما أصابهم، خسروا بهم في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-1575\"></span>﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾.\nيقول تعالى: وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا كذلك نفعل بأشباههم ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، وفي الصحيحين عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِن الله ليملي للظالم حتى إِذا أخذه لم يفلته\" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وجويبر هو ابن سعيد الأزدي متروك، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٥) تقدم تخريجه في سورة هود آية رقم ٢٠.","vol":"4","page":472},{"text":"<span id=\"aya-1576\"></span>﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾.\nيقول تعالى: إن في إِهلاكنا الكافرين ونصرة الأنبياء وإِنجائنا المؤمنين ﴿لَآيَةً﴾ أي: عظة واعتبارًا على صدق موعودنا في الآخرة ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر] وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾ [إبراهيم] وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ أي: أولهم وآخرهم كما قال: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].\n﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أي: عظيم تحضره الملائكة ويجتمع فيه الرسل وتحشر الخلائق بأسرهم من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيه العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها.\n\n<span id=\"aya-1577\"></span>وقوله: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ أي: ما نؤخر إقامة القيامة إلا لأنه قد سبقت كلمة الله في وجود أناس معدودين من ذرية آدم وضرب مدة معينة إذا انقطعت وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم قامت الساعة ولهذا قال: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ أي: لمدة مؤقتة لا يزاد عليها ولا ينتقص منها\n\n<span id=\"aya-1578\"></span>﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي: يوم يأتي هذا اليوم وهو يوم القيامة لا يتكلم أحد يومئذٍ إلا بإذن الله كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ] وقال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨].\nوفي الصحيحين من حديث الشفاعة: \"ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذٍ: اللهم سلّم سلّم\" (^١).\nوقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ أي: فمن أهل الجمع شقي ومنهم سعيد كما قال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].\nوقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن حيّان، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا سليمان بن سفيان، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر قال: لما نزلت ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، علامَ نعمل؟ على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: \"على شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام، ولكن كل ميسر لما خلق له\" (^٢).\nثم بيّن تعالى حال الأشقياء وحال السعداء فقال:\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الأذان، باب فضل السجود (ح ٨٠٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ١٨٣).\n(^٢) أخرجه الترمذي من طريق سليمان بن سفيان به وحسنه (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة هود ح ٣١١١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٨٦) وفي سنده سليمان بن سفيان ضعيف كما في التقريب ولكنه روي من طرق أخرى ذكرها الألباني في تخريج السنة لابن أبي عاصم (ح ١٦١ - ١٦٥)، ولهذا صححه وأخرجه الإمام أحمد من طريق عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر عن عمر بنحوه (المسند ١/ ٣٢٦ ح ١٩٦)، قال محققوه: حسن لغيره.","vol":"4","page":473},{"text":"<span id=\"aya-1579\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ قال ابن عباس: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر (^١). أي تنفسهم زفير وأخذهم النفس شهيق، لما هم فيه من العذاب، عياذًا بالله من ذلك.\n\n<span id=\"aya-1580\"></span>﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السماوات والأرض، وكذلك يقولون: هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار، \"وما سمر أبناء سَمير\" (^٢)، \"وما لألأت العُفرُ بأذنابها\" (^٣) يعنون بذلك كلمة \"أبدًا\" فخاطبهم جلَّ ثناؤه بما يتعارفونه بينهم فقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (^٤).\n(قلت): ويحتمل أن المراد بما دامت السماوات والأرض الجنس، لأنه لا بدّ في عالم الآخرة من سماوات وأرض كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ولهذا قال الحسن البصري في قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: يقول: سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه فما دامت تلك السماء وتلك الأرض (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: لكل جنة سماء وأرض (^٦).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما دامت الأرضُ أرضًا والسماءُ سماءً (^٧).\nوقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ كقوله تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨].\nوقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه زاد المسير (^٨)، وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرًا منها الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀ في كتابه واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان والضحاك وقتادة وابن سنان (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس، ويشهد له ما رواه الطبري بسند جيد عن أبي العالية بلفظه.\n(^٢) هذا مثل من أمثال العرب المشهورة، ومعناه: هم الناس يسحرون طوال الليل (ينظر: المستقصى في أمثال العرب ٢/ ٢٤٩).\n(^٣) هذا أيضًا مثل من الأمثال المشهورة، ومعناه: استمرار تحريك الظباء أذنابها (ينظر: مجمع الأمثال للميداني ٣/ ١٧٤).\n(^٤) ذكره الطبري بلفظه وزيادة: والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا عن مبارك بن فضالة عن الحسن.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا عن سفيان بن حسين به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٨) زاد المسير ٤/ ١٦٠.\n(^٩) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق معاوية بن صالح، عن عامر بن جشيب عن خالد بن معدان، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول أبي سنان أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، ضعيف، ويشهد له ما سبق.","vol":"4","page":474},{"text":"ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضًا: أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حتى يشفعون في أصحاب الكبائر ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين فتخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط، وقال يومًا من الدهر: لا إله إلا الله كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله ﷺ بمضمون ذلك من حديث أنس (^١)، وجابر (^٢)، وأبي سعيد (^٣)، وأبي هريرة (^٤)، وغيرهم من الصحابة ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها، وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديمًا وحديثًا في تفسير هذه الآية الكريمة.\nوقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر وأبي سعيد من الصحابة، وعن أبي مجلز والشعبي وغيرهما من التابعين، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة في أقوال غريبة وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير عن أبي أُمامة صدي بن عجلان الباهلي (^٥)، ولكن سنده ضعيف، والله أعلم.\nوقال قتادة: الله أعلم بثنياه (^٦).\nوقال السدي: هي منسوخة بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] (^٧).\n\n<span id=\"aya-1581\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ وهم أتباع الرسل ﴿فَفِي الْجَنَّةِ﴾ أي فمأواهم الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي ماكثين مقيمين فيها أبدًا ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ معنى الاستثناء ههنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرًا واجبًا بذاته بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائمًا، ولهذا يُلهمون التسبيح والتحميد كما يُلهمون النفس.\nوقال الضحاك والحسن البصري: هي في حق عصاة الموحدين الذين كانوا في النار ثم أخرجوا منها (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه رجال مسكوت عنهم، ويشهد لهما ما تقدم في روايات الطبري.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] (ح ٤٤٧٦).\n(^٣) تقدم قبل صفحتين وهو في الصحيحين.\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، الفضائل، باب تفضيل نبينا محمد ﷺ (ح ٢٢٧٨).\n(^٥) المعجم الكبير (ح ٧٩٦٩)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٦٠٦).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، ومعناه: الله أعلم بمن يستثنى من العذاب المخلد.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.\n(^٨) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه بنحوه، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق سفيان بن الحسين عن الحسن البصري بنحوه.","vol":"4","page":475},{"text":"وعقب ذلك بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي: غير مقطوع، قاله مجاهد وابن عباس وأبو العالية وغير واحد (^١). لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثم انقطاعًا أو لبسًا أو شيئًا، بل حتم له بالدوام وعدم الانقطاع، كما بيّن هناك أن عذاب أهل النار في النار دائمًا مردود إلى مشيئته وأنه بعدله وحكمته عذبهم، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] كما قال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء].\nوهنا طيّب القلوب وثبت المقصود بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.\nوقد جاء في الصحيحين: \"يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت\" (^٢).\nوفي الصحيح أيضًا: \"فيقال: يا أهل الجنة إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-1582\"></span>﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ المشركون إنه باطل وجهل وضلال، فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل، أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات وسيجزيهم الله على ذلك أتمّ الجزاء، فيعذب كافرهم عذابًا لا يعذبه أحدًا وإن كان لهم حسنات، فقد وفّاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة.\nقال سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ قال: ما وعدوا من خير أو شر (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لموفوهم من العذاب نصيبهم غير منقوص (^٥).\n\n<span id=\"aya-1583\"></span>ثم ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب فاختلف الناس فيه فمن مؤمن به ومن كافر به، فلك بمن سلف من الأنبياء قبلك يا محمد أسوة، فلا يغيظنَّك تكذيبهم لك ولا يهمنَّك ذلك.\n﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن جرير: لولا ما تقدم من تأجيله العذاب إلى\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ. . .﴾ [مريم: ٣٩] (ح ٤٧٣٠)، وصحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون … (ح ٢٨٤٩).\n(^٣) أخرجه مسلم، الصحيح، الجنة، باب في دوام نعيم أهل الجنة (ح ٢٨٣٧).\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي، ومعناه صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.","vol":"4","page":476},{"text":"أجل معلوم لقضى الله بينهم (^١).\nويحتمل أن يكون المراد بالكلمة أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه كما قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فإنه قد قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [طه] ثم أخبر أن الكافرين في شك مما جاءهم به الرسول قوي فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾،\n\n<span id=\"aya-1584\"></span>ثم أخبر تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من الأمم، ويجزيهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر فقال: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾ أي: عليم بأعمالهم جميعها جليلها وحقيرها صغيرها وكبيرها.\nوفي هذه الآية قراءات كثيرة يرجع معناه إلى هذا الذي ذكرناه كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ [يس].\n\n<span id=\"aya-1585\"></span>﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾.\nيأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد، ونهى عن الطغيان وهو البغي فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك، واعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد لا يغفل عن شيء ولا يخفى عليه شيء.\n\n<span id=\"aya-1586\"></span>وقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تداهنوا (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: هو الركون إلى الشرك (^٣).\nوقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم (^٤).\nوقال ابن جريج، عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا (^٥).\nوهذا القول حسن، أي لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بأعمالهم ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي: ليس لكم من دونه من ولي ينقذكم ولا ناصر يخلّصكم من عذابه.\n\n<span id=\"aya-1587\"></span>\n\n<span id=\"aya-1588\"></span>﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ قال: يعني الصبح\n_________\n(^١) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن جريج به، وابن جريج لم يلق ابن عباس ﵄، ومعناه صحيح واستحسنه الحافظ ابن كثير.","vol":"4","page":477},{"text":"والمغرب (^١). وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٢).\nوقال الحسن - في رواية - وقتادة والضحاك وغيرهم: هي الصبح والعصر (^٣).\nوقال مجاهد: هي الصبح في أول النهار، والظهر والعصر من آخره. وكذا قال محمد بن كعب القرظي والضحاك في رواية عنه (^٤) ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: يعني صلاة العشاء (^٥).\nقال الحسن في رواية ابن المبارك عن مبارك بن فضالة عنه ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ يعني المغرب والعشاء [قال رسول الله ﷺ: \"هما زلفتا الليل المغرب والعشاء\"] (^٦) (^٧). وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والضحاك: إنها صلاة المغرب والعشاء (^٨).\nوقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها، وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة، ثم نسخ في حق الأمة وثبت وجوبه عليه ثم نسخ عنه أيضًا في قول، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ يقول: إن فعل الخيرات يكفّر الذنوب السالفة كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدثني عنه أحد استحلفته فإذا حلف لي صدّقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"ما من مسلم يذنب ذنبًا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غُفر له\" (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) قول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عوف الأعرابي عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله وهب عنه.\n(^٣) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٤) لم أجده بهذا اللفظ عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أفلح بن سعيد عن محمد بن كعب القرظي بلفظ: \"فطرفا النهار، الفجر والظهر والعصر\"، وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عوف الأعرابي عنه.\n(^٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك به، وسنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٨) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول محمد بن كعب أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أفلح بن سعيد عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، ويتقوى بما سبق.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد من طريق أسماء بن الحكم الفزاري عن علي ﵁ (المسند ٢/ ١ ح ١٧٩)، وصحح مسنده محققوه وكذا أحمد شاكر، وجود إسناده الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة أسماء بن الحكم، وأخرجه أبو داود في سننه، الصلاة، باب في الاستغفار (ح ١٥٢١)، والترمذي وحسنه في السنن، الصلاة باب ما جاء في الصلاة عند التوبة (ح ٤٠٦) وابن ماجه، السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء في أن الصلاة كفارة (ح ١٣٩٥)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/ ٢٣٤.","vol":"4","page":478},{"text":"وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان: أنه توضأ لهم كوضوء رسول الله ﷺ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وقال: \"من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه\" (^١).\nوروى الإمام أحمد وأبو جعفر ابن جرير من حديث أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع الحارث مولى عثمان يقول: جلس عثمان يومًا وجلسنا معه، فجاءه المؤذن فدعا عثمان بماء في إِناء أظنه سيكون فيه قدر مُد فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: \"من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما بينه وبين صلاة الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينه وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يُذهبن السيئات\" (^٢).\nوفي الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهرًا غمرًا يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيئًا؟ \" قالوا: لا يا رسول الله، قال: \"كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الذنوب والخطايا\" (^٣).\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو الطاهر وهارون بن سعيد قالا: حدثنا ابن وهب، عن أبي صخر، أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"الصلوات الخمس والجمعة إِلى الجمعة ورمضان إِلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إِسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، أن أبا رُهم السمعي كان يحدث، أن أبا أيوب الأنصاري حدثه، أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"إِن كل صلاة تحطُّ ما بين يديها مِن خطيئة\" (^٥).\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبي، عن ضَمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"جعلت الصلوات كفارات لما بينهن\" فإِن الله قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا (ح ١٥٩)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله (ح ٢٢٦).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٥٣٧ ح ٥١٣) وحسن سنده محققوه، وصححه أحمد شاكر، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير الحارث وهو ثقة (مجمع الزوائد ١/ ٢٩٧).\n(^٣) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة (ح ٥٢٨)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا (ح ٦٦٧).\n(^٤) صحيح مسلم، الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن … (ح ٢٢٣).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٤٨٩ - ٤٩٠ ح ٢٣٥٠٣)، وحسّن سنده محققوه، وحسَّنه الهيثمي (مجمع الزوائد ١/ ٢٩٨).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه محمود شاكر والهيثمي بسبب الانقطاع بين محمد بن إسماعيل وأبيه =","vol":"4","page":479},{"text":"وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود أن رجلًا أصاب من امرأة قُبلة فأتى النبي ﷺ فأخبره فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذا؟ قال: \"لجميع أمتي كلهم\" هكذا رواه في كتاب الصلاة (^١)، وأخرجه في التفسير عن مسدد عن يزيد بن زريع بنحوه (^٢)، ورواه مسلم وأحمد وأهل السنن إِلا أبا داود من طرق عن أبي عثمان النهدي، واسمه عبد الرحمن بن مل به (^٣).\nورواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وهذا لفظه من طرق عن سماك بن حرب أنه سمع إبراهيم بن يزيد يحدث عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إِني وجدت امرأة في بستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت. فلم يقل رسول الله ﷺ شيئًا، فذهب الرجل. فقال عمر: لقد ستر الله عليه، لو ستر على نفسه، فأتبعه رسول الله ﷺ بصره ثم قال: \"ردّوه علي\"، فردّوه عليه فقرأ عليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ فقال معاذ، وفي رواية عمر: يا رسول الله أله وحده أم للناس كافة؟ قال: \"بل للناس كافة\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مُرّة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإِن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إِلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه\" قال: قلنا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: \"غشه وظلمه، ولا يكسب عبد مالًا حرامًا فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إِلا كان زاده إِلى النار، إِن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن، إِن الخبيث لا يمحو الخبيث\" (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إِبراهيم قال: كان فلان ابن معتب رجلًا من الأنصار فقال: يا رسول الله دخلت عليَّ امرأة، فنلتُ منها ما ينال الرجل من أهله إِلا أني لم أواقعها. فلم يدرِ رسول الله ﷺ ما يجيبه حتى نزلت هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾، فدعاه\n_________\n= فإنه لم يسمع شيئًا من أبيه (مجمع الزوائد ١/ ٢٩٩)، ويشهد لشطره الأول ما تقدم.\n(^١) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب الصلاة كفارة (ح ٥٢٦).\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ. . .﴾ [هود: ١١٤] (ح ٤٦٨٧).\n(^٣) صحيح مسلم، التوبة، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] (ح ٢٧٦٣/ ٣٩).\n(^٤) أخرجه مسلم من طريق سماك به بلفظ: \"وأني أصبت منها ما دون أن أمسها. . .\" (المصدر السابق ٢٧٦٣/ ٤٢) وكذا لفظ الطبري، أما اللفظ المذكور فهو رواية الإمام أحمد من طريق سماك به (المسند ح ٤٢٥٠).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٨٩ ح ٣٦٧٢)، وضعفه محققوه لضعف الصباح بن محمد، وكذا الأستاذ أحمد شاكر.","vol":"4","page":480},{"text":"رسول الله، فقرأها عليه (^١).\nوعن ابن عباس أنه عمرو بن غزية الأنصاري التمار (^٢).\nوقال مقاتل: هو [أبو نفيل عامر] (^٣) بن قيس الأنصاري (^٤).\nوذكر الخطيب البغدادي أنه أبو اليسر كعب بن عمرو (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يونس وعفان قالا: حدثنا حماد - يعني: ابن سلمة -، عن علي بن زيد، قال عفان: أنبأنا علي بن يزيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أن رجلًا أتى عمر فقال: إن امرأة جاءت تبايعه فأدخلتها الدولج (^٦) فأصبت منها ما دون الجماع، فقال ويحك لعلها مغيبة (^٧) في سبيل الله؟ قال: أجل؛ قال: فأتِ أبا بكر فسله. قال: فآتاه فسأله فقال: لعلها مغيبة في سبيل الله؟ فقال مثل قول عمر ثم أتى النبي ﷺ فقال له مثل ذلك قال: \"فلعلها مغيبة في سبيل الله\" ونزل القرآن ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. . .﴾ إِلى آخر الآية، فقال: يا رسول الله لي خاصة أم للناس عامة؟ فضرب - يعني: عمر - صدره بيده وقال: لا ولا نعمة عين بل للناس عامة، فقال رسول الله ﷺ: \"صدق عمر\" (^٨).\nوروى الإمام أبو جعفر بن جرير من حديث قيس بن الربيع، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري (^٩) قال: أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمرًا. فقلت: إِن في البيت تمرًا أجود من هذا، فدخلت فأهويت إِليها، فقبلتها فأتيت عمر فسألته فقال: اتق الله واستر على نفسك ولا تخبرن أحدًا. فلم أصبر حتى أتيت أبا بكر فسألته فقال: اتق الله واستر على نفسك ولا تخبرن أحدًا. قال: فلم أصبر حتى أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: \"أخلفت رجلًا غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا\" حتى ظننت أني من أهل النار حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذٍ، فأطرق رسول الله ﷺ ساعة، فنزل جبريل فقال أبو اليسر: فجئت فقرأ عليَّ رسول الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ فقال إِنسان: يا رسول الله له خاصة أم للناس عامة؟ قال: \"للناس عامة\" (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٢) أخرجه الكلبي في تفسيره عن أبي صالح عن ابن عباس (ينظر الإصابة ٣/ ١٠)، وسنده ضعيف جدًا لأن الكلبي صرح أن كل ما سمعه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب (كما في ترجمته في تهذيب \"التهذيب)، وقال الحافظ ابن حجر انفرد الكلبي بتسميته غزية بن عمر (الإصابة ٣/ ١٠).\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحفت إلى: \"ابن نفيل\".\n(^٤) سنده معضل لأن الراوي مقاتل وهو إما ابن سليمان أو ابن حيان وكلاهما تابع تابعي وكلاهما توفي سنة ١٥٠ هـ. وقد تبين أنه مقاتل بن سليمان أخرجه في تفسيره كما صرح الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٣٥٧).\n(^٥) هذا الذي رجحه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٣٥٧)، وأرى أن الصفح عن ذكر الصحابي أستر وأحسن وخصوصًا أن الرواية بالتصريح لم تثبت كما سيأتي بعد الحديث التالي.\n(^٦) الدولج: الغرفة الصغيرة داخل البيت الكبير.\n(^٧) أي التي غاب عنها زوجها غازيًا في سبيل الله تعالى.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٨٤ ح ٢٢٠٦)، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان، ولين يوسف بن مهران، وضعفه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٨٤٣).\n(^٩) هو صحابي جليل بدري مات بالمدينة سنة خمس وخمسين (أسد الغابة ٤/ ٢٥٤).\n(^١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده قيس بن الربيع وهو الأسدي وهو صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه =","vol":"4","page":481},{"text":"وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل أنه كان قاعدًا عند النبي ﷺ فجاء رجل فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له فلم يدع شيئًا الرجل يصيبه من امرأته إِلا قد أصاب منها غير أنه لم يجامعها؟ فقال له النبي ﷺ: \"توضأ وضوءًا حسنًا ثم قم فصلّ\" فأنزل الله ﷿ هذه الآية، يعني قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ فقال معاذ: أهي له خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: \"بل للمسلمين عامة\" (^١). ورواه ابن جرير من طرق عن عبد الملك بن عمير به (^٢).\nوقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ذكر امرأة وهو جالس مع رسول الله ﷺ، فاستأذنه لحاجة فأذن له فذهب يطلبها فلم يجدها، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي ﷺ بالمطر، فوجد المرأة جالسة على غدير فدفع في صدرها وجلس بين رجليها، فصار ذكره مثل الهدبة، فقام نادمًا حتى أتى النبي ﷺ فأخبره بما صنع فقال له: \"استغفر ربك وصلِّ أربع ركعات\" قال: وتلا عليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن أحمد بن سيبويه، حدثنا إسحاق بن إِبراهيم، حدثني عمرو بن الحارث، حدثني عبد الله بن سالم، عن [الزبيدي، عن سليم] (^٤) بن عامر أنه سمع أبا أمامة يقول: إِن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أقم فيَّ حدَّ الله - مرة أو اثنتين - فأعرض عنه رسول الله ﷺ، ثم أقيمت الصلاة، فلما فرغ النبي ﷺ من الصلاة قال: \"أين هذا الرجل القائل: أقم فيَّ حدَّ الله؟ \" قال: أنا ذا. قال: أتممت الوضوء وصليت معنا آنفًا؟ قال: نعم. قال: \"فإنك من خطيئتك كيوم ولدتك أمك فلا تعد\" وأنزل الله على رسول الله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا علي بن زيد، عن أبي عثمان\n_________\n= ما ليس من حديثه فحدث به (التقريب ص ٤٥٧) وقد تابعه شريك، وهو ابن عبد الله النخعي القاضي، وهو يخطئ أيضًا وأخشى ذكر أبي اليسر من أخطائه، فقد أخرجه النسائي من طريق شريك عن عثمان بن موهب به (السنن الكبرى، التفسير ح ١١٢٨٦).\nوأخرجه الترمذي من طريق قيس بن الربيع به وقال: وهذا حديث حسن صحيح. وقيس بن الربيع ضعفه وكيع وغيره. (السنن، التفسير، باب ومن سورة هود ٣١١٥)، وحسنه الألباني (في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٨٩).\n(^١) أخرجه الدارقطني (السنن، الطهارة، باب صفة ما ينقض الوضوء ١/ ١٣٤)، وسنده ضعيف لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ.\n(^٢) أخرجه الطبري من عدة طرق وكلها فيها العلة السابقة بالانقطاع.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل، ومحمد بن مسلم هو الطائفي وهو صدوق يخطئ من حفظه (التقريب ص ٥٠٦)، وقوله: فصار ذكره مثل الهدبة، مخالف للروايات السابقة ومعرفة ذلك فيها غرابة.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحفت إلى: \"الترمذي عن سليمان\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحسنه الأستاذ محمود شاكر، وأخرجه مسلم من طريق شداد بن عبد الله عن أبي أُمامة ﵁ بنحوه (الصحيح، التوبة، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ح ٢٧٦٥).","vol":"4","page":482},{"text":"قال: كنت مع سلمان الفارسي تحت شجرة فأخذ منها غصنًا يابسًا فهزه حتى تحات ورقه، ثم قال: أبا عثمان ألا تسألني لم أفعل هذا؟ قلت: ولم تفعله؟ قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ فقال: \"إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق\". وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال له: \"يا معاذ، أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن ميمون بن أبي شبيب، عن أبي ذرٍّ أن رسول الله ﷺ قال: \"اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن\" (^٣). وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شمر بن عطية، عن أشياخه، عن أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: \"إذا عملت سيئة فأتبعها بحسنة تمحها\" قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: \"هي أفضل الحسنات\" (^٤).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا هذيل بن إبراهيم الجماني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الزهري من ولد سعد بن أبي وقاص، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما قال عبد: لا إله إلا الله في ساعة من ليل أو نهار إلا طمست ما في الصحيفة من السيئات حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات\" (^٥).\nعثمان بن عبد الرحمن يقال له: الوقاصي، فيه ضعف.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا بشر بن آدم وزيد بن أخرم قالا: حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا مستور بن عباد، عن ثابت، عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله ما تركت من حاجة ولا داجَّة (^٦). فقال رسول الله ﷺ: \"تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ \" قال: بلى. قال: \"فإن هذا يأتي على ذلك\" (^٧) تفرد به من هذا الوجه مستور.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/ ١١١ ح ٢٣٧٠٧) وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان، وقد حسنه لغيره محققوه بالشواهد، وكذا حسنه الألباني في صحيح الترغيب (ح ٣٥٩).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٣١٣ ح ٢١٩٨٨) وحسنه محققوه بالمتابعات والشواهد.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ٢٨٤ ح ٢١٣٥٤)، وقال محققوه: حسن لغيره.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ٣٨٦ ح ٢١٤٨٧) وقال محققوه: حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لجهاله أشياخ شمر بن عطية. وحسنه الألباني فقال: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات غير أشياخ شمر فلم يُسموا لكنهم جمع ينجبر الضعف بعددهم (السلسلة الصحيحة ح ١٣٧٣).\n(^٥) أخرجه أبو يعلى في (المسند ٦/ ٢٠٤ ح ٣٦١١) وسنده ضعيف جدًا قال الهيثمي فيه: عثمان بن عبد الرحمن الزهري: وهو متروك (مجمع الزوائد ١٠/ ٨٢)، وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى ضعفه.\n(^٦) الداجَّة: الحاجة الكبيرة (النهاية ٢/ ١٠١).\n(^٧) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٣٠٦٧)، قال الهيثمي: ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ٨٣) ولكن في متنه غرابة وتفرد مستور.","vol":"4","page":483},{"text":"<span id=\"aya-1589\"></span>﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾.\nيقول تعالى: فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض.\nوقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيرًا، وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته، ولهذا أمر الله تعالى هذه الأُمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران].\nوفي الحديث: \"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب\" (^١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾. وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أي: استمروا على ما هم عليه من المعاصي والمنكرات، ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك حتى فجأهم العذاب ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾\n\n<span id=\"aya-1590\"></span>ثم أخبر تعالى أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها، ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط حتى يكونوا هم الظالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].\n\n<span id=\"aya-1591\"></span>\n\n<span id=\"aya-1592\"></span>﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾.\nيخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة من إيمان أو كفر، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩].\nوقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونِحلهم ومذاهبهم وآرائهم.\nوقال عكرمة: مختلفين في الهدى (^٢).\nوقال الحسن البصري: مختلفين في الرزق يسخر (^٣) بعضهم بعضًا (^٤). والمشهور الصحيح الأول.\nوقوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أي: إلا المرحومين من أتباع الرسل الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين، أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم حتى كان النبي الأُمي وخاتم الرسل\n_________\n(^١) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير سورة المائدة آية ١٠٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني.\n(^٣) في الأصل بدون نقط وبدون حرف السين، والمثبت من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معتمر، وهو ابن سليمان، عن أبيه عن الحسن.","vol":"4","page":484},{"text":"والأنبياء، فاتبعوه وصدقوه ووازروه ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة لأنهم الفرقة الناجية، كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن من طرق يشد بعضها بعضًا: \"إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة\"، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\". رواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة (^١).\nوقال عطاء: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني: اليهود والنصارى والمجوس ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ يعني الحنيفية (^٢).\nوقال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم (^٣).\nوقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال الحسن البصري في رواية عنه: وللاختلاف خلقهم (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: خلقهم فريقين، كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (^٥) [هود: ١٠٥].\nوقيل: للرحمة خلقهم (^٦). قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن طاوس: أن رجلين اختصما إليه فأكثرا، فقال طاوس: اختلفتما وأكثرتما. فقال أحد الرجلين: لذلك خلقنا. فقال طاوس: كذبت. فقال: أليس الله يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: لم يخلقهم ليختلفوا ولكن خلقهم للجماعة (^٧) والرحمة. كما قال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب (^٨)، وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة (^٩)، ويرجع معنى هذا القول إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات].\nوقيل: بل المراد وللرحمة والاختلاف خلقهم، كما قال الحسن البصري في رواية عنه في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: الناس مختلفون على أديان شتى ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فمن رحم ربك غير مختلف فقيل له: لذلك خلقهم؟ قال: خلق هؤلاء\n_________\n(^١) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة يونس آية ٩٣.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق طلحة بن عمرو عن عطاء الخراساني، وطلحة متروك كما في التقريب.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن عمرو بن عبيد عن الحسن، وأخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند حسن من طريق مبارك عن الحسن.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به، وسنده حسن.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم به، وسنده ضعيف لضعف حفص.\n(^٩) قول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه رجل مبهم، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.","vol":"4","page":485},{"text":"لجنته وخلق هؤلاء لناره وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه (^١). وكذا قال عطاء بن أبي رباح والأعمش (^٢).\nوقال ابن وهب: سألت مالكًا عن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: فريق في الجنة وفريق في السعير (^٣).\nوقد اختار هذا القول ابن جرير وأبو عبيدة والفراء.\nوعن مالك فيما روينا عنه من التفسير ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: للرحمة، وقال قوم: للاختلاف (^٤).\nوقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ يخبر تعالى أنه قد سبق في قضائه وقدره لعلمه التام وحكمته النافذة أن ممن خلقه من يستحق الجنة ومنهم من يستحق النار، وأنه لا بدّ أن يملأ جهنم من هذين الثَّقلين الجن والإنس، وله الحجة البالغة والحكمة التامة.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم (^٥)؟ وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. فقال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا يسكن فضل الجنة وأما النار فلا تزال تقول: هل من مزيد، حتى يضع عليها رب العزة قدمه فتقول: قط قط وعزتك\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-1593\"></span>﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾.\nيقول تعالى: وكل أخبار نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم، وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات، وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين وخذل أعداءه الكافرين.\nكل هذا مما ﴿نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: قلبك يا محمد ليكون لك بمن مضى من إخوانك من المرسلين أسوة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق منصور عبد الرحمن عن الحسن مقطعًا.\n(^٢) قول عطاء بن أبي رباح أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق طلحة بن عمرو عنه، وطلحة متروك كما في التقريب، وقول الأعمش أخرجه الطبري من طريق سفيان عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أشهب عن مالك.\n(^٤) تقدم تخريج هذين القولين عن بعض التابعين في الروايات السابقة.\n(^٥) جمع ساقط وهو نازل المكانة الذي لا يؤبه به.\n(^٦) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] (ح ٤٨٤٩)، وصحيح مسلم، صفة الجنة، باب \"النار يدخلها الجبارون. . .\" (ح ٢٨٤٦).","vol":"4","page":486},{"text":"وقوله: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ أي: هذه السورة، قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة من السلف (^١).\nوعن الحسن في رواية عنه وقتادة: في هذه الدنيا (^٢).\nوالصحيح: في هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء، وكيف أنجاهم الله والمؤمنين بهم وأهلك الكافرين؛ جاءك فيها قصص حق، ونبأ صدق، وموعظة يرتدع بها الكافرون، وذكرى يتذكر بها المؤمنون.\n\n<span id=\"aya-1594\"></span>﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله أن يقول للذين لا يؤمنون بما جاء به من ربه على وجه التهديد: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: على طريقتكم ومنهجكم ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾ أي: على طريقتنا ومنهجنا\n\n<span id=\"aya-1595\"></span>﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾ أي: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥]، وقد أنجز الله لرسوله وعده ونصره وأيده، وجعل كلمته هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم.\n\n<span id=\"aya-1596\"></span>﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾.\nيخبر تعالى أنه عالم غيب السماوات والأرض وأنه إليه المرجع والمآب، سيوفِّي كل عامل عمله يوم الحساب، فله الخلق والأمر، فأمر تعالى بعبادته والتوكل عليه. فإنه كافٍ من توكل عليه وأناب إليه.\nوقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ليس يخفى عليه ما عليه مكذبوك يا محمد، بل هو عليم بأحوالهم وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء في الدنيا والآخرة، وسينصرك وحزبك عليهم في الدارين.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، عن كعب قال: خاتمة التوراة خاتمة هود (^٣).\nآخر تفسير سورة هود ﵇، ولله الحمد.\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٢) قول الحسن أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قتادة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قتادة عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو: سفيان فيه مقال، وقد توبع إذ أخرجه ابن الضريس من طريق مسلم بن إبراهيم عن همام عن أبي عمران به (السنن، فضائل القرآن، باب فضائل الأنعام والسور ح ٣٤٠٢).","vol":"4","page":487},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>سُوْرَةُ يُوسُفَ ﵇</span>\nوهي مكية\nروى الثعلبي وغيره من طريق سلام بن سلم، ويقال: سليم المدائني - وهو متروك - عن هارون بن كثير - وقد نص على جهالته أبو حاتم - عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أُمامة، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"علموا أرقَّاكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها أو علمها أهله أو ما ملكت يمينه، هوَّن الله عليه سكرات الموت وأعطاه من القوة أن لا يحسد مسلمًا\" (^١)، وهذا من هذا الوجه لا يصح لضعف إسناده بالكلية، وقد ساقه الحافظ ابن عساكر متابعًا من طريق القاسم بن الحكم، عن هارون بن كثير به (^٢)، ومن طريق شبابة عن محمد بن عبد الواحد النضري، عن علي بن زيد بن جدعان، وعن عطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أُبي بن كعب، عن النبي ﷺ … فذكر نحوه (^٣)، وهو منكر من سائر طرقه.\nوروى البيهقي في الدلائل أن طائفة من اليهود حين سمعوا رسول الله ﷺ يتلو هذه السورة أسلموا لموافقتها ما عندهم، وهو من رواية الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس (^٤).\n\n<span id=\"aya-1597\"></span>﷽\n﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾.\nأما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي: هذه آيات الكتاب، وهو القرآن المبين؛ أي الواضح الجلي الذي يفصح عن الأشياء المبهمة، ويفسرها ويبينها.\n\n<span id=\"aya-1598\"></span>\n\n<span id=\"aya-1599\"></span>﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله\n_________\n(^١) أخرجه الثعلبي من طريق سلام بن سلم به (الكشف والبيان) وسنده ضعيف جدًا لأن سلام بن سلم متروك، وهارون مجهول، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير، وضعف سنده بالكلية.\n(^٢) وسنده ضعيف لجهالة هارون.\n(^٣) وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان، وضعفه الحافظ ابن كثير من سائر طرقه.\n(^٤) أخرجه البيهقي من طريق الكلبي به مطولًا (دلائل النبوة ٦/ ٦٧٦) وسنده ضعيف جدًا لأن الكلبي صرح بأن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب، كما في ترجمته في تهذيب التهذيب.","vol":"4","page":488},{"text":"في أشرف شهور السنة، وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه، ولهذا قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن.\nوقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن جرير: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا حكّام الرازي، عن أيوب، عن عمرو هو ابن قيس الملائي، عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله ﷺ لو قصصت علينا؟ فنزلت: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، ورواه من وجه آخر عن عمرو بن قيس مرسلًا (^١).\nوقال أيضًا: حدثنا محمد بن سعيد العطار، حدثنا عمرو بن محمد، أنبأنا خالد الصفار، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: أنزل على النبي ﷺ القرآن. قال: فتلاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا؟ فأنزل الله ﷿: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ثم تلاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله ﷿: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ. . .﴾ الآية [لزمر: ٢٣] وذكر الحديث، ورواه الحاكم من حديث إسحاق بن راهويه عن عمرو بن محمد القرشي المنقري به (^٢).\nوروى ابن جرير بسنده عن المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: ملَّ أصحاب رسول الله ﷺ ملَّة فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] ثم ملوا ملة أخرى، فقالوا: يا رسول الله حدثنا فوق الحديث، ودون القرآن يعنون القصص، فأنزل الله ﷿: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية، فأرادوا الحديث، فدلَّهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلَّهم على أحسن القصص (^٣).\nومما يناسب ذكره عند هذه الآية الكريمة المشتملة على مدح القرآن، وأنه كافٍ عن كل ما سواه من الكتب ما رواه الإمام أحمد: حدثنا سُريج بن النعمان، أنبأنا هُشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي ﷺ. قال: فغضب، وقال: \"أمتهوّكون (^٤) فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بطريقيه وكلاهما ضعيف، فالأول فيه أيوب وهو ابن سيار الزهري وهو ضعيف (لسان الميزان ١/ ٤٨٢)، والطريق الثاني ضعيف لأنه مرسل، وكلا الطريقين لهما شاهد كما يلي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وكذا ابن أبي حاتم سندًا ومتنًا مختصرًا، وأخرجه إسحاق بن راهويه عن عمرو بن محمد به، وحسنه الحافظ ابن حجر (إتحاف الخيرة ١/ ٢٣٨ ح ١٦٢)، وأخرجه الحاكم من طريق إسحاق بن راهويه به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٤٥)، ومن الطريق نفسه أخرجه الضياء المقدسي (المختارة ٣/ ٢٦٥ ح ١٠٦٩) وحسنه محققه.\n(^٣) أخرجه الطبري عن ابن وكيع عن أبيه عن المسعودي به، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان، ولأن عون أرسله، وعون هو ابن عبد الله بن عتبة، ويشهد لبعضه سابقه.\n(^٤) التهوك: الوقوع في الأمر من غير روية.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٢٣/ ٣٤٩ ح ١٥١٥٦)، وضعف سنده محققوه لضعف مجالد وهو =","vol":"4","page":489},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغيَّر وجه رسول الله ﷺ، قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا. قال: فسري عن النبي ﷺ وقال: \"والذي نفس محمد بيده، لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين\" (^١).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير، حدثنا علي بن مسعر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عرفطة قال: كنت جالسًا عند عمر إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس (^٢)، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس؟ قال: نعم، فضربه بقناة (^٣) معه، قال: فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؛ فقال له عمر: اجلس فجلس، فقرأ عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ فقرأها عليه ثلاثًا، وضربه ثلاثًا، فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال؟ (^٤) قال: مرني بأمرك أتبعه، قال: انطلق فامحه بالحميم (^٥) والصوف الأبيض ثم لا تقرأه ولا تُقرئه أحدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدًا من الناس لأنهكنّك عقوبة، ثم قال له: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابًا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله ﷺ: \"ما هذا في يدك يا عمر؟ \" قال: قلت: يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علمًا إلى علمنا، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرّت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم الله ﷺ؟ السلاح السلاح، فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ﷺ فقال: \"يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارًا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية، فلا تتهوّكوا ولا يغرنكم المتهوكون\" قال عمر: فقمت فقلت: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبك رسولًا، ثم نزل رسول الله ﷺ (^٦). وقد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره مختصرًا من حديث\n_________\n= ابن سعيد، ونقل الحافظ ابن حجر عن البخاري أنه لم يصح (الإصابة ٤/ ٣٠).\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ولفظه (المسند ٣٠/ ٢٨٠ ح ١٨٣٣٥)، وضعف سنده محققوه لضعف جابر وهو ابن يزيد الجعفي.\n(^٢) السوس: بلدة من كور الأهواز (معجم ما استعجم ٢/ ٧٦٧).\n(^٣) القناة: العصا المستوية (لسان العرب ١٥/ ٢٠٣).\n(^٤) دانيال قيل: هو أحد أنبياء بني إسرائيل ممن وقع في أسر بختنصر فأتى به مدينة بابل، في العراق، ثم توفي ودفن في مدينة السوس (ينظر: فتوح البلدان ص ٥٣٣، وتاريخ الطبري ٣/ ١٨٧، والفتاوى ١٥/ ١٥٤).\n(^٥) أي: الماء الحار (لسان العرب ١٢/ ١٥٣).\n(^٦) قال الهيثمي: رواه أبو يعلى، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعفه أحمد وجماعة (مجمع الزوائد ١/ ١٨٢).","vol":"4","page":490},{"text":"عبد الرحمن بن إسحاق به (^١)، وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وعبد الرحمن بن إسحاق هو أبو شيبة الواسطي، وقد ضعفوه وشيخه. قال البخاري: لا يصح حديثه.\nقلت: وقد روي له شاهد من وجه آخر، فقال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثني عمرو بن الحارث، حدثنا عبد الله بن سالم الأشعري عن الزبيدي، حدثنا سليم بن عامر، أن جبير بن نفير حدثهم أن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر ﵁، فأرسل إليهما فيمن أرسل من أهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود ملء صفنة (^٢) فأخذاها معهما يستفتيان فيها أمير المؤمنين يقولون: إن رضيها لنا أمير المؤمنين ازددنا فيها رغبة، وإن نهانا عنها رفضناها، فلما قدما عليه قالا: إنا بأرض أهل الكتاب، وإنا نسمع منهم كلامًا تقشعر منه جلودنا، أفنأخذ منه أو نترك؟ فقال: لعلكما كتبتما منه شيئًا؟ فقالا: لا، قال سأحدثكما: انطلقت في حياة النبي ﷺ حتى أتيت خيبر، فوجدت يهوديًا يقول قولًا أعجبني، فقلت: هل أنت مكتبي مما تقول؟ قال: نعم فأتيت بأديم، فأخذ يُملي عليَّ حتى كتبت في الأكرع (^٣)، فلما رجعت قلت: يا نبي الله .. وأخبرته. قال: \"ائتني به\" فانطلقت أرغب عن الشيء رجاء أن أكون جئت رسول الله ببعض ما يحب، فلما أتيت به قال: \"اجلس اقرأ علي\" فقرأت ساعة، ثم نظرت إلى وجه رسول الله ﷺ، فإذا هو يتلون، فتحيّرت من الفرق (^٤)، فما استطعت أن أجيز منه حرفًا، فلما رأى الذي بي رفعه ثم جعل يتبعه رسمًا رسمًا فيمحوه بريقه، وهو يقول: \"لا تتبعوا هؤلاء فإنهم قد هوكوا وتهوكوا\" حتى محا آخره حرفًا حرفًا. قال عمر ﵁: فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئًا جعلتكما نكالًا لهذه الأُمة، قالا: والله ما نكتب منه شيئًا أبدًا، فخرجا بصُفنيهما (^٥)، فحفرا لها، فلم يألوا أن يعمقا ودفناها، فكان آخر العهد منها (^٦).\nوهكذا روى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي عن الشعبي عن عبد الله بن ثابت الأنصاري عن عمر بن الخطاب بنحوه (^٧)، وروى أبو داود في المراسيل من حديث أبي قلابة عن عمر نحوه (^٨)، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1600\"></span>﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾.\nيقول تعالى: اذكر لقومك يا محمد في قصصك عليهم من قصة يوسف إذ قال لأبيه، وأبوه هو\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق به.\n(^٢) الصفنة: الوعاء.\n(^٣) الأكرع: جمع كُراع، وهو عظم الساق العاري اللحم.\n(^٤) الفرق: أي الخوف.\n(^٥) أي: وعاءهما الذي يحمل فيه الكتاب.\n(^٦) أخرجه أبو نعيم من طريق إسحاق بن إبراهيم به (الحلية ٥/ ١٣٥) وسنده ضعيف لأن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء: صدوق يهم كثيرًا، وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب (التقريب ص ٩٩).\n(^٧) سبق تخريجه وتضعيفه قبل روايتين.\n(^٨) أخرجه أبو داود من طريق أيوب السختياني عن أبي قلابة به (المراسيل ح ٤٥٥) وسنده ضعيف للانقطاع بين أبي قلابة وعمر ﵁.","vol":"4","page":491},{"text":"يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم\" (^١). انفرد بإخراجه البخاري، فرواه عن عبد الله بن محمد، عن عبد الصمد به (^٢).\nوقال البخاري أيضًا: حدثنا محمد، أنبأنا عبدة، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الناس أكرم؟ قال: \"أكرمهم عند الله أتقاهم\" قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: \"فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله\" قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: \"فعن معادن العرب تسألوني؟ \" قالوا: نعم. قال: \"فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا\". ثم قال: تابعه أبو أُسامة عن عبيد الله (^٣).\nوقال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي (^٤).\nوقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام أن الأحد عشر كوكبًا عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلًا سواه، والشمس والقمر عبارة عن أُمه وأبيه. روي هذا عن ابن عباس والضحاك وقتادة وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٥).\nوقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة (^٦)، وذلك حين رفع أبويه على العرش وهو سريره وإخوته بين يديه ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].\nوقد جاء في حديث تسمية هذه الأحد عشر كوكبًا، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني علي بن سعيد الكندي، حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن عبد الرحمن بن سابط، [عن جابر] (^٧) قال: أتى النبي ﷺ رجل من يهود يقال له: بستانة اليهودي، فقال له: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له، ما أسماؤها؟ قال: فسكت النبي ﷺ ساعة فلم يجبه بشيء. ونزل عليه جبريل ﵇ فأخبره بأسمائها، قال: فبعث رسول الله ﷺ إليه فقال: \"هل\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٩٦) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة يوسف باب ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ. . .﴾ [يوسف: ٦]، (ح ٤٦٨٨).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق، باب ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف] ح ٤٦٨٩).\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والحاكم بسند حسن من طريق سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٩٦).\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري معلقًا، ومعناه قوى، ويتقوى بالآثار التالية؛ فقول الضحاك أخرجه الطبري بسند لم يصرح باسم شيخه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وقول الثوري أخرجه الطبري بسند صحيح عن ابن بشار عن أبي أحمد، وهو الزبيري عن الثوري، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٦) سيأتي تخريج هذه الأقوال في تفسير الآية (١٠٠) من هذه السورة الكريمة.\n(^٧) زيادة من (حم) و(مح) وتفسير الطبري وابن أبي حاتم، وسقط من الأصل.","vol":"4","page":492},{"text":"أنت مؤمن إذا أخبرتك باسمائها؟ \" فقال: نعم. قال: \"جريان، والطارق، والذيّال، وذو الكنّفات، وقابس، ووثّاب، وعمودان، والفيلق، والمصبح، والضَّروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور\" (^١). فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.\nورواه البيهقي في الدلائل من حديث سعيد بن منصور عن الحكم بن ظهير. وقد روى هذا الحديث الحافظان أبو يعلى الموصلي وأبو بكر البزار في مسنديهما، وابن أبي حاتم في تفسيره، أما أبو يعلى فرواه عن أربعة من شيوخه عن الحكم بن ظهير به، وزاد: قال رسول الله ﷺ: \"لما رآها يوسف قصها على أبيه يعقوب فقال له أبوه: هذا أمر متشتت يجمعه الله من بعد، - قال: - والشمس أبوه والقمر أمّه\" (^٢). تفرّد به الحكم بن ظهير الفزاري وقد ضعفه الأئمة وتركه الأكثرون، وقال الجوزجاني: ساقط وهو صاحب حديث حسن يوسف.\n\n<span id=\"aya-1601\"></span>﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا التي تعبيرها خضوع إخوته له، وتعظيمهم إياه تعظيمًا زائدًا بحيث يخرون له ساجدين إجلالًا واحترامًا وإكرامًا، فخشي يعقوب ﵇ أن يحدِّث بهذا المنام أحدًا من إخوته فيحسدونه على ذلك، فيبغون له الغوائل حسدًا منهم له، ولهذا قال له: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي: يحتالوا لك حيلة يردونك فيها، ولهذا ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ قال: \"إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به، وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر، وليتفل عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدث بها أحدًا فإنها لن تضره\" (^٣).\nوفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن من رواية معاوية بن حيدة، القشيري أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت\" (^٤)، ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن الحكم بن ظهير: متروك متهم بالوضع (التقريب ١/ ١٩١، والمجروحين ١/ ٢٥١) وفي سنده أيضًا عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من جابر كما قرر الإمام يحيى بن معين، ذكره ابن أبي حاتم (المراسيل ص ١٢٨)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٤٥، وأخرجه الحاكم من طريق أسباط عن السدي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٩٦) ولكن يبقى الانقطاع بين عبد الرحمن بن سابط وجابر.\n(^٢) دلائل النبوة ٦/ ٢٧٧ ونسبه الهيثمي إلى البزار (مجمع الزوائد ٧/ ٣٩) ونسبه الحافظ ابن حجر إلى أبي يعلى في مسنده (المطالب العالية ٣/ ٣٤٤)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كلهم من طريق الحكم بن ظهير به.\n(^٣) أخرجه الإمام مسلم بنحوه من حديث أبي قتادة مرفوعًا (الصحيح، كتاب الرؤيا ح ٢٢٦١/ ٤).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي رزين العقيلي بنحوه (المسند ٢٦/ ١١٦ ح ١٦١٩٧) وقال محققوه: حسن لغيره، وكذا أخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب ما جاء في الرؤيا ح ٥٠٢٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٩٨)، وكذا أخرجه الترمذي (السنن، الرؤيا، باب ما جاء في تعبير الرؤيا ح ٢٢٧٩)، وابن ماجه (السنن، تعبير الرؤيا، باب الرؤيا إذا عبرت وقعت ح ٣٩١٤).","vol":"4","page":493},{"text":"\"استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود\" (^١).\n\n<span id=\"aya-1602\"></span>﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن قول يعقوب لولده يوسف: إنه كما اختارك ربك وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي: يختارك ويصطفيك لنبوته ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال مجاهد وغير واحد: يعني تعبير الرؤيا (^٢).\n﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي: بإرسالك والإيحاء إليك، ولهذا قال: ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ﴾ وهو الخليل ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ ولده وهو الذبيح في قول، وليس بالرجيح (^٣) ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: هو أعلم حيث يجعل رسالته، [كما قال في الآية الأخرى] (^٤).\n\n<span id=\"aya-1603\"></span>﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾.\nيقول تعالى: لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات، أي عبرة ومواعظ للسائلين عن ذلك المستخبرين عنه، فإنه خبر عجيب يستحق أن يخبر عنه\n\n<span id=\"aya-1604\"></span>﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ أي: حلفوا فيما يظنون والله ليوسف وأخوه، يعنون: بنيامين، وكان شقيقه لأمه ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة، فكيف أحب ذينك الاثنين أكثر من الجماعة؟ ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ يعنون في تقديمهما علينا، ومحبته إياهما أكثر منا.\nواعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالًا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليلٌ على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢٠/ ١٨٣)، وابن حبان (المجروحين ١/ ٣٢٢)، وأبو نعيم (الحلية ٦/ ٩٦)، من حديث معاذ، وفي سنده سعيد بن سلام متهم بالوضع، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: حديث منكر، لا يعرف له أصل، وآفته سعيد بن سلام العطار فهو كذاب (العلل ٢/ ٢٥٨ ح ٢٢٥٨)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ١٦٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) لأن الراجح هو إسماعيل ﵊.\n(^٤) الزيادة من (حم) و(مح).","vol":"4","page":494},{"text":"<span id=\"aya-1605\"></span>﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم أعدموه من وجه أبيكم، ليخلوا لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه أو تلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه، وتخلوا أنتم بأبيكم ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ فأضمروا التوبة قبل الذنب.\n\n<span id=\"aya-1606\"></span>﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة ومحمد بن إسحاق: وكان أكبرهم واسمه روبيل (^١).\nوقال السدي: الذي قال ذلك: يهوذا (^٢).\nوقال مجاهد: هو: شمعون (^٣).\n﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ أي: لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله، ولم يكن لهم سبيل إلى قتله، لأن الله تعالى كان يريد منه أمرًا لا بدّ من إمضائه وإتمامه من الإيحاء إليه بالنبوة، ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها، فصرفهم الله عنه بمقالة روبيل فيه وإشارته عليهم بأن يلقوه في غيابة الجب، وهو أسفله.\nقال قتادة: وهي بئر بيت المقدس (^٤). ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: المارة من المسافرين فتستريحوا منه بهذا ولا حاجة إلى قتله ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي: إن كنتم عازمين على ما تقولون.\nقال محمد بن إسحاق بن يسار: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الضرع (^٥) الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل، وخطره عند الله مع حق الوالد على ولده، ليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه على كبر سنه ورقة عظمه، مع مكانه من الله فيمن أحبه طفلًا صغيرًا، وبين ابنه على ضعف قوته وصغر سنه وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين، فقد احتملوا أمرًا عظيمًا. رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل عنه (^٦).\n\n<span id=\"aya-1607\"></span>﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾.\nلما تواطأوا على أخذه وطرحه في البئر كما أشار به عليهم أخوهم الكبير روبيل، جاءوا أباهم يعقوب ﵇ فقالوا: ما بالك ﴿لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ وهذه توطئة ودعوى، وهم يريدون خلاف ذلك لما له في قلوبهم من الحسد لحب أبيه له\n\n<span id=\"aya-1608\"></span>﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ أي: ابعثه معنا ﴿غدًا نرتع ونلعب﴾ وقرأ بعضهم بالياء ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول ابن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف أيضًا من طريق رجل مبهم عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٥) الضرع: الضعيف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.\n(^٧) القراءتان متواترتان.","vol":"4","page":495},{"text":"قال ابن عباس: يسعى وينشط (^١)، وكذا قال قتادة [والضحاك] (^٢) والسدي (^٣) وغيرهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ يقولون: ونحن نحفظه ونحوطه من أجلك.\n\n<span id=\"aya-1609\"></span>﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن نبيه يعقوب أنه قال لبنيه في جواب ما سألوا من إرسال يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أي: يشق علي مفارقته مدة ذهابكم به إلى أن يرجع، وذلك لفرط محبته له لما يتوسم فيه من الخير العظيم وشمائل النبوة والكمال في الخلق والخلق، صلوات الله وسلامه عليه.\n\n<span id=\"aya-1610\"></span>وقوله: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ يقول: وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورعيكم فيأتيه ذئب فيأكله وأنتم لا تشعرون، فأخذوا من فمه هذه الكلمة، وجعلوها عذرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين له عنها في الساعة الراهنة: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا ونحن جماعة إنا إذًا لهالكون عاجزون.\n\n<span id=\"aya-1611\"></span>﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾.\nيقول تعالى: فلما ذهب به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ هذا فيه تعظيم لما فعلوه، أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب، وقد أخذوه من عند أبيه فيما يظهرونه له إكرامًا له، وبسطًا وشرحًا لصدره، وإدخالًا للسرور عليه، فيقال: إن [يعقوب] (^٤) ﵇ لما بعثه معهم ضمه إليه وقبّله ودعا له.\nوذكر [السدي و] (^٥) غيره: أنه لم يكن بين إكرامهم له وبين إظهار الأذى له إلا أن غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه، ثم شرعوا يؤذونه بالقول من شتم ونحوه، والفعل من ضرب ونحوه، ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه، فربطوه بحبل ودلوه فيه، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة، فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة تكون في وسطه يقال لها: الراغوفة، فقام فوقها (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس، ويتقوى بالآثار اللاحقة.\n(^٢) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٣) قول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عنه بلفظ: \"يسعى ويلهو\"، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، بلفظ: \"يتلهى ويلعب\"، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، بنحوه.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"يوسف\".\n(^٥) الزيادة من (حم) و(مح).\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين ضعيفين بنحوه، والخبر من أخبار أهل الكتاب.","vol":"4","page":496},{"text":"وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، يقول تعالى ذاكرًا لطفه ورحمته وعائدته وإنزاله اليسر في حال العسر: إنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيق تطييبًا لقلبه وتثبيتًا له، إنك لا تحزن مما أنت فيه، فإن لك من ذلك فرجًا ومخرجًا حسنًا، وسينصرك الله عليهم ويعليك ويرفع درجتك وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع، وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nقال مجاهد وقتادة: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإيحاء الله إليه (^١).\nوقال ابن عباس: ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك، وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك، كما قال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي، عن أبيه، سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف عليه فعرفهم وهم له منكرون، قال: جيء بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطنَّ، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام (^٢) أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له: يوسف، يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب، قال: ثم نقره فطنَّ، قال: فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب، قال: فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم. قال ابن عباس: فلا نرى هذه الآية نزلت إلا فيهم ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1612\"></span>﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعدما ألقوه في غيابة الجب، ثم رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون ويظهرون الأسف والجزع على يوسف ويتغممون لأبيهم،\n\n<span id=\"aya-1613\"></span>وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي: نترامى، ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أي: ثيابنا وأمتعتنا، ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ وهو الذي كان قد جزع منه وحذر عليه.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه، يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك، لأنك خشيت أن يأكله الذئب، فأكله الذئب، فأنت معذور في تكذيبك لنا لغرابة ما وقع، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا\n\n<span id=\"aya-1614\"></span>﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي مكذوب مفترى، وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالئوا عليه من المكيدة، وهو أنهم عمدوا إلى سخلة (^٤) فيما ذكره\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^٢) الجام: هو الإناء من فضة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده صدقة بن عبادة الأسدي وأبوه سكتا عنهما البخاري (التاريخ الكبير ٤/ ٢٩٧)، وابن أبي حاتم (الجرح ٤/ ٤٣٣)، وقال الأستاذ محمود شاكر: الخبر عندي غير مستقيم.\n(^٤) السخلة: ولد الشاة من المعز والضأن، ذكرًا كان أو أنثى.","vol":"4","page":497},{"text":"مجاهد والسدي وغير واحد (^١)، فذبحوها ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه، فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب، بل قال لهم معرضًا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لبسهم عليه: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فسأصبر صبرًا جميلًا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه حتى يفرجه الله بعونه ولطفه ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: على ما تذكرون من الكذب والمحال.\nوقال الثوري، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ قال: لو أكله السبع لخرق القميص (^٢)، وكذا قال الشعبي والحسن وقتادة وغير واحد (^٣).\nوقال مجاهد: الصبر الجميل الذي لا جزع فيه (^٤).\nوروى هشيم عن عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فقال: \"صبر لا شكوى فيه\" (^٥)، وهذا مرسل.\nوقال عبد الرزاق: قال الثوري عن بعض أصحابه أنه قال: ثلاث من الصبر: أن لا تحدث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكّي نفسك (^٦).\nوذكر البخاري ههنا حديث عائشة في الإفك حتى ذكر قولها: والله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (^٧).\n\n<span id=\"aya-1615\"></span>﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عما جرى ليوسف ﵇ حين ألقاه إخوته وتركوه في ذلك الجب وحيدًا فريدًا، فمكث في البئر ثلاثة أيام. فيما قاله أبو بكر بن عياش.\nوقال محمد بن إسحاق: لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك، ينظرون ماذا يصنع\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده حسن.\n(^٣) قول الشعبي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سماك، وهو ابن حرب، عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق هشيم به، وسنده ضعيف لإرسال حبان بن أبي جبلة، فهو تابعي كما في التقريب.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري به، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه البخاري من حديث عائشة ﵂ (الصحيح، تفسير سورة يوسف، باب ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا. . .﴾ [يوسف: ١٨] ح ٤٦٩٠).","vol":"4","page":498},{"text":"وما يصنع به، فساق الله له سيارة، فنزلوا قريبًا من تلك البئر، وأرسلوا واردهم وهو الذي يتطلب لهم الماء، فلما جاء ذلك البئر وأدلى دلَّوه فيها، تشبث يوسف ﵇ فيها فأخرجه واستبشر به، وقال: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ (^١). وقرأ بعض القراء ﴿يَابُشْرَى﴾.\nفزعم السدي أنه اسم رجل، ناداه ذلك الرجل الذي أدلى دلوه معلمًا له أنه أصاب غلامًا (^٢)، وهذا القول من السدي غريب لأنه لم يسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس، والله أعلم.\nوإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى، ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه وحذف ياء الإضافة، وهو يريدها كما تقول العرب: يا نفس اصبري ويا غلام أقبل، بحذف حرف الإضافة، ويجوز الكسر حينئذٍ والرفع، وهذا منه، وتفسرها القراءة الأخرى يا بشراي، والله أعلم (^٣).\nوقوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي: وأسره الواردون من بقية السيارة وقالوا: اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره، قاله مجاهد والسدي وابن جرير (^٤)، هذا قول، وقال العوفي عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ يعني إخوة يوسف أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ يباع فباعه إخوته (^٥).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي يعلم ما يفعله إخوة يوسف ومشتروه، وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه، ولكن له حكمة وقدر سابق، فترك ذلك ليمضي ما قدره وقضاه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وفي هذا تعريض لرسوله محمد ﷺ وإعلام له بأني عالم بأذى قومك لك، وأنا قادر على الإنكار عليهم، ولكني سأملي لهم ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم، كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته.\n\n<span id=\"aya-1616\"></span>وقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل. قاله مجاهد وعكرمة (^٦). والبخس: هو النقص، كما قال تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣] أي: اعتاض عنه إخوته بثمن دون قليل، ومع ذلك كانوا فيه من الزاهدين أي ليس لهم رغبة فيه، بل لو سئلوه بلا شيء لأجابوا.\nقال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إن الضمير في قوله: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ عائد على إخوة\n_________\n(^١) \"يا بشراي\": قراءة متواترة.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جابر، وهو الجعفي: ضعيف، عن عكرمة، ومعناه صحيح، ونسبه السيوطي إلى الطبري عن مجاهد.","vol":"4","page":499},{"text":"يوسف (^١).\nوقال قتادة: بل هو عائد على السيارة (^٢). [والأول أقوى، لأن قوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة] (^٣)، لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة، ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه، فترجح من هذا أن الضمير في ﴿وَشَرَوْهُ﴾ إنما هو لإخوته.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿بَخْسٍ﴾ الحرام (^٤).\nوقيل: الظلم (^٥)، هذا وإن كان كذلك لكن ليس هو المراد هنا، لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد أن ثمنه حرام على كل حال وعلى كل أحد لأنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الرحمن، فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وإنما المراد هنا بالبخس الناقص أو الزيوف أو كلاهما، أي إنهم إخوته وقد باعوه، ومع هذا بأنقص الأثمان، ولهذا قال: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾، فعن ابن مسعود ﵁: باعوه بعشرين درهمًا (^٦)، وكذا قال ابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي (^٧)، وزاد: اقتسموها درهمين درهمين.\nوقال مجاهد: اثنان وعشرون درهمًا (^٨).\nوقال محمد بن إسحاق وعكرمة: أربعون درهمًا (^٩).\nوقال الضحاك في قوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾: وذلك أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته عند الله ﷿ (^١٠).\nوقال مجاهد: لما باعوه جعلوا يتبعونهم ويقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق (^١١)، حتى وقفوه بمصر فقال: من يبتاعني وليبشر؟ فاشتراه الملك وكان مسلمًا (^١٢).\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا عن الضحاك.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٧٢).\n(^٧) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عنه، وقول نوف البكالي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي إسحاق، وهو السبيعي، عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول عطية العوفي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) قول ابن إسحاق وعكرمة أخرجهما الطبري بسندين ضعيفين عنهما.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^١١) لا يأبق: أي لا يهرب.\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.","vol":"4","page":500},{"text":"<span id=\"aya-1617\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾.\nيخبر تعالى بألطافه بيوسف ﵇ أنه قيض له الذي اشتراه من مصر حتى اعتنى به وأكرمه، وأوصى أهله به، وتوسم فيه الخير والصلاح، فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير.\nقال العوفي، عن ابن عباس: وكان اسمه قطفير (^١).\nوقال محمد بن إسحاق: اسمه أطفير بن روحيب وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذٍ الريان بن الوليد رجل من العماليق، قال: واسم امرأته راعيل بنت رعائيل، وقال غيره: اسمها زليخا.\nوقال محمد بن إسحاق - أيضًا -، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس: كان الذي باعه بمصر مالك بن دعر بن [بويب] (^٢) بن عنقا بن مديان بن إبراهيم (^٣)، فالله أعلم.\nوقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، والمرأة التي قالت لأبيها: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب ﵄ (^٤).\nيقول تعالى: كما أنقذنا يوسف من إخوته ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني بلاد مصر.\n﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا (^٥).\n﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: إذا أراد شيئًا فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه.\nقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾: أي فعال لما يشاء (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وفي رواية الطبري، وفي الأصل: \"فريب\".\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف جدًا لأن محمد بن السائب وهو الكلبي صرح بأن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب كما في ترجمته في تهذيب التهذيب.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والحاكم من طريق أبي عبيدة به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٩٠) وفيه أبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود لكن قد توبع فأخرجه الطبراني من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود (المعجم الكبير ٩/ ١٨٥ ح ٨٨٢٩).\n(^٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه رجل مبهم عن سعيد بن جبير بلفظ: \"فعَّال\".","vol":"4","page":501},{"text":"وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يقول: لا يدرون حكمته في خلقه وتلطفه وفعله لما يريد.\n\n<span id=\"aya-1618\"></span>وقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ أي: يوسف ﵇ ﴿أَشُدَّهُ﴾ أي: استكمل عقله وتم خلقه ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ يعني: النبوة أنه حباه بها بين أولئك الأقوام ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: إنه كان محسنًا في عمله عاملًا بطاعة الله تعالى.\nوقد اختلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة (^١).\nوعن ابن عباس: بضع وثلاثون (^٢).\nوقال الضحاك: عشرون (^٣). وقال الحسن: أربعون سنة (^٤).\nوقال عكرمة: خمس وعشرون سنة (^٥). وقال السدي: ثلاثون سنة (^٦). وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة (^٧) سنة. وقال الإمام مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي: الأشد الحلم (^٨)، وقيل غير ذلك، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1619\"></span>﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾.\nيخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه، [فراودته عن نفسه] (^٩)، أي: حاولته على نفسه ودعته إليها، وذلك أنها أحبته حبًا شديدًا لجماله وحسنه وبهائه، فحملها ذلك على أن تجملت له وغلَّقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها، ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ فامتنع من ذلك أشد الامتناع، و﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ وكانوا يطلقون الرب على السيد الكبير، أي: إن بعلك ربي أحسن مثواي، أي منزلي، وأحسن إليَّ فلا أقابله بالفاحشة في أهله ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، قال ذلك مجاهد والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم (^١٠).\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مجاهد عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه سُنيد، ويتقوى بما سبق.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن عباس فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور بن زاذان عن الحسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني، وهو ضعيف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.\n(^٨) قول الإمام مالك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه، وقول ربيعة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمرو بن الحارث عنه، وقول زيد بن أسلم أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عبد الرحمن بن زيد عنه، وقول الشعبي أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق مجالد عنه.\n(^٩) أثبت من (حم) و(مح) وسقط من الأصل.\n(^١٠) قول السدي أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسندين يقوى أحدهما الآخر بنحوه، وقول محمد بن إسحاق =","vol":"4","page":502},{"text":"وقد اختلف القراء في قوله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ فقرأه كثيرون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء (^١)، وقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: معناه أنها تدعوه إلى نفسها (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، تقول: هلم لك (^٣)، وكذا قال زر بن حُبيش وعكرمة والحسن وقتادة (^٤).\nقال عمرو بن عبيد، عن الحسن: وهي كلمة بالسريانية، أي عليك (^٥).\nوقال السدي: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، أي: هلم لك، وهي بالقبطية (^٦).\nوقال مجاهد: هي لغة عربية تدعوه بها (^٧)\nوقال البخاري: وقال عكرمة: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، أي هلم لك بالحورانية. وهكذا ذكره معلقًا (^٨).\nوقد أسنده الإمام جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن سهل الواسطي، حدثنا قُرَّة بن عيسى، حدثنا النضر بن عربي الجزري، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قال: هلم لك، قال: هي بالحورانية (^٩).\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكان الكسائي يحكي هذه القراءة، يعني ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، ويقول: هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز، ومعناها: تعال.\nوقال أبو عبيدة: سألت شيخًا عالمًا من أهل حوران، فذكر أنها لغتهم يعرفها (^١٠)، واستشهد الإمام ابن جرير على هذه القراءة بقول الشاعر لعلي بن أبي طالب ﵁:\nأبلغ أمير المؤمنين … [أذى] (^١١) العراق إذا أتينا\nإن العراق وأهله … عنق إليك فهيت هيتا (^١٢)\nيقول: فتعال واقترب، وقرأ ذلك آخرون ﴿هِئْتُ لك﴾ (^١٣) بكسر الهاء وبالهمز وضم التاء، بمعنى: تهيأت لك، من قول القائل: هئت بالأمر أهيء هئة، وممن روى عنه هذه القراءة: ابن\n_________\n= أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه بنحوه.\n(^١) وهي قراءة سبعية متواترة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري من الطريقين، وطريق ابن أبي طلحة يقوي طريق العوفي.\n(^٤) قول زرّ بن حبيش أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عاصم بن بهدلة عنه، وقول الحسن وقتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمرو بن عبيد به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه البخاري معلقًا (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا. . .﴾ [يوسف: ٢٣]) ووصله عبد بن حميد عن جعفر بن عون عن النضر بن عربي عن عكرمة (تغليق التعليق ٤/ ٢٢٩).\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقرة بن عيسى لم أقف على ترجمة له.\n(^١٠) مجاز القرآن ١/ ٣٠٥، ونقله الطبري.\n(^١١) كذا في الأصل و(حم)، وفي (مح) وتفسير الطبري ومجاز القرآن بلفظ: \"أخا\".\n(^١٢) ذكره الطبري وأبو عبيدة معمر بن المثنى (مجاز القرآن ١/ ٣٠٥).\n(^١٣) وهي قراءة متواترة.","vol":"4","page":503},{"text":"عباس وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو وائل وعكرمة وقتادة (^١)، وكلهم يفسرها بمعنى: تهيأت لك.\nقال ابن جرير: وكان أبو عمرو والكسائي ينكران هذه القراءة (^٢).\nوقرأ عبد الله بن إسحاق: (هَيتِ) - بفتح الهاء وكسر التاء (^٣) - وهي غريبة، وقرأ آخرون منهم عامة أهل المدينة (هَيتُ) - بفتح الهاء وضم التاء (^٤) -، وأنشد قول الشاعر (^٥):\nليس قومي بالأبعدين إذا ما … قال داعٍ من العشيرة هَيتُ\nقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: قال ابن مسعود وقد سمع القراء: سمعتهم متقاربين، فاقرءوا كما علمتم، وإياكم والتنطع والاختلاف، وإنما هو كقول أحدكم: هلُمَّ وتعال. ثم قرأ عبد الله: (هيت لك)، فقال: يا أبا عبد الرحمن إن ناسًا يقرءونها (هيت). قال عبد الله: أن أقرأها كما علمت أحب إليّ (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني ابن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، فقال له مسروق: إن ناسًا يقرءونها: (هيتُ لك)، فقال: دعوني فإني أقرأ كما أُقرئت، أحب إليّ (^٧).\nوقال أيضًا: حدثني المثنى، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، عن شقيق، عن ابن مسعود، قال: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بنصب الهاء والتاء، ولا نهمز (^٨).\nوقال آخرون: (هِيتُ لك) بكسر الهاء، وإسكان الياء، وضم التاء (^٩).\nقال أبو عبيد معمر بن المثنى: هيت لا تثنى، ولا تجمع، ولا تؤنث، بل يخاطب الجميع بلفظ واحد، فيقال: (هيت) لك، وهيت لكم، وهيت لكما، وهيت لكنَّ، وهيت لهنَّ (^١٠).\n\n<span id=\"aya-1620\"></span>﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾.\nاختلف أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام، وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عنه، وقول أبي عبد الرحمن السلمي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عاصم عنه، وقول أبي وائل أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عاصم عنه، وقول عكرمة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه.\n(^٢) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٣) وهي قراءة شاذة.\n(^٤) وهي قراءة متواترة.\n(^٥) الشاعر: هو طرفة بن العبد، والبيت في ديوانه ص ١٤٥، واستشهد به الطبري.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح وأخرجه البخاري من طريق شعبة عن الأعمش به مختصرًا (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا. . .﴾ [يوسف: ٢٣] ح ٤٦٩٢).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع، وهو سفيان فيه مقال وقد توبع في الرواية السابقة، وكلا الروايتين متواترتان.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وسنده صحيح، وقراءة الهمز أيضًا متواترة.\n(^٩) وهي قراءة شاذة.\n(^١٠) مجاز القرآن ١/ ٣٠٥.","vol":"4","page":504},{"text":"جبير وطائفة من السلف في ذلك ما رواه ابن جرير وغيره (^١)، والله أعلم.\nوقيل: المراد بهمه بها خطرات حديث النفس، حكاه البغوي عن بعض أهل التحقيق (^٢)، ثم أورد البغوي ههنا حديث عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى: إذا همَّ عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإنما تركها من جرائي، فإن عملها فاكتبوها بمثلها\"، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين (^٣)، وله ألفاظ كثيرة هذا منها.\nوقيل: همَّ بضربها. وقيل: تمناها زوجة. وقيل: همَّ بها لولا أن رأى برهان ربه، أي فلم يهم بها، وفي هذا القول نظر من حيث العربية، حكاه ابن جرير وغيره. وأما البرهان الذي رآه ففيه أقوال أيضًا، فعن ابن عباس وسعيد ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة وأبي صالح والضحاك ومحمد بن إسحاق وغيرهم: رأى صورة أبيه يعقوب ﵇ عاضًا على أصبعه [يعظه] (^٤) (^٥).\nوقيل عنه في رواية: فضرب في صدر يوسف (^٦).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: رأى خيال الملك، يعني: سيده (^٧)، وكذا قال محمد بن إسحاق فيما حكاه عن بعضهم: إنما هو خيال قطفير سيده حين دنا من الباب (^٨).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن أبي مودود، سمعت من محمد بن كعب القرظي. قال: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت، فإذا كتاب في حائط البيت ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء] (^٩)، وكذا رواه أبو معشر المدني عن محمد بن كعب.\n_________\n(^١) لم يصرح الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بما رواه ابن جرير على الرغم من صحة الأسانيد، وهذا هو الذي يليق بمقام نبي الله: يوسف ﷺ، لأن ما ورد كله من الإسرائيليات، وقد بيَّن ذلك الحافظ ابن كثير في كتابه القيم \"قصص الأنبياء\" بأن أكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل الكتاب، فالإعراض عنه أولى بنا، والذي يجب أن يعتقد: أن الله عصمه وبرأه، ونزهه عن الفاحشة، وحماه عنها وصانه منها (١/ ٢٠٨)، وقد سبقه شيخ الإسلام ابن تيمية فذكر نحوه (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١٠/ ٢٩٧).\n(^٢) ذكره البغوي في معالم التنزيل.\n(^٣) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] (ح ٧٥٠١)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب إذا همَّ العبد بحسنة كتبت … (ح ٢٠٥).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"يعظمه\".\n(^٥) أخرجه بنحوه الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وأخرجه بنحوه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبسند صحيح من عدة طرق عن الحسن البصري، وبسند صحيح من طريق معمر عن قتادة ومن عدة طرق يقوي بعضها بعضًا عن سعيد بن جبير.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من عدة طرق يقوي بعضها بعضًا عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه أيضًا من طريق أبي معشر المدني وأبي صخر، وهو حميد بن زياد، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا.","vol":"4","page":505},{"text":"وقال عبد الله بن وهب: أخبرني نافع بن يزيد، عن أبي صخر، قال: سمعت القرظي يقول: في البرهان الذي رآه يوسف ثلاث آيات من كتاب الله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾ الآية [الانفطار]، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ الآية [يونس: ٦١]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] قال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي، وزاد آية رابعة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] (^١).\nوقال الأوزاعي: رأى آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك (^٢).\nقال ابن جرير: والصواب أن يقال: إنه رأى آية من آيات الله ما زجره عما كان همَّ به، وجائز أن يكون صورة يعقوب، وجائز أن يكون صورة الملك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبًا من الزجر عن ذلك، ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك (^٣). فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ أي: كما أريناه برهانًا صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار، صلوات الله وسلامه عليه.\n\n<span id=\"aya-1621\"></span>﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾.\nيخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب: يوسف هارب، والمرأة تطلبه ليرجع إلى البيت، فلحقته في أثناء ذلك فأمسكت بقميصه [من ورائه] (^٤) فقدّته قدًا فظيعًا، يقال: إنه سقط عنه واستمر يوسف هاربًا ذاهبًا، وهي في أثره، فألفيا سيدها وهو زوجها عند الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ أي: فاحشة ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ أي: يحبس، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: يضرب ضربًا شديدًا موجعًا.\n\n<span id=\"aya-1622\"></span>\n\n<span id=\"aya-1623\"></span>فعند ذلك انتصر يوسف ﵇ بالحق، وتبرأ مما رمته به من الخيانة، و﴿قَالَ﴾ بارًا صادقًا ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدَّت قميصه ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ أي: من قدامه ﴿فَصَدَقَتْ﴾ أي: في قولها أنه راودها عن نفسها، لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره، فقدّت قميصه فيصح ما قالت ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ وذلك يكون كما وقع لما هرب منها وتطلبته، أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها فقدَّت قميصه من ورائه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن وهب به، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٤) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).","vol":"4","page":506},{"text":"وقد اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو صغير أو كبير؟ على قولين لعلماء السلف:\nفقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال: ذو لحية (^١).\nوقال الثوري، عن جابر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: كان من خاصة الملك (^٢)، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي (^٣) ومحمد بن إسحاق وغيرهم: إنه كان رجلًا.\nوقال زيد بن أسلم والسدي: كان ابن عمها (^٤).\nوقال ابن عباس: كان من خاصة الملك (^٥).\nوقد ذكر ابن إسحاق أن زليخا كانت بنت أخت الملك الريان بن الوليد (^٦).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال: كان صبيًا في المهد (^٧)، وكذا روي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم أنه كان صبيًا في الدار (^٨)، واختاره ابن جرير.\nوقد ورد فيه حديث مرفوع فقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا حماد هو ابن سلمة، أخبرني عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"تكلم أربعة وهم صغار\" فذكر فيهم شاهد يوسف (^٩)، ورواه غيره عن حماد بن سلمة، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الثوري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف جابر وهو ابن يزيد الجعفي.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور بن المعتمر وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمران بن جدير عنه، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يونس بن عبيد عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق محمد بن أبان عن زيد بن أسلم، ومحمد بن أبان هو ابن صالح القرشي ضعيف (ميزان الاعتدال ٣/ ٤٥٣).\n(^٥) تقدم تخريجه وضعفه قبل روايتين.\n(^٦) تقدم تخريجه في أول القصة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس، وضعفه الحافظ ابن حجر بسبب أبي سعد البقال: وهو سعيد بن المرزبان وهو ضعيف مدلس، كما في التقريب.\n(^٨) قول أبو هريرة أخرجه الطبري بسند ضعيف جدًا بنحوه من طريق أبي بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عنه، وأبو بكر متروك كما في التقريب، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٩٥)، ولكن تعقبهما الألباني بأن لفظه باطل (السلسلة الضعيفة ح ٨٨٠). وقول هلال بن يساف أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال. وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي حصين عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق عفان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٩٦)، والراجح وقفه كما في الرواية التالية.","vol":"4","page":507},{"text":"عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس أنه قال: \"تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم\" (^١).\nوقال ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد: كان من أمر الله تعالى، ولم يكن إنسيًا (^٢).\nوهذا قول غريب.\n\n<span id=\"aya-1624\"></span>\n\n<span id=\"aya-1625\"></span>وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي: لما تحقق زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته ورمته به ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ أي: إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، ثم قال آمرًا ليوسف ﵇ بكتمان ما وقع: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي: اضرب عن هذا صفحًا؛ أي: فلا تذكره لأحد.\n﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾، يقول لامرأته وقد كان لين العريكة سهلًا، أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه فقال لها: استغفري لذنبك، أي الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب ثم قذفه بما هو بريء منه ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1626\"></span>﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾.\nيخبر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز، شاع في المدينة وهي مصر حتى تحدث به الناس ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ مثل نساء الكبراء والأمراء، يُنكرنَ على امرأة العزيز وهو: الوزير ويعبنَ ذلك عليها ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: تحاول غلامها عن نفسه وتدعوه إلى نفسها ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أي قد وصل حبه إلى شغاف قلبها وهو غلافه.\nقال الضحاك، عن ابن عباس: الشغف: الحب القاتل، والشغف دون ذلك، والشغاف: حجاب القلب (^٣).\n﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي في صنيعها هذا من حبها فتاها ومراودتها إياه عن نفسه،\n\n<span id=\"aya-1627\"></span>﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قال بعضهم: بقولهن.\nوقال محمد بن إسحاق: بل بلغهن حسن يوسف، فأحببن أن يرينه، فقلن ذلك ليتوصلن إلى\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من طريق حماد به مطولًا وحسن سنده محققوه (المسند ٥/ ٣٠، ٣١ ح ٢٨٢١)، وصححه السيوطي في الدر المنثور، وقال أحمد شاكر: إسناده لا بأس به. وذلك في تعليقه على المسند.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري من طريق حفص بن غياث عن ليث به، وهذا لفظ الطبري، ولفظ ابن أبي حاتم: ليس بإنس ولا جان وهو خلق من خلق الله. وقد استغربه الحافظ ابن كثير، وهو كما قال، لأن الآية فيها ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥].\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن الضحاك به، وهو لم يلق ابن عباس.","vol":"4","page":508},{"text":"رؤيته ومشاهدته، فعند ذلك ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ أي: دعتهن إلى منزلها لتضيفهن ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾.\nقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والسدي وغيرهم: هو المجلس المُعَد (^١) فيه مفارش، ومخاد، وطعام فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ وكان هذا مكيدة منها ومقابلة لهنَّ في احتيالهنَّ على رؤيته ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر ﴿فَلَمَّا﴾ خرج ﴿رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي أعظمنه؛ أي أعظمن شأنه، وأجللن قدره، وجعلن يقطعن أيديهن دهشًا برؤيته، وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج بالسكاكين، والمراد أنهن حززن أيديهن بها، قاله غير واحد.\nوعن مجاهد وقتادة: قطعن أيديهن حتى ألقينها (^٢)، فالله أعلم.\nوقد ذُكر عن زيد بن أسلم أنها قالت لهن بعدما أكلنَّ وطابت أنفسهنَّ، ثم وضعت بين أيديهنَّ أترجًا وآتت كل واحدة منهن سكينًا: هل لكنَّ في النظر إلى يوسف؟ قلن: نعم، فبعثت إليه تأمره أن اخرج إليهنَّ، فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن، ثم أمرته أن يرجع ليرينه مقبلًا ومدبرًا، فرجع وهن يحززن في أيديهن، فلما أحسسن بالألم جعلن يولولنَّ.\nفقالت: أنتن من نظرة واحدة فعلتنَّ هذا، فكيف أُلام أنا؟\n﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ثم قلن لها: وما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأينا (^٣)، لأنهنَّ لم يرين في البشر شبيهه ولا قريبًا منه، فإنه ﵇ -كان قد أعطي شطر الحسن كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء أن رسول الله ﷺ مر بيوسف ﵇ في السماء الثالثة، قال: \"فإذا هو قد أعطي شطر الحسن\" (^٤).\nوقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُعطي يوسف وأُمه شطر الحسن\" (^٥).\nوقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: أُعطي يوسف وأُمه ثلث الحسن (^٦).\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة بلفظ: \"مجلسًا\"، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، بلفظ: طعامًا، وبلفظه أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبلفظه أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وسنده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف جدًا من طريق يحيى بن العلاء عن زيد بن أسلم بنحوه وطوله، ويحيى بن العلاء هو البجلي متروك، رمي بالوضع (ميزان الاعتدال ٤/ ٣٩٧، والتقريب ٢/ ٣٥٥).\n(^٤) سيأتي تخريجه في بداية تفسير سورة الإسراء، وهو حديث صحيح متفق عليه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٤/ ٣٩٦ كتاب الفضائل)، والطبري كلاهما من طريق حماد بن سلمة به، ومتنه يخالف ما في الصحيح كما سبق.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٤/ ٣٩٦)، والطبري كلاهما من طريق وكيع عن الثوري به، وسنده صحيح، وهو يخالف ما في الصحيح كما سبق.","vol":"4","page":509},{"text":"وقال أبو إسحاق أيضًا، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: كان وجه يوسف مثل البرق (^١)، وكانت المرأة إذا أتته لحاجة غطى وجهه مخافة أن تفتتن به.\nورواه الحسن البصري مرسلًا عن النبي ﷺ أنه قال: \"أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا، وأعطي الناس الثلثين\"، أو قال: \"أُعطي يوسف وأُمه الثلثين والناس الثلث\" (^٢).\nوقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي قال: قسم الحسن نصفين فأعطي يوسف وأُمه سارة نصف الحسن، والنصف الآخر بين سائر الخلق (^٣).\nوقال الإمام أبو القاسم السهيلي: معناه أن يوسف ﵇ كان على النصف من حسن آدم ﵇، فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها، ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله، وكان يوسف قد أعطي شطر حسنه، فلهذا قال هؤلاء النسوة عند رؤيته: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾.\nقال مجاهد وغير واحد: معاذ الله (^٤) ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، وقرأ بعضهم (ما هذا بشري) (^٥). أي: بمشترى. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾\n\n<span id=\"aya-1628\"></span>\n\n<span id=\"aya-1629\"></span>﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ تقول: هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق أن يحب لجماله وكماله، ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: فامتنع.\nقال بعضهم: لما رأينَ جماله الظاهر أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن، وهي العفة مع هذا الجمال، ثم قالت تتوعده: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ فعند ذلك استعاذ يوسف ﵇ من شرهنَّ وكيدهنَّ، و﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أي: من الفاحشة ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي: إن وكلتني إلى نفسي فليس لي منها قدرة ولا أملك لها ضرًا ولا نفعًا إلا بحولك وقوتك، أنت المستعان وعليك التكلان، فلا تكلني إلى نفسي ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾\n\n<span id=\"aya-1630\"></span>﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ الآية، وذلك أن يوسف ﵇ عصمه الله عصمة عظيمة، وحماه فامتنع منها أشد الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقامات الكمال أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك ويختار السجن على ذلك خوفًا من الله ورجاء ثوابه.\nولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أشعث بن سوار عن أبي إسحاق به، وأشعث ضعيف كما في التقريب.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، وقال الألباني: منكر باطل بهذا اللفظ (السلسلة الصحيحة ح ١٤٨١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي نعيم، وهو الفضل بن دكين، عن سفيان به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٦) صحيح البخاري، الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (ح ٦٦٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، =","vol":"4","page":510},{"text":"<span id=\"aya-1631\"></span>﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾\nيقول تعالى: ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين، أي إلى مدة، وذلك بعدما عرفوا براءته وظهرت الآيات، وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته، وكأنهم - والله أعلم - إنما سجنوه لما شاع الحديث إيهامًا أنه راودها عن نفسها وأنهم سجنوه على ذلك. ولهذا لما طلبه الملك الكبير في آخر المدة امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نسب إليه من الخيانة. فلما تقرر ذلك، خرج وهو نقي العرض صلوات الله عليه وسلامه.\nوذكر السدي أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه، ويبرأ عرضه فيفضحها (^١).\n\n<span id=\"aya-1632\"></span>﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾.\nقال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك، والآخر خبازه (^٢).\nقال محمد بن إسحاق: كان اسم الذي على الشراب نبو والآخر مجلث (^٣).\nقال السدي: كان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالَا على سمه في طعامه وشرابه (^٤).\nوكان يوسف ﵇ قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة، وصدق الحديث، وحسن السمت، وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه. ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن، وعيادة مرضاهم، والقيام بحقوقهم. ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن تآلفا به وأحباه حبًا شديدًا وقالا له: والله لقد أحببناك حبًا زائدًا. قال: بارك الله فيكما، إنه ما أحبني أحد إلا دخل عليّ من محبته ضرر، أحبتني عمتي فدخل عليّ الضرر بسببها، وأحبني أبي فأوذيت بسببه، وأحبتني امرأة العزيز فكذلك، فقالا: والله ما نستطيع إلا ذلك (^٥)، ثم إنهما رأيا منامًا فرأى الساقي أنه يعصر خمرًا، يعني: عنبًا، وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود: (إني أراني أعصر عنبًا) (^٦).\nورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود أنه قرأها: (أعصر عنبًا) (^٧).\nوقال الضحاك في قوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾: يعني: عنبًا، قال: وأهل عُمان يسمون\n_________\n= باب فضل إخفاء الصدقة (ح ١٠٣١).\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين من طريق أسباط عن السدي، ويقوي أحدهما الآخر.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن إسحاق في كتابه \"المبتدأ\" (ينظر: فتح الباري ١٢/ ٣٨١).\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق قال: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد، بنحوه.\n(^٦) ثبت ذلك عنه كما يلي، وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١٢/ ٣٨٢).","vol":"4","page":511},{"text":"العنب خمرًا (^١).\nوقال عكرمة: قال له: إني رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبة من عنب، فنبتت فخرج فيها عناقيد، فعصرتهن ثم سقيتهن الملك، فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام ثم تخرج فتسقيه خمرًا، وقال الآخر، وهو الخباز: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ الآية، والمشهور عند الأكثرين ما ذكرناه أنهما رأيا منامًا وطلبا تعبيره.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا: حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا، إنما كان تحالمًا ليجربا [علمه] (^٢) (^٣).\n\n<span id=\"aya-1633\"></span>﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾.\nيخبرهما يوسف ﵇ أنهما مهما رأيا في المنام من حلم فإنه عارف بتفسيره يخبرهما بتأويله قبل وقوعه، ولهذا قال: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾.\nومجاهد: يقول ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ [في نومكما] (^٤) ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ (^٥)، وكذا قال السدي (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا محمد بن يزيد شيخ له، [ثنا رشدين] (^٧) الحسن بن ثوبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما أدري لعل يوسف ﵇ كان يعتاف (^٨) وهو كذلك، لأني أجد في كتاب الله حين قال للرجلين: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ قال: إذا جاء الطعام حلوًا أو مرًا اعتاف عند ذلك. ثم قال ابن عباس: إنما عُلِّم فعلِم (^٩). وهذا أثر غريب، ثم قال (^١٠): وهذا إنما هو من تعليم الله إياي، لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثوابًا ولا عقابًا في المعاد\n\n<span id=\"aya-1634\"></span>﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده صحيح من طريق علي بن الحكم عن الضحاك.\n(^٢) كذا في الأصل وفي تفسير الطبري والدر المنثور، ونسبه إلى ابن أبي شيبة والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. وورد في (مح) و(حم) وبقية الطبعات من تفسير ابن كثير بلفظ: \"عليه\" والصواب ما أُثبت من المصدر الأصيل.\n(^٣) أخرجه الطبري بروايتين من الطريقين، وسنده ضعيف لأن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٤) سقط في الأصل واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين من طريق أسباط عن السدي، وأحدهما يقوي الآخر.\n(^٧) كذا في (مح)، وصحف في (حم) إلى \"رشيد\"، وسقط من الأصل، وقد أُثبت في تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٨) يعتاف: أي أنه كان صادق الحدس والظن (ينظر: النهاية ٣/ ٣٣٠).\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف رشدين كما في التقريب واستغربه الحافظ ابن كثير.\n(^١٠) القائل هو يوسف.","vol":"4","page":512},{"text":"إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ الآية، يقول: هجرت طريق الكفر والشرك، وسلكت طريق هؤلاء المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى، واتبع طريق المرسلين، وأعرض عن طريق الضالين، فإن الله يهدي قلبه، ويعلمه ما لم يكن يعلم، ويجعله إمامًا يقتدى به في الخير، وداعيًا إلى سبيل الرشاد ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ هذا التوحيد وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ أي: أوحاه إلينا وأمرنا به. ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم، بل ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يجعل الجد أبًا، ويقول: والله فمن شاء لاعنته عند الحجر، ما ذكر الله جدًا ولا جدة، قال الله تعالى، يعني إخبارًا عن يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-1635\"></span>\n\n<span id=\"aya-1636\"></span>﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾.\nثم إنّ يوسف ﵇ أقبل على الفتيين بالمخاطبة والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما، فقال: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: الذي ذلَّ كل شيء لعز جلاله وعظمة سلطانه، ثم بيّن لهما أن التي يعبدونها ويسمونها آلهة إنما هو جهل منهم، وتسمية من تلقاء أنفسهم، تلقاها خلفهم عن سلفهم، وليس لذلك مستند من عند الله، ولهذا قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: حجة ولا برهان، ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده قاطبة أن لا يعبدوا إلا إياه.\nثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له، هو الدين المستقيم الذي أمر الله به، وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلهذا كان أكثرهم مشركين، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف].\nوقد قال ابن جرير: إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا، لأنه عرف أنها ضارة لأحدهما، فأحبَّ أن يشغلهما بغير ذلك لئلا يعاودوه فيها، فعاودوه فأعاد عليهم الموعظة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه سعيد بن منصور من طريق هشيم عن حجاج به (السنن ١/ ٦٤).\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه (التفسير ١٦/ ١٠٢).","vol":"4","page":513},{"text":"وفي هذا الذي قاله نظر، لأنه قد وعدهما أولًا بتعبيرها، ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة وسببًا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام، لما رأى في سجيتهما من قبول الخير والإقبال عليه والإنصات إليه، ولهذا لما فرغ من دعوتهما شرع في تعبير رؤياهما من غير تكرار سؤال فقال:\n\n<span id=\"aya-1637\"></span>﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾.\nيقول لهما: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا، ولكنه لم يعينه لئلا يحزن ذاك، ولهذا أبهمه في قوله: ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا، ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه؛ وهو واقع لا محالة، لأن \"الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت\" (^١).\nوقال الثوري، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم عن، عبد الله قال: لما قالا ما قالا وأخبرهما، قالا: ما رأينا شيئًا، فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. ورواه محمد بن فضيل عن عمارة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود به (^٢)، وكذا فسره مجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم (^٣)، وحاصله أن من تحلّم بباطل، وفسره فإنه يلزم بتأويله، والله تعالى أعلم.\nوقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن معاوية بن حيدة، عن النبي ﷺ قال: \"الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت\" (١). وفي مسند أبي يعلى من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس مرفوعًا: \"الرؤيا لأول عابر\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-1638\"></span>﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾.\nولما ظن يوسف ﵇ نجاة أحدهما وهو الساقي، قال له يوسف خفية عن الآخر، والله أعلم - لئلا يشعره أنه المصلوب - قال له: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يقول: اذكر قصتي عند ربك، وهو الملك، فنسي ذلك الموصَى أن يذكر مولاه الملك بذلك، وكان من جملة مكايد الشيطان لئلا يطلع نبي الله من السجن، هذا هو الصواب أن الضمير في قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الآية (٥) من هذه السورة الكريمة.\n(^٢) أخرجه الطبري بالسندين، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن فضيل به وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق الثوري عن عمارة بن القعقاع عن إبراهيم عن الأسود عن ابن مسعود وصححه (المستدرك ٢/ ٣٤٦).\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه أبو يعلى من طريق يزيد الرقاشي به وأطول (المسند ٧/ ١٥٨ ح ٤١٣١) وضعفه محقفه، وأخرجه ابن ماجه من طريق الرقاشي أيضًا، وضعفه البوصيري لضعف يزيد الرقاشي (مصباح الزجاجة ٣/ ٢١٦) وضعفه أيضًا الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١٢/ ٤٣٢).","vol":"4","page":514},{"text":"رَبِّهِ﴾ عائد على الناجي، كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد (^١).\nويقال: إن الضمير عائد على يوسف ﵇ رواه ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد أيضًا وعكرمة وغيرهم (^٢).\nوأسند ابن جرير ههنا حديثًا فقال: حدثنا ابن وكيع، حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا، قال: قال النبي ﷺ: \"لو لم يقل - يعني يوسف - الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث، حيث يبتغي الفرج من عند غير الله\" (^٣)، وهذا الحديث ضعيف جدًا، لأن سفيان بن وكيع ضعيف، وإبراهيم بن يزيد هو الخوزي أضعف منه أيضًا. وقد روي عن الحسن وقتادة مرسلًا عن كل منهما (^٤)، وهذه المرسلات ههنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، والله أعلم.\nوأما البضع، فقال مجاهد وقتادة: هو ما بين الثلاث إلى التسع (^٥).\nوقال وهب بن منبه: مكث أيوب في البلاء سبعًا، ويوسف في السجن سبعًا، وعذب بختنصر سبعًا (^٦).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس ﵄ ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ قال: ثنتا عشرة سنة (^٧). وقال الضحاك: أربع عشرة سنة (^٨).\n\n<span id=\"aya-1639\"></span>\n\n<span id=\"aya-1640\"></span>\n\n<span id=\"aya-1641\"></span>\n\n<span id=\"aya-1642\"></span>\n\n<span id=\"aya-1643\"></span>\n\n<span id=\"aya-1644\"></span>\n\n<span id=\"aya-1645\"></span>﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾.\nهذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سببًا لخروج يوسف ﵇ من السجن،\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه عنعنة ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول ابن إسحاق سنده حسن عند ابن أبي حاتم.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف كما فصّل الحافظ ابن كثير.\n(^٤) قول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه وكلاهما مرسل وقد ردهما الحافظ ابن كثير.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور، وهو ابن المعتمر عنه.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق عن عمران أبي الهذيل الصنعاني عن وهب بنحوه، ووهب بن منبه مشهور برواية الإسرائيليات.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق محمد بن عمر عن الضحاك.","vol":"4","page":515},{"text":"معززًا مكرمًا، وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا، فهالته وتعجب من أمرها وما يكون تفسيرها، فجمع الكهنة والحزاة (^١) وكبراء دولته وأمراءه، فقصَّ عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا إليه بأنها ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أخلاط أحلام اقتضته رؤياك هذه ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ أي: لو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها، وهو تعبيرها، فعند ذلك تذكر الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف، وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف من ذكر أمره للملك، فعند ذلك تذكر بعد أُمة، أي مدة، وقرأ بعضهم (بعد أُمه) (^٢)، أي بعد نسيان (^٣)، فقال لهم؛ أي: للملك والذين جمعهم لذلك: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: بتأويل هذا المنام، ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي: فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن، ومعنى الكلام فبعثوه فجاءه، فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ وذكر المنام الذي رآه الملك، فعند ذلك ذكر له يوسف ﵇ تعبيرها من غير تعنيف للفتى في نسيانه ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، بل قال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ أي: يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات ففسر البقر بالسنين، لأنها تثير الأرض التي تستغل منها الثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين، فقال: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب، فاخزنوه في سنبله ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلًا قليلًا، لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان، لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب، وهن السنبلات اليابسات، وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئًا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء، ولهذا قال: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس؛ أي: يأتيهم الغيث وهو المطر وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه، وسكر ونحوه، حتى قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضًا.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يحلبون (^٤).\n\n<span id=\"aya-1646\"></span>﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾.\nيقول تعالى إخبارًا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأيقنه،\n_________\n(^١) الحزاة: جمع حاز، وهو الذي يحزر الأشياء ويقدرها بظنه.\n(^٢) وهي قراءة شاذة قرأ بها عكرمة كما يلي.\n(^٣) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا، عن عكرمة.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"4","page":516},{"text":"فعرف فضل يوسف ﵇، وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه، وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه، فقال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ أي: أخرجوه من السجن وأحضروه، فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه، بل كان ظلمًا وعدوانًا، فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾.\nوقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره وصبره، صلوات الله وسلامه عليه، ففي المسند والصحيحين من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية، ويرحم الله لوطًا كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي\" (^١).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"لو كنت أنا، لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر\" (^٢).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، [عن عكرمة] (^٣) قال: قال رسول الله ﷺ: \"لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر\" (^٤)، هذا حديث مرسل.\n\n<span id=\"aya-1647\"></span>وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ إخبار عن الملك حين جمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز، فقال مخاطبًا لهن كلهن وهو يريد امرأة وزيره، وهو العزيز، قال الملك للنسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أي: شأنكن وخبركن ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ يعني يوم الضيافة، ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ أي: قالت النسوة جوابًا للملك: حاش لله أن يكون يوسف متهمًا، والله ما علمنا عليه من سوء، فعند ذلك ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: تقول: الآن تبين الحق وظهر وبرز، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦]\n\n<span id=\"aya-1648\"></span>\n\n<span id=\"aya-1649\"></span>﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد ٢/ ٣٢٦، وصحيح البخاري، تفسير سورة يوسف، باب ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ. . .﴾ [٥٠] (ح ٤٦٩٤)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة (ح ٢٣٨).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسّن سنده محققوه (المسند ١٤/ ٢٢٨ ح ٨٥٥٤).\n(^٣) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير عبد الرزاق.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.","vol":"4","page":517},{"text":"﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى، ولهذا راودته لأن ﴿النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ أي: إلا من عصمه الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام.\nوقد حكاه الماوردي في تفسيره (^١)، وانتدب لنصره الإمام أبو العباس ابن تيمية ﵀ (^٢)، فأفرده بتصنيف على حدة، وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف ﵇ يقول: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ في زوجته ﴿بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾. وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه (^٣). وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة فسألهن: هل راودتن يوسف عن نفسه؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، قال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ فقال جبريل ﵇: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (^٤)، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وابن أبي الهذيل والضحاك والحسن وقتادة والسدي (^٥)، والقول الأول أقوى وأظهر، لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف ﵇ عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك.\n\n<span id=\"aya-1650\"></span>\n\n<span id=\"aya-1651\"></span>﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾.\nيقول تعالى إخبارًا عن الملك حين تحقق براءة يوسف ﵇ ونزاهة عرضه مما نسب إليه، قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي: أجعله من [خاصتي] (^٦) وأهل مشورتي ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ أي: خاطبه الملك، وعرفه، ورأى فضله وبراعته، وعلم ما هو عليه من خلق وخلق وكمال، قال له الملك: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي: إنك عندنا قد بقيت ذا مكانة وأمانة، فقال يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ مدح نفسه، ويجوز للرجل ذلك إذا جهل أمره للحاجة، وذكر أنه ﴿حَفِيظٌ﴾ أي: خازن أمين، ﴿عَلِيمٌ﴾ ذو علم وبصر بما يتولاه.\nوقال شيبة بن نعامة: حفيظ لما استودعتني، عليم بسني الجدب. رواه ابن أبي حاتم (^٧).\n_________\n(^١) النكت والعيون ٢/ ٢٧٨.\n(^٢) ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٠/ ٢٩٨.\n(^٣) سيأتي ذكرها في الروايات التالية، وهي من الإسرائيليات.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سماك وهو ابن حرب وروايته عن عكرمة فيها اضطراب، وإذا صحت فإنها من الإسرائيليات.\n(^٥) لم أجده عن مجاهد، وقد أخرجه الطبري بأسانيد صحاح عن سعيد بن جبير بنحوه، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي سنان عن ابن أبي الهذيل، وأخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عن الحسن وقتادة بنحوه، وقول عكرمة تقدم عن ابن عباس.\n(^٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"أخصاي\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق إبراهيم بن مختار، عن شيبة بن نعامة.","vol":"4","page":518},{"text":"وسأل العمل لعلمه بقدرته عليه ولما فيه من المصالح للناس، وإنما سأله أن يجعله على خزائن الأرض، وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلات، لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها، فيتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد، فأجيب إلى ذلك رغبة فيه وتكرمة له ولهذا قال تعالى:\n\n<span id=\"aya-1652\"></span>\n\n<span id=\"aya-1653\"></span>﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أرض مصر، ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يتصرف فيها كيف يشاء (^١).\nوقال ابن جرير: يتخذ منها منزلًا حيث يشاء بعد الضيق والحبس والإسار (^٢)، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: وما أضعنا صبر يوسف على أذى إخوته وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز، فلهذا أعقبه الله ﷿ السلامة والنصر والتأييد، ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ يخبر تعالى أن ما ادخره الله تعالى لنبيه يوسف ﵇ في الدار الآخرة أعظم وأكثر وأجلّ مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا، كقوله في حق سليمان ﵇: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ [ص] والغرض أن يوسف ﵇ ولاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر مكان الذي اشتراه من مصر زوج التي راودته، وأسلم الملك على يدي يوسف ﵇. قاله مجاهد.\nوقال محمد بن إسحاق، لما قال يوسف للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] قال الملك: قد فعلت، فولّاه فيما ذكروا عمل اطفير، وعزل اطفير عما كان عليه، يقول الله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ قال: فذكر لي - والله أعلم - أن اطفير هلك في تلك الليالي، وأن الملك الريان بن الوليد زوّج يوسف امرأة اطفير راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال لها: أليس هذا خيرًا مما كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصديق لا تلمني، فإن كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة ناعمة في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك على ما رأيت، فيزعمون أنه وجدها عذراء، فأصابها، فولدت له رجلين: أفرائيم بن يوسف، وميشا بن يوسف، وولد لأفرائيم نون والد يوشع بن نون، ورحمة امرأة أيوب ﵇ (^٣).\nوقال الفضيل بن عياض: وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مرَّ يوسف، فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكًا بطاعته، والملوك عبيدًا بمعصيته (^٤).\n_________\n(^١) قول السدي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريقين عن أسباط عن السدي، وأحدهما يقوي الآخر، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٢) ذكره الطبري بلفظه مطولًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق مقطعًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق قادم الديلمي العابد عن الفضيل، والخبر من الإسرائيليات.","vol":"4","page":519},{"text":"<span id=\"aya-1654\"></span>﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾.\nذكر السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين أن السبب الذي أقدم إخوة يوسف بلاد مصر، أن يوسف ﵇ لما باشر الوزارة بمصر ومضت السبع السنين المخصبة، ثم تلتها السبع سنين الجدب، وعمّ القحط بلاد مصر بكمالها، ووصل إلى بلاد كنعان وهي التي فيها يعقوب ﵇ وأولاده (^١)، وحينئذٍ احتاط يوسف ﵇ للناس في غَلَّاتهم، وجمعها أحسن جمع، فحصل من ذلك مبلغ عظيم وأهراء متعددة هائلة، وورد عليه الناس من سائر الأقاليم والمعاملات، يمتارون لأنفسهم وعيالهم، فكان لا يعطي الرجل أكثر من حمل بعير في السنة، وكان ﵇ لا يشبع نفسه، ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النهار، حتى يتكفأ الناس بما في أيديهم مدة السبع سنين، وكان رحمة من الله على أهل مصر.\nوما ذكره بعض المفسرين من أنه باعهم في السنة الأولى بالأموال، وفي الثانية بالمتاع، وفي الثالثة بكذا، وفي الرابعة بكذا، حتى باعهم بأنفسهم وأولادهم بعدما تملّك عليهم جميع ما يملكون، ثم أعتقهم وردَّ عليهم أموالهم كلها، الله أعلم بصحة ذلك، وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، والغرض أنه كان في جملة من ورد للميرة إخوة يوسف عن أمر أبيهم لهم في ذلك، فإنه بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعامًا، وركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب ﵇ عنده ابنه بنيامين شقيق يوسف ﵇، وكان أحب ولده إليه بعد يوسف، فلما دخلوا على يوسف وهو جالس في أبهته ورياسته وسيادته، عرفهم حين نظر إليهم، وهم له منكرون، أي لا يعرفونه، لأنهم فارقوه وهو صغير حدث، وباعوه للسيارة ولم يدروا أين يذهبون به، ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه، فلهذا لم يعرفوه، وأما هو فعرفهم.\nفذكر السدي وغيره أنه شرع يخاطبهم، فقال لهم كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ فقالوا: أيها العزيز إنا قدمنا للميرة (^٢)، قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ الله. قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي الله. قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم كنا اثني عشر، فذهب أصغرنا، هلك في البرية وكان أحبنا إلى أبيه، وبقي شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه، فأمر بإنزالهم وإكرامهم\n\n<span id=\"aya-1655\"></span>\n\n<span id=\"aya-1656\"></span>﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: أوفى لهم كيلهم، وحمل لهم أحمالهم، قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم لأعلم صدقكم فيما ذكرتم ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾؟ يرغبهم في الرجوع إليه، ثم رهبهم فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ الآية؛ أي: إن لم تقدموا به معكم في المرة الثانية فليس لكم عندي ميرة، ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾\n\n<span id=\"aya-1657\"></span>﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسندين ضعيفين عن السدي وعن ابن إسحاق بنحوه.\n(^٢) أي لجلب الطعام.","vol":"4","page":520},{"text":"عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١)﴾ أي: سنحرص على مجيئه إليك بكل ممكن، ولا نبقي مجهودًا لتعلم صدقنا فيما قلناه (^١).\nوذكر السدي أنه أخذ منهم رهائن حتى يقدموا به معهم، وفي هذا نظر لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيرًا، وهذا لحرصه على رجوعهم،\n\n<span id=\"aya-1658\"></span>﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ أي: غلمانه ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ أي: التي قدموا بها ليمتاروا عوضًا عنها ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ أي: في أمتعتهم من حيث لا يشعرون، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ بها.\nقيل: خشي يوسف ﵇ أن لا يكون عندهم بضاعة أخرى يرجعون للميرة بها.\nوقيل: تذمم أن يأخذ من أبيه وإخوته عوضًا عن الطعام، وقيل: أراد أن يردهم إذا وجدوها في متاعهم تحرجًا وتورعًا، لأنه يعلم ذلك منهم، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1659\"></span>\n\n<span id=\"aya-1660\"></span>﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾.\nيقول الله تعالى عنهم: إنهم رجعوا إلى أبيهم ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ يعنون بعد هذه المرة، إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين لا نكتل، فأرسله معنا نكتل، وإنا له لحافظون، قرأ بعضهم بالياء، أي (يكتل) هو، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي: لا تخف عليه فإنه سيرجع إليك، وهذا كما قالوا له في يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾ [يوسف] ولهذا قال لهم: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم بأخيه من قبل، تغيبونه عني، وتحولون بيني وبينه؟ ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ وقرأ بعضهم ﴿حفِظًا﴾ (^٢) ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: هو أرحم الراحمين بي، وسيرحم كبري وضعفي ووجدي بولدي، وأرجو من الله أن يرده علي ويجمع شملي به، إنه أرحم الراحمين.\n\n<span id=\"aya-1661\"></span>﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾.\nيقول تعالى: ولما فتح إخوة يوسف متاعهم، وجدوا بضاعتهم رُدَّت إليهم، وهي التي كان أمر يوسف فتيانه بوضعها في رحالهم، فلما وجدوها في متاعهم ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أي: ماذا نريد ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾، [كما قال قتادة: ما نبغي وراء هذا، إن بضاعتنا رُدَّت إلينا] (^٣) وقد أوفى لنا الكيل (^٤)، ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: إذا أرسلت أخانا معنا نأتي بالميرة إلى أهلنا،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بنحوه من طريقين عن أسباط عن السدي، وهذا من الطريقان يقوي أحدهما الآخر.\n(^٢) وهاتان قراءتان متواترتان.\n(^٣) الزيادة من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"4","page":521},{"text":"﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ وذلك أن يوسف ﵇ كان يعطي كل رجل حمل بعير.\nوقال مجاهد: حمل حمار، وقد يسمى في بعض اللغات بعيرًا (^١)، كذا قال ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ هذا من تمام الكلام وتحسينه؛ أي إن هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم ما يعدل هذا\n\n<span id=\"aya-1662\"></span>﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: تحلفون بالعهود والمواثيق ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلا أن تغلبوا كلكم ولا تقدرون على تخليصه ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أكده عليهم، فقال: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.\nقال ابن إسحاق: وإنما فعل ذلك لأنه لم يجد بدًا من بعثهم لأجل الميرة التي لا غنى لهم عنها، فبعثه معهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-1663\"></span>﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾.\nيقول تعالى إخبارًا عن يعقوب ﵇، إنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر أن لا يدخلوا كلهم من باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة، فإنه كما قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد إنه: خشي عليهم العين (^٣)، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة، ومنظر وبهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم، فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه.\nوروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قال: علم أنه سيلقى إخوته في بعض تلك الأبواب (^٤).\nوقوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: إن هذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه، فإن الله إذا أراد شيئًا لا يخالف ولا يمانع، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾\n\n<span id=\"aya-1664\"></span>﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ قالوا: هي دفع إصابة العين لهم.\n﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ قال قتادة والثوري: لذو عمل بعلمه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق بنحوه.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بما يليه، وقول محمد بن كعب أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وذلك في تفسير الآية التالية رقم (٦٨)، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه يحيى بن عبد الحميد الحماني: وهو متهم بسرقة الحديث.\n(^٥) قول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الثوري =","vol":"4","page":522},{"text":"وقال ابن جرير: لذو علم لتعليمنا إياه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-1665\"></span>﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾.\nيخبر تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف ومعهم أخوه شقيقه بنيامين، وأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته، وأفاض عليهم الصلة والألطاف والإحسان، واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه وما جرى له، وعرفه أنه أخوه، وقال له: لا تبتئس؛ أي: لا تأسف على ما صنعوا بي، وأمره بكتمان ذلك عنهم، وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززًا مكرّمًا معظمًا.\n\n<span id=\"aya-1666\"></span>\n\n<span id=\"aya-1667\"></span>﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾.\nلما جهزهم وحمل لهم أبعرتهم طعامًا، أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية، وهي إناء من فضة في قول الأكثرين، وقيل: من ذهب - قاله ابن زيد - كان يشرب فيه (^٢)، ويكيل للناس به من عزة الطعام إذ ذاك، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد (^٣).\nوقال شعبة، عن أبي بشر، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: صواع الملك، قال: كان من فضة يشربون فيه، وكان مثل المكوك (^٤)، وكان للعباس مثله في الجاهلية (^٥)، فوضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد، ثم نادى منادٍ بينهم ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ فالتفتوا إلى المنادي وقالوا: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١)﴾\n\n<span id=\"aya-1668\"></span>﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ أي: صاعه الذي يكيل به ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وهذا من باب الجعالة (^٦)، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ وهذا من باب الضمان والكفالة (^٧).\n_________\n= أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق سفيان بن عيينة عن سعيد بن أبي عروبة كسابقه، ولم يذكر الثوري، ولا يضر فكلاهما ثقة.\n(^١) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن ابن زيد، وهو عبد الرحمن.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوي بما يليه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه شيخ الطبري مبهم، وقول عبد الرحمن بن زيد تقدم في الحاشية السابقة.\n(^٤) المكوك: اسم للمكيال، يختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد (النهاية ٤/ ٣٥٠).\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق شعبة به وصحح سنده الحافظ ابن حجر (تغليق التعليق ٤/ ٢٢٨ - ٢٩٩).\n(^٦) الجعالة: هي التزام عوض معلوم على عمل معين بقطع النظر عن فاعله، وقد استدل الفقهاء بهذه الآية ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] في مشروعية الجعالة (ينظر: الفقه الميسر ص ٢٦٣).\n(^٧) الكفالة: هي التزام إحضار من عليه حق مالي لربه، إلى مجلس الحكم، وقد استدل الفقهاء بالآية السابقة على مشروعيتها (المصدر السابق ص ٢٣٤).","vol":"4","page":523},{"text":"<span id=\"aya-1669\"></span>\n\n<span id=\"aya-1670\"></span>﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾.\nلما اتهمهم أولئك الفتيان بالسرقة، قال لهم إخوة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ أي: لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا، لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة أنا ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ أي: ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة، فقال لهم الفتيان: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أي: السارق إن كان فيكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي: أي شيء تكون عقوبته إن وجدنا فيكم من أخذه؟\n\n<span id=\"aya-1671\"></span>\n\n<span id=\"aya-1672\"></span>﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾ وهكذا كانت شريعة إبراهيم ﵇، أن السارق يدفع إلى المسروق منه، وهذا هو الذي أراد يوسف ﵇، ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه؛ أي فتشها قبله تورية، ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، وإلزامًا لهم بما يعتقدونه، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة.\nوقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي: لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر. قاله الضحاك وغيره، وإنما قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه الله تعالى فقال: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.\nقال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله ﷿ (^١)، وكذا روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير، قال: كما عند ابن عباس فحدث بحديث عجيب، فتعجب رجل فقال: الحمد لله فوق كل ذي علم عليم، فقال ابن عباس: بئس ما قلت: الله العليم فوق كل عالم (^٢)، وكذا روى سماك عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم (^٣)، وهكذا قال عكرمة (^٤).\nوقال قتادة: وفوق كل ذي علم عليم، حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدئ، وتعلمت العلماء، وإليه يعود، وفي قراءة عبد الله: (وفوق كل عالم عليم) (^٥).\n\n<span id=\"aya-1673\"></span>﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾.\nوقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسرائيل عن سماك به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق خالد الحذاء عن عكرمة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، لكن قتادة لم يسمع من ابن مسعود، فيكون الأثر ثابتًا عن قتادة سوى القراءة، وهي شاذة تفسيرية.","vol":"4","page":524},{"text":"مِنْ قَبْلُ﴾ يتنصَّلون إلى العزيز من التشبه به، ويذكرون أن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف ﵇.\nقال سعيد بن جبير [و] (^١) قتادة: كان يوسف ﵇ قد سرق صنمًا لجده أبي أمه فكسره (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت عندها منطقة (^٣) إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر، فكان من اختبأها ممن وليها كان له سلمًا لا ينازع فيه، يصنع فيه ما يشاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته، وكان لها به وَلَه، فلم تحب أحدًا حبها إياه حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات، تاقت إليه نفس يعقوب ﵇، فأتاها فقال: يا أخية سلمي إليّ يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة. قالت: فوالله ما أنا بتاركته، ثم قالت: فدعه عندي أيامًا أنظر إليه، وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه، أو كما قالت، فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى مِنطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق ﵇، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟ فالتمست، ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوهم، فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لسلم، أصنع فيه ما شئت، فأتاه يعقوب، فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذلك، إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت، قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (^٤).\nوقوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ يعني: الكلمة التي بعدها، وهي قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أي: تذكرون، قال هذا في نفسه ولم يبده لهم، وهذا من باب الإضمار قبل الذكر، وهو كثير، كقول الشاعر (^٥):\nجزى بنوه أبا الغيلان عن كبر … وحسن فعل كما يُجزي سنمّار (^٦)\nوله شواهد كثيرة في القرآن والحديث واللغة في منثورها وأخبارها وأشعارها.\nقال العوفي، عن ابن عباس ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ قال: أسر في نفسه ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) والتخريج وفي الأصل: \"عن\".\n(^٢) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند فيه الفيض بن الفضل سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ٤/ ١٤٠)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٦/ ٨٨)، وضعفه البسوي وقال: لا يفرح بحديثه (المعرفة والتاريخ ٣/ ٥٨)، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه.\n(^٣) المِنطقة: كل ما يشد به الوسط كالنطاق.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن.\n(^٥) هو سليط بن سعد كما في حاشية خزانة الأدب ٢/ ٤٩٥.\n(^٦) هذا البيت ذكره ابن عقيل في شرح ألفية ابن مالك برقم ١٥٣، والشاهد فيه أنه قد اتصل بالفاعل المتقدم ضمير يعود إلى المفعول المتأخر للضرورة الشعرية، والأصل أن يقال: جزى أبا الغيلان بنوه …\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به.","vol":"4","page":525},{"text":"<span id=\"aya-1674\"></span>﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾.\nلما تعيَّن أخذ بنيامين وتقرر تركه عند يوسف بمقتضى اعترافهم، شرعوا يترققون له ويعطفونه عليهم فـ ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ يعنون وهو يحبه حبًا شديدًا ويتسلى به عن ولده الذي فقده ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أي: بدله يكون عندك عوضًا عنه، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: العادلين المنصفين القابلين للخير،\n\n<span id=\"aya-1675\"></span>﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي: كما قلتم واعترفتم ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ أي: إن أخذنا بريئًا بسقيم.\n\n<span id=\"aya-1676\"></span>﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾.\nيخبر تعالى عن إخوة يوسف أنهم لما يئسوا من تخليص أخيهم بنيامين الذي قد التزموا لأبيهم بردِّه إليه، وعاهدوه على ذلك، فامتنع عليهم ذلك ﴿خَلَصُوا﴾ أي: انفردوا عن الناس ﴿نَجِيًّا﴾ يتناجون فيما بينهم ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ وهو روبيل، وقيل: يهوذا، وهو الذي أشار عليهم بإلقائه في البئر عندما هموا بقتله، قال لهم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ لتردنَّه إليه فقد رأيتم كيف تعذر عليكم ذلك مع ما تقدم لكم من إضاعة يوسف عنه ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن أفارق هذه البلدة ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الرجوع إليه راضيًا عني ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ قيل: بالسيف، وقيل: بأن يمكنني من أخذ أخي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾،\n\n<span id=\"aya-1677\"></span>ثم أمرهم أن يخبروا أباهم بصورة ما وقع، حتى يكون عذرًا لهم عنده، ويتنصلوا إليه ويبرؤا مما وقع بقولهم وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾.\nقال قتادة وعكرمة: ما نعلم أن ابنك سرق (^١).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما علمنا في الغيب أنه يسرق له شيئًا، إنما سألنا ما جزاء السارق (^٢)؟\n\n<span id=\"aya-1678\"></span>﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ قيل: المراد مصر. قاله قتادة (^٣)، وقيل غيرها (^٤)، ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي: التي رافقناها، عن صدقنا وأمانتنا وحفظنا وحراستنا، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به من أنه سرق وأخذوه بسرقته.\n_________\n(^١) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يزيد النحوي عنه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الفرج بن أصبغ عن عبد الرحمن بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد أنها حمير.","vol":"4","page":526},{"text":"<span id=\"aya-1679\"></span>﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾.\nقال لهم كما قال لهم حين جاءوا على قميص يوسف بدم كذب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قال محمد بن إسحاق: لما جاءوا يعقوب وأخبروه بما جرى، اتهمهم فظن أنها كفعلتهم بيوسف، قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (^١)، وقال بعض الناس: لما كان صنيعهم هذا مرتبًا على فعلهم الأول، سحب حكم الأول عليه، وصحَّ قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ثم ترجَّى من الله أن يردَّ عليه أولاده الثلاثة: يوسف وأخاه بنيامين وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه، إما أن يرضى عنه أبوه، فيأمره بالرجوع إليه، وإما أن يأخذ أخاه خفية، ولهذا قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي: العليم بحالي، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله وقضائه وقدره،\n\n<span id=\"aya-1680\"></span>﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ أي: أعرض عن بنيه، وقال متذكرًا حزن يوسف القديم الأول: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ جدد له حزن الابنين الحزن الدفين.\nقال عبد الرزاق (^٢): أنبأنا الثوري، عن سفيان العصفري، عن سعيد بن جبير أنه قال: لم يعط أحد غير هذه الأمة الاسترجاع، ألا تسمعون إلى قول يعقوب ﵇: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (^٣)، أي: ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق، قاله قتادة وغيره (^٤).\nوقال الضحاك: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ كميد حزين (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، أن النبي ﷺ قال: \"إن داود ﵇ قال: يا ربِّ إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاجعلني لهم رابعًا، فأوحى الله تعالى إليه: أن يا داود إن إبراهيم ألقي في النار بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن إسحاق بذل مهجة دمه بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن يعقوب أخذت منه حبيبه فابيضت عيناه من الحزن فصبر، وتلك بلية لم تنلك\" (^٦). وهذا منكر وفيه نكارة، فإن الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح، ولكن علي بن زيد بن جدعان له، مناكير وغرائب كثيرة، والله أعلم، وأقرب ما في هذا أن الأحنف بن قيس ﵀ حكاه عن بعض بني إسرائيل ككعب ووهب ونحوهما، والله أعلم، فإن الإسرائيليين ينقلون أن يعقوب\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق وكيع عن الثوري به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق وكيع عن الثوري به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وضعفه ابن كثير سندًا ومتنًا.","vol":"4","page":527},{"text":"كتب إلى يوسف لما احتبس أخاه بسبب السرقة يتلطف له في ردِّ ابنه، ويذكر له أنهم أهل بيت مصابون بالبلاء، فإبراهيم ابتلي بالنار، وإسحاق بالذبح، ويعقوب بفراق يوسف … في حديث طويل لا يصح، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1681\"></span>فعند ذلك رقَّ له بنوه، وقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تفارق تذكر يوسف ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ أي: ضعيف القوة ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ يقولون: إن استمر بك هذا الحال خشينا عليك الهلاك والتلف\n\n<span id=\"aya-1682\"></span>﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: أجابهم عما قالوا بقوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي﴾ أي همّي وما أنا فيه ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ وحده، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أرجو منه كل خير.\nوعن ابن عباس: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني رؤيا يوسف أنها صدق (^١)، وأن الله لا بدّ أن يظهرها، وقال العوفي عنه في الآية: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني سوف أسجد له (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا يحيى بن عبد الملك [بن أبي غنية] (^٣)، عن حفص بن عمر بن أبي الزبير، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كان ليعقوب النبي ﵇ أخ مؤاخ له، فقال له ذات يوم: ما الذي أذهب بصرك، وقوس ظهرك؟ قال: أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف، وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أما تستحي أن تشكوني إلى غيري؟ فقال يعقوب: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فقال جبريل ﵇: الله أعلم بما تشكو\" (^٤). وهذا حديث غريب فيه نكارة.\n\n<span id=\"aya-1683\"></span>﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن يعقوب ﵇: إنه ندب بنيه على الذهاب في الأرض يستعلمون أخبار يوسف وأخيه بنيامين، والتحسس يكون في الخير، والتجسس يكون في الشر، ونهضهم وبشرهم وأمرهم أن لا ييأسوا من روح الله، أي لا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يرومونه ويقصدونه، فإنه لا يقطع الرجاء ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.\n\n<span id=\"aya-1684\"></span>وقوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ تقدير الكلام: فذهبوا فدخلوا مصر، ودخلوا على يوسف ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ يعنون من الجدب والقحط وقلة الطعام، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي: ومعنا ثمن الطعام\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.\n(^٢) هو الأثر السابق بلفظه.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صحفت إلى: \"ابن أبي عنبة\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن كثير، وأخرجه الحاكم من طريق يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٤٨، ٣٤٩)، ولكن الغرابة في آخره ترجح نقد الحافظ ابن كثير.","vol":"4","page":528},{"text":"الذي نمتاره، وهو ثمن قليل، قاله مجاهد والحسن وغير واحد (^١).\nوقال ابن عباس: الرديء لا ينفق مثل خلق الغِرارة والحبل والشيء (^٢).\nوفي رواية عنه: الدراهم الرديئة التي لا تجوز إلا بنقصان (^٣)، وكذا قال قتادة والسدي (^٤).\nوقال سعيد بن جبير: هي الدراهم الفسول (^٥).\nوقال أبو صالح: هو الصنوبر وحبة الخضراء (^٦).\nوقال الضحاك: كاسدة لا تنفق (^٧).\nوقال أبو صالح: جاءوا بحب البطم الأخضر والصنوبر (^٨)، وأصل الإخاء: الإزجاء لضعف الشيء، كما قال حاتم الطائي:\nلبيك على مِلحان ضيفٌ مُدَفَّعٌ … وأرملة تزجي مع الليل أرملا (^٩)\nوقال أعشى بني ثعلبة:\nالواهب المائة الهِجان (^١٠) وعبدها … عوذًا تزجي خلفها أطفالها (^١١)\nوقوله إخبارًا عنهم: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أي: أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك، وقرأ ابن مسعود: فأوقر ركابنا وتصدّق علينا (^١٢).\nوقال ابن جريج: وتصدّق علينا برد أخينا إلينا (^١٣).\nوقال سعيد بن جبير والسدي: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ يقولون: تصدّق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة، وتجوز فيها (^١٤).\nوسئل سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي ﷺ؟ فقال، ألم تسمع قوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾؟ رواه ابن جرير عن الحارث،\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٤) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أسباط عنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي حصين، وهو عثمان بن عاصم، عن سعيد بن جبير، والدراهم الفسول: المزيفة لا قيمة لها.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق مروان بن عمرو عن أبي صالح.\n(^٧) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن الضحاك.\n(^٨) تقدم قبل الرواية السابقة.\n(^٩) ديوان حاتم الطائي ص ٢٨٢، واستشهد به الطبري.\n(^١٠) الهجان من الإبل: البيض الكرام.\n(^١١) ديوان أعشى بني ثعلبة ص ٢٩.\n(^١٢) هي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^١٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود، وهو ضعيف.\n(^١٤) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند ضعيف، فيه أبو بكر الهذلي وهو متروك، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا والطبري بنحوه بسند ضعيف فيه سفيان بن وكيع.","vol":"4","page":529},{"text":"عن القاسم عنه (^١). وقال ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا القاسم، حدثنا مروان بن معاوية، عن عثمان بن الأسود، سمعت مجاهدًا وسئل: هل يكره أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدّق عليَّ؟ قال: نعم، إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب (^٢).\n\n<span id=\"aya-1685\"></span>\n\n<span id=\"aya-1686\"></span>﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن يوسف ﵇، أنه لما ذكر له إخوته ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام وعموم الجدب، وتذكر أباه وما هو فيه من الحزن لفقد ولديه مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسعة، فعند ذلك أخذته رقة ورأفة ورحمة وشفقة على أبيه وإخوته، وبدره البكاء فتعرف إليهم، فيقال: إنه رفع التاج عن جبهته، وكان فيها شامة، وقال: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ يعني: كيف فرقوا بينه وبين أخيه ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ أي: إنما حملكم على هذا الجهل بمقدار هذا الذي ارتكبتموه، كما قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل، وقرأ ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩]، والظاهر - والله أعلم - أن يوسف ﵇ إنما تعرف إليهم بنفسه بإذن الله تعالى له في ذلك، كما أنه إنما أخفى منهم نفسه في المرتين الأوليين بأمر الله تعالى له في ذلك، والله أعلم، ولكن لما ضاق الحال واشتد الأمر، فرج الله تعالى من ذلك الضيق، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح] فعند ذلك قالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾؟ وقرأ أُبي بن كعب (إنك لأنت يوسف) (^٣)، وقرأ ابن محيصن (أنت يوسف) (^٣)، والقراءة المشهورة هي الأولى، لأن الاستفهام يدل على الاستعظام، أي أنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر وهم لا يعرفونه وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه، فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾.\nوقوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي: بجمعه بيننا بعد التفرقة وبعد المدة ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾\n\n<span id=\"aya-1687\"></span>﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق والسعة والملك والتصرف والنبوة أيضًا، على قول من لم يجعلهم أنبياء، وأقروا له بأنهم أساءوا إليه وأخطأوا في حقه\n\n<span id=\"aya-1688\"></span>﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ يقول: أي لا تأنيب عليكم ولا عتب عليكم اليوم، ولا أعيد عليكم ذنبكم في حقي بعد اليوم، ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف لإبهام شيخ سفيان بن عيينة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه سعيد بن منصور بسند حسن من طريق عثمان به (السنن، التفسير رقم ١١٤٣).\n(^٣) وهي قراءة شاذة.","vol":"4","page":530},{"text":"قال السدي: اعتذروا إلى يوسف فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ يقول: لا أذكر لكم ذنبكم (^١).\nوقال ابن إسحاق والثوري: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي: لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم (^٢)، ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: يستر الله عليكم فيما فعلتم ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1689\"></span>﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾.\nيقول: اذهبوا بهذا القميص ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ وكان قد عمي من كثرة البكاء، ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: بجميع بني يعقوب،\n\n<span id=\"aya-1690\"></span>﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي: خرجت من مصر ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ يعني: يعقوب ﵇ لمن بقي عنده من بنيه ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تنسبوني إلى الفند والكبر.\nقال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: سمعت ابن عباس يقول: ولما فصلت العير، قال: لما خرجت العير هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف، فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال: فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام (^٣)، وكذا رواه سفيان الثوري وشعبة وغيرهما عن أبي سنان به (^٤). وقال الحسن وابن جريج: كان بينهما ثمانون فرسخًا، وكان بينه وبينه منذ افترقا ثمانون سنة (^٥).\nوقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة وسعيد بن جبير: تسفهون (^٦).\nوقال مجاهد - أيضًا - والحسن: تهرمون (^٧).\n\n<span id=\"aya-1691\"></span>وقولهم: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال ابن عباس: لفي خطئك القديم (^٨).\nوقال قتادة: أي من حبِّ يوسف لا تنساه ولا تسلاه، قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) قول ابن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه بلفظه، وقول الثوري أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عمر العدني عنه بلفظ: \"لا تعيير عليكم اليوم\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري عن أبي سنان، وسنده صحيح.\n(^٥) قول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عنه مقتصرًا على الشق الأول، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق حجاج عنه بلفظ: \"وكان قد فارقه قبل ذلك سبعًا وسبعين سنة\".\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق خصيف عنه، وقول عطاء أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"4","page":531},{"text":"لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله ﷺ (^١)، وكذا قال السدي وغيره (^٢).\n\n<span id=\"aya-1692\"></span>\n\n<span id=\"aya-1693\"></span>﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾.\nقال ابن عباس والضحاك: ﴿الْبَشِيرُ﴾ البريد (^٣). وقال مجاهد والسدي: كان يهوذا بن يعقوب (^٤)، قال السدي: إنما جاء به لأنه هو الذي جاء بالقميص وهو ملطخ بدم كذب (^٥). فأراد أن يغسل ذلك بهذا، فجاء بالقميص فألقاه على وجه أبيه فرجع بصيرًا، وقال لبنيه عند ذلك: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعلم أن الله سيرده إلي، وقلت لكم: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين له: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾\n\n<span id=\"aya-1694\"></span>﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾ أي: من تاب إليه تاب عليه.\nقال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم: أرجأهم إلى وقت السحر (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إدريس: سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دثار قال: [كان عمٌّ] (^٧) يأتي المسجد فيسمع إنسانًا يقول: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لي. قال: فاستمع الصوت، فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسأل عبد الله عن ذلك، فقال: إن يعقوب أخَّر بنيه إلى السحر بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٥) تخريجه كسابقه.\n(^٦) قول ابن مسعود أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو ضعيف كما في التقريب، وقول إبراهيم وعمرو أخرجه الطبري بسند فيه سفيان وكيع وفيه مقال، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود وهو ضعيف.\n(^٧) في النسخ الخطية: \"كان عمر ﵁\". والمثبت هو الصواب كما في طبعات تفسير الطبري والمعجم الكبير وتفسير ابن أبي حاتم، وسعيد بن منصور، ووقع هذا الخطأ في طبعات تفسير ابن كثير إلا طبعة مصطفى السيد محمد ومحمد السيد، رشاد ومن معهم فقد ذكروه على الصواب دون تعليق وتوضيح واكتفوا وضع العبارة بين معقوفين.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق كما تقدم في الأثر السابق، وأخرجه سعيد بن منصور (السنن التفسير ح ١١٤٤)، والطبراني (في المعجم الكبير ٩/ ١٠٨ ح ٨٥٤٨)، وتفسير ابن أبي حاتم كلهم من طريق عبد الرحمن بن إسحاق به.","vol":"4","page":532},{"text":"وقد ورد في الحديث أن ذلك كان ليلة الجمعة، كما قال ابن جرير أيضًا: حدثني المثنى، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أيوب الدمشقي، حدثنا الوليد، أنبأنا ابن جريج، عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة، وهو قول أخي يعقوب لبنيه (^١). وهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه نظر، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1695\"></span>﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾.\nيخبر تعالى عن ورود يعقوب ﵇ على يوسف ﵇، وقدومه بلاد مصر، لما كان يوسف قد تقدم لإخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحملوا عن آخرهم، وترحلوا من بلاد كنعان قاصدين ديار مصر، فلما أخبر يوسف ﵇ باقترابهم، خرج لتلقيهم وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلقي نبي الله يعقوب ﵇، ويقال: إن الملك خرج أيضًا لتلقيه، وهو الأشبه، وقد أشكل قوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ على كثير من المفسرين، فقال بعضهم: هذا من المقدم والمؤخر، ومعنى الكلام ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وآوى إليه أبويه ورفعهما على العرش، وردَّ ابن جرير هذا، وأجاد في ذلك، ثم اختار ما حكاه عن السدي أن يوسف آوى إليه أبويه لما تلقاهما، ثم لما وصلوا باب البلد قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (^٢).\nوفي هذا نظر أيضًا، لأن الإيواء إنما يكون في المنزل، كقوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ وفي الحديث: \"من آوى محدثًا\" (^٣)، وما المانع أن يكون قال لهم بعدما دخلوا عليه وآواهم إليه: ادخلوا مصر، وضمنه اسكنوا مصر - إن شاء الله - آمنين؛ أي: مما كنتم فيه من الجهد والقحط، ويقال - والله أعلم - إن الله تعالى رفع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قدوم يعقوب عليهم، كما رفع بقية السنين التي دعا بها رسول الله ﷺ على أهل مكة حين قال: \"اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف\" ثم لما تضرعوا إليه واستشفعوا لديه، وأرسلوا أبا سفيان في ذلك،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو حديث موضوع فقد أخرجه الترمذي (السنن، الدعوات، باب في دعاء الحفظ ح ٣٥٧٠)، والحاكم (المستدرك ١/ ٣١٦، ٣١٧) كلاهما من طريق سليمان بن عبد الرحمن مطولًا وقال الترمذي: حسن غريب. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: هذا حديث منكر شاذ، أخاف أن يكون موضوعًا، وقد حيّرني والله جودة سنده ١٠ هـ. وقد جزم أنه موضوع في سير أعلام النبلاء ٩/ ٢١٨ فقال: هذا عندي موضوع والسلام.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه وقول السدي أخرجه معلقًا.\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁ (الصحيح، الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ح ١٩٧٨).","vol":"4","page":533},{"text":"فدعا لهم فرفع عنهم بقية ذلك ببركة دعائه ﵇ (^١).\nوقوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما كان أباه وخالته (^٢)، وكانت أُمه قد ماتت قديمًا (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق وابن جرير: كان أبوه وأُمه يعيشان (^٤)، قال ابن جرير: ولم يقم دليل على موت أُمه، وظاهر القرآن يدل على حياتها، وهذا الذي نصره هو المنصور الذي يدل عليه السياق.\n\n<span id=\"aya-1696\"></span>وقوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال أبي عباس ومجاهد وغير واحد: يعني السرير (^٥)، أي أجلسهما معه على سريره، ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي: سجد له أبواه وإخوته الباقون. وكانوا أحد عشر رجلًا، ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: التي كان قصها على أبيه من قبل، ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الآية [يوسف: ٤]، وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇، فحُرِّم هذا في هذه الملَّة، وجعل السجود مختصًا بجناب الرب ﷾، هذا مضمون قول قتادة وغيره.\nوفي الحديث أن معاذًا قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجع سجد لرسول الله ﷺ فقال: \"ما هذا يا معاذ؟ \" فقال: إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله، فقال: \"لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها\" (^٦).\nوفي حديث آخر: أن سلمان لقي النبي ﷺ في بعض طرق المدينة، وكان سلمان حديث عهد بالإسلام، فسجد للنبي ﷺ فقال: \"لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت\" (^٧).\nوالغرض أن هذا كان جائزًا في شريعتهم، ولهذا خروا له سجدًا، فعندها قال يوسف: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ أي: هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به من خير وشر.\nوقوله: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ أي: صحيحة صدقًا يذكر نعم الله عليه، ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي: البادية.\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود (صحيح البخاري، التفسير، سورة الروم ح ٤٧٧٤، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب الدخان ح ٢٧٩٨).\n(^٢) قول السدي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) قول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمرو بن أبي سلمة عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري عن ابن إسحاق بلفظ: \"أباه وأُمُّه\".\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بقول مجاهد إذ أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٦) أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن أبي أوفي (السنن، النكاح، باب حق الزوج على المرأة ح ١٨٥٣) وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ١٥٠٣).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند مرسل من طريق شهر بن حوشب عن سلمان (التفسير، سورة الفرقان آية ٥٨).","vol":"4","page":534},{"text":"قال ابن جريج وغيره: كانوا أهل بادية وماشية (^١)، وقال: كانوا يسكنون بالعربات من أرض فلسطين من غور الشام، قال: وبعض يقول: كانوا بالأولاج (^٢) من ناحية شعب أسفل من حسمى (^٣)، وكانوا أصحاب بادية وشاء وإبل، ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي: إذا أراد أمرًا قيض له أسبابًا وقدره ويسره ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بمصالح عباده، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده.\nقال أبو عثمان النهدي، عن سليمان: كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة (^٤).\nقال عبد الله بن شداد: وإليها ينتهي أقصى الرؤيا. رواه ابن جرير (^٥).\nوقال أيضًا: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا هشام عن الحسن قال: كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، لم يفارف الحزن قلبه، ودموعه تجري على خديه، وما على وجه الأرض عبد أحب إلى الله من يعقوب (^٦).\nوقال هشيم، عن يونس، عن الحسن: ثلاث وثمانون سنة (^٧)، وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، فغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثًا وعشرين سنة، فمات وله عشرون ومائة سنة (^٨).\nوقال قتادة: كان بينهما خمس وثلاثون سنة (^٩).\nوقال محمد بن إسحاق: ذكر - والله أعلم - أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثماني عشرة سنة، قال: وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها، وأن يعقوب ﵇ بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة، ثم قبضه الله إليه (^١٠).\nوقال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: دخل بنو إسرائيل مصر وهم ثلاثة وستون إنسانًا، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف وسبعون ألفًا (^١١). وقال أبو إسحاق، عن مسروق: دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون بين رجل وامرأة (^١٢)، فالله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود، وهو ضعيف.\n(^٢) الأولاج: قال ابن إسحاق في غزوة زيد بن حارثة: جُذام بنواحي حِسمي (معجم البلدان ١/ ٢٨٢) وحسمي كما يلي.\n(^٣) حِسمي: وهو أرض ببادية الشام بينها وبين وادي القرى ليلتان، وأهل تبوك يرون جبل حسمي في غربيّهم (معجم البلدان ٢/ ٢٥٨).\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي عثمان النهدي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا من طريق أبي سنان عن عبد الله بن شداد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وعبد الوهاب الثقفي هو ابن عبد المجيد، وهشام هو ابن حسان الأزدي، ولا يضر ما قيل من أن روايته عن الحسن فيها مقال، لأنه كان يرسل عن الحسن (التقريب ص ٥٧٢) لأنه قد توبع بواسطة مبارك بن فضالة كما سيأتي في الرواية التالية.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق هشيم، وهو ابن بشير به، ويونس هو ابن عبيد، وسنده جيد.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق مبارك به.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن إسحاق قال: ذكر لي … فذكره.\n(^١١) أخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق السبيعي به، وسنده ضعيف، لأن أبا عبيدة لم يسمع من ابن مسعود.\n(^١٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.","vol":"4","page":535},{"text":"وقال موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد: اجتمع آل يعقوب إلى يوسف بمصر وهم ستة وثمانون إنسانًا: صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف ونيف (^١).\n\n<span id=\"aya-1697\"></span>﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾.\nهذا دعاء من يوسف الصديق، دعا به ربه ﷿ لما تمت نعمة الله عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وما منّ الله به عليه من النبوة والملك سأل ربه ﷿ كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة، وأن يتوفاه مسلمًا حين يتوفاه، قاله الضحاك (^٢)، وأن يلحقه بالصالحين وهم إخوانه من النبيين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف ﵇، قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ جعل يرفع أصبعه عند الموت ويقول: \"اللَّهم في الرفيق الأعلى، اللَّهم في الرفيق الأعلى، اللَّهم في الرفيق الأعلى\" (^٣)، ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله، وانقضى عمره، لا أنه سأله ذلك منجزًا كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام، ويقول الداعي: اللهم [أحينا] (^٤) مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، ويحتمل أنه سأل ذلك منجزًا، وكان ذلك سائغًا في ملتهم، كما قال قتادة قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ لما جمع الله شمله وأقرّ عينه، وهو يومئذٍ مغمور في الدنيا وملكها ونضارتها، اشتاق إلى الصالحين قبله.\nوكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف ﵇، وكذا ذكر [ابن جريج] (^٥) والسدي عن ابن عباس أنه أول نبي دعا بذلك (^٦)، وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام، كما أن نوحًا أول من قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨] ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك، وهو ظاهر سياق قول قتادة، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا.\nقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يتمنينَّ أحدكم الموت لضرِّ نزل به فإن كان ولا بدّ متمنيًا الموت، فليقل: اللَّهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق موسى بن عبيدة به بنحوه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، بلفظ: على طاعتك، وأخرجه الطبري من الطريق السابق ولكن فيه إبهام شيخ الطبري بلفظ: توفني على طاعتك واغفر لي إذا توفيتني.\n(^٣) صحيح البخاري، المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته (ح ٤٤٣٧)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة ﵂ (ح ٢٤٤٤).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحفت إلى: \"أمتنا\".\n(^٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحفت إلى: \"ابن جرير\".\n(^٦) قول ابن جريج أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود وهو ضعيف، وقول السدي عن ابن عباس أخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي به، والسدي لم يسمع من ابن عباس.","vol":"4","page":536},{"text":"خيرًا لي\" (^١) [ورواه البخاري ومسلم في الصحيحين، وعندهما: \"لا يتمنيَّن أحدكم الموت لضرِّ نزل به إما محسنًا فيزداد، وإِما مسيئًا فلعله يستعتب، ولكن ليقل: اللَّهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إِذا كانت الوفاة خيرًا لي\"] (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة قال: جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ورققنا، فبكى سعد بن أبي وقاص فأكثر البكاء، وقال: يا ليتني مت، فقال النبي ﷺ: \"يا سعد أعندي تتمنى الموت؟ \" فردَّد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: \"يا سعد إن كنت خلقت للجنة، فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، وهو: سليم بن جبير، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا يتمنينَّ أحدكم الموت لضرٍّ نزل به ولا يدعُ به من قبل أن يأتيه إلا أن يكون قد وثق بعمله، فإِنه إِذا مات أحدكم انقطع عنه عمره، وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا\" (^٤) تفرد به أحمد.\nوهذا فيما إذا كان الضر خاصًا به، وإما إِذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت، كما قال الله تعالى إِخبارًا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] وقالت مريم لما أجاءها المخاض، وهو الطلق، إلى جذع النخلة: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] لما تعلم من أن الناس يقذفونها بالفاحشة، لأنها لم تكن ذات زوج، وقد حملت ووضعت، وقد قالوا: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم] فجعل الله لها من ذلك الحال فرجًا ومخرجًا، وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله، فكان آية عظيمة، ومعجزة باهرة - صلوات الله وسلامه عليه. وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء الذي فيه: \"وإِذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة، أنبأنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد مرفوعًا، أن النبي ﷺ قال: \"اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتن، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب\" (^٦). فعند\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٠١) وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري ومسلم كلاهما من طريق إسماعيل بن إبراهيم به، (صحيح البخاري، الدعوات، باب الدعاء بالموت والحياة ح ٦٣٥١، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب كراهية تمني الموت … ح ٢٦٨٠).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٦٢٧ ح ٢٢٢٩٣)، وقال محققوه: إسناده ضعيف جدًا، وقال الهيثمي: وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٠٦).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٥٠) وفي سنده ابن لهيعة وقد توبع إذ أخرجه مسلم من طريق معمر عن همام عن أبي هريرة بنحوه (صحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب كراهية تمني الموت لضر نزل به ح ٢٦٨٢).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث معاذ ﵁ المسند (٥/ ٣٤٣)، وسنن الترمذي، التفسير، سورة ص (ح ٣٢٣٥) وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٥٨٢).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: إسناده جيد (المسند ٣٩/ ٣٦ ح ٢٣٦٢٥).","vol":"4","page":537},{"text":"حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت، ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁ في آخر خلافته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له ولا يزداد الأمر إِلا شدة، فقال: اللهم خذني إليك، فقد سئمتهم وسئموني (^١).\nوقال البخاري ﵀: لما وقعت له تلك المحن وجرى له مع أمير خراسان ما جرى، قال: اللهم توفني إليك. وفي الحديث: \"إن الرجل ليمر بالقبر - أي في زمان الدجال - فيقول: يا ليتني مكانك\" (^٢) لما يرى من الفتن. والزلازل والبلابل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون.\nقال أبو جعفر بن جرير: وذكر أن بَني يعقوب الذين فعلوا بيوسف ما فعلوا، استغفر لهم أبوهم، فتاب الله عليهم، وعفا عنهم، وغفر لهم ذنوبهم.\n(ذكر من قال ذلك):\nحدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن صالح المري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: إِن الله تعالى لما جمع ليعقوب شمله بعينيه خلا ولده نجيًا، فقال بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم؟ وما لقي منكم الشيخ، وما لقي منكم يوسف؟ قالوا: بلى. قال: فيغرُّكم عفوهما عنكم، فكيف لكم بربكم؟ فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ، فجلسوا بين يديه ويوسف إلى جانب أبيه قاعد، قالوا: يا أبانا إِنا أتيناك لأمر لم نأتك لأمر مثله قط، ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله قط حتى حركوه، والأنبياء ﵈ أرحم البرية، فقال: ما لكم يا بَنيَّ؟ قالوا: ألست قد عملت ما كان منا إِليك وما كان منا إِلى أخينا يوسف؟ قال: بلى، قالوا: أولستما قد غفرتما لنا؟ قالا: بلى. قالوا: فإن عفوكما لا يغني عنا شيئًا، إِن كان الله لم يعف عنا. قال: فما تريدون يا بني؟ قالوا: نريد أن تدعو الله لنا، فإذا جاءك الوحي من الله بأنه قد عفا عنَّا، قرت أعيننا، واطمأنت قلوبنا، وإِلا فلا قرة عين في الدنيا لنا أبدًا. قال: فقام الشيخ فاستقبل القبلة وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين، قال: فدعا وأمَّن يوسف، فلم يجب فيهم عشرين سنة.\nقال صالح المري: يخيفهم، قال: حتى إِذا كان على رأس العشرين نزل جبريل ﵇، على يعقوب ﵇، فقال: أَن الله تعالى قد بعثني إليك أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك، وأن الله تعالى قد عفا عما صنعوا، وأنه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوة (^٣).\nهذا الأثر موقوف عن أنس. ويزيد الرقاشي وصالح المري ضعيفان جدًا.\nوذكر السدي أن يعقوب ﵇ لما حضره الموت أوصى إلى يوسف بأن يدفن عند إِبراهيم وإِسحاق، فلما مات صبره وأرسله إلى الشام، فدفن عندهما ﵈ (^٤).\n_________\n(^١) نسبة القول إلى علي بن أبي طالب ﵁ فيه نظر، فإن صبر علي ﵁ فوق ذلك.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يُغبط أهل القبور ح ٧١١٥، وصحيح مسلم، الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل)، الحديث الأول ص ٢٢٣١، وذكرت رقم الصحيفة لأن رقم الحديث فيه خطأ.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن كثير لضعف الرقاشي والمري.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بنحوه بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق أسباط عن السدي.","vol":"4","page":538},{"text":"<span id=\"aya-1698\"></span>\n\n<span id=\"aya-1699\"></span>﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾.\nيقول تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ لما قصَّ عليه نبأ إِخوة يوسف، وكيف رفعه الله عليهم، وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم، مع ما أرادوا به من السوء والهلاك والإعدام: هذا وأمثاله يا محمد من أخبار الغيوب السابقة ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ ونعلمك به لما فيه من العبرة لك، والاتعاظ لمن خالفك ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ حاضرًا عندهم ولا مشاهدًا لهم ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ أي: على إِلقائه في الجب ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ به، ولكنا أعلمناك به وحيًا إِليك وإِنزالًا عليك، كقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾ [القصص]، إلى قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦] وقال: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥]، وقال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ [ص] يقول تعالى: إِنه رسوله وإِنه قد أطلعه على أنباء ما قد سبق، مما فيه عبرة للناس ونجاة لهم في دينهم ودنياهم، ومع هذا ما آمن أكثر الناس، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] إِلى غير ذلك من الآيات.\n\n<span id=\"aya-1700\"></span>وقوله: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: ما تسألهم يا محمد على هذا النصح والدعاء إِلى الخير والرشد من أجر؛ أي: من جعالة ولا أجرة على ذلك، بل تفعله ابتغاء وجه الله ونصحًا لخلقه ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ يتذكرون به ويهتدون وينجون به في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-1701\"></span>﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾.\nيخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده بما خلقه الله في السماوات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات، وكم في الأرض من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات، وكم من أحياء وأموات، وحيوان ونبات، وثمرات متشابهة ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات، فسبحان الواحد الأحد، خالق أنواع المخلوقات، المتفرد بالدوام والبقاء والصمدية للأسماء والصفات.\n\n<span id=\"aya-1702\"></span>وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ قال ابن عباس: من إِيمانهم أنهم إِذا قيل لهم: من خلق السماوات، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون به (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوى أحدهما الآخر عن ابن عباس.","vol":"4","page":539},{"text":"وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^١).\nوهكذا في الصحيحين: أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك (^٢). وفي صحيح مسلم: أنهم كانوا إِذا قالوا: لبيك لا شريك لك، قال رسول الله ﷺ: \"قد قد\" أي: حسب حسب، لا تزيدوا على هذا (^٣). وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وهذا هو الشرك الأعظم يعبد مع الله غيره، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قلت: يا رسول الله: أي: الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًا وهو خلقك\" (^٤).\nوقال الحسن البصري في قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ قال: ذلك المنافق يعمل إِذا عمل رياء الناس، وهو مشرك بعمله ذلك (^٥). يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء] وثمّ شِرك آخر خفي لا يُشعر به غالبًا فاعله، كما روى حماد بن سلمة عن [عاصم الأحول، عن عزرة] (^٦) قال: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيرًا (^٧) فقطعه - أو انتزعه - ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ (^٨).\nوفي الحديث \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" رواه الترمذي وحسنه من رواية ابن عمر (^٩).\nوفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وغيره: عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرقى والتمائم والتولة شرك\" (^١٠).\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس - وهو التفسير المنسوب إلى مجاهد - بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول عطاء، وهو ابن أبي رباح، أخرجه سعيد بن منصور (السنن، التفسير ح ١١٤٦)، والطبري كلاهما بسند حسن من طريق هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٢) لم أجده في صحيح البخاري ولكنه في صحيح مسلم كما يليه.\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس ﵄ (الصحيح، الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها ح ١١٨٥/ ٢٢).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية (٢٢).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شعيب بن عبد الله أبي شعبة صاحب الطيالسة عن الحسن.\n(^٦) كذا في تفسير ابن أبي حاتم، وفي النسخ الخطية والمطبوعة عاصم بن أبي النجود عن عروة، وما أثبت هو الصواب لأن عزرة، وهو ابن عبد الرحمن الكوفي، يروي عنه عاصم الأحول وليس عاصم بن أبي النجود (ينظر: تهذيب التهذيب ٧/ ١٩٣، وكذا تهذيب الكمال، ترجمة عزرة).\n(^٧) السير: ما قطع من الجلد طولًا، وجمعه: أسيار وسيور (لسان العرب ٤/ ٣٩٠).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن محمد عن حماد بن سلمة به. وسنده صحيح.\n(^٩) سنن الترمذي، النذور والأيمان، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله (ح ١٥٣٥)، وسنن أبي داود، الأيمان، باب في كراهية الحلف بالأباء (ح ٣٢٥١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٧٨٧).\n(^١٠) المسند ١/ ٣٨١، وسنن أبي داود، الطب، باب في تعليق التمائم (ح ٣٨٨٣) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢٨٨).","vol":"4","page":540},{"text":"وفي لفظ لهما: \" [الطيرة شرك] (^١) وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل\" (^٢)، ورواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى الجزار، عن ابن أخي زينب، عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح وعندي عجوز ترقيني من الحمرة فأدخلتها تحت السرير، قالت: فدخل فجلس إلى جانبي، فرأى في عنقي خيطًا فقال: ما هذا الخيط؟ قالت: قلت: خيط رقي لي فيه، فأخذه فقطعه ثم قال: إِن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إِن الرقى والتمائم (^٣) والتولة (^٤) شرك\" قالت: قلت له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف، فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت، فقال: إنما ذاك من الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي ﷺ: \"أذهب الباس، ربّ الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا\" (^٥).\nوفي حديث آخر رواه الإمام أحمد: عن وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن قال: دخلت على عبد الله بن عُكيم وهو مريض نعوده، فقيل له: لو تعلقت شيئًا، فقال: أتعلق شيئًا وقد قال رسول الله ﷺ: \"من تعلق شيئًا وكِّل إِليه\" (^٦)؟، ورواه النسائي عن أبي هريرة (^٧).\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: \"من علق تميمة فقد أشرك\" (^٨)، وفي رواية: \"من تعلق تميمة فلا أتمَّ الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له\" (^٩).\nوعن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\" رواه مسلم (^١٠).\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) المسند ١/ ٣٨٩، وسنن أبي داود، الطب، باب في الطيرة (ح ٣٩١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٣٠٩).\n(^٣) التمائم: جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين فأبطلها الإسلام (النهاية ١/ ١٩٧).\n(^٤) التولة: ما يُحبِّب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره (النهاية ١/ ٢٠٠).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١١٠ ح ٣٦١٥)، قال محققوه: صحيح لغيره، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢١٧، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح ٣٣١).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: حسن لغيره (المسند ٣١/ ٧٧ ح ١٨٧٨١).\n(^٧) السنن، تحريم الدم، باب الحكم في السحرة ٧/ ١١٢.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٦)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢١٩)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٥/ ١٠٦)، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة ح ٤٩٢).\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٤)، قال المنذري: سنده جيد (الترغيب والترهيب ٤/ ٣٠٦)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢١٦)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٥/ ١٠٦).\n(^١٠) أخرجه الإمام مسلم من طريق روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن به (الصحيح، الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله ح ٢٩٨٥).","vol":"4","page":541},{"text":"وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك\" رواه الإمام أحمد (^١).\nوقال أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن يزيد - يعني ابن الهادي -، عن عمرو، عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر\" قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: \"الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟ \" (^٢). وقد رواه إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد به (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، أنبأنا ابن لهيعة، أنبأنا ابن هبيرة، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ردته الطِّيَرة (^٤) عن حاجته فقد أشرك\" قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: \"أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إِلا خيرك، ولا طير إِلا طيرك، ولا إِله غيرك\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن أبي علي - رجل من بني كاهل - قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل. فقام عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقالا: والله لتخرجن مما قلت، أو لنأتين عمر مأذونًا لنا أو غير مأذون. قال: بل أخرج مما قلت، خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: \"يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل\" فقال له من شاء الله أن يقول: فكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: \"قولوا: اللَّهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه\" (^٦).\nوقد روي من وجه آخر، وفيه أن السائل في ذلك هو الصديق، كما رواه الحافظ أبو يعلى\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من طريق زياد بن ميناء عن أبي سعد بن أبي فضالة به (المسند ٢٥/ ١٦١ ح ١٥٨٣٨) وحسّنه سنده محققوه، وأخرجه ابن ماجه من طريق زياد به (السنن، الزهد، باب الرياء والسمعة ح ٤٢٠٣)، وحسّنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣٨٨)، وقال علي بن المديني: سنده صالح (ينظر: الإصابة ٤/ ٨٦).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/ ٣٩ ح ٢٣٦٣٠)، وحسنه محققوه، وقال المنذري: إسناده جيد (الترغيب والترهيب ١/ ٦٨) وكذا الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٩٥١).\n(^٣) أخرجه البغوي من طريق إسماعيل بن جعفر به (شرح السنة ١٤/ ٣٣٣).\n(^٤) الطِّيَرة: هو التشاؤم بالشيء.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٦٢٣ ح ٧٠٤٥)، وحسَّن سنده محققوه، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٠٦٥)، وهذا التحسين والتصحيح لأنه روي عن عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة فقد أخرجه ابن السني من هذا الطريق (عمل اليوم والليلة ص ٢٩٣).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٢/ ٣٨٣، ٣٨٤ ح ١٩٦٠٦)، وضعفه محققوه لجهاله أبي علي الكاهلي.","vol":"4","page":542},{"text":"الموصلي من حديث عبد العزيز بن مسلم، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد، عن معقل بن يسار، قال: شهدت النبي ﷺ أو قال: حدثني أبو بكر الصديق عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل\"، فقال أبو بكر: وهل الشرك إِلا من دعا مع الله إِلهًا آخر؟ فقال رسول الله ﷺ: \"الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل\" ثم قال: \"ألا أدلك على ما يذهب عنك صغير ذلك وكبيره؟ قل: اللَّهم إِني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما لا أعلم\" (^١).\nوقد رواه الحافظ أبو القاسم البغوي، عن شيبان بن فروخ، عن يحيى بن كثير، عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا\" (^٢)، قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله، فكيف النجاة والمخرج من ذلك؟ فقال: \"ألا أخبرك بشيء إِذا قلته برئت من قليله وكثيره وصغيره وكبيره؟ \" قال: بلى يا رسول الله. قال: \"قل: اللهم إِني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم\" (^٣).\nقال الدارقطني: يحيى بن كثير هذا، يقال له: أبو النضر، متروك الحديث (^٤)، وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي من حديث يعلى بن عطاء، سمعت عمرو بن عاصم، سمعت أبا هريرة قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول الله، علمني شيئًا أقوله إِذا أصبحت وإِذا أمسيت، وإِذا أخذت مضجعي، قال: \"قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إِلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه\" (^٥).\nوزاد الإمام أحمد في رواية له: من حديث ليث بن أبي سُليم، [عن مجاهد] (^٦)، عن أبي بكر الصديق، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقول … فذكر هذا الدعاء وزاد في آخره: \"وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إِلى مسلم\" (^٧).\n\n<span id=\"aya-1703\"></span>وقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية؛ أي: أفأمن هؤلاء المشركون بالله أن\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى من طرق عن عبد العزيز بن مسلم به (المسند ١/ ٦٢ ح ٦١) وضعفه محققه، وفيه أبو محمد مجهول.\n(^٢) الصفا: أي الحجر الأملس.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم (الحلية ٧/ ١١٢)، وابن حبان (المجروحين ٣/ ١٣٠)، كلاهما من طريق شيبان به، وقال أبو نعيم: تفرد به عن الثوري: يحيى بن كثير، وسنده ضعيف جدًا، لأن يحيى بن كثير: متروك، كما قال الدارقطني (العلل ١/ ١٩٣).\n(^٤) العلل ١/ ١٩٣.\n(^٥) المسند ١/ ٩ وسنن أبي داود، الأدب، باب ما يقول إذ أصبح (ح ٥٠٦٧)، وسنن الترمذي، التفسير (ح ٣٣٩٢)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٧٦٩١)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥١٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٢٣٥).\n(^٦) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وسقط في الأصل.\n(^٧) المسند (ح ٨١)، وسنده ضعيف، لأن مجاهدًا لم يسمع من أبي بكر، وليث فيه مقال.","vol":"4","page":543},{"text":"يأتيهم أمر يغشاهم من حيث لا يشعرون، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ [النحل]. وقوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف].\n\n<span id=\"aya-1704\"></span>﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾.\nيقول تعالى لرسوله ﷺ إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله أي: طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي.\nوقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير أو عديل أو نديد أو ولد أو والد أو صاحبة أو وزير أو مشير، تبارك وتقدس وتنزه وتعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء].\n\n<span id=\"aya-1705\"></span>﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾.\nيخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول جمهور العلماء، كما دلَّ عليه سياق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى لم يوح إِلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع.\nوزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل وأُم موسى ومريم بنت عمران أُم عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية [القصص: ٧] وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى ﵇، وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران]، وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يكنَّ نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أن هذا هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟ الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم أنه ليس في النساء نبية، وإنما فيهن صديقات، كما قال تعالى مخبرًا عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صدّيقة بنص القرآن.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ الآية؛ أي: ليسوا","vol":"4","page":544},{"text":"من أهل السماء كما قلتم (^١)، وهذا القول من ابن عباس يعتضد بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ الآية [الفرقان: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾ [الأنبياء]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآية [الأحقاف: ٩].\nوقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ المراد بالقرى المدن لا أنهم من أهل البوادي الذين هم من أجفى الناس طباعًا وأخلاقًا، وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرق طباعًا وألطف من أهل سوادهم، وأهل الريف والسواد أقرب حالًا من الذين يسكنون في البوادي، ولهذا قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧].\nوقال قتادة في قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمود (^٢) (^٣).\nوفي الحديث الآخر: أن رجلًا من الأعراب أهدى لرسول الله ﷺ ناقة فلم يزل يعطيه ويزيده حتى رضي، فقال رسول الله ﷺ: \"لقد هممت أن لا أتَّهِب (^٤) هبة إِلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب رسول الله ﷺ قال الأعمش: هو ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: \"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم\" (^٦).\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [يعني هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأمم المكذبة للرسل، كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ] (^٧) فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فإذا استمعوا خبر ذلك رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: وكما نجينا المؤمنين في الدنيا كذلك كتبنا لهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك به، وسنده ضعيف لضعف بشر، ولأن الضحاك لم يلق ابن عباس، وقواه الحافظ ابن كثير بالآية التي تليه.\n(^٢) أهل العمود: أي أهل الخيام الذين لا قرار لهم.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) لا أتَّهِب: أي أن لا أقبل الهبة إلا من هؤلاء.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس بنحوه بدون ذكر أو دوسي، وصحح سنده محققوه (المسند ٤/ ٤٢٤ ح ٢٦٨٧)، وأخرجه أبو داود بنحوه وذكر: أو دوسيًا، (السنن، الإجازة، باب في قبول الهدايا ح ٣٥٣٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٠٢١).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٩/ ٦٤ ح ٥٠٢٢)، وصحح سنده محققوه، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح ٣٨٨)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٣٠٠) وفي السلسلة الصحيحة (ح ٩٣٩)، وحسّنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١٠/ ٥١٢).\n(^٧) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).","vol":"4","page":545},{"text":"النجاة في الدار الآخرة أيضًا وهي خير لهم من الدنيا بكثير، كقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر] وأضاف الدار إلى الآخرة، فقال: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ كما يقال: صلاة الأولى ومسجد الجامع، وعام أول، وبارحة الأولى، ويوم الخميس. وقال الشاعر:\nأتمدحُ فقعسًا وتذم عبسًا … ألا لله أمَّكَ من هجين (^١)\nولو أقوت (^٢) عليك ديار … عبس عرفت الذل عرفان اليقين (^٣)\n\n<span id=\"aya-1706\"></span>﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾.\nيخبر تعالى أن نصره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله في أحوج الأوقات إليه، كقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].\nوفي قوله: ﴿كُذِبُوا﴾ قراءتان إحداهما بالتشديد ﴿قد كُذِّبوا﴾ (^٤)، وكذلك كانت عائشة ﵂ تقرؤها.\nقال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ قال: قلت: أكُذِبوا أم كُذِّبوا؟ قالت عائشة: كذِّبوا. قلت: فقد استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك، فقلت لها: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاء نصر الله عند ذلك، حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعبة، عن الزهري قال: أخبرنا عروة فقلت لها: لعلها قد كذبوا مخففة؟ قالت: معاذ الله (^٥). انتهى ما ذكره.\nوقال ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة أن ابن عباس قرأها (وظنوا أنهم قد كذَبوا) خفيفة. قال عبد الله - هو ابن أبي مليكة -: ثم قال لي ابن عباس: كانوا بشرًا، ثم تلا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] قال ابن جريج: وقال لي ابن أبي مليكة، وأخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله محمدًا ﷺ من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم\n_________\n(^١) الهجين: ولد العربي لغير العربية.\n(^٢) أقوت الدار: أقفرت وخلت من سكانها.\n(^٣) ذكره الفراء في معاني القرآن ٢/ ٥٦ والطبري.\n(^٤) والقراءة الأخرى بالتخفيف: (كُذِبوا)، وكلتاهما متواترتان.\n(^٥) أخرجه البخاري بسنديه ومتنيه (الصحيح، التفسير سورة يوسف، باب ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] ح ٤٦٩٥ و٤٦٩٦).","vol":"4","page":546},{"text":"من المؤمنين قد كذبوهم. قال ابن أبي مليكة في حديث عروة، كانت عائشة تقرؤها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ مُثقلة (^١)، من التكذيب.\nوقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: جاء إنسان إلى القاسم بن محمد فقال: إن محمد بن كعب القرظي يقول هذه الآية ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ فقال القاسم: أخبره عني أني سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تقول: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ تقول: كذبهم أتباعهم (^٢). إسناد صحيح أيضًا.\nوالقراءة الثانية بالتخفيف (^٣)، واختلفوا في تفسيرها، فقال ابن عباس ما تقدم. وعن ابن مسعود فيما رواه سفيان الثوري عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله أنه قرأ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مخففة، قال عبد الله: هو الذي تَكَره (^٤)، وهذا عن ابن عباس وابن مسعود ﵄، مخالف لما رواه آخرون عنهما. أما ابن عباس، فروى الأعمش عن مسلم، عن ابن عباس في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم، جاءهم النصر على ذلك ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ (^٥)، وكذا روي عن سعيد بن جبير وعمران بن الحارث السلمي وعبد الرحمن بن معاوية وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس بمثله (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا شعيب، حدثنا إبراهيم [بن أبي حُرّة] (^٧) الجزري قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال له: يا أبا عبد الله كيف هذا الحرف، فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾؟ قال: نعم حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا، فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجلًا يدعى إلى علم فيتلكأ، ولو [رحلت] (^٨) إلى اليمن في هذه كان قليلًا.\nثم روى ابن جرير أيضًا من وجه آخر أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك، فأجابه بهذا الجواب، فقام إلى سعيد فاعتنقه وقال: فرَّج الله عنك كما فرجت عني (^٩)، وهكذا روي من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من طريق هشام عن ابن جريج به بنحوه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ. . .﴾ [البقرة: ٢١٤] ح ٤٥٢٤ و٤٥٢٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٣) تقدم أنها متواترة.\n(^٤) أخرجه الثوري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق أبي معاوية عن الأعمش به، وسنده صحيح ومسلم هو ابن صُبيح.\n(^٦) هؤلاء الرواة الخمسة كلهم رووه عن ابن عباس، وقد أخرج الطبري رواياتهم كلهم، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا.\n(^٧) كذا في تفسير الطبري، وفي النسخ الخطية: (ابن أبي حمزة)، والصواب هو المثبت (ينظر: الجرح والتعديل ١/ ٩٦، ولسان الميزان ١/ ٤٦).\n(^٨) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري وفي الأصل: \"دخلت\".\n(^٩) أخرجه الطبري بسنديه ومتنيه، وهذان الطريقان يقوي أحدهما الآخر.","vol":"4","page":547},{"text":"غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك (^١)، وكذا فسرها مجاهد بن جبر وغير واحد من السلف حتى إن مجاهدًا قرأها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ بفتح الذال. رواه ابن جرير (^٢) إلا أن بعض من فسرها كذلك يعيد الضمير في قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ إلى أتباع الرسل من المؤمنين، ومنهم من يعيده إلى الكافرين منهم؛ أي: وظن الكفار أن الرسل قد كذبوا مخففة فيما وعدوا به من النصر.\nوأما ابن مسعود، فقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن فضيل، عن [جحش] (^٣) بن زياد الضبي، عن تميم بن حَذْلم قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول في هذه الآية ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾: من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كُذِبوا بالتخفيف (^٤) - فهاتان الروايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس، وقد أنكرت ذلك عائشة على من فسرها بذلك، وانتصر لها ابن جرير، ووجه المشهور عن الجمهور وزيَّف القول الآخر بالكلية، ورده وأباه ولم يقبله ولا ارتضاه، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1707\"></span>﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾.\nيقول تعالى: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف نجينا المؤمنين وأهلكنا الكافرين ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وهي العقول، ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: وما كان لهذا القرآن أن يفترى من دون الله؛ أي: يكذب ويختلق ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة من السماء وهو يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير.\n﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من تحليل وتحريم ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور الجلية، وعن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الربِّ ﵎ وبالأسماء والصفات، وتنزهه عن مماثلة المخلوقات، فلهذا كان ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ومن الضلال إلى السداد، ويبتغون به الرحمة من رب العباد، في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا والآخرة، يوم يفوز بالربح المبيضة وجوههم الناضرة، ويرجع المسودّة وجوههم بالصفقة الخاسرة.\nآخر تفسير سورة يوسف ﵇، ولله الحمد والمنة وبه المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي المعلى العطارى سعيد بن جبير.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) كذا في تفسير الطبري، وصحف في الأصل و(حم) إلى: \"محسن\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.","vol":"4","page":548},{"text":"<span data-type='title' id=toc-121>سُوْرَةُ الرَّعْدِ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-1708\"></span>﷽\n﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)﴾.\nأما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقدمنا أن كل سورة ابتدئت بهذه الحروف ففيها الانتصار للقرآن وتبيان أن نزوله من عند الله حق لا شك فيه ولا مرية ولا ريب، ولهذا قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي: هذه آيات الكتاب، وهو القرآن.\nوقيل: التوراة والإنجيل، قاله مجاهد وقتادة (^١)، وفيه نظر بل هو بعيد، ثم عطف على ذلك عطف صفات فقال: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: يا محمد ﴿مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ خبر تقدم مبتدؤه، وهو قوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ هذا هو الصحيح المطابق لتفسير مجاهد وقتادة، واختار ابن جرير أن تكون الواو زائدة أو عاطفة صفة على صفة كما قدمنا، واستشهد بقول الشاعر:\nإلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم (^٢)\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف] أي: مع هذا البيان والجلاء والوضوح لا يؤمن أكثرهم لما فيهم من الشقاق والعناد والنفاق.\n\n<span id=\"aya-1709\"></span>﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾.\nيخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بإذنه وأمره رفع السماوات بغير عمدٍ، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعدًا لا تنال ولا تدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام، وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت،\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سفيان عن مجاهد بلفظه، وسفيان لم يسمع من مجاهد، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة بلفظ: \"الكتب التي كانت قبل القرآن\".\n(^٢) ذكره الفراء في معاني القرآن والطبري في تفسيره.","vol":"4","page":549},{"text":"وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام، وسمكها خمسمائة عام، وهكذا السماء الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق].\nوفي الحديث: \"ما السماوات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والكرسي في العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة\" (^١). وفي رواية: \"والعرش لا يقدر قدره إلا الله ﷿\" (^٢)، وجاء عن بعض السلف أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة، وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وهو من ياقوتة حمراء (^٣).\nوقوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد أنهم قالوا: لها عمد ولكن لا تُرى (^٤).\nوقال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القبة (^٥)، يعني: بلا عمد، وكذا روي عن قتادة (^٦)، وهذا هو اللائق بالسياق، والظاهر من قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] فعلى هذا يكون قوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ تأكيدًا لنفي ذلك؛ أي: هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، وهذا هو الأكمل في القدرة، وفي شعر أمية بن أبي الصلت الذي آمن شعره، وكفر قلبه كما ورد في الحديث (^٧)، ويروى لزيد بن عمرو بن نفيل ﵀ ورضي عنه:\nوأنت الذي من فضل مَنٍّ ورحمة … بعثتَ إلى موسى رسولًا مناديا\nفقلت له: فاذهب وهارون فادعوا … إلى الله فرعون الذي كان طاغيًا\nوقولا له: هل أنت سويت هذه … بلا وتد حتى استقلت (^٨) كما هيا؟\nوقولا له: أأنت رفعت (^٩) هذه … بلا عمد أو فوق ذلك بانيا؟\nوقولا له: هل أنت سويت وسطها … منيرًا إذا ما جنك الليل هاديا؟\nوقولا له: من يرسل الشمس غدوة … فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا؟] (^١٠)\nوقولا له: من يُنبت الحب في الثرى … فيصبح منه العشب يهتز رابيا\nويخرج منه حبه في رؤوسه؟ … ففي ذاك آيات لمن كان واعيًا (^١١)\n_________\n(^١) (^٢) تقدم تخريجهما في سورة البقرة آية ٢٥٥.\n(^٣) مثل هذا لا يؤخذ إلا عن النبي ﷺ والصحابة ﵃.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حماد بن سلمة عن إياس بن معاوية.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) أخرجه ابن عبد البر بسند ضعيف جدًا، من طريق أبي بكر الهذلي عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: أرأيت ما جاء عن النبي ﷺ في أُمية بن أبي الصلت: آمن شعره وكفر قلبه؟ قال: \"هو حق فما أنكرتم من ذلك .. \" (التمهيد ٤/ ٧) وفيه أبو بكر الهذلي: متروك، كما في التقريب.\n(^٨) كذا في النسخ الخطية، وفي سيرة ابن هشام: \"اطمأنت\".\n(^٩) كذا في (حم) و(مح) والسيرة، وفي الأصل: \"سويت\".\n(^١٠) زيادة من (حم) و(مح) والسيرة.\n(^١١) هذه الأبيات ذكرها ابن هشام وذكر غيرها معها (سيرة ابن هشام ١/ ٢٢٨).","vol":"4","page":550},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ تقدم تفسيره في سورة الأعراف (^١)، وأنه يمر كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، ولا تمثيل، تعالى الله علوًا كبيرًا. وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة، كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ [يس]، وقيل: المراد إلى مستقرهما وهو تحت العرش مما يلي بطن الأرض من الجانب الآخر، فإنهما وسائر الكواكب إذا وصلوا هنالك يكونون أبعد ما يكون عن العرش، لأنه على الصحيح الذي تقوم عليه الأدلة قبة مما يلي العالم من هذا الوجه، وليس بمحيط كسائر الأفلاك، لأن له قوائم وحملة يحملونه، ولا يتصور هذا في الفلك المستدير، وهذا واضح لمن تدبر ما وردت به الآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة.\nوذكر الشمس والقمر لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة التي هي أشرف وأعظم من الثوابت، فإذا كان قد سخر هذه، فلأن يدخل في التسخير سائر الكواكب بطريق الأولى والأحرى، كما نبه بقوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] مع أنه صرح بذلك بقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقوله: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي: يوضح الآيات والدلالات الدالة على أنه لا إله إلا هو، وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما ابتدأ خلقه.\n\n<span id=\"aya-1710\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾.\nلما ذكر تعالى العالم العلوي، شرع في ذكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم السفلي، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ أي: جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض، وأرساها بجبال راسيات شامخات، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون، ليسقي ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أي: من كل شكل صنفان ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي: جعل كلًا منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، فإذا ذهب هذا غشيه هذا، وإذا انقضى هذا جاء الآخر، فيتصرف أيضًا في الزمان كما يتصرف في المكان والسكان، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: في آلاء الله وحكمه ودلائله.\n\n<span id=\"aya-1711\"></span>وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ أي: أراضٍ يجاور بعضها بعضًا، مع أنه هذه طيبة تنبت ما ينفع الناس وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئًا، هكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد. ويدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض، فهذه تربة\n_________\n(^١) في الآية رقم (٥٤).","vol":"4","page":551},{"text":"حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء، وهذه محجرة، وهذه سهلة، وهذه مرملة، وهذه سميكة، وهذه رقيقة، والكل متجاورات، فهذه بصفتها، وهذه بصفتها الأخرى، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار لا إله إلا هو ولا رب سواه.\nوقوله: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ يحتمل أن تكون عاطفة على جنات، فيكون ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ مرفوعين. ويحتمل أن يكون معطوفًا على ﴿أَعْنَابٍ﴾، فيكون مجرورًا، ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة (^١).\nوقوله: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ الصنوان: هو الأصول المجتمعة في منبت واحد، كالرمان والتين، وبعض النخيل ونحو ذلك، وغير الصنوان: ما كان على أصل واحد، كسائر الأشجار، ومنه سمي عمُّ الرجل صنو أبيه، كما جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لعمر: \"أما شعرت أن عمَّ الرجل صنو أبيه\" (^٢).\nوقال سفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁: الصنوان: هي النخلات في أصل واحد، وغير الصنوان المتفرقات (^٣). وقاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد (^٤).\nوقوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ قال: \"الدقل، والفارسي، والحلو، والحامض\"، رواه الترمذي وقال: حسن غريب (^٥).\nأي: هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها، وطعومها وروائحها، وأوراقها وأزهارها، فهذا في غاية الحلاوة، وهذا في غاية الحموضة، وذا في غاية المرارة، وذا عفص، وهذا عذب، وهذا جمع هذا وهذا، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى، وهذا أصفر، وهذا أحمر، وهذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أزرق، وكذلك الزهورات مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء، مع الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط ففي ذلك آيات لمن كان واعيًا، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته فاوت بين الأشياء، وخلقها على ما يريد، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\n_________\n(^١) القراءة بالرفع والجر قراءتان متواترتان.\n(^٢) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الزكاة، باب في تقديم الزكاة ومنعها ح ٩٨٣).\n(^٣) أخرجه الطبري وسعيد بن منصور (السنن، التفسير ح ١١٥٣) من طريق الثوري به، وسنده صحيح.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول ابن مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سلمة بن نبيط عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٥) أخرجه الترمذي من طريق سيف بن محمد الثوري عن الأعمش به (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الرعد ح ٣١١٨)، وسنده ضعيف جدًا لأن سيف بن محمد الثوري كذبوه، كما في التقريب ص ٢٦٢، ومدار الحديث متوقف عليه.","vol":"4","page":552},{"text":"<span id=\"aya-1712\"></span>﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾.\nيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ من تكذيب هؤلاء المشركين بالمعاد، مع ما يشاهدونه من آيات الله - سبحانه - ودلائله في خلقه على أنه القادر على ما يشاء، ومع ما يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء فكوَّنها بعد أن لم تكن شيئًا مذكورًا، ثم هم بعد هذا يكذبون خبره في أنه سيعيد العالم خلقًا جديدًا، وقد اعترفوا وشاهدوا ما هو أعجب مما كذبوا به، فالعجب من قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، وقد علم كل عالم وعاقل أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، وأن من بدأ الخلق فالإعادة عليه أسهل، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف] ثم نعت المكذبين بهذا فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ أي: يسحبون بها في النار ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها أبدًا لا يحولون عنها ولا يزولون.\n\n<span id=\"aya-1713\"></span>﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أي: هؤلاء المكذبون ﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بالعقوبة كما أخبر عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ [الحجر]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ [العنكبوت]، وقال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج]، وقال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨]، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ [ص] أي: عقابنا وحسابنا، كما قال مخبرًا عنهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ. . .﴾ ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، فكانوا يطلبون من الرسول أن يأتيهم بعذاب الله، وذلك من شدة تكذيبهم وعنادهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ أي: قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية وجعلناهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم.\nثم أخبر تعالى أنه لولا حلمه وعفوه لعاجلهم بالعقوبة كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ أي: إنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار، ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ليعتدل الرجاء والخوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ [الأنعام]، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧]، وقال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا","vol":"4","page":553},{"text":"الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر] إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء والخوف.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ الآية، قال رسول الله ﷺ: \"لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدًا العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتَّكل كل أحد\" (^١).\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن عثمان أبي حسان الزيادي: أنه رأى رب العزة في النوم، ورسول الله ﷺ واقف بين يديه يشفع في رجل من أمته، فقال له: ألم يكفيك أني أنزلت عليك في سورة الرعد ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾. قال: ثم انتبهت (^٢).\n\n<span id=\"aya-1714\"></span>﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾.\nيقول تعالى إخبارًا عن المشركين أنهم يقولون كفرًا وعنادًا: لولا يأتينا بآية من ربه كما أرسل الأولون، كما تعنتوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن يزيح عنهم الجبال، ويجعل مكانها مروجًا وأنهارًا، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء] (^٣)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أي: إنما عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢].\nوقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي لكل قوم داعٍ (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في الآية: يقول الله تعالى: أنت يا محمد منذر، وأنا هادي كل قوم (^٥). وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد (^٦).\nوعن مجاهد: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أي: نبي (^٧)، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد (^٨). وقال أبو صالح ويحيى بن رافع: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال سعيد بن المسيب، وضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.\n(^٢) في سنده نكارة، فإن الله تعالى لا يُرى في الدنيا لا في المنام ولا في اليقظة. وأما في الآخرة فنعم بدليل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة].\n(^٣) سيأتي عند هذه الآية رواية تعنت المشركين.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بالآثار اللاحقة.\n(^٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق قيس، وهو ابن سعد المكي، عن مجاهد، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري من طرق يقوي بعضها بعضًا عن عطاء بن السائب عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه شيخ الطبري مبهم.\n(^٧) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن مجاهد.\n(^٨) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح عن طريق معمر عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب.","vol":"4","page":554},{"text":"أي: قائد (^١).\nوقال أبو العالية: الهادي القائد، والقائد الإمام، والإمام العمل (^٢).\nوعن عكرمة وأبي الضحى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قالا: هو محمد ﷺ (^٣).\nوقال مالك: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ يدعوهم إلى الله ﷿.\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري، حدثنا معاذ بن مسلم بياع الهرويّ، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: لما نزلت ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال: وضع رسول الله ﷺ يديه على صدره وقاله: \"أنا المنذر، ولكل قوم هاد\". وأومأ بيده إلى منكب علي (^٤)، فقال: \"أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي\" (^٥)، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا المطلب بن زياد، عن السدي، عن عبد خير، عن علي ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال: الهادي رجل من بني هاشم (^٦).\nقال الجنيد: هو علي بن أبي طالب ﵁.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات وعن أبي جعفر محمد بن علي نحو ذلك (^٧).\n\n<span id=\"aya-1715\"></span>﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾.\nيخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] أي: ما حملت من ذكر أو أنثى، أو حسن أو قبيح، أو شقي أو سعيد، أو طويل العمر أو قصيره، كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦] أي:\n_________\n(^١) قول أبي صالح أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه، وقول يحيى بن رافع أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(^٣) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عنه، وقول أبي الضحى - وهو مسلم بن صبيح - أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن أبي الضحى.\n(^٤) أي ابن أبي طالب الخليفة الراشد ﵁.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا، فإن الحسن بن الحسين الأنصاري من رؤساء الشيعة، كذا قال الحافظ ابن حجر، وذكر هذه الرواية ثم قال: ومعاذ نكرة فلعل الآفة منه (لسان الميزان ٢/ ١٩٩)، وضعفه الحافظ ابن كثير أيضًا.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن السدي فيه تشيع.\n(^٧) قول الجنيد لم يُسند لأحد، وقول ابن عباس وأبي جعفر ذكرهما ابن أبي حاتم تعليقًا.","vol":"4","page":555},{"text":"خلقكم طورًا من بعد طور، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون].\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وعمره، وعمله، وشقي أو سعيد. . .\" (^١).\nوفي الحديث الآخر: \"فيقول الملك: أي رب أذكر أم أنثى؟ أي: رب أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيقول الله، ويكتب الملك\" (^٢).\nوقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمهن إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله\" (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ يعني: السقط، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومن تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقصُ، فذلك الغيضُ والزيادة التي ذكر الله تعالى وكل ذلك بعلمه تعالى (^٤).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: ما نقصت من تسعة وما زاد عليها (^٥).\nوقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني وقد نبتت ثنيتي (^٦).\nوقال ابن جريج، عن جميلة بنت سعد، عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحرك ظل مغزل (^٧).\nوقال مجاهد: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: ما ترى من الدم في حملها، وما تزداد\n_________\n(^١) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (ح ٣٢٠٨) وصحيح مسلم، القدر، باب كيفية خلق الآدمي (ح ٢٦٤٣).\n(^٢) صحيح مسلم، القدر، باب كيفية خلق الآدمي (ح ٢٦٤٥).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة الرعد، باب ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨] ح ٤٦٩٧).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن الضحاك.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج به، وفي سنده جميلة بنت سعد ذكرها ابن أبي حاتم وسكت عنها (الجرح والتعديل ٩/ ٤٠٧)، ولهذا قال ابن حزم: مجهولة (المحلى ١٠/ ٣١٦).","vol":"4","page":556},{"text":"على تسعة أشهر (^١). وبه قال عطية العوفي والحسن البصري وقتادة والضحاك (^٢).\nوقال مجاهد أيضًا: إذا رأت المرأة الدم دون التسعة، زاد على التسعة مثل أيام الحيض (^٣). وقاله عكرمة وسعيد بن جبير وابن زيد (^٤). وقال مجاهد أيضًا: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ [إهراقه الدم] (^٥) حتى يخس الولد (^٦)، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ إن لم تهرق المرأة، تم الولد وعظم. وقال مكحول: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أُمه من دم حيضتها، فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض، استهل، واستهلاله استنكاره لمكانه، فإذا قطعت سرته، حوّل الله رزقه إلى ثديي أُمه حتى لا يحزن ولا يطلب ولا يغتم، ثم يصير طفلًا يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا هو بلغ قال: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ فيقول مكحول: يا ويلك، غذاك وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت، قلت: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق، ثم قرأ مكحول ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾.\nوقال قتادة: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ أي: بأجل، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل لذلك أجلًا معلومًا (^٧). وفي الحديث الصحيح: أن إحدى بنات النبي ﷺ بعثت إليه أن ابنًا لها في الموت، وأنها تحب أن يحضره. فبعث إليها يقول: \"إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمروها فلتصبر ولتحتسب. . .\" (^٨) الحديث بتمامه.\n\n<span id=\"aya-1716\"></span>وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم، ولا يخفى عليه منه شيء ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي هو أكبر من كل شيء، ﴿الْمُتَعَالِ﴾ أي: على كل شيء ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقهر كل شيء، فخضعت له الرقاب ودان له العباد طوعًا وكرهًا.\n\n<span id=\"aya-1717\"></span>﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾.\nيخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع خلقه، وأنه سواء منهم من أسر قوله أو جهر به، فإنه\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر عن مجاهد.\n(^٢) قول العوفي تقدم في بداية تفسير الآية، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح عن طريق أبي بشر عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بإسناد صحيح من طريق ابن المبارك عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك تقدم.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق خصيف عن مجاهد.\n(^٤) قول عكرمة أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٥) كذا في تفسير الطبري في رواية مجاهد، وفي الأصل: \"إراقة المرأة\".\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بنحوه بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الشيخان من حديث أُسامة بن زيد ﵁ (صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] ح ٧٣٧٧)، وصحيح مسلم، الجنائز، باب البكاء على الميت (ح ٩٢٣).","vol":"4","page":557},{"text":"يسمعه لا يخفى عليه شيء، كقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه]، وقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥].\nقالت عائشة ﵂: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، والله لقد جاءت المجادلة تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ، وأنا في جنب البيت، وإنه ليخفى عليَّ بعض كلامها، فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة] (^١).\nوقوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ أي: مختف في قعر بيته في ظلام الليل، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ أي: ظاهر ماش في بياض النهار وضيائه، فإن كليهما في علم الله على السواء، كقوله تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-1718\"></span>وقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة أملاك بالليل، بدلًا حافظان وكاتبان، كما جاء في الصحيح: \"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون\" (^٢).\nوفي الحديث الآخر: \"إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم وأكرموهم\" (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: والمعقبات من الله هي الملائكة (^٤).\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في مطلع سورة المجادلة.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر ح ٥٥٥) وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر (ح ٦٣٢).\n(^٣) أخرجه الترمذي من طريق ليث بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (السنن، الأدب، باب ما جاء في الاستتار عند الجماع ح ٢٨٠١)، وأخرجه البيهقي وضعفه (شعب الإيمان ح ٧٧٣٩)، وقال البغوي: ويروي عن ابن عمر بإسناد غريب. ثم ساق الحديث (شرح السنة ٩/ ٢٥)، وسنده ضعيف لما قيل في ليث بن أبي سليم، لأنه صدوق اختلط جدًا ولم يتميز حديثه فترك، كما في التقريب.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به بنحوه.","vol":"4","page":558},{"text":"وقال عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلو عنه (^١).\nوقال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك موكل، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده، إلا قال له الملك وراءك، إلا شيء أذن الله فيه فيصيبه (^٢).\nوقال الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قال: ذلك ملك من ملوك الدنيا، له حرس من دونه حرس (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني: ولي [السلطان] (^٤) يكون عليه الحرس (^٥).\nوقال عكرمة في تفسيرها: هؤلاء الأمراء المواكب بين يديه ومن خلفه (^٦).\nوقال الضحاك (^٧) في الآية: هو السلطان المحروس من أمر الله، وهم أهل الشرك، والظاهر - والله أعلم - أن مراد ابن عباس وعكرمة والضحاك بهذا أن حرس الملائكة للعبد يشبه حرس هؤلاء لملوكهم وأمرائهم.\nوقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير ههنا حديثًا غريبًا جدًا، فقال: حدثني المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح القشيري، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي قال: دخل عثمان بن عفان على رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ فقال: \"ملك على يمينك على حسناتك، وهو أمير على الذي على الشمال، فإذا عملت حسنة كتبت عشرًا، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: أكتبها؟ قال: لا، لعله يستغفر الله ويتوب فيستأذنه ثلاث مرات، فإذا قال ثلاثًا، قال: اكتبها أراحنا الله منه فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه منا، يقول الله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق]، وملكان من بين يديك ومن خلفك، يقول الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد ﷺ. وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق عكرمة به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث، وهو ابن أبي سُليم، عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يحيى بن يمان عن الثوري به وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٣٧٢).\n(^٤) كذا في (مح) وتفسير الطبري طبعة معالي الدكتور عبد الله التركي والطبعة القديمة، وفي الأصل و(حم): بلفظ: \"الشيطان\" وهو تصحيف وقد وقع هذا التصحيف في جميع الطبعات المحققة من تفسير ابن كثير سوى طبعة الحلبي التي اعتمدت نسخة دار الكتب المصرية. ومما يؤكد أنه تصحيف الروايات التالية عن عكرمة والضحاك وعكرمة وتوضيح الحافظ ابن كثير لهذه الرواية.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بما يلي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر عن عكرمة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند فيه شيخ الطبري لم يصرح باسمه.","vol":"4","page":559},{"text":"فيك، وملكان على عينيك، فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي، ينزلون ملائكة الليل على ملائكة النهار، لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار، فهؤلاء عشرون ملكًا على كل آدمي، وإبليس بالنهار وولده بالليل\" (^١).\nوقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا سفيان، حدثني منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحد إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة\" قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: \"وإياي، ولكن الله أعانني عليه، فلا يأمرني إلا بخير\" (^٢)، انفرد بإخراجه مسلم (^٣).\nوقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قيل: المراد حفظهم له من أمر الله. رواه علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس (^٤)، وإليه ذهب مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم (^٥).\nوقال قتادة: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال: وفي بعض القراءات (يحفظونه بأمر الله) (^٦).\nوقال كعب الأحبار: لو تجلَّى لابن لآدم كل سهلٍ وحزنٍ، لرأى كل شيء من ذلك شياطين، لولا أن الله وكَّل بكم ملائكة يذبُّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذًا لتُخُطِّفتم (^٧).\nوقال أبو أُمامة: ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له (^٨).\nوقال أبو مِجلزَ: جاء رجل من مراد إلى علي ﵁ وهو يصلي فقال: احترس: فإن ناسًا من مراد يريدون قتلك، فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدّر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، إن الأجل جُنَّة حصينة (^٩).\nوقال بعضهم: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ بأمر الله، كما جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله، أرأيت رقىَ نسترقي بها، هل تردُّ من قدر الله شيئًا؟ فقال: \"هي من قدر الله\" (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وسنده ضعيف لأن كنانة العدوي لم يسمع من عثمان ﵁، وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه محققوه (المسند ٦/ ٣١٩ ح ٣٧٧٩).\n(^٣) صحيح مسلم، صفات المنافقين، باب تحريش الشيطان … (ح ٢٨١٤).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف تقدم، ويتقوى بما سبق، وكذلك قول إبراهيم النخعي كسابقه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، والقراءة شاذة تفسيرية ذكرها ابن جني ونسبها إلى بعض السلف الصالح (المحتسب ١/ ٣٥٥).\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق يزيد بن شريح عن كعب بلفظه، ويزيد بن شريح: مقبول (التقريب ص ٦٠٢).\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق أبي غالب عن أبي أُمامة بلفظه، وفي رواية أبي غالب عن أبي أُمامة مقال تقدم ذكره.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عُمارة بن أبي حفصة عن أبي مجلز.\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي خزامة ﵁ وضعف سنده محققوه (المسند ٢٤/ ٢١٩ ح ١٥٤٧٣)، وأخرجه الترمذي من طريق الزهري عن ابن أبي خزامة عن أبي خزامة ثم قال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث الزهري (السنن، الطب، باب ما جاء في الرقي والأدوية ح ٢٠٦٥)، وذكره الألباني في ضعيف سنن =","vol":"4","page":560},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن [أشعث] (^١) عن جهم، عن إبراهيم قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله، إلا حوّل الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (^٢).\nوقد ورد هذا في حديث مرفوع، فقال الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتابه صفة العرش: حدثنا الحسن بن علي، حدثنا الهيثم بن الأشعث السلمي، حدثنا أبو حنيفة اليماني الأنصاري، عن عمير بن عبد الملك قال: خطبنا علي بن أبي طالب على منبر الكوفة قال: كنت إذا أمسكت عن رسول الله ﷺ ابتدأني، وإذا سألته عن الخبر أنبأني، وإنه حدثني عن ربه ﷿ قال: \"قال الرب: وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشى، ما من قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي\" (^٣)، وهذا غريب، وفي إسناده من لا أعرفه.\n\n<span id=\"aya-1719\"></span>﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾.\nيخبر تعالى أنه هو الذي يسخر البرق، وهو ما يرى من النور اللامع ساطعًا من خلل السحاب. وروى ابن جرير أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق، فقال: البرق الماء (^٤).\nوقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال قتادة: خوفًا للمسافر يخاف أذاه ومشقته، وطمعًا للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله (^٥).\n﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ أي: ويخلقها منشأة جديدة، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض. قال مجاهد: السحاب الثقال الذي فيه الماء (^٦).\n_________\n= الترمذي، وأخرجه الحاكم من حديث حكيم بن حزام بنحوه وسكت عنه هو والذهبي (المستدرك ٤/ ٤٠٢) وفي سنده صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف (التقريب ص ٢٠٧).\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: \"أشعب\".\n(^٢) سنده مرسل لأن إبراهيم هو النخعي من التابعين، والخبر من أهل الكتاب.\n(^٣) أخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة بسنده ومتنه (صفة العرش ح ١٩) وسنده ضعيف لجهالة الهيثم بن الأشعث السلمي (لسان الميزان ٦/ ٢٠٣)، وضعفه الحافظ ابن كثير من جهة المتن.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق موسى بن سالم أبي جهضم عن ابن عباس، قال الأستاذ محمود شاكر: موسى بن سالم أبو جهضم ثقة، روايته عن ابن عباس مرسلة. اهـ. وللمزيد حول سؤالات ابن عباس لأبي الجلد ينظر: (استدراكات على تاريخ التراث ٢/ ٣٤ - ٣٧) بقلمي.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"4","page":561},{"text":"<span id=\"aya-1720\"></span>﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرني أبي، قال: كنت جالسًا إلى جنب حميد بن عبد الرحمن في المسجد، فمرَّ شيخ من بني غفار، فأرسل إليه حميد، فلما أقبل قال: يا ابن أخي، وسع فيما بيني وبينك، فإنه قد صحب رسول الله ﷺ، فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه، فقال له حميد: ما الحديث الذي حدثتني عن رسول الله ﷺ؟ فقال الشيخ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك\" (^١).\nوالمراد - والله أعلم - أن نطقها الرعد وضحكها البرق (^٢).\nوقال موسى بن عبيدة، عن سعد بن إبراهيم قال: يبعث الله الغيث فلا أحسن منه مضحكًا، ولا آنس منه منطقًا، فضحكه البرق، ومنطقه الرعد (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، عن محمد بن مسلم قال: بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع بذنبه فذاك البرق (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحجاج، حدثنا أبو مطر، عن سالم، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا سمع الرعد والصواعق قال: \"اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك\" (^٥)، ورواه الترمذي والبخاري في كتاب الأدب، والنسائي في اليوم والليلة، والحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي مطر ولم يسم به (^٦).\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل عن أبيه، عن رجل، عن أبي هريرة … رفع الحديث، أنه كان إذا سمع الرعد قال: \"سبحان من يسبّح الرعد بحمده\" (^٧).\nوروي عن علي ﵁ أنه كان إذا سمع صوت الرعد يقول: سبحان من سبَّحَت له. وكذا روي عن ابن عباس وطاوس والأسود بن يزيد، أنهم كانوا يقولون ذلك (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/ ٩١ ح ٢٣٦٨٦) وصحح سنده محققوه.\n(^٢) وكذا قال الرامهرمزي في \"الأمثال\" (ح ١٢٤).\n(^٣) موسى بن عبيدة، وهو الربذي ضعيف كما في التقريب، وأخرجه العقيلي من حديث أبي هريرة وفي سنده أُمية بن سعيد الأموي، وهو مجهول كما قال العقيلي (الضعفاء الكبير ١/ ٣٥).\n(^٤) فيه غرابة ومثل هذا لا يؤخذ إلا عن الوحي وسنده ضعيف، لإرسال محمد بن مسلم، وهو لم يدرك أحدًا من الصحابة.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠/ ٤٧، ٤٨ ح ٥٧٦٣) وضعف سنده محققوه لضعف حجاج بن أرطاة وجهالة حال أبي مطر.\n(^٦) سنن الترمذي، الدعوات، باب ما يقول إذا سمع الرعد (ح ٣٤٥٠)، والأدب المفرد (ح ٧٢٢) والسنن الكبرى، عمل اليوم والليلة (ح ١٠٧٦٤) والمستدرك (٤/ ٢٦٨).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ والد إسرائيل.\n(^٨) قول علي ﵁ أخرجه الطبري بسند فيه مسعدة بن اليسع الباهلي وهو منكر الحديث (الجرح والتعديل =","vol":"4","page":562},{"text":"وقال الأوزاعي: كان ابن أبي زكريا يقول: من قال حين يسمع الرعد: سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة (^١).\nوعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويقول: إِن هذا لوعيد شديد لأهل الأرض. رواه مالك في موطئه، والبخاري في كتاب الأدب (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا محمد بن واسع، عن [سُمير] (^٣) بن نهار، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"قال ربكم ﷿: لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد\" (^٤).\nوقال الطبراني: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا يحيى بن كثير أبو النضر، حدثنا عبد الكريم، حدثنا عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِذا سمعتم الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرًا\" (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء، ولهذا تكثر في آخر الزمان، كما قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا عمارة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة حتى يأتي الرجل القوم فيقول: من صعق تلكم الغداة؟ فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان\" (^٦).\nوقد روي في سبب نزولها ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إسحاق، حدثنا علي بن أبي سارة الشيباني، حدثنا ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا مرة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: \"اذهب فادعه لي\". قال: فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله ﷺ، فقال له: من رسول الله، وما الله، أمن ذهب هو، أم من فضة هو، أم من نحاس هو؟ قال: فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: يا رسول الله، قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، قال لي كذا وكذا،\n_________\n= ٨/ ٣٧٠)، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند فيه الحكم بن أبان، وهو صدوق له أوهام كما في التقريب ص ١٧٤، وقول طاوس والأسود أخرجهما الطبري وهي مراسيل لا يعتمد عليها.\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي شيبة (المصنف ١٠/ ٢١٥) وهو مرسل أيضًا.\n(^٢) أخرجه الإمام مالك (الموطأ، الكلام، باب القول إذا سمعت الرعد ح ٢٦)، والبخاري (الأدب المفرد ح ٧٢٤) كلاهما من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٥٥٦).\n(^٣) كذا في (حم) والمسند، وفي الأصل صُحِّف إلى: \"معمر\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ٣٢٧ ح ٨٧٠٨) وضعف سنده محققوه لضعف صدقة بن موسى.\n(^٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ١٦٤ ح ١١٣٧١)، وضعفه الهيثمي لضعف يحيى بن كثير (مجمع الزوائد ١٠/ ١٣٩).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨/ ١٦٣ ح ١١٦٢٠) وصحح سنده محققوه، وأخرجه الحاكم من طرق محمد بن مصعب به وصححه ووافقه الذهبي مع خلاف بسيط (المستدرك ٤/ ٤٤٤)","vol":"4","page":563},{"text":"فقال لي: \"ارجع إليه الثانية\" فذهب فقال له مثلها، فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، فقال: \"ارجع إليه فادعه\" فرجع إليه الثالثة، قال: فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينما هو يكلمه إذ بعث الله ﷿ سحابة حيال رأسه، فرعدت فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^١)، ورواه ابن جرير من حديث علي بن أبي سارة به (^٢).\nورواه الحافظ أبو بكر البزار عن عبدة بن عبد الله، عن يزيد بن هارون، عن ديلم بن غزوان، عن ثابت، عن أنس … فذكر نحوه، وقال: حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا أبو عمران الجوني، عن عبد الرحمن بن صحار العبدي أنه بلغه أن النبي ﷺ بعثه إلى جبار يدعوه فقال: أرأيتم ربكم أذهب هو؟ أم فضة هو؟ أم لؤلؤ هو؟ قال: فبينما هو يجادلهم إذ بعث الله سحابة فرعدت، فأرسل عليه صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، ونزلت هذه الآية (^٣).\nوقال أبو بكر بن عياش، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: جاء يهودي فقال: يا محمد أخبرني عن ربك، من أي شيء هو؟ من نحاس هو، أم من لؤلؤ أو ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته، وأنزل الله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٤).\nوقال قتادة: ذكر لنا أن رجلًا أنكر القرآن، وكذب النبي ﷺ فأرسل الله صاعقة فأهلكته، وأنزل الله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية (^٥).\nوذكروا في سبب نزولها قصة عامر بن الطفيل [وأربد] (^٦) بن ربيعة، لما قدما على رسول الله ﷺ المدينة فسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر، فأبى عليهما رسول الله ﷺ، فقال له عامر بن الطفيل - لعنه الله -: أما والله لأملأنها عليك خيلًا جردًا ورجالًا مردًا، فقال له رسول الله ﷺ: \"يأبى الله عليك ذلك وأبناء قيلة\" يعني الأنصار، ثم إنهما همّا بالفتك برسول الله ﷺ فجعل أحدهما يخاطبه، والآخر يستل سيفه ليقتله من ورائه، فحماه الله تعالى منهما وعصمه، فخرجا من المدينة فانطلقا في أحياء العرب يجمعان الناس لحربه ﵊، فأرسل الله على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته، وأما عامر بن الطفيل، فأرسل الله عليه الطاعون فخرجت فيه غدة عظيمة، فجعل يقول: يا آل عامر غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية، حتى ماتا لعنهما الله،\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده بنحوه وضعفه محققه لضعف علي بن أبي سارة (المسند ٦/ ٨٩ ح ٣٣٤٢)، ولكن ابن أبي سارة تابعه ديلم بن غزون، وهو صدوق. كما في التقريب إذ أخرجه أبو يعلى (المسند ٦/ ٨٧ - ٨٨ ح ٣٣٤١) من طريق ديلم عن ثابت به، وأخرجه ابن أبي عاصم من طريق ديلم به، وصححه الألباني (السنة ١/ ٣٠٤ ح ٦٩٢) فيكون الإسناد حسنًا لغيره.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي سارة به بنحوه.\n(^٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٣/ ٥٤ ح ٢٢٢١) وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق أبي بكر بن عياش به، وهو مرسل ويتقوى بسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويتقوى بما سبق.\n(^٦) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل صحف إلى: \"زايد\"، وأربد بن ربيعة هو أخو لبيد الشاعر لأمه (جمهرة أنساب العرب ٢/ ٢٨٥).","vol":"4","page":564},{"text":"وأنزل الله في مثل ذلك ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾، وفي ذلك يقول لبيد بن ربيعة أخو أربد يرثيه:\nأخشى على أربدَ الحتوفَ ولا … أرهب نوءَ السماك والأسد\nفجعني الرعد والصواعق بالفـ … ـارس يوم الكريهة النجد (^١)\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مسعدة بن سعيد العطار، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني عبد العزيز بن عمران، حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم، عن أبيهما، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أن أربد بن قيس بن جزء بن جليد بن جعفر بن كلاب، وعامر بن الطفيل بن مالك، قدما المدينة على رسول الله ﷺ، فانتهيا إليه وهو جالس فجلسا بين يديه، فقال عامر بن الطفيل: يا محمد، ما تجعل لي إن أسلمت؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم\". قال عامر بن الطفيل: أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك؟ قال رسول الله ﷺ: \"ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل\" قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر ولك المدر. قال رسول الله ﷺ: \"لا\"، فلما قفلا من عنده قال عامر: أما والله لأملأنها عليك خيلًا ورجالًا، فقال له رسول الله ﷺ: \"يمنعك الله\"، فلما خرج أربد وعامر، قال عامر: يا أربد، أنا أشغل عنك محمدًا بالحديث فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمدًا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب، فنعطيهم الدية. قال أربد: أفعل، فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: يا محمد قم معي أكلمك، فقام معه رسول الله ﷺ فجلسا إلى الجدار، ووقف معه رسول الله ﷺ يكلمه، وسلَّ أربد السيف، فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطع سلَّ السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله ﷺ فرأى أربد وما يصنع، فانصرف عنهما، فلما خرج عامر وأربد من عند رسول الله ﷺ حتى إذا كانا بالحرة - حرة راقم - نزلا، فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، فقالا: اشخصا يا عدوي الله لعنكما الله، فقال عامر: من هذا يا سعد؟ قال: هذا أسيد بن حضير [الكاتب] (^٢)، فخرجا حتى إِذا كانا بالرَقم (^٣)، أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالخريم أرسل الله قرحة فأخذته، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يمس قرحته في حلقة ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية، ترغب أن يموت في بيتها، ثم ركب فرسه فأحضره حتى مات عليه راجعًا، فأنزل الله فيهما ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ [الرعد: ٨]- إلى قوله:- ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] قال: المعقبات من أمر الله يحفظون محمدًا ﷺ، ثم ذكر أربد وما قتله به، فقال: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريح بنحوه، وسنده معضل، وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس (المعجم الأوسط ١٠/ ٥٠ ح ٩١٢٣)، وفي سنده عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٧/ ٤١).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل صحف إلى: \"الغائب\".\n(^٣) الرَقَم: بفتح الراء والقاف، موضع بالمدينة، وإليه تنسب السهام الرميات (معجم البلدان ٣/ ٩٥٨، ومراصد الإطلاع ٢/ ٦٢٦).\n(^٤) تقدم تضعيفه وتخريجه في الرواية السابقة.","vol":"4","page":565},{"text":"وقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ أي: يشكّون في عظمته، وأنه لا إله إلا هو، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ قال ابن جرير: شديدة مماحلته في عقوبة من طغى عليه، وعتا وتمادى في كفره (^١)، وهذه الآية شبيهة بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ [النمل].\nوعن علي ﵁: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي: شديد الأخذ (^٢).\nوقال مجاهد: شديد القوة (^٣).\n\n<span id=\"aya-1721\"></span>﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾.\nقال علي بن أبي طالب ﵁: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قال: التوحيد. رواه ابن جرير (^٤).\nوقال ابن عباس وقتادة ومالك، عن محمد بن المنكدر: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ لا إله إلا الله (^٥). ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾.\nقال علي بن أبي طالب: كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده وهو لا يناله أبدًا بيده، فكيف يبلغ فاه (^٦)؟.\nوقال مجاهد: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبدًا (^٧).\nوقيل: المراد كقابض يده على الماء، فإنه لا يحكم منه على شيء، كما قال الشاعر (^٨):\nفإني وإِياكم وشوقًا إليكم … كقابض ماء لم تسقه أنامله\nوقال الآخر (^٩):\nفأصبحت مما كان بيني وبينها … من الودّ مثل القابض الماء باليد\nومعنى هذا الكلام أن الذي يبسط يده إلى الماء إما قابضًا وإما متناولًا له من بعد كما أنه لا\n_________\n(^١) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سيف عن أبي روق عن أبي أيوب عن علي، وسنده ضعيف لضعف سيف، وهو ابن عمر التميمي، كما في التقريب.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى عن مجاهد وأبو يحيى هو القتات الكوفي، لين الحديث (التقريب ٦٨٦)، ومعناه صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري بالإسناد السابق، ويشهد له ما يليه.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بالإسناد السابق الذي فيه سيف بن عمر بنحوه، ومعناه صحيح.\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) هو ضابيء بن الحارث البُرجمي ذكره أبو عبيد مستشهدًا بالبيت نفسه (مجاز القرآن ١/ ٣٢٧).\n(^٩) استشهد به الطبري وقال محققو تفسير الطبري بإشراف معالي الدكتور عبد الله التركي: هو أبو دهبل الجمحي، والبيت في ديوانه ص ١١٥، والأغاني ٧/ ١٣٩، والدر الفريد ٤/ ١٢٩، والزهرة ١/ ١٨٣، ونسب فيه للأحوص ولا يصح.","vol":"4","page":566},{"text":"ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه الذي جعله محلًا للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلهًا غيره، لا ينتفعون بهم أبدًا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-1722\"></span>﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾.\nيخبر تعالى عن عظمته وسلطانه، الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، ولهذا يسجد له كل شيء طوعًا من المؤمنين وكرهًا من المشركين ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ﴾ أي البُكُر ﴿وَالْآصَالِ﴾ وهو جمع أصيل، وهو آخر النهار، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)﴾ [النحل].\n\n<span id=\"aya-1723\"></span>﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾.\nيقرر تعالى أنه لا إله إلا هو، لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، وأولئك الآلهة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعًا ولا ضرًا؛ أي: لا تحصل لهم منفعة ولا تدفع عنهم مضرة، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له فهو على نور من ربه؟ ولهذا قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون أنها مخلوقة من مخلوق غيره، أي ليس الأمر كذلك فإنه لا يشابهه شيء، ولا يماثله ولا ند له ولا عدل له ولا وزير له ولا ولد ولا صاحبة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له، عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك (^١)، وكما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فأنكر تعالى عليهم ذلك حيث اعتقدوا ذلك، وهو تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم]، وقال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم] فإذا كان الجميع عبيدًا، فلم يعبد بعضهم بعضًا بلا دليل ولا برهان، بل مجرد الرأي والاختراع والابتداع، ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم، تزجرهم عن ذلك وتنهاهم عن عبادة من سوى الله، فكذبوهم وخالفوهم، فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\n_________\n(^١) تقدم عزوه إلى صحيح مسلم في تفسير سورة يوسف آية رقم ١٠٦.","vol":"4","page":567},{"text":"<span id=\"aya-1724\"></span>﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾.\nاشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي: مطرًا ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أي: أخذ كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرًا من الماء، وهذا صغير وسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علمًا كثيرًا، ومنها من لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ أي: فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه، هذا مثل.\nوقوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ الآية، هذا هو المثل الثاني، وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية؛ أي: ليجعل حلية نحاس أو حديد، فيجعل متاعًا، فإنه يعلوه زبد منه كما يعلو ذلك زبد منه ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي: إذا اجتمعا، لا ثبات للباطل ولا دوام [له] (^١)، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء ولا مع الذهب والفضة، ونحوهما مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ أي: لا ينتفع به بل يتفرق ويتمزق، ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر، وتنسفه الرياح، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس، يذهب ولا يرجع منه شيء ولا يبقى إلا الماء، وذلك الذهب ونحوه ينتفع به، ولهذا قال: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت] وقال بعض السلف: كنت إِذا قرأت مثلًا من القرآن فلم أفهمه، بكيت على نفسي، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (^٢).\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية هذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ وهو الشك، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ وهو اليقين، وكما يُجعل الحليُ في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، فللنحاس والحديد خبث، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت، فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيء يضمحل عن أهله، كما يذهب هذا\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) سيأتي تخريجه في تفسير سورة العنكبوت آية ٤٣.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"4","page":568},{"text":"الزبد، وكذلك الهدى والحق جاءا من عند الله، فمن عمل بالحق كان له وبقي، كما بقي ما ينفع الناس في الأرض، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار، فتأكل خبثه، ويخرج جيده فينتفع به، فكذلك يضمحل الباطل، فإذا كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال، فيزيغ الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق (^١). وهكذا روي في تفسيرها عن مجاهد والحسن البصري وعطاء وقتادة (^٢)، وغير واحد من السلف والخلف.\nوقد ضرب ﷾ في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين: ناريًا ومائيًا، وهما قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الآية [البقرة: ١٧]، ثم قال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩]، وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين:\nأحدهما: قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ الآية [النور: ٣٩]، والسراب إنما يكون في شدة الحر، ولهذا جاء في الصحيحين: \"فيقال لليهود يوم القيامة: فما تريدون؟ فيقولون: أي ربنا عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا تردون؟ فيردون النار فإذا هي كسراب يحطم بعضها بعضًا\" (^٣).\nثم قال تعالى في المثل الآخر: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ الآية [النور: ٤٠].\nوفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضًا، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا، ورعوا، وسقوا، وزرعوا، وأصابت طائفة منها أخرى، إِنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به، فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به\" (^٤). فهذا مثل مائي.\nوقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها - قال:- فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلمَّ عن النار، فتغلبوني فتقتحمون فيها\" (^٥). وأخرجاه في الصحيحين أيضًا، فهذا مثل ناري (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول عطاء أخرجه الطبري بسند حسن من طريق طلحة بن عمرو عنه.\n(^٣) أخرجاه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] (ح ٤٥٨١)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ٣٠٢).\n(^٤) صحيح البخاري، العلم، باب فضل من عَلِم وعَلَّم (ح ٧٩)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي ﷺ من الهدى والعلم (ح ٢٢٨٢).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣١٢)، وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ [ص] =","vol":"4","page":569},{"text":"<span id=\"aya-1725\"></span>﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾.\nيخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء فقال: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أي: أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدقوا أخباره الماضية والآتية، فلهم ﴿الْحُسْنَى﴾ وهو الجزاء الحسن، كقوله تعالى مخبرًا عن ذي القرنين أنه قال: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾ [الكهف]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ أي: لم يطيعوا الله، ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: في الدار الآخرة لو أن يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبًا ومثله معه لافتدوا به، ولكن لا يقبل منهم، لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ أي: في الدار الآخرة؛ أي: يناقشون على النقير والقطمير، والجليل والحقير، ومن نوقش الحساب عُذّب، ولهذا قال: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\n\n<span id=\"aya-1726\"></span>﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾.\nيقول تعالى: لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هو الحق الذي لا شك فيه، ولا مرية، ولا لبس فيه، ولا اختلاف فيه، بل هو كله حق يصدق بعضه بعضًا، لا يضاد شيء منه شيئًا آخر، فأخباره كلها حق، وأوامره ونواهيه عدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقًا في الإخبار، وعدلًا في الطلب، فلا يستوي من تحقق صدق ما جئت به يا محمد، ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه، ولو فهمه ما انقاد له ولا صدقه ولا اتبعه كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ أي: أفهذا كهذا؟ لا استواء.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [أي: إنما يتعظ ويعتبر ويعقل] (^١) أولو العقول السليمة الصحيحة، جعلنا الله منهم [بمنه وكرمه] (^٢).\n\n<span id=\"aya-1727\"></span>﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عمن اتّصف بهذه الصفات الحميدة بأن لهم عقبى الدار، وهي العاقبة\n_________\n= (ح ٣٤٢٦)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب شفقته ﷺ (ح ٢٢٨٣).\n(^١) الزيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) زيادة من (حم).","vol":"4","page":570},{"text":"والنصرة في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ وليسوا كالمنافقين الذين إِذا عاهد أحدهم غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان\n\n<span id=\"aya-1728\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من صلة الأرحام والإحسان إليهم، وإلى الفقراء والمحاويج، وبذل المعروف، ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: فيما يأتون وما يذرون من الأعمال، فيراقبون الله في ذلك، ويخافون سوء الحساب في الدار الآخرة، فلهذا أمرهم على السداد والاستقامة في جميع حركاتهم وسكناتهم، وجميع أحوالهم القاصرة والمتعدية\n\n<span id=\"aya-1729\"></span>\n\n<span id=\"aya-1730\"></span>\n\n<span id=\"aya-1731\"></span>﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: عن المحارم والمآثم، ففطموا أنفسهم عنها لله ﷿ ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ بحدودها ومواقيتها وركوعها وسجودها وخشوعها، على الوجه الشرعي المرضي ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ أي: على الذين يجب عليهم الإنفاق لهم من زوجات وقرابات وأجانب من فقراء ومحاوبج ومساكين ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ أي: في السر والجهر، لم يمنعهم من ذلك حال من الأحوال، آناء الليل وأطراف النهار ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: يدفعون القبيح بالحسن، فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرًا واحتمالًا وصفحًا وعفوًا، كقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت]، ولهذا قال مخبرًا عن هؤلاء السعداء المتصفين بهذه الصفات الحسنة بأن لهم عقبى الدار، ثم فسّر ذلك بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ والعدن: الإقامة؛ أي جنات إقامة يخلدون فيها.\nوعن عبد الله بن عمرو أنه قال: إن في الجنة قصرًا يقال له: عدن، حوله البروج والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حِبَرة (^١)، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد (^٢).\nوقال الضحاك في قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد والجنات حولها. رواهما ابن جرير (^٣).\nوقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أي: يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين، لتقر أعينهم بهم حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانًا من الله وإحسانًا. كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ (^٤) بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].\nوقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ أي: وتدخل عليهم الملائكة من ههنا ومن ههنا للتهنئة بدخول الجنة، فعند دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلّمين، مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام.\n_________\n(^١) الحبَرة - بكسر الحاء وفتح الباء -: ضرب من برود اليمن منمَّر.\n(^٢) أخرجه الطبري وفي سنده علي بن جرير، أشار الأستاذ محمود شاكر إلى أنه مجهول.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٤) في الأصل: \"ذرياتهم\" وهي قراءة متواترة أيضًا.","vol":"4","page":571},{"text":"وقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثنا معروف بن سويد [الجذامي] (^١)، عن أبي عشانة المعافري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء ونسلم عليهم؟ فيقول: إنهم كانوا عبادًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء،- قال:- فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ \" (^٢).\nورواه أبو القاسم الطبراني عن أحمد بن رشيدين، عن أحمد بن صالح، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي عشانة سمع عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"أول ثلة يدخلون الجنة فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب. وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبحك الليل والنهار، ونقدس لك، مَنْ هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب ﷿: هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، فتدخل عليهم الملائكة من كل باب: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ \" (^٣).\nوقال عبد الله بن المبارك، عن بقية بن الوليد: حدثنا أرطاة بن المنذر، سمعت رجلًا من مشيخة الجند يقال له: أبو الحجاج، يقول: جلست إلى أبي أُمامة فقال: إن المؤمن ليكون متكئًا على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين باب مبوب، فيقبل الملك فيستأذن فيقول للذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه للذي يليه: ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا، فيقول أقربهم للمؤمن: ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له، حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له، فيدخل فيسلم ثم ينصرف. رواه ابن جرير (^٤).\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: \"الحداني\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده جيد (المسند ١١/ ١٣١، ١٣٢ ح ٦٥٧٠) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند، وأخرجه ابن حبان من طريق سعيد بن أبي أيوب به (الإحسان ١٦/ ٤٣٨، ٤٣٩ ح ٧٤٢١)، وأخرجه الحاكم من طريق عمرو بن الحارث عن أبي عشانة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٧١، ٧٢).\n(^٣) أخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن وهب وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٧١) وقال الهيثمي: رجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي عُشانة وهو ثقة. (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٦٢).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن المبارك به وسنده ضعيف لإبهام شيخ أرطأة بن المنذر، وقد صرح ابن أبي حاتم بأنه يوسف الألهاني كما في الرواية اللاحقة. ولكن يوسف هذا ترجم له البخاري (التاريخ الكبير ٨/ ٣٧٦)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٨/ ٣٥) وسكتا عنه.","vol":"4","page":572},{"text":"ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش، عن أرطاة بن المنذر، عن أبي الحجاج يوسف الألهاني قال: سمعت أبا أُمامة … فذكر نحوه (^١).\nوقد جاء في الحديث: أن رسول الله ﷺ كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول فيقول لهم: \" ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ \"، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان (^٢).\n\n<span id=\"aya-1732\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾.\nهذا حال الأشقياء وصفاتهم، وذكر ما لهم في الآخرة، ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون، كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا، فأولئك كانوا يوفون بعهد الله، ويصِلون ما أمر الله به أن يوصل، وهؤلاء ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، كما ثبت في الحديث: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان\". وفي رواية: \"وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\" (^٣)، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ وهي الإبعاد عن الرحمة، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وهي سوء العاقبة والمآل، ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\nوقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ الآية، قال: هي ست خصال في المنافقين، إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا (^٤).\n\n<span id=\"aya-1733\"></span>﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾.\nيذكر تعالى أنه هو الذي يوسّع الرزق على من يشاء، ويقتر على من يشاء، لما له في ذلك من الحكمة والعدل، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجًا لهم وإمهالًا، كما قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون] ثم حقّر الحياة الدنيا بالنسبة إلى ما ادخره تعالى لعباده المؤمنين في الدار الآخرة، فقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾، كما قال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ\n_________\n(^١) في سنده يوسف الألهاني سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم كما سبق في الرواية السابق.\n(^٢) أخرجه الطبري مرسلًا من طريق سهيل بن أبي صالح عن محمد بن إبراهيم، وأخرجه البيهقي موصولًا من طريق عباد بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا (دلائل النبوة ٣/ ٣٠٦) ولكن عباد بن أبي صالح هو السمان: لين الحديث (التقريب ص ٣٠٨).\n(^٣) تقدم تخريج الروايتين في تفسير سورة البقرة آية ١٧٧ في تفسير آخر الآية.\n(^٤) لم أجد رواية أبي العالية، وإذا كان قد رواها ابن أبي حاتم فسنده واحد مكرر جيد، ولكن هذا الجزء من السورة من تفسير ابن أبي حاتم مفقود.","vol":"4","page":573},{"text":"خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]. وقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد، قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن [المستودر] (^١) أخي بني فهر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع\" وأشار بالسبابة (^٢). رواه مسلم في صحيحه (^٣).\nوفي الحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ مرَّ بجدي أسك ميت، والأسك الصغير الأذنين، فقال: \"والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله حين ألقوه\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-1734\"></span>﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾.\nيخبر تعالى عن قيل المشركين ﴿لَوْلَا﴾ أي: هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، كقولهم: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]. وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة، وأن الله قادر على إجابة ما سألوا، وفي الحديث: إن الله أوحى إلى رسوله لما سألوه أن يحوّل لهم الصفا ذهبًا، وأن يجري لهم ينبوعًا، وأن يزيح الجبال من حول مكة، فيصير مكانها مروج وبساتين: إن شئت يا محمد أعطيتهم ذلك، فإن كفروا أعذبهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: \"بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة\" (^٥)، ولهذا قال لرسوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي: هو المضل والهادي سواء بعث الرسول بآية على وفق ما اقترحوا أو لم يجبهم إلى سؤالهم، فإن الهداية والإضلال ليس منوطًا بذلك ولا عدمه، كما قال: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس] وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام]، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي: ويهدي إليه من أناب إلى الله ورجع إليه واستعان به وتضرع لديه\n\n<span id=\"aya-1735\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولى ونصيرًا، ولهذا قال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: هو حقيق بذلك.\n\n<span id=\"aya-1736\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ قال ابن أبي طلحة، عن ابن\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صُحِّف إلى: \"المسور\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٢٨) وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الإمام مسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد به (الصحيح، الجنة، باب فناء الدنيا ح ٢٨٥٨).\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ (الصحيح، مطلع كتاب الزهد والرقائق ح ٢٩٥٧).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بنحوه وصحح سنده محققوه (المسند ٤/ ٦٠ ح ٢١٦٦).","vol":"4","page":574},{"text":"عباس: فرح وقرة عين (^١).\nوقال عكرمة: نعم ما لهم (^٢).\nوقال الضحاك: غبطة لهم (^٣).\nوقال إبراهيم النخعي: خير لهم (^٤).\nوقال قتادة: هي كلمة عربية، يقول الرجل: طوبى لك؛ أي: أصبت (^٥) خيرًا. وقال في رواية: طوبى لهم حسنى لهم (^٦)، ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: مرجع، وهذه الأقوال شيء واحد، لا منافاة بينها.\nوقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ قال: هي أرض الجنة بالحبشية (^٧). وقال سعيد بن مسجوح: طوبى اسم الجنة بالهندية (^٨). وكذا روى السدي عن عكرمة: طوبى لهم هي الجنة (^٩)، وبه قال مجاهد (^١٠).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: لما خلق الله الجنة وفرغ منها، قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾، وذلك حين أعجبته (^١١).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن شهر بن حوشب قال: طوبى شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة (^١٢)، وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس ومغيث بن سُميّ وأبي إسحاق السبيعي، وغير واحد من السلف أن طوبى شجرة في الجنة في كل دار منها غصن منها (^١٣).\nوذكر بعضهم أن الرحمن ﵎ غرسها بيده من حبة لؤلؤة، وأمرها أن تمتد، فامتدت إلى حيث يشاء الله ﵎، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة (^١٤) من عسل وخمر وماء ولبن. وقد قال عبد الله بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث أن دراجًا أبا السمح حدثه عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة.\n(^٢) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا عن عكرمة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق منصور عن إبراهيم.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير به.\n(^٨) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سفيان عن السدي به.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^١٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال شهر وضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، للشطر الأول منه حديث سهل بن سعد التالي بعد ثلاث روايات، وهو في الصحيحين.\n(^١٣) هذه الآثار أخرجها الطبري، والشطر الأول له شاهد في الصحيحين كسابقه.\n(^١٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن أبي صالح عن معاوية عن بعض أهل الشام بنحوه.","vol":"4","page":575},{"text":"الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁[مرفوعًا -: \"طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، سمعت عبد الله بن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح، أن أبا الهيثم حدثه، عن أبي سعيد الخدري] (^٢)، عن رسول الله ﷺ أن رجلًا قال: يا رسول الله: طوبى لمن رآك وآمن بك، قال: \"طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني\". قال له رجل: وما طوبى؟ قال: \"شجرة في الجنة مسيرتها مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها\" (^٣).\nوروى البخاري ومسلم جميعًا عن إسحاق بن راهويه، عن مغيرة المخزومي، عن وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\" قال: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي، فقال: حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها\" (^٤).\nوفي صحيح البخاري من حديث يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة]، قال: \"في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة\"، اقرأوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (^٦). أخرجاه في الصحيحين (^٧). وفي لفظ لأحمد أيضًا: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج، قالا: حدثنا شعبة: سمعت أبا الضحاك يحدث، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين - أو مائة سنة - هي شجرة الخلد\" (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن وهب به، وصححه الألباني بالشواهد (السلسلة الصحيحة ح ١٩٨٥) والصحيح أن الشطر الأول هو الذي يتقوى بالشواهد كما في الرواية بعد التالية.\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعف سنده محققوه بسبب ضعف رواية دراج عن أبي الهيثم (المسند ٨/ ٢١١ ح ١١٦٧٣) ويشهد لشطره الأول الحديث الآتي.\n(^٤) صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار (ح ٦٥٥٢)، وصحيح مسلم، الجنة، باب (إن في الجنة شجرة) (ح ٢٨٢٧).\n(^٥) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح ٣٢٥١).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسّن سنده محققوه (المسند ١٦/ ١٨٠، ١٨١ ح ١٠٢٥٩).\n(^٧) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح ٣٢٢٥)، وصحيح مسلم، الجنة، باب (إن في الجنة شجرة) (٢٨٢٦).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح دون قوله: \"شجرة الخلد\" وهذا إسناد ضعيف، أبو الضحاك عداده في أهل البصرة مجهول (المسند ١٥/ ٥٣٧ ح ٩٨٧٠).","vol":"4","page":576},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: سمعت رسول الله ﷺ ذكر سدرة المنتهى، فقال: \"يسير في ظل الغصن منها الراكب مائة سنة - أو قال:- يستظل في الفنن منها مائة راكب، فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال\" رواه الترمذي (^١).\nوقال إسماعيل بن عياش: عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود، قال: سمعت أبا أُمامة الباهلي، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى، فتفتح له أكمامها فيأخذ من أي ذلك شاء، إن شاء أبيض وإن شاء أحمر، وإن شاء أصفر، وإن شاء أسود مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن\" (^٢).\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁، قال: طوبى شجرة في الجنة، يقول الله لها: تفتقي لعبدي عما شاء، فتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما شاء من الكسوة (^٣).\nوقد روى ابن جرير عن وهب بن منبه ههنا أثرًا غريبًا وعجيبًا، قال وهب ﵀: إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، زهرها رياط (^٤)، وورقها برود (^٥)، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة، فبينما هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون نجبًا مزمومة، بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح حسنًا، ووبرها كخز المِرعزي (^٦) من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس وإستبرق فينيخونها يقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه. قال: فيركبونها فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفراش، نجبًا من غير مَهَنة (^٧)، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا تصيب أذن راحلة منها أذن الأخرى، ولا برك رحلة برك الأخرى، حتى إن الشجرة لتتنحى عن طريقهم لئلا تفرق بين الرجل وأخيه، قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام وحق لك الجلال والإكرام، قال: فيقول تعالى عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم حقت\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (السنن، صفة الجنة، باب صفة ثمار أهل الجنة ح ٢٥٤١) وفيه عنعنة ابن إسحاق وقد صرح بالسماع في رواية هنا، إذ أخرجه في الزهد (ح ١١٥)، وأخرجه الحاكم من طريق يحيى بن عباد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٦٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل بن عياش به (صفة الجنة ح ١٤٦) ونسبه إلى ابن أبي الدنيا ابن القيم (حادي الأرواح ص ٢٩١)، وسنده ضعيف لضعف سعيد بن يوسف (التقريب ص ٢٤٣).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال.\n(^٤) الرياط: جمع ريطة، وهي كل ثوب لين رقيق.\n(^٥) برود: جمع برد، هو من ثياب الوشي.\n(^٦) المرعزي: هو الزغب الذي تحت شعر العنز، وهو ألين من الصوف.\n(^٧) المَهَنَة: الخدمة والعمل.","vol":"4","page":577},{"text":"رحمتي ومحبتي، مرحبًا بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري، قال: فيقولون: ربنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا في السجود قدامك. قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة، فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته، فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: ربي تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها، رب فآتني مثل كل شيء كانوا فيها من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله تعالى: لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني، وسأتحفك بمنزلتي لأنه ليس في عطائي نكد ولا تصريد (^١)، قال: ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم، ولم يخطر لهم على بال، قال: فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب، مفرغة في كل قبة منها فرش من فرش الجنة، متظاهرة في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح ولا طيب إلا قد عبق بهما، ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك ويدخل إليهما فيحييانه، ويقبلانه، ويتعلقان به، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك، ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفًا في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له (^٢).\nوقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن وهب بن منبه، وزاد: فانظروا إلى موهوب ربكم الذي وهب لكم، فإذا هو بقباب في الرفيق الأعلى، وغرف مبنية من الدر والمرجان، أبوابها من ذهب، وسررها من ياقوت، وفرشها من سندس وإستبرق، ومنابرها من نور يفور من أبوابها، وعراصها نور مثل شعاع الشمس عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها، فلولا أنه مسخر إذًا لالتمع الأبصار (^٣)، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض، وما كان فيها من الياقوت الأحمر فهو مفروش بالعبقري الأحمر، وما كان فيها من الياقوت الأخضر فهو مفروش بالسندس الأخضر، وما كان فيها من الياقوت الأصفر فهو مفروش بالأرجوان الأصفر، مبوبة بالزمرد الأخضر والذهب الأحمر والفضة البيضاء، قوائمها وأركانها من الجوهر، وشرفها قباب من لؤلؤ، وبروجها غرف من المرجان، فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم، قربت لهم براذين من ياقوت أبيض، منفوخ فيها الروح، تجنبها الولدان المخلدون بيد كل وليد منهم حَكَمة (^٤) برذون\n_________\n(^١) التصريد: التقليل.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب، ووهب هو ابن منبه معروف برواية الغرائب والإسرائيليات، وما يذكره لا يؤخذ إلا من حديث شريف أو أثر موقوف على صحابي له حكم الرفع، وعليه فإن سنده ضعيف معضل.\n(^٣) أي: لأذهب ضوءها.\n(^٤) الحَكَمة: ما أحاذ بحنكي الفرس من لجامه.","vol":"4","page":578},{"text":"من تلك البراذين، ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء منظومة بالدر والياقوت، سروجها سرر موضونة مفروشة بالسندس والإستبرق، فانطلقت بهم تلك البراذين تزف (^١) بهم ببطن رياض الجنة، فلما انتهوا إلى منازلهم، وجدوا الملائكة قعودًا على منابر من نور ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامة ربهم، فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم، وما سألوا وتمنوا، وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان: جنتان ذواتا أفنان، وجنتان مدهامتان، وفيهما عينان نضاختان، وفيهما من كل فاكهة زوجان، وحور مقصورات في الخيام، فلما تبوءوا منازلهم واستقروا قرارهم، قال لهم ربهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ قالوا: نعم وربنا. قال: هل رضيتم ثواب ربكم؟ قالوا: ربنا رضينا فارض عنا. قال: برضاي عنكم حللتم داري، ونظرتم إلى وجهي، وصافحتكم ملائكتي، فهنيئًا لكم، ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] ليس فيه تنغيص ولا تصريد، فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وأدخلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب، ولا يمسنا فيها لغوب، إن ربنا لغفور شكور. وهذا سياق غريب، وأثر عجيب (^٢)، ولبعضه شواهد؛ ففي الصحيحين: أن لله تعالى يقول لذلك الرجل يكون آخر أهل الجنة دخولًا الجنة: تمنّ؛ فيتمنى، حتى إذا انتهت به الأماني يقول الله تعالى: تمنّ من كذا، وتمنّ من كذا، يذكره، ثم يقول: ذلك لك وعشرة أمثاله (^٣).\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ، عن رسول الله ﷺ، عن الله ﷿: \"يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر. . .\". الحديث بطوله (^٤).\nوقال خالد بن معدان: إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى، لها ضروع كلها ترضع صبيان أهل الجنة، وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة رواه ابن أبي حاتم (^٥).\n\n<span id=\"aya-1737\"></span>[﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾.\nيقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تبلغهم رسالة الله إليهم، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كُذب الرسل من فلك بهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، فإن تكذيبهم لك أشد من تكذيب غيرك من المرسلين، قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ\n_________\n(^١) أي: تسرع بهم.\n(^٢) درجته في الضعف كسابقه. وذكر الحافظ ابن كثير بعض الشواهد لبعض فقرات هذا الأثر.\n(^٣) صحيح البخاري، الأذان، باب فضل السجود (ح ٨٠٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ٢٩٩).\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب البر، باب تحريم الظلم (ح ٢٥٧٧).\n(^٥) سنده ضعيف لإرسال خالد بن معدان وهو تابعي.","vol":"4","page":579},{"text":"قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النحل]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام] أي: كيف نصرناهم، وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي: هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن لا يقرون به، لأنهم كانوا يأنفون من وصف الله بالرحمن الرحيم، ولهذا أنِفوا يوم الحديبية أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، وقالوا: ما ندري ما الرحمن الرحيم. قاله قتادة، والحديث في صحيح البخاري (^١). وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].\nوفي صحيح مسلم: عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن\" (^٢).\n﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: هذا الذي تكفرون به، أنا مؤمن به معترف، مقر له بالربوبية والألوهية، ﴿هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: في جميع أموري، ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي: إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه.\n\n<span id=\"aya-1738\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾.\nيقول تعالى مادحًا للقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ومفضلًا له على سائر الكتب المنزلة قبله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أي: لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورهم، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنسان والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به، جاحدون له ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ أي: مرجع الأمور كلها إلى الله ﷿، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن يضلل الله فلا هادي له، ومن يهد الله فما له من مضل، وقد يطلق اسم القرآن على كل من الكتب المتقدمة، لأنه مشتق من الجميع.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"خففت على داود القراءة فكان يأمر بدابته أن تسرج، فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه\" (^٣) انفرد بإخراجه\n_________\n(^١) الصحيح، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد (ح ٢٧٣١).\n(^٢) الصحيح، الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم … (ح ٢١٣٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣١٤) وسنده صحيح.","vol":"4","page":580},{"text":"البخاري (^١). والمراد بالقرآن: هو الزبور.\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: من إيمان جميع الخلق ويعلموا، أو يتبينوا ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ فإنه ليس ثَم حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس من هذا القرآن الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله. وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\" (^٢)، معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد لا تنقضي عجائبه، ولا يَخلق عن كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث، أنبأنا بشر بن عمارة، حدثنا عمر بن حسان، عن عطية العوفي قال: قلت له: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية، قالوا لمحمد ﷺ: لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع، فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه، فأنزل الله هذه الآية. قال: قلت: هل تروون هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي ﷺ قال: نعم عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ (^٣). وكذا روى ابن عباس والشعبي وقتادة والثوري وغير واحد في سبب نزول هذه الآية (^٤)، والله أعلم. وقال قتادة: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم (^٥).\nوقوله: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ قال ابن عباس: أي: لا يصنع من ذلك إلا ما شاء ولم يكن ليفعل. رواه ابن إسحاق بسنده عنه، وقاله ابن جرير أيضًا (^٦).\nوقال غير واحد من السلف في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أفلم يعلم الذين آمنوا (^٧).\nوقرأ آخرون: ﴿أَفَلَمْ يتبين الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (^٨).\nوقال أبو العالية: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا، ولو يشاء الله لهدى الناس جميعًا (^٩).\nوقوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ أي: بسبب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من طريق عبد الرزاق به (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] ح ٣٤١٧).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٣٨.\n(^٣) سنده ضعيف لضعف بشر بن عمارة، كما في التقريب.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة لكنه مرسل.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحوه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن علي بن أبي طالب ﵁.\n(^٩) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ (الدر المنثور ٨/ ٤٥٩).","vol":"4","page":581},{"text":"تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا أو تصيب من حولهم، ليتعظوا ويعتبروا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾ [الأحقاف] وقال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤].\nقال قتادة، عن الحسن: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ أي: القارعة (^١). وهذا هو الظاهر من السياق.\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، في قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال: سرية، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ قال محمد ﷺ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال: \"فتح مكة\" (^٢). وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد في رواية (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال: عذاب من السماء ينزل عليهم ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ يعني: نزول رسول الله ﷺ بهم وقتاله إياهم (^٤). وكذا قال مجاهد وقتادة (^٥).\nوقال عكرمة في رواية عن ابن عباس: ﴿قَارِعَةٌ﴾ أي: نكبة. وكلهم قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ يعني: فتح مكة. وقال الحسن البصري: يوم القيامة (^٦).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾ [إبراهيم].\n\n<span id=\"aya-1739\"></span>﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾.\nيقول تعالى مسليًا لرسوله ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: فلك فيهم أسوة ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أنظرتهم وأجّلتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أخذة رابية، فكيف بلغك ما صنعت بهم وعاقبتهم وأمليت لهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ [الحج].\nوفي الصحيحين: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\"، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود] (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي داود الطيالسي به.\n(^٣) قول عكرمة أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول سعيد بن جبير تقدم مع رواية ابن عباس السابقة، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بالآثار التالية.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن الحسن البصري.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود آية ١٠٢.","vol":"4","page":582},{"text":"<span id=\"aya-1740\"></span>﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر، ولا يخفى عليه خافية ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود]، وقال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [الرعد]، وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] أفمن هو هكذا كالأصنام التي يعبدونها، لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل، ولا تملك نفعًا لأنفسها ولا لعابديها، ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها؟ وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه وهو قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ أي: عبدوها معه من أصنام وأنداد وأوثان.\n﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي: أعلمونا بهم، واكشفوا عنهم حتى يعرفوا، فإنهم لا حقيقة لهم، ولهذا قال: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا وجود له، لأنه لو كان له وجود في الأرض لعلمها، لأنه لا تخفى عليه خافية ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ قال مجاهد: بظن من القول (^١).\nوقال الضحاك وقتادة: بباطل من القول (^٢)، أي: إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر وسميتموها آلهة ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم] قال مجاهد: قولهم، أي ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه (^٣) آناء الليل وأطراف النهار، كقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾ [فصلت]، ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ من قرأها بفتح الصاد معناه: أنه لما زين لهم ما هم فيه، وأنه حق دعوا إليه، وصَدوا الناس عن اتباع طريق الرسل، ومن قرأها بالضم، أي بما زين لهم من صحة ما هم عليه، صُدوا به عن سبيل الله (^٤)، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ كما قال: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، وقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ [النحل].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود، وهو ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.\n(^٤) القراءتان بفتح الصاد وبضمها متواترتان.","vol":"4","page":583},{"text":"<span id=\"aya-1741\"></span>\n\n<span id=\"aya-1742\"></span>﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾.\nذكر تعالى عقاب الكفار وثواب الأبرار، فقال بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بأيدي المؤمنين قتلًا وأسرًا، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾ أي: المدخر مع هذا الخزي في الدنيا ﴿أَشَقُّ﴾ أي: من هذا بكثير، كما قال رسول الله ﷺ[للمتلاعنين: \"إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة\" (^١)، وهو كما قال صلوات الله وسلامه عليه] (^٢)، فإن عذاب الدنيا له انقضاء، وذاك دائم أبدًا في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفًا، ووثاق لا يتصور كثافته وشدته، كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ [الفجر]، وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥)﴾ [الفرقان]، ولهذا قرن هذا بقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: صفتها ونعتها ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: سارحة في أرجائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها يفجرونها تفجيرًا؛ أي: يصرفونها كيف شاءوا وأين شاءوا، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد].\nوقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ أي: فيها الفواكه والمطاعم والمشارب لا انقطاع [لها] (^٣) ولا فناء، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه: قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت (^٤)، فقال: \"إني رأيت الجنة - أو أُريت الجنة - فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا\" (^٥).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا أبو عقيل، عن جابر قال: بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا، ثم تناول شيئًا ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة، قال له أُبي بن كعب: يا رسول الله، صنعت اليوم في الصلاة شيئًا ما رأيناك كنت تصنعه، فقال: \"إني عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفًا من عنب لأتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث ابن عمر ﵄ مطولًا (الصحيح، كتاب اللعان ح ١٤٩٣).\n(^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٣) الزيادة من (حم).\n(^٤) أي: توقفت.\n(^٥) أخرجاه من حديث ابن عباس ﵄ (صحيح البخاري، الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة ح ١٠٥٢، وصحيح مسلم، الكسوف، باب \"ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف\" ح ٩٠٧).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بنحوه من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر ﵁، قال محققوه: إسناده =","vol":"4","page":584},{"text":"وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر شاهدًا لبعضه (^١).\nوعن عتبة بن عبد السلمي أن أعرابيًا سأل النبي ﷺ عن الجنة، فقال: فيها عنب؟ قال: \"نعم\". قال: فما عظم العنقود؟ قال: \"مسيرة شهر للغراب الأبقع (^٢) ولا يفتر\"، رواه الإمام أحمد (^٣).\nوقال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى\" (^٤).\nوعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"يأكل أهل الجنة ويشربون، ولا يتمخطون ولا يتغوطون، ولا يبولون، طعامهم جشاء كريح المسك، ويلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس\" رواه مسلم (^٥).\nوروى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش، عن ثُمامة بن عقبة، سمعت زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم: تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال: \"نعم، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة\". قال: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى؟ قال: \"تكون حاجة أحدهم رشحًا يفيض من جلودهم كريح المسك فيضمر بطنه\" (^٦).\nوقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فيخر بين يديك مشويًا\" (^٧).\nوجاء في بعض الأحاديث أنه إذا فرغ منه عاد طائرًا كما كان بإذن الله تعالى (^٨)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ [الواقعة]، وقال: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ\n_________\n= ضعيف لتفرد عبد الله بن محمد بن عقيل بهذه السياقة (المسند ٣٥/ ١٧٣، ١٧٤ ح ٢١٢٥٠)، ويشهد لبعضه سابقه في الصحيحين، وأخرجه الضياء المقدسي من طريق عبد الله بن عمرو به (المختارة ح ١١٩٣)، وكذا الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٦٠٤).\n(^١) صحيح مسلم، الكسوف، باب ما عرض على النبي ﷺ من صلاة الكسوف (ح ٩٠٤).\n(^٢) الغراب الأبقع: الذي جمع لونه بين السواد والبياض.\n(^٣) أخرجه أحمد عن عتبة مطولًا وقال محققوه: إسناده قابل للتحسين (المسند ٢٩/ ١٩١، ١٩٢ ح ١٧٦٤٢)، ونقل الحافظ ابن كثير عن الضياء المقدسي أنه قال: لا أعلم لهذا الاسناد علة (البداية والنهاية ٢/ ١٥٧)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني والبزار … ورجال الطبراني وأحد إسنادي البزار ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ٤١٤).\n(^٤) سيأتي تخريجه في تفسير سورة الواقعة آية ٢٠.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ١٠.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد عن أبي معاوية عن الأعمش به بنحوه، وصححه سنده محققوه (المسند ٣٢/ ١٨، ١٩ ح ١٩٢٦٩)، وأخرجه النسائي من طريق الأعمش به (السنن الكبرى، التفسير ح ١١٤٧٨) ونسبه الهيثمي إلى الإمام أحمد وقال: رجاله رجال الصحيح غير ثُمامة وهو ثقة (مجمع الزوائد ١٠/ ٤١٩).\n(^٧) أخرجه الحسن بن عرفة بسنده ومتنه (جزء ابن عرفة ح ٢٢) وسنده ضعيف للانقطاع، فإن عبد الحارث لم يسمع من ابن مسعود شيئًا (جامع التحصيل ص ٢٠٨).\n(^٨) أخرجه هناد من طرق ضعيفة (الزهد ١/ ١١٨، ١١٩).","vol":"4","page":585},{"text":"قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ [الإنسان]، وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ [النساء].\nوقد تقدم في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب المجد الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها\" ثم قرأ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (^١). وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين صفة الجنة وصفة النار ليرغب في الجنة ويحذر من النار، ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر قال بعده: ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾. كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر].\nوقال بلال بن سعد خطيب دمشق في بعض خطبه: عباد الله، هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئًا من عبادتكم تقبلت منكم، أو أن شيئًا من خطاياكم غفرت لكم؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون]، والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم كلكم ما افترض عليكم، أو ترغبون في طاعة الله لتعجيل دنياكم ولا تنافسون في جنة ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾. رواه ابن أبي حاتم (^٢).\n\n<span id=\"aya-1743\"></span>﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ وهم قائمون بمقتضاه ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ [البقرة] وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ [الإسراء] أي: إن كان ما وعدنا الله به في كتبنا من إرسال محمد ﷺ لحقًا وصدقًا مفعولًا لا محالة وكائنًا، فسبحانه ما أصدق وعده، فله الحمد وحده ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء]. وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي: ومن الطوائف من يكذب ببعض ما أنزل إليك. وقال مجاهد: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي: بعض ما جاءك من الحق (^٣). وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٤)، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ [آل عمران]، ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ أي: إنما بعثت\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الآية ٢٩ من هذه السورة الكريمة.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم (حلية الأولياء ٥/ ٢٣١).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.","vol":"4","page":586},{"text":"بعبادة الله وحده لا شريك له، كما أرسل الأنبياء من قبل ﴿إِلَيْهِ أَدْعُو﴾ أي: إلى سبيله أدعو الناس ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ أي: مرجعي ومصيري.\n\n<span id=\"aya-1744\"></span>وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أي: وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب من السماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن محكمًا معربًا، شرفناك به، وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت].\nوقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: آراءهم ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: من الله سبحانه ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعدما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.\n\n<span id=\"aya-1745\"></span>\n\n<span id=\"aya-1746\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾.\nيقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد رسولًا بشريًا، كذلك قد بعثنا المرسلين قبلك بشرًا، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون الزوجات، ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجًا وذرية، وقد قال تعالى لأشرف الرسل وخاتمهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل [اللحم] (^١)، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا الحجاج بن أرطاة عن مكحول قال: قال أبو أيوب: قال رسول الله ﷺ: \"أربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح، والسواك، [والختان] (^٣) \" (^٤). وقد رواه أبو عيسى الترمذي عن سفيان بن وكيع، عن حفص بن غياث، عن الحجاج، عن مكحول، عن أبي [الشمال] (^٥)، عن أبي أيوب … فذكره، ثم قال: وهذا أصح من الحديث الذي لم يذكر فيه أبو [الشمال] (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"الدّسَم\".\n(^٢) أخرجاه من حديث أنس بن مالك ﵁ بنحوه (صحيح البخاري، النكاح، باب الترغيب في النكاح … ح ٥٠٦٣)، وصحيح مسلم، النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه … ح ١٤٠١).\n(^٣) في المسند والأصول الخطية والطبعات من تفسير ابن كثير: \"الحناء\"، وما أثبت هو الصواب كما جزم الحافظ المزي، وكذا رواه المحاملي عن شيخه الترمذي (نقله ابن القيم في زاد المعاد ٤/ ٢٥٢) وكذا جزم العراقي، وقد ردَّ من قال بلفظ: \"الحناء\" فقال: والحناء ليس من السنن ولا ذكره المصطفى في خصال الفطرة، بخلاف الختان (ينظر: فتح القدير للمناوي ١/ ٤٦٦).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع الخلاف المتقدم وضعف سنده محققوه (المسند ٣٨/ ٥٥٣، ٥٥٤ ح ٢٣٥٨١)، وأخرجه عبد الرزاق من طريق الحجاج بن أرطأة بلفظ: \"الختان\" (المصنف رقم ١٠٣٩٠).\n(^٥) (^٦) كذا في سنن الترمذي، وفي الأصل (حم) و(مح): \"أبو السماك وهو تصحيف، وأبو الشمال مجهول (التقريب ص ٦٤٨).\n(^٧) أخرجه الترمذي من طريق سفيان به (السنن، النكاح، باب ما جاء في فضل التزوج والحث عليه ح ١٠٨٠)، وسنده ضعيف لجهالة أبي الشمال.","vol":"4","page":587},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: لم يكن يأتي قومه بخارق إلا إذا أذن له فيه، ليس ذلك إليه بل إلى الله ﷿ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ أي لكلِّ مدة مضروبة، كتاب مكتوب بها، وكل شيء عنده بمقدار ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾.\nوكان الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾: أي: لكل كتاب أجل، يعني لكل كتاب أنزله من السماء مدة مضروبة عند الله، ومقدار معين (^١)، فلهذا ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ منها، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ يعني: حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه.\nوقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ اختلف المفسرون في ذلك فقال الثوري ووكيع وهشيم: عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو الله ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت (^٢). وفي رواية: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: كل شيء إلا الموت والحياة والشقاء والسعادة، فإنهما قد فرغ منهما (^٣).\nوقال مجاهد: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ إلا الحياة والموت والشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران (^٤).\nوقال منصور: سألت مجاهدًا، فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللَّهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم، واجعله في السعداء؟ فقال: حسن، ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر، فسألته عن ذلك فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، قال: يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب السعادة والشقاوة فهو ثابت لا يغير (^٥).\nوقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان كثيرًا ما يدعو بهذا الدعاء: اللَّهم إن كنت كتبتنا أشقياء، فامحه واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أُم الكتاب. رواه ابن جرير (^٦).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن أبي حكيمة عصمة، عن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب ﵁، قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللَّهم إن كنت كتبت عليَّ شقوة أو ذنبًا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بنحوه بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من الطرق المذكورة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري من طرق صحيحة عن منصور عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق منصور به وفي سنده ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف لكنه يتقوى بالرواية السابقة.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"4","page":588},{"text":"وقال حماد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضًا. ورواه شريك عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عكيم، عن ابن مسعود بمثله (^١).\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا خصاف، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، أن كعبًا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ الآية (^٢).\nومعنى هذه الأقوال أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان - هو: الثوري -، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر\" (^٣)، ورواه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري به (^٤).\nوثبت في الصحيح: أن صلة الرحم تزيد في العمر (^٥).\nوفي حديث آخر: \"إن الدعاء والقضاء ليعتلجان (^٦) بين السماء والأرض\" (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إن لله لوحًا محفوظًا مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت - والدفتان: لوحان - لله ﷿، كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة، يمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب (^٨).\nوقال الليث بن سعد، عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت\" وذكر تمام\n_________\n(^١) أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما، ويقوي أحدهما الآخر.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن أبا حمزة - وهو: ميمون الأعور - متروك، وروايته عن إبراهيم لا يتابع عليها، كذا قال العقيلي (ينظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٩٥، ٣٩٦).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، قال محققوه: حسن لغيره، دون قوله: \"إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه\" (المسند ٣٧/ ٦٨ ح ٢٢٣٨٦).\n(^٤) قال المنذري: رواه النسائي بإسناد صحيح (الترغيب والترهيب ٢/ ٤٨١)، وأخرجه ابن ماجه من طريق وكيع به (السنن، المقدمة، باب في القدر ح ٩٠) وقال البوصيري: سألت شيخنا أبا الفضل العراقي عن هذا الحديث فقال: حسن (مصباح الزجاجة ١/ ٦٢)، وحسنه الألباني باستثناء العبارة السابقة في المسند (صحيح سنن ابن ماجه ح ٧٣).\n(^٥) أخرجه الشيخان بنحوه من حديث أنس بن مالك ﵁ (صحيح البخاري، البيوع ح ٢٠٦٧)، وصحيح مسلم، (البر والصلة ح ٢٥٥٧).\n(^٦) أي: يتصارعان.\n(^٧) أخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي فقال: زكريا بن منظور مجمع على ضعفه (المستدرك ١/ ٤٩٢)، وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٨٤٣)، مما يؤكد ضعف الحديث.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده عنعنة ابن جريج والمتن فيه غرابة.","vol":"4","page":589},{"text":"الحديث. رواه ابن جرير (^١).\nوقال الكلبي: يمحو الله ما يشاء ويثبت، قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، فقيل له: من حدّثك بهذا؟ فقال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب، عن النبي ﷺ، ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية، فقال: يكتب القول كله حتى إذ كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: أكلت وشربت، ودخلت وخرجت، ونحو ذلك من الكلام، وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب (^٢).\nوقال عكرمة، عن ابن عباس: الكتاب كتابان، فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ يقول: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله، فيموت على ضلالة، فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله، وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله وهو الذي يثبت (^٤). وروي عن سعيد بن جبير أنها بمعنى ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤].\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وجملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت كل ذلك في كتاب (^٥).\nوقال قتادة في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] (^٦).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: قالت كفار قريش لما نزلت ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: ما نرى محمدًا يملك شيئًا وقد فرغ من الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفًا ووعيدًا لهم، إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسم لهم (^٧).\nوقال الحسن البصري: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: من جاء أجله يذهب، ويثبت الذي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا، لأن زيادة بن محمد منكر الحديث (التقريب ص ٢٢١).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق همام عن الكلبي به، وسنده ضعيف جدًا لأن الكلبي وهو محمد بن السائب متهم بالكذب بتصريحه، كما في ترجمته في تهذيب التهذيب.\n(^٣) أخرجه الطبري والحاكم كلاهما من طريق حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن عكرمة به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٤٩).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به، وسنده مرسل.","vol":"4","page":590},{"text":"هو حي يجري إلى أجله، وقد اختار هذا القول أبو جعفر بن جرير ﵀، وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: الحلال والحرام (^١).\nوقال قتادة: أي جملة الكتاب وأصله (^٢).\nوقال الضحاك، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: كتاب عند رب العالمين (^٣).\nوقال سُنيد بن داود: حدثني معتمر، عن أبيه، عن يسار، عن ابن عباس أنه سأل كعبًا عن أم الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، ثم قال لعلمه: كن كتابًا فكان كتابًا (^٤).\nوقال ابن جريج عن ابن عباس: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: الذكر (^٥).\n\n<span id=\"aya-1747\"></span>﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾.\nيقول تعالى لرسوله: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ﴾ يا محمد، بعض الذي نعد أعداءك من الخزي والنكال في الدنيا ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أي: قبل ذلك، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: إنما أرسلناك لتبلغهم رسالة الله، وقد فعلت ما أمرت به ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ أي: حسابهم وجزاؤهم، كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية]،\n\n<span id=\"aya-1748\"></span>وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال ابن عباس: أولم يروا أنا نفتح لمحمد ﷺ الأرض بعد الأرض (^٦).\nوقال في رواية: أولم يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية (^٧).\nوقال مجاهد وعكرمة: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، قال: خرابها (^٨).\nوقال الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين على المشركين (^٩).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: نقصان أهلها وبركتها (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مالك بن دينار عن الحسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه شيخ الطبري مبهم.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق حجاج عن ابن جريج به، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس، وقال الطبري: لا أدري فيه ابن جريج أم لا. اهـ. فإذا لا يوجد فيه ابن جريج فالانقطاع أشد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق علي بن عاصم عن حصين بن عبد الرحمن عن عكرمة عن ابن عباس، وعلي بن عاصم هو ابن صهيب الواسطي: وهو صدوق يخطئ ويصر (التقريب ص ٤٠٣).\n(^٨) قول مجاهد أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي جعفر الفراء عنه، وأبو جعفر الفراء اختلف في اسمه، وهو ثقة (التقريب ص ٦٢٩).\n(^٩) قول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري وسعيد بن منصور (السنن، التفسير رقم ١١٧٥) من طريقين يقوي أحدهما الآخر.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"4","page":591},{"text":"وقال مجاهد: نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض (^١).\nوقال الشعبي: لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك (^٢)، ولكن تنقص الأنفس والثمرات (^٣)، وكذا قال عكرمة: لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكانًا تقعد فيه، ولكن هو الموت (^٤).\nوقال ابن عباس في رواية: خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها (^٥)، وكذا قال مجاهد أيضًا: هو موت العلماء (^٦).\nوفي هذا المعنى روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد العزيز أبي القاسم المصري الواعظ سكن أصبهان، حدثنا أبو محمد طلحة بن أسد المرئي بدمشق، أنشدنا أبو بكر الآجري بمكة قال: أنشدنا أحمد بن غزال لنفسه:\nالأرض تحيا إذا ما عاش عالمها … متى يمُتْ عالم منها يمُت طرف\nكالأرض تحيا إذا ما الغيث حلَّ … بها وإن أبى عاد في أكنافها التلف\nوالقول الأول أولى، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية [كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ الآية [الأحقاف: ٢٧]، وهذا اختيار ابن جرير] (^٧).\n\n<span id=\"aya-1749\"></span>﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، فمكر الله بهم وجعل العاقبة للمتقين، كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال]، وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ الآية [النمل].\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: أنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر وسيجزي كل عامل بعلمه (وسيعلم الكافر)، وقرئ ﴿الْكُفَّارُ﴾ (^٨)، ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ أي: لمن تكون الدائرة والعاقبة لهم أو لأتباع الرسل، كلا، بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة، ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-1750\"></span>﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾.\nيقول تعالى: يكذبك هؤلاء الكفار ويقولون: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ أي: ما أرسلك الله ﴿قُلْ كَفَى\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا بنحوه.\n(^٢) أي: مكان قضاء الحاجة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن وكيع، وهو سفيان، وفيه مقال.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الزبير بن الخريت عن عكرمة.\n(^٥) أخرجه الطبري والحاكم من طريق طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن طلحة بن عمرو: متروك (المستدرك ٢/ ٣٥٠) ويتقوى بالأثر التالي.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد.\n(^٧) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٨) وكلتاهما قراءتان متواترتان.","vol":"4","page":592},{"text":"بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: حسبي الله هو الشاهد علي وعليكم؛ شاهد علي فيما بلغت عنه من الرسالة، وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان.\nوقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ قيل: نزلت في عبد الله بن سلام. قاله مجاهد (^١)، وهذا القول غريب، لأن هذه الآية مكية، وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي ﷺ المدينة، والأظهر في هذا ما قاله العوفي عن ابن عباس قال: هم من اليهود والنصارى (^٢).\nوقال قتادة: منهم ابن سلام وسلمان وتميم الداري (^٣).\nوقال مجاهد في رواية عنه: هو الله تعالى (^٤).\nوكان سعيد بن جبير ينكر أن يكون المراد عبد الله بن سلام ويقول: هي مكية، وكان يقرؤها (ومن عنده عُلِمَ الكتابُ) ويقول: من عند الله (^٥)، وكذا قرأها مجاهد والحسن البصري (^٦).\nوقد روى ابن جرير من حديث هارون الأعور عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأها ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، ثم قال: لا أصل له من حديث الزهري عند الثقات (^٧). قلت: وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من طريق هارون بن موسى هذا، عن سليمان بن أرقم (^٨)، وهو ضعيف، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا كذلك ولا يثبت، والله أعلم، والصحيح في هذا أن ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد ﷺ ونعته في كتبهم المتقدمة من بشارات الأنبياء به، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراف] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ الآية [الشعراء]، وأمثال ذلك مما فيه الإخبار عن علماء بني إسرائيل أنهم يعلمون ذلك من كتبهم المنزلة. وقد ورد في حديث الأحبار عن عبد الله بن سلام بأنه أسلم بمكة قبل الهجرة.\nقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة، وهو كتاب جليل: حدثنا سليمان بن\n_________\n(^١) أخرجه الثوري والطبري بسند ضعيف من طريق ليث، وهو ابن أبي سليم، عن مجاهد، ونقد متنه الحافظ ابن كثير، والصحيح عن مجاهد ما سيأتي بعد روايتين.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الحكم، وهو ابن عتيبة عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور (السنن، التفسير رقم ١١٧٧)، والطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير. والقراءة المذكورة شاذة تفسيرية.\n(^٦) وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الحكم بن عتيبة عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وتعليقه بنحوه، وسنده ضعيف، لأن فيه الحسين وهو ابن داود وهو ضعيف، وأخرجه أبو عمر الدوري من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري به (قراءات النبي ﷺ ح ٧١ بتحقيقي) وسنده ضعيف أيضًا لضعف سليمان بن أرقم.\n(^٨) مسند أبي يعلى (٥٥٧٤).","vol":"4","page":593},{"text":"أحمد الطبراني، حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن حمزة يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه عبد الله بن سلام أنه قال لأحبار اليهود: إني أردت أن أحدث بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل عيدًا، فانطلق إلى رسول الله ﷺ وهو بمكة، فوافاهم وقد انصرفوا من الحج، فوجد رسول الله ﷺ بمنى والناس حوله، فقام مع الناس، فلما نظر إليه رسول الله ﷺ قال: \"أنت عبد الله بن سلام؟ \" قال: قلت: نعم، قال: \"ادن\". قال: فدنوت منه. قال: \"أنشدك بالله يا عبد الله بن سلام، أما تجدني في التوراة رسول الله؟ \" فقلت له: انعت ربنا، قال: فجاء جبريل حتى وقف بين يدي رسول الله ﷺ فقال له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢). . .﴾ [الإخلاص] إلى آخرها، فقرأها علينا رسول الله ﷺ، فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم انصرف ابن سلام إلى المدينة، فكتم إسلامه، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وأنا فوق نخلة لي أجذها، فألقيت نفسي فقالت أمي: [لله] (^١) أنت لو كان موسى بن عمران ما كان لك أن تلقي نفسك من رأس النخلة، فقلت: والله لأنا أُسر بقدوم رسول الله ﷺ من موسى بن عمران إذ بعث (^٢).\nوهذا حديث غريب جدًا.\nآخر تفسير سورة الرعد، ولله الحمد.\n_________\n(^١) زيادة من (مح) و(حم) والتخريج.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم بسنده ومتنه (دلائل النبوة ١/ ١٢٥)، وفي سنده حمزة بن يوسف لم يدرك جده عبد الله بن سلام. كذا قال الهيثمي (مجمع الزوائد ٧/ ١٤٩)، واستغربه الحافظ ابن كثير.","vol":"4","page":594},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>سُوْرَةُ إبرَاهِيمَ</span>\n\n<span id=\"aya-1751\"></span>﷽\n﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾.\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ أي: هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، على أشرف رسول بعثه الله في الأرض إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم.\n﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب لتخرج الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٧]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية [الحديد: ٩].\nوقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: هو الهادي لمن قدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن أمره يهديهم ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ﴾ أي: العزيز الذين لا يمانع ولا يغالب، بل هو القاهر لكل ما سواه، ﴿الْحَمِيدِ﴾ أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وأمره ونهيه الصادق في خبره.\n\n<span id=\"aya-1752\"></span>وقوله: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قرأ بعضهم مستأنفًا مرفوعًا، وقرأ آخرون على الإتباع صفة للجلالة (^١)، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٨].\nوقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ أي: ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك يا محمد وكذبوك،\n\n<span id=\"aya-1753\"></span>ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة؛ أي: يقدمونها ويؤثرونها عليها ويعملون للدنيا، ونسوا الآخرة وتركوها وراء ظهورهم ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهي اتباع الرسل ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: ويحبون أن تكون سبيل الله عوجًا مائلة عائلة، وهي مستقيمة في نفسها لا يضرها من خالفها، ولا من خذلها فهم في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق، لا يرجى لهم - والحالة هذه - صلاح.\n_________\n(^١) القراءة برفع لفظ الجلالة وبالجر قراءتان متواترتان.","vol":"4","page":595},{"text":"<span id=\"aya-1754\"></span>﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾.\nهذا من لطفه تعالى بخلقه أنه يرسل إليهم رسلًا منهم بلغاتهم، ليفهموا عنهم ما يريدون، وما أرسلوا به إليهم، كما روى الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن عمر بن ذرّ قال: قال مجاهد، عن أبي ذر: قال: قال رسول الله ﷺ: \"لم يبعث الله ﷿ نبيًا إلا بلغة قومه\" (^١).\nوقوله: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بعد البيان وإقامة الحجة عليهم، يضل الله من يشاء عن وجه الهدى، ويهدي من يشاء إلى الحق ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله، فيضل من يستحق الإضلال ويهدي من هو أهل لذلك، وقد كانت هذه سنته في خلقه أنه ما بعث نبيًا في أمة إلا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ بعموم الرسالة إلى سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة\" (^٢). وله شواهد من وجوه كثيرة. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].\n\n<span id=\"aya-1755\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾.\nيقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب لتخرج الناس كلهم، تدعوهم إلى الخروج من الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى إلى بني إسرائيل بآياتنا.\nقال مجاهد: هي التسع الآيات (^٣).\n﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ أي: أمرناه قائلين له: ﴿أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: ادعهم إلى الخير ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال إلى نور الهدى [وبصيرة] (^٤) الإيمان، ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ أي: بأياديه ونِعمه عليهم في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم بالغمام، وإنزاله عليهم المنَّ والسلوى إلى غير ذلك من النعم، قال ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ٣٢٣ ح ٢١٤١٠) وضعّف سنده محققوه بسبب الانقطاع بين مجاهد وأبي ذرّ، وصححوا المتن مستشهدين بالآية نفسها.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٥٨.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحفت إلى: \"ونصر\".\n(^٥) قول مجاهد بلفظ: \"بنعم الله\" أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وكذا أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظه.","vol":"4","page":596},{"text":"وقد ورد فيه الحديث المرفوع الذي رواه عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في مسند أبيه حيث قال: حدثني يحيى بن عبد الله مولى بني هاشم، حدثنا محمد بن أبان الجعفي، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، [عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ قال: \"بنعم الله\" (^١)، ورواه ابن جرير] (^٢) (^٣) وابن أبي حاتم من حديث محمد بن أبان به، ورواه عبد الله ابنه أيضًا موقوفًا، وهو أشبه (^٤).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي: إن فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل حين أنقذناهم من يد فرعون وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين لعبرة لكل صبار؛ أي في الضراء؛ شكور أي في السراء، كما قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر. وكذا جاء في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-1756\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن موسى حين ذكر قومه بأيام الله عندهم ونعمه عليهم، إذ أنجاهم من آل فرعون، وما كانوا يسومونهم به من العذاب والإذلال، حيث كانوا يذبحون من وجد من أبنائهم، ويتركون إناثهم، فأنقذهم الله من ذلك، وهذه نعمة عظيمة، ولهذا قال: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي: نعمة عظيمة منه عليكم في ذلك، أنتم عاجزون عن القيام بشكرها، وقيل: وفيما كان يصنعه بكم قوم فرعون من تلك الأفاعيل ﴿بَلَاءٌ﴾ أي: اختبار عظيم، ويحتمل أن يكون المراد هذا وهذا، والله أعلم، كقوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [لأعراف: ١٦٧].\n\n<span id=\"aya-1757\"></span>وقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أي: آذنكم وأعلمكم بوعده لكم، ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه، كما قال: [﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] وقال هاهنا] (^٦): ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي: لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها، ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ أي: كفرتم النعم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومنه وضعّف سنده محققوه وصححوه بالشواهد (المسند ٣٥/ ٦٦ ح ٢١١٢٨)، وأخرجه الإمام مسلم من طريق أبي إسحاق به مطولًا وفيه: \"وأيام الله نعماؤه وبلاؤه\" (الصحيح، الفضائل، باب من فضائل الخضر ﵇ ح ٢٣٨٠/ ١٧٨).\n(^٢) الزيادة من (حم) و(مح) ومسند أحمد.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق محمد بن أبان به.\n(^٤) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده من طريق الطيالسي عن محمد بن أبان موقوفًا (المسند ٣٥/ ٦٧ ح ٢١١٢).\n(^٥) أخرجه مسلم من حديث صهيب ﵁ (الصحيح، الزهد، باب المؤمن أمره كله خير ح ٢٩٩٩).\n(^٦) الزيادة من (حم) و(مح).","vol":"4","page":597},{"text":"وسترتموها وجحدتموها ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾، وذلك يسلبها عنهم وعقابه إياهم على كفرها، وقد جاء في الحديث: \"إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه\" (^١).\nوفي المسند: أن رسول الله ﷺ، مرَّ به سائل فأعطاه تمرة، فسخطها ولم يقبلها، ثم مرَّ به آخر فأعطاه إياها، فقبلها وقال: تمرة من رسول الله ﷺ، فأمر له بأربعين درهمًا، أو كما قال.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا عمارة الصيدلاني، عن ثابت، عن أنس، قال: أتى النبي ﷺ سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها أو وحش بها - قال -: وأتاه آخر فأمر له بتمرة، فقال: سبحان الله تمرة من رسول الله ﷺ، فقال للجارية: \"اذهبي إلى أُم سلمة فأعطيه الأربعين درهمًا التي عندها\" (^٢). تفرد به الإمام أحمد، وعمارة بن زاذان وثقه ابن حبان وأحمد ويعقوب بن سفيان. وقال ابن معين: صالح. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، ليس بالمتين. وقال البخاري: ربما يضطرب في حديثه، وعن أحمد أيضًا أنه قال: روى أحاديث منكرة. وقال أبو داود: ليس بذاك وضعفه الدارقطني. وقال ابن عدي: لا بأس به ممن يكتب حديثه.\n\n<span id=\"aya-1758\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ أي: هو غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود وإن كفره من كفره، كما قال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]. وقال تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦].\nوفي صحيح مسلم: عن أبي ذرٍّ، عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ أنه قال: \"يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر\" (^٣). فسبحانه وتعالى الغني الحميد.\n\n<span id=\"aya-1759\"></span>﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾.\nقال ابن جرير: هذا من تمام قيل موسى لقومه، يعني وتذكيره إياهم بأيام الله بانتقامه من الأُمم المكذبة بالرسل، وفيما قال ابن جرير نظر (^٤)، والظاهر أنه خبر مستأنف من الله تعالى لهذه\n_________\n(^١) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير سورة يونس آية ٣٩.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠/ ٣٦ ح ١٢٥٧٤) وضعف سنده محققوه لاختلاف النقاد في عمارة الصيدلاني وهو ابن زاذان. وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار باختصار، وفيه عمارة بن زاذان، وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٣/ ١٠٥).\n(^٣) صحيح مسلم، البر والصلة، باب تحريم الظلم (ح ٢٥٧٧).\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"4","page":598},{"text":"الأُمة، فإنه قد قيل: إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصصه عليهم، لا شك أن تكون هاتان القصتان في التوراة، والله أعلم، وبالجملة فالله تعالى قد قصَّ علينا خبر قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل مما لا يحصي عددهم إلا الله ﷿: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات.\nوقال [أبو إسحاق]، (^١) عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله أنه قال في قوله: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾: كذب النسَّابون (^٢).\nوقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدًا يعرف ما بعد معد بن عدنان (^٣).\nوقوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ اختلف المفسرون في معناه، قيل: معناه أنهم أشاروا إلى أفواه الرسل بأمرهم بالسكوت عنهم لما دعوهم إلى الله ﷿.\nوقيل: بل وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيبًا لهم.\nوقيل: بل هو عبارة عن سكوتهم عن جواب الرسل.\nوقال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة: ومعناه أنهم كذبوهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم (^٤).\nقال ابن جرير: وتوجيهه أن ﴿فِي﴾ هنا بمعنى الباء، قال: وقد سمع من العرب: أدخلك الله بالجنة، يعنون في الجنة، وقال الشاعر:\nوأرغب فيها عن لقيط ورهطه … ولكنني عن سِنبس لست أرغب (^٥)\nيريد أرغب بها. قلت: ويؤيد مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فكأن هذا - والله أعلم - تفسير لمعنى ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾.\nوقال سفيان الثوري وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ قال: عضوا عليها غيظًا (^٦).\nوقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي هبيرة بن يريم، عن عبد الله أنه قال ذلك أيضًا (^٧). وقد اختاره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٨)، ووجهه ابن جرير مختارًا له بقوله تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩].\nوقال العوفي، عن ابن عباس: لما سمعوا كلام الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم (^٩).\n_________\n(^١) كذا في رواية الطبري، وفي النسخ الخطية صحف إلى: \"ابن إسحاق\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق، وهو السبيعي، به.\n(^٣) ذكره السيوطي ونسبه إلى أبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر بن أبي نجيح عنه بنحوه.\n(^٥) استشهد به الفراء (معاني القرآن ٢/ ٧٠)، والطبري.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق الثوري وإسرائيل به، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق شعبة به.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.","vol":"4","page":599},{"text":"﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به، فإن عندنا فيه شكًا قويًا.\n\n<span id=\"aya-1760\"></span>﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾.\nيخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أُممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاءوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت الرسل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ وهذا يحتمل شيئين:\n(أحدهما): أفي وجوده شك؟ فإن الفطر شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده، ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما، فلا بدّ لهما من صانع وهو الله لا إله إلا الله هو خالق كل شيء وإلهه ومليكه.\nوالمعنى الثاني: في قولهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ أي: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك؟ وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى، وقالت لهم رسلهم: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: في الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ الآية [هود: ٣]، فقالت لهم الأمم محاجِّين في مقام الرسالة بعد تقدير تسليمهم المقام الأول، وحاصل ما قالوه: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أي: كيف نتبعكم بمجرد قولكم ولمّا نرَ منكم معجزة؟ ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: خارق نقترحه عليكم\n\n<span id=\"aya-1761\"></span>﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: صحيح إنا بشر مثلكم في البشرية ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: بالرسالة والنبوة ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ على وفق ما سألتم.\n﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بعد سؤالنا إِياه وإِذنه لنا في ذلك ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: في جميع أمورهم،\n\n<span id=\"aya-1762\"></span>ثم قالت الرسل: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: وما يمنعنا من التوكل عليه، وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ أي: من الكلام السيء والأفعال السخيفة ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.","vol":"4","page":600},{"text":"<span id=\"aya-1763\"></span>\n\n<span id=\"aya-1764\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾.\nيخبر تعالى عما توعدت به الأمم الكافرة رسلهم من الإخراج من أرضهم والنفي من بين أظهرهم، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] وقال قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]، وقال تعالى إخبارًا عن مشركي قريش: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦)﴾ [الإسراء]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال].\nوكان من صنعه تعالى أنه أظهر رسوله ونصره، وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصارًا وأعوانًا وجندًا يقاتلون في سبيل الله تعالى، ولم يزل يرقيه تعالى من شيء إلى شيء حتى فتح له مكة التي أخرجته، ومكَّن له فيها، وأرغم أنوف أعدائه منهم ومن سائر أهل الأرض حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان في مشارق الأرض ومغاربها في أيسر زمان، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء]. و﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ [الأعراف].\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أي: وعيدي، هذا لمن خاف مقامه بين يدي يوم القيامة وخشي من وعيدي وهو تخويفي وعذابي، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾ [النازعات] وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن].\n\n<span id=\"aya-1765\"></span>وقوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي: استنصرت الرسل ربها على قومها. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة (^١).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: استفتحت الأُمم على أنفسها كما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بقول مجاهد الذي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وبقول قتادة الذي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.","vol":"4","page":601},{"text":"هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] (^١).\nويحتمل أن يكون هذا مرادًا وهذا مرادًا، كما أنهم استفتحوا على أنفسهم يوم بدر واستفتح رسول الله ﷺ واستنصر، وقال الله تعالى للمشركين: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ١٩]، والله أعلم.\n﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: متجبر في نفسه عنيد معاند للحق، كقوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾ [ق].\nوفي الحديث: \"إنه يؤتى بجهنم يوم القيامة، فتنادي الخلائق، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد. . .\" (^٢) الحديث. أي: خاب وخسر حين اجتهد الأنبياء في الابتهال إلى ربها العزيز المقتدر.\n\n<span id=\"aya-1766\"></span>وقوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ وراء هنا بمعنى: أمام، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] وكان ابن عباس يقرؤها: (وكان أمامهم ملك) (^٣)؛ أي: من وراء الجبار العنيد جهنم؛ أي: هي له بالمرصاد يسكنها مخلدًا يوم المعاد، ويعرض عليها غدوًا وعشيًا إلى يوم التناد ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ أي: في النار ليس له شراب إلا من حميم وغساق، فهذا حار في غاية الحرارة، وهذا بارد في غاية البرد والنتن، كما قال: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص].\nوقال مجاهد وعكرمة: الصديد من القيح والدم (^٤).\nوقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده (^٥).\nوفي رواية عنه: الصديد ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدم (^٦).\nوفي حديث شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قلت: يا رسول الله ما طينة الخبال؟ قال: \"صديد أهل النار\" (^٧). وفي رواية: \"عصارة أهل النار\" (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أخبرنا صفوان بن عمرو، عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن عبد الرحمن.\n(^٢) أخرجه الترمذي بنحوه من حديث أبي هريرة ﵁ ثم قال: حسن غريب صحيح، (السنن، أبواب صفة جهنم، باب صفة النار ح ٢٥٧٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٠٨٣).\n(^٣) وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند فيه مبهم عن الضحاك وليس عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد من طريق شهر به وأطول، وقال محققوه: حديث صحيح لغيره (المسند ٤٤/ ٥٧٨ ح ٢٧٦٠٣).\n(^٨) أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ مرفوعًا مطولًا (السنن، الأشربة، باب من شرب الخمر لم تُقبل له صلاة ح ٣٣٧٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٧٢٢).","vol":"4","page":602},{"text":"عبيد الله بن بُسر، عن أُبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: \"يقرب إليه فيكرهه، فإذا أُدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره\". يقول الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] (^١)، وهكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن المبارك به، ورواه هو وابن أبي حاتم من حديث بقيَّة بن الوليد، عن صفوان بن عمرو به (^٢).\n\n<span id=\"aya-1767\"></span>وقوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أي: يتغصصه ويتكرهه؛ أي: يشربه قهرًا وقسرًا لا يضعه في فمه حتى يضربه الملك بمطراق من حديد، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ [الحج].\n﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: يزدَرِده لسوء طعمه ولونه وريحه وحرارته أو برده الذي لا يستطاع ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه.\nقال عمرو بن ميمون بن مهران: من كل عظم وعصب وعرق (^٣).\nوقال عكرمة: حتى من أطراف شعره.\nوقال إبراهيم التيمي: من موضع كل شعرة (^٤) أي: من جسده حتى من أطراف شعره.\nوقال ابن جرير: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من أمامه وخلفه (^٥)، وفي رواية: وعن يمينه وشماله، ومن فوقه ومن تحت أرجله، ومن سائر أعضاء جسده.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ قال: أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم، ليس منها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت، ولكن لا يموت، لأن الله تعالى قال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] (^٦)، ومعنى كلام ابن عباس ﵁: أنه ما من نوع من هذه الأنواع من العذاب إلا إذا ورد عليه اقتضى أن يموت منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ؛ أي: مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله، وأدهى وأمر، وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ [الصافات] فأخبر أنهم تارة\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وتوقف محققوه في الحكم عليه إذ قالوا: رجاله ثقات معروفون غير عبيد الله بن بسر فقد اختلف فيه (المسند ٣٦/ ٦١٥ ح ٢٢٢٨٥)، وأخرجه الحاكم من طريق عبيد الله بن بسر به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥١).\n(^٢) أخرجه الطبري من عدة طرق عن ابن المبارك ومن طريق بقية.\n(^٣) ذكره السيوطي ونسبه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي (المصنف ١٣/ ١٣٢) وكذا أخرجه الطبري وأبو نعيم (الحلية ٤/ ٢١٢).\n(^٥) ذكره الطبري بلفظ: \"أمامه وقدَّامه\".\n(^٦) ذكره السيوطي بنحوه ونسبه إلى ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس ﵄.","vol":"4","page":603},{"text":"يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، وتارة يردون إلى جحيم، عياذًا بالله من ذلك، وهكذا قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾ [الدخان]، وقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ [الواقعة]، وقال تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنوع العذاب عليهم، وتكراره وأنواعه، وأشكاله مما لا يحصيه إلا الله ﷿ جزاءً وفاقًا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].\n\n<span id=\"aya-1768\"></span>﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾.\nهذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح، فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: مثل أعمالهم يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى، لأنهم كانوا يحسبون أنهم كانوا على شيء فلم يجدوا شيئًا، ولا ألفوا حاصلًا إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ أي: ذي ريح شديدة عاصفة قوية، فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم، كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان]، وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ [آل عمران: ١١٧]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة].\nوقال في هذه الآية: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ أي: سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة، حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾.\n\n<span id=\"aya-1769\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة بأنه خلق السماوات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس، أفليس الذي قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وعظمتها، وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات، والحركات المختلفات، والآيات الباهرات، وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد، وبراري وصحارى، وقفار وبحار،","vol":"4","page":604},{"text":"وأشجار ونبات، وحيوان على اختلاف أصنافها ومنافعها وأشكالها وألوانها ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس].\nوقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩)﴾\n\n<span id=\"aya-1770\"></span>﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ أي: بعظيم ولا ممتنع بل هو سهل عليه إذا خالفتم أمره أن يذهبكم ويأت بآخرين على غير صفتكم كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾ [فاطر]، وقال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء].\n\n<span id=\"aya-1771\"></span>﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَبَرَزُوا﴾ أي: برزت الخلائق كلها برها وفاجرها لله الواحد القهار؛ أي: اجتمعوا له في براز من الأرض، وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحدًا ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ وهم الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن عبادة الله وحده لا شريك له وعن موافقة الرسل قالوا لهم: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي: مهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا.\n﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: فهل تدفعون عنا شيئًا من عذاب الله كما كنتم تعدوننا وتمنوننا، فقالت القادة لهم: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ ولكن حقَّ علينا قول ربنا، وسبق فينا وفيكم قدر الله، وحقَّت كلمة العذاب على الكافرين، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا عنه.\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله ﷿، تعالوا نبكِ ونتضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا فلما رأوا أنه لا ينفعهم قالوا: إنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا حى نصبر فصبروا صبرًا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك قالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (^١).\nقلت: والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بنحوه.","vol":"4","page":605},{"text":"(٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾ [غافر] وقال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ [الأحزاب]، وأما تخاصمهم في المحشر، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ [سبأ].\n\n<span id=\"aya-1772\"></span>﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾.\nيخبر تعالى عما خاطب به إبليس أتباعه بعدما قضى الله بين عباده، فأدخل المؤمنين الجنات، وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس - لعنه الله يومئذٍ خطيبًا ليزيدهم حزنًا إلى حزنهم، وغبنًا إلى غبنهم، وحسرة إلى حسرتهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ أي: على ألسنة رسله، ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدًا حقًا وخبرًا صدقًا، وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم، كما قال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء].\nثم قال: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: ما كان لي دليل فيما دعوتكم إليه ولا حجة فيما وعدتكم به ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة علي صدق ما جاءوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه ﴿فَلَا تَلُومُونِي﴾ اليوم ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فإن الذنب لكم لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أي: بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أي: بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال.\n﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ قال قتادة: أي: بسبب ما أشركتمون من قبل.\nوقال ابن جرير: يقول: إني جحدت أن أكون شريكًا لله ﷿ (^١)، وهذا الذي قاله هو الراجح، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِم\n_________\n(^١) ذكره الطبري بلفظه.","vol":"4","page":606},{"text":"غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [لأحقاف]، وقال: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم].\nوقوله: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ أي: في إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل، لهم عذاب أليم، والظاهر من سياق الآية أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار كما قدمنا، ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم، وهذا لفظه، وابن جرير من رواية عبد الرحمن بن زياد: حدثني دُخين الحَجْري، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إذا جمع الله الأولين والآخرين فقضى بينهم ففرغ من القضاء\"، قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا، فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم، وذكر نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى فيقول عيسى: أدلكم على النبي الأمي؛ فيأتوني، فيأذن الله لي أن أقوم إليه فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط، حتى آتي ربي فيُشفِّعني ويجعل لي نورًا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافرون: هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا، فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط، ثم يعظم نحيبهم ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١). وهذا سياق ابن أبي حاتم، ورواه ابن المبارك عن رشدين بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، عن دُخين، عن عقبة به مرفوعًا.\nوقال محمد بن كعب القرظي ﵀: لما قال أهل النار: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال لهم إبليس: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ الآية، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم فنُودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] (^٢).\nوقال عامر الشعبي: يقوم خطيبان يوم القيامة على رؤوس الناس، يقول الله تعالى لعيسى ابن مريم: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٩]، قال: ويقوم إبليس - لعنه الله - فيقول: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ الآية (^٣).\n\n<span id=\"aya-1773\"></span>ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال، وأن خطيبهم إبليس عطف بمآل السعداء، فقال: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ماكثين أبدًا لا يحولون ولا يزولون ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد به، وسنده ضعيف لضعف رشدين وعبد الرحمن، وأخرجه الطبراني من طريق رشدين به (المعجم الكبير ١٧/ ٣٢٠)، وضعفه الهيثمي لضعف عبد الرحمن (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٧٩).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن محمد بن كعب.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي.","vol":"4","page":607},{"text":"عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد]، وقال تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-1774\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ شهادة أن لا إله إلا الله ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ هو المؤمن، ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ يقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن، ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: يُرفع بها عمل المؤمن إلى السماء (^١)، وهكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغير واحد: إن ذلك عبارة عن عمل المؤمن، وقوله الطيب، وعمله الصالح، وإن المؤمن كشجرة من النخل لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت وصباح ومساء (^٢).\nوهكذا رواه السدي، عن مُرَّة، عن ابن مسعود قال: هي النخلة (^٣). وشعبة، عن معاوية بن قُرَّة، عن أنس: هي النخلة (^٤). وحماد بن سلمة، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس أن رسول الله ﷺ أتي بقناع بسر فقرأ: (ومثل كلمة طيبةً كشجرة طيبة) قال: هي النخلة، وروي من هذا الوجه ومن غيره عن أنس موقوفًا (^٥)، وكذا نصّ عليه مسروق ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وغيرهم.\nوقال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أُسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: \"أخبروني عن شجرة تشبه - أو - كالرجل المسلم لا يتحات ورقها صيفًا ولا شتاء، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها\" قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئًا، قال رسول الله ﷺ: \"هي النخلة\"، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة. قال: ما منعك أن تتكلم؟ قلت: لم أركم تتكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا، قال عمر: لأن تكون قلتها أحبُ إليّ من كذا وكذا (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه مختصرًا، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حصين عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري والخطيب البغدادي (موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٤٦٠) بسند حسن من طريق السدي به.\n(^٤) أخرجه الطبري والبغوي (الجعديات ح ١١١) كلاهما بسند صحيح من طريق شعبة به.\n(^٥) أخرجه الطبري والترمذي كلاهما من طريق حماد به (السنن، التفسير، باب ومن سورة إبراهيم ﵇ ح ٣١١٩)، ثم قال الترمذي: وروى غير واحد مثل هذا موقوفًا ولا نعلم أحدًا رفعه غير حماد بن سلمة، ورواه معمر وحماد بن زيد وغير واحد ولم يرفعوه. اهـ. والصواب وقفه، ويشهد له ما يلي، وأخرجه الحاكم من طريق حماد بن سلمة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥٢).\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة إبراهيم ح ٤٦٩٨).","vol":"4","page":608},{"text":"وقال أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدث عن رسول الله ﷺ إلا حديثًا واحدًا قال: كنا عند رسول الله ﷺ فأتي بجُمَّار، فقال: \"من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم\" فأردت أن أقول: هي النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم، فقال رسول الله ﷺ: \"هي النخلة\" (^١). أخرجاه (^٢).\nوقال مالك وعبد العزيز، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يومًا لأصحابه: \"إن من الشجر شجرة لا يطرح ورقها مثل المؤمن\". قال: فوقع في شجر الوادي، ووقع في قلبي أنها النخلة، فاستحييت حتى قال رسول الله ﷺ: \"هي النخلة\"، أخرجاه أيضًا (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان - يعني: ابن زيد العطار -، حدثنا قتادة أن رجلًا قال: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، فقال: \"أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا فركب بعضه على بعض أكان يبلغ السماء، أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء؟ \" قال: ما هو يا رسول الله؟ قال: \"تقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، عشر مرات في دبر كل صلاة، فذاك أصله في الأرض وفرعه في السماء\" (^٤).\nوعن ابن عباس: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: هي شجرة في الجنة (^٥).\n\n<span id=\"aya-1775\"></span>وقوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ قيل: غدوة وعشيًا (^٦)، وقيل: كل شهر. وقيل: كل شهرين. وقيل: كل ستة أشهر. وقيل: كل سبعة أشهر. وقيل: كل سنة، والظاهر من السياق أن المؤمن مثله كمثل شجرة لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت من صيف أو شتاء أو ليل أو نهار، كذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار في كل وقت وحين ﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ أي: كاملًا حسنًا كثيرًا طيبًا مباركًا ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1776\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هذا مثل كفر الكافر لا أصل له ولا ثبات، مشبه بشجرة الحنظل، ويقال لها: الشريان، رواه شعبة عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك: أنها شجرة الحنظل (^٧).\nوقال أبو بكر البزار الحافظ: حدثنا يحيى بن محمد السكن، حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس أحسبه رفعه، قال: (ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة)\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٢) وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجاه من طريق سفيان به (صحيح البخاري، العلم، باب الفهم في العلم ح ٧٢، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب مثل المؤمن مثل النخلة (ح ٢٨١١) الحديث الرابع).\n(^٣) صحيح البخاري، العلم، باب الحياء في العلم (ح ١٣١)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب مثل المؤمن مثل النخلة (ح ٢٨١١).\n(^٤) سنده مرسل ولبعضه شواهد في الصحيحين (صحيح البخاري ح ٨٤٣، وصحيح مسلم ح ٥٩٥).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به.","vol":"4","page":609},{"text":"قال: هي النخلة، ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قال: هي الشريان (^١)، ثم رواه عن محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، عن معاوية، عن أنس موقوفًا (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد - هو: ابن سلمة - عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: \" ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي الحنظلة\" فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: هكذا كنا نسمع. ورواه ابن جرير من حديث حماد بن سلمة به (^٣).\nورواه أبو يعلى في مسنده بأبسط من هذا فقال: حدثنا غسان عن حماد، عن شعيب، عن أنس أن رسول الله ﷺ أتي بقناع عليه بُسْر (^٤)، فقال: ومثل ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ فقال: \"هي النخلة\". ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ قال: \"هي الحنظل\"، قال شعيب: فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كنا نسمع (^٥).\nوقوله: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أي: استؤصلت ﴿مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ أي: لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ولا يصعد للكافر عمل، ولا يتقبل منه شيء.\n\n<span id=\"aya-1777\"></span>﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾.\nقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد قال: سمعت سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ \"، ورواه مسلم أيضًا وبقية الجماعة كلهم من حديث شعبة به (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ، وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت (^٧) به الأرض، فرفع رأسه فقال: \"استعيذوا بالله من عذاب القبر\" مرتين أو ثلاثًا، ثم قال:\n_________\n(^١) تقدم الكلام على ترجيح وقفه.\n(^٢) تقدم في الذي قبله.\n(^٣) تقدم الكلام على ترجيح وقفه، وأن حماد بن سلمة تفرد برفعه.\n(^٤) القناع - بكسر القاف -: الطبق الذي يؤكل عليه الطعام أو الفاكهة، والبُسْر - بضم فسكون - التمر قبل أن يرطب ولم ينضج.\n(^٥) مسند أبي يعلى ٧/ ١٨٢ - ١٨٣ (ح ٤١٦٥)، وفي سنده حماد بن سلمة تفرد برفعه، ويشهد له ما في الصحيحين قبل ثلاث روايات.\n(^٦) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (ح ٤٦٩٩)، وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار (ح ٢٨٧١).\n(^٧) أي: يضرب الأرض به.","vol":"4","page":610},{"text":"\"إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط (^١) من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مدّ البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان - قال:- فتخرج تسيل، كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها - يعني على ملأ من الملائكة -، إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له، فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة - قال:- فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: ربِّ أقم الساعة ربِّ أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي\".\nقال: \"وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء سود الوجوه معهم المسوح (^٢)، فجلسوا منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب - قال:- فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له - ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا - ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي\n_________\n(^١) الحنوط: ما يطيب به الميت.\n(^٢) المسوح: جمع مِسْح، وهو كساء من شعر.","vol":"4","page":611},{"text":"فأفرشوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: ومن أنت، فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: ربِّ لا تقم الساعة\". ورواه أبو داود من حديث الأعمش والنسائي وابن ماجه من حديث المنهال بن عمرو (^١) به.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى جنازة … فذكر نحوه، وفيه \"فإذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء، وفتحت أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ﷿ أن يعرج بروحه من قبلهم\"، وفي آخره \"ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، وفي يده مرزبة لو ضرب بها جبل لكان ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثم يعيده الله ﷿ كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين\" قال البراء: ثم يفتح له باب إلى النار ويمهد له من فرش النار (^٢).\nوقال سفيان الثوري، عن أبيه، عن خيثمة، عن البراء في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: عذاب القبر (^٣).\nوقال المسعودي، عن عبد الله بن مخارق، عن أبيه، عن عبد الله قال: إن المؤمن إذا مات أُجلس في قبره فيقال له: ما ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبته الله فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ، وقرأ عبد الله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^٤).\nوقال الإمام عبد بن حميد ﵀ في مسنده: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، هانه ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة\"، قال النبي ﷺ: \"فيراهما جميعًا\".\nقال قتادة: وذُكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، ويملأ عليه خضرًا إلى يوم القيامة (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير سورة يونس في آخر تفسير آية رقم ٦٤ مختصرًا، وفي سورة الأعراف آية ٤٠ كاملًا.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مطولًا، وضعفه محققوه لضعف يونس بن خباب (المسند ٣٠/ ٥٧٦ - ٥٧٨ ح ١٨٦١٤).\n(^٣) أخرجه مسلم من طريق الثوري به (الصحيح، الجنة وصفة نعيمها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار ح ٢٨٧١/ ٧٤).\n(^٤) أخرجه الطبري وعبد الله بن الإمام أحمد (السنة ح ١٤٢٩)، والبيهقي (عذاب القبر ح ٩) كلهم من طريق المسعودي به، وسنده حسن، ويشهد له ما تقدم.\n(^٥) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب من مسند عبد بن حميد ح ١١٨٠)، وسنده صحيح إلا مرسل قتادة، وقد جاء هذا المرسل في صحيح مسلم كما سيأتي في الرواية التالية.","vol":"4","page":612},{"text":"رواه مسلم، عن عبد بن حميد، وأخرجه النسائي من حديث يونس بن محمد المؤدب به (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سأل جابر بن عبد الله عن فتَّاني القبر، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا أدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه، جاءه ملك شديد الانتهار، فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: إنه رسول الله ﷺ وعبده، فيقول له الملك: انظر إلى مقعدك الذي كان لك في النار قد أنجاك الله منه وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة، فيراهما كليهما، فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي، فيقال له: اسكن، وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أهله فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، أقول كما يقول الناس، فيقال له: لا دريت هذا مقعدك الذي كان لك في الجنة قد أبدلت مكانه مقعدك من النار\" قال جابر: فسمعت النبي ﷺ يقول: \"يبعث كل عبد في القبر على ما مات، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه\" (^٢). إسناده صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عباد بن راشد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ جنازة، فقال رسول الله ﷺ: \"يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مطراق من حديد فأقعده، فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول له: صدقت ثم يفتح له بابًا إلى النار، فيقول: كان هذا منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت فهذا منزلك، فيفتح له بابًا إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه فيقول له: اسكن ويفسح له في قبره، وإن كان كافرًا أو منافقًا فيقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا، فيقول: لا دريت ولا تليت (^٣) ولا اهتديت، ثم يفتح له بابًا إلى الجنة، فيقول له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به فإن الله ﷿ أبدلك به هذا، فيفتح له بابًا إلى النار ثم يقمعه قمعة بالمطراق، فيصيح صيحة يسمعها خلق الله ﷿ كلهم غير الثقلين، فقال بعض القوم: يا رسول الله، ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق إلا هيل عند ذلك\"، فقال رسول الله ﷺ: \"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت\" (^٤).\nوهذا أيضًا إسناد لا بأس به، فإن عباد بن راشد التميمي روى له البخاري مقرونًا، ولكن ضعفه بعضهم.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت (ح ٢٨٧٠)، وسنن النسائي، الجنائز، باب المسألة في القبر ٤/ ٩٧.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير وليس عن ابن جريج (المسند ٢٣/ ٦٥، ٦٦ ح ١٤٧٢٢) وصححه محققوه بمتابعة ابن جريج لابن لهيعة، فقد أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج به (المصنف رقم ٦٧٤٤ و٦٧٤٦).\n(^٣) أي: ما استطعت.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣) وقال عنه الحافظ ابن كثير: إسناد لا بأس به. اهـ. ويشهد له سابقه ولاحقه.","vol":"4","page":613},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. قال: فلا يزال يقال لها ذلك، حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقولون: مرحبًا بالروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. قال: فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله ﷿. وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء، فيرسل من السماء ثم يصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل له في الحديث الأول\" (^١). ورواه النسائي وابن ماجه من طريق ابن أبي ذئب بنحوه (^٢).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: \"إِذا خرجت روح العبد المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها - قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك - قال:- ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه ﷿، فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. وإن الكافر إذا خرجت روحه - قال حماد:- وذكر من نتنها، وذكر مقتًا، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل\" قال أبو هريرة: فردَّ رسول الله ﷺ ريطة (^٣) كانت عليه على أنفه هكذا (^٤).\nوقال ابن حبان في صحيحه: حدثنا عمر بن محمد الهمداني، حدثنا زيد بن أخزَم، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن قَسامة بن زهير، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن المؤمن إذا قبض، أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي إلى روح الله، فتخرج كأطيب ريح مسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضًا يشمونه حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من قبل الأرض، ولا يأتون سماء إلا قالوا: مثل ذلك حتى يأتوا به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحًا به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم، فيقول: قد مات أما أتاكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أُمه الهاوية، وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسح فيقولون: اخرجي إلى غضب الله،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين (المسند ١٤/ ٣٧٨ ح ٨٧٦٩).\n(^٢) السنن الكبرى، التفسير، (ح ١١٤٤٢)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له (ح ٤٢٦٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٣٧).\n(^٣) الريطة: ثوب رقيق.\n(^٤) أخرجه مسلم بنحوه (الصحيح، الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار ح ٢٨٧٢).","vol":"4","page":614},{"text":"فتخرج كأنتن ريح جيفة، فيذهب به إلى باب الأرض\" (^١).\nوقد روى أيضًا من طريق همام بن يحيى، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، قال: \"فيسأل: ما فعل فلان، ما فعل فلان، ما فعلت فلانة؟ قال: وأما الكافر فإذا قبضت نفسه، وذهب بها إلى باب الأرض، تقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحًا أنتن من هذه، فيبلغ بها الأرض السفلى\".\nقال قتادة: وحدثني رجل، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح المؤمنين تجتمع بالجابية، وأرواح الكفار تجتمع ببرهوت سبخة بحضرموت، ثم يضيق عليه قبره (^٢).\nوقال الحافظ أبو عيسى الترمذي ﵀: حدثنا يحيى بن خلف، حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِذا قبر الميت - أو قال: أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال: لأحدهما منكر والآخر نكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، وينور له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون: فقلت مثلهم لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، فيقال للأرض: التئمي عليه فتلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك\" ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (^٣).\nوقال حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \" ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ - قال:- ذلك إِذا قيل له في القبر: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد جاءنا بالبينات من عند الله، فآمنت به وصدقت، فيقال له: صدقت، على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تبعث\" (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا مجاهد بن موسى والحسن بن محمد، قالا: حدثنا يزيد، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده،\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان بسنده ومتنه (الإحسان ٧/ ٢٨٤، ٢٨٥ ح ٣٠١٤)، وصححه محققه، وأخرجه الحاكم من طريق معمر عن قتادة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٥٢).\n(^٢) أخرجه ابن حبان بسنده ومتنه ثم قال: الجابيتان باليمن، وبرهوت من ناحية اليمن (الإحسان ٧/ ٢٨٤ ح ٣٠١٣)، وصححه محققه بدون قول قتادة، وأما قول قتادة فيرويه عن رجل مبهم فسنده ضعيف.\n(^٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وحكمه (السنن، الجنائز، باب عذاب القبر ح ١٠٧١)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٨٥٦).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق آدم بن أبي إياس عن حماد بن سلمة به وسنده حسن، وأخرجه الإمام من طريق حماد بن سلمة به مختصرًا، وحسّن سنده محققوه (المسند ١٤/ ٢٣٣ ح ٨٥٦٣)، وأخرجه الحاكم من طريق حماد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٨٠).","vol":"4","page":615},{"text":"إن الميت ليسمع خفق نعالكم حين تولون عنه مدبرين، فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة، والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يساره فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، فيؤتى عند رجليه فيقول فعل الخيرات: ما قبلي مدخل، فيقال له: اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس قد دنت للغروب، فيقال له: أخبرنا عما نسألك، فيقول: دعني حتى أصلي، فيقال له: إنك ستفعل فأخبرنا عما نسألك، فيقول: وعمَّ تسألوني؟ فيقال: أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول به، وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد؟ فيقال له: نعم، فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت، وعليه تبعث إن شاء الله، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا وينور له فيه، ويفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى ما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسرورًا، ثم تجعل نسمته في النسم الطيب، وهي طير خضر تعلق بشجر الجنة، ويعاد الجسد إلى ما بدئ من التراب\"، وذلك قول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^١). رواه ابن حبان من طريق المعتمر بن سليمان، عن محمد بن عمر، وذكر جواب الكافر وعذابه (^٢).\nوقال البزار: حدثنا سعيد بن بحر القراطيسي، حدثنا الوليد بن القاسم، حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أحسبه رفعه، قال: \"إن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما يعاين، فيود له خرجت - يعني نفسه -، والله يحب لقاءه وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء، فتأتيه أرواح المؤمنين فتستخبره عن معارفهم من أهل الأرض، فإِذا قال: تركت فلانًا في الأرض، أعجبهم ذلك، وإِذا قال: إِن فلانًا قد مات، قالوا: ما جيء به إلينا، وإن المؤمن يجلس في قبره فيسأل، من ربك؟ فيقول: ربي الله، ويسأل: من نبيك؟ فيقول: محمد نبيي، فيقال: ماذا دينك؟ قال: ديني الإسلام، فيفتح له باب في قبره فيقول - أو يقال -: انظر إلى مجلسك، ثم يرى القبر فكأنما كانت رقدة، وإذا كان عدو الله نزل به الموت وعاين ما عاين، فإنه لا يحب أن تخرج روحه أبدًا، والله يبغض لقاءه، فإذا جلس في قبره أو أجلس، فيقال له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، يقال: لا دريت، فيفتح له باب إلى جهنم ثم يضرب ضربة تسمعها كل دابة إلا الثقلين، ثم يقال له: نم كما ينام المنهوش\". قلت لأبي هريرة: ما المنهوش؟ قال: الذي تنهشه الدواب والحيات، ثم يضيق عليه قبره. ثم قال: لا نعلم من رواه إلا الوليد [بن القاسم] (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه بنحوه، وسنده حسن، ويشهد له سابقه ولاحقه، وأخرجه ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون به (المصنف ٣/ ٣٨٣)، وأخرجه عبد الرزاق من طريق محمد بن عمرو به (المصنف رقم ٦٧٠٣)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٣/ ٥٥).\n(^٢) الإحسان ٧/ ٣٨٠ - ٣٨٢ (ح ٣١١٣) وحسنه محققه شعيب الأرناؤوط.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل صُحِّف إلى: \"من مسلم\".\n(^٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٨٧٤)، ومختصر زوائد مسند البزار ١/ ٣٦٤ (ح ٥٩٦)، وقال =","vol":"4","page":616},{"text":"وقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا حُجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر قال: كانت أسماء - يعني بنت الصديق ﵂، تحدث عن النبي ﷺ قالت: قال: \"إذا دخل الإنسان قبره، فإن كان مؤمنًا أحف به عمله الصلاة والصيام، قال: فيأتيه الملك من نحو الصلاة فترده ومن نحو الصيام فيرده، قال: فيناديه اجلس فيجلس، فيقول له: ماذا تقول في هذا الرجل - يعني: النبي ﷺ؟ قال: من؟ قال: محمد، قال: أشهد أنه رسول الله، قال: وما يدريك، أدركته؟ قال: أشهد أنه رسول الله، قال: \"يقول: على ذلك عشت، وعليه مت، وعليه تبعث، وإن كان فاجرًا أو كافرًا جاءه الملك ليس بينه وبينه شيء يرده فأجلسه، فيقول له: ماذا تقول في هذا الرجل؟ قال: أي رجل؟ قال: محمد؟ قال: يقول: والله ما أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، قال له الملك: على ذلك عشت، وعليه مت، وعليه تبعث، قال: ويسلط عليه دابة في قبره معها سوط، ثمرته جمرة مثل غرب البعير، تضربه ما شاء الله، صماء لا تسمع صوته فترحمه\" (^١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية، قال: إن المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة، فسلموا عليه وبشروه بالجنة، فإذا مات مشوا مع جنازته ثم صلوا عليه مع الناس، فإِذا دفن أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقال له: من رسولك؟ فيقول: محمد ﷺ، فيقال له: ما شهادتك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فيوسع له في قبره مد بصره، وأما الكافر فتنزل عليه الملائكة فيبسطون أيديهم - والبسط هو الضرب - ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [لأنفال: ٥٠] عند الموت، فإذا أدخل قبره أقعد، فقيل له: من ربك؟ فلم يرجع إليهم شيئًا، وأنساه الله ذكر ذلك، وإذا قيل: من الرسول الذي بعث إليك؟ لم يهتد له ولم يرجع إليهم شيئًا ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم [الأودي] (^٣)، حدثنا شريح بن مسلمة، حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد البجلي، عن أبي قتادة الأنصاري في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآية، قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ فيقول: الله، فيقال له: من نبيك؟ فيقول: محمد بن عبد الله، فيقال له ذلك مرات، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك من النار لو زغت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى منزلك من الجنة إذا ثبت، وإذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟ من نبيك؟ فيقول: لا أدري\n_________\n= الهيثمي: في الصحيح طرف منه رواه البزار، ورجاله ثقات خلا سعيد بن بحر القراطيسي فإني لم أعرفه (مجمع الزوائد ٣/ ٥٢)، وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: هو موثق ولم يتفرد به (مختصر زوائد مسند البزار ح ٥٩٦).\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: رجاله ثقات رجال الصحيح غير أن محمد بن المنكدر لم يذكروا له سماعًا من أسماء بنت أبي بكر، وهو قد أدركها … وسلف نحوه بإسناد صحيح برقم ٢٦٩٢٥ (المسند ٤٤/ ٥٣٦ ح ٢٦٩٧٦).\n(^٢) أخرجه الطبري، مقطعًا، والبيهقي (عذاب القبر ح ٢٥٦) كلاهما بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صُحِّف إلى: \"الأزدي\".","vol":"4","page":617},{"text":"كنت أسمع الناس يقولون، فيقال له: لا دريت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى منزلك إذا ثبت، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك إِذ زغت، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^١).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: لا إله إلا الله، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ المسألة في القبر (^٢).\nوقال قتادة: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ في القبر (^٣). وكذا روي عن غير واحد من السلف.\nوقال أبو عبد الله الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن نافع، عن ابن أبي فديك، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن في مسجد المدينة، فقال: \"إني رأيت البارحة عجبًا، رأيت رجلًا من أُمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بره بوالديه، فردَّ عنه، ورأيت رجلًا من أُمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلًا من أُمتي قد احتوشته الشياطين (^٤)، فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم، ورأيت رجلًا من أُمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلًا مِن أُمتي يلهث عطشًا كلما ورد حوضًا منع منه، فجاءه صيامه فسقاه وأرواه، ورأيت رجلًا من أُمتي والنبيون قعود حلقًا حلقًا، كلما دنا لحلقة طردوه، فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذه بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلًا من أُمتي بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، وهو متحير فيها، فجاءته حجته وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور، ورأيت رجلًا من أُمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه، فجاءته صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين، كلموه فكلموه، ورأيت رجلًا من أُمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه، فجاءته صدقته فصارت له سترًا على وجهه وظلًا على رأسه، ورأيت رجلًا من أُمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة، ورأيت رجلًا من أُمتي جاثيًا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب، فجاءه حسن خلقه، فأخذ بيده فأدخله على الله ﷿، ورأيت رجلًا من أُمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله، فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه، ورأيت رجلًا من أُمتي قد خف ميزانه، فجاءته أفراطه (^٥) فثقلوا ميزانه، ورأيت رجلًا من أُمتي قائمًا على شفير جهنم، فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلًا من أُمتي هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا، فاستخرجته من النار، ورأيت رجلًا من أُمتي قائمًا على الصراط يزحف أحيانًا ويحبو أحيانًا، فجاءته صلاته عليّ، فأخذت بيده، فأقامته\n_________\n(^١) في سنده عامر بن سعد البجلي وهو مقبول (التقريب ص ٢٨٧)، ويتقوى بالشواهد السابقة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أي: اجتمعت حوله الشياطين.\n(^٥) أي: أولاده.","vol":"4","page":618},{"text":"ومضى على الصراط، ورأيت رجلًا من أُمتي انتهى إلى باب الجنة، فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة\" (^١).\nقال القرطبي بعد إيراده هذا الحديث من هذا الوجه: هذا حديث عظيم ذكر فيه أعمالًا خاصة تنجي من أهوال خاصة، أورده هكذا في كتابه التذكرة (^٢).\nوقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في هذا حديثًا غريبًا مطولًا فقال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم النكري، حدثنا محمد بن بكر البرساني أبو عثمان، حدثنا أبو عاصم الحبطي، وكان من أخيار أهل البصرة، وكان من أصحاب حزم، وسلام بن أبي مطيع، حدثنا بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن تميم الداري، عن النبي ﷺ قال: يقول الله ﷿ لملك الموت: انطلق إلى وليي فأتني به، فإِني قد ضربته بالسراء والضراء، فوجدته حيث أُحب، ائتني به فلأريحنه، فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة معهم أكفان وحنوط من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان (^٣) أصل الريحانة واحد، وفي رأسها عشرون لونًا لكل منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر (^٤)، فيجلس ملك الموت عند رأسه وتحف به الملائكة، ويضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر تحت ذقنه، ويفتح له باب إلى الجنة، فإن نفسه لتعلل (^٥) عند ذلك بطرف الجنة تارة بأزواجها، وتارة بكسوتها، ومرة بثمارها كما يعلل الصبي أهله إذا بكى، قال: إِن أزواجه ليبتهشن (^٦) عند ذلك ابتهاشًا، قال: وتبرز الروح\".\nقال البرساني: يريد أن تخرج من العجل إلى ما تحب، قال: \"ويقول ملك الموت: اخرجي يا أيتها الروح الطيبة إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب، قال: ولملك الموت أشد به لطفًا من الوالدة بولدها، يعرف أن تلك الروح حبيب لربه، فهو يتلمس بلطفه تحببًا لديه، رضاء للرب عنه، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين - قال:- وقال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢]، وقال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ [الواقعة]- قال:- روح من جهة الموت، وريحان يتلقى به، وجنة نعيم تقابله،- قال:- فإذا قبض ملك الموت روحه، قالت الروح للجسد: جزاك الله عني خيرًا، فقد كنت سريعًا بي إلى طاعة الله، بطيئًا بي عن معصية الله، فقد نجيت وأنجيت - قال:- ويقول الجسد للروح مثل ذلك، قال: وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله فيها، وكل باب من السماء يصعد منه عمله وينزل منه رزقه أربعين ليلة،- قال:- فإذا قبض ملك الموت روحه، أقامت الخمسمائة من الملائكة عند جسده، فلا يقلبه بنو آدم لشق إلا قلبته الملائكة قبلهم، وغسلته وكفنته بأكفان قبل أكفان بني آدم، وحنوط قبل حنوط بني آدم، ويقوم من باب بيته إلى قبره صفان من الملائكة\n_________\n(^١) في سنده عبد الله بن نافع وهو مولى ابن عمر وهو ضعيف (التقريب ص ٣٢٦).\n(^٢) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص ٢٤٠، ٢٤١.\n(^٣) أي: باقة الريحان.\n(^٤) أي: عطر المسك الخالص الجيد.\n(^٥) أي: تتشاغل.\n(^٦) أي: يسرعن إليه.","vol":"4","page":619},{"text":"يستقبلونه بالاستغفار، فيصيح عند ذلك إبليس صيحة تتصدع منها عظام جسده - قال:- ويقول لجنوده: الويل لكم كيف خلص هذا العبد منكم؟ فيقولون: إن هذا كان عبدًا معصومًا - قال:- فإذا صعد ملك الموت بروحه يستقبله جبريل في سبعين ألفًا من الملائكة، كل يأتيه ببشارة من ربه سوى بشارة صاحبه - قال:- فإذا انتهى ملك الموت بروحه إلى العرش، خر الروح ساجدًا - قال:- يقول الله ﷿ لملك الموت: انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضود، وطلح منضود وظل ممدود، وماء مسكوب - قال:- فإذا وضع في قبره جاءته الصلاة فكانت عن يمينه، وجاءه الصيام فكان عن يساره، وجاءه القرآن فكان عند رأسه، وجاءه مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه، وجاءه الصبر فكان ناحية القبر - قال:- فيبعث الله ﷿ عنقًا (^١) من العذاب، قالوا: فيأتيه عن يمينه - قال:- فتقول الصلاة: وراءك، والله ما زال دائبًا عمره كله وإنما استراح الآن حين وضع في - قبره قال:- فيأتيه عن يساره فيقول الصيام مثل ذلك - قال:- ثم يأتيه من عند رأسه فيقول القرآن والذكر مثل ذلك - قال:- ثم يأتيه من عند رجليه فيقول مشيه إلى الصلاة مثل ذلك، فلا يأتيه العذاب من ناحية يلتمس هل يجد إليه مساغًا إلا وجد ولي الله قد أخذ جنته - قال:- فينقمع العذاب عند ذلك فيخرج - قال:- ويقول الصبر لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعني أن أباشر أنا بنفسي، إلا أني نظرت ما عندكم فإن عجزتم كنت أنا صاحبه، فأما إذا أجزأتم عنه فأنا له ذخر عند الصراط والميزان - قال:- ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصياصي، وأنفاسهما كاللهب، يطآن في أشعارهما بين منكب كل واحد مسيرة كذا وكذا، وقد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما: منكر ونكير، في يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها (^٢) - قال:- فيقولان له: اجلس - قال:- فيجلس فيستوي جالسًا - قال:- وتقع أكفانه في حقويه (^٣) \".\nقال: \"فيقولان له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ \" قال: قالوا: يا رسول الله ومن يطيق الكلام عند ذلك وأنت تصف من الملكين ما تصف؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: \" ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ - قال: فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، وديني الإسلام الذي دانت به الملائكة، ونبيي محمد خاتم النبيين، قال: فيقولان له: صدقت، قال: فيدفعان القبر فيوسعان من بين يديه أربعين ذراعًا، وعن يمينه أربعين ذراعًا، وعن شماله أربعين ذراعًا، ومن عند رأسه أربعين ذراعًا، ومن عند رجليه أربعين ذراعًا، قال: فيوسعان له مائتي ذراع\".\nقال البرساني: فأحسبه وأربعين ذراعًا تحاط به، قال: \"ثم يقولان له: انظر فوقك، فإذا باب مفتوح إلى الجنة،- قال:- فيقولان له: وليّ الله هذا منزلك إذ أطعت الله\"، فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفس محمد بيده، إنه يصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبدًا\" ثم يقال له: \"انظر تحتك - قال:- فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار- قال:- فيقولان: ولي الله نجوت آخر ما\n_________\n(^١) أي: قطعة.\n(^٢) أي: لم يرفعوها.\n(^٣) أي: خصريه.","vol":"4","page":620},{"text":"عليك\". قال: فقال رسول الله ﷺ: \"إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبدًا\" قال: قالت عائشة: يفتح له سبعة وسبعون بابًا إلى الجنة، يأتيه ريحها وبردها حتى يبعثه الله ﷿ (^١).\nوبالإسناد المتقدم إلى النبي ﷺ قال: \"ويقول الله تعالى لملك الموت: انطلق إلى عدوي فأتني به، فإني قد بسطت له رزقي، ويسرت له نعمتي، فأبى إلا معصيتي فأتني به، لأنتقم منه، قال: فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورة رآها أحد من الناس قط، له ثنتا عشر عينًا، ومعه سفود من النار، كثير الشوك ومعه خمسمائة من الملائكة معهم نحاس وجمر من جمر جهنم، ومعهم سياط من نار لينهالين السياط، وهي نار تأجج - قال:- فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة يغيب كل أصل شوكة من ذلك السفود في أصل كل شعرة وعرق وظفر - قال:- ثم يلويه ليًا شديدًا - قال:- فينزع روحه من أظفار قدميه - قال:- فيلقيها في عقبيه - قال:- فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفّه ملك الموت عنه - قال:- وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط - قال:- فيشده ملك الموت شدة فينزع روحه من عقبيه فيلقيها في ركبتيه، ثم يسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه - قال:- فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط - قال:- فينتره (^٢) ملك الموت نترة فينزع روحه من ركبتيه فيلقيها في حقويه، فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه - قال:- فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط - قال كذلك إلى صدره ثم - كذلك إلى حلقه - قال:- ثم تبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه - قال:- ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها الروح اللعينة إلى سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم - قال:- فإذا قبض ملك الموت روحه، قال الروح للجسد: جزاك الله عني شرًا فقد كنت سريعًا بي إلى معصية الله، بطيئًا بي عن طاعة الله، فقد هلكت وأهلكت - قال:- ويقول: الجسد للروح مثل ذلك، وتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله عليها، وتنطلق جنود إبليس إليه فيبشرونه بأنهم قد أوردوا عبدًا من ولد آدم النار - قال:- فإذا وضع في قبره ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه حتى تدخل اليمنى في اليسرى واليسرى في اليمنى - قال:- ويبعث الله إليه أفاعي دهمًا كأعناق الإبل، يأخذن بأرنبته (^٣) وإبهامي قدميه فيقرضنه حتى يلتقين في وسطه - قال:- ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف وأنيابهما كالصياصي وأنفاسهما كاللهب يطآن في أشعارهما بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما: منكر ونكير، في يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها - قال:- فيقولان له: اجلس، فيستوي جالسًا وتقع أكفانه في حقويه - قال:- فيقولان له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان له: لا دريت ولا تليت، فيضربانه ضربة يتطاير شررها في قبره ثم يعودان، قال: فيقولان: انظر فوقك فينظر،\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي، وبكر بن خنيس صدوق له أوهام وتكلم فيه ابن حبان (ينظر: التقريب ص ١٢٦)، وضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا كما سيأتي، وعزاه الحافظ ابن حجر لأبي يعلى ثم قال: هذا حديث عجيب السياق، وهو شاهد لكثير مما ثبت في حديث البراء الطويل المشهور، ولكن إسناده غريب وفيه ضعف (المطالب العالية ٤/ ٣٨٢).\n(^٢) فينتره: أي يجذبه بعنف.\n(^٣) الأرنبة: طرف الأنف.","vol":"4","page":621},{"text":"فإذا باب مفتوح من الجنة، فيقولان: عدو الله هذا منزلك لو أطعت الله\". قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبدًا\". قال: \"ويقولان له: انظر تحتك، فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار فيقولان له: عدو الله هذا منزلك إذ عصيت الله\"، قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبدًا\" قال: وقالت عائشة: ويفتح له سبعة وسبعون بابًا إلى النار يأتيه حرها وسمومها حتى يبعثه الله إليها (^١).\nهذا حديث غريب جدًا، وسياق عجيب، ويزيد الرقاشي راويه عن أنس له غرائب ومنكرات، وهو ضعيف الرواية عند الأئمة، والله أعلم، ولهذا قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، حدثنا هشام - هو ابن يوسف -، عن عبد الله بن بحير، عن هانئ مولى عثمان، عن عثمان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال: \"استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل\" (^٢). تفرد به أبو داود.\nوقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [الأنعام: ٩٣]، حديثًا مطولًا جدًا من طرق غريبة عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه غرائب أيضًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-1778\"></span>\n\n<span id=\"aya-1779\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾.\nقال البخاري: قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ ألم تعلم، كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] البوار: الهلاك، بار يبور بورًا، ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨] هالكين. حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء. سمع ابن عباس ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم كفار أهل مكة (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: هو جَبَلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم (^٥).\nوالمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ رحمة للعالمين ونعمة للناس، فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردَّها وكفرها دخل النار، وقد روي عن علي نحو قول ابن عباس الأول.\n_________\n(^١) سنده ضعيف، وهو تتمة لسابقه.\n(^٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت ح ٣٢٢١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٧٥٨)، وأخرجه الحاكم من طريق هشام بن يوسف به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٧٠).\n(^٣) وسنده ضعيف أيضًا لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا. . .﴾ [إبراهيم: ٢٨] (ح ٤٧٠٠).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بالشواهد التالية عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄.","vol":"4","page":622},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل عليًا عن ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم كفار قريش يوم بدر (^١).\nحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا بسام - هو الصيرفي -، عن أبي الطفيل قال: جاء رجل إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين من الذين بدلوا نعمة الله كفرًا، وأحلوا قومهم دار البوار؟ قال: منافقو قريش (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل قال: قرأت على معقل، عن ابن أبي حسين قال: قام علي بن أبي طالب ﵁ فقال: ألا أحد يسألني عن القرآن، فوالله لو أعلم اليوم أحدًا أعلم به مني وإن كان من وراء البحار لأتيته، فقام عبد الله بن الكواء فقال: من الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار؟ قال: مشركو قريش أتتهم نعمة الله الإيمان فبدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار (^٣).\nوقال السدي في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ الآية، ذكر مسلم المستوفى، عن علي أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو أمية وبنو المغيرة؛ فأما بنو المغيرة، فأحلوا قومهم دار البوار يوم بدر، وأما بنو أمية فأحلوا قومهم دار البوار يوم أُحد، وكان أبو جهل يوم بدر، وأبو سفيان يوم أُحد، وأما دار البوار فهي جهنم (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحارث أبو منصور، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة قالا: سمعت عليًا قرأ هذه الآية ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم الأفجران من قريش: بنو أمية، وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة فأهلكوا يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، ورواه أبو إسحاق عن عمرو بن مرة، عن علي (^٥)، نحوه، وروي من غير وجه عنه.\nوقال سفيان الثوري، عن علي بن زيد، عن يوسف بن سعد، عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين (^٦). وكذا رواه حمزة الزيات عن عمرو بن مرة قال: قال ابن عباس لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين هذه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾؟ قال: هم الأفجران من قريش: أخوالي وأعمامك، فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى\n_________\n(^١) سنده حسن.\n(^٢) أخرجه الحاكم من طريق بسام الصيرفي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥٢).\n(^٣) في سنده ابن أبي حسين وهو عبد الله بن عبد الرحمن لم يسمع من علي، وقد توبع بما تقدم فيتقوى بهما.\n(^٤) في سنده السدي لم يصرح بالسماع عن مسلم وفيه تشيّع، وقد توبع في أغلب المتن إلا ذكر أبي سفيان فإنه لم يتابع عليه كما سيأتي في الروايات التالية.\n(^٥) أخرجه الحاكم من طريق سفيان عن أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥٢).\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وفي سنده علي بن زيد وهو ابن جدعان: وهو ضعيف.","vol":"4","page":623},{"text":"حين (^١). وقال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن زيد: هم كفار قريش الذين قتلوا يوم بدر (^٢). وكذا رواه مالك في تفسيره، عن نافع، عن ابن عمر (^٣).\n\n<span id=\"aya-1780\"></span>وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: جعلوا له شركاء عبدوهم معه، ودعوا الناس إلى ذلك، ثم قال تعالى مهددًا لهم ومتوعدًا لهم على لسان نبيه ﷺ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ أي: مهما قدرتم عليه في الدنيا فافعلوا، فمهما يكن من شيء ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّار﴾ أي: مرجعكم وموئلكم إلينا كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان]، وقال تعالى: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-1781\"></span>﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده بطاعته والقيام بحقه والإحسان إلى خلقه بأن يقيموا الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات والنفقة على القرابات والإحسان إلى الأجانب، والمراد بإقامتها هو المحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها، وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق في السر، أي في الخفية، والعلانية وهي الجهر، وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يوم القيامة ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ أي: ولا يقبل من أحد فدية بأن تباع نفسه، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥]، وقوله: ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾.\nقال ابن جرير: يقول: ليس هناك مخالة خليل، فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالته، بل هناك العدل والقسط، والخلال مصدر من قول القائل: خاللت فلانًا، فأنا أخالله مخالة وخلالًا، ومنه قول امرئ القيس:\nهرفت الهوى عنهنَّ من خشية الردى … ولست بمقلي الخلال ولا قالٍ (^٤) (^٥)\nوقال قتادة: إن الله قد علم أن في الدنيا بيوعًا وخلالًا يتخالُّون بها في الدنيا، فينظر رجل من يخالل وعلامَ يصاحب؟ فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله فسيقطع عنه (^٦).\nقلت: والمراد من هذا أنه يخبر تعالى أنه لا ينفع أحدًا بيع ولا فدية، ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا لو وجده، ولا تنفعه صداقة أحد ولا شفاعة أحد إذا لقي الله كافرًا، قال الله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق حمزة الزيات به، وسنده حسن.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه شيخ الطبري مبهم، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٣) سنده صحيح.\n(^٤) ديوان امرئ القيس ص ٣٥.\n(^٥) ذكره الطبري بلفظه مستشهدًا بقول امرئ القيس.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد عن قتادة.","vol":"4","page":624},{"text":"﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾ [البقرة] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة].\n\n<span id=\"aya-1782\"></span>﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾.\nيُعدِّد تعالى نعمه على خلقه بأن خلق لهم السماوات سقفًا محفوظًا والأرض فرشًا، وأنزل من السماء ماء فأخرج به أزواجًا من نبات شتى ما بين ثمار وزروع مختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح والمنافع. وسخر الفلك بأن جعلها طافية على تيار ماء البحر تجري عليه بأمر الله تعالى، وسخر البحر لحملها ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر لجلب ما هنا إلى هناك، وما هناك إلى هنا، وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلى قطر رزقًا للعباد من شرب وسقي، وغير ذلك من أنواع المنافع\n\n<span id=\"aya-1783\"></span>﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ أي: يسيران لا يفتران ليلًا ولا نهارًا ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس]، ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتعارضان، فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (^١) [لقمان: ٢٩].\n\n<span id=\"aya-1784\"></span>وقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ يقول هيأ لكم ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم. وقال بعض السلف: من كل ما سألتموه وما لم تسألوه، وقرأ بعضهم (وآتاكم من كلٍّ ما سألتموه) (^٢).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ يخبر تعالى عن عجز العباد عن تعداد النعم فضلًا عن القيام بشكرها، كما قال طَلْق بن حبيب ﵀: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نِعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين (^٣).\nوفي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"اللَّهم لك الحمد غير مكفيٍ ولا مودعٍ ولا مستغنىً عنه ربنا\" (^٤).\n_________\n(^١) ورد في الأصل: \"ألا وهو العزيز الغفار\"، والتصويب من القرآن الكريم.\n(^٢) هذه القراءة شاذة تفسيرية ذكرها الطبري ونسبها أبو حيان إلى ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم (البحر المحيط ٥/ ٤٢٨).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعد بن إبراهيم عن طلق، وكذا البيهقي (شعب الإيمان رقم ٤٥٢٢).\n(^٤) أخرجه البخاري من حديث أبي أُمامة ﵁ (الصحيح، الأطعمة، باب ما يقول إذا فرغ من طعامه ح ٥٤٥٨).","vol":"4","page":625},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا داود بن المحبَّر، حدثنا صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: \"يخرج لابن آدم يوم القيامة [ثلاثة] (^١) دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله تعالى عليه، فيقول الله تعالى لأصغر نعمه - أحسبه قال: في ديوان النعم -: خذي ثمنك من عمله الصالح فتستوعب عمله الصالح كله، ثم تنحى وتقول: وعزتك ما استوفيت وتبقى الذنوب والنعم، فإذا أراد الله أن يرحمه قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت لك عن سيئاتك - أحسبه قال: ووهبت لك نعمي -\" (^٢) غريب وسنده ضعيف.\nوقد روي في الأثر أن داود ﵇ قال: يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك عليّ؟ فقال الله تعالى: الآن شكرتني يا داود، أي: حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر المنعم (^٣).\nوقال الإمام الشافعي ﵀: [الحمد] (^٤) لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤدي ماضي نعمة بأدائها، نعمة حادثة توجب عليه شكره بها (^٥).\nوقال القائل في ذلك:\nلو كل جارحة مني لها لغة … تثني عليك بما أوليت من حسن\nلكان ما زاد شكري إذا شكرت به … إليك أبلغ في الإحسان والمنن\n\n<span id=\"aya-1785\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾.\nيذكر تعالى في هذا المقام محتجًا على مشركي العرب بأن البلد الحرام بمكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم الذي كانت عامرة بسببه آهلة تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وقد استجاب الله له فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧]، وقال في هذه القصة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ فعرفه لأنه دعا به بعد بنائها، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة، فإنه دعا أيضًا فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ كما ذكرناه هنالك في سورة البقرة مستقصى مطوّلًا.\nوقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ينبغي لكل داعٍ أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته،\n\n<span id=\"aya-1786\"></span>ثم\n_________\n(^١) كذا في (حم)، وفي الأصل (ومح): \"ثلاث\".\n(^٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٣٤٤٤) وسنده ضعيف جدًا لأن داود بن المحبَّر: متروك، وصالح المري ضعيف، وضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا.\n(^٣) أخرجه البيهقي (الجامع لشعب الإيمان ح ٤٤١٤).\n(^٤) سقط في الأصل واستدرك من (حم) و(مح) والرسالة للشافعي.\n(^٥) ذكره الشافعي في الرسالة ص ٧.","vol":"4","page":626},{"text":"ذكر أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس، وأنه تبرأ ممن عبدها ورد أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، كقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة]، وليس فيه أكثر من الرد إلى مشيئة الله تعالى لا تجويز وقوع ذلك.\nوقال عبد الله بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه، عن [عبد الرحمن بن جُبير] (^١)، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ تلا قول إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ الآية، وقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة]، ثم رفع يديه ثم قال: \"اللهم، أمتي، اللهم أمتي، اللهم أمتي\" وبكى فقال الله: اذهب يا جبريل إلى محمد، وربك أعلم، وسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ ما قال، فقال الله: اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك (^٢).\n\n<span id=\"aya-1787\"></span>﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾.\nوهذا يدل على أن هذا دعاء ثانٍ بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولى عن هاجر وولدها، وذلك قبل بناء البيت، وهذا كان بعد بنائه تأكيدًا ورغبة إلى الله ﷿، ولهذا قال: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وقوله: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال ابن جرير: هو متعلق بقوله: ﴿الْمُحَرَّمِ﴾ أي: إنما جعلته محرمًا ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيره: لو قال: (أفئدة الناس) لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم (^٣)، ولكن قال: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ فاختصَّ به المسلمون.\nوقوله: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: ليكون ذلك عونًا لهم على طاعتك، وكما أنه وادٍ غير ذي زرع فاجعل له ثمارًا يأكلونها، وقد استجاب الله ذلك كما قال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧] وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها استجابة لخليله إبراهيم ﵊.\n\n<span id=\"aya-1788\"></span>﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾.\nقال ابن جرير: يقول تعالى مخبرًا عن إبراهيم خليله أنه قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ أي: أنت تعلم قصدي في دعائي، وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد، وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص لك، فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، لا يخفى عليك منها شيء\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: \"ابن جرير\"، والتصويب من صحيح مسلم.\n(^٢) أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن وهب به (الصحيح، الإيمان، باب دعاء النبي ﷺ لأمته وبكائه … ح ٢٠٢).\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.","vol":"4","page":627},{"text":"في الأرض ولا في السماء (^١)،\n\n<span id=\"aya-1789\"></span>ثم حمد ربه ﷿ على ما رزقه من الولد بعد الكبر، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾ أي: إنه يستجيب لمن دعاه، وقد استجاب لي فيما سألته من الولد،\n\n<span id=\"aya-1790\"></span>ثم قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ أي: محافظًا عليها مقيمًا لحدودها ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: واجعلهم كذلك مقيمين لها ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ أي: فيما سألتك فيه كله\n\n<span id=\"aya-1791\"></span>﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ وقرأ بعضهم: (ولوالِدي) بالإفراد (^٢)، وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه لما تبين له عداوته لله ﷿ ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: كلهم ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ أي: يوم تحاسب عبادك فتجازيهم بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.\n\n<span id=\"aya-1792\"></span>﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ يا محمد غافلًا عما يعمل الظالمون؛ أي: لا تحسبنه إذا أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم مهمل لهم لا يعاقبهم على صنعهم، بل هو يحصي ذلك ويعدُّه عليهم عدًّا ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ أي: من شدة الأهوال يوم القيامة،\n\n<span id=\"aya-1793\"></span>ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إلى قيام المحشر، فقال: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين، كما قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ] (^٣) الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] إلى قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ الآية [المعارج: ٤٣].\nوقوله: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: رافعي رؤوسهم (^٤). ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: أبصارهم ظاهرة شاخصة مديمون النظر، لا يطرفون لحظة لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لما يحل بهم، عياذًا بالله العظيم من ذلك، ولهذا قال: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أي: وقلوبهم خاوية خالية ليس فيها شيء لكثرة الوجل والخوف. ولهذا قال قتادة وجماعة: إن أمكنة أفئدتهم خالية (^٥)، لأن القلوب لدى الحناجر قد خرجت من أماكنها من شدة الخوف. وقال بعضهم: ﴿هَوَاءٌ﴾ خراب لا تعي شيئًا لشدة ما أخبر به تعالى عنهم، ثم قال تعالى لرسوله ﷺ:\n\n<span id=\"aya-1794\"></span>﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ\n_________\n(^١) ذكره الطبري بمعناه.\n(^٢) وهي قراءة شاذة.\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، يتقوى بقول مجاهد الذي أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"4","page":628},{"text":"نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَاأَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ [المنافقون]، وقال تعالى مخبرًا عنهم في حال محشرهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة]، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر]، قال تعالى ردًا عليهم في قولهم هذا: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أي: أو لم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحالة أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه وأنه لا معاد ولا جزاء فذوقوا هذا بذاك.\nقال مجاهد وغيره: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أي: ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة، كما أخبر عنهم تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨] (^١)،\n\n<span id=\"aya-1795\"></span>﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾ أي: قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر، ولم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ [القمر].\n\n<span id=\"aya-1796\"></span>وقد روى شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن أن عليًا ﵁ قال في هذه الآية ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ قال: أخذ ذاك الذي حاجَّ إبراهيم في ربه نسرين صغيرين، فرباهما حتى استغلظا واستفحلا وشبَّا، قال: فأوثق رجل كل واحد منهما بوتد إلى تابوت وجوَّعهما، وقعد هو ورجل آخر في التابوت، قال: ورفع في التابوت عصًا على رأسه اللحم فطارا، وجعل يقول لصاحبه: انظر ما ترى؟ قال: أرى كذا وكذا حتى قال: أرى الدنيا كلها كأنها ذباب. قال: فصوب العصا، فصوبها فهبطا جميعًا، قال: فهو قوله ﷿: (وإن كاد (^٢) مكرهم لتزول (^٣) منه الجبال) (^٤).\nقال أبو إسحاق: وكذلك هي قراءة عبد الله (وإن كاد مكرهم) (^٥).\nقلت: وكذا روي عن أُبي بن كعب وعمر بن الخطاب ﵄ أنهما قرآ (وإن كاد) (^٦) كما قرأ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد، وفيه أيضًا الحسين وهو ابن داود وهو ضعيف.\n(^٢) هذه القراءة شاذة تفسيرية.\n(^٣) وهي قراءة متواترة.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به بنحوه، وفي سنده عبد الرحمن وهو ابن أذُنان ذكره البخاري (التاريخ الكبير ٥/ ٢٥٥)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٥/ ٢١٠) وسكتا عنه، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٨٧).\n(^٥) (^٦) هذه القراءة نسبها أبو حيان إلى أُبي بن كعب وعمر بن الخطاب وأبي إسحاق السبيعي وابن مسعود (البحر المحيط ٥/ ٤٣٧) وهي قراءة شاذة تفسيرية.","vol":"4","page":629},{"text":"علي، وكذا رواه سفيان الثوري وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن [أذنان] (^١)، عن علي … فذكر نحوه (^٢)، وكذا روي عن عكرمة أن سياق هذه القصة للنمروذ ملك كنعان أنه رام أسباب السماء بهذه الحيلة والمكر، كما رام فرعون ملك القبط في بناء الصرح فعجزا وضعفا، وهما أقل وأحقر وأصغر وأدحر.\nوذكر مجاهد هذه القصة عن بختنصر، وأنه لما انقطع بصره عن الأرض وأهلها، نودي أيها الطاغية أين تريد؟ ففرق ثم سمع الصوت فوقه، فصوب الرماح فصوبت النسور، ففزعت الجبال من هدتها، وكادت الجبال أن تزول من حسِّ ذلك، فذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (^٣).\nونقل ابن جريج عن مجاهد أنه قرأها (لَتزولُ منه الجبال) بفتح اللام الأولى وضم الثانية (^٤)، وروى العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال (^٥). وكذا قال الحسن البصري (^٦)، ووجهه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم من شركهم بالله وكفرهم به، ما ضر شيئًا من الجبال ولا غيرها، وإِنما عاد وبال ذلك عليهم.\nقلت: ويشبه هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ [الإسراء]، والقول الثاني في تفسيرها ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يقول: شركهم، كقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ الآية [مريم: ٩٠] (^٧)، وهكذا قال الضحاك وقتادة (^٨).\n\n<span id=\"aya-1797\"></span>\n\n<span id=\"aya-1798\"></span>﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾.\nيقول تعالى مقررًا لوعده ومؤكدًا: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي: من نصرتهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ثم أخبر تعالى أنه ذو عزة لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يغالب، وذو انتقام ممن كفر به وجحده ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ [الطور]، ولهذا قال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أي: وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض، وهي هذه على غير الصفة المألوفة المعروفة، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي حازم، عن سهل بن\n_________\n(^١) كذا في تفسير الطبري وكذا تُرجم له كما تقدم، وفي الأصل صحّف إلى: \"أرباب\".\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وفيه عبد الرحمن بن أذنان تقدم.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق أبي نجيح عن مجاهد بنحوه، وسنده صحيح إلى مجاهد لكنه مرسل.\n(^٤) قد أخرجه الطبري بسنده ضعيف عن ابن جريج به والقراءة متواترة كما تقدم.\n(^٥) سنده ضعيف لضعف العوفي والرواة عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٨) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.","vol":"4","page":630},{"text":"سعد قال: قال رسول الله ﷺ: \"يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقيّ ليس فيها مَعلَم لأحد\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة أنها قالت: أنا أول الناس سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قالت: قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: \"على الصراط\" (^٢)، رواه مسلم منفردًا به دون البخاري (^٣)، والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن أبي هند به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٤)، ورواه أحمد أيضًا عن عفان، عن وهيب، عن داود، عن الشعبي عنها، ولم يذكر مسروقًا (^٥).\nوقال قتادة، عن حسان بن بلال المُزني، عن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن قول الله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قالت: قلت: يا رسول الله، فأين الناس يومئذٍ؟ قال: \"لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي، ذاك أن الناس على جسر جهنم\" (^٦).\nوروى الإمام أحمد من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد، عن ابن عباس: حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فأين الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: \"هم على متن جهنم\" (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثنا الحسن، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا القاسم، سمعت الحسن قال: قالت عائشة: يا رسول الله ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ فأين الناس يومئذٍ؟ قال: \"إن هذا شيء ما سألني عنه أحد - قال:- على الصراط يا عائشة\" (^٨).\nورواه أحمد عن عفان، عن القاسم بن الفضل، عن الحسن به (^٩).\nوقال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثني الحسن بن علي الحلواني، حدثني أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد - يعني أخاه - أنه سمع أبا سلام، حدثني أبو أسماء الرحبي، أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدثه قال: كنت نائمًا عند رسول الله ﷺ، فجاءه\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة (ح ٦٥٢١)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب في البعث والنشور (ح ٢٧٩٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٥) وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه مسلم من طريق علي بن مسهر عن داود به (الصحيح، صفات المنافقين، باب في البعث والنشور ح ٢٧٩١).\n(^٤) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة إبراهيم (ح ٣١٢٠)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب ذكر البعث (ح ٤٢٧٩).\n(^٥) المسند ٦/ ١٣٤.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق سعيد عن قتادة به في آخر تفسير الآية المذكورة، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد من طريق عنبسة بن سعيد عن حبيب بن أبي عمره به، وصحح سنده محققوه (المسند ٤٢/ ٣٤٩، ٣٥٠ ح ٢٤٨٥٦).\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لعدم سماع الحسن من عائشة ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد عن عفان به (المسند ٦/ ١٠١)، وحكمه كسابقه.","vol":"4","page":631},{"text":"حَبرٌ من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ: \"إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي\" فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال رسول الله ﷺ: \"أينفعك شيئًا إن حدثتك؟ \" قال: أسمع بأذني، فنكت (^١) رسول الله ﷺ بعود معه فقال: \"سل\" فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ: \"هم في الظلمة دون الجسر\" قال: فمن أول الناس إجازة (^٢)؟ فقال: \"فقراء المهاجرين\"، فقال اليهودي: فما تُحفتهُم حين يدخلون الجنة؟ قال: \"زيادة كبد الحوت\" قال: فما غذائهم في أثرها؟ قال: \"ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها\" قال: فما شرابهم عليه؟ قال: \"من عين فيها تسمى سلسبيلًا\". قال: صدقت، قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: \"أينفعك إن حدثتك؟ \" قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد، قال: \"ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا منيّ الرجل منيّ المرأة، أذكرا (^٣) بإِذن الله تعالى، وإذا علا منيّ المرأة منيّ الرجل، أنثا بإذن الله\" قال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف، فقال رسول الله ﷺ: \"لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به\" (^٤).\nقال أبو جعفر بن جرير الطبري: حدثنا ابن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي، عن أبي أيوب الأنصاري أن حبرًا من اليهود سأل النبي ﷺ فقال: أرأيت إذ يقول الله تعالى في كتابه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: \"أضياف الله فلن يعجزهم ما لديه\" (^٥). ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به (^٦).\nوقال شعبة: أخبرنا أبو إسحاق، سمعت عمرو بن ميمون، وربما قال: قال عبد الله، وربما لم يقل، فقلت له عن عبد الله فقال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: أرض كالفضة البيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي حفاة عراة كما خلقوا، قال: أراه قال: قيامًا حتى يُلجِمهم العرق (^٧). وروي من وجه آخر عن شعبة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود بنحوه، وكذا رواه عاصم عن زرّ، عن ابن مسعود به. وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: لم يخبر به (^٨)، أورد ذلك كله ابن جرير (^٩).\n_________\n(^١) أي: ضرب بالعود الأرض.\n(^٢) أي: الجواز والعبور.\n(^٣) أي: كان الولد ذكرًا بإذن الله تعالى.\n(^٤) صحيح مسلم، الحيض، باب صفة مني الرجل والمرأة … (ح ٣١٥).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن أبي مريم، وهو أبو بكر بن عبد الله.\n(^٦) سنده ضعيف كسابقه.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق يحيى بن عباد عن شعبة به، وفيه ترد أبي إسحاق، ولكنه جزم في روايات أخرى أنه رواه عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الثوري عن أبي إسحاق به.\n(^٩) أخرجها كلها الطبري مما تؤكد صحة الرواية.","vol":"4","page":632},{"text":"وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، حدثنا سهل بن حماد أبو عتاب، حدثنا جرير بن أيوب، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، عن النبي ﷺ في قول الله ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: \"أرض بيضاء لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها خطيئة\" ثم قال: لا نعلم رفعه إلا جرير بن أيوب، وليس بالقوي (^١).\nثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سنان، عن جابر الجعفي، عن أبي جبيرة، عن زيد قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى اليهود فقال: \"هل تدرون لم أرسلت إليهم؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"فإني أرسلت إليهم أسألهم عن قول الله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ إنها تكون يومئذ بيضاء مثل الفضة\" فلما جاءوا سألهم، فقالوا: تكون بيضاء مثل النقي (^٢) (^٣)، وهكذا روي عن علي وابن عباس وأنس بن مالك ومجاهد بن جبر أنها تبدل يوم القيامة بأرض بيضاء من فضة (^٤).\nوعن علي ﵁ أنه قال: تصير الأرض فضة والسماوات ذهبًا (^٥).\nوقال الربيع، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب، قال: تصير السماوات جنانًا (^٦).\nوقال أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي أو عن محمد بن قيس في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم (^٧)، وكذا روى وكيع، عن عمر بن بشير الهمداني، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه (^٨).\nوقال الأعمش: عن خيثمة قال: قال عبد الله بن مسعود: الأرض يوم القيامة كلها نار، والجنة من ورائها ترى كواعبها، وأكوابها، ويلجم الناس العرق أو يبلغ منهم العرق، ولم يبلغوا الحساب (^٩). وقال الأعمش أيضًا، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن قال: قال عبد الله: الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، والذي نفس عبد الله بيده، إن الرجل ليفيض عرقًا حتى ترسخ في الأرض قدمه، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه وما مسَّه الحساب، قالوا: ممَّ ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى الناس ويلقون (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (المسند ٥/ ٢٤٦ ح ١٨٥٩)، وسنده ضعيف، قال الهيثمي: وفيه جرير بن أيوب البجلي وهو متروك (مجمع الزوائد ٧/ ٤٨) ويشهد له ما تقدم.\n(^٢) أي: الخبز الأبيض.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي، ويشهد له ما سبق.\n(^٤) أخرج هذه الروايات بأسانيد تؤكد على ثبوته وتشهد لسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مجهول عن علي.\n(^٦) سنده جيد.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق وكيع عن أبي معشر به، وسنده ضعيف لضعف أبي معشر.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عمر بن بشير الهمداني عن سعيد بن جبير.\n(^٩) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وفيه خيثمة وهو ابن عبد الرحمن لم يسمع من ابن مسعود شيئًا، هكذا قال الإمام أحمد (جامع التحصيل ص ٢٠٩)، ولكنه توبع بواسطة قيس بن السكن كما في الرواية التالية.\n(^١٠) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وسنده حسن.","vol":"4","page":633},{"text":"وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن [أبي العالية، عن أُبي بن] (^١) كعب في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قال: تصير السماوات جنانًا، ويصير مكان البحر نارًا، وتبدل الأرض غيرها (^٢).\nوفي الحديث الذي رواه أبو داود: \"لا يركب البحر إلا غاز\" أو حاج أو معتمر، فإن تحت البحر نارًا - أو تحت النار بحرًا -\" (^٣).\nوفي حديث الصور المشهور المروي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"يبدل الله الأرض غير الأرض والسماوات فيبسطها ويمدها مد الأديم (^٤) العكاظي، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة\" (^٥).\nوقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ أي: خرجت الخلائق جميعها من قبورهم لله ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي قهر كل شيء وغلبه ودانت له الرقاب، وخضعت له الألباب.\n\n<span id=\"aya-1799\"></span>﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ وتبرز الخلائق لديانها، ترى يا محمد يومئذٍ المجرمين وهم الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أي: بعضهم إلى بعض قد جمع بين النظراء أو الأشكال منهم كل صنف إلى صنف، كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] وقال: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير] وقال: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ [الفرقان] وقال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ [ص] والأصفاد: هي القيود، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والأعمش وعبد الرحمن بن زيد (^٦)، وهو مشهور في اللغة، قال عمرو بن كلثوم:\nفآبوا [بالنهاب] (^٧) وبالسبايا … وأُبنا بالملوك مصفَّدينا (^٨)\n_________\n(^١) في الأصول الخطية والنسخ المطبوعة وتفسير الطبري: \"عن الربيع بن أنس عن كعب\"، وما أُثبت هو الصواب إذ تكرر السند وجزء من المتن قبل عشرة سطور، وكذلك ورد في الدر المنثور إذ قال: وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أُبي بن كعب …\n(^٢) وسنده جيد.\n(^٣) أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ (السنن، الجهاد، باب في ركوب البحر في الغزو ح ٢٤٨٩)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٤٧٨).\n(^٤) أي: الجلد.\n(^٥) تقدم تخريجه وضعفه مطولًا في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه بلفظ: في وثاق، وقول الأعمش أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف ويتقوي بما سبق، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٧) كذا في (مح) وتفسير الطبري وشرح القصائد التسع لابن النحاس ٢/ ٨٢٠، وشرح القصائد السبع ص ٤١٢، وفي الأصل و(حم) والطبعات جميعها بلفظ: \"بالثياب\"، وهو تصحيف.\n(^٨) استشهد به الطبري.","vol":"4","page":634},{"text":"<span id=\"aya-1800\"></span>وقوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ أي: ثيابهم التي يلبسونها من قطران، وهو الذي تهنأ به الإبل، أي: تطلى قاله قتادة (^١)، وهو ألصق شيء بالنار.\nويقال فيه: قَطِران، بفتح القاف وكسر الطاء (^٢) وتسكينها، وبكسر القاف وتسكين الطاء، ومنه قول أبي النجم:\nكأن قطرانًا إذا تلاها … ترمي به الريح إلى مجراها (^٣)\nوكان ابن عباس يقول: القطران هنا النحاس المذاب، وربما قرأها (سرابيلهم من قطرٍ آن) أي: من نحاس حار قد انتهى حره (^٤)، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة (^٥).\nوقوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ كقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ [المؤمنون].\nوقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا يحيى بن إسحاق، أنبأنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد، عن أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"أربع من أمر الجاهلية لا يتركن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت، والنائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب\" (^٦). انفرد بإخراجه مسلم (^٧).\nوفي حديث القاسم عن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"النائحة إذا لم تتب توقف في طريق بين الجنة والنار سرابيلها من قطران وتغشى وجهها النار\" (^٨).\n\n<span id=\"aya-1801\"></span>وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ أي: يوم القيامة كما قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١].\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يحتمل أن يكون كقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء]، ويحتمل أنه في حال محاسبته لعبده سريع النجاز لأنه يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه خافية، وإن جميع الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم، كقوله تعالى: ﴿مَا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^٢) هذه هي القراءة المتواترة وما سواها المذكور بعدها شاذ.\n(^٣) ديوان أبي النجم ص ٨٣، واستشهد به الطبري بعد أن ذكر القراءات السابقة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس. والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٥) قول عكرمة أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بأسانيد يقول بعضها بعضًا، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق قتادة عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٤٢) وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه مسلم من طريق أبان به (الصحيح، الجنائز، باب التشديد في النياحة ح ٩٣٤).\n(^٨) أخرجه الطبراني من طريق عبيد الله بن زُحر عن علي بن يزيد عن القاسم به (المعجم الكبير ٨/ ٢٣٨ ح ٧٨١٨)، وقال الهيثمي: وفيه عبيد الله بن زُحر وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٣/ ١٧).","vol":"4","page":635},{"text":"خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] وهذا معنى قول مجاهد: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ إحصاء، ويحتمل أن يكون المعنيان مرادين، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1802\"></span>﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾.\nيقول تعالى: هذا القرآن بلاغ للناس، كقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] أي: هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجن كما قال في أول السورة: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١]، ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أي: ليتعظوا به ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: يستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ذوي العقول.\nآخر تفسير سورة إبراهيم ﵊، والحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.","vol":"4","page":636},{"text":"<span data-type='title' id=toc-123>سُوْرَةُ الحِجْرِ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-1803\"></span>﷽\n﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾.\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور.\n\n<span id=\"aya-1804\"></span>وقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، إخبار عنهم أنهم سيندمون على ما كانوا فيه من الكفر، ويتمنون لو كانوا في الدنيا مسلمين.\nونقل السدي في تفسيره بسنده المشهور عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة، أن كفار قريش لما عرضوا على النار تمنوا أن لو كانوا مسلمين (^١).\nوقيل: إن المراد أن كل كافر يود عند احتضاره أن لو كان مؤمنًا.\nوقيل: هذا إخبار عن يوم القيامة. كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾ [الأنعام]. وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله في قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ قال: هذا في الجهنميين إذا رأوهم يخرجون من النار (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا مسلم، حدثنا القاسم، حدثنا [ابن أبي جروة العبدي] (^٣) أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأولان هذه الآية ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ يتأولانها يوم يحبس الله أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار، قال: فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا، قال: فيغضب الله لهم بفضل رحمته فيخرجهم، فذلك حين يقول: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ (^٤).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف لأن السدي خلط فيه بين الصحيح والسقيم من الطرق.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وسنده صحيح.\n(^٣) كذا في تفسير الطبري وكذا ترجم له البخاري (التاريخ الكبير ٥/ ٣٧٦)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٥/ ٣١٤)، وفي الأصول الخطية وجميع النسخ المطبوعة صُحِّف إلى: \"ابن أبي فروة\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه ابن أبي جروة سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم كما في المصدرين السابقين وذكره ابن حبان في الثقات ٥/ ٦٧، ويشهد له الروايات اللاحقة، وأخرجه البيهقي من طريق القاسم به (البعث والنشور رقم ٨٢).","vol":"4","page":637},{"text":"وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن حماد، عن إبراهيم، وعن خُصيف، عن مجاهد قالا: يقول أهل النار للموحدين: ما أغنى عنكم إيمانكم؟ فإذا قالوا ذلك، قال الله: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، قال: فعند ذلك قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ (^١)، وهكذا روي عن الضحاك وقتادة وأبي العالية وغيرهم (^٢).\nوقد ورد في ذلك أحاديث مرفوعة، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن العباس هو الأخرم، حدثنا محمد بن منصور الطوسي، حدثنا صالح بن إسحاق الجهبذ - دلني عليه [يحيى] (^٣) بن معين - حدثنا معروف بن واصل، عن يعقوب بن أبي نباتة، عن عبد الرحمن الأغر، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن ناسًا من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قولكم: لا إلا الله وأنتم معنا في النار؟ فيغضب الله لهم فيخرجهم فيلقيهم في نهر الحياة، فيبرءون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه، ويدخلون الجنة ويسمون فيها الجهنميين\"، فقال رجل: يا أنس أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ فقال أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" نعم أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا، ثم قال الطبراني: (تفرد به الجهبذ) (^٤).\n(الحديث الثاني): قال الطبراني أيضًا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبو الشعثاء علي بن حسن الواسطي، حدثنا خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم الإسلام وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فسمع الله ما قالوا فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا. فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا - قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ \" (^٥) [الحجر: ١ - ٢]، ورواه ابن أبي حاتم من حديث خالد بن نافع به، وزاد فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم) عوض الاستعاذة (^٦).\n(الحديث الثالث): قال الطبراني أيضًا: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن راهويه،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وهو مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٢) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.\n(^٣) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (ح ٨٢٩٣) قال الهيثمي: وفيه من أعرفهم (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٨٠)، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٥) نسبه الهيثمي للطبراني وضعفه لضعف خالد بن نافع (مجمع الزوائد ٧/ ٤٨)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي الشعث به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٤٢)، وله شواهد سابقة.\n(^٦) سنده كسابقه.","vol":"4","page":638},{"text":"قال: قلت لأبي أُسامة: أحدثكم أبو روق، واسمه: عطية بن الحارث، حدثني صالح بن أبي طريق قال: سألت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذه الآية ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾؟ قال: نعم، سمعته يقول: \"يخرج الله ناسًا من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم\" وقال: \"لما أدخلهم الله النار مع المشركين، قال لهم المشركون: تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا فما بالكم معنا في النار؟ فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم، فتشفع لهم الملائكة والنبيون، ويشفع المؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله، فإذا رأى المشركون ذلك قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم - قال - فذلك قول الله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: يا رب أذهب عنا هذا الاسم، فيأمرهم فيغتسلون في نهر في الجنة فيذهب ذلك الاسم عنهم\"؟ فأقرّ به أبو أُسامة، وقال: نعم (^١).\n(الحديث الرابع): قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا العباس [بن] (^٢) الوليد النرسي، حدثنا مسكين أبو فاطمة، حدثني اليمان بن يزيد، عن محمد بن جبر، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \"منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، ومنهم من يمكث فيها شهرًا ثم يخرج منها، ومنهم من يمكث فيها ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثًا بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد الله أن يخرجهم منها قالت اليهود والنصارى ومَن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن وأنتم اليوم في النار سواء، فيغضب الله لهم غضبًا لم يغضبه لشيء فيما مضى، فيخرجهم إلى عين في الجنة، وهو قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ \" (^٣).\n\n<span id=\"aya-1805\"></span>وقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ تهديد شديد لهم ووعيد أكيد، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠].\nوقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾ [المرسلات]، ولهذا قال: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ أي: عن التوبة والإنابة ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: عاقبة أمرهم.\n\n<span id=\"aya-1806\"></span>\n\n<span id=\"aya-1807\"></span>﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾.\nيخبر تعالى أنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، وأنه لا يؤخر أُمة حان\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (ح ٨١٠٦)، وأخرجه ابن حبان من طريق عبد الله بن عمر بن أبان، عن أبي أُسامة به وصححه محققه شعيب الأرناؤوط (١٦/ ٤٥٧، ٤٥٨ ح ٧٤٣٢) وفيه صالح بن أبي طريف فيه مقال لكنه يتقوى بالشواهد السابقة ونسبه الهيثمي إلى الطبراني في المعجم الأوسط وقال: ورجاله رجال الصحيح غير بسام الصيرفي وهو ثقة (مجمع البحرين ح ٤٨٢٠)، وصحح سنده السيوطي كما في الدر المنثور، وصححه الألباني في ظلال الجنة (ح ٨٤٤).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحفت إلى: \"عن\".\n(^٣) وسنده ضعيف قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح وفيه جماعة مجاهيل (العلل المتناهية ٢/ ٤٥٦ ح ١٥٦٨)، وبعضه يتقوى بالشواهد السابقة المتعددة.","vol":"4","page":639},{"text":"هلاكها عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم، وهذا تنبيه لأهل مكة وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك.\n\n<span id=\"aya-1808\"></span>﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.\nيخبر تعالى عن كفرهم وعنادهم في قولهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أي: الذي تدعي ذلك ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: في دعائك إيانا إلى اتباعك وترك ما وجدنا عليه آباءنا\n\n<span id=\"aya-1809\"></span>\n\n<span id=\"aya-1810\"></span>﴿لَوْمَا﴾ أي: هلا ﴿تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ أي: يشهدون لك بصحة ما جئت به إن كنت من الصادقين، كما قال فرعون: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾ [الزخرف]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان]، وكذا قال في هذه الآية: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: بالرسالة والعذاب (^١).\n\n<span id=\"aya-1811\"></span>ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل.\nومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ على النبي ﷺ، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، والمعنى الأول: أولى وهو ظاهر السياق.\n\n<span id=\"aya-1812\"></span>\n\n<span id=\"aya-1813\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾.\nيقول تعالى مسليًا لرسوله ﷺ في تكذيب من كذبه من كفار قريش: إنه أرسل من قبله في الأمم الماضية، وإنه ما أتى أمة من رسول إلا كذبوه واستهزءوا به، ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين عاندوا واستكبروا عن اتباع الهدى.\n\n<span id=\"aya-1814\"></span>قال أنس والحسن البصري: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني: الشرك (^٢).\n\n<span id=\"aya-1815\"></span>وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من الهلاك والدمار، وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-1816\"></span>\n\n<span id=\"aya-1817\"></span>﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾.\nيخبر تعالى عن قوّة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق أنه لو فتح لهم بابًا من السماء\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) قول أنس نسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، وقول الحسن البصري أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حميد الطويل عنه.","vol":"4","page":640},{"text":"فجعلوا يصعدون فيه لما صدقوا بذلك، بل قالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾.\nقال مجاهد وابن كثير والضحاك: سدت أبصارنا (^١).\nوقال قتادة، عن ابن عباس: أخذت أبصارنا (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: شبه علينا وإنما سحرنا (^٣).\nوقال الكلبي: عميت أبصارنا (^٤).\nوقال ابن زيد: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾، السكران الذي لا يعقل (^٥).\n\n<span id=\"aya-1818\"></span>\n\n<span id=\"aya-1819\"></span>\n\n<span id=\"aya-1820\"></span>﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾.\nيذكّر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها وما زينها به من الكواكب الثوابت لمن تأمل وكرر النظر فيما يرى من العجائب والآيات الباهرات، ما يحار نظره فيه، وبهذا قال مجاهد وقتادة: البروج ههنا هي الكواكب.\n(قلت): وهذا كقوله ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان]. ومنهم من قال: البروج هي منازل الشمس والقمر.\nوقال عطية العوفي: البروج ههنا هي قصور الحرس (^٦). وجعل الشهب حرسًا لها من مردة الشياطين لئلا يسمعوا إلى الملأ الأعلى، فمن تمرَّد [وتقدم] (^٧) منهم لاستراق السمع جاءه شهاب مبين فأتلفه، فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه فيأخذها الآخر ويأتي بها إلى وليه، كما جاء مصرحًا به في الصحيح، كما قال البخاري في تفسير هذه الآية.\nحدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: \"إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان\". قال علي، وقال غيره: صفوان ينفذهم ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر، ووصف سفيان بيده، وفرج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضها فوق بعض، فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه، وربما لم يدركه حتى يرمي\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول ابن كثير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن جريج عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، ويتقوى بسابقيه.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق معمر عن قتادة به، وسنده منقطع لأن قتادة لم يسمع ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن الكلبي.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) سنده ضعيف لضعف العوفي والراوي عنه.\n(^٧) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"4","page":641},{"text":"بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يلقوها إلى الأرض، وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر أو الكاهن فيكذب معها مائة كذبة فيصدق، فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا؟ فوجدناه حقًا للكلمة التي سمعت من السماء (^١).\nثم ذكر تعالى خلقه الأرض ومده إياها وتوسيعها وبسطها، وما جعل فيها من الجبال الرواسي، والأودية والأراضي والرمال، وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة.\n\n<span id=\"aya-1821\"></span>وقال ابن عباس: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أي: معلوم (^٢)، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك ومجاهد والحكم بن عتيبة والحسن بن محمد وأبو صالح وقتادة.\nومنهم من يقول: مقدر بقدر (^٣).\nوقال ابن زيد: من كل شيء يوزن ويقدر بقدر (^٤).\nوقال ابن زيد: ما يزنه أهل الأسواق.\n\n<span id=\"aya-1822\"></span>وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ يذكر تعالى أنه صرفهم في الأرض في صنوف الأسباب والمعايش وهي جمع معيشة.\nوقوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال مجاهد: هي الدواب والأنعام (^٥).\nوقال ابن جرير: هم العبيد والإماء والدوابّ والأنعام (^٦)، والقصد أنه تعالى يمتنُّ عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب وصنوف المعايش، وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها، والأنعام التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورزقهم على خالقهم لا عليهم، فلهم هم المنفعة، والرزق على الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-1823\"></span>﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾.\nيخبر تعالى أنه مالك كل شيء وأن كل شيء سهل عليه يسير لديه، وأن عنده خزائن الأشياء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه دون لفظ: \"أو الكاهن\" (الصحيح، التفسير، سورة الحجر، باب ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ [الحجر] ح ٤٧٠١).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حصين عنه بلفظ ابن عباس، وقول عكرمة أخرجه سفيان الثوري بسند حسن من طريق خُصيف عنه بلفظ: \"بقدر\"، وقول أبي مالك وأبي صالح أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح أو عن أبي مالك بلفظ: \"بقدر\"، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: \"مقدور بقدر\"، وقول الحكم بن عتيبة أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن يونس عنه، وعبد الله بن يونس مجهول الحال (التقريب ص ٣٣٠) ويتقوى بما سبق، وقول الحسن بن محمد أخرجه الطبري وفيه عبد الله بن يونس فهو كسابقه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) ذكره الطبري بلفظه.","vol":"4","page":642},{"text":"من جميع الصنوف ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ كما يشاء وكما يريد، ولما له في ذلك من الحكمة البالغة والرحمة بعباده لا على جهة الوجوب بل هو كتب على نفسه الرحمة.\nقال يزيد بن أبي زياد، عن أبي جحيفة، عن عبد الله: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه بينهم حيث شاء عامًا ههنا وعامًا ههنا، ثم قرأ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾، رواه ابن جرير (^١).\nوقال أيضًا: حدثنا القاسم، حدثنا هشيم، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الحكم بن عتيبة في قوله: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ قال: ما عام بأكثر مطرًا من عام ولا أقل، ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون بما كان في البحر، قال: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس، وولد آدم يحصون كل قطرة حيث تقع وما تنبت (^٢).\nوقال البزار: حدثنا داود هو ابن بكير [التستري] (^٣)، حدثنا حيان بن أغلب بن تميم، حدثني أبي، عن هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئًا قال له: كن، فكان\" ثم قال: لا يرويه إلا أغلب وليس بالقوي، وقد حدث عنه غير واحد من المتقدمين، ولم يروه عنه إلا ابنه (^٤).\n\n<span id=\"aya-1824\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ أي: تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر فتفتح عن أوراقها وأكمامها، وذكرها بصيغة الجمع ليكون منها الإنتاج بخلاف الريح العقيم، فإنه أفردها ووصفها بالعقيم وهو عدم الإنتاج، لأنه لا يكون إلا من شيئين فصاعدًا.\nوقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال: ترسل الريح فتحمل الماء من السماء، ثم تمر السحاب حتى تدر كما تدر اللقحة (^٥). وكذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة (^٦).\nوقال الضحاك: يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء.\nوقال عُبيد بن عمير الليثي (^٧): يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قمًا، ثم يبعث الله المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر، ثم تلا ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (^٨).\nوقد روى ابن جرير من حديث عبيس بن ميمون، عن أبي المُهزِّم، عن أبي هريرة، عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق يزيد بن أبي زياد به، وسنده ضعيف لضعف يزيد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين وهو ابن داود ضعيف، ومتنه لا يؤخذ إلا عن صحابي.\n(^٣) زيادة من (حم).\n(^٤) سنده ضعيف لضعف أغلب بن تميم، قال البخاري: منكر الحديث (لسان الميزان ١/ ٤٦٤).\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وسنده حسن.\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عنه، ويتقوى بما يليه، إذ قول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الأعمش عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، ويتقوى بما سبق.\n(^٨) أخرجه الطبري وأبو الشيخ (العظمة ح ٧١٩) كلاهما بسند صحيح من طريق حبيب بن أبي ثابت عنه عُبيد بن عمير.","vol":"4","page":643},{"text":"النبي ﷺ قال: \"الريح الجنوب من الجنة، وهي [التي] (^١) ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس\" (^٢)، وهذا إسناد ضعيف.\nوقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني يزيد بن جُعْدُبة الليثي، أنه سمع عبد الرحمن بن مخراق يحدث عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله خلق في الجنة ريحًا بعد الريح بسبع سنين، وإن من دونها بابًا مغلقًا، وإنما يأتيكم الريح من ذلك الباب، ولو فتح لأذرت ما بين السماء والأرض من شيء، وهي عند الله الأذيب (^٣)، وهي فيكم الجنوب\" (^٤).\nوقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ أي: أنزلناه لكم عذبًا يمكنكم أن تشربوا منه لو نشاء جعلناه أجاجًا، كما نبه على ذلك في الآية الأخرى في سورة الواقعة، وهو قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ [الواقعة]، وفي قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾ [النحل].\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ قال سفيان الثوري: بمانعين (^٥)، ويحتمل أن المراد وما أنتم له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم ونجعله معينًا وينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبًا، وحفظه في العيون والآبار والأنهار وغير ذلك، ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم.\n\n<span id=\"aya-1825\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته، وأنه هو الذي أحيا الخلق من العدم، ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع، وأخبر أنه تعالى يرث الأرض ومن عليها، وإليه يرجعون،\n\n<span id=\"aya-1826\"></span>\n\n<span id=\"aya-1827\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ الآية.\nقال ابن عباس ﵄: المستقدمون: كل من هلك من لدن آدم ﵇، والمستأخرون من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة (^٦)، وروي نحوه عن عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة ومحمد بن كعب والشعبي وغيرهم (^٧)، وهو اختيار ابن جرير ﵀.\n_________\n(^١) الزيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن أبا المُهَزِّم متروك (التقريب ص ٦٧٦)، وضعف سنده أيضًا الحافظ ابن كثير.\n(^٣) الأذيب: أي السريع، ويقال: الأزيب، كما في الفائق للزمخشري.\n(^٤) أخرجه الحميدي بسنده ومتنه (المسند ١/ ٧٠ ح ١٢٩)، أخرجه البزار من طريق سفيان به، قال الحافظ ابن حجر: ويزيد بن جعدبة: كذاب (مختصر زوائد مسند البزار (٢/ ٢٦٢، ٢٦٣ ح ١٨٣٦).\n(^٥) ذكره الثوري في تفسيره، وأخرجه الطبري بسند صحيح عن الثوري.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس بنحوه.\n(^٧) قول عكرمة أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول مجاهد أخرجه الطبري من طريق خُصيف عنه ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لإبهام شيخ الطبري، وقول محمد بن كعب أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه أبو معشر، وهو السندي ضعيف.","vol":"4","page":644},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن رجل، عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ (^١).\nوقد ورد فيه حديث غريب جدًا، فقال ابن جرير: حدثني محمد بن موسى الجرشي، حدثنا نوح بن قيس، حدثنا عمرو بن قيس، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ قال: كانت تصلي خلف النبي ﷺ امرأة حسناء، قال ابن عباس: لا والله ما رأيت مثلها قط، وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا، يعني لئلا يروها، وبعض يستأخرون، فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ (^٢)، وكذا رواه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره، ورواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما، وابن ماجه من طرق عن نوح بن قيس الحداني (^٣)، وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما، وحكي عن ابن معين تضعيفه، وأخرجه مسلم وأهل السنن، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك، وهو النكري أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ في الصفوف في الصلاة ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (^٤). فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر، وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس، والله أعلم، وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن أبي معشر، عن أبيه أنه سمع [عون] (^٥) بن عبد الله يذكر محمد بن كعب في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ وأنها في صفوف الصلاة، فقال محمد بن كعب: ليس هكذا ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ الميت والمقتول ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ من يخلق بعد ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾ فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيرًا (^٦).\n\n<span id=\"aya-1828\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد بالصلصال ههنا التراب اليابس (^٧)، والظاهر أنه كقوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن مروان بن الحكم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ومشده ضعيف، نوح بن قيس: صدوق رمي بالتشيع (التقريب ص ٥٦٧) وروايته هذه مردودة لأنها لا تليق بمقام الصحابة ﵃ وقد تفرد بها.\n(^٣) المسند ١/ ٣٠٥، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الحجر (ح ٣١٢٢)، والسنن الكبرى، التفسير (ح ١١٢٧٣)، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب الخشوع في الصلاة (ح ١٠٤٦).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفي سنده أيضًا جعفر بن سليمان، وهو الضُّبعي وهو صدوق لكنه كان يتشيع (التقريب ص ١٤٠) وسنده كسابقه.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحّف إلى: \"عروب\".\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق محمد بن أبي معشر، به، وسنده ضعيف لضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن، وفيه أيضًا إرسال محمد بن كعب.\n(^٧) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير بلفظ: \"التراب المدقق\"، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مسلم البطين عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.","vol":"4","page":645},{"text":"﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ [الرحمن].\nوعن مجاهد أيضًا: ﴿صَلْصَالٍ﴾ المنتن (^١)، وتفسير الآية بالآية أولى.\nقوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ أي: الصلصال من حمأ، وهو الطين. والمسنون: الأملس، كما قال الشاعر (^٢):\nثم خاصرتها إلى القبة الخضـ … ــراء تمشي في مرمر مسنون\nأي: أملس صقيل، ولهذا روي، عن ابن عباس أنه قال: هو التراب الرطب (^٣).\nوعن ابن عباس ومجاهد أيضًا والضحاك: أن الحمأ المسنون هو المنتن (^٤). وقيل: المراد بالمسنون ههنا المصبوب.\n\n<span id=\"aya-1829\"></span>وقوله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل الإنسان ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ قال ابن عباس: هي السموم التي تقتل (^٥)، وقال بعضهم: السموم بالليل والنهار، ومنهم من يقول: السموم بالليل والحرور بالنهار.\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: دخلت على عمر الأصم أعوده، فقال: ألا أحدثك حديثًا سمعته من عبد الله بن مسعود، يقول: هذه السموم جزء من سبعين جزءًا من السموم التي خلق منها الجان، ثم قرأ ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ (^٦).\nوعن ابن عباس: أن الجان خلق من لهب النار (^٧)، وفي رواية: من أحسن النار.\nوعن عمرو بن دينار: من نار الشمس (^٨).\nوقد ورد في الصحيح: \"خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم\" (^٩). ومقصود الآية التنبيه على شرف آدم ﵇ وطيب عنصره وطهارة محتدة.\n\n<span id=\"aya-1830\"></span>\n\n<span id=\"aya-1831\"></span>\n\n<span id=\"aya-1832\"></span>\n\n<span id=\"aya-1833\"></span>\n\n<span id=\"aya-1834\"></span>\n\n<span id=\"aya-1835\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾.\nيذكر تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكته قبل خلقه وتشريفه إياه أمر الملائكة بالسجود له،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) هو عبد الرحمن بن حسان، وقد قاله في رملة بنت معاوية، كما في الشعر والشعراء ١/ ٤٨٤.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"من طين رطب\".\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق التميمي، وهو أربدة وهو ضعيف، عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق ابن داود به، وسنده صحيح وأخرجه الحاكم من طريق أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٧٤).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٨) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار.\n(^٩) أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂ (الصحيح، الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقة ح ٢٩٩٦).","vol":"4","page":646},{"text":"ويذكر تخلف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة حسدًا وكفرًا وعنادًا واستكبارًا وافتخارًا بالباطل، ولهذا قال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ كما قال في الآية الأخرى، [﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾] (^١) [الأعراف: ١٢] وقوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ [الإسراء].\nوقد روى ابن جرير ههنا أثرًا غريبًا عجيبًا من حديث شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما خلق الله الملائكة قال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [ص] قالوا: لا نفعل، فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى فقال لهم مثل ذلك، [فقالوا: لا نفعل، فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى فقال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾، فإِذا أنا خلقته فاسجدوا له فأبوا، فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة فقال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾، فإِذا أنا خلقته فاسجدوا له] (^٢) قالوا: سمعنا وأطعنا، إِلا إِبليس كان من الكافرين الأولين (^٣).\nوفي ثبوت هذا عنه بعد، والظاهر أنه إسرائيلي، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1836\"></span>\n\n<span id=\"aya-1837\"></span>\n\n<span id=\"aya-1838\"></span>\n\n<span id=\"aya-1839\"></span>\n\n<span id=\"aya-1840\"></span>﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾.\nيقول آمرًا لإبليس أمرًا كونيًا لا يخالف ولا يمانع بالخروج من المنزلة التي كان فيها من الملأ الأعلى، وأنه رجيم، أي مرجوم، وأنه قد أتبعه لعنة لا تزال متصلة به لاحقة له متواترة عليه إلى يوم القيامة.\nوعن سعيد بن جبير أنه قال: لما لعن الله إِبليس، تغيرت صورته عن صورة الملائكة، ورنَّ رنَّة، فكل رنَّة في الدنيا إلى يوم القيامة منها. رواه ابن أبي حاتم (^٤)، وأنه لما تحقق الغضب الذي لا مردَّ له، سأل من تمام حسده لآدم وذريته النظرة إلى يوم القيامة، وهو يوم البعث، وأنه أجيب إلى ذلك استدراجًا له وإِمهالًا، فلما تحقق النظرة، قبّحه الله.\n\n<span id=\"aya-1841\"></span>\n\n<span id=\"aya-1842\"></span>﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن إِبليس وتمرده وعتوه أنه قال للرب: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ قال بعضهم: أقسم بإِغواء الله له.\n(قلت): ويحتمل أنه بسبب ما أغويتني وأضللتني ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أي: لذرية آدم ﵇ ﴿فِي\n_________\n(^١) زيادة من (مح).\n(^٢) ما بين معقوفين زيادة من الطبري و(مح).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق أبي عاصم عن شبيب بن بشر به ومن الطريق نفسه أخرجه أبو الشيخ (العظمة ح ١٠٣٩)، واستغربه الحافظ ابن كثير، وبيّن أنه إسرائيلي.\n(^٤) سنده مرسل وفيه غرابة.","vol":"4","page":647},{"text":"الْأَرْضِ﴾ أي: أحبب إليهم المعاصي وأرغبهم فيها وأؤزهم إليها، وأزعجهم إليها إزعاجًا ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: كما أغويتني وقدرت عليّ ذلك ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ كما قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]\n\n<span id=\"aya-1843\"></span>قال الله تعالى له متهددًا ومتوعدًا: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: مرجعكم كلكم إليّ، فأجازيكم بأعمالكم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر]. وقيل: طريق الحق مرجعها إلى الله تعالى، وإليه تنتهي، قاله مجاهد والحسن وقتادة (^١)، كما قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].\nوقرأ قيس بن عبادة ومحمد بن سيرين وقتادة ﴿هذا صراط عليٌّ مستقيم﴾ (^٢)، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف] أي: رفيع، والمشهور القراءة الأولى.\n\n<span id=\"aya-1844\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: الذين قدرت لهم الهداية فلا سبيل لك عليهم ولا وصول لك إليهم ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ استثناء منقطع.\nوقد أورد ابن جرير ههنا من حديث عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن موهب، حدثنا يزيد بن قُسيط قال: كانت الأنبياء يكون لهم مساجد خارجة من قراهم، فإذا أراد النبي أن يستنبئ ربه عن شيء خرج إلى مسجده فصلى ما كتب الله له، ثم سأله ما بدا له، فبينا نبي في مسجده إِذ جاء عدو الله - يعني: إِبليس - حتى جلس بينه وبين القبلة، فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: فردَّد ذلك ثلاث مرات، فقال عدو الله: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟ فقال النبي: بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم مرتين؟ فأخذ كل واحد منهما على صاحبه، فقال النبي: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾. قال عدو الله: قد سمعت هذا قبل أن تولد. قال النبي: ويقول الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف]، وإني والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك. قال عدو الله: صدقت بهذا تنجو مني، فقال النبي: أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟ قال: آخذه عند الغضب والهوى (^٣).\n\n<span id=\"aya-1845\"></span>قوله ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ أي: جهنم موعد جميع من اتبع إِبليس، كما قال عن القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]،\n\n<span id=\"aya-1846\"></span>ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أي: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه، أجارنا الله منها، وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر عمله.\nقال إسماعيل بن عُلية وشعبة، كلاهما عن أبي هارون الغنوي، عن حطان بن عبد الله، أنه قال: سمعت علي بن أبي طالب وهو يخطب قال: إن أبواب جهنم هكذا - قال أبو هارون -\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن وقتادة أخرجه الطبري بسند حسن عنهما.\n(^٢) وهي قراءة متواترة قرأ بها يعقوب.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال يزيد بن قُسيط.","vol":"4","page":648},{"text":"أطباقًا بعضها فوق بعض (^١).\nوقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن علي ﵁ قال: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى تمتلئ كلها (^٢).\nوقال عكرمة: سبعة أبواب سبعة أطباق (^٣).\nوقال ابن جريج: سبعة أبواب: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية (^٤).\nوروى الضحاك عن ابن عباس نحوه (^٥)، وكذا روي عن الأعمش بنحوه أيضًا (^٦).\nوقال قتادة: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ هي والله منازل بأعمالهم (^٧)، رواهن ابن جرير.\nوقال جويبر، عن الضحاك ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ قال: باب لليهود، وباب للنصارى، وباب للصابئين، وباب للمجوس، وباب للذين أشركوا وهم كفار العرب، وباب للمنافقين، وباب لأهل التوحيد، فأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى لأولئك أبدًا (^٨).\nوقال الترمذي: حدثنا عبد بن حُميد، حدثنا عثمان بن عمر، عن مالك بن مِغول، عن حميد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سلَّ السيف على أمتي\" أو قال: \"على أمة محمد\" ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول (^٩).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عباس بن الوليد الخلال، حدثنا زيد - يعني: ابن يحيى -، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال: \"إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته (^١٠)، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه، منازلهم بأعمالهم، فذلك قوله: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ \" (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية به (المصنف ١٣/ ١٥٤) وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق شعبة به. وسنده صحيح أيضًا.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسرائيل به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جهضم عن عكرمة ويشهد له سابقه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا بسند حسن من طريق حجاج عن ابن جريج (صفة النار ص ٨) وسنده حسن إلى ابن جريج، ولكن مثل هذا المتن لا يؤخذ إلا بحديث مرفوع أوله حكم الرفع، وهذا ليس من ذلك القبيل.\n(^٥) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٦) حكم هذا القول كحكم القول في أثر ابن جريج.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة.\n(^٨) سنده ضعيف جدًا لأن جويبر متروك.\n(^٩) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير، باب ومن سورة الحجر ح ٣١٢٣).\n(^١٠) أي: معقد الإزار.\n(^١١) في سنده سعيد بن بشير وهو ضعيف، وقد تابعه شيبان بن عبد الرحمن في رواية مسلم لكن بدون ذكر الآية (صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب في شدة حر نار جهنم ح ٢٨٤٥/ ٣٣).","vol":"4","page":649},{"text":"<span id=\"aya-1847\"></span>﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾.\nلما ذكر تعالى حال أهل النار، عطف على ذكر أهل الجنة وأنهم في جنات وعيون.\n\n<span id=\"aya-1848\"></span>وقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ أي: سالمين من الآفات، مسلم عليكم ﴿آمِنِينَ﴾ أي: من كل خوف وفزع، ولا تخشوا من إخراج ولا انقطاع ولا فناء.\n\n<span id=\"aya-1849\"></span>وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ روى القاسم عن أُبي أُمامة قال: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن، حتى إِذا توافوا وتقابلوا نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل، ثم قرأ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ هكذا في هذه الرواية (^١)، والقاسم بن عبد الرحمن في روايته عن أبي أُمامة ضعيف.\nوقد روى سنيد في تفسيره: حدثنا ابن فضالة، عن لقمان، عن أبي أُمامة قال: لا يدخل الجنة مؤمن حتى ينزع الله ما في صدره من غل حتى ينزع منه مثل السبع الضاري (^٢). وهذا موافق لما في الصحيح من رواية قتادة: حدثنا أبو المتوكل الناجي أن أبا سعيد الخدري حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: \"يخلص المؤمن من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار. فيقتصُّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا، أُذن لهم في دخول الجنة\" (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا الحسن، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا هشام، عن محمد هو: ابن سيرين قال: استأذن الأشتر على علي ﵁، وعنده ابن لطلحة فحبسه ثم أذِن له، فلما دخل قال: إني لأراك إنما حبستني لهذا، قال: أجل، قال: إني لأراه لو كان عندك ابن لعثمان لحبستني وقال: أجل إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ (^٤).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا الحسن، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن أبي حبيبة مولى لطلحة قال: دخل عمران بن طلحة على علي ﵁ بعدما فرغ من أصحاب الجمل، فرحّب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾.\nوقال: ورجلان جالسان إلى ناحية البساط، فقالا: الله أعدل من ذلك تقتلهم بالأمس وتكونون إخوانًا، فقال علي ﵁: قومًا أبعد أرض وأسحقها، فمن هم إذًا إن لم أكن أنا وطلحة؟ وذكر أبو معاوية الحديث بطوله (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق بشر البصري عن القاسم بن عبد الرحمن به، وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الحسين بن داود، ولقبه سُنيد به، وسنيد فيه مقال، ويتقوى بالرواية اللاحقة.\n(^٣) صحيح البخاري، الرقاق، باب القصاص يوم القيامة (ح ٦٥٣٥).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه أبو حبيبة ترجم له البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير، الكنى ص ٢٤) ويشهد له سابقه.","vol":"4","page":650},{"text":"وروى وكيع، عن أبان بن عبد الله البجلي، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حِراش، عن علي نحوه، وقال فيه: فقام رجل من همدان فقال: الله أعدل من ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فصاح به علي صيحة، فظننت أن القصر تدهده لها، ثم قال: إذا لم نكن نحن فمن هم؟ (^١).\nوقال سعيد بن مسروق، عن أبي طلحة، وذكره وفيه: فقال الحارث الأعور ذلك، فقام إليه علي ﵁ فضربه بشيء كان في يده في رأسه، وقال فمن هم يا أعور إذا لم نكن نحن؟ وقال سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: جاء ابن جرموز قاتل الزبير يستأذن على علي ﵁ فحجبه طويلًا ثم أذن له فقال له: أما أهل البلاء فتجفوهم، فقال علي: بفيك التراب إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ وكذا روى الثوري عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بنحوه (^٢).\nوقال سفيان بن عيينة، عن إسرائيل، عن أبي موسى سمع الحسن البصري يقول: قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ (^٣).\nوقال كثير النوّاء: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي فقلت: وليي وليكم، وسلمي سلمكم، وعدوي عدوكم، وحربي حربكم، أنا أسألك بالله أتبرأ من أبي بكر وعمر؟ فقال: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] تولهما يا كثير فما أدركك فهو في رقبتي هذه، ثم تلا هذه الآية ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعلي ﵃ أجمعين (^٤).\nوقال الثوري، عن رجل، عن أبي صالح في قوله: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ قال: هم عشرة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة، والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الله بن مسعود، ﵃ أجمعين (^٥).\nوقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض (^٦)، وفيه حديث مرفوع:\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشير، حدثنا يحيى بن معين، عن إبراهيم [القرشي] (^٧)، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله ﷺ؛ فتلا هذه الآية ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ في الله ينظر بعضهم إلى بعض (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق والحاكم من طريق وكيع به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥٣).\n(^٢) أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما، وأحدهما يقوي الآخر.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق سفيان بن عيينة به، وسنده منقطع لأن الحسن لم يسمع من علي ﵁.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق إسماعيل الزبيدي عن كثير النوّاء به بدون الجملة الأخيرة ما بعد الآية، وسنده ضعيف لضعف كثير (التقريب ص ٤٥٩).\n(^٥) سنده ضعيف لإبهام شيخ الثوري.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) كذا في (حم)، وصحف في الأصل إلى: \"القومسي\".\n(^٨) أخرجه البخاري بهذا الإسناد وضعفه حيث قال: هذا إسناد مجهول لا يتابع عليه (التاريخ الصغير ١/ ٢٥٠).","vol":"4","page":651},{"text":"<span id=\"aya-1850\"></span>وقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ يعني: المشقة والأذى، كما جاء في الصحيحين: \"أن الله أمرني أن أبشّر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب\" (^١).\nوقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ كما جاء في الحديث: \"يقال: يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبدًا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبدًا\" (^٢).\nوقال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف].\n\n<span id=\"aya-1851\"></span>\n\n<span id=\"aya-1852\"></span>وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ أي: أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عذاب أليم، وقد تقدم ذكر نظير هذه الآية الكريمة، وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف، وذكر في سبب نزولها ما رواه موسى بن عبيدة عن مصعب بن ثابت قال: مرَّ رسول الله ﷺ على ناس من أصحابه يضحكون فقال: \"اذكروا الجنة واذكروا النار\"، فنزلت ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾. رواه ابن أبي حاتم، وهو مرسل (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، أخبرنا ابن المكي أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا مصعب بن ثابت، حدثنا عاصم بن عبيد الله، عن ابن أبي رباح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: طلع علينا رسول الله ﷺ من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال: \"ألا أراكم تضحكون\" ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال: \"إني لما خرجت جاء جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن الله يقول لك: لم تقنط عبادي؟ ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ \" (^٤).\nوقال سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)﴾ قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: \"لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورَّع من حرام، ولو يعلم العبد قدر عذاب الله لبخع (^٥) نفسه\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-1853\"></span>\n\n<span id=\"aya-1854\"></span>﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾.\nيقول تعالى: وأخبرهم يا محمد عن قصة ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ والضيف يطلق على الواحد والجمع\n_________\n(^١) صحيح البخاري، العمرة، باب متى يحل المعتمر؟ (ح ١٧٩٢) وصحيح مسلم فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة ﵂ (ح ٢٤٣٣).\n(^٢) صحيح مسلم، الجنة، باب دوام نعيم أهل الجنة (ح ٢٨٣٧).\n(^٣) إضافة إلى الإرسال فإن فيه موسى بن عبيدة ضعيف، ومصعب بن ثابت لين الحديث.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن مصعب بن ثابت لين الحديث (التقريب ص ٥٣٣).\n(^٥) أي: قتلها غيْظًا.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وسنده صحيح إلى قتادة لكنه مرسل.","vol":"4","page":652},{"text":"كالزور والسفر، وكيف ﴿دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون.\nوقد ذكر سبب خوفه منهم لما رأى أيديهم لا تصل إلى ما قرّبه إليهم من الضيافة، وهو العجل السمين الحنيذ\n\n<span id=\"aya-1855\"></span>﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ أي: لا تخف، (وبشروه بغلام عليم) أي: إسحاق ﵇، كما تقدم في سورة هود (^١)،\n\n<span id=\"aya-1856\"></span>ثم ﴿قَالَ﴾ متعجبًا من كبره وكبر زوجته ومتحققًا للوعد ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقًا وبشارة بعد بشارة\n\n<span id=\"aya-1857\"></span>\n\n<span id=\"aya-1858\"></span>﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥)﴾ وقرأ بعضهم: (القنطين) (^٢)، فأجابهم بأنه ليس يقنط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر وأسنَّت امرأته فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك.\n\n<span id=\"aya-1859\"></span>\n\n<span id=\"aya-1860\"></span>\n\n<span id=\"aya-1861\"></span>\n\n<span id=\"aya-1862\"></span>﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾.\nيقول تعالى إخبارًا عن إبراهيم ﵇ لما ذهب عنه الروع وجاءته البشرى، أنه شرع يسألهم عما جاءوا له، فقالوا: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعنون قوم لوط، وأخبروه أنهم سينجون آل لوط من بينهم إلا امرأته فإنها من المهلكين، ولهذا قالوا: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾ أي: الباقين المهلكين.\n\n<span id=\"aya-1863\"></span>\n\n<span id=\"aya-1864\"></span>\n\n<span id=\"aya-1865\"></span>﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤)﴾.\nيخبر تعالى عن لوط لما جاءته الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه، فدخلوا عليه داره قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣)﴾ يعنون بعذابهم وهلاكهم ودمارهم الذي كانوا يشكُّون في وقوعه بهم وحلوله بساحتهم\n\n<span id=\"aya-1866\"></span>﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقّ﴾ كما قال تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨]. وقوله: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تأكيد لخبرهم إياه بما أخبروه به من نجاته وإهلاك قومه.\n\n<span id=\"aya-1867\"></span>﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾.\nيذكر تعالى عن الملائكة أنهم أمروه أن يسري بأهله بعد مضي جانب من الليل، وأن يكون لوط ﵇ يمشي وراءهم ليكون أحفظ لهم، وهكذا كان رسول الله ﷺ يمشي في الغزو إنما يكون ساقة يزجي الضعيف ويحمل المنقطع (^٣).\n_________\n(^١) أي قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١].\n(^٢) هي قراءة شاذة قرأ بها الأعمش ورويت عن أبي عمرو في غير المتواتر (ينظر: البحر المحيط ٥/ ٤٥٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود من حديث جابر ﵁ بنحوه (السنن، الجهاد، باب لزوم الساقة ح ٢٦٣٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٢٩٨).","vol":"4","page":653},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تلتفتوا إليهم وذروهم فيما حلّ بهم من العذاب والنكال ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ كأنه كان معهم من يهديهم السبيل\n\n<span id=\"aya-1868\"></span>﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ أي: وقت الصباح، كقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١].\n\n<span id=\"aya-1869\"></span>﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾.\nيخبر تعالى عن مجيء قوم لوط لما علموا بأضيافه وصباحة وجوههم، وأنهم جاءوا مستبشرين بهم فرحين\n\n<span id=\"aya-1870\"></span>\n\n<span id=\"aya-1871\"></span>\n\n<span id=\"aya-1872\"></span>\n\n<span id=\"aya-1873\"></span>﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩)﴾، وهذا إنما قاله لهم قبل أن يعلم أنهم رسل الله، كما قال في سياق سورة هود، وأما ههنا فتقدم ذكر أنهم رسل الله وعطف بذكر مجيء قومه ومحاجته لهم، ولكن الواو لا تقتضي الترتيب ولا سيما إذا دل دليل على خلافه، فقالوا له مجيبين: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أو ما نهيناك أن تضيف أحدًا؟ فأرشدهم إلى نساءهم وما خلق لهم ربهم منهن من الفروج المباحة. وقد تقدم إيضاح القول في ذلك بما أغنى عن إعادته. هذا كله وهم غافلون عما يراد بهم وما قد أحاط بهم من البلاء وماذا يصبحهم من العذاب المستقر. ولهذا قال تعالى لمحمد ﷺ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض.\n\n<span id=\"aya-1874\"></span>قال عمرو بن مالك [النُّكري] (^١)، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمد ﷺ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ يقول: وحياتك وعمرك وبقاؤك في الدنيا ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. رواه ابن جرير (^٢).\nوقال قتادة: ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ أي: في ضلالهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يلعبون (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لعيشك ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال: يتمادون (^٤).\n\n<span id=\"aya-1875\"></span>﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾.\nيقول تعالى ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ وهي ما جاءهم به من الصوت القاصف عند شروق الشمس\n_________\n(^١) كذا ترجمته في التقريب (ص ٤٢٦) وأصوله، وفي النسخ الخطية صُحِّف إلى: \"البكري\".\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الحسن بن أبي جعفر عن عمرو بن مالك به، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.","vol":"4","page":654},{"text":"وهو طلوعها، وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء،\n\n<span id=\"aya-1876\"></span>ثم قلبها وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم، وقد تقدم الكلام على السجيل في [سورة] (^١) هود بما فيه كفاية (^٢).\n\n<span id=\"aya-1877\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ أي: إن آثار هذه النقم الظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قال: المتفرسين (^٣).\nوعن ابن عباس والضحاك: للناظرين (^٤).\nوقال قتادة: للمعتبرين (^٥).\nوقال مالك، عن بعض أهل المدينة: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ للمتأملين.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير العبدي، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ: \"اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله\" ثم قرأ النبي ﷺ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ رواه الترمذي وابن جرير من حديث عمرو بن قيس الملائي، عن عطية، عن أبي سعيد، وقال الترمذي: لا نعرفه إلّا من هذا الوجه (^٦).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مهران، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله\" (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثني أبو شرحبيل الحمصي، حدثنا سليمان بن سلمة، حدثنا المؤمل بن سعيد بن يوسف الرحبي، حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي، حدثنا وهب بن منبه، عن طاوس بن كيسان، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"احذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله وبتوفيق الله\" (^٨).\nوقال أيضًا: حدثنا عبد الأعلى بن واصل، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا عبد الواحد بن واصل، حدثنا أبو بشر المزلق، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ: \"إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم\" (^٩)، [ورواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) في تفسير الآية رقم ٨٢.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، ويتقوى بسابقه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري والترمذي من طريق عمرو بن قيس به (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الحجر ح ٢١٢٥) وفي سنده عطية وهو العوفي: ضعيف، وضعف سنده الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ١٨٢١) وله شواهد في الروايات الأربع التالية ويتقوى بها.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن الفرات بن السائب منكر الحديث (التاريخ الكبير ٧/ ١٣٠).\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف (السلسلة الضعيفة ح ١٨٢١).\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحسنه السخاوي (المقاصد الحسنة ص ٢٠ ح ٢٣) وحسنه أيضًا الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٦٩٣). وانظر تحسين الحديث التالي.","vol":"4","page":655},{"text":"بحر، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا أبو بشر يقال له: ابن المزلق، قال: وكان ثقة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم] (^١) \" (^٢).\n\n<span id=\"aya-1878\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ أي: وإن قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي والقذف بالحجارة، حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة بطريق مهيع مسالكه مستمرة إلى اليوم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ [الصافات].\nوقال مجاهد والضحاك: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ قال: معلم (^٣).\nوقال قتادة: بطريق واضح (^٤).\nوقال قتادة أيضًا: بصقع من الأرض واحد.\nوقال السدي: بكتاب مبين، يعني كقوله: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] ولكن ليس المعنى على ما قال ههنا، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1879\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ أي: إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار وإنجائنا لوطًا وأهله لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسوله.\n\n<span id=\"aya-1880\"></span>﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾.\nأصحاب الأيكة: هم قوم شعيب.\nقال الضحاك وقتادة وغيرهما: الأيكة: الشجر الملتف (^٥).\nوكان ظلمهم بشركهم بالله وقطعهم الطريق ونقصهم المكيال والميزان،\n\n<span id=\"aya-1881\"></span>فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة، وقد كانوا قريبًا من قوم لوط بعدهم في الزمان، ومسامتين لهم في المكان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: طريق مبين.\nقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيره: طريق ظاهر (^٦)، ولهذا لما أنذر شعيب قومه قال في نذارته إياهم: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩].\n_________\n(^١) ما بين معقوفين زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه، وحسنه الحافظ ابن حجر (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٥٠٦ ح ٢٣٠٢) وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٦٨).\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عمرو بن عبد الله عنه ومعناه صحيح، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، بنحوه.\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي ويتقوى برواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"على الطريق\"، أخرجه الطبري أيضًا، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: \"بطريق مَعْلَم\"، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري بنحوه.","vol":"4","page":656},{"text":"<span id=\"aya-1882\"></span>﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾.\nأصحاب الحجر هم ثمود الذين كذبوا صالحًا نبيهم ﵇، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين، ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين،\n\n<span id=\"aya-1883\"></span>وذكر تعالى أنه أتاهم من الآيات ما يدلهم على صدق ما جاءهم به صالح كالناقة التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء، وكانت تسرح في بلادهم لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، فلما عَتوا وعقروها قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].\n\n<span id=\"aya-1884\"></span>وذكر تعالى أنهم ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢)﴾ أي: من غير خوف ولا احتياج إليها بل أشرًا وبطرًا وعبثًا كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر الذي مرّ به رسول الله ﷺ وهو ذاهب إلى تبوك، فقنع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: \"لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكو فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم\" (^١).\n\n<span id=\"aya-1885\"></span>وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣)﴾ أي: وقت الصباح من اليوم الرابع\n\n<span id=\"aya-1886\"></span>﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾ أي: ما كانوا يستغلونه من زروعهم وثمارهم التي ضنوا بمائها عن الناقة حتى عقروها لئلا تضيق عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلك الأموال ولا نفعتهم لما جاء أمر ربك.\n\n<span id=\"aya-1887\"></span>﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ أي: بالعدل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون].\nثم أخبر نبيه بقيام الساعة وأنها كائنة لا محالة، ثم أمره بالصفح الجميل عن المشركين في أذاهم له وتكذيبهم ما جاءهم به، كقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [الزخرف].\nوقال مجاهد وقتادة وغيرهما: كان هذا قبل القتال (^٢)، وهو كما قالا، فإن هذه مكية والقتال إنما شرع بعد الهجرة.\n\n<span id=\"aya-1888\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ تقرير للمعاد وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة، فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق شيء، العليم بما تمزق من الأجساد وتفرق في سائر أقطار الأرض،\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر ﵄ بنحوه تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٧٣.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جابر وهو الجعفي: وهو ضعيف، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، لكنه مرسل.","vol":"4","page":657},{"text":"كقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس].\n\n<span id=\"aya-1889\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: كما آتيناك القرآن العظيم فلا تنظرنّ إلى الدنيا، وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه، فلا تغبطهم بما هم فيه، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات حزنًا عليهم في تكذيبهم لك ومخالفتهم دينك، ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء] أي ألِن لهم جانبك، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة].\nوقد اختلف في السبع المثاني ما هي؟ فقال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم: هي السبع الطوال (^١)؛ يعنون: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، ويونس، نصَّ عليه ابن عباس وسعيد بن جبير.\nوقال سعيد: بيَّن فيهنَّ الفرائض والحدود والقصص والأحكام (^٢).\nوقال ابن عباس: بيَّن الأمثال والخبر والعِبر (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: المثاني: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة سورة واحدة (^٤).\nقال ابن عباس: ولم يعطهن أحد إلا النبي ﷺ، وأعطي موسى منهن ثنتين، رواه هشيم، عن الحجاج، عن الوليد بن العيذار، عن سعيد بن جبير عنه (^٥).\nوقال الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أوتي النبي ﷺ سبعًا من المثاني الطوال، وأوتي موسى ﵇ ستًا، فلما ألقى الألواح ارتفع اثنتان وبقيت أربع (^٦).\n_________\n(^١) قول ابن مسعود أخرجه الطبري من طريق محمد بن سيرين عنه، وابن سيرين لم يسمع ابن مسعود، وقول ابن عمر أخرجه الطبري من طريق رجل مجهول عنه، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول سعيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٤) سنده صحيح إلى سفيان.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وفي سنده الحجاج وهو ابن أرطأة: وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس (التقريب ١٥٢) ولكن يتقوى بالرواية الصحيحة التالية.\n(^٦) أخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، باب من قال: هي من الطول ح ١٤٥٩) والحاكم كلاهما عن الأعمش به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٢٩٥).","vol":"4","page":658},{"text":"وقال مجاهد: هي السبع الطوال، ويقال: هي القرآن العظيم (^١).\nوقال خُصيف، عن زياد بن أبي مريم في قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: أعطيتك سبعة أجزاء آمُرْ، وأَنهَ، وأبشر، وأنذر، وأضرب الأمثال، وأعدِّد النعم، [وآتيتك] (^٢) بنبأ القرآن. رواه ابن جرير (^٣)، وابن أبي حاتم.\n(والقول الثاني): أنها الفاتحة، وهي سبع آيات. وروي ذلك عن علي وعمر وابن مسعود وابن عباس، قال ابن عباس: والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصَّكم الله بها (^٤)، وبه قال إبراهيم النخعي، وعبد الله بن عبيد بن عُمير، وابن أبي مليكة، وشهر بن حوشب، والحسن البصري، ومجاهد (^٥).\nوقال قتادة: ذكر لنا أنهنَّ فاتحة الكتاب وأنهنَّ يُثنين في كل ركعة مكتوبة أو تطوع (^٦). واختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد قدمناها في فضائل سورة الفاتحة في أول التفسير، ولله الحمد، وقد أورد البخاري ﵀ ههنا حديثين:\n(أحدهما): قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلَّى قال: مرَّ بي النبي ﷺ وأنا أصلي فدعاني فلم آته حتى صليت فأتيته، فقال: \"ما منعك أن تأتيني؟ \" فقلت: كنت أصلي، فقال: \"ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ألا أعلمك سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد\" فذهب النبي ﷺ ليخرج فذكرت، فقال: \" ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة] هي السبع المثاني والقرآن الذي أوتيته\" (^٧).\n(والثاني): قال: حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم\" (^٨).\nفهذه نصٌّ في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف غيرها من السبع الطوال بذلك، لما فيها من هذه الصفة كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضًا، كما\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن مجاهد.\n(^٢) كذا في (مح) ونسخ الطبري المطبوعة والمحققة، وفي الأصل (وحم) والنسخ المطبوعة من تفسير ابن كثير بلفظ: \"وانبئك\".\n(^٣) أخرجه الطبري والبيهقي (شعب الإيمان ح ٢٤٢١) كلاهما من طريق عتاب بن بشير عن خُصيف به، وعتاب وخصيف كلاهما كثير الخطأ.\n(^٤) قول علي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد بن خير عنه، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه عبد العزيز بن جريج لين (التقريب ص ٣٥٦)، وقول ابن مسعود أخرجه الطبري بسند ضعيف.\n(^٥) هذه الأثار أخرجها الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وهذا القول هو الراجح كما سيأتي دليله من الأحاديث الصحيحة.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن الضريس (فضائل القرآن ١٥١) كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وهو سند صحيح لكنه مرسل ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٧) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر] (ح ٤٧٠٣).\n(^٨) المصدر السابق (ح ٤٧٠٤).","vol":"4","page":659},{"text":"قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] فهو مثاني من وجه ومتشابه من وجه، وهو القرآن العظيم أيضًا، كما أنه ﵊ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قباء، فلا تنافي، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1890\"></span>وقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي: استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية، ومن ههنا ذهب ابن عيينة إلى تفسير الحديث الصحيح (^١): \"ليس منا من لم يتغن بالقرآن\" (^٢) إلى أنه يستغني به عما عداه، وهو تفسير صحيح ولكن ليس هو المقصود من الحديث كما تقدم في أول التفسير.\nوقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن وكيع بن الجراح، حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي رافع صاحب النبي ﷺ قال: أضاف النبي ﷺ ضيفًا ولم يكن عند النبي ﷺ شيء يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: \"يقول لك محمد رسول الله: أسلفني دقيقًا إلى هلال رجب\" قال: لا، إلا برهنٍ، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: \"أما والله إني لأمين من في السماء وأمين من في الأرض، ولئن أسلفني أو باعني لأؤدين إليه\" فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. . .﴾ إلى آخر الآية [طه: ١٣١]، كأنه يعزيه عن الدنيا (^٣).\nقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ قال: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه (^٤).\nوقال مجاهد: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ هم الأغنياء (^٥).\n\n<span id=\"aya-1891\"></span>\n\n<span id=\"aya-1892\"></span>﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.\nيأمر تعالى نبيه ﷺ أن يقول للناس: ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ البيِّن النذارة، نذير للناس من عذاب أليم أن يحل بهم على تكذيبه كما حل بمن تقدمهم من الأمم المكذبة لرسلها، وما أنزل الله عليهم من العذاب والانتقام.\nوقوله: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ أي: المتحالفين؛ أي: تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم، كقوله تعالى إخبارًا عن قوم صالح أنهم ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ الآية [النمل: ٤٩] أي: نقتلهم ليلًا.\nقال مجاهد: تقاسموا: تحالفوا (^٦). ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبري معلقًا عن ابن عُيينة.\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: ١٣] ح ٧٥٢٧).\n(^٣) سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة، وكذلك رواه ابن أبي حاتم معلقًا عن وكيع.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.","vol":"4","page":660},{"text":"[النحل: ٣٨] ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٩] فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء من الدنيا إلا أقسموا عليه فسموا مقتسمين.\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقتسمون أصحاب صالح الذين تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله (^١).\nوفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: \"إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-1893\"></span>وقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ أي: جزءوا كتبهم المنزلة عليهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.\nقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل الكتاب جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه (^٣).\nحدثنا عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾ قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض اليهود والنصارى (^٤).\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والحسن والضحاك وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم نحو ذلك (^٥).\nوقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: السحر (^٦).\nوقال عكرمة: العضه: السحر، بلسان قريش تقول للساحرة: إنها العاضهة (^٧).\nوقال مجاهد: عضوه أعضاء (^٨)، قالوا: سحر، وقالوا: كهانة، وقالوا: أساطير الأولين.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن، واستشهد عبد الرحمن بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل].\n(^٢) صحيح البخاري، الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ (ح ٧٢٨٣)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمته (ح ٢٢٨٣).\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ [الحجر] (ح ٤٧٠٥).\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ [الحجر] (ح ٤٧٠٦).\n(^٥) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عن مجاهد والحسن وعكرمة وسعيد بن جبير.\n(^٦) سنده حسن وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن عكرمة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن عكرمة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"سحرًا أعضاءً\".","vol":"4","page":661},{"text":"وقال عطاء: قال بعضهم: ساحر، وقالوا: مجنون، وقال: كاهن، فذلك العضين (^١)، وكذا روي عن الضحاك وغيره (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا شرف فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا، فقالوا: وأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيًا نقول به، قال: بل أنتم قولوا لأسمع، قالوا: نقول: كاهن، قال: ما هو بكاهن، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون، قالوا: فنقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحر، قالوا: فماذا نقول؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، فما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا: هو ساحر، فتفرقوا عنه بذلك، وأنزل الله فيهم ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ أصنافًا\n\n<span id=\"aya-1894\"></span>\n\n<span id=\"aya-1895\"></span>﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ أولئك النفر الذين قالوا لرسول الله (^٣).\nوقال عطية العوفي، عن ابن عمر في قوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ قال: عن لا إله إلا الله (^٤).\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري، عن ليث هو: ابن أبي سُليم، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ قال: عن لا إله إلا الله (^٥).\nوقد روى الترمذي وأبو يعلى الموصلي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي، عن ليث بن أبي سُليم، عن بشير بن نُهيك، عن أنس، عن النبي ﷺ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ قال: عن لا إله إلا الله (^٦). ورواه ابن إدريس عن ليث، عن بشير، عن أنس موقوفًا (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق طلحة عن عطاء، ويشهد له ما سبق.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق فيه إبهام شيخ الطبري، ويشهد له ما سبق.\n(^٣) أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق به (دلائل النبوة ٢/ ١٩٩)، وسنده حسن سبق بحثه في مقدمة التفسير الصحيح، وأخرجه الحاكم من طريق أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٠٦).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق عطية العوفي به، وعطية فيه مقال وله شواهد لاحقة تقويه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفيه ليث بن أبي سليم فيه مقال، ولكنه توبع في تفسير الثوري فرواه عن أبيه عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الحجر ح ٣١٢٦)، والطبري وأبو يعلى (المسند ح ٤٠٥٨) كلهم من طريق ليث به وسنده ضعيف لسوء حفظ الليث تفرد برفعه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث ليث بن أبي سُليم.\n(^٧) ذكره الترمذي كما في المصدر السابق، وفيه أيضًا ليث.","vol":"4","page":662},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا أحمد، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك، عن هلال، عن عبد الله بن عكيم، قال: وقال عبد الله - هو ابن مسعود -: والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول: ابن آدم ماذا غرك مني بي؟ ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ (^١).\nوقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ قال: يسأل العباد كلهم عن خلَّتين يوم القيامة: عم كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين (^٢).\nوقال ابن عيينة: عن عملك وعن مالك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني (^٣)، عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"يا معاذ إن المرء يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعه، فلا ألفينَّك يوم القيامة واحد غيرك أسعد بما آتاك الله منك\" (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.\nثم قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن] قال: لا يسألهم: هل عملتم كذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لِمَ عملتم كذا وكذا (^٥)؟\n\n<span id=\"aya-1896\"></span>\n\n<span id=\"aya-1897\"></span>\n\n<span id=\"aya-1898\"></span>﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بإبلاغ ما بعثه به وبإنفاذه والصدع به، وهو مواجهة المشركين به، كما قال ابن عباس في قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: أمضه (^٦)، وفي رواية: افعل ما تؤمر (^٧).\nوقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة (^٨).\n_________\n(^١) أخرج الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الطبراني من طريق شريك به (المعجم الكبير ح ٨٨٩٩)، وفي سنده شريك فيه مقال.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق أبي جعفر به، وسنده جيد.\n(^٣) كذا في الأصل وفي (حم): \"الشيباني\".\n(^٤) أخرجه أبو نعيم من طريق أحمد بن أبي الحواري (الحلية ١٠/ ٣١) سنده ضعيف لأن أبا حمزة لم يسمع من معاذ ذكر هذا الحافظ ابن كثير كما سيأتي في تفسير سورة الفجر آية ١٤.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بسابقه.\n(^٨) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"4","page":663},{"text":"وقال أبو عبيدة، عن عبد الله بن مسعود: ما زال النبي ﷺ مستخفيًا حتى نزلت ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾، فخرج هو وأصحابه (^١).\nوقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ أي بلِّغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم] ولا تخفهم فإن الله كافيك إياهم وحافظك منهم، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عون بن كَهمس، عن يزيد بن درهم، عن أنس قال: سمعت أنسًا يقول في هذه الآية، ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قال: مرَّ رسول الله ﷺ فغمزه بعضهم فجاء جبريل، أحسبه قال: فغمزهم، فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة فماتوا (^٢).\nقال محمد بن إسحاق: كان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير خمسة نفر، وكانوا ذوي أسنان (^٣) وشرف في قومهم من بني أسد بن عبد العزى بن قصي الأسود بن المطلب أبي زمعة، كان رسول الله ﷺ فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه، فقال: \"اللَّهم أعمِ بصره، وأثكله ولده\" ومن بني زهرة الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، ومن بني مخزوم الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومن بني سهم ابن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد، ومن خزاعة الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد بن - عمرو بن ملكان -. فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء أنزل الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (^٤).\nوقال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء، أن جبريل أتى رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ إلى جنة، فمر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه، ومرَّ به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جرحٍ بأسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنتين، وهو يجز إزاره، وذلك أنه مرَّ برجل من خزاعة يريش نبلًا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش رجله ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتفض به فقتله، ومرَّ به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص قدمه (^٥) فخرج على حمار له يريد\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة به بدون ذكر ابن مسعود، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي.\n(^٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه ثم قال: تفرد به يزيد بن درهم عن أنس، ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن معين تضعيفه (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٨٩ ح ١٤٧٥).\n(^٣) أي: الأكابر.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به وحسنه السيوطي في الدر المنثور.\n(^٥) أي: باطن قدمه.","vol":"4","page":664},{"text":"الطائف، فربض على شبرقة (^١)، فدخلت في أخمص قدمه فقتلته، ومرّ به الحارث بن الطلاطلة، فأشار إلى رأسه فامتخط قيحًا فقتله (^٢).\nقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن رجل، عن ابن عباس قال: كان رأسهم الوليد بن المغيرة وهو الذي جمعهم (^٣)، وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة نحو سياق محمد بن إسحاق به، عن يزيد، عن عروة بطوله، إلا أن سعيدًا يقول: الحارث بن غيطلة، وعكرمة يقول: الحارث بن قيس (^٤).\nقال الزهري: وصدقا هو: الحارث بن قيس، وأُمه غيطلة (^٥)، وكذا روي عن مجاهد ومقسم وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا خمسة (^٦).\nوقال الشعبي: كانوا سبعة (^٧).\nوالمشهور الأول. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد لمن جعل مع الله معبودًا آخر.\n\n<span id=\"aya-1899\"></span>\n\n<span id=\"aya-1900\"></span>قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ أي: وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك ضيق صدر وانقباض فلا يهيدنك ذلك ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكَّل عليه فإنه كافيك وناصرك عليهم، فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة، ولهذا قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن [همّار] (^٨) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله تعالى: يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره\" (^٩)، ورواه أبو داود [والنسائي] (^١٠) من حديث مكحول عن كثير بن مرة بنحوه (^١١)، ولهذا كان\n_________\n(^١) بين الطبري الشبرق فقال: الشبرقة: المعروف بالحسك. والحسك: نبات له ثمرة خشنة تتعلق بأصواف الغنم وأوبار الإبل (الوسيط (باب ح س ك».\n(^٢) إسناده ضعيف. لتردد في الراوي هل هو عروة أم غيره؟\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عباس ﵄ ويشهد له ما يليه.\n(^٤) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن إياس عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي بكر الهزلي عن الزهري به، وأبو بكر الهذلي فيه مقال لكن المعنى صحيح.\n(^٦) قول مقسم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة وعثمان عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حصين عن الشعبي.\n(^٨) كذا في (حم) والمسند، وفي الأصل و(مح) صحّف إلى: \"عمار\".\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٣٧/ ١٣٧ ح ٢٢٤٦٩).\n(^١٠) الزيادة من (حم) و(مح).\n(^١١) سنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة الضحى (ح ١٢٨٩)، والسنن الكبرى، الصلاة، باب الحث على الصلاة أول النهار ١/ ٤٦٧.","vol":"4","page":665},{"text":"رسول الله ﷺ إذا حزَبه أمر صلى (^١).\n\n<span id=\"aya-1901\"></span>وقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ قال البخاري: قال سالم: الموت (^٢)، وسالم هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر، كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني طارق بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ قال: الموت (^٣)، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره (^٤)، والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارًا عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر].\nوفي الصحيح من حديث الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أُم العلاء امرأة من الأنصار أن رسول الله ﷺ لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت أُم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله ﷺ: \"وما يدريك أن الله أكرمه؟ \" فقلت: بأبي وأُمي يا رسول الله، فمن؟ فقال: \"أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير\" (^٥).\nويستدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتًا، فيصلي بحسب حاله.\nكما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" (^٦).\nويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء ﵈ كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين ههنا الموت، كما قدمناه.\nولله الحمد والمنة، والحمد لله على الهداية وعليه الاستعانة والتوكل، وهو المسؤول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها، فإنه جواد كريم.\nآخر تفسير سورة الحجر، والحمد لله رب العالمين، [وحسبنا الله ونعم الوكيل] (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ (السنن، الصلاة، باب وقت قيام النبي ﷺ من الليل ح ١٣١٩)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١١٧١).\n(^٢) أخرجه البخاري معلقًا، ووصله الفريابي في تفسيره وعبد بن حميد والطبري كلهم من طريق الثوري عن طارق بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله (ينظر: تغليق التعليق ٤/ ٢٣٤)، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٥) صحيح البخاري، الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت … (ح ١٢٤٣).\n(^٦) صحيح البخاري، تقصير الصلاة، باب إذا لم يُطق قاعدًا صلى على جنب (ح ١١١٧).\n(^٧) زيادة من (مح).","vol":"4","page":666},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>سُوْرَةُ النَّحْلِ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-1902\"></span>﷽\n﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾.\nيخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها معبرًا بصيغة الماضي الدال على التحقيق والوقوع لا محالة، كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء]، وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر] وقوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي: قرب ما تباعد فلا تستعجلوه، يحتمل أن يعود الضمير على الله، ويحتمل أنه يعود على العذاب، وكلاهما متلازم، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ [العنكبوت].\nوقد ذهب الضحاك في تفسير هذه الآية إلى قول عجيب، فقال في قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: فرائضه وحدوده (^١).\nوقد ردَّه ابن جرير فقال: لا نعلم أحدًا استعجل بالفرائض وبالشرائع قبل وجودها بخلاف العذاب، فإنهم استعجلوه قبل كونه استبعادًا وتكذيبًا.\nقلت: كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾ [الشورى].\nوقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن محمد بن عبد الله مولى المغيرة بن شعبة، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن حجيرة، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: \"تطلع عليكم عند الساعة سحابة سوداء من المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء ثم ينادي مناد فيها: يا أيها الناس، فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل سمعتم، فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يشك، ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس، فيقول الناس بعضهم لبعض: هل سمعتم، فيقولون: نعم، ثم ينادي الثالثة، يا أيها الناس أتى أمر الله فلا تستعجلوه\" (^٢) قال رسول الله ﷺ: \"فوالذي نفسي بيده، إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أبدًا، وإن الرجل ليمدن حوضه فما يسقي فيه شيئًا أبدًا، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدًا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٢) ذكره بنحوه.","vol":"4","page":667},{"text":"- قال -: ويشتغل [الناس] (^١) (^٢).\nثم إنه تعالى نزَّهَ نفسه عن شركهم به غيره وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد، تعالى وتقدس علوًا كبيرًا، وهؤلاء هم المكذبون بالساعة فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-1903\"></span>﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾.\nيقول تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ أي: الوحي، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وهم الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وقال: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر].\nوقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ أي: لينذروا ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال في هذه: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ أي: فاتقوا عقوبتي لمن خالف أمري وعبد غيري.\n\n<span id=\"aya-1904\"></span>﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾.\nيخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي وهو السماوات، والعالم السفلي وهو الأرض بما حوت، وأن ذلك مخلوق بالحق لا للعبث بل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] ثم نزَّه نفسه عن شرك من عبد معه غيره، وهو المستقل بالخلق وحده لا شريك له، فلهذا يستحق أن يعبد وحده لا شريك له،\n\n<span id=\"aya-1905\"></span>ثم نبَّه على خلق جنس الإنسان من نطفة أي مهينة ضعيفة، فلما استقل ودرج إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه ويحارب رسله، وهو إبما خلق ليكون عبدًا لا ضدًا، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾ [الفرقان]. وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس].\nوفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن بُسر بن جَحَّاش قال: بصق رسول الله ﷺ في كفه، ثم قال: \"يقول الله تعالى: ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك فعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت الحلقوم\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) سنده ضعيف لأنه معلق، وقد أخرجه الحاكم موصولًا من طريق يحيى بن آدم به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٥٣٩)، وكذا أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٧/ ٣٢٥) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله مولى المغيرة وهو ثقة (مجمع الزوائد ١/ ٣٣٤).","vol":"4","page":668},{"text":"قلت أتصدق، وأنَّى أوان الصدقة\" (^١).\n\n<span id=\"aya-1906\"></span>\n\n<span id=\"aya-1907\"></span>﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾.\nيمتنّ تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، كما فصلها في سورة الأنعام إلى ثمانية أزواج، وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون، ومن ألبانها يشربون ويأكلون من أولادها، وما لهم فيها من الجمال وهو الزينة، ولهذا قال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ وهو وقت رجوعها عشيًا من المرعى فإنها تكون أمدَّه خواصر وأعظمه ضروعًا وأعلاه أسنمة ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أي: غدوة حين تبعثونها إلى المرعى\n\n<span id=\"aya-1908\"></span>﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ وهي الأحمال الثقيلة التي تعجزون عن نقلها وحملها ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة وما جرى مجرى ذلك، تستعملونها في أنواع الاستعمال من ركوب وتحميل، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ [المؤمنون]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾ [غافر]، ولهذا قال ههنا بعد تعداد هذه النعم ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: ربكم الذي قيض لكم هذه الأنعام وسخرها لكم، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ [يس]، وقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف].\nقال ابن عباس: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ أي: ثياب (^٢)، ﴿وَمَنَافِعُ﴾ ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾: نسل كل دابة (^٣).\nوقال مجاهد: لكم فيها دفء؛ أي: لباس ينسج، ومنافع: مركب ولحم ولبن (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٩/ ٣٨٧ ح ١٧٨٤٤) وحسن سنده محققوه، وأخرجه ابن ماجه (السنن، الوصايا، باب النهي عن الإمساك في الحياة والتبذير عند الموت ح ٢٧٠٧) وصحح سنده البوصيري، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢١٨٨).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"4","page":669},{"text":"وقال قتادة: ﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ يقول: لكم فيها لباس ومنفعة وبُلغة (^١)، وكذا قال غير واحد من المفسرين بألفاظ متقاربة.\n\n<span id=\"aya-1909\"></span>﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾.\nهذا صنف آخر مما خلق ﵎ لعباده يمتن به عليهم، وهو الخيل والبغال والحمير التي جعلها للركوب والزينة بها، وذلك أكبر المقاصد منها، ولما فصلها من الأنعام، وأفردها بالذكر، استدل من استدل من العلماء ممن ذهب إلى تحريم لحوم الخيل بذلك على ما ذهب إليه فيها، كالإمام أبي حنيفة ﵀ ومن وافقه من الفقهاء بأنه تعالى قرنها بالبغال والحمير وهي حرام، كما ثبتت به السنة النبوية، وذهب إليه أكثر العلماء.\nوقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أنبأنا هشام الدستوائي، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن مولى نافع بن علقمة، أنّ ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير، وكان يقول: قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ فهذه للأكل، ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ فهذه للركوب، وكذا روي من طريق سعيد بن جبير وغيره عن ابن عباس (^٢) بمثله، وقال مثل ذلك الحكم بن عتيبة أيضًا ﵁ (^٣)، واستأنسوا بحديث رواه الإمام أحمد في مسنده: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير (^٤). وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث صالح بن يحيى بن المقدام وفيه كلام (^٥).\nورواه أحمد أيضًا من وجه آخر بأبسط من هذا وأدلّ منه فقال: حدثنا أحمد بن عبد الملك حدثنا محمد بن حرب، حدثنا سليمان بن سليم، عن صالح بن يحيى بن المقدام، عن جده المقدام بن معد يكرب قال: غزونا مع خالد بن الوليد الصائفة، فقرم أصحابنا إلى اللحم فسألوني رمكة (^٦) فدفعتها إليهم، فحبلوها (^٧) وقلت: مكانكم حتى آتي خالدًا فأسأله فأتيته فسألته، فقال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة خيبر فأسرع الناس في حظائر يهود فأمرني أن أنادي الصلاة جامعة، ولا يدخل الجنة إلا مسلم، ثم قال: \"أيها الناس: إنكم قد أسرعتم في حظائر (^٨) يهود،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنديه ومتنه، والسند الأول فيه مولى نافع بن علقمة لم يصرح باسمه ولكنه توبع في السند الثاني بواسطة سعيد بن جبير فيتقوى سنده، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن علية به (المصنف ٨/ ٧١).\n(^٣) أخرجه الطبري وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٨٩) وسنده ضعيف لأن مداره على صالح بن يحيى بن المقدام وهو لين (التقريب ص ٢٧٤).\n(^٥) سنن أبي داود، الأطعمة، باب في أكل لحوم الخيل (ح ٣٧٩٠)، وسنن النسائي، الصيد، باب في أكل لحوم الخيل ٧/ ٢٠٢، وسنن ابن ماجه، الذبائح، باب لحوم البغال (ح ٣١٩٨) وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه.\n(^٦) (^٧) (^٨) هذا الغريب وضحه الحافظ ابن كثير بعد الحديث.","vol":"4","page":670},{"text":"ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها وحرام عليكم لحوم الأُتن الأهلية وخيلها وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير\" (^١).\nوالرمكة: هي الحجرة، وقوله: حبلوها؛ أي: أوثقوها في الحبل ليذبحوها، والحظائر والبساتين القريبة من العمران، وكأن هذا الصنيع وقع بعد إعطائهم العهد ومعاملتهم على الشطر، والله أعلم، فلو صحَّ هذا الحديث لكان نصًا في تحريم لحوم الخيل، ولكن لا يقاوم ما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل (^٢).\nورواه الإمام أحمد وأبو داود بإسنادين كل منهما على شرط مسلم عن جابر قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل (^٣).\nوفي صحيح مسلم عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا فأكلناه ونحن بالمدينة (^٤).\nفهذه أدلُّ وأقوى وأثبت، وإلى ذلك صار جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وأكثر السلف والخلف، والله أعلم.\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: كانت الخيل وحشية، فدلّلها الله لإسماعيل بن إبراهيم ﵉ (^٥).\nوذكر وهب بن منبه في إسرائيلياته أن الله خلق الخيل من ريح الجنوب، والله أعلم. فقد دلَّ النص على جواز ركوب هذه الدوابّ ومنها البغال، وقد أهديت إلى رسول الله ﷺ بغلة فكان يركبها مع أنه قد نهى عن إنزاء الحمر على الخيل لئلا ينقطع النسل.\nقال الإمام أحمد: حدثني محمد بن عبيد، حدثنا عمر من آل حذيفة عن الشعبي، عن دحية الكلبي قال: قلت يا رسول الله، ألا أحمل لك حمارًا على فرس فتنتج لك بغلًا فتركبها؟ قال: \"إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-1910\"></span>﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾.\nلما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل الحسية، نبّه على الطرق المعنوية الدينية،\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٩ وفي سنده أيضًا صالح بن يحيى بن المقدام.\n(^٢) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة خيبر (ح ٤٢١٩)، وصحيح مسلم، الصيد، باب في أكل لحوم الخيل (ح ١٩٤١).\n(^٣) المسند ٣/ ٣٥٦، وسنن أبي داود، الأطعمة، باب أكل لحوم الخيل (ح ٣٧٨٩) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢١٩).\n(^٤) صحيح مسلم، الصيد، باب في أكل لحوم الإبل (ح ١٩٤٢).\n(^٥) سنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه، الشعبي لم يسمع من دحية الكلبي. اهـ. ثم ذكروا له شاهدًا صحيح السند (المسند ٣١/ ٩٠ ح ١٨٧٩٣).","vol":"4","page":671},{"text":"وكثيرًا ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسيّة إلى الأمور المعنوية النافعة الدينية، كقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].\nولما ذكر تعالى في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها التي يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة، شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه فبيَّن أن الحق منها ما هي موصلة إليه فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ كما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقال: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾ [الحجر].\nقال مجاهد في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قال: طريق الحق على الله (^١).\nوقال السدي: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ الإسلام (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يقول: وعلى الله البيان؛ أي: يبين الهدى والضلالة. وكذا روى علي بن أبي طلحة عنه (^٣)، وكذا قال قتادة والضحاك (^٤).\nوقول مجاهد ههنا أقوى من حيث السياق، لأنه تعالى أخبر أن ثم طرقًا تسلك إليه، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق وهي الطريق إلتي شرعها ورضيها، وما عداها مسدودة والأعمال فيها مردودة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ أي: حائد مائل زائغ عن الحق. قال ابن عباس وغيره: هي الطرق المختلفة والآراء والأهواء المتفرقة كاليهودية والنصرانية والمجوسية (^٥).\nوقرأ ابن مسعود (ومنكم جائر) (^٦).\nثم أخبر تعالى أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود].\n\n<span id=\"aya-1911\"></span>﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾.\nلما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب شرع في ذكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء وهو العلو مما لهم فيه بُلغة ومتاع لهم ولأنعامهم، فقال: ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) لم أجد من أخرجه، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق العوفي وابن أبي طلحة كلاهما عن ابن عباس، والطريق الأول ضعيف يتقوى بالثاني.\n(^٤) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري من طريقين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"الأهواء المختلفة\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق من طريق معمر عن قتادة عن ابن مسعود، وقتادة لم يسمع من ابن مسعود، والقراءة شاذة تفسيرية.","vol":"4","page":672},{"text":"أي: جعله عذبًا زلالًا يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحًا أجاجًا ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي: وأخرج لكم منه شجرًا ترعون فيه أنعامكم. كما قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد في قوله: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي: ترعون (^١).\nومنه الإبل السائمة، والسوم: الرعي.\nوروى ابن ماجه أن رسول الله ﷺ نهى عن السوم قبل طلوع الشمس (^٢).\n\n<span id=\"aya-1912\"></span>وقوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ [النمل] ثم قال تعالى:\n\n<span id=\"aya-1913\"></span>﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾.\nينبه تعالى عباده على آياته العظام ومننه الجسام في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السماوات نورًا وضياء ليُهتدى بها في الظلمات، وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه، يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص عنها، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسهيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف] ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لدلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم لقوم يعقلون عن الله ويفهمون حججه.\n\n<span id=\"aya-1914\"></span>وقوله: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ لما نبه تعالى على معالم السماوات نبه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة، والأشياء المختلفة من الحيوانات والمعادن، والنباتات والجمادات على اختلاف ألوانها وأشكالها، وما فيها من المنافع والخواص ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: آلاء الله ونعمه فيشكرونها.\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند ضعيف يتقوى بسابقه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه من طريق الربيع بن حبيب عن نوفل بن عبد الملك عن أبيه عن علي (السنن، التجارات، باب السوم ح ٢٢٠٦)، قال البوصيري في الزوائد: في إسناده نوفل بن عبد الملك، والربيع بن حبيب، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه، وأخرجه الحاكم من طريق الربيع به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٣٤)، والراجح ضعفه لأن نوفل بن عبد الملك مستور (التقريب ص ٥٦٧)، والربيع ضُعِّف في روايته عن نوفل (التقريب ص ٢٠٦).","vol":"4","page":673},{"text":"<span id=\"aya-1915\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾.\nيخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله لهم وتيسيرهم للركوب فيه، وجعله السمك والحيتان فيه، وإحلاله لعباده لحمها حيها وميتها في الحل والإحرام، وما يخلقه فيه من اللآلئ والجواهر النفيسة، وتسهيله للعباد استخراجهم من قراره حلية يلبسونها، وتسخيره البحر لحمل السفن التي تمخره؛ أي: تشقه (^١).\nوقيل: تمخر الرياح (^٢)، وكلاهما صحيح، بجؤجئها - وهو صدرها المُسنَّم - الذي أرشد العباد إلى صنعتها وهداهم إلى ذلك إرثًا عن أبيهم نوح ﵇، فإنه أول من ركب السفن، وله كان تعليم صنعتها، ثم أخذها الناس عنه قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل، يسيرون من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، ومن إقليم إلى إقليم، لجلب ما هناك إلى ما هنا، وما هنا إلى ما هناك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: نعمه وإحسانه.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: وجدت في كتابي عن محمد بن معاوية البغدادي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو، عن سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كلَّم الله البحر الغربي وكلَّم البحر الشرقي، فقال للبحر الغربي: إني حامل فيك عبادًا من عبادي فكيف أنت صانع فيهم؟ قال: أغرقهم، فقال: بأسك في نواحيك، وأحملهم على يدي، وحرمت الحلية والصيد، وكلَّم هذا البحر الشرقي فقال: إني حامل فيك عبادًا من عبادي فما أنت صانع بهم؟ فقال: أحملهم على يدي وأكون لهم كالوالدة لولدها، فأثابه الحلية والصيد.\nثم قال البزار: لا نعلم من رواه عن سهل غير عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو، وهو منكر الحديث. وقد رواه سهل عن النعمان بن أبي عياش، عن عبد الله بن عمر موقوفًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-1916\"></span>ثم ذكر تعالى الأرض وما ألقى فيها من الرواسي الشامخات، والجبال الراسيات، لتقر الأرض ولا تميد؛ أي: تضطرب بما عليها من الحيوانات فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك، ولهذا قال: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ [النازعات].\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن قتادة، سمعت الحسن يقول: لما خلقت الأرض كانت تميد، فقالوا: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدًا، فأصبحوا وقد خلقت الجبال، فلم تدرِ الملائكة مِمَّ خلقت الجبال (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٣) أخرجه البزار (ينظر: كشف الأستار ح ١٦٦٩) وسنده ضعيف جدًا وضعفه البزار والهيثمي حيث قال: وفيه عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمري وهو متروك (مجمع الزوائد ٥/ ٢٨٥).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل، ويشهد له الأثر بعد التالي.","vol":"4","page":674},{"text":"وقال سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد، أن الله لما خلق الأرض جعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدًا، فأصبحت صبحًا وفيها رواسيها (^١).\nوقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثني حجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما خلق الله الأرض قَمصت (^٢) وقالت: أي ربِّ تجعل عليَّ بني آدم يعملون الخطايا ويجعلون عليَّ الخبث؟ قال: فأرسى الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان إقرارها كاللحم يترجرج (^٣).\nوقوله: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾ أي: جعل فيها أنهارًا تجري من مكان إلى مكان آخر رزقًا للعباد، ينبع في موضع وهو رزق لأهل موضع آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكام، فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة، وجنوبًا وشمالًا، وشرقًا وغربًا، ما بين صغار وكبار، وأودية تجري حينًا وتنقطع في وقت، وما بين نبع وجمع، وقوي السير وبطيئه بحسب ما أراد وقدر وسخر ويسر، فلا إله إلا هو ولا رب سواه، وكذلك جعل فيها سبلًا أي: طرقًا يسلك فيها من بلاد إلى بلاد حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممرًا ومسلكًا، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١].\n\n<span id=\"aya-1917\"></span>وقوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ أي: دلائل من جبال كبار وآكام صغار ونحو ذلك، يستدل بها المسافرون برًا وبحرًا إذا ضلوا الطرق.\nوقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: في ظلام الليل، قاله ابن عباس (^٤).\nوعن مالك في قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ يقول: النجوم وهي الجبال (^٥).\n\n<span id=\"aya-1918\"></span>\n\n<span id=\"aya-1919\"></span>ثم نبه تعالى على عظمته وأنه لا تنبغي العبادة إلا له دون ما سواه من الأوثان التي لا تخلق شيئًا بل هم يخلقون، ولهذا قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ ثم نبههم على كثرة نعمه عليهم وإحسانه إليهم، فقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ أي: يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير ويجازي على اليسير.\nوقال ابن جرير: يقول: إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم لا يعذبكم بعد الإنابة والتوبة (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق سعيد به، وسنده صحيح لكنه مرسل لأن قيس بن عباد تابعي، ويتقوى بالرواية التالية.\n(^٢) أي: اضطربت.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وله حكم الرفع.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ومعناه صحيح.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الكلبي، ولم أجد من أخرجه عن مالك.\n(^٦) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"4","page":675},{"text":"<span id=\"aya-1920\"></span>\n\n<span id=\"aya-1921\"></span>﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾.\nيخبر تعالى أنه يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر، وسيجزي كل عامل بعمله يوم القيامة، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. ثم أخبر أن الأصنام التي يدعونها من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون، كما قال الخليل: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات].\n\n<span id=\"aya-1922\"></span>وقوله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ أي: هي جمادات لا أرواح فيها، فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا يدرون متى تكون الساعة، فكيف يرتجى عند هذه نفع أو ثواب أو جزاء؟ إنما يرجى ذلك من الذي يعلم كل شيء وهو خالق كل شيء.\n\n<span id=\"aya-1923\"></span>\n\n<span id=\"aya-1924\"></span>﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾.\nيخبر تعالى أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأخبر أن الكافرين تنكر قلوبهم ذلك، كما أخبر عنهم متعجبين من ذلك ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ [الزمر] وقوله: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: عن عبادة الله مع إنكار قلوبهم لتوحيده كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ولهذا قال ههنا: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقًّا ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1925\"></span>﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾.\nيقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء المكذبين: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ معرضين عن الجواب ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: لم ينزل شيئًا، إنما هذا الذي يتلى علينا أساطير الأولين؛ أي: مأخوذ من كتب المتقدمين، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان] أي: يفترون على الرسول ويقولون أقوالًا متضادة مختلفة كلها باطلة، كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)﴾ [الفرقان] وذلك أن كل من خرج عن الحق فمهما قال أخطأ، وكانوا يقولون: ساحر وشاعر وكاهن ومجنون، ثم استقر أمرهم إلى ما اختلقه لهم شيخهم الوحيد المسمى بالوليد بن المغيرة المخزومي (^١) لما ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾ [المدثر] أي: ينقل ويحكى، فتفرقوا عن قوله ورأيه قبحهم الله\n\n<span id=\"aya-1926\"></span>قال تعالى:\n_________\n(^١) سيأتي ذكره في تفسير سورة المدثر آية ١٨ - ٢٤.","vol":"4","page":676},{"text":"﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: إنما قدرنا عليهم أن يقولوا ذلك ليتحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين يتبعونهم ويوافقونهم أي: يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم، كما جاء في الحديث \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\" (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ [العنكبوت] ولهذا روى العوفي عن ابن عباس في الآية ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أنها كقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (^٢).\nوقال مجاهد: يحملون أثقالهم ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ولا يُخفِّف عمن أطاعهم من العذاب شيئًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-1927\"></span>﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال: هو النمرود الذي بنى الصرح (^٤).\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد نحوه (^٥).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض النمرود، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه وكان جبارًا أربعمائة سنة، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته، وهو الذي بنى الصرح إلى السماء الذي قال الله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ (^٦).\nوقال آخرون: بل هو بختنصر (^٧)، وذكروا من المكر الذي حكاه الله ههنا كما قال في سورة إبراهيم ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [٤٦].\nوقال آخرون: هذا من باب المثل لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره، كما قال نوح ﵇: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ [نوح] أي: احتالوا في إضلال الناس بكل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، العلم، باب من سنَّ سُنَّة حسنة أو سيئة … ح ٢٦٧٤).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح إلى زيد بن أسلم لكنه مرسل.\n(^٧) ذكره الطبري بدون سند.","vol":"4","page":677},{"text":"حيلة وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة، كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ الآية [سبأ: ٣٣].\nوقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ أي: اجتثه من أصله وأبطل عملهم، كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤].\n﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، وقال الله ههنا: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾\n\n<span id=\"aya-1928\"></span>﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ أي: يظهر فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم فيجعله علانية، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق] أي: تظهر وتشتهر كما في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند أسته بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان\" (^١) وهكذا يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر ويخزيهم الله على رؤوس الخلائق ويقول لهم الربُّ ﵎ مقرعًا لهم وموبخًا ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ تحاربون وتعادون في سبيلهم أين هم عن نصركم وخلاصكم ههنا؟ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٣] ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ [الطارق] فإذا توجهت عليهم الحجة وقامت عليهم الدلالة، وحقَّت عليهم الكلمة وسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذٍ: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: الفضيحة والعذاب محيط اليوم بمن كفر بالله وأشرك به ما لا يضره ولا ينفعه.\n\n<span id=\"aya-1929\"></span>\n\n<span id=\"aya-1930\"></span>﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾.\nيخبر تعالى عن حال المشركين الظالمين أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي: أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ كما يقولون يوم المعاد ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] قال الله مكذبًا لهم في قيلهم ذلك ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾ أي: بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان لمن كان متكبرًا عن آيات الله واتباع رسله، وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، وينال أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم وخلدت في نار جهنم ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] كما قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر].\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الجزية والموادعة، باب إثم الغادر للبر والفاجر (ح ٣١٨٨)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب تحريم الغدر (ح ١٧٣٧).","vol":"4","page":678},{"text":"<span id=\"aya-1931\"></span>﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾.\nهذا خبر عن السعداء بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ قالوا معرضين عن الجواب: لم ينزل شيئًا إنما هذا أساطير الأولين، وهؤلاء قالوا: ﴿خَيْرًا﴾ أي: أنزل خيرًا؛ أي: رحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به. ثم أخبر عما وعد الله عباده فيما أنزله على رسله فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل] أي: من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه عمله في الدنيا والآخرة، ثم أخبر بأن دار الآخرة خير؛ أي: من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٨٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] وقال تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى] وقال لرسوله ﷺ: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى] ثم وصف الدار الآخرة فقال: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1932\"></span>\n\n<span id=\"aya-1933\"></span>وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من دار المتقين أي لهم في الآخرة جنات عدن؛ أي: مقام يدخلونها ﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا اَلأَنْهَارُ﴾ أي: بين أشجارها وقصورها ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١].\nوفي الحديث: \"إن السحابة لتمر بالملأ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم، فلا يشتهي أحد منهم شيئًا إلا أمطرته عليه حتى إن منهم لمن يقول: أمطرينا كواعب أترابًا، فيكون ذلك\" (^١).\n﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: كذلك يجزي الله كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله، ثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار أنهم طيبون أي: مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت].\nوقد قدمنا الأحاديث الواردة في قبض روح المؤمن وروح الكافر عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم].\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه وضعفه في تفسير سورة النبأ آية ٣٣.","vol":"4","page":679},{"text":"<span id=\"aya-1934\"></span>\n\n<span id=\"aya-1935\"></span>﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾.\nيقول تعالى مهددًا للمشركين على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا: هل ينتظر هؤلاء إلا الملائكة أن تأتيهم لقبض أرواحهم، قاله قتادة (^١).\n﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي: يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: هكذا تمادى في شركهم أسلافهم ونظراؤهم وأشباههم من المشركين حتى ذاقوا بأس الله وحلوا فيما هم فيه من العذاب والنكال ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله وإنزال كتبه ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فلهذا أصابتهم عقوبة الله على ذلك ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أي: أحاط بهم من العذاب الأليم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يسخرون من الرسل إذا توعدوهم بعقاب الله، فلهذا يقال لهم يوم القيامة: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾ [الطور].\n\n<span id=\"aya-1936\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾.\nيخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الإشراك واعتذارهم محتجين بالقدر بقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم ما لم ينزل به سلطانًا، ومضمون كلامهم أنه لو كان تعالى كارهًا لما فعلنا لأنكره علينا بالعقوبة، ولما مكننا منه، قال الله تعالى رادًا عليهم شبهتهم: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي،\n\n<span id=\"aya-1937\"></span>وبعث في كل أُمة؛ أي: في كل قرن وطائفة رسولًا، وكلهم يدعون إلى عبادة الله وينهون عن عبادة ما سواه ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد ﷺ الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف] وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.","vol":"4","page":680},{"text":"أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فمشيئته تعالى الشرعية عنهم منتفية، لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية وهي تمكينهم من ذلك قدرًا، فلا حجة لهم فيها، لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة.\nثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل، فلهذا قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)﴾ [الملك].\n\n<span id=\"aya-1938\"></span>ثم أخبر الله تعالى رسوله ﷺ أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم إذا كان الله قد أراد إضلالهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] وقال نوح لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ [الأعراف] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس].\nوقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ أي: شأنه وأمره أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلهذا قال: ﴿لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ أي: من أضله، فمن ذا الذي يهديه من بعد الله؟ أي: لا أحد ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أي: ينقذونهم من عذابه ووثاقه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].\n\n<span id=\"aya-1939\"></span>﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين أنهم حلفوا فأقسموا ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: اجتهدوا في الحلف، وغلظوا الأيمان على أنه لا يبعث الله من يموت أي استبعدوا ذلك، وكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك وحلفوا على نقيضه، فقال تعالى مكذبًا لهم ورادًا عليهم ﴿بَلَى﴾ أي: بلى سيكون ذلك ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ أي: لا بدّ منه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر،\n\n<span id=\"aya-1940\"></span>ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد، فقال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ أي: للناس ﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: من كل شيء ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١].\n﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ أي: في أيمانهم وأقسامهم لا يبعث الله من يموت، ولهذا يدعون يوم القيامة إلى نار جهنم دعا، وتقول لهم الزبانية: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطور].","vol":"4","page":681},{"text":"<span id=\"aya-1941\"></span>ثم أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، والمعاد من ذلك إذا أراد كونه فإنما يأمر به مرة واحدة، فيكون كما يشاء، كما قال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر] وقال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] وقال: في هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ أي: أن نأمر به مرة واحدة فإذا هو كائن، كما قال الشاعر:\nإذا ما أراد الله أمرًا فإنما … يقول له كن كائنًا فيكون\nأي: أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف، لأنه الواحد القهار العظيم الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء فلا إله إلا هو ولا رب سواه.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال الله تعالى: شتمني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ قال: وقلت: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وأما شتمه إياي فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وقلت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص]. هكذا ذكره موقوفًا وهو في الصحيحين مرفوعًا بلفظ آخر (^١).\n\n<span id=\"aya-1942\"></span>﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾.\nيخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان رجاء ثواب الله وجزائه، ويحتمل أن يكون سبب نزولها في مهاجرة الحبشة (^٢) الذين اشتد أذى قومهم لهم بمكة حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة ليتمكنوا من عبادة ربهم، ومن أشرافهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رُقية بنت رسول الله ﷺ، وجعفر بن أبي طالب ابن عمِّ الرسول، وأبو سلمة بن عبد الأسود في جماعة قريب من ثمانين ما بين رجل وامرأة صديق وصديقة ﵃ وأرضاهم، وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾.\nقال ابن عباس والشعبي وقتادة: المدينة (^٣).\nوقيل: الرزق الطيب، قاله مجاهد (^٤). ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأن ابن أبي حاتم رواه معلقًا، ويتقوى بما أخرجه البخاري من طريق آخر عن الأعرج عن أبي هريرة بمعناه دون ذكر الآيات المستشهد بها، (الصحيح، بدء الخلق ح ٣١٩٣).\n(^٢) ذكر هذا السبب قتادة فيما أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، لكن سنده مرسل.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، وقول الشعبي أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"4","page":682},{"text":"فعوضهم الله خيرًا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئًا لله عوضه الله بما هو خير له منه، وكذلك وقع فإنهم مكن الله لهم في البلاد، وحكمهم على رقاب العباد، وصاروا أمراء حكامًا، وكل منهم للمتقين إمامًا، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي: مما أعطيناهم في الدنيا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله، ولهذا قال هشيم عن العوام، عمّن حدثه، أن عمر بن الخطاب ﵁، كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ هذه الآية ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-1943\"></span>ثم وصفهم تعالى فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾ أي: صبروا على الأذى من قومهم متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-1944\"></span>﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾.\nقال الضحاك، عن ابن عباس: لما بعث الله محمدًا ﷺ رسولًا، أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، فأنزل: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢] وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ يعني: أهل الكتب الماضية أبشرًا كانت الرسل إليهم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم وإن كانوا بشرًا فلا تنكروا أن يكون محمد ﷺ رسولًا، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] ليسوا من أهل السماء كما قلتم (^٢)، وكذا روي عن مجاهد، عن ابن عباس أن المراد بأهل الذكر: أهل الكتاب (^٣)، وقاله مجاهد والأعمش (^٤).\nوقول عبد الرحمن بن زيد: الذكر القرآن، واستشهد بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر] (^٥) صحيح، لكن ليس هو المراد ههنا، لأن المخالف لا يرجع في إثباته بعد إنكاره إليه، وكذا قول أبي جعفر الباقر: نحن أهل الذكر (^٦)، ومراده أن هذه الأُمة أهل الذكر، صحيح فإنه هذه الأمة أعلم من جميع الأمم السالفة، وعلماء أهل بيت رسول الله ﵈ والرحمة من خير العلماء إذا كانوا على السنة المستقيمة كعلي وابن عباس وابني علي الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية وعلي بن الحسين زين العابدين، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبي جعفر الباقر وهو\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده ضعيف لإبهام شيخ العوام.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مجاهد به.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول الأعمش أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال، ويتقوى بسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جابر عن أبي جعفر الباقر، وجابر هو الجعفي وهو ضعيف ويتشيع.","vol":"4","page":683},{"text":"محمد بن علي بن الحسين وجعفر ابنه، وأمثالهم وأضرابهم وأشكالهم ممن هو متمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وعرف لكل ذي حق حقه ونزل كل المنزل الذي أعطاه الله ورسوله واجتمعت عليه قلوب عباده المؤمنين.\nوالغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت بأن الرسل الماضين قبل محمد ﷺ كانوا بشرًا كما هو بشر، كما قال تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾ [الأنبياء] وقال: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] ثم أرشد الله تعالى من شكَّ في كون الرسل كانوا بشرًا إلى سؤال أصحاب الكتب المتقدمة عن الأنبياء الذين سلفوا هل كان أنبياؤهم بشرًا أو ملائكة.\n\n<span id=\"aya-1945\"></span>ثم ذكر تعالى أنه أرسلهم ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل ﴿وَالزُّبُرِ﴾ وهي الكتب كما قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم (^١). والزبر جمع زبور، تقول العرب: زبرت الكتاب إذا كتبته. وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)﴾ [القمر] وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء].\nثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ يعني: القرآن ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: من ربهم لعلمك بمعنى ما أنزل الله وحرصك عليه واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم، فتفصل لهم ما أجمل وتبين لهم ما أشكل ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: ينظرون لأنفسهم فيهتدون فيفوزون بالنجاة في الدارين.\n\n<span id=\"aya-1946\"></span>﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾.\nيخبر تعالى عن [حلمه] (^٢) وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات ويدعون إليها، ويمكرون بالناس في دعائهم إياهم وحملهم عليها، مع قدرته على أن يخسف بهم الأرض أو يأتيهم العذاب ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم، كما قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ [الملك].\n\n<span id=\"aya-1947\"></span>وقوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أي: في تقلبهم في المعايش واشتغالهم بها في أسفارهم ونحوها من الأشغال الملهية.\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ومعناه صحيح ويشهد له ما يليه، وهو قول مجاهد الذي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري ويتقوى بسابقه.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"حكمه\".","vol":"4","page":684},{"text":"قال قتادة (^١) والسدي: تقلبهم أي: أسفارهم.\nوقال مجاهد والضحاك وقتادة: ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ في الليل والنهار كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف]\nوقوله: ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: لا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه.\n\n<span id=\"aya-1948\"></span>وقوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ أي: أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد، فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد، ولهذا قال العوفي عن ابن عباس: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك (^٢)، وكذا روي عن مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم (^٣).\nثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، كما ثبت في الصحيحين: [\"لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم\" (^٤)] (^٥) وفي الصحيحين: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود] (^٦) وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ [الحج].\n\n<span id=\"aya-1949\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾.\nيخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها: جماداتها وحيواناتها، ومكلفوها من الإنس والجن، والملائكة، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال؛ أي: بكرةً وعشيًا فإنه ساجد بظله لله تعالى.\nقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله ﷿ (^٧)، وكذا قال قتادة والضحاك وغيرهم (^٨). وقوله: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي: صاغرون.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه، ويشهد له ما يليه.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري ويتقوى بسابقه.\n(^٤) صحيح البخاري، الأدب، باب الصبر في الأذى (ح ٦٠٩٩)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب لا أحد أصبر على أذى من الله ﷿ (ح ٢٨٠٤).\n(^٥) زيادة من (حم) و(مح) و(ح).\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود آية ١٠٢.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق منصور عن مجاهد.\n(^٨) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ثابت عنه.","vol":"4","page":685},{"text":"وقال مجاهد أيضًا: سجود كل شيء فيؤه، وذكر الجبال (^١)، قال: سجودها فيؤها.\n\n<span id=\"aya-1950\"></span>وقال أبو غالب الشيباني: أمواج البحر صلاته (^٢)، ونزلهم منزلة من يعقل إذ أسند السجود إليهم فقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ كما قال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].\n\n<span id=\"aya-1951\"></span>وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: تسجد لله؛ أي: غير مستكبرين عن عبادته ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: يسجدون خائفين وجلين من الربِّ ﷻ ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: مثابرين على طاعته تعالى وامتثال أوامره، وترك زواجره.\n\n<span id=\"aya-1952\"></span>\n\n<span id=\"aya-1953\"></span>﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾.\nيخبر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وميمون بن مهران والسدي وقتادة وغير واحد: أي: دائمًا (^٣).\nوعن ابن عباس أيضًا: أي واجبًا (^٤).\nوقال مجاهد: أي خالصًا له (^٥)، أي له العبادة وحده ممن في السماوات والأرض، كقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران] هذا على قول ابن عباس وعكرمة، فيكون من باب الخبر، وأما على قول مجاهد فإنه يكون من باب الطلب؛ أي: ارهبوا أن تشركوا بي شيئًا وأخلصوا لي الطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].\n\n<span id=\"aya-1954\"></span>ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعباد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله عليهم، وإحسانه إليهم ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي: لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو فإنكم عند الضرورات تلجأون إليه وتسألونه وتلحون في الرغبة إليه مستغيثين به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد بنحوه، وابن جريج لم يسمع من مجاهد.\n(^٢) ذكره السيوطي ونسبه إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه سفيان بن وكيع فيه مقال ويتقوى بالآثار التالية: فقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي حصين عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق يعلى بن النعمان عن عكرمة عن ابن عباس ويعلى ترجم له البخاري في التاريخ الكبير وسكت عنه وكذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"الأخلاص\".","vol":"4","page":686},{"text":"[الإسراء: ٦٧]\n\n<span id=\"aya-1955\"></span>\n\n<span id=\"aya-1956\"></span>وقال ههنا: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ قيل: اللام ههنا لام العاقبة. وقيل: لام التعليل بمعنى قيضنا لهم ذلك ليكفروا؛ أي: يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم وأنه المُسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم، ثم توعدهم قائلًا: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أي: اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلًا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: عاقبة ذلك.\n\n<span id=\"aya-1957\"></span>﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾.\nيخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد بغير علم، وجعلوا للأوثان نصيبًا مما رزقهم الله فقالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦] أي: جعلوا لآلهتهم نصيبًا مع الله وفضلوها على جانبه، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه وائتفكوه وليقابلنَّهم عليه، وليجازينَّهم أوفر الجزاء في نار جهنم، فقال: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.\nثم أخبر تعالى عنهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، وجعلوها بنات الله فعبدوها معه، فأخطأوا خطأ كبيرًا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث، فنسبوا إليه تعالى أن له ولدًا ولا ولد له، ثم أعطوه أخسَّ القسمين من الأولاد وهو البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، كما قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم].\n\n<span id=\"aya-1958\"></span>\n\n<span id=\"aya-1959\"></span>وقوله ههنا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ أي: عن قولهم وإفكهم ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ [الصافات].\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أي: يختارون لأنفسهم الذكور ويأنفون لأنفسهم من البنات التي نسبوها إلى الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، فإنه ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: كئيبًا من الهم ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن،\n\n<span id=\"aya-1960\"></span>﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي: يكره أن يراه الناس من ﴿سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا﴾ أي: إن أبقاها أبقاها مهانة لا يورثها ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي: يئدها وهو أن يدفنها فيه حية كما كانوا يصنعون في الجاهلية، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه لله؟ ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: بئس ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوه إليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾ [الزخرف]\n\n<span id=\"aya-1961\"></span>وقال ههنا: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي: النقص إنما ينسب إليهم ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: الكمال المطلق من كل وجه وهو منسوب إليه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.","vol":"4","page":687},{"text":"<span id=\"aya-1962\"></span>﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾.\nيخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة أي: لأهلك جميع دواب الأرض تبعًا لإهلاك بني آدم، ولكن الربَّ ﷻ يحلم ويستر، وينظر إلى أجل مسمى أي: لا يعاجلهم بالعقوبة، إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحدًا.\nقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجُعَل (^١) أن يعذب بذنب بني آدم، وقرأ الآية ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ وكذا روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: كاد الجُعَل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، حدثنا محمد بن جابر الحنفي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلًا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه (^٣)، قال: فالتفت إليه، فقال: بلى والله حتى إن الحباري (^٤) لتموت في وكرها بظلم الظالم (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، أنبأنا الوليد بن عبد الملك، حدثنا عبيد الله بن [مسرِّح] (^٦)، حدثنا سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ فقال: \"إن الله لا يؤخر شيئًا إذا جاء أجله، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها الله العبد، فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر\" (^٧).\n\n<span id=\"aya-1963\"></span>وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أي: من البنات ومن الشركاء الذين هم عبيده، وهم يأنفون أن يكون عند أحدهم شريك له في ماله.\nوقوله: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك أن لهم الحسنى في الدنيا وإن كان ثم معاد ففيه أيضًا لهم الحسنى، وإخبار عن قيل من قال منهم،\n_________\n(^١) هو حيوان مثل الخنفساء.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ٣٠٠) والطبري كلاهما من طريق سفيان الثوري به، وسنده صحيح إلى أبي الأحوص لكنه مرسل.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا (العقوبات ص ٢٧٣) والطبري كلاهما من طريق الأعمش به، وسنده ضعيف لأن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله بن مسعود.\n(^٤) هو طائر شبيه بالوزّة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده محمد بن جابر الحنفي صدوق ذهبت كتبه فساء حفظه وخلط كثيرًا وعمي فصار يُلقن (التقريب ص ٤٧١).\n(^٦) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل صُحف إلى: \"شرح\".\n(^٧) سنده ضعيف لضعف سليمان بن عطاء (الضعفاء الكبير ٢/ ١٣٤، ومجمع الزوائد ٧/ ١٩٨).","vol":"4","page":688},{"text":"كقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾ [هود] وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠)﴾ [فصلت]. وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ [مريم] وقال: إخبارًا عن أحد الرجلين أنه: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ [الكهف] فجمع هؤلاء بين عمل السوء وتمني الباطل بأن يجازوا على ذلك حسنًا وهذا مستحيل، كما ذكر ابن إسحاق إنه وجد حجر في أساس الكعبة حين نقضوها ليجددوها مكتوب عليه حكم ومواعظ، فمن ذلك: تعملون السيئات وتجزون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب (^١).\nوقال مجاهد وقتادة: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ أي: الغلمان (^٢).\nوقال ابن جرير: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ أي: يوم القيامة كما قدمنا بيانه، وهو الصواب، ولله الحمد، ولهذا قال تعالى رادًا عليهم في تمنيهم ذلك: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقًّا لا بدّ منه ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾.\nقال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: منسيون فيها مضيعون (^٣) وهذا كقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١].\nوعن قتادة أيضًا: مفرطون أي: معجلون إلى النار من الفرط (^٤)، وهو السابق إلى الورد، ولا منافاة لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار وينسون فيها أي: يخلدون.\n\n<span id=\"aya-1964\"></span>﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾.\nيذكر تعالى أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلًا فكذبت الرسل، فلك يا محمد في إخوانك من المرسلين أسوة فلا يهيدنَّك تكذيب قومك لك، وأما المشركون الذين كذبوا الرسل فإنما حملهم على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه.\n﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: هم تحت العقوبة والنكال، والشيطان وليهم ولا يملك لهم خلاصًا ولا صريخ لهم، ولهم عذاب أليم.\n_________\n(^١) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية ١/ ١٩٦.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر بن إياس عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الحسين عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، بدون من الفرط.","vol":"4","page":689},{"text":"<span id=\"aya-1965\"></span>\n\n<span id=\"aya-1966\"></span>ثم قال تعالى لرسوله: إنه إنما أنزل عليه الكتاب ليبيِّن للناس الذي يختلفون فيه؟ فالقرآن فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه ﴿وَهُدًى﴾ أي: للقلوب ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي: لمن تمسك به ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وكما جعل سبحانه القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها، كذلك يحيي الأرض بعد موتها بما أنزله عليها من السماء من ماء ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يفهمون الكلام ومعناه.\n\n<span id=\"aya-1967\"></span>\n\n<span id=\"aya-1968\"></span>﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِي الْأَنْعَامِ﴾ وهي الإبل والبقر والغنم ﴿لَعِبْرَةً﴾ أي: لآية ودلالة على حكمة خالقها وقدرته ورحمته ولطفه ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ أفردها ههنا عودًا على معنى النعم، أو الضمير عائد على الحيوان، فإن الأنعام حيوانات أي: نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان، وفي الآية الأخرى: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِا﴾ [المؤمنون: ٢١]، ويجوز هذا وهذا، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥)﴾ [المدثر] وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل] أي: المال.\nوقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ أي: يتخلص اللبن بياضه وطعمه وحلاوته، ما بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كل إلى موطنه إذا نضج الغذاء في معدته، فيصرف منه دم إلى العروق، ولبن إلى الضرع، وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه ولا يتغير به.\nوقوله: ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: لا يغصُّ به أحد، ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله شرابًا للناس سائغًا ثنَّى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه، ولهذا امتنَّ به عليهم فقال: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ دلَّ على إباحته شرعًا قبل تحريمه، ودلَّ على التسوية بين المسكر المتخذ من النخل والمتخذ من العنب، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السُّنة بتفصيل ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك.\nكما قال ابن عباس في قوله: ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ السكر ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما (^١)، وفي رواية: السكر حرامه، والرزق الحسن حلاله (^٢)، يعني ما يبس منهما من تمر وزبيب، وما عمل منهما من طلاء وهو الدبس وخلٌّ ونبيذ، حلال يشرب قبل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري معلقًا (تغليق التعليق ٤/ ٢٣٧)، ووصله الثوري عن الأسود بن قيس عن عمرو بن سفيان عن ابن عباس، وسنده جيد، وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره من طريق سفيان الثوري به (ينظر: تغليق التعليق ٤/ ٢٣٧).\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس (المصدر السابق) وسنده حسن.","vol":"4","page":690},{"text":"أن يشتد كما وردت السُّنة بذلك ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ناسب ذكر العقل ههنا فإنه أشرف ما في الإنسان، ولهذا حرَّم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [يس]\n\n<span id=\"aya-1969\"></span>﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾.\nالمراد بالوحي هنا الإلهام والهداية، والإرشاد للنحل أن تتخذ من الجبال بيوتًا تأوي إليها، ومن الشجر ومما يعرشون، ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصِّها بحيث لا يكون في بيتها خلل.\nثم أذِن لها تعالى إذنًا قدريًا تسخيريًا أن تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى مذللة لها؛ أي: مسهلة عليها حيث شاءت من هذا الجو العظيم، والبراري الشاسعة، والأودية والجبال الشاهقة،\n\n<span id=\"aya-1970\"></span>ثم تعود كل واحدة منها إلى بيتها لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، بل إلى بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع من أجنحتها وتقيء العسل من فيها، وتبيض الفراخ من دُبرها، ثم تصبح إلى مراعيها.\nوقال قتادة (^١) وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ أي: مطيعة، فجعلاه حالًا من السالكة، قال ابن زيد: وهو كقول الله تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ [يس] (^٢) قال: ألا ترى أنهم ينقلون النحل ببيوته من بلد إلى بلد وهو يصحبهم؟ والقول الأول هو الأظهر، وهو أنه حال من الطريق؛ أي: فاسلكيها مذللة لك، نصّ عليه مجاهد (^٣).\nوقال ابن جرير: كلا القولين صحيح (^٤).\nوقد قال أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سُكينٍ بن عبد العزيز، عن أبيه، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"عمرُ الذباب أربعون يومًا، والذباب كلُّه في النار إلا النحل\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٥) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٢٣١ ح ٤٢٣١)، والحديث ضعيف سندًا ومتنًا، فسنده فيه عبد العزيز بن قيس العبدي قال أبو حاتم: مجهول (ينظر: تهذيب التهذيب ٦/ ٣٥٢) وشقه الأول ضعيف لأن الذباب يعيش أكثر من أربعين يومًا. وجعله ابن الجوزي في الموضوعات ٣/ ٢٦٦، وحسنه البوصيري كما في حاشية المطالب العالية ٢/ ٢٩٦، والحق الوسط وهو أن الحديث ضعيف.","vol":"4","page":691},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ ما بين أبيض وأصفر وأحمر وغير ذلك من الألوان الحسنة على اختلاف مراعيها ومأكلها منها. وقوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أي: في العسل شفاء للناس؛ أي: من أدواء تعرض لهم، قال بعض من تكلم على الطب النبوي: لو قال فيه الشفاء للناس، لكان دواء لكل داء، ولكن قال فيه شفاء للناس؛ أي: يصلح لكل أحد من أدواء باردة، فإنه حار والشيء يداوى بضده.\nوقال مجاهد بن جبر في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ يعني: القرآن (^١)، وهذا قول صحيح في نفسه، ولكن ليس هو الظاهر ههنا من سياق الآية، فإن الآية إنما ذكر فيها العسل، ولم يتابع مجاهد على قوله ههنا، وإنما الذي قاله ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس].\nوالدليل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ هو العسل، الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية قتادة عن أبي المتوكل علي بن داود الناجي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال: \"اسقه عسلًا\" فذهب فسقاه عسلًا، ثم جاء فقال: يا رسول الله سقيته عسلًا، فما زاده إلا استطلاقًا، قال: \"اذهب فاسقه عسلًا\" فذهب فسقاه عسلًا، ثم جاء فقال: يا رسول الله، ما زاده إلا استطلاقًا، فقال رسول الله ﷺ: \"صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلًا\" فذهب فسقاه فبرئ (^٢).\nقال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلًا وهو حار تحلَّلت، فأسرعت في الاندفاع فزاده إسهالًا، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه فازداد التحليل والدفع، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن، استمسك بطنه، وصلح مزاجه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.\nوفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يعجبه الحلواء والعسل، هذا لفظ البخاري (^٣).\nوفي صحيح البخاري من حديث سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث عن مجاهد، وليث هو ابن أبي سُليم فيه مقال.\n(^٢) صحيح البخاري، الطب، باب الدواء بالعسل (ح ٥٦٨٤)، وصحيح مسلم، السلام، باب التداوي بسقي العسل (ح ٢٢١٧).\n(^٣) صحيح البخاري، الأشربة، باب شراب الحلواء والعسل (ح ٥٦١٤)، وصحيح مسلم، الطلاق باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق (ح ١٤٧٤).\n(^٤) صحيح البخاري، الطب، باب الشفاء في ثلاث (ح ٥٦٨٠).","vol":"4","page":692},{"text":"وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة، سمعت جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن كان في شيء من أدويتكم، أو يكون في شيء من أدويتكم خير: ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي\" (^١). ورواه مسلم من حديث عاصم بن عمر بن قتادة، عن جابر به (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنبأنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا عبد الله بن الوليد، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث إن كان في شيء شفاء: فشرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية تصيب ألمًا، وأنا أكره الكي ولا أحبه\" (^٣) ورواه الطبراني عن هارون بن سلول المصري، عن أبي عبد الرحمن المقري، عن عبد الله بن الوليد به، ولفظه: \"إن كان في شيء شفاء: فشرطة محجم\" وذكره (^٤)، وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه.\nوقال الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه: حدثنا علي بن سلمة هو اللَّبقي، حدثنا زيد ابن الحُباب، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله هو: ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن\" (^٥) وهذا إسناد جيد تفرد بإخراجه ابن ماجه مرفوعًا، وقد رواه ابن جرير عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن سفيان هو: الثوري به موقوفًا وهو أشبه (^٦).\nوروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله في صحيفة، وليغسلها بماء السماء، وليأخذ من امرأته درهمًا عن طيب نفس منها، فليشترِ به عسلًا فَليشربه بذلك فإنه شفاء (^٧)؛ أي: من وجوه، وقال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وقال في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾.\nوقال ابن ماجه أيضًا: حدثنا محمود بن خداش، حدثنا سعيد بن زكريا القرشي، حدثنا الزبير بن سعيد الهاشمي، عن عبد الحميد بن سالم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: \"من\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الطب، باب الدواء بالعسل (ح ٥٦٨٣).\n(^٢) صحيح مسلم، السلام، باب لكل داء دواء (ح ٢٢٠٥).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٤٦) وفي سند عبد الله بن الوليد وهو التُجيبي: لين الحديث (التقريب ص ٣٢٨)، ويشهد له ما تقدم. وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٤) المعجم الكبير ١٧/ ٢٨٨.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطب، باب العسل (ح ٣٤٥٢) وفي سنده زيد بن الحُباب صدوق يخطئ في حديث الثوري (التقريب ص ٢٢٢)، ومن خطئه في هذا الحديث رفعه، والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود ﵁ كما قرر ابن عدي (الكامل في الضعفاء ٣/ ٢١٠)، والبيهقي (الجامع لشعب الإيمان ح ٢٥٨١).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي سنده سفيان بن وكيع ولكنه توبع فقد أخرجه الحاكم من طريق ابن أبي شيبة عن وكيع به موقوفًا وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٠٠)، وصححه الألباني موقوفًا وضعف المرفوع (ينظر: السلسلة الضعيفة ٤/ ٢٣)، وصححه ابن عدي والبيهقي كما في الرواية السابقة.\n(^٧) قال الحافظ ابن حجر: أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن (فتح الباري ١٠/ ١٧٠).","vol":"4","page":693},{"text":"لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر، لم يصبه عظيم من البلاء\" (^١) الزبير بن سعيد متروك.\nوقال ابن ماجه أيضًا: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف بن سرح الفريابي، حدثنا عمرو بن بكير السكسكي، حدثنا إبراهيم بن أبي [عبلة] (^٢): سمعت أبا أُبي بن أم حرام وكان قد صلى القبلتين، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"عليكم بالسنا (^٣) والسنوت، فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام\" قيل: يا رسول الله وما السام؟ قال: \"الموت\". قال عمرو: قال ابن أبي عبلة: السَّنوت: الشِّبت.\nوقال آخرون: بل هو العسل الذي في زِقاق السمن، وهو قول الشاعر:\nهُمُ السمنْ بالسَّنوت لا ألبس … فيهم وهم يمنعون الجار أن يُقرَّدا\nكذا رواه ابن ماجه (^٤)، وقوله: لا ألبس فيهم؛ أي: لا خلط. وقوله: يمنعون الجار أن يقُرّدا؛ أي: يضطهد ويظلم [كذا قال شيخنا المزي] (^٥).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: إن في إلهام الله لهذه الدواب الضعيفة الخلقة إلى السلوك في هذه المهامه والاجتناء من سائر الثمار، ثم جمعها للشمع والعسل وهو من أطيب الأشياء، ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها، فيستدلون بذلك على أنه الفاعل القادر الحكيم العليم الكريم الرحيم.\n\n<span id=\"aya-1971\"></span>﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾.\nيخبر تعالى عن تصرفه في عباده، وأنه هو الذي أنشأهم من العدم ثم بعد ذلك يتوفاهم، ومنهم من يتركه حتى يدركه الهرم وهو الضعف في الخلقة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ [الروم].\nوقد روي عن علي ﵁: أرذل العمر خمس وسبعون سنة (^٦).\nوفي هذا السن يحصل له ضعف القوى والخرف، وسوء الحفظ وقلة العلم، ولهذا قال: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أي: بعد ما كان عالمًا أصبح لا يدري شيئًا من الفند والخرف، ولهذا روى\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطب، باب العسل ح ٣٤٥٠)، وسنده ضعيف لأن الزبير بن سعيد لين الحديث (التقريب ص ٢١٤).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وسنن ابن ماجه، وفي الأصل صحف إلى: \"عميلة\".\n(^٣) السنا: نبات معروف من الأدوية، ومفرده: سناة.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، الطب، باب السنا والسنوت ح ٣٤٥٧) وسنده ضعيف جدًا لأن عمرو بن السكسكي متروك (التقريب ص ٤١٩).\n(^٥) زيادة من (مح).\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق سعد بن طَريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب، وسنده ضعيف جدًا لأن سعد بن طَريف متروك ورماه ابن حبان بالوضع وكان رافضيًا (التقريب ص ٢٣١).","vol":"4","page":694},{"text":"البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور، عن شعيب، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يدعو: \"أعوذ بك من البخل والكسل والهرم، وأرذل العمر وعذاب القبر، وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات\" (^١). ورواه. . . (^٢).\nوقال زهير بن أبي سلمة في معلقته المشهورة:\nسئمت تكاليف الحياة ومن يعشْ … ثمانين عامًا لا أبا لك (^٣) يسأم\nرأيت المنايا خبط عشواء من تصب … تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم (^٤)\n\n<span id=\"aya-1972\"></span>﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾.\nيبيِّن تعالى للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من الشركاء، وهم يعترفون أنها عبيد له كما كانوا يقولون في تلبيتهم في حجهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، فقال تعالى منكرًا عليهم: أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم، فكيف يرضى هو تعالى بمساواة عبيد له في الإلهية والتعظيم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ﴾ الآية [الروم: ٢٨].\nقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: يقول لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟ فذلك قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (^٥).\nوقال في الرواية الأخرى عنه: فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم (^٦)؟\nوقال مجاهد في هذه الآية: هذا مثل الآلهة الباطلة (^٧).\nوقال قتادة: هذا مثل ضربه الله، فهل منكم من أحد يشاركه مملوكه في زوجته وفي فراشه، فتعدلون بالله خلقه وعباده؟ فإن لم ترض لنفسك هذا، فالله أحق أن ينزه منك (^٨).\nوقوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: أنهم جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] ح ٤٧٠٧).\n(^٢) كذا في الأصول الخطية وفي الأصل بياض بعد ورواه، ولعل تتمته: ورواه مسلم، فقد أخرجه مسلم من طريق هارون بن موسى الأعور به (الصحيح، الذكر والدعاء، باب التعوذ من العجز والكسل ح ٢٧٠٦/ ٥٢).\n(^٣) كلمة تستعمل في التعبير عند الغلظة وتشديد الأمر.\n(^٤) ديوان زهير ص ٢٩.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وهو لم يلق ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.","vol":"4","page":695},{"text":"فجحدوا نعمته، وأشركوا معه غيره. وعن الحسن البصري قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ هذه الرسالة إلى أبي موسى الأشعري: واقنع برزقك من الدنيا، فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق بلاء يبتلي به كلًا، فيبتلي من بسط له كيف شكره لله وأداؤه الحق الذي افترض عليه فيما رزقه وخوله، رواه ابن أبي حاتم (^١).\n\n<span id=\"aya-1973\"></span>﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾.\nيذكر تعالى نعمه على عبيده بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجًا من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورًا وإناثًا، وجعل الإناث أزواجًا للذكور.\nثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة وهم أولاد البنين، قاله ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك وابن زيد (^٢).\nقال شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: بنين وحفدة، وهم الولد وولد الولد (^٣).\nوقال سُنيد: حدثنا حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بنوك حيث يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك، قال جميل:\nحفد الولائد حولهنَّ وأُسلمتْ … بأكفهن أزمَّةُ الأجمال (^٤) (^٥)\nوقال مجاهد: بنين وحفدة ابنه وخادمه (^٦).\nوقال في رواية: الحفدة الأنصار والأعوان والخدام (^٧).\nوقال طاوس وغير واحد: الحفدة الخدم (^٨). وكذا قال قتادة وأبو مالك والحسن البصري (^٩).\n_________\n(^١) لم أقف على سنده لأن هذا الجزء من تفسير ابن أبي حاتم مفقود.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف، فيه إبهام شيخ الطبري، ويتقوى بسابقة وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق سُنيد به، وسنده ضعيف لضعف سُنيد.\n(^٥) هذا البيت استشهد به أبو عبيدة معمر بن المثنى ونسبته إلى جميل (مجاز القرآن ١/ ٣٦٤) ونسبهُ أبو عبيد إلى الأخطل (غريب الحديث ٣/ ٣٧٤) ونسبه ابن دريد إلى الفرزدق (الجمهرة ٢/ ١٢٣) ومعمر أخبرهم بأشعار العرب وأعتقهم.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه زمعة وهو ضعيف ويتقوى بما يلي.\n(^٩) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق التيمي عنه.","vol":"4","page":696},{"text":"وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أنه قال: الحفدة من خدمك من ولدك وولد ولدك (^١).\nقال الضحاك: إنما كانت العرب تخدمها بنوها (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ يقول: بنو امرأة الرجل ليسوا منه (^٣)، ويقال: الحفدة الرجل يعمل بين يدي الرجل. يقال: فلان يحفد لنا أي: يعمل لنا، قال: وزعم رجال أن الحفدة أختان الرجل، وهذا الأخير الذي ذكره ابن عباس، قاله ابن مسعود ومسروق وأبو الضحى وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والقرظي (^٤)، ورواه عكرمة عن ابن عباس، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هم الأصهار (^٥).\nقال ابن جرير: وهذه الأقوال كلها داخلة في معنى الحفدة، وهو الخدمة الذي منه قوله في القنوت: وإليك نسعى ونحفد (^٦) (^٧)، ولما كانت الخدمة قد تكون من الأولاد والخدم والأصهار، فالنعمة حاصلة بهذا كله، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قلت: فمن جعل ﴿وَحَفَدَةً﴾ متعلقًا بأزواجكم، فلا بدّ أن يكون المراد الأولاد وأولاد الأولاد والأصهار، لأنهم أزواج البنات أو أولاد الزوجة، كما قاله الشعبي والضحاك، فإنهم يكونون غالبًا تحت كنف الرجل وفي حجره وفي خدمته، وقد يكون هذا هو المراد من قوله ﵊ في حديث نضرة بن أكثم \"والولد عبد لك\" رواه أبو داود (^٨). وأما من جعل الحفدة الخدم، فعنده أنه معطوف على قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي: جعل لكم الأزواج والأولاد خدمًا.\nوقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: من المطاعم والمشارب. ثم قال تعالى منكرًا على من أشرك في عبادة المنعم غيره: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهم الأنداد والأصنام ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ أي: يسترون نعم الله عليهم ويضيفونها إلى غيره.\nوفي الحديث الصحيح: \"إن الله يقول للعبد يوم القيامة ممتنًا عليه: ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتَربع؟ \" (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية به، ويتقوى بما يليه\n(^٤) قول ابن مسعود أخرجه الطبري بسند حسن من طريق زرٍّ عنه، وقول أبي الضحى أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الأعمش عنه وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عنه، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مغيرة عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) أخرجه ابن خزيمة عن عمر عن أُبي بن كعب ﵄ مطولًا، وصححه الألباني (صحيح ابن خزيمة ٢/ ١٥٥ ح ١١٠٠).\n(^٧) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٨) أخرجه أبو داود من حديث صحابي من الأنصار (السنن، النكاح، باب في الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى ح ٢١٣١) وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٤٦٥).\n(^٩) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مطولًا (الصحيح، كتاب الزهد والرقائق ح ٢٩٦٨).","vol":"4","page":697},{"text":"<span id=\"aya-1974\"></span>\n\n<span id=\"aya-1975\"></span>﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾.\nيقول تعالى إخبارًا عن المشركين [الذين عبدوا معه غيره مع أنه هو المنعم المتفضل الخالق الرازق، وحده لا شريك ومع هذا] (^١) يعبدون من دونه من الأصنام والأنداد والأوثان ما لا يملك لهم رزقًا من السماوات والأرض شيئًا؛ أي: لا يقدر على إنزال مطر ولا إنبات زرع ولا شجر، ولا يملكون ذلك لأنفسهم؛ أي: ليس لهم ذلك، ولا يقدرون عليه لو أرادوه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ أي: لا تجعلوا له أندادًا وأشباهًا وأمثالًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو، وأنتم بجهلكم تشركون به غيره.\n\n<span id=\"aya-1976\"></span>﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن، وكذا قال قتادة، واختاره ابن جرير، فالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر والمرزوق الرزق الحسن، فهو ينفق منه سرًا وجهرًا هو المؤمن.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: هو مثل مضروب للوثن وللحق تعالى، فهل يستوي هذا وهذا؟ ولما كان الفرق بينهما ظاهرًا واضحًا بينًا لا يجهله إلا كل غبي قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1977\"></span>﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾.\nقال مجاهد: وهذا أيضًا المراد به الوثن (^٢). والحق تعالى يعني أن الوثن: أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير ولا بشيء ولا يقدر على شيء بالكلية، فلا مقال ولا فعال، وهو مع هذا كل أي: عيال وكلفة على مولاه ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾ أي: يبعثه ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ ولا ينجح مسعاه ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾ من هذه صفاته ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط، فمقاله حق وفعاله مستقيمة ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقيل: الأبكم مولى لعثمان، وبهذا قال السدي وقتادة وعطاء الخراساني، واختار هذا القول ابن جرير (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: هو مثل للكافر والمؤمن أيضًا كما تقدم.\nوقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، حدثنا حماد، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن إبراهيم، عن عكرمة، عن يعلى بن أُمية (^٤)، عن\n_________\n(^١) الزيادة من (ح) و(مح).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) ثبت هذا القول عن ابن عباس ﵄ كما سيأتي في رواية الطبري المسندة بعد التالية.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.","vol":"4","page":698},{"text":"ابن عباس في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: نزلت في رجل من قريش وعبده (^١)، يعني قوله: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ الآية [النحل: ٧٥] وفي قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: هو عثمان بن عفان: قال: والأبكم الذي أينما يوجهه لا يأتي بخير، قال: هو مولى لعثمان بن عفان، كان عثمان ينفق عليه ويكلفه ويكفيه المؤونه، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما (^٢).\n\n<span id=\"aya-1978\"></span>﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾.\nيخبر تعالى عن كمال علمه وقدرته على الأشياء في علمه غيب السماوات والأرض واختصاصه بعلم الغيب، فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه تعالى على ما يشاء، وفي قدرته التامة التي لا تخالف ولا تمانع، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، كما قال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر] أي: فيكون ما يريد كطرف العين، وهكذا قال ههنا: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كما قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].\n\n<span id=\"aya-1979\"></span>ثم ذكر تعالى منَّته على عباده في إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، ثم بعد هذا يرزقهم السمع الذي به يدركون الأصوات والأبصار التي بها يحسون المرئيات والأفئدة، وهي العقول التي مركزها القلب على الصحيح، وقيل: الدماغ والعقل به يميز بين الأشياء ضارها ونافعها، وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلًا قليلًا كلما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده.\nوإنما جعل تعالى هذه في الإنسان ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه.\nكما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"يقول تعالى: من عادى لي وليًا فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن دعاني لأجيبنه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما تردَّدت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بدّ له منه\" (^٣).\n_________\n(^١) رجل من قريش هو: هشام بن عمرو الذي أنفق ماله سرًا وجهرًا، وعبده هو أبو الجوزاء الذي كان ينهاه (ينظر: أسباب النزول للواحدي ص ٢٨٥).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الواحدي من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم به (المصدر السابق).\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الرقاق، باب التواضع ح ٦٥٠٢).","vol":"4","page":699},{"text":"فمعنى الحديث أن العبد إذا أخلص الطاعة صارت أفعاله كلها لله ﷿، فلا يسمع إلا لله، ولا يبصر إلا لله أي: ما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله ﷿، مستعينًا بالله في ذلك كله، ولهذا جاء في بعض رواية الحديث في غير الصحيح بعد قوله ورجله التي يمشي بها: \"فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي\" ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الملك].\n\n<span id=\"aya-1980\"></span>ثم نبَّه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض، كيف جعله يطير بجناحين بين السماء والأرض في جو السماء، ما يمسكه هناك إلا الله بقدرته تعالى التي جعل فيها قوى تفعل ذلك، وسخر الهواء يحملها ويسير الطير كذلك، كما قال تعالى في سورة الملك: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾ وقال ههنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1981\"></span>﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾.\nيذكر ﵎ تمام نعمه على عبيده بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم، يأوون إليها، ويستترون بها، وينتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع، وجعل لهم أيضًا من جلود الأنعام بيوتًا أي: من الأدم، يستخفون حملها في أسفارهم ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر، ولهذا قال: ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ أي: الغنم، ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ أي: الإبل، ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ أي: المعز، والضمير عائد على الأنعام ﴿أَثَاثًا﴾ أي: تتخذون منه أثاثًا وهو المال، وقيل: المتاع، وقيل: الثياب، والصحيح أعمّ من هذا كله فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك، ويتخذ مالًا وتجارة.\nوقال ابن عباس: الأثاث: المتاع (^١)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطية العوفي وعطاء الخراساني والضحاك وقتادة (^٢).\nوقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى أجل مسمى ووقت معلوم.\n\n<span id=\"aya-1982\"></span>وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ قال قتادة: يعني: الشجر (^٣). ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظ: \"المال\"، ويتقوى بالآثار التالية.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه بلفظ: \"المال\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"4","page":700},{"text":"الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ أي: حصونًا ومعاقل، كما ﴿جَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وهي الثياب من القطن والكتان والصوف ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ كالدروع من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك، ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وما تحتاجون إليه ليكون عونًا لكم على طاعته وعبادته ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ هكذا فسره الجمهور، وقرءوه بكسر اللام من ﴿تُسْلِمُونَ﴾ (^١) أي: من الإسلام.\nوقال قتادة في قوله: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾: هذه السورة تسمى سورة النعم (^٢).\nوقال عبد الله بن المبارك وعبّاد بن العوام، عن حنظلة السدوسي، عن شهر بن حوشب (^٣)، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها (تَسْلَمُونَ) بفتح اللام، يعني من الجراح (^٤) رواه أبو عبيد القاسم بن سلام عن عبّاد، أخرجه ابن جرير من الوجهين، وردَّ هذه القراءة.\nوقال عطاء الخراساني: إنما نزل القرآن على قدر معرفة العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ وما جعل من السهل أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال؟ ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ وما جعل لهم من غير ذلك أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر؟ ألا ترى إلى قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] لعجبهم من ذلك وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفونه؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وما تقي من البرد أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب حر (^٥).\n\n<span id=\"aya-1983\"></span>\n\n<span id=\"aya-1984\"></span>وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: بعد هذا البيان وهذا الامتنان، فلا عليك منهم ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وقد أديته إليهم ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ أي: يعرفون أن الله تعالى هو المُسدي إليهم ذلك وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك ويعبدون معه غيره ويسندون النصر والرزق إلى غيره ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مجاهد أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ فسأله، فقرأ عليه رسول الله ﷺ ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ فقال الأعرابي: نعم، قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ الآية، قال الأعرابي: نعم، ثم قرأ عليه كل ذلك، يقول الأعرابي: نعم، حتى بلغ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فولَّى الأعرابي، فأنزل الله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ (^٦).\n_________\n(^١) وهي قراءة متواترة.\n(^٢) ذكره السيوطي ونسبه إلى ابن أبي حاتم (الإتقان ١/ ٧٢).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن المبارك به وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال، والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٤) وكلا الوجهين من طريق شهر بن حوشب.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، وعثمان ضعيف.\n(^٦) نسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لإرساله.","vol":"4","page":701},{"text":"<span id=\"aya-1985\"></span>\n\n<span id=\"aya-1986\"></span>﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾.\nيخبر تعالى عن شأن المشركين يوم معادهم في الدار الآخرة، وأنه يبعث من كل أمة شهيدًا وهو نبيها، يشهد عليها بما أجابته فيما بلغها عن الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في الاعتذار؛ لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه، كما قال: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات] فلهذا قال: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: الذين أشركوا ﴿الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا يؤخر عنهم بل يأخذهم سريعًا من الموقف بلا حساب، فإنه إذا جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك (^١)، فيشرف عنق منها على الخلائق، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد الذي جعل مع الله إلهًا آخر وبكذا وبكذا، وتذكر أصنافًا من الناس، كما جاء في الحديث، ثم تنطوي عليهم وتلتقطهم من الموقف كما يلتقط الطائر الحب، قال الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ [الكهف] وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾ [الأنبياء].\n\n<span id=\"aya-1987\"></span>ثم أخبر تعالى عن تبرئ، آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها فقال: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ أي: الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: قالت لهم الآلهة: كذبتم ما نحن أمرناكم بعبادتنا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم] وقال الخليل ﵊ ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾ [الكهف] (^٢) والآيات في هذا كثيرة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ (الصحيح، الجنة، باب في شدة حر نار جهنم ح ٢٨٤٢).\n(^٢) وفي النسخ الخطية ورد بلفظ: \"وقيل ادعوا شركاءكم\".","vol":"4","page":702},{"text":"<span id=\"aya-1988\"></span>وقوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ قال قتادة وعكرمة: ذَلُّوا واستسلموا يومئذٍ (^١)؛ أي: استسلموا لله جميعهم فلا أحد إلا سامع مطيع، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] أي: ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذٍ، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة]، وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] أي: خضعت وذلّت واستكانت وأنابت واستسلمت.\nوقوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)﴾ أي: ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجير.\n\n<span id=\"aya-1989\"></span>ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا﴾ الآية، أي عذابًا على كفرهم وعذابًا على صدِّهم الناس عن اتباع الحق كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] أي: ينهون الناس عن اتباعه ويبتعدون هم منه أيضًا ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما قال تعالى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨].\nوقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سريج بن يونس، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد الله في قول الله: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال: زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال (^٢).\nحدثنا سُريج بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سليمان، حدثنا الأعمش، عن الحسن، عن ابن عباس في الآية أنه قال: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال: هي خمسة أنهار تحت العرش يعذبون ببعضها في الليل وببعضها في النهار (^٣).\n\n<span id=\"aya-1990\"></span>﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ يعني أمتك؛ أي: اذكر ذلك اليوم وهوله، وما منحك الله فيه من الشرف العظيم والمقام الرفيع، وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود حين قرأ على رسول الله ﷺ صدر سورة النساء، فلما وصل إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء] فقال له رسول الله ﷺ: \"حسبك\" فقال ابن مسعود ﵁: فالتفت فإذا عيناه تذرفان (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٦٥ ح ٢٦٥٩) وسنده صحيح وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥٥، ٣٥٦) وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٩٠).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٦٦ ح ٢٦٦٠) وفي سنده الحسن وهو البصري لم يسمع من ابن عباس ﵄.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٤١.","vol":"4","page":703},{"text":"وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قال ابن مسعود: قد بيَّن لنا هذا القرآن كل علم وكل شيء (^١).\nوقال مجاهد: كل حلال وكل حرام (^٢)، وقول ابن مسعود أعم وأشمل، فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم ﴿وَهُدًى﴾ أي: للقلوب ﴿وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.\nوقال الأوزاعي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: بالسنة (^٣).\nووجه اقتران قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ مع قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ أن المراد - والله أعلم - إن الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك سائلك عن ذلك يوم القيامة ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ [المائدة]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي: إن الذي أوجب عليك تبليغ القرآن لرادك إليه ومعيدك يوم القيامة وسائلك عن أداء ما فرض عليك. هذا أحد الأقوال، وهو مُتَّجه حسن.\n\n<span id=\"aya-1991\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾.\nيخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل، وهو القسط والموازنة، ويندب إلى الإحسان، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على شرعية العدل والندب إلى الفضل.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله (^٤).\nوقال سفيان بن عيينة: العدل في هذا الموضع هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملًا، والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته (^٥).\nوقوله: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ أي: يأمر بصلة الأرحام، كما قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن ابن مسعود.\n(^٢) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٥) أخرجه الطبري معلقًا عن سفيان بن عيينة.","vol":"4","page":704},{"text":"وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ [الإسراء]. وقوله: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ فالفواحش المحرمات، والمنكرات ما ظهر منها من فاعلها، ولهذا قال في الموضع الآخر: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وأما البغي فهو العدوان على الناس، وقد جاء في الحديث: \"ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم\" (^١).\nوقوله: ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أي: يأمركم بما يأمركم به من الخير وينهاكم عما ينهاكم عنه من الشر ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وقال الشعبي، عن شتير بن شكل: سمعت ابن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية، رواه ابن جرير (^٢).\nوقال سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية ليس من خلق حسن، كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم، إلا نهى الله عنه وقدم فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامِّها (^٣).\n(قلت): ولهذا جاء في الحديث: \"إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها\" (^٤).\nوقال الحافظ أبو نعيم في كتاب \"معرفة الصحابة\": حدثنا أبو بكر محمد بن الفتح الحنبلي، حدثنا يحيى بن محمد مولى بني هاشم، حدثنا الحسن بن داود المنكدري، حدثنا عمر بن علي المقدمي، عن علي بن عبد الله بن عمير، عن أبيه، قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي ﷺ فأراد أن يأتيه، فأبى قومه أن يدعوه وقالوا: أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه، قال: فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه، فانتدب رجلان فأتيا النبي ﷺ فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت، وما أنت؟ فقال النبي ﷺ: \"أما من أنا فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا؟ فأنا عبد الله ورسوله\" قال: ثم تلا عليهم هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية، قالوا: اردد علينا هذا القول، فردَّده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب وسطًا في مضر - أي: شريفًا - وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهنَّ أكثم قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوسًا ولا تكونوا أذنابًا (^٥).\nوقد ورد في نزولها حديث حسن رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثني عبد الله بن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته جالس إذ مر به\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب النهي عن البغي ح ٢٩٠٢)، والترمذي وقال: حسن صحيح (السنن، صفة القيامة ح ٢٥١١) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥٦)، كلهم من حديث أبي بكرة ﵁ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٩١٨).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الشعبي به وسنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق الشعبي أيضًا (المعجم الكبير ح ٨٦٥٩) وأخرجه الحاكم من طريق الشعبي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥٦).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الخرائطي (مكارم الأخلاق ح ٢٣)، والحاكم كلاهما من حديث سهل بن سعد ﵁ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٨) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٣٧٨).\n(^٥) معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢/ ٤٢٠ وذكره ابن عبد البر وأنكر كون أكثم بن صيفي من الصحابة (الاستيعاب ١/ ١٤٦)، ولهذا حكم عليه الحافظ ابن حجر بأنه مرسل (الإصابة ١/ ١١٩).","vol":"4","page":705},{"text":"عثمان بن مظعون، فكشَّر (^١) إلى رسول الله، فقال له رسول الله ﷺ: \"ألا تجلس؟ \" فقال: بلى، قال: \"فجلس رسول الله ﷺ مستقبله، فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله ﷺ عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر، فلما قضى حاجته واستفقه (^٢) ما يقال له، شخص (^٣) بصر رسول الله ﷺ إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى إلى السماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى، فقال: يا محمد فيما كنت أجالسك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة، فقال: \"وما رأيتني فعلت؟ \" قال: رأيتك شخص بصرك إلى السماء، ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئًا يقال لك، قال: \"وفطنت لذلك؟ \" فقال عثمان: نعم، قال رسول الله ﷺ: \"أتاني رسول الله آنفًا وأنت جالس\" قال: رسول الله؟ قال: \"نعم\"، قال: فما قال لك؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية، قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدًا ﷺ (^٤).\nإسناد جيد متصل حسن قد بيِّن فيه السماع المتصل، ورواه ابن أبي حاتم من حديث عبد الحميد بن بهرام مختصرًا (^٥).\nحديث آخر عن عثمان بن أبي العاص الثقفي في ذلك، قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا هُريم، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت عند رسول الله ﷺ جالسًا إذ شخص بصره فقال: \"أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ \" الآية (^٦)، وهذا إسناد لا بأس به، ولعله عند شهر بن حوشب من الوجهين، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1992\"></span>﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾.\nهذا مما يأمر الله تعالى به، وهو الوفاء بالعهود والمواثيق والمحافظة على الأيمان المؤكدة،\n_________\n(^١) أي: تبسم وظهرت أسنانه من التبسم.\n(^٢) أي: استعلم.\n(^٣) أي: تحول.\n(^٤) أخرجه الإمام بسنده بنحوه (المسند ٥/ ٨٩ ح ٢٩١٩) وضعف سنده محققوه. ونقل الترمذي عن الإمام أحمد قوله: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأحزاب ح ٣٢١٥)، ولهذا قال الحافظ ابن كثير: إسناد جيد متصل حسن.\n(^٥) سنده كسابقه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٤٤١ ح ١٧٩١٨)، وضعف سنده محققوه لضعف ليث وهو ابن أبي سُليم، وصححه أحمد شاكر (المسند ح ٢٩٢٢) وكاد أن يحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٧/ ٤٨) ولهذا قال عنه ابن كثير: إسناد لا بأس به.","vol":"4","page":706},{"text":"ولهذا قال: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ولا تعارض بين هذا وبين قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]، وبين قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أي: لا تتركوها بلا كفارة، وبين قوله ﵇ فيما ثبت عنه في الصحيحين أنه ﵊ قال: \"إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها - وفي رواية - وكفرت عن يميني\" (^١) لا تعارض بين هذا كله ولا بين الآية المذكورة ههنا، وهي قوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ لأن هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع، ولهذا قال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يعني: الحلف (^٢)؛ أي: حلف الجاهلية.\nويؤيده ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد - هو ابن أبي شيبة - حدثنا ابن نُمير وأبو أسامة، عن زكريا هو ابن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مُطعم قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة\" (^٣). وكذا رواه مسلم عن ابن أبي شيبة به (^٤).\nومعناه أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه.\nوأما ما ورد في الصحيحين عن عاصم الأحول، عن أنس ﵁ أنه قال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دورنا، فمعناه أنه آخى بينهم فكانوا يتوارثون به حتى نسخ الله ذلك (^٥)، والله أعلم.\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا عبد الله بن موسى، أخبرنا أبو ليلى، عن مزيدة في قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ قال: نزلت في بيعة النبي ﷺ، كان من أسلم بايع النبي ﷺ على الإسلام، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام ﴿تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ لا يحملنكم قلة محمد وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا صَخر بن جُويرية، عن نافع قال: لما خلع الناس\n_________\n(^١) أخرجاه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ. . .﴾ [البقرة: ٢٢٥] ح ٦٦٢٣)، وصحيح مسلم، الأيمان، باب ندب من حلف يمينًا. . . (ح ١٦٤٩).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٨٣) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب مؤاخاة النبي ﷺ بين أصحابه … (ح ٢٥٣٠).\n(^٥) صحيح البخاري، الكفالة، باب قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] (ح ٢٢٩٤)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب مؤاخاة النبي ﷺ (ح ٢٥٢٩).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وسنده ضعيف لإرسال مزيدة وهو ابن جابر وقد ضعف، وهو من اتباع التابعين كما في التقريب.","vol":"4","page":707},{"text":"يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد، ثم قال: أما بعد فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر - إلا أن يكون الإشراك بالله - أن يبايع رجل رجلًا على بيعة الله ورسوله، ثم ينكث بيعته، فلا يخلعنَّ أحد منكم يدًا ولا يُشرفنَّ أحد منكم في هذا الأمر، فيكون صيلم (^١) بيني وبينه\" (^٢). المرفوع منه في الصحيحين (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حجاج، عن عبد الرحمن بن عباس، عن أبيه، عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من شرط لأخيه شرطًا لا يريد أن يفي له به، فهو كالمدلي جاره (^٤) إلى غير منفعة\" (^٥).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها.\n\n<span id=\"aya-1993\"></span>وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾.\nقال عبد الله بن كثير والسدي: هذه امرأة (^٦) خرقاء كانت بمكة كلما غزلت شيئًا نقضته بعد إبرامه (^٧).\nوقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده (^٨)، وهذا القول أرجح وأظهر سواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا.\nوقوله: ﴿أَنْكَاثًا﴾ يحتمل أن يكون اسم مصدر، ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ أي: أنقاضًا، ويحتمل أن يكون بدلًا عن خبر كان أي: لا تكونوا أنكاثًا جمع نكث من ناكث، ولهذا قال بعده: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ أي: خديعة ومكرًا ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي: تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم، فإذا أمكنكم الغدر بهم غدرتم، فنهى الله عن ذلك لينبه بالأدنى على الأعلى، إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه، فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة بطريق الأولى.\n_________\n(^١) أي: قطيعة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٩/ ١٠٤، ١٠٥، ح ٥٠٨٨).\n(^٣) صحيح البخاري، الجزية، باب إثم الغادر للبر والفاجر (ح ٣١٨٨) وصحيح مسلم، الجهاد، باب تحريم الغدر (ح ١٧٣٥).\n(^٤) أي: كالذي يخذل جاره ويتركه بلا ناصر ولا معين.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه بسبب تدليس حجاج وهو ابن أرطأة وقد عنعنه، وقال الهيثمي: وفيه الحجاج بن أرطأة وهو ثقة مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٤/ ٢٠٥).\n(^٦) المرأة هي ريطاء بنت عمرو بن كعب بن سعد كما في تفسير مقاتل (ينظر: فتح الباري ٨/ ٣٨٧).\n(^٧) قول عبد الله بن كثير أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف، وقول السدي أخرجه البخاري معلقًا عن سفيان بن عيينة عن صدقة، ووصله ابن أبي حاتم من طريق سفيان بن عيينة عن صدقة عن السدي (تغليق التعليق ٤/ ٢٣٧)، وصدقه هو ابن أبي عمران الكوفي صدوق (التقريب ص ٢٧٤)، وسنده حسن.\n(^٨) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي وهب عنه.","vol":"4","page":708},{"text":"وقد قدمنا - ولله الحمد - في سورة الأنفال قصة معاوية لما كان بينه وبين ملك الروم أمد، فسار معاوية إليهم في آخر الأجل حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم، وهم غارون لا يشعرون، فقال له عمرو بن عبسة: الله أكبر يا معاوية وفاء لا غدر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلنَّ عقده حتى ينقضي أمدها\"، فرجع معاوية ﵁ بالجيش (^١).\nقال ابن عباس: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي: أكثر (^٢).\nوقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثرَ منهم وأعزَّ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز، فنهُوا عن ذلك (^٣). وقال الضحاك وقتادة وابن زيد نحوه (^٤).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني بالكثرة، رواه ابن أبي حاتم (^٥).\nوقال ابن جرير: أي بأمره إياكم بالوفاء بالعهد ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فيجازي كل عامل بعمله من خير وشر (^٦).\n\n<span id=\"aya-1994\"></span>﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.\nيقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] أي: لوفق بينكم ولما جعل اختلافًا ولا تباغض ولا شحناء ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود]، وهكذا قال ههنا: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم فيجازيكم عليها على الفتيل والنقير والقطمير.\n\n<span id=\"aya-1995\"></span>ثم حذَّر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلًا أي: خديعة ومكرًا لئلا تزل قدم بعد ثبوتها، مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها، وزلَّ عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به لم يبق له وثوق\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٥٨.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٥) ذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"4","page":709},{"text":"بالدين، فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام، ولهذا قال: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-1996\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا تعتاضوا عن الأيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها، فإنها قليلة، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله هو خير له؛ أي: جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه وآمن به وطلبه وحفظ عهده رجاء موعوده ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)﴾\n\n<span id=\"aya-1997\"></span>﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ أي: يفرغ وينقضي فإنه إلى أجل معدود محصور مقدر متناه ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ أي: وثوابه لكم في الجنة باقٍ لا انقطاع ولا نفاد له، فإنه دائم لا يحول ولا يزول ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قسم من الرب تعالى متلقى باللام، أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم؛ أي: ويتجاوز عن سيئها.\n\n<span id=\"aya-1998\"></span>﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾.\nهذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحًا وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ من ذكر أو أنثى، من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت.\nوقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب (^١).\nوعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه فسرها بالقناعة (^٢)، وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أنها هي السعادة (^٤).\nوقال الحسن ومجاهد وقتادة: لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة (^٥).\nوقال الضحاك: هي الرزق الحلال (^٦) والعبادة في الدنيا.\nوقال الضحاك أيضًا: هي العمل بالطاعة والانشراح (^٧) بها، والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله.\nكما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي مالك عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن علي ﵁.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الحسن البصري، وفيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٥) قول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عوف الأعرابي عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين أيضًا وهو ابن داود، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه بشر بن عمارة وهو ضعيف.","vol":"4","page":710},{"text":"أيوب، حدثني شرحبيل بن أبي شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: \"قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه\" (^١)، ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقري به (^٢).\nوروى الترمذي والنسائي من حديث أبي هانئ عن أبي علي الجنبي، عن فضالة بن عُبيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"قد أفلح من هدي للإسلام، وكان عيشه كفافًا وقنع به\". وقال الترمذي: هذا حديث صحيح (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام [بن] (^٤) يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يعطى بها خيرًا\" (^٥)، انفرد بإخراجه مسلم (^٦).\n\n<span id=\"aya-1999\"></span>﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾.\nهذا أمر من الله تعالى لعباده على لسان نبيه ﷺ إذا أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، وهذا أمر ندب ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير، ولله الحمد والمنة.\nوالمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته، ويخلط عليه ويمنعه من التدبر والتفكر، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة، وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية (^٧)، ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضًا ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي والصحيح الأول لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2000\"></span>وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ قال الثوري: ليس له عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٦٨) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الزكاة، باب الكفاف والقناعة (ح ١٠٥٤).\n(^٣) سنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر (ح ٢٣٤٩)، والسنن الكبرى، الرقاق (ح ١١٠٣٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٩١٥).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: \"عن\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصحح سنده محققوه (المسند ١٩/ ٢٦٦ ح ١٢٢٣٧).\n(^٦) صحيح مسلم، صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته … (ح ٢٨٠٨).\n(^٧) احتجوا بذلك على أن إعراب الفاء في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ حرف عطف للتعقيب والترتيب، والصحيح أن الفاء رابطة لجواب الشرط.\n(^٨) أخرجه الطبري معلقًا من طريق زافر بني سليمان عن الثوري ووصله ابن أبي الدنيا بسند حسن من طريق زافر به (التوكل ٢٥).","vol":"4","page":711},{"text":"وقال آخرون: معناه: لا حجة له عليهم.\nوقال آخرون: [كقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر] (^١).\n\n<span id=\"aya-2001\"></span>﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قال مجاهد: يطيعونه (^٢).\nوقال آخرون:] (^٣) اتخذوه وليًا من دون الله (^٤). ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أي: أشركوا في عبادة الله. أي أشركوه في عبادة الله، ويحتمل أن تكون الباء سببية؛ أي: صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى.\nوقال آخرون: معناه: أنه شركهم في الأموال والأولاد.\n\n<span id=\"aya-2002\"></span>\n\n<span id=\"aya-2003\"></span>﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾.\nيخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين وقلة ثباتهم وإيقانهم، وأنه لا يتصور منهم الإيمان وقد كتب عليهم الشقاوة، وذلك أنهم إذا رأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا لرسول الله ﷺ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أي: كذَّاب، وإنما هو الرَّب تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.\nوقال مجاهد: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ أي: رفعناها وأثبتنا غيرها (^٥).\nوقال قتادة: هو كقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] (^٦)، فقال تعالى مجيبًا لهم: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ أي: جبريل ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق والعدل ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيصدقوا بما أنزل أولًا وثانيًا، وتخبت له قلوبهم ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أي: وجعله هاديًا وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله (^٧).\n\n<span id=\"aya-2004\"></span>﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت أن محمدًا إنما يعلِّمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعًا يبيع عند الصفا، وربما كان رسول الله ﷺ يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية أو أنه كان يعرف الشيء\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند جيد عن الربيع بن أنس بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد وابن جريج لم يسمع من مجاهد.\n(^٣) الزيادة من (مح) و(ح)، وسقط من الأصل: و(حم).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) كذا في الأصل: و(مح) ورسوله، وفي (حم) و(ح): \"ورسله\".","vol":"4","page":712},{"text":"اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بدّ منه، فلهذا قال الله تعالى: رادًّا عليهم في افترائهم ذلك ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي: القرآن، أي: فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على نبي أُرسل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟ لا يقول هذا من له أدنى مُسكة من العقل!\nقال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: كان رسول الله ﷺ فيما بلغني - كثيرًا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر، عبد لبعض بني الحضرمي، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ (^١). وكذا قال عبد الله بن كثير، وعن عكرمة وقتادة: كان اسمه يعيش (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن مسلم بن عبد الله الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعلم قينًا (^٣) بمكة، وكان اسمه بلعام (^٤)، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله ﷺ يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ (^٥).\nوقال الضحاك بن مزاحم: هو سلمان الفارسي (^٦)، وهذا القول ضعيف، لأن هذه الآية مكية، وسلمان إنما أسلم بالمدينة.\nوقال عبيد الله بن مسلم: كان لنا غلامان روميان يقرآن كتابًا لهما بلسانهما فكان النبي ﷺ يمرُّ بهما فيقوم فيسمع منهما، فقال المشركون: يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية (^٧).\nوقال الزهري، عن سعيد بن المسيب: الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ فارتدَّ بعد ذلك عن الإسلام وافترى هذه المقالة (^٨)، قبحه الله.\n_________\n(^١) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٣٩٣)، وسنده ضعيف لأن ابن إسحاق رواه بلاغًا، ويتقوى بالروايات التالية.\n(^٢) قول عكرمة أخرجه الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عنه، وسنده صحيح لكنه مرسل يتقوى بالمرسل الصحيح عن قتادة الذي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، أما قول عبد الله بن كثير أن اسم الغلام: جبر، فقد أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٣) القين هو الحداد والصائغ.\n(^٤) هو بلعام القين ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة ١/ ١٦٩.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده مسلم الملائي ضعيف كما في التقريب.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، والضحاك من أتباع التابعين فالسند معضل أيضًا.\n(^٧) أخرجه الطبري والواحدي (أسباب النزول ص ٢٨٧)، كلاهما من طريق حُصين عن عبيد الله بن مسلم وصحح سنده الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر تخريج البغوي من هذا الطريق (الإصابة ٢/ ٤٣٩) وقد صحف في تفسير الطبري فورد بإسم عبد الله بن مسلم، والصواب عبيد الله بن مسلم وهو صحابي كما ذكر ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٥/ ٣٣٢) وتهذيب التهذيب ٧/ ٢٤٨.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق الزهري به وسنده صحيح لكنه مرسل.","vol":"4","page":713},{"text":"<span id=\"aya-2005\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾.\nيخبر تعالى أنه لا يهدي من أعرض عن ذكره وتغافل عما أنزله على رسوله ﷺ ولم يكن له قصد إلى الإيمان بما جاء من عند الله، فهذا الجنس من الناس لا يهديهم الله إلى الإيمان بآياته وما أرسل به رسله في الدنيا، ولهم عذاب أليم موجع في الآخرة،\n\n<span id=\"aya-2006\"></span>ثم أخبر تعالى أن رسوله ﷺ ليس بمفترٍ ولا كذَّاب، لأنه إنما يفتري الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ شرار الخلق، ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس، والرسول محمد ﷺ كان أصدق الناس وأبرَّهم وأكملهم علمًا وعملًا وإيمانًا وإيقانًا، معروفًا بالصدق في قومه، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد ﷺ، ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها من صفة رسول الله ﷺ كان فيما قال له: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، فقال هرقل: فما كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله ﷿ (^١).\n\n<span id=\"aya-2007\"></span>\n\n<span id=\"aya-2008\"></span>\n\n<span id=\"aya-2009\"></span>\n\n<span id=\"aya-2010\"></span>﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾.\nأخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به، أنه قد غضب عليه لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابًا عظيمًا في الدار الآخرة، لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الرِّدة لأجل الدنيا، ولم يهد الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم، فهم لا يعقلون بها شيئًا ينفعهم، وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئًا فهم غافلون عما يراد بهم.\n﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: لا بدّ ولا عجب أن من هذه صفته ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة - وأما قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهًا لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله.\nوقد روى العوفي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد ﷺ، فوافقهم على ذلك مكرهًا، وجاء معتذرًا إلى النبي ﷺ، فأنزل الله هذه الآية (^٢). وهكذا قال الشعبي وقتادة وأبو مالك (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان مطولًا (صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي ح ٦؛ وصحيح مسلم، الجهاد، باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل ح ١٧٧٣).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.\n(^٣) قول الشعبي أخرجه ابن أبي شيبة عن جرير عن مغيرة عنه (المصنف ١٣/ ٤٩)، وسنده حسن، وأخرجه =","vol":"4","page":714},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: \"كيف تجد قلبك؟ \" قال: مطمئنًا بالإيمان. قال النبي ﷺ: \"إن عادوا فعد\" (^١). ورواه البيهقي بأبسط من ذلك، وفيه أنه سبَّ النبي ﷺ، وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك للنبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما تركت حتى سببتُك وذكرت آلهتهم بخير، قال: \"كيف تجد قلبك؟ \" قال: مطمئنًا بالإيمان، فقال: \"إن عادوا فعد\"، وفي ذلك أنزل الله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^٢).\nولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يأبى كما كان بلال ﵁ يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعوا الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم، وهو يقول: أحد، أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها، ﵁ وأرضاه.\nوكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه إربًا إربًا وهو ثابت على ذلك (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عكرمة أن عليًا ﵁ حرق ناسًا ارتدُّوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: \"لا تعذبوا بعذاب الله\" وكنت أقاتلهم بقول رسول الله ﷺ: \"من بدل دينه فاقتلوه\" فبلغ ذلك عليًا فقال: ويح أم ابن عباس (^٤)، رواه البخاري (^٥).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال: ما هذا؟ قال: رجل كان يهوديًا فأسلم، ثم تهوَّد ونحن نريده على الإسلام منذ قال أحسبه شهرين، فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه، فضربت عنقه، فقال: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه أو قال: \"من بدَّل دينه فاقتلوه\" (^٦). وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر (^٧).\nوالأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله، كما ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة أنه أسرته الروم، فجاءوا به إلى ملكهم فقال\n_________\n= الطبري من طريق جرير به، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول أبي مالك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حُصين عنه وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا.\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل (ينظر: فتح الباري ١٢/ ٣١٢)، ويشهد له ما سبق.\n(^٢) أخرجه البيهقي من طريق عبد الكريم الجزري به (السنن الكبرى ٨/ ٢٠٨) وسنده كسابقه.\n(^٣) ينظر: أُسد الغابة ١/ ٤٤٣.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢١٧) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة (ح ٦٩٢٢).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٣١) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح البخاري، الموضع السابق (ح ٦٩٢٣) وصحيح مسلم، كتاب الإمارة (ح ١٧٣٣).","vol":"4","page":715},{"text":"له: تنصر وأنا أشركك في مُلكي وأزوجك ابنتي، فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين ما فعلت، فقال: إذًا أقتلك، فقال: أنت وذاك، قال: فأمر به فصُلب، وأمر الرماة فرموه قريبًا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر، وفي رواية ببقرة من نحاس فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى فطمع فيه ودعاه، فقال: إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله. وفي بعض الروايات أنه سجنه ومنع منه الطعام والشراب أيامًا، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي، ولكن لم أكن لأشمِّتك بي، فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك، فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فقبل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب ﵁: حق على كلِّ مسلم أن يُقبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقام فقبَّل رأسه ﵄ (^١).\n\n<span id=\"aya-2011\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾.\nهؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم فوافقوهم على الفتنة، ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا، فأخبر تعالى أنه من بعدها؛ أي: تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة لغفور لهم رحيم بهم يوم معادهم.\n\n<span id=\"aya-2012\"></span>﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ﴾ أي: تحاج ﴿عَنْ نَفْسِهَا﴾ ليس أحد يحاج عنها لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أي: من خير وشر ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على ثواب الشر، ولا يظلمون نقيرًا.\n\n<span id=\"aya-2013\"></span>\n\n<span id=\"aya-2014\"></span>﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾.\nهذا مثل أُريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمنًا لا يخاف، كما قال تعالى ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧]، وهكذا قال ههنا: ﴿يَأْتِيهَا\n_________\n(^١) ينظر: أسد الغابة ٣/ ٢١٢، وهذه القصة مشهورة تنصُّ على منقبة عظيمة لعبد الله بن حذافة ﵁.","vol":"4","page":716},{"text":"رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ أي: هنيئًا سهلًا ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ أي: جحدت آلاء الله عليها، وأعظمها بعثة محمد ﷺ إليهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم] ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما، فقال: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ أي: ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليهم ثمرات كل شيء، ويأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، وذلك لمّا استعصوا على رسول الله ﷺ وأبوا إلا خلافه فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العلهز (^١). وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه.\nوقوله: ﴿وَالْخَوْفِ﴾ وذلك أنهم بدلوا بأمنهم خوفًا من رسول الله ﷺ وأصحابه حين هاجروا إلى المدينة من سطوته وسراياه وجيوشه، وجعل كل ما لهم في دمار وسفال حتى فتحها الله على رسوله ﷺ، وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول ﷺ الذي بعثه الله فيهم منهم، وامتن به عليهم في قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤].\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ الآية [الطلاق]، وقوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١، ١٥٢].\nوكما أنه انعكس على الكافرين حالهم فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرغد، فبدَّل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمنًا، ورزقهم بعد العيلة، وجعلهم أمراء الناس وحُكَّامهم وسادتهم وقادتهم وأئمتهم، وهذا الذي قلناه من أن هذا المثل ضرب لأهل مكة قاله العوفي عن ابن عباس (^٢)، وإليه ذهب مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحكاه مالك عن الزهري ﵏ (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا عبد الرحمن بن شريح، أن عبد الكريم بن الحارث الحضرمي حدثه أنه سمع [مِشرح] (^٤) بن هاعان يقول: سمعت سُليم بن عِتر يقول: صدرنا من الحج مع حفصة زوج النبي ﷺ وعثمان ﵁ محصور بالمدينة، فكانت تسأل عنه ما فعل؟ حتى رأت راكبين فأرسلت إليهما تسألهما فقالا: قتل، فقالت حفصة: والذي نفسي بيده إنها القرية - تعني: المدينة - التي قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ قال ابن شريح: وأخبرني عبيد الله بن المغيرة عمن حدثه أنه كان يقول: إنها المدينة (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة يوسف آية ٤٦.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يلي.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي وهب عنه.\n(^٤) كذا في (ح) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحف إلى: \"شرخ\"، وفى (حم): \"سرح\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده مِشرح بن عاهان مقبول كما في (التقريب ص ٥٣٢)، والشق الأخير فيه إبهام شيخ عبد الله بن المغيرة.","vol":"4","page":717},{"text":"<span id=\"aya-2015\"></span>﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطيب وبشكره على ذلك فإنه المنعم المتفضل به ابتداء الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له،\n\n<span id=\"aya-2016\"></span>ثم ذكر تعالى ما حرمه عليهم مما فيه مضرة لهم في دينهم ودنياهم من الميتة والدم ولحم الخنزير ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي ذبح على غير اسم الله، ومع هذا ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ إليه أي: احتاج من غير بغي ولا عدوان ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في سورة البقرة (^١) بما فيه كفاية عن إعادته، ولله الحمد.\n\n<span id=\"aya-2017\"></span>\n\n<span id=\"aya-2018\"></span>ثم نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك، مما كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلَّل شيئًا مما حرَّم الله، أو حرم شيئًا مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه، وما في قوله: ﴿لِمَا تَصِفُ﴾ مصدرية؛ أي: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم.\nثم توعد على ذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فمتاع قليل، وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم، كما قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان] وقال: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-2019\"></span>﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾.\nلما ذكر تعالى أنه إنما حرَّم علينا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وإنما أرخص فيه عند الضرورة - وفي ذلك توسعة لهذه الأمة التي يريد الله بها اليسرى ولا يريد بها العسرى - ذكر ﷾ ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها، وما كانوا فيه من الآصار والتضييق والأغلال والحرج، فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في سورة الأنعام في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] ولهذا قال ههنا: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ أي: فيما\n_________\n(^١) في الآية رقم ١٣٧.","vol":"4","page":718},{"text":"ضيقنا عليهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: فاستحقوا ذلك، كما قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء].\n\n<span id=\"aya-2020\"></span>ثم أخبر تعالى تكرمًا وامتنانًا في حق العصاة المؤمنين أن من تاب منهم إليه تاب عليه، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل.\n﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ أي: أقلعوا عما كانوا فيه من المعاصي وأقبلوا على فعل الطاعات ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: تلك الفعلة والزلة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-2021\"></span>﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾.\nيمدح تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء ووالد الأنبياء، ويبرئه من المشركين ومن اليهودية والنصرانية، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ فأما الأُمة: فهو الإمام الذي يقتدى به، والقانت: هو الخاشع المطيع، والحنيف: المنحرف قصدًا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين: أنه سأل عبد الله بن مسعود عن الأُمة القانت، فقال: الأمة معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله (^١).\nوعن مالك قال: قال ابن عمر: الأمة الذي يعلِّم الناس دينهم (^٢).\nوقال الأعمش، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين أنه جاء إلى عبد الله فقال: من نسأل إذا لم نسألك؟ فكأن ابن مسعود رقَّ له، فقال: أخبرني عن الأُمة، فقال: الذي يعلِّم الناس الخير (^٣).\nوقال الشعبي: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذًا كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، وقال إنما قال الله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ فقال: أتدري ما الأُمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم، فقال: الأُمة الذي يعلم الخير، والقانت المطيع لله ورسوله (^٤)، وكذلك كان معاذ. وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود، أخرجه ابن جرير (^٥).\nوقال مجاهد: أُمة؛ أي: أُمة وحده، والقانت المطيع (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري به وسنده صحيح.\n(^٢) سنده منقطع لأن مالكًا لم يسمع من ابن عمر، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الأعمش عن الحكم عن يحيى بن الجزار به وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري عن فراس به وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥٨)، وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٠/ ٧٠ ح ٩٩٤٣) من طريق الثوري به وقال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٤٩).\n(^٥) أخرجه الطبري من عدة طرق عن ابن مسعود.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"4","page":719},{"text":"وقال مجاهد أيضًا: كان إبراهيم أُمة أي: مؤمنًا وحده والناس كلهم إذ ذاك كفار.\nوقال قتادة: كان إمام هدى، والقانت المطيع لله (^١).\n\n<span id=\"aya-2022\"></span>وقوله: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ أي: قائمًا بشكر نعم الله عليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم] أي: قام بجميع ما أمره الله تعالى به.\nوقوله: ﴿اجْتَبَاهُ﴾ أي: اختاره واصطفاه كقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١)﴾ [الأنبياء]، ثم قال: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي.\n\n<span id=\"aya-2023\"></span>وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: أي جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: أي لسان صدق (^٢).\n\n<span id=\"aya-2024\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي: ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه، أنا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كما قال في الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ ثم قال تعالى منكرًا على اليهود:\n\n<span id=\"aya-2025\"></span>﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾.\nلا شك أن الله تعالى شرع في كل ملة يومًا من الأسبوع يجتمع الناس فيه للعبادة فشرع تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة واجتمعت فيه، وتمت النعمة على عباده، ويقال: إن الله تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى فعدلوا عنه، واختاروا السبت لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئًا من المخلوقات الذي كمل خلقها يوم الجمعة فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة، ووصَّاهم أن يتمسكوا به وأن يحافظوا عليه مع أمره إياهم بمتابعة محمد ﷺ إذا بعثه وأَخْذِه مواثيقهم وعهودهم على ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.\nقال مجاهد: اتبعوه وتركوا الجمعة (^٣). ثم إنهم لم يزالوا متمسكين به حتى بعث الله عيسى ابن مريم، فيقال: إنه حولهم إلى يوم الأحد، ويقال إنه لم يترك شريعة التوراة إلا ما نسخ من بعض أحكامها، وإنه لم يزل محافظًا على السبت حتى رفع، وإن النصارى بعده في زمن قسطنطين هم الذين تحولوا إلى يوم الأحد مخالفة لليهود، وتحولوا إلى الصلاة شرقًا عن الصخرة، والله أعلم.\nوقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ قال: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"4","page":720},{"text":"قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدًا والنصارى بعد غد\" لفظ البخاري (^١).\nوعن أبي هريرة وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: \"أضلَّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، والمقضى بينهم قبل الخلائق\" رواه مسلم (^٢).\n\n<span id=\"aya-2026\"></span>﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله محمدًا ﷺ أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة.\nقال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، ذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى.\nوقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون ﵉ حين بعثهما إلى فرعون في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه].\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية؛ أي: قد علم الشقي منهم والسعيد، وكتب ذلك عنده وفرغ منه، فادعهم إلى الله ولا تذهب نفسك على من ضلَّ منهم حسرات، فإنه ليس عليك هداهم إنما أنت نذير عليك البلاغ وعلينا الحساب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢].\n\n<span id=\"aya-2027\"></span>﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾.\nيأمر تعالى بالعدل في القصاص والمماثلة في استيفاء الحق، كما قال عبد الرزاق عن الثوري، عن خالد، عن ابن سيرين أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إن أخذ منكم رجل شيئًا فخذوا مثله (^٣)، وكذا قال مجاهد وإبراهيم والحسن البصري وغيرهم واختاره ابن جرير (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ. . .﴾ [البقرة: ٢٢٥] (ح ٦٦٢٤)، وصحيح مسلم، الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (ح ٨٥٥).\n(^٢) المصدر السابق (ح ٨٥٦).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق خالد به (المصنف ٧/ ٢٢٥).\n(^٤) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: \"لا تعتدوا\"، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق منصور عنه.","vol":"4","page":721},{"text":"وقال ابن زيد: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين فأسلم رجال ذوو منعة فقالوا: يا رسول الله لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب. فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد (^١).\nوقال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد حين قتل حمزة ﵁ ومثل به، فقال رسول الله ﷺ: \"لئن أظهرني الله عليهم لأُمثِّلن بثلاثين رجلًا منهم\" فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنُمثِّلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ. . .﴾ إلى آخر السورة (^٢)، وهذا مرسل وفيه رجل مبهم لم يسم.\nوقد روي هذا من وجه آخر متصل، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا صالح المري، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة بن عبد المطلب ﵁ حين استشهد فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه، أو قال لقلبه، فنظر إليه وقد مُثِّل به، فقال: \"رحمة الله عليك إن كنت ما علمتك إلا وصولًا للرحم، فعولًا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع - أو كلمة نحوها - أما والله على ذلك لأُمثِّلنَّ بسبعين كمثلتك\" فنزل جبريل ﵇ على محمد ﷺ بهذه السورة وقرأ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر الآية، فكفَّر رسول الله ﷺ عن يمينه وأمسك عن ذلك (^٣). وهذا إسناد فيه ضعف، لأن صالحًا هو ابن بشير المري ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث، وقال الشعبي وابن جريج: نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مُثِّل بهم لنُمثِّلنَّ بهم فانزل الله فيهم ذلك.\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا هديّة بن عبد الوهاب المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا عيسى بن عبيد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلًا، ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنربيّن عليهم، فلما كالن يوم الفتح قال رجل: لا تعرف قريش بعد اليوم، فنادى مناد: إن رسول الله ﷺ قد أمن الأسود والأبيض إلا فلانًا وفلانًا - ناسًا سماهم - فأنزل الله ﵎: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة، فقال رسول الله ﷺ: \"نصبر ولا نعاقب\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد وسنده صحيح لكنه معضل لأن عبد الرحمن بن زيد من أتباع التابعين.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لإبهام شيخ ابن إسحاق، ويشهد لبعضه حديث أُبي بن كعب ﵁ الآتي بعد التالي.\n(^٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ١٧٩٥)، وفي سنده: صالح بن بشير المري وهو ضعيف ويشهد لبعضه الحديث التالي عن أُبي بن كعب.\n(^٤) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومتنه، (المسند ٥/ ١٣٥)، وسنده حسن، وأخرجه الترمذي من طريق الفضل بن موسى به وقال: حديث حسن غريب (السنن، تفسير القرآن، باب =","vol":"4","page":722},{"text":"وهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن، فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل كما في قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ثم قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [الشورى: ٤٠]. وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ثم قال: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] وقال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2028\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ تأكيد للأمر بالصبر وإخبار بأن ذلك لا ينال إلا بمشيئة الله وإعانته، وحوله وقوته، ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على من خالفك فإن الله قدر ذلك ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ أي: غم ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: مما يجهدون أنفسهم في عداوتك وإيصال الشر إليك. فإن الله كافيك وناصرك ومؤيدك ومظهرك ومظفرك بهم.\n\n<span id=\"aya-2029\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ أي: معهم بتأييده ونصره ومعونته وهديه وسعيه وهذه معية خاصة كقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وقوله لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وقول النبي ﷺ للصديق وهما في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] (^١).\nوأما المعية العامة فبالسمع والبصر والعلم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ [يونس: ٦١].\nومعنى ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: تركوا المحرمات، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي: فعلوا الطاعات، فهؤلاء الله يحفظهم ويكلؤهم وينصرهم ويؤيدهم ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا مسعر، عن عون، عن محمد بن حاطب: كان عثمان ﵁ من الذين اتقوا والذين هم محسنون (^٢) (^٣).\nآخر تفسير سورة النحل، ولله الحمد.\n_________\n= ومن سورة النحل ح ٣١٢٩)، وقال الألباني: حسن صحيح الإسناد (صحيح سنن الترمذي ح ٢٥٠١)، وأخرجه الحاكم من طريق الفضل بن موسى به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥٨) وكذا ابن حبان (الإحسان ٢/ ٢٣٩ ح ٤٨٧) وحسنه محققه، وكذا أخرجه الضياء (المختارة ٣/ ٣٥٠ ح ١١٤٣) وحسنه محققه.\n(^١) أخرجهما الشيخان من حديث البراء ﵁ (صحيح البخاري، المناقب، باب علامات النبوة (ح ٣٦١٥)، وصحيح مسلم، الزهد (ح ٢٠٠٩).\n(^٢) سنده صحيح.\n(^٣) ورد في آخر الجزء ما يلي: تم الجزء الأول من تفسير ابن كثير بحمد الله وحسن توفيقه، ويتلوه في الجزء الثاني أول تفسير سورة الإسراء والحمد لله على التمام والله المسؤول أن يعين على إتمام باقيه في عافية وأن يجمع بيننا وبين من كتب له هو: الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ مشائخ الإسلام، ماضي النقض والإبرام، محيي العدل في الأنام محمد أبو السعادات بن نور الدين كان الله معه في سفره وحضره، ورزقه السلامة من آفات البر والبحر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم. والحمد لله رب العالمين.","vol":"4","page":723},{"text":"<span data-type='title' id=toc-125>تفسير سورة سبحان</span>\nوهي مكية\nقال الإمام [الحافظ المتقن أبو عبد الله محمد بن إسماعيل] (^١) البخاري: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، سمعت ابن مسعود ﵁ قال -في \"بني إسرائيل\" و\"الكهف\" و\"مريم\"-: إنهن من العتاق (^٢) الأُوَل، وهن من تلادي (^٣) (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد، عن مروان أبي لبابة، سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ كل ليلة بني \"إسرائيل\" و\"الزمر\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-2030\"></span>﷽\n﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾.\nيمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره ولا رب سواه، ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿لَيْلًا﴾ أي: في جنح الليل ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وهو مسجد مكة ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ وهو بيت المقدس الذي بإيلياء (^٦) معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا جُمعوا له هناك كلُّهم فأمَّهم في محلتهم ودارهم (^٧)، فدلَّ على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ أي: في الزروع والثمار ﴿لِنُرِيَهُ﴾ أي: محمدًا ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(ح).\n(^٢) العتاق جمع عتيق وهو القديم، أو هو كل ما بلغ الغاية في الجودة.\n(^٣) أي مما حفظ قديمًا، والتلاد قديم المِلْك، ومراد بن مسعود ﵁: أنهن من أوائل ما تعلم من القرآن.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه، (الصحيح، التفسير، سورة بني إسرائيل ح ٤٧٠٨).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصحح سنده محققوه دون قوله: وكان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر (المسند ٤٢/ ٣٥٩ ح ٢٥٥٥٦)، وأخرجه الترمذي وقال: حسن غريب (السنن، فضائل القرآن، باب فضل سورة الإسراء والزمر ح ٢٩٢٠)، وأخرجه الحاكم من طريق حماد بن زيد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٣٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٣٢)، وأخرجه النسائي في الكبرى من طريق حماد به وحسنه محققه د. فاروق حمادة (عمل اليوم والليلة ح ٧١٢).\n(^٦) إيلياء أي: القدس وهي المدينة التي بها المسجد الأقصى.\n(^٧) ستأتي الرواية مخرجة في تفسير هذه الآية.","vol":"5","page":5},{"text":"أي: العظام. كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم] وسنذكر من ذلك ما وردت به السنة من الأحاديث عنه ﷺ، وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم، البصير بهم فيعطي كلًّا منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة.\nذكر الأحاديث الواردة في الإسراء:\nرواية أنس بن مالك ﵁:\nقال الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثني عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان -هو ابن بلال- عن شريك بن عبد الله قال (^١): سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أُسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة: إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال: أوسطهم، هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم.\nفكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عيناه ولا ينام قلبه -وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم- فلم يكلموه حتى احتفلوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل فشقَّ جبريل ما بين نحره إلى لَبَّته (^٢) حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور (^٣) من ذهب محشو إيمانًا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده -يعني عروق حلقه- ثم أطبقه (^٤) ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، ووجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلِّم عليه، فسلَّم عليه وردَّ عليه آدم فقال: مرحبًا وأهلًا بابني نِعَم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال: \"ما هذان النهران يا جبريل؟ \" قال: هذان النيل والفرات؛ عنصرهما.\nثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، ثم عَرَجَ إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلًا، ثم عَرَجَ به إلى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فقالوا له\n_________\n(^١) قال الحافظ ابن حجر: وقد خالف فيه شريك أصحاب أنس في إسناده ومتنه، أما الإسناد فإن قتادة يجعله عن أنس عن مالك بن صعصعة، والزهري يجعله عن أنس عن أبي ذرٍّ، وثابت يجعله عن أنس من غير واسطة، لكن سياق ثابت لا مخالفة بينه وبين سياق قتادة والزهري. وسياق شريك يخالفهم في التقديم والتأخير والزيادة المنكرة (هدي الساري ص ٣٨٣).\n(^٢) اللَّبة: موضع النحر.\n(^٣) أي: إناء.\n(^٤) فيه اختصار ذكر ركوب البُراق.","vol":"5","page":6},{"text":"مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم إدريس في الثانية (^١)، وهارون في الرابعة (^٢) وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة (^٣) وموسى في السابعة (^٤) بتفضيل كلام الله تعالى، فقال موسى: ربِّ لم أظن أن ترفع علي أحدٌ، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله ﷿ حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربُّ العزة فتدلى (^٥)، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه فيما يوحي خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط به حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟ قال: \"عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة\" قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم. فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار تعالى، فقال وهو في مكانه: \"يا ربِّ خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا\" فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي ﷺ إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: \"يا رب إني أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنا\" فقال الجبار ﵎: يا محمد. قال: \"لبيك وسعديك\" قال: إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب، فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أُم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: \"خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها\" قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا. قال رسول الله ﷺ: \"يا موسى قد والله استحييت من ربي ﷿ مما أختلف إليه\" قال: فاهبط باسم الله.\nقال: واستيقظ وهو في المسجد الحرام. هكذا ساقه البخاري في كتاب التوحيد (^٦)، ورواه في صفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر عبد الحميد عن سليمان بن بلال (^٧). ورواه مسلم عن هارون بن سعيد بن عن ابن وهب عن سليمان قال: فزاد ونقص وقدم وأخر (^٨) (^٩)، وهو كما قال مسلم فإن شريك بن عبد الله بن أبي\n_________\n(^١) الصحيح أنه رأى في السماء الثانية: عيسى ويحيى بن زكريا.\n(^٢) الصحيح أنه رأى في السماء الرابعة: إدريس.\n(^٣) الصحيح أنه رأى في السماء السادسة: موسى.\n(^٤) الصحيح أنه رأى في السماء السابعة: إبراهيم.\n(^٥) هذه الزيادة تفرد بها شريك وهي منكرة مخالفة لجميع روايات الصحيحين.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التوحيد، باب ما جاء في قوله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ح ٧٥١٧).\n(^٧) الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب صفة النبي ﷺ (ح ٣٥٧٠).\n(^٨) الصحيح، الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ (ح ١٦٢).\n(^٩) قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر في كتابه \"الانتصار لأيامي الأمصار\" عن ابن حزم قال: لم نجد للبخاري =","vol":"5","page":7},{"text":"نمر اضطرب في هذا الحديث وساء حفظه ولم يضبطه كما سيأتي بيانه إن شاء الله في الأحاديث الأخر (^١)، ومنهم من يجعل هذا منامًا توطئة لما وقع بعد ذلك والله أعلم.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي في حديث شريك زيادة تفرد بها، على مذهب من زعم أنه ﷺ رأى الله ﷿ يعني قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ الجبار رب العزة ﴿فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم]. قال: وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل ﵇ أصح (^٢).\nوهذا الذي قاله البيهقي ﵀ في هذه المسألة هو الحق، فإن أبا ذرٍّ قال: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: \"نور أنى أراه\" وفي رواية: \"رأيت نورًا\" أخرجه مسلم ﵀ (^٣)، وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم] إنما هو جبريل ﵇، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين، وعن ابن مسعود، وكذلك هو في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ (^٤)، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"أُتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبت فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن قال جبريل: أصبت الفطرة. قال: ثم عرج بي إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحَّب ودعا لي بالخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا بي ودعوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ فقال: محمد ﷺ. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف ﵇، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحَّب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد، فقيل: قد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه ففتح الباب فإذا أنا\n_________\n= ومسلم في كتابيهما شيئًا لا يحتمل مخرجًا إلا حديثين، ثم غلبه في تخريجه الوهم مع اتقانهما وصحة معرفتهما، فذكر هذا الحديث .. ثم بين العذر في ذلك فقال: فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يسقط جميع الحديث، لاسيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور. (فتح الباري ١٣/ ٤٨٥).\n(^١) تتبع الحافظ ابن حجر أوهام شريك في هذا الحديث (ينظر: فتح الباري ١٣/ ٤٨٤ - ٤٨٦).\n(^٢) دلائل النبوة ٢/ ٣٨٥.\n(^٣) صحيح مسلم، الإيمان، باب في قوله ﵇: \"نور أنى أراه … \" (ح ١٧٨).\n(^٤) حديث عائشة ﵂، أخرجه البخاري (الصحيح، بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم \"آمين\" … ح ٣٢٣٥)، ومسلم (الصحيح، الإيمان، باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم] ح ١٧٧) وحديث ابن مسعود ﵁ أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم] ح ٥٨٥٦)، ومسلم (الصحيح، الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى ح ١٧٤).","vol":"5","page":8},{"text":"بإدريس فرحَّب ودعا لي بخير، ثم قال: يقول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم]، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بموسى ﵇، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﵇، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيَّرت فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها.\nقال: فأوحى الله إليّ ما أوحى، وقد فرض عليَّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فنزلتُ حتى انتهيت إلى موسى، قال: ما فرض ربك على أُمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمتك، فإن أُمتك لا تطيق ذلك وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي فقلت: أي ربِّ خفِّف عن أمتي فحطَّ عني خمسًا، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فعلت؟ فقلت: قد حطَّ عني خمسًا. فقال: إن أُمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمتك، قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحطّ عني خمسًا خمسًا حتى قال: يا محمد هن خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فقال رسول الله ﷺ: \"لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت\" (^١). ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ، عن حماد بن سلمة بهذا السياق (^٢)، وهو أصح من سياق شريك.\nقال البيهقي: وفي هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسري به ﵊ من مكة إلى بيت المقدس، وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ أُتي بالبراق ليلة أسري به مسرَّجًا ملجَّمًا ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا فوالله ما ركبك قط أكرم على الله منه؟ قال: فارفضَّ (^٤) عرقًا (^٥)، ورواه الترمذي عن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣/ ١٤٨، ١٤٩) وسنده صحيح. قال القاضي عياض: وحديث اتفق وأجود (الشفا ١/ ١٨٠).\n(^٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ (ح ١٦٢).\n(^٣) دلائل النبوة ٢/ ٣٨٥.\n(^٤) أي: سال عرقًا.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠/ ١٠٧ ح ١٢٦٧٢) وصحح سنده محققوه. وأخرجه عبد الرزاق به.","vol":"5","page":9},{"text":"إسحاق بن منصور، عن عبد الرزاق، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديثه (^١).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني راشد بن سعيد وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما عرج بي إلى ربي ﷿ مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم\" (^٢). وأخرجه أبو داود من حديث صفوان بن عمرو به، ومن وجه آخر ليس فيه أنس (^٣)، فالله أعلم.\nوقال أيضًا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سليمان التيمي، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"مررت ليلة أُسري بي على موسى ﵇ قائمًا يصلي في قبره\" (^٤).\nورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن سليمان بن طرخان التيمي وثابت البناني، كلاهما عن أنس (^٥). قال النسائي: هذا أصح من رواية من قال: سليمان عن ثابت، عن أنس.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا وهب بن بقيَّة، حدثنا خالد، عن التيمي، عن أنس قال: أخبرني بعض أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ ليلة أسري به، مرَّ على موسى وهو يصلي في قبره (^٦).\nوقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا معتمر، عن أبيه قال: سمعت أنسًا أن النبي ﷺ ليلة أسري به مر بموسى وهو يصلي في قبره، قال أنس ذكر أنه حمل على البراق فأوثق الدابة أو قال الفرس. قال أبو بكر: صفها لي، فقال رسول الله ﷺ: \"هي كذه وذه\" فقال: أشهد أنك رسول الله. وكان أبو بكر ﵁ قد رآها (^٧).\nوقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في مسنده: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا الحارث بن عبيد، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"بينا أنا نائم إذ جاء جبريل ﵇ فوكز بين كتفيّ فقمت إلى شجرة فيها كَوَكْرَي الطير، فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر، فَسَمَتْ وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلبَ طرفي ولو شئت أن أمسَّ السماء لمسست، فالتفتُّ إلى جبريل كأنه حلس لاط (^٨) فعرفت فضل علمه بالله عليَّ، وفتح لي باب من أبواب السماء فرأيت النور الأعظم، وإذا دون الحجاب رفرف\n_________\n(^١) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل (ح ٣١٣٠)، وصححه سنده الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٥٠٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١/ ٥٣ ح ١٣٣٤٠) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) سنن أبي داود -الأدب- باب الغيبة (ح ٤٨٧٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٨٢).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٢٤) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل موسى ﵇ (ح ٢٣٧٥).\n(^٦) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه، وصحح سنده محققه (المسند ٧/ ١١٧ ح ٤٠٦٧).\n(^٧) أخرجه أبو يعلى بسنده بنحوه وصحح سنده محققه (المسند ٧/ ١٢٦ ح ٤٠٨٤) وبهذا السند أخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٥٠).\n(^٨) أي: كساء لاصق على الجسم.","vol":"5","page":10},{"text":"الدر والياقوت، وأوحي إلي ما شاء الله أن يوحى\". ثم قال: ولا نعلم روى هذا الحديث إلا أنس، ولا نعلم رواه عن أبي عمران الجوني إلا الحارث بن عبيد، وكان رجلًا مشهورًا من أهل البصرة (^١).\nورواه الحافظ البيهقي في الدلائل عن أبي بكر القاضي، عن أبي جعفر محمد بن علي بن دحيم، عن محمد بن الحسين بن أبي الحسين، عن سعيد بن منصور؛ فذكره بسنده مثله، ثم قال: وقال غيره في هذا الحديث في آخره: ولط دوني، أو قال: دون الحجاب رفرف الدر والياقوت، ثم قال: هكذا رواه الحارث بن عبيد (^٢)، ورواه حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجوني، عن محمد بن عمير بن عطارد، أن النبي ﷺ كان في ملأٍ من أصحابه، فجاءه جبريل فنكت في ظهره، فذهب به إلى الشجرة وفيها مثل وكري الطير، فقعد في أحدهما وقعد جبريل في الآخر، فنشأت بنا حتى بلغت الأفق، فلو بسطت يدي إلى السماء لنلتها، فدُلِّي بسبب، وهبط النور، فوقع جبريل مغشيًا عليه كأنه حلس، فعرفت فضل خشيته على خشيتي، فأوحي إلي: نبيًا ملكًا أو نبيًا عبدًا وإلى الجنة ما أنت؟ فأومأ إليّ جبريل وهو مضطجع أن تواضع. قال: قلت: لا بل نبيًا عبدًا (^٣).\nقلت: وهذا إن صح يقتضي أنها واقعة غير ليلة الإسراء، فإنه لم يذكر فيها بيت المقدس ولا الصعود إلى السماء فهي كائنة غير ما نحن فيه، والله أعلم.\nوقال البزار أيضًا: حدثنا عمرو بن عيسى حدثنا أبو بحر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس أن محمدًا ﷺ رأى ربه ﷿ (^٤)، وهذا غريب.\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا يونس، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن أنس بن مالك قال: لما جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ بالبراق فكأنها حركت ذنبها، فقال لها جبريل: مه يا براق فوالله إن ركبك مثله (^٥)، وسار رسول الله ﷺ فإذا هو بعجوز على جانب الطريق فقال: \"ما هذه يا جبريل؟ \" قال: سر يا محمد، قال: فسار ما شاء الله أن يسير؛ فإذا شيء يدعوه متنحيًا عن الطريق فقال: هلمَّ يا محمد، فقال له جبريل: سر يا محمد فسار ما شاء الله أن يسير، قال: فلقيه خلق من خلق الله فقالوا: السلام عليك (يا أول)، السلام عليك (يا آخر)، السلام عليك يا حاشر، فقال له جبريل: اردد السلام يا محمد فردَّ السلام، ثم لقيه الثانية فقال له مثل مقالته\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٥٨) وقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١/ ٨٠) ولكن الحارث بن عبيد له مناكير، وهذا الحديث منها؛ هكذا قرر الحافظ ابن حجر (مختصر زوائد البزار ١/ ٩٥).\n(^٢) دلائل النبوة ٢/ ٣٦٩، وفي سنده أيضًا الحارث بن عبيد.\n(^٣) دلائل النبوة ٢/ ٣٦٩ وقد جزم البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان والعسكري بأنه مرسل (ينظر لسان الميزان ٥/ ٣٣٠).\n(^٤) سنده ضعيف ومتنه غريب مخالف لما في الصحيحين كما تقدم، وفيه أبو بحر وهو عبد الرحمن بن عثمان بن أمية البكراوي ضعيف (التقريب ص ٣٤٦).\n(^٥) إن هنا نافية فيكون المعنى: ما ركبك مثله.","vol":"5","page":11},{"text":"الأولى ثم الثالثة كذلك، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الخمر والماء واللبن، فتناول رسول الله ﷺ اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت ولغوت أمتك، ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء ﵈ فأمهم رسول الله ﷺ تلك الليلة. ثم قال له جبريل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق فلم يبقَ من الدنيا إلا كما بقي من عمر تلك العجوز. وأما الذي أراد أن تميل إليه فذاك عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه، وأما الذين سلَّموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ (^١). وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن وهب (^٢). وفي بعض ألفاظه نكارة وغرابة.\n(طريق أخرى): عن أنس بن مالك، وفيها غرابة ونكارة جدًا وفي سنن النسائي والمجتبى ولم أرها في الكبير قال: حدثنا عمرو بن هشام، حدثنا مخلد هو: ابن الحسين، عن سعيد بن عبد العزيز، حدثنا يزيد بن أبي مالك، حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: \"أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل خطوها عند منتهى طرفها، فركبت ومعي جبريل ﵇ فسرت فقال: انزل فصلَّ، فصليت. فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر، ثم قال: انزل فصلِّ، فصليت. فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء حيث كلَّم الله موسى، ثم قال: انزل فصلَّ، فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ﵇، ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء ﵈، فقدمني جبريل ﵇ حتى أممتهم ثم صعد بي إلى السماء الدنيا فإذا فيها آدم ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الثانية فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى ﵉، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فإذا فيها يوسف ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فإذا فيها هارون ﵇ (^٣)، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فإذا فيها إدريس ﵇ (^٤).\nثم صعد بي إلى السماء السادسة فإذا فيها موسى ﵇، ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا فيها إبراهيم ﵇، ثم صعد بي فوق سبع سموات وأتيت سدرة المنتهى فغشيتني ضبابة فخررت ساجدًا فقيل لي: إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأُمتك فرجعت إلا إبراهيم فلم يسألني عن شيء ثم أتيت موسى ﵇، فقال: كم فرض ربك على أُمتك قلت: خمسين صلاة، قال: فإنك لا تستطيع أن تقوم بها لا أنت ولا أُمتك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فرجعت إلى ربي فخفف عني عشرًا، ثم أتيت موسى فأمرني بالرجوع فرجعت فخفف عني عشرًا، ثم رُدّت إلى خمس صلوات، قال: فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتين فما قاموا بهما، فرجعت إلى ربي ﷿ فسألته التخفيف، فقال: إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أُمتك خمسين صلاة، فخمس بخمسين فقم بها أنت وأُمتك، قال: فعرفت أنها من الله ﷿ صرّي (^٥) فرجعت\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وأخرجه الضياء المقدسي من طريق يونس به (المختارة ٦/ ٢٥٨) وفيه غرابة كما قال الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه البيهقي من طريق ابن وهب به (دلائل النبوة ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(^٣) الصحيح فيها إدريس.\n(^٤) الصحيح فيها هارون.\n(^٥) أي: عزيمة باقية لا تقبل النسخ.","vol":"5","page":12},{"text":"إلى موسى ﵇ فقال: ارجع، فعرفت أنها من الله ﷿ صرّى -يقول أي حتم- فلم أرجع\" (^١).\n(طريق أخرى): وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان ليلة أسري برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس أتاه جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل، حمله جبريل عليها ينتهي خفها حيث ينتهي طرفها، فلما بلغ بيت المقدس وبلغ المكان الذي يقال له: باب محمد ﷺ أتى إلى الحجر الذي ثمة، فغمزه جبريل بأصبعه فثقبه، ثم ربطها ثم صعد فلما استويا في صرحة المسجد (^٢) قال جبريل: يا محمد هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ فقال: \"نعم، فقال: فانطلق إلى أولئك النسوة، فسلم عليهنَّ وهن جلوس عن يسار الصخرة، قال: \"فأتيتهن فسلمت عليهنَّ فرددن علي السلام فقلت: من أنتنَّ؟ فقلن: نحن خيرات حسان نساء قوم أبرار نقوا فلم يدرنوا. وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا. قال: ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيرًا حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذَّن مؤذن وأقيمت الصلاة، قال: فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا فأخذ بيدي جبريل ﵇ فقدمني فصليت بهم، فلما انصرفت قال جبريل: يا محمد أتدري من صلى خلفك؟ قال: قلت: لا. قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله ﷿.\nقال: ثم أخذ بيدي جبريل فصعد بي إلى السماء، فلما انتهينا إلى الباب استفتح فقالوا: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال نعم، قال: ففتحوا له وقالوا: مرحبًا بك وبمن معك، قال: فلما استوى على ظهرها إذا فيها آدم، فقال لي جبريل: يا محمد ألا تسلم على أبيك آدم؟ قال: قلت: بلى، فأتيته فسلمت عليه فردَّ عليَّ وقال: مرحبًا بابني الصالح والنبي الصالح، قال: ثم عرج بي إلى السماء الثانية، فاستفتح فقالوا: من أنت؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، ففتحوا له وقالوا: مرحبًا بك وبمن معك فإذا فيها عيسى وابن خالته يحيى ﵉، قال: ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، ففتحوا له وقالوا: مرحبًا بك وبمن معك، فإذا فيها يوسف ﵇، ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح قالوا: من أنت؟ قال: جبريل، فقالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: ففتحوا له، وقالوا: مرحبًا بك وبمن معك، فإذا فيها إدريس ﵇، قال: فعرج بي إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقالوا: من أنت؟ قال: جبريل؟ قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: ففتحوا وقالوا: مرحبًا بك وبمن معك، وإذا فيها هارون ﵇.\nثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل، فقالوا: من أنت؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: ففتحوا، وقالوا: مرحبًا بك وبمن معك، وإذا فيها موسى ﵇، ثم عرج بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل فقالوا: من أنت؟\n_________\n(^١) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن، الصلاة، باب فرض الصلاة ١/ ٢٢١) وفي سنده يزيد بن أبي مالك وهو الدمشقي القاضي صدوق ربما وهم (التقريب ص ٦٠٣). ولعل الغرابة والنكارة بسببه.\n(^٢) أي: ساحة المسجد.","vol":"5","page":13},{"text":"قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، ففتحوا له، وقالوا: مرحبًا بك وبمن معك وإذا فيها إبراهيم ﵇ فقال جبريل: يا محمد ألا تسلم على أبيك إبراهيم؟ قلت: بلى، فأتيته فسلمت عليه فردَّ عليَّ السلام وقال: مرحبًا بابني الصالح والنبي الصالح، ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى بي إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعليه طير أخضر أنعم طير رأيت، فقلت: يا جبريل إن هذا الطير لناعم. قال: يا محمد آكله أنعم منه، ثم قال: يا محمد أتدري أي نهر هذا؟ قال: قلت: لا، قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله إياه، فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض (^١) من الياقوت والزمرد ماؤه أشد بياضأ من اللبن -قال-: فأخذت من آنيته آنية من الذهب، فاغترفت من ذلك الماء فشربت فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك.\nثم انطلق بي حتى انتهيت إلى الشجرة فغشيتني سحابة فيها من كل لون فرفضني (^٢) جبريل وخررت ساجدًا لله ﷿ فقال الله لي: يا محمد إني يوم خلقت السموات والأرض افترضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأُمتك، قال: ثم انجلت عني السحابة فأخذ بيدي جبريل فانصرفت سريعًا، فأتيت على إبراهيم فلم يقل شيئًا، ثم أتيت على موسى فقال: ما صنعت يا محمد؟ فقلت: فرض ربي عليَّ وعلى أُمتي خمسين صلاة. قال: فلن تستطيعها أنت ولا أُمتك فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك، فرجعت سريعًا حتى انتهيت إلى الشجرة فغشيتني السحابة ورفضني جبريل وخررت ساجدًا وقلت: ربي إنك فرضت عليَّ وعلى أُمتي خمسين صلاة ولن أستطيعها أنا ولا أُمتي فخفِّف عنا، قال: وضعت عنكم عشرًا، قال: ثم انجلت عني السحابة وأخذ بيدي جبريل، قال: فانصرفت سريعًا حتى أتيت على إبراهيم فلم يقل لي شيئًا، ثم أتيت على موسى فقال لي: ما صنعت يا محمد؟ فقلت: وضع عني ربي عشرًا. قال: فأربعون صلاة لن تستطيعها أنت ولا أمتك فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنكم. فذكر الحديث كذلك إلى خمس صلوات وخمس بخمسين، ثم أمره موسى أن يرجع فيسأله التخفيف فقال: \"إني استحييت منه تعالى\".\nقال: ثم انحدر فقال رسول الله ﷺ لجبريل: \"ما لي لم آت أهل سماء إلا رحبوا بي وضحكوا لي غير رجل واحد فسلمت عليه فردَّ عليَّ السلام ورحَّب بي ولم يضحك لي\" قال: يا محمد ذاك مالك، خازن جهنم، لم يضحك منذ خلق ولو ضحك إلى أحد لضحك إليك، قال: ثم ركب منصرفًا فبينا هو في بعض الطريق مرَّ بعير لقريش تحمل طعامًا، منها جمل عليه غرارتان غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذى بالعير نفرت منه واستدارت وصرع ذلك البعير وانكسر، ثم إنه مضى فأصبح فأخبر عما كان، فلما سمع المشركون قوله أتوا أبا بكر فقالوا: يا أبا بكر هل لك في صاحبك؟ يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ورجع في ليلته، فقال أبو بكر ﵁: إن كان قاله فقد صدق وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا لنصدقه على خبر السماء. فقال المشركون لرسول الله ﷺ: ما علامة ما تقول؟ قال: مررت بعير لقريش هي في مكان كذا وكذا فنفرت\n_________\n(^١) أي: الحصى الصغار.\n(^٢) أي: تركني.","vol":"5","page":14},{"text":"الإبل منا واستدارت وفيها بعير عليه غرارتان غرارة سوداء وغرارة بيضاء فصرع فانكسر، فلما قدمت العير سألوهم فأخبروهم الخبر على مثل ما حدثهم رسول الله ﷺ، ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق وسألوه وقالوا: هل كان فيمن حضر معك موسى وعيسى؟ قال: نعم، قالوا: فصفهم لنا قال: \"أما موسى فرجل آدم كأنه من رجال أزد عمان، وأما عيسى فرجل ربعة سبط تعلوه حمرة كأنما يتحادر من شعره الجمان (^١) \" (^٢) هذا سياق فيه غرائب عجيبة.\nرواية أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة:\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك أن مالك بن صعصعة حدثه أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به قال: \"بينما أنا في الحطيم -وربما قال قتادة في الحجر- مضطجعًا إذ أتاني آتٍ، فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة، قال: فأتاني فقدّ -سمعت قتادة يقول: فشق- ما بين هذه إلى هذه\" وقال قتادة: فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته، وقد سمعته يقول: من قصته إلى شعرته قال: \"فاستخرج قلبي، قال: فأتيت بطست من ذهب مملوء إيمانًا وحكمة فغسل قلبي ثم حشي ثم أُعيد ثم أُتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض\" -قال: فقال الجارود (^٣): هو البراق يا أبا حمزة؟ قال: نعم يقع خطوه عند أقصى طرفه- قال: \"فحملت عليه فانطلق بي جبريل ﵇ حتى أتى بي إلى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم فقيل: مرحبًا به ولنعم المجيء عليه -قال-: فتح لنا فلما خلصت فإذا فيها آدم ﵇، قال: هذا أبوك آدم فسلِّم عليه، فسلمت عليه فردَّ السلام ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح فقيل: من هذا؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوَقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء قال: ففتح لنا، فلما خلصت فإذا عيسى ويحيى وهما ابنا الخالة، قال: هذان يحيى وعيسى فسلِّم عليهما، قال: فسلمت عليهما فردَّا السلام ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة فاستفتح فقيل: من هذا؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء -قال-: قال: ففتح لنا، فلما خلصت فإذا يوسف ﵇ قال: هذا يوسف، قال: فسلمت عليه فردَّ السلام ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح لنا فلما خلصت فإذا إدريس ﵇، قال: هذا إدريس، فسلم عليه قال فسلمت عليه فردَّ السلام ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي\n_________\n(^١) أي: اللؤلؤ.\n(^٢) في سنده يزيد بن أبي مالك تقدم ذكره في الرواية السابقة، وكذلك فيه هشام بن عمار: صدوق كبر فصار يتلقن (التقريب ص ٥٧٣)، ولعل هذه الغرائب من يزيد وهشام.\n(^٣) قال الحافظ ابن حجر: لم أر من نسبه من الرواه، ولعلهُ: ابن أبي سبرة صاحب أنس فقد أخرج له أبو داود من رواية أنس حديثًا غيره (فتح الباري ٧/ ٢٠٤).","vol":"5","page":15},{"text":"الصالح، قال: ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا فلما خلصت فإذا هارون ﵇ قال: هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: ثم صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا فلما خلصت فإذا بموسى ﵇ قال: هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: فلما تجاوزته بكى قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي. قال: ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوَقد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا فلما خلصت فإذا إبراهيم ﵇ فقال: هذا إبراهيم فسلم عليه فسلمت عليه فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فقال: هذه سدرة المنتهى، قال: وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، قال: ثم رفع إلى البيت المعمور\".\nقال قتادة: وحدثني الحسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفًا ثم لا يعودون فيه، ثم رجع إلى حديث أنس قال: \"ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، قال: فأخذت اللبن قال: هذه الفطرة أنت عليها وأمتك، قال: ثم فرضت عليّ الصلاة خمسين صلاة كل يوم، قال: فنزلت حتى أتيت موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: فقلت خمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة وإني خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت فوضع عني عشرًا، قال: فرجعت إلى موسى فقال: بمَ أُمرت؟ قلت: بأربعين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمتك -قال-: فرجعت فوضع عشرًا أخر، فرجعت إلى موسى فقال: بمَ أُمرت؟ فقلت: أُمرت بثلاثين صلاة، قال: إن أُمتك لا تستطيع ثلاثين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمتك، قال: فرجعت فوضع عشرًا أخر، فرجعت إلى موسى فقال: بمَ أُمرت؟ فقلت: أُمرتُ بعشرين صلاة كل يوم، قال: إن أُمتك لا تستطيع عشرين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمتك، قال: فرجعت فوضع عشرًا عني أخر، فرجعت إلى موسى فقال: بمَ أُمرت؟ فقلت: أُمرت بعشر صلوات كل يوم، قال: إن أُمتك لا تستطيع عشر صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمتك، قال: فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بما","vol":"5","page":16},{"text":"أُمرت قال: أمرتُ بخمس صلوات كل يوم قال: إن أُمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمتك، قال: قلت: قد سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، فنفذت فنادى منادٍ: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي\" (^١) وأخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة بنحوه (^٢).\nرواية أنس عن أبي ذرٍّ:\nقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذرٍّ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: \"فُرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئت إلى السماء قال جبريل لخازن السماء: افتح قال: من هذا؟ قال: جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ، فقال: أُرسل إليه؟ قال: نعم، فلما فتح علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح قال: قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى، ثم عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قاله الأول، ففتح\" قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السادسة، قال أنس: فلما مر جبريل والنبي ﷺ بإدريس، قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت: من هذا؟ قال: إدريس، ثم مررت بموسى فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت: من هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى، ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم.\nقال الزهري: فأخبرني ابن حزم (^٣) أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي ﷺ: \"ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام\".\nقال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ: \"ففرض الله على أُمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى ﵇، فقال: ما فرض الله على أُمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال موسى: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع شطرها،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده وطوله وصحح سنده محققوه (المسند ٢٩/ ٣٧٤، ٣٧٩ ح ١٧٨٣٥).\n(^٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (ح ٣٢٠٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ (ح ١٦٤).\n(^٣) قال الحافظ ابن حجر: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وروايته عن أبي حبة منقطعة (فتح الباري ١/ ٤٦٢) ولا يضر ذلك لأنه رواه أيضًا عن ابن عباس مقرونًا بأبي حبة.","vol":"5","page":17},{"text":"فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أُمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك فإن أُمتك لا تطيق ذلك، فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: ارجع إلى ربك، قلت: قد استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أُدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها من المسك\". وهذا لفظ البخاري في كتاب الصلاة (^١)، ورواه في ذكر بني إسرائيل وفي الحج وفي أحاديث الأنبياء من طرق أخرى عن يونس به، ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان منه عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس به نحوه (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذرٍّ: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته، قال: وما كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأى ربه؟ فقال: إني قد سألته، فقال: \"قد رأيته نورًا أنّى أراه\" هكذا قد وقع في رواية الإمام أحمد (^٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذرٍّ قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: \"نور أنى أراه\" (^٤). وعن محمد بن بشار، عن معاذ بن هشام: حدثنا أبي عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذرٍّ: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته، فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ قال أبو ذرٍّ: قد سألت فقال: \"رأيت نورًا\" (^٥).\nرواية أنس عن أُبي بن كعب الأنصاري ﵁:\nقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن إسحاق بن محمد المُسيّبي، حدثنا أنس بن عياض، حدثنا يونس بن يزيد قال: قال ابن شهاب: قال أنس بن مالك: كان أُبيّ بن كعب يحدث أن رسول الله ﷺ قال: \"فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جاء السماء الدنيا، فافتتح فقال: من هذا؟ قال: جبريل قال: هل معك أحد قال: نعم، معي محمد قال أرسل إليه؟ قال: نعم فافتتح. فلما علونا السماء الدنيا إذا رجل عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة، فإذا نظر قبل يمينه تبسم، وإذا نظر قبل يساره بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة التي عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل يمينه هم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله هم أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى -قال-: ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا، ففتح له\" قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى\n_________\n(^١) الصحيح، الصلاة، باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء (ح ٣٤٩).\n(^٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ (ح ١٦٣).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٤٨) وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الإيمان، باب قوله ﷺ: \"نور أنى أراه … \" ح ١٧٨/ ٢٩١).\n(^٥) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ١٧٨/ ٢٩٢).","vol":"5","page":18},{"text":"وإبراهيم وعيسى، ولم يثبت لي كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم ﵇ في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة، قال أنس: فلما مر جبريل ﵇ ورسول الله ﷺ بإدريس قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: \"قلت من هذا يا جبريل؟ قال: هذا إدريس -قال-: ثم مررت بموسى فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت: من هذا؟ قال: موسى، ثم مررت بعيسى فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى ابن مريم -قال-: ثم مررت بإبراهيم، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم\".\nقال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال رسول الله ﷺ: \"ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع صريف الأقلام\".\nقال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ: \"فرض الله على أمتي خمسين صلاة، قال: فرجعت بذلك حتى أمر على موسى، فقال موسى: ماذا فرض ربك على أُمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة فقال لي موسى: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعت ربي فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أُمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، قال: فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك فقلت: قد استحييت من ربي، قال: ثم انطلق بي حتى أتى سدرة المنتهى، قال: فغشيها ألوان ما أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك\" (^١) هكذا رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وليس هو في شيء من الكتب الستة، وقد تقدم في الصحيحين من طريق يونس عن الزهري، عن أنس عن أبي ذر مثل هذا السياق سواء (^٢)، فالله أعلم.\nرواية بريدة بن الحصيب الأسلمي:\nقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبد الرحمن بن المتوكل ويعقوب بن إبراهيم واللفظ له، قالا: حدثنا [أبو تُميلة] (^٣)، حدثنا الزبير بن جنادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما كان ليلة أسري بي -قال-: فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس -قال-: فوضع أصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق\". ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن الزبير بن جنادة إلا أبو تُميلة، ولا نعلم هذا الحديث إلا عن بريدة، وقد رواه الترمذي في التفسير من جامعه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي به، وقال: غريب (^٤).\nرواية جابر بن عبد الله ﵁:\nقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب قال: قال أبو\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسند وطوله (المسند ٣٥/ ٢١١، ٢١٣ ح ٢١٢٨٨)، وصحح سنده محققوه.\n(^٢) تقدم تخريجه قبل الرواية السابقة.\n(^٣) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل: \"نميلة\".\n(^٤) أخرجه الترمذي بسند البزار عن يعقوب بن إبراهيم به ثم قال: حسن غريب. (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل ح ٣١٣٢)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي تميلة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٦٠)، وصححه الألباني.","vol":"5","page":19},{"text":"سلمة: سمعت جابر بن عبد الله يحدث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحِجر فجلَّى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه\" (^١). أخرجاه في الصحيحين من طرق عن حديث الزهري به (^٢).\nوقال البيهقي: حدثنا أحمد بن الحسن القاضي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن رسول الله ﷺ حين انتهى إلى بيت المقدس لقي فيه إبراهيم وموسى وعيسى، وأنه أتي بقدحين: قدح من لبن وقدح من خمر، فنظر إليهما، ثم أخذ قدح اللبن، فقال جبريل: أصبت هديت للفطرة، لو أخذت الخمر لغوت أمتك، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى مكة فأخبر أنه أسري به فافتتن ناس كثير كانوا قد صلوا معه، وقال ابن شهاب: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: فتجهز -أو كلمة نحوها- ناس من قريش إلى أبي بكر فقالوا: هل لك في صاحبك؟ يزعم أنه جاء إلى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة! فقال أبو بكر: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: فتصدقه بأن يأتي الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح؟ قال: نعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء، قال أبو سلمة: فبها سمي أبو بكر الصديق. قال أبو سلمة: فسمعت جابر بن عبد الله ﵄ يحدث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه\" (^٣).\nرواية حُذيفة بن اليمان ﵁:\nفات الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، ثنا شيبان، عن عاصم، عن زرِّ بن حبيش قال: أتيت على حُذيفة بن اليمان ﵁، وهو يحدث عن ليلة أسري بمحمد ﷺ، وهو يقول: فانطلقا حتى أتيا بيت المقدس فلم يدخلاه، قال: قلت: بل دخله رسول الله ﷺ ليلتئذ وصلى فيه، قال: ما اسمك يا أصلع؟ فأنا أعرف وجهك، ولا أدري ما اسمك، قال: قلت أنا زرُّ بن حبيش، قال: فما علمك بأن رسول الله ﷺ صلَّى فيه ليلتئذ؟ قال: قلت: القرآن يخبرني بذلك، قال: فمن تكلم بالقرآن فلج (^٤) اقرأ، قال: فقلت: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ قال: يا أصلع، هل تجد صلى فيه؟ قلت: لا. قال: والله ما صلى فيه رسول الله ليلتئذ، لو صلى فيه لكتبت عليكم صلاة فيه كما كتب عليكم صلاة في البيت العتيق، والله ما زايلا البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء فرأيا الجنة والنار ووعد الآخرة أجمع، ثم عادا عودهما على بدئهما، قال: ثم ضحك حتى رأيت نواجذه. قال: ويحدثونه أنه ربطه لا يفر منه، وإنما سخره له عالم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣٧٧) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، سورة بني إسرائيل، باب ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] (ح ٤٧١٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ (ح ١٧٠).\n(^٣) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (دلائل النبوة ٢/ ٣٥٩، ٣٦٠)، وشطره الأول مرسل، والحديث كله له شواهد في الصحيحين بعضها تقدم وبعضها سيأتي.\n(^٤) أي: غلب.","vol":"5","page":20},{"text":"الغيب والشهادة، قلت: يا عبد الله، أي دابة البراق؟ قال: دابة أبيض طويل، هكذا خطوه مد البصر (^١). ورواه أبو داود الطيالسي عن حماد بن سلمة، عن عاصم به (^٢). ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من حديث عاصم وهو ابن أبي النجود به. وقال الترمذي: حسن صحيح (^٣).\nوهذا الذي قاله حذيفة ﵁ نفي وما أثبته غيره عن رسول الله ﷺ من ربط الدابة بالحلقة، ومن الصلاة ببيت المقدس مما سبق وما سيأتي مقدم على قوله، والله أعلم بالصواب.\nرواية أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري:\nقال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو بكر يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو محمد راشد الحماني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال له أصحابه: يا رسول الله، أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها. قال: قال الله ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ قال: فأخبرهم، قال: \"فبينما أنا نائم عشاء في المسجد الحرام إذ أتاني آتٍ فأيقظني، فاستيقظت فلم أر شيئًا، فإذا أنا بكهيئة خيال فأتبعته بصري حتى خرجت من المسجد الحرام، فإذا أنا بدابة أدنى شبهًا بدوابكم هذه، بغالكم هذه، غير أنه مضطرب الأذنين يقال له: البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي، يقع حافره عند مد بصره، فركبته، فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داعٍ من يميني: يا محمد انظرني أسألك، يا محمد انظرني أسألك، يا محمد انظرني أسألك، فلم أجبه ولم أقم عليه، فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داعٍ عن يساري: يا محمد انظرني أسألك، فلم أجبه ولم أقم عليه، فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله، فقالت: يا محمد، انظرني أسألك، فلم ألتفت إليها ولم أقم عليها حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها بها.\nثم أتاني جبريل ﵇ بإنائين: أحدهما خمر والآخر لبن، فشربت اللبن وأبيت الخمر، فقال جبريل: أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أُمتك، فقلت: الله أكبر الله أكبر، فقال جبريل: ما أريت في وجهك هذا؟ قال: فقلت: بينما أنا أسير إذا دعاني داعٍ عن يميني: يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ولم أقم عليه، قال: ذاك داعي اليهود، أما إنك لو أجبته أو وقفت عليه لتهودت أمتك، قال: فبينما أنا أسير إذ دعاني داعٍ عن يساري قال: يا محمد انظرني أسألك فلم ألتفت ولم أقم عليه، قال: ذاك داعي النصارى أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك، قال: فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة خلقها الله تقول: يا محمد انظرني أسألك فلم أجبها ولم أقم عليها، قال: تلك الدنيا، أما إنك لو أجبتها أو قمت عليها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٨/ ٣٢١، ٣٢٢ ح ٢٣٢٨٥).\n(^٢) المسند (ح ٤١١).\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل (ح ٣١٤٧)، وقال الترمذي: حسن صحيح. والسنن الكبرى، التفسير، باب سورة الإسراء (ح ١١٢٨٠).","vol":"5","page":21},{"text":"قال: ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلى كل واحد منا ركعتين، ثم أتيت المعراج الذي كانت تعرج عليه أرواح بني آدم فلم ير الخلائق أحسن من المعراج أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحًا إلى السماء، فإنما يشق بصره طامحًا إلى السماء عُجْبُهُ بالمعراج، قال: فصعدت أنا وجبريل، فإذا أنا بملك يقال له: إسماعيل وهو صاحب السماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنوده مائة ألف ملك، قال: قال الله ﷿: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] قال: فاستفتح جبريل باب السماء، قيل: من هذا؟ قال جبريل: قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقد بعث إليه؟ قال: نعم، فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله ﷿ على صورته، فإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته من المؤمنين، فيقول: روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين، فمضيت هنيهة فإذا أنا بأخونة (^١) عليها لحم مشرح ليس يقربها أحد، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن عندها أناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام، قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر فيقول: اللهم لا تقم الساعة. قال: وهم على سابلة آل فرعون، قال: فتجيء السابلة فتطؤهم، قال: فسمعتهم يضجون إلى الله، قال: قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nقال: ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل، قال: فتفتح أفواههم فيلقمون من ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم فسمعتهم يضجُّون إلى الله ﷿ فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء من أمتك ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بنساء تعلقن بثديهن، فسمعتهنَّ يضججنَّ إلى الله ﷿، قلت: يا جبريل من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء الزناة من أُمتك. قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم فيلقمونه، فيقال له: كل كما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون.\nقال: ثم صعدنا إلى السماء الثانية، فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله ﷿ قد فضل الناس في الحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه فرد عليّ.\nثم صعدنا إلى السماء الثالثة، واستفتح فإذا أنا بيحيى وعيسى ﵉، ومعهما نفر من قومهما، فسلمت عليهما وسلما عليّ، ثم صعدنا إلى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكانًا عليًا، فسلمت عليه فسلم عليّ.\nقال: ثم صعدنا إلى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من طولها، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا المحبب في قومه، هذا هارون بن عمران ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم عليّ.\n_________\n(^١) أي: مائدة يؤكل عليها.","vol":"5","page":22},{"text":"ثم صعدت إلى السماء السادسة، فإذا أنا بموسى بن عمران رجل آدم، كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دون القميص، فإذا هو يقول: يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا، بل هذا أكرم على الله مني. قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران ﵇ ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم عليّ.\nثم صعدت إلى السماء السابعة، فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن، ساندًا ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم خليل الرحمن ﵇ ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه فسلم عليّ. وإذا أنا بأمتي شطرين: شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمد قال: فدخلت البيت المعمور، ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب السود وهم على خير، فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي.\nقال: والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. قال: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تكاد تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين تجري يقال لها: سلسبيل فينشق منها نهران: (أحدهما): الكوثر، (والآخر): يقال له: نهر الرحمة، فاغتسلت فيه فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر.\nقال: إني رفعت إلى الجنة فاستقبلتني جارية، فقلت: لمن أنت يا جارية؟ قالت: لزيد بن حارثة، وإذا بأنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وإذا رمانها كالدلاء (^١) عظمًا، وإذا أنا بطيرها كأنها بختكم هذه، فقال عندها ﷺ: \"إن الله تعالى قد أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر\"، قال: ثم عرضت علي النار، فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته، لو طرحت فيها الحجارة والحديد لأكلتها ثم أغلقت دوني.\nثم إني رفعت إلى سدرة المنتهى فتغشاني فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى. قال: وينزل على كل ورقة منها ملك من الملائكة، قال: وفرضت علي خمسون صلاة، وقال: لك بكل حسنة عشر، فإذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة، فإذا عملتها كتبت لك عشرًا، وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء، فإن عملتها كُتبت عليك سيئة واحدة.\nثم رجعت إلى موسى فقال: بم أمرك ربك؟ فقلت: بخمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمتك، فإن أُمتك لا تطيق ذلك، ومتى لا تطيقه تكفر، فرجعت إلى ربي فقلت: يا ربِّ خفف عن أُمتي، فإنها أضعف الأُمم، فوضع عني عشرًا وجعلها أربعين، فما زلت أختلف بين موسى وربي كلما أتيت عليه قال لي مثل مقالته، حتى رجعت إليه، فقال لي: بمَ أُمرت؟ فقلت: أُمرت بعشر صلوات. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمتك، فرجعت إلى ربي فقلت: أي رب خفف عن أُمتي فإنها أضعف الأمم فوضع عني خمسًا وجعلها خمسًا فناداني ملك عندها تممت فريضتي وخففت عن عبادي وأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها.\nثم رجعت إلى موسى فقال: بمَ أُمرت؟ فقلت: بخمس صلوات. قال: ارجع إلى ربك فإنه لا\n_________\n(^١) جمع دلو.","vol":"5","page":23},{"text":"يؤوده شيء، فاسأله التخفيف لأُمتك، فقلت: رجعت إلى ربي حتى استحييت. ثم أصبح بمكة يخبرهم بالأعاجيب: إني أتيت البارحة بيت المقدس وعرج بي إلى السماء، ورأيت كذا وكذا، فقال أبو جهل -يعني: ابن هشام-: ألا تعجبون مما قال محمد؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس، ثم أصبح فينا وأحدنا يضرب مطيته مصعدة شهرًا ومقفلة شهرًا، فهذه مسيرة شهرين في ليلة واحدة، قال: فأخبرتهم بعير لقريش لما كنت في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا، وأنها نفرت، فلما رجعت وجدتها عند العقبة، وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا وكذا، ومتاعه كذا وكذا، فقال أبو جهل: يخبرنا بأشياء، فقال رجل منهم: أنا أعلم الناس ببيت المقدس، وكيف بناؤه وهيئته، وكيف قربه من الجبل، فإن يك محمد صادقًا فسأخبركم وإن يك كاذبًا فسأخبركم، فجاء ذلك المشرك فقال: يا محمد أنا أعلم الناس ببيت المقدس فأخبرني: كيف بناؤه؟ وكيف هيئته؟ وكيف قربه من الجبل؟ قال: فرفع لرسول الله ﷺ بيت المقدس من مقعده، فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته، قال: بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا، فقال الآخر: صدقت، فرجع إليهم فقال: صدق محمد فيما قال أو نحوًا من هذا الكلام (^١).\nوكذا رواه الإمام أبو جعفر بن جرير بطوله عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي هارون العبدي، وعن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي هارون العبدي به. ورواه أيضًا من حديث محمد ابن إسحاق حدثني روح بن القاسم عن أبي هارون به نحو سياقه المتقدم (^٢)، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن أحمد بن عبدة، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره بسياق طويل حسن أنيق، أجود مما ساقه غيره على غرابته وما فيه من النكارة (^٣). ثم ذكره البيهقي أيضًا من رواية نوح بن قيس الحداني وهشيم ومعمر، عن أبي هارون العبدي (^٤) واسمه عمارة بن جوين وهو مضعف عند الأئمة.\nوإنما سقنا حديثه ههنا لما فيه من الشواهد لغيره، ولما رواه البيهقي: أخبرنا الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو نعيم أحمد بن محمد بن إبراهيم البزاز، حدثنا أبو حامد بن بلال، حدثنا أبو الأزهر، حدثنا يزيد بن أبي حكيم قال: رأيت في النوم رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، رجل من أُمتك يقال له: سفيان الثوري لا بأس به. فقال رسول الله: \"لا بأس به\" حدثنا عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري عنك يا رسول الله ليلة أسري بك، قلت: رأيت في السماء، فحدثته بالحديث فقال لي: \"نعم\" فقلت له: يا رسول الله إن ناسًا من أُمتك يحدثون عنك في المسرى بعجائب؟ قال لي: \"ذلك حديث القصاص\" (^٥).\nرواية شداد بن أوس:\nقال الإمام أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي بسنده بنحوه (دلائل النبوة ٢/ ٣٩٠ - ٣٩٣)، وسنده ضعيف جدًا لأن أبا هارون العبدي وهو عمارة بن جوين متروك (التقريب ص ٤٠٨).\n(^٢) أخرجه الطبري وفي هذه الأسانيد أيضًا عمارة بن جوين.\n(^٣) سنده كسابقه.\n(^٤) دلائل النبوة ٢/ ٣٩٦.\n(^٥) دلائل النبوة ٢/ ٤٠٥، وفي سنده أيضًا أبو هارون عمارة بن جوين وهو متروك.","vol":"5","page":24},{"text":"الضحاك الزبيدي، حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم الأشعري، عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي، حدثنا الوليد بن عبد الرحمن، عن جبير بن نفير، حدثنا شداد بن أوس قال: قلنا: يا رسول الله كيف أسري بك؟ قال: \"صليت لأصحابي صلاه العتمة بمكة معتمًا فأتاني جبريل ﵇ بدابة أبيض أو قال: بيضاء فوق الحمار ودون البغل فقال: اركب فاستصعب عليّ فرازها (^١) بأذنها ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث انتهى طرفها حتى بلغنا أرضًا ذات نخل، فأنزلني فقال: صلِّ فصليت ثم ركبت، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، قال: صليت بيثرب صليت بطيبة.\nفانطلقت تهوي بنا يقع حافرها عند منتهى طرفها ثم بلغنا أرضًا قال: انزل، ثم قال: صلِّ. فصليت ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، قال: صليت بمدين عند شجرة موسى، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضًا بدت لنا قصور فقال: انزل، فنزلت فقال: صلِّ. فصليت ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى المسيح ابن مريم.\nثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني فأتى قِبلةَ المسجد، فربط فيه دابته ودخلنا المسجد من باب تميل فيه الشمس والقمر، فصليت من المسجد حيث شاء الله وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأُتيت بإنائين في أحدهما لبن وفي الآخر عسل أرسل إلي بهما جميعًا، فعدلت بينهما ثم هداني الله ﷿ فأخذت اللبن فشربت حتى قرعت به جبيني (^٢) وبين يدي شيخ متكئ على مثواة له فقال: أخذ صاحبك الفطرة إنه ليهدى.\nثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي فيه المدينة فإذا جهنم تنكشف عن مثل الزرابي قلت: يا رسول الله كيف وجدتها؟ قال: وجدتها مثل الحمة (^٣) السخنة، ثم انصرف بي فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيرًا لهم قد جمعه فلان فسلمت عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد، ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة، فأتاني أبو بكر ﵁ فقال: يا رسول الله أين كنت الليلة فقد التمستك في مظانك؟ فقال: علمت أني أتيت من بيت المقدس الليلة، فقال: يا رسول الله إنه مسيرة شهر فصفه لي، قال: ففتح لي صراط كأني أنظر إليه لا يسألني عن شيء إلا أنبأته به، فقال أبو بكر أشهد أنك لرسول الله، وقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة، قال: فقال: إن من آية ما أقول لكم أني مررت بعير لكم في مكان كذا وكذا وقد أضلوا بعيرًا لهم فجمعه فلان وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغراراتان سوداوان.\nفلما كان ذلك اليوم قد أشرف الناس ينظرون حين كان قريبًا من نصف النهار حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله ﷺ. هكذا رواه البيهقي من طريقين عن أبي اسماعيل الترمذي به (^٤)\n_________\n(^١) أي: اختبرها.\n(^٢) أي: شرب جميع ما فيه.\n(^٣) أي: عين ماء حار.\n(^٤) دلائل النبوة ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧، وصحح سنده البيهقي ولا يخلو من الغرائب كالصلاة في طيبة ومدين وبيت =","vol":"5","page":25},{"text":"ثم قال بعد تمامه: هذا إسناد صحيح، وروى ذلك مفرقًا من أحاديث غيره ونحن نذكر من ذلك إن شاء الله ما حضرنا ثم ساق أحاديث كثيرة في الإسراء كالشاهد لهذا الحديث.\nوقد روى هذا الحديث عن شداد بن أوس بطوله الإمام أبو عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه، عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي به، ولا شك أن هذا الحديث أعني الحديث المروي عن شداد بن أوس مشتمل على أشياء منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم. وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس، وغير ذلك، والله أعلم.\nرواية عبد الله بن عباس ﵁:\nقال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه قال: حدثنا ابن عباس قال: ليلة أسري برسول الله ﷺ، دخل الجنة فسمع في جانبها وخشًا فقال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا بلال المؤذن، فقال النبي ﷺ حين جاء إلى الناس: \"قد أفلح بلال رأيت له كذا وكذا\" قال: فلقيه موسى ﵇، فرحب به قال: مرحبًا بالنبي الأُمي، قال: وهو رجل آدم طويل، سبط شعره مع أذنيه أو فوقهما، فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى، قال فمضى فلقيه عيسى فرحب به وقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عيسى قال: فمضى فلقيه شيخ جليل متهيب فرحب به وسلم عليه، وكلهم يسلم عليه، قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم -قال-: ونظر في النار فإذا قوم يأكلون الجيف، قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ورأى رجلًا أحمر أزرق جدًا قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عاقر الناقة -قال-: فلما أتى رسول الله ﷺ المسجد الأقصى، قام يصلي فإذا النبيون أجمعون يصلون معه، فلما انصرف جيء بقدحين أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال، في أحدهما لبن وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن فشرب منه، فقال الذي كان معه القدح: أصبت الفطرة (^١)، إسناد صحيح، ولم يخرجوه.\n(طريق أخرى): قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ثابت أبو زيد، حدثنا هلال، حدثني عكرمة، عن ابن عباس قال: أُسري برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيرة وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم، فقال الناس: نحن لا نصدق محمدًا بما يقول، فارتدُّوا كفارًا فضرب الله رقابهم مع أبي جهل، وقال أبو جهل: يخوفنا محمد بشجرة الزقوم، هاتوا تمرًا وزبدًا فتزقموا (^٢)، ورأى الدجال في صورته رؤيا عين ليس برؤيا منام وعيسى وموسى وإبراهيم، وسئل النبي ﷺ عن الدجال فقال: \"رأيته فيلمانيًا (^٣) أقمر (^٤) هجانًا (^٥)، إحدى عينيه قائمة كأنها\n_________\n= لحم، وهذا الحديث ذكره الهيثمي وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير … وفيه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء وثقه يحيى بن معين وضعفه النسائي (مجمع الزوائد ١/ ٧٨، ٧٩). وقال الحافظ ابن حجر: صدوق كثيرًا وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب (التقريب ص ٩٩) وغالبًا ما تكون هذه الغرائب من أوهامه.\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٥٧) وسنده حسن، وصحح سنده الحافظ ابن كثير، والحافظ السيوطي (الخصائص الكبرى ١/ ١٥٩).\n(^٢) أي: كلوا.\n(^٣) أي: عظيم الجثة.\n(^٤) أي: شديد البياض.\n(^٥) أي: الأبيض.","vol":"5","page":26},{"text":"كوكب دري، كأن شعر رأسه أغصان شجرة، ورأيت عيسى ﵇ أبيض، جعد الرأس حديد البصر، ومبطن الخلق، ورأيت موسى ﵇ أسحم (^١) آدم، كثير الشعر، شديد الخلق، ونظرت إلى إبراهيم ﵇ فلم أنظر إلى أرب (^٢) منه إلا نظرت إليه مني حتى كأنه صاحبكم، قال جبريل: سلم على مالك، فسلمت عليه\" (^٣). ورواه النسائي من حديث أبي زيد ثابت بن يزيد عن هلال، وهو ابن خباب به (^٤)، وهو إسناد صحيح.\n(طريق أخرى): قال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر الشافعي، أنبأنا إسحاق بن الحسن، حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، عن أبي العالية قال: حدثنا ابن عم نبيكم ﷺ ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلًا طوالًا جعدًا، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم ﵇ مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس\"، وأرى مالكًا خازن جهنم والدجال في آيات أراهن الله إياه، قال: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] فكان قتادة يفسرها أن نبي الله ﷺ قد لقي موسى ﵇ ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٢] قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل (^٥)، رواه مسلم في الصحيح عن عبد بن حميد، عن يونس بن محمد، عن شيبان، وأخرجاه من حديث شعبة عن قتادة مختصرًا (^٦).\n(طريق أخرى): وقال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا دُبيس المعدل، حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة؟ قالوا: ماشطة بنت فرعون وأولادها، سقط المشط من يدها فقالت: باسم الله، فقالت بنت فرعون: أبي؟ قالت: ربي وربك ورب أبيك، قالت: أوَلك رب غير أبي؟ قالت: نعم ربي وربك ورب أبيك الله .. قال: فدعاها، فقال: ألك رب غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله ﷿. قال: فأمر ببقرة من نحاس، فأحميت ثم أمر بها أن تلقى فيها، قالت: إن لي إليك حاجة، قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي في موضع، قال: ذاك لك لما لك علينا من الحق، قال: فأمر بهم فألقوا واحدًا واحدًا حتى بلغ رضيعًا فيهم، فقال: يا أمه قعي ولا تقاعسي، فإنك على الحق، قال: وتكلم أربعة في المهد وهم صغار: هذا وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم ﵇ (^٧). إسناد لا بأس به، ولم يخرجوه.\n_________\n(^١) أي: أسمر.\n(^٢) أي: عضو.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصحح سنده محققوه (المسند ٥/ ٤٧٦، ٤٧٧ ح ٣٥٤٦).\n(^٤) السنن الكبرى، التفسير، سورة الإسراء (ح ١١٢٨٣) وصحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٥) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٢/ ٣٨٦) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح مسلم، الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات (ح ١٦٥/ ٢٦٧).\n(^٧) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٢/ ٣٨٩)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة به (المسند ٥/ ٣٠، ٣١ ح ٢٨٢١) وحسن سنده محققوه. ولكن ذكر شاهد يوسف فيه غرابة لأنه لم يذكر أنه كان في المهد. وقال الحافظ ابن كثير: إسناد لا بأس به.","vol":"5","page":27},{"text":"(طريق أخرى): قال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن جعفر وروح، المعنى قالا: حدثنا عوف عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما كان ليلة أسري بي، فأصبحت بمكة فظعت وعرفت أن الناس مكذبي\" فقعد معتزلًا حزينًا، فمرَّ به عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال له رسول الله ﷺ: \"نعم\" قال: وما هو؟ قال: \"إني أُسري بي الليلة\"، قال: إلى أين؟ قال: \"إلى بيت المقدس\" قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: \"نعم\"، قال: فلم ير أن يكذبه مخافة أن يجحد الحديث إن دعا قومه إليه، فقال: أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\" فقال: يا معشر بني كعب بن لؤي، قال: فانفضت إليه المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما، قال: حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله ﷺ: \"إني أسري بي الليلة\" فقالوا: إلى أين؟ قال: \"إلى بيت المقدس\". قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: \"نعم\". قال: فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا للكذب، قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفيهم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، فقال رسول الله ﷺ: \"فما زلت أنعت حتى التبس عليّ بعض النعت قال فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل أو عقال فنعته وأنا أنظر إليه قال: وكان مع هذا نعت لم أحفظه -يقول عوف- قال: فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب فيه\" (^١).\nوأخرجه النسائي من حديث عوف بن أبي جميلة وهو الأعرابي به، ورواه البيهقي من حديث النضر بن شميل وهوذة عن عوف وهو ابن أبي جميلة الأعرابي أحد الأئمة الثقات (^٢).\nرواية عبد الله بن مسعود ﵁:\nقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا السري بن خزيمة، حدثنا يوسف بن بهلول، حدثنا عبد الله بن نمير، عن مالك بن مغول، عن الزبير بن عدي، عن طلحة بن مصرف، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ فانتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي ما يصعد به حتى يقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها حتى يقبض ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم] قال: غشيها فراش من ذهب، وأعطي رسول الله ﷺ الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئًا المقحمات يعني: الكبائر (^٣).\nورواه مسلم في صحيحه عن محمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب، كلاهما عن عبد الله بن نمير به (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه، وصحيح سنده محققوه (المسند ٥/ ٢٨، ٢٩ ح ٢٨١٩).\nونسبه الهيثمي إلى أحمد وغيره ثم قال: ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١/ ٦٥).\n(^٢) السنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب سورة الإسراء (ح ١١٢٨٥ ودلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٣٦٣). وحسنه الحافظ ابن حجر ونسبه إلى البزار (فتح الباري ٧/ ١٩٩)، وصححه السيوطي (الخصائص الكبرى ١/ ١٦٠).\n(^٣) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٢/ ٣٧٢).\n(^٤) صحيح مسلم، الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى (ح ١٧٣).","vol":"5","page":28},{"text":"ثم قال البيهقي: وهذا الذي ذكره عبد الله بن مسعود طرف من حديث المعراج، وقد رواه أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ، ثم عن أبي ذرٍّ عن النبي ﷺ، ثم رواه مرة مرسلًا من دون ذكرهما (^١)، ثم إن البيهقي ساق الأحاديث الثلاثة كما تقدم (^٢)، قلت: وقد روي عن ابن مسعود بأبسط من هذا، وفيه غرابة، وذلك فيما رواه الحسن ابن عرفة في جزئه المشهور: حدثنا مروان بن معاوية، عن قنان بن عبد الله النهمي، حدثنا أبو ظبيان الجنبي قال: كنا جلوسًا عند أبي عبيدة بن عبد الله يعني ابن مسعود، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص وهما جالسان، فقال محمد بن سعد لأبي عبيدة: حدثنا عن أبيك ليلة أسري بمحمد ﷺ، فقال أبو عبيدة: لا بل حدثنا أنت عن أبيك، فقال محمد: لو سألتني قبل أن أسألك لفعلت، قال: فأنشأ أبو عبيدة يحدث يعني عن أبيه كما سئل، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتاني جبريل ﵇ بدابة فوق الحمار ودون البغل، فحملني عليه ثم انطلق يهوي بنا كلما صعد عقبة استوت رجلاه كذلك يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طوال سبط آدم كأنه من رجال أزد شنوءة، فيرفع صوته يقول: أكرمته وفضلته، قال: فدفعنا (^٣) إليه فسلمنا عليه فردَّ السلام، فقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد، قال: مرحبًا بالنبي الأمي العربي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، قال: ثم اندفعنا فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى بن عمران. قال: قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك، قلت: ويرفع صوته على ربه؟ قاك: إن الله قد عرف له حدته. قال: ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السرج (^٤)، تحتها شيخ وعياله، قال: فقال لي جبريل: اعمد إلى أبيك إبراهيم، فدفعنا إليه فسلما عليه فردَّ السلام، فقال إبراهيم: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا ابنك أحمد، قال: فقال: مرحبًا بالنبي الأُمي الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، يا بني إنك لاقٍ ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جلها في أمتك فافعل.\nقال: ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى، فنزلت فربطت الدابة في الحلقة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها، ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد، قال: ثم أُتيت بكأسين من عسل ولبن، فأخذت اللبن فشربت، فضرب جبريل ﵇ منكبي وقال: أصبت الفطرة ورب محمد، قال: \"ثم أقيمت الصلاة فأممتهم، ثم انصرفنا فأقبلنا\" (^٥) إسناد غريب، ولم يخرجوه، فيه من الغرائب سؤال الأنبياء عنه ﵇ ابتداء، ثم سؤاله عنهم بعد انصرافه، والمشهور في الصحاح كما تقدم أن جبريل كان يعلمه بهم أولًا ليسلم عليهم سلام معرفة، وفيه أنه اجتمع بالأنبياء ﵈ قبل دخوله المسجد الأقصى، والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السموات، ثم نزل إلى بيت المقدس ثانيًا وهم معه. وصلى بهم فيه، ثم أنه ركب البراق وكرَّ راجعًا إلى مكة، والله أعلم.\n_________\n(^١) دلائل النبوة ٢/ ٣٧٣.\n(^٢) تقدم تخريج الأحاديث الثلاثة في الروايات السابقة.\n(^٣) أي: ذهبنا إليه.\n(^٤) جمع: سراج.\n(^٥) سنده ضعيف للانقطاع فإن أبا عبيدة لم يسمع من ابن مسعود ﵁. وفيه غرائب كما ذكر الحافظ ابن كثير.","vol":"5","page":29},{"text":"(طريق أخرى): قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا العوام، عن جبلة بن سحيم، عن [مؤثر بن عَفازة] (^١) عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا أمر الساعة، قال: فردُّوا أمرهم إلى إبراهيم ﵇، فقال: لا علم لي بها، فردُّوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردُّوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله ﷿، وفيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج، قال: ومعي قضيبان فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرًا فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون فيطؤون بلادهم فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس إليّ فيشكونهم فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تَجوي الأرض من نتن ريحهم، أي تنتن، قال: فينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إليَّ ربي أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلًا أو نهارًا (^٢).\nوأخرجه ابن ماجه عن بُندار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب.\nرواية عبد الرحمن بن قرط أخي عبد الله بن قرط الثمالي:\nقال سعيد بن منصور: حدثنا مسكين بن ميمون مؤذن مسجد الرملة، حدثني عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى من بين زمزم والمقام، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات العلى، فلما رجع قال: سمعت تسبيحًا في السموات العلى مع تسبيح كثير، سبحت السموات العلى من ذي المهابة مشفقات من ذي العلو بما علا سبحان العلي الأعلى ﷾ (^٣). ونذكر هذا الحديث عند قوله تعالى من هذه السورة: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ﴾ الآية [الإسراء: ٤٤].\nرواية عمر بن الخطاب ﵁:\nقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب أن عمر بن الخطاب ﵁ كان بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس قال: قال أبو سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ضاهيت اليهودية، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله ﷺ،\n_________\n(^١) كذا في المسند وترجمته، وفي الأصل صحف إلى: \"مرثد بن عنارة\"، وفي (حم): \"مرثد بن جنادة\".\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم من طريق سعيد بن منصور به (حلية الأولياء ٢/ ٧، ٨ وعوالي سعيد بن منصور ح ٤ ص ٣٤) وفي سنده مسكين بن ميمون قال الذهبي: لا أعرفه وخبره منكر (ميزان الاعتدال ٤/ ١٠١). وقد ذكره ابن حبان في الثقات ٧/ ٥٠٥، وابن شاهين من الثقات ص ٢٢٩، وقال الفسوي: لا بأس به، (التاريخ ٢/ ٤٦٢)، ووثقه ابن معين (التاريخ ٤/ ٤٧١)، ولكن المتن تفرد به ولم يتابع عليه، من أجل ذلك فإن قول الإمام الذهبي معتمد معتبر.","vol":"5","page":30},{"text":"فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس، فلم يعظم الصخرة تعظيمًا يصلي وراءها وهي بين يديه كما أشار كعب الأحبار وهو من قوم يعظمونها حتى جعلوها قبلتهم، ولكن منَّ الله عليه بالإسلام فهدي إلى الحق، ولهذا لما أشار بذلك، قال له أمير المؤمنين عمر: ضاهيت اليهودية ولا أهانها إهانة النصارى الذين كانوا قد جعلوها مزبلة من أجل أنها قبلة اليهود، ولكن أماط عنها الأذى وكنس عنها الكناسة بردائه (^١).\nوهذا شبيه بما جاء في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها\" (^٢).\nرواية أبي هريرة وهي مطولة جدًا وفيها غرابة:\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير في تفسير \"سورة سبحان\": حدثنا علي بن سهل، حدثنا حجاج، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره، شك أبو جعفر، في قول الله ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الآية، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ومعه ميكائيل، فقال جبريل لميكائيل: ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر له قلبه وأشرح له صدره، قال: فشقَّ عن بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طِساس (^٣) من ماء زمزم، فشرح صدره فنزع ما كان فيه من غلّ، وملأه علمًا وحلمًا وإيمانًا ويقينًا وإسلامًا، وختم بين كتفيه بخاتم النبوة، ثم أتاه بفرس فحمله عليه كل خطوة منه منتهى بصره أو أقصى بصره، قال: فسار وسار معه جبريل ﵇، قال: فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي ﷺ: \"يا جبريل ما هذا؟ \" قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين.\nثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: \"ما هؤلاء يا جبريل؟ \" قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة.\nثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والغنم، ويأكلون الضريع (^٤) والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، قال: \"فما هؤلاء يا جبريل؟ \" قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله تعالى شيئًا، وما الله بظلام للعبيد.\nثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ولحم نيء في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من اللحم النيء الخبيث ويدعون النضيج الطيب، فقال: \"ما هؤلاء يا جبريل؟ \" فقال: هذا الرجل من أُمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيبة، فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالًا طيبًا فتأتي رجلًا خبيثًا فتبيت معه حتى تصبح.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه وضعف سنده محققوه لضعف أبي سنان وهو عيسى بن سنان الحنفي، (المسند ١/ ٣٧٠ ح ٢٦١).\n(^٢) صحيح مسلم، الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة إليه (ح ٩٧٢).\n(^٣) جمع طست وهو إناء.\n(^٤) الضريع: نبت له شوك كبار.","vol":"5","page":31},{"text":"قال: ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته، قال: \"ما هذا يا جبريل؟ \" قات: هذا مثل أقوام أُمتك يقعدون على الطريق فيقطعونها، ثم تلا: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦].\nقال: ثم أتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، فقال: \"ما هذا يا جبريل؟ \" قال: هذا الرجل من أُمتك يكون عليه أمانات للناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها.\nثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم؛ مقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: \"ما هذا يا جبريل؟ \" فقال: هؤلاء خطباء الفتنة.\nثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، فقال: \"ما هذا يا جبريل؟ \" فقال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردَّها.\nثم أتى على وادٍ، فوجد ريحًا طيبة باردة وريح مسك وسمع صوتًا، فقال: يا جبريل \"ما هذه الريح الطيبة الباردة، وما هذا المسك، وما هذا الصوت؟ \" قال: هذا صوت الجنة تقول: يا ربِّ ائتني بما وعدتني فقد كثرت غرفي وإستبرقي، وحريري وسندسي، وعبقري (^١) ولؤلؤي، ومرجاني وفضتي وذهبي، وأكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي، وعسلي ومائي ولبنى وخمري، فائتني بما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحًا ولم يشرك بي شيئًا، ولم يتخذ من دوني أندادًا، ومن خشيني فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكل عليَّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون تبارك الله أحسن الخالقين، قالت: قد رضيت.\nقال: ثم أتى على وادٍ فسمع صوتًا منكرًا ووجد ريحًا خبيثة، فقال: \"ما هذا يا جبريل وما هذا الصوت؟ \" فقال: هذا صوت جهنم تقول: يا ربِّ ائتني بما وعدتني فقد كثرت سلاسلي، وأغلالي وسعيري، وحميمي، وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حري، فائتني بما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت.\nقال: ثم سار حتى أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى الصخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل من هذا معك؟ قال: محمد ﷺ، قالوا: أوَقد أرسل إليه فقال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء. قال: ثم لقي أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم، فقال إبراهيم ﵇: الحمد لله الذي اتخذني خليلًا، وأعطاني ملكًا عظيمًا، وجعلني أُمة قانتًا يؤتم بي، وأنقذني من النار وجعلها عليَّ بردًا وسلامًا، ثم إن موسى ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليمًا، وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي قومًا يهدون بالحق وبه يعدلون، ثم إن\n_________\n(^١) العبقري الديباج، وقيل: البُسط المزركشة.","vol":"5","page":32},{"text":"داود ﵇ أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكًا عظيمًا، وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب.\nثم إن سليمان ﵇ أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب (^١) وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وآتاني من كل شيء فضلًا، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير، وفضلني على كثير من عباده المؤمنين، وآتاني ملكًا عظيمًا لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي طيبًا ليس فيه حساب.\nثم إن عيسى ﵇ أثنى على ربه ﷿، فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته، وجعل مثلي كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهرني، وأعاذني وأُمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل.\nقال: ثم إن محمدًا ﷺ أثنى على ربه ﷿، فقال: \"كلكم أثنى على ربه، وإني مثنٍ على ربي، فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرًا ونذيرًا، وأنزل عليَّ الفرقان فيه بيان كل شيء وجعل أُمتي خير أُمة أخرجت للناس، وجعل أُمتي أُمة وسطًا، وجعل أُمتي هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحًا وخاتمًا\" فقال إبراهيم ﵇: بهذا فضلكم محمد ﷺ. قال أبو جعفر الرازي: خاتم: بالنبوة فاتح بالشفاعة يوم القيامة.\nثم أتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فأُتي بإناء منها فيه ماء، فقيل له: اشرب، فشرب منه يسيرًا، ثم دُفع إليه إناء آخر فيه لبن، فقيل له: اشرب، فشرب منه حتى روي، ثم دفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له: اشرب، فقال: لا أريده قد رويت، فقال له جبريل: أما إنها ستحرم على أُمتك ولو شربت منها لم يتبعك من أُمتك إلا القليل.\nقال: ثم صعد به إلى السماء فاستفتح، فقيل: من هذا يا جبريل؟ فقال: محمد، فقالوا: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، ففتح لهما، فدخل فإذا برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء، كما ينقص من خلق الناس، عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، فإذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى وحزن، فقلت: يا جبريل، من هذا الشيخ التام الخلق الذي لم ينقص من خلقه شيء، وما هذان البابان؟ فقال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا نظر إلى من يدخل الجنة من ذريته ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر إلى من يدخلها من ذريته بكى وحزن.\n_________\n(^١) أي: الحياض الكبار.","vol":"5","page":33},{"text":"ثم صعد به جبريل إلى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا معك؟ فقال: محمد رسول الله، فقالوا: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو بشابين، فقال: يا جبريل من هذان الشابان؟ قال: هذا عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ابنا الخالة ﵉.\nقال: فصعد به إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل قد فضل على الناس في الحسن، كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قال: من هذا يا جبريل الذي قد فضل على الناس في الحسن؟ قال: هذا أخوك يوسف ﵇.\nقال: ثم صعد به إلى السماء الرابعة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل، قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا إدريس ﵇ رفعه الله مكانًا عليًا.\nقال: فصعد به إلى السماء الخامسة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل جالس وحوله قوم يقص عليهم، قال: بمن هذا يا جبريل، ومن هؤلاء حوله؟ قال: هذا هارون المحبب، وهؤلاء بنو إسرائيل.\nقال: ثم صعد به إلى السماء السادسة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل جالس فجاوزه فبكى الرجل، فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: موسى، قال: فما باله يبكي؟ قال: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله ﷿، وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا وأنا في أخرى، فلو أنه بنفسه لم أبال ولكن مع كل نبي أُمته.\nقال: ثم صعد به إلى السماء السابعة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي، وعنده قوم جلوس، بيض الوجوه أمثال القراطيس (^١)، وقوم في ألوانهم شيء، فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فدخلوا نهرًا فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهرًا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء. ثم دخلوا نهرًا آخر فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلصت ألوانهم فصارت مثل ألوان أصحابهم، جاؤوا فجلسوا إلى\n_________\n(^١) يشبه بالقرطاس في بياضه.","vol":"5","page":34},{"text":"أصحابهم، فقال: يا جبريل من هذا الأشمط (^١)؟، ثم من هؤلاء البيض الوجوه؟ ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء؟ وما هذه الأنهار التي دخلوا فيها فجاؤوا وقد صفت ألوانهم؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، أول من شُمط على وجه الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه، فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فقوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار، فأولها رحمة الله، والثاني نعمة الله، والثالث سقاهم ربهم شرابًا طهورًا.\nقال: ثم انتهى إلى السدرة، فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك على سنتك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عامًا لا يقطعها، والورقة منها تغطي الأُمة كلها، قال: فغشيها نور الخلاق ﷿، وغشيتها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة، من حب الرب ﵎، قالوا: فكلمه الله عند ذلك فقال له: سل، فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلًا وأعطيته ملكًا عظيمًا، وكلمت موسى تكليمًا وأعطيت داود ملكًا عظيمًا وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكًا وسخرت له الجن والإنس والشياطين، وسخرت له الرياح وأعطيت له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل، فقال له الرب ﷿: وقد اتخذتك خليلًا -وهو مكتوب في التوراة حبيب الرحمن- وأرسلتك إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أُمتك خير أُمة أخرجت للناس، وجعلت أُمتك أُمة وسطًا، وجعلت أُمتك هم الأولين وهم الآخرين وجعلت أُمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من أُمتك أقوامًا قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول النبيين خلقًا وآخرهم بعثًا، وأولهم يقضى له، وأعطيتك سبعًا من المثاني لم يعطها نبي قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبيًا قبلك، وأعطيتك الكوثر، وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام والهجرة والجهاد والصلاة والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلتك فاتحًا خاتمًا، فقال النبي ﷺ: \"فضلني ربي بست: أعطاني فواتح الكلام وخواتيمه، وجوامع الحديث، وأرسلني إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وقذف في قلوب أعدائي الرعب من مسيرة شهر، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبل، وجعلت لي الأرض كلها طهورًا ومسجدًا\"، قال: وفرض عليه خمسين صلاة.\nفلما رجع إلى موسى قال: بمَ أُمرت يا محمد؟ قال: بخمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أُمتك أضعف الأُمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ﷺ إلى ربه ﷿ فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرًا ثم رجع إلى موسى فقال له: بكم أُمرت؟ قال: بأربعين قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأُمم، ولقد لقيت من بني\n_________\n(^١) الأشمط في الشعر: اختلافه بلونين من سواد وبياض.","vol":"5","page":35},{"text":"إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ﷺ إلى ربه، فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرًا، فرجع إلى موسى، فقال: بكم أُمرت؟ قال: أُمرت بثلاثين، فقال له موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أُمتك أضعف الأُمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، فرجع النبي ﷺ إلى ربه ﷿ فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرًا فرجع إلى موسى فقال له: بكم أُمرت؟ قال: بعشرين، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أُمتك أضعف الأُمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ﷺ إلى ربه ﷿ فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرًا فرجع إلى موسى ﵇، فقال له: بكم أُمرت؟ قال: بعشر، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أُمتك أضعف الأُمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ﷺ إلى ربه ﷿ فسأله التخفيف، فوضع عنه خمسًا، فرجع إلى موسى ﵇، فقال له: بكم أُمرت؟ قال: بخمس، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أُمتك أضعف الأُمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت، فما أنا براجع إليه، قيل: أما إنك كما صبرت نفسك على خمس صلوات، فإنهن يجزين عنك خمسين صلاة، فإن كل حسنة بعشر أمثالها، قال: فرضي محمد ﷺ كل الرضا، قال: وكان موسى ﵇ من أشدهم عليه حين مرّ به وخيرهم له حين رجع إليه.\nثم رواه ابن جرير عن محمد بن عبيد الله، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أو غيره، شك أبو جعفر عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فذكره بمعناه (^١).\nوقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي عن أبي سعيد الماليني، عن ابن عدي، عن محمد بن الحسن السكوني البالسي بالرملة، حدثنا علي بن سهل فذكر مثل ما رواه ابن جرير عنه، وذكر البيهقي أن الحاكم أبا عبد الله رواه عن إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني عن جده، عن إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن حاتم بن إسماعيل، حدثني عيسى بن ماهان يعني أبا جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فذكره (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر أبو زرعة، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عيسى بن عبد الله التميمي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس البكري، عن أبي العالية أو غيره، شك عيسى، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فذكر الحديث بطوله كنحو مما سقناه (^٣).\nقلت: وأبو جعفر الرازي قال: فيه الحافظ أبو زرعة الرازي: يهم في الحديث كثيرًا، وقد ضعفه غيره أيضًا، ووثقه بعضهم، والظاهر أنه سيء الحفظ، ففيما تفرد به نظر. وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه شيء من حديث المنام من رواية سمرة بن جندب في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنديه وطوله، وسنده ضعيف لسوء حفظ أبي جعفر الرازي كما سيأتي فيما نقله الحافظ ابن كثير عن جمع من النقاد، وهذه الرواية ليست من الصحيفة المشهورة التي يرويها أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أُبي بن كعب. لأن فيها شك أبي جعفر، وكذلك فيها أبو هريرة ﵁ وهو لم يذكر في الصحيفة بل يذكر أُبي بن كعب ﵁.\n(^٢) دلائل النبوة ٢/ ٣٩٦، ٣٩٧، وسنده كسابقه.\n(^٣) سنده ضعيف كسابقه فيه أبو جعفر الرازي أيضًا.","vol":"5","page":36},{"text":"المنام الطويل عند البخاري، ويشبه أن يكون مجموعًا من أحاديث شتى أو منام أو قصة أخرى غير الإسراء، والله أعلم.\nوقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"حين أسري بي، لقيت موسى ﵇ فنعته، فإذا رجل حسبته قال: مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة، قال: ولقيت عيسى، فنعته النبي ﷺ قال: ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعني: حمام، قال: ولقيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به، قال: وأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، قيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربت، فقيل لي: هديت الفطرة أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت خمرًا غوت أمتك\" (^١) وأخرجاه من وجه آخر عن الزهري به نحوه.\nوفي صحيح مسلم عن محمد بن رافع، عن حجين بن المثنى، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربًا ما كربت مثله قط، فرفعه الله إلي أنظر إليه ما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى قائم يصلي، وإذا هو رجل جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس شبهًا به عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أقرب الناس شبهًا به صاحبكم -يعني نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت قال قائل: يا محمد هذا مالك خازن جهنم، فالتفت إليه فبدأني بالسلام\" (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت ليلة أسري بي لما انتهيت إلى السماء السابعة، فنظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق، قال: وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيّات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء آكلوا الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل مني فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين يحرفون على أعين بني آدم لا يتفكرون في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب\". ورواه الإمام أحمد عن حسن وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة به. ورواه ابن ماجه من حديث حماد (^٣) به.\nرواية جماعة من الصحابة ممن تقدم وغيرهم:\nقال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد الله يعني الحاكم، حدثنا عبدان بن زيد بن يعقوب الدقاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن الحسين الهمداني، حدثنا أبو محمد هو إسماعيل بن موسى\n_________\n(^١) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ …﴾ [مريم: ١٦] (ح ٣٤٣٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ (ح ١٦٨).\n(^٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال (ح ١٧٢).\n(^٣) تقدم تخريجه وضعفه.","vol":"5","page":37},{"text":"الفزاري، حدثنا عمر بن سعد النضري من بني نصر بن معين، حدثني عبد العزيز وليث بن أبي سليم، وسليمان الأعمش وعطاء بن السائب، بعضهم يزيد في الحديث على بعض، عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس ومحمد بن إسحاق بن يسار عمن حدثه عن ابن عباس، وعن سليم بن مسلم العقيلي، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن مسعود. وجويبر عن الضحاك بن مزاحم، قالوا: كان رسول الله ﷺ في بيت أُم هانئ راقدًا وقد صلى العشاء الآخرة (^١)، قال أبو عبد الله الحاكم: قال لنا هذا الشيخ، وذكر الحديث، فكتبت المتن من نسخة مسموعة منه، فذكر حديثًا طويلًا يذكر فيه عدد الدرج والملائكة وغير ذلك مما لا ينكر شيء منها في قدرة الله إن صحت الرواية.\nقال البيهقي: فيما ذكرنا قبل في حديث أبي هارون العبدي في إثبات الإسراء والمعراج كفاية، وبالله التوفيق (^٢).\nقلت: وقد أرسل هذا الحديث غير واحد من التابعين وأئمة المفسرين رحمة الله عليهم أجمعين.\nرواية عائشة أم المؤمنين ﵄:\nقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني مكرم بن أحمد القاضي، حدثني إبراهيم بن الهيثم البلدي، حدثني محمد بن كثير الصنعاني، حدثنا معمر بن راشد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: لما أسري برسول الله ﷺ إلى المسجد الأقصى، أصبح يحدث الناس بذلك فارتدَّ ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، فقال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: فتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق (^٣).\nرواية أم هانيء بنت أبي طالب:\nقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح باذان، عن أُم هانئ بنت أبي طالب في مسرى رسول الله ﷺ أنها كانت تقول: ما أسري برسول الله ﷺ إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا برسول الله ﷺ فلما صلى الصبح وصلينا معه، قال: \"يا أُم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة\n_________\n(^١) دلائل النبوة ٢/ ٤٠٤ وهذه الطرق يشد بعضها بعضًا، قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين هذه الأقوال أنه نام في بيت أم هاني، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه، فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعًا وبه أثر النعاس، ثم أخرجه المَلَك إلى باب المسجد فأركبه البراق (فتح الباري ٧/ ٢٠٤).\n(^٢) دلائل النبوة ٢/ ٤٠٤، وتقدم ضعف رواية أبي هارون العبدي.\n(^٣) دلائل النبوة ٢/ ٣٦٠، ٣٦١، وأخرجه الحاكم عن مكرم بن أحمد القاضي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٦٢، ٦٣).","vol":"5","page":38},{"text":"كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين\" (^١). الكلبي متروك بمرة ساقط، لكن رواه أبو يعلى في مسنده عن محمد بن إسماعيل الأنصاري عن ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن أبي صالح، عن أُم هانئ بأبسط من هذا السياق، فليكتب ههنا (^٢).\nوروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن عكرمة، عن أُم هانئ قالت: بات رسول الله ﷺ ليلة أسري به في بيتي، ففقدته من الليل، فامتنع مني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش، فقال رسول الله ﷺ: \"إن جبريل ﵇ أتاني فأخذ بيدي فأخرجني، فإذا على الباب دابة دون البغل وفوق الحمار، فحملني عليها ثم انطلق حتى أتى بي إلى بيت المقدس، فأراني إبراهيم ﵇ يشبه خلقه خلقي ويشبه خلقي خلقه، وأراني موسى آدم طويلًا سبط الشعر، شبهته برجال أزد شنوءة، وأراني عيسى ابن مريم ربعة أبيض يضرب إلى الحمرة، شبهته بعروة بن مسعود الثقفي، وأراني الدجال ممسوح العين اليمنى، شبهته بقطن بن عبد العزى -قال-: وأنا أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم بما رأيت\" فأخذت بثوبه فقلت: إني أذكرك الله إنك تأتي قومك يكذبوك وينكرون مقالتك، فأخاف أن يسطوا بك، قالت: فضرب ثوبه من يدي ثم خرج إليهم، فأتاهم وهم جلوس فأخبرهم ما أخبرني، فقام جبير بن مطعم فقال: يا محمد أن لو كنت لك شأن كما كنت ما تكلمت بما تكلمت به وأنت بين ظهرانينا. فقال رجل من القوم: يا محمد هل مررت بإبل لنا في مكان كذا وكذا؟ قال: \"نعم والله قد وجدتهم قد أضلوا بعيرًا لهم فهم في طلبه\" قال: هل مررت بإبل فلان؟ قال: نعم \"وجدتهم في مكان كذا وكذا وقد انكسرت لهم ناقة حمراء، وعندهم قصعة من ماء فشربت ما فيها\" قالوا: فأخبرنا عدتها، من الرعاة؟ قال: \"قد كنت عن عدتها مشغولًا\" فنام فأوتي بالإبل فعدها وعلم ما فيها من الرعاة.\nثم أتى قريشًا فقال لهم: \"سألتموني عن إبل بني فلان فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاة فلان وفلان، وسألتموني عن إبل بني فلان، فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاة ابن أبي قحافة وفلان وفلان، وهي تصبحكم بالغداة على الثنية\" قال: فقعدوا على الثنية ينظرون أصدقهم ما قال، فاستقبلوا الإبل فسألوهم: هل ضلَّ لكم بعير؟ فقالوا: نعم، فسألوا الآخر، هل انكسرت لكم ناقة حمراء؟ قالوا: نعم، قالوا: فهل كانت عندكم قصعة؟ قال أبو بكر: أنا والله وضعتها فما شربها أحد ولا أهرقوه في الأرض، فصدقه أبو بكر وآمن به، فسمي يومئذٍ الصديق (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن هشام (السيرة ٢/ ٤٢٧)، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به وسنده ضعيف جدًا بسبب الكلبي.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى مطولًا، (معجم الشيوخ ح ١٠) وسنده ضعيف أيضًا لضعف أبي صالح وهو باذام أو باذان (ينظر تهذيب التهذيب ١/ ٤١٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢٤/ ٤٣٢، وسنده ضعيف جدًا لأن عبد الأعلى بن أبي مساور متروك (مجمع الزوائد ١/ ٨٠).","vol":"5","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-126>فصل</span>\nوإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس وأنه مرة واحدة (^١)، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه، فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء ﵈، ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب، ولم يتحصل على مطلب. وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه ﵇ أُسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك، وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدًا، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف ولو تعدد هذا التعدد، لأخبر النبي ﷺ به أُمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرار (^٢).\nقال موسى بن عقبة الزهري: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، وكذا قال عروة. وقال السدي: بستة عشر شهرًا (^٣)، والحق أنه ﵇ أسري به يقظة لا منامًا من مكة إلى بيت المقدس راكبًا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد، ربط الدابة عند الباب ودخله، فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما ﷺ وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، أي أقلام القدر بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة وغشيتها الملائكة ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح ورأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه، لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. ورأى الجنة والنار وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفًا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها.\nثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذٍ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدًا واحدًا، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق،\n_________\n(^١) ونقل الحافظ ابن حجر أنه وقع مرتين: مرة في المنام توطئة وتمهيدًا، ومرة ثانية في اليقظة (فتح الباري ٧/ ١٩٧).\n(^٢) وقد استبعد الحافظ ابن حجر وقوع التعدد (فتح الباري ٧/ ١٩٨).\n(^٣) ذكر هذه الأقوال البيهقي (دلائل النبوة ٢/ ٣٥٤، ٣٥٥).","vol":"5","page":40},{"text":"لأنه كان أولًا مطلوبًا إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به، اجتمع به هو وإخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ له في ذلك.\nثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس، والله ﷾ أعلم، وأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء أو الجميع فقد ورد أنه في بيت المقدس وجاء أنه في السماء. ويحتمل أن يكون ههنا وههنا، لأنه كالضيافة للقادم، والله أعلم.\nثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه، أو بروحه فقط؟ على قولين:\nفالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا منامًا، ولا ينكرون أن يكون رسول الله ﷺ رأى قبل ذلك منامًا ثم رآه بعد يقظة، لأنه كان ﵇ لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والدليل على هذا قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظمًا، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضًا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقال تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].\nقال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، رواه البخاري (^١)، وقال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم] (^٢) والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضًا فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه، والله أعلم.\nوقال آخرون: بل أُسري برسول الله ﷺ بروحه لا بجسده.\nقال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان، كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة (^٣).\nوحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن أسري بروحه (^٣).\nقال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها لقول الحسن: إن هذه الآية نزلت ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] ولقول الله في الخبر عن إبراهيم: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] قال: ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحي يأتي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده عن ابن عباس في صحيحه، التفسير، سورة الإسراء، باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] (ح ٤٧١٦).\n(^٢) ذكره ابن هشام (السيرة ١/ ٤٠٠)، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لأن يعقوب بن عتبة لم يدرك معاوية ﵁.\n(^٣) ذكره ابن هشام (السيرة ١/ ٤٠٠)، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف للانقطاع بين ابن إسحاق وعائشة ولم يصرح باسم شيخه.","vol":"5","page":41},{"text":"للأنبياء من الله أيقاظًا ونيامًا فكان رسول الله ﷺ يقول: \"تنام عيناي وقلبي يقظان\" (^١) والله أعلم، أي ذلك كان قد جاءه وعاين من الله فيه ما عاين على أي حالاته كان نائمًا أو يقظانًا، كل ذاك حق وصدق (^٢)، انتهى كلام ابن إسحاق.\nوقد تعقبه أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن، وذكر من الأدلة على ردِّه بعض ما تقدم (^٣)، والله أعلم.\nفائدة حسنة جليلة:\nروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب \"دلائل النبوة\" من طريق محمد بن عمر الواقدي: حدثني مالك بن أبي الرجال، عن عمرو بن عبد الله، عن محمد بن كعب القرظي، قال: بعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة إلى قيصر، فذكر وروده عليه وقدومه إليه، وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل، ثم استدعى مَن بالشام من التجار فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه، فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم كما سيأتي بيانه، وجعل أبو سفيان يجهد أن يحقر أمره وتصغره عنده. قال في هذا السياق عن أبي سفيان: والله ما منعني من أن أقول عليه قولًا أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها عليَّ ولا يصدقني في شيء. قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري به، قال: فقلت: أيها الملك ألا أخبرك خبرًا تعرف أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قال: قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا، أرض الحرم، في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء، ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصباح. قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال بطريق إيلياء: قد علمت تلك الليلة، قال: فنظر إليه قيصر وقال: وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كان تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني كلهم فعالجته، فغلبنا فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلًا، فدعوت إليه النجاجرة، فنظروا إليه فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه النِجاف (^٤) والبنيان، ولا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى. قال: فرجعت وتركت البابين مفتوحين. فلما أصبحت غدوت عليها، فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط دابة، قال: فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، وقد صلى الليلة في مسجدنا، وذكر تمام الحديث (^٥).\nفائدة:\nقال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه \"التنوير في مولد السراج المنير\" وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس وتكلم عليه فأجاد وأفاد، ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذرٍّ ومالك بن صعصعة وأبي هريرة\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂ (صحيح البخاري، التهجد، باب قيام النبي ﷺ في رمضان وغيره ح ١١٤٧، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ ح ٧٣٨).\n(^٢) ذكره ابن هشام (السيرة ١/ ٤٠٠)، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.\n(^٣) ردَّه الطبري ردًّا علميًا بالنقل والعقل وباللغة.\n(^٤) النجاف أسكفة الباب.\n(^٥) ذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه أبي نعيم في الدلائل، وسنده مرسل.","vol":"5","page":42},{"text":"وأبي سعيد وابن عباس، وشداد بن أوس وأُبي بن كعب وعبد الرحمن بن قرط وأبي حبة وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبُريدة، وأبي أيوب وأبي أُمامة وسمرة بن جُندب وأبي الحمراء، وصهيب الرومي وأُم هانئ، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين، منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ [الصف].\n\n<span id=\"aya-2031\"></span>﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾.\nلما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد ﷺ عطف بذكر موسى عبده ورسوله وكليمه أيضًا، فإنه تعالى كثيرًا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد عليهما من الله الصلاة والسلام، وبين ذكر التوراة والقرآن، ولهذا قال بعد ذكر الإسراء: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراة ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: الكتاب ﴿هُدًى﴾ أي: هاديًا ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ أي: لئلا تتخذوا ﴿مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ أي: وليًا ولا نصيرًا ولا معبودًا دوني، لأن الله تعالى أنزل على كل نبي أرسله أن يعبده وحده لا شريك له.\n\n<span id=\"aya-2032\"></span>ثم قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ تقديره يا ذرية من حملنا مع نوح، فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي: يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدًا ﷺ وقد ورد في الحديث وفي الأثر عن السلف أن نوحًا ﵇ كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله، فلهذا سمي عبدًا شكورًا.\nقال الطبراني: حدثني علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عبد الله بن سنان، عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سمي نوح عبدًا شكورًا، لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أُسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي بُردة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها\" (^٢). وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق أبي أُسامة به (^٣).\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم: كان يحمد الله على كل حال.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٦/ ٢٢ ح ٥٤٢٠)، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٦٠)، وأخرجه البخاري من طريق أبي نعيم به (التاريخ الكبير ٤/ ٥٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١١٧) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب (ح ٢٧٣٤)، وسنن الترمذي، الأطعمة، باب ما جاء في الحمد على الطعام (ح ١٨١٦)، والسنن الكبرى للنسائي، الدعاء بعد الأكل، باب ثواب الحمد (ح ٦٨٩٩).","vol":"5","page":43},{"text":"وقد ذكر البخاري هنا حديث أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة -بطوله، وفيه- فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا، فاشفع لنا إلى ربك\" (^١) وذكر الحديث بكامله.\n\n<span id=\"aya-2033\"></span>﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾.\nيخبر تعالى أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي: تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، ويعلون علوًا كبيرًا، أي: يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ [الحجر] أي: تقدمنا إليه، وأخبرناه بذلك، وأعلمناه به.\n\n<span id=\"aya-2034\"></span>وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ أي: أولى الإفسادتين ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: سلطنا عليكم جندًا من خلقنا ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، أي: قوة وعدة وسلطنة شديدة، ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَار﴾، أي: تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي: بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدًا ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2035\"></span>وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم من هم؟\nفعن ابن عباس وقتادة أنه جالوت الجزري وجنوده، سلط عليهم أولًا ثم أديلوا عليه بعد ذلك. وقتل داود جالوت، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾ (^٢).\nوعن سعيد بن جبير أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده (^٣).\nوعنه أيضًا وعن غيره أنه بختنصر ملك بابل (^٤).\nوقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال إلى أنه ملك البلاد، وأنه كان فقيرًا مقعدًا ضعيفًا يستعطي الناس ويستطعمهم، ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس فقتل بها خلقًا كثيرًا من بني إسرائيل (^٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير، سورة بني إسرائيل، باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ …﴾ [الإسراء: ٣] (ح ٤٧١٢).\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ويتقوى بقول قتادة فقد أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي المعلى، وهو يحيى بن ميمون الضبي العطار، عن سعيد بن جبير.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٥) ذكره السيوطي في الدر المنثور بطوله ونسبه إلى ابن أبي حاتم.","vol":"5","page":44},{"text":"وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثًا أسنده عن حذيفة مرفوعًا مطولًا (^١)، وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب كيف راجٍ عليه مع جلالة قدره وإمامته، وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي ﵀ بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب.\nوقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أرَ تطويل الكتاب بذكرها؛ لأن منها ما هو موضوع ومن وضع بعض زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحًا، ونحن في غنية عنها، ولله الحمد. وفيما قصَّ الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبره الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا، سلَّط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقًا من الأنبياء والعلماء.\nوقد روى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بختنصر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دمًا يغلي على كبا، فسألهم، ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا، وكلما ظهر عليه الكبا ظهر، قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفًا من المسلمين وغيرهم، فسكن.\nوهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ منهم خلقًا كثيرًا أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه لجاز كتابته وروايته، والله أعلم (^٢).\n\n<span id=\"aya-2036\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي: فعليها، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦].\nوقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي: المرة الآخرة، أي: إذا أفسدتم الكرة الثانية وجاء أعداؤكم ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي: يهينوكم ويقهروكم، ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ أي: بيت المقدس ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ أي: يدمروا ويخربوا ﴿مَا عَلَوْا﴾ أي: ما ظهروا عليه ﴿تَتْبِيرًا (٧)﴾\n\n<span id=\"aya-2037\"></span>﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ أي: فيصرفهم عنكم، ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ أي: متى عدتم إلى الإفساد ﴿عُدْنَا﴾ إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أي: مستقرًا ومحصرًا وسجنًا لا محيد لهم عنه.\nقال ابن عباس: حصيرًا أي: سجنًا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري ثم أردفه بطريق آخر فيه رجل مجهول.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير، لكنه مرسل ويتقوى بما أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"5","page":45},{"text":"وقال مجاهد: يحصرون فيها (^١)، وكذا قال غيره.\nوقال الحسن: فرشًا ومهادًا (^٢).\nوقال قتادة: قد عاد بنو إسرائيل، فسلط الله عليهم هذا الحي محمد ﷺ وأصحابه، يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون (^٣).\n\n<span id=\"aya-2038\"></span>﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾.\nيمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ، وهو القرآن بأنه يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل، ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ به ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ على مقتضاه، ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ أي: يوم القيامة،\n\n<span id=\"aya-2039\"></span>﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾، أي: ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن ﴿لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، أي: يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].\n\n<span id=\"aya-2040\"></span>﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾.\nيخبر تعالى عن عجلة الإنسان ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله ﴿بِالشَّرِّ﴾، أي: بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، وكذا فسره ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقد تقدم في الحديث: \"لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أموالكم أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها\" (^٤). وإنما يحمل ابن آدم على ذلك قلقه وعجلته، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾.\nوقد ذكر سلمان الفارسي وابن عباس ههنا قصة آدم ﵇ حين همّ بالنهوض قائمًا قبل أن تصل الروح إلى رجليه، وذلك أنه جاءته النفخة من قبل رأسه، فلما وصلت إلى دماغه عطس، فقال: الحمد لله، فقال الله: يرحمك ربك يا آدم. فلما وصلت إلى عينيه فتحهما، فلما سرت إلى أعضائه وجسده، جعل ينظر إليه ويعجبه، فهم بالنهوض قبل أن تصل إلى رجليه فلم يستطع، وقال: يا ربِّ [عجل] (^٥) قبل الليل (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ١١.\n(^٥) كذا في تفسير الطبري ومصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ١١٠.\n(^٦) قول سلمان الفارسي ﵁ أخرجه الطبري وابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات لكنه من طريق إبراهيم النخعي عن سلمان، وإبراهيم لم يسمع من سلمان، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك عنه، والضحاك لم يلق ابن عباس.","vol":"5","page":46},{"text":"<span id=\"aya-2041\"></span>﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾.\nيمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار ليسكنوا في الليل، وينتشروا في النهار للمعايش والصنائع، والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجُمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك، ولهذا قال: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك، ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فإنه لو كان الزمان كله نسقًا واحدًا وأسلوبًا متساويًا لما عرف شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [القصص] وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان] وقال تعالى: ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [المؤمنون: ٨٠] وقال: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)﴾ [الزمر: ٥] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ [يس].\nثم إنه تعالى جعل لليل آية، أي: علامة يعرف بها، وهي: الظلام وظهور القمر فيه، وللنهار علامة وهي: النور وطلوع الشمس النيرة فيه، وفاوت بين نور القمر وضياء الشمس ليعرف هذا من هذا، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٥ - ٦] كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية [البقرة: ١٨٩].\nقال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير في قوله: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ قال: ظلمة الليلة وسدف (^١) النهار (^٢).\nوقال ابن جريج، عن مجاهد: الشمس آية النهار والقمر آية الليل، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ قال: السواد الذي في القمر، وكذلك خلقه الله تعالى (^٣).\nوقال ابن جريج: قال ابن عباس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل،\n_________\n(^١) أي: ضوء النهار.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود فيه مقال ولكن يتقوى برواية الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وهو لم يسمع من مجاهد.","vol":"5","page":47},{"text":"والشمس آية النهار، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ السواد الذي في القمر (^١).\nوقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال: يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك أما تقرأ القرآن؟ فقال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ فهذه محوه (^٢).\nوقال قتادة في قوله: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه، وجعلنا آية النهار مبصرة أي منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم (^٣).\nوقال ابن أبي نجيح، عن ابن عباس ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ قال: ليلًا ونهارًا، كذلك خلقهما الله ﷿ (^٤).\n\n<span id=\"aya-2042\"></span>\n\n<span id=\"aya-2043\"></span>﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾.\nيقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما (^٥) يقع فيه من أعمال بني آدم: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ وطائره هو ما طار عنه من عمله، كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما، من خير وشر ويلزم به ويجازى عليه (^٦)، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق] وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار] وقال: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] وقال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلًا ونهارًا، صباحًا ومساءً.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"طائر كل إنسان في عنقه\" قال ابن لهيعة: يعني الطيرة (^٧)، وهذا القول من ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث غريب جدًا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾: أي نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة إما بيمينه إن كان سعيدًا أو بشماله إن كان شقيًا، منشورًا، أي: مفتوحًا يقرؤه هو وغيره\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري من طرق متعددة جيد كما قال الحافظ ابن كثير، وهو كما قال.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) سنده ضعيف لأن ابن أبي نجيح لم يسمع من ابن عباس ويتقوى بما سبق.\n(^٥) كذا في الأصل: و(ح)، وفي (حم): \"وما\".\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسندين ضعيفين عنه، ويتقوى بما يليه فقد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لسوء حفظ ابن لهيعة (المسند ٢٣/ ١٦١ ح ١٤٨٧٨).","vol":"5","page":48},{"text":"فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ [القيامة] ولهذا قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ أي: إنك لم تظلم ولم يكتب عليك إلا ما عملت، لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئًا مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي.\nوقوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ إنما ذكر العنق لأنه عضو من الأعضاء لا نظير له في الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه، كما قال الشاعر (^١):\nاذهب بها اذهب بها … طوقتها طوق الحمامة (^٢)\nقال قتادة، عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا عدوى ولا طيرة، وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه\" كذا رواه ابن جرير (^٣)، وقد رواه الإمام عبد بن حميد في مسنده متصلًا، فقال: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"طير كل عبد في عنقه\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله، حدثنا ابن لهيعة، حدثني يزيد أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر ﵁، يحدث عن النبي ﷺ قال: \"ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته، فيقول الرب ﷻ: اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت\" (^٥) إسناده جيد قوي، ولم يخرجوه.\nوقال معمر، عن قتادة: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قال: عمله ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال: نخرج ذلك العمل ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ قال معمر: وتلا الحسن البصري: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٧] يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكِّل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا متَّ طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابًا تلقاه منشورًا، اقرأ كتابك الآية، فقد عدل والله من جعلك حسيب نفسك (^٦)، هذا من أحسن كلام الحسن، ﵀.\n_________\n(^١) هو الصحابي الجليل أحمد بن جحش ذكره ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (١/ ٥٠٠).\n(^٢) قوله: \"طوقتها طوق الحمامة\" مقتبس من الحديث الشريف: \"من غصب شبرًا من أرض طوقه يوم القيامة سبع أرضين\" وفيه موعظة ابن جحش لأبي سفيان (ينظر الروض الأنف ٢/ ١٤).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق قتادة به وقال الشيخ الألباني: ورجاله ثقات رجال الشيخين، لكن قتادة لم يسمع من جابر، وروايته عنه صحيفة قال الإمام أحمد: قرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها. (السلسلة الصحيحة ح ١٩٠٧)، وحسنه السيوطي في الدر المنثور.\n(^٤) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب ح ١٠٥٣).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٤٦)، وأخرجه الحاكم من طريق يزيد بن أبي حبيب وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٠٨)، ورواية ابن لهيعة من طريق عبد الله بن المبارك وروايته قبل احتراق كتب ابن لهيعة ولهذا قال الحافظ ابن كثير: إسنادهُ جيد قوي.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة والحسن.","vol":"5","page":49},{"text":"<span id=\"aya-2044\"></span>﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.\nيخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق، واقتفى آثار النبوة، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي: عن الحق، وزاغ عن سبيل الرشاد، فإنما يجني على نفسه، وإنما يعود وبال ذلك عليه، ثم قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جانٍ إلا على نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨].\nولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] فإن الدعاة عليهم إثم ضلالتهم مي أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحمل عنهم شيئًا، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده.\nوكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ [الملك] وكذا قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ [الزمر] وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر] فاطر، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه، ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت مقحمة في صحيح البخاري عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].\nحدثنا عبد الله بن سعد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن الأعرج بإسناده إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"اختصمت الجنة والنار\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"وأما الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار خلقًا فيلقون فيها، فتقول هل من مزيد؟ ثلاثًا\" وذكر تمام الحديث (^١)، فهذا إنما جاء في الجنة، لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه. وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة، وقالوا: لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين، واللفظ للبخاري من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همَّام، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: \"تحاجت الجنة والنار\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه، فتقول: قط قط، فهناك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض. ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا\" (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التوحيد، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (ح ٧٤٤٩).\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب وتقول هل من مزيد (ح ٤٨٥٠)، وصحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون … (ح ٢٨٤٦).","vol":"5","page":50},{"text":"بقي [ههنا] (^١) مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها قديمًا وحديثًا، وهي الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار: ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوة؟ وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه، ثم نذكر فصلًا ملخصًا من كلام الأئمة في ذلك، والله المستعان.\n(فالحديث الأول): عن الأسود بن سريع. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع أن رسول الله ﷺ قال: \"أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: ربِّ قد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: ربّ قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربِّ لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: ربّ ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا\" (^٢).\nوبالإسناد عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة مثله، غير أنه قال في آخره: \"فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها\" (^٣)، وكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث حنبل بن إسحاق عن علي بن عبد الله المديني به، وقال: هذا إسناد صحيح (^٤)، وكذا رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أربعة كلهم يدلي على الله بحجة\" فذكر نحوه (^٥)، ورواه ابن جرير من حديث معمر، عن همام، عن أبي هريرة، فذكره موقوفًا، ثم قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^٦). وكذا رواه معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا.\n(الحديث الثاني): عن أنس بن مالك:\nقال أبو داود الطيالسي: حدثنا الربيع، عن يزيد بن أبان قال: قلنا لأنس: يا أبا حمزة ما تقول في أطفال المشركين؟ فقال: قال رسول الله ﷺ: \"لم يكن لهم سيئات فيعذبوا بها، فيكونوا من أهل النار، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها، فيكونوا من ملوك أهل الجنة، هم من خدم\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"هنا\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٤)، وصححه البيهقي كما نقل الحافظ ابن كثير في آخر التخريج لهذا الحديث، وقال البيهقي أنه المذهب الصحيح (الاعتقاد ص ١٦٩) وذكر الهيثمي أن رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٢١٦)، وقال الحافظ ابن حجر: وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون ومن مات في الفترة من طرق صحيحة (فتح الباري ٣/ ٢٤٦) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٤٣٤) وله شاهد في تفسير ابن أبي حاتم بسنده عن أبي هريرة، وصفه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه ثابت السند (درء تعارض العقل ٨/ ٣٩٩، ٤٠٠).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ٢٤).\n(^٤) الاعتقاد ص ١٦٩.\n(^٥) أخرجه ابن أبي عاصم من طريق حماد بن سلمة به (السنة ح ٤٠٤).\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق محمد بن ثور عن معمر به وسنده صحيح.","vol":"5","page":51},{"text":"أهل الجنة\" (^١).\n(الحديث الثالث): عن أنس أيضًا.\nقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن ليث، عن عبد الوارث، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني الهرم كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب ﵎: لعنق من النار أبرز، ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه، قال: فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟ قال: ومن كتب عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعًا، فقال: فيقول الله تعالى: أنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار\" (^٢). وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد بإسناده مثله (^٣).\n(الحديث الرابع): عن البراء بن عازب ﵁.\nقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أيضًا: حدثنا قاسم بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله يعني: ابن داود، عن عمر بن ذرٍّ، عن يزيد بن أمية، عن البراء قال: سئل رسول الله ﷺ عن أطفال المسلمين، قال: \"هم مع آبائهم\" وسئل عن أولاد المشركين، فقال: \"هم مع آبائهم\" فقيل: يا رسول الله ما يعملون؟ قال: \"الله أعلم بهم\" (^٤). ورواه عمر بن ذرٍّ، عن يزيد بن أمية، عن رجل، عن البراء، عن عائشة، فذكره (^٥).\n(الحديث الخامس): عن ثوبان.\nقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا ريحان بن سعيد، حدثنا عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان أن النبي ﷺ عظم شأن المسألة قال: \"إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلين يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم، فيقولون: ربنا لِمَ ترسل إلينا رسولًا، ولم يأتنا\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢١١١) وفي سنده يزيد بن أبان وهو الرقاشي: ضعيف (التقريب ص ٥٩٩) وصححه الألباني بالشواهد (السلسلة الصحيحة ح ١٤٦٨) ولكن تلك الشواهد فيها ضعف أيضًا، وذكره الهيثمي من طريقين فيهما ضعف (مجمع الزوائد ٧/ ٢١٩).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٢٥، ح ٤٢٢٤) وفي سنده ليث وهو ابن أبي سُليم وعبد الوارث هو مولى أنس، وكلاهما فيهما مقال، ويشهد له الحديث الأول.\n(^٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢١٧٧) وسنده كسابقه.\n(^٤) ذكره الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد ٣٧/ ٨٧ ونسبه إلى مسند أبي يعلى، وسنده ضعيف لأن يزيد بن أمية مجهول (التقريب ص ٥٩٩).\n• وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الله بن أبي قيس مولى عُطيف عن عائشة ﵂ بنحوه، وصححه محققوه بالشواهد (المسند ٤١/ ٩٥، ٩٦ ح ٢٤٥٤٥)، ويشهد له ما أخرجه الشيخان من حديث الصعب بن جثامة ﵁ (صحيح البخاري، الجهاد، باب أهل الدار يبيتون … ح ٣٠١٢)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب جواز قتل النساء … من غير تعمد (ح ١٤٧٥).\n(^٥) وسنده ضعيف كسابقه.","vol":"5","page":52},{"text":"لك أمر؟ ولو أرسلت إلينا رسولًا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظًا وزفيرًا، فرجعوا إلى ربهم، فيقولون: ربنا أخرجنا أو أجرنا منها، فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها، فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا منها ورجعوا وقالوا: ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول: ادخلوها داخرين\" فقال نبي الله ﷺ: \"لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردًا وسلامًا\". ثم قال البزار: ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه، لم يروه عن أيوب إلا عباد، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد (^١).\nقلت: وقد ذكره ابن حيان في ثقاته، وقال يحيى بن معين والنسائي: لا بأس به، ولم يرضه أبو داود، وقال أبو حاتم: شيخ لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به.\n(الحديث السادس): عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري (^٢). قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا سعيد بن سليمان، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب، ويقول المعتوه: ربِّ لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًا، ويقول المولود: ربِّ لم أدرك العقل، فترفع لهم نار، فيقال لهم: ردُّوها، قال: فيردُّها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًا لو أدرك العمل، فيقول: إياي عصيتم، فكيف لو [أن] (^٣) رسلي أتتكم؟! \" (^٤) وكذا رواه البزار عن محمد بن عمر بن هياج الكوفي، عن عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق به، ثم قال: لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من طريقه عن عطية عنه، وقال في آخره: \"فيقول الله إياي عصيتم، فكيف برسلي بالغيب؟ \" (^٥).\n(الحديث السابع): عن معاذ بن جبل ﵁:\nقال هشام بن عمار ومحمد بن المبارك الصوري: حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل، عن نبي الله ﷺ قال: \"يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا وبهالك في الفترة وبهالك صغيرًا، فيقول الممسوخ: يا ربِّ لو آتيتني عقلًا ما كان من آتيته عقلًا بأسعد مني\" وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك \"فيقول الرب ﷿: إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيقول: اذهبوا فادخلوا النار، قال: لو دخلوها ما\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار ٤/ ١٥٦ (ح ٣٤٣٣)، قال الهيثمي: رواه البزار بإسنادين ضعيفين (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٥٠)، وقد توبع ريحان بن سعيد في رواية الحاكم إذ أخرجه من طريق إسحاق بن إدريس عن أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٤٤٩، ٤٥٠)، ويشهد له الحديث الأول المروي عن الأسود بن سريع ﵁.\n(^٢) هذه السطر في الأصل ورد قبل ثلاثة أسطر.\n(^٣) الزيادة من (ح).\n(^٤) في سنده عطية وهو العوفي ضعفه الحافظ ابن حجر كما يلي.\n(^٥) أخرجه البزار من طريق عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق به مع تعليقه، وقال الحافظ ابن حجر: عطية ضعيف (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ١٥٩، ١٦٠ ح ١٦١٦)، وضعفه الحليمي في شعب الإيمان ١/ ١٥٩، ويشهد له أيضًا الحديث الأول.","vol":"5","page":53},{"text":"ضرتهم، فتخرج عليهم قوابض فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعًا، ثم يأمرهم ثانية، فيرجعون كذلك، فيقول الرب ﷿: قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فتأخذهم النار\" (^١).\n(الحديث الثامن):\nعن أبي هريرة ﵁ قد تقدمت روايته مندرجة مع رواية الأسود بن سريع ﵁، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ \" (^٢).\nوفي رواية قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما أعلم -شك موسى- قال: \"ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم ﵇\" (^٤).\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن رسول الله ﷺ عن الله ﷿ أنه قال: \"إني خلقت عبادي حنفاء\" (^٥)، وفي رواية لغيره \"مسلمين\" (^٦).\n(الحديث التاسع): عن سَمُرة ﵁. رواه الحافظ أبو بكر البرقاني في كتابه المستخرج على البخاري من حديث عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن سَمُرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"كل مولود يولد على الفطرة\" فناداه الناس: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: \"وأولاد المشركين\" (^٧).\nوقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم الضبي، عن عيسى بن شعيب، عن عباد بن منصور، عن أبي رجاء، عن سمرة قال: سألنا رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين، فقال: \"هم خدم أهل الجنة\" (^٨).\n(الحديث العاشر): عن عم حسناء قال أحمد: حدثنا إسحاق -يعني: الأزرق- أخبرنا روح،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني من طريق عمرو بن واقد به (المعجم الأوسط ٨/ ٥٧ ح ٧٩٥٥)، قال الهيثمي: فيه عمرو بن واقد وهو متروك عند البخاري وغيره، ورمي بالكذب (مجمع الزوائد ٧/ ٢١٩، ٢٢٠).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩.\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين ح ٦٦٠٠، وصحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ح ٢٦٥٨).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه أحمد شاكر (المسند ح ٨٣٠٧) وحسنه محققوه (المسند ح ٨٣٢٤)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن ثابت به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٧٠) وصححه السيوطي وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة في الجامع الصغير (ح ٦٠٣).\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩.\n(^٦) وذكر الحافظ ابن حجر أنه رواه غير عياض فزاد فيه: حنفاء مسلمين (فتح الباري ٣/ ٢٤٨).\n(^٧) حديث صحيح أخرجه البخاري من طريق عوف الأعرابي به مطولًا وقد ورد نصه في آخر الحديث (الصحيح، التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح ح ٧٠٤٧).\n(^٨) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٧/ ٢٩٥ ح ٦٩٩٣) وضعف سنده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٣/ ٢٤٦)، وهذه التضعيف بسبب عباد بن منصور قال الهيثمي وثقه يحيى القطان وفيه ضعف (مجمع الزوائد ٧/ ٢١٩).","vol":"5","page":54},{"text":"حدثنا عوف، عن حسناء بنت معاوية من بني صريم قالت: حدثني عمي قال: قلت: يا رسول الله مَن في الجنة؟ قال: \"النبي في الجنة، والشهيد في الجنة والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة\" (^١).\nفمن العلماء من ذهب إلى الوقوف فيهم لهذا الحديث، ومنهم من جزم لهم بالجنة لحديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري أنه ﵊ قال في جملة ذلك المنام حين مرّ على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم ﵇، وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين، قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: \"نعم وأولاد المشركين\" (^٢).\nومنهم من جزم لهم بالنار لقوله ﵇: \"هم مع آبائهم\" (^٣) ومنهم من ذهب إلى أنّهم (يمتحنون يوم القيامة في العرصات)، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف على الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرًا وانكشف علم الله به بسابق الشقاوة وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض.\nوهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد.\nوقد ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري بعد ما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قوية ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها، لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل ولا ابتلاء، فكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها (^٤)؟\nوالجواب عمّن قال أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نصّ على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها.\nوأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من إمتحان الأطفال وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم].\nوقد ثبتت السُنة في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقًا واحدًا كلما أراد السجود خرّ لقفاه.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعف سنده محققوه لجهالة حسناء (المسند ٣٤/ ١٩٠ ح ٢٠٥٨٣) والحق أن حسناء ليست مجهولة وإنما مقبولة، وفرق بين المقبول والمجهول، وكثير من المقبولين حُسنت أحاديثهم بل صُححت، ولهذا حسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٣/ ٢٤٦).\n(^٢) تقدم تخريجه والإشارة إلى طوله قبل روايتين.\n(^٣) تقدم تخريجه وشواهده في حديث البراء ﵁.\n(^٤) (التمهيد ١٨/ ١٣٠) وذكره القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص ٥١٤.","vol":"5","page":55},{"text":"وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها، أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارًا ويقول الله تعالى: يا ابن آدم ما أغدرك، ثم يأذن له في دخول الجنة (^١).\nوأما قوله: فكيف يكلفهم الله دخول النار وليس ذلك في وسعهم؟ فليس هذا بمانع من صحة الحديث، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، ويمرُّ المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي ومنهم الماشي ومنهم من يحبو حبوًا ومنهم المكدوش (^٢) على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم.\nوأيضًا فقد أثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار، فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا (^٣)، فهذا نظير ذاك، وأيضًا فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضًا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفًا، يقتل الرجل أباه وأخاه، وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل، وهذا أيضًا شاق على النفوس جدًا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-127>فصل</span>\nإذا تقرر هذا فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال:\nأحدها: أنهم في الجنة. واحتجوا بحديث سمرة أنه ﵇ رأى مع إبراهيم ﵇ أولاد المسلمين وأولاد المشركين، وبما تقدم في رواية أحمد عن حسناء عن عمها أن رسول الله ﷺ قال: \"والمولود في الجنة\" وهذا استدلال صحيح، ولكن أحاديث الامتحان أخصّ منه.\nفمن علم الله منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا على الفطرة، ومن علم منه أنه لا يجيب، فأمره إلى الله تعالى يوم القيامة يكون في النار، كما دلت عليه أحاديث الامتحان، ونقله الأشعري عن أهل السنة، ثم إن هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة منهم من جعلهم مستقلين فيها، ومنهم من جعلهم خدمًا لهم، كما جاء في حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي داود الطيالسي وهو ضعيف، والله أعلم (^٤).\nوالقول الثاني: أنهم مع آبائهم في النار. واستدل عليه بما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي المغيرة، حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب، حدثني عبد الله بن أبي قيس مولى غطيف أنه أتى\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، الأذان، باب فضل السجود ح ٨٠٦، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية ح ١٨٢).\n(^٢) المكدوش: المطرود.\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث حذيفة ﵁ (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ح ٣٤٥٠، وصحيح مسلم، الفتن، باب \"ذكر الدجال\" ح ٢٩٣٤).\n(^٤) هذه الأحاديث كلها تقدم تخريجها في تفسير الآية نفسها.","vol":"5","page":56},{"text":"عائشة فسألها عن ذراري الكفار، فقال: قال رسول الله ﷺ: \"هم تبع لآبائهم\" فقلت: يا رسول الله بلا أعمال؟ فقال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" (^١). وأخرجه أبو داود من حديث محمد بن حرب عن محمد بن زياد الألهاني، سمعت عبد الله بن أبي قيس، سمعت عائشة تقول: سألت رسول الله ﷺ عن ذراري المؤمنين، قال: \"هم مع آبائهم\" قلت: فذراري المشركين؟ قال: \"هم مع آبائهم\" فقلت بلا عمل؟ قال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" (^٢). ورواه أحمد أيضًا عن وكيع عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل وهو متروك عن مولاته بهية عن عائشة أنها ذكرت أطفال المشركين لرسول الله ﷺ فقال: \"إن شئت أسمعتك تضاغيهم (^٣) في النار\" (^٤).\nوروى عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل بن غزوان، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي ﵁ قال: سألت خديجة رسول الله ﷺ عن ولدين لها ماتا في الجاهلية، فقال: \"هما في النار\" قال: فلما رأى الكراهية في وجهها فقال لها: \"لو رأيت مكانهما لأبغضتهما\" قال: فولدي منك؟ قال: قال: \"في الجنة\". قال: ثم قال رسول الله ﷺ: \"إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار\" -ثم قرأ:- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (^٥) [الطور: ٢١] وهذا حديث غريب، فإن في إسناده محمد بن عثمان مجهول الحال، وشيخه زاذان لم يدرك عليًا، والله أعلم.\nوروى أبو داود من حديث ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ: \"الوائدة والموؤودة في النار\" ثم قال الشعبي: حدثني به علقمة، عن أبي وائل، عن ابن مسعود (^٦).\nوقد رواه جماعة عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: أتيت أنا وأخي النبي ﷺ فقلنا: إن أمنا ماتت في الجاهلية، وكانت تقري الضيف، وتصل الرحم، وإنها وأدت أختًا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث. فقال: \"الوائدة والموؤودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم\" (^٧). وهذا إسناد حسن.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه بالشواهد (المسند ٤١/ ٩٥، ٩٦ ح ٢٤٥٤٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود من طريق محمد بن حرب به (السنن، كتاب السنة، باب في ذراري المشركين ح ٤٧١٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٤٣).\n(^٣) أي: صياحهم.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لضعف أبي عقيل ولجهالة بهية. (المسند ٤٢/ ٤٨٤ ح ٢٥٧٤٣).\n(^٥) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٣٤) وسنده ضعيف للعلتين اللتين ذكرهما الحافظ ابن كثير.\n(^٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، كتاب السنة، باب في ذراري المشركين ح ٤٧١٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٤٨).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد عن ابن أبي عدي عن داود بن أبي هند به (المسند ٣/ ٤٧٨) وحسن سنده الحافظ ابن كثير. وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١/ ١١٩)، وأخرجه النسائي من طريق داود بن أبي هند به (التفسير من السنن الكبرى ح ٦٦٩) وصححه محققه، وصححه ابن عبد البر (قاله القرطبي في التذكرة ص ٢).","vol":"5","page":57},{"text":"والقول الثالث: التوقف فيهم. واعتمدوا على قوله ﷺ: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" وهو في الصحيحين من حديث جعفر بن أبي إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس سئل رسول لله ﷺ عن أولاد المشركين، قال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" وكذلك هو في الصحيحين من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه سئل عن أطفال المشركين، فقال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\".\nومنهم من جعلهم من أهل الأعراف، وهذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة، لأن الأعراف ليس دار قرار ومآل أهلها الجنة، كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-128>فصل</span>\nوليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس، وهو الذي نقطع به إن شاء الله ﷿ فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن بعض العلماء أنهم توقفوا في ذلك وأن الولدان كلهم تحت المشيئة، قال أبو عمر: ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث، منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم، قالوا: وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر، وما أورده من الأحاديث في ذلك، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال المشركين خاصة في المشيئة (^١)، انتهى كلامه، وهو غريب جدًا، وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في كتاب التذكرة نحو ذلك أيضًا (^٢)، والله أعلم.\nوقد ذكروا في ذلك أيضًا حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دعي النبي ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: \"أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم. وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم\". رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه (^٣).\nولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع، كره جماعة من العلماء الكلام فيها، روي ذلك عن ابن عباس والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد ابن الحنفية وغيرهم، وأخرج ابن حبان في صحيحه عن\n_________\n(^١) ذكره أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١١١، ١١٢).\n(^٢) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص ٥١٢، ٥١٣.\n(^٣) صحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (ح ٢٦٦٢)، والمسند ٦/ ٤١، وسنن أبي داود، كتاب السنة، باب في ذراري المشركين (ح ٤٧١٣)، وسنن النسائي، الجنائز، باب الصلاة على الصبيان ٤/ ٥٧، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب في القدر (ح ٨٢).","vol":"5","page":58},{"text":"جرير بن حازم: سمعت أبا رجاء العطاردي، سمعت ابن عباس ﵄ وهو على المنبر يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا يزال أمر هذه الأُمة مواتيًا أو مقاربًا ما لم يتكلموا في الوِلدان والقدر\" (^١).\nقال ابن حبان: يعني أطفال المشركين، وهكذا رواه أبو بكر البزار من طريق جرير بن حازم، ثم قال: وقد رواه جماعة عن أبي رجاء، عن ابن عباس موقوفًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-2045\"></span>﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾.\nاختلف القراء في قراءة قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ فالمشهور قراءة التخفيف (^٣).\nواختلف المفسرون في معناها، فقيل: معناها أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرًا قدريًا، كقوله تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤] فإن الله لا يأمر بالفحشاء، قالوا: معناه أنه سخرهم إلى فعل الفواحش، فاستحقوا العذاب.\nوقيل: معناه أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش، فاستحقوا العقوبة، رواه ابن جريج عن ابن عباس (^٤)، وقاله سعيد بن جبير أيضًا (^٥).\nوقال ابن جرير: يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء، قلت إنما يجيء هذا على قراءة من قرأ: (أمَّرنا (^٦) مترفيها).\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (أمرَّنا مترفيها ففسقوا فيها) يقول: سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ (^٧) [الأنعام: ١٢٣]، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس (^٨).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً (^٩) أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ يقول: أكثرنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان من طريق جرير به (الإحسان ٨/ ٢٥٦ ح ٦٦٨٩)، وأخرجه الحاكم من طريق جرير به وصححه وقال: لا نعلم له علة ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٣)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٥١٥)، وانظر المزيد في الرواية التالية:\n(^٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢١٨٠)، وقال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٢٠٢)، وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد من طريق جرير به موقوفًا على ابن عباس (السنة ٧٠٣).\n(^٣) وهي قراءة متواترة.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق شريك عن سلمة أو غيره عن سعيد بن جبير وسنده ضعيف لعدم الجزم باسم شيخ شريك. ومعناه صحيح.\n(^٦) وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابث من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٨) قول أبي العالية والربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع تارة، وعن الربيع عن أبي العالية تارة أخرى وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٩) وهي قراءة متواترة.","vol":"5","page":59},{"text":"عددهم (^١)، وكذا قال عكرمة والحسن والضحاك وقتادة (^٢). وعن مالك، عن الزهري ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أكثرنا (^٣).\nوقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد، حيث قال: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعيم العدوي، عن مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هُبيرة، عن النبي ﷺ قال: \"خير مال امرئ له مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة\" (^٤).\nقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه الغريب: \"المأمورة كثيرة النسل، والسكة الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة من التأبير\".\nوقال بعضهم: إنما جاء هذا متناسبًا كقوله: \"مأزورات غير مأجورات\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-2046\"></span>﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾.\nيقول تعالى منذرًا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدًا ﷺ، بأنه قد أهلك من المكذبين للرسل من بعد نوح، ودلَّ هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام كما قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام (^٦)، ومعناه أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم وقد كذّبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وأحرى.\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: هو عالم بجميع أعمالهم: خيرها وشرها لا يخفى عليه منها خافية [﷾] (^٧).\n\n<span id=\"aya-2047\"></span>﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾.\nيخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل عليه، بل إنما يحصل لمن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به ويتقوى بالآثار الآتية:\n(^٢) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سماك عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لإبهام شيخ الطبري، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٧٠)، وسنده ضعيف لأنه مرسل أرسله سويد وهو تابعي وقد رواه بلاغًا فيما أخرجه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٤/ ٢٣٣)، وقد أكد البسوي أنه تابعي (المعرفة والتاريخ ٣/ ٦٩)، وقال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات (مجمع الزوائد ٥/ ٢٥٨) وحتى لو كان رجاله ثقات فعلة الإرسال باقية.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه من حديث علي ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ فإذا نسوة جلوس فقال: ما يجلسكنَّ؟ قلن: ننتظر الجنازة قال: هل تغسلن؟ قلن: لا. قال هل تحملن؟ قلن: لا. قال هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا. قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات (السنن، الجنائز، باب ما جاء في اتباع النساء الجنائز ح ١٥٧٨) وفي التعليق عليه عن البوصيري: في إسناده دينار بن عمر، وهو وإن وثقه وكيع وذكره ابن حبان في الثقات فقد قال أبو حاتم: ليس بالمشهور. وقال الأزدي: متروك. وقال الخليلي في الإرشاد: كذاب. وهذا الحديث ذكره ابن الجوزي في (العلل المتناهية ٢/ ٤٢٠).\n(^٦) تقدم تخريجه وصحته عن ابن عباس ﵄.\n(^٧) زيادة من (حم) و(ح).","vol":"5","page":60},{"text":"أراد الله وما يشاء، وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات (^١)، فإنه قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿يَصْلَاهَا﴾ أي: يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه ﴿مَذْمُومًا﴾ أي: في حال كونه مذمومًا على سوء تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على الباقي ﴿مَدْحُورًا﴾ مبعدًا مقصيًا ذليلًا مهانًا.\nروى الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا دُويد، عن أبي إسحاق، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2048\"></span>وقوله: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ أي: أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم والسرور ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ أي: طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول ﷺ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: قلبه مؤمن؛ أي: مصدق موقن بالثواب والجزاء ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2049\"></span>﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾.\n[يقول تعالى: ﴿كُلًّا﴾ أي: كل واحد من الفريقين الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة نمدهم فيما هم فيه ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ أي: هو المتصرف الحاكم الذي لا يجور، فيعطي كلًا ما يستحقه من السعادة والشقاوة، فلا رادَّ لحكمه، ولا مانع لما أعطى، ولا مغير لما أراد، ولهذا قال: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ أي: لا يمنعه أحد، ولا يرده راد.\nقال قتادة: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ أي: منقوصًا (^٣).\nوقال الحسن وابن جريج وابن زيد أي: ممنوعًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-2050\"></span>ثم قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: في الدنيا، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك، والحسن والقبيح وبين ذلك، ومن يموت صغيرًا، ومن يعمر حتى يبقى شيخًا كبيرًا، وبين ذلك.\n﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ أي: ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا، فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العليا\n_________\n(^١) مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥].\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لأن دويد غير منسوب. (المسند ٤٠/ ٤٨٠ ح ٢٤٤١٩) وجود المنذري سنده (الترغيب ٤/ ٧٧)، والعراقي وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح إلا دويد وهو ثقة (ينظر كشف الخفاء ١/ ٤١٠، ومجمع الزوائد ١٠/ ٢٨٨)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ١٩٣٣).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) قول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سهل بن أبي الصلت عن الحسن بلفظ: كلا نعطي من الدنيا البر والفاجر، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف، بلفظ: منقوصًا، وبهذا اللفظ أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.","vol":"5","page":61},{"text":"ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاتون في ما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. وفي الصحيحين \"إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء\" (^١) ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾.\nوفي الطبراني من رواية زاذان، عن سلمان مرفوعًا: \"ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا فى درجة فارتفع، إلا وضعه الله في الآخرة أكبر منها\"، ثم قرأ: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ (^٢).\n﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾] (^٣).\n\n<span id=\"aya-2051\"></span>يقول تعالى، والمراد المكلفون من الأمة: لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكًا ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾ أي: على إشراكك به ﴿مَخْذُولًا﴾ لأن الرب تعالى لا ينصرك بل يكلك إلى الذي عبدت معه، وهو لا يملك لك ضرًا ولا نفعًا، لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أرسل الله له بالغنى إما آجلًا وإما غنى عاجلًا\" (^٤).\nرواه أبو داود والترمذي من حديث بشير بن سلمان به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب (^٥).\n\n<span id=\"aya-2052\"></span>\n\n<span id=\"aya-2053\"></span>﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾.\nيقول تعالى آمرًا بعبادته وحده لا شريك له، فإن القضاء ههنا بمعنى الأمر.\nقال مجاهد: ﴿وَقَضَى﴾ يعني: وصى (^٦)، وكذا قرأ أُبي بن كعب وابن مسعود والضحاك بن مزاحم (ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) (^٧) ولهذا قرن بعبادته برّ الوالدين، فقال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٦٩.\n(^٢) أخرجه الطبراني بسند ضعيف جدًا من طريق أبي الصباح عبد الغفور بن سعيد الأنصاري عن أبي هاشم الرماني عن زاذان به (المعجم الكبير ٦/ ٢٣٩ ح ٦١٠١) قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه أبو الصباح عبد الغفور وهو متروك (المجمع ٧/ ٥٢).\n(^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (ح) و(حم). وقد أشير إلى السقط في حاشية الأصل.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسن سنده محققوه (المسند ٦/ ٤١٥ ح ٣٨٦٩)، وأخرجه الحاكم من طريق بشير بن سلمان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٠٨).\n(^٥) سنن أبي داود، الزكاة، باب في الاستعفاف (ح ١٦٤٥) وسنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في الهم في الدنيا وحبها (ح ٢٣٢٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٤٤٨).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد بلفظ: \"أوصى\". وابن جريج لم يسمع من مجاهد.\n(^٧) وهي قراءة شاذة تفسيرية، وقراءة أُبي أخرجها الطبري بسند حسن عنه، وقراءة ابن مسعود أخرجها عبد الرزاق =","vol":"5","page":62},{"text":"إِحْسَانًا﴾ أي: وأمر بالوالدين إحسانًا، كقوله في الآية الأخرى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].\n﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [أي: لا تسمعهما قولًا سيئًا حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيء ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (^١) أي: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن رباح في قوله: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ أي: لا تنفض يدك عليهما (^٢).\nولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول والفعل الحسن، فقال: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي: لينًا طيبًا حسنًا بتأدب وتوقير وتعظيم، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي: تواضع لهما بفعلك ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ أي: في كبرهما وعند وفاتهما، قال ابن عباس: ثم أنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (^٣) [التوبة: ١١٣].\nوقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها الحديث المروي من طرق عن أنسِ وغيره أن النبي ﷺ لما صعد المنبر قال: \"آمين آمين آمين\" قيل: يا رسول الله علامَ أمنَّت؟ قال: \"أتاني جبريل فقال: يا محمد رَغِمَ (^٤) أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك، قل: آمين، فقلت: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت: آمين\" (^٥).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا علي بن زيد، أخبرنا زرارة بن أوفى، عن مالك بن الحارث، عن رجل منهم أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"من ضمَّ يتيمًا من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يستغني عنه، وجبت له الجنة البتة، ومن أعتق امرأ مسلمًا، كان فكاكه من النار يجزى بكل عضو منه عضوًا منه\" (^٦).\n_________\n= عن معمر عن قتادة عنه، ورجاله ثقات لكن قتادة لم يسمع من ابن مسعود، وقراءة الضحاك أخرجها الطبري بسند ضعيف من طريق أبي إسحاق الكوفي، وهو عبد الله بن ميسرة وهو ضعيف، عنه وزيادة لفظ: \"إنهم الصقوا الواو بالصاد فصارت قافًا\". وردّه ابن الجوزي بقوله: وهذا خلاف ما انعقد عليه الإجماع فلا يلتفت إليه (زاد المسير ٥/ ٣٢).\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق واصل الرقاشي عن عطاء بن أبي رباح، وواصل ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبى طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أي: ذل.\n(^٥) أخرجه البزار من طريق سلمة بن وردان عن أنس ﵁ بنحوه ثم قال البزار: سلمة: صالح وله أحاديث يستوحش منها، ولا نعلم روى أحاديث بهذه الألفاظ غيره. (مختصر مسند البزار ٢/ ٤٤١ ح ٢١٧٤)، ويشهد له حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه مسلم مختصرًا (الصحيح، البر، باب رغم أنف من أدرك أبويه … ح ٢٥٥١)، وأخرجه البخاري عن أبي هريرة كاملًا (الأدب المفرد ح ٦٤٦ وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ح ٥٠٢).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: صحيح لغيره (المسند ٣١/ ٣٧٠ ح ١٩٠٢٥) أي: بالشواهد.","vol":"5","page":63},{"text":"ثم قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد فذكر معناه، إلا أنه قال عن رجل من قومه يقال له: مالك أو ابن مالك، وزاد \"ومن أدرك والديه أو أحدهما، فدخل النار فأبعده الله\" (^١).\nحديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، عن حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد، عن زرارة بن أوفى، عن مالك بن عمرو القشيري، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار، فإن كل عظم من عظامه محررة بعظم من عظامه، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله ﷿، ومن ضمَّ يتيمًا من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله وجبت له الجنة\" (^٢).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت زرارة بن أوفى يحدث عن أُبي بن مالك القشيري قال: قال النبي ﷺ: \"من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك، فأبعده الله وأسحقه\" (^٣)، ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة به، وفيه زيادات أخر (^٤).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"رغم أنف، ثم رَغِمَ أنف ثم رَغِمَ أنف رجل أدرك أحد أبويه أو كلاهما عند الكبر ولم يدخل الجنة\" (^٥) صحيح من هذا الوجه، ولم يخرجوه، سوى مسلم من حديث أبي عوانة وجرير وسليمان بن بلال عن سهيل به (^٦).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا ربعي بن إبراهيم، قال أحمد وهو: أخو إسماعيل بن علية وكان يفضل على أخيه، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"رَغِمَ أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، وَرَغِمَ أنف رجل دخل عليه شهر رمضان فانسلخ فلم يغفر له، ورَغِمَ أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر، فلم\n_________\n(^١) هذا الحديث خلط فيه الحافظ ابن كثير من حديثين في المسند: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان عن زُرارة بن أوفى عن عمرو بن مالك أو مالك بن عمرو، كذا قال سفيان، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ضمَّ يتيمًا بين أبويه فله الجنة البتة\"، ثم قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن زُرارة بن أوفى عن أُبي بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قال: \"من أدرك والديه أو أحدهما، ثم دخل النار من بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه\" (المسند ٣١/ ٣٧٢، ٣٧٣ ح ١٩٠٢٦، ١٩٠٢٧)، وما ذكره الحافظ جزء من سند الحديث الثاني ثم جزء من سند الحديث الأول ثم ذكر متن الحديث الثاني. وكلا الحديثين صحح سندهما محققو المسند.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: صحيح لغيره دون قوله. \"من أدرك أحد والديه … \" فهو صحيح (المسند ٣١/ ٣٧٥ ح ١٩٠٣٠).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده، دون ذكر حجاج، ومتنه، وصححه محققوه (المسند ٣١/ ٣٧٣ ح ١٩٠٢٧).\n(^٤) مسند الطيالسي (ح ١٣٢١).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٤٦)، وصححه الحافظ ابن كثير وهو على شرط مسلم كما يلي.\n(^٦) صحيح مسلم، البر، باب رغم أنف من أدرك أبويه … (ح ٢٥٥١).","vol":"5","page":64},{"text":"يدخلاه الجنة\" قال ربعي: ولا أعلمه: إلا قال: \"أو أحدهما\" (^١). ورواه الترمذي عن أحمد بن إبراهيم الدورقي عن ربعي بن إبراهيم، ثم قال: غريب من هذا الوجه (^٢).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، حدثنا أسيد بن علي، عن أبيه علي بن عبيد، عن أبي أسيل وهو: مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما أنا جالس عند رسول الله ﷺ، إذ جاءه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله هل بقي عليَّ من برِّ أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: نعم خصال أربع: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما\" (^٣). ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن سليمان وهو ابن الغسيل به (^٤).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن معاوية بن جاهمة السلمي، أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك فقال: \"فهل لك من أُم؟ قال: نعم قال: فألزمها فإن الجنة عند رجليها\" ثم الثانية ثم الثالثة في مقاعد شتى كمثل هذا القول (^٥)، ورواه النسائي وابن ماجه من حديث ابن جريج به (^٦).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معديكرب، عن النبي ﷺ قال: \"إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب\" (^٧). وأخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عياش به (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند ١٢/ ٤٢١ ح ٧٤٥١).\n(^٢) السنن، الدعوات، باب قول رسول الله ﷺ: \"رغم أنف رجل\" (ح ٣٥٤٥)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن الترمذي ح ٢٨١٠).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لجهالة حال علي بن عبيد \"المسند ٢٥/ ٤٥٧ ح ١٦٠٥٩)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٢/ ١٦٢ ح ٤١٨)، والحاكم (المستدرك ٤/ ١٥٤) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن سليمان به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٤) سنن أبي داود، الأدب، باب في بر الوالدين (ح ٥١٤٢)، وسنن ابن ماجه، الأدب، باب صلة من كان أبوك يصله (ح ٣٦٦٤).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه. (المسند ٢٤/ ٢٩٩ ح ١٥٥٣٨)، وأخرجه الحاكم من طريق ابن جريج به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٠٤).\n(^٦) سنن النسائي، الجهاد، باب الرخصة في التخلف لمن له والد ٦/ ١١، وسنن ابن ماجه، الجهاد، باب الرجل يغزو وله أبوان (ح ٢٧٨١)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٢٤١).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣١)، وأخرجه البخاري من طريق إسماعيل بن عياش به (الأدب المفرد ح ٦٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٦٦٦).\n(^٨) سنن ابن ماجه، الأدب، باب بر الوالدين (ح ٣٦٦١)، وصححه البوصيري (مصباح الزجاجة ٢/ ٢٤٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٩٥٤).","vol":"5","page":65},{"text":"حديث آخر: قال أحمد: حدثنا يونس، حدثنا أبو عوانة، عن الأشعث بن سليم عن أبيه، عن رجل من بني يربوع قال: أتيت النبي ﷺ فسمعته وهو يكلم الناس يقول: \"يد المعطي العليا، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك\" (^١).\nحديث آخر: قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن المستمر العُروقي، حدثنا عمرو بن سفيان، حدثنا الحسن بن أبي جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن رجلًا كان في الطواف حاملًا أمه يطوف بها فسأل النبي ﷺ: هل أديت حقها؟ قال: \"لا ولا بزفرة واحدة\" أو كما قال، ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه (^٢). قلت: والحسن بن أبي جعفر ضعيف، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2054\"></span>﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾.\nقال سعيد بن جبير: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه، وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به، وفي رواية: لا يريد إلا الخير بذلك، فقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ (^٣).\nوقوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال قتادة: للمطيعين أهل الصلاة (^٤).\nوعن ابن عباس: المسبحين (^٥).\nوفي رواية عنه: المطيعين المحسنين (^٦)، وقال بعضهم: هم الذين يصلون بين العشاءين (^٧).\nوقال بعضهم: هم الذين يصلون الضحى (^٨).\nوقال شعبة عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: الذين يصيبون الذنب ثم يتوبون، ويصيبون الذنب ثم يتوبون (^٩). [وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري، ومعمر عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب بنحوه (^١٠)، وكذا رواه الليث وابن جريج] (^١١)، عن ابن المسيب به (^١٢).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وأطول وصحح سنده محققوه (المسند ٢٧/ ١٥٩ ح ١٦٦١٣).\n(^٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٢٣٨ ح ١٧٧٧) قال الهيثمي: وفيه الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف من غير كذب، وليث بن أبي سليم مدلس (مجمع الزوائد ٨/ ١٣٧).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حميد بن زياد عن محمد بن المنكدر.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن عن عون العقيلي.\n(^٩) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة من طريق يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب.\n(^١٠) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري ومعمر به.\n(^١١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^١٢) أخرجه الطبري من طريق الليث به وسنده صحيح.","vol":"5","page":66},{"text":"وكذا قال عطاء بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد: هم الراجعون إلى الخير (^١).\nوقال مجاهد، عن عبيد بن عمير في الآية: هو الذي إذا ذكر ذنوبه فى الخلاء فيستغفر الله منها (^٢)، ووافقه مجاهد في ذلك (^٣).\nوقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: كنا نعد الأواب الحفيظ أن يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا (^٤).\nوقال ابن جرير: والأولى في ذلك قول من قال: هو التائب من الذنب، الراجع من المعصية إلى الطاعة مما يكره الله إلى ما يحبه ويرضاه (^٥)، وهذا الذي قاله هو الصواب، لأن الأواب مشتق من الأوب، وهو الرجوع، يقال: آب فلان إذا رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾ [الغاشية].\nوفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا رجع من سفر قال: \"آيبون تائبون، عابدون لربنا حامدون\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-2055\"></span>﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾.\nلما ذكر تعالى برَّ الوالدين، عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام، وفي الحديث \"أمك وأباك ثم أدناك أدناك\" (^٧) وفي رواية \"ثم الأقرب فالأقرب\" (^٨)، وفي الحديث \"من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله، فليصل رحمه\" (^٩).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا [أبو يحيى التميمي] (^١٠)، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: لما نزلت ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ دعا رسول الله ﷺ فاطمة فأعطاها فدك، ثم قال: لا نعلم حدَّث به عن فضيل بن مرزوق إلا [أبو\n_________\n(^١) قول عطاء بن يسار أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عقبة من مسلم عنه بنحوه وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر بن إياس عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور بن المعتمر عن مجاهد به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٦) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر ﵄ (الصحيح، العمرة، باب ما يقول: \"إذا رجع من الحج أو العمرة أو الغزو ح ١٧٩٧\")\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير الآية ٢٣، ٢٤ من السورة نفسها.\n(^٨) تقدم تخريجه في تفسير الآية ٢٣، ٢٤ من السورة نفسها.\n(^٩) أخرجه الشيخان من حديث أنس ﵁ (صحيح البخاري، البيوع، باب من أحب البسط في الرزق ح ٢٠٦٧، وصحيح مسلم، البر، باب صلة الرحم ح ٢٥٥٧).\n(^١٠) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"أبو نجي\"، وفي مسند البزار: \"أبو يحيى التيمي\".","vol":"5","page":67},{"text":"يحيى التميمي] (^١) وحميد بن حماد بن أبي الخوار (^٢).\nوهذا الحديث مشكل لو صحَّ إسناده، لأن الآية مكية، وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ فهو إذًا حديث منكر، والأشبه أنه من وضع الرافضة، والله أعلم.\nوقد تقدم الكلام على المساكين وأبناء السبيل في سورة براءة بما أغنى عن إعادته ههنا.\nوقوله: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ لما أمر بالإنفاق، نهى عن الإسراف فيه، بل يكون وسطًا كما قال في الآية الأخرى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان]، ثم قال منفرًا عن التبذير والسرف ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: أشباههم في ذلك.\nقال ابن مسعود: التبذير الإنفاق في غير حق (^٣). وكذا قال ابن عباس (^٤).\nوقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مدًا في غير حق كان مبذرًا (^٥).\nوقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى، وفي غير الحق والفساد (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق، وكيف أصنع؟ فقال رسول الله ﷺ: \"تخرج الزكاة من مالك إن كان، فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين\" فقال: يا رسول الله أقلل لي؟ فقال: \"فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرًا\" فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها، وإثمها على من بدَّلها\" (^٧).\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"أبو نجي\"، وفي مسند البزار: \"أبو يحيى التيمي\".\n(^٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه مع الفرق السابق (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٩٠ ح ١٤٧٦) وضعفه الهيثمي لضعف عطية العوفي (مجمع الزوائد ٧/ ٥٢) ومتنه فيه غرابة لأن الآية مكية كما وضح الحافظ ابن كثير. وحكم عليه بأنه منكر. وفي سنده أيضًا عباد بن يعقوب رافضي يستحق الترك (ينظر التقريب ص ٢٩١).\nوهذا يؤكد ما قاله الحافظ ابن كثير أنه من وضع الرافضة، فعباد متهم به.\n(^٣) أخرجه الطبري بأسانيد كثيرة صحيحة من طريق أبي العبيدين -وهو معاوية بن سبرة- عن ابن مسعود ﵁.\nوأخرجه البخاري من الطريق نفسه وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٣٤٥) وكذا الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٦١).\n(^٤) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا بعضًا عن ابن عباس، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٣٤٦).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد، وفي سنده أيضًا الحسين وهو ابن داود: ضعيف، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: رجاله ثقات رجال الشيخين لكن قيل في رواية سعيد بن =","vol":"5","page":68},{"text":"<span id=\"aya-2056\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ أي: جحودًا؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه ولم يعمل بطاعته؛ بل أقبل على معصيته ومخالفته.\n\n<span id=\"aya-2057\"></span>وقوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، أي: إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء، أعرضت عنهم لفقد النفقة ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ أي: عدهم وعدًا بسهولة ولين، إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله، هكذا فسر قوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ بالوعد، مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغير واحد (^١).\n\n<span id=\"aya-2058\"></span>﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾.\nيقول تعالى آمرًا بالاقتصاد في العيش، ذامًا للبخل، ناهيًا عن السرف ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ أي: لا تكن بخيلًا منوعًا، لا تعطي أحدًا شيئًا، كما قالت اليهود -عليهم لعائن الله- ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: [المائدة: ٦٤] أي: نسبوه إلى البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب.\nوقوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ أي: ولا تسرف في الإنفاق، فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك فتقعد ملومًا محسورًا، وهذا من باب اللف والنشر؛ أي: فتقعد إن بخلت ملومًا يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك، كما قال زهير بن أبي سلمى في المعلقة:\nومن كان ذا مال فيبخل بماله … على قومه يستغن عنه ويذمم (^٢)\nومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو الدابَّة التي عجزت عن السير فوقفت ضعفًا وعجزًا، فإنها تسمى الحسير، وهو مأخوذ من الكلال، كما قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ [الملك] أي: كليل عن أن يرى عيبًا، هكذا فسر هذه الآية بأن المراد هنا البخل والسرف: ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم (^٣).\n_________\n= أبي هلال عن أنس أنها مرسلة (المسند ١٩/ ٣٨٦ ح ١٢٣٩٤)، وأخرجه الحاكم من طريق الليث بن سعد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٦٠)، وذكره الهيثمي وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٣/ ٦٦).\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمارة بن أبي حفصة عنه بنحوه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٢) ديوان زهير ص ٣٠.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عوف الأعرابي عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\nوقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.","vol":"5","page":69},{"text":"وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما (^١)، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت (^٢) على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو (^٣) أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة منها مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع\" هذا لفظ البخاري في الزكاة (^٤).\nوفي الصحيحين من طريق هشام بن عروة، عن زوجته فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله ﷺ: \"أنفقي هكذا وهكذا وهكذا ولا توعي فيوعي الله عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك\". وفي لفظ: \"ولا تحصي فيحصي الله عليك\" (^٥).\nوفي صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله قال لي: أنفق، أنفق عليك\" (^٦). وفي الصحيحين من طريق معاوية بن أبي مُزرد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما: اللَّهم أَعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللَّهم أَعطِ ممسكًا تلفًا\" (^٧).\nوروى مسلم عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا \"ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، ومن تواضع لله رفعه الله\" (^٨).\nوفي حديث أبي كثير عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا \"إياكم والشحّ فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا\" (^٩).\nوروى البيهقي من طريق سعدان بن نصر، عن أبي معاوية، عن الأعمش، [عن ابن بريدة] (^١٠)، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما يخرج رجل صدقة حتى يفك لحي سبعين شيطانًا\" (^١١).\n_________\n(^١) التراقي: جمع ترقوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين.\n(^٢) أي: كمُلت واتسعت.\n(^٣) أي: تمحو أثر مشيته.\n(^٤) صحيح البخاري، الزكاة، باب مثل المتصدق والبخيل (ح ١٤٤٣)، وصحيح مسلم، الزكاة باب مثل المنفق والبخيل (ح ١٠٢١).\n(^٥) صحيح البخاري، الزكاة باب التحريض على الصدقة (ح ١٤٣٣)، وصحيح مسلم، الزكاة باب الحث على الإنفاق (ح ١٠٢٩).\n(^٦) صحيح مسلم، الزكاة، باب الحث على النفقة (ح ٩٩٣).\n(^٧) صحيح البخاري، الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى …﴾ (ح ١٤٤٢)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب في المُنفق والمُمسك (ح ١٠١٠).\n(^٨) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب استحباب العفو والتواضع (ح ٢٥٨٨).\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الله بن الحارث عن أبي كثير الزبيدي به وأطول وصحح سنده محققوه (المسند ١١/ ٢٦ ح ٦٤٨٧)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ١١/ ٥٧٩ ح ٥١٧٦)، والحاكم كلاهما من طريق عبد الله بن الحارث به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١١).\n(^١٠) زيادة من المسند والسنن الكبرى.\n(^١١) أخرجه البيهقي (السنن الكبرى ٤/ ١٨٧)، وأخرجه ابن خزيمة (الصحيح ٤/ ١٠٥ ح ٢٤٥٧)، والحاكم كلاهما من طريق أبي معاوية به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤١٧)، وأخرجه الإمام =","vol":"5","page":70},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبيدة [الحداد] (^١)، حدثنا سُكين بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما عال من اقتصد\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2059\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِر﴾ إخبارًا أنه تعالى هو الرزاق القابض الباسط المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء، ويفقر من يشاء لما له في ذلك من الحكمة، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: خبيرًا بصيرًا بمن يستحق الغنى ويستحق الفقر، كما جاء في الحديث: \"إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه\" (^٣). وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجًا، والفقر عقوبة، عياذًا بالله من هذا وهذا.\n\n<span id=\"aya-2060\"></span>﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾.\nهذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده، لأنه نهى عن قتل الأولاد كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث، وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته، فنهى الله تعالى عن ذلك وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ أي: خوف أن تفتقروا في ثاني حال، ولهذا قدم الاهتمام برزقهم فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وفي الأنعام: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] أي: من فقر ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١].\nوقوله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ أي: ذنبًا عظيمًا، وقرأ بعضهم: كان خطأ كبيرًا وهو بمعناه، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم: قال: \"أن تجعل لله ندًا وهو خلقك -قلت: ثم أي؟ - قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك -قلت: ثم أي؟ - قال: أن تزاني بحليلة جارك\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-2061\"></span>﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾.\nيقول تعالى ناهيًا عباده عن الزنا وعن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ\n_________\n= أحمد من طريق أبي معاوية به (المسند ٣٨/ ٦٠ ح ٢٢٩٦٢)، وقال محققوه: رجاله ثقات رجال الشيخين غير الأعمش لم يسمع من ابن بريدة فيما يظن أبي معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٢٦٨).\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"الجعاد\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه محققوه لضعف إبراهيم الهجري (المسند ٧/ ٣٠٢ ح ٤٢٦٩).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم من طريق الحسن بن يحيى الخشني عن صدقة بن عبد الله عن هشام الكناني عن أنس (حلية الأولياء ٨/ ٣١٨) قال ابن رجب: الحسن بن يحيى الخشني عن صدقة بن عبد الله الدمشقي الدمشقي وهما ضعيفان (جامع العلوم والحكم ص ٣١٤) وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في العلل المتناهية (١/ ١٣١).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٦٥.","vol":"5","page":71},{"text":"فَاحِشَةً﴾ أي: ذنبًا عظيمًا ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي: بئس طريقًا ومسلكًا.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا [حريز] (^١)، حدثنا سليم بن عامر، عن أبي أُمامة أن فتى شابًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: \"ادنه\" فدنا منه قريبًا، فقال: \"اجلس\" فجلس، فقال: \"أتحبه لأمك\"؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: \"أفتحبه لابنتك؟ \" قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: \"أفتحبه لأختك؟ \" قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: \"أفتحبه لعمتك؟ \" قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: \"أفتحبه لخالتك؟ \" قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه، وقال: \"اللَّهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فرجه\" قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (^٢).\nوقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بَقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي ﷺ قال: \"ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-2062\"></span>﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾.\nيقول تعالى ناهيًا عن قتل النفس بغير حق شرعي، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة\" (^٤).\nوفي السنن \"لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم\" (^٥).\nوقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ أي: سلطة على القاتل، فإنه بالخيار فيه إن شاء قتله قودًا، وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه مجانًا، كما ثبتت السنة بذلك (^٦).\n_________\n(^١) كذا في المسند وفي الأصل و(ح) و(حم) صُحف إلى: \"جرير\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٥٤٥ ح ٢٢٢١١) وصحح سنده محققوه. وأخرجه الطبراني من طريق حُريز به (المعجم الكبير ٨/ ١٩٠ ح ٧٦٧٩) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١/ ١٣٤)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح ٣٧٠).\n(^٣) أخرجه ابن الجوزي من طريق ابن أبي الدنيا به (ذم الهوى ص ١٩٠) وسنده ضعيف لإرسال الهيثم بن مالك فهو ليس بصحابي.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٩٢.\n(^٥) أخرجه الترمذي (السنن، الديات، باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن ح ١٣٩٥)، والنسائي (السنن، تحريم الدم، باب تعظيم الدم ٧/ ٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁، وصححه الألباني بمجموع طرقه (غاية المرام ص ٢٥٣).\n(^٦) كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير =","vol":"5","page":72},{"text":"وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة ولاية معاوية السلطنة أنه سيملك لأنه كان وليَّ عثمان، وقد قتل مظلومًا ﵁، وكان معاوية يطالب عليًا ﵁ أن يسلمه قتلته حتى يقتصّ منهم؛ لأنه أموي، وكان علي ﵁ يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطلب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية ذلك، حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليًا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه، كما قال ابن عباس واستنبطه من هذه الآية الكريمة، وهذا من الأمر العجب.\nوقد روى ذلك الطبراني في معجمه حيث قال: حدثنا يحيى بن عبد الباقي، حدثنا أبو عمير بن النحاس، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شَوْذَب عن مطر الوراق، عن زهدم الجرمي قال: كنا في سمر ابن عباس فقال: إني محدثكم بحديث ليس بسرٍّ ولا علانية؛ إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان (يعني عثمان)، قلت لعلي: اعتزل فلو كنتَ في جحرٍ طُلبت حتى تُستخرج فعصاني، وايم الله ليتأمرنَّ عليكم معاوية، وذلك أن الله يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ الآية، وليحملنكم قريش على سنة فارس والروم، وليقيمنَّ عليكم النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذٍ بما يعرف نجا، ومن ترك -وأنتم تاركون- كنتم كقرن من القرون هلك فيمن هلك (^١).\nوقوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ قالوا: معناه فلا يسرف الولي في قتل القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ أي: إن الولي منصور على القاتل شرعًا وغالبًا قدرًا.\n\n<span id=\"aya-2063\"></span>﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالغبطة ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].\nوقد جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذرّ: \"يا أبا ذرّ إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تَولَّينَ مال اليتيم\" (^٢).\nوقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أي: الذي تعاهدون عليه الناس والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ أي عنه.\n\n<span id=\"aya-2064\"></span>وقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ أي: من غير تطفيف ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ﴿وَزِنُوا\n_________\n= النظرين ح ٦٨٨٠، وصحيح مسلم، الحج، باب تحريم مكة مصيرها … ح ١٣٥٥).\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٠/ ٣٢٠ ح ١٠٦١٣) وفي سنده مطر الوراق صدوق كثير الخطأ (التقريب ص ٥٣٤) وقال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم (مجمع الزوائد ٧/ ٢٣٩).\n(^٢) صحيح مسلم، الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة (ح ١٨٢٦).","vol":"5","page":73},{"text":"بِالْقِسْطَاسِ﴾ قرئ بضم القاف وكسرها (^١)، كالقرطاس، وهو الميزان.\nوقال مجاهد: هو العدل بالرومية (^٢). وقوله: ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ أي: الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا اضطراب ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: لكم في معاشكم ومعادكم، ولهذا قال: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: مآلا ومنقلبًا في آخرتكم.\nقال سعيد، عن قتادة: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: خير ثوابًا وأحسن عاقبة (^٣). وأما ابن عباس كان يقول: يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم، هذا المكيال، وهذا الميزان، قال: وذُكر لنا أن نبي الله ﵊ كان يقول: \"لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله، إلا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-2065\"></span>﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: لا تقل (^٥). وقال العوفي عنه: لا ترم أحدًا بما ليس لك به علم (^٦).\nوقال محمد ابن الحنفية: يعني شهادة الزور (^٧).\nوقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله (^٨).\nومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وفي الحديث \"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث\" (^٩).\nوفي سنن أبي داود \"بئس مطية الرجل زعموا\" (^١٠) وفي الحديث الآخر: \"إن أفرى الفرى أن\n_________\n(^١) كلتاهما قراءتان متواترتان.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بالسند السابق لكن قتادة لم يسمع من ابن عباس وأما قوله: وذُكر لنا فهو قول قتادة فيكون السند مرسلًا.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويشهد له سابقه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف جدًا من طريق أبي عمر البزار، وهو حفص بن سليمان، عن محمد بن الحنفية، وأبو عمر متروك مع إمامته في القراءة.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٩) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، الأدب، باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ …﴾ [الحجرات: ١٢] ح ٦٠٦٦، وصحيح مسلم، البر، باب تحريم الظن والتجسس ح ٢٥٦٣).\n(^١٠) أخرجه أبو داود من حديث أبي مسعود ﵁ (السنن، الأدب، باب قول الرجل زعموا ح ٤٩٧٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٥٨)، والسلسلة الصحيحة (ح ٨٦٦).","vol":"5","page":74},{"text":"يري الرجل عينيه ما لم تريا\" (^١).\nوفي الصحيح \"من تحلم حلمًا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل\" (^٢).\nوقوله: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾ أي: هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ أي: سيسأل العبد عنها يوم القيامة، وتسأل عنه عما عمل فيها، ويصح استعمال أولئك مكان تلك، كما قال الشارع (^٣):\nذُمَّ المنازلَ بعد منزلة اللِّوى … والعيش بعد أولئك الأيام\n\n<span id=\"aya-2066\"></span>﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾.\nيقول تعالى ناهيًا عباده عن التجبر والتبختر في المشية ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي: متبخترًا متمايلًا مشي الجبارين ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن تقطع الأرض بمشيك، قاله ابن جرير: واستشهد عليه بقول رؤبة بن العجاج (^٤):\nوقاتم (^٥) الأعماق (^٦) خاوي (^٧) المخترق (^٨)\nوقوله: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ أي: بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك، بل قد يجازي فاعل ذلك بنقيض قصده، كما ثبت في الصحيح: \"بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما، إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل (^٩) فيها إلى يوم القيامة\" (^١٠) وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض.\nوفي الحديث \"من تواضع لله رفعه الله، فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر وضعه الله فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير، حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير\" (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر ﵄ (الصحيح، التعبير باب من كذب في حلمه ح ٧٠٤٣).\n(^٢) المصدر السابق (ح ٧٠٤٢).\n(^٣) هو جرير، والبيت في ديوانه ص ٤٥٢. واستشهد به الإمام الطبري.\n(^٤) ذكره الطبري، والبيت ذكره أيضًا ابن قتيبة (الشعر والشعراء ١/ ٦١). وهو صدر بيت عجزه: مشتبه الأعلام لمّاع الخفَق.\n(^٥) من القَتَمة وهي الغبرة المائلة إلى الحمرة.\n(^٦) جمع عمق وهو ما بعد من أطراف الصحراء.\n(^٧) أي: الخالى.\n(^٨) أي: مكان الاختراق، خرجت الأرض إذ جبتها.\n(^٩) أي: يغوص في الأرض، والجلجلة حركة مع صوت (النهاية ١/ ٢٨٤).\n(^١٠) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح البخاري، اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء ح ٥٧٨٩، وصحيح مسلم، اللباس، باب تحريم التبختر في المشي ح ٢٠٨٨).\n(^١١) أخرجه الطبراني (المعجم الأوسط ٨/ ١٧٢ ح ٨٣٠٧)، والخطيب البغدادي (تاريخ بغداد ٢/ ١١٠)، كلاهما من طريق سعيد بن سلام العطار عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة عن عمر بن الخطاب. قال الهيثمي: في إسناده سعيد بن سلام العطار وهو كذاب (مجمع الزوائد ٨/ ٨٥)، وصححه الألباني بطرقه في السلسلة الصحيحة (ح ٢٣٢٨)، والصحيح أن شطره الأول هو الصحيح (ينظر: صحيح مسلم، البر، باب استحباب العفو والتواضع ح ٢٥٨٨).","vol":"5","page":75},{"text":"وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب \"الخمول والتواضع: \"حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير، حدثنا حجاج بن محمد، عن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن إذ مرَّ عليه ابن الأهيم يريد: المنصور، وعليه جباب خزّ قد نضَّد بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه، وهو يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف، شامخ بأنفه، ثاني عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه؛ أي حميق ينظر في عطفه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة، غير المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها، والله أن يمشي أحدهم طبيعته [يتلجلج] (^١) تلجلج المجنون في كل عضو منه نعمة، وللشيطان به لعنة، فسمعه ابن الأهيم فرجع يعتذر إليه، فقال: لا تعتذر إليَّ وتُب إلى ربك، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ \" (^٢).\nورأى البختري العابد رجلًا من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته، فقال له: يا هذا، إن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته، قال: فتركها ورأى ابن عمر رجلًا يخطر في مشيته، فقال: إن للشياطين إخوانًا (^٣).\nوقال خالد بن معدان: إياكم والخطر (^٤)، فإن الرجل (^٥) يده من سائر جسده (^٦)، رواهما ابن أبي الدنيا (^٧).\nوقال ابن أبي الدنيا: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى عن سعيد (^٨)، عن يُحنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا مشت أمتي المطيطاء (^٩)، وخدمتهم فارس والروم، سلط بعضهم على بعض\" (^١٠).\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده بنحوه (التواضع والخمول ص ٢١٥ ح ٢٣٧) وفي سنده أبو بكر الهذلي: متروك.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق مفضل بن غسان عن أبيه عن العمري العابد (التواضع والخمول ص ٢١٨ ح ٢٤٣) وأظنه صُحِّف اسم البختري إلى العمري.\n(^٤) في رواية ابن أبي الدنيا: الخطران (التواضع والخمول ص ٢١٩).\n(^٥) في الأصل: و(ح) و(حم) بياض قدر كلمه بعد لفظ: \"فإن الرجل\"، وفي رواية ابن أبي الدنيا: فإن الرجل: بنا فؤاده من سائر جسده (التواضع والخمول ص ٢١٩، ٢٢٠).\n(^٦) كذا في الأصل وفي (ح) و(حم): \"من دون سائر جسده\".\n(^٧) التواضع والخمول ص ٢١٨، ٢١٩.\n(^٨) يحيى بن سعيد كذا في الأصل و(ح) و(حم)، وفي النسخ المطبوعة: يحيى عن سعيد وهو تصحيف. فقد ورد في المصدر الذي نقل منه الحافظ ابن كثير وهو كتاب التواضع والخمول: يحيى بن سعيد (ص ٢٢٠ ح ٢٤٩). وكما سيأتي في التخريج.\n(^٩) قال ابن أبي الدنيا: سمعت ابن الأعرابي يقول: المطيطاء مشية فيها اختيال (التواضع ص ٢٢٠).\n(^١٠) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه وسنده مرسل لأن يُحنس تابعي (التواضع ص ٢٢٠)، وأخرجه البيهقي من طريق يحيى بن سعيد به (دلائل النبوة ٦/ ٥٢٥)، وأخرجه الترمذي من طريق يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ (السنن، الفتن، باب ٧٤ ح ٢٢٦١)، وأخرجه ابن حبان من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد سنوطا عن خولة بنت قيس مرفوعًا بنحوه (الإحسان ١٥/ ١٢٢ ح ٦٧١٦) وصححه محققه بشواهده.\nوصححه الألباني بطرقه في السلسلة الصحيحة (ح ٩٥٦).","vol":"5","page":76},{"text":"<span id=\"aya-2067\"></span>وقوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ أما من قرأ سيئة (^١)؛ أي: فاحشة فمعناه عنده كل هذا الذي نهيناه عنه من قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ إلى هنا فهو سيئه مؤاخذ عليها مكروه عند الله لا يحبه ولا يرضاه، وأما من قرأ سيئه على الإضافة فمعناه عنده كل هذا الذي ذكرناه من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى هنا فسيئه أي فقبيحه مكروه عند الله، هكذا وجَّه ذلك ابن جرير ﵀ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2068\"></span>﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾.\nيقول تعالى: هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، مما أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس، ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ أي: تلومك نفسك ويلومك الله والخلق، ﴿مَدْحُورًا﴾ أي: مبعدًا من كل خير.\nقال ابن عباس وقتادة: مطرودًا (^٣)، والمراد من هذا الخطاب الأُمة بواسطة الرسول ﷺ، فإنه صلوات الله وسلامه عليه معصوم.\n\n<span id=\"aya-2069\"></span>﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.\nيقول تعالى رادًّا على المشركين الكاذبين الزاعمين، عليهم لعائن الله، أن الملائكة بنات الله، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم فأخطأوا في كل من المقامات الثلاث خطأ عظيمًا، فقال تعالى منكرًا عليهم ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ أي: خصصكم بالذكور ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ أي: واختار لنفسه على زعمكم البنات، ثم شدَّد الإنكار عليهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ أي: في زعمكم أن لله ولدًا، ثم جعلكم ولده الإناث التي تأنفون أن يكن لكم وربما قتلتموهن بالوأد، فتلك إذًا قسمة ضيزى، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم].\n\n<span id=\"aya-2070\"></span>﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي: صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يذكرون ما فيه من الحجج والبينات والمواعظ، فينزجروا عما هم فيه من الشرك والظلم والإفك، ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ أي: الظالمين منهم ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ أي: عن الحق وبعدًا منه.\n_________\n(^١) كلتاهما قراءتان متواترتان.\n(^٢) ذكره الطبري.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.","vol":"5","page":77},{"text":"<span id=\"aya-2071\"></span>﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾.\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكًا من خلقه، العابدين معه غيره، ليقربهم إليه زُلفى لو كان الأمر كما يقولون، وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون وساطة بينكم وبينه؛ فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه؛ بل يكرهه ويأباه، وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه،\n\n<span id=\"aya-2072\"></span>ثم نزَّه نفسه الكريمة وقدّسها فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أي: تعاليًا كبيرًا، بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.\n\n<span id=\"aya-2073\"></span>﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾.\nيقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن؛ أي: من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتبجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته:\nففي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد\nكما قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم].\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مسكين بن ميمون مؤذن مسجد الرملة، حدثنا عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى، كان بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا حتى بلغ السموات السبع. فلما رجع قال: \"سمعت تسبيحًا في السموات العلى مع تسبيح كثير سبحت السموات العلى، من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا، سبحان العلي الأعلى ﷾\" (^١).\nوقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس، لأنها بخلاف لغاتكم، وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل (^٢).\nوفي حديث أبي ذرٍّ أن النبي ﷺ أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيح كحنين النحل، وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ (^٣)، وهو حديث مشهور في المسانيد.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في بداية السورة.\n(^٢) صحيح البخاري، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (ح ٣٥٧٩).\n(^٣) أخرجه البيهقي من طريق سويد بن يزيد السلمي عن أبي ذرِّ ﵁ (دلائل النبوة ٦/ ٦٤)، وضعفه الحافظ =","vol":"5","page":78},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زَبَّان، عن سهل بن معاذ، ابن أنس، عن أبيه ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم: \"اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فربَّ مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرًا لله تعالى منه\" (^١).\nوفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع، وقال: \"نقيقها تسبيح\" (^٢).\nوقال قتادة، عن عبد الله بن بابي، عن عبد الله بن عمرو أن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله من أحد عملًا حتى يقولها، وإذا قال: الحمد لله، فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد قط حتى يقولها، وإذا قال: الله أكبر، فهي تملأ ما بين السماء والأرض، وإذا قال: سبحان الله، فهي صلاة الخلائق التي لم يدع الله أحدًا من خلقه إلا قرره بالصلاة والتسبيح. وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: أسلم عبدي واستسلم (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت الصّقعب بن زهير يحدث عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: أتى النبي ﷺ أعرابي عليه جبة من طيالسة مكفوفة بديباج، [أو مزورة بديباج] (^٤)، فقال: إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل راع بن راع ويضع كل رأس بن رأس، فقام إليه النبي ﷺ مغضبًا فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه فقال: \"لا أرى عليك ثياب من لا يعقل\" ثم رجع رسول الله ﷺ فجلس، فقال: \"إن نوحًا ﵇ لما حضرته الوفاة دعا ابنيه فقال: إني قاص عليكما الوصية آمركما باثنتين، وأنهاكما عن اثنتين، أنهاكما عن الشرك بالله والكبر، وآمركما بلا إله إلا الله فإن السموات والأرض وما فيها لو وضعت في كفة وضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجع ولو أن السموات والأرض كانتا حلقة فوضعت لا إله إلا الله عليهما، لقصمتهما أو لفصمتهما، وآمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء\" (^٥). ورواه الإمام أحمد أيضًا عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، عن الصقعب بن زهير به أطول من هذا وتفرد به (^٦).\n_________\n= ابن حجر (فتح الباري ٦/ ٥٩٢).\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه بالشواهد إلى قوله: \"ولا تتخذوها كراسي\" (المسند ٢٤/ ٣٩٢ ح ١٥٦٢٩).\n(^٢) أخرجه النسائي عن عبد الله بن عمرو ﵁ بدون قوله: نقيقها تسبيح، (السنن، كتاب الصيد، باب الضفدع ٧/ ٢١٠)، فهذه الزيادة ضعيفة، وأوله صحيح وقد صححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٤٠٦٢).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وسنده منقطع لأن قتادة لم يسمع عبد الله بن عمر ﵁ ولبعضه شاهد وهو قوله: وإذا قال: \"سبحان الله … بالصلاة والتسبيح\"، وهذا الشاهد سيأتي مصححًا في الروايتين التاليتين:\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم) وهي ثابتة في المسند.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١١/ ٦٧٠ ح ٧١٠١)، وأخرجه الحاكم من طريق الصقعب به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٨)، وصححه الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ١/ ١١٩)، وقال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات (مجمع الزوائد ٤/ ٢١٩).\n(^٦) المسند ٢/ ١٦٩.","vol":"5","page":79},{"text":"وقال ابن جرير: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا محمد بن يعلى، عن موسى بن عبيدة، عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحًا ﵇ قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول: سبحان الله، فإنها صلاة الخلق وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق\" قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (^١). إسناده فيه ضعف، فإن الربذي ضعيف عند الأكثرين.\nوقال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قال: الأسطوانة تسبح والشجرة تسبح (^٢) -الأسطوانة: السارية- وقال بعض السلف: صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وقال سفيان الثوري عن منصور، عن إبراهيم قال: الطعام يسبح (^٣)، ويشهد لهذا القول آية السجدة في الحج (^٤).\nوقال آخرون: إنما يسبح ما كان فيه روح، يعنون: من حيوان ونبات.\nقال قتادة في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قال: كل شيء فيه روح يسبح من شجر أو شيء فيه [الروح] (^٥) (^٦).\nوقال الحسن والضحاك في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قالا: كل شيء فيه الروح (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا يحيى بن واضح وزيد بن حباب، قالا: حدثنا حُديد (^٨) أبو الخطاب، قال: كنا مع يزيد الرقاشي ومعه الحسن في طعام، فقدما الخوان، فقال يزيد الرقاشي: يا أبا سعد، يسبح هذا الخوان؟ فقال: كان يسبح مرة (^٩).\nقلت: الخوان هو المائدة من الخشب، فكأن الحسن ﵀، ذهب إلى أنه لما كان حيًا فيه خضرة كان يسبح، فلما قطع وصار خشبة يابسة انقطع تسبيحه، وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ مرَّ بقبرين فقال: \"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة\" ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، ثم قال: \"لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا \"أخرجاه في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي، ويشهد له سابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق يزيد، وهو ابن أبان الرقاشي: ضعيف، عن عكرمة، ومعناه صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الكبير بن عبد المجيد عن سفيان به.\n(^٤) في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ …﴾ [الحج:١٨].\n(^٥) في الأصل: (ح) و(حم) ورد لفظ كذا، والمثبت من تفسير الطبري وعبد الرزاق وفي النسخ المطبوعة عدم الإشارة إلى لفظ كذا، وعدم إثبات لفظ الطبري.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس عن الحسن، وبسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٨) كذا في الأصل وفي (ح) و(حم) والطبعات كلها: جرير والصواب هو المثبت كما في تفسير الطبري الطبعة المحققة.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"5","page":80},{"text":"الصحيحين (^١)، قال بعض من تكلم على هذا الحديث من العلماء: إنما قال ما لم ييبسا لأنهما يسبحان مادام فيهما خضرة، فإذا يبسا انقطع تسبيحهما، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أي: لا يعاجل من عصاه بالعقوبة بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده أخذه أخذ عزيز مقتدر، كما جاء في الصحيحين: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\"، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ (^٢) [هود].\nوقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ [الحج]، ومن أقلع عما هو فيه من كفر أو عصيان، ورجع إلى الله تاب إليه وتاب عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء]، وقال ههنا: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ كما قال في آخر فاطر ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر].\n\n<span id=\"aya-2074\"></span>﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾.\nيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: وإذا قرأت يا محمد على هؤلاء المشركين القرآن، جعلنا بينك وبينهم حجابًا مستورًا.\nقال قتادة وابن زيد: هو الأكنة على قلوبهم (^٣)، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] أي: مانع حائل أن يصل إلينا مما تقول شيء. وقوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ بمعنى: ساتر كميمون ومشؤوم بمعنى: يا من وشائم؛ لأنه من يمنهم وشؤمهم، وقيل: مستورًا عن الأبصار فلا تراه وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى، ومال إلى ترجيحه ابن جرير ﵀ (^٤).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو موسى الهروي إسحاق بن إبراهيم، حدثنا سفيان، عن الوليد بن كثير، عن يزيد بن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله تعالى عنها- قالت: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] جاءت العوراء أُم جميل ولها ولولة (^٥) وفي يدها فهر (^٦)\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الوضوء، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله (ح ٢١٦)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول (ح ٢٩٢).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود آية ١٠٢.\n(^٣) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٤) ذكره الطبري.\n(^٥) الولولة: البلبلة والدعاء بالويل.\n(^٦) الفهر: الحجر مليء الكف.","vol":"5","page":81},{"text":"وهي تقول: مذممًا أتينا -أو أبينا- قال أبو موسى: الشك مني، ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله ﷺ جالس وأبو بكر إلى جنبه فقال أبو بكر ﵁: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال: \"إنها لن تراني\" وقرأ قرآنًا اعتصم به منها ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ قال: فجاءت حتى قامت على أبي بكر فلم ترَ النبي ﷺ فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني، قال أبو بكر: لا وربّ هذا البيت ما هجاك، قال: فانصرفت وهي تقول: لقد علمت قريش أني بنت سيدها (^١).\n\n<span id=\"aya-2075\"></span>وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ وهي جمع كنان الذي يغشى القلب ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: لئلا يفهموا القرآن ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ وهو الثقل الذي منعهم من سماع القرآن سماعًا ينفعهم ويهتدون به. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ أي: إذا وحدت الله في تلاوتك، وقلت لا إله إلا الله، ﴿وَلَّوْا﴾ أي: أدبروا راجعين ﴿عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ ونفور جمع نافر، وكقعود جمع قاعد، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير الفعل، والله أعلم. كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ [الزمر]، قال قتادة في قوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾، إن المسلمين لما قالوا: لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون، وكبرت عليهم وضاقها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها ويعليها وينصرها ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها [فلج] (^٢)، ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها (^٣).\n(قول آخر في الآية):\nروى ابن جرير: حدثني الحسين بن محمد [الذارع] (^٤)، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، وحدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ هم الشياطين (^٥).\nوهذا غريب جدًا في تفسيرها، وإلا فالشياطين إذا قرئ القرآن أو نودي بالأذان أو ذكر الله انصرفوا.\n\n<span id=\"aya-2076\"></span>\n\n<span id=\"aya-2077\"></span>﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾.\nيخبر تعالى نبيه ﷺ بما يتناجى به رؤساء قريش حين جاؤوا يستمعون قراءته ﷺ سرًا من\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق بشر بن موسى الحميدي عن سفيان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٦٢)، ونسبه الحافظ ابن حجر إلى البزار وحسنه (فتح الباري ٨/ ٧٣٨)، ونقل الهيثمي تحسين البزار له ثم قال: ولكن فيه عطاء بن السائب وقد اختلط. (مجمع الزوائد ٧/ ١٤٤) ولكن يبدو رواية الراوي عن عطاء قبل الاختلاط أو أنه متابع كما في رواية أبي يعلى والحاكم.\n(^٢) كذا في تفسير الطبري، وفي الأصل: \"فلح والمعنى متقارب\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) كذا في (حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل: و(ح) صُحِّف إلى: \"الزارع\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا فيه روح بن المسيب الكلبي متهم بالوضع (لسان الميزان ٢/ ٤٦٨).","vol":"5","page":82},{"text":"قومهم بما قالوا من أنه رجل مسحور من السِّحْر على المشهور، أو من السَّحْر وهو الرئة؛ أي: إن تتبعون إن اتبعتم محمدًا إلا بشرًا يأكل، كما قال الشاعر (^١):\nفإن تسألينا فيم نحن فإننا … عصافير من هذا الأنام المُسحَّر (^٢)\nوقال الراجز (^٣):\nنسحر بالطعام وبالشراب\nأي: يُغَذي، وقد صوَّب هذا القول ابن جرير (^٤)، وفيه نظر؛ لأنهم أرادوا ههنا أنه مسحور له رئي يأتيه بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه، ومنهم من قال: شاعر، ومنهم من قال: كاهن، ومنهم من قال: مجنون، ومنهم من قال: ساحر، ولهذا قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ أي: فلا يهتدون إلى الحق ولا يجدون إليه مخلصًا.\nقال محمد بن إسحاق في السيرة: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلسًا يستمع فيه، وكلٌّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، حتى إذا جمعتهم الطريق تلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا وجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قاله أول مرة، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا.\nفلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. قال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه (^٥).\n_________\n(^١) هو الصحابي الجليل لبيد بن ربيعة ﵁، والبيت في ديوانه ص ٥٦.\n(^٢) أي نحن صغار ضعاف من ذراري قوم قد ذهبوا، والمسحر المعلل بالطعام والشراب.\n(^٣) هو الشاعر امرؤ القيس، وما ورد هو عجز وصدره: أرانا مُوضِعين لأمر غَيب (ديوان امرئ القيس ص ٩٧) واستشهد به معمر بن المثنى (مجاز القرآن ١/ ٣٨١)، والطبري.\n(^٤) ما قاله الطبري أنه غير بعيد عن الصواب.\n(^٥) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٣٢٨)، وأخرجه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق به (دلائل النبوة ٢/ ٢٠٦)، وسنده مرسل، والقصة مشهورة.","vol":"5","page":83},{"text":"<span id=\"aya-2078\"></span>\n\n<span id=\"aya-2079\"></span>\n\n<span id=\"aya-2080\"></span>﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد القائلين استفهام إنكار منهم لذلك ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ أي: ترابًا، قاله مجاهد (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: غبارًا (^٢).\n﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أي: يوم القيامة بعدما بلينا وصرنا عدمًا لا نذكر، كما أخبر عنهم في الموضع الآخر ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾ [النازعات]. وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس]، وهكذا أمر رسوله ههنا أن يجيبهم فقال: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)﴾ إذ هما أشد امتناعًا من العظام والرفات ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.\nقال ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: هو الموت (^٣).\nوروى عطية عن ابن عمر أنه قال في تفسير هذه الآية: لو كنتم موتى لأحييتكم (^٤)، وكذا قال سعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (^٥)، ومعنى ذلك أنكم لو فرضتم أنكم لو صرتم إلى الموت الذي هو ضد الحياة، لأحياكم الله إذا شاء؛ فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده.\nوقد ذكر ابن جرير [ههنا] (^٦) حديثًا: \"يجاء بالموت يوم القيامة وكأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، ثم يقال: يا أهل النار أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت،\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه ابن إسحاق مصرحًا بالسماع (السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٣١٥) سنده حسن، أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٦٢).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عطية به، ويشهد له ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بمعناه (الصحيح، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون ح ٢٨٤٩).\n(^٥) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول أبي صالح أخرجه الطبري بسند جيد من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٦) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"5","page":84},{"text":"ويا أهل النار خلود بلا موت\" (^١).\nوقال مجاهد: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني: السماء والأرض والجبال (^٢).\nوفي رواية: ما شئتم فكونوا فسيعيدكم الله بعد موتكم (^٣).\nوقد وقع في التفسير المروي عن الإمام مالك عن الزهري في قوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال النبي ﷺ: قال مالك: ويقولون: هو الموت (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديدًا أو خلقًا آخر شديدًا ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئًا مذكورًا ثم صرتم بشرًا تنتشرون؛ فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].\nوقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يحركونها استهزاء، وهذا الذي قالاه هو الذي تعرفه العرب من لغاتها (^٥)؛ لأن الإنغاض هو: التحرك من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل، ومنه قيل للظليم وهو: ولد النعامة نغضًا؛ لأنه إذا مشى عجل بمشيته وحرك رأسه، ويقال: نغَضَت سنّهُ إذا تحركت وارتفعت من منبتها وقال الراجز:\nونَغضَت من هرمٍ أسنانها (^٦)\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُو﴾ إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ [الملك] وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨]. وقوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أي: احذروا ذلك؛ فإنه قريب سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت آت.\n\n<span id=\"aya-2081\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أي: الرب ﵎: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] أي: إذا أمركم بالخروج منها، فإنه لا يخالف ولا يمانع، بل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل]. وقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات] أي: إنما هو أمر واحد بانتهار، فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وهو متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩] ح ٤٧٣٠)، وصحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون (ح ٢٨٤٩).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) تقدم صحته عن جمع من التابعين.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بثلاثة أسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٦) استشهد به معمر بن المثنى (مجاز القرآن ١/ ٣٨٢) والطبري.","vol":"5","page":85},{"text":"قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: فتستجيبون بحمده؛ أي بأمره (^١)، وكذا قال ابن جريج (^٢)، وقال قتادة بمعرفته وطاعته (^٣).\nوقال بعضهم: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: وله الحمد في كل حال (^٤).\nوقد جاء في الحديث: \"ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، كأني بأهل لا إله إلا الله يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون: لا إله إلا الله\" (^٥). وفي رواية يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وسيأتي في سورة فاطر (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ أي: يوم تقومون من قبوركم ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، وكقوله تعالى ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ [طه]، وقال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ [المؤمنون].\n\n<span id=\"aya-2082\"></span>﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾.\nيأمر ﵎ عبده ورسوله ﷺ أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاورتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة؛ فإنهم إن لم يفعلوا ذلك، نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، وأوقع الشر والمخاصمة والمقاتلة؛ فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة؛ فإن الشيطان ينزغ في يده؛ أي: فربما أصابه بها.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار\" (^٧). أخرجاه من حديث عبد الرزاق (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أنبأنا علي بن زيد، عن الحسن قال: حدثني\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف ويتقوى بسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) ذكره الطبري.\n(^٥) (^٦) سيأتي تخريجهما في تفسير سورة فاطر آية ٣٤، إذ ذكرهما الحافظ بالسند.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣١٧)، وسنده صحيح متفق عليه.\n(^٨) صحيح البخاري، الفتن، باب قول النبي ﷺ: \"من حمل علينا السلاح فليس منا\" (ح ٧٠٧٢)، وصحيح مسلم، البر، باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم (ح ٢٦١٧).","vol":"5","page":86},{"text":"رجل من بني سليط قال: أتيت النبي ﷺ وهو في أزفَلة (^١) من الناس فسمعته يقول: \"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ههنا\" قال حماد: وقال بيده إلى صدره: \"وما تواد رجلان في الله ففرق بينهما إلا حدث يحدثه أحدهما، المُحدِثُ شر والمُحدِثُ شر والمُحدِثُ شر\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2083\"></span>﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيها الناس أي: أعلم بمن يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ أي: إنما أرسلناك نذيرًا، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار.\n\n<span id=\"aya-2084\"></span>وقوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بمراتبهم في الطاعة والمعصية ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ وكما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\nوهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تفضلوا بين الأنبياء\" (^٣) فإن المراد من ذاك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية لا بمقتضى الدليل فإذا دلَّ الدليل على شيء وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصًا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] وفي الشورى قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ولا خلاف أن محمدًا ﷺ أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى ثم عيسى ﵈ على المشهور، وقد بسطناه بدلائله في غير هذا الموضع، والله الموفق.\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ تنبيه على فضله وشرفه. قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"خُفِّف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته فتسرج، فكان يقرؤه قبل أن يفرغ\" يعني القرآن (^٤).\n\n<span id=\"aya-2085\"></span>﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذن عبدوا غير الله ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ\n_________\n(^١) أي: جماعة من الناس (النهاية ٢/ ٣٠٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: الشطر الأول منه صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان … وأما الشطر الثاني فحسن لغيره (المسند ٣٤/ ٢٨٩، ٢٩٠ ح ٢٠٦٨٩).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آخر آية ١٤٣.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] ح ٤٧١٣).","vol":"5","page":87},{"text":"دُونِهِ﴾ من الأصنام والأنداد فارغبوا إليهم فإنهم ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ أي: بالكلية ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ أي: بأن يحولوه إلى غيركم، والمعنى أن الذي يقدر ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر.\nقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ الآية، قال: كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرًا، وهم الذين يدعون يعني في الملائكة والمسيح وعزيرًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2086\"></span>وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآية، روى البخاري من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: ناس من الجن (^٢) كانوا يعبدون فأسلموا (^٣).\nوفي رواية: قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم (^٤).\nوقال قتادة، عن معبد بن عبد الله الزماني، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآية، قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم، لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية (^٥)، وفي رواية عن ابن مسعود كانوا يعبدون صنفًا من الملائكة يقال لهم: الجن فذكره (^٦).\nوقال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قال: عيسى وأمه وعزير (^٧).\nوقال مغيرة، عن إبراهيم: كان ابن عباس يقول في هذه الآية: هم عيسى وعزير والشمس والقمر (^٨).\nوقال مجاهد: عيسى والعزير والملائكة (^٩).\nواختار ابن جرير قول ابن مسعود لقوله: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وهذا لا يعبر به عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعزير والملائكة، وقال: والوسيلة هي القربة، كما قال قتادة (^١٠)، ولهذا قال: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) أُستشكل أن الناس ضد الجن، وأُجيب بأنه على قول من قال: \"إنه من ناسَ إذا تحرك\"، أو ذكر للتقابل حيث قال: \"ناس من الإنس وناس من الجن\" (فتح الباري ٨/ ٣٩٧، وينظر تاج العروس ٤/ ١٠٣).\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] (ح ٤٧١٥).\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ …﴾ [الإسراء: ٥٦] (ح ٤٧١٤).\n(^٥) أخرجه مسلم من طريق قتادة به (الصحيح، التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ح ٣٠٣٠).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه يحيى بن السكن وهو ضعيف.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق السدي به، وسنده ضعيف لضعف أبي صالح واسمه: باذام أو باذان.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق مغيرة به، وسنده ضعيف لأن مغيرة هو ابن مقسم الضبي ثقة لكنه يدلس عن إبراهيم، وإبراهيم هو النخعي لم يسمع من ابن عباس.\n(^٩) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١٠) أي رواية قتادة عن معبد بن عبد الله المتقدم في صحيح مسلم.","vol":"5","page":88},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء فبالخوف ينكف عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ أي: ينبغي أن يحذر منه ويخاف من وقوعه وحصوله، عياذًا بالله منه.\n\n<span id=\"aya-2087\"></span>﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾.\nهذا إخبار من الله ﷿ بأنه قد حتم وقضى بما عنده في اللوح المحفوظ: أنه ما من قرية إلا سيهلكها بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال تعالى عن الأمم الماضين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾ [الطلاق].\n\n<span id=\"aya-2088\"></span>﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾.\nقال سُنيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: قال المشركون: يا محمد إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم من سُخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فإن سرَّك أن نؤمن بك ونصدقك، فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبًا، فأوحى الله إليه: إني قد سمعت الذي قالوا: فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب، فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن نستأني بقومك استأنيت بهم. قال: \"يا رب استأن بهم\" (^١). وكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما (^٢).\nوروى الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن يأتيهم الذي سألوا فإن كفروا هلكوا، كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم. وقال: \"لا، بل استأن بهم\" وأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (^٣)، ورواه النسائي وابن جرير به (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق سُنيد به، وسنده ضعيف لضعف سنيد وإرسال سعيد بن جبير، ويتقوى بالروايات التالية لما فيها من المتابعات والشواهد.\n(^٢) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه لكنه مرسل وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند فيه سُنيد أيضًا ولكنهما يتقويان بالروايات التالية.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٤/ ١٧٣ ح ٢٣٣٣)، وصححه أيضًا أحمد شاكر، وأخرجه الحاكم من طريق جرير به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٣٦٢).\n(^٤) أخرجه الطبري والنسائي كلاهما من طريق جرير به (السنن الكبرى، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ [الإسراء: ٥٩] ح ١١٢٩٠). وسنده صحيح كسابقه.","vol":"5","page":89},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن [عمران بن الحكم] (^١)، عن ابن عباس، قال: قالت قريش للنبي ﷺ: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. قال: \"وتفعلون؟ \" قالوا: نعم. قال: فدعا فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين\"، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة، فقال: \"بل باب التوبة والرحمة\" (^٢).\nوقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري، حدثنا خلف بن تميم المصيصي، عن عبد الجبار بن عمر الأيلي، عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم، عن جدته أم عطاء مولاة الزبير بن العوام قالت: سمعت الزبير يقول لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء] صاح رسول الله ﷺ على أبي قبيس: \"يا آل عبد مناف إني نذير\" فجاءته قريش فحذرهم وأنذرهم، فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك، وإن سليمان سخر له الريح والجبال، وإن موسى سخر له البحر، وإن عيسى كان يحيي الموتى فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهارًا، فنتخذها محارث فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله أن يحيي لنا موتانا لنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله أن يصيّر لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهبًا فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم. وقال: فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سرّي عنه، قال: \"والذي نفسي بيده، لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة، فلا يؤمن منكم أحد، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنه يعذبكم عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين\" ونزلت: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ وقرأ ثلاث آيات ونزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ الآية [الرعد: ٣١] (^٣).\nولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ أي: نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك فإنه سهل علينا يسير لدينا إلا أنه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذبوا بها بعد نزولها، كما قال الله تعالى في المائدة ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١٥)﴾ [المائدة] وقال تعالى عن ثمود حين سألوا آية ناقة تخرج من صخرة عينوها، فدعا صالح ﵇ ربه فأخرج لهم منها ناقة على ما سألوه، فلما ظلموا بها؛ أي: كفروا بمن خلقها وكذبوا رسوله\n_________\n(^١) كذا صوبه الحافظ ابن حجر وهو عمران بن الحارث أبو الحكم (تعجيل المنفعة ص ٢١٩) وقد ورد على الصواب في المسند ٥/ ٢٨٤ (ح ٣٢٢٣)، وفي النسخ الخطية صحف إلى: عمران بن حكيم.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وورد فيه عمران بن الحكم وهو تصحيف والصواب المثبت أعلاه (المسند ٤/ ٦٠ ح ٢١٦٦)، وصحح سنده محققوه، ونبهوا على التصحيف.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه وضعفه محققه لضعف عبد الجبار بن عمر الأيلي وعبد الله بن عطاء بن إبراهيم (المسند ٢/ ٤٠، ٤١ ح ٦٧٩، وينظر مجمع الزوائد ٧/ ٨٨).","vol":"5","page":90},{"text":"وعقروها، فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: دالة على وحدانية من خلقها وصدق رسوله الذي أجيب دعاؤه فيها ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: كفروا بها ومنعوها شربها وقتلوها، فأبادهم الله عن آخرهم وانتقم منهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ قال قتادة: إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذُكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود ﵁، فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه (^١). وهكذا روي أن المدينة زُلزلت على عهد عمر بن الخطاب ﵁ مرات، فقال عمر: أحدثتم والله لئن عادت لأفعلنّ ولأفعلنّ. وكذا قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه: \"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله ﷿ يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره، ثم قال: يا أمة محمد واللهِ ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2089\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾.\nيقول تعالى لرسوله ﷺ محرضًا على إبلاغ رسالته مخبرًا له بأنه قد عصمه من الناس؛ فإنه القادر عليهم وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته.\nوقال مجاهد وعروة بن الزبير والحسن وقتادة وغيرهم في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ أي: عصمك منهم (^٣).\nوقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ الآية.\nقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ شجرة الزقوم (^٤)، وكذا رواه أحمد [وعبد الرزاق] (^٥) وغيرهما عن سفيان بن عيينة به (^٦). وكذا رواه العوفي عن ابن عباس (^٧).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂ (صحيح البخاري، الكسوف، باب الصدقة في الكسوف ح ١٠٤٤)، وصحيح مسلم، الكسوف، باب صلاة في الكسوف (ح ١٩٠١).\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه، وقول عروة أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] (ح ٤٧١٦).\n(^٥) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل صُحِّف إلى: \"عبد الرحمن\".\n(^٦) المسند ١/ ٢٢١ وتفسير عبد الرزاق.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بما سبق.","vol":"5","page":91},{"text":"وهكذا فَسر ذلك بليلة الإسراء (^١) مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ومسروق وإبراهيم وقتادة وعبد الرحمن بن زيد، وغير واحد (^٢)، وقد تقدمت أحاديث الإسراء في أول السورة مستوفاة ولله الحمد والمنة.\nوتقدم أن ناسًا رجعوا عن دينهم بعدما كانوا على (^٣) الحق؛ لأنه لم تحمل قلوبهم وعقولهم ذلك، فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وجعل الله ذلك ثباتًا ويقينًا لآخرين، ولهذا قال: ﴿إِلَّا فِتْنَةً﴾ أي: اختبارًا وامتحانًا، وأما الشجرة الملعونة فهي شجرة الزقوم، كما أخبرهم رسول الله ﷺ أنه رأى الجنة والنار، ورأى شجرة الزقوم فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل عليه لعائن الله: هاتوا لنا تمرًا وزبدًا، وجعل يأكل من هذا بهذا، ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا، حكى ذلك ابن عباس ومسروق وأبو مالك والحسن البصري وغير واحد (^٤)، وكل من قال: إنها ليلة الإسراء، فسره كذلك بشجرة الزقوم. وقيل: المراد بالشجرة الملعونة بنو أمية، وهو غريب ضعيف.\nوقال ابن جرير: حُدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة، حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، حدثني أبي، عن جدي قال: رأى رسول الله ﷺ بني فلان ينزون على منبره نزو القرود، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكًا حتى مات، قال: وأنزل الله في ذلك ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ الآية (^٥)، وهذا السند ضعيف جدًا فإن محمد بن الحسن بن زبالة متروك، وشيخه أيضًا ضعيف بالكلية، ولهذا اختار ابن جرير أن المراد بذلك ليلة الإسراء، وأن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، قال لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك أي في الرؤيا والشجرة، وقوله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ أي: الكفار بالوعيد والعذاب والنكال، ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ أي: تماديًا فيما هم فيه من الكفر والضلال، وذلك من خذلان الله لهم.\n\n<span id=\"aya-2090\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾.\nيذكر ﵎ عداوة إبليس لعنه الله وذريته وأنها عداوة قديمة منذ خلق آدم فإنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا كلهم إلا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له افتخارًا عليه واحتقارًا\n_________\n(^١) أي: شجرة الزقوم التي رآها النبي ﷺ ليلة الإسراء.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق فرات القزاز عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول مسروق أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي الضحى عنه، وقول إبراهيم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٣) تقدم في بداية تفسير هذه السورة.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الإمام أحمد وتقدم تخريجه في بداية السورة في قصة الإسراء وصحح سنده الحافظ ابن كثير هناك، وقول الحسن البصري أخرجه بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عنه ولكنه مرسل ويتقوى بسابقه، وقول مسروق تقدم بلفظ: شجرة الزقوم، وقول أبي مالك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبثر الكوفي عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا كما ذكر الحافظ ابن كثير.","vol":"5","page":92},{"text":"له ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ كما قال في الآية الأخرى ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]\n\n<span id=\"aya-2091\"></span>وقال أيضًا: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ يقول للرب جراءة وكفرًا والرب يحلم وينظر ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ الآية.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يقول لأستولين على ذريته إلا قليلًا (^١).\nوقال مجاهد: لأحتوينّ (^٢).\nوقال ابن زيد: لأضلنهم (^٣).\nوكلها متقاربة والمعنى: أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته عليَّ لإن أنظرتني لأضلنَّ ذريته إلا قليلًا منهم.\n\n<span id=\"aya-2092\"></span>﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾.\nلما سأل إبليس النظرة قال الله له: ﴿اذْهَبْ﴾ فقد أنظرتك كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر] ثم أوعده ومن اتبعه من ذرية آدم جهنم ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ أي: على أعمالكم ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ قال مجاهد: وافرًا (^٤).\nوقال قتادة: موفورًا عليكم لا ينقص لكم منه (^٥).\n\n<span id=\"aya-2093\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قيل: هو الغناء قال مجاهد: باللهو والغناء أي استخفهم بذلك (^٦).\nوقال ابن عباس في قوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قال: كل داعٍ دعا إلى معصية الله (^٧) ﷿ وقاله قتادة، واختاره ابن (^٨) جرير.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ قال: واحمل عليهم بجنودك خيالتهم ورجلتهم فإن الرجل جمع راجل كما أن الركب جمع راكب وصحب جمع صاحب ومعناه: تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه، وهذا أمر قدري كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم] أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا وتسوقهم إليها سوقًا.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بمعناه.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق ليث وهو ابن أبي سُليم وفيه مقال عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"5","page":93},{"text":"وقال ابن عباس ومجاهد في قوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ قال: كل راكب وماشٍ في (^١) معصية الله.\nوقال قتادة: إن له خيلًا ورجالًا من الجن والإنس (^٢) وهم الذين يطيعونه تقول العرب أجلب فلان على فلان إذا صاح عليه ومنه نهى في المسابقة عن الجلب والجنب ومنه اشتقاق الجلبة وهي ارتفاع الأصوات.\nوقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله (^٣).\nوقال عطاء: هو الربا (^٤).\nوقال الحسن: هو جمعها من خبيث وإنفاقها في حرام، وكذا قال قتادة (^٥).\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﵄: أما مشاركته إياهم في أموالهم فهو ما حرموه من أنعامهم يعني من البحائر والسوائب ونحوها (^٦) وكذا قال الضحاك وقتادة (^٧).\nوقال ابن جرير: والأولى أن يقال: إن الآية تعم ذلك كله (^٨)، وقوله: ﴿وَالْأَوْلَاد﴾ قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك يعني: أولاد الزنا (^٩).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفهًا بغير علم (^١٠).\nوقال قتادة والحسن البصري: قد والله شاركهم في الأموال والأولاد مجسوا وهودوا ونصروا وصبغوا على غير صبغة الإسلام، وجزؤوا أموالهم جزءًا للشيطان، وكذا قال (^١١) قتادة سواء.\nوقال أبو صالح، عن ابن عباس: هو تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد الشمس وعبد فلان (^١٢).\nقال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: كل مولود ولدته أنثى عصي الله فيه بتسميته\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن بنحوه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٧) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٨) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٩) قول العوفي أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوي بما يليه فقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن.\n(^١٢) أخرجه الطبري من طريق أبي صالح به، وسنده ضعيف لضعف أبي صالح وهو: باذام أو باذان.","vol":"5","page":94},{"text":"بما يكرهه الله أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله أو بالزنا بأمه أو بقتله أو غير ذلك من الأمور التي يعصى الله بفعله به أو فيه فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك الولد له أو منه لأن الله لم يخصص بقوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَاد﴾ معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى فكل ما عصي الله فيه أو به أو أطيع الشيطان فيه أو به فهو مشاركة (^١)، وهذا الذي قاله متجه وكل من السلف ﵏ فسر بعض المشاركة فقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ قال: \"يقول الله ﷿: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم\" (^٢).\nوفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا\" (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ كما أخبر تعالى عن إبليس أنه يقول إذا حصحص الحق يوم يقضى بالحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢].\n\n<span id=\"aya-2094\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين وحفظه إياهم وحراسته لهم من الشيطان الرجيم ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ أي: حافظًا ومؤيدًا ونصيرًا.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر\" (^٤). ينضي أي: يأخذ بناصيته ويقهره.\n\n<span id=\"aya-2095\"></span>﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦)﴾.\nيخبر تعالى عن لطفه بخلقه في تسخيره لعباده الفلك في البحر وتسهيله لمصالح عباده لابتغائهم من فضله في التجارة من إقليم إلى إقليم ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أي: إنما فعل هذا بكم في فضله عليكم ورحمته بكم.\n_________\n(^١) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٢) تقدم مرارًا وآخر مرة في تفسير آية ١٥ من هذه السورة.\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ﵄ صحيح البخاري، الوضوء، باب التسمية على كل حال (ح ١٤١)، وصحيح مسلم، النكاح، باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع (ح ١٤٣٤).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه محققوه لسوء حفظ ابن لهيعة (١٤/ ٥٠٤ ح ٨٩٤٠) ولكن رواية قتيبة وهو ابن سعيد عن ابن لهيعة معتمدة فقد سأل الإمام أحمد قتيبة فقال: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح؟ فأقره قتيبة على ذلك وقال: لأنا كنا نكتب من كتاب ابن وهب ثم نسمعه من ابن لهيعة (ينظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ١٥).","vol":"5","page":95},{"text":"<span id=\"aya-2096\"></span>﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾.\nيخبر تعالى أنه إذا مسَّ النَّاس ضر دعوه منيبين إليه مخلصين له الدين ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ أي: ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله تعالى كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارًا من رسول الله ﷺ حين فتح مكة، فذهب هاربًا فركب في البحر يدخل الحبشة، فجاءتهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده. فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره اللَّهم لك علي عهد لإن أخرجتني منه لأذهبنَّ فلأضعن يدي في يدي محمد فلأجدنَّه رؤوفًا رحيمًا، فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله ﷺ فأسلم وحسن إسلامه ﵁ وأرضاه (^١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ أي: نسيتم ما عرفتم من توحيده وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ أي: سجيته هذا ينسى النعم ويجحدها إلا من عصم الله.\n\n<span id=\"aya-2097\"></span>﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾.\nيقول تعالى: أفحسبتم بخروجكم إلى البر أمنتم من انتقامه وعذابه أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبًا؟ وهو المطر الذي فيه حجارة قاله مجاهد (^٢) وغير واحد كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ [القمر] وقد قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ [الملك] وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ أي: ناصرًا يردُّ ذلك عنكم وينقذكم منه.\n\n<span id=\"aya-2098\"></span>﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾.\nيقول ﵎: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ أيها المعرضون عنا بعدما اعترفوا بتوحيدنا في البحر وخرجوا إلى البر ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾ في البحر مرة ثانية ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا﴾ أي: يقصف الصواري ويغرق المراكب.\nقال ابن عباس وغيره: القاصف ريح البحار التي تكسر المراكب وتغرقها (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي من طريق السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه بنحوه مطولًا (السنن، تحريم الدم، باب الحكم في المرتد ٧/ ١٠٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ح ٣٧٩١، والسلسلة الصحيحة ح ١٧٢٣)، وأخرجه الحاكم عن السدي به دون ذكر القصة وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٤).\n(^٢) لم أجده عن مجاهد وإنما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه، وذكر السيوطي ونسبه إلى الطبري عن قتادة ولم يذكره عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"عاصفًا\".","vol":"5","page":96},{"text":"وقوله: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ أي: بسبب كفركم وإعراضكم عن الله تعالى.\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ قال ابن عباس: نصيرًا (^١).\nوقال مجاهد: نصيرًا ثائرًا (^٢)؛ أي: يأخذ بثأركم بعدكم.\nوقال قتادة: ولا نخاف أحدًا يتبعنا بشيء من ذلك (^٣).\n\n<span id=\"aya-2099\"></span>﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾.\nويخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين] أي: يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه، وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا يفقه بذلك كله وينتفع به ويفرق بين الأشياء ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية.\n﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ﴾ أي: على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفي البحر أيضًا على السفن الكبار والصغار ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: من زروع وثمار ولحوم وألبان من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة من سائر الأنواع على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها مما يصنعونه لأنفسهم ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي.\n﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ أي: من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات.\nوقد استدل بهذه الآية الكريمة على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم قال: قالت الملائكة يا ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك فأعطنا الآخرة فقال الله تعالى: \"وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت كن فكان\" (^٤). وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه، وقد روي من وجه آخر متصلًا.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"إن الملائكة قالت: يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق علي بن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق بسند ثابت عن معمر عن قتادة بنحوه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده ضعيف لإرسال زيد بن أسلم، وقد روي من طرق أخرى لكنها ضعيفة السند كما يلي.","vol":"5","page":97},{"text":"بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة، قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن، فكان\" (^١).\nوقد روى ابن عساكر من طريق محمد بن أيوب الرازي، حدثنا الحسن بن علي بن خلف الصيدلاني، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثني عثمان بن حصن بن عبيدة بن علاق، سمعت عروة بن رويم اللخمي، حدثني أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن الملائكة قالوا: ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم، وجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويتزوجون النساء ويركبون الدواب ينامون ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئًا، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله ﷿: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له: كن، فكان\" (^٢).\nوقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا معمر بن سهل، حدثنا عبيد الله بن تمام، عن خالد الحذاء، عن بشر بن شغاف، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم\" قيل: يا رسول الله ولا الملائكة؟ قال: \"ولا الملائكة، الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر\" (^٣). وهذا حديث غريب جدًا.\n\n<span id=\"aya-2100\"></span>﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾.\nيخبر ﵎ عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم، وقد اختلفوا في ذلك:\nفقال مجاهد وقتادة: نبيهم (^٤). وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ [يونس].\nوقال بعض السلف: هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث لأن إمامهم النبي ﷺ.\nوقال ابن زيد: لكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع (^٥). واختاره ابن جرير.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الأوسط ٦/ ١٩٦ ح ٦١٧٣) وسنده ضعيف جدًا قال الهيثمي وفيه: إبراهيم بن عبد الله بن خالد وسنده ضعيف جدًا فيه.\nالمصيصي: وهو كذاب متروك (مجمع الزوائد ١/ ٨٥).\n(^٢) أخرجه البيهقي من طريق عبد ربه بن صالح القرشي عن عروة بن رويم عن جابر الأنصاري مرفوعًا بنحوه، ثم قال: وقال فيه غيره عن هشام بن عمار بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وفي ثبوته نظر (الجامع لشعب الإيمان ١/ ١٧٢ ح ١٤٩).\n(^٣) أخرجه الخطيب البغدادي من طريق عبيد الله بن تمام به (تاريخ بغداد ٤/ ٤٥) وكذا أخرجه البيهقي ثم قال: تفرد به عبيد الله بن تمام (الجامع لشعب الإيمان ١/ ١٧٤ ح ١٥٣)، قال الهيثمي بعد أن نسبه إلى الطبراني في الكبير: وفيه عبيد الله بن تمام وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١/ ٨٥)، ولهذا قال الحافظ ابن كثير: غريب جدًا، وفي هذا نقد للمتن أيضًا.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.","vol":"5","page":98},{"text":"وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: بكتبهم (^١). فيحتمل أن يكون أراد هذا وأن يكون أراد ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ أي: بكتاب أعمالهم (^٢) وكذا قال أبو العالية والحسن والضحاك (^٣). وهذا القول هو الأرجح لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف] [ويحتمل أن المراد بإمامهم أي كل قوم بمن يأتمون به فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء ﵈ وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١] وفي الصحيحين: \"لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فيتبع من كان يعبد الطواغيت\" (^٤) الحديث] (^٥).\nوقال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ [الجاثية] وهذا لا ينافي أن يجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته فإنه لابدّ أن يكون شاهدًا على أمته بأعمالها كقوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩] وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء] ولكن المراد ههنا بالإمام هو كتاب الأعمال ولذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ أي: من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح يقرأه [ويحب] (^٦) قراءته كقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ إلى قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾ [الحاقة].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قد تقدم أن الفتيل هو الخيط المستطيل في شق النواة (^٧).\nوقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا في هذا فقال: حدثنا محمد بن يعمر ومحمد بن عثمان بن كرامة قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال: \"يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه، فيرونه من بعيد فيقولون: اللَّهم آتنا بهذا وبارك لنا في هذا، فيأتيهم فيقول لهم: أبشروا فإن لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافر فيسود وجهه ويمد له في جسمه، ويراه أصحابه\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٣) قول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس، وفول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق قتادة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، الأذان، باب فضل السجود ح ٨٠٦، وصحيح مسلم، الإيمان باب معرفة طريق الرؤية ح ٢٩٩).\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"محب\".\n(^٧) تقدم في تفسير سورة النساء آية ٤٩.","vol":"5","page":99},{"text":"فيقولون: أعوذ بالله من هذا أو من شر هذا اللهم لا تأتنا به. فيأتيهم فيقولون: اللَّهم اخزه فيقول: أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا\" (^١). ثم قال البزار لا يروى إلا من هذا الوجه،\n\n<span id=\"aya-2101\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ الآية، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾ أي: في الحياة الدنيا (^٢) ﴿أَعْمَى﴾ أي: عن حجة الله وآياته وبيناته ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ أي: كذلك يكون ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي: وأضل منه كما كان في الدنيا عياذًا بالله من ذلك.\n\n<span id=\"aya-2102\"></span>\n\n<span id=\"aya-2103\"></span>\n\n<span id=\"aya-2104\"></span>﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾.\nيخبر تعالى عن تأييده رسوله صلوات الله عليه وسلامه، وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه بل هو وليه وحافظه وناصره مؤيده ومظفره ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها، ﷺ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.\n\n<span id=\"aya-2105\"></span>\n\n<span id=\"aya-2106\"></span>﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾.\nقيل: نزلت في اليهود إذ أشاروا على رسول الله ﷺ بسكنى الشام بلاد الأنبياء وترك سكنى المدينة، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة بعد ذلك.\nوقيل: إنها نزلت بتبوك وفي صحته نظر. روى البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، ء عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غُنم أن اليهود أتوا رسول الله ﷺ يومًا فقالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقًا أنك نبي فالحق بالشام، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء، فصدَّق ما قالوا فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿تَحْوِيلًا﴾ فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك ومماتك ومنها تبعث.\nوفي هذا الإسناد نظر (^٣)، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي لم يغز تبوك عن قول اليهود،\n_________\n(^١) سنده ضعيف إذ مداره يتوقف على عبد الرحمن بن أبي كريمة والد السدي الكبير وهو مجهول الحال (التقريب ص ٣٤٩)، وأخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل ح ٣١٣٦)، وابن حبان (الإحسان ١٦/ ٣٤٦ ح ٧٣٤٩)، وأبو نعيم (الحلية ٩/ ١٥)، والحاكم (المستدرك ٢/ ٢٤٢) كلهم من طريق السدي عن أبيه به. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفيه نظر.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٣) وهو كما قال فقد أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٥/ ٢٥٤) وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال، وعبد الرحمن بن غنم مختلف في صحبته.","vol":"5","page":100},{"text":"وإنما غزاها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] ولقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة]، وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه، والله أعلم.\nولو صحَّ هذا لحمل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أَبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام\" قال الوليد: يعني: بيت المقدس (^١). وتفسير الشام بتبوك أحسن، مما قال الوليد إنه بيت المقدس، والله أعلم.\nوقيل نزلت في كفار قريش، هَمُّوا بإخراج رسول الله ﷺ من بين أظهرهم، فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرًا، وكذلك وقع فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم بعد ما اشتد أذاهم له إلا سنة ونصف، حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد، فأمكنه منهم وسلَّطه عليهم وأظفره بهم، فقتل أشرافهم وسبى ذراريهم، ولهذا قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ أي: هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم بخروج الرسول من بين أظهرهم يأتيهم العذاب، ولولا أنه ﷺ رسول الرحمة لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال].\n\n<span id=\"aya-2107\"></span>﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾.\nيقول ﵎ لرسوله ﷺ آمرًا له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ قيل لغروبها، قاله ابن مسعود ومجاهد وابن زيد (^٢).\nوقال هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن ابن عباس: دلوكها زوالها (^٣)، ورواه نافع عن ابن عمر (^٤)، ورواه مالك في تفسيره عن الزهري، عن ابن عمر (^٥)، وقاله أبو برزة الأسلمي (^٦) وهو رواية أيضًا عن ابن مسعود ومجاهد، وبه قال الحسن والضحاك وأبو جعفر الباقر وقتادة (^٧)، واختاره ابن جرير.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني من طريق الوليد بن مسلم به (المعجم الكبير ٨/ ٢٠١)، وفي سنده عفير بن معدان وهو ضعيف (التقريب ص ٣٩٣).\n(^٢) قول ابن مسعود أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وأخرجه أيضًا من طريق الزهري عن ابن عباس وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الإمام مالك (الموطأ برواية الشيباني، التفسير رقم ١٠٠٦) وسنده صحيح.\n(^٥) سنده صحيح.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده عن أبي برزة ﵁ (الصحيح، مواقيت الصلاة، باب وقت الظهر عند الزوال ح ٥٤١).\n(^٧) أخرجه الطبري بأسانيد قوية إلا قول الضحاك فسنده ضعيف لأنه من طريق جويبر.","vol":"5","page":101},{"text":"ومما استشهد عليه ما رواه عن ابن حميد، عن الحكم بن بشير: حدثنا عمرو بن قيس، عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن جابر بن عبد الله قال: دعوت رسول الله ﷺ ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي ﷺ فقال: \"اخرج يا أبا بكر، فهذا حين دلكت الشمس\" (^١). ثم رواه عن سهل بن بكار، عن أبي عوانة، عن الأسود بن قيس، عن [نبيح] (^٢) العَنزي، عن جابر، عن رسول الله ﷺ نحوه (^٣)، فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلوات الخمس فمن قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وهو ظلامه، وقيل غروب الشمس، أخذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء.\nوقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ يعني: صلاة الفجر، وقد ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ تواترًا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم مما تلقوه خلفًا عن سلف وقرنًا بعد قرن، كما هو مقرر في مواضعه، ولله الحمد.\n﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، وعن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في هذه الآية ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار (^٤).\nوقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر\" يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، وحدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: \"تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار\" (^٦)، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، ثلاثتهم عن عبيد بن [أسباط] (^٧) بن محمد، عن أبيه به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٨).\nوفي لفظ في الصحيحين من طريق مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بكم كيف تركتم عبادي؟\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن جابر ولكنه توبع في الرواية السابقة.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل غير منقوط.\n(^٣) أخرجه الطبري عن محمد بن عمارة الرازي عن سهل به، وهذا السند مع الذي قبله يقوى أحدهما الآخر.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه من طريق الأعمش به (السنن، الصلاة، باب وقت صلاة الفجر ح ٦٧٠) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٥٤٤).\n(^٥) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (ح ٤٧١٧).\n(^٦) المسند ٤/ ٤٧٤، وتقدم الحكم على صحته في رواية ابن ماجه قبل السابقة.\n(^٧) كذا في (ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل صُحِّف إلى: \"إسباد\".\n(^٨) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل (ح ٣١٣٥)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] (ح ١١٢٩٣)، وحكمه كسابقه.","vol":"5","page":102},{"text":"فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون\" (^١).\nوقال عبد الله بن مسعود: يجتمع الحرسان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء (^٢)، وكذا قال إبراهيم النخعي ومجاهد وقتادة وغير واحد في تفسير هذه الآية (^٣).\nوأما الحديث الذي رواه ابن جرير ههنا من حديث الليث بن سعد، عن زيادة، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء، عن رسول الله ﷺ فذكر حديث النزول، وأنه تعالى يقول: من يستغفرني أغفر له، من يسألني أعطيه، من يدعني فأستجيب له حتى يطلع الفجر، فلذلك يقول: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ فيشهده الله وملائكة الليل وملائكة النهار، فإنه (^٤) تفرد به زيادة، وله بهذا حديث في سنن أبي داود (^٥).\n\n<span id=\"aya-2108\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ أمر له بقيام الليل بعد المكتوبة، كما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه سئل أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: \"صلاة الليل\" (^٦). ولهذا أمر تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل، فإن التهجد ما كان بعد النوم. قاله علقمة والأسود وإبراهيم النخعي وغير (^٧) واحد، وهو المعروف في لغة العرب، وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه كان يتهجد بعد نومه، عن ابن عباس وعائشة (^٨) وغير واحد من الصحابة ﵃، كما هو مبسوط في موضعه، ولله الحمد والمنة.\nوقال الحسن البصري: هو ما كان بعد العشاء (^٩). ويحمل على ما كان بعد النوم، واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ فقيل: معناه أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك، فجعلوا قيام الليل واجبًا في حقه دون الأمة، رواه العوفي عن ابن عباس (^١٠)، وهو أحد قولي العلماء، وأحد قولي الشافعي ﵀، واختاره ابن جرير.\nوقيل: إنما جعل قيام الليل في حقه نافلة على الخصوص؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وغيره من أمته إنما يكفر عنه صلواته النوافل الذنوب التي عليه. قال مجاهد (^١١): وهو\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الرعد آية ١١.\n(^٢) أخرجه الطبري والطبراني (المعجم الكبير ٩/ ٢٦٥ ح ٩١٣٩) من عدة طرق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود، ويشهد له ما تقدم في الصحيح من حديث أبي هريرة قبل روايتين.\n(^٣) قول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الأعمش عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف زيادة بن محمد فهو منكر الحديث (التقريب ص ٢١١).\n(^٥) السنن، الطب، باب كيفية الرقى؟ (ح ٣٨٩٢) وحكمه كسابقه.\n(^٦) صحيح مسلم، الصيام، باب فضل صوم المحرم (ح ١١٦٣).\n(^٧) قول علقمة والأسود أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٨) أخرجه البخاري من طريق الأسود عن عائشة قالت: كان ينام أوله ويقوم آخره فيصلي ثم يرجع إلى فراشه … (الصحيح، التهجد، باب من نام أول الليل وأحيى آخره ح ١١٤٦).\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق هشام عن الحسن.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^١١) ذكره الحافظ ابن حجر ونسبه إلى الطبري وابن أبي حاتم عن مجاهد وحسَّن سنده (فتح الباري ٣/ ٣)، وقول مجاهد أخرجه الطبري والبيهقي (دلائل النبوة ٥/ ٤٨٧) كلاهما من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد.","vol":"5","page":103},{"text":"في المسند عن أبي أُمامة الباهلي ﵁ (^١).\nوقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أي: افعل هذا الذي أمرتك به لنقيمك يوم القيامة مقامًا محمودًا، يحمدك في الخلائق كلهم وخالقهم ﵎.\nقال ابن جرير: قال أكثر أهل التأويل: ذلك هو المقام الذي يقومه محمد ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم (^٢).\nذكر من قال ذلك:\nحدثنا [ابن بشار] (^٣)، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صِلة بن زُفَر، عن حذيفة قال: يجمع الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، قيامًا لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادي: يا محمد، فيقول: \"لبيك وسعديك، والخير في يديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، ومنك وإليك لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت\" فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله ﷿ (^٤).\nثم رواه عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق به (^٥)، وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، والثوري، عن أبي إسحاق به (^٦)، وقال ابن عباس: هذا المقام المحمود مقام الشفاعة (^٧)، وكذا قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد (^٨)، وقاله الحسن البصري (^٩).\nوقال قتادة: هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة وأول شافع، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود الذي قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (^١٠).\nقلت: لرسول الله ﷺ تشريفات يوم القيامة لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد، فهو أول من تنشق عنه الأرض ويبعث راكبًا إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردًا منه، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق، وذلك بعد ما تسأل الناس آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من طريق شهر بن حوشب عن أبي أُمامة قال: إنما كانت النافلة خاصة لرسول الله ﷺ. وضعفه محققوه لضعف شهر بن حوشب (المسند ٣٦/ ٥٤٤ ح ٢٢٢١٠).\n(^٢) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحِّف إلى: \"يسار\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٦٣)، وقال الهيثمي: رواه البزار موقوفًا ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٨٠) ورجح أبو حاتم وقفه (العلل ٢/ ٢١٧) وكذا أخرجه النسائي في السنن الكبرى التفسير، باب قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (ح ١١٢٩٤) وصحح سنده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٣٩٩، ٤٠٠).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه رشدين وهو ضعيف، ويتقوى بالشواهد التي سيأتي سردها عن جمع من الصحابة ﵃.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن الحسن.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل.","vol":"5","page":104},{"text":"عيسى، فكل يقول: لست لها، حتى يأتوا إلى محمد ﷺ فيقول: \"أنا لها أنا لها\" كما سنذكر ذلك مفصلًا في هذا الموضع إن شاء الله تعالى. ومن ذلك أنه يشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار فيردون عنها، وهو أول الأنبياء يقضي بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته، وهو أول شفيع في الجنة كما ثبت في صحيح مسلم (^١).\nوفي حديث الصور: أن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته، وهو أول داخل إليها، وأمته قبل الأمم كلهم، ويشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة لا تليق إلا له، وإذا أذِن الله تعالى في الشفاعة للعصاة، شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى، ولا يشفع أحد مثله ولا يساويه في ذلك (^٢)، وقد بسطت ذلك مستقصى في آخر كتاب السيرة في باب الخصائص، ولله الحمد والمنة.\nولنذكر الآن الأحاديث الواردة في المقام المحمود وبالله المستعان.\nقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو الأحوص، عن آدم بن علي، سمعت ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاء كل أُمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد ﷺ فذلك يوم يبعثه الله مقامًا محمودًا (^٣). ورواه حمزة بن عبد الله عن أبيه، عن النبي ﷺ (^٤).\nقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا شعيب بن الليث، حدثنا الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أنه قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست بصاحب ذلك، ثم بموسى فيقول كذلك، ثم بمحمد ﷺ فيشفع بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة، فيومئذٍ يبعثه الله مقامًا محمودًا\" (^٥). وهكذا رواه البخاري في الزكاة عن يحيى بن بكير وعلقمة، عن عبد الله بن صالح، كلاهما عن الليث بن سعد به، وزاد. فيومئذٍ يبعثه الله مقامًا محمودًا، يحمده أهل الجمع كلهم (^٦).\nقال البخاري: حدثنا علي بن عياش، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: \"من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلَّت\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ (الصحيح، الإيمان، باب في قول النبي ﷺ: \"أنا أول الناس يشفع في الجنة. . .\" ح ٣٣٢).\n(^٢) تقدم تخريج الصور الطويل في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (ح ٤٧١٨).\n(^٤) صحيح البخاري، الزكاة، باب من سأل الناس تكثرًا (ح ١٤٧٥).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو في الصحيح كما يليه.\n(^٦) صحيح البخاري، الزكاة، باب من سأل الناس تكثرًا (ح ١٤٧٤).","vol":"5","page":105},{"text":"له شفاعتي يوم القيامة\" (^١). انفرد به دون مسلم.\nحديث أُبي بن كعب:\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أُبي بن كعب، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \"إذا كان يوم القيامة، كنت إمام الأنبياء وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر\" (^٢). وأخرجه الترمذي من حديث أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل به (^٣)، وقد قدمنا في حديث أُبي بن كعب في قراءة القرآن على سبعة أحرف، قال ﷺ في آخره: \"فقلت اللهم اغفر لأُمتي، اللهم اغفر لأُمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم ﵇\" (^٤).\nحديث أنس بن مالك:\nقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، حدثنا قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: \"يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون ذلك، فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول لهم آدم: لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصاب، فيستحيي ربه ﷿ من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحًا فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئة سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي ربه من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، فيأتونه فيقول: لست هناكم، لكن ائتوا موسى عبدًا كلمه الله وأعطاه التوراة، فيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس، فيستحيي ربه من ذلك ويقول: ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني - قال الحسن هذا الحرف - فأقوم فأمشي بين سماطين من المؤمنين\"، قال أنس: \"حتى أستأذن على ربي، فإذا رأيت ربي وقعت له، أو خررت ساجدًا لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني، قال: ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يُعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة، قال: ثم أعود إليه ثانية فإذا رأيت ربي وقعت له أو خررت ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة، قال: ثم أعود الثالثة فإذا رأيت\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الأذان، باب الدعاء عند النداء (ح ٦١٤).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه بالشواهد والمتابعات (المسند ٣٥/ ١٦٩ ح ٢١٢٤٥).\n(^٣) سنن الترمذي، المناقب، باب في فضل النبي ﷺ (ح ٣٦١٣)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب ذكر الشفاعة (ح ٤٣١٤) وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٨٢).\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف (ح ٨٢٠).","vol":"5","page":106},{"text":"ربي وقعت - أو خررت - ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة فأقول: \"يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن\"، فحدثنا أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: \"فيخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة\" (^١)، أخرجاه من حديث سعيد به (^٢)، وهكذا رواه الإمام أحمد عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بطوله (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حرب بن ميمون أبو الخطاب الأنصاري، عن النضر بن أنس، عن أنس قال: حدثني نبي الله ﷺ قال: \"إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط، إذ جاءني عيسى ﵇ فقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يسألون - أو قال: يجتمعون إليك - ويدعون الله أن يفرق بين جميع الأمم إلى حيث يشاء الله لغمّ ما هم فيه، فالخلق ملجمون بالعرق، فأما المؤمن فهو عليه كالزكمة، وأما الكافر فيغشاه الموت، فقال: انتظر حتى أرجع إليك، فذهب نبي الله ﷺ، فقام تحت العرش فلقي ما لم يلق ملك مصطفى ولا نبي مرسل، فأوحى الله ﷿ إلى جبريل أن اذهب إلى محمد، وقل له ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع، فشفعت في أمتي أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنسانًا واحدًا، فما زلت أتردد إلى ربي ﷿، فلا أقوم منه مقامًا إلا شفعت حتى أعطاني الله ﷿، من ذلك أن قال: يا محمد أدخل من أُمتك من خلق الله ﷿ من شهد أن لا إله إلا الله يومًا واحدًا مخلصًا ومات على ذلك\" (^٤).\nحديث بريدة ﵁:\nقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا الأسود بن عامر، أخبرنا أبو إسرائيل، عن الحارث بن حصيرة، عن ابن بريدة، عن أبيه أنه دخل على معاوية، فإذا رجل يتكلم، فقال بريدة: يا معاوية تأذن لي في الكلام؟ فقال: نعم، وهو يرى أنه يتكلم بمثل ما قال الآخر، فقال بريدة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومَدَرَة (^٥) \"، قال: \"فترجوها أنت يا معاوية ولا يرجوها علي ﵁\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١١٦) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، سورة البقرة (ح ٤٤٧٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (ح ١٩٣).\n(^٣) المسند ٣/ ٢٤٧.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: ورجاله رجال الصحيح، وفي متن هذا الحديث غرابة (المسند ٢٠/ ٢٠٩ ح ١٢٨٢٤).\n(^٥) مَدَرَة: واحدة المدر، وهو قِطع الطين اليابس.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٢٩ ح ٢٢٩٤٣) وضعف سنده محققوه لضعف إسرائيل وهو إسماعيل بن خليفة العبسي. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (ح ٢٠٩٤).","vol":"5","page":107},{"text":"حديث ابن مسعود:\nقال الإمام أحمد: حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا سعيد بن الفضل، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا علي بن الحكم البناني، عن عثمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود قال: جاء ابنا مليكة إلى النبي ﷺ فقالا: إن أُمَّنا تكرم الزوج وتعطف على الولد، قال: وذكر الضيف غير أنها كانت وأدت في الجاهلية، فقال: \"أمكما في النار\" قال: فأدبروا والسوء يرى في وجوههما، فأمر بهما فردا فرجعا والسرور يرى في وجوههما رجاء أن يكون قد حدث شيء، فقال: \"أُمي مع أُمكما\" فقال رجل من المنافقين: وما يغني هذا عن أمه شيئًا ونحن نطأ عقبيه. فقال رجل من الأنصار: - ولم أر رجلًا قط أكثر سؤالًا منه - يا رسول الله: هل وعدك ربك فيها أو فيهما؟ قال: فظن أنه من شيء قد سمعه، فقال: \"ما سألته ربي وما أطمعني فيه، وإني لأقوم المقام المحمود يوم القيامة\" فقال الأنصاري: يا رسول الله وما ذاك المقام المحمود؟ قال: ذاك إذا جيء بكم حفاة عراة غرلًا، فيكون أول من يكسى إبراهيم ﵇، فيقول: \"اكسوا خليلي فيؤتى بريطتين بيضاوين فيلبسهما، ثم يقعده مستقبل العرش، ثم أوتى بكسوتي فألبسها فأقوم عن يمينه مقامًا لا يقومه أحد، فيغبطني فيه الأولون والآخرون\" قال: ويفتح لهم من الكوثر إلى الحوض، فقال المنافق: إنه ما جرى ماء قط إلا على حال أو رضراض (^١)، فقال رسول الله ﷺ: \"حاله المسك، ورضراضه اللؤلؤ\" فقال المنافق: لم أسمع كاليوم، فإنه قلما جرى ماء على حال أو رضراض إلا كان له نبت؟ فقال الأنصاري، يا رسول الله هل له نبت؟ فقال: \"نعم قضبان الذهب\" قال المنافق لم أسمع كاليوم، فإنه قلما ينبت قضيب إلا أورق وإلا كان له ثمر، وقال الأنصاري: يا رسول الله: هل له ثمرة؟ قال: \"نعم ألوان الجوهر، وماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، من شرب منه شربة لا يظمأ بعده، ومن حرمه لم يرو بعده\" (^٢).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء، عن عبد الله قال: ثم يأذن الله ﷿ في الشفاعة فيقوم روح القدس جبريل، ثم يقوم إبراهيم خليل الله ثم يقوم عيسى أو موسى، قال أبو الزعراء: لا أدري أيهما، قال: ثم يقوم نبيكم ﷺ رابعًا فيشفع لا يشفع أحد بعده أكثر مما شفع، وهو المقام المحمود الذي قال الله ﷿: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (^٣).\nحديث كعب بن مالك ﵁:\nقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا الزبيدي، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن [كعب] (^٤) بن مالك، عن كعب بن مالك أن\n_________\n(^١) أي: الحصى الصغار (النهاية ٢/ ٢٢٩).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٩٨)، وسنده ضعيف لضعف عثمان وهو ابن عمير البجلي وأخرجه الحاكم من طريق عثمان به وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: لا والله، فعثمان ضعفه الدارقطني (المستدرك ٢/ ٣٦٤، ٣٦٥) وضعفه الهيثمي أيضًا (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٦١).\n(^٣) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ١/ ٥١ ح ٣٨٩) وسنده ضعيف جدًا لأن يحيى بن سلمة بن كهيل متروك (التقريب ص ٥٩١).\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم) والمسند.","vol":"5","page":108},{"text":"رسول الله ﷺ قال: \"يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأُمتي على تلّ، ويكسوني ربي ﷿ حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود\" (^١).\nحديث أبي الدرداء ﵁:\nقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى ما بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك\" فقال رجل: يا رسول الله كيف تعرف أمتك من بين الأُمم فيما بين نوح إلى أُمتك؟ قال: \"هم غُرٌّ محجَّلون (^٢) من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى من بين أيديهم ذريتهم\" (^٣).\nحديث أبي هريرة ﵁:\nقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا أبو حيان، حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ بلحم، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش (^٤) منها نهشة، ثم قال: \"أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغمِّ والكرب ما لا يطيقون، ولا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه مما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم ﵇، فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سمَّاك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله قط، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم، فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، فذكر كذباته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى ﵇ فيقولون: يا موسى أنت\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٢٥/ ٦٠ ح ١٥٧٨٣).\n(^٢) أي: بيض موضع الوضوء من الأيدي والوجه والأقدام.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٩٩) وفي سنده ابن لهيعة وقد تابعه الليث في رواية الحاكم إذ أخرجه من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٧٨).\n(^٤) أي: أخذ بمقدم أسنانه منها.","vol":"5","page":109},{"text":"رسول الله اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبًا، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ، فيأتون محمدًا ﷺ فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي ﷿، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: أُمتي يا رب، أُمتي أُمتي يا رب، أُمتي أُمتي يا رب أُمتي أُمتي، فيقال: يا محمد أدخل من أُمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر (^١)، أو كما بين مكة وبُصرى (^٢) (^٣)، أخرجاه في الصحيحين (^٤).\nوقال مسلم ﵀: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا هِقل بن زياد، عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني عبد الله بن فروخ، حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر يوم القيامة، وأول شافع وأول مشفع\" (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن داود بن يزيد الزعافري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ سئل عنها فقال: \"هي الشفاعة\" (^٦). رواه الإمام أحمد عن وكيع ومحمد بن عبيد، عن داود، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: \"هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه\" (^٧).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مدَّ الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه\n_________\n(^١) مدينة في البحرين.\n(^٢) مدينة في سوريا.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٣٥، ٤٣٦) وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الشيخان من طريق أبي حيان به بلفظ: حمير بدل هجر، وحمير في اليمن. وكلا المسافتين متقاربة، (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥] ح ٣٣٤٠) وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ٣٢٧).\n(^٥) صحيح مسلم، الفضائل، باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق (ح ٢٢٧٨).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه الطبري نفسه.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حسن لغيره (المسند ١٥/ ٤٥٨ ح ٩٧٣٥) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٢٣٦٩).","vol":"5","page":110},{"text":"- قال النبي ﷺ فأكون أول من يدعى، وجبريل عن يمين الرحمن ﵎ والله ما رآه قبلها، فأقول: أي ربِّ إن هذا أخبرني أنك أرسلته إليَّ، فيقول الله ﷿، صدق ثم أشفع فأقول: يا ربِّ عبادك عبدوك في أطراف الأرض، قال: فهو المقام المحمود\" (^١). وهذا حديث مرسل.\n\n<span id=\"aya-2109\"></span>﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة ثم أُمر بالهجرة، فأنزل الله ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ (^٢). وقال الترمذي: حسن صحيح (^٣).\nوقال الحسن البصري في تفسير هذه الآية: إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله ﷺ ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه، فأراد الله قتال أهل مكة، أمره أن يخرج إلى المدينة، فهو الذي قال الله ﷿: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (^٤).\nوقال قتادة: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ يعني: المدينة ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ يعني: مكة (^٥)، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٦)، وهذا القول هو أشهر الأقوال. وقال العوفي عن ابن عباس ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ يعني: الموت ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ يعني: الحياة بعد الموت (^٧)، وقيل غير ذلك من الأقوال، والأول أصح، وهو اختيار ابن جرير (^٨).\nوقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ قال الحسن البصري في تفسيرها: وعده ربه لينزعن ملك فارس وعزَّ فارس وليجعلنه له، وملك الروم وعز الروم وليجعلنه له (^٩).\nوقال قتادة فيها: إن نبي الله ﷺ علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وهو مرسل وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وأخرجه الحاكم موصولًا من طريق الزهري عن علي بن الحسين عن جابر مرفوعًا وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٧٠، ٥٧١)، وأخرجه ابن أبي حاتم (كما في الفتح ٨/ ٤٠٠) والحاكم من طريق علي بن الحسين عن رجل من أهل العلم، وقال الحافظ ابن حجر: ورجاله ثقات وهو صحيح إن كان الرجل صحابيًا (فتح الباري ٨/ ٤٠٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لضعف قابوس (المسند ٣/ ٤١٧ ح ١٩٤٨)، وصححه أحمد شاكر (المسند ح ١٩٤٨).\n(^٣) السنن، التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل (ح ٣١٣٩)، وأخرجه الحاكم من طريق قابوس به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٣) وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٦١١).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن الحسن لكنه مرسل ويتقوى بالمرسل التالي.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، لكنه مرسل ويتقوى بالمرسل السابق.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٨) ذكره الطبري.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن الحسن.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"5","page":111},{"text":"قال مجاهد: ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ حجة بينة (^١)، واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة، وهو الأرجح لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه، ولهذا يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥].\nوفي الحديث: \"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن\" (^٢) أي: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع.\n\n<span id=\"aya-2110\"></span>وقوله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الآية، تهديد ووعيد لكفار قريش، فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع، وزهق باطلهم أي اضمحل وهلك؛ فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨].\nوقال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: \"جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا. جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد\" (^٣). وكذا رواه البخاري أيضًا في غير هذا الموضع، ومسلم والترمذي والنسائي كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة (^٤) به، [وكذا رواه عبد الرزاق عن ابن أبي نجيح به] (^٥) (^٦).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا شبابة، حدثنا المغيرة، حدثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا تعبد من دون الله. فأمر بها رسول الله ﷺ فأكبت على وجوهها، وقال: \"جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) لم أجدهُ مسندًا ومعناه صحيح وقد ذكره ابن الأثير وبين معناه: أي من يكف عن ارتكاب العظائم مخافة السلطان أكثر ممن يكفه مخافة القرآن والله تعالى، يقال: وزعه يزعه وزعًا فهو وازع، إذا كفَّه ومَنَعه. (النهاية ٥/ ١٨٠).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ ح ٤٧٢٠).\n(^٤) صحيح البخاري، المظالم، باب هل تكسر الدِّنان التي فيها خمر؟ (ح ٢٤٧٨)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب إزالة الأصنام من حول الكعبة (ح ١٧٨١)، وسنن الترمذي التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل (ح ٣١٣٨)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] (ح ١١٢٩٧).\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة عن شبابة بن سوار به (المصنف ١٤/ ٤٨٧)، وحسن سنده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (ح ٤٣٦٤)، ويشهد له الحديث السابق عن ابن مسعود ﵁. وذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه إلى أبي يعلى وغيره.","vol":"5","page":112},{"text":"<span id=\"aya-2111\"></span>﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن كتابه الذي أنزل على رسول الله ﷺ وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، أنه شفاء ورحمة للمؤمنين أي يذهب ما في القلب من أمراض من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضًا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك، فلا يزيد سماعه القرآن إلا بعدًا وتكذيبًا وكفرًا، والآفة من الكافر لا من القرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [التوبة] والآيات في ذلك كثيرة.\n[قال قتادة في] (^١) قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ أي: لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين (^٢).\n\n<span id=\"aya-2112\"></span>﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾.\nيخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو إلا من عصمه الله تعالى في حالتي السراء والضراء، فإنه إذا أنعم الله عليه بمال وعافية وفتح ورزق ونصر، ونال ما يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته ونأى بجانبه.\nقال مجاهد: بعد عنا (^٣).\nقلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] وقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧] وبأنه ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ وهو المصائب، والحوادث والنوائب ﴿كَانَ يَئُوسًا﴾ أي: قنط أن يعود فيحصل له بعد ذلك خير، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ [هود].\n\n<span id=\"aya-2113\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ قال ابن عباس: على ناحيته (^٤).\nوقال مجاهد: على حدته وطبيعته (^٥).\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"تباعد مِنّا\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد.","vol":"5","page":113},{"text":"وقال قتادة: على نيته (^١).\nوقال ابن زيد: دينه (^٢)، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، وهذه الآية - والله أعلم - تهديد للمشركين ووعيد لهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾ الآية [هود]، ولهذا قال: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ أي: منا ومنكم، وسيجزي كل عامل بعمله فإنه لا يخفى عليه خافية.\n\n<span id=\"aya-2114\"></span>﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله هو: ابن مسعود ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في حرث في المدينة، وهو متوكئ على عسيب، فمرَّ بقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه. قال: فسألوه عن الروح، فقالوا: يا محمد ما الروح؟ فما زال متوكئًا على العسيب، قال: فظننت أنه يوحى إليه، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ قال: فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه (^٣). وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به (^٤).\nولفظ البخاري عند تفسيره هذه الآية عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: بينا أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث وهو متوكئ على عسيب، إذ مرَّ اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه، وقال بعضهم: لا يستقبلنكم بشيء تكرهونه. فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي ﷺ، فلم يرد عليهم شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الآية (^٥).\nوهذا السياق يقتضي فيما يظهر بادي الرأي أن هذه الآية مدنية، وأنه نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية. وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو نزل عليه الوحي بأن يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا يحيى بن زكريا، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ قالوا: أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، من أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، قال: وأنزل الله:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"على ما ينوي\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤٤٤) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، العلم، باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] (ح ١٢٥)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب سؤال اليهود النبي ﷺ عن الروح (ح ٢٧٩٤).\n(^٥) صحيح البخاري، التفسير، تفسير سورة بني إسرائيل (ح ٤٧٢١).","vol":"5","page":114},{"text":"﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ (^١) [الكهف].\nوقد روى ابن جرير عن محمد بن المثنى، عن [ابن عبد الأعلى] (^٢)، عن داود، عن عكرمة قال: سأل أهل الكتاب رسول الله ﷺ عن الروح، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية، فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلًا، وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال: فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ الآية [لقمان: ٢٧]، قال: ما أوتيتم من علم فنجاكم الله به من النار، فهو كثير طيب، وهو في علم الله قليل (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أتاه أحبار يهود وقالوا: يا محمد ألم يبلغنا عنك أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أفعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال: \"كُلًّا قد عنيت\". فقالوا: إنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء، فقال رسول الله ﷺ: \"هي في علم الله قليل وقد آتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم\"، وأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان] (^٤).\nوقد اختلف المفسرون في المراد بالروح ههنا على أقوال:\n(أحدها): أن المراد أرواح بني آدم.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية، وذلك أن اليهود قالوا للنبي ﷺ: أخبرنا عن الروح وكيف تعذب الروح التي في الجسد، وإنما الروح من الله ولم يكن نزل عليه فيه شيء، فلم يحر إليهم شيئًا، فأتاه جبريل فقال له: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فأخبرهم النبي ﷺ بذلك، فقالوا: من جاءك بهذا؟ قال: جاءني به جبريل من عند الله، فقالوا له: والله ما قاله لك إلا عدونا، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧] (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٥ ح ٢٣٠٩)، وصحح سنده محققوه. ولكن فيه داود وهو ابن أبي هند ثقة ثبت كان يهم بآخره (التقريب ص ٢٠٠) قال الآجري عن أبي داود: خولف في غير حديث وقال لا ثرم عن الإمام أحمد: كان كثير الاضطراب والاختلاف (تهذيب التهذيب ٣/ ٢٠٤)، واخشى أن يكون من أوهامه في ذكر ابن عباس لأنه قد رواه عن عكرمة مرسلًا دون ذكر ابن عباس كما يلي في رواية الطبري. قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك، وإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح (فتح الباري ٨/ ٤٠١)، وقد استبعد ابن قيم التعدد فقال: ولو كان قد تقدم السؤال والجواب بمكة لم يسكت النبي ﷺ، ولبادر إلى جوابهم بما تقدم من إعلام الله له وما أنزله عليه (الروح ص ٢٠٥).\n(^٢) كذا في تفسير الطبري، وفي النسخ الخطية والمطبوعة: عبد الأعلى.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لإبهام شيخ ابن إسحاق.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد لشطره الأول ما تقدم في الرواية السابقة في =","vol":"5","page":115},{"text":"وقيل: المراد بالروح ههنا جبريل، قاله قتادة (^١): قال: وكان ابن عباس يكتمه (^٢)، وقيل: المراد به ههنا ملك عظيم بقدر المخلوقات كلها.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ يقول: الروح ملك (^٣).\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله بن عرس المصري، حدثنا وهب بن روق أبو هبيرة (^٤)، حدثنا بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، حدثنا عطاء، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن لله ملكًا لو قيل له التقم السماوات السبع والأرضين بلقمة واحدة لفعل، تسبيحه سبحانك حيث كنت\" (^٥). وهذا حديث غريب بل منكر.\nوقال أبو جعفر بن جرير ﵀: حدثني علي، حدثني عبد الله، حدثني [أبو هزان] (^٦) يزيد بن سمرة صاحب قيسارية، عمن حدثه، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان منها سبعون ألف لغة، يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة (^٧)، وهذا أثر غريب عجيب، والله أعلم.\nوقال السهيلي: روي عن علي أنه قال: هو ملك له مائة ألف رأس، لكل رأس مائة ألف وجه، في كل وجه مائة ألف فم، في كل فم مائة ألف لسان، يسبح الله تعالى بلغات مختلفة (^٨).\nقال السهيلي: وقيل: المراد بذلك طائفة من الملائكة على صور بني آدم، وقيل: طائفة يرون الملائكة ولا تراهم، فهم للملائكة كالملائكة لبني آدم.\nوقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من شأنه ومما استأثر بعلمه دونكم، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎، والمعنى أنه علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه أمر الروح مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى، وسيأتي إن شاء الله في قصة موسى والخضر أن الخضر نظر إلى عصفور وقع على\n_________\n= الصحيح، وشطره الثاني مخالف لما في الصحيح.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة به ولكن قتادة لم يسمع من ابن عباس.\n(^٢) هو تتمة لسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) كذا في النسخ الخطية وفي المعجم الكبير ورد بلفظ: \"أبو هريرة\".\n(^٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ١٩٥ ح ١١٤٧٦)، وقال الهيثمي: تفرد به وهب بن روق. (مجمع الزوائد ١/ ٨٥)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (ح ١٩٥٤)، وكذا الحافظ ابن كثير.\n(^٦) كذا في تفسير الطبري وترجمته في التاريخ الكبير ٨/ ٢٣٧، والجرح والتعديل ٩/ ٢٦٨، وفي الأصل صُحف إلى: \"نمران\".\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن علي بن أبي طالب ﵁، وأخرجه أبو الشيخ (العظمة ح ٤٠٨)، والبيهقي (الأسماء والصفات ص ٤٦٢) كلاهما من طريق أبي هزان به. ومتنه فيه غرابة.\n(^٨) الروض الآنف ١/ ١٩٨، وهو غريب كسابقه.","vol":"5","page":116},{"text":"حافة السفينة فنقر في البحر نقرة، أي شرب منه بمنقاره، فقال: يا موسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر (^١)، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\nوقال السهيلي: قال بعض الناس لم يجبهم عما سألوا، لأنهم سألوا على وجه التعنت، وقيل: أجابهم. وعوَّل السهيلي على أن المراد بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من شرعه، أي فادخلوا فيه وقد علمتم ذلك؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة هذا من طبع ولا فلسفة، وإنما ينال من جهة الشرع، وفي هذا المسلك الذي طرقه وسلكه نظر، والله أعلم (^٢).\nثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس أو غيرها، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهي إما نفس مطمئنة أو أمارة بالسوء، كما أن الماء هو حياة الشجر ثم يكسب بسبب اختلاطه معها اسمًا خاصًا، فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إما مصطارًا أو خمرًا، ولا يقال له ماء حينئذٍ إلا على سبيل المجاز، وكذا لا يقال للنفس روح إلا على هذا النحو، وكذا لا يقال للروح نفس إلا باعتبار ما تؤول إليه.\nفحاصل ما نقول: أن الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجه لا من كل وجه (^٣).\nوهذا معنى حسن، والله أعلم.\nقلت: وقد تكلم الناس في ماهية الروح وأحكامها، وصنفوا في ذلك كتبًا، ومن أحسن من تكلم على ذلك الحافظ ابن منده في كتاب سمعناه في الروح (^٤).\n\n<span id=\"aya-2115\"></span>\n\n<span id=\"aya-2116\"></span>﴿ولَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾.\nيذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم ﷺ فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.\nقال ابن مسعود ﵁: يطرق الناس ريح حمراء، يعني في آخر الزمان من قبل الشام، فلا يبقى في مصحف رجل ولا في قلبه آية، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية (^٥).\n_________\n(^١) ستأتي هذه القصة في الصحيح في تفسير سورة الكهف آية ٦٠ - ٦٥.\n(^٢) الروض الآنف ١/ ١٩٨، ١٩٩.\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) أفاد منه ابن قيم في كتابه الروح.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق المسيب بن رفع عن ابن مسعود، وسنده منقطع لأن المسيب لم يسمع من =","vol":"5","page":117},{"text":"<span id=\"aya-2117\"></span>ثم نبَّه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما أنزل على رسوله لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا، فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له ولا مثال له ولا عديل له؟ وقد روى محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في نفر من اليهود جاؤوا رسول الله ﷺ فقالوا له: إنا نأتيك بمثل ما جئتنا به، فأنزل الله هذه الآية (^١)، وفي هذا نظر؛ لأن هذه السورة مكية وسياقها كله مع قريش، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينة، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2118\"></span>وقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ﴾ الآية، أي بينا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم الحق وشرحناه وبسطناه، ومع هذا ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾؛ أي: جحودًا للحق وردًا للصواب.\n\n<span id=\"aya-2119\"></span>\n\n<span id=\"aya-2120\"></span>﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾.\nقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من أهل مصر قدم منذ بضع وأربعين (^٢) سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب ورجلًا من بني عبد الدار (^٣)، وأبا البختري أخا بني أسد (^٤)، والأسود بن المطلب بن أسد وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أُمية، وأُمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيهًا ومُنبهًا ابني الحجاج السهميين، اجتمعوا أو من اجتمع منهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه (^٥)، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعًا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء (^٦)، وكان عليهم حريصًا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم (^٧) حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك\n_________\n= ابن مسعود ﵁. وقد توبع فأخرجه الحاكم من طريق شداد بن معقل عن عبد الله بن مسعود بنحوه (المستدرك ٤/ ٥٠٤) وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير شداد بن معقل وهو ثقة. (مجمع الزوائد ٧/ ٥٤)، وأخرجه الدارمي بسند صحيح من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود بنحوه (السنن ح ٢٣٤٦).\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن فصلتُ حكمه في مقدمة التفسير الصحيح. وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٥٧٠).\n(^٢) وقد صرح الحافظ ابن كثير أنه محمد بن أبي محمد المذكور في الرواية السابقة.\n(^٣) هو النضر بن الحارث بن كلدة، صرح بذلك ابن هشام في السيرة.\n(^٤) هو العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، (الكامل في التاريخ ٢/ ٥٠).\n(^٥) أي: حتى تقدموا العذر فيه فلا تلامون على النتائج بعد لقائكم هذا.\n(^٦) أي: ظهر لهم ما لم يكن ظهر أولًا.\n(^٧) العنت: ما يشق على الإنسان فعله.","vol":"5","page":118},{"text":"لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعِبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرَّقت الجماعة، فما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيًا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمعون التابع من الجن الرئي - فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.\nفقال رسول الله ﷺ: \"ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا وأنزل علي كتابًا وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم\" أو كما قال رسول الله ﷺ تسليمًا.\nفقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادًا ولا أقل مالًا، ولا أشد عيشًا منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا وليفجر فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولًا كما تقول.\nفقال لهم رسول الله ﷺ: \"ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم\" قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث ملكًا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جنات وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولًا كما تزعم.\nفقال لهم ﷺ: \"ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم\" قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل.\nفقال لهم رسول الله ﷺ: \"ذلك إلى الله، إن شاء فعل بكم ذلك\" فقالوا: يا محمد أما علم ربك أنَّا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب، فيقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له: الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا، وقال قائلهم: نحن نعبد","vol":"5","page":119},{"text":"الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلًا.\nفلما قالوا ذلك، قام رسول الله ﷺ عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أُمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطلب، فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من عذاب، فوالله لا أؤمن بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سُلَّمًا، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بصحيفة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله ﷺ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينًا أسفًا لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه (^١).\nوهكذا رواه زياد بن عبد الله البكائي عن ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس فذكر مثله سواء (^٢).\nوهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له، لو علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادًا لأُجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطالبون ذلك كفرًا وعنادًا له، فقيل لرسول الله ﷺ: إن شئت أعطيناهم ما سألوا، فإن كفروا عذبتهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة؟ فقال: \"بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة\"، كما تقدم ذلك في حديثي ابن عباس والزبير بن العوام أيضًا عند قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾ [الفرقان].\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الينبوع: العين الجارية، سألوه أن يجري لهم عينًا معينًا (^٣) في أرض الحجاز ههنا وههنا، وذلك سهل على الله تعالى يسير لو شاء لفعله ولأجابهم على جميع ما سألوه وطلبوا ولكن علم أنهم لا يهتدون كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-2121\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ أي: أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٣٠٦ - ٣٠٩)، ولبعضه شواهد صحيحة تقدمت في الآية ٥٩ من هذه السورة، وشواهد ذكرها الحافظ ابن كثير بعد هذه الرواية.\n(^٢) في سنده إبهام شيخ ابن إسحاق.\n(^٣) أي: جمارية.","vol":"5","page":120},{"text":"وتهوي وتدلي أطرافها، فاجعل ذلك في الدنيا وأسقطها كسفًا، [أي قطعًا كقوله: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢]، وكذلك سأل قوم شعيب منه فقالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا] (^١) كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] فعاقبهم الله بعذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم، وأما نبي الرحمة ونبي التوبة المبعوث رحمة للعالمين فسأل إنظارهم وتأجيلهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا، وكذلك وقع فإن من هؤلاء الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه حتى عبد الله بن أبي أُمية الذي تبع النبي ﷺ وقال له ما قال، أسلم إسلامًا تامًا وأناب إلى الله ﷿.\n\n<span id=\"aya-2122\"></span>﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هو الذهب (^٢)، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود: أو يكون لك بيت من ذهب (^٣) ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ أي: تصعد في سلم ونحن ننظر إليك ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾.\nقال مجاهد: أي مكتوب فيه إلى كل واحد واحد صحيفة هذا كتاب من الله لفلان تصبح موضوعة عند رأسه (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ أي: ﷾ وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، بل هو الفعال لما يشاء إن شاء أجابكم إلى ما سألتم، وإن شاء لم يجبكم، وما أنا إلا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وقد فعلت ذلك، وأمركم فيما سألتم إلى الله ﷿.\nقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن النبي ﷺ قال: \"عرض علي ربي ﷿ ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا - أو نحو ذلك - فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك\" (^٥). ورواه الترمذي في الزهد عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك به، وقال: هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث (^٦).\n\n<span id=\"aya-2123\"></span>﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أي: أكثرهم ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ ويتابعوا الرسول إلا استعجابهم من بعثة البشر رسلًا، كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه ويتقوى بالأثرين التاليين، إذ أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق مجاهد عن ابن مسعود، ومجاهد لم يسمع من ابن مسعود والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وهو لم يسمع من مجاهد.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده ضعيف جدًا. لضعف عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد.\n(^٦) سنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه (ح ٢٣٤٧).","vol":"5","page":121},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾ [التغابن]. وقال فرعون وملؤه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] وكذلك قالت الأمم لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠] والآيات في هذا كثيرة.\n\n<span id=\"aya-2124\"></span>ثم قال تعالى منبهًا على لطفه ورحمته بعباده أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم ليفقهوا منه لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر رسولًا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ولا الأخذ عنه كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة] ولهذا قال ههنا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ أي: كما أنتم فيها ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ أي: من جنسهم. ولما كنتم أنتم بشرًا بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفًا ورحمة.\n\n<span id=\"aya-2125\"></span>﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾.\nيقول تعالى مرشدًا نبيه ﷺ إلى الحجة على قومه في صدق ما جاءهم به: إنه شاهد علي وعليكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذبًا عليه لانتقم مني أشد الانتقام، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة].\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: عليمًا بهم بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية ممن يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة، ولهذا قال:\n\n<span id=\"aya-2126\"></span>﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن تصرفه في خلقه ونفوذ حكمه وأنه لا معقب له بأنه من يهده فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه؛ أي: يهدونهم، كما قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].\nوقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل، عن نُفيع قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: \"الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم\" (^١)، وأخرجاه في الصحيحين (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف جدًا، نفيع وهو أبو داود الأعمى متروك الحديث (المسند ٢٠/ ١٣١ ح ١٢٧٠٨).\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾ [الفرقان] (ح ٤٧٦٠)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب يحشر الكافر على وجهه (ح ٢٨٠٦).","vol":"5","page":122},{"text":"وقال الإمام أحمد أيضًا: [حدثنا يزيد] (^١)، حدثنا الوليد بن جميع القرشي عن أبيه، حدثنا أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد قال: قام أبو ذرّ فقال: يا بني غفار، قولوا ولا تحلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار، فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: \"يلقي الله ﷿ الآفة (^٢) على الظهر حتى لا يبقى ظهر، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة المعجبة فيعطيها بالشارف ذات القتب (^٣) فلا يقدر عليها\" (^٤).\nوقوله: ﴿عُمْيًا﴾ أي: لا يبصرون، ﴿وَبُكْمًا﴾ يعني: لا ينطقون، ﴿وَصُمًّا﴾ لا يسمعون، وهذا لا يكون في حال دون حال جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكمًا وعميًا وصمًا عن الحق، فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ أي: منقلبهم ومصيرهم ﴿جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾.\nقال ابن عباس: سكنت (^٥).\nوقال مجاهد: طفئت (^٦).\n﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ أي: لهبًا ووهجًا وجمرًا، كما قال: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ [النبأ].\n\n<span id=\"aya-2127\"></span>\n\n<span id=\"aya-2128\"></span>﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾.\nيقول تعالى: هذا الذي جازيناهم به من البعث على العمي والبكم والصمم جزاؤهم الذي يستحقونه؛ لأنهم كذبوا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ أي: بأدلتنا وحجتنا، واستبعدوا وقوع البعث ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ أي: بالية نخرة ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أي: بعد ما صرنا إليه من البلى والهلاك والتفرق والذهاب في الأرض نعاد مرة ثانية؟ فاحتج تعالى عليهم ونبههم على قدرته على ذلك بأنه خلق السماوات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك، كما قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف] وقال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ\n_________\n(^١) زيادة من المسند كما في التخريج.\n(^٢) أي: آفة الموت.\n(^٣) الشارف: الناقة المُسنة، والقتب للبعير شبه الرحل.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: إسناده قوي (المسند ٣٥/ ٣٦٠، ٣٦١ ح ٢١٤٥٦). قال الحافظ ابن حجر: أي يشتري الناقة المسنة لأجل كونها تحمله على القتب بالبستان الكريم لهوان العقار الذي عزم على الرحيل عنه، وعزّه الظهر الذي يوصله إلى مقصوده. (فتح الباري ١١/ ٣٨١).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"5","page":123},{"text":"شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس]. وقال ههنا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى كما بدأهم.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلًا مضروبًا ومدة مقدرة لا بدّ من انقضائها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ [هود].\nوقوله: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ﴾ أي: بعد قيام الحجة عليهم ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾ إلا تماديًا في باطلهم وضلالهم.\n\n<span id=\"aya-2129\"></span>﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾.\nيقول تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه: قل لهم يا محمد لو أنكم أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله لأمسكتم خشية الإنفاق، قال ابن عباس وقتادة: أي الفقر (^١)، خشية أن تذهبوها مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدًا؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ قال ابن عباس وقتادة: أي بخيلًا منوعًا (^٢)، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ [النساء] أي: لو أن لهم نصيبًا في ملك الله لما أعطوا أحدًا شيئًا ولا مقدار نقير، والله تعالى يصف الإنسان من حيث هو إلا من وفقه الله وهداه، فإن البخل والجزع والهلع صفة له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج] ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه، وقد جاء في الصحيحين: \"يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-2130\"></span>\n\n<span id=\"aya-2131\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾.\nيخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون، وهي: العصا واليد والسنين والبحر والطوفان والجراد\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عنه، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس، ومعناه صحيح، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: \"خشية الفاقة\".\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"بخيلًا\"، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر بلفظ: \"خشية الفاقة\".\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ صحيح البخاري، التفسير، باب (وكان عرشه على الماء ح ٤٦٨٤، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الحث على النفقة … ح ٩٣٣).","vol":"5","page":124},{"text":"والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، قاله ابن عباس (^١).\nوقال محمد بن كعب: هي اليد والعصا، والخمس في الأعراف والطمسة (^٢) والحجر (^٣).\nوقال ابن عباس أيضًا ومجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة: هي يده وعصاه والسنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم (^٤).\nوهذا القول ظاهر جلي حسن قوي، وجعل الحسن البصري السنين ونقص الثمرات واحدة، وعنده أن التاسعة هي تلقف العصا ما يأفكون (^٥) ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] أي: ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها، كفروا بها ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وما نجعت فيهم: فكذلك لو أجبنا هؤلاء الذين سألوا منك ما سألوا، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء الله، كما قال فرعون لموسى وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ قيل: بمعنى ساحر، والله تعالى أعلم.\nفهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المراد ههنا، وهي المعنية في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢)﴾ [النمل] فذكر هاتين الآيتين العصا واليد وبيَّن الآيات الباقيات في سورة الأعراف وفصلها.\nوقد أوتي موسى ﵇ آيات أخر كثيرة، منها ضربُه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك مما أوتيه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر ههنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، فكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرًا وجحودًا.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فقال: لا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.\n(^٢) الطمسة هي دعاء موسى وتأمين هارون، كما في الرواية نفسها في الطبري.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه عنعنة ابن إسحاق، وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه عبد الرزاق والطبري كلاهما من طريق قتادة عن ابن عباس وقتادة لم يسمع من ابن عباس ويتقوى بما يليه. وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف، وقول عكرمة أخرجه أحمد بن منيع في مسنده بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه (المطالب العالية رقم ٤٠٣٣) وقول الشعبي أخرجه مسدد في مسنده (المطالب العالية رقم ٤٠٣٢)، والطبري كلاهما بسند صحيح من طريق مغيرة عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عن الحسن.","vol":"5","page":125},{"text":"تقل له نبي، فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين، فسألاه، فقال النبي ﷺ: \"لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة - أو قال لا تفروا من الزحف شعبة الشاك - وأنتم يا يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت\" فقبلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي. قال: \"فما يمنعكما أن تتبعاني؟ \" قالا: لأن داود ﵇ دعا أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود (^١).\nفهذا الحديث رواه هكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير في تفسيره من طرق عن شعبة بن الحجاج به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٢). وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم، ولهذا قال موسى لفرعون ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ أي: حججًا وأدلة على صدق ما جئتك به ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أي: هالكًا، قاله مجاهد وقتادة (^٣)، وقال ابن عباس: ملعونًا (^٤)، وقال أيضًا هو والضحاك ﴿مَثْبُورًا﴾ أي: مغلوبًا (^٥)، والهالك كما قال مجاهد يشمل هذا كله، قال الشاعر عبد الله بن الزبعري:\nإذ [أُجاري] (^٦) الشيطان في سنن الغـ … ــيِّ ومَن مال ميله مثبور (^٧)\nوقرأ بعضهم برفع التاء من قوله: علمتُ (^٨)، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن قراءة الجمهور بفتح التاء على الخطاب لفرعون، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل].\nفهذا كله مما يدل على أن المراد بالتسع الآيات إنما هي ما تقدم ذكره من العصا واليد والسنين ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، التي فيها حجج وبراهين\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٠/ ١٢، ١٣ ح ١٨٠٩٢) وقال محققوه: إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن سَلِمَةَ المرادي. اهـ. وأيضًا فإن رواية عمرو بن مرة عنه بعدما كبر وتغير حفظه.\n(^٢) سنن الترمذي، الاستئذان، باب ما جاء في قبلة اليد والرجل (ح ٢٧٣٣)، وسنن النسائي، تحريم الدم، باب السحر ٧/ ١١١، وسنن ابن ماجه، الأدب، باب الرجل يقبل يد الرجل (ح ٣٧٠٥)، وتفسير الطبري، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: \"أجارمى\".\n(^٧) استشهد به الطبري وابن هشام ٢/ ٤١٩.\n(^٨) وهي قراءة متواترة.","vol":"5","page":126},{"text":"على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل المختار الذي أرسله، وليس المراد منها كما ورد في الحديث، فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه؛ وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟ وما جاءهم هذا الوهم إلا من قبل عبد الله بن سلمة؛ فإن له بعض ما ينكر، والله أعلم. ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات فحصل وهم في ذلك، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2132\"></span>\n\n<span id=\"aya-2133\"></span>وقوله: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: يخليهم منها ويزيلهم عنها، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ وفي هذا بشارة لمحمد ﷺ بفتح مكة مع أن السورة مكية نزلت قبل الهجرة، وكذلك فإن أهل مكة همُّوا بإخراج الرسول منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾ [الإسراء]، ولهذا أورث الله رسوله مكة فدخلها عنوة على أشهر القولين، وقهر أهلها ثم أطلقهم حلمًا وكرمًا، كما أورث الله القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم، كما قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء] وقال ههنا: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ أي: جميعكم أنتم وعدوكم.\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: لفيفًا أي: جميعًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2134\"></span>﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز وهو القرآن المجيد أنه بالحق نزل، أي: متضمنًا للحق، كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] أي: متضمنًا علم الله الذي أراد أن يطلعكم عليه من أحكامه وأمره ونهيه. وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ أي: وصل إليك يا محمد محفوظًا محروسًا لم يشب بغيره ولا زيد فيه ولا نقص منه، بل وصل إليك بالحق، فإنه نزل به شديد القوى الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى.\nوقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ أي: يا محمد ﴿إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ مبشرًا لمن أطاعك من المؤمنين ونذيرًا لمن عصاك من الكافرين.\n\n<span id=\"aya-2135\"></span>وقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ أما قراءة من قرأ بالتخفيف فمعناه: فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفرقًا منجمًا على الوقائع إلى رسول الله ﷺ في ثلاث وعشرين سنة، قاله عكرمة عن ابن عباس (^٢).\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه ومعناه صحيح ويتقوى بالآثار التالية: فقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٢) أخرجه الطبري والنسائي (السنن الكبرى، التفسير، باب سورة الفرقان ح ١١٣٧٢)، والحاكم (المستدرك =","vol":"5","page":127},{"text":"وعن ابن عباس أيضًا أنه قرأ: فرقناه بالشديد (^١)، أي: أنزلناه آية آية مبينًا ومفسرًا، ولهذا قال: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: لتبلغه الناس وتتلوه عليهم، أي: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ أي: مهل ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ أي: شيئًا بعد شيء.\n\n<span id=\"aya-2136\"></span>\n\n<span id=\"aya-2137\"></span>﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾.\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الكافرين بما جئتهم به من هذا القرآن العظيم ﴿آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ أي: سواء آمنتم به أم لا، فهو حق في نفسه أنزله الله ونوه بذكره في سالف الأزمان في كتبه المنزلة على رسله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من صالحي أهل الكتاب الذين تمسكوا بكتابهم ويقيمونه ولم يبدلوه ولا حرفوه ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ هذا القرآن ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ جمع ذقن وهو أسفل الوجه ﴿سُجَّدًا﴾ أي: لله ﷿ شكرًا على ما أنعم به عليهم من جعله إياهم أهلًا أن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب، ولهذا يقولون: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ أي: تعظيمًا وتوقيرًا على قدرته التامة وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء المتقدمين عن بعثة محمد ﷺ ولهذا قالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2138\"></span>وقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ أي: خضوعًا لله ﷿ وإيمانًا وتصديقًا بكتابه ورسوله ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ أي: إيمانًا وتسليمًا، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد]. وقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ﴾ عطف صفة على صفة لا عطف السجود على السجود، كما قال الشاعر:\nإلى الملك القَرْم وابن الهُمام … وليث الكتيبة في المزدحم\n\n<span id=\"aya-2139\"></span>﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾.\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة لله ﷿، المانعين من تسميته بالرحمن ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أي: لا فرق بين دعائكم له باسم الله أو باسم الرحمن، فإنه ذو الأسماء الحسنى، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ إلى أن قال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].\n_________\n= ٢/ ٣٦٨)، والبيهقي (دلائل النبوة ٧/ ١٣١)، كلهم من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، ووافقهما الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٩/ ٤).\nوأصله في صحيح البخاري من طريق هشام عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه (الصحيح، مناقب الأنصار، باب مبعث النبي ﷺ ح ٣٨٥١).\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف. والقراءة شاذة تفسيرية.","vol":"5","page":128},{"text":"وقد روى مكحول أن رجلًا من المشركين سمع النبي ﷺ وهو يقول في سجوده: \"يا رحمن يا رحيم\" فقال: إنه يزعم أنه يدعو واحدًا وهو يدعو اثنين، فأنزل الله هذه الآية (^١)، وكذا روي عن ابن عباس (^٢)، رواهما ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ الآية قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ متوارٍ بمكة، ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبُّوا القرآن وسبُّوا من أنزله ومن جاء به، قال: فقال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: بقراءتك فيسمع المشركون فيسبون القرآن ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (^٣). أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس به (^٤)، وكذا رواه الضحاك عن ابن عباس، وزاد: فلما هاجر إلى المدينة سقط ذلك يفعل أي ذلك شاء (^٥).\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه وأبَوا أن يسمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله ﷺ بعض ما يتلو وهو يصلي استرق السمع دونهم فرقًا منهم، فإذا رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يسمع، فإن خفض صوته ﷺ لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئًا، فأنزل الله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيتفرقوا عنك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا يسمع من أراد أن يسمع ممن يسترق ذلك منهم فلعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (^٦). وهكذا قال عكرمة والحسن البصري وقتادة: نزلت هذه الآية في القراءة في الصلاة (^٧).\nوقال شعبة، عن [الأشعث بن سليم] (^٨) عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود لم يخافت بها من أسمع أذنيه (^٩).\nقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سلمى بن علقمة، عن محمد بن سيرين\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الأوزاعي عن مكحول وسنده مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن واقد عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، وسنده ضعيف جدًا لأن عبد الله بن واقد متروك (التقريب ص ٣٢٨).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٣) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] (ح ٤٧٢٢)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية (ح ٤٤٦).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند فيه بشر بن عمارة وهو ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وداود بن الحصين ثقة إلا في عكرمة كما في التقريب.\n(^٧) قول عكرمة تقدم في الرواية السابقة، وقول الحسن البصري أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٨) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"أبي سليم\".\n(^٩) أخرجه الطبري عن شيخه مطر بن محمد ولم يتبين لي من هو لأنه ورد ثلاثة شيوخ بهذا الاسم.","vol":"5","page":129},{"text":"قال: نُبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي ﷿ وقد علم حاجتي، فقيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، قيل: أحسنت، فلما نزلت ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ قيل لأبي بكر: ارفع شيئًا، وقيل لعمر: اخفض شيئًا (^١).\nوقال أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس: نزلت في الدعاء (^٢)، وهكذا روى الثوري ومالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها نزلت في الدعاء (^٣)، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو عياض ومكحول وعروة بن الزبير (^٤).\nوقال الثوري، عن ابن عياش العامري، عن عبد الله بن شداد قال: كان أعرابي من بني تميم إذا سلم النبي ﷺ قال: \"اللهم ارزقنا إبلًا وولدًا\" قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (^٥).\n(قول آخر): قال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: نزلت هذه الآية في التشهد ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (^٦)، وبه قال حفص عن أشعث بن سوار، عن محمد بن سيرين مثله (^٧).\n(قول آخر): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال: لا تصلِّ مراءاة للناس ولا تدعها مخافة الناس (^٨).\nوقال الثوري، عن منصور، عن الحسن البصري ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال: لا تحسن علانيتها وتسيء سريرتها (^٩)، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، عن الحسن به (^١٠)،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف لأن ابن سيرين لم يسمع من أبي بكر ﵁، وقد رواه بصيغه: \"نُبئت\".\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي شيبة (المصنف ٢/ ٤٤١)، وأحمد بن منيع في مسنده (المطالب العالية ٨/ ٦٠٦) كلهم من طريق أشعث بن سوار به وفي سنده أشعث بن سوار وهو ضعيف كما في التقريب، ويتقوى برواية عائشة ﵂ التالية.\n(^٣) سنده صحيح وأخرجه الشيخان من طريق هشام بن عروة به صحيح البخاري، التفسير، باب (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ح ٤٧٢٣، وصحيح مسلم، الصلاة، باب التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية ح ٤٤٧).\n(^٤) هذه الآثار مراسيل أخرجها الطبري بأسانيد صحاح ويقوي بعضها بعضًا وتتقوى بالرواية السابقة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبه (المصنف ٢/ ٤٤١)، والطبري كلاهما من طريق الثوري به، وسنده مرسل لأن عبد الله بن شداد تابعي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلا أن حفص بن غياث تغير في آخره كما في التقريب، وأخرجه ابن خزيمة من طريق حفص بن غياث به (الصحيح ١/ ٣٥٠ ح ٧٠٧) وكذا أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٣٠). وقد خالف حفص الثوري ورواية الصحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق حفص بن غياث به وسنده ضعيف لضعف أشعث وإرسال ابن سيرين.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٩) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وسنده صحيح.\n(^١٠) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"5","page":130},{"text":"وهشيم، عن عوف عنه به (^١)، وسعيد عن قتادة عنه كذلك (^٢).\nقول آخر: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ قال: أهل الكتاب يخافتون ثم يجهر أحدهم بالحرف، فيصيح به ويصيحون هم به وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيح هؤلاء، وأن يخافت كما يخافت القوم، ثم كان السبيل الذي بين ذلك الذي سنَّ له جبريل من الصلاة (^٣).\n\n<span id=\"aya-2140\"></span>وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ لمَّا أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى نزَّه نفسه عن النقائض فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: ليس بذليل فيحتاج إلى أن يكون له وليّ أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له، ومدبرها ومقدرها وحده لا شريك له.\nقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ لم يخالف أحدًا ولا يبتغي نصر أحد (^٤). ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي: عظمه وأجلّه عما يقول الظالمون المعتدون علوًا كبيرًا.\nقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية، قال: إن اليهود والنصارى يقولون: اتخذ الله ولدًا، وقالت العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، وقال الصابئون (^٥) والمجوس (^٦): لولا أولياء الله لذل، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ (^٧).\nوقال أيضًا: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة ذُكر لنا أن النبي ﷺ كان يعلم أهله هذه الآية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ الصغير من أهله والكبير (^٨).\nقلت: وقد جاء في حديث أن رسول الله ﷺ سمّى هذه الآية آية العزّ (^٩)، وفي بعض الآثار أنها ما قرئت في بيت في ليلة فيصيبه سرق أو آفة، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن مع تقديم وتأخير، لكنه معضل لأن عبد الرحمن تابع تابعي.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) الصابئة: صبأ الرجل إذا مال وزاغ، فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق قيل لهم الصابئة (الملل والنحل ٢/ ٥).\n(^٦) المجوس: هم الذين يقولون بالأصلين: وهما النور والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة (الملل والنحل ١/ ٢٣٠).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجالة ثقات لكنه مرسل.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسند ضعيف عن معاذ بن أنس الجهني ﵁ (المسند ٣/ ٤٣٩) في سنده ابن لهيعة وزبان بن فائد.","vol":"5","page":131},{"text":"وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا بشر بن سيحان البصري، حدثنا حرب بن ميمون، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة قال: خرجت أنا ورسول الله ﷺ ويده في يدي، أو يدي في يده، فأتى على رجل رث الهيئة فقال: \"أي فلان ما بلغ بك ما أرى؟ \" قال: السقم والضر يا رسول الله، قال: \"ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر؟ \" قال: لا، قال: ما يسرني بها أن شهدت معك بدرًا أو أُحدًا، قال: فضحك رسول الله ﷺ وقال: \"وهل يدرك أهل بدر وأهل أُحد ما يدرك الفقير القانع؟ \" قال: فقال أبو هريرة: يا رسول الله إياي فعلمي، قال: \"فقل يا أبا هريرة توكلت على الحي الذي لا يموت، الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرًا\" قال: فأتى علي رسول الله وقد حسنت حالي قال: فقال لي: \"مهيم\" قال: قلت: يا رسول الله لم أزل أقول الكلمات التي علمتني\" (^١)، إسناده ضعيف، وفي متنه نكارة، والله أعلم.\nآخر تفسير سورة سبحان.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة الربذي (المسند ١٢/ ٢٣ ح ٦٦٧١).","vol":"5","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-129>سُورَةُ الكَهْفِ</span>\nوهي مكية\n\n<span data-type='title' id=toc-130>ذكر ما ورد في فضلها والعشر الآيات من أولها وآخرها وأنها عصمة من الدجال:</span>\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: قرأ رجل الكهف وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: \"اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزل عند القرآن أو تنزلت للقرآن\" (^١). أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به (^٢)، وهذا الرجل الذي كان يتلوها هو أُسيد بن الحضير كما تقدم في تفسير سورة البقرة (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا هَمَّام بن يحيى، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: \"من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال\" (^٤). رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث قتادة به، ولفظ الترمذي: \"من حفظ ثلاث آيات من أول الكهف\" وقال: حسن صحيح (^٥).\n(طريق أخرى):\nقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معدان، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: \"من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال\" (^٦) ورواه مسلم أيضًا والنسائي من حديث قتادة به. وفي لفظ النسائي: \"من قرأ\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٨١) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (ح ٣٦١٤)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب نزول السكينة لقراءة القرآن (ح ٧٩٥).\n(^٣) تقدم في فضائل سورة البقرة.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد عن عبد الصمد وعفان كلاهما عن همام به، وصحح سنده محققوه (المسند ٤٥/ ٥٢٧) (ح ٢٧٥٤٢).\n(^٥) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي (ح ٨٠٩)، وسنن أبي داود، الملاحم، باب خروج الدجال (ح ٤٣٢٣)، والسنن الكبرى للنسائي، كتاب فضائل القرآن (ح ٨٠٢٥)، وسنن الترمذي، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة الكهف (ح ٢٨٨٦).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه ثم ذكروا فائدة مهمة في قولهم: لكن شذّ فيه شعبة فقال: \"من أواخر سورة الكهف\" فخالف همّام بن يحيى في الرواية السالفة برقم (٢١٧١٢)، وسعيد بن أبي عروبة في الرواية الآتية برقم (٢٧٥٤٠)، وشيبان النحوي في الرواية (٢٧٥٤١)، وهشام الدستوائي عند مسلم (٨٠٩) قالوا جميعًا: من أول سورة الكهف (المسند ٤٥/ ٥٠٨، ٥٠٩ ح ٢٧٥١٦).","vol":"5","page":133},{"text":"عشر آيات من الكهف\" فذكره (^١).\nحديث آخر: وقد رواه النسائي في \"اليوم والليلة\" عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف، فإنه عصمة له من الدجال\" (^٢) فيحتمل أن سالمًا سمعه من ثوبان ومن أبي الدرداء. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فايد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من قرأ أول سورة الكهف وآخرها، كانت له نورًا من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورًا ما بين السماء والأرض\" (^٣). انفرد به أحمد ولم يخرجوه.\nوروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسناد له غريب عن خالد بن سعيد [بن] (^٤) أبي مريم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين\" (^٥) وهذا الحديث في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف.\nوهكذا روى الإمام سعيد بن منصور في سننه عن هشيم بن بشير، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: من قرأ سوة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق. هكذا وقع موقوفًا (^٦)، وكذا رواه الثوري، عن أبي هاشم به من حديث أبي سعيد الخدري وقد أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي بكر محمد بن المؤمل، حدثنا الفضيل بن محمد الشعراني، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا هشيم، حدثنا أبو هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنه قال: \"من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين\" ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٧). وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في سننه عن الحاكم، ثم قال البيهقي: ورواه يحيى بن كثير، عن شعبة، عن أبي هاشم بإسناده أن النبي ﷺ قال: \"من قرأ سورة الكهف كما نزلت، كانت له نورًا يوم القيامة\" (^٨). وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي من حديث عبد الله بن مصعب، عن منظور بن زيد بن خالد الجهني، عن علي بن الحسين، عن\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الحديث السابق والسنن الكبرى للنسائي، كتاب عمل اليوم والليلة (ح ١٠٧٨٦).\n(^٢) المصدر السابق (ح ١٠٧٨٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ٢٤/ ٣٩٠ ح ١٥٦٢٦).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحِّف إلى: \"عن\".\n(^٥) ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة محمد بن خالد الختلي مسندًا ونقل عن ابن الجوزي أنه كذبوه، وعن ابن منده: صاحب مناكير (لسان الميزان ٥/ ١٥١) ولهذا وصفه الحافظ ابن كثير بالغرابة، والراجح وقفه كما قرر الشيخ الألباني وأن له حكم الرفع (إرواء الغليل ٣/ ٩٤)، وقال المنذري: رواه ابن مردويه بإسناد لا بأس به (الترغيب ١/ ٥١٣)، والصحيح وقفه.\n(^٦) سنده صحيح وهذا الموقوف هو الراجح، وقد رجح ذلك البيهقي (الجامع لشعب الايمان ح ٢٤٤٦).\n(^٧) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: نعيم ذو مناكير (المستدرك ٢/ ٣٦٨).\n(^٨) السنن الكبرى ٣/ ٢٤٩.","vol":"5","page":134},{"text":"أبيه، عن علي مرفوعًا: \"من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدجال عصم منه\" (^١).\n\n<span id=\"aya-2141\"></span>\n\n<span id=\"aya-2142\"></span>\n\n<span id=\"aya-2143\"></span>﷽\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾.\nقد تقدم في أول التفسير أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور حيث جعله كتابًا مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم واضحًا بينًا جليًا نذيرًا للكافرين، بشيرًا للمؤمنين، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أي: لم يجعل فيه اعوجاجًا ولا ميلًا، بل جعله معتدلًا مستقيمًا ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾ أي: مستقيمًا ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: لمن خالفه وكذبه ولم يؤمن به ينذره ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الأخرى ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بهذا القرآن الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ أي: مثوبة عند الله جميلة ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ﴾ في ثوابهم عند الله، وهو الجنة خالدين فيه ﴿أَبَدًا﴾ دائمًا لا زوال له ولا انقضاء.\n\n<span id=\"aya-2144\"></span>وقوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب في قولهم نحن نعبد الملائكة وهم بنات الله (^٢).\n\n<span id=\"aya-2145\"></span>﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بهذا لقول الذي افتروه وائتفكوه من علم ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ أي: لأسلافهم.\n﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ نصب على التمييز تقديره: كبرت كلمتهم هذه كلمةً. وقيل: على التعجب تقديره: أعظم بكلمتهم كلمة، كما تقول: أكرم بزيد رجلًا، قاله بعض البصريين، وقرأ ذلك بعض قراء مكة: (كبرت كلمةٌ) (^٣) كما يقال: عظم قولك وكبر شأنك، والمعنى على قراءة الجمهور أظهر، فإن هذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإفكهم، ولهذا قال: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ وقد ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة الكريمة، فقال: حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثت\n_________\n(^١) أخرجه الضياء المقدسي بسنده ومتنه (المختارة ٢/ ٤٢٩)، وفي سنده عبد الله بن مصعب فهو الجهني تُكلم فيه (لسان الميزان ٣/ ٣٦٢).\n(^٢) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٣٠٢).\n(^٣) وهي قراءة شاذة.","vol":"5","page":135},{"text":"قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي مُعيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة فسألوا أحبار اليهود عن رسول الله ﷺ، ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال: فقالوا لهم سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإنهم قد كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طوَّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها (^١) ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبروهم بها، فجاؤوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"أخبركم غدًا عما سألتم عنه\" ولم يستثن فانصرفوا عنه ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحيًا، ولا يأتيه جبريل ﵇ حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدًا، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها، لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل ﵇ من الله ﷿ بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطَّواف، وقول الله ﷿ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء] (^٢).\n\n<span id=\"aya-2146\"></span>﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾.\nيقول تعالى مسليًا لرسوله صلوات الله وسلامه عليه في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨] وقال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨] وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء] باخع؛ أي: مهلك نفسك بحزنك عليهم، ولهذا قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن ﴿أَسَفًا﴾ يقول: لا تهلك نفسك أسفًا.\nقال قتادة: قاتل نفسك غضبًا وحزنًا عليهم (^٣).\nوقال مجاهد: جزعًا (^٤)، والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم؛ بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضلَّ فإنما يضلُّ عليها، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات.\n_________\n(^١) الرجل هو ذو القرنين.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وذكره ابن هشام (السيرة ١/ ٣٠٢) وسنده ضعيف لإبهام شيخ ابن إسحاق.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"5","page":136},{"text":"<span id=\"aya-2147\"></span>ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا دارًا فانية مزينة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾.\nقال قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء\" (^١).\n\n<span id=\"aya-2148\"></span>ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها وفراغها وانقضائها وذهابها وخرابها، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ أي: وإنا لمصيروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكًا صعيدًا جرزًا لا ينبت ولا ينتفع به.\nكما قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ يقول: يهلك كل شيء عليها ويبيد (^٢).\nوقال مجاهد: صعيدًا جرزًا بلقعًا (^٣).\nوقال قتادة: الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات (^٤).\nوقال ابن زيد: الصعيد الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ [السجدة] (^٥).\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ يعني: الأرض وأن ما عليها لفانٍ وبائد، وأن المرجع لإلى الله، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى (^٦).\n\n<span id=\"aya-2149\"></span>﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾.\nهذا إخبار من الله تعالى عن قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ يعني: يا محمد ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ أي: ليس أمرهم عجيبًا في قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف، كما قال [ابن جريج] (^٧) عن مجاهد: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾ يقول:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٦٥.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) يشهد له ما سبق.\n(^٧) كذا في (ح) وفي الأصل صُحّف إلى ابن جرير وكذا في (حم).","vol":"5","page":137},{"text":"قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك (^١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾ يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت من حججي على العباد أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم، وأما الكهف فهو الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون (^٣)، وأما الرقيم فقال العوفي عن ابن عباس: هو وادٍ قريب من أيلة (^٤)، وكذا قال عطية العوفي وقتادة (^٥).\nوقال الضحاك: أما الكهف فهو غار في الوادي، والرقيم اسم الوادي (^٦).\nوقال مجاهد: الرقيم [كتاب تبيانهم] (^٧)، ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم (^٨).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله الرقيم: كان يزعم كعب أنها القرية (^٩).\nوقال ابن جريج، عن ابن عباس: الرقيم الجبل الذي فيه الكهف (^١٠).\nوقال ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس (^١١).\nوقال ابن جريج: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي أن اسم جبل الكهف بنجلوس، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران (^١٢).\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: القرآن أعلمه\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وليس عن مجاهد، وما ورد عن ابن جريج عن مجاهد بلفظ: \"كانوا يقولون: هم عجب\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق بنحوه وكذا ابن هشام والسيرة ١/ ٣٠٣.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٥) قول عطية العوفي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن إدريس عن أبيه عنه بلفظ: \"الرقيم وادٍ\"، وكذا أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٧) كذا في تفسير الطبري: كتاب تبيانهم وفي (ح) و(حم): كتاب بنيانهم، وصحف في الأصل إلى: \"كان\"، وهكذا في جميع الطبعات.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه البستي من طريق سفيان به، وسنده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح أيضًا.\n(^١٠) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يلق ابن عباس.\n(^١١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وفي سنده عنعنة ابن إسحاق، وشيخ الطبري هو محمد بن حميد وهو الرازي: ضعيف.\n(^١٢) أخرجه الطبري والإمام أحمد كلاهما من طريق حجاج عن ابن جريج به (العلل برواية ابنه عبد الله ١/ ١٠٠) ووهب بن سليمان سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح ٩/ ٢٧) وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٥٧) والرواية إسرائيلية.","vol":"5","page":138},{"text":"إلا حنانًا والأواه والرقيم (^١).\nوقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول: قال ابن عباس: ما أدري ما الرقيم؟ كتاب أم بنيان (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرقيم الكتاب (^٣). وقال سعيد بن جبير: الرقيم لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرقيم الكتاب، ثم قرأ: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ [المطففين] (^٥). وهذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير، قال: الرقيم فعيل بمعنى مرقوم، كما يقال للمقتول قتيل، وللمجروح جريح، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2150\"></span>وقوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه فهربوا منهم فلجأوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي: هَب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها وتسترنا عن قومنا ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ أي: وقدِّر لنا من أمرنا هذا رشدًا؛ أي: اجعل عاقبتنا رشدًا، كما جاء في الحديث: \"وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشدًا\" (^٦).\nوفي المسند من حديث بُسر بن أرطاة عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو: \"اللَّهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلِّها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة\" (^٧).\n\n<span id=\"aya-2151\"></span>وقوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾ أي: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف فناموا سنين كثيرة،\n\n<span id=\"aya-2152\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ أي: من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها طعامًا يأكلونه كما سيأتي بيانه وتفصيله، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفي رواية سماك عن عكرمة اضطراب ولكنه توبع في الرواية التالية، فسنده حسن.\n(^٢) أخرجه القاضي البستي بسند صحيح عن ابن أبي عمر، وهو العدني، عن سفيان عن عمرو بن أبي دينار به، وأخرجه الطبري من طريق الحسين عن حجاج عن ابن جريج به، وفي سنده الحسين وهو ابن داود: ضعيف ويتقوى بسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن قيس عن سعيد بن جبير.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به وأطول.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂ كاملًا وما ورد هو من آخر الحديث، وصحح سنده محققوه (المسند ٤٢/ ٦٧ ح ٢٥١٣٧)، وكذا أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح ٦٣٩) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٤٩٧).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد وقال محققوه: رجاله موثقون غير أيوب بن ميسرة فقد روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات، وبسر بن أرطاة مختلف في صحبته (المسند ٢٩/ ١٧٠، ١٧١ ح ١٧٦٢٨)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٥٩١)، وقال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ١٨١).","vol":"5","page":139},{"text":"أي: المختلفين فيهم ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ قيل: عددًا، وقيل: غاية، فإنّ الأمد الغاية، كقوله (^١):\nسبق الجواد إذا استولى على الأمد (^٢)\n\n<span id=\"aya-2153\"></span>﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾.\nمن ههنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية، وهم الشباب، وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﷺ شبابًا، وأما المشايخ من قريش، فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابًا.\nوقال مجاهد: بلغني أنه كان في آذان بعضهم القرطة (^٣) يعني: الحلق، فألهمهم الله رشدهم وآتاهم تقواهم، فآمنوا بربهم؛ أي: اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو.\n﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله وأنه يزيد وينقص، ولهذا قال تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد] وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.\nوقد ذُكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى ابن مريم، فالله أعلم، والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية، فإنهم لو كانوا على دين النصرانية لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم لمباينتهم لهم، وقد تقدم عن ابن عباس (^٤) أن قريشًا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ، فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح، فدلَّ هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب وأنه متقدم على دين النصرانية، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2154\"></span>وقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ يقول تعالى: وصبرناهم على\n_________\n(^١) هو النابغة الذبياني ذكره في ديوانه ص ١٤.\n(^٢) هذا عجز البيت وصدره:\nإلا لمثلك أو مَن أنت سابقه\nوكذا استشهد به الطبري كاملًا.\n(^٣) رواه مجاهد بلاغًا ومن الواضح أنه من الإسرائيليات الموسومة بالتكلف.\n(^٤) تقدم في أول التفسير بسند ضعيف.","vol":"5","page":140},{"text":"مخالفة قومهم ومدينتهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة، فإنه ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يومًا في بعض أعياد قومهم وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له: دقيانوس، وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السماوات والأرض، فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية، فكان أول من جلس منهم وحده أحدهم، جلس تحت ظل شجرة فجاء الآخر فجلس إليها عنده، وجاء الآخر فجلس إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر وجاء الآخر، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان (^١).\nكما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقًا من حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف\" (^٢). وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهيل، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ (^٣).\nوالناس يقولون: الجنسية علة الضم، والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو عليه عن أصحابه خوفًا منهم، ولا يدري أنهم مثله حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم إنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر كل واحد منكم بأمره، فقال آخر: أما أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، وقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك، وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يدًا واحدة، وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبدًا يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم فوشوا بأمرهم إلى ملكهم فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله ﷿ (^٤)، ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾.\nولن لنفي التأبيد؛ أي: لا يقع منا هذا أبدًا، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلًا، ولهذا قال عنهم:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة ومرسلة عن مجاهد وعبيد بن عمير وهي من أخبار بني إسرائيل، وأخرجه بنحوه عبد بن حميد في تفسيره وابن أبي حاتم بسند صححه الحافظ ابن حجر عن ابن عباس مطولًا (تغليق التعليق ٤/ ٢٤٤ - ٢٤٦).\n(^٢) أخرجه البخاري تعليقًا (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة ح ٣٣٢٦) ووصله الحافظ ابن حجر من طرق كثيرة (تغليق التعليق ٤/ ٥ - ٧)، وأخرجه البخاري موصولًا في الأدب المفرد وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٦٩١).\n(^٣) صحيح مسلم، البر، باب الأرواح جنود مجندة (ح ٢٦٣٨).\n(^٤) هذه تتمة القصة التي تقدم تخريجها قبل روايتي البخاري ومسلم.","vol":"5","page":141},{"text":"﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: باطلًا وبهتانًا\n\n<span id=\"aya-2155\"></span>﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ أي: هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلًا واضحًا صحيحًا ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيقال: إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله أبى عليهم وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، وكان هذا من لطف الله بهم، فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة، وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفًا على دينه، كما جاء في الحديث: \"يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن\" (^١) ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس ولا تشرع فيما عداها، لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع.\n\n<span id=\"aya-2156\"></span>فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك وأخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: وإذ فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضًا بأبدانكم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ الذي أنتم فيه ﴿مِرْفَقًا﴾ أي: أمرًا ترتفقون به، فعند ذلك خرجوا هِرابًا إلى الكهف فأووا إليه، ففقدهم قومهم من بين أظهرهم وتطلبهم الملك، فيقال أنه لم يظفر بهم وعمى الله عليه خبرهم كما فعل بنبيّه محمد ﷺ، وصاحبه الصديق حين لجأ إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطلب فلم يهتدوا إليه مع أنهم يمرون عليه، وعندها قال النبي ﷺ حين رأى جزع الصديق في قوله: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: \"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ \" (^٢). وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة]، فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف.\nوقد قيل: إن قومهم ظفروا بهم ووقفوا على باب الغار الذي دخلوه، فقالوا: ما كنا نريد منهم من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم، فأمر الملك بردم بابه عليهم ليهلكوا مكانهم ففعلوا ذلك (^٣)، وفي هذا نظر، والله أعلم، فإن الله تعالى قد أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشيًا، كما قال تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (الصحيح، الإيمان، باب من الدين الفرار من الفتن (ح ١٩).\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي بكر ﵁ (صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ. . .﴾ [التوبة: ٤٠] (ح ٤٦٦٣)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ (ح ٢٣٨١).\n(^٣) هذه نهاية القصة التي تقدم تخريجها قبل بضع روايات.","vol":"5","page":142},{"text":"<span id=\"aya-2157\"></span>﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾.\nهذا فيه دليل على أن باب هذا الكهف كان من نحو الشمال؛ لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ أي: يتقلص الفيء يمنة، كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ﴿تَزَاوَرُ﴾ أي: تميل (^١)، وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه، وهو من ناحية المشرق، فدل على صحة ما قلناه، وهذا بيّن لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب، وبيانه أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب، ولو كان من ناحية القِبلة لما دخله منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب، ولا تزاور الفيء يمينًا ولا شمالًا، ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع بل بعد الزوال، ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه، ولله الحمد.\nوقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تتركهم (^٢)، وقد أخبر الله تعالى بذلك، وأراد منا فهمه وتدبره، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض، إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي، وقد تكلَّف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالًا، فتقدم عن ابن عباس أنه قال: هو قريب من أيلة.\nوقال ابن إسحاق: هو عند نينوى. وقيل: ببلاد الروم. وقيل: ببلاد البلقاء، والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، فقد قال ﷺ: \"ما تركت شيئًا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به\" (^٣) فأعلمنا تعالى بصفته، ولم يعلمنا بمكانه، فقال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ قال مالك عن زيد بن أسلم: تميل (^٤) ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ أي: في متسع منه داخلًا بحيث لا تصيبهم، إذ لو أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم، قاله ابن عباس (^٥).\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سالم الأفطس عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه بلفظ: \"تذرهم\"، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه بلفظ: \"تدعهم\".\n(^٣) أخرجه الطبراني من حديث أبي ذرٍّ ﵁ مرفوعًا (المعجم الكبير ٢/ ١٥٥ ح ١٦٤٧) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة (مجمع الزوائد ٨/ ٢٦٦) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٨٠٣).\n(^٤) يشهد له ما تقدم صحته عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة قبل روايتين.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صححه الحافظ ابن حجر من طريق سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مطولًا (تغليق التعليق ٤/ ٢٤٤ - ٢٤٦).","vol":"5","page":143},{"text":"﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ حيث أرشدهم إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، ثم قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ الآية؛ أي: هو الذي أرشد هؤلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم، فإنه من هداه الله اهتدى، ومن أضله فلا هادي له.\n\n<span id=\"aya-2158\"></span>﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾.\nذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم، لم تنطبق لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ وقد ذُكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عينًا ويفتح عينًا، ثم يفتح هذه ويطبق هذه وهو راقد، كما قال الشاعر (^١):\nينام بإحدى مقلتيه ويتقي … بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم\nوقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ قال بعض السلف: يقلبون في العام مرتين. قال ابن عباس: لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض (^٢).\nقوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: الوصيد: الفناء (^٣)، وقال ابن عباس: بالباب (^٤). وقيل: بالصعيد (^٥). وهو التراب، والصحيح أنه بالفناء وهو الباب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾ [الهمزة] أي: مطبقة مغلقة، ويقال: وصيد وأصيد، ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب، قال ابن جريج: يحرس عليهم الباب (^٦)، وهذا من سجيته وطبيعته حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج الباب، لأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب، كما ورد في الصحيح ولا صورة (^٧) ولا جنب (^٨) ولا كافر، كما ورد به الحديث الحسن (^٩)، وشملت كلبهم بركتهم فأصابه ما أصابهم من النوم\n_________\n(^١) هو حميد بن ثور، والبيت في ديوانه ص ١٠٤.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالطريق السابق الذي صححه الحافظ ابن حجر.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند ثابت من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سالم الأفطس عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة عن ابن عباس وسعيد بن جبير.\n(^٦) أخرجه الطبري بلفظ: \"يُمسك عليهم الباب\".\n(^٧) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا (الصحيح، اللباس، باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ح ٥٩٦٠).\n(^٨) أخرجه أبو داود (السنن، الطهارة، باب في الجنب يؤخر الغسل ح ٢٢٧)، والنسائي (السنن، الطهارة، باب الجنب إذا لم يتوضأ ١/ ١٤١)، وابن ماجه (السنن، اللباس، باب الصور في البيت ح ٤٤) كلهم من طريق عبد الله بن نُجي عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب ولا جنبًا\"، ونجي: مقبول (التقريب ص ٥٦٠)، ولم يتابع، فسنده ضعيف.\n(^٩) ضعيف كما تقدم وليس بحسن.","vol":"5","page":144},{"text":"على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن. وقد قيل: إنه كان كلب صيد لأحدهم، وهو الأشبه، وقيل: كلب طباخ الملك، وقد كان وافقهم على الدين وصحبه كلبه، فالله أعلم.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة همام بن الوليد الدمشقي: حدثنا صدقة بن عمر الغساني، حدثنا عباد المنقري، سمعت الحسن البصري يقول: كان اسم كبش إبراهيم ﵊: جرير، واسم هدهد سليمان ﵇: عنقز، واسم كلب أصحاب الكهف: قطمير، واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه: بهموت، وهبط آدم ﵇ بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدست بيسان، والحية بأصفهان (^١). وقد تقدم عن شعيب الجبائي أنه سماه حمران (^٢)، واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها ولا طائل تحتها ولا دليل عليها ولا حاجة إليها، بل هي مما ينهى عنه، فإن مستندها رجم بالغيب.\nوقوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي: أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم لما ألبسوا من المهابة والذعر، لئلا يدنو منهم أحد ولا تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء ﵎ فيهم، لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة والرحمة الواسعة.\n\n<span id=\"aya-2159\"></span>﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾.\nيقول تعالى كما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبصارهم لم يفقدوا من أحوالهم وهيآتهم شيئًا وذلك بعد ثلثمائة سنة وتسع سنين، ولهذا تساءلوا بينهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ أي: كم رقدتم؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار، ولهذا استدركوا فقالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ أي: الله أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم، فالله أعلم، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك، وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ أي: فضتكم هذه، وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها وبقي منها، فلهذا قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أي: مدينتكم التي خرجتم منها، والألف واللام للعهد ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ أي: أطيب طعامًا. كقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١] وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأعلى] ومنه الزكاة التي تطيب المال وتطهره، وقيل: أكثر طعامًا، ومنه زكا الزرع إذا كثر، قال الشاعر:\n_________\n(^١) ذكره ابن منظور (مختصر تاريخ دمشق ٢٧/ ١٤٣) وهو ضعيف سندًا ومتنًا، فالسند مرسل، والمتن من الإسرائيليات.\n(^٢) تقدم في تفسير الآية رقم ٩.","vol":"5","page":145},{"text":"قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة … وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب (^١)\nوالصحيح الأول؛ لأن مقصودهم إنما هو: الطيب الحلال سواء كان كثيرًا أو قليلًا.\nوقوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي: في خروجه وذهابه وشرائه وإيابه، يقولون: وليختف كل ما يقدر عليه ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ﴾ أي: ولا يعلمنّ ﴿بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾\n\n<span id=\"aya-2160\"></span>﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ أي: إن علموا بمكانكم ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ يعنون: أصحاب دقيانوس يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في مِلَّتهم التي هم عليها، أو يموتوا، وإن واتوهم على العود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2161\"></span>﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أطلعنا عليهم الناس ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ ذكر غير واحد من السلف أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة.\nوقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك، وذكروا أنه لما أراد أحدهم الخروج ليذهب إلى المدينة في شراء لهم ليأكلوه، تنكر وخرج يمشي في غير الجادة حتى انتهى إلى المدينة (^٢)، وذكروا أن اسمها: دقسوس (^٣)، وهو يظن أنه قريب العهد بها، وكان الناس قد تبدلوا قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل وأمة بعد أمة، وتغيرت البلاد ومن عليها، كما قال الشاعر:\nأما الديار فإنها كديارهم … وأرى رجال الحي غير رجاله (^٤)\nفجعل لا يرى شيئًا من معالم البلد التي يعرفها، ولا يعرف أحدًا من أهلها: لا خواصها ولا عوامّها، فجعل يتحير في نفسه ويقول: لعلّ بي جنونًا أو مسًّا أو أنا حالم، ويقول: والله ما بي شيء من ذلك، وإن عهدي بهذه البلدة عشية أمس على غير هذه الصفة. ثم قال: إن تعجيل الخروج من ههنا لأولى لي، ثم عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام، فدفع إليه ما معه من النفقة، وسأله أن يبيعه بها طعامًا، فلما رآها ذلك الرجل أنكرها وأنكر ضربها، فدفعها إلى جاره، وجعلوا يتداولونها بينهم ويقولون: لعل هذا وجد كنزًا، فسألوه عن أمره ومن أين له هذه النفقة؟ لعله وجدها من كنز وممن أنت؟ فجعل يقول: أنا من أهل هذه البلدة، وعهدي بها عشية أمس وفيها دقيانوس، فنسبوه إلى الجنون، فحملوه إلى ولي أمرهم، فسأله عن شأنه وخبره حتى\n_________\n(^١) البيت للقتال الكلابي كما في: الكتاب لسيبويه ٣/ ٥٦٥، واستشد به معمر (المجاز ١/ ٢٣٧) دون نسبه وكذا الطبري.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عن عكرمة لكنه مرسل ومن أخبار بني إسرائيل.\n(^٣) وفي تفسير الطبري: أقسوس، وفي بعض النسخ: بلفظه.\n(^٤) استشهد به الطبري ولم يعزه لأحد.","vol":"5","page":146},{"text":"أخبرهم بأمره، وهو متحير في حاله وما هو فيه، فلما أعلمهم بذلك قاموا معه إلى الكهف - ملك البلد وأهلها - حتى انتهى بهم إلى الكهف فقال لهم: دعوني حتى أتقدمكم في الدخول لأعلم أصحابي فدخل، فيقال: إنهم لا يدرون كيف ذهب فيه، وأخفى الله عليهم خبرهم، ويقال: بل دخلوا عليهم ورأوهم، وسلم عليهم الملك واعتنقهم، وكان مسلمًا فيما قيل، واسمه: تيدوسيس، ففرحوا به وآنسوه بالكلام، ثم ودعوه وسلموا عليه، وعادوا إلى مضاجعهم، وتوفاهم الله ﷿ (^١)، فالله أعلم.\nقال قتادة: غزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمرّوا بكهف في بلاد الروم، فرأوا فيه عظامًا فقال قائل: هذه عظام أهل الكهف، فقال ابن عباس: لقد بليت عظامهم من أكثر من ثلثمائة سنة، ورواه ابن جرير (^٢).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيآتهم، أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ أي: في أمر القيامة، فمن مثبت لها ومن منكر، فجعل الله ظهورهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم.\n﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ أي: سدوا عليهم باب كهفهم، وذروهم على حالهم ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين:\n(أحدهما): أنهم المسلمون منهم.\n(والثاني): أهل الشرك منهم (^٣)، فالله أعلم.\nوالظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ قال: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد\" (^٤) يحذر ما فعلوا، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق، أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده، فيها شيء من الملاحم وغيرها.\n\n<span id=\"aya-2162\"></span>﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فحكى ثلاثة أقوال، فدل على أنه لا قائل برابع، ولما ضعف القولين الأولين بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ أي: قولًا بلا علم، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه؛ فإنه لا يكاد يصيب وإن أصاب فبلا قصد.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده عن وهب بن منبه والخبر من الإسرائيليات.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة به، وقتادة لم يسمع من ابن عباس.\n(^٣) وهذه الأخبار كسابقها.\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث جُندب مرفوعًا (الصحيح، المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور ح ٥٣٢).","vol":"5","page":147},{"text":"ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فدل على صحته، وأنه هو الواقع في نفس الأمر.\nوقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى، إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا أطلعنا على أمر قلنا به وإلا وقفنا.\nوقوله: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أي: من الناس. قال قتادة: قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله ﷿، كانوا سبعة (^١). وكذا روى ابن جرير عن عطاء الخراساني عنه أنه كان يقول: أنا ممن استثنى الله ﷿ ويقول: عدتهم سبعة (^٢)، وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن، حدثنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس؛ \"ما يعلمهم إلا قليل\" قال: أنا من القليل، كانوا سبعة، فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد قال: لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة سنة وضح الورق. قال ابن عباس: فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة الله يبكون ويستغيثون بالله، وكانوا ثمانية نفر (^٣): مكسلمينا (^٤) وكان أكبرهم وهو الذي كلم الملك عنهم، ومجسيميلنينا ومرطونس وكشطونس وبيرونس ودنيموس ويطبونس وقالوش (^٥)، هكذا وقع في هذه الرواية، ويحتمل أن هذا من كلام ابن إسحاق أو من بينه وبينه، فإن الصحيح عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو ظاهر الآية، وقد تقدم عن شعيب الجبائي أن اسم كلبهم حمران، وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته، والله أعلم، فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي: سهلًا هينًا، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم رجمًا بالغيب؛ أي: من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية فيه، فهو المقدم الحاكم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال.\n\n<span id=\"aya-2163\"></span>\n\n<span id=\"aya-2164\"></span>﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾.\nهذا إرشاد من الله تعالى لرسول الله ﷺ إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق قتادة قال ذُكر لنا أن ابن عباس كان يقول … بنحوه. وسنده منقطع لأن قتادة لم يسمع من ابن عباس، وقد توبع فقد أخرجه الطبري والبستي بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني به ويشهد له سابقه.\n(^٣) أخرجه الطبراني بسند ضعيف من طريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس (المعجم الأوسط ٦/ ١٧٥ ح ٦١١٣) وهذا يخالف ما صح عن ابن عباس كما تقدم بأنهم سبعة.\n(^٤) كذا في تفسير الطبري و(ح) و(حم) وفي الأصل صُحف إلى: \"مكيليمنينا\".\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق من كلامه مطولًا وهو كما قال الحافظ ابن كثير أنه من كلام ابن إسحاق، والخبر من الإسرائيليات.","vol":"5","page":148},{"text":"أن يرد ذلك إلى مشيئة الله ﷿، علّام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية: تسعين امرأة، وفي رواية: مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقيل له - وفي رواية قال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهم فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، فقال رسول الله ﷺ - والذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركًا لحاجته\" وفي رواية: \"ولقاتلوا في سبيل الله فرسانًا أجمعين\" (^١) وقد تقدم في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي ﷺ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف غدًا أجيبكم\" فتأخر الوحي خمسة عشر يومًا، وقد ذكرناه بطوله في أول السورة (^٢)، فأغنى عن إعادته.\nوقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ قيل: معناه: إذا نسيت الاستثناء، فاستثن عند ذكرك له، قاله أبو العالية والحسن البصري (^٣).\nوقال هشيم عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في الرجل يحلف قال: له أن يستثني ولو إلى سنة وكان يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ ذلك، قيل للأعمش: سمعته عن مجاهد؟ فقال: حدثني به ليث بن أبي سُليم تُرى ذهب كسائي هذا (^٤)! ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية، عن الأعمش به (^٥).\nومعنى قول ابن عباس أنه يستثني ولو بعد سنة؛ أي: إذا نسي أن يقول في حلفه أو في كلامه إن شاء الله وذكر ولو بعد سنة، فالسنة له أن يقول ذلك، ليكون آتيًا بسنة الاستثناء حتى ولو كان بعد الحنث، قاله ابن جرير ﵀ (^٦)، ونصّ على ذلك لا أن يكون رافعًا لحنث اليمين ومسقطًا للكفارة، وهذا الذي قاله ابن جرير ﵀ هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه، والله أعلم.\nوقال عكرمة: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي إذا غضبت (^٧). وهذا تفسير باللازم.\nوقد قال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا سعيد بن سليمان، عن عباد بن\n_________\n(^١) أخرج الروايتين البخاري (الصحيح، النكاح، باب قول الرجل لأطوفن الليلة على نسائي ح ٥٢٤٢) وكتاب كفارات الأيمان، باب الاستثناء في الأيمان (ح ٦٧٢٠).\n(^٢) تقدم في الآية رقم (٥) وتبين أنه ضعيف السند.\n(^٣) قول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري والبيهقي (الأسماء والصفات ٣٦٦) بسند منقطع من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه بلاغًا عن الحسن.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٠٣) وقول الأعمش: تُرى ذهب كسائي هذا! ورد معناه في حاشية تفسير الطبري المحقق: يريد أنه لم ينقصه شيء بإسقاط ليث بن أبي سليم من الإسناد.\n(^٥) المعجم الكبير (١١/ ٦٨ ح ١١٠٦٩).\n(^٦) ذكره الطبري بنحوه ولكن فيه: \"ولو بعد عشر سنين\" بدل سنة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٨/ ٢٨٨)، والطبري بسند جيد من طريق ثابت بن جابان عن عكرمة.","vol":"5","page":149},{"text":"العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أن تقول: إن شاء الله (^١).\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحارث [الجُبيلي] (^٢)، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد العزيز بن حصين، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس [في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أن تقول: إن شاء الله (^٣). وروى الطبراني أيضًا عن ابن عباس (^٤)] في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ الاستثناء فاستثن إذا ذكرت، وقال: هي خاصة برسول الله ﷺ وليس لأحد منا أن يستثني إلا في صلة من يمينه، ثم قال: انفرد به الوليد عن عبد العزيز بن الحصين (^٥)، ويحتمل في الآية وجه آخر وهو أن يكون الله تعالى قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر الله تعالى؛ لأن النسيان منشؤه الشيطان، كما قال فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] وذكر الله تعالى يطرد الشيطان فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان، فذكر الله تعالى سبب للذكر، ولهذا قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.\nوقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ أي: إذا سئلت عن شيء لا تعلمه، فاسأل الله تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك، وقيل في تفسيره غير ذلك، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2165\"></span>﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾.\nهذا خبر من الله تعالى لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم منذ أرقدهم إلى أن بعثهم الله وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلثمائة سنة تزيد تسع سنين بالهلالية، وهي الثلثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال: بعد ثلثمائة وازدادوا تسعًا.\n\n<span id=\"aya-2166\"></span>وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أي: إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك علم في ذلك وتوقيف من الله تعالى فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: لا يعلم ذلك إلا هو ومن أطلعه عليه من خلقه، وهذا الذي قلناه عليه غير واحد من علماء التفسير كمجاهد (^٦) وغير واحد من السلف والخلف.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ١٧٩ ح ١٢٨١٧) وسنده حسن.\n(^٢) كذا في المعجم الكبير ١٢/ ١٧٩ (ح ١٢٨١٧) وفي الأصل: \"الجيلي\" وفي (ح) و(حم): الحبلي.\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الأوسط ٧/ ٦٨ ح ٦٨٧٢)، قال الهيثمي: وفيه عبد العزيز بن حصين وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٧/ ٥٦)، وقد تابعه سفيان بن حسين في الرواية السابقة فيكون سنده حسنًا لغيره.\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) في سنده عبد العزيز بن الحصين وهو ضعيف كما تقدم في الرواية السابقة ولم يتابع فسنده ضعيف.\n(^٦) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.","vol":"5","page":150},{"text":"وقال قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ الآية، هذا قول أهل الكتاب، وقد ردّه الله تعالى بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ (^١). قال: وفي قراءة عبد الله (وقالوا ولبثوا)، يعني أنه قاله الناس (^٢)، وهكذا قال كما قال قتادة مطرف بن عبد الله، وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر، فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلثمائة سنة من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان الله قد حكى قولهم لما قال: وازدادوا تسعًا، والظاهر من الآية إنما هو إخبار من الله لا حكاية عنهم، وهذا اختيار ابن جرير ﵀، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور، فلا يحتج بها، والله أعلم.\nوقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أي: أنه لبصير بهم سميع لهم، قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء (^٣). ثم روي عن قتادة في قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع (^٤).\nوقال ابن زيد ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ يرى أعمالهم ويسمع ذلك منهم سميعًا بصيرًا (^٥).\nوقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أي: أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير، تعالى وتقدس.\n\n<span id=\"aya-2167\"></span>﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: لا مغير لها ولا محرّف ولا مؤول.\nوقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [عن مجاهد ملتحدًا قال: ملجأ (^٦).\nوعن قتادة: وليًا ولا مولى (^٧). قال ابن جرير: يقول: إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، فإنه لا ملجأ لك من الله (^٨)] (^٩)، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة به، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع ابن مسعود، والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرج الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"ملجأ ولا موئلًا\".\n(^٨) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٩) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"5","page":151},{"text":"مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي: سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة.\n\n<span id=\"aya-2168\"></span>وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشيًا، من عباد الله سواء كانوا فقراء أو أغنياء، أو أقوياء أو ضعفاء، يقال: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم، وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]، وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء، فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية.\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد هو: ابن أبي وقاص قال: كنَّا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترؤون علينا قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما يشاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (^١). انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي التيَّاح قال: سمعت أبا الجعد يحدث عن أبي أُمامة قال: خرج رسول الله ﷺ على قاصٍّ يقصُّ فأمسك، فقال رسول الله ﷺ: \"قصّ، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا هاشم، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت كردوس بن قيس، وكان قاصّ العامة بالكوفة، يقول: أخبرني رجل من أصحاب بدر أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب\" قال شعبة: فقلت أي مجلس؟ قال: كان قاصًا (^٣).\nوقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا محمد، حدثنا يزيد بن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لأن أجالس قومًا يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحب إلي من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا\" فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس أنس، فبلغت ستة وتسعين ألفًا وههنا من يقول أربعة من ولد إسماعيل، والله ما قال إلا ثمانية، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁ ٢٤١٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه محققوه (المسند ٣٦/ ٥٩٠ ح ٢٢٢٥٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه محققوه لجهالة كردوس (المسند ٢٥/ ٢٣٦ ح ١٥٩٠٠).\n(^٤) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص ٢٨١ ح ٢١٠٤)، وسنده ضعيف لضعف يزيد بن أبان وهو الرقاشي.","vol":"5","page":152},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم وهو: الكوفي أن رسول الله ﷺ مرَّ برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي ﷺ سكت، فقال النبي ﷺ: \"هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم\"، هكذا رواه أبو أحمد عن عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر مرسلًا.\nوحدثنا يحيى بن المعلى، عن المنصور، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد، قالا: جاء رسول الله ﷺ ورجل يقرأ سورة الحجر، أو سورة الكهف، فسكت، فقال رسول الله ﷺ: \"هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون [المرئي] (^٢)، حدثنا ميمون بن سياه، عن أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \"ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم منادٍ من السماء: أن قوموا مغفورًا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات\" (^٣). تفرد به أحمد ﵀.\nوقال الطبراني: حدثنا إسماعيل بن الحسن، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بعض أبياته ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية، فخرج يتلمسهم، فوجد قومًا يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: \"الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم\" (^٤) عبد الرحمن هذا، ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة. وأما أبوه فمن سادات الصحابة ﵃.\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم (^٥). يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعًا ولا محبًا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه].\n_________\n(^١) أخرجه البزار متصلًا ومرسلًا كما في كشف الأستار (ح ٢٣٢٥، ٢٣٢٦)، قال الهيثمي وفيه عمرو بن ثابت وهو متروك (مجمع الزوائد ٧/ ١٦٧).\n(^٢) كذا في المسند، وفي الأصل (ح) و(حم): \"المراي\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره (المسند ١٩/ ٤٣٧ ح ١٢٤٥٣).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب به. وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٢٤)، ولكن سنده مرسل لأن عبد الرحمن تابعي وليس بصحابي، فقد أخرجه ابن منده وأبو نعيم في الصحابة، واستدرك ابن الأثير بقوله: \"ولا يصح وإنما لصحبة لأبيه ولأخيه أبي أُمامة وله رؤية\" (أسد الغابة ٣/ ٣٥٣).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، ويتقوى بما أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.","vol":"5","page":153},{"text":"<span id=\"aya-2169\"></span>﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾.\nيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: وقل يا محمد للناس هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ هذا من باب التهديد والوعيد الشديد، ولهذا قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أي: أرصدنا ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ أي: سورها.\nقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار مثل مسافة أربعين سنة\" (^١). وأخرجه الترمذي في صفة النار، وابن جرير في تفسيره، من حديث دراج أبي السمح به (^٢).\nوقال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ قال: حائط من نار (^٣).\nقال ابن جرير: حدثني الحسين بن نصر والعباس بن محمد قالا: حدثنا أبو عاصم عن عبد الله بن أُمية، حدثني محمد بن حيي بن يعلى، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أُمية قال: قال رسول الله ﷺ: \"البحر هو جهنم\" قال: فقيل له: [كيف ذلك]؟ (^٤) فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ ثم قال: \"والله لا أدخلها أبدًا أو ما دمت حيًا لا تصيبني منها قطرة\" (^٥).\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ الآية، قال ابن عباس: المهل: الماء الغليظ مثل دُردي (^٦) [الزيت] (^٧) (^٨).\nوقال مجاهد: هو كالدم والقيح (^٩).\nوقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حره (^١٠).\nوقال آخرون: هو كل شيء أذيب.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٩)، وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم. وضعفه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٩٣٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي (السنن، صفة جهنم، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار ح ٢٥٨٧)، والطبري كلاهما من طريق دراج به، وحكمه كسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^٤) الزيادة من تفسير الطبري.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة محمد بن حيي، وأخرجه الإمام أحمد من طريق محمد بن حيي به، وضعفه محققوه لجهالة محمد بن حيي (المسند ٢٩/ ٤٧٨ ح ١٧٩٦٠).\n(^٦) الدردي: ما يركد في أسفل كل مائع كالأشربة والأدهان (النهاية ٢/ ١١٢).\n(^٧) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: \"الزبيب\".\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ويتقوى برواية الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"أسود كهيئة الزيت\".\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١٠) أخرجه الطبري عن سعيد بن جبير وليس عن عكرمة.","vol":"5","page":154},{"text":"وقال قتادة: أذاب ابن مسعود شيئًا من الذهب في أخدود، فلما انماع وأزبد، قال: هذا أشبه شيء بالمهل (^١).\nوقال الضحاك: ماء جهنم أسود وهي سوداء وأهلها سود (^٢).\nوهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر، فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود منتن غليظ حار، ولهذا قال: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ أي: من حره، إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه حتى تسقط جلدة وجهه فيه.\nكما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ماء كالمهل - قال - كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه\" (^٣). وهكذا رواه الترمذي في صفة النار من جامعه من حديث رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج به، ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين، وقد تكلم فيه من قبل حفظه هكذا، قال: وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم عن حسن الأشيب، عن ابن لهيعة، عن دراج، والله أعلم.\nوقال عبد الله بن المبارك وبقية بن الوليد: عن صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن بسر، عن أبي أُمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦، ١٧]، قال: \"يقرب إليه فيتكرهه، فإذا قرب منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ (^٤).\nوقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا، فأغيثوا بشجرة الزقوم فيأكلون منها، فاجتثت جلود وجوههم، فلو أن مارًّا مرَّ بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود (^٥)، ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ أي: بئس هذا الشراب، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وقال تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾ [الغاشية] أي: حارة، كما قال تعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤].\n﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: وساءت النار منزلًا ومقيلًا ومجتمعًا وموضعًا للارتفاق، كما قال في الآية الأخرى ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ [الفرقان].\n\n<span id=\"aya-2170\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾.\nلما ذكر تعالى حال الأشقياء، ثنى بذكر السعداء الذين امنوا بالله وصدقوا المرسلين فيما\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق قتادة به، وقتادة لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٢) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد، وهو ابن سليمان، عن الضحاك.\n(^٣) تقدم تخريجه وضعفه في بداية تفسير هذه الآية.\n(^٤) تقدم تخريجه في سورة إبراهيم آية ١٧.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.","vol":"5","page":155},{"text":"جاؤوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة،\n\n<span id=\"aya-2171\"></span>فلهم جنات عدن، والعدن: الإقامة، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت غرفهم ومنازلهم، قال فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١].\nو﴿يُحَلَّوْنَ﴾ أي: من الحلية ﴿فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وقال في المكان الآخر: ﴿وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] وفصله ههنا، فقال: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ فالسندس ثياب رفاع رقاق كالقمصان وما جرى مجراها. وأما الإستبرق فغليظ الديباج وفيه بريق.\nوقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ الاتكاء قيل: الاضطجاع، وقيل: التربع في الجلوس وهو أشبه بالمراد ههنا، ومنه الحديث الصحيح: \"أما أنا فلا آكل متكئًا\" (^١)، فيه القولان: والأرائك جمع أريكة، وهي السرير تحت الحجلة، والحجلة كما يعرفه الناس في زماننا هذا بالباشخاناة، والله أعلم.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ قال: هي الحجال، قال معمر وقال غيره: السرر في الحجال (^٢).\nوقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: نعمت الجنة ثوابًا على أعمالهم وحسنت مرتفقًا، أي حسنت منزلًا ومقيلًا ومقامًا، كما قال في النار: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ [الفرقان]، ثم ذكر صفات المؤمنين، فقال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾ [الفرقان].\n\n<span id=\"aya-2172\"></span>\n\n<span id=\"aya-2173\"></span>﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾.\nيقول تعالى بعد ذكره المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضرب لهم مثلًا برجلين جعل الله لأحدهما جنتين؛ أي: بستانتين من أعناب، محفوفتين بالنخيل، المحدقة في جنباتهما وفي خلالهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة، ولهذا قال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أي: أخرجت ثمرها، ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي: ولم تنقص منه شيئًا، ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ أي: والأنهار متفرقة فيهما ههنا وههنا.\n\n<span id=\"aya-2174\"></span>﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قيل: المراد به المال، روى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (الصحيح، الأطعمة، باب الأكل متكئًا ح ٥٣٩٨).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.","vol":"5","page":156},{"text":"وقيل: الثمار (^١)، وهو أظهر ههنا ويؤيده القراءة الأخرى ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ بضم الثاء وتسكين الميم، فيكون جمع ثمرة كخشبة وخشب. وقرأ آخرون ثمر بفتح الثاء والميم (^٢)، فقال أي صاحب هاتين الجنتين لصاحبه وهو يحاوره، أي يجادله، ويخاصمه يفتخر عليه ويترأس ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ أي: أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا، قال قتادة: تلك والله أمنية الفاجر، كثرة المال وعزة النفر (^٣).\n\n<span id=\"aya-2175\"></span>\n\n<span id=\"aya-2176\"></span>وقوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي: بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكار المعاد ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ وذلك اغترارًا منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار، والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف، ذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ أي كائنة ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ أي: ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله ليكوننَّ لي هناك أحسن من هذا الحظ عند ربي، ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠] وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ [مريم] أي: في الدار الآخرة تألى على الله ﷿. وكان سبب نزولها في العاص بن وائل، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله، وبه الثقة [وعليه التكلان] (^٤) (^٥).\n\n<span id=\"aya-2177\"></span>\n\n<span id=\"aya-2178\"></span>﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عما أجابه به صاحبه المؤمن، واعظًا له وزاجرًا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾، وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه الذي خلقه، وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] أي: كيف تجحدون ربكم ودلالته عليكم ظاهرة جلية؟ كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدومًا، ثم وجد وليس وجوده من نفسه ولا مستندًا إلى شيء من المخلوقات؛ لأنه بمثابته، فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء، ولهذا قال المؤمن: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: لكن أنا لا أقول بمقالتك بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية، ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٢) القراءتان متواترتان.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) سيأتي في تفسير سورة مريم آية ٧٧.","vol":"5","page":157},{"text":"<span id=\"aya-2179\"></span>ثم قال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾ هذا تحضيض وحثٌّ على ذلك؛ أي: هلّا إذ أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها، حمدت الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه غيرك، وقلت: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده، فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريم. وقد روي فيه حديث مرفوع، أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا جراح بن مخلد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عيسى بن عون، حدثنا عبد الملك بن زرارة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد، فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى فيه آفة دون الموت\" وكان يتأول هذه الآية ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (^١).\nقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس لا يصح حديثه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، حدثني شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى أبي رهم، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: \"ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا قوة إلا بالله\" (^٢) تفرد به أحمد.\nوقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا بكر بن عيسى، حدثنا أبو عوانة، عن أبي [بَلْج] (^٤)، عن عمرو بن ميمون قال: قال أبو هريرة: قال لي رسول الله ﷺ: \"يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ \" قال: قلت: نعم فداك أبي وأُمي. قال: \"أن تقول لا قوة إلا بالله\" قال [أبو بَلج] (^٤): وأحسب أنه قال: \"فإن الله يقول: أسلم عبدي واستسلم\" قال: فقلت لعمرو: قال أبو بلج: قال عمرو: قلت لأبي هريرة: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: لا إنها في سورة الكهف ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (^٥).\n\n<span id=\"aya-2180\"></span>وقوله: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ أي: على\n_________\n(^١) عزاه الحافظ ابن حجر إلى مسند أبي يعلى (المطالب العالية ٣/ ٣٥٠ ح ٣٦٧٣)، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٤/ ٣٠١ ح ٤٢٦١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ١٢٤ ح ٤٥٢٥) كلاهما من طريق عيسى بن عون به، وسنده ضعيف لضعف عبد الملك بن زراه كما قرر الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ١٤٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف عاصم بن عبيد الله (المسند ١٦/ ٩٠ ح ١٠٠٥٦) وهذا التصحيح بالمتابعات والشواهد.\n(^٣) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، القدر، باب لا حول ولا قوة إلا بالله ح ٦٦١٠)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (ح ٢٧٠٤).\n(^٤) كذا في (ح) وفي المسند، وفي الأصل صحفت إلى: \"بلخ\"، وفي (حم): بلح.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه دون قوله: \"تحت العرش\" (المسند ١٤/ ١٤٩ ح ٨٤٢٦)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي بلج به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢١)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٥٢٨).","vol":"5","page":158},{"text":"جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال ابن عباس والضحاك وقتادة ومالك عن الزهري؛ أي: عذابًا من السماء (^١).\nوالظاهر أنه مطر عظيم مزعج يقلع زرعها وأشجارها، ولهذا قال: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أي: بلقًا ترابًا أملس لا يثبت فيه قدم.\nوقال ابن عباس: كالجُرز (^٢) الذي لا ينبت شيئًا.\n\n<span id=\"aya-2181\"></span>وقوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ أي: غائرًا في الأرض، وهو ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض، فالغائر يطلب أسفلها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ [الملك] أي: جار وسائح، وقال ههنا: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ والغور مصدر بمعنى غائر، وهو أبلغ منه، كما قال الشاعر (^٣):\nتظل جياده نوحًا عليه … مقلدة أعِنَّتها صفونا (^٤)\nبمعنى نائحات عليه.\n\n<span id=\"aya-2182\"></span>﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ بأمواله أو بثماره على القول الآخر، والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر مما خوفه به المؤمن من إرسال الحسبان على جنته التي اغترَّ بها وأَلْهَته عن الله ﷿ ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾.\nوقال قتادة: يصفق كفيه متأسفًا متلهفًا على الأموال التي أذهبها عليها ﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)﴾\n\n<span id=\"aya-2183\"></span>\n\n<span id=\"aya-2184\"></span>﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ (^٥) أي: عشيرة أو ولد، كما افتخر بهم واستعز ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ اختلف القراء ههنا فمنهم من يقف على قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك الموطن الذي حلَّ به عذاب الله، فلا منقذ له منه، ويبتدئ بقوله: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ ومنهم من يقف على ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ يبتدئ بقوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾.\nثم اختلفوا في قراءة الولاية، فمنهم من فتح الواو من الولاية، فيكون المعنى هنالك الموالاة لله؛ أي: هنالك كل أحد مؤمن أو كافر يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب، كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾ [غافر]\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بما يليه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول مالك عن الزهري صحيح سنده.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^٣) هو عمرو بن كلثوم وقد استشهد بهذا البيت معمر بن المثنى في (مجاز القرآن ١/ ٤٠٤) والطبري.\n(^٤) صفونا: الصافن من الخيل الذي قد قلب أحد حوافره وقام على ثلاث قوائم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.","vol":"5","page":159},{"text":"وكقوله إخبارًا عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس] ومنهم من كسر الواو من الولاية (^١)؛ أي: هنالك الحكم لله الحق، ثم منهم من رفع الحق على أنه نعت للولاية، كقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان] ومنهم من خفض القاف (^٢) على أنه نعت لله ﷿، كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام]، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ أي: جزاء ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أي: الأعمال التي تكون لله ﷿، ثوابها خير وعاقبتها حميدة رشيدة كلها خير.\n\n<span id=\"aya-2185\"></span>﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَاضْرِبْ﴾ يا محمد للناس ﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في زوالها وفنائها وانقضائها ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ أي: ما فيها من الحب، فشبَّ وحسن، وعلاه الزهر والنور والنضرة، ثم بعد هذا كله ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ يابسًا ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ أي: هو قادر على هذه الحال وهذه الحال، وكثيرًا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل، كما قال تعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ الآية [٢٤]، وقال في الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ الآية، وقال في سورة الحديد ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾.\nوفي الحديث الصحيح: \"الدنيا خضرة حلوة\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-2186\"></span>وقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن] أي: الإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم، والجمع لهم، والشفقة المفرطة عليهم، ولهذا قال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.\nوقال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: الباقيات الصالحات الصلوات\n_________\n(^١) وهي قراءة متواترة.\n(^٢) وهي قراءة متواترة.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٦٥.","vol":"5","page":160},{"text":"الخمس (^١).\nوقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير، عن ابن عباس: الباقيات الصالحات سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (^٢)، وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان عن الباقيات الصالحات ما هي؟ فقال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، رواه الإمام أحمد، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا حيوة، حدثنا أبو عقيل أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان ﵁ يقول: جلس عثمان يومًا وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء أظنه سيكون فيه مد، فتوضأ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: \"من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح. ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهي الحسنات يذهبن السيئات\" قالوا: هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ قال: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (^٣). تفرد به.\nوروى مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد، عن سعيد بن المسيب قال: الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله (^٤).\nوقال محمد بن عجلان، عن عمارة قال: سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات الصالحات، فقلت: الصلاة والصيام، فقال: لم تصب، فقلت: الزكاة والحج، فقال: لم تصب، ولكنهنَّ الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله (^٥).\nوقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن نافع بن سرجس أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن الباقيات الصالحات. قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، [وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nقال ابن جريج: وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك (^٦).\nوقال مجاهد: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عنه، وعبد الله بن مسلم بن هرمز ضعيف كما في التقريب.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الملك العرزمي عن عطاء به، وأخرجه من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير به، وقد توبع عبد الله بن مسلم بواسطة عبد الملك العرزمي.\n(^٣) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة هود آية ١١٤.\n(^٤) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، القرآن، باب ما جاء في ذكر الله ﵎ ١/ ٢١٠ ح ٢٣) وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن عجلان به، ويشهد له سابقه.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وسنده جيد.","vol":"5","page":161},{"text":"أكبر] (^١) (^٢).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، هن الباقيات الصالحات (^٣).\nقال ابن جرير: وجدت في كتابي عن الحسن بن الصباح البزار، عن أبي نصر التمار، عن عبد العزيز بن مسلم، عن محمد بن عجلان سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن الباقيات الصالحات\" (^٤).\nقال: وحدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجًا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: \"استكثروا من الباقيات الصالحات\" قيل: وما هن يا رسول الله قال: \"الملة\" قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: \"التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله\" (^٥). وهكذا رواه أحمد من حديث دراج به (^٦).\nقال ابن وهب: أخبرني أبو صخر أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه قال: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي في حاجة، فقال: قل له القني عند زاوية القبر، فإن لي إليك حاجة، قال: فالتقيا فسلم أحدهما على الآخر، ثم قال سالم: ما تعد الباقيات الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له سالم: متى جعلت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله؟ قال: ما زلت أجعلها، قال: فراجعه مرتين أو ثلاثًا فلم ينزع، قال: فأثبت؟ قال سالم: أجل فأثبت، فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ وهو يقول: \"عرج بي إلى السماء فأريت إبراهيم ﵇، فقال: يا جبريل من هذا الذي معك؟ فقال: محمد، فرحب بي وسهل، ثم قال: مُر أُمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة، فقلت: وما غراس الجنة فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله\" (^٧).\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط واستدرك من نسخة (ح) و(حم).\n(^٢) أخرجه الثوري عن منصور، وهو ابن المعتمر، عن مجاهد، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الطبراني من طريق داود بن بلال عن عبد العزيز بن مسلم به (المعجم الصغير ١/ ١٤٥) قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير داود بن بلال وهو ثقة (مجمع الزوائد ١٠/ ٩٢)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد العزيز بن مسلم به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥٤١)، وقال المنذري: إسناده جيد قوي (الترغيب والترهيب ٢/ ٤٣٢) ويشهد له ما تقدم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم ويشهد له ما سبق.\n(^٦) المسند ٣/ ٧٥ وسنده كسابقه ويتقوى بالشواهد المتقدمة.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن وهب به، وأخرجه الإمام أحمد من طريق حيوة عن أبي صخر به مختصرًا، وضعف سنده محققوه لجهالة حال عبد الله بن عبد الرحمن (المسند ٣٨/ ٥٣٣ ح ٢٣٥٥٢)، وأخرجه ابن حبان من طريق أبي صخر مختصرًا (الإحسان ٣/ ١٠٣ ح ٨٢١) وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو ثقة، لم يتكلم فيه أحد، ووثقه ابن حبان (مجمع الزوائد ١٠/ ١٠٠) وتوثيق ابن حبان في هذا المقام لا يكفي، وحسنه المنذري (الترغيب ٢/ ٤٤٥).","vol":"5","page":162},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن يزيد عن العوام، حدثني رجل من الأنصار من آل النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء، ثم قال: \"أما إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه. ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن الباقيات الصالحات\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد، عن أبي سلام، عن مولى لرسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: \"بخٍ بخٍ (^٢) لخمس ما أثقلهنَّ في الميزان: لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده - قال -: بخٍ بخٍ لخمس من لقي الله مستيقنًا بهن دخل الجنة: يؤمن بالله واليوم الآخر، وبالجنة والنار، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية، قال: كان شداد بن أوس ﵁ في سفر، فنزل منزلًا فقال لغلامه: ائتنا بالشفرة نعبث بها، فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي واحفظوا ما أقول لكم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب\". ثم رواه أيضًا النسائي من وجه آخر عن شداد بنحوه (^٤).\nوقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثنا عمي الحسين، عن يونس بن نفيع الجدلي، عن سعد بن جنادة ﵁ قال: كنت في أول من أتى النبي ﷺ من أهل الطائف، فخرجت من أهلي من السراة غدوة، فأتيت منى عند العصر، فتصاعدت في الجبل: ثم هبطت فأتيت النبي ﷺ، فأسلمت وعلمني ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقال: \"هن الباقيات الصالحات\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٦٧، ٢٦٨)، وفي سنده إبهام شيخ العوام، ويشهد لآخره الروايات السابقة.\n(^٢) بخ بخ: يقال عند المدح والرضا بالشيء، ويكرر للمبالغة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: حديث صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح، والمولى الذي لم يسمَّ هو أبو سلمى راعي رسول الله ﷺ (المسند ٢٤/ ٤٣٠ ح ١٥٦٦٢)، وهذا التصحيح بالشواهد والمتابعات.\n(^٤) تقدم تخريجه وبيان غريبه في تفسير سورة التوبة آية ٣٥.\n(^٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٦/ ٥١ ح ٥٤٨٣)، قال الهيثمي: وفيه الحسين بن الحسن العوفي وهو ضعيف. (مجمع الزوائد ٧/ ١٦٩)، والروايات السابقة تشهد لآخره.","vol":"5","page":163},{"text":"وبهذا الإسناد: \"من قام من الليل فتوضأ ومضمض فاه، ثم قال: سبحان الله مائة مرة، والحمد لله مائة مرة، والله أكبر مائة مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة، غفرت ذنوبه إلا الدماء فإنها لا تبطل\" (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قال: هي ذكر الله قول: لا إله إلا الله، والله أكبر وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: هُنَّ الكلام الطيب (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها (^٤)، واختاره ابن جرير ﵀ (^٥).\n\n<span id=\"aya-2187\"></span>﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾.\nيخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ [الطور] أي: تذهب من أماكنها وتزول، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] وقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة] وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه] يذكر تعالى أنه تذهب الجبال، وتتساوى المهاد، وتبقى الأرض قاعًا صفصفًا، أي سطحًا مستويًا لا عوج فيه ولا أمتًا، أي لا وادي ولا جبل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [أي بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحدًا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية.\nقال مجاهد: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾] (^٦) لا خَمَر فيها ولا غيابة (^٧). قال قتادة: لا بناء ولا شجر (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (المعجم ٦/ ٥٢ ح ٥٤٨٤) وسنده كسابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٥) اختاره مستدلًا برواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄.\n(^٦) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"5","page":164},{"text":"وقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي: وجمعناهم الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحدًا لا صغيرًا ولا كبيرًا، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة] وقال: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ [هود].\n\n<span id=\"aya-2188\"></span>وقوله: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ يحتمل أن يكون المراد أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفًا واحدًا، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ] ويحتمل أنهم يقومون صفوفًا، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر].\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] هذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم على رؤوس الأشهاد، ولهذا قال تعالى مخاطبًا لهم: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن.\n\n<span id=\"aya-2189\"></span>وقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا﴾ أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ أي: لا يترك ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا ولا عملًا وإن صغر، إلا أحصاها، أي ضبطها وحفظها.\nوروى الطبراني بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد بن جنادة قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من غزوة حنين، نزلنا قفرًا من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي ﷺ: \"اجمعوا من وجد عودًا فليأت به، ومن وجد حطبًا أو شيئًا فليأت به\" قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركامًا، فقال النبي ﷺ: \"أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه\" (^١).\nوقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ أي: من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق] أي: تظهر المخبآت والضمائر.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: \"لكل غادر لواء يوم القيامة [يعرف به\" (^٢). أخرجاه في الصحيحين (^٣)، وفي لفظ: \"يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة] (^٤) عند استه بقدر غدرته، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٦/ ٥٢ ح ٥٤٨٥) وسنده ضعيف أيضًا فيه الحسين بن الحسن بن عطية وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٤٢) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، الجزية، باب إثم الغادر للبر والفاجر (ح ٣١٨٧)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب تحريم الغدر (ح ١٧٣٧).\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) صحيح البخاري، الجزية، باب إثم الغادر (ح ٣٦٨٦)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب تحريم الغدر (ح ١٧٣٨).","vol":"5","page":165},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ أي: فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعًا، ولا يظلم أحدًا من خلقه بل يعفو ويصفح ويغفر ويرحم، ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي، ثم ينجي أصحاب المعاصي ويخلد فيها الكافرين، وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء]، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء] والآيات في هذا كثيرة.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه عن النبي ﷺ، فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلًا، فسرت عليه شهرًا حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يحشر الله ﷿ الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراة غرلًا بهما\" قلت: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بُعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديَّان لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصّه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقصّه منه حتى اللّطمة: قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله ﷿ حفاة عراة غرلًا بهما؟ قال: \"بالحسنات والسيئات\" (^١).\nوعن شعبة، عن العوام بن مزاحم، عن أبي عثمان، عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الجماء (^٢) لتقتص من القرناء يوم القيامة\" (^٣) رواه عبد الله بن الإمام أحمد، وله شواهد من وجوه أخر، وقد ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] وعند قوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].\n\n<span id=\"aya-2190\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾.\nيقول تعالى منبهًا بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم، ومقرعًا لمن اتبعه منهم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند/ ٤٣١ - ٤٣٣ ح ١٦٠٤٢)، وأخرجه البخاري من طريق عبد الله بن عقيل به (الأدب المفرد ح ٩٧٠)، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد ح ٧٤٦.\n(^٢) أي: الشاة الجماء وهي التي لا قرن لها (النهاية ١/ ٣٠٠).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٣٩.","vol":"5","page":166},{"text":"وخالف خالقه ومولاه، وهو الذي أنشأه وابتداه وبألطافه رزقه وغذاه، ثم بعد هذا كله والى إبليس وعادى الله، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ أي: لجميع الملائكة كما تقدم تقريره في أول سورة البقرة ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أي: سجود تشريف وتكريم وتعظيم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ [الحجر].\nوقوله: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم\" (^١) فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك، فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة، ونبه تعالى ههنا على أنه من الجن؛ أي: على أنه خلق من نار، كما قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].\nقال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر (^٢)، رواه ابن جرير بإسناد صحيح عنه.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خزان الجنة، وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت (^٣). وقال الضحاك أيضًا عن ابن عباس: كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان مما سولت له نفسه من قضاء الله أنه رأى أن له بذلك شرفًا على أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله، واستخرج الله ذلك الكبر منه حين أمره بالسجود لآدم فاستكبر، وكان من الكافرين.\nقال ابن عباس قوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: من خزان الجنان، كما يقال للرجل مكي ومدني وبصري وكوفي (^٤). وقال ابن جريج عن ابن عباس نحو ذلك (^٥)، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: هو من خزان الجنة، وكان يدبر أمر السماء الدنيا، رواه ابن جرير من حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد به (^٦). وقال سعيد بن المسيب: كان رئيس ملائكة\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الزهد، باب في أحاديث متفرقة (ح ٢٩٩٦).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف، وهو الأعرابي، عن الحسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك به، والضحاك لم يلق ابن عباس، وفي سنده أيضًا بشر بن عمارة وهو ضعيف.\n(^٤) تخريجه كسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وفي سنده شيخ الطبري سفيان بن وكيع فيه مقال.","vol":"5","page":167},{"text":"سماء الدنيا (^١).\nوقال ابن إسحاق، عن خلاد بن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه: عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون جنًا (^٢).\nوقال ابن جريج، عن صالح مولى التوأمة وشريك بن أبي نمر - أحدهما أو كلاهما - عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان إبليس منها وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فسخط الله عليه فمسخه شيطانًا رجيمًا، لعنه الله ممسوخًا، قال: ماذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإذا كانت في معصية فارجُه (^٣).\nوعن سعيد بن جبير أنه قال: كان من الجنَّانين الذين يعملون في الجنة (^٤)، وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دونوا الحديث، وحرروه وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره، وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم وقد فعل.\nوقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: فخرج عن طاعة الله، فإن الفسق هو الخروج، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها، وفسقت الفأرة من جحرها إذا خرجت منه للعيث والفساد، ثم قال تعالى مقرعًا وموبخًا لمن اتبعه وأطاعه ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ الآية، أي بدلًا عني، ولهذا قال: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ وهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة وأهوالها ومصير كل من الفريقين السعداء والأشقياء في سورة يس ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾.\n\n<span id=\"aya-2191\"></span>﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾.\nيقول تعالى: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم لا يملكون شيئًا، ولا أشهدتهم خلق السماوات والأرض، ولا كانوا إذ ذاك موجودين، يقول تعالى: أنا المستقل بخلق\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به وسنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق، وفيه شيخ الطبري محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وفي سنده عنعنة ابن جريج، والحسين هو ابن داود: ضعيف.\n(^٤) أخرجه الطبري وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.","vol":"5","page":168},{"text":"الأشياء كلها ومدبرها ومقدرها وحدي ليس معي في ذلك شريك ولا وزير ولا مشير ولا نظير، كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ الآية [سبأ: ٢٢، ٢٣]، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قال مالك: أعوانًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2192\"></span>﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عما يخاطب به المشركين يوم القيامة على رؤوس الأشهاد تقريعًا لهم وتوبيخًا ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: في دار الدنيا ادعوهم اليوم ينقذوكم مما أنتم فيه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾ [الأنعام] وقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ كما قال: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾ الآية [القصص]، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم].\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قال ابن عباس وقتادة وغير واحد: مهادًا (^٢).\nوقال قتادة: ذُكر لنا أن عمر البكالي حدث عن عبد الله بن عمرو قال: هو وادٍ عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة (^٣). وقال قتادة: ﴿مَوْبِقًا﴾ واديًا في جهنم (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم، سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قال: وادٍ في جهنم من قيح ودم (^٥).\nوقال الحسن البصري: موبقًا: عداوة (^٦)، والظاهر من السياق ههنا أنه المهلك، ويجوز أن يكون واديًا في جهنم أو غيره، والمعنى أن الله تعالى بيّن أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين ولا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه بلفظ: \"هلاكا\".\n(^٣) أخرجه الطبري والبيهقي (البعث والنشور ٥٢١) كلاهما من طريق قتادة به وسنده ضعيف لإبهام شيخ قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وليس عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الصمد به (الزهد ص ٣١١، ٣١٢) وسنده ضعيف لضعف يزيد بن درهم قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وساق ابن حجر هذا الأثر بعد قول ابن معين (لسان الميزان ٦/ ٢٨٤).\n(^٦) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق عوف الأعرابي عن الحسن.","vol":"5","page":169},{"text":"وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه يفرق بينهم وبينها في الآخرة، فلا خلاص لأحد من الفريقين إلى الآخر، بل بينهما مهلك وهول عظيم وأمر كبير. وأما إن جعل الضمير في قوله عائدًا إلى المؤمنين والكافرين كما قال عبد الله بن عمرو إنه يفرق بين أهل الهدى والضلالة به، فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ [الروم] وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-2193\"></span>وقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ أي: أنهم لما عاينوا جهنم حين جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك (^١) فإذا رأى المجرمون النار تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها، ليكون ذلك من باب تعجيل الهم والحزن لهم، فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب ناجز.\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ أي: ليس لهم طريق يعدل بهم عنها ولا بدّ لهم منها.\nقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [\"إن الكافر ليرى جهنم فيظن] (^٢) أنها مواقعته من مسيرة أربعمائة سنة\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"ينصب الكافر مقدار خمسين ألف سنة، كما لم يعمل في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-2194\"></span>﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾.\nيقول تعالى: ولقد بيّنا للناس في هذا القرآن ووضحنا لهم الأمور وفصلناها كيلا يضلوا عن الحق ويخرجوا عن طريق الهدى، ومع هذا البيان وهذا الفرقان الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة المعارضة للحق بالباطل إلا من هدى الله بصره لطريق النجاة.\n_________\n(^١) حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا (صحيح مسلم، الجنة، باب في شدة حر نار جهنم ح ٢٨٤٢).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري وفي الأصل حُرِّفت إلى: \"إن الكافرين في جهنم فيظن\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم، وله شاهد إذ أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣/ ٧٥)، وابن حبان (الإحسان ١٦/ ٣٤٩ ح ٧٣٥٢)، وحسنه محققه، وأخرجه الحاكم كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ الحديث التالي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٥٩٧) وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٣٦)، فيكون الإسناد حسنًا لغيره.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: حسن لغيره، (المسند ١٨/ ٢٤٢ ح ١١٧١٤) وينظر أقوال النقاد في الرواية السابقة.","vol":"5","page":170},{"text":"قال الإمام أحمد: حدثنا [أبو اليمان] (^١)، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني علي بن الحسين، أن حسين بن علي أخبره، أن علي بن أبي طالب أخبره، أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ليلة، فقال: \"ألا تصليان؟ \" فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئًا، ثم سمعته وهو مولِّ يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (^٢) أخرجاه في الصحيحين (^٣).\n\n<span id=\"aya-2195\"></span>﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾.\nيخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه، وتكذيبهم بالحق البين الظاهر مع ما يشاهدون من الآيات والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانًا، كما قال أولئك لنبيهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ [الشعراء] وآخرون قالوا: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] وقالت قريش: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾ [الحجر] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.\nثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ من غشيانهم بالعذاب وأخذهم عن آخرهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ أي: يرونه عيانًا مواجهة ومقابلة،\n\n<span id=\"aya-2196\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: قبل العذاب مبشرين من صدقهم وآمن بهم، ومنذرين لمن كذبهم وخالفهم.\nثم أخبر عن الكفار بأنهم يجادلون بالباطل ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي: ليضعفوا به الحق الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم، ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ أي: اتخذوا الحجج والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب ﴿هُزُوًا﴾ أي: سخروا منهم في ذلك وهو أشد التكذيب.\n\n<span id=\"aya-2197\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾.\nيقول تعالى: وأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها؛ أي: تناساها وأعرض\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) والمسند، وفي الأصل: \"أبو اليماني\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ١١٢) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، التهجد، باب تحريض النبي ﷺ على صلاة الليل والنوافل … (ح ١١٢٧)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح (ح ٧٧٥).","vol":"5","page":171},{"text":"عنها ولم يصغ لها ولا ألقى إليها بالًا، ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أي: من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: قلوب هؤلاء ﴿أَكِنَّةً﴾ أي: أغطية وغشاوة ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي: صممًا معنويًا عن الرشاد ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2198\"></span>وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أي: ربك يا محمد غفور ذو رحمة واسعة ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] والآيات في هذا كثيرة.\nثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد، وتضع كل ذات حمل حملها، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أي: ليس لهم عنه محيص ولا محيد ولا معدل.\n\n<span id=\"aya-2199\"></span>وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ أي: الأمم السالفة والقرون الخالية، أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم. ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أي: جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معين، لا يزيد ولا ينقص، أي: وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذر.\n\n<span id=\"aya-2200\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾.\nسبب قول موسى لفتاه وهو يوشع بن نون، هذا الكلام أنه ذكر له أن عبدًا من عباد الله بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى، فأحب الرحيل إليه (^١)، وقال لفتاه ذلك ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ أي: لا أزال سائرًا ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي: هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، قال الفرزدق (^٢):\nفما برحوا حتى تهادت نساؤهم … ببطحاء ذي قار (^٣) [عياب] (^٤) اللطائم (^٥)\nقال قتادة وغير واحد: هما بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب (^٦).\n_________\n(^١) هذا طرف من حديث صحيح سيأتي في تفسير هذه الآية.\n(^٢) البيت ورد في ديوانه ٢/ ٢١٧، واستشهد به الطبري.\n(^٣) منطقة بين واسط والكوفة في جنوب العراق، وسميت محافظة ذي قار باسمها.\n(^٤) عياب اللطائم: أوعية المسك.\n(^٥) كذا في ديوان الفرزدق وتفسير الطبري و(ح) و(حم) وفي الأصل صحفت إلى: \"عات\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه آدم بن أبي أياس والطبري بسند صحيح من =","vol":"5","page":172},{"text":"وقال محمد بن كعب القرظي: مجمع البحرين عند طنجة (^١)، يعني في أقصى بلاد المغرب، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ أي: ولو أني أسير حقبًا من الزمان.\nقال ابن جرير ﵀: ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب أن الحقب في لغة قيس سنة (^٢)، ثم روى عن عبد الله بن عمرو أنه قال: الحقب ثمانون سنة (^٣).\nوقال مجاهد: سبعون خريفًا (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ قال: دهرًا (^٥)، وقال قتادة وابن زيد مثل ذلك (^٦).\n\n<span id=\"aya-2201\"></span>وقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح معه، وقيل له: متى فقدت الحوت، فهو ثمة، فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وهناك عين يقال لها عين الحياة، فناما هنالك، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء، فاضطرب وكان في مكتل مع يوشع ﵇، وطفر من المكتل إلى البحر، فاستيقظ يوشع ﵇ وسقط الحوت في البحر فجعل يسير في الماء والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده (^٧)، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ أي: مثل السرب في الأرض.\nقال ابن جريج: قال ابن عباس: صار أثره كأنه حجر (^٨).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة (^٩).\nوقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ حين ذكر حديث ذلك: ما انجاب ماء منذ كان الناس غير مسير مكان الحوت الذي فيه، فانجاب كالكوة حتى رجع إليه موسى فرأى مسلكه، فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ (^١٠).\nوقال قتادة: سرب من البحر حتى أفضى إلى البر، ثم سلك فيه فجعل لا يسلك طريقًا فيه إلا\n_________\n= طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، وأبو معشر هو السندي وكلاهما ضعيف.\n(^٢) ذكره الطبري وقد نقله عن الفراء كما في معاني القرآن ٢/ ١٥٤.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٦) وقول قتادة وابن زيد بلفظ: \"زمانا\"، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٧) هذا النص طرف من حديث سيأتي ذكره كاملًا ومكررًا.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. وهاتان الروايتان لهما شواهد تالية.\n(^١٠) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وله شاهد سيأتي برواية صحيحة.","vol":"5","page":173},{"text":"صار ماء جامدًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2202\"></span>\n\n<span id=\"aya-2203\"></span>\n\n<span id=\"aya-2204\"></span>\n\n<span id=\"aya-2205\"></span>وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي: المكان الذي نسيا الحوت فيه، ونسب النسيان إليهما وإن كان يوشع هو الذي نسيه، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن] وإنما يخرج من المالح على أحد القولين.\nفلما ذهبا عن المكان الذي نسياه فيه بمرحلة ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا﴾ أي: الذي جاوزا فيه المكان ﴿نَصَبًا﴾ يعني: تعبًا ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. قال قتادة: وقرأ ابن مسعود: (ما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان) (^٢). ولهذا قال: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ أي: طريقه ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي: هذا هو الذي نطلب ﴿فَارْتَدَّا﴾ أي: رجعا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا﴾ أي: طريقهما ﴿قَصَصًا﴾ أي: يقصان آثار مشيهما ويقفوان أثرهما ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ وهذا هو الخضر ﵇، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ.\nقال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ﵇، ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل. قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أُبي بن كعب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا ربِّ وكيف لي به؟ قال: تاخذ معك حوتًا فتجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتًا فجعله بمكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون ﵇، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربًا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ، نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أممه الله به، قال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال: فكان الحوت سربًا، ولموسى وفتاه عجبًا، فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قال: فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى (^٣) بثوب، فسلم عليه موسى فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام. فقال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم قال أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ [الكهف] يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. فقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩] قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق قتادة به، وقتادة لم يسمع من ابن مسعود، والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٣) أي: مغطى.","vol":"5","page":174},{"text":"فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول (^١)، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدُّوم، فقال له موسى: قد حملونا بغير نول، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئًا إمرًا ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ [الكهف] قال: وقال رسول الله ﷺ وعلى آله، فكانت الأولى من موسى نسيانًا، قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.\nثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف] قال: وهذه أشد من الأولى، ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف] أي: مائلًا، فقال الخضر بيده ﴿فَأَقَامَهُ﴾ فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ [الكهف] فقال رسول الله ﷺ: \"وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما\" قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا) وكان يقرأ: (وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين) (^٢).\nثم رواه البخاري عن قتيبة عن سفيان بن عيينة فذكر نحوه، وفيه: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت، حتى انتهيا إلى الصخرة، فنزلا عندها، قال: فوضع موسى رأسه فنام، قال سفيان: وفي حديث غير عمرو قال: وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي فأصاب الحوت من ماء تلك العين، فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر، فلما استيقظ قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ قال: وساق الحديث، ووقع عصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره وذكر تمامه بنحوه (^٣).\nوقال البخاري أيضًا: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، يزيد أحدهما على صاحبه، وغيرهما قد سمعته يحدث عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته، إذ قال سلوني، فقلت: أي أبا عباس جعلني الله فداك، بالكوفة رجل قاصّ يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل، أما عمرو فقال لي قال: كذب عدو الله وأما يعلى فقال لي قال ابن عباس: حدثني أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"موسى رسول الله ذكر الناس يومًا حتى إذا فاضت العيون\n_________\n(^١) أي: بغير أجرة.\n(^٢) صحيح البخاري، تفسير سورة الكهف، باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠] (ح ٤٧٢٥) والقراءة الشاذة تفسيرية.\n(^٣) صحيح البخاري، تفسير سورة الكهف، باب ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] (ح ٤٧٢٧).","vol":"5","page":175},{"text":"ورقّت القلوب ولّى، فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أعلم منك؟ قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله، قيل: بلى، قال أي ربِّ، وأين؟ قال: بمجمع البحرين، قال: أي ربِّ اجعل لي علمًا أعلم ذلك به. قال لي عمرو: قال حيث يفارقك الحوت، وقال لي يعلى: خذ حوتًا ميتًا حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتًا فجعله في مكتل فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كبيرًا، فذلك قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ يوشع بن نون - ليست عند سعيد بن جبير - قال: فبينما هو في ظل صخرة في مكان ثريان (^١) إذ يضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه، لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، ويضرب الحوت حتى دخل في البحر فأمسك الله عنه جرية الماء حتى كأن أثره في حجر، قال: فقال لي عمرو: هكذا كان أثره في حجر، وحلق بين إبهاميه واللتين تليهما، قال: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قال: وقد قطع الله عنك النصب - ليست هذه عند سعيد بن جبير - أخبره فرجعا فوجدا خضرًا قال: قال عثمان بن أبي سليمان: على طنفسة خضراء على كبد (^٢) البحر.\nقال سعيد بن جبير: مسجى (^٣) بثوب قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه عند رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرضي من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: فما شأنك؟ قال: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا، قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك يا موسى؟ إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه، فأخذ طائر بمنقاره من البحر فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر، حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارًا تحمل أهل هذا الساحل إلى هذا الساحل الآخر، عرفوه فقالوا: عبد الله الصالح، قال: فقلنا لسعيد بن جبير: خضر؟ قال: نعم، لا نحمله بأجر، فخرقها ووتد فيها وتدًا، قال موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١] قال مجاهد: منكِرًا، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾ [الكهف] كانت الأولى نسيانًا، والثانية شرطًا، والثالثة عمدًا، ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف]، قال يعلى: قال سعيد: وجد غلمانًا يلعبون، فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، فقال: أقتلت نفسًا زكية لم تعمل الحنث؟ وابن عباس قرأها: (زكية مسلمة) كقولك غلامًا زكيًا، فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقض فأقامه، قال سعيد: بيده هكذا ودفع بيده فاستقام، قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرًا، قال يعلى: حسبت أن سعيدًا قال: فمسحه بيده فاستقام، قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرًا، قال سعيد: أجرًا نأكله، ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، وكان أمامهم، قرأها ابن عباس: (أمامهم ملك) (^٤) يزعمون، عن غير سعيد، أنه: هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه - يزعمون - جيسور ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها بعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها، منهم من يقول سدوها بقارورة، ومنهم من يقول بالقار، ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٠]، وكان هو كافرًا، ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه، ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا\n_________\n(^١) أي: أرض في ترابها بلل وندى.\n(^٢) أي: وسطه.\n(^٣) أي: مغطى.\n(^٤) وهي قراءة شاذة تفسيرية.","vol":"5","page":176},{"text":"خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف: ٨١]، كقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤]، وقوله: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر.\nوزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جارية، وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد: إنها جارية (^١).\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: خطب موسى ﵇ بني إسرائيل فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني، فأمر أن يلقى هذا الرجل فذكر نحو ما تقدم بزيادة ونقصان (^٢)، والله أعلم.\nوقال محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس إن نوفًا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العالم إنما هو موسى بن ميشا، قال سعيد: فقال ابن عباس: أنوف يقول هذا يا سعيد؟ فقلت له: نعم أنا سمعت نوفًا يقول ذلك، قال: أنت سمعته يا سعيد؟ قال: نعم، قال: كذب نوف.\nثم قال ابن عباس: حدثني أُبي بن كعب عن رسول الله ﷺ أن موسى بني إسرائيل سأل ربه، فقال: أي ربِّ إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فدلني عليه، فقال له: نعم في عبادي من هو أعلم منك، ثم نعت له مكانه وأذن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح (^٣)، قد قيل له: إذا حيي هذا الحوت في مكان، فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، وذلك الماء ماء الحياة، من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومسَّ الحوت الماء حيي، ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾، فانطلقا فلما جاوزا النقلة قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾، قال الفتى وذكر: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾.\nقال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حتى إذا انتهيا إليها، فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى عليه فردَّ عليه¬ السلام، ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لشغل؟ قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا. قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]، وكان رجلًا يعلم علم الغيب، قد عُلِّم ذلك، فقال موسى: بلى. قال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾ [الكهف] أي إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ [الكهف] وإن رأيت ما يخالفني، قال: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ [الكهف: ٧٠] وإن أنكرته ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما، حتى مرَّت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما، من السفن شيء أحسن، ولا أجمل ولا أوثق منها، فسأل أهلها أن يحملوهما فحملوهما، فلما أطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها، أخرج منقارًا له (^٤) ومطرقة، ثم\n_________\n(^١) صحيح البخاري، تفسير سورة الكهف، باب ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا. . .﴾ [الكهف: ٦١] (ح ٤٧٢٦).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق وسنده صحيح.\n(^٣) أي: مملوح بالملح.\n(^٤) المنقار آله حديدية كالفأس ينقر بها.","vol":"5","page":177},{"text":"عمد إلى ناحية فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحًا فطبقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها، فقال له موسى ورأى أمرًا أفظع به ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧١ - ٧٣] أي: بما تركت من عهدك ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣] ثم خرجا من السفينة، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية، فإذا غلمان يلعبون خلفها، فيهم غلام ليس في الغلمان أظرف منه، ولا أثرى ولا أوضأ منه فأخذه بيده وأخذ حجرًا فضرب به رأسه حتى دمغه (^١) فقتله، قال: فرأى موسى أمرًا فظيعًا لا صبر عليه، صبي صغير قتله لا ذنب له، قال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] أي: صغيرة ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾ [الكهف] أي: قد أعذرت في شأني ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] فهدمه ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس له عليه صبر فأقامه، قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] أي: قد استطعمناهم فلم يطعمونا وضفناهم (^٢) فلم يضيفونا، ثم قعدت تعمل من غير صنيعة، ولو شئت لأعطيت عليه أجرًا في عمله، قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف] وفي قراءة أُبي بن كعب: (كل سفينة صالحة) وإنما عبتها لأرده عنها، فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ [الكهف]. ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] أي: ما فعلته عن نفسي ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علمًا (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس قالا: لما ظهر موسى وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار أنزل الله أن ذكرهم بأيام الله، فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله في الأرض، وقال: كلَّم الله نبيكم تكليمًا واصطفاني لنفسه، وأنزل عليَّ محبة منه، وآتاكم الله من كل ما سألتموه، فنبيكم أفضل أهل الأرض وأنتم تقرؤون التوراة، فلم يترك نعمة أنعم الله عليهم إلا وعرفهم إياها، فقال له رجل من بني إسرائيل: هم كذلك يا نبي الله قد عرفنا الذي تقول: فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: لا. فبعث الله جبرائيل إلى موسى ﵇ فقال: إن الله يقول: وما يدريك أين أضع علمي؟ بلى إن لي على شط البحر رجلًا هو أعلم منك. قال ابن عباس: هو الخضر، فسأل موسى ربه أن يريه إياه، فأوحى إليه أن ائت البحر، فإنك تجد على شط البحر حوتًا، فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شاطئ البحر، فإذا نسيت الحوت، وهلك منك، فثمَّ تجد العبد الصالح الذي تطلب.\nفلما طال سفر موسى نبي الله ونصب فيه سأل فتاه عن الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه\n_________\n(^١) أي: أصاب دماغه.\n(^٢) أي: نزلنا عليهم ضيوفًا.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به وسنده ضعيف لأن الحسن بن عمارة وهو البجلي متروك كما في التقريب. ولمعظمه شواهد في الصحيح.","vol":"5","page":178},{"text":"﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لك، قال الفتى: لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربًا فأعجب من ذلك، فرجع موسى حتى أتى الصخرة، فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس عنه الماء حتى يكون صخرة، فجعل نبي الله يعجب من ذلك حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر فلقي الخضر بها، فسلم عليه فقال الخضر: وعليك السلام، وأنى يكون السلام بهذه الأرض، ومن أنت؟ قال: أنا موسى، قال الخضر: صاحب بني إسرائيل؟ قال: نعم، فرحب به وقال: ما جاء بك؟ قال جئتك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ [الكهف] يقول: لا تطيق ذلك، قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩] قال: فانطلق به، وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين شأنه، فذلك قوله: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] (^١).\nوقال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس أنه تمارى هو والحرُّ بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فقال ابن عباس: هو الخضر، فمر بهما أُبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، فهل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل، فقال: تعلم مكان رجل أعلم منك؟ قال: لا، فأوحى الله إلى موسى، بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾، فإني نسيت الحوت، قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فوجدا عبدنا خضر، فكان من شأنهما ما قصّ الله في كتابه\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2206\"></span>\n\n<span id=\"aya-2207\"></span>﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾.\nيخبر تعالى عن قيل موسى ﵇ لذلك الرجل العالم وهو الخضر، الذي خصَّه الله بعلم لم يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ سؤال تلطف لا على وجه الإلزام والإجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم.\nوقوله: ﴿أَتَّبِعُكَ﴾ أي: أصحبك وأرافقك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ أي: مما علمك الله شيئًا أسترشد به في أمري من علم نافع وعمل صالح، فعندها ﴿قَالَ﴾ الخضر لموسى ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أي: إنك لا تقدر على مصاحبتي لما ترى مني من الأفعال التي تخالف\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعظمه له شواهد تقدم ذكرها في الصحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري من طريق الزهري به (الصحيح، العلم، باب ما ذكره ذهاب موسى ﷺ في البحر إلى الخضر (ح ٧٤).","vol":"5","page":179},{"text":"شريعتك؛ لأني على علم من علم الله ما علمكه الله، وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله، فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتي\n\n<span id=\"aya-2208\"></span>﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾ فأنا أعرف أنك ستنكر علي ما أنت معذور فيه، ولكن ما اطلعت على حكمته ومصلحته الباطنة التي اطلعت أنا عليها دونك\n\n<span id=\"aya-2209\"></span>\n\n<span id=\"aya-2210\"></span>﴿قَالَ﴾ أي: موسى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ أي: على ما أرى من أمورك ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ أي: ولا أخالفك في شيء فعند ذلك شارطه الخضر ﵇ ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ أي: ابتداءً ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي: حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس قال: سأل موسى ﵇ ربه ﷿ فقال: أي ربِّ أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: أي ربِّ أي: عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى، قال: أي ربِّ هل في أرضك أحد أعلم مني؟ قال: نعم قال: فمن هو؟ قال: الخضر. قال: وأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت. قال: فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله، وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلَّم كل واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: إني أحب أن أصحبك، قال: إنك لن تطيق صحبتي. قال: بلى. قال: فإن صحبتني ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ قال: فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحرين، وليس في الأرض مكان أكثر ماء منه، قال: وبعث الله الخطاف، فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ (^١) من هذا الماء؟ قال: ما أقل ما رزأ. قال: يا موسى، فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء، وكان موسى قد حدث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه أو تكلم به، فمن ثم أمر أن يأتي الخضر (^٢)، وذكر تمام الحديث في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإصلاح الجدار، وتفسيره له ذلك.\n\n<span id=\"aya-2211\"></span>﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن موسى وصاحبه وهو الخضر، أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا، واشترط عليه أن لا يسأله عن شيء أنكره حتى يكون هو الذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السفينة، وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا الخضر، فحملوهما بغير نول، يعني بغير أجرة، تكرمة للخضر، فلما استقلت بهم السفينة في البحر ولججت، أي: دخلت اللجة، قام الخضر فخرقها، واستخرج لوحًا من ألواحها ثم رقعها، فلم\n_________\n(^١) أي: أصاب.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، ولمعظمه شواهد تقدمت في الصحيح.","vol":"5","page":180},{"text":"يملك موسى ﵇ نفسه أن قال منكرًا عليه ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ وهذه اللام لام العاقبة لا لام التعليل، كما قال الشاعر (^١):\nلدوا للموت وابنوا للخراب (^٢)\n﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد: منكرًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-2212\"></span>وقال قتادة: عجبًا (^٤)، فعندها قال له الخضر مذكرًا بما تقدم من الشرط ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يعني: وهذا الصنيع فعلته قصدًا، وهو من الأمور التي اشترطت معك أن لا تنكر علي فيها؛ لأنك لم تحط بها خبرًا ولها دخل هو مصلحة ولم تعلمه أنت\n\n<span id=\"aya-2213\"></span>﴿قَالَ﴾ أي: موسى ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ أي: لا تضيق علي ولا تشدد علي، ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"كانت الأولى من موسى نسيانًا\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-2214\"></span>﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا﴾ أي: بعد ذلك ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا﴾ وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية من القرى، وأنه عمد إليه من بينهم، وكان أحسنهم وأجملهم وأضوأهم فقتله، وروي أنه احتز رأسه، وقيل رضخه بحجر، وفي رواية اقتلعه بيده، والله أعلم، فلما شاهد موسى ﵇ هذا، أنكره أشد من الأول، وبادر فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ أي: صغيرة لم تعمل الحنث ولا عملت إثمًا بعد فقتلته ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: بغير مستند لقتله ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أي: ظاهر النكارة\n\n<span id=\"aya-2215\"></span>\n\n<span id=\"aya-2216\"></span>﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ فأكد أيضًا في التذكار بالشرط الأول، فلهذا قال له موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ أي: إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أي: أعذرت إليّ مرة بعد مرة.\nقال ابن جرير: حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا حجاج بن محمد، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب قال: كان النبي ﷺ إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: \"رحمة الله علينا وعلى موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب، ولكنه قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرًا\" [مثقلة] (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) هو أبو العتاهية كما في ديوانه ص ٤٦.\n(^٢) عجزه: فكلكم يصير إلى تباب.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) تفدم في رواية البخاري في أول تفسير الآية.\n(^٦) زيادة من (ح) و(حم) وتفسير الطبري.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق حمزة الزيات به، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٧٤).","vol":"5","page":181},{"text":"<span id=\"aya-2217\"></span>﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عنهما: إنهما ﴿فَانْطَلَقَا﴾ بعد المرتين الأوليين ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ روى ابن جرير، عن ابن سيرين أنها الأيلة (^١) (^٢)، وفي الحديث: \"حتى إذا أتيا أهل قرية لئامًا\" (^٣)؛ أي: بخلاء ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ إسناد الإرادة ههنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة، فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل، والانقضاض هو السقوط. وقوله: ﴿فَأَقَامَهُ﴾ أي: فردَّه إلى حالة الاستقامة، وقد تقدم في الحديث أنه ردَّه بيديه ودعمه حتى رد ميله، وهذا خارق، فعند ذلك قال موسى له: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: لأجل أنهم لم يضيفونا، كان ينبغي أن لا تعمل لهم مجانًا\n\n<span id=\"aya-2218\"></span>﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي: لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها، فلا تصاحبني فهو فراق بيني وبينك ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ﴾ أي: بتفسير ﴿مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2219\"></span>﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾.\nهذا تفسير ما أشكل أمره على موسى ﵇، وما كان أنكر ظاهره، وقد أظهر الله الخضر ﵇ على حكمة باطنة، فقال: إن السفينة إنما خرقتها لأعيبها؛ لأنهم كانوا يمرون بها على مَلك من الظَلَمة ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صالحة؛ أي: جيدة ﴿غَصْبًا﴾ فأردت أن أعيبها لأردَّه عنها لعيبها، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به غيرها، وقد قيل: إنهم أيتام، وروى ابن جريج، عن وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي أن اسم الملك هدد بن بدد (^٤)، وقد تقدم أيضًا في رواية البخاري (^٥)، وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق، وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2220\"></span>﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾.\nقد تقدم أن هذا الغلام كان اسمه جيسور. وفي هذا الحديث عن ابن عباس، عن أُبي بن\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحفت إلى: \"الأيكة\".\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق عمران بن المعتمر صاحب الكرابيسي عن حماد أبي صالح عن ابن سيرين، وعمران، وحماد لم أقف لهما على ترجمة.\n(^٣) أخرجه الإمام مسلم من حديث ابن عباس ﵄، (الصحيح، الفضائل، باب من فضائل الخضر ﵇ ح ٢٣٨٠).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق الحسين عن حجاج عن ابن جريج به، وسنده ضعيف لضعف الحسين، وهو ابن داود.\n(^٥) تقدم في تفسير الآيات ٦٠ - ٦٥ من السورة نفسها.","vol":"5","page":182},{"text":"كعب، عن النبي ﷺ قال: \"الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا\" رواه ابن جرير من حديث أبي إسحاق، عن سعيد، عن ابن عباس به (^١)، ولهذا قال: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أي: يحملهما حبه على متابعته على الكفر.\nقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي لكان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب (^٢)، وصحَّ في الحديث: \"لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له\" (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].\n\n<span id=\"aya-2221\"></span>وقوله: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ أي: ولدًا أزكى من هذا، وهما أرحم به منه، قاله ابن جريج (^٤).\nوقال قتادة: أبرّ بوالديه (^٥)، وقد تقدم أنهما بدلا جارية.\nوقيل: لما قتله الخضر كانت أُمه حاملًا بغلام مسلم، قاله ابن جريج (^٦).\n\n<span id=\"aya-2222\"></span>﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾.\nفي هذه الآية دليل على إطلاق القرية على المدينة؛ لأنه قال أولًا: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ وقال ههنا: ﴿فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف] يعني: مكة والطائف، ومعنى الآية؛ أن هذا الجدار إنما أصلحته؛ لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما.\nقال عكرمة وقتادة وغير واحد: وكان تحته مال مدفون لهما (^٧)، وهو ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير ﵀.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: كان تحته كنز علم (^٨)، وكذا قال سعيد بن جبير (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق به، وأخرجه مسلم من طريق رقبة عن أبي إسحاق به مطولًا (الصحيح، الفضائل، باب من فضائل الخضر ﵇ ح ٢٣٨٠/ ١٧٢).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة (المصنف رقم ٢٠٢١١).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٩٥.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري كما في الرواية قبل السابقة.\n(^٧) قول عكرمة أخرجه الثوري والطبري من طريق أبي حصين عن عكرمة، وأخرجه الطبري من طريق شعبة عن أبي حصين عن عكرمة قال شعبة: ولم يسمعه منه. وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.\n(^٩) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.","vol":"5","page":183},{"text":"وقال مجاهد: صحف فيها علم (^١).\nوقد ورد في حديث مرفوع ما يقوي ذلك. قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي، عن عياش بن عباس [القتباني] (^٢)، عن ابن حجيرة، عن أبي ذرّ رفعه قال: \"إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مصمت، مكتوب فيه: عجبت لمن أيقن بالقدر لم نصب، وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل، لا إله إلا الله محمد رسول الله\" (^٣). وبشر بن المنذر هذا يقال له: قاضي المصيصة. قال الحافظ أبو جعفر العقيلي: في حديثه وهم.\nوقد روي في هذا آثار عن السلف، فقال ابن جرير في تفسيره: حدثني يعقوب، حدثنا الحسن بن حبيب بن ندبة، حدثنا سلمة، عن نعيم العنبري وكان من جلساء الحسن قال: سمعت الحسن - يعني: البصري - يقول في قوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟ وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله (^٤).\nوحدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش، عن [عمرو] (^٥) مولى غُفرَة قال: إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قال: كان لوحًا من ذهب مصمت، مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجب لمن عرف النار ثم ضحك، عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب، عجب لمن أيقن بالموت ثم أمِنَ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (^٦).\nوحدثني أحمد بن حازم الغفاري، حدثتنا هنادة بنت مالك الشيبانية قالت: سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قال: سطران ونصف لم يتم الثالث: عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت للمؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت للمؤمن بالموت كيف يفرح؟ وقد قال الله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] قالت: وذكر أنهما حُفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكانت بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجًا (^٧).\nوهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة وورد به الحديث المتقدم، وإن صحَّ لا ينافي قول عكرمة أنه\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) ومختصر زوائد مسند البزار، وفي الأصل صحف إلى: \"القيناني\".\n(^٣) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٩١ ح ١٤٧٩) وسنده ضعيف، قال الهيثمي: الحارث وبشر لا أعرفهما. (مجمع الزوائد ٧/ ٥٦).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٥) كذا في تفسير الطبري وفي التقريب، وفي الأصل صحف إلى: \"عفير\"، وفي (ح) و(حم) صحف إلى: \"عمرو\". والصواب ما أثبت، وهو عمر بن عبد الله المدني مولى غُفرة: ضعيف كثير الإرسال (التقريب ص ٤١٤).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل أيضًا.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل أيضًا.","vol":"5","page":184},{"text":"كان مالًا؛ لأنهم ذكروا أنه كان لوحًا من ذهب، وفيه مال جزيل أكثر ما زادوا أنه كان مودعًا فيه علم، وهو حكم ومواعظ، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة، لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت به السنة.\nقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحًا (^١).\nوتقدم أنه كان الأب السابق، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ ههنا أسند الإرادة إلى الله تعالى؛ لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله، وقال في الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف: ٨١] وقال في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] فالله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي: هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة، إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب السفينة، ووالدي الغلام وولدي الرجل الصالح، وما فعله عن أمري أي لكني أُمرت به ووقفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر ﵇ مع ما تقدم من قوله: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف] وقال آخرون: كان رسولًا. وقيل: بل كان ملكًا، نقله الماوردي في تفسيره (^٢)، وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبيًا، بل كان وليًا، فالله أعلم.\nوذكر ابن قتيبة في (المعارف) أن اسم الخضر بليا بن ملكان بن فالغ بن غابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇ (^٣)، قالوا: وكان يكنى أبا العباس، ويلقب بالخضر، وكان من أبناء الملوك، ذكره النووي في تهذيب الأسماء، وحكى هو وغيره في كونه باقيًا إلى الآن، ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات وآثارًا عن السلف وغيرهم، وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها حديث التعزية، وإسناده ضعيف، ورجع آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وبقول النبي ﷺ يوم بدر: \"اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض\" (^٤)، وبأنه لم ينقل أنه جاء رسول الله ﷺ ولا حضر عنده ولا قاتل معه، ولو كان حيًا لكان من أتباع النبي ﷺ وأصحابه؛ لأنه ﵇ كان مبعوثًا إلى جميع الثقلين: الجن والإنس، وقد قال: \"لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي\" (^٥)، وأخبر قبل موته بقليل أنه لا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن المبارك عن مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن سعيد بن جبير به (الزهد رقم ٣٣٢)، وفي سنده عبد الملك بن ميسرة: مقبول أو مجهول (ينظر: التقريب ص ٣٦٥)، ومعناه صحيح.\n(^٢) النكت والعيون ٢/ ٤٩٥.\n(^٣) المعارف ص ٤٢.\n(^٤) صحيح مسلم، الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر (ح ١٧٦٣).\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٨١، ٨٢ بدون ذكر عيسى.\nوقال الألباني: وهو حديث محفوظ دون ذكر عيسى فيه، فإنه منكر عندي لم أره في شيء من طرقه، وهي مخرجة في (إرواء الغليل، رقم ١٥٨٩).","vol":"5","page":185},{"text":"يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف، إلى غير ذلك من الدلائل.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في الخضر قال: \"إنما سمي خضرًا لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من تحته خضراء\" (^١). ورواه أيضًا عن عبد الرزاق (^٢)، وقد ثبت أيضًا في صحيح البخاري عن همام عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة، فإذا هي تهتز من تحته خضراء\" (^٣). والمراد بالفروة ههنا الحشيش اليابس وهو الهشيم من النبات، قاله عبد الرزاق. وقيل: المراد بذلك وجه الأرض.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أي: هذا تفسير ما ضقت به ذرعًا، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه ووضحه وأزال المشكل قال: ﴿تَسْطِعْ﴾ وقبل ذلك كان الإشكال قويًا ثقيلًا، فقال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]، فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ وهو الصعود إلى أعلاه ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] وهو أشق من ذلك، فقابل كلًّا بما يناسبه لفظًا ومعنى، والله أعلم.\nفإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟ فالجواب أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرّح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون، وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى ﵇، هذا يدل على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة: حدثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث، وقد كان معه؟ قال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى، قال: شرب الفتى من الماء فخلد، فأخذه العالم فطابق به سفينة، ثم أرسله في البحر فإنها لتموج به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب (^٤). إسناده ضعيف، والحسن متروك، وأبوه غير معروف.\n\n<span id=\"aya-2223\"></span>﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾.\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ يا محمد ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ أي: عن خبره وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي ﷺ فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح؛ فنزلت سورة الكهف (^٥)، وقد أورد ابن جرير\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٣/ ٤٧٤ ح ٨١١٣).\n(^٢) (المسند ١٣/ ٥٣٤ ح ٨٢٢٨)، وصحح سنده محققوه.\n(^٣) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى ﵄ (ح ٣٤٠٢).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا؛ لأن الحسن بن عمارة متروك، كما قرر الحافظ ابن كثير. وفيه أيضًا عنعنة ابن إسحاق.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير الآيات ١ - ٥.","vol":"5","page":186},{"text":"ههنا والأموي في مغازي حديثًا أسنده، وهو ضعيف، عن عقبة بن عامر أن نفرًا من اليهود جاءوا يسألون النبي ﷺ عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداء، فكان فيما أخبرهم به أنه كان شابًا من الروم، وأنه بنى الإسكندرية، وأنه علا به ملك إلى السماء وذهب به إلى السد، ورأى أقوامًا وجوههم مثل وجه الكلاب (^١)، وفيه طول ونكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل.\nوالعجب أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره، ساقه بتمامه في كتابه (دلائل النبوة)، وذلك غريب منه، وفيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني، وهو ابن فيليبس المقدوني الذي تؤرخ به الروم، فأما الأول فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل ﵇ أول ما بناه وآمن به واتبعه، وكان وزيره الخضري ﵇، وأما الثاني فهو إسكندر بن فيليبس المقدوني اليوناني، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف المشهور، والله أعلم. وهو الذي تؤرخ من مملكته ملة الروم، وقد كان قبل المسيح ﵇ بنحو ثلاثمائة سنة، فأما الأول المذكور في القرآن، فكان في زمن الخليل، كما ذكره الأزرقي وغيره، وأنه طاف مع الخليل ﵇ بالبيت العتيق لما بناه إبراهيم ﵇، وقرب إلى الله قربانًا، وقد ذكرنا طرفًا صالحًا من أخباره في كتاب البداية والنهاية بما فيه كفاية (^٢)، ولله الحمد.\nوقال وهب بن منبه: كان ملكًا، وإنما سمي ذا القرنين لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس (^٣)، قال: وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك الروم وفارس. وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين. وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل قال: سئل علي ﵁ عن ذي القرنين، فقال: كان عبدًا ناصحًا لله، فناصحه، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه، فمات، فاحياه الله، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين (^٤)، وكذا رواه شعبة عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل سمع عليًا يقول ذلك (^٥).\nويقال: إنه سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشمس ويغرب.\n\n<span id=\"aya-2224\"></span>وقوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أعطيناه ملكًا عظيمًا ممكنًا فيه من جميع ما يؤتى الملوك من التمكين والجنود وآلات الحرب والحصارات، ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم من العرب والعجم، ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: يعني علمًا (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد الحكم (فتوح مصر ص ٣٨)، وضعفه الحافظ ابن كثير، ونقد سنده وبين نكارته.\n(^٢) ينظر البداية والنهاية ٢/ ١٠٢ - ١٠٩.\n(^٣) أخرجه الطبري عن وهب والخبر من الإسرائيليات.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١١/ ٥٦٣)، والبستي والطبري كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن سفيان به. وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق شعبة به، وسنده صحيح.\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد لم أجده، وقول قتادة =","vol":"5","page":187},{"text":"وقال قتادة أيضًا في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قال: منازل الأرض وأعلامها (^١).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قال: تعليم الألسنة، قال: كان لا يغزو قومًا إلا كلمهم بلسانهم (^٢).\nوقال ابن لهيعة: حدثني سالم بن غيلان، عن سعيد بن أبي هلال: أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله تعالى قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾.\nوهذا الذي أنكره معاوية ﵁ على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في ذلك الإنكار، فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب؛ يعني فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مُبدّل مُصحَّف مُحرَّف مُختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله ﷺ إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض. وتأويل كعب قول الله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحفه من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق، فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي في أسباب السماوات، وقد قال الله في حق بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أنه مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين، يسر الله له الأسباب؛ أي: الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق (^٣) والبلاد والأراضي، وكسر الأعداء وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك، قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببًا، والله أعلم.\nوفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي من طريق قتيبة، عن أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن حبيب بن جماز قال: كنت عند علي ﵁ وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب؟ فقال: سبحان الله سخر له السحاب وقدر له الأسباب وبسط له اليد (^٤).\n\n<span id=\"aya-2225\"></span>﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾.\n[قال ابن عباس: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ يعني بالسبب المنزل] (^٥) (^٦).\n_________\n= أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب بلفظ آخر وهو: \"من كل شيء علمًا\".\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور من طريق سعيد بن أبي هلال به.\n(^٣) جمع رستاق، وهي القرى والأراضي الخضراء.\n(^٤) أخرجه الضياء من طريق قتيبة به وأطول، وصحح سنده محققه (المختارة ١/ ٣٢ رقم ٤٠٩).\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما يليه.","vol":"5","page":188},{"text":"وقال مجاهد: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ منزلًا وطريقًا ما بين المشرق والمغرب (^١).\nوفي رواية عن مجاهد ﴿سَبَبًا﴾ قال: طريقًا في الأرض (^٢).\nوقال قتادة: أي اتبع منازل الأرض ومعالمها (^٣).\nوقال الضحاك: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ أي: المنازل (^٤).\nوقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ قال: علمًا، وهكذا قال عكرمة وعبيد بن يعلى والسدي.\nوقال مطر: معالم وآثار كانت قبل ذلك.\n\n<span id=\"aya-2226\"></span>وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: فسلك طريقًا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب وهو مغرب الأرض، وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدة، والشمس تغرب من ورائه، فشيء لا حقيقة له، وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب واختلاق زنادقتهم وكذبهم، وقوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه، والحمئة مشتقة على إحدى القراءتين (^٥) من الحمأة وهو الطين، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨] أي: طين أملس، وقد تقدم بيانه (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أنبأنا نافع بن أبي نعيم: سمعت عبد الرحمن الأعرج يقول: كان ابن عباس يقول: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ثم فسرها ذات حمئة، قال نافع: وسئل عنها كعب الأحبار، فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء (^٧)، وكذا روى غير واحد عن ابن عباس (^٨)، وبه قال مجاهد وغير واحد (^٩).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب: أن النبي ﷺ أقرأه حمئة (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى القتات عن مجاهد، وأبو يحيى لين الحديث (التقريب ص ٦٨٤).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٥) أي قراءة: (حمئة) وهو متواترة، والقراءة الأخرى: ﴿حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] وهي متواترة أيضًا.\n(^٦) تقدم في تفسير سورة الحجر، آية ٢٨.\n(^٧) أخرجه نافع بن أبي نعيم في تفسيره بسنده ومتنه (التفسير رقم ٣٣)، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري عن يونس به.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق والطبري من طريق عكرمة وعثمان بن حاضر، وكلها أسانيد ثابتة.\n(^٩) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١٠) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند رقم ٥٣٦)، وأخرجه أبو داود السجستاني من طريق محمد بن دينار به (السنن، الحروف والقراءات ح ٣٩٨٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٣٧٢).","vol":"5","page":189},{"text":"وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وجدها تغرب في عين حامية) يعني: حارة (^١)، وكذا قال الحسن البصري (^٢).\nوقال ابن جرير: والصواب أنهما قراءتان مشهورتان، وأيهما قرأ القارئ فهو مصيب (^٣)، قلت: ولا منافاة بين معنييهما إذ قد تكون حارة لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها وملاقاتها الشعاع بلا حائل، وحمئة في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار وغيره.\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله قال: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: \"في نار الله الحامية في نار الله الحامية لولا ما يزعها (^٤) من أمر الله لأحرقت ما على الأرض\" (^٥).\nقلت: ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون (^٦). وفي صحة رفع هذا الحديث نظر ولعله من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة، حدثنا محمد - يعني: ابن بشر -، حدثنا عمرو بن ميمون، أنبأنا ابن حاضر: أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف (تغرب في عين حامية) قال ابن عباس لمعاوية: ما نقرؤها إلا ﴿حَمِئَةٍ﴾، فسأل معاوية عبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟ فقال: عبد الله كما قرأتها، قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له كعب: سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب. قال ابن حاضر: لو أني عندك أفدتك بكلام تزداد فيه بصيرة في حمئة، قال ابن عباس: وإذًا ما هو؟ قلت: فيما يؤثر من قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في تخلقه بالعلم واتباعه إياه:\nبلغ المشارق والمغارب يبتغي … أسباب أمر من حكيم مرشد\nفرأى [مغاب] (^٧) الشمس عند غروبها … في عين ذي خلب وثأط حرمد (^٨)\nفقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم، قال: فما الثأط؟ قلت: الحمأة، قال: فما الحرمد؟ قلت: الأسود، قال: فدعا ابن عباس رجلًا أو غلامًا فقال: اكتب ما يقول هذا الرجل، وقال سعيد بن جبير: بينا ابن عباس، يقرأ سورة الكهف فقرأ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قال كعب: والذي نفس كعب بيده ما سمعت أحدًا يقرؤها كما أنزلت في التوراة غير ابن عباس، فإنا نجدها في التوراة (تغرب في مدرة سوداء) (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٤) أي: يمنعها.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام مولى عبد الله بن عمرو.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون به (المسند ١١/ ٥٢٦ ح ٦٩٣٤)، وسنده كسابقه.\n(^٧) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: \"مغار\".\n(^٨) قاله أُمية بن أبي الصلت كما في ديوانه ص ٤٨، ونسبه الحافظ ابن حجر لتُبَّع الحميري (فتح الباري ٦/ ٣٨٤).\n(^٩) أخرجه الطبري من طريق إسماعيل بن علي عن عثمان بن حاضر به بدون ذكر الشعر وما بعده. وأخرجه =","vol":"5","page":190},{"text":"وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا هشام بن يوسف قال في تفسير ابن جريج: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ قال: مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها لسمع الناس وجوب (^١) الشمس حين تجب (^٢).\nوقوله: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ أي: أمّة من الأمم ذكروا أنها كانت أمة عظيمة من بني آدم، وقوله: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ معنى هذا أن الله تعالى مكّنه منهم وحكمه فيهم وأظفره بهم، وخيّره إن شاء قتل وسبي، وإن شاء منّ أو فدى فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله، وبيانه في قوله: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أي: استمر على كفره وشركه بربه ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾.\nقال قتادة: بالقتل (^٣).\nوقال السدي: كان يحمي لهم بقر النحاس ويضعهم فيها حتى يذوبوا (^٤).\nوقال وهب بن منبه: كان يسلط الظلمة فتدخل أجوافهم وبيوتهم وتغشاهم من جميع جهاتهم (^٥)، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2227\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ أي: شديدًا بليغًا وجيعًا أليمًا وفي هذا إثبات المعاد والجزاء.\n\n<span id=\"aya-2228\"></span>وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾ أي: اتبعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ أي: في الدار الآخرة عند الله ﷿ ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ قال مجاهد: معروفًا (^٦).\n\n<span id=\"aya-2229\"></span>\n\n<span id=\"aya-2230\"></span>﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾.\nيقول تعالى: ثم سلك طريقًا فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها، وكان كلما مرّ بأُمة قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله ﷿، فإن أطاعوه وإلا أذلهم وأرغم آنافهم واستباح أموالهم وأمتعتهم واستخدم من كل أُمة ما تستعين به جيوشه على قتال الأقاليم المتاخمة لهم، وذكر في أخبار بني إسرائيل أنه عاش ألفًا وستمائة سنة يجوب الأرض طولها والعرض حتى بلغ المشارق والمغارب ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ أي: أمة ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ أي: ليس لهم بناء يكنهم (^٧)، ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس.\n_________\n= عبد الرزاق من طريق خليل بن أحمد، ومن طريق عمرو بن مبذول عن عثمان بن حاضر عن ابن عباس بنحوه، وهذه الطرق تقوي بعضها بعضًا. والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^١) أي: سقوطها عند المغيب.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ عن أبي يعلى به (العظمة ٤/ ١٤٤٠ ح ٩٥٢) وسنده مرسل، وهو من الإسرائيليات.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي كما في الدر المنثور.\n(^٥) وهذه الرواية والتي قبلها ظاهرها من الإسرائيليات.\n(^٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أي: يسترهم.","vol":"5","page":191},{"text":"وقال سعيد بن جبير: كانوا حمرًا قصارًا مساكنهم الغيران أكثر معيشتهم من السمك (^١).\nقال أبو داود الطيالسي: حدثنا سهل بن أبي الصلت: سمعت الحسن وسئل عن قول الله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ قال: إن أرضهم لا تحمل البناء، فإذا طلعت الشمس تغوروا في المياه فإذا غربت خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم قال الحسن: هذا حديث سَمُرة (^٢).\nوقال قتادة: ذُكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئًا فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم (^٣).\nوعن سلمة بن كهيل أنه قال: ليست لهم أكنان (^٤) إذا طلعت الشمس طلعت عليهم فلأحدهم أذنان يفرش إحداهما ويلبس الأخرى (^٥).\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ قال: هم الزنج (^٦).\nوقال ابن جريج في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ قال: لم يبنوا فيها بناء قط، ولم يبن عليهم بناء قط كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسرابًا لهم حتى تزول الشمس أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل. جاءهم جيش مرة فقال لهم أهلها: لا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها، قالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس ما هذه العظام؟ قال: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس ههنا … فماتوا، قال: فذهبوا هاربين في الأرض (^٧).\n\n<span id=\"aya-2231\"></span>وقوله: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾ قال مجاهد والسدي: علمًا (^٨)؛ أي: نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض، فإنه تعالى: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥].\n\n<span id=\"aya-2232\"></span>\n\n<span id=\"aya-2233\"></span>﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢)﴾ أي: ثم سلك طريقًا من مشارق\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق أبي داود به، وأخرجه أبو الشيخ من طريق سهل به (العظمة رقم ٩٧٩)، وسنده منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من سمرة سوى حديث العقيقة.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق قتادة به وسنده مرسل لأن قتادة لم يذكر اسم شيخه.\n(^٤) الأكنان: جمع كِن، وهو البيت والوِقاء.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور، وهذا الخبر غريب عليه أمارات الإسرائيليات.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٨) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي لم أجده.","vol":"5","page":192},{"text":"الأرض حتى إذا بلغ بين السدين، وهما جبلان متناوحان (^١) بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك فيعيثون فيها فسادًا ويهلكون الحرث والنسل، ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم ﵇، كما ثبت في الصحيحين: \"إن الله تعالى يقول: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك فيقول: ابعث بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فحينئذٍ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها فقال: إن فيكم أمّتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج\" (^٢).\nوقد حكى [النووي] (^٣) ﵀ في شرح مسلم عن بعض الناس: أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم فاختلط بالتراب فخلقوا من ذلك (^٤)، فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليسوا من حواء، وهذا قول غريب جدًا لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد ههنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحايث المفتعلة، والله أعلم.\nوفي مسند الإمام أحمد عن سَمُرة أن رسول الله ﷺ قال: \"ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك\" (^٥).\nقال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبو الترك، وقال: إنما سمي هؤلاء تركًا؛ لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة.\nوقد ذكر ابن جرير ههنا عن وهب بن منبه أثرًا طويلًا عجيبًا في سير ذي القرنين وبنائه السد وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم (^٦)، وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة لا تصح أسانيدها (^٧)، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أي: لاستعجام كلامهم وبعدهم عن الناس\n\n<span id=\"aya-2234\"></span>\n\n<span id=\"aya-2235\"></span>﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أجرًا عظيمًا (^٨). يعني: أنهم أرادوا أن يجمعوا لهم من بينهم مالًا يعطونه\n_________\n(^١) أي: متقابلان.\n(^٢) أخرجاه من حديث أبي سعيد الخدري (صحيح البخاري، الرقاق، باب قوله ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] ح ٦٥٣٠) وصحيح مسلم، الإيمان، باب قوله: (يقول الله لآدم: أخرج بعث النار … ح ٣٧٩).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"النوادي\".\n(^٤) شرح صحيح مسلم للنووي ٣/ ٩٧.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق الحسن البصري عن سَمُرة ﵁، وضعف سنده محققوه لأن الحسن لم يصرح بالسماع (المسند ٣٣/ ٢٩٣ ح ٢٠١٠٠)، وأخرجه الحاكم من طريق الحسن به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٤٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (ح ٣٢١٤)، وهو كما قال.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن إسحاق عن مجهول عن وهب ونقد متنه الحافظ ابن كثير.\n(^٧) ذكرها السيوطي في الدر المنثور.\n(^٨) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور.","vol":"5","page":193},{"text":"إياه حتى يجعل بينه وبينهم سدًا، فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه كما قال سليمان ﵇: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦] وهكذا قال ذو القرنين: الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه ولكن ساعدوني بقوة؛ أي بعملكم وآلات البناء ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾\n\n<span id=\"aya-2236\"></span>﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ والزبر: جمع زبرة، وهي القطعة منه، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة (^١)، وهي كاللبنة يقال: كل لبنة زنة قنطار بالدمشقي أو تزيد عليه ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي: وضع بعضه على بعض من الأساس حتى إذا حاذى به رؤوس الجبلين طولًا وعرضًا، واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ أي: أجج عليه النار حتى صار كله نارًا ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي هو النحاس (^٢): زاد بعضهم المذاب (^٣)، ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢] ولهذا يشبه بالبرد المحبر.\nقال ابن جرير: حدثنا بشر، عن يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلًا قال: يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال: \"انعته لي\" قال: كالبرد المحبر (^٤)، طريقة سوداء وطريقة حمراء قال: \"قد رأيته\" (^٥)، هذا حديث مرسل.\nوقد بعث الخليفة الواثق في دولته أحد أمرائه وجهز معه جيشًا سرية لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا، فتوصلوا من هناك إلى بلاد ومن ملك إلى ملك حتى وصلوا إليه ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابًا عظيمًا، وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حرسًا من الملوك المتاخمة له، وأنه عالٍ منيف شاهق لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين وشاهدوا أهوالًا وعجائب. ثم قال الله تعالى:\n\n<span id=\"aya-2237\"></span>﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا من فوق هذا السد، ولا قدروا على نقبه من أسفله، ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلًّا بما يناسبه فقال:\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن يحيى القتات عنه، ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ويتقوى بما يليه، فقول مجاهد أخرجه آدم بن إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) ذكره معمر بن المثنى (مجاز القرآن ١/ ٤١٥).\n(^٤) أي: الثوب الملون.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل كما قال.","vol":"5","page":194},{"text":"﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه ولا على شيء منه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: حدثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا، فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس (^١)، قال الذي عليهم (^٢): ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله، ويستثني (^٣) فيعودون إليه كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفًا (^٤) في رقابهم فيقتلهم بها، قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفس محمد بيده إن دوابَّ الأرض لتسمن وتشكر (^٥) شكرًا من لحومهم ودمائهم\" (^٦).\nورواه أحمد أيضًا عن حسن هو: ابن موسى الأشهب، عن سفيان، عن قتادة، به (^٧). وكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: حدث أبو رافع، وأخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة، ثم قال: غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه (^٨). وإسناده جيد قوي ولكن متنه في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون: غدًا نفتحه، فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون كذلك فيصبحون، وهو كما كان فيلحسونه ويقولون: غدًا نفتحه ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله فيصبحون وهو كما فارقوه فيفتحونه (^٩). وهذا متجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كان كثيرًا ما كان يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع (^١٠) فرفعه، والله أعلم.\nويؤكد ما قلناه من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه، ومن نكارة هذا المرفوع قول\n_________\n(^١) أي: عند غروب الشمس.\n(^٢) أي: أميرهم.\n(^٣) أي يقول: إن شاء الله.\n(^٤) هو دود يكون في أنوف الإبل والغنم.\n(^٥) أي: تسمن.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٦/ ٣٧٠ ح ١٠٦٣٢)، وأخرجه ابن ماجه من طريق سعيد بن أبي عروبة به (السنن، الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم … ح ٤٠٨٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٢٩٨) ومن الطريق نفسه أخرجه ابن حبان (الإحسان ١٥/ ٢٤٢ ح ٦٨٢٩)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٤٨٨).\n(^٧) المسند ١٦/ ٣٧١ (ح ١٠٦٣٣).\n(^٨) أخرجه ابن ماجه كما تقدم في الرواية السابقة، وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب (السنن، التفسير، باب ومن سورة الكهف ح ٣١٥٣).\n(^٩) نسبه السيوطي إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور.\n(^١٠) لكن لبعضه شواهد في صحيح من مسلم من حديث النواس بن سمعان ﵁ (الصحيح، الفتن، باب ذكر الدجال ح ٢١٣٧)، وقد أجاب الألباني على نقد الحافظ ابن كثير (السلسلة الصحيحة ح ١٧٣٥).","vol":"5","page":195},{"text":"الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمى، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أُمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قال سفيان: أربع نسوة - قالت: استيقظ النبي ﷺ من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: \"لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا\" وحلَّق (^١) قلت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم إذا كثر الخبث (^٢) \" (^٣). هذا حديث صحيح اتفق البخاري ومسلم (^٤) على إخراجه من حديث الزهري، ولكن سقط في رواية البخاري ذكر حبيبة وأثبتها مسلم، وفيه أشياء عزيزة قليلة نادرة الوقوع في صناعة الإسناد منها رواية الزهري عن عروة وهما تابعيان، ومنها اجتماع أربع نسوة في سنده كلهن يروي بعضهم عن بعض، ثم كل منهن صحابية، ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان ﵅.\nقد رُوي نحو هذا عن أبي هريرة، أيضًا، فقال البزار: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"فتح اليوم من ردم يأجوج ومأموج مثل هذا\" وعقد التسعين، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث وهيب به (^٥).\n\n<span id=\"aya-2238\"></span>وقوله: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: لما بناه ذو القرنين ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: بالناس حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلًا يمنعهم من العيث في الأرض والفساد، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: إذا اقترب الوعد الحق ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: ساواه بالأرض، تقول العرب: ناقة دكاء إذا كان ظهرها مستويًا لا سنام لها، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]: أي مساويًا للأرض.\nوقال عكرمة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ قال: طريقًا كما كان (^٦)، ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أي: كائنًا لا محالة.\n\n<span id=\"aya-2239\"></span>وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ أي: الناس يومئذٍ، أي يوم يدك هذا السد ويخرج هؤلاء فيموجون في الناس ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم، وهكذا قال السدي في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: ذاك حين يخرجون على الناس (^٧)، وهذا كله قبل القيامة وبعد الدجال، كما سيأتي بيانه عند قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧]، وهكذا قال ههنا: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: هذا أول القيامة ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ على أثر ذلك ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾.\nوقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: إذا ماج الجن والإنس\n_________\n(^١) أي: حلَّق بأصبعيه الإبهام والسبابة.\n(^٢) أي: الفسوق والفجور.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٢٨). وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج (ح ٣٣٤٦)، وصحيح مسلم، الفتن، باب اقتراب الفتن (ح ٢٨٨٠).\n(^٥) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ٣٣٤٧)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٨٨١).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور.","vol":"5","page":196},{"text":"يوم القيامة يختلط الإنس والجن (^١).\nوروى ابن جرير عن محمد بن حميد، عن يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: إذا ماج الإنس والجن قال إبليس: أنا أعلم لكم علم هذا الأمر، فيظعن إلى المشرق فيجد الملائكة قد قطعوا الأرض، ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض، فيقول: ما من محيص، ثم يظعن يمينًا وشمالًا إلى أقصى الأرض فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض، فيقول: ما من محيص، فبينما هو كذلك إذ عرض له طريق كالشراك فاخذ عليه هو وذريته، فبينما هم عليه إذ هجموا على النار، فأخرج الله خازنًا من خزان النار، فقال: يا إبليس ألم تكن لك المنزلة عند ربك؟ ألم تكن في الجنان؟ فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله فرض علي فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من خلقه، فيقول: فإن الله قد فرض عليك فريضة، فيقول: ما هي؟ فيقول: يأمرك أن تدخل النار فيتلكأ عليه، فيقول: به وبذريته بجناحيه، فيقذفهم في النار، فتزفر النار زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثى لركبتيه (^٢)، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به (^٣)، ثم رواه من وجه آخر عن يعقوب عن هارون بن عنترة، عن أبيه عن ابن عباس ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: الإنس والجن يموج بعضهم في بعض (^٤).\nوقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصفهاني، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا المغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل وتايس ومنسك\" (^٥) هذا حديث غريب، بل منكر ضعيف.\nوروى النسائي من حديث شعبة، عن النعمان بن سالم، عن ابن عمرو بن أوس، عن أبيه، عن جده أوس بن أبي أوس مرفوعًا: \"إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون كما شاؤوا، ولا يموت رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا\" (^٦).\nوقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ والصور كما جاء في الحديث: قرن ينفخ فيه، والذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇، كما تقدم في الحديث بطوله (^٧)، والأحاديث فيه كثيرة.\nوفي الحديث عن عطية، عن ابن عباس وأبي سعيد مرفوعًا: \"كيف أنعم (^٨) وصاحب القرن قد\n_________\n(^١) ذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده مرسل.\n(^٣) سنده كسابقه.\n(^٤) تقدم عزوه قبل حاشيتين.\n(^٥) أخرجه الطيالسي عن المغيرة به (المسند ح ٢٢٨٢)، وضعفه الحافظ ابن كثير وزاد (في البداية والنهاية ٢/ ١٣١) وفيه نكارة شديدة.\n(^٦) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، باب سورة الأنبياء، قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] ح ١١٣٣٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (ح ٢٠٢٧).\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.\n(^٨) أي: أفرح وأتنعم.","vol":"5","page":197},{"text":"التقم القرن وحنى جبهته (^١) واستمع متى يؤمر؟ \" قالوا: كيف نقول؟ قال: \"قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا\" (^٢).\nوقوله: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ أي: أحضرنا الجميع للحساب ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة] ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].\n\n<span id=\"aya-2240\"></span>﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عما يفعله بالكفار يوم القيامة أنه يعرض عليهم جهنم؛ أي يبرزها لهم ويظهرها ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهمّ والحزن لهم.\nوفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-2241\"></span>ثم قال مخبرًا عنهم: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي: تغافلوا وتعاموا وتصامّوا عن قبول الهدى واتباع الحق، كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ [الزخرف] وقال ههنا: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه،\n\n<span id=\"aya-2242\"></span>ثم قال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ أي: اعتقدوا أنهم يصلح لهم ذلك وينتفعون به ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم]. ولهذا أخبر الله تعالى أنه قد أعدَّ لهم جهنم يوم القيامة منزلًا.\n\n<span id=\"aya-2243\"></span>\n\n<span id=\"aya-2244\"></span>﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾.\nقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو، عن مصعب قال: سألت أبي - يعني سعد بن أبي وقاص - عن قول الله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ أهم الحرورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدًا ﷺ، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، فكان سعد ﵁ يسميهم الفاسقين (^٤).\nوقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد: هم الحرورية (^٥)، ومعنى هذا عن علي ﵁\n_________\n(^١) أي: أمالها، وهي كناية عن المبالغة في التوجه لإصغاء السمع.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٧٣ من حديث ابن عباس ﵁. وكلا الطريقين ضعيف لضعف عطية وهو العوفي.\n(^٣) تقدم تخريجه في الآية رقم ٥٣ من هذه السورة الكريمة.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ ح ٤٧٢٨).\n(^٥) قول علي بن أبي طالب ﵁ أخرجه البستي بسند صحيح من طريق أبي الطفيل عنه، وأخرجه الطبري من عدة طرق يقوي بعضها بعضًا.","vol":"5","page":198},{"text":"أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء، بل هي أعمُّ من هذا (^١)، فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل مَن عبدَ اللهَ على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤)﴾ [الغاشية] وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: نخبركم ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ ثم فسرهم، فقال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: عملوا أعمالًا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ أي: يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون محبوبون.\n\n<span id=\"aya-2245\"></span>وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ أي: جحدوا آيات الله في الدنيا وبراهينه التي أقام على وحدانيته وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ أي: لا نثقل موازينهم لأنها خالية عن الخير.\nقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا المغيرة، حدثني أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة - وقال: - اقرأوا إن شئتم ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (^٢). وعن يحيى بن بكير، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد مثله، هكذا ذكره عن يحيى بن بكير معلقًا، وقد رواه مسلم عن أبي بكر محمد بن إسحاق، عن يحيى بن [بكير] (^٣)، به (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم، فيوزن بحبة فلا يزنها\" قال: وقرأ ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، وكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن أبي الصلت، عن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة مرفوعًا … فذكره بلفظ البخاري سواء (^٥).\nوقال أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا العباس بن محمد، حدثنا عون بن عمارة، حدثنا هشام بن حسان، عن واصل، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فأقبل رجل من قريش يخطر في حلّة له، فلما قام على النبي ﷺ قال: \"يا بُريدة هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة وزنًا\" ثم قال: تفرد به واصل مولى أبي عنبسة، وعون بن عمارة، وليس\n_________\n(^١) ونحوه ذكره القسطلاني (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ٧/ ٢٣٠).\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] (ح ٤٧٢٩).\n(^٣) كذا في (حم) و(ح) وصحيح مسلم، وفي الأصل صحفت إلى: \"طبر\".\n(^٤) صحيح مسلم، صفة القيامة والجنة والنار (ح ٢٧٨٥).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو حديث صحيح متفق عليه كما سبق.","vol":"5","page":199},{"text":"بالحافظ ولم يتابع عليه (^١).\nوقد قال ابن جرير أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن شمر، عن أبي يحيى، عن كعب قال: يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرأوا ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2246\"></span>وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: إنما جازيناهم بهذا الجزاء جهنم بسبب كفرهم واتخاذهم آيات الله ورسوله هزوًا، استهزؤوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب.\n\n<span id=\"aya-2247\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾.\nيخبر تعالى عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا المرسلين فيما جاؤوا به، أن لهم جنات الفردوس، قال مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية (^٣). وقال كعب والسدي والضحاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب (^٤)، وقال أبو أُمامة: الفردوس سرة الجنة (^٥)، وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها، وقد روي هذا مرفوعًا من حديث سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ: \"الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأحسنها\" (^٦). وهكذا رواه إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سَمُرة مرفوعًا (^٧)، وروي عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعًا بنحوه روى ذلك كله ابن جرير ﵀، وفي الصحيحين: \"إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة\" (^٨). وقوله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾ أي: ضيافة، فإن النزل الضيافة.\n\n<span id=\"aya-2248\"></span>وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: مقيمين ساكنين فيها لا يظعنون عنها أبدًا ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ أي: لا يختارون عنها غيرها ولا يحبون سواها،\n_________\n(^١) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه، كما في مختصر زوائد مسند البزار (١/ ٦٥٠ ح ١١٧٧)، وضعفه الحافظ ابن حجر وقال الهيثمي: فيه عون بن عمارة وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٥/ ١٢٨).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويشهد له سابق المتفق عليه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد.\n(^٤) قول كعب أخرجه ابن المبارك (الزهد رقم ١٤٦٠)، وابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ١٤٩)، والطبري، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ١٤٨)، والطبري، والطبراني (المعجم الكبير ح ٧٩٦٦) كلهم من طريق الفرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (ح ٣٢٧٣). وأخرجه الحاكم من طريق جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة، وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: جعفر: هالك. (المستدرك ٢/ ٣٧١).\n(^٦) أخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة المؤمنون ح ٣١٧٤)، والطبري وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني إلا قوله: والفردوس ربوة. أنها مدرجة (السلسلة الصحيحة ٤/ ٤٢٧).\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق إسماعيل بن مسلم به، وفي سنده الحسن لم يصرح بالسماع ولم يسمع من سَمُرة سوى حديث العقيقة.\n(^٨) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله ح ٢٧٩٠).","vol":"5","page":200},{"text":"كما قال الشاعر (^١):\n[فحلّت] (^٢) سويدا القلب لا أنا باغيًا … سواها ولا عن حُبّهما أتحول\nوفي قوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ تنبيه على رغبتهم فيها وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائمًا أنه قد يسأمه أو يملّه، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولًا ولا انتقالًا ولا ظعنًا ولا رحلة ولا بدلًا.\n\n<span id=\"aya-2249\"></span>﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾.\nيقول تعالى: قل يا محمد: لو كان ماء البحر مدادًا للقلم الذي يكتب به كلمات الله وحكمه وآياته الدالة عليه، لنفد البحر قبل أن يفرغ كتابة ذلك ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ أي: بمثل البحر آخر، ثم آخر وهلم جرًا بحور تمده ويكتب بها، لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان].\nوقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ يقول: لو كانت تلك البحور مدادًا لكلمات الله، والشجر كله أقلام لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدًا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول: إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها.\n\n<span id=\"aya-2250\"></span>﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾.\nروى الطبراني من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن قيس الكوفي أنه سمع معاوية بن أبي سفيان قال: هذه آخر آية أُنزلت (^٣).\nيقول تعالى رسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فمن زعم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي عما سألتم من قصة أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين مما هو مطابق في نفس الأمر، ولولا ما أطلعني الله عليه، وإنما أخبركم ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ﴾ الذي أدعوكم إلى عبادته ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريك له ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: ثوابه وجزاءه الصالح ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ أي: ما كان موافقًا لشرع الله ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهو الذي يراد به وجه الله\n_________\n(^١) هو النابغة الذبياني، واستشهد به صاحب مغني اللبيب ص ٣٦٥.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) ومغني اللبيب، وفي الأصل صُحف إلى: \"فحلت\".\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٩/ ٣٩٢، قال الهيثمي: ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ١٧).","vol":"5","page":201},{"text":"وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصًا لله صوابًا على شريعة رسول الله ﷺ.\nوقد روى ابن أبي حاتم من حديث معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن طاوس قال: قال رجل: يا رسول الله إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يُرى موطني فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئًا حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^١)، وهكذا أرسل هذا مجاهد وغير واحد (^٢).\nوقال الأعمش: حدثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم، عن شهر بن حوشب قال: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت فقال: أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلًا يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد ويصوم يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، حدثنا كثير بن زيد، عن [رُبيح] (^٤) بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله ﷺ، فنبيت عنده تكون له حاجة أو يطرقه أمر من الليل فيبعثنا، فكثر المحتسبون (^٥) وأهل النوب (^٦)، فكنا نتحدث فخرج علينا رسول الله ﷺ قال: \"ما هذه النجوى؟ \" ألم أنهكم عن النجوى؟ قال: فقلنا: تبنا إلى الله؛ أي نبي الله، إنما كنا في ذكر المسيح وفرقنا (^٧) منه، فقال: \"ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح (^٨) عندي؟ \" قال: قلنا: بلى، فقال: \"الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل (^٩).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد - يعني: ابن بهرام - قال: قال شهر بن حوشب: قال ابن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية (^١٠) أنا وأبو الدرداء، لقينا عبادة بن الصامت فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا ونحن نتناجى، والله\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق عن معمر به، وأخرجه الطبري والحاكم (المستدرك ٤/ ٣٢٩) وسكت عنه هو والذهبي، وسنده صحيح لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل والأحاديث التالية.\n(^٢) أخرجه الطبري وفي سنده الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الأعمش وفي سنده الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم) والمسند، وفي الأصل بدون نقط.\n(^٥) أي: الضيوف.\n(^٦) أي: أصحاب الحاجة.\n(^٧) أي: خوفًا.\n(^٨) أي: المسيح الدجال.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لضعف كثير بن زيد وربيح بن عبد الرحمن (المسجد ١٧/ ٣٥٤، ٣٥٥ ح ١١٢٥٢)، وأخرجه ابن ماجه من طريق كثير بن زيد به (السنن، الزهد، باب الرياء والسمعة ح ٤٢٠٤)، وحسنه البوصيري، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣٨٩)، وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله موثقون (مجمع الزوائد ١/ ٣٢٠)، وأخرجه الحاكم من طريق كثير به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٢٩).\n(^١٠) الجابية: قرية تابعة لدمشق.","vol":"5","page":202},{"text":"أعلم بما نتناجى به، فقال عبادة بن الصامت: إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين؛ يعني من وسط قراء القرآن على لسان محمد ﷺ، فأعاده وأبدأه وأحلَّ حلاله وحرم حرامه ونزله عند منازله لا يحور (^١) فيكم إلا كما يحور رأس الحمار الميت. قال: فبينما نحن كذلك إذ طلع شداد بن أوس ﵁ وعوف بن مالك فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من الشهوة الخفية والشرك\" فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: اللهم غفرًا ألم يكن رسول الله ﷺ قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب؛ أما الشهوة الخفية فقد عرفناها هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد: أرأيتكم لو رأيتم رجلًا يصلي لرجل أو يصوم لرجل أو يتصدق له، أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم والله إن من صلى لرجل أو صام أو تصدق له لقد أشرك، فقال شداد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك\" فقال عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يعمد إليه إلى ما ابتغى به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به فقال شداد عند ذلك: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئًا، فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني\" (^٢).\nطريق أخرى لبعضه قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني عبد الواحد بن زياد، أخبرنا عبادة بن نسي، عن شداد بن أوس ﵁ أنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: شيء سمعته من رسول الله ﷺ فأبكاني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية\" قلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: \"نعم أما إنهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا حجرًا ولا وثنًا، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائمًا فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه\" (^٣)، ورواه ابن ماجه من حديث الحسن بن ذكوان، عن عبادة بن نسي به (^٤)، وعبادة فيه ضعف، وفي سماعه من شداد نظر.\n(حديث آخر): قال الحافظ أبو بكر البزاز: حدثنا الحسين بن علي بن جعفر الأحمر، حدثنا علي بن ثابت، حدثنا قيس بن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله يوم القيامة: أنا خير شريك من أشرك بي أحدًا فهو له كله\". وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة: سمعت العلاء يحدث، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ يرويه عن الله ﷿ أنه قال: \"أنا خير الشركاء فمن عمل عملًا أشرك فيه\n_________\n(^١) أي: لا يرجع.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ١٢٥، ١٢٦) وفي سنده شهر بن حوشب، ولبعضه شاهد صحيح عن أبي هريرة ﵁ يأتي بعد الرواية التالية.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ١٢٤)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الواحد بن زياد به، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: عبد الواحد: متروك (المستدرك ٤/ ٣٣٠).\n(^٤) السنن، الزهد، باب الرياء والسمعة (ح ٤٢٠٥) وضعفه الحافظ ابن كثير.","vol":"5","page":203},{"text":"غيري، فأنا بريء منه، وهو للذي أشرك\" (^١)، تفرد به من هذا الوجه.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا الليث، عن يزيد - يعني: ابن الهاد -، عن عمرو، عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر\" قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: \"الرياء يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء\" (^٢).\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا عبد الحميد - يعني: ابن جعفر -، أخبرني أبي، عن زياد بن ميناء، عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري، وكان من الصحابة، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك\" (^٣)، وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث محمد، وهو البرساني، به.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا بكار، حدثني أبي - يعني: عبد العزيز بن أبي بكرة -، عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سمَّع (^٤) سمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: \"من يرائي يرائي الله به، ومن يسمِّع يسمِّع الله به\" (^٦).\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت رجلًا في بيت أبي عبيدة أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"من سمع الناس بعمله سمّع الله به، ساء خلقه وصغره وحقره\" فذرفت عينا عبد الله (^٧).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن يحيى الأيلي، حدثنا الحارث بن غسان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله ﷿ يوم القيامة في صحف مختمة، فيقول الله: ألقوا هذا واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: يا رب والله ما رأينا منه إلا خيرًا، فيقول: إن عمله كان لغير وجهي ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي\" (^٨). ثم قال: الحارث بن غسان روى عنه جماعة، وهو ثقة بصري، ليس به بأس.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بنحوه (الصحيح، الزهد، باب من أشرك في عمله لغير الله ح ٢٩٨٥).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة يوسف آية ١٠٧.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة يوسف آية ١٠٧.\n(^٤) سمع فلان بعلمه: إذا أظهره ليسمع (النهاية ٢/ ٤٠٢).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٥)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٢٥).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف عطية وهو ابن سعد العوفي (المسند ١٧/ ٤٥٣ ح ١١٣٥٧).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط مسلم، والرجل الذي أبهم اسمه: خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة صرح باسم الطبراني في الكبير (المسند ١١/ ٥٦ ح ٦٥٠٩) وقال المنذري: رواه الطبراني في الكبير بأسانيد أحدها صحيح (الترغيب ١/ ٣١).\n(^٨) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٣٤٣٥) وسنده ضعيف، وأخرجه العقيلي بسند ضعيف من طريق الحارث بن غسان به، والحارث بن غسان مجهول (لسان الميزان ٢/ ١٥٥).","vol":"5","page":204},{"text":"وقال ابن وهب: حدثني يزيد بن عياض، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن قيس الخزاعي أن رسول الله ﷺ قال: \"من قام رياء وسمعة، لم يزل في مقت الله حتى يجلس\" (^١).\nوقال أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عوف بن مالك، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ﷿\" (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش، حدثنا عمرو بن قيس الكندي أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الآية، وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن (^٣).\nوهذا أثر مشكل، فإن هذه الآية آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية، ولعلّ معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها ولا تغير حكمها؛ بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة، فروى بالمعنى على ما فهمه، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا أبو قرة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ في ليلة ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الآية، كان له من النور من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة\" (^٤). غريب جدًا.\nآخر تفسير سورة الكهف، ولله الحمد.\n_________\n(^١) قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه يزيد بن عياض وهو متروك، (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٢٣) وحكم عليه الألباني بالوضع، ضعيف الجامع الصغير (ح ٥٧٥٥).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١٤٢، ١٤٣.\n(^٣) تقدم تخريجه في بداية تفسيره هذه الآية.\n(^٤) أخرجه البزار كما في مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٤١٩ (ح ٢١٢٦) قال الحافظ ابن حجر: قال الشيخ - أي الهيثمي - وأبو قرة تفرد عنه النضر. قلت: قد وثق وصح سماع سعيد من عمر. اهـ. وأخرجه الحاكم من طريق النضر بن شميل به، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: أبو قرة فيه جهالة ولم يضعف (المستدرك ٢/ ٣٧١).","vol":"5","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>سُوْرَةُ مَريَمَ</span>\nوهي مكية\nوقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أُم سلمة (^١)، وأحمد بن حنبل، عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة أن جعفر بن أبي طالب ﵁ قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه (^٢).\n\n<span id=\"aya-2251\"></span>﷽\n﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾.\nأما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة.\n\n<span id=\"aya-2252\"></span>وقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ أي: هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا، وقرأ يحيى بن يعمر (ذَكَّرَ (^٣) رحمة ربك عبده زكريا) وزكريا يمد ويقصر، قراءتان مشهورتان (^٤)، وكان نبيًا عظيمًا من أنبياء بني إسرائيل، وفي صحيح البخاري: أنه كان نجارًا يأكل من عمل يده في النجارة (^٥).\n\n<span id=\"aya-2253\"></span>وقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره، حكاه الماوردي (^٦).\nوقال آخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله، كما قال قتادة في هذه الآية: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفيّ (^٧).\n_________\n(^١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٣٤٧، وأخرجه الإمام أحمد مطولًا وحسنه محققوه (المسند ٣/ ٢٦٢ - ٢٦٩ ح ١٧٤٠).\n(^٢) ينظر الحديث السابق ففيه نص قراءة جعفر بن أبي طالب ﵁ صدر سورة مريم. وحديث ابن مسعود أخرجه الإمام أحمد وضعفه سنده محققوه (المسند ٧/ ٤٠٨ ح ٤٤٠٠)، وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ٧/ ١٨٩) وجوده الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ٣/ ٦٩).\n(^٣) وهي قراءة شاذة تفسيرية ذكرها أبو حيان ونسبها إلى يحيى بن يعمر والحسن البصري (البحر المحيط ٦/ ١٧٢).\n(^٤) ومتواترتان.\n(^٥) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الفضائل، باب من فضائل زكريا ﵇ ح ٢٣٧٩).\n(^٦) ذكره الماوردي بمعناه. النكت والعيون ٢/ ٥١٥.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد، وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة.","vol":"5","page":206},{"text":"وقال بعض السلف: قام من الليل ﵇ وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا ربِّ، يا ربِّ، فقال الله له: لبيكَ لبيكَ لبيكَ (^١).\n\n<span id=\"aya-2254\"></span>﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي: ضعفت وخارت القوى ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ أي: اضطرم المشيب في السواد، كما قال ابن دريد في مقصورته (^٢):\nأما ترى رأسي حاكى لونه … طُرَّةَ (^٣) صَبح تحت أذيال الدُّجى (^٤)\nواشتعل المبيض في مسوده … مثل اشتعال النار في جمر الغَضا (^٥)\nوالمراد من هذا الإخبار عن الضعف والكبر ودلائله الظاهرة والباطنة.\nوقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك\n\n<span id=\"aya-2255\"></span>وقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قرأ الأكثرون بنصب الياء من الموالي على أنه مفعول، وعن الكسائي: أنه سكن الياء (^٦) كما قال الشاعر:\nكأن أيديهن في القاع القِرق (^٧) … أيدي جوار يتعاطَينَ الورق (^٨)\nوقال الآخر:\nفتى لو يُباري الشمس ألقت قناعَها … أو القمرَ الساري لألقى المقالدا (^٩)\nومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي:\nتغاير الشعرُ منه إذ سهرتُ له … حتى ظننت قوافيه ستقتتل (^١٠)\nوقال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي: العصبة (^١١).\nوقال أبو صالح: الكلالة (^١٢).\nوروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أنه كان يقرؤها (وإني خفَّت الموالي من ورائي) بتشديد [الفاء] (^١٣) (^١٤) بمعنى: قلّت عصباتي من بعدي.\nوعلى القراءة الأولى وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفًا سيئًا،\n_________\n(^١) لم أجد من أخرج هذا الخبر وهو من الإسرائيليات، ومثله لا يقبل إلا برواية مرفوعة أو لها حكم الرفع.\n(^٢) شرح مقصورة ابن دريد ص ٢.\n(^٣) طرة كل شي: جانبه وحافته.\n(^٤) أي: أطراف الظلمة.\n(^٥) الغضا: نوع من الشجر له جمر يمكث طويلًا.\n(^٦) القراءاتان متواترتان.\n(^٧) القرِق: المكان المستوي، إذ يصف الراجز إبلًا بالسرعة.\n(^٨) أي: الفضة، والشاهد فيه أن الراجز سكّن ياء \"أيديهن\"، وهي اسم كأن.\n(^٩) الشاهد فيه أيضًا تسكين الياء في \"الساري\".\n(^١٠) ديوان أبي تمام ص ٢٢٧، والشاهد فيه تسكين الياء في \"قوافيه\".\n(^١١) قول مجاهد أخرجه الثوري والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقوله السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^١٢) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^١٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: \"الياء\".\n(^١٤) أخرجه الطبري تعليقًا، وهي قراءة شاذة تفسيرية.","vol":"5","page":207},{"text":"فسأل الله ولدًا يكون نبيًا من بعده ليسوسهم بنبوته ما يوحي إليه، فأجيب في ذلك لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.\nالثاني: أنه (^١) لم يذكر أنه كان ذا مال؛ بل كان نجارًا يأكل من كسب يديه (^٢)، ومثل هذا لا يجمع مالًا ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.\nالثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: \"لا نورث، ما تركنا فهو صدقة\" (^٣).\nوفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: \"نحن معشر الأنبياء لا نورث\" (^٤)، وعلى هذا فتعين حمل قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)﴾\n\n<span id=\"aya-2256\"></span>﴿يَرِثُنِي﴾ على ميراث النبوة، ولهذا قال: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] أي: في النبوة إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذْ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصّة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة\" (^٥).\nقال مجاهد في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾: كان وراثته علمًا، وكان زكريا من ذرية يعقوب (^٦).\nوقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يكون نبيًا كما كانت آباؤه أنبياء (^٧).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن: يرث نبوته وعلمه (^٨).\nوقال السدي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب (^٩).\nوعن مالك، عن زيد بن أسلم ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: نبوتهم (^١٠).\nوقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة (^١١)، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.\n_________\n(^١) أي: الوجه الثاني.\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث عمر ﵁ (صحيح البخاري، فرض الخمس، باب فرض الخمس ح ١٩٧، وصحيح مسلم، الجهاد، باب حكم الفيء ح ١٧٥٨).\n(^٤) سنن الترمذي، السير، باب ما جاء في تركة النبي ﷺ (ح ١٦١٠)، وسنده صحيح كما قال الحافظ ابن كثير.\n(^٥) تقدم تخريجه في الحديث السابق.\n(^٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^١٠) سنده صحيح.\n(^١١) أخرجه الطبري من طرق يقوي بعضها بعضًا.","vol":"5","page":208},{"text":"وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة أن النبي ﷺ قال: \"يرحم الله زكريا وما كن عليه من وراثة ماله، ويرحم الله لوطًا إن كان ليأوي إلى ركن شديد\" (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن مبارك هو: ابن فضالة، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: \"رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من وراثة ماله حين قال: هب لي من لدنك وليًا يرثني ويرث من آل يعقوب\" (^٢). وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أي: مرضيًا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.\n\n<span id=\"aya-2257\"></span>﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾.\nهذا الكلام يتضمن محذوفًا وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه، فقيل له: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران].\nوقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال قتادة وابن جريج وابن زيد: أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم (^٣)، واختاره ابن جرير ﵀.\nقال مجاهد: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي: شبيهًا (^٤)، [وأخذه من معنى قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي شبيهًا] [مريم: ٦٥] (^٥).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي لم تلد العواقر قبله مثله (^٦).\nوهذا دليل على أن زكريا ﵇ كان لا يولد له، وكذلك امرأته كانت عاقرًا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم، وسارة ﵉، فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق لكبرهما لا لعقرهما، ولهذا قال: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة، وقالت امرأته: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل لكن له أصل في الصحيحين، فقد أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ. . .﴾ [الأعراف: ٨٠] ح ٣٣٧٥، وصحيح مسلم، الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ ٢٣٧/ ١٥٣).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويتقوى بسابقه وأصله.\n(^٣) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١١/ ٥٦٢ رقم ١١٩٥٩) والطبري كلاهما بسند صحيح من طريق الحكم بن عتيبة عن مجاهد.\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"5","page":209},{"text":"قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ [الحجر].\n\n<span id=\"aya-2258\"></span>﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾.\nهذا تعجب من زكريا ﵇ حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد، ففرح فرحًا شديدًا، وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته كانت عاقرًا لم تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع أنه قد كبر وعتا؛ أي: عسا عظمه ونحل، ولم يبق فيه لقاح ولا جماع، والعرب تقول للعود إذا يبس: عتا يعتو عتيًا وعتوًا، وعسا يعسو عسوًا وعسيًا (^١)، وقال مجاهد: عتيا؛ يعني: نحول العظم (^٢)، وقال ابن عباس وغيره: عتيا؛ يعني: الكبر (^٣)، والظاهر أنه أخص من الكبر.\nوقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لقد علمت السُّنة كلَّها غير أني لا أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا؟ ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (^٤) أو عُسيًا؟ (^٥) (^٦)، ورواه الإمام أحمد عن سُريج بن النعمان وأبو داود، عن زياد بن أيوب كلاهما عن هشيم به (^٧).\n\n<span id=\"aya-2259\"></span>﴿قَالَ﴾ أي: الملك مجيبًا لزكريا عما استعجب منه ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها، ﴿هَيِّنٌ﴾ أي: يسير سهل على الله.\nثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه، فقال: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان].\n\n<span id=\"aya-2260\"></span>\n\n<span id=\"aya-2261\"></span>﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن زكريا ﵇ أنه: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة ودليلًا على وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠]. ﴿قَالَ آيَتُكَ﴾\n_________\n(^١) ذكره الطبري.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ﵄، وأخرجه الحاكم بسند ضعيف جدًا عن ابن عباس ﵄ (المستدرك ٢/ ٣٧٢).\n(^٤) بضم العين وهي قراءة متواترة.\n(^٥) وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد عن سُريج به وصحح سنده محققوه (المسند ٤/ ١١٢ ح ٢٢٤٦)، وأخرجه أبو داود عن زياد بن أيوب به مقتصرًا على الشطر الأول (السنن، الصلاة، باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر ح ٨٠٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٧٢٢)، وأخرجه الحاكم من طريق حصين به مثل رواية أبي داود، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٤٤).","vol":"5","page":210},{"text":"أي: علامتك ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ أي: أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليالٍ، وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة.\nقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض ولا علة (^١). قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ أي: متتابعات (^٣)، والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح، كما قال تعالى في آل عمران: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران].\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ من غير خرس (^٤).\nوهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ أي: إشارة، ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ أي: الذي بشر فيه بالولد ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أي: أشار إشارة خفية سريعة ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي: موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله شكرًا لله على ما أولاه.\nقال مجاهد: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أي: أشار (^٥). وبه قال وهب وقتادة (^٦).\nوقال مجاهد في رواية عنه: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أي: كتب لهم في الأرض (^٧)، وكذا قال السدي (^٨).\n\n<span id=\"aya-2262\"></span>﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾.\nوهذا أيضًا تضمن محذوفًا تقديره أنه وجد هذا الغلام المبشر به وهو: يحيى ﵇، وأن الله علَّمه الكتاب، وهو: التوارة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار، وقد كان سنُّه إذ ذاك صغيرًا، فلهذا نوه بذكره وبما أنعم به عليه\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩١)، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق قتادة عنه بلفظ: \"من غير خرس\"، وقول وهب - وهو ابن منبه - أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن وهب، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه بلفظ عكرمة، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) سنده صحيح.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) قول وهب أخرجه الطبري بسند ضعيف كسابقه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الحكم بن عتيبة عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"5","page":211},{"text":"وعلى والديه فقال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ أي: تعلم الكتاب بقوة؛ أي: بجد وحرص واجتهاد ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي: الفهم والعلم والجد والعزم والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه وهو صغير حدث، قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقت، فلهذا أنزل الله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-2263\"></span>وقوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: ورحمة من عندنا (^٢)، وكذا قال عكرمة (^٣) وقتادة والضحاك وزاد: لا يقدر عليها غيرنا (^٤)، وزاد قتادة: رحم الله بها زكريا (^٥).\nوقال مجاهد: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ وتعطفًا من ربه عليه (^٦).\nوقال عكرمة: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: محبة عليه (^٧).\nوقال ابن زيد: أما الحنان فالمحبة (^٨).\nوقال عطاء بن أبي رباح: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: تعظيمًا من لدنا (^٩).\nوقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا والله ما أدري ما حنانًا (^١٠).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، سألت سعيد بن جبير عن قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ فقال: سألت عنها ابن عباس فلم يجد فيها شيئًا (^١١).\nوالظاهر من السياق أن قوله: ﴿وَحَنَانًا﴾ معطوف على قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي: وآتيناه الحكم وحنانًا وزكاة؛ أي وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في شفقة وميل، كما تقول العرب: حنَّت الناقة على ولدها وحنَّت المرأة على زوجها، ومنه سميت المرأة حنة من الحَنّة، وحنَّ الرجل إلى وطنه، ومنه التعطف والرحمة، كما قال الشاعر (^١٢).\nتَحنَّن عليّ هَداك المليك … فإن لكل مقام مقالا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري عن أحمد بن مَنيع عن عبد الله بن المبارك به، ورجاله ثقات لكنه مرسل، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سِماك عن عكرمة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد، وهو: محمد بن حميد الرازي: ضعيف.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب - وهو عبد الله - عن ابن زيد.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو: ابن داود: ضعيف.\n(^١٠) أخرجه البُستي بسند صحيح من طريق ابن جريج به.\n(^١١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد، ولكنه توبع في الرواية السابقة فيكون السند حسنًا لغيره.\n(^١٢) هو الحُطيئة، والبيت في ديوانه ص ٧٢.","vol":"5","page":212},{"text":"وفي المسند للإمام أحمد عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة: يا حنان يا منان\" (^١)\nوقد يثنى، ومنهم من يجعل ما ورد في ذلك لغة بذاتها، كما قال طرفة:\nأبا منذر (^٢) أفنيتَ فاستبق بعضَنا … حنانيك بعض الشر أهون من بعض (^٣)\nوقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ معطوف على ﴿وَحَنَانًا﴾، فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب.\nوقال قتادة: الزكاة العمل الصالح (^٤).\nوقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي (^٥).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ ذا طهر فلم يهمّ بذنب (^٦).\n\n<span id=\"aya-2264\"></span>\n\n<span id=\"aya-2265\"></span>وقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذلك طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته عقوقهما قولًا وفعلًا، أمرًا ونهيًا، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال.\nوقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصّه بالسلام عليه، فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور المروزي، عن صدقة بن الفضل عنه (^٧).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا\" قال قتادة: عن الحسن قال: قال النبي ﷺ ما أذنب ولا همّ بامرأة (^٨)، مرسل.\nوقال محمد بن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، حدثني ابن العاص أنه سمع النبي ﷺ قال: \"كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا\" (^٩).\nابن إسحاق هذا مدلس، وقد عنعن هذا الحديث، فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد مطولًا وقال محققوه: إسناده ضعيف جدًا (المسند ٢١/ ١٠٠ ح ١٣٤١١).\n(^٢) كنية عمرو بن هند.\n(^٣) ديوان طرفة بن العبد ٢٠٨.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٩) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق به وفي سنده ابن حميد وهو: محمد بن حميد الرازي: ضعيف، وفيه أيضًا عنعنة ابن إسحاق.","vol":"5","page":213},{"text":"عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من أحد من ولد آدمَ إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متّى\" (^١). وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة، والله أعلم.\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى ﵉ التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني سلَّمت على نفسي، وسلَّم الله عليك فعرف واللهِ فضلَهما (^٢).\n\n<span id=\"aya-2266\"></span>﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾.\nلما ذكر تعالى قصة زكريا ﵇، وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدًا زكيًا طاهرًا مباركًا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى ﵉ منها من غير أب، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة، ولهذا ذكرهما في آل عمران وههنا، وفي سورة الأنبياء يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه، وأنه على ما يشاء قادر، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ وهي مريم بنت عمران من سلالة داود ﵇. وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل، وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في سورة آل عمران، وأنها نذرتها محررة؛ أي تخدم مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدؤوب، وكانت في كفالة زوج أختها زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك، وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم، ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف، وثمر الصيف في الشتاء، كما تقدم بيانه في سورة آل عمران (^٣)، فلما أراد الله تعالى وله الحكمة والحجة البالغة، أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى ﵇ أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ أي: اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهب إلى شرق المسجد المقدس. وقال السدي: لحيض أصابها (^٤)، وقيل لغير ذلك.\nقال أبو كدينة، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: إن أهل الكتاب كتب\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٥٤) وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (الزهد ص ٧٦)، والطبري كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة به، ورجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٣) في الآية ٣٧.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"5","page":214},{"text":"عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: خرجت مريم مكانًا شرقيًا، فصلوا قبل مطلع الشمس. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس قال: إني لأعلمُ خلقِ اللهِ لأي شيء اتخذت النصارى المشرقَ قبلةً لقول الله تعالى: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ واتخذو ميلاد عيسى قبلة (^٢).\nوقال قتادة: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ شاسعًا منتحيًا (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق: ذهبت بقلتها (^٤) لتستقي الماء.\nوقال نوف البكالي: اتخذتْ لها منزلًا تتعبد فيه (^٥)، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2267\"></span>وقوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ أي: استترت منهم وتوارت فأرسل الله تعالى إليها جبريل ﵇ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أي: على صورة إنسان تام كامل.\nقال مجاهد والضحاك وقتادة وابن جريج ووهب بن منبه والسدي في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني: جبرائيل ﵇ (^٦). وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن، فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء] وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب قال: إن روح عيسى ﵇ من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم ﵇، وهو الذي تمثل لها بشرًا سويًا (^٧)؛ أي روح عيسى، فحملت الذي خاطبها، وحلَّ في فيها، وهذا في غاية الغرابة والنكارة وكأنه إسرائيلي.\n\n<span id=\"aya-2268\"></span>\n\n<span id=\"aya-2269\"></span>\n\n<span id=\"aya-2270\"></span>﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ أي: لما تبدى لها الملك في صورة بشر وهي في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب، خافته وظنت أنه يريدها على نفسها، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي: إن كنت تخاف الله تذكيرًا له بالله، وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولًا بالله ﷿.\nقال ابن جرير: حدثني أبو كريب، حدثنا أبو بكر، عن عاصم قال: قال أبو وائل وذكر قصة\n_________\n(^١) أخرجه الطبري مقطعًا من طريق محمد بن الصلت عن أبي كدينة به، وفي سنده: قابوس بن أبي ظبيان فيه لين (التقريب ص ٤٤٩).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وداود هو ابن أبي هند، وعامر هو الشعبي، وأخرجه البستي من طريق ابن أبي عدي عن داود به مختصرًا، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أي: بجرتها.\n(^٥) ذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه إلى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد عن نوف بنحوه مطولًا.\n(^٦) قول مجاهد لم أجده، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، لكنه قال: ذُكر لنا، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، وقول وهب أخرجه الطبري بسند ضعيف لإبهام الراوي عن وهب، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٧) أخرجه الحاكم من طريق أبي جعفر الرازي به بنحوه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٧٣)، ولكن متنه منكر من أخبار أهل الكتاب كما قرر الحافظ ابن كثير.","vol":"5","page":215},{"text":"مريم، فقال: قد علمت أن التقيَّ ذو نُهيةٍ حين قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ (^١)؛ أي: فقال لها الملك مجيبًا لها ومزيلًا لما حصل عندها من الخوف على نفسها: لست مما تظنين ولكني رسول ربك، أي بعثني الله إليك، ويقال: إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقًا وعاد إلى هيئته وقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء، وقرأ الآخرون ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ وكلا القراءتين له وجه حسن (^٢) ومعنى صحيح، وكل تستلزم الأخرى ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي: فتعجبت مريم من هذا وقالت: كيف يكون لي غلام؟ أي على أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور، ولهذا قالت: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ والبغي: هي الزانية، ولهذا جاء في الحديث نهي عن مهر البغي (^٣).\n\n<span id=\"aya-2271\"></span>﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: فقال لها الملك مجيبًا لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلامًا وإن لم يكن لك بعل، ولا توجد منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قادر، ولهذا قال: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إلا عيسى، فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه.\nوقوله: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ أي: ونجعل هذا الغلام رحمة من الله ونبيًا من الأنبياء، يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾ [آل عمران] أي: يدعو إلى عبادة ربه في مهده وكهولته.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دُحيم، حدثنا مروان، حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي، عن مجاهد: قال: قالت مريم ﵍: كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس سبّح في بطني وكبّر (^٤).\nوقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يحتمل أن هذا من تمام كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدرته ومشيئته، ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد ﷺ وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها، كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه البخاري تعليقًا، ووصله عبد بن حميد في تفسيره من طريق المسعودي عن عاصم به (تغليق التعليق ٤/ ٣٧).\n(^٢) وكلتاهما متواترتان.\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي مسعود الأنصاري: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن (صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب ثمن الكلب ح ٢٢٣٧، وصحيح مسلم، المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب ح ١٥٦٧).\n(^٤) وسنده مرسل، وعليه أمارات الإسرائيليات.","vol":"5","page":216},{"text":"رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] وقال: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١].\nقال محمد بن إسحاق: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: إن الله قد عزم على هذا فليس منه بدٌّ (^١)، واختار هذا أيضًا ابن جرير في تفسيره ولم يحك غيره، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2272\"></span>﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال، أنها استسلمت لقضاء الله تعالى، فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك - وهو جبريل ﵇ عند ذلك نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج فحملت بالولد بإذن الله تعالى، فلما حملت به ضاقت ذرعًا، ولم تدر ماذا تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به، غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا، وذلك أن زكريا ﵇ كان قد سأل الله الولد فأجيب إلى ذلك، فحملت امرأته، فدخلت عليها مريم، فقامت إليها فاعتنقتها وقالت: أشعرت يا مريم أني حبلى؟ فقالت لها مريم: وهل علمت أيضًا أني حبلى، وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها، وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في بطنها يسجد للذي في بطن مريم؛ أي يعظمه ويخضع له، فإن السجود كان في ملَّتهم عند السلام مشروعًا، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم ﵇، ولكن حُرِّم في ملتنا هذه تكميلًا لتعظيم جلال الرب تعالى.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: قُرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك ﵀: بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵉ ابنا خالة، وكان حملهما جميعًا معًا، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك. قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى ﵇؛ لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص (^٢).\nثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى ﵇، فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. وقال عكرمة: ثمانية أشهر، قال: ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر. وقال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله الثقفي، سمع ابن عباس وسئل عن حمل مريم قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت، وهذا غريب، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فالفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] فهذه الفاء للتعقيب بحسبها.\nوقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل صفتين أربعين يومًا (^٣)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي وهو: ضعيف.\n(^٢) سنده ضعيف، لأن مالِكًا رواه بلاغًا.\n(^٣) وهو حديث ابن مسعود ﵁: \"إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل =","vol":"5","page":217},{"text":"أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] فالمشهور الظاهر، - والله على كل شيء قدير - أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن. ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل عليها، وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له: يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره، أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمل ما هي فيه، فجعل أمرها يجوس (^١) في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عَرَّضَ لها في القول فقال: يا مريم إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي. قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر من غير حب؟ وهل يكون زرع من غير بذر؟ وهل يكون ولد من غير أب؟ [فقالت: نعم، وفهمت ما أشار إليه. أما قولك: هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر، فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر، وهل يكون ولد من غير أب؟] (^٢)، فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم، فصدقها وسلَّم لها حالها (^٣)، ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة، انتبذت منهم مكانًا قصيًا؛ أي قاصيًا منهم بعيدًا عنهم لئلا تراهم ولا يروها.\nقال محمد بن إسحاق: فلما حملت به وملأت قلتها (^٤) ورجعت، استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والتوحم وتغير اللون، حتى فطر لسانها فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل فقالوا: إنما صاحبها يوسف ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس واتخذت من دونهم حجابًا، فلا يراها أحد ولا تراه.\n\n<span id=\"aya-2273\"></span>وقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي: فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع النخلة في المكان الذي تنحت إليه.\nوقد اختلفوا فيه، فقال السدي: كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس (^٥).\nوقال وهب بن منبه: ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر ضربها الطلق. وفي رواية عن وهب: كان ذلك على ثمانية (^٦) أميال من بيت المقدس في قرية هناك يقال لها: بيت لحم (^٧).\nقلت: وقد تقدم في أحاديث الإسراء من رواية النسائي، عن أنس ﵁، والبيهقي عن شداد بن أوس ﵁ أن ذلك ببيت لحم (^٨)، فالله أعلم، وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا تشك فيه النصارى أنه ببيت لحم، وقد تلقاه الناس، وقد ورد به الحديث إن صح.\nوقوله تعالى إخبارًا عنها: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ فيه دليل على جواز\n_________\n= ذلك. . .\" (صحيح البخاري، كتاب القدر، باب رقم (١) ح ٦٥٩٤، وصحيح مسلم، القدر، باب كيفية خلق الآدمي ح ٢٦٤٣).\n(^١) أي: يدور مستمرًا.\n(^٢) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٣) هذه القصة أخرجها الطبري بسنده عن وهب بن منبه، وهو مشهور بالإسرائيليات.\n(^٤) أي: جرَّتها.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) كذا في الأصول، وفي تفسير الطبري: \"ستة أميال\".\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده عن وهب بن منبه، وهو من أخبار أهل الكتاب.\n(^٨) تقدم في الآية الأولى من سورة الإسراء.","vol":"5","page":218},{"text":"تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ أي: قبل هذا الحال، ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي: لم أخلق ولم أك شيئًا، قاله ابن عباس (^١).\nوقال السدي: قالت - وهي تطلقُ من الحَبَل استحياء من الناس -: يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتي المولود من غير بعل (^٢)، ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ نسي فترك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي.\nوقال قتادة: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي: شيئًا لا يُعرف ولا يُذكر ولا يُدرَى من أنا (^٣).\nوقال الربيع بن أنس: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ هو: السقط (^٤).\nوقال ابن زيد: لم أكن شيئًا قط (^٥).\nوقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].\n\n<span id=\"aya-2274\"></span>\n\n<span id=\"aya-2275\"></span>﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾.\nقرأ بعضهم: \"مَنْ تحتها\" بمعنى الذي تحتها، وقرأ الآخرون: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ على أنه حرف جر (^٦)، واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره عن ابن عباس: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها (^٧)، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وعمرو بن ميمون والسدي وقتادة: إنه الملك جبرائيل ﵊ (^٨)؛ أي: ناداها من أسفل الوادي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦] قبل ح ٣٤٣٦)، ووصله الطبري بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس، ومعناه صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) القراءتان متواترتان.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بما يليه.\n(^٨) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول عمرو بن ميمون أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حصين عنه، وحصين هو ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي ثقة تغير حفظه في الآخر (التقريب ص ١٧٠، وينظر: تهذيب =","vol":"5","page":219},{"text":"وقال مجاهد: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: عيسى بن مريم (^١)، وكذا قال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها (^٢)، وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير أنه ابنها، قال: أو لم تسمع الله يقول: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ (^٣) [مريم: ٢٦] واختاره ابن زيد (^٤) وابن جرير في تفسيره (^٥).\nوقوله: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ أي: ناداها قائلًا: لا تحزني ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: الجدول (^٦)، وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السري: النهر (^٧)، وبه قال عمرو بن ميمون: نهر تشرب منه (^٨).\nوقال مجاهد: هو النهر بالسريانية (^٩).\nوقال سعيد بن جبير: السري: النهر الصغير بالنبطية (^١٠).\nوقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية (^١١).\nوقال إبراهيم النخعي: هو النهر الصغير (^١٢).\nوقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز (^١٣).\nوقال وهب بن منبه: السري هو ربيع الماء (^١٤).\nوقال السدي: هو النهر (^١٥)، واختار هذا القول ابن جرير (^١٦).\nوقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلُيّ، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول: سمعت ابن عمر\n_________\n= التهذيب، ترجمة عمرو بن ميمون ٨/ ١٠٩)، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر، عنه.\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند قوي من طريق ثابت بن عجلان عن سعيد بن جبير.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٥) رجحه الطبري.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق سفيان ومن طريق شعبة كلاهما عن ابن إسحاق عن البراء، وكلاهما سندٌ صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن ميمون.\n(^٩) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: وهو ضعيف.\n(^١١) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان بلفظ: \"الجدول الصغير\".\n(^١٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مغيرة عن إبراهيم.\n(^١٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^١٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام الراوي عن وهب.\n(^١٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^١٦) رجحه الطبري واستدل بالشعر.","vol":"5","page":220},{"text":"يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن السري الذي قال الله لمريم: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نهر أخرجه الله لتشرب منه\" (^١).\nوهذا حديث غريب جدًا من هذا الوجه. وأيوب بن نَهيك هذا هو الحبلى، قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث.\nوقال آخرون: المراد بالسري: عيسى ﵇، وبه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر، وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٢) والقول الأول أظهر. ولهذا قال بعده: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي: وخذي إليك بجذع النخلة. قيل: كانت يابسة، قاله ابن عباس (^٣). وقيل: مثمرة. قال مجاهد: كانت عجوة (^٤). وقال الثوري: [عن أبي داود] (^٥) نفيع الأعمى: كانت صرفانة (^٦)، والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه (^٧)، ولهذا امتنَّ عليها بذلك بأن جعل عندها طعامًا وشرابًا فقال: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾\n\n<span id=\"aya-2276\"></span>﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ أي: طيبي نفسًا، ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شيبان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: \"أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها\" وقال رسول الله ﷺ: \"أطعموا نساءكم الوُلّد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران\" هذا حديث منكر جدًا ورواه أبو يعلى عن شيبان به (^٩).\nوقرأ بعضهم ﴿تُسَاقِطْ﴾ بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها (^١٠). وقرأ أبو نهيك: \"تُسْقط عليك\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ٣٤٦ ح ١٣٣٠٣)، وضعف سنده الحافظ ابن كثير لضعف أيوب بن نَهيك.\n(^٢) قول الحسن ذكره الحافظ ابن حجر ونسبه إلى الطبري وقال: وهذا شاذ (فتح الباري ٦/ ٤٧٩)، ونسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن. وبهذا يكون أخرجه الطبري بسند صحيح عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله وهب، عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى بن ميمون عن مجاهد.\n(^٥) كذا في (حم)، وترجمته في التقريب، وهو متروك وكذبه ابن معين (التقريب ص ٥٦٥)، وفي الأصل: \"أبو الأسود\".\n(^٦) الصَرَفان: نوع من التمور الجيدة، واحدته: صرفانة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب: أنه الرطب.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق والبستي والطبري بسند صحيح من طريق حصين - وهو ابن عبد الرحمن الكوفي - عن عمرو بن ميمون. وكلامه صحيح مجرب.\n(^٩) أخرجه العقيلي (الضعفاء الكبير ٤/ ٢٥٦)، وابن عدي (الكامل ٦/ ٢٤٢٤)، وأبو يعلى (المسند ١/ ٣٥٣ ح ٤٥٥) كلهم من طريق مسرور بن سعيد التميمي به، وسنده ضعيف لضعف مسرور، وعروة لم يسمع عن علي ﵁. وقال الألباني: موضوع (السلسلة الضعيفة ح ٢٦٣).\n(^١٠) القراءتان متواترتان.","vol":"5","page":221},{"text":"رطبًا جنيًا\" (^١) وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها \"يَسّاقَطُ\" (^٢) أي: الجذع، والكل متقارب.\nوقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ أي: مهما رأيت من أحد ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قال أنس بن مالك في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قال: صمتًا (^٣)، وكذا قال ابن عباس والضحاك (^٤)، وفي رواية عن أنس: صومًا وصمتًا (^٥)، وكذا قال قتادة وغيرهما (^٦).\nوالمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد (^٧). وقال أبو إسحاق عن [حارثة] (^٨) قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم، فقال عبد الله بن مسعود: كلّم الناس وسلّم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحدًا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج - يعني بذلك مريم ﵍ (^٩) -؛ ليكون عذرًا لها إذا سئلت. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: لما قال عيسى لمريم: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج ولا مملوكة؟ أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا، قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قال: هذا كله من كلام عيسى لأمه (^١٠)، وكذا قال وهب (^١١).\n\n<span id=\"aya-2277\"></span>﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك وأن لا تكلم أحدًا من البشر،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد، وهو: محمد بن حميد الرازي: ضعيف، والقراءة شاذة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي إسحاق به، والقراءة متواترة.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريقين يقوي أحدهما الآخر عن أنس ﵁.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه البستي بسند جيد من طريق المغيرة بن عبد الله الثقفي عن ابن عباس، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^٥) أخرجه أبو عبيد (فضائل القرآن ص ١٧٦)، والطبري بسند صحيح من طريق سليمان التيمي، وهو ابن طرخان، عن أنس، وفيه: أنه قرأ، وعليه فإن القراءة شاذة تفسيرية.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٨) كذا في (حم) و(ح)، وفي تفسير الطبري وفي ترجمته في التقريب، وهو ابن مضرِّب. وفي الأصل صُحف إلى: \"جارية\".\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام الراوي عن وهب.","vol":"5","page":222},{"text":"فإنها ستكفى أمرها ويقام بحجتها، فسلَّمت لأمر الله ﷿ واستسلمت لقضائه، فأخذت ولدها فأتت به قومها تحمله، فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جدًا، و﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ أي: أمرًا عظيمًا، قاله مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن نوف البكالي قال: وخرج قومها في طلبها، قال: وكانت من أهل بيت نبوة وشرف فلم يحسوا منها شيئًا، فلقوا راعي بقر فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نعتها؟ قال: لا ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط، قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها الليلة تسجد نحو هذا الوادي.\nقال عبد الله بن أبي زياد: وأحفظ عن سيّار أنه قال: رأيت نورًا ساطعًا فتوجهوا حيث قال لهم؛ فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها فجاؤوا حتى قاموا عليها و﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ (^٢) أمرًا عظيمًا.\n\n<span id=\"aya-2278\"></span>﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ أي: يا شبيهة هارون في العبادة ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أي: أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟\nقال علي بن أبي طلحة والسدي: قيل لها: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ أي: أخي موسى، وكانت من نسله كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر (^٣)، وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون (^٤)، فكانت تقاس به في الزهادة والعبادة، وحكى ابن جرير، عن بعضهم: أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم يقال له: هارون (^٥).\nورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين [الهجستاني حدثنا ابن أبي مريم] (^٦)، حدثنا المفضل بن فضالة، حدثنا أبو صخر عن القرظي في قول الله ﷿: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] (^٧).\nوهذا القول خطأ محض، فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٢) ذكره السيوطي مطولًا وعزاه إلى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد، ونوف البكالي مشهور بروايته الإسرائيليات.\n(^٣) ذكره الطبري وأخرجه بنحوه بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحوه، وهو الذي رجحه الطبري.\n(^٥) ذكره الطبري تعليقًا دون سند وعزو.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"الهنجاني حدثنا ابن مريم\".\n(^٧) هذا الخبر من الإسرائيليات التي نقلها القرظي، وهو: محمد بن كعب، وقد ردَّ الحافظ ابن كثير هذا الخبر.","vol":"5","page":223},{"text":"على أنه آخر الأنبياء بعثًا، وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولهذا ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أنا أولى الناس بابن مريم إلا أنه ليس بيني وبينه نبي\" (^١)، ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخرًا عن الرسل سوى محمد، ولكان قبل سليمان وداود، فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى ﵉ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، وذكر القصة إلى أن قال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ الآية [البقرة: ٢٥١]، والذي جرّأ القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين تضرب بالدف هي والنساء معها يسبِّحنَ الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى وهذه هفوة وغلطة شديدة. بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس؛ سمعت أبي يذكره عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرؤون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: \"ألا أخبرتهم أنهم كانوا يُسمُّون بالأنبياء والصالحين قبلهم\" (^٢)، انفرد بإخراجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن إدريس عن أبيه، عن سماك به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين قال: نُبئت أن كعبًا قال: إن قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى قال: فقالت له عائشة: كذبت. قال: يا أم المؤمنين إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم وأخبر وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة. قال: فسكتت (^٤). وفي هذا التاريخ نظر.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ الآية، قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح ولا يعرفون بالفساد، ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلحًا محببًا في عشيرته وليس بهارون أخي موسى ولكنه هارون آخر (^٥)، قال: وذُكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفًا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل (^٦).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾ [مريم] (ح ٣٤٤٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند ٣٠/ ١٤١ ح ١٨٢٠١).\n(^٣) صحيح مسلم، الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم (ح ٢١٣٥)، وسنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة مريم (ح ٣١٥٥)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] (ح ١١٣١٥).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن محمد بن سيرين لم يسمع الخبر من كعب الأحبار.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري وهو تتمة لسابقه إلا أن قتادة في هذا الشطر لم يصرح باسم شيخه، والخبر متنه غريب جدًا.","vol":"5","page":224},{"text":"<span id=\"aya-2279\"></span>وقوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ أي: إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾؟.\nقال ميمون بن مهران: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ قالت: كلموه (^١)، فقالوا: على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلِّم من كان في المهد صبيًا.\nوقال السدي: لما \"أشارت إليه\" غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا حتى تأمرنا أن نكلِّم هذا الصبي أشد علينا من زناها ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (^٢)؛ أي: من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟\n\n<span id=\"aya-2280\"></span>قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، أول شيء تكلم به أن نزَّه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه.\nوقوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة.\nقال نوف البكالي: لما قالوا لأمه ما قالوا، كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه واتكأ على جنبه الأيسر وقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (^٣).\nوقال حماد بن سلمة، عن ثابت البناني: رفع أصبعه السبابة فوق منكبه وهو يقول: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ الآية (^٤).\nوقال عكرمة: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ أي: قضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد - هو: العطار -، عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان عيسى ابن مريم قد درس الإنجيل وأحكمها وهو في بطن أُمه، فذلك قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (^٦). يحيى بن سعيد العطار الحمصي: متروك.\n\n<span id=\"aya-2281\"></span>وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ قال مجاهد وعمرو بن قيس والثوري: وجعلني معلمًا للخير (^٧). وفي رواية عن مجاهد: نفاعًا (^٨).\nوقال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد عن ميمون.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) ذكره السيوطي وعزاه إلى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد والخبر من الإسرائيليات؛ لأن نوف البكالي معروف برواية القصص عن أهل الكتاب.\n(^٤) لم أجده عن ثابت.\n(^٥) أخرجه سفيان الثوري والطبري بسند حسن من طريق سماك عن عكرمة.\n(^٦) سنده ضعيف جدًا لأن يحيى بن سعيد العطار متروك كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٧) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف عنه، وقول الثوري أخرجه الطبري عن يونس بن عبد الأعلى قال: حدثنا سفيان. ويونس لم يدرك الثوري.\n(^٨) أخرجه الطبري والبيهقي (الجامع لشعب الإيمان رقم ٧٦٦١) بسند ضعيف عن ليث، وهو ابن أبي سليم، عن مجاهد.","vol":"5","page":225},{"text":"سمعت وهيب بن الورد مولى بني مخزوم قال: لقي عالم عالمًا هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان (^١). وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ كقوله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر].\nوقال عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس في قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ قال: أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت، ما أثبتها لأهل القدر (^٢).\n\n<span id=\"aya-2282\"></span>وقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي: وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه؛ لأن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي: ولم يجعلني جبارًا مستكبرًا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك. قال سفيان الثوري: الجبار الشقي: الذي يُقبل على الغضب (^٣).\nوقال بعض السلف: لا تجد أحدًا عاقًا لوالديه إلا وجدته جبارًا شقيًا، ثم قرأ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ قال: ولا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] (^٤).\nقال قتادة: ذُكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات سلطه الله عليهنَّ وأَذنَ له فيهنَّ، فقالت: طوبى للبطن الذي حملَك، وطوبى للثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى ﵇ يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله فاتبع ما فيه، ولم يكن جبارًا شقيًا (^٥).\n\n<span id=\"aya-2283\"></span>وقوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ إثبات منه لعبوديته لله ﷿، وأنه مخلوق من خلق الله يحيى ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد، [صلوات الله وسلامه عليه] (^٦).\n\n<span id=\"aya-2284\"></span>﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾.\nيقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ذلك الذي قصصناه عليك من خبر\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه بلفظ: \"وقد اجتمع الفقهاء\"، وسنده جيد.\n(^٢) سنده صحيح.\n(^٣) أخرجه البستي بسند صحيح عن ابن أبي عمر العدني عن سفيان.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الله بن واقد أبي رجاء عن بعض أهل العلم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل، ومثل هذا الخبر لا يؤخذ إلا من حديث مرفوع أو له حكم الرفع.\n(^٦) زيادة من (حم).","vol":"5","page":226},{"text":"عيسى ﵇: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به، ولهذا قرأ الأكثرون ﴿قولُ الحق﴾ برفع قول، وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ (^١)، وعن ابن مسعود أنه قرأ \"ذلك عيسى بن مريم قالُ الحق\" (^٢)، والرفع أظهر إعرابًا، ويشهد له قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ [آل عمران]\n\n<span id=\"aya-2285\"></span>ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبدًا نبيًا نزه نفسه المقدسة فقال: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علوًا كبيرًا ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: إذا أراد شيئًا، فإنما يأمر به فيصير كما يشاء، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ [آل عمران].\n\n<span id=\"aya-2286\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ أي: ومما أمر به عيسى قومه وهو في مهده أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم وأمرهم بعبادته، فقال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم؛ أي: قويم من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى.\n\n<span id=\"aya-2287\"></span>وقوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: اختلف أقوال أهل الكتاب (^٣) في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصممت طائفة منهم، وهم جمهور اليهود - عليهم لعائن الله - على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر. وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله. وقال آخرون: بل هو ابن الله. وقال آخرون: ثالث ثلاثة. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله، وهذا هو قول الحق الذي أرشد الله إليه المؤمنين، وقد روي نحو هذا عن عمرو بن ميمون وابن جريج وقتادة وغير واحد من السلف والخلف.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ قال: اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال بعضهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية، فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال: هو ابن الله؛ وهم النسطورية، فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، فقال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله؛ وهم الإسرائيلية ملوك النصارى - عليهم لعائن الله -. قال الرابع: كذبت؛ بل هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته؛ وهم المسلمون. فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا فظُهِرَ على المسلمين، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] قال قتادة: وهم الذين قال الله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا (^٤).\nوقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعن عروة بن الزبير، وعن بعض أهل العلم\n_________\n(^١) القراءتان متواترتان.\n(^٢) أخرجه الطبري تعليقًا، وهي قراءة مفسرة، وهو بمعنى قراءة \"قولُ الحق\".\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.","vol":"5","page":227},{"text":"قريبًا من ذلك (^١).\nوقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم، فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفًا، فاختلفوا في عيسى ابن مريم ﵇ اختلافًا متباينًا، جدًا، فقالت كل شرذمة فيه قولًا، فمائة تقول فيه شيئًا، وسبعون تقول فيه قولًا آخر، وخمسون تقول شيئًا آخر ومائة وستون تقول شيئًا، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة، وثمانية منهم اتفقوا على قول وصمموا عليه، فمال إليهم الملك وكان فيلسوفًا فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة؛ بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين وشرعوا له أشياء، وابتدعوا بدعًا كثيرة، وحرفوا دين المسيح وغيروه، فابتنى لهم حينئذٍ الكنائس الكبار في مملكته كلها، بلاد الشام والجزيرة والروم، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثنتي عشرة ألف كنيسة، وبنت أمه هيلانة قمامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي يزعم اليهود والنصارى أنه المسيح، وقد كذبوا بل رفعه الله إلى السماء.\nوقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله وافترى وزعم أن له ولدًا، ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة، وأجلهم حلمًا وثقة بقدرته عليهم، فإنه الذي لا يعجل على من عصاه، كما جاء في الصحيحين: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود] (^٢). وفي الصحيحين أيضًا عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم\" (^٣). وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ [الحج]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم] ولهذا قال ههنا: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: يوم القيامة.\nوقد جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-2288\"></span>﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار يوم القيامة: إنهم يكونون أسمع شيء وأبصره، كما قال تعالى:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود آية ١٠٢.\n(^٣) صحيح البخاري، الأدب، باب الصبر على الأذى (ح ٦٠٩٩)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب لا أحد أصبر على أذى من الله ﷿ (ح ٢٨٠٤).\n(^٤) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ. . .﴾ [آل عمران: ٤٥] (ح ٣٤٣٥) وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (ح ٣١٠).","vol":"5","page":228},{"text":"﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة] أي: يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئًا، ولو كان هذا قبل معاينة العذاب لكان نافعًا لهم ومنقذًا من عذاب الله، ولهذا قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أي: ما أسمعهم وأبصرهم (^١) ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ يعني يوم القيامة ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ أي: في الدنيا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك.\n\n<span id=\"aya-2289\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ أي: أنذر الخلائق يوم الحسرة ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فصل بين أهل الجنة وأهل النار وصار كل إلى ما صار إليه مخلدًا فيه، ﴿وَهُمْ﴾ أي: اليوم ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ عما أنذروا به يوم الحسرة والندامة ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون به.\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟، قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت\" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ وأشار بيده، ثم قال: \"أهل الدنيا في غفلة الدنيا\" هكذا رواه الإمام أحمد (^٢)، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به، ولفظهما قريب من ذلك (^٣). وقد روى هذا الحديث [الحسن] (^٤) بن عرفة: حدثني أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله (^٥)، وفي سنن ابن ماجه وغيره من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نحوه (^٦)، وهو في الصحيحين عن ابن عمر (^٧).\nرواه ابن جريج قال: قال ابن عباس .. فذكر من قبله نحوه (^٨)، ورواه أيضًا عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير يقول في قصصه: يؤتى بالموت كأنه دابة فيذبح والناس ينظرون (^٩).\n_________\n(^١) أخرج نحوه ابن أبي حاتم بسنده صحيح عن ابن عباس (ينظر: فتح الباري ٨/ ٢٣٧).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصحح سنده محققوه (المسند ١٧/ ١٢٠ ح ١١٠٦٦).\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩] (ح ٤٧٣٠)، وصحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون … (ح ٢٨٤٩).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"المسد\".\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق أسباط بن محمد به.\n(^٦) سنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة النار (ح ٤٣٢٧) وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ٣٤٩٣).\n(^٧) صحيح البخاري، الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب (ح ٦٥٤٤) وصحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون … (ح ٢٨٥٠).\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يلقَ ابن عباس، ويشهد له ما تقدم.\n(^٩) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن أبيه، وسنده ضعيف لأن فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، =","vol":"5","page":229},{"text":"وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل: حدثنا أبو الزعراء، عن عبد الله - هو ابن مسعود - في قصة ذكرها، قال: فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة، ويقال لهم: لو عملتم، فتأخذهم الحسرة، قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا أن الله منَّ عليكم (^١).\nوقال السدي، عن زياد، عن زِرٍّ بن حُبيش، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، أُتي بالموت في صورة كبش أملح حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في أهل عليين ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه، ثم ينادي منادٍ: يا أهل النار، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى: يا أهل الجنة هو الخلود أبد الآبدين، ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتًا من فرح لماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتًا من شهقة ماتوا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يقول: إذا ذبح الموت. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾: من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ قال: يوم القيامة، وقرأ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (^٤) [الزمر: ٥٦].\n\n<span id=\"aya-2290\"></span>وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو تعالى وتقدس، ولا أحد يدعي ملكًا ولا تصرفًا؛ بل هو الوارث لجميع خلقه الباقي بعدهم الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئًا، ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة.\nقال ابن أبي حاتم: ذكر هدبة بن خالد القيسي، حدثنا حزم بن أبي حزم [القُطعي] (^٥) قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة: أما بعد، فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت، فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنزل في كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه وأشهد ملائكته على خلقه: (إنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون) (^٦).\n_________\n= ويشهد له ما ثبت في الصحيحين.\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح.\n(^٢) يشهد له ما سبق.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"البطعي\".\n(^٦) سنده ضعيف لأن ابن أبي حاتم رواه معلقًا عن هدبة.","vol":"5","page":230},{"text":"<span id=\"aya-2291\"></span>\n\n<span id=\"aya-2292\"></span>﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾.\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ واتل على قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن، الذين هم من ذريته ويدعون أنهم على ملته، وقد كان صديقًا نبيًا مع أبيه، كيف نهاه عن عبادة الأصنام، فقال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ أي: لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررًا\n\n<span id=\"aya-2293\"></span>﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ يقول: وإن كنت من صلبك وتراني أصغر منك لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت، ولا اطلعت عليه ولا جاءك ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ أي: طريقًا مستقيمًا موصلًا إلى نيل المطلوب، والنجاة من المرهوب\n\n<span id=\"aya-2294\"></span>﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ أي: لا تطعه في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك والراضي به، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] وقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ [النساء].\nوقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أي: مخالفًا مستكبرًا عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تصر مثله\n\n<span id=\"aya-2295\"></span>﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي: على شركك وعصيانك لما آمرك به ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصرًا ولا مغيثًا إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النحل].\n\n<span id=\"aya-2296\"></span>\n\n<span id=\"aya-2297\"></span>﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم لولده إبراهيم فيما دعاه إليه أنه قال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾؟ يعني: إن كنت لا تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قاله ابن عباس والسدي وابن جريج والضحاك وغيره (^١).\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه البخاري معلقًا، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس (تغليق التعليق ٤/ ٢٤٨)، وصحح سنده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٢٣٧)، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، لكنه توبع في رواية ابن أبي حاتم المتقدمة.","vol":"5","page":231},{"text":"وقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق: يعني دهرًا (^١).\nوقال الحسن البصري: زمانًا طويلًا (^٢).\nوقال السدي: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: أبدًا (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: سويًا سالمًا قبل أن تصيبك مني عقوبة (^٤)، وكذا قال الضحاك وقتادة وعطية الجدلي وأبو مالك وغيرهم (^٥)، واختاره ابن جرير.\nفعندها قال إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ كما قال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ [القصص].\nومعنى قول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ يعني: أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى وذلك لحرمة الأبوة ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ ولكن سأسال الله فيك أن يهديك ويغفر ذنبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال ابن عباس وغيره: لطيفًا (^٦)؛ أي: في أن هداني لعبادته والإخلاص له.\nوقال قتادة ومجاهد وغيرهما ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال: عوَّده الإجابة (^٧).\nوقال السدي: الحفي: الذي يهتم بأمره، وقد استغفر إبراهيم ﷺ لأبيه مدة طويلة وبعد أن هاجر إلى الشام، وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق ﵉ في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم] وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك حتى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] يعني: إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به، ثم بيّن تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الكريم، وهو الجزري عنه، وقول عكرمة أخرجه سفيان الثوري والطبري بسند صحيح من طريق أبي حصين عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي حصين عنه، وقول ابن إسحاق أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف ويشهد له سابقه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى برواية الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"اجتنبني سويًا\".\n(^٥) قول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عطية الجدلي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قرة بن خالد عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٧) قول مجاهد ذكره السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"5","page":232},{"text":"يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة].\n\n<span id=\"aya-2298\"></span>وقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي أجتنبكم وأتبرأ منكم، ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله (وأدعو ربي) أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ وعسى: موجبة لا محالة، فإنه ﵇ سيد الأنبياء بعد محمد ﷺ.\n\n<span id=\"aya-2299\"></span>﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾.\nيقول تعالى: فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خير منهم، ووهب له إسحاق ويعقوب؛ يعني: ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] وقال: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ولا خلاف أن إسحاق والد يعقوب، وهو نصُّ القرآن في سورة البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ولهذا إنما ذكر ههنا إسحاق ويعقوب؛ أي: جعلنا له نسلًا وعقبًا أنبياء أقرّ الله بهم عينه في حياته، ولهذا قال: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ فلو لم يكن يعقوب ﵇ قد نبئ في حياة إبراهيم لما اقتصر عليه ولذكر ولده يوسف، فإنه نبي أيضًا كما قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته حين سئل عن خير الناس، فقال: \"يوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله\" (^١)، وفي اللفظ الآخر: \"إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2300\"></span>وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: الثناء الحسن (^٣)، وكذا قال السدي ومالك بن أنس، وقال ابن جرير: إنما قال: ﴿عَلِيًّا﴾ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (^٤).\n\n<span id=\"aya-2301\"></span>﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾.\nلما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عطف بذكر الكليم، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ قرأ بعضهم بكسر اللام (^٥) من الإخلاص في العبادة. قال الثوري، عن\n_________\n(^١) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ. . .﴾ [البقرة: ١٣٣] (ح ٣٣٧٤)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل يوسف ﵇ (ح ٢٣٧٨).\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ. . .﴾ [يوسف: ٦] ح ٤٦٨٨).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) ذكره الطبري واستشهد له بالشعر.\n(^٥) وهي قراءة متواترة.","vol":"5","page":233},{"text":"عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة قال: قال الحواريون: يا روح الله أخبرنا عن المخلص لله؟ قال: الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس (^١). وقرأ الآخرون بفتحها بمعنى أنه كان مصطفى، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤].\n﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ جمع الله له بين الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وعلى سائر الأنبياء أجمعين.\n\n<span id=\"aya-2302\"></span>وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ أي: الجبل ﴿الْأَيْمَنِ﴾ أي من جانبه الأيمن من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة فرآها تلوح، فقصدها فوجدها في جانب الطور الأيمن منه عند شاطئ الوادي، فكلمه الله تعالى وناداه وقربه فناجاه.\nروى ابن جرير: حدثنا [ابن بشار] (^٢)، حدثنا يحيى - هو القطان -، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدني حتى سمع صريف القلم (^٣)، وهكذا قال مجاهد وأبو العالية وغيرهم؛ يعنون: صريف القلم بكتابة التوراة (^٤).\nوقال السدي: ﴿قَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أدخل في السماء فكلم، وعن مجاهد نحوه.\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: نجا بصدقه (^٥).\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الجبار بن عاصم، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، عن أبي واصل، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن معديكرب قال: لما قرب الله موسى نجيًا بطور سيناء قال: يا موسى إذا خلقت لك قلبًا شاكرًا ولسانًا ذاكرًا وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن عنك من الخير شيئًا، ومن أخزن عنه هذا فلم أفتح له من الخير شيئًا (^٦).\n\n<span id=\"aya-2303\"></span>وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ أي: وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبيًا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾ [القصص] وقال: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦] وقال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ [الشعراء] ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيًا، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾.\n_________\n(^١) سنده مرسل لأن مثل هذه الروايات لا تؤخذ إلا من حديث رسول الله ﷺ.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: \"ابن يسار\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الثوري عن عطاء به، وأخرجه البستي من طريق ابن بشار، به وسنده حسن.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه أبو الشيخ (العظمة ح ٢٨٢)، والطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وكلاهما مرسل يقوي أحدهما الآخر ويتقويان بسابقهما.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال، والخبر من أهل الكتاب.","vol":"5","page":234},{"text":"قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة قال: قال ابن عباس قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد وهب نبوته له (^١)، وقد ذكره ابن أبي حاتم معلقًا عن يعقوب وهو: ابن إبراهيم الدّورقي به (^٢).\n\n<span id=\"aya-2304\"></span>﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾.\nهذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉، وهو والد عرب الحجاز كلهم بأنه كان صادق الوعد.\nقال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها؛ يعني ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها ووفاها حقها.\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن سهل بن عقيل حدثه أن إسماعيل النبي ﵇ وعد رجلًا مكانًا أن يأتيه فيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من ههنا؟ قال: لا. قال: إني نسيت قال: لم أكن أبرح حتى تأتيني، فلذلك ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (^٣).\nوقال سفيان الثوري: بلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولًا حتى جاءه (^٤).\nوقال [ابن شوذب] (^٥): بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع مسكنًا (^٦).\nوقد روى أبو داود في سننه، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه مكارم الأخلاق، من طريق إبراهيم بن طهمان، عن بُديل بن ميسرة، عن عبد الكريم - يعني: ابن عبد الله بن شقيق -، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي الحمساء، قال: بايعت رسول الله ﷺ قبل أن يبعث، فبقيت له علي بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك، قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: \"يا فتى لقد شققت عليّ، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك\". لفظ الخرائطي (^٧)، وساق آثارًا حسنة في ذلك، ورواه ابن منده أبو عبد الله في كتاب معرفة الصحابة بإسناده عن إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الكريم، به (^٨).\nوقال بعضهم: إنما قيل له: ﴿صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ لأنه قال لأبيه: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فصدَّق في ذلك، فصدق الوعد من الصفات الحميدة كما أن خُلْفه من الصفات\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) سنده كسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم وسنده ضعيف لأن الثوري رواه بلاغًا.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"سودب\".\n(^٦) وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٧) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في العِدة (ح ٤٩٩٦)، ومكارم الأخلاق (ح ٣٢)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ١٠٦٢).\n(^٨) سنده كسابقه.","vol":"5","page":235},{"text":"الذميمة، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف].\nوقال رسول الله ﷺ: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان\" (^١).\nولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله ﷺ صادق الوعد أيضًا لا يعد أحدًا شيئًا إلا وفّى له به، وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب، فقال: \"حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي\" ولما توفي النبي ﷺ قال الخليفة أبو بكر الصديق: من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتني أنجز له، فجاء جابر بن عبد الله فقال: إن رسول الله ﷺ قال: \"لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا\" يعني: ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرًا فغرف بيديه من المال، ثم أمره بعده فإذا هو خمسمائة درهم فأعطاه مثليها معها (^٢).\nوقوله: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما وصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة. وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل\" (^٣). وذكر تمام الحديث، فدل على صحة ما قلناه.\n\n<span id=\"aya-2305\"></span>وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ هذا أيضًا من الثناء الجميل والصفة الحميدة، والخلة السديدة، حيث كان مثابرًا على طاعة ربه ﷿، آمرًا بها لأهله، كما قال تعالى لرسوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦] أي: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر ولا تدعوهم هملًا، فتأكلهم النار يوم القيامة، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء\" أخرجه أبو داود وابن ماجه (^٤).\nوعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين، كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات\" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه واللفظ له (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، الإيمان، باب علامة المنافق ح ٣٣)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان خصال المنافق (ح ١٠٧).\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث المسور بن مخرمة ﵁ (صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب أصهار النبي ﷺ ح ٣٧٢٩) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة ﵂ (ح ٢٤٤٩).\n(^٣) صحيح مسلم، الفضائل، باب نسب النبي ﷺ (ح ٢٢٧٦).\n(^٤) سنن أبي داود، الصلاة، باب قيام الليل (ح ١٣٠٨)، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل (ح ١٣٣٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١١٦٠).\n(^٥) سنن أبي داود، الصلاة، باب قيام الليل (ح ١٣٠٩)، والسنن الكبرى للنسائي، قيام الليل، باب ثواب من =","vol":"5","page":236},{"text":"<span id=\"aya-2306\"></span>﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾.\nهذا ذكر إدريس ﵇ بالثناء عليه بأنه كان صديقًا نبيًا، وأن الله رفعه مكانًا عليًا، وقد تقدم في الصحيح أن رسول الله ﷺ مرّ به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة (^١). وقد روى ابن جرير ههنا أثرًا غريبًا عجيبًا، فقال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا حاضر فقال له: ما قول الله ﷿ لإدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ فقال كعب: أما إدريس، فإن الله أوحى إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملًا، فأتاه خليل له من الملائكة فقال له: إن الله أوحى إلي كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى ازداد عملًا، فحمله بين جناحيه حتى صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم ملك الموت منحدرًا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هوذا على ظهري. قال ملك الموت: العجب، بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ (^٢). هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم.\nوقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أنه سأل كعبًا فذكر نحو ما تقدم، غير أنه قال لذلك الملك: هل لك أن تسأله؛ يعني: ملك الموت، كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل؟ وذكر باقيه، وفيه: أنه لما سأله عما بقي من أجله، قال: لا أدري حتى أنظر، فنظر ثم قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض ﵇ وهو لا يشعر به (^٣)، ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس أن إدريس كان خياطًا، فكان لا يغرز إبرة إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحد أفضل عملًا منه، وذكر بقيته كالذي قبله أو نحوه (^٤).\n\n<span id=\"aya-2307\"></span>وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال إدريس: رفع ولم يمت كما رفع عيسى (^٥).\nوقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال: السماء الرابعة (^٦).\n_________\n= استيقظ وأيقظ امرأته فصليا (ح ١٣١)، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل (ح ١٣٣٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١١٦١).\n(^١) تقدم في تفسير سورة الإسراء آية ١.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، لكنه من أخبار كعب الأحبار المعروف برواية الإسرائيليات.\n(^٣) حكمه كسابقه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم وحكم كسابقه.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، لكنه غريب تفرد به مجاهد، ومثل هذا لا يؤخذ إلا من حديث ثابت مرفوع.\n(^٦) أخرجه الثوري بسنده ومتنه، وسنده صحيح موافق للحديث الصحيح المتقدم في بداية تفسير سورة الإسراء، =","vol":"5","page":237},{"text":"وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال: رفع إلى السماء السادسة فمات بها (^١)، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم (^٢).\nوقال الحسن وغيره في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال: الجنة (^٣).\n\n<span id=\"aya-2308\"></span>﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾.\nيقول تعالى: هؤلاء النبيون - وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط؛ بل جنس الأنبياء ﵈ استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ الآية، قال السدي وابن جريج ﵀. فالذي عنى به من ذرية آدم: إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح: إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم: إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم، قال ابن جرير: ولذلك فرق أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم؛ لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إدريس، فإنه جد نوح (^٤).\n(قلت): هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح ﵉، وقد قيل: إنه من أنبياء بني إسرائيل أخذ من حديث الإسراء، حيث قال في سلامه على النبي ﷺ: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، ولم يقل: والولد الصالح، كما قال آدم وإبراهيم ﵉ (^٥).\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن محمد: أن إدريس أقدم من نوح، فبعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، ويعملوا ما شاؤوا، فأبوا فأهلكهم الله ﷿ (^٦).\nومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٩٠] وقال ﷾: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨].\n_________\n= وأخرجه ابن أبي شيبة عن سفيان به (المصنف ١١/ ٥٥٠)، وكذا الطبري.\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان، وهو مخالف لما في الصحيحين أنه في السماء الرابعة.\n(^٣) قول مخالف لما في الصحيحين أنه في السماء الرابعة وليس في الجنة.\n(^٤) ذكره الطبري دون ذكر السدي.\n(^٥) تقدم في بداية تفسير سورة الإسراء.\n(^٦) سنده مرسل ولعله من أخبار أهل الكتاب.","vol":"5","page":238},{"text":"وفي صحيح البخاري عن مجاهد: أنه سأل ابن عباس: أفي ﴿ص﴾ سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فنبيكم ممن أمر يقتدي بهم، قال: وهو منهم؛ يعني: داود (^١).\nوقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ أي: إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعًا واستكانة وحمدًا وشكرًا على ما هم فيه من النعم العظيمة، والبكي جمع باك، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود ههنا اقتداء بهم واتباعًا لمنوالهم.\nقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁ سورة مريم، فسجد وقال: هذا السجود فأين البكي؟ يريد البكاء، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢)، وسقط من روايته ذكر أبي معمر فيما رأيت، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2309\"></span>﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾.\nلما ذكر تعالى حزب السعداء وهم الأنبياء ﵈، ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله التاركين لزواجره، ذكر أنه ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: قرون أُخر ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه وخير أعمال العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيًا؛ أي: خسارًا يوم القيامة.\nوقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة ههنا فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها بالكلية، قاله محمد بن كعب القرظي وابن زيد بن أسلم والسدي (^٣)، واختاره ابن جرير ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو المشهور عن الإمام أحمد، وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة (^٤) للحديث: \"بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة\" (^٥).\nوالحديث الآخر: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر\" (^٦)، وليس هذا محل بسط هذه المسألة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بنحوه (صحيح البخاري، التفسير، سورة ص ح ٤٨٠٧)، وسورة الأنعام باب ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] (ح ٤٦٣٢)، وكأن الحافظ ابن كثير، أورده بالمعنى.\n(^٢) سنده صحيح، وهو كما قال الحافظ ابن كثير فقد أخرجه الطبري من طريق الثوري به دون ذكر أبي معمر.\n(^٣) قول محمد بن كعب القرظي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي صخر عنه.\n(^٤) ورأي الجمهور أن تكفير تارك الصلاة إذا كان جاحدًا لها.\n(^٥) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ (الصحيح، الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ح ١٣٤).\n(^٦) أخرجه الترمذي من حديث بريدة ﵁ وقال: حسن صحيح غريب (السنن، الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة ح ٢٦٢١)، وكذا أخرجه ابن ماجه (السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة ح ١٠٧٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٨٨٤).","vol":"5","page":239},{"text":"وقال الأوزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مخيمرة في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ قال: أي: أضاعوا المواقيت، ولو كان تركًا كان كفرًا (^١).\nوقال وكيع عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعد، عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون] و﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] و﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢] فقال ابن مسعود: على مواقيتها. قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك، قال: ذلك الكفر (^٢).\nوقال مسروق: لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهنَّ: إضاعتهنَّ عن وقتهنَّ (^٣).\nوقال الأوزاعي، عن إبراهيم بن يزيد: أن عمر بن عبد العزيز قرأ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ ثم قال: لم تكن إضاعتهم تركها ولكن أضاعوا الوقت (^٤).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال: عند قيام الساعة وذهاب صالحي أمة محمد ﷺ ينزو بعضهم على بعض في الأزقة (^٥)، وكذا روى ابن جريج، عن مجاهد مثله (^٦)، وروى جابر الجعفي عن مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح: أنهم من هذه الأمة (^٧)؛ يعنون: في آخر الزمان.\nوقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا الحسن الأشيب، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال: هم في هذه الأمة يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون من الناس في الأرض (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا حيوة، حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني، أن الوليد بن قيس حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وأبو نعيم (الحلية ٦/ ٨٠) كلاهما عن الأوزاعي به، وأخرجه الطبري بسند آخر عن الأوزاعي عن القاسم بن مخيمرة، وأخرجه الطبري بسند آخر من طريق أبي عمرو عن القاسم بن مخيمرة، وهذه الأسانيد يقوي بعضها بعضًا. وهذا الرأي أيضًا يخالف قول الجمهور المتقدم.\n(^٢) أخرجه الطبري عن سفيان بن وكيع عن أبيه، به وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، والخطيب البغدادي في \"المتفق والمفترق\"، وأخرجه الطبري بسند كسابقه.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وفي سنده الحسين كسابقه، ويتقوى بطريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق جابر به، وفي سنده الحسين، وهو ابن داود، وهو ضعيف.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده إبراهيم بن مهاجر فيه مقال، وقد تابعه ابن أبي نجيح في الرواية قبل السابقة فيتقوى بها.","vol":"5","page":240},{"text":"يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يكون خلف بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيًا، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق وفاجر\" وقال بشير: قلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: \"المؤمن: مؤمن به، والمنافق: كافر به، والفاجر: يأكل به\" وهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن المقري به (^١).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا عيسى بن يونس، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن مالك، عن أبي الرجال أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصفة، وتقول: لا تعطوا منه بربريًا، ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"هم الخلف الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ \" (^٢)، هذا الحديث غريب. وقال أيضًا: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن الضحاك، حدثنا الوليد، حدثنا حريز، عن شيخ من أهل المدينة أنه سمع محمد بن كعب القرظي يقول في قول الله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآية، قال: هم أهل الغرب يملكون وهم شر من ملك (^٣).\nوقال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله ﷿: شرّابين للقهوات، ترّاكين للصّلوات، لعّابين بالكعبات، رقّادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، ترّاكين للجماعات، قال: ثم تلا هذه الآية ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ (^٤).\nوقال الحسن البصري: عطّلوا المساجد ولزموا الضيعات.\nوقال أبو الأشهب العطاردي: أوحى الله إلى داود ﵇: يا داود، حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته أن أحرمه من طاعتي (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا أبو [السمح] (^٦) التميمي عن [أبي] (^٧) قبيل أنه سمع عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني أخاف على أُمتي اثنتين: القرآن، واللبن أما اللبن فيتبعون الريف ويتبعون الشهوات ويتركون الصلاة، أما القرآن فيتعلمه المنافقون فيجادلون به المؤمنين\" (^٨)، ورواه عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة: حدثنا أبو قبيل عن عقبة\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من طريق أبي عبد الرحمن به، وحسّن سنده محققوه (المسند ١٧/ ٤٤٠ ح ١١٣٤٠)، وأخرجه الحاكم من طريق حيوة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٧٤)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٢٥٨).\n(^٢) أخرجه الحاكم من طريق إبراهيم بن موسى به، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: عبيد الله مختلف في توثيقه، ومالك لا أعرفه، ثم هو منقطع (المستدرك ٢/ ٢٤٤، ٢٤٥) ومتنه منكر.\n(^٣) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن محمد بن كعب.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) سنده معضل؛ لأن أبا الأشهب العطاردي هو جعفر بن حيان من أتباع التابعين.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم) ومسند أحمد، وفي الأصل بياض.\n(^٧) كذا في (ح) و(حم) ومسند أحمد، وفي الأصل صحف إلى: \"ابن\".\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٥) وفي سنده أبو قبيل، وهو حُيي بن هاني: صدوق يهم =","vol":"5","page":241},{"text":"به، مرفوعًا بنحوه، تفرد به (^١).\nوقوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾: أي: خسرانًا (^٢).\nوقال قتادة: شرًا (^٣).\nوقال سفيان الثوري وشعبة ومحمد بن إسحاق، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: وادٍ في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم (^٤).\nوقال الأعمش، عن زياد، عن أبي عياض في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: وادٍ في جهنم من قيح ودم.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني عباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن زياد ابن زيار، حدثنا شرقي بن قطامي، عن لقمان بن عامر الخزاعي قال: جئت أبا أُمامة صُدي بن عجلان الباهلي، فقلت: حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، فدعا بطعام، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو أن صخرة زنة عشرة أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفًا، ثم تنتهي إلى غي وآثام\"، قال: قلت: ما غي وآثام؟ قال: [بئران] (^٥) في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار وهما اللذان ذكرهما الله في كتابه ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، وقوله: في الفرقان: ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (^٦) [الفرقان: ٦٨] هذا حديث غريب ورفعه منكر.\n\n<span id=\"aya-2310\"></span>وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: إلا من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات، فإن الله يقبل توبته ويحسن عاقبته ويجعله من ورثة جنة النعيم، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ وذلك لأن التوبة تجب ما قبلها، وفي الحديث الآخر: \"التائب من الذنب كمن لا ذنب له\" (^٧)، ولهذا لا ينقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئًا، ولا قوبلوا بما عملوه قبلها فينقص لهم مما عملوه بعدها؛ لأن ذلك ذهب هدرًا وترك نسيًا، وذهب مجانًا من كرم الكريم وحلم الحليم، وهذا الاستثناء ههنا كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان].\n_________\n= (التقريب ص ١٨٥)، ولم يتابع. وأبو السمح فيه مقال أيضًا.\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٥) وسنده كسابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه الطبري بهذه الطرق، وفيها كلها أبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: \"نيران\".\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ووصفه الحافظ ابن كثير بالغرابة والنكارة في رفعه.\n(^٧) أخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود ﵁ (السنن، الزهد، باب ذكر التوبة ح ٤٢٥٠)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٢٧)، وهذا التحسين يبدو أنه بالشواهد لأنه ذكره في السلسلة الضعيفة (ح ٦١٥) وأعله بالانقطاع بين أبي عبيدة وابن مسعود ﵁.","vol":"5","page":242},{"text":"<span id=\"aya-2311\"></span>﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾.\nيقول تعالى: الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم هي جنات عدن؛ أي: إقامة ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾ بظهر الغيب؛ أي: هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه، وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم ..\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره، فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] أي: كائنًا لا محالة، وقوله ههنا: ﴿مَأْتِيًّا﴾ أي: العباد صائرون إليه وسيأتونه، ومنهم من قال: ﴿مَأْتِيًّا﴾ بمعنى آتيًا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته، كما تقول العرب: أتت علي خمسون سنة، وأتيت على خمسين سنة، كلاهما بمعنى واحد.\n\n<span id=\"aya-2312\"></span>وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ أي: هذه الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له، كما قد يوجد في الدنيا.\nوقوله: ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ استثناء منقطع كقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة].\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي: في مثل وقت البكرات ووقت العشيات لا أن هناك ليلًا ونهارًا، ولكنهم في أوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها، ولا يتمخطون فيها، ولا يتغوطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوّة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا\" (^١). أخرجاه في الصحيحين من حديث معمر به (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًا\" تفرد به أحمد من هذا الوجه (^٣).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: مقادير الليل والنهار (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد عن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣١٦)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (ح ٣٢٤٥)، وصحيح مسلم، الجنة، باب في صفات الجنة (ح ٢٨٣٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسنه محققوه، ونقلوا عن السندي قوله: \"على بارق نهر الجنة\" لعل المراد به الموضع الذي يبرق منه النهر الذي بباب الجنة ويظهر (المسند ٤/ ٢٢٠ ح ٢٣٩٠).\n(^٤) أخرجه الثوري عن سعيد بن سنان عن الضحاك به، وسنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس ﵄.","vol":"5","page":243},{"text":"قول الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبدًا ولهم مقدار الليل والنهار، ويعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وبفتح الأبواب (^١).\nوبهذا الإسناد عن الوليد بن مسلم، عن خُليد، عن الحسن البصري، وذكر أبواب الجنة فقال: أبواب يرى ظاهرها من باطنها فتكلم وتكلم فَتُهمْهِمُ، انفتحي انغلقي فتفعل (^٢).\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فيها ساعتان بكرة وعشي، ليس ثَمَّ ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور (^٣).\nوقال مجاهد: ليس بكرة ولا عشي، ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا (^٤).\nوقال الحسن وقتادة وغيرهما: كانت العرب الأنعم فيهم من يتغدى ويتعشى، فنزل القرآن على ما في أنفسهم من النعيم فقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (^٥).\nوقال ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: البكور يرد على العشي، والعشي يرد على البكور، ليس فيها ليل (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سليم بن منصور بن عمار، حدثني أبي، حدثني محمد بن زياد قاضي أهل شمشاط، عن عبد الله بن حدير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"ما من غداة من غدوات الجنة وكل الجنة غدوات، إلا أنه يزف إلى ولي الله، فيها زوجة من الحور العين أدناهنَّ التي خلقت من الزعفران\" قال أبو محمد: هذا حديث غريب منكر (^٧).\n\n<span id=\"aya-2313\"></span>وقوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ أي: هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة، هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله ﷿ في السراء والضراء، والكاظمون الغيظ، والعافون عن الناس، وكما قال تعالى في أول سورة المؤمنين ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون].\n\n<span id=\"aya-2314\"></span>﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يعلى ووكيع قالا: حدثنا عمر بن ذرّ، عن أبيه، عن سعيد بن جبير،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده معضل لأن مثل هذا الأثر لا يؤخذ إلا من حديث شريف.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده بلفظ: \"فتفهمهم\"، وسنده مرسل.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل التالية.\n(^٤) أخرجه الثوري وعبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٦) سنده صحيح لكنه مرسل، ويتقوى بالمراسيل الثلاثة السابقة.\n(^٧) وهو كما قال، فإن منصور بن عمار: ضعيف.","vol":"5","page":244},{"text":"عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لجبرائيل: \"ما يمنعك أن تزورنا أكثر ما تزورنا؟ \" قال: فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ. . .﴾ إلى آخر الآية (^١).\nانفرد بإخراجه البخاري فرواه عند تفسير هذه الآية عن أبي نعيم، عن عمر بن ذرّ، به (^٢). ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عمر بن ذرّ به وعندهما زيادة في آخر الحديث: فكان ذلك الجواب لمحمد ﷺ (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: احتبس جبرائيل عن رسول الله ﷺ فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وحزن فأتاه جبريل وقال: يا محمد ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية (^٤).\nوقال مجاهد: لبث جبرائيل عن محمد ﷺ اثنتي عشرة ليلة، ويقولون: أقل، فلما جاءه قال: \"يا جبرائيل لقد لبثت عليَّ حتى ظنَّ المشركون كلَّ ظن\" فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. قال: وهذه الآية كالتي في الضحى (^٥) (^٦)، وكذلك قال الضحاك بن مزاحم وقتادة والسدي وغير واحد: إنها نزلت في احتباس جبرائيل (^٧). وقال الحكم بن أبان عن عكرمة قال: أبطأ جبرائيل النزول على النبي ﷺ: أربعين يومًا، ثم نزل، فقال له النبي ﷺ: \"ما نزلت حتى اشتقت إليك\" فقال له جبريل: بل أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور، فأوحى الله إلى جبرائيل أن قل له: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية (^٨)، ورواه ابن أبي حاتم ﵀، وهو غريب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مجاهد قال: أبطأت الرسل على النبي ﷺ، ثم أتاه جبريل فقال له: \"ما حبسك يا جبريل؟ \" فقال له جبريل: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصّون أظفاركم، ولا تنقّون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم، ولا تستاكون. ثم قرأ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ. . .﴾ إلى آخر الآية (^٩).\nوقد قال الطبراني: حدثنا أبو عامر النحوي، حدثنا محمد بن إبراهيم الصوري، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا إسماعيل بن عياش، أخبرني ثعلبة بن مسلم، عن أَبي كعب مولى ابن عباس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أن جبرائيل أبطأ عليه فذكر له ذلك، فقال: وكيف وأنتم لا تستنون (^١٠)، ولا تقلمون أظفاركم، ولا تقصّون شواربكم، ولا تنقّون\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٣١)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] (ح ٤٧٣١).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق وكيع عن عمر بن ذر، وسنده صحيح، والزيادة صحيحة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.\n(^٥) أي: قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى].\n(^٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، لكنه مرسل ويتقوى برواية الصحيح السابقة.\n(^٧) قول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وهذان المرسلان يقوى أحدهما الآخر ويتقويان بالحديث الصحيح المتقدم.\n(^٨) وسنده مرسل، والحكم بن أبان: صدوق له أوهام، كما في التقريب.\n(^٩) رجاله ثقات لكنه مرسل، ويتقوى بما سبق.\n(^١٠) أي: لا تستعملون السواك.","vol":"5","page":245},{"text":"رواجبكم (^١) (^٢)؟ وهكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي اليمان، عن إسماعيل بن عياش، عن ابن عباس بنحوه (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا المغيرة بن حبيب، عن مالك بن دينار، حدثني شيخ من أهل المدينة، عن أم سلمة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: \"أصلحي لنا المجلس فإنه ينزل ملك إلى الأرض لم ينزل إليها قط\" (^٤).\nوقوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ قيل: المراد ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ أمر الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ أمر الآخرة، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ما بين النفختين، هذا قول أبي العالية وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة في رواية عنهما، والسدي والربيع بن أنس (^٥).\nوقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ ما يستقبل من أمر الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي: ما مضى من الدنيا ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: ما بين الدنيا والآخرة، ويروى نحوه عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن جريج والثوري، (^٦)، واختاره ابن جرير أيضًا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ قال مجاهد: معناه ما نسيك ربك (^٧)، وقد تقدم عنه أن هذه الآية كقوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي، حدثنا محمد بن عثمان يعني: أبا الجماهر، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء يرفعه قال: \"ما أحلَّ الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا\" ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (^٨).\n\n<span id=\"aya-2315\"></span>وقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [أي: خالق ذلك ومدبره والحاكم فيه والمتصرف الذي لا معقّب لحكمه ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ] (^٩) هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هل\n_________\n(^١) الرواجب: ما بين عقد الأصابع من داخل.\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٤٣١، ٤٣٢ ح ١٢٢٢٤)، وسنده ضعيف لجهالة ثعلبة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد عن أبي اليمان به، وضعف سنده محققوه، كما في رواية الطبراني (المسند ٤/ ٦٨ ح ٢١٨١).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٩٦) وسنده ضعيف لإبهام اسم الراوي عن أم سلمة ﵂.\n(^٥) قول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، أحدهما تقدم في رواية أبي العالية، وقول عكرمة وسعيد بن جبير أخرجهما ابن أبي حاتم كما عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور.\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه ويتقوى بالآثار التالية: إذ أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد.\n(^٨) سنده حسن وأخرجه الحاكم من طريق عاصم به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٧٥)، ونسبه الهيثمي إلى البزار والطبراني وحسّن سنده (مجمع الزوائد ١/ ١٧٦).\n(^٩) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (ح) و(حم).","vol":"5","page":246},{"text":"تعلم للرب مثلًا أو شَبهًا (^١)، وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج، وغيرهم (^٢).\nوقال عكرمة، عن ابن عباس: ليس أحد يسمى الرحمن غيره ﵎ وتقدس اسمه (^٣)\n\n<span id=\"aya-2316\"></span>﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾.\nيخبر تعالى عن الإنسان أنه يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس] وقال ههنا: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾\n\n<span id=\"aya-2317\"></span>﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ يستدل تعالى بالبداءة على الإعادة؛ يعني أنه تعالى قد خلق الإنسان ولم يك شيئًا، أفلا يعيده وقد صار شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وفي الصحيح: \"يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من آخره، وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدًا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-2318\"></span>وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ أقسم الرب ﵎ بنفسه الكريمة أنه لا بد أن يحشرهم جميعًا وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس: يعني: قعودًا، كقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨] (^٥).\nوقال السدي في قوله: ﴿جِثِيًّا﴾: يعني: قيامًا (^٦)، وروي عن مرة، عن ابن مسعود، مثله (^٧).\n\n<span id=\"aya-2319\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ يعني: مِنْ كل أُمة، قاله مجاهد ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ (^٨).\nقال الثوري، عن [علي بن الأقمر] (^٩)، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: يحبس الأول\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الأعمش عن مجاهد، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، ويتقوى بما سبق.\n(^٣) أخرجه الحاكم من طريق سماك بن حرب عن عكرمة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٧٥).\n(^٤) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، التفسير، سورة الإخلاص ح ٤٩٧٥).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل بلفظ: \"أبي\" ثم بياض مقدار كلمة.\n(^٩) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.","vol":"5","page":247},{"text":"على الآخر حتى إذا تكاملت العدة أتاهم جميعًا، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرمًا، وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ (^١).\nوقال قتادة: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ قال: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤساءهم في الشر (^٢)، وكذا قال ابن جريج وغير واحد من السلف (^٣)، وهذا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾ [الأعراف].\n\n<span id=\"aya-2320\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ ثم ههنا لعطف الخبر على الخبر، والمراد أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم ويخلد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب، كما قال في الآية المتقدمة: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2321\"></span>\n\n<span id=\"aya-2322\"></span>﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد البرساني، عن أبي سُميَّة قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعًا، ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال: يردونها جميعًا، وقال سليمان بن مرة: يدخلونها جميعًا، وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمتًا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يبقى برٌّ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا كما كانت النار على إبراهيم حتى إن للنار ضجيجًا من بردِهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًا\" (^٤)، غريب ولم يخرجوه.\nوقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن [بكار] (^٥) بن أبي مروان، عن خالد بن معدان قال: قال أهل الجنة بعدما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة (^٦).\nوقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: كان عبد الله بن رواحة واضعًا رأسه في حجر امرأته، فبكى فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال: إني ذكرت قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فلا أدري\n_________\n(^١) أخرجه البستي بسند حسن من طريق الثوري به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن جريج بمعناه، وفي سنده الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لجهالة أبي سُميَّة (المسند ٢٢/ ٣٩٦ ح ١٤٥٢٠).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: \"مكان\".\n(^٦) أخرجه الطبري عن الحسن بن عرفة به، وسنده مرسل؛ لأن خالد بن معدان تابعي معروف بكثرة الإرسال، كما في التقريب.","vol":"5","page":248},{"text":"أأنجو منها أم لا؟. وفي رواية: وكان مريضًا (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ قال: أُخبرنا أنّا واردوها ولم نُخبَر أنّا صادرون عنها (^٢).\nوقال عبد الله بن المبارك، عن الحسن البصري قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟، قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك؟ قال: فما رُئي ضاحكًا حتى لحق بالله (^٣).\nوقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق فقال ابن عباس: الورود: الدخول، فقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء] أوردوا أم لا، وقال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود] وردوا أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك، فضحك نافع (^٤).\nوروى ابن جريج عن عطاء قال: قال أبو راشد الحروري - وهو: نافع بن الأزرق -: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] فقال ابن عباس: ويلك، أمجنون أنت؟ أين قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم] ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، والله إن كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالمًا، وأدخلني الجنة غانمًا (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أسباط، عن عبد الملك، عن عبيد الله، عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فأتاه رجل يقال له: أبو راشد، وهو نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عباس أرأيت قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾؟ قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا؟ (^٦).\nوقال أبو داود الطيالسي: قال شعبة: أخبرني عبد الله بن السائب، عمن سمع ابن عباس يقرؤها \"وإن منهم (^٧) إلا واردها\" يعني: الكفار (^٨)، وهكذا روى عمر بن الوليد الشنّي أنه سمع عكرمة يقرؤها كذلك \"وإن منهم إلا واردها\" قال: وهم الظلمة كذلك كنا نقرؤها. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري والحاكم من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: فيه إرسال (المستدرك ٤/ ٥٨٨).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن يمان به (المصنف ١٣/ ٤١٣).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك (الزهد ٢١١)، وابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ٥٠٠) بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن الحسن.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عباس ﵄، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به. ويتقوى برواية مجاهد عن ابن عباس التالية.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٧) وهي قراءة شاذة.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق أبي داود به، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عباس ﵄.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن عمر بن الوليد الشني به، والقراءة شاذة تفسيرية.","vol":"5","page":249},{"text":"وقال العوفي، عن ابن عباس: قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ يعني: البر والفاجر، ألا تسمع إلى قول الله لفرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ فسمى الورود على النار: دخولًا، وليس بصادر (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، هو: ابن مسعود: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال رسول الله ﷺ: \"يرد الناس النار كلهم ثم يصدرون عنها بأعمالهم\" (^٢). [ورواه الترمذي عن عبد بن حميد] (^٣)، عن عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي به. ورواه من طريق شعبة، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفًا (^٤)، هكذا وقع هذا الحديث ههنا مرفوعًا.\nوقد رواه أسباط، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: يرد الناس جميعًا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل حتى إن آخرهم مرًّا رجل نوره على موضع إبهامي قدميه، يمر فيتكفأ به الصراط، والصراط دحض مزلة عليه حسك كحسك القتاد، حافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار يختطفون بها الناس (^٥) … وذكر تمام الحديث، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير: حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، حدثنا إسرائيل، أخبرنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم. ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سَلِّم سَلِّم (^٦)، ولهذا شواهد في الصحيحين وغيرهما من رواية أنس (^٧) وأبي سعيد وأبي هريرة وجابر وغيرهم من الصحابة ﵃.\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن الجريري، عن [أبي السليل] (^٨)، عن غنيم بن قيس قال: ذكروا ورود النار، فقال كعب: تمسك النار الناس كأنها متن إهالة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق: برُّهم وفاجرهم، ثم يناديها منادٍ: أن امسكي أصحابك ودعي أصحابي، قال: فتخسف بكل ولي لها، وهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية ثيابهم. قال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود ذو\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسّن سنده محققوه (المسند ٧/ ٢٠٦ ح ٤١٤١).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) وسنن الترمذي، وفي الأصل صحف إلى: \"ورواه الزهري عن محمد بن حميد\".\n(^٤) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة مريم ح ٣١٦٠.\n(^٥) سنده حسن.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل، به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٧٥).\n(^٧) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار ح ٦٥٦٥)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ٢٢٢).\n(^٨) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: \"ابن أبي ليلى\".","vol":"5","page":250},{"text":"شعبتين، يدفع به الدفع فيصرع به في النار سبعمائة ألف (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أُم مبشر، عن حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرًا والحديبية\" قالت: فقلت: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ قالت: فسمعته يقول: \" ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ \" (^٢).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا ابن إدريس، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أُم مبشر امرأة زيد بن حارثة قالت: كان رسول الله ﷺ في بيت حفصة فقال: \"لا يدخل النار أحد شهد بدرًا والحديبية\" قالت حفصة: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ فقال رسول الله ﷺ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (^٣).\nوفي الصحيحين من حديث الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار إلا تحِلَّة القسم (^٤) \" (^٥).\nوقال عبد الرزاق: قال معمر: أخبرني الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: \"من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تحلّة القسم\" يعني: الورود (^٦).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا زمعة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم\" قال الزهري: كأنه يريد هذه الآية ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ يعود رجلًا من أصحابه وعك وأنا معه ثم قال: \"إن الله تعالى يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة\" (^٨)، غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن المبارك (الزهد ٤٠٥)، وأبو عبيد (في غريب الحديث ٤/ ٣٤٦) كلاهما من طريق الجريري به، وسنده مرسل.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٨٥) وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر ﵁ به (الصحيح، فضائل الصحابة، باب من فضائل أصحاب الشجرة ح ٢٤٩٦).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٦٢)، وسنده صحيح.\n(^٤) تحلة القسم: وهو أن يباشر من الفعل الذي يُقسِم عليه المقدارَ الذي يُبِرُّ به قسمه، مثل أن يحلف على النزول بمكان، فلو وقع به وقعة خفيفة أجزأته .. فالمعنى: لا تمسه النار إلا مسّة يسيرة مثل تحلة قسم الحالف (النهاية ١/ ٤٣٠).\n(^٥) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] (ح ٦٦٥٦)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه (ح ٢٦٣٢).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف زمعة كما في التقريب، ولكنه توبع في الروايات السابقة فيكون حسنًا لغيره.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الرحمن بن يزيد به، وقال محققوه: =","vol":"5","page":251},{"text":"وحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد قال: الحمى حظ كل مؤمن من النار ثم قرأ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يختمها عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة\" فقال عمر: إذًا نستكثر يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"الله أكثر وأطيب\"، وقال رسول الله ﷺ: \"من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا إن شاء الله، ومن حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لا بأجر سلطان لم ير النار بعينيه إلا تحلَّة القسم\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وإن الذكر في سبيل الله يضاعف فوق النفقة بسبعمائة ضعف. وفي رواية: بسبعمائة ألف ضعف (^٣).\nوروى أبو داود عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب وسعيد بن أيوب، كلاهما عن زبّان، عن سهل، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ: \"إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف\" (^٤).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: هو الممر عليها (^٥).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهرانيها وورود المشركين أن يدخلوها، وقال النبي ﷺ: \"الزالون والزالات يومئذٍ كثير وقد أحاط بالجسر يومئذٍ سماطان من الملائكة دعاؤهم يا الله سلِّم سلِّم\" (^٦).\nوقال السدي، عن مرة، عن ابن مسعود في قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ قال: قسمًا واجبًا (^٧).\nوقال مجاهد: ﴿حَتْمًا﴾، قال: قضاءً (^٨)، وكذا قال ابن جريج (^٩).\n_________\n= إسناده جيد (المسند ١٥/ ٤٢٢ ح ٩٦٧٦)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي أسامة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٤٥).\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مقطعًا إلى أربعة أقسام، وضعف سنده محققوه لضعف زبّان (المسند ٢٤/ ٣٧٦ - ٣٨٠ ح ١٥٦١٠ - ١٥٦١٣).\n(^٣)\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في تضعيف الذكر في سبيل الله ح ٢٤٩٨) وفي سنده أيضًا زبّان، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٥٣٧).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن، والشطر الأول وهو من تفسير عبد الرحمن بن زيد سنده صحيح، والشطر الثاني المرفوع سنده ضعيف معضل.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف جدًا من طريق أبي عمرو داودِ بنِ الزبرقان، وهو متروك كما في التقريب ص ١٩٨، عن السدي به.\n(^٨) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.","vol":"5","page":252},{"text":"وقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: إذا مر الخلائق كلهم على النار وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي بحسبهم، نجى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم، فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أكلتهم النار إلا دارات وجوههم وهي مواضع السجود، وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيُخرجون أولًا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، حتى يُخرجون من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، ثم يخرج الله من النار من قال يومًا من الدهر: لا إله إلا الله وإن لم يعمل خيرًا قط، ولا يبنى في النار إلا من وجب عليه الخلود كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾.\n\n<span id=\"aya-2323\"></span>\n\n<span id=\"aya-2324\"></span>﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾.\nيخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة الحجة واضحة البرهان أنهم يصدون ويعرضون عن ذلك، ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم ﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أي: أحسن منازل وأرفع دورًا ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ وهو: مجتمع الرجال للحديث؛ أي: ناديهم أعمر وأكثر واردًا وطارقًا، يعنون: فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل وأولئك الذين هم مختفون مستترون في في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق؟ كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، وقال قوم نوح: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام] ولهذا قال تعالى رادًا على شبهتهم: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: وكم من أمة وقرن من المكذبين قد أهلكناهم بكفرهم ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ أي: كانوا أحسن من هؤلاء أموالًا ومناظر وأشكالًا وأمتعة.\nقال الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ قال المقام: المنزل، والندي: المجلس، والأثاث: المتاع، والرئي: المنظر (^١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: المقام: المسكن، والندي: المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها، وهو كما قال الله لقوم فرعون حين أهلكهم وقصّ شأنهم في القرآن: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦)﴾ [الدخان] فالمقام: المسكن والنعيم، والندي: المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه، وقال تعالى فيما قصّ على رسوله من أمر قوم لوط: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] والعرب تسمي المجلس: النادي (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن الأعمش به مقطعًا.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى شطره الأول بسابقه.","vol":"5","page":253},{"text":"وقال قتادة: لما رأوا أصحاب محمد ﷺ في عيشهم خشونة وفيهم قشافة فعرض أهل الشرك ما تسمعون ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (^١). وكذا قال مجاهد (^٢) والضحاك.\nومنهم من قال في الأثاث هو: المال (^٣)، ومنهم من قال: الثياب (^٤)، ومنهم من قال: المتاع والرئي المنظر، كما قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد (^٥).\nوقال الحسن البصري: يعني: الصور (^٦). وكذا قال مالك: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ أكثر أموالًا وأحسن صورًا. والكل متقارب صحيح.\n\n<span id=\"aya-2325\"></span>﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم المدعين أنهم على حق وأنكم على باطل: ﴿مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ﴾ أي: منا ومنكم ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ أي: فأمهله الرحمن فيما هو فيه حتى يلقى ربه وينقضي أجله [﴿إِمَّا الْعَذَابَ﴾] (^٧) يصيبه ﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ بغتة تأتيه ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذٍ ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندى.\nقال مجاهد في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾: فليدعه الله في طغيانه (^٨).\nوهكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير ﵀.\nوهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦] أي: ادعوا بالموت على المبطل منا أو منكم إن كنتم تدعون أنكم على الحق، فإنه لا يضركم الدعاء، فنكلوا عن ذلك، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة البقرة مبسوطًا، ولله الحمد، وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة آل عمران (^٩)، حين صمموا على الكفر واستمروا على الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله، وقد [ذكر] (^١٠) الله حججه وبراهينه على عبودية عيسى، وأنه مخلوق كآدم، قال تعالى بعد ذلك: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى بمرسل مجاهد التالي.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهذا المرسل مع سابقه يقوي أحدهما الآخر.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.\n(^٤) أخرجه البستي بسند حسن من عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه البستي والطبري بسند حسن من طريق أبي ظبيان عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٧) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"إما بعذاب\".\n(^٨) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) آية ٦١.\n(^١٠) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض فيه حرف: \"د\".","vol":"5","page":254},{"text":"جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران]، فنكلوا أيضًا عن ذلك.\n\n<span id=\"aya-2326\"></span>﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾.\nلما ذكر تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه، أخبر بزيادة المهتدين هدى، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [التوبة].\nوقوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قد تقدم تفسيرها والكلام عليها وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة الكهف (^١).\n﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ أي: جزاء ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ أي: عاقبة ومردًا على صاحبها.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جلس رسول الله ﷺ ذات يوم فأخذ عودًا يابسًا فحطَّ ورقه، ثم قال: \"إن قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحانه الله، والحمد لله، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهنَّ يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة\". قال أبو سلمة: فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهلّلنَّ الله، ولأكبرنَّ الله، ولأسبحنَّ الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون (^٢). وهذا ظاهره أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة عن أبي الدرداء، والله أعلم، وهكذا وقع في سنن ابن ماجه من حديث أبي معاوية، عن عمر بن راشد، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي الدرداء … فذكر نحوه (^٣).\n\n<span id=\"aya-2327\"></span>﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خبَّاب بن الأرت قال: كنت رجلًا قينًا (^٤) وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه منه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيتك، فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (^٥). أخرجه\n_________\n(^١) آية ٤٦.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده ضعيف لضعف عمر بن راشد (التقريب ص ٤١٢).\n(^٣) سنن ابن ماجه، الأدب، باب فضل التسبيح (ح ٣٨١٣)، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٤) القين: الحدّاد.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١١١) وسنده صحيح.","vol":"5","page":255},{"text":"صاحبا الصحيح وغيرهما من غير وجه عن الأعمش به، وفي لفظ البخاري: كنت قينًا بمكة فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه … فذكر الحديث (^١). وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: موثقًا (^٢).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال خبَّاب بن الأرت: كنت قينًا بمكة فكنت أعمل للعاص بن وائل، فاجتمعت لي عليه دراهم فجئت لأتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: إن رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطالبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالًا وولدًا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله مثله في القرآن، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (^٤)، وهكذا قال مجاهد وقتادة وغيرهم: إنها نزلت في العاص بن وائل (^٥).\nوقوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ قرأ بعضهم بفتح الواو من ولدًا، وقرأ آخرون بضمها (^٦)، وهو بمعناه قال رؤبة:\nالحمد لله العزيز فردًا … لم يتخذ من وُلدِ شيء ولدًا (^٧)\nوقال الحارث بن حلزة:\nولقد رأيت معاشرًا … قد ثمَّروا مالًا وولدا (^٨)\nوقال الشاعر:\nفليت فلانًا كان في بطن أمه … وليت فلانًا كان ولد حمار (^٩)\nوقيل: إن الولد بالضم جمع، والولد بالفتح مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2328\"></span>﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ إنكار على هذا القائل: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ يعني: يوم القيامة؛ أي أعلم ماله\n_________\n(^١) صحيح البخاري، البيوت، باب ذكر القين والحداد (ح ٢٠٩١)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب سؤال اليهود النبي ﷺ عن الروح (ح ٢٧٩٥).\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير سورة مريم (ح ٤٧٣٣).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح عنه لكنه مرسل، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن عنه، وهو مرسل أيضًا، وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر، ويشهد لهما ما سبق في الصحيحين.\n(^٦) كلتاهما قراءتان متواترتان.\n(^٧) استشهد به الطبري منسوبًا لرؤبة.\n(^٨) استشهد به الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٧٣ والطبري.\n(^٩) استشهد به الطبري وابن جني في المحتسب ١/ ٣٦٥.","vol":"5","page":256},{"text":"في الآخرة حتى تألى وحلف على ذلك ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك، وقد تقدم عند البخاري أنه الموثق (^١).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ قال: لا إله إلا الله فيرجو بها (^٢).\nوقال محمد بن كعب القرظي: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم قرأ ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (^٣) (^٤).\n\n<span id=\"aya-2329\"></span>وقوله: ﴿كَلَّا﴾ هي حرف ردع لما قبلها، وتأكيد لما بعدها ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ أي: من طلبه ذلك وحكمه لنفسه بما يتمناه وكفره بالله العظيم، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ أي: في الدار الآخرة على قوله ذلك وكفره بالله في الدنيا،\n\n<span id=\"aya-2330\"></span>﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي: من مال وولد نسلبه منه عكس ما قال: إنه يؤتى في الدار الآخرة مالًا وولدًا زيادة على الذي له في الدنيا؛ بل في الآخرة يسلب منه الذي كان له في الدنيا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ أي: من المال والولد.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ قال: نرثه (^٥).\nقال مجاهد: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ ماله وولده. وذلك الذي قال العاص بن وائل (^٦).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ قال: ما عنده. وهو قوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾. وفي حرف ابن مسعود: \"ونرثه ما عنده\" (^٧).\nوقال قتادة: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ لا مال له ولا ولد (^٨).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ قال: ما جمع من الدنيا وما عمل فيها، قال: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ قال: فردًا من ذلك لا يتبعه قليل ولا كثير (^٩).\n\n<span id=\"aya-2331\"></span>﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾.\nيخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم أنهم اتخذوا من دونه آلهة لتكون تلك الآلهة ﴿عِزًّا﴾\n_________\n(^١) تقدم آنفًا.\n(^٢) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس ويتقوى برواية البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (الأسماء والصفات ص ١٣٤).\n(^٣) أخرجه البستي بسند ضعيف من طريق سعيد الخراط عن محمد بن كعب، ويشهد له سابقه.\n(^٤) ورد في الأصل رواية ابن أبي حاتم التي ستأتي في تفسير الآية ٨٧ من هذه السورة، وأما في (ح) و(حم) والطبعات فقد وردت رواية ابن أبي حاتم عند الآية ٨٧، لذا فقد أثبت الرواية هناك.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، والشطر الأول سنده صحيح عن قتادة، والشطر الثاني سنده منقطع؛ لأن قتادة لم يسمع من ابن مسعود ﵁، والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.","vol":"5","page":257},{"text":"يعتزون بها ويستنصرونها،\n\n<span id=\"aya-2332\"></span>ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا ولا يكون ما طمعوا فقال: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ أي: بخلاف ما ظنوا فيهم كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف] وقرأ أبو نهيك: (كلٌ سيكفرون بعبادتهم) (^١). وقال السدي: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: بعبادة الأوثان (^٢).\nوقوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ أي: بخلاف ما رجوا منهم.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال: أعوانًا (^٣).\nقال مجاهد: عونًا عليهم تخاصمهم وتكذبهم (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال: قرناء (^٥).\nوقال قتادة: قرناء في النار يلعن بعضهم بعضًا، ويكفر بعضهم ببعض (^٦).\nوقال السدي: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال: الخصماء الأشداء في الخصومة (^٧)، وقال الضحاك: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال: أعداء (^٨).\nوقال ابن زيد: الضد: البلاء (^٩).\nوقال عكرمة: الضد: الحسرة (^١٠).\n\n<span id=\"aya-2333\"></span>وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: تغويهم إغواءًا (^١١).\nوقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد، وأصحابه (^١٢).\nوقال مجاهد: تشليهم إشلاء (^١٣). وقال قتادة: تزعجهم إزعاجًا إلى معاصي الله (^١٤).\nوقال سفيان الثوري: تغريهم إغراءًا وتستعجلهم استعجالًا.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن أبي نهيك بلفظ: \"كُلَّا\" ذكره السيوطي وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن أبي نهيك بلفظ: \"كُلّا\". وهي قراءة شاذة تفسيرية ذكرها ابن جني (المحتسَب ٢/ ٤٥).\n(^٢) لم أجده، ومعناه صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به، ويتقوى بسابقيه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"ويتبرأ بعضهم من بعض\".\n(^٧) لم أجده ويشهد له سابقه.\n(^٨) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^١٠) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم عن عكرمة، وعزاه إلى عبد بن حميد عن ابن عباس.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^١٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.\n(^١٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^١٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"5","page":258},{"text":"وقال السدي: تطغيهم طغيانًا.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ [الزخرف] (^١).\n\n<span id=\"aya-2334\"></span>وقوله: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله. وقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم]، ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق] ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان] ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠].\nوقال السدي: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ السنين والشهور والأيام والساعات، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: \"إنما نعدهم عدّا\" قال: نعد أنفاسهم في الدنيا (^٢).\n\n<span id=\"aya-2335\"></span>﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾.\nيخبر تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه في الدار الدنيا، واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به، وانتهوا عما عنه زجروهم، أنه يحشرهم يوم القيامة وفدًا إليه، والوفد هم: القادمون ركبانًا، ومنه الوفود وركوبهم على نجائب (^٣) من نور من مراكب الدار الآخرة. وهم قادمون على خير موفود إليه إلى دار كرامته ورضوانه، وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفًا إلى النار ﴿وِرْدًا﴾ عطاشًا، قاله عطاء وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد (^٤)، وههنا يقال: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن ابن مرزوق ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحًا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد طيَّب ريحك وحسَّن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا فهلم اركبني فيركبه، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ (^٥).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: ركبانًا (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أي: من أفاضل الحيوان، وقد بينته السُّنة أنهم يركبون الإبل.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٥) سنده مرسل.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"5","page":259},{"text":"وقال ابن جرير: حدثني [بن المثنى] (^١)، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: على الإبل (^٢).\nوقال ابن جريج: على النجائب (^٣).\nوقال الثوري: على الإبل النوق (^٤).\nوقال قتادة: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: إلى الجنة (^٥).\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سويد بن سعيد، أخبرنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعد، قال: كنا جلوسًا عند علي ﵁، فقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: لا والله ما على أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم ولكن بنوق لم يرَ الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة (^٦). وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به. وزاد عليها: رحائل من ذهب وأزمتها الزبرجد .. والباقي مثله (^٧).\nوروى ابن أبي حاتم ههنا حديثًا غريبًا جدًا مرفوعًا عن علي، فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي: سمعت أبا معاذ البصري قال: إن عليًا كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ، فقرأ هذه الآية ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ: \"والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب، شُرُك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون أو فيأتون باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب فيضربون بالحلقة على الصفحة، فيسمع لها طَنين [يا علي]، (^٨)، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خرّ له - قال مسلمة: أراه قال: ساجدًا - فيقول: ارفع رأسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه، ويقفو أثره فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي وأنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل: \"مثنى\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن أبي هريرة ﵁ ولكنه يتقوى برواية الشيخين فقد أخرجاه عن أبي هريرة بنحوه (صحيح البخاري، الرقاق، باب الحشر ح ٦٥٢٢، وصحيح مسلم، الجنة، باب فناء الدنيا وبيان الحشر ح ٢٨٦١).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن جريج ويشهد له ما سبق.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن سفيان الثوري ويشهد له ما سبق.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد بسنده ومتنه في زوائده على المسند، وضعفه محققوه لضعف عبد الرحمن بن إسحاق وجهالة النعمان بن سعد (المسند ٢/ ٤٤٧ ح ١٣٣٣).\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن إسحاق به، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٨) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"على\".","vol":"5","page":260},{"text":"الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن، فيدخل بيتًا من رأسه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أحمر وأصفر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها. وفي البيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد أنهار من ماء غير آسن، قال: صافٍ لا كدر فيه، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ولم يخرج من ضروع الماشية، وأنهار من خمر لذة للشاربين لم يعتصرها الرجال بأقدامهم، وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائمًا وإن شاء قاعدًا وإن شاء متكئًا، ثم تلا: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ [الإنسان] فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض، وربما قال: أخضر، فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها؛ أي: الألوان شاء، ثم تطير فتذهب فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف] ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض لأضاءت الشمس معها سواد في نور\" (^١)، هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا، وقد رويناه في المقدمات من كلام علي ﵁ بنحوه، وهو أشبه بالصحة، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2336\"></span>\n\n<span id=\"aya-2337\"></span>وقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ أي: عطاشًا ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ أي: ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء].\nوقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ هذا استثناء منقطع بمعنى لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا، وهو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بحقها. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: العهد شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله ﷿.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عثمان بن خالد الواسطي، حدثنا محمد بن الحسن الواسطي، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله - يعني ابن مسعود - هذه الآية ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ثم قال: اتخذوا عند الله عهدًا، فإن الله يوم القيامة يقول: من كان له عند الله عهد فليقم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن فعلمنا. قال: قولوا: اللَّهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أن لا تكلني إلى عملي يقربني من الشر ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدًا تؤديه إليّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد (^٢). وقال المسعودي: فحدثني زكريا عن القاسم بن عبد الرحمن، أخبرنا ابن مسعود وكان يُلْحِق بهنّ مستجيرًا مستغفرًا راهبًا راغبًا إليك. ثم رواه من وجه آخر عن المسعودي بنحوه.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف أبي معاذ، وهو: سليمان بن أرقم البصري، وهو لم يدرك أحدًا من الصحابة (ينظر: التقريب ص ٢٥٠)، ولبعضه شواهد من القرآن والسنة.\n(^٢) أخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن سعد عن المسعودي عن عون عن الأسود بن يزيد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٧٧، ٣٧٨).","vol":"5","page":261},{"text":"<span id=\"aya-2338\"></span>\n\n<span id=\"aya-2339\"></span>﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾.\nلما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى ﵇ وذكر خلقه من مريم بلا أب، شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولدًا، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوًا كبيرًا، فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ أي: في قولكم هذا ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومالك: أي عظيمًا (^١).\nويقال: (إدًا) بكسر الهمزة (^٢) وفتحها، ومع مدها أيضًا ثلاث لغات أشهرها الأولى.\n\n<span id=\"aya-2340\"></span>\n\n<span id=\"aya-2341\"></span>وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ أي: يكاد ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم إعظامًا للرب وإجلالًا؛ لأنهم مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له؛ بل هو الأحد الصمد.\nوفي كل شيءٍ له آية … تدل على أنه واحد\nقال ابن جرير: حدثني علي، حدثنا عبد الله، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ قال: إن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وقال رسول الله ﷺ: \"لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة\"، فقالوا: يا رسول الله فمن قالها في صحته؟ قال: \"تلك أوجب وأوجب\". ثم قال: \"والذي نفسي بيده لو جيء بالسماوات والأرضين وما فيهن وما بينهن وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن\" هكذا رواه ابن جرير (^٣)، ويشهد له حديث البطاقة، والله أعلم.\nوقال الضحاك: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ أي: يتشققن فرقًا من عظمة الله (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾ أي: غضبًا له ﷿ (^٥)، ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾.\nقال ابن عباس: هدمًا (^٦)، وقال سعيد بن جبير: هدًا ينكسر بعضها على بعض متتابعات.\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٢) وهي قراءة متواترة وما سواها شاذ.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الأحاديث المرفوعة لا بدّ فيها من معرفة الواسطة، ولهذا قال الحافظ ابن كثير: ويشهد له حديث البطاقة، وحديث البطاقة صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٣٥).\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ من طريق جويبر عن الضحاك، العظمه رقم ٧٦. سنده ضعيف لضعف جويبر.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"5","page":262},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن سويد المقبري، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا مسعر، عن عون، عن عبد الله قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان، هل مرَّ بك اليوم ذاكر الله ﷿؟ فيقول: نعم ويستبشر، قال عون: لهي للخير أسمع أفيسمعن الزور والباطل إذا قيل ولا يسمعن غيره، ثم قرأ ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ (^١).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا هَوذة، حدثنا عوف، عن غالب بن عجرد، حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منى قال: بلغني أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة - أو قال:- كان لهم فيها منفعة، ولم تزل الأرض والشجر بذلك حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة قولهم: اتخذ الرحمن ولدًا، فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض وشاك الشجر. وقال كعب الأحبار: غضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنه يشرك به ويجعل له ولدًا، وهو يعافيهم ويدفع عنهم وبرزقهم\" (^٣) أخرجاه في الصحيحين (^٤). وفي لفظ: \"إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم\".\n\n<span id=\"aya-2342\"></span>\n\n<span id=\"aya-2343\"></span>\n\n<span id=\"aya-2344\"></span>\n\n<span id=\"aya-2345\"></span>وقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ أي: لا يصلح له ولا يليق به لجلاله وعظمته؛ لأنه لا كفء له من خلقه؛ لأن جميع الخلائق عبيد له، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ أي: قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ذكرهم وأنثاهم، صغيرهم وكبيرهم، ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ أي: لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، ولا يظلم أحدًا.\n\n<span id=\"aya-2346\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾.\nيخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني من طريق سفيان به (المعجم الكبير ٩/ ١٠٧). قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٧٩).\n(^٢) في سنده شيخ غالب مبهم، أخرجه الطبري من طريق قتادة عن كعب، وسنده منقطع لأن قتادة لم يسمع من كعب، وكعب معروف برواية الإسرائيليات.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٩٥)، وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، الأدب، باب الصبر في الأدب (ح ٦٠٩٩)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب لا أحد أصبر على أذى من الله ﷿ (ح ٢٨٠٤).","vol":"5","page":263},{"text":"ترضي الله ﷿ لمتابعتها الشريعة المحمدية، يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، وهذا أمر لا بدَّ منه ولا محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ من غير وجه، قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، قال: ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبدًا دعا جبريل فقال: يا جبريل إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض\" (^١). ورواه مسلم من حديث سهيل (^٢)، ورواه أحمد والبخاري من حديث ابن جريج عن موسى بن عقبة، عن نافع مولى ابن عمر، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ بنحوه (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون أبو محمد المرئي، حدثنا محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"إن العبد ليلتمس مرضاة الله ﷿، فلا يزال كذلك فيقول الله ﷿ لجبريل: إن فلانًا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه، فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، ويقولها حملة العرش، ويقولها من حولهم حتى يقولها أهل السماوات السبع، ثم يهبط إلى الأرض\" (^٤) غريب. ولم يخرجوه من هذا الوجه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن محمد بن سعد الواسطي، عن أبي ظبية، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن المقة من الله - قال شريك: هي المحبة - والصيت في السماء، فإذا أحبَّ الله عبدًا قال لجبريل ﵇: إني أحبُ فلانًا، فينادي جبريل: إن ربكم يمق - يعني يحب - فلانًا فأحبوه - أرى شريكًا قد قال: فتنزل له المحبة في الأرض - وإذا أبغض عبدًا قال لجبريل: إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فينادي جبريل: إن ربكم يبغض فلانًا فأبغضوه - أرى شريكًا قال:- فيجري له البغض في الأرض\" (^٥) غريب، ولم يخرجوه.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو داود الحفري، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - وهو [الدراوردي] (^٦)، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانًا فأحبه، فينادي في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد، وصححه سنده محققوه (المسند ١٤/ ١٩٦ ح ٨٥٠٠).\n(^٢) صحيح مسلم، البر والصلة، باب إذا أحب الله عبده حببه إلى عباده (ح ٢٦٣٧).\n(^٣) المسند ٢/ ٥١٤، وصحيح البخاري، بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (ح ٣٢٠٨).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه، وحسّن سنده محققوه (المسند ٣٧/ ٨٧ ح ٢٢٤٠١)، وأخرجه الطبراني من طريق ميمون به (المعجم الأوسط ٨/ ٢٠٦ ح ٢٩٧٦)، وقال الهيثمي: ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٠٢).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره (المسند ٣٦/ ٦٠٤ ح ٢٢٢٧٠).\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: \"المرواوردي\".","vol":"5","page":264},{"text":"الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ \" (^١)، رواه مسلم والترمذي، كلاهما عن قتيبة، عن الدراوردي، به. وقال [الترمذي] (^٢): حسن صحيح (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قال: حبًا (^٤).\nوقال مجاهد عنه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قال: محبة في الناس في الدنيا (^٥).\nوقال سعيد بن جبير عنه: يحبهم ويحببهم (^٦)؛ يعني إلى خلقه المؤمنين، كما قال مجاهد (^٧) أيضًا والضحاك وغيرهم.\nوقال العوفي، عن ابن عباس أيضًا: الود من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن واللسان الصادق (^٨).\nوقال قتادة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ إيْ والله في قلوب أهل الإيمان، وذُكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم (^٩).\nوقال قتادة: وكان عثمان بن عفان ﵁ يقول: ما من عبد يعمل خيرًا أو شرًا إلا كساه الله ﷿ رداء عمله (^١٠).\nوقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن البصري ﵀ قال: قال رجل: والله لأعبدنَّ الله عبادة أُذكر بها، فكان لا يرى في حين صلاة إلا قائمًا يصلي، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج، فكان لا يعظم، فمكث بذلك سبعة أشهر، وكان لا يمر على قوم إلا قالوا: انظروا إلى هذا المرائي، فأقبل على نفسه فقال: لا أراني أذكر إلا بشر، لأجعلنَّ عملي كلَّه لله ﷿، فلم يزد على أن قلب نيته، ولم يزد على العمل الذي كان يعمله، فكان يمر بعد بالقوم فيقولون: رحم الله فلانًا الآن، وتلا الحسن ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ (^١١).\n_________\n(^١) سنده حسن.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) وسنن الترمذي، وفي الأصل صحفت إلى: \"الزهري\".\n(^٣) صحيح مسلم، البر والصلة، باب إذا أحب الله عبده حببه إلى عباده (ح ٢٦٣٧)، وسنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة مريم (٣١٦١).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبيد المكتب عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف، فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد لأوله ما سبق.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأما رواية قتادة عن هرم فضعيفة؛ لأنه لم يسمع من هرم.\n(^١٠) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من عثمان ﵁.\n(^١١) سنده حسن.","vol":"5","page":265},{"text":"وقد روى ابن جرير أثرًا أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف (^١)، وهو خطأ، فإن هذه السورة بكمالها مكية لم ينزل منها شيء بعد الهجرة، ولم يصح سند ذلك، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2347\"></span>وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ يعني: القرآن ﴿بِلِسَانِكَ﴾ أي: يا محمد، وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: المستجيبين لله، المصدقين لرسوله، ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أي: عوجًا عن الحق مائلين إلى الباطل.\nوقالى ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ لا يستقيمون (^٢).\nوقال الثوري، عن إسماعيل - وهو السدي - عن أبي صالح: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ عوجًا عن الحق (^٣).\nوقال الضحاك: الألد الخصم (^٤).\nوقال القرظي: الألد الكذاب.\nوقال الحسن البصري: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ صمًّا (^٥)، وقال غيره: ثم آذان القلوب.\nوقال قتادة: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ يعني: قريشًا (^٦).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ فجارًا (^٧)، وكذا روى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد (^٨).\nوقال ابن زيد: الألد: الظلوم، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] (^٩).\n\n<span id=\"aya-2348\"></span>وقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أمة كفروا بآيات الله وكذبوا رسله ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ أي: هل ترى منهم أحدًا أو تسمع لهم ركزًا.\nوقال ابن عباس وأبو العالية وعكرمة والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد: يعني صوتًا (^١٠).\nوقال الحسن وقتادة: هل ترى عينًا أو تسمع صوتًا (^١١)؟، والركز في أصل اللغة هو: الصوت الخفي.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق أبي عبيدة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، وضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) سنده حسن.\n(^٤) أخرجه البستي بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٥) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، والذي أخرجه الطبري بسند صحيح بلفظ: \"جدلًا بالباطل\".\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظ: \"ظلمة\".\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث به.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^١٠) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^١١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"5","page":266},{"text":"قال الشاعر (^١):\nفتوجَّست ركز الأنيس فراعها … عن ظهر غيب والأنيس سَقامها\nآخر تفسير سورة مريم ولله الحمد والمنّة، ويتلوه إن شاء الله تفسير سورة طه والحمد لله، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.\n_________\n(^١) هو الصحابي الجليل لبيد بن ربيعة ﵁، والبيت في ديوانه ص ٣١١.","vol":"5","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-132>سُورَةُ طَه</span>\nوهي مكية\nروى إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في (كتاب التوحيد) عن زياد بن أيوب، عن إبراهيم بن المنذر الحزامي: حدثنا إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، عن عمر بن حفص بن ذكوان، عن مولى الحرقة - يعني عبد الرحمن بن يعقوب -، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله قرأ (طه) و(يس) قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلما سمعت الملائكة قالوا: طوبى لأُمة ينزل عليهم هذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا\" (^١). هذا حديث غريب وفيه نكارة، وإبراهيم بن مهاجر وشيخه تكلم فيهما.\n\n<span id=\"aya-2349\"></span>﷽\n﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾.\nفقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة الواسطي، حدثنا أبو أحمد - يعني: الزبيري - أنبأنا إسرائيل، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: طه يا رجل (^٢)، وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب وأبي مالك وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن أبزى أنهم قالوا: طه: بمعنى يا رجل (^٣) .. وفي رواية عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري: أنها كلمة بالنبطية معناها: يا رجل (^٤). وقال أبو صالح: هي معربة (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة بسنده ومتنه (التوحيد ص ١٠٩)، وسنده ضعيف جدًا، وذكر ابن حبان أنه موضوع (المجروحين ١/ ١٠٨)، وكذا ابن الجوزي (الموضوعات ١/ ١١٠).\n(^٢) سنده حسن.\n(^٣) أخرجه البخاري تعليقًا عن عكرمة والضحاك وابن جبير، ووصل الحافظ ابن حجر هذه المعلقات (تغليق التعليق ٤/ ٢٥١ - ٢٥٣)، وأخرجه الطبري والبستي عن أغلبهم بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٤) قول ابن عباس وسعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم من طريقين عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (تغليق التعليق ٤/ ٢٥٣) وسنده حسن، وقول الثوري أخرجه البستي بسند صحيح من طريق ابن أبي عمر العدني عنه.\n(^٥) ذكره السيوطي في المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب ص ١١١.","vol":"5","page":268},{"text":"وأسند القاضي عياض في كتابه الشفاء من طريق عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هاشم بن القاسم، عن ابن جعفر، عن الربيع بن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى: ﴿طه (١)﴾ يعني: طأ الأرض يا محمد ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ (^١) ثم قال: ولا خفاء بما في هذا الإكرام وحسن المعاملة (^٢).\n\n<span id=\"aya-2350\"></span>\n\n<span id=\"aya-2351\"></span>وقوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ قال جويبر، عن الضحاك: لما أنزل الله القرآن على رسوله ﷺ قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ (^٣) فليس الأمر كما زعمه المبطلون؛ بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرًا كثيرًا، كما ثبت في الصحيحين عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\" (^٤).\nوما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال: حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا العلاء بن مسلمة، حدثنا إبراهيم الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي\" (^٥) إسناده جيد، وثعلبة بن الحكم هذا هو الليثي، ذكره أبو عمر في استيعابه، وقال: نزل البصرة ثم تحول إلى الكوفة، وروى عنه سماك بن حرب (^٦).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ هي كقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة (^٧).\nوقال قتادة: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورًا ودليلًا إلى الجنة (^٨) ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ إن الله أنزل كتابه وبعث رسوله رحمة رحم بها عباده ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله وهو ذكر أنزل الله فيه حلاله وحرامه.\n\n<span id=\"aya-2352\"></span>وقوله: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤)﴾ أي: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد هو تنزيل من ربك، رب كل شيء ومليكه القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السماوات العلى في ارتفاعها ولطافتها، وقد جاء في الحديث الذي صححه\n_________\n(^١) سنده ضعيف لإرسال الربيع بن أنس، وهو من صغار التابعين.\n(^٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١/ ٢٦.\n(^٣) أخرجه البستي من طريق جويبر به، وسنده ضعيف لضعف جويبر، وإرسال الضحاك.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين (ح ٧١)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب النهي عن المسألة (ح ١٠٣٧).\n(^٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ٨٤ ح ١٣٨١)، وسنده ضعيف جدًا لأن العلاء بن مسلمة متروك كما في ميزان الاعتدال وقد جعله ابن الجوزي ضمن الموضوعات (١/ ٢٦٣).\n(^٦) الاستيعاب ١/ ٢٠٤.\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"5","page":269},{"text":"الترمذي وغيره أن سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبعد ما بينها والتي تليها مسيرة خمسمائة عام (^١).\nوقد أورد ابن أبي حاتم ههنا حديث الأوعال من رواية العباس عم رسول الله ﷺ ورضي الله عنه (^٢).\n\n<span id=\"aya-2353\"></span>وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف (^٣) بما أغنى عن إعادته أيضًا، وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل.\n\n<span id=\"aya-2354\"></span>وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾ أي: الجميع ملكه، وفي قبضته، وتحت تصرفه ومشيئته وإرادته وحكمه، وهو خالق ذلك ومالكه وإلهه لا إله سواه ولا رب غيره. وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾.\nقال محمد بن كعب: أي ما تحت الأرض السابعة (^٤).\nوقال الأوزاعي: إن يحيى بن أبي كثير حدثه أن كعبًا سئل فقيل له: ما تحت هذه الأرض؟ فقال: الماء قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء، قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء، قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء، قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الصخرة، قيل: وما تحت الصخرة؟ قال: ملك، قيل: وما تحت الملك؟ قال: حوت معلق طرفاه بالعرش، قيل: وما تحت الحوت؟ قال: الهواء والظلمة وانقطع العلم (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله بن أخي بن وهب، حدثنا عمي، حدثنا [عبد الله بن عياش] (^٦)، حدثنا عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية سجن الريح، والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، والخامسة فيها حيات جهنم، والسادسة فيها عقارب جهنم، والسابعة فيها سقر وفيها إبليس مصفد بالحديد يد أمامه ويد خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه\" (^٧). وهذا حديث غريب جدًا، ورفعه فيه نظر.\n_________\n(^١) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة الحديد (ح ٣٢٩٨)، وسنده ضعيف، لأن فيه الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ذكر ذلك الترمذي ولهذا قال: غريب من هذا الوجه.\n(^٢) سيأتي في تفسير سورة فاطر آية ٧، وهو من الإسرائيليات.\n(^٣) آية: ٥٤.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق محمد بن رفاعة عن محمد بن كعب، ومحمد بن رفاعة: مقبول كما في التقريب.\n(^٥) الخبر من الإسرائيليات التي اشتهر بها محمد بن كعب.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"عبد الله بن عباس\".\n(^٧) سنده ضعيف لضعف أبي عبيد الله ابن أخي ابن وهب كما في ميزان الاعتدال، واسمه أحمد بن عبد الرحمن، وفيه درّاج روى مناكير، ولهذا قال الحافظ ابن كثير: غريب جدًا، وفيه ضعف عبد الله بن عياش، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الله بن عياش به، وصححه الحاكم وتعقبه =","vol":"5","page":270},{"text":"وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الهروي، عن العباس بن الفضل قال: قلت: ابن الفضل الأنصاري؟ قال: نعم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فأقبلنا راجعين في حرٍّ شديد، فنحن متفرقون بين واحد واثنين منتشرين، قال: وكنت في أول العسكر إذ عارضنا رجل فسلَّم، ثم قال: أيكم محمد؟ ومضى أصحابي ووقفت معه، فإذا رسول الله ﷺ قد أقبل في وسط العسكر على جمل أحمر مقنع بثوبه على رأسه من الشمس، فقلت: أيها السائل هذا رسول الله ﷺ قد أتاك، فقال: أيهم هو؟ فقلت: صاحب البكر الأحمر، فدنا منه فأخذ بخطام راحلته، فكفَّ عليه رسول الله ﷺ فقال: أنت محمد؟ قال: \"نعم\". قال: إني أريد أن أسألك عن خصال لا يعلمهنَّ أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان؟ فقال: رسول الله ﷺ: \"سل عما شئت\" قال: يا محمد أينام النبي؟ فقال رسول الله ﷺ: \"تنام عيناه ولا ينام قلبه\" قال: صدقت. ثم قال: يا محمد من أين يشبه الولد أباه وأمه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأي الماءين غلب على الآخر نزع الولد\" فقال: صدقت، فقال: ما للرجل من الولد، وما للمرأة منه؟ فقال: \"للرجل العظام والعروق والعصب، وللمرأة اللحم والدم والشعر\" قال: صدقت، ثم قال: يا محمد ما تحت هذه؟ - يعني: الأرض - فقال رسول الله ﷺ: \"خلق\" فقال: فما تحتهم؟ قال: \"أرض\". قال: فما تحت الأرض؟ قال: \"الماء\". قال: فما تحت الماء؟ قال: \"ظلمة\". قال: فما تحت الظلمة؟ قال: \"الهواء\". قال: فما تحت الهواء؟ قال: \"الثرى\". قال: فما تحت الثرى؟ ففاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء، وقال: \"انقطع علم الخلق عند علم الخالق، أيها السائل ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\". قال: فقال: صدقت، أشهد أنك رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: \"أيها الناس هل تدرون من هذا؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"هذا جبريل ﵇\" (^١). هذا حديث غريب جدًا، وسياق عجيب، تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا، وقد قال فيه يحيى بن معين: ليس يساوي شيئًا، وضعفه أبو حاتم الرازي، وقال ابن عدي: لا يعرف. قلت: وقد خلط في هذا الحديث، ودخل عليه شيء في شيء وحديث في حديث، وقد يحتمل أنه تعمد ذلك أو أدخل عليه فيه، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2355\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ أي: أنزل هذا القرآن الذي خلق الأرض والسماوات العلى الذي يعلم السر وأخفى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان].\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال: السر ما أسره ابن آدم في نفسه ﴿وَأَخْفَى﴾ ما أخفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة، وهو قوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] (^٢).\nوقال الضحاك: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال: ﴿السِّرَّ﴾ ما تحدث به نفسك، ﴿وَأَخْفَى﴾ ما لم\n_________\n= الذهبي لضعف عبد الله بن عياش، ودراج وهو كثير المناكير (المستدرك ٤/ ٥٩٤).\n(^١) سنده ضعيف لضعف القاسم بن عبد الرحمن، كما في ميزان الاعتدال، وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"5","page":271},{"text":"تحدث به نفسك بعد (^١).\nوقال سعيد بن جبير: أنت تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غدًا، والله يعلم ما تسر اليوم وما تسر غدًا (^٢).\nوقال مجاهد: ﴿وَأَخْفَى﴾ يعني: الوسوسة (^٣).\nوقال أيضًا هو وسعيد بن جبير: ﴿وَأَخْفَى﴾ أي: ما هو عامله مما لم يحدث به نفسه.\n\n<span id=\"aya-2356\"></span>وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ أي: الذي أنزل عليك القرآن، هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة الأعراف، ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-2357\"></span>\n\n<span id=\"aya-2358\"></span>﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾.\nمن ههنا شرع ﵎ في ذكر قصة موسى، وكيف كان ابتداء الوحي إليه وتكليمه إياه، وذلك بعد ما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم، وسار بأهله قيل: قاصدًا بلاد مصر بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته، فأضلَّ الطريق وكانت ليلة شاتية، ونزل منزلًا بين شعاب وجبال في برد وشتاء وسحاب وظلام وضباب، وجعل يقدح بزند معه ليوري نارًا كما جرت له العادة به، فجعل لا يقدح شيئًا ولا يخرج منه شرر ولا شيء، فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارًا؛ أي ظهرت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه، فقال لأهله يبشرهم: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ أي: شهاب من نار. وفي الآية الأخرى ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [القصص: ٢٩] وهي الجمر الذي معه لهب ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] دلَّ على وجود البرد.\nوقوله: ﴿بِقَبَسٍ﴾ دلَّ على وجود الظلام.\nوقوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ أي: من يهديني الطريق، دل على أنه قد تاه عن الطريق، كما قال الثوري، عن أبي سعيد الأعور، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ قال: من يهديني إلى الطريق، وكانوا شاتين وضلوا الطريق، فلما رأى النار قال: إن لم أجد أحدًا يهديني إلى الطريق أتيتكم بنار توقدون بها (^٤).\n\n<span id=\"aya-2359\"></span>\n\n<span id=\"aya-2360\"></span>﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ أي: النار، واقترب منها ﴿نُودِيَ يَامُوسَى﴾ وفي الآية الأخرى\n_________\n(^١) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٢) أخرجه الطبري من عدة طرق يقوي بعضها بعضًا عن سعيد بن جبير.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به وسنده ضعيف لضعف أبي سعيد الأعور.","vol":"5","page":272},{"text":"﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠] وقال ههنا: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ أي: الذي يكلمك ويخاطبك ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ قال [علي بن أبي طالب] (^١) وأبو ذر وأبو أيوب وغير واحد من السلف (^٢): كانتا من جلد حمار غير ذكي، وقيل: إنما أمره بخلع نعليه تعظيمًا للبقعة. وقال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة، وقيل: ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيًا غير منتعل، وقيل غير ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿طُوًى﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو اسم للوادي (^٣)، وكذا قال غير واحد (^٤)، فعلى هذا يكون عطف بيان، وقيل: عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه، وقيل: لأنه قدس مرتين، وطوى له البركة وكررت، والأول أصح؛ كقوله: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦)﴾ [النازعات].\n\n<span id=\"aya-2361\"></span>وقوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ كقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] أي: على جميع الناس من الموجودين في زمانه، وقد قيل: إن الله تعالى قال: يا موسى أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس؟ قال: لا، قال: لأني لم يتواضع إلي أحد تواضعك.\nوقوله: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ أي: استمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك،\n\n<span id=\"aya-2362\"></span>﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ هذا أول واجب على \"المكلفين\" أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له.\nوقوله: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ أي: وحّدني، وقم بعبادتي من غير شريك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ قيل: معناه: صلِّ لتذكرني، وقيل: معناه وأقم الصلاة عند ذكرك لي، ويشهد لهذا الثاني ما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: \"إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها، فليصلِّها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ \" (^٥)، وفي الصحيحين: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصلّيها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-2363\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أي: قائمة لا محالة وكائنة لا بد منها.\nوقوله: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قال الضحاك، عن ابن عباس: أنه كان يقرؤها (أكاد أخفيها من نفسي)، يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبدًا (^٧).\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل صُحف إلى: \"علي بن أبي طلحة\".\n(^٢) قول علي ﵁ أخرجه الثوري وعبد الرزاق في تفسيريهما بسند ضعيف من طريق جابر الجعفي عن علي، وجابر ضعيف، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقول أبي أيوب أخرجه البستي بسند فيه ابن لهيعة، وفيه مقال، والخبر عليه أمارات الروايات الإسرائيلية.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٨٤)، وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها (ح ٥٩٧)، وصحيح مسلم، المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة (ح ٦٨٤).\n(^٧) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلقَ ابن عباس ﵄.","vol":"5","page":273},{"text":"وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: من نفسه (^١)، وكذا قال مجاهد وأبو صالح ويحيى بن رافع (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ يقول: لا أطلع عليها أحدًا غيري (^٣).\nوقال السدي: ليس أحد من أهل السماوات والأرض إلا قد أخفى الله تعالى عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود (إني أكاد أخفيها من نفسي)، يقول: كتمتها عن الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت (^٤).\nوقال قتادة: أكاد أخفيها، وهي في بعض القراءات: (أخفيها من نفسي)، ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن الأنبياء والمرسلين (^٥). قلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].\nوقال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي: ثقل علمها على أهل السماوات والأرض.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب، حدثنا أبو تميلة، حدثني محمد بن سهل الأسدي، عن وِقاء، قال: أقرأنيها سعيد بن جبير: (أكاد أَخفِيها)، يعني: بنصب الألف وخفض الفاء، يقول: أظهرها، ثم قال: أما سمعت قول الشاعر (^٦):\nدأبَ شهرين ثم شهرًا دميكًا … بأريكين يخفيان غميرًا (^٧)\nقال السدي: الغمير: نبت رطب ينبت في خلال يبس، والأريكين: موضع، والدميك: الشهر التام، وهذا الشعر لكعب بن زهير.\nوقوله ﷾: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ أي: أقيمها لا محالة لأجزي كل عامل بعمله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة]، ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦].\n\n<span id=\"aya-2364\"></span>وقوله: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا. . .﴾ الآية، المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين؛ أي لا تتبعوا سبيل من كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في دنياه، وعصى مولاه واتبع هواه، فمن وافقهم على ذلك فقد خاب وخسر ﴿فَتَرْدَى﴾ أي: تهلك وتعطب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾ [الليل].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف ويشهد له المراسيل التالية.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول أبي صالح أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به بلفظ: \"لا ظهر عليها أحدًا غيري\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) هو كعب بن زهير كما صرح الحافظ ابن كثير، والبيت في ديوانه ص ١٧٤.\n(^٧) في سنده وقاء، وهو ابن إياس الأسدي الكوفي: لين الحديث (التقريب ص ٥٨١)، ويتقوى بما سبق.","vol":"5","page":274},{"text":"<span id=\"aya-2365\"></span>﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾.\nهذا برهان من الله تعالى لموسى ﵇، ومعجزة عظيمة، وخرق للعادة باهر دلَّ على أنه لا يقدر على مثل هذا إلا الله ﷿، وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل. وقوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ قال بعض المفسرين: إنما قال له ذلك على سبيل الإيناس له، وقيل: وإنما قال له ذلك على وجه التقرير؛ أي أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها، فسترى ما نصنع بها الآن ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ استفهام تقرير\n\n<span id=\"aya-2366\"></span>﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ أي: أعتمد عليها في حال المشي ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ أي: أهز بها الشجرة ليتساقط ورقها لترعاه غنمي.\nقال عبد الرحمن بن القاسم، عن الإمام مالك: الهش أن يضع الرجل المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره ولا يكسر العود، فهذا الهش ولا يخبط (^١)، وكذا قال ميمون بن مهران أيضًا.\nوقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ أي: مصالح ومنافع وحاجات أخر غير ذلك، وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت، فقيل: كانت تضيء له بالليل وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر - موسى ﵊ صيرورتها ثعبانًا فما كان يفرُّ منها هاربًا، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية، وكذا قول بعضهم: إنها كانت لآدم ﵊، وقول الآخر: إنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة، وروي عن ابن عباس أنه قال: كان اسمها ما شا (^٢)، والله أعلم بالصواب.\n\n<span id=\"aya-2367\"></span>وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩)﴾ أي: هذه العصا التي في يدك يا موسى ألقها\n\n<span id=\"aya-2368\"></span>\n\n<span id=\"aya-2369\"></span>﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠)﴾ أي: صارت في الحال حية عظيمة ثعبانًا طويلًا يتحرك حركة سريعة، فإذا هي تهتز كأنها جان، وهو أسرع الحيات حركة، ولكنه صغير، فهذه في غاية الكبر وفي غاية سرعة الحركة، ﴿تَسْعَى﴾ أي: تمشي وتضطرب.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠)﴾ ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبرًا، ونودي: أن يا موسى خذها فلم يأخذها، ثم نودي الثانية: أن خذها ولا تخف، فقيل له في الثالثة: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١] فأخذها (^٣).\nوقال وهب بن منبه في قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠)﴾ قال: فألقاها على وجه\n_________\n(^١) معناه صحيح، ولعل هذا النص من تفسير الإمام مالك المفقود، فقد نقل منه الحافظ ابن كثير مرارًا.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، وهي من الإسرائيليات.\n(^٣) أخرجه الطبري عن أحمد بن عبدة الضبي به، وسنده ضعيف لضعف حفص بن جُميع (التقريب ص ١٧٣).","vol":"5","page":275},{"text":"الأرض ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون فدب يلتمس كأنه يبتغي شيئًا يريد أخذه، يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه توقدان نارًا، وقد عاد المحجن منها عرفًا، قيل: شعره مثل النيازك، وعاد الشعبتان منها مثل القليب (^١) الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف (^٢)، فلما عاين ذلك موسى ولّى مدبرًا ولم يعقّب، فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحية، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نودي يا موسى أن ارجع حيث كنت فرجع موسى وهو شديد الخوف فقال: ﴿خُذْهَا﴾ بيمينك ﴿وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾، وعلى موسى حينئذٍ مدرعة من صوف فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها، أدلى طرف المدرعة على يده، فقال له ملك: أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئًا؟ قال: لا ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت، فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية حتى سمع حس الأضراس والأنياب، ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين، ولهذا قال تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ أي: إلى حالها التي تعرف قبل ذلك (^٣).\n\n<span id=\"aya-2370\"></span>\n\n<span id=\"aya-2371\"></span>﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾.\nوهذا برهان ثانٍ لموسى ﵇، وهو أن الله أمره أن يدخل يده في جيبه كما صرح به في الآية الأخرى، وههنا عبر عن ذلك بقوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ وقال في مكان آخر: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص: ٣٢].\nوقال مجاهد: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ كفك تحت عضدك (^٤)، وذلك أن موسى ﵇ كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها، تخرج تتلألأ كأنها فلقة قمر.\nوقوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي: من غير برص ولا أذى ومن غير شين، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم (^٥).\nوقال الحسن البصري: أخرجها والله كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه ﷿ (^٦)، ولهذا قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)﴾.\n_________\n(^١) أي: البئر.\n(^٢) أي: صوت احتكاك.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن وهب مختصرًا والخبر من الإسرائيليات الغريبة.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف، فيه يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف (التقريب ص ٦٠١)، ويتقوى بالمراسيل التالية: فقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قرة، وهو ابن خالد، عن الحسن.","vol":"5","page":276},{"text":"وقال وهب: قال له ربه: ادنه فلم يزل يدنيه حتى أسند ظهره بجذع الشجرة، فاستقر وذهبت عنه الرعدة، وجمع يده في العصا وخضع برأسه وعنقه (^١).\n\n<span id=\"aya-2372\"></span>وقوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ أي: اذهب إلى فرعون ملك مصر الذي خرجت فارًّا منه وهاربًا فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فليحسن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبغى وآثر الحياة الدنيا ونسي الرب الأعلى.\nقال وهب بن منبه: قال الله لموسى: انطلق برسالتي فإنك بسمعي وعيني، وإنّ معك أيدي ونصري، وإني قد ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جندي بعثتك إلى خلق ضعيف من خلفي بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا عني حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي وزعم أنه لا يعرفني، فإني أقسم بعزتي لولا القدر الذي وضعت بيني وبين خلفي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السماوات والأرض والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرّقته، [ولكنه] (^٢) هان علي وسقط من عينٍ ووسعه حلمي واستغنيت بما عندي وحقي إني أنا الغني لا غني غيري، فبلّغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي، وتوحيدي وإخلاصي وذكره أيامي، وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى، وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنّك ما ألبسته من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني، وقل له: أجب ربك، فإنه واسع المغفرة، وقد أمهلك أربعمائة سنة في كلها أنت مبارزه بالمحاربة، تسبّه وتتمثل به، وتصدّ عباده عن سبيله، وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر ولم تغلب، ولو شاء الله أن يعجل لك العقوبة لفعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم، وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما تحتسبان بجهاده، فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قِبَل له بها لفعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة، ولا قليل مني، تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا تعجبنكما زينته ولا ما متع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين، ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة ليعلم فرعون حين نظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي وقديمًا ما جرت عادتي في ذلك، فإني لأذودهم عن نعيمها وزخارفها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك العناء، وما ذاك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم في دار كرامتي سالمًا موفرًا لم تكلمه الدنيا.\nواعلم أنه لا يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا، فإنها زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، وسيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقًا حقًا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلِّل قلبك ولسانك، واعلم أنه من\n_________\n(^١) وهب معروف بالرواية عن أهل الكتاب، وهذه الرواية منها.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض وكلمة غير منقوطة.","vol":"5","page":277},{"text":"أهان لي وليًا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي، أم يظن الذي يعاديني أن يعجزني؟ أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟ وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة لا أَكِلُ نصرتهم إلى غيري؟. رواه ابن أبي حاتم (^١).\n\n<span id=\"aya-2373\"></span>\n\n<span id=\"aya-2374\"></span>﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ هذا سؤال من موسى ﵇ لربه ﷿ أن يشرح له صدره فيما بعثه به، فإنه قد أمره بأمر عظيم وخطب جسيم، بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك وأجبرهم وأشدهم كفرًا، وأكثرهم جنودًا، وأعمرهم ملكًا، وأطغاهم وأبلغهم تمردًا، بلغ من أمره أن ادَّعى أنه لا يعرف الله، ولا يعلم لرعاياه إلهًا غيره.\nهذا وقد مكث موسى في داره مدة وليدًا عندهم في حجر فرعون على فراشه، ثم قتل منهم نفسًا فخافهم أن يقتلوه، فهرب منهم هذه المدة بكمالها، ثم بعد هذا بعثه ربه ﷿ إليهم نذيرًا يدعوهم إلى الله ﷿ أن يعبدوه وحده لا شريك له، ولهذا قال: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ أي: إن لم تكن أنت عوني ونصيري وعضدي وظهيري، وإلا فلا طاقة لي بذلك\n\n<span id=\"aya-2375\"></span>\n\n<span id=\"aya-2376\"></span>﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ وذلك لما كان أصابه، من اللثغ حين عرض عليه التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، كما سيأتي بيانه، وما سأل أن يزول ذلك بالكلية، بل بحيث يزول العي، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة، ولو سأل الجميع لزال، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة، ولهذا بقيت بقية، قال الله تعالى إخبارًا عن فرعون أنه قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ [الزخرف] أي: يفصح بالكلام.\nوقال الحسن البصري: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ قال: حلَّ عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك أعطي.\nوقال ابن عباس: شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءًا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه سؤله فحل عقدة من لسانه (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن عمرو بن عثمان، حدثنا بَقية، عن أرطأة بن المنذر، حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب، عنه، قال: أتاه ذو قرابة له: فقال له: ما بك بأس لولا أنك تلحن في كلامك، ولست تعرب في قراءتك، فقال القرظي: يا ابن أخي ألست أفهمك إذا حدثتك؟ قال: نعم. قال: فإن موسى ﵇ إنما سأل ربه أن يحلّ عقدة من لسانه كي يفقه بنو إسرائيل كلامه، ولم يزد عليها (^٣)، هذا لفظه.\n\n<span id=\"aya-2377\"></span>\n\n<span id=\"aya-2378\"></span>وقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠)﴾ وهذا أيضًا سؤال من موسى ﵇ في أمر خارجي عنه، وهو مساعدة أخيه هارون له.\n_________\n(^١) الخبر كسابقه.\n(^٢) هذا الخبر جزء من حديث الفتون التالي في قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠].\n(^٣) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن محمد بن كعب، ولإرسال محمد بن كعب، ورواه ابن أبي حاتم تعليقًا.","vol":"5","page":278},{"text":"قال الثوري، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: فنبئ هارون ساعتئذٍ حين نبئ موسى ﵇ (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن ابن نمير، حدثنا أبو أُسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها خرجت فيما كانت تعتمر، فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلًا يقول: أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: لا ندري. قال: أنا والله أدري. قالت: فقلت في نفسي في حلفه لا يستثني: إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه، قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة، فقلت: صدق والله. قلت: وفي هذا قال الله تعالى في الثناء على موسى ﵇: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (^٢) [الأحزاب: ٦٩].\n\n<span id=\"aya-2379\"></span>\n\n<span id=\"aya-2380\"></span>\n\n<span id=\"aya-2381\"></span>\n\n<span id=\"aya-2382\"></span>وقوله: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١)﴾ قال مجاهد: ظهري ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ أي: في مشاورتي ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤)﴾ قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا.\n\n<span id=\"aya-2383\"></span>وقوله: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾ أي: في اصطفائك لنا وإعطائك إيانا النبوة، وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون، فلك الحمد على ذلك.\n\n<span id=\"aya-2384\"></span>\n\n<span id=\"aya-2385\"></span>\n\n<span id=\"aya-2386\"></span>\n\n<span id=\"aya-2387\"></span>﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.\nهذه إجابة من الله لرسوله موسى ﵇ فيما سأل من ربه ﷿، وتذكيرًا له بنعمه السالفة عليه فيما كان من أمر أُمه حين كانت ترضعه وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه، لأنه كان قد ولد في السنة التي يقتلون فيها الغلمان، فاتخذت له تابوتًا، فكانت ترضعه ثم تضعه فيه وترسله في البحر وهو النيل، وتمسكه إلى منزلها بحبل، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت منها وذهب به البحر، فحصل لها من الغمِّ والهمِّ ما ذكره الله عنها في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠] فذهب به البحر إلى دار فرعون ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أي: قدرًا مقدورًا من الله حيث كانوا هم يقتلون الغلمان من بني إسرائيل حذرًا من وجود موسى، فحكم الله وله السلطان العظيم والقدرة التامة أن لا يربى إلا على فراش فرعون، ويغذى بطعامه وشرابه مع محبته وزوجته له، ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [أي: عند عدوك جعلته يحبك.\nقال سلمة بن كهيل ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾] (^٣) قال: حببتك إلى عبادي (^٤).\n_________\n(^١) في سنده أبو سعيد، وهو البقال فيه مقال.\n(^٢) سنده ضعيف؛ لأن ابن أبي حاتم لم يصرح باسم شيخه.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة.","vol":"5","page":279},{"text":"﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ قال أبو عمران الجوني: تربى بعين الله (^١).\nوقال قتادة: تغذى على عيني (^٢).\nوقال معمر بن المثنى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ بحيث أرى (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف، وغذاؤه عندهم غذاء الملك فتلك الصنعة (^٤).\n\n<span id=\"aya-2388\"></span>وقوله: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون عرضوا عليه المراضع فأباها، قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ فجاءت أخته: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢] تعني: هل أدلكم على من يرضعه لكم بالأجرة، فذهبت به وهم معها إلى أمه فعرضت عليه ثديها، فقبله ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، واستأجروها على إرضاعه، فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا وفي الآخرة أغنى وأجزل، ولهذا جاء في الحديث: \"مثل الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها\" (^٥)، وقال تعالى ههنا: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ أي: عليك ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني: القبطي ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله، ففر منهم هاربًا حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥].\nوقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ﵀ في كتاب التفسير من سننه: قوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.\n(حديث الفتون): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أصبغ بن زيد، حدثنا القاسم بن أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله ﷿ لموسى ﵇: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ فسألته عن الفتون: ما هو؟ فقال: استأنف النهار يا ابن جبير فإن لها حديثًا طويلًا، فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ﵇ أن يجعل في ذريته أنبياءً وملوكًا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك لا يشكون فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد إبراهيم ﵇، فقال فرعون: كيف ترون؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالًا معهم الشفار (^٦) يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، قالوا: ليوشكن أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عامًا كل مولد ذكر، واتركوا بناتهم، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا، فيشبّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) ذكره معمر في مجاز القرآن ٢/ ١٩.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بنحوه.\n(^٥) لم أجد من أخرجه.\n(^٦) الشفار: جمع شفرة، وهي السكين العريضة.","vol":"5","page":280},{"text":"الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، فلما كان من قابل، حملت بموسى ﵇ فوقع في قلبها الهمّ والحزن، وذلك من الفتون - يا ابن جبير - ما دخل عليه وهو في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها أن ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها: ما فعلت با بني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إليَّ من أن ألقيه إلى دوابّ البحر وحيتانه.\nفانتهى الماء به حتى أوفى به عند فُرضَة (^١) مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه، فأردن أن يفتحن التابوت فقال بعضهنّ: إن في هذا مالًا، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملنّه كهيئته لم يخرجنّ منه شيئًا حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلامًا، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق منها على أحد قط، وأصبح فؤاد أُم موسى فارغًا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت لهم: أقروه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكُم، فأتت فرعون فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] فقال فرعون: يكون لكِ فأما لي فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله ﷺ: \"والذي يحلف به لو أقرّ فرعون أن يكون قُرّة (^٢) عين له كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها، ولكن حرمه ذلك\"، فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لبن لتختار له ظئرًا (^٣)، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرًا تأخذه منها، فلم يقبل.\nوأصبحت أُم موسى والهًا فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرًا: أَحيٌ ابني أم قد أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون، والجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه وهو لا يشعر به والجُنُب: أن يسمو بصر الإنسان إلا شيء بعيد وهو إلى جنبه وهو لا يشعر به، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات: أنا أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها فقالوا: ما يدريك ما نصحهم له هل يعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظؤرة الملك ورجاء منفعة الملك فتركوها، فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أُمه فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصَّه حتى امتلأ جنباه ريًا، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرًا، فأرسلت إليها فأتت بها وبه، فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئًا حبه قط. قالت أُم موسى: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت\n_________\n(^١) فرضة النهر: مشرب الماء منه.\n(^٢) القُرة: كل شيء قرت به عينك؛ أي سُرَّت به.\n(^٣) أي: المرضعة غير ولدها.","vol":"5","page":281},{"text":"نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه (^١) خيرًا فعلت، فإني غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أُم موسى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت (^٢) على امرأة فرعون وأيقنت أن الله منجز وعده، فرجعت به إلى بيتها من يومها، وأنبته الله نباتًا حسنًا، وحفظه لما قد قضى فيه.\nفلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأُم موسى: أزيريني ابني فدعتها يومًا تريها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظؤرها وقهارمتها (^٣): لا يبقينّ أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك، وأنا باعثة أمينًا يحصي ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والكرامة والنِحل (^٤) تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها بجلته وأكرمته وفرحت به، ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت: لآتينّ به فرعون فلينحلنّه وليكرمنّه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره فتناول موسى لحية فرعون فمدَّها إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه إنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير بعد كل بلاء ابتلي به.\nوأريد به [فتونًا] (^٥) فجاءت امرأة فرعون فقالت: ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ فقال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني؟ فقالت: اجعل بيني وبينك أمرًا يعرف الحق به، ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقدمهنّ إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين، عرفت أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحدًا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين، فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان قد همَّ به، وكان الله بالغًا فيه أمره، فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع.\nفبينما موسى ﵇ يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضبًا شديدًا؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم لا يعلم الناس إلا إنما ذلك من الرضاع إلا أُم موسى إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره، فوكز (^٦) موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله ﷿ والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ثم قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].\nفأصبح في المدينة خائفًا يترقب الأخبار، فأتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلًا من\n_________\n(^١) أي: لا أمنعه خيرًا ولا أقصِّر في أمره.\n(^٢) أي: اشتدت.\n(^٣) القهرمان: هو المسيطر الحفيظ على من تحت يديه، وهو لفظ فارسي معرّب (لسان العرب ١٢/ ٤٩٦).\n(^٤) أي: العطايا.\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٦) أي: ضربه بجُمع كفه (أساس البلاغة باب (وك ز».","vol":"5","page":282},{"text":"آل فرعون، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم، فقال: ابغوني قاتله ومن يشهد عليه، فإن الملك وإن كان صَغوه (^١) مع قومه لا يستقيم له أن يقيد (^٢) بغير بينة ولا ثبت (^٣)، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتًا إذا بموسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلًا من آل فرعون آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى فندم على ما كان منه وكره الذي رأى، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨]، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده إنما أراد الفرعوني، فخاف الإسرائيلي وقال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمس، وإنما قاله مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا وانطلق الفرعوني، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩] فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم (^٤) يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقًا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره، وذلك من الفتون يا ابن جبير.\nفخرج موسى متوجهًا نحو مدين ولم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه ﷿، فإنه قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٢، ٢٣] يعني بذلك: حابستين غنمهما، فقال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة نزاحم القوم وإنما نسقي من فضول حياضهم فسقى لهما فجعل يغترف في الدلو ماء كثيرًا حتى كان أول الرعاء (^٥)، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى ﵇ فاستظل بشجرة وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلًا بطانًا (^٦)، فقال: إن لكما اليوم لشأنًا، فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته، فلما كلمه قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته، فقالت إحداهما: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] فاحتملته الغيرة على أن قال لها: ما يدريك ما قوته وما أمانته؟ فقالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا، لم أر رجلًا قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوب رأسه (^٧) فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك، ثم قال لي: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلم يفعل هذا إلا وهو أمين، فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت، فقال له: هل لك ﴿أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ\n_________\n(^١) أي: ميله.\n(^٢) من القود: وهو القصاص.\n(^٣) أي: الحجة.\n(^٤) أي: يمشون على رسلهم.\n(^٥) جمع راعي.\n(^٦) أي: ممتلئة الضرع والبطون.\n(^٧) أي: خفض رأسه.","vol":"5","page":283},{"text":"عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]؟ ففعل فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرًا.\nقال سعيد، وهو ابن جبير: فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقيت ابن عباس فذكرت له ذلك، فقال: أما علمت أن ثمانيًا كانت على نبي الله واجبة لم يكن نبي الله لينقص منها شيئًا، ويعلم أن الله كان قاضيًا عن موسى عدته التي كان وعده، فإنه قضى عشر سنين، فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك، قلت: أجل وأولى، فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قصّ الله عليك في القرآن، فشكا إلى الله تعالى ما يحذر من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءًا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون وأمره أن يلقاه، فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون ﵉، فانطلقا جميعًا إلى فرعون، فأقاما على بابه حينًا لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد، فقالا: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] قال: فمن ربكما؟ فأخبراه بالذي قصَّ الله عليك في القرآن؟ قال: فما تريدان؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت، قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معنا بني إسرائيل، فأبى عليه وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي حية تسعى عظيمة، فاغرة فاها، مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، يعني من غير برص، ثم ردَّها فعادت إلى لونها الأول، فاستشار الملأ حوله فيما رأى، فقالوا له: هذان ساحران ﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣] يعني: ملكهم الذي هم فيه والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئًا مما طلب، وقالوا له: اجمع لهما السحرة، فإنهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحرهما، فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات، قالوا: فلا واللهِ ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل، فما أجرنا إن نحن غلبنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم، فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى.\nقال سعيد بن جبير: فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء.\nفلما اجتمعوا في صعيد واحد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ [الشعراء] يعنون موسى وهارون استهزاء بهما؟ فقالوا يا موسى - لقدرتهم بسحرهم -: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥] قال: بل ألقوا ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ [الشعراء] فرأى موسى من","vol":"5","page":284},{"text":"سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحى الله إليه أن ألقِ عصاك، فلما ألقاها صارت ثعبانًا عظيمة فاغرة فاها، فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت جزرًا (^١) إلى الثعبان تدخل فيه حتى ما أبقت عصًا ولا حبلًا إلا ابتعلته، فلما عرف السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكن هذا أمر من الله ﷿، آمنا بالله وبما جاء به موسى من عند الله، ونتوب إلى الله مما كنا عليه، فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ [الأعراف] وامرأة فرعون بارزة متبذلة (^٢) تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمّها لموسى.\nفلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف موعده وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفَّها عنه ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كفَّ ذلك عنه أخلف موعده ونكث عهده حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلًا، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه، فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى إلى البحر وله قصيف (^٣) مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل، فيصير عاصيًا لله.\nفلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى: إنا لمدركون افعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب. قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفلق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفلق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى، فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم البحر ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه، ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ [الأعراف] قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم، ومضى فأنزلهم موسى منزلًا وقال: أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم، فإني ذاهب إلى ربي وأجلهم ثلاثين يومًا أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يومًا، وقد صامهنَّ ليلهنَّ ونهارهنَّ، وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئًا فمضغه فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت - وهو أعلم بالذي كان -؟، قال: يا ربِّ إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح. قال: أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، ارجع فصم عشرًا ثم ائتني.\n_________\n(^١) أي: الشاة الصالحة للجزر؛ أي تذبح للأكل.\n(^٢) أي: تاركة الزينة.\n(^٣) أي: صوت هائل.","vol":"5","page":285},{"text":"ففعل موسى ﵇ ما أمر به، فلما رأى قومه أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم قد خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري (^١) وودائع ولكم فيهم مثل ذلك، فإني أرى أنكم تحتسبون ما لكم عندهم ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادّين إليهم شيئًا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيرًا وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد عليه النار فأحرقته، فقال: لا يكون لنا ولا لهم.\nوكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضي له أن رأى أثرًا فقبض منه قبضة، فمرَّ بهارون فقال له هارون ﵇: يا سامري ألا تلقي ما في يدك، وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك؟ فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يجعلها ما أريد، فألقاها ودعا له هارون، فقال: أريد أن يكون عجلًا، فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلًا أجوف ليس فيه روح وله خوار.\nقال ابن عباس: لا والله ما كان له صوت قط إنما كانت الريح تدخل في دبره وتخرج من فيه، وكان ذلك الصوت من ذلك، فتفرق بنو إسرائيل فرقًا، فقالت فرقة: يا سامري ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم ولكن موسى أضلَّ الطريق، فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى، وقالت فرقة: هذا من عمل الشيطان، وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به، فقال لهم هارون: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠] قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يومًا ثم أخلفنا، هذه أربعون يومًا قد مضت، وقال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه.\nفلما كلَّم الله موسى وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه: ٨٦] فقال لهم ما سمعتم في القرآن، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له، وانصرف إلى السامري فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت قبضة من أثر الرسول وفطنت لها وعميت عليكم فنبذتها ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)﴾ [طه]، ولو كان إلهًا لم يخلص إلى ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فيكفر عنا ما عملنا، فاختار موسى من قومه سبعين رجلًا لذلك لا يألو الخير خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض! فاستحيا نبي الله من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل، فقال: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ\n_________\n(^١) جمع عارية، وهو الشيء الذي يستعار من الغير.","vol":"5","page":286},{"text":"مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وفيهم من كان اطلع الله منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به، فلذلك رجفت بهم الأرض فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف] فقال: يا رب سألتك التوبة لقومي، فقلت: إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي، هلّا أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة؟ فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون، واطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا، وغفر الله للقاتل والمقتول.\nثم سار بهم موسى ﵇ متوجهًا نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف، فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقرُّوا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون، ينظرون إلى الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون، خلقهم خلق منكر، وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عظمها، فقالوا: يا موسى إن فيها قومًا جبارين لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون. قال رجلان من الذين يخافون، قيل ليزيد: هكذا قرأه؟ قال: نعم، من الجبارين آمنا بموسى وخرجا إليه فقالوا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، ويقول أناس: إنهم من قوم موسى، فقال الذين يخافون من بني إسرائيل: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة] فأغضبوا موسى، فدعا عليهم وسمّاهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذٍ، فاستجاب الله له وسمَّاهم كما سمَّاهم موسى فاسقين، وحرَّمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار، وظلَّل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابًا لا تبلَى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجرًا مربعًا، وأمر موسى فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من منقلة (^١) إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس.\nرفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي ﷺ، وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس يحدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال: كيف يفشي عليه ولم يكن علم به، ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟ فغضب ابن عباس، فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري، فقال له: يا أبا إسحاق هل تذكر يوم حدثنا رسول الله ﷺ عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد على ذلك وحضره.\n_________\n(^١) أي: مرحلة من مراحل السفر.","vol":"5","page":287},{"text":"وهكذا رواه النسائي في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيرهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون به (^١)، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس ﵄ مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضًا.\n\n<span id=\"aya-2389\"></span>﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا لموسى ﵇: إنه لبث مقيمًا في أهل مدين فارًّا من فرعون وملئه، يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل، ثم جاء موافقًا لقدر الله وإرادته من غير ميعاد، والأمر كله لله ﵎، وهو المسيّر عباده وخلقه فيما يشاء، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ قال مجاهد: أي على موعد (^٢).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ قال: على قدر الرسالة والنبوة (^٣).\nوقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ أي: اصطفيتك واجتبيتك رسولًا لنفسي؛ أي: كما أريد وأشاء.\nوقال البخاري عند تفسيرها: حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"التقى آدم وموسى فقال موسى: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: وأنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدته مكتوبًا عليّ قبل أن يخلقني، قال: نعم فحج آدم موسى\" أخرجاه (^٤).\n\n<span id=\"aya-2390\"></span>وقوله: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ أي: بحججي وبراهيني ومعجزاتي.\n﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تُبطئا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي بسنده ومتنه بنحوه (السنن الكبرى، التفسير، باب قوله: ﷿ ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] ح ١١٣٢٦)، وأخرجه الطبري وأبو يعلى من طريق يزيد بن هارون به (المسند ٥/ ١٠ ح ٢٦١٨)، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير أصبغ بن زيد والقاسم بن أبي أيوب وهما ثقتان (مجمع الزوائد ٧/ ٦٥)، وقد رجّح وقفه الحافظ ابن كثير والمزي علي ابن عباس ﵄، ولبعضه شواهد مرفوعة صحيحة.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [طه] (ح ٤٧٣٦)، وصحيح مسلم، القدر، باب حجاج آدم موسى ﵉ (ح ٢٦٥٢).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"5","page":288},{"text":"وقال مجاهد، عن ابن عباس: لا تضعفا (^١)، والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله؛ بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عونًا لهما عليه، وقوة لهما وسلطانًا كاسرًا له، كما جاء في الحديث: \"إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2391\"></span>\n\n<span id=\"aya-2392\"></span>وقوله: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣)﴾ أي تمرد وعتا وتجبر على الله وعصاه ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، كما قال يزيد الرقاشي عند قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ يا من يتحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه؟ (^٣).\nوقال وهب بن منبه: قولا له: إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة.\nوعن عكرمة في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ قال: لا إله إلا الله (^٤).\nوقال عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ أعذرا إليه قولًا له: إن لك ربًا ولك معادًا، وإن بين يديك جنّةً ونارًا (^٥).\nوقال بقية، عن علي بن هارون، عن رجل، عن الضحاك بن مزاحم، عن النزال بن سبرة، عن علي في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ قال: كَنِّه (^٦)، وكذا روي عن سفيان الثوري: كنِّه بأبي مرة (^٧)، والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين سهل رفيق، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية [النحل: ١٢٥].\n[وقوله] (^٨): ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ أي: لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، أو يخشى؛ أي: يوجد طاعة من خشية ربه، كما قال تعالى: (لمن أراد أن يذكر أو يخشى) فالتذكر الرجوع عن المحذور، والخشية تحصيل الطاعة.\nوقال الحسن البصري: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ يقول: لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون: أهلكه قبل أن أعذر إليه، وههنا نذكر شعر زيد بن عمرو بن نفيل، ويروى لأُمية بن أبي الصلت فيما ذكره ابن إسحاق:\nوأنت الذي من فضل منّ ورحمة … بعثت إلى موسى رسولًا مناديا\n_________\n(^١) لم أجده عن مجاهد عن ابن عباس، ولكن أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بسابقه.\n(^٢) يعني: عند القتال، هكذا أكمله الترمذي ثم قال: ليس إسناده بالقوي (السنن، الدعوات، باب ١١٩ ح ٣٥٨٠).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن الضحاك.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٨) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"5","page":289},{"text":"فقلت له: فاذهب وهارون فادعُوَا … إلى الله فرعون الذي كان باغيا\nفقولا له: هل أنت سويت هذه … بلا وتد حتى استقلت كما هيا\nوقولا له: آأنت رفعت هذه … بلا عمد أرفق إذن بك بانيا\nوقولا له: آأنت سويت وسطها … منيرًا إذا ما جنَّه الليل هاديا\nوقولا له: من يخرج الشمس بكرة … فيصبح ما مَسّت من الأرض ضاحيا\nوقولا له: من ينبت الحب في الثرى … فيصبح منه البقل يهتز رابيا\nويخرج منه حبة في رؤوسه؟ … ففي ذاك آيات لمن كان واعيا (^١)\n\n<span id=\"aya-2393\"></span>﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾.\nيقول تعالى إخبارًا عن موسى وهارون ﵉، أنهما قالا متسجيرين بالله تعالى شاكيين إليه: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ يعنيان أن يبدر إليهما بعقوبة أو يعتدي عليهما، فيعاقبهما وهما لا يستحقان منه ذلك.\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿أَنْ يَفْرُطَ﴾ يعجل (^٢).\nوقال مجاهد: يبسط علينا (^٣).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ يعتدي (^٤).\n\n<span id=\"aya-2394\"></span>﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ أي: لا تخافا منه، فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى عليّ من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما بعث الله ﷿ موسى إلى فرعون قال: ربِّ أي: شيء أقول؟ قال: قل: هيا شراهيا. قال الأعمش: فسر ذلك: أنا الحي قبل كل شيء والحي بعد كل شيء (^٥). إسناده جيد، وشيء غريب.\n\n<span id=\"aya-2395\"></span>﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ قد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس أنه قال: مكثا على بابه حينًا لا يؤذن لهما حتى أذن لهما بعد حجاب شديد.\nوذكر محمد بن إسحاق بن يسار أن موسى وأخاه هارون خرجا فوقفا بباب فرعون يلتمسان الإذن عليه، وهما يقولان: إنا رسولا رب العالمين فآذنوا بنا هذا الرجل، فمكثا فيما بلغني\n_________\n(^١) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٢٢٨.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلقَ ابن عباس ﵁، ومعناه صحيح.\n(^٥) سنده ضعيف؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"5","page":290},{"text":"سنتين يغدوان ويروحان لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما حتى دخل عليه بطال له يلاعبه ويضحكه، فقال له: أيها الملك إن على بابك رجلًا يقول قولًا عجيبًا، يزعم أن له إلهًا غيرك أرسله إليك. قال: ببابي؟ قال: نعم، قال: أدخلوه، فدخل ومعه أخوه هارون وفي يده عصاه، فلما وقف على فرعون قال: إني رسول رب العالمين، فعرفه فرعون (^١).\nوذكر السدي أنه لما قدم بلاد مصر ضاف أمه وأخاه، وهما لا يعرفانه، وكان طعامهما ليلتئذ الطفيل وهو: اللفت، ثم عرفاه وسلما عليه، فقال له موسى: يا هارون إن ربي قد أمرني أن آتي هذا الرجل فرعون فأدعوه إلى الله وأمرك أن تعاونني. قال: افعل ما أمرك ربك، فذهبا وكان ذلك ليلًا، فضرب موسى باب القصر بعصاه فسمع فرعون، فغضب وقال: من يجترئ على هذا الصنيع الشديد، فأخبره السدنة والبوابون بأن ههنا رجلًا مجنونًا يقول: إنه رسول الله، فقال: علّي به، فلما وقفا بين يديه قالا وقال لهما ما ذكر الله في كتابه (^٢).\n\n<span id=\"aya-2396\"></span>وقوله: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: بدلالة ومعجزة من ربك ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ أي: والسلام عليك إن اتبعت الهدى؛ ولهذا لما كتب رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم كتابًا كان أوله \"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين\" (^٣)، وكذلك لما كتب مسيلمة إلى رسول الله ﷺ كتابًا صورته من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك؛ أما بعد، فإني قد أشركتك في الأمر، فلك المدر ولي الوبر، ولكن قريشًا قوم يعتدون، فكتب إليه رسول الله ﷺ: \"من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى؛ أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين\" (^٤). ولهذا قال موسى وهارون ﵉ لفرعون: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ أي: قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم أن العذاب متمحض لمن كذب بآيات الله وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾ [النازعات] وقال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل] وقال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ [القيامة]؟ أي: كذب بقلبه، وتولى بفعله.\n\n<span id=\"aya-2397\"></span>\n\n<span id=\"aya-2398\"></span>﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن فرعون أنه قال لموسى منكرًا وجود الصانع الخالق إله كل شيء وربه\n_________\n(^١) رواه ابن إسحاق بلاغًا كما صرح في هذه الرواية، وهي من الإسرائيليات.\n(^٢) وهذا الخبر أيضًا من أخبار أهل الكتاب.\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس عن أبي سفيان ﵃ صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب ٦ (ح ٧)، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل (ح ١٧٧).\n(^٤) أخرجه ابن سعد من طريق الواقدي (الطبقات ١/ ٢٠٩)، وأخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية ٢/ ٦٠٠).","vol":"5","page":291},{"text":"ومليكه، قال: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ أي: الذي بعثك وأرسلك من هو، فإني لا أعرفه وما علمت لكم من إله غيري ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يقول خلق لكل شيء زوجه (^١).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: جعل الإنسان إنسانًا، والحمار حمارًا، والشاة شاة (^٢).\nوقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: أعطى كل شيء صورته (^٣).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: سوّى خلق كل دابة (^٤).\nوقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ قال: أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة، ولا للدابة من خلق الكلب، ولا للكلب من خلق الشاة، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء على ذلك، ليس شيء منها يشبه شيئًا من أفعاله في الخلق والرزق والنكاح (^٥).\nوقال بعض المفسرين: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى] أي: قدر قدرًا وهدى الخلائق إليه؛ أي: كتب الأعمال والآجال والأرزاق، ثم الخلائق ماشون على ذلك لا يحيدون عنه ولا يقدر أحد على الخروج منه.\nيقول ربنا الذي خلق الخلق وقدَّر القدر وجبل الخليقة على ما أراد\n\n<span id=\"aya-2399\"></span>\n\n<span id=\"aya-2400\"></span>﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١)﴾ أصح الأقوال في معنى ذلك: أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق، وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى؛ أي: الذين لم يعبدوا الله؛ أي: فما بالهم إذا كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره، فقال له موسى في جواب ذلك، هم وإن لم يعبدوه فإن علمهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمال ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ أي: لا يشذ عنه شيء، ولا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئًا يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط، وأنه لا ينسى شيئًا، ﵎ وتقدس وتنزه، فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان: أحدهما عدم الإحاطة بالشيء، والآخر: نسيانه بعد علمه، فنزه نفسه عن ذلك.\n\n<span id=\"aya-2401\"></span>﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾.\nمن تمام كلام موسى فيما وصف به ربه ﷿ حين سأله فرعون عنه، فقال: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] ثم [اعترض] (^٦) الكلام بين ذلك، ثم قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ليث به، وليث فيه مقال، ويتقوى خبره بما يليه.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"أعرض\".","vol":"5","page":292},{"text":"الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ وفي قراءة بعضهم ﴿مهادًا﴾ (^١) أي: قرارًا تستقرون عليها، وتقومون وتنامون عليها، وتسافرون على ظهرها ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: جعل لكم طرقًا تمشون في مناكبها، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ أي: من أنواع النباتات من زروع وثمار، ومن حامض وحلو ومر وسائر الأنواع\n\n<span id=\"aya-2402\"></span>﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ أي: شيء لطعامكم وفاكهتكم، وشيء لأنعامكم لأقواتها خضرًا ويبسًا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ أي: لدلالات وحججًا وبراهين ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ أي: لذوي العقول السليمة المستقيمة، على أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه\n\n<span id=\"aya-2403\"></span>﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ أي: من الأرض مبدؤكم، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض وفيها نعيدكم؛ أي وإليها تصيرون إذا متم وبليتم، ومنها نخرجكم تارة أخرى ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء] وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ [الأعراف] وفي الحديث الذي في السنن أن رسول الله ﷺ حضر جنازة، فلما دفن الميت أخذ قبضة التراب فألقاها في القبر وقال: \" ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ \" ثم أخذ أخرى، وقال: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾، ثم أخرى، وقال: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2404\"></span>وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾ يعني: فرعون أنه قامت عليه الحجج والآيات والدلالات، وعاين ذلك وأبصره فكذَّب بها وأباها كفرًا وعنادًا وبغيًا، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل].\n\n<span id=\"aya-2405\"></span>\n\n<span id=\"aya-2406\"></span>\n\n<span id=\"aya-2407\"></span>﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى، وهي إلقاء عصاه فصارت ثعبانًا عظيمًا، ونزع يده من تحت جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء، فقال: هذا سحر جئت به لتسحرنا وتستولي به على الناس فيتبعونك، وتكاثرنا بهم ولا يتم هذا معلى، فإن عندنا سحرًا مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه، ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أي: يومًا نجتمع نحن وأنت فيه، فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر في مكان معين ووقت معين، فعند ذلك ﴿قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وهو يوم عيدهم ونيروزهم وتفرغهم من أعمالهم واجتماعهم جميعهم، ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء ومعجزات الأنبياء وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية، ولهذا قال: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ أي: جميعهم ﴿ضُحًى﴾ أي: ضحوة من النهار، ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح، وهكذا شأن الأنبياء كل أمرهم بيّن واضح ليس فيه خفاء ولا ترويج، ولهذا لم يقل: ليلًا، ولكن نهارًا ضحًى.\n_________\n(^١) وهي قراءة متواترة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي أُمامة ﵁ بنحوه، وضعف سنده محققوه (المسند ٣٦/ ٥٢٤ ح ٢٢١٨٧)، وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ٣/ ٤٣).","vol":"5","page":293},{"text":"قال ابن عباس: وكان يوم الزينة يوم عاشوراء (^١).\nوقال السدي وقتادة وابن زيد: كان يوم عيدهم (^٢).\nوقال سعيد بن جبير: كان يوم سوقهم (^٣)، ولا منافاة.\nقلت: وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده، كما ثبت في الصحيح (^٤).\nوقال وهب بن منبه: قال فرعون: يا موسى اجعل بيننا وبينك أجلًا ننظر فيه. قال موسى لم أومر بهذا إنما أمرت بمناجزتك إن أنت لم تخرج دخلت إليك، فأوحى الله إلى موسى أن اجعل بينك وبينه أجلًا، وقل له أن يجعل هو، قال فرعون: اجعله إلى أربعين يومًا ففعل (^٥).\nوقال مجاهد وقتادة: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ مكانًا سوى منصفًا (^٦).\nوقال السدي: عدلًا (^٧).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ مستو بين الناس، وما فيه لا يكون صوب ولا شيء يتغيب بعض ذلك عن بعض مستو حين يرى (^٨).\n\n<span id=\"aya-2408\"></span>﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن فرعون أنه لما [تواعد] (^٩) هو وموسى ﵇ إلى وقت ومكان معلومين تولى؛ أي شرع في جمع السحرة من مدائن مملكته، كل من ينسب إلى السحر في ذلك الزمان، وقد كان السحر فيهم كثيرًا نافقًا جدًا، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [يونس: ٧٩] ﴿ثُمَّ أَتَى﴾؛ أي اجتمع الناس لميقات يوم معلوم وهو يوم الزينة، وجلس فرعون على سرير مملكته، واصطف له أكابر دولته، ووقفت الرعايا يمنة ويسرة، وأقبل موسى ﵊ متوكئًا على عصاه ومعه أخوه هارون، ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفًا، وهو يحرضهم ويحثهم ويرغبهم في إجادة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنون عليه وهو يعدهم ويمنيهم،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٢) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه: ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي: وهو ضعيف.\n(^٤) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس ﵄ (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ. . .﴾ [الأعراف: ١٣٨] ح ٤٦٨٠).\n(^٥) الخبر من الإسرائيليات.\n(^٦) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٩) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"توعد\".","vol":"5","page":294},{"text":"يقولون: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾ [الشعراء]،\n\n<span id=\"aya-2409\"></span>\n\n<span id=\"aya-2410\"></span>﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها وأنها مخلوقة، وليست مخلوقة، فتكونون قد كذبتم على الله ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ أي: يهلككم بعقوبة هلاكًا لا [بقية] (^١) له ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قيل: معناه أنهم تشاجروا فيما بينهم، فقائل يقول: ليس هذا بكلام ساحر إنما هذا كلام نبي، وقائل يقول: بل هو ساحر، وقيل غير ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ أي: تناجوا فيما بينهم\n\n<span id=\"aya-2411\"></span>﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ وهذه لغة لبعض العرب جاءت هذه القراءة على إعرابها، ومنهم من قرأ: ﴿إنَّ هذين لسامران﴾ (^٢) وهذه اللغة المشهورة، وقد توسع النحاة في الجواب عن القراءة الأولى بما ليس هذا موضعه. والغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم: تعلمون أن هذا الرجل وأخاه - يعنون موسى وهارون - ساحران عالمان، خبيران بصناعة السحر، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ويستوليا على الناس، وتتبعهما العامة، ويقاتلا فرعون وجنوده، فينصرا عليه، ويخرجاكم من أرضكم.\nوقوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ أي: ويستبدّا بهذه الطريقة وهي السحر، فإنهم كانوا معظمين بسببها لهم أموال وأرزاق عليها، يقولون: إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض، وتفردا بذلك وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم، وقد تقدم في حديث الفتون أن ابن عباس قال في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يعني: ملكهم الذي هم فيه والعيش.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا هشيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، سمع الشعبي يحدث عن علي في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: يصرفا وجوه الناس إليهما (^٣).\nوقال مجاهد: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: أولو الشرف والعقل والأسنان (^٤).\nوقال أبو صالح: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ أشرافكم وسرواتكم (^٥).\nوقال عكرمة: بخيركم (^٦).\nوقال قتادة: وطريقتهم المثلى يومئذٍ بنو إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عددًا وأموالًا، فقال عدو الله: يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما (^٧).\nوقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ بالذي أنتم عليه (^٨).\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٢) القراءتان متواترتان.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق وهو الواسطي، وقيل: كوفي (التقريب ص ٣٣٦).\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.","vol":"5","page":295},{"text":"<span id=\"aya-2412\"></span>﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي: اجتمعوا كلكم صفًا واحدًا، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة لتبهروا الأبصار، وتغلبوا هذا وأخاه ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ أي: منا ومنه، أما نحن فقد وعدنا هذا الملك العطاء الجزيل، وأما هو فينال الرياسة العظيمة.\n\n<span id=\"aya-2413\"></span>﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن السحرة حين توافقوا هم وموسى ﵇، أنهم قالوا لموسى: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ أي: أنت أولًا ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥)﴾\n\n<span id=\"aya-2414\"></span>﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ أي: أنتم أولًا لنرى ماذا تصنعون من السحر، وليظهر للناس جلية أمرهم ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ وفي الآية الأخرى أنهم لما ألقوا ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال ههنا: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها، وإنما كان حيلة، وكانوا جمًا غفيرًا وجمعًا كثيرًا، فألقى كل منهم عصًا وحبلًا حتى صار الوادي ملآن حيات يركب بعضها بعضًا.\n\n<span id=\"aya-2415\"></span>\n\n<span id=\"aya-2416\"></span>\n\n<span id=\"aya-2417\"></span>وقوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧)﴾ أي: خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه، فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن ألقِ ما في يمينك يعني عصاك، فإذا هي تلقف ما صنعوا وذلك أنها صارت تنينًا عظيمًا هائلًا ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس (^١)، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق منها شيئًا إلا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانًا جهرة نهارًا ضحوة، فقامت المعجزة واتضح البرهان، ووقع الحق وبطل السحر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن موسى الشيباني، حدثنا حماد بن خالد، حدثنا ابن معاذ - أحسبه الصائغ - عن الحسن، عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أخذتم - يعني الساحر - فاقتلوه، ثم قرأ: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ قال: لا يؤمن به حيث وجد\" وقد روى أصله الترمذي موقوفًا ومرفوعًا (^٢).\n_________\n(^١) هذا الخبر من الإسرائيليات.\n(^٢) أخرجه الترمذي من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن به، ثم قال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث .. والصحيح عن جندب موقوف (السنن، الحدود، باب ما جاء في حد الساحر، ح ١٤٦٠)، وفي سنده أيضًا الحسن لم يسمع من جندب البجلي (المراسيل لابن أبي حاتم ص ٤٢). ونبه الحافظ المزي أن هذا الحديث من مسند جندب الخير الأزدي لا من مسند جندب بن عبد الله البجلي ﵄ (تحفة الأشراف ٢/ ٤٤٦)، وتبقى العلة قائمة لضعف إسماعيل بن مسلم، وعنعنة الحسن البصري، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٢٤٤)، ولشطره الأول شواهد في الصحيح صريحة في قتل الساحر.","vol":"5","page":296},{"text":"<span id=\"aya-2418\"></span>فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه، ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل، وأنه حق لا مرية فيه، ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء: كن فيكون، فعند ذلك وقعوا سجّدًا لله، وقالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف] ولهذا قال ابن عباس وعبيد بن عمير: كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة (^١).\nوقال محمد بن كعب: كانوا ثمانين ألفًا، وقال القاسم بن أبي بزة: كانوا سبعين ألفًا، وقال السدي: بضعة وثلاثين ألفًا، وقال الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة: كان سحرة فرعون تسعة عشر ألفًا، وقال محمد بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفًا، وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفًا (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن حمزة، حدثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت السحرة سبعين رجلًا، أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء (^٣).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح بمكة، حدثنا ابن المبارك قال: قال الأوزاعي: لما خرَّ السحرة سجدًا، رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها (^٤).\nقال: وذُكر عن سعيد بن سلام، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سليمان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ قال: رأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم (^٥)، وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بزة.\n\n<span id=\"aya-2419\"></span>﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل، حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة، ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم، وغلب كل الغلب، شرع في المكابرة والبهت، وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة، فتهددهم [وتوعدهم] (^٦) وقال: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي: صدقتموه ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: ما أمرتكم بذلك وافتتم علي في ذلك، وقال قولًا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بُهت وكذب ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ أي: أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى، واتفقتم أنتم وإياه علي وعلى\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، كما سيأتي في تفسير هذه الآية.\n(^٢) هذه الأقوال كلها من أخبار بني إسرائيل، وقد أخرج الطبري قول القاسم بن أبي بزة وقول السدي بأسانيد ثابتة، ورواية الثوري صحيحة الإسناد وإن تكلم في أبي ثمامة فلا يضر؛ لأنه يفسر ولم يرو.\n(^٣) سنده حسن، ولكن تعيين العدد من الإسرائيليات.\n(^٤) سنده مرسل.\n(^٥) سنده ضعيف لأن روايته معلقة.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"أوعدهم\".","vol":"5","page":297},{"text":"رعيتي لتظهروه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣] ثم أخذ يتهددهم فقال: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: لأجعلنكم مثلة، ولأقتلنكم ولأشهرنكم.\nقال ابن عباس: فكان أول من فعل ذلك، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ أي: أنتم تقولون: إني وقومي على ضلالة وأنتم مع موسى وقومه على الهدى، فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه، فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم، هانت عليهم أنفسهم في الله ﷿\n\n<span id=\"aya-2420\"></span>\n\n<span id=\"aya-2421\"></span>و﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي: لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين، ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ يحتمل أن يكون قسمًا، ويحتمل أن يكون معطوفًا على \"البينات\"؛ يعنون: لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم المبتدي خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ أي: فافعل ما شئت، وما وصلت إليه يدك، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: إنما لك تسلط في هذه الدار وهي دار الزوال، ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ أي: ما كان منا من الآثام خصوصًا ما أكرهتنا عليه من الحسر لتعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ قال: أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر بالفرماء، وقال: علموهم تعليمًا لا يعلمه أحد في الأرض، قال ابن عباس: فهم من الذين آمنوا بموسى وهم من الذين قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ (^١)، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٢).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أي: خير لنا منك ﴿وَأَبْقَى﴾ أي: أدوم ثوابًا مما كنت وعدتنا ومنيتنا (^٣). وهو رواية عن ابن إسحاق ﵀.\nوقال محمد بن كعب القرظي ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ﴾ أي: لنا منك إن أُطيع ﴿وَأَبْقَى﴾ أي: منك عذابًا، إن عُصي (^٤). وروي نحوه عن ابن إسحاق أيضًا. والظاهر أن فرعون - لعنه الله - صمم على ذلك، وفعله بهم رحمة لهم من الله، ولهذا قال ابن عباس وغيره من السلف: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء.\n\n<span id=\"aya-2422\"></span>﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾.\nالظاهر من السياق أن هذا من تمام ما وعظ به السحرة لفرعون، يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد، فقالوا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ أي:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق نعيم بن حماد به، وسنده ضعيف لضعف أبي سعيد، وهو البقال.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن إسحاق بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، وفيه أبو معشر، وهو السندي: ضعيف.","vol":"5","page":298},{"text":"يلقى الله يوم القيامة وهو مجرم ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ كقوله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦] وقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ [الأعلى] وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ [الزخرف].\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا إسماعيل، أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم فتميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحمًا أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل\" فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية (^١)، وهكذا أخرجه مسلم في كتابه الصحيح من رواية شعبة وبشر بن المفضل، كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبي، حدثنا حيان، سمعت سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ خطب فأتى على هذه الآية ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾ قال النبي ﷺ: \"أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهلها فإن النار تمسهم ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فتجعل الضبائر، فيؤتى بهم نهرًا يقال له: الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت العشب في حميل السيل\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-2423\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ أي: ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب قد صدق ضميره بقوله وعمله ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ أي: الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا همام، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عُبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: \"الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس\" (^٤). ورواه الترمذي من حديث يزيد بن هارون، عن همام، به (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، أخبرنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه قال: كان يقال: الجنة مائة درجة في كل درجة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فيهن الياقوت والحلي، في كل درجة أمير يرون له الفضل والسؤدد (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٧/ ١٣٤ ح ١١٠٧٧).\n(^٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار (ح ١٨٥).\n(^٣) سنده ضعيف، لأنه معلق.\n(^٤) أخرجه الإمام بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٣٨/ ٣٦٩ ح ٢٢٦٩٥).\n(^٥) السنن، صفة الجنة، باب ما جاء في صفة درجات الجنة (ح ٢٥٣١).\n(^٦) سنده ضعيف لإرساله.","vol":"5","page":299},{"text":"وفي الصحيحين: \"إن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء لتفاضل ما بينهم\"، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، قال: \"بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\" (^١).\nوفي السنن: \"وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2424\"></span>وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: إقامة، وهي بدل من الدرجات العلى ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين أبدًا ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ أي: طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له، واتبع المرسلين فيما جاؤوا به من خبر وطلب.\n\n<span id=\"aya-2425\"></span>﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا أنه أمر موسى ﵇ حين أبى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل أن يسري بهم في الليل، ويذهب بهم من قبضة فرعون، وقد بسط الله هذا المقام في غير هذه السورة الكريمة، وذلك أن موسى لما خرج ببني إسرائيل أصبحوا وليس منهم بمصر لا داعٍ ولا مجيب، فغضب فرعون غضبًا شديدًا، وأرسل في المدائن حاشرين؛ أي من يجمعون له الجند من بلدانه ورساتيقه (^٣)، يقول: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥)﴾ [الشعراء]، ثم لما جمع جنده واستوسق (^٤) له جيشه، ساق في طلبهم ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ [الشعراء] أي: عند طلوع الشمس ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: نظر كل من الفريقين إلى الآخر ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء] ووقف موسى ببني إسرائيل البحر أمامهم، وفرعون وراءهم، فعند ذلك أوحى الله إليه ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ فضرب البحر بعصاه، وقال: انفلق عليَّ بإذن الله ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] أي: الجبل العظيم، فأرسل الله الريح على أرض البحر فلفحته حتى صار يبسًا كوجه الأرض، فلهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ أي: من فرعون ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ يعني: من البحر أن يغرق قومك،\n\n<span id=\"aya-2426\"></span>\n\n<span id=\"aya-2427\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ﴾ أي: البحر ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي: الذي هو معروف ومشهور، وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ [النجم] وقال الشاعر:\nأنا أبو النجم وشعري شعري\nأي الذي يعرف، وهو مشهور. وكما تقدم فرعون فسلك بهم في اليم فأضلَّهم وما هداهم إلى\n_________\n(^١) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح ٣٢٥٦)، وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف (ح ٢٨٣١).\n(^٢) أخرجه أبو داود من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا مختصرًا (السنن، الحروف والقراءات (ح ٣٩٨٧)، وسنده ضعيف لضعف عطية العوفي، وأخرجه ابن ماجه من الطريق نفسه (السنن، المقدمة، باب فضائل أصحاب رسول الله ﷺ ح ٩٦)، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٣) أي: القرى.\n(^٤) أي: اجتمع.","vol":"5","page":300},{"text":"سبيل الرشاد، كذلك ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ [هود].\n\n<span id=\"aya-2428\"></span>\n\n<span id=\"aya-2429\"></span>﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾.\nيذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العظام ومِننه الجسام، حيث أنجاهم من عدوهم فرعون، وأقرَّ أعينهم منه، وهم ينظرون إليه وإلى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة، لم ينجُ منهم أحد، كما قال: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠].\nوقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وجد اليهود تصوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى على فرعون، فقال: \"نحن أولى بموسى فصوموه\" (^١). رواه مسلم أيضًا في صحيحه (^٢).\nثم إنه تعالى واعد موسى وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن، وهو الذي كلمه الله تعالى عليه، وسأل فيه الرؤية، وأعطاه التوراة هنالك، وفي [غضون] (^٣) ذلك عبد بنو إسرائيل العجل كما يقصُّه الله تعالى قريبًا، وأما المن والسلوى فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة وغيرها، فالمن حلوى كانت تنزل عليهم من السماء، والسلوى طائر يسقط عليهم فيأخذون من كل قدر الحاجة إلى الغد، لطفًا من الله ورحمة بهم وإحسانًا إليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أي: كلوا من هذا الرزق الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما أمرتكم به ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أي: أغضب عليكم.\n﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: أي فقد شقي (^٤).\nوقال شفي بن ماتع: إن في جهنم قصرًا يرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين خريفًا قبل أن يبلغ الصلصال، وذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ رواه ابن أبي حاتم (^٥).\n\n<span id=\"aya-2430\"></span>وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: كل من تاب إليَّ، تبت عليه من أي ذنب كان، حتى أنه تاب تعالى على من عبد العجل من بني إسرائيل. وقوله تعالى: ﴿تَابَ﴾ أي: رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو معصية أو نفاق.\nوقوله: ﴿وَآمَنَ﴾ أي: بقلبه. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: بجوارحه.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي. . .﴾ [طه: ٧٧] (ح ٤٧٣٧).\n(^٢) صحيح مسلم، الصيام، باب صوم يوم عاشوراء (ح ١١٢٥).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: \"غبون\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.","vol":"5","page":301},{"text":"وقوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي ثم لم يَشكُك (^١).\nوقال سعيد بن جبير: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أي: استقام على السنة والجماعة وروي نحوه عن مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف.\nوقال قتادة: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أي: لزم الإسلام حتى يموت (^٢).\nوقال سفيان الثوري: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أي: علم أن لهذا ثوابًا، و\"ثم\" ههنا لترتيب الخبر على الخبر، كقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾ [البلد].\n\n<span id=\"aya-2431\"></span>\n\n<span id=\"aya-2432\"></span>﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾.\nلما سار موسى ﵇ ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ [الأعراف] وواعده ربه ثلاثين ليلة، ثم أتبعها عشرًا، فتمت أربعين ليلة؛ أي يصومها ليلًا ونهارًا، وقد تقدم في حديث الفتون بيان ذلك، فسارع موسى ﵇ مبادرًا إلى الطور، واستخلف على بني إسرائيل أخاه هارون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ أي: قادمون ينزلون قريبًا من الطور ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ أي: لتزداد عني رضا\n\n<span id=\"aya-2433\"></span>﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ أخبر تعالى نبيه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك السامري.\nوفي الكتب الإسرائيلية أنه كان اسمه هارون أيضًا، وكتب الله تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة للتوراة كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾ [الأعراف] أي: عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري.\n\n<span id=\"aya-2434\"></span>وقوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ أي: بعدما أخبره تعالى بذلك في غاية الغضب والحنق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم، وهم قوم قد عبدوا غير الله، ما يعلم كل عاقل له لب وحزم بطلان ما هم فيه وسخافة عقولهم وأذهانهم، ولهذا قال: رجع إليهم غضبان أسفًا، والأسف: شدة الغضب.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"5","page":302},{"text":"وقال مجاهد: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾؛ أي جزعًا (^١).\nوقال قتادة والسدي: ﴿أَسِفًا﴾ حزينًا على ما صنع قومه من بعده (^٢) ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ أي: أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة وحسن العاقبة، كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم وإظهاركم عليه وغير ذلك من أيادي الله ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ أي: في انتظار ما وعدكم الله ونسيان ما سلف من نعمه وما بالعهد من قدم، ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أم ههنا بمعنى بل، وهي للإضراب عن الكلام الأول وعدول إلى الثاني، كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحلَّ عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي،\n\n<span id=\"aya-2435\"></span>قالوا - أي بنو إسرائيل - في جواب ما أنّبهم موسى وقرّعهم: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي: عن قدرتنا واختيارنا، ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط الذي كانوا قد استعاروه منهم حين خرجوا من مصر، ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾؛ أي ألقيناها عنا.\nوقد تقدم في حديث الفتون أن هارون ﵇ هو الذي كان أمرهم بإلقاء الحلي في حفرة فيها نار.\nوفي رواية السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس، إنما أراد هارون أن يجتمع الحلي كله في تلك الحفرة، ويجعل حجرًا واحدًا، حتى إذا رجع موسى ﵇، رأى فيه ما يشاء ثم جاء ذلك السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول، وسأل هارون أن يدعو الله أن يستجيب له في دعوته، فدعا له هارون وهو لا يعلم ما يريد فأجيب له، فقال السامري عند ذلك: أسأل الله أن يكون عجلًا، فكان عجلًا له خوار؛ أي صوت استدراجًا، وإمهالًا ومحنة واختبارًا، ولهذا قال: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)﴾\n\n<span id=\"aya-2436\"></span>﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: [حدثنا محمد بن عبادة بن البختري] (^٤)، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن هارون مر بالسامري وهو ينحت العجل، فقال له: ما تصنع؟ فقال: أصنع ما يضرُّ ولا ينفع، فقال هارون: اللهم اعطه ما سأل على ما في نفسه، ومضى هارون. وقال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار، فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رؤوسهم (^٥). ثم رواه من وجه آخر عن حماد وقال: أعمل ما ينفع ولا يضر.\nوقال السدي: كان يخور ويمشي (^٦). ﴿فَقَالُوا﴾ - أي الضّلال منهم الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه -: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ أي: نسيه ههنا وذهب يتطلبه، كذا تقدم في حديث\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٣) سنده حسن، والرواية من الإسرائيليات.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"محمد بن عباد النحوي\".\n(^٥) سنده حسن، والرواية من الإسرائيليات.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"5","page":303},{"text":"الفتون عن ابن عباس، وبه قال مجاهد (^١).\nوقال سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق، عن [حكيم بن جبير] (^٣)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ قال: فعكفوا عليه وأحبوه حبًا لم يحبوا شيئًا قط؛ يعني مثله، يقول الله: ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: ترك ما كان عليه من الإسلام؛ يعني: السامري (^٤).\n\n<span id=\"aya-2437\"></span>قال الله تعالى ردًّا عليهم وتقريعًا لهم وبيانًا لفضيحتهم وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ أي: العجل، أفلا يرون أنه لا يجيبهم إذا سألوه ولا إذا خاطبوه، ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: في دنياهم ولا في أخراهم.\nقال ابن عباس ﵄: لا والله ما كان خواره إلا أن يدخل الريح في دبره. فيخرج من فمه فيسمع له صوت، وقد تقدم في [حديث الفتون] (^٥) عن الحسن البصري أن هذا العجل اسمه بهموت، وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم وعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب؛ يعني: هل يصلي فيه أم لا؟ فقال ابن عمر ﵄: انظروا إلى أهل العراق، قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ يعني: الحسين -، وهم يسألون عن دم البعوضة (^٦).\n\n<span id=\"aya-2438\"></span>﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾.\nيخبر تعالى عما كان من نهي هارون ﵇ لهم عن عبادة العجل وإخباره إياهم، إنما هذا فتنة ربكم وإن ربكم الرحمن الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا، ذو العرش المجيد الفعال لما يريد ﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ أي: فيما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه،\n\n<span id=\"aya-2439\"></span>﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾ أي: لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه، وخالفوا هارون في ذلك وحاربوه وكادوا أن يقتلوه.\n\n<span id=\"aya-2440\"></span>﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾.\nيخبر تعالى عن موسى ﵇ رجع إلى قومه، فرأى ما قد حدث فيهم من الأمر العظيم،\n_________\n(^١) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) سنده حسن.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"حكيم بن جرير\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف، فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف، وفيه ابن إسحاق لم يصرح بالسماع، وحكيم بن جبير: ضعيف (التقريب ص ١٧٦).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: \"متون الحديث\".\n(^٦) أخرجه البخاري (الصحيح، الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته ح ٥٩٩٤).","vol":"5","page":304},{"text":"فامتلأ عند ذلك غضبًا وألقى ما كان في يده من الألواح الإلهية، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقد قدمنا في سورة الأعراف بسط ذلك، وذكرنا هناك حديث: \"ليس الخبر كالمعاينة\" (^١)، وشرع يلوم أخاه هارون، فقال: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢)﴾\n\n<span id=\"aya-2441\"></span>﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ أي: فتخبرني بهذا الأمر أول ما وقع ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أي: فيما كنت قدمت إليك، وهو قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]\n\n<span id=\"aya-2442\"></span>﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ ترقق له بذكر الأم مع أنه شقيقه لأبويه؛ لأن ذكر الأم ههنا أرقّ وأبلغ في الحنو والعطف، ولهذا قال: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾، هذا اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم، قال: ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ أن أتبعك فأخبرك بهذا، فتقول لي: لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: وما راعيت ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم، قال ابن عباس: وكان هارون هائبًا مطيعًا له (^٢).\n\n<span id=\"aya-2443\"></span>﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾.\nيقول موسى ﵇ للسامري: ما حملك على ما صنعت؟ وما الذي عرض لك حتى فعلت ما فعلت؟.\nقال محمد بن إسحاق، عن [حكيم بن جبير] (^٣)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان السامري رجلًا من أهل باجرما (^٤)، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام مع بني إسرائيل، وكان اسمه موسى بن ظفر (^٥).\nوفي رواية عن ابن عباس: أنه كان من كرمان. وقال قتادة: كان من قرية سامرا (^٦)\n\n<span id=\"aya-2444\"></span>\n\n<span id=\"aya-2445\"></span>﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: من أثر فرسه، وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين أو أكثرهم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، أخبرني عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن السدي، عن أُبي بن عمارة، عن علي ﵁ قال: إن جبريل ﵇ لما نزل فصعد بموسى ﵇ إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس، قال:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٥٠.\n(^٢) أخرجه الطبري بالسند المتقدم والتالي.\n(^٣) كذا في تفسير الطبري، وفي الأصل و(ح) و(حم) صُحف إلى: \"حكيم بن جرير\"، وحكيم بن جبير ترجم له الحافظ ابن حجر وضعفه (التقريب ١٧٦).\n(^٤) باجرما: قرية من أعمال البليخ قرب الرقة في أرض الجزيرة (معجم البلدان ١/ ٤٥٤)، والرقة بلدة معروفة في سوريا.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق به، وتقدم تضعيف سنده، والرواية من الإسرائيليات (تفسير الطبري ١/ ٦٧٢، تفسير سورة البقرة، آية ٥١).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"من قبيلة\"، وليس \"قرية\".","vol":"5","page":305},{"text":"وحمل جبريل موسى ﵇ خلفه حتى إذا دنا من باب السماء صعد وكتب الله الألواح، وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح، فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده، قال: نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه (^١). غريب.\nوقال مجاهد: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ قال: من تحت حافر فرس جبريل (^٢)، قال: والقبضة ملء الكف، والقبضة بأطراف الأصابع، قال مجاهد: نبذ السامري؛ أي ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلًا جسدًا له خوار حفيف الريح فيه فهو خواره.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، أخبرنا علي بن المديني، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عمارة، حدثنا عكرمة أن السامري رأى الرسول، فألقي في روعه أنك إن أخذت من أثر هذا الفرس قبضة فألقيتها في شيء فقلت له: كن فكان، فقبض قبضة من أثر الرسول فيبست أصابعه على القبضة، فلما ذهب موسى للميقات، وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حلي آل فرعون، فقال لهم السامري: إنما أصابكم من أجل هذا الحلي، فاجمعوه فجمعوه، فأوقدوا عليه فذاب، فرآه السامري فألقي في روعه أنك لو قذفت هذه القبضة في هذه فقلت: كن فيكون، فقذف القبضة وقال: كن، فكان عجلًا جسدًا له خوار، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ (^٣) [طه: ٨٨]. ولهذا قال: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي: ألقيتها مع من ألقى ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أي: حسّنته وأعجبها، إذ ذاك ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ أي: كما أخذت ومسست ما لم يكن لك أخذه ومسه من أثر الرسول فعقوبتك في الدنيا أن تقول: لا مساس، أي لا تماسّ الناس ولا يمسونك ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أي: لا محيد لك عنه.\nوقال قتادة: ﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ قال: عقوبة لهم وبقاياهم اليوم يقولون: لا مساس (^٤).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ قال الحسن وقتادة وأبو نَهيك: لن تغيب عنه (^٥).\nوقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ أي: معبودك ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ أي: أقمت على عبادته يعني: العجل ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قال الضحاك، عن ابن عباس (^٦) والسدي: سحله بالمبارد وألقاه على النار (^٧). وقال قتادة: استحال العجل من الذهب لحمًا ودمًا، فحرقه بالنار (^٨)، ثم ألقى رماده في البحر، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا\n_________\n(^١) في سنده عبيد الله بن موسى والسدي كلاهما من الشيعة، وروايتهما عن علي ﵁، والرواية من الإسرائيليات، وقد استغرب متنه الحافظ ابن كثير، وهو كما قال.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) عمارة هو ابن أبي حفصة، يروي عن عكرمة ويروي عنه يزيد بن زريع، وهو ثقة (تهذيب التهذيب ٧/ ٤١٥). والخبر من الإسرائيليات.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) ذكره الطبري معلقًا عنهم ثلاثتهم ثم أسنده عن قتادة وأبي نَهيك، وهذا التفسير على قراءة \"لن تُخلِفه\" بضم التاء وكسر اللام، وهي قراءة متواترة.\n(^٦) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلقَ ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بلفظ: \"ثم حرقه بالمبرد\".\n(^٨) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم بلفظ: \"وكان له لحم ودم! \".","vol":"5","page":306},{"text":"عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: إن موسى لما تعجل إلى ربه عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني إسرائيل، ثم صوره عجلًا، قال: فعمد موسى إلى العجل فوضع عليه المبارد، فبرده بها وهو على شط نهر، فلم يشرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب، فقالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضًا (^١). وهكذا قال السدي، وقد تقدم في تفسير سورة البقرة، ثم في حديث الفتون بسط ذلك.\n\n<span id=\"aya-2446\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ يقول لهم موسى ﵇: ليس هذا إلهكم، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له، فإن كل شيء فقير إليه، عبد له.\nوقوله: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ نصب على التمييز؛ أي هو عالم بكل شيء، ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]، فلا ﴿يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣]، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود]، والآيات في هذا كثيرة جدًا.\n\n<span id=\"aya-2447\"></span>﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾.\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: كما قصصنا عليك خبر موسى وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع، كذلك نقصُّ عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص، هذا ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا ﴿ذِكْرًا﴾، وهو: القرآن العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت] الذي لم يعطِ نبي من الأنبياء [منذ بعثوا إلى أن ختموا] (^٢) بمحمد ﷺ كتابًا مثله، ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس منه.\n\n<span id=\"aya-2448\"></span>\n\n<span id=\"aya-2449\"></span>ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ أي: كذّب به وأعرض عن اتباعه أمرًا وطلبًا، وابتغى الهدى من غيره، فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم، ولهذا قال: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)﴾ أي: إثمًا كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم أهل الكتاب وغيرهم، كما قال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداعٍ، فمن اتبعه هُدي ومن خالفه وأعرض عنه، ضلَّ وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة، ولهذا قال: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ أي: بئس الحمل حملهم.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق إسرائيل به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٧٩، ٣٨٠).\n(^٢) زيادة من (حم) و(ح).","vol":"5","page":307},{"text":"<span id=\"aya-2450\"></span>﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾.\nثبت في [الحديث] (^١): أن رسول الله ﷺ سئل عن الصور، فقال: \"قرن ينفخ فيه\".\nوقد جاء في حديث الصور من رواية أبي هريرة أنه قرن عظيم، الدائرة منه بقدر السماوات والأرض، ينفخ فيه إسرافيل ﵇ وجاء في الحديث: \"كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له\" فقالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال: \"قولوا: حسبا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا\" (^٢).\nوقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ قيل: معناه: زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال.\n\n<span id=\"aya-2451\"></span>﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يتسارُّون بينهم (^٣)؛ أي يقول بعضهم لبعض: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾؛ أي في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلًا عشرة أيام أو نحوها،\n\n<span id=\"aya-2452\"></span>قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: في حال تناجيهم بينهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أي: العاقل الكامل فيهم ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ أي: لقصر مدة الدنيا في أنفسهم يوم المعاد؛ لأن الدنيا كلها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها وساعاتها، كأنها يوم واحد، ولهذا يستقصر الكافرون مدة الحياة الدنيا يوم القيامة، وكان غرضهم في ذلك درء قيام الحجة عليهم لقصر المدة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾ [الروم]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ [المؤمنون] أي: [إنما] (^٤) كان لبثكم فيها قليلًا، لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف، قدمتم الحاضر الفاني على الدائم الباقي.\n\n<span id=\"aya-2453\"></span>﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ أي: هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ أي: يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرًا\n\n<span id=\"aya-2454\"></span>\n\n<span id=\"aya-2455\"></span>﴿فَيَذَرُهَا﴾ أي: الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ أي: بساطًا واحدًا، والقاع هو: المستوي من الأرض، والصفصف تأكيد لمعنى\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"الصحيح\"، وقد أثبت لفظ: الحديث؛ لأن الحديث في المسند والسنن، وليس في الصحيح.\n(^٢) تقدم تخريج هذه الأحاديث الثلاثة في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: \"بما\".","vol":"5","page":308},{"text":"ذلك، وقيل: الذي لا نبات فيه، والأول أولى، وإن كان الآخر مرادًا أيضًا باللازم، ولهذا قال: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ أي: لا ترى في الأرض يومئذٍ واديًا ولا رابية ولا مكانًا منخفضًا ولا مرتفعًا، كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة وغير واحد من السلف (^١).\n\n<span id=\"aya-2456\"></span>﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال يستجيبون مسارعين إلى الداعي حيثما أمروا بادروا إليه، ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم ولكن حيث لا ينفعهم، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨]، وقال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر].\nوقال محمد بن كعب القرظي: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، ويطوي السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي منادٍ، فيتبع الناس الصوت يؤمّونه، فذلك قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ (^٢).\n[وقال قتادة: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ لا يميلون عنه.\nوقال أبو صالح: لا عوج له أي: لا عوج عنه] (^٣) (^٤).\nوقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ قال ابن عباس: سكنت (^٥)، وكذا قال السدي ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ قال سعيد بن جبير، عن عباس: يعني وطء الأقدام (^٦)، وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وقتادة وابن زيد وغيرهم (^٧).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ الصوت الخفي (^٨)، وهو رواية عن عكرمة والضحاك (^٩). وقال سعيد بن جبير: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ الحديث وسره ووطء الأقدام (^١٠)، فقد جمع سعيد كلا القولين، وهو محتمل، أما وطء الأقدام فالمراد سعي الناس\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) قول قتادة وأبي صالح عزاهما السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق علي بن عابس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير به، وعلي بن عابس ضعيف كما في التقريب. ويتقوى بما يلي عن التابعين وعن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عن عكرمة وقتادة والحسن وابن زيد، ولكن ما ورد عن مجاهد بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: \"خفض الصوت\"، وقد ورد عن مجاهد بلفظ: \"نقل الأقدام\" ولكنه لم يصح لأن البستي أخرجه من طريق رجل مجهول.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٩) قول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^١٠) نسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.","vol":"5","page":309},{"text":"إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع، وأما الكلام الخفي فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ [هود].\n\n<span id=\"aya-2457\"></span>﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾.\nيقول تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ أي: عنده ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم]، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ].\nوفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ، وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلائق على الله ﷿ أنه قال: \"آتي تحت العرش، وأخرُّ لله ساجدًا، ويُفتح عليَّ بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء أن يدعني، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع، واشفع تشفع، فيحد لي حدًا، فأدخلهم الجنة ثم أعود\" (^١) فذكر أربع مرات، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء.\nوفي الحديث أيضًا: \"يقول تعالى: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال مِن إيمان، أخرجوا مِن النار مَن كان في قلبه ما يزن ذرة، مَن كان في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة مِن إيمان. . .\" الحديث (^٢).\n\n<span id=\"aya-2458\"></span>وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: يحيط علمًا بالخلائق كلهم ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n\n<span id=\"aya-2459\"></span>وقوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال ابن عباس وغير واحد: خضعت وذلّت (^٣) واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهو قيّم على كل شيء يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه لا قوام له إلا به.\nوقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أي: يوم القيامة، فإن الله سيؤدي كلَّ حقٍّ إلى صاحبه حتى\n_________\n(^١) أخرجاه من حديث أنس ﵁، صحيح البخاري، الرقاق، صفة الجنة والنار (ح ٦٥٦٥)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ٣٢٢).\n(^٢) أخرجه الشيخان بنحوه من حديث أنس ﵁، صحيح البخاري، الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه (ح ٤٤)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ٣٢٥.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"ذلَّت\".","vol":"5","page":310},{"text":"يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، وفي الحديث: \"يقول الله ﷿: وعزتي وجلالي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم\" (^١)، وفي [الصحيح] (^٢): \"إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو به مشرك، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [القمان: ١٣] \" (^٣).\n\n<span id=\"aya-2460\"></span>وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ لما ذكر الظالمين ووعيدهم، ثنّى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يظلمون ولا يهضمون؛ أي لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة وغير واحد (^٤)، فالظلم الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم: النقص.\n\n<span id=\"aya-2461\"></span>﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾.\nيقول تعالى: ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير والشر واقعًا لا محالة، أنزلنا القرآن بشيرًا ونذيرًا بلسان عربي مبين فصيح لا لبس فيه ولا عي، ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يتركون المآثم والمحارم والفواحش ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات\n\n<span id=\"aya-2462\"></span>﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: تنزه وتقدس الملك الحق الذي هو حق ووعده حق، ووعيده حق ورسله حق، والجنة حق، والنار حق وكل شيء منه حق، وعدله تعالى أن لا يعذب أحدًا قبل الإنذار وبعثة الرسل، والإعذار إلى خلقه لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة.\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾، كقوله تعالى في سورة ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة]، وثبت في الصحيح عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ، كان يعالج من الوحي شدة، فكان مما يحرك به لسانه، فأنزل الله هذه الآية (^٥)؛ يعني: أنه ﵇ كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية، قالها معه من شدة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه لئلا يشق عليه، فقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة] أي: أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس\n_________\n(^١) عزاه الزبيدي إلى الخطيب البغدادي من حديث جابر بن عبد الله وغيره مطولًا من عدة طرق (ينظر: إتحاف السادة المتقين ١٠/ ٤٧٩).\n(^٢) كذا في (حم)، وفي الأصل: \"الصحيحين\"، والصواب المثبت؛ لأنه في صحيح مسلم دون صحيح البخاري.\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث جابر ﵁ الشطر الأول بنحوه الصحيح، البر والصلة، باب تحريم الظلم (ح ٢٥٧٨).\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق علي ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ميمون بن سياه عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٥) أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير، باب سورة القيامة (ح ٤٩٢٧».","vol":"5","page":311},{"text":"من غير أن تنسى منه شيئًا ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة]، وقال في هذه الآية: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ أي: بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أي: زدني منك علمًا.\nقال ابن عيينة ﵀: ولم يزل ﷺ في زيادة حتى توفاه الله ﷿.\nولهذا جاء في الحديث: \"إن الله تابع الوحي على رسوله، حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم توفي رسول الله ﷺ\" (^١).\nوقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: \"اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، والحمد لله على كل حال\" (^٢). وأخرجه الترمذي، عن أبي كريب، عن عبد الله بن نمير، به. وقال: غريب من هذا الوجه (^٣). ورواه البزار، عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي عاصم، عن موسى بن عبيدة، به. وزاد في آخره: \"وأعوذ بالله من حال أهل النار\".\n\n<span id=\"aya-2463\"></span>\n\n<span id=\"aya-2464\"></span>﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سُمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي (^٤)، وكذا رواه علي بن أبي طلحة عنه (^٥). وقال مجاهد والحسن: ترك (^٦). وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ يذكر تعالى تشريف آدم، وتكريمه وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلًا، وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة البقرة (^٧)، وفي الأعراف (^٨)، وفي الحجر (^٩)، والكهف (^١٠)، وسيأتي في\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك ﵁، (صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي .. ح ٤٩٨٢)، وصحيح مسلم، التفسير (ح ٣٠١٦).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، المقدمة، باب اتباع الرسول ﷺ ح ٢٥١) وفي سنده موسى بن عبيدة وهو الربذي ضعيف، ولشطر الأول شواهد، ولهذا صححه الألباني دون قوله: \"والحمد لله على كل حال\" (صحيح سنن ابن ماجه ح ٢٠٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي من طريق موسى بن عبيدة به، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه (السنن، الدعوات، باب في العفو والعافية ح ٣٥٩٩).\n(^٤) سنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"فترك\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) الآيات ٣٠ - ٣٨.\n(^٨) الآيات ١١ - ٢٤.\n(^٩) الآيات ٢٨ - ٤٠.\n(^١٠) آية ٥٠.","vol":"5","page":312},{"text":"آخر سورة ﴿ص﴾ (^١) يذكر تعالى فيها خلق آدم وأمره الملائكة بالسجود له تشريفًا وتكريمًا، ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديمًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أي: امتنع واستكبر\n\n<span id=\"aya-2465\"></span>﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ يعني: حواء ﵍ ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ﴾ أي: إياك أن تسعى في إخراجك منها فتتعب وتعن وتشقى في طلب رزقك، فإنك ههنا في عيش رغيد هنيء بلا كلفة ولا مشقة\n\n<span id=\"aya-2466\"></span>﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ إنما قرن بين الجوع والعري؛ لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر،\n\n<span id=\"aya-2467\"></span>﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ وهذان أيضًا متقابلان، فالظمأ حرُّ الباطن وهو العطش، والضحى حرُّ الظاهر.\n\n<span id=\"aya-2468\"></span>وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ قد تقدم أنه ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ [الأعراف]، وقد تقدم أن الله تعالى عهد إلى آدم وزوجه أن يأكلا من كل الثمار ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة، فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها وكانت شجرة الخلد؛ يعني: التي مَن أكل منها خلد ودام مكثه، وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبي الضحاك: سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي ﷺ قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، وهي شجرة الخلد\"، ورواه الإمام أحمد (^٢).\n\n<span id=\"aya-2469\"></span>وقوله: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن [سعيد بن أبي عروبة] (^٣)، عن قتادة، عن الحسن، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله خلق آدم رجلًا طوالًا كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة فنازعها، فناداه الرحمن: يا آدم مني تفرّ، فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب لا، ولكن استحياء، أرأيت إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم\" فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (^٤) [البقرة: ٣٧]، وهذا منقطع بين الحسن وأُبي بن كعب، فلم يسمعه منه، وفي رفعه نظر أيضًا.\nوقوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قال مجاهد: يرقعان كهيئة الثوب، وكذا قال قتادة والسدي (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن عون، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قال: ينزعان ورق التين فيجعلانه على سوآتهما (^٦).\n_________\n(^١) في الآيات ٧١ - ٨٥.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الرعد آية ٢٩.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"سعيد عن عروبة\".\n(^٤) سنده ضعيف؛ لأن الحسن لم يسمع من أُبي.\n(^٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٦) سنده حسن، والخبر من الإسرائيليات.","vol":"5","page":313},{"text":"وقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾\n\n<span id=\"aya-2470\"></span>﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"حاجَّ موسى آدم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني؟ \"، قال رسول الله ﷺ: \"فحجَّ آدم موسى\" (^١)، وهذا الحديث له طرق في الصحيحين (^٢)، وغيرهما من المسانيد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أنس بن عياض، عن الحارث بن أبي ذياب، عن يزيد بن هرمز قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"احتجَّ آدم وموسى عند ربهما، فحجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأَسجَدَ لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك، قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيًا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم: فهل وجدت فيها ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملًا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ \" قال رسول الله ﷺ: \"فحجَّ آدم موسى\"، قال الحارث: وحدثني عبد الرحمن بن هرمز بذلك عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2471\"></span>﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾.\nيقول تعالى لآدم وحواء وإبليس: اهبطوا منها جميعًا؛ أي من الجنة كلكم، وقد بسطنا ذلك في سورة البقرة (^٤).\n﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته. وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ قال أبو العالية: الأنبياء والرسل والبيان (^٥) ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ قال ابن عباس: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] ح ٤٧٣٨).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى (ح ٧٥١٥)، وصحيح مسلم، القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉ (ح ٢٦٥٢/ ١٣).\n(^٣) سنده صحيح، وأخرجه مسلم عن إسحاق بن موسى بن عبد الله عن أنس بن عياض به (الصحيح، القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉ ح ٢٦٥٢/ ١٥).\n(^٤) آية: ٣٦.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية في تفسير سورة البقرة آية ٣٨ (١/ ٥٨٩).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ٣٧١)، والطبري بسند حسن كلاهما من طريق عمرو بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس.","vol":"5","page":314},{"text":"<span id=\"aya-2472\"></span>\n\n<span id=\"aya-2473\"></span>﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي: خالف أمري وما أنزلته على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أي: ضنكًا في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشرح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: الشقاء (^١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: كل ما أعطيته عبدًا من عبادي قلّ أو كثر، لا يتَّقيني فيه، فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة، ويقال أيضًا: إن قومًا ضُلّالًا أعرضوا عن الحق وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، فكانت معيشتهم ضنكًا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفًا لهم معايشهم من سوء ظنهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظن به والثقة به، اشتدت عليه معيشته؛ فذلك الضنك (^٢).\nوقال الضحاك: هو العمل السيء والرزق الخبيث (^٣)، وكذا قال عكرمة ومالك بن دينار (^٤).\nوقال سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد في قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه (^٥). وقال أبو حاتم الرازي: [النعمان بن أبي عياش يكنى] (^٦) أبا سلمة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، أنبأنا الوليد، أنبأنا عبد الله بن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله ﷿: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: ضمة القبر له (^٧)، والموقوف أصح. وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح، عن ابن حُجَيرة واسمه: عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويفسح له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له قبره كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيما أنزلت هذه الآية ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾؟ أتدرون ما المعيشة الضنك؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينًا؛ أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون\" (^٨)، رفعه منكر جدًا.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظه تقريبًا.\n(^٣) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٤) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه محمد بن حميد، وهو الرازي، وهو ضعيف. وقول مالك بن دينار عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه البستي من طريق سفيان بن عيينة به، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي حازم به (المصنف ١٣/ ٣٩٢)، وسنده صحيح وله حكم الرفع؛ لأن أبا سعيد هو الخدري ﵁.\n(^٦) كذا في (ح) وترجمته، وفي (حم): \"النعمان بن أبي عياض يكنى\"، وفي الأصل صُحف إلى: \"اليعمري أبي عباس يحيى\".\n(^٧) سنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.\n(^٨) أخرجه أبو يعلى من طريق دراج به (المسند ١١/ ٥٢١)، وضعف متنه الحافظ ابن كثير لما فيه من الغرائب.","vol":"5","page":315},{"text":"وقال البزار: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي: حدثنا محمد بن عمر، حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قول الله ﷿: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: \"المعيشة الضنك الذي قال الله أنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة\" (^١).\nوقال أيضًا (^٢): [حدثنا] (^٣) أبو زرعة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: \"عذاب القبر\" (^٤). إسناد جيد.\nوقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ قال مجاهد وأبو صالح والسدي: لا حجة له (^٥)، وقال عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا جهنم (^٦)، ويحتمل أن يكون المراد أنه يبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضًا، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، ولهذا يقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ أي: في الدنيا\n\n<span id=\"aya-2474\"></span>﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ أي: لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك، تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]، فإن الجزاء من جنس العمل.\nفأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلًا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعدًا عليه من جهة أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك.\nقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، [عن] (^٧) يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"ما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم\" (^٨)، ثم رواه الإمام أحمد من حديث يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ … فذكر مثله سواء (^٩).\n\n<span id=\"aya-2475\"></span>﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾.\nيقول تعالى: وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي\n_________\n(^١) أخرجه البزار بسنده ومتنه كما في زوائد مسند البزار (٢/ ٩٤)، وسنده ضعيف جدًا؛ لأن محمد بن عمر هو الواقدي، وهو متروك.\n(^٢) القائل هو: ابن أبي حاتم.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) جوّد سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه الثوري بسند صحيح عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول أبي صالح أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٧) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل صحفت إلى: \"بن\".\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٨٥)، وسنده ضعيف؛ لجهالة عيسى بن فائد وجهالة شيخه.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٢٣)، وسنده ضعيف لجهالة عيسى بن فائد.","vol":"5","page":316},{"text":"الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد]، ولهذا قال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ أي: أشد ألمًا من عذاب الدنيا وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه، ولهذا قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: \"إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة\" (^١).\n\n<span id=\"aya-2476\"></span>﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ﴾ لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به يا محمد كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها يمشون فيها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ أي: العقول الصحيحة والألباب المستقيمة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج] وقال في سورة ﴿الم (١)﴾ ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾ [السجدة].\n\n<span id=\"aya-2477\"></span>\n\n<span id=\"aya-2478\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)﴾ أي: لولا الكلمة السابقة من الله وهو أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله تعالى لهؤلاء المكذبين إلى مدة معينة، لجاءهم العذاب بغتة، ولهذا قال لنبيه مسليًا له: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي: من تكذيبهم لك ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ يعني: صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يعني: صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: \"إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا\" ثم قرأ هذه الآية (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عمارة بن [رؤيبة] (^٣) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها\" (^٤)، رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، به (^٥). وفي المسند والسنن عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه، وإن أعلاهم منزلة لمن ينظر إلى الله تعالى في اليوم مرتين\" (^٦).\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في تفسير سورة النور.\n(^٢) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر (ح ٥٥٤)، وصحيح مسلم، المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر (ح ٦٣٢).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) والمسند وصحيح مسلم، وفي الأصل صحف إلى: \"روبة\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٦)، وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي العصر (ح ٦٣٤).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد من طريق ثوير بن أبي فاختة عن ابن عمر، وضعف سنده محققوه لضعف ثوير (المسند ٨/ ٢٤٠ ح ٤٦٢٣)، وأخرجه الترمذي (السنن، صفة الجنة ح ٢٥٥٣)، وأبو يعلى (المسند ح ٥٧٢٩).","vol":"5","page":317},{"text":"وقوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ أي: من ساعاته فتهجد به، وحمله بعضهم على المغرب والعشاء ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ في مقابلة آناء الليل ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى].\nوفي الصحيح: \"يقول الله تعالى: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا\" (^١).\nوفي الحديث: \"يقال: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة، فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم خيرًا من النظر إليه، وهي الزيادة\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2479\"></span>﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾.\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: لا تنظر إلى ما هؤلاء المترفون وأشباههم ونظراؤهم وما هم فيه من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك وقليل من عبادي الشكور.\nوقال مجاهد: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ يعني: الأغنياء، فقد آتاك خيرًا مما آتاهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٧، ٨٨]، وكذلك ما ادخره الله تعالى لرسوله ﷺ في الآخرة أمر عظيم لا يحد ولا يوصف، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى]، ولهذا قال: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.\nوفي الصحيح: أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله ﷺ في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه حين آلى منهن، فرآه متوسدًا مضطجعًا على رمال حصير، وليس في البيت إلا صبرة من قرظ (^٣) وأهب (^٤) معلقة، فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال له رسول الله ﷺ: \"ما يبكيك يا عمر؟ \" فقال: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه؟ فقال: \"أَوَ في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا\" (^٥).\nفكان ﷺ أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئًا لغد.\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار (ح ٦٥٤٩)، وصحيح مسلم، الجنة، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة (ح ٢٨٢٩).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٢٦.\n(^٣) أي: كومة مما يُدبغ به الجلود.\n(^٤) أي: جلد من البقر والغنم والوحش.\n(^٥) أخرجه البخاري مطولًا (الصحيح، المظالم، باب الغرفة والعليَّة المشرفة .. ح ٢٤٦٨)، وأخرجه مسلم (الصحيح، الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء .. ح ١٤٧٩).","vol":"5","page":318},{"text":"قال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا\" قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: \"بركات الأرض\" (^١).\nوقال قتادة والسدي: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ يعني: زينة الحياة الدنيا (^٢).\nوقال قتادة: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنبتليهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-2480\"></span>وقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ أي: استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصبر أنت على فعلها، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كان يبيت عنده أنا ويرفأ، وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم، فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا استيقظ أقام؛ يعني: أهله، وقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (^٤).\nوقوله: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ يعني: إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق في حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات]، ولهذا قال: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾.\nوقال الثوري: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ أي: لا نكلفك الطلب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه: أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفًا، فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار قرأ ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ ثم يقول: الصلاة، الصلاة، رحمكم الله (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا [عبد الله بن أبي زياد القطواني] (^٦)، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، عن ثابت قال: كان النبي ﷺ إذا أصابه خصاصة نادى أهله: يا أهلاه صلُّوا، صلُّوا. قال ثابت: وكان الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة (^٧).\nوقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث عمران بن زائدة، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك\n_________\n(^١) سنده صحيح، أخرجه مسلم من طريق ابن وهب به (الصحيح، الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا ح ١٠٥٢/ ١٢٢)، وأخرجه البخاري بلفظ: \"إنما أخشى عليكم من بعدي أن يفتح عليكم من بركات الأرض ثم ذكر زهرة الدنيا\"، (صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل النفقة في سبيل الله ح ٢٨٤٢).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري كسابقه.\n(^٤) سنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق هشام بن سعد به.\n(^٥) سنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق هشام بن عروة به.\n(^٦) كذا في ترجمته في التقريب، وفي الأصل صحف إلى: \"عبد الله بن زياد البطراني\"، وفي (ح) و(حم): \"عبد الله بن أبي زياد القطراني\".\n(^٧) سنده مرسل؛ لأن ثابت هو ابن أسلم البناني، وهو تابعي.","vol":"5","page":319},{"text":"غنًى وأسدُّ فقرك؛ وإن لم تفعل، ملأت صدرك شغلًا ولم أسدّ فقرك\" (^١).\nوروى ابن ماجه من حديث الضحاك، عن الأسود، عن ابن مسعود: سمعت نبيكم ﷺ يقول: \"من جعل الهموم همًّا واحدًا همّ المعاد كفاه الله همّ دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أيِّ أوديته هلك\" (^٢). وروي أيضًا من حديث شعبة، عن عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من كانت الدنيا همّه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع له أمره وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة\" (^٣).\nوقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وهي الجنة لمن اتقى الله.\nوفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: \"رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع، وأنّا أتينا برطب ابن طاب، فأوّلت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة، وأن ديننا قد طاب\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-2481\"></span>﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار في قولهم: ﴿لَوْلَا﴾ أي: هلا يأتينا محمد بآية من ربه؛ أي: بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ يعني: القرآن الذي أنزله عليه الله، وهو أمّي لا يحسن الكتابة ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها، فإن القرآن مهيمن عليها يصدق الصحيح ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت].\nوفي [الصحيحين] (^٥) عن رسول الله ﷺ: أنه قال: \"ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\" (^٦).\n_________\n(^١) سنن الترمذي، صفة القيامة (ح ٢٤٦٦)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب الهمّ بالدنيا (ح ٤١٠٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣١٥).\n(^٢) المصدر السابق (ح ٤١٠٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣١٤).\n(^٣) المصدر السابق (ح ٤١٠٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣١٣).\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ بلفظ: \"برطب من رطب ابن طاب\" (الصحيح، الرؤيا، باب رؤيا النبي ﷺ ح ٢٢٧٠)، ورطب ابن طاب: نوع من التمور.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"وفي الصحيح\".\n(^٦) صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي؟ (ح ٤٩٨١)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ (ح ١٥٢).","vol":"5","page":320},{"text":"وإنما ذكر ههنا أعظم الآيات التي أعطيها ﵇، وهو القرآن، وإلا فله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر، كما هو مودع في كتبه ومقرر في مواضعه.\n\n<span id=\"aya-2482\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ أي: لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم، لكانوا قالوا: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ قبل أن تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه كما قال: ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ يبيّن تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس]، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾ [الأنعام] وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾ [فاطر] وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-2483\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لمن كذبك وخالفك واستمر على كفره وعناده ﴿كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ أي: منا ومنكم ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: فانتظروا ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ أي: الطريق المستقيم ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ إلى الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢]، وقال: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ [القمر].\nآخر تفسير سورة طه، ولله الحمد والمنّة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.","vol":"5","page":321},{"text":"<span data-type='title' id=toc-133>سُورَةُ الأَنبيَاءِ</span>\nوهي مكية\nقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: بنو إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، هن من العتاق الأُوَل، وهن من تلادي (^١).\n\n<span id=\"aya-2484\"></span>﷽\n﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.\nهذا تنبيه من الله ﷿ على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة عنها؛ أي لا يعملون لها ولا يستعدون من أجلها.\nوقال النسائي: حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ﴿فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ قال: \"في الدنيا\" (^٢).\nوقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ [القمر]، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن هانئ أبي نواس الشاعر أنه قال: أشعر الناس الشيخ الطاهر أبو العتاهية حيث يقول (^٣):\nالناس في غَفَلاتِهم … وَرَحا المنيَّة تطحن\nفقيل له: من أين أخذ هذا؟ قال: من قول الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾. [وروى في ترجمة عامر بن ربيعة من طريق موسى بن عبيد الآمدي، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة: أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ومعناه في مطلع تفسير سورة الإسراء.\n(^٢) السنن الكبرى - التفسير - سورة الأنبياء ٢/ ١٠٤ وأخرجه الطبري من طريق أبي صالح عن أبي هريرة ورجاله ثقات وسنده صحيح.\n(^٣) ديوانه ص ٤٢٩.","vol":"5","page":322},{"text":"عامر مثواه، وكلَّم فيه رسول الله ﷺ فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت من رسول الله ﷺ واديًا في العرب، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾] (^١) (^٢).\n\n<span id=\"aya-2485\"></span>ثم أخبر تعالى أنهم لا يصغون إلى الوحي الذي أنزل الله على رسوله، والخطاب مع قريش ومن شابههم من الكفار، فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أي: جديد إنزاله ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ كما قال ابن عباس: ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم، وقد حرفوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدث الكتب بالله تقرؤونه محضًا لم يشب. رواه البخاري بنحوه (^٣).\n\n<span id=\"aya-2486\"></span>وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: قائلين فيما بينهم خفية: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يعنون رسول الله ﷺ يستبعدون كونه نبيًا لأنه بشر مثلهم، فكيف اختص بالوحي دونهم؟ ولهذا قال: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي: أفتتبعونه فتكونون كمن يأتي السحر وهو يعلم أنه سحر، فقال تعالى مجيبًا لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب\n\n<span id=\"aya-2487\"></span>﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: الذي يعلم ذلك لا يخفى عليه خافية، وهو الذي أنزل هذا القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين، الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله إلا الذي يعلم السر في السماوات والأرض.\nوقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوالكم والعليم بأحوالكم، وفي هذا تهديد لهم ووعيد.\n\n<span id=\"aya-2488\"></span>\n\n<span id=\"aya-2489\"></span>وقوله: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ﴾ هذا إخبار عن تعنت الكفار وإلحادهم واختلافهم فيما يصفون به القرآن، وحيرتهم فيه وضلالهم عنه، فتارة يجعلونه سحرًا، وتارة يجعلونه شعرًا، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام، وتارة يجعلونه مفترى، كما قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ [الإسراء]، وقوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ يعنون: كناقة صالح وآيات موسى وعيسى، وقد قال الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩]، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ أي: ما آتينا قرية من القرى التي بعث فيهم الرسل آية على يدي نبيها فآمنوا بها بل كذبوا، فأهلكناهم بذلك أفهؤلاء يؤمنون بالآيات لو رأوها دون أولئك؟ كلا، بل ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس] هذا كله وقد شاهدوا من الآيات الباهرات والحجج القاطعات والدلائل البينات على يدي رسول الله ﷺ ما هو أظهر وأجلى وأبهر وأقطع وأقهر مما شوهد مع غيره من الأنبياء،\n_________\n(^١) زيادة من نسخة دار الكتب حسب طبعة البابي الحلبي.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٣) صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: \"لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء\" (ح ٧٣٦٣).","vol":"5","page":323},{"text":"صلوات الله وسلامه عليهم [أجمعين] (^١).\nقال ابن أبي حاتم ﵀: ذُكر عن زيد بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي، حدثني من شهد عبادة بن الصامت يقول: كنا في المسجد ومعنا أبو بكر الصديق ﵁ يُقرئ بعضُنا بعضًا القرآن، فجاء عبد الله بن أُبي ابن سلول ومعه نمرقة (^٢) وزربية (^٣)، فوضع واتكأ، وكان صبيحًا فصيحًا جدلًا، [فقال: يا أبا بكر، قل لمحمد يأتينا بآية كما جاء الأولون، جاء موسى بالألواح، وجاء] (^٤) داود بالزبور، وجاء صالح بالناقة، وجاء عيسى بالإنجيل وبالمائدة، فبكى أبو بكر ﵁، فخرج رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: قوموا بنا إلى رسول الله ﷺ نستغيث به من هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ: \"إنه لا يقام لي إنما يقام لله ﷿\" فقلنا: يا رسول الله، إنا لقينا من هذا المنافق، فقال: \"إن جبريل قال لي: اخرج فأخبر بنعم الله التي أنعم بها عليك، وفضيلته التي فضلت بها، فبشرني أني بعثت إلى الأحمر والأسود، وأمرني أن أنذر الجن، وآتاني كتابه وأنا أمّي، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر، وذكر اسمي في الأذان، وأمدني بالملائكة، وآتاني النصر، وجعل الرعب أمامي، وآتاني الكوثر، وجعل حوضي من أكثر الحياض يوم القيامة ورودًا، ووعدني المقام المحمود والناس مهطعون مقنعون رؤوسهم، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفًا من أمتي الجنة بغير حساب، وآتاني السلطان والملك، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة في جنات النعيم، فليس فوقي أحد إلا الملائكة الذين يحملون العرش، وأحلَّ لي ولأمتي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا\" (^٥). وهذا الحديث غريب جدًا.\n\n<span id=\"aya-2490\"></span>﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾.\nيقول تعالى رادًا على من أنكر بعثة الرسل من البشر: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ أي: جميع الرسل الذين تقدموا كانوا رجالًا من البشر لم يكن فيهم أحد من الملائكة، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقال تعالى حكاية عمن تقدم من الأمم؛ لأنهم أنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف: هل كان الرسل الذين أتوهم بشرًا أو ملائكة؟ وإنما كانوا بشرًا، وذلك من تمام نعمة الله على خلقه إذ بعث فيهم رسلًا منهم يتمكنون من تناول البلاغ منهم والأخذ عنهم.\n\n<span id=\"aya-2491\"></span>وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ أي: بل قد كانوا أجسادًا يأكلون الطعام كما\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) أي: وسادة صغيرة.\n(^٣) أي: البساط المخملي.\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن عبادة بن الصامت ﵁، واستغرب متنه الحافظ ابن كثير.","vol":"5","page":324},{"text":"قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] أي: قد كانوا بشرًا من البشر يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق للتكسب والتجارة وليس ذلك بضارٍّ لهم ولا ناقص منهم شيئًا، كما توهمه المشركون في قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾ [الفرقان].\nوقوله: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ أي: في الدنيا؛ بل كانوا يعيشون ثم يموتون ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وخاصتهم أنهم يوحى إليهم من الله ﷿، تنزل عليهم الملائكة عن الله بما يحكمه في خلقه مما يأمر به وينهى عنه،\n\n<span id=\"aya-2492\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ أي: الذي وعدهم ربهم ليهلكن الظالمين صدقهم الله وعده وفعل ذلك، ولهذا قال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ﴾ أي: أتباعهم من المؤمنين ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: المكذبين بما جاءت الرسل به.\n\n<span id=\"aya-2493\"></span>﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾.\nيقول تعالى منبِّهًا على شرف القرآن ومحرِّضًا لهم على معرفة قدره: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال ابن عباس: شرفكم (^١).\nوقال مجاهد: حديثكم (^٢).\nوقال الحسن: دينكم (^٣).\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: هذه النعمة، وتتلقونها بالقبول، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾ [الزخرف]،\n\n<span id=\"aya-2494\"></span>وقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ هذه صيغة تكثير، كما قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧]، وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ [الحج].\nوقوله: ﴿وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ أي: أمة أخرى بعدهم\n\n<span id=\"aya-2495\"></span>﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ أي: تيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة كما وعدهم نبيهم ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ أي: يفرون هاربين\n\n<span id=\"aya-2496\"></span>﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ هذا تهكُّم بهم نزرًا، أي قيل لهم: نزرًا لا تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة.\nقال قتادة: استهزاء بهم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي من طريق سليمان عن أبيه عن ابن عباس (شعب الإيمان رقم ١٦١٦)، ولم يسم والد سليمان.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"5","page":325},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: عما كنتم فيه من أداء شكر النعم\n\n<span id=\"aya-2497\"></span>﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤)﴾ اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك\n\n<span id=\"aya-2498\"></span>﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾ أي: ما زالت تلك المقالة، وهي الاعتراف بالظلم هجّيراهم حتى حصدناهم حصدًا، وخمدت حركاتهم وأصواتهم خمودًا.\n\n<span id=\"aya-2499\"></span>﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾.\nيخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق؛ أي: بالعدل [والقسط] (^١)، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، وأنه لم يخلق ذلك عبثًا ولا لعبًا كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص].\n\n<span id=\"aya-2500\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾.\nقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ يعني: من عندنا (^٢)، يقول: وما خلقنا جنة ولا نارًا ولا موتًا ولا بعثًا ولا حسابًا.\nوقال الحسن وقتادة وغيرهما: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ اللهو: المرأة، بلسان أهل اليمن (^٣).\nوقال إبراهيم النخعي: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ﴾ من الحور العين (^٤).\nوقال عكرمة والسدي: والمراد باللهو ههنا الولد (^٥)، وهذا والذي قبله متلازمان، وهو كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ﴾ [الزمر: ٤] فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقًا، ولا سيما عما يقولون من الإفك والباطل من اتخاذ عيسى أو العزير أو الملائكة ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾ [الإسراء].\nوقوله: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ قال قتادة والسدي وإبراهيم النخعي ومغيرة بن مقسم: أي ما كنا فاعلين (^٦).\nوقال مجاهد: كل شيء في القرآن ﴿إِنْ﴾ فهو إنكار (^٧).\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"أي بالقسط\".\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) قول الحسن أخرجه الطبري من طريق عقبة بن أبي جسرة عنه، بلفظ: \"اللهو: المرأة\"، وسنده حسن ترجمة، ويتقوى بقول قتادة الذي أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) قول عكرمة عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأخرجه الطبرىِ بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"5","page":326},{"text":"<span id=\"aya-2501\"></span>وقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ أي: نبين الحق فيدحض الباطل، ولهذا قال: ﴿فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي: ذاهب مضمحل ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ أي: أيها القائلون لله ولد ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ أي: تقولون وتفترون.\n\n<span id=\"aya-2502\"></span>ثم أخبر تعالى عن عبودية الملائكة له ودأبهم في طاعته ليلًا ونهارًا، فقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ يعني: الملائكة ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أي: لا يستنكفون عنها، كما قال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ [النساء].\nوقوله: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: لا يتعبون ولا يملون ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ فهم دائبون في العمل ليلًا ونهارًا، مطيعون قصدًا وعملًا، قادرون عليه، كما قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].\n\n<span id=\"aya-2503\"></span>وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن أبي دُلامة البغدادي، أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله ﷺ بين أصحابه إذ قال لهم: \"هل تسمعون ما أسمع؟ \" قالوا: ما نسمع من شيء، فقال رسول الله ﷺ: \"إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم\" (^١) غريب، ولم يخرجوه، ثم رواه - أعني ابن أبي حاتم - من طريق يزيد بن [زريع] (^٢)، عن سعيد، عن قتادة مرسلًا (^٣). وقال محمد بن إسحاق، عن حسان بن مخارق، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام، فقلت له: أرأيت قول الله تعالى للملائكة: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ أما يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل. فقال: من هذا الغلام؟ فقالوا: من بني عبد المطلب، قال: فقبل رأسي ثم قال: يا بني إنه جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس أليس تتكلم وأنت تتنفس وتمشي وأنت تتنفس؟ (^٤) (^٥).\n\n<span id=\"aya-2504\"></span>\n\n<span id=\"aya-2505\"></span>﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾.\nينكر تعالى على من اتخذ من دونه آلهة فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾ أي: أهم يحيون الموتى وينشرونهم من الأرض؛ أي: لا يقدرون على شيء من ذلك، فكيف جعلوها لله ندًا وعبدوها معه؟ ثم أخبر تعالى أنه لو كان في الوجود آلهة غيره لفسدت السماوات والأرض، فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ أي: في السماوات والأرض ﴿لَفَسَدَتَا﴾ كقوله تعالى: ﴿مَا\n_________\n(^١) في سنده عبد الوهاب بن عطاء، وهو الخفاف: صدوق ربما أخطأ (التقريب ص ٣٦٨)، وأظنه هو الذي رفعه، وإلا في الرواية التالية مرسلة.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"رافع\".\n(^٣) رجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق يقوي أحدهما الآخر.\n(^٥) الروايات الثلاث وردت في الأصل في تفسير الآية التالية.","vol":"5","page":327},{"text":"اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ [المؤمنون]، وقال ههنا: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عما يقولون أنَّ له ولدًا أو شريكًا ﷾ وتقدس وتنزه عن الذي يفترون ويأفكون علوًا كبيرًا.\n\n<span id=\"aya-2506\"></span>وقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ أي: هو الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد لعظمته وجلاله وكبريائه وعلمه وحكمته وعدله ولطفه ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ أي: وهو سائل خلقه عما يعملون كقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر]، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨].\n\n<span id=\"aya-2507\"></span>\n\n<span id=\"aya-2508\"></span>﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ﴾ يا محمد ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: دليلكم على ما تقولون ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ يعني: القرآن ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يعني: الكتب المتقدمة على خلاف ما تقولون وتزعمون، فكل كتاب أُنزل على كل نبي أُرسل ناطق بأنه لا إله إلا الله، ولكن أنتم أيها المشركون لا تعلمون الحق فأنتم معرضون عنه، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ كما قال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والفطرة شاهدة بذلك أيضًا، والمشركون لا برهان لهم، وحجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد.\n\n<span id=\"aya-2509\"></span>\n\n<span id=\"aya-2510\"></span>\n\n<span id=\"aya-2511\"></span>\n\n<span id=\"aya-2512\"></span>﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾.\nيقول تعالى ردًّا على من زعم أن له تعالى وتقدس ولدًا من الملائكة، كمن قال ذلك من العرب: إن الملائكة بنات الله فقال: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أي: الملائكة عباد الله مكرمون عنده في منازل عالية ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولًا وفعلًا ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ أي: لا يتقدمون بين يديه بأمر ولا يخالفونه فيما أمرهم به؛ بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى علمه محيط بهم فلا يخفى عليه منهم خافية ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] في آيات كثيرة في معنى ذلك ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ أي: من خوفه ورهبته ﴿مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ أي:","vol":"5","page":328},{"text":"من ادعى منهم أنه إله من دون الله؛ أي مع الله ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ أي: كل من قال ذلك، وهذا شرط، والشرط لا يلزم وقوعه، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف]، وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].\n\n<span id=\"aya-2513\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾.\nيقول تعالى منبهًا على قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء وقهره لجميع المخلوقات، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد معه غيره، أو يشرك به ما سواه؟ ألم يروا أن السماوات والأرض كانتا رتقًا؟ أي: كان الجميع متصلًا بعضه ببعض متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه، فجعل السماوات سبعًا، والأرض سبعًا، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئًا فشيئًا عيانًا، وذلك كله دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء.\nففي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد\nقال سفيان الثوري، عن أبيه، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس: الليل كان قبل أو النهار؟ فقال: أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقًا هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا حاتم، عن حمزة بن أبي محمد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رجلًا أتاه يسأله عن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما. قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرني بما قال لك، قال: فذهب إلى ابن عباس فسأله فقال ابن عباس: نعم، كانت السماوات رتقًا لا تمطر، وكانت الأرض رتقًا لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلًا فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر: صدق هكذا كانت، فقال ابن عمر: قد كنت أقول ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن علمت أنه قد أوتي في القرآن علمًا (^٢).\nوقال عطية العوفي: كانت هذه رتقًا لا تمطر فأمطرت، وكانت هذه رتقًا لا تنبت فأنبتت (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الثوري، ومن طريقه أخرجه عبد الرزاق والبستي والطبري، وسنده صحيح.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف حمزة بن أبي محمد (التقريب ص ١٨٠).\n(^٣) سنده ضعيف لضعف الرواة عن عطية العوفي.","vol":"5","page":329},{"text":"وقال إسماعيل بن أبي خالد: سألت أبا صالح الحنفي عن قوله: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ قال: كانت السماء واحدة ففتق منها سبع سماوات، وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين (^١). وهكذا قال مجاهد، وزاد: ولم تكن السماء والأرض متماستين (^٢).\nوقال سعيد بن جبير: بل كانت السماء والأرض ملتزقتين، فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض، كان ذلك فتقهما الذي ذكر الله في كتابه (^٣).\nوقال الحسن وقتادة: كانتا جميعًا ففصل بينهما بهذا الهواء (^٤).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: أصل كل الأحياء منه.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد بن [بشير] (^٥)، حدثنا قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة أنه قال: يا نبي الله إذا رأيتك قرَّت عيني وطابت نفسي، فأخبرنا عن كل شيء قال: \"كل شيء خلق من ماء\" (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام، عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء، قال: \"كل شيء خلق من ماء\" قال: قلت: أنبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة، قال: \"أفشِ السلام، وأطعمِ الطعام، وصلِ الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام\" (^٧). ورواه أيضًا عن عبد الصمد وعفان وبهز، عن همام (^٨)، تفرد به أحمد، وهذا إسناد على شرط الصحيحين إلا أن أبا ميمونة من رجال السنن واسمه سليم، والترمذي يصحح له، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مرسلًا، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2514\"></span>وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ أي: جبالًا أرسى الأرض بها وقررها وثقلها لئلا تميد بالناس؛ أي: تضطرب وتتحرك، فلا يحصل لهم قرار عليها؛ لأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع. فإنه باب للهواء والشمس ليشاهد أهلها السماء وما فيها من الآيات الباهرات والحكم والدلالات، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي: لئلا تميد بهم.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ أي: ثغرًا في الجبال يسلكون فيها طريقًا من قطر إلى قطر ومن إقليم إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض يكون الجبل حائلًا بين هذه البلاد وهذه البلاد، فيجعل الله فيه فجوة ثغرة ليسلك الناس فيها من ههنا إلى ههنا، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البستي بسند حسن من طريق مالك بن سعيد عن إسماعيل به.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى أبي الشيخ.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن الحسن وقتادة.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) وترجمته، وفي الأصل صُحف إلى: \"سعيد بن نفير\".\n(^٦) سنده ضعيف؛ لضعف سعيد بن بشير.\n(^٧) أخرجه الإمام بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٣/ ٣١٤ ح ٧٩٣٢)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خلا أبي ميمونة وهو ثقة (مجمع الزوائد ٥/ ١٦).\n(^٨) المسند ٢/ ٣٢٣، ٣٢٤.","vol":"5","page":330},{"text":"<span id=\"aya-2515\"></span>وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ أي: على الأرض وهي كالقبة عليها، كما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ [الذاريات] وقال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ [الشمس] ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق]، والبناء هو نصب القبة، كما قال رسول الله ﷺ: \"بني الإسلام على خمس\" (^١) أي: خمسة دعائم، وهذا لا يكون إلا في الخيام كما تعهده العرب.\n﴿مَحْفُوظًا﴾ أي: عاليًا محروسًا أن ينال.\nوقال مجاهد: مرفوعًا (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث - يعني: ابن إسحاق القمي -، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال رجل: يا رسول الله ما هذه السماء؟ قال: \"موج مكفوف عنكم\" (^٣). إسناده غريب.\nوقوله: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ كقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ [يوسف] أي: لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم والارتفاع الباهر، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ونهارها من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكامله في يوم وليلة، فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الله الذي قدرها وسخرها وسيرها.\nوقد ذكر ابن أبي الدنيا ﵀ في كتابه التفكر والاعتبار: أن بعض عباد بني إسرائيل تعبد ثلاثين سنة، وكان الرجل منهم إذا تعبد ثلاثين سنة أظلته غمامة، فلم يرَ ذلك الرجل شيئًا مما كان يحصل لغيره، فشكى ذلك إلى أمه فقالت له: يا بني فلعلك أذنبت في مدة عبادتك هذه؟ فقال: لا والله ما أعلمه، قالت: فلعلك هممت؟ قال: لا ولا هممت، قالت: فلعلك رفعت بصرك إلى السماء ثم رددته بغير فكر؟ فقال: نعم كثيرًا، قالت: فمن ههنا أتيت.\n\n<span id=\"aya-2516\"></span>ثم قال منبهًا على بعض آياته: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: هذا في ظلامه وسكونه وهذا بضيائه وأنسه، يطول هذا تارة ثم يقصر أخرى وعكسه الآخر ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ هذه لها نور يخصها وفلك بذاته وزمان على حدة وحركة وسير خاص، وهذا بنور آخر وفلك آخر وسير آخر وتقدير آخر ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] أي: يدورون.\nقال ابن عباس: يدورون كما يدور المغزل في الفلكة (^٤).\nقال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة، ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر ﵄ (صحيح البخاري، الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم (ح ٨)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أركان الإسلام، ١٩).\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) وقفه أصح، ولعل جعفر رفعه لأنه يهم، ولهذا استغرب سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف بلفظ: \"فلك السماء\"، فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.","vol":"5","page":331},{"text":"والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا بهن (^١)، كما قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-2517\"></span>﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: يا محمد ﴿الْخُلْدِ﴾ أي: في الدنيا؛ بل ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن] وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر ﵇ مات وليس بحي إلي الآن؛ لأنه بشر سواء كان وليًا أو نبيًا أو رسولًا. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2518\"></span>وقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ﴾ أي: يا محمد ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ أي: يؤملون أن يعيشوا بعدك لا يكون هذا بل كل إلى الفناء، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وقد روي عن الشافعي ﵀ أن أنشد واستشهد بهذين البيتين:\nتمنى رجال أن أموت وإن أمت … فتلك سبيل لست فيها بأوحد\nفقل للذي يبغي خلاف الذي مضى … تهَيأ لأخرى مثلها فكأن قد (^٢)\nوقوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أي: نختبركم بالمصائب تارة وبالنعم أخرى، فننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ يقول: نبتليكم ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة (^٣). وقوله: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ أي: فنجازيكم بأعمالكم.\n\n<span id=\"aya-2519\"></span>﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾.\nيقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: كفار قريش كأبي جهل وأشباهه ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ أي: يستهزئون بك وينتقصونك، يقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ يعنون: أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم، قال تعالى: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ أي: وهم كافرون بالله، ومع هذا يستهزئون برسول الله، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الفرقان].\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"فلك كهيئة حديدة الرحى\".\n(^٢) ذكر البيتين ابن أبي حاتم الرازي (مناقب الشافعي ص ١١٩).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"5","page":332},{"text":"<span id=\"aya-2520\"></span>وقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] أي: في الأمور.\nقال مجاهد: خلق الله آدم بعد كل شيء من آخر النهار من يوم خلق الخلائق، فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها مؤمن يصلي - وقبض أصابعه يقللها - فسأل الله خيًرا إلا أعطاه إياه\"، قال أبو سلمة: فقال عبد الله بن سلام: قد عرفت تلك الساعة، هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة، وهي التي خلق الله فيها آدم (^٢).\nقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾ والحكمة في ذكر عجلة الإنسان ههنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامه عليه، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك، فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر، ولهذا قال: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ أي: نقمي وحكمي واقتداري على من عصاني ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾.\n\n<span id=\"aya-2521\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾.\nيخبر تعالى عن المشركين أنهم يستعجلون أيضًا بوقوع العذاب بهم تكذيبًا وجحودًا وكفرًا وعنادًا واستبعادًا، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾\n\n<span id=\"aya-2522\"></span>قال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: لو تيقنوا أنها واقعة بهم لا محالة لما استعجلوا به. ولو يعلمون حين يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، وقال في هذه الآية: ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾، وقال: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ [إبراهيم] فالعذاب محيط بهم من جميع جهاتهم ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا ناصر لهم، كما قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤].\n\n<span id=\"aya-2523\"></span>وقوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ أي: تأتيهم النار بغتة أي: فجأة، ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ أي: تذعرهم،\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل، والخبر عليه أمارات الإسرائيليات.\n(^٢) أخرجه مسلم مقتصرًا على شطره الأول (الصحيح، الجمعة، باب فضل يوم الجمعة ح ٨٥٤)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢٧٨).","vol":"5","page":333},{"text":"فيستسلمون لها حائرين ولا يدرون ما يصنعون، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ أي: ليس لهم حيلة في ذلك، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: ولا يؤخر عنهم ذلك ساعة واحدة.\n\n<span id=\"aya-2524\"></span>\n\n<span id=\"aya-2525\"></span>\n\n<span id=\"aya-2526\"></span>﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾.\nيقول تعالى مسليًا لرسوله عما آذاه به المشركون من الاستهزاء والتكذيب: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١)﴾ يعني: من العذاب الذي كانوا يستبعدون وقوعه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام]، ثم ذكر تعالى نعمته على عبيده في حفظه بالليل والنهار، وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام، فقال: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي: بدل الرحمن يعني غيره، كما قال الشاعر (^١):\nجارية لم تلبس المرققا … ولم [تذق] (^٢) من البقول الفستقا\nأي: لم تذق بدل البقول الفستق.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: لا يعترفون بنعمة الله عليهم وإحسانه إليهم؛ بل يعرضون عن آياته وآلائه، ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ؛ أي ألهم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا، ولا كما زعموا، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله لا يستطيعون نصر أنفسهم.\nوقوله: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾؛ أي يُجارون (^٣).\nوقال قتادة: لا يصبحون من الله بخير (^٤). وقال غيره: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون.\n\n<span id=\"aya-2527\"></span>﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين: إنما غرَّهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال أنهم متعوا في الحياة الدنيا ونُعموا وطال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء، ثم قال واعظًا لهم ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ اختلف المفسرون في معناه، وقد أسلفناه\n_________\n(^١) هو أبو نخيلة يعمر بن حزن، وذكره ابن هشام في مغني اللبيب ص ٣٥٥.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) ومغني اللبيب، وفي الأصل صحفت إلى: \"تدرمي\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن عباس، وليس عن طريق العوفي، كذا في الأصل ولعل الأولى \"من\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"5","page":334},{"text":"في سورة الرعد (^١) وأحسن ما فسر بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾ [الأحقاف].\nوقال الحسن البصري: يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر (^٢).\nوالمعنى: أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإنجائه لعباده المؤمنين، ولهذا قال: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ يعني: بل هم المغلوبون الأسفلون الأخسرون والأرذلون.\n\n<span id=\"aya-2528\"></span>وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ أي: إنما أنا مبلغ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب والنكال، ليس ذلك إلا عمّا أوحاه الله إليّ، ولكن لا يجدي هذا عمَّن أعمى الله بصيرته وختم على سمعه وقلبه، ولهذا قال: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2529\"></span>وقوله: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦)﴾ أي: ولئن مس هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب الله ليعترفنَّ بذنوبهم، وأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-2530\"></span>وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي: ونضع الموازين العدل ليوم القيامة، الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه.\nوقوله: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء]، وقال لقمان: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن ليث بن سعد، عن عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ﷿ يستخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مدّ البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا ربِّ. قال: أفلك عذر أو حسنة؟ قال: فيبهت الرجل فيقول: لا يا ربِّ، فيقول: بلى إنَّ لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة\n_________\n(^١) في الآية ٤١.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الرعد آية ٤١.\n(^٣) صحيح البخاري، الدعوات، باب فضل التسبيح (ح ٦٤٠٦)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح (ح ٢٦٩٤).","vol":"5","page":335},{"text":"فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله فيقول: أحضروه، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تُظلم قال: فتوضع السجلات في كفة قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة قال: ولا يثقل شيء مع بسم الله الرحمن الرحيم\" (^١)، ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث الليث بن سعد، وقال الترمذي: حسن غريب (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: \"توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة، ويوضع ما أحصي عليه فيمايل به الميزان قال: فيبعث به إلى النار قال: فإذا أدبر به إذا صائح من عند الرحمن ﷿ يقول: لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو نوح [قُراد] (^٤)، أنبأنا ليث بن سعد، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ جلس بين يديه، فقال يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم، فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول الله ﷺ: \"يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم، كان كفافًا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم، كان فضلًا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتصُّ لهم منك الفضل الذي بقي قبلك\"، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله ﷺ ويهتف، فقال رسول الله ﷺ: \"ما له لا يقرأ كتاب الله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ \"، فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد شيئًا خيرٌ من فراق هؤلاء - يعني: عبيده -، إني أشهدك أنهم أحرار كلُّهم (^٥).\n\n<span id=\"aya-2531\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾.\nقد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، وبين كتابيهما، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه، وقال محققوه: إسناده قوي (المسند ١١/ ٥٧١ ح ٦٩٩٤).\n(^٢) سنن الترمذي، الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله (ح ٢٦٣٩)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (ح ٤٣٠٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٦٩).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسنه محققوه (المسند ١١/ ٦٣٧ ح ٧٠٦٦) وهو كما قالوا، فإن رواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة قديمة قبل احتراق الكتب، وحسنه أيضًا الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ٨٥).\n(^٤) كذا في المسند، وفي الأصل صحفت إلى: \"قراءة\"، وفي (ح) و(م): \"مرارًا\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ٤٣/ ٤٠٦، ٤٠٧ ح ٢٦٤٠١).","vol":"5","page":336},{"text":"قال مجاهد: يعني: الكتاب (^١).\nوقال أبو صالح: التوراة (^٢).\nوقال قتادة: التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله بين الحق والباطل (^٣).\nوقال ابن زيد: يعني: النصر (^٤). وجامع القول في ذلك أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل، والهدى والضّلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام، وعلى ما يحصل نورًا في القلوب وهداية وخوفًا وإنابة وخشية، ولهذا قال ﴿الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: تذكيرًا لهم وعظة.\n\n<span id=\"aya-2532\"></span>ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ كقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾ [ق]\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك].\n﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أي: خائفون وجلون،\n\n<span id=\"aya-2533\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعني: القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: أفتنكرونه وهو في غاية [الجلاء] (^٥) والظهور؟\n\n<span id=\"aya-2534\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾.\nيخبر تعالى عن خليله إبراهيم ﵇ أنه آتاه رشده من قبل؛ أي من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] وما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب وهو رضيع، وأنه خرج بعد أيام فنظر إلى الكوكب والمخلوقات فتبصَّر فيها، وما قصَّه كثير من المفسرين وغيرهم فعامَّتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم، قبلناه لموافقته الصحيح، وما خالف شيئًا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه؛ بل نجعله وقفًا، وما كان من هذا الضرب منها فقد رخصَّ كثير من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه ولا حاصل له مما لا ينتفع به في الدين، ولو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة، والذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية لما\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد، ويشهد له ما يلي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد بمعناه.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.","vol":"5","page":337},{"text":"فيها من تضييع الزمان، ولما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروَج عليهم، فإنهم لا تفرقة عندهم بين صحيحها وسقيمها، كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأُمة. والمقصود ههنا أن الله تعالى أخبر أنه قد آتى إبراهيم رشده من قبل؛ أي: من قبل ذلك.\nوقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ أي: وكان أهلًا لذلك،\n\n<span id=\"aya-2535\"></span>ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله ﷿، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ أي: معتكفون على عبادتها.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد الصباح، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا سعيد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: مَرَّ [عليٌّ ﵁] (^١) على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يَمسَّ أحدكم جمرًا حتى يطفأ، خير له من أن يمسَّها (^٢).\n\n<span id=\"aya-2536\"></span>\n\n<span id=\"aya-2537\"></span>﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣)﴾ لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال، ولهذا قال: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: الكلام مع آبائكم الذي احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم، فلما سفه أحلامهم وضلل آباءهم واحتقر آلهتهم\n\n<span id=\"aya-2538\"></span>﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾ يقولون: هذا الكلام الصادر عنك تقوله لاعبًا أم محقًا فيه، فإنا لم نسمع به قبلك\n\n<span id=\"aya-2539\"></span>﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أي: ربكم الذي لا إله غيره، وهو الذي خلق السماوات والأرض وما حوت من المخلوقات الذي ابتدأ خلقهن، وهو الخالق لجميع الأشياء ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: وأنا أشهد أنه لا إله غيره ولا رب سواه.\n\n<span id=\"aya-2540\"></span>﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾.\nثم أقسم الخليل قسمًا أسمعه بعض قومه ليكيدنَّ أصنامهم؛ أي ليحرصنَّ على أذاهم وتكسيرهم بعد أن يولوا مدبرين؛ أي إلى عيدهم، وكان لهم عيد يخرجون إليه.\nقال السدي: لما اقترب وقت ذلك العيد قال أبوه: يا بني لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض، وقال: إني سقيم فجعلوا يمّرون عليه وهو صريع فيقولون: مه، فيقول: إني سقيم، فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ فسمعه أولئك (^٣).\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) سنده ضعيف جدًا؛ لأن الأصبغ بن نباتة متروك، رمي بالرفض (التقريب ص ١١٣).\n(^٣) الخبر من الإسرائيليات، ويشهد له قول ابن مسعود التالي.","vol":"5","page":338},{"text":"وقال أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مرّوا عليه، فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا؟ قال: إني سقيم، وقد كان بالأمس، قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ فسمعه ناس منهم (^١).\n\n<span id=\"aya-2541\"></span>وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ أي: حطامًا كسرها كلَّها، إلا كبيرًا لهم؛ يعني: إلا الصنم الكبير عندهم، كما قال: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ [الصافات].\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ذكروا أنه وضع القدوم في يد كبيرهم لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار لنفسه، وأنفَ أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسَّرها ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩)﴾ أي: حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها وعلى سخافة عقول عابديها\n\n<span id=\"aya-2542\"></span>﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩)﴾ أي: في صنيعه هذا\n\n<span id=\"aya-2543\"></span>﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠)﴾ أي: قال من سمعه يحلف إنه ليكيدنهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى﴾؛ أي شابًا، ﴿يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن قابوس، [عن أبيه] (^٢)، عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيًا إلا شابًا ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠)﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2544\"></span>وقوله: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ أي: على رؤوس الأشهاد في الملأ الأكبر بحضرة الناس كلِّهم، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم ﵇ أن يبيَّن في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام، التي لا تدفع عن نفسها ضرًا، ولا تملك لها نصرًا، فكيف يطلب منها شيء من ذلك؟\n\n<span id=\"aya-2545\"></span>\n\n<span id=\"aya-2546\"></span>﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ يعني: الذي تركه لم يكسره ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ وإنما أراد بهذا أن يبادروا من تلقاء أنفسهم فيعترفوا أنهم لا ينطقون، وأن هذا لا يصدر عن هذا الصنم لأنه جماد.\nوفي الصحيحين من حديث هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن إبراهيم ﵇ لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله، قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] قال: وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة ومعه سارة، إذ نزل منزلًا فأتى الجبار رجل فقال: إنه قد نزل ههنا رجل بأرضك معه امرأة أحسن الناس، فأرسل إليه فجاء، فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: أختي. قال: فاذهب فأرسل بها إلي، فانطلق إلى سارة فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك، فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، وإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، فانطلق بها إبراهيم ثم قام يصلي، فلما أن دخلت عليه فرآها أهوى إليها فتناولها فأُخذ أخذًا شديدًا، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت له، فأرسل فأهوى إليها، فتناولها فأخذ بمثلها أو أشد، ففعل\n_________\n(^١) سند صحيح، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل سقط.\n(^٣) سنده ضعيف؛ لأن قابوس فيه لين (التقريب ص ٤٤٩).","vol":"5","page":339},{"text":"ذلك الثالثة، فأُخذ فذكر مثل المرتين الأوليين، فقال: ادعي الله فلا أضرك، فدعت له فأرسل، ثم دعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأتني بإنسان، ولكنك أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر. فأخرجت وأعطيت هاجر فأقبلت، فلما أحسَّ إبراهيم بمجيئها، انفتل من صلاته، وقال: مهيم؟ قالت: كفى الله كيد الكافر الفاجر وأخدمني هاجر\". قال محمد بن سيرين: فكان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث قال: تلك أمكم يا بني ماء السماء (^١).\n\n<span id=\"aya-2547\"></span>﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن قوم إبراهيم حين قال لهم ما قال: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بالملامة في عدم احترازهم وحراستهم لآلهتهم، فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها،\n\n<span id=\"aya-2548\"></span>\n\n<span id=\"aya-2549\"></span>﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أي: ثم أطرقوا في الأرض، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾.\n[قال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء،] (^٢) (^٣)، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾.\nوقال السدي: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أي: في الفتنة (^٤).\nوقال ابن زيد: أي في الرأي (^٥)، وقول قتادة أظهر في المعنى؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزًا، ولهذا قالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فكيف تقول لنا: سلوهم إن كانوا ينطقون، وأنت تعلم أنها لا تنطق؟ فعندها قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ أي: إذا كانت لا تنطق وهي لا تنفع ولا تضر، فلم تعبدونها من دون الله؟\n\n<span id=\"aya-2550\"></span>﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ أي: أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟ فأقام عليهم الحجة وألزمهم بها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ. . .﴾ الآية [الأنعام: ٨٣].\n\n<span id=\"aya-2551\"></span>\n\n<span id=\"aya-2552\"></span>﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾.\nلما دحضت حجتهم وبان عجزهم وظهر الحق واندفع الباطل، عدلوا إلى استعمال جاه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من طريق أيوب عن محمد بن سيرين به (الصحيح، النكاح، باب اتخاد السراري ح ٥٠٨٤)، وكذا أخرجه مسلم (الصحيح، الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ ح ٢٣٧١).\n(^٢) زياد من (ح) و(حم).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.","vol":"5","page":340},{"text":"ملكهم، فقالوا: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًا، قال السدي: حتى إن كانت المرأة تمرض فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطبًا لحريق إبراهيم، ثم جعلوه في جوبَة (^١) من الأرض وأضرموها نارًا، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع لم توقد نار قط مثلها، وجعلوا إبراهيم ﵇ في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد.\nقال شعيب الجبائي: اسمه هيزن: فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (^٢)، فلما ألقوه قال: حسبي الله ونعم الوكيل. كما رواه البخاري، عن ابن عباس: أنه قال: حسبي الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] (^٣).\nوروى الحافظ أبو يعلى: حدثنا [أبو هشام] (^٤)، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار، قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في أرض واحد أعبدك\" (^٥).\nويروى أنه لما جعلوا يوثقونه قال: لا إله إلا أنت، سبحانك لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك (^٦).\nوقال شعيب الجبائي: كان عمره إذ ذاك ست عشرة سنة (^٧)، فالله أعلم.\nوذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما من الله فبلى.\nوقال سعيد بن جبير - ويروى عن ابن عباس أيضًا - قال: لما ألقي إبراهيم، جعل خازن المطر يقول: متى أومر بالمطر فأرسله؟ قال: فكان أمر الله أسرع من أمره، قال الله: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ قال: لم يبق نار في الأرض إلا طفئت (^٨).\nوقال كعب الأحبار: لم ينتفع أحد يومئذٍ بنار، ولم تحرق النار من إبراهيم سوى وثاقه (^٩).\n_________\n(^١) أي: حفرة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] (ح ٤٥٦٣).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف: \"ابن هشام\".\n(^٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٣٤٩)، وأبو نعيم (الحلية ١/ ١٩) كلاهما من طريق أبي هشام الرفاعي به، وسنده ضعيف لضعف عاصم، وهو ابن عمر بن حفص العمري (التقريب ص ٢٨٦)، ومتنه يخالف ما تقدم في الصحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، ومتنه يخالف ما تقدم في الصحيح عن ابن عباس ﵄.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود، وهو ضعيف.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير بدون ذكر ابن عباس، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف كالذي قبل سابقه.","vol":"5","page":341},{"text":"وقال [الثوري] (^١)، عن الأعمش، عن شيخ، عن علي بن أبي طالب ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ قال: بردت عليه حتى كادت تقتله، حتى قيل: \"وسلامًا\" قال: لا تضريه (^٢).\nوقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله ﷿ قال: ﴿وَسَلَامًا﴾ لَاذى إبراهيم بردها (^٣).\nوقال جويبر، عن الضحاك: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، قالوا: صنعوا له حظيرة من حطب جزل، وأشعلوا فيه النار من كل جانب، فأصبح ولم يصبه منها شيء حتى أخمدها الله، قال: ويذكرون أن جبريل كان معه يمسح وجهه من العرق، فلم يصبه منها شيء غير ذلك (^٤).\nوقال السدي: كان معه فيها ملك [الظل] (^٥) (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا مهران، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن المنهال بن عمرو قال: أُخبرت أن إبراهيم ألقي في النار، فقال: كان فيها إما خمسين وإما أربعين، قال: ما كنت أيامًا وليالي قط أطيب عيشًا إذ كنت فيها وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها (^٧).\nوقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة قال: إن أحسن شيء قال أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار: وجده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم (^٨).\nوقال قتادة: لم يأت يومئذٍ دابة إلا أطفأت عنه النار، إلا الوزغ (^٩).\nوقال الزهري: أمر النبي ﷺ بقتله، وسماه فويسقًا (^١٠).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثني عمي، حدثنا جرير بن حازم أن نافعًا حدثه قال: حدثتني مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت: دخلت على عائشة، فرأيت في بيتها رمحًا، فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ، إن رسول الله ﷺ قال: \"إن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار غير الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم\" فأمرنا رسول الله ﷺ بقتله (^١١).\n\n<span id=\"aya-2553\"></span>وقوله: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ أي: المغلوبين الأسفلين؛ لأنهم أرادوا بنبي الله كيدًا، فكادهم الله ونجاه من النار، فغلبوا هنالك.\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"الهروي\".\n(^٢) أخرجه الثوري، ومن طريق أخرجه الطبري به، وسنده ضعيف لجهالة الراوي عن علي ﵁، ومعناه صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف جويبر.\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٧) الخبر من الإسرائيليات.\n(^٨) الخبر من الإسرائيليات.\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وهو مرسل.\n(^١٠) سنده مرسل ويتقوى بالحديث الآتي لكن بدون سماه: \"فويسقًا\".\n(^١١) أخرجه ابن ماجه (السنن، الصيد، باب قتل الوزغ ح ٣٢٣١)، وابن حبان (الإحسان ١٢/ ٤٤٧ ح ٥٦٣١) كلاهما من طريق سائبة مولاة الفاكه به، قال البوصيري: إسناد حديث عائشة صحيح ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٦١٦).","vol":"5","page":342},{"text":"وقال عطية العوفي: لما ألقي إبراهيم في النار، جاء ملكهم لينظر إليه، فطارت شرارة فوقعت على إبهامه، فأحرقته مثل الصوفة (^١).\n\n<span id=\"aya-2554\"></span>﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن إبراهيم أنه سلمه الله من نار قومه وأخرجه من بين أظهرهم مهاجرًا إلى بلاد الشام، إلى الأرض المقدسة منها. كما قال الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ قال: الشام وما من ماء عذب إلا يخرج من تحت الصخرة (^٢)، وكذا قال أبو العالية أيضًا.\nوقال قتادة: كان بأرض العراق، فأنجاه الله إلى الشام، وكان يقال للشام: عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرضي زيد في الشام، وما نقص من الشام زيد في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها ينزل عيسى ابن مريم ﵇، وبها يهلك المسيح الدجال (^٣).\nوقال كعب الأحبار في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾: إلى حران.\nوقال السدي: انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام، فلقي إبراهيم سارة وهي ابنة ملك حران وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزوجها على أن لا يغيرها (^٤)، رواه ابن جرير، وهو غريب، والمشهور: أنها ابنة عمه، وأنه خرج بها مهاجرًا من بلاده.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: إلى مكة، ألا تسمع إلى قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران] (^٥).\n\n<span id=\"aya-2555\"></span>وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ قال عطاء ومجاهد: عطية (^٦).\nوقال ابن عباس وقتادة والحكم بن عُتيبة: النافلة: ولد الولد (^٧)؛ يعني: أن يعقوب ولد إسحاق، كما قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: سأل واحدًا، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٦) قول عطاء أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن جريج، وقول مجاهد أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٧) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.","vol":"5","page":343},{"text":"[الصافات] فأعطاه الله إسحاق وزاده يعقوب نافلة (^١).\n﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ أي: الجميع أهل خير وصلاح\n\n<span id=\"aya-2556\"></span>﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: يقتدى بهم، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ أي: يدعون إلى الله بإذنه، ولهذا قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ من باب عطف الخاص على العام ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ أي: فاعلين لما يأمرون الناس به،\n\n<span id=\"aya-2557\"></span>\n\n<span id=\"aya-2558\"></span>ثم عطف بذكر لوط، وهو لوط بن هاران بن آزر. كان قد آمن بإبراهيم ﵇ واتبعه وهاجر معه، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] فآتاه الله حكمًا وعلمًا، وأوحى إليه وجعله نبيًا وبعثه إلى سدوم وأعمالها، فخالفوه وكذبوه، فأهلكهم الله ودمر عليهم، كما قصّ خببم هم في غير موضع من كتابه العزيز، ولهذا قال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾.\n\n<span id=\"aya-2559\"></span>﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾.\nيخبر تعالى عن استجابته لعبده ورسوله نوح ﵇ حين دعا على قومه لما كذبوه ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر]، ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح] ولهذا قال ههنا: ﴿إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: الذين آمنوا به، كما قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].\nوقوله: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي: من الشدة والتكذيب والأذى، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله ﷿ فلم يؤمن به منهم إلا القليل، وكانوا يتصدون لأذاه ويتواصون قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل على خلافه،\n\n<span id=\"aya-2560\"></span>وقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي: ونجيناه وخلصناه منتصرًا من القوم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: أهلكهم الله بعامة، ولم يبق على وجه الأرض منهم أحد، كما دعا عليهم نبيهم.\n\n<span id=\"aya-2561\"></span>\n\n<span id=\"aya-2562\"></span>﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾.\nقال أبو إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرمًا قد تدلّت عناقيده (^٢)، وكذا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري والحاكم من طريق أشعث عن أبي إسحاق به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٨٨)","vol":"5","page":344},{"text":"قال شُريح (^١).\nوقال ابن عباس: النفش: الرعي (^٢).\nوقال شريح والزهري وقتادة: النفش لا يكون إلا بالليل، زاد قتادة: والهمل بالنهار (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصم، قالا: حدثنا المحاربي، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال: كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته، قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله: قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (^٤)، وكذا روى العوفي عن ابن عباس (^٥).\nوقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد: حدثني خليفة، عن ابن عباس قال: قضى داود بالغنم لأصحاب الحرث فخرج الرعاء معهم الكلاب، فقال لهم سليمان: كيف قضي بينكم؟ فأخبروه، فقال: لو وليت أمركم لقضيت بغير هذا، فأخبر بذلك داود، فدعاه فقال: كيف تقضي بينهم؟ قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون له أولادها وألبانها وسلاؤها ومنافعها، ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه، أخذه أصحاب الحرث وردوا الغنم إلى أصحابها (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا خديج، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن مسروق قال: الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، إنما كان كرمًا نفشت فيه الغنم فلم تدع فيه ورقة ولا عنقودًا من عنب إلا أكلته، فأتوا داود فأعطاهم رقابها، فقال سليمان: لا بل تؤخذ الغنم فيعطاها أهل الكرم فيكون لهم لبنها ونفعها ويعطى أهل الغنم الكرم فيعمروه ويصلحوه حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم، ثم يعطى أهل الغنم غنمهم، وأهل الكرم كرمهم (^٧)، وهكذا قال شريح ومرة ومجاهد وقتادة وابن زيد وغير واحد (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق مسروق عن شُريح، وهو مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني، ويتقوى بما تقدم وتأخر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق من قول مسروق (المصنف رقم ١٨٤٣٣)، والطبري من طريق مسروق عنه، وقول الزهري وقتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنهما.\n(^٤) تقدم تخريجه قبل ثلاث روايات.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بسابقه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحسين وعلي بن زيد وهو ابن جدعان، ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٧) سنده مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٨) قول شريح تقدم تخريجه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول ابن زيد أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.","vol":"5","page":345},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا ابن أبي زياد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا إسماعيل، عن عامر قال: جاء رجلان إلى شريح فقال أحدهما: إن شياه هذا قطعت غزلًا لي، فقال شريح: نهارًا أم ليلًا؟ فإن كان نهارًا فقد برئ صاحب الشياه، وإن كان ليلًا فقد ضمن، ثم قرأ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ. . .﴾ الآية (^١)، وهذا الذي قاله شريح شبيه بما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث الليث بن سعد، عن الزهري، عن حرام بن محيصة، أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطًا فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الحائط حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها (^٢).\nوقد عُلِّل هذا الحديث، وقد بسطنا الكلام عليه في كتاب الأحكام، وبالله التوفيق.\nوقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن حُميد أن إياس بن معاوية لما استقضى أتاه الحسن فبكى، فقال: ما يبكيك؟ قال: يا أبا سعيد بلغني أن القضاة رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. فقال الحسن البصري: إن فيما قصَّ الله من نبأ داود وسليمان ﵉ والأنبياء حكما يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم، قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود، ثم قال - يعني الحسن -: إن الله اتخذ على الحكام ثلاثًا: لا يشتروا به ثمنًا قليلًا، ولا يتبعوا فيه الهوى، ولا يخشوا فيه أحدًا، ثم تلا ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] (^٣).\nقلت: أما الأنبياء ﵈، فكلهم معصومون مؤيدون من الله ﷿، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء المحققين من السلف والخلف، وأما من سواهم فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر\" (^٤).\nفهذا الحديث يردُّ نصًّا ما توهمه إياس من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في النار، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل به (المصنف ٩/ ٤٣٦)، وأخرجه عبد الرزاق من طريق الشعبي به (المصنف رقم ١٨٤٣٩)، وسنده صحيح.\n(^٢) المسند، وقال محققوه: إسناده مرسل صحيح (٣٩/ ٩٧ ح ٢٣٦٩١)، وسنن أبي داود، البيوع، باب المواشي تفسد زرع القوم ح ٣٥٦٩)، وسنن ابن ماجه، التجارات، باب الحكم فيما أفسدت المواشي (ح ٢٣٣٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٨٨)، وأخرجه الحاكم من طريق الأوزاعي عن الزهري به، وصححه ووافقه الذهبي وذكر خلافًا في الإسناد (المستدرك ٢/ ٤٨) وقال ابن عبد البر: هذا الحديث وإن كان مرسلًا فهو حديث مشهور أرسله الأئمة، وحدث به الثقات واستعمله فقهاء الحجاز وتلقَّوه بالقبول (التمهيد ١١/ ٨٢).\n(^٣) سنده حسن.\n(^٤) صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (ح ٧٣٥٢).","vol":"5","page":346},{"text":"وفي السنن: \"القضاة ثلاثة: قاضٍ في الجنة، وقاضيان في النار، رجل عَلِم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل عَلِم الحق وقضى خلافه فهو في النار\" (^١).\nوقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا علي بن حفص، أخبرنا ورقاء، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"بينما امرأتان معهما ابنان لهما، إذ جاء الذئب فأخذ أحد الابنين فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا فدعاهما سليمان فقال: هاتوا السكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها لا تشقه، فقضى به للصغرى\" (^٢). وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (^٣)، وبوّب عليه النسائي في كتاب القضاء: (باب الحاكم يوهم خلاف الحكم ليستعلم الحق).\nوهكذا القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان ﵇ من تاريخه من طريق الحسن بن سفيان، عن [صفوان] (^٤) بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكر قصة مطولة، ملخصها: أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل، راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها، فشهدوا عليها عند داود ﵇ أنها مكنت من نفسها كلبًا لها قد عودته ذلك منها، فأمر برجمها، فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان واجتمع معه ولدان مثله، فانتصب حاكمًا وتزيا أربعة منهم بزي أولئك، وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلبًا، فقال سليمان: فرقوا بينهم، فسأل أولهم: ما كان لون الكلب؟ فقال: أسود، فعزله واستدعى الآخر فسأله عن لونه، فقال: أحمر، وقال الآخر: أغبش، وقال الآخر: أبيض، فأمر عند ذلك بقتلهم، فحكي ذلك لداود ﵇ فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب، فاختلفوا عليه فأمر بقتلهم (^٥).\nوقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ. . .﴾ الآية، وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا ترنّم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه، وتردُّ عليه الجبال تأويبًا، ولهذا لما مرَّ النبي ﷺ على أبي موسى الأشعري وهو يتلو القرآن من الليل وكان له صوت طيب جدًا، فوقف\n_________\n(^١) أخرجه أصحاب السنن الأربعة كلهم من حديث بريدة ﵁ (سنن أبي داود، الأقضية، باب في القاضي يخطئ ح ٣٥٧٣)، وسنن الترمذي، الأحكام باب ما جاء عن رسول الله ﷺ في القاضي (ح ١٣٢٢)، والسنن الكبرى للنسائي، القضاء، باب ذكر ما أعد الله تعالى للحاكم الجاهل (ح ٥٩٢٢)، وسنن ابن ماجه، الأحكام، باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق (ح ٢٣١٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١٨٧٣.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٤/ ٣٣ ح ٨٢٨٠).\n(^٣) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ. . .﴾ [ص: ٣٠] (ح ٣٤٢٧)، وصحيح مسلم، الأقضية، باب بيان اختلاف المجتهدين (ح ١٧٢٠).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"بيان\".\n(^٥) تاريخ دمشق ٢٢/ ٢٣٢، وسنده ضعيف؛ لضعف سعيد بن بشير.","vol":"5","page":347},{"text":"واستمع لقراءته، وقال: \"لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود\" قال: يا رسول الله لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرًا (^١).\nوقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار مثل صوت أبي موسى ﵁، ومع هذا قال ﵊: \"لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود\".\n\n<span id=\"aya-2563\"></span>وقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ يعني: صنعة الدروع.\nقال قتادة: إنما كانت الدروع قبله صفائح، وهو أول من سردها حلقًا (^٢)، كما قال تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ]، أي: لا توسع الحلقة فتقلق المسمار، ولا تغلظ المسمار فتقد الحلقة، ولهذا قال: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ يعني: في القتال ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ أي: نِعَم الله عليكم لما ألهم به عبده داود، فعلمه ذلك من أجلكم.\n\n<span id=\"aya-2564\"></span>وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ أي: وسخرنا لسليمان الريح العاصفة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ يعني: أرض الشام ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ وذلك أنه كان له بساط من خشب يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة والخيل والجمال والخيام والجند ثم يأمر الريح أن تحمله، فتدخل تحته ثم تحمله وترفعه وتسير به، وتظله الطير تقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض، فينزل وتوضع آلاته وخشبه، قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ [ص] وقال تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢].\nقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن سفيان بن عيينة، عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير قال: كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي، فيجلس مما يليه مؤمنو الإنس، ثم يجلس من ورائهم مؤمنو الجن، ثم يأمره الطير فتظلهم، ثم يأمر الريح فتحمله ﷺ. قال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان سليمان يأمر الريح فتجتمع كالطود العظيم كالجبل، ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها، ثم يدعو بفرس من ذوات الأجنحة فيرتفع حتى يصعد على فراشه، ثم يأمر الريح فترتفع به كل شرف دون السماء، وهو مطأطئ رأسه ما يلتفت يمينًا ولا شمالًا، تعظيمًا لله ﷿، وشكرًا لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله ﷿، حتى تضعه الريح حيث شاء أن تضعه (^٣).\n\n<span id=\"aya-2565\"></span>وقوله: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي: في الماء يستخرجون اللآلئ والجواهر وغير ذلك، ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: غير ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ [ص].\nوقوله: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ أي: يحرسه الله أن يناله أحد من الشياطين بسوء؛ بل كل في قبضته وتحت قهره، لا يتجاسر أحد منهم على الدنو إليه والقرب منه؛ بل هو يحكم فيهم إن شاء أطلق وإن شاء حبس منهم من يشاء، ولهذا قال: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بدون الجملة الأخيرة (الصحيح، صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن ح ٧٩٣).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) سنده ضعيف لتعليقه وإرساله، وهو من أخبار أهل الكتاب.","vol":"5","page":348},{"text":"<span id=\"aya-2566\"></span>\n\n<span id=\"aya-2567\"></span>﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾.\nيذكر تعالى عن أيوب ﵇، ما كان أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير وأولاد ومنازل مرضية، فابتلي في ذلك كله وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده، يقال: بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله ﷿، حتى عافه الجليس، وأفرد في ناحية من البلد، ولم يبق أحد من الناس يحنو عليه سوى زوجته كانت تقوم بأمره، ويقال: إنها احتاجت، فصارت تخدم الناس من أجله، وقد قال النبي ﷺ: \"أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل\" (^١).\nوفي الحديث الآخر: \"يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه\" (^٢).\nوقد كان نبي الله أيوب ﵇ غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك.\nوقال يزيد بن ميسرة: لما ابتلى الله أيوب ﵇ بذهاب الأهل والمال والولد، ولم يبق شيء له أحسن من الذكر، ثم قال: أحمدك ربَّ الأرباب، الذي أحسنت إليّ، أعطيتني المال والولد فلم يبق من قلبي شعبة إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كله مني، وفرغت قلبي، فليس يحول بيني وبينك شيء، ولو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت حسدني. قال: فلقي إبليس من ذلك منكرًا. قال: وقال أيوب ﵇: يا ربِّ إنك أعطيتني المال والولد، فلم يقم على بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك، وأنه كان يوطأ لي الفراش فأتركها، وأقول لنفسي: يا نفس إنك لم تخلقي لوطء الفراش ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك (^٣). رواه ابن أبي حاتم.\nوقد روي عن وهب بن منبه في خبره قصة طويلة، ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين، وفيها غرابة تركناها لحال الطول (^٤)، وقد روي أنه مكث في البلاء مدة طويلة.\nثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء، فقال الحسن وقتادة: ابتلي أيوب ﵇ سبع سنين وأشهرًا، ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدوابُّ في جسده، ففرج الله عنه وأعظم له الأجر وأحسن عليه الثناء (^٥).\nوقال وهب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص (^٦).\nوقال السدي: تساقط لحم أيوب حتى لم يبق إلا العصب والعظام، فكانت امرأته تقوم عليه وتأتيه بالزاد يكون فيه، فقالت له امرأته لما طال وجعه: يا أيوب لو دعوت ربك يفرج عنك،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وحسّنه محققوه (المسند ٣/ ٧٨ ح ١٤٨١).\n(^٢) هذا الحديث هو تتمه لسابقه عن سعد ﵁.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم (الحلية ٥/ ٢٣٩، ٢٤٠)، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٤) أخرجه الطبري مطولًا، وهو من الإسرائيليات.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد في الزهد ص ٤١، ٤٢، وأخرجه الطبري من طرق يقوي بعضها بعضًا عن الحسن، والخبر من الإسرائيليات التي تخالف مقام نبي الله أيوب، في ذكر الكناسة والدواب.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن وهب بن منبه.","vol":"5","page":349},{"text":"فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحًا، فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة، فجزعت من ذلك، فخرجت فكانت تعمل للناس بالأجر وتأتيه بما تصيب فتطعمه، وإن إبليس انطلق إلى رجلين من أهل فلسطين، كانا صديقين له وأخوين، فأتاهما فقال: أخوكما أيوب أصابه من البلاء كذا وكذا، فأتياه وزوراه، واحملا معكما من خمر أرضكما، فإنه إن شرب منه برئ، فأتياه فلما نظرا إليه بكيا، فقال: من أنتما؟ فقال: نحن فلان وفلان، فرحب بهما وقال: مرحبًا بمن لا يجفوني عند البلاء، فقالا: يا أيوب لعلك كنت تسر شيئًا وتظهر غيره، فلذلك ابتلاك الله؟ فرفع رأسه إلى السماء فقال: هو يعلم، ما أسررت شيئًا أظهرت غيره، ولكن ربي ابتلاني لينظر أصبر أم أجزع. فقالا له: يا أيوب اشرب من خمرنا، فإنك إن شربت منه برأت. قال: فغضب، وقال: جاءكما الخبيث فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما عليَّ حرام، فقاما من عنده، وخرجت امرأته تعمل للناس، فخبزت لأهل بيت لهم صبي، فجعلت لهم قرصًا (^١)، وكان ابنهم نائمًا، فكرهوا أن يوقظوه فوهبوه لها، فأتت به إلى أيوب فأنكره وقال: ما كنت تأتيني بهذا، فما بالك اليوم؟ فأخبرته الخبر، قال: فلعل الصبي قد استيقظ فطلب القرص فلم يجده فهو يبكي على أهله، فانطلقي به إليه، فأقبلت حتى بلغت درجة القوم، فنطحتها شاة لهم، فقالت: تعس أيوب الخطاء، فلما صعدت وجدت الصبي قد استيقظ وهو يطلب القرص ويبكي على أهله لا يقبل منهم شيئًا غيره، فقالت: ﵀؛ - يعني: أيوب -، فدفعت إليه القرص ورجعت، ثم إن إبليس أتاها في صورة طبيب، فقال لها: إن زوجك قد طال سقمه، فإن أراد أن يبرأ فليأخذ ذبابًا فليذبحه باسم صنم بني فلان، فإنه يبرأ ويتوب بعد ذلك، فقالت ذلك لأيوب، فقال: قد أتاك الخبيث، لله عليّ إن برأت أن أجلدك مائة جلدة، فخرجت تسعى عليه، فحظر عنها الرزق، فجعلت لا تأتي أهل بيت فيريدونها، فلما اشتد عليها ذلك وخافت على أيوب الجوع حلقت من شعرها قرنًا فباعته من صبية من بنات الأشراف، فأعطوها طعامًا طيبًا كثيرًا، فأتت به إلى أيوب، فلما رآه أنكره وقال: من أين لك هذا؟ قالت: عملت لأناس فأطعموني، فأكل منه، فلما كان الغد خرجت فطلبت أن تعمل فلم تجد، فحلقت أيضًا قرنًا فباعته من تلك الجارية، فأعطوها أيضًا من ذلك الطعام، فأتت به أيوب فقال: والله لا أطعمه حتى أعلم من أين هو؟ فوضعت خمارها، فلما رأى رأسها محلوقًا جزع جزعًا شديدًا، فعند ذلك دعا الله ﷿، فقال: ﴿نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا أبو عمران الجوني، عن نوف البكالي: أن الشيطان الذي عرج في أيوب كان يقال له: مبسوط، قال: وكانت امرأة أيوب تقول: ادع الله فيشفيك، فجعل لا يدعو حتى مرَّ به نفر من بني إسرائيل، فقال بعضهم لبعض: ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه، فعند ذلك قال: ﴿نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (^٣). وحدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب ﵇ أخوان، فجاءا يومًا فلم يستطيعا أن يدنوا منه\n_________\n(^١) أي: رغيفًا من الخبز.\n(^٢) خبر السدي من الإسرائيليات.\n(^٣) سنده مرسل، ونوف مشهور بالرواية عن أهل الكتاب.","vol":"5","page":350},{"text":"من ريحه، فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان الله علم من أيوب خيرًا ما ابتلاه بهذا، فجزع أيوب من قولهما جزعًا لم يجزع من شيء قط، فقال: اللَّهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان وأنا أعلم مكان جائع، فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم قال: اللَّهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط، وأنا أعلم مكان عارٍ، فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم قال: اللَّهم بعزتك، ثم خر ساجدًا، فقال: اللَّهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدًا حتى تكشف عني، فما رفع رأسه حتى كشف عنه (^١).\nوقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعًا بنحو هذا، فقال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخصِّ إخوانه له، كان يغدوان إليه ويروحان\"، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر له، فقال أيوب ﵇: ما أدري ما تقول، غير أن الله ﷿ يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفّر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق، قال: وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ (^٢) [ص]. رفع هذا الحديث غريب جدًا.\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: وألبسه الله حُلَّة من الجنة، فتنحى أيوب فجلس في ناحية، وجاءت امرأته فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله أين ذهب هذا المبتلى الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب؟ فجعلت تكلمه ساعة. فقال: ويحك أنا أيوب. قالت: أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال: ويحك أنا أيوب قد ردَّ الله علي جسدي. وبه قال ابن عبّاس: وردَّ عليه ماله وولده عيانًا ومثلهم معهم (^٣).\nوقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى أيوب قد رددت عليك أهلك ومالك، ومثلهم معهم؛ فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك وقرب عن صحابتك قربانًا، واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك (^٤). رواه ابن أبي حاتم.\n_________\n(^١) سنده مرسل، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٢) أخرجه ابن حبان (الإحسان ٧/ ١٥٧، ١٥٨ ح ٢٨٩٨)، والبزار (المسند ٣/ ١٠٧ ح ٢٣٥٧)، والحاكم كلهم من طريق نافع بن يزيد به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٨١)، وقال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨/ ٢١١)، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٧).\n(^٣) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان، والشطر الأخير عن ابن عباس له شواهد تأتي بعد ثلاث روايات.\n(^٤) أخرجه الطبري، وهو من الإسرائيليات.","vol":"5","page":351},{"text":"وقال أيضًا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادًا من ذهب، فجعل يأخذ منه بيده ويجعله في ثوبه، قال: فقيل له: يا أيوب أما تشبع؟ قال: يا ربِّ ومن يشبع من رحمتك\" (^١) أصله في الصحيحين، وسيأتي في موضع آخر.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قد تقدم عن ابن عباس أنه قال: ردُّوا عليه بأعيانهم (^٢)، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس أيضًا (^٣)، وروي مثله عن ابن مسعود ومجاهد، وبه قال الحسن وقتادة (^٤).\nوقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة، فإن كان أخذ ذلك من سياق الآية فقد أبعد النجعة، وإن كان أخذه من نقل أهل الكتاب وصحَّ ذلك عنهم، فهو مما لا يصدق ولا يكذب.\nوقد سماها ابن عساكر في تاريخه رحمه الله تعالى: قال: ويقال اسمها: ليا بنت مِنَشّا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ويقال: ليا بنت يعقوب ﵇ زوجة أيوب كانت معه بأرض البثنية (^٥).\nوقال مجاهد: قيل له: يا أيوب إن أهلك لك في الجنة، فإن شئت أتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم؟ قال: لا بل اتركهم لي في الجنة، فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا (^٦).\nوقال حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن نوف البكالي قال: أوتي أجرهم في الآخرة وأعطي مثلهم في الدنيا. قال: فحدثت به مطرفًا، فقال: ما عرفت وجهها قبل اليوم، وكذا روي عن قتادة والسدي وغير واحد من السلف (^٧)، والله أعلم.\nقول: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: فعلنا به ذلك رحمة من الله به ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ أي: وجعلناه في ذلك قدوة لئلا يظن أهل البلاء أنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء، وله [الحكمة] (^٨) في ذلك.\n_________\n(^١) أصله في صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة … (ح ٢٧٩).\n(^٢) تقدم قبل ثلاث روايات وتبين أنه ضعيف ولكن يتقوى بالآثار التالية.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) قول ابن مسعود أخرجه الطبري والطبري والطبراني (المعجم الكبير ٩/ ٢٥٤) كلاهما من طريق الضحاك عن ابن مسعود، وسنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن مسعود، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول قتادة والحسن، أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنهما.\n(^٥) هي قرية بين دمشق وأذرعات كان يسكنها أيوب ﵊، كما في مراصد الاطلاع.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف مختصرًا، وفي سنده ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وليث هو ابن أبي سُليم، وكلاهما فيهما مقال.\n(^٧) هذا القول يخالف قول مجاهد والحسن وقتادة المتقدم من الإيتاء في الدنيا وليس في الآخرة.\n(^٨) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"الحمد\".","vol":"5","page":352},{"text":"<span id=\"aya-2568\"></span>\n\n<span id=\"aya-2569\"></span>﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾.\nوأما إسماعيل فالمراد به ابن إبراهيم الخليل ﵉، وقد تقدم ذكره في سورة مريم (^١)، وكذا إدريس ﵇، وأما ذو الكفل، فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي. وقال آخرون: إنما كان رجلًا صالحًا، وكان ملكًا عادلًا، وحكمًا مقسطًا، وتوقف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم. قال ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قال: رجل صالح غير نبي، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسمي: ذا الكفل؛ وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضًا.\nوروى ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا داود، عن مجاهد قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلًا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يفعل، فجمع الناس فقال: من يتقبل مني بثلاث أستخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب؟ قال: فقام رجل تزدريه (^٢) الأعين، فقال: أنا، فقال: أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب؟ قال: نعم، قال: فرده ذلك اليوم وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس، وقام ذلك الرجل فقال: أنا، فاستخلفه. قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة (^٣)، وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة، فدقَّ الباب، فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم، قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقصُّ عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا بي وفعلوا بي، وجعل يطول عليه حتى حضر الرواح (^٤) وذهبت القائلة، فقال: إذا رحت فأتني آخذ لك بحقك، فانطلق وراح، فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره، فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدقَّ الباب فقال: من هذا؟ قال: الشيخ الكبير المظلوم، ففتح له فقال: ألم أقل لك: إذا قعدت فأتني؟ قال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا: نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني، قال: فانطلق، فإذا رحت فأتني، قال: ففاتته القائلة، فراح فجعل ينتظره ولا يراه، وشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدع أحدًا يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق عليّ النوم، فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل: وراءك، وراءك، قال: إني قد أتيته أمس وذكرت له أمري، فقال: لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدًا يقربه، فلما أعياه نظر [فرأى] (^٥) كوة في البيت فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدقُّ الباب من داخل، قال: واستيقظ الرجل، فقال: يا فلان ألم آمرك؟ قال: أما من قبلي والله فلم تؤت فانظر من أين أتيت، قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه. وإذا الرجل معه في البيت فعرفه، فقال:\n_________\n(^١) في الآيات ٥٤ - ٥٧.\n(^٢) أي: تستصغره.\n(^٣) أي: نصف النهار.\n(^٤) أي: آخر النهار.\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"5","page":353},{"text":"أعدوَ الله؟ قال: نعم، أعييتني في كل شيء ففعلت ما ترى لأغضبك، فسماه الله ذا الكفل لأنه تكفل بأمر فوفى به (^١). وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث زهير بن إسحاق، عن داود، عن مجاهد بمثله (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن مسلم قال: قال ابن عباس: كان قاضٍ في بني إسرائيل فحضره الموت فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب؟ قال: فقال رجل: أنا، فسمي ذا الكفل، قال: فكان ليله جميعًا يصلي، ثم يصبح صائمًا فيقضي بين الناس، قال: وله ساعة يقيلها، قال: فكان كذلك، فأتاه الشيطان عند نومته، فقال له أصحابه: ما لك؟ قال: إنسان مسكين له على رجل حق، وقد غلبني عليه، قالوا: كما أنت حتى يستيقظ، قال: وهو فوق نائم، قال: فجعل يصيح عمدًا حتى يوقظه، قال: فسمع، فقال: ما لك؟ قال: إنسان مسكين له على رجل حق، قال: فاذهب فقل له يعطيك، قال: قد أبى، قال: اذهب أنت إليه، قال: فذهب ثم جاء من الغد فقال: مالك؟ قال: ذهبت إليه فلم يرفع بكلامك رأسًا. قال: اذهب إليه فقل له يعطيك حقك، فذهب ثم جاء من الغد حين قال (^٣)، قال: فقال له أصحابه: اخرج فعل الله بك تجيء كل يوم حين ينام لا تدعه ينام، قال: فجعل يصيح من أجل أني إنسان مسكين لو كنت غنيًا، قال: فسمع أيضًا فقال: ما لك؟ قال: ذهبت إليه فضربني، قال: امش حتى أجيء معك، قال: فهو ممسك بيده فلما رآه ذهب معه نثر يده منه ففرّ (^٤). وهكذا روي عن عبد الله بن الحارث، ومحمد بن قيس، وأبي حجيرة الأكبر، وغيرهم من السلف نحو هذه القصة، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، أخبرنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة، عن أبي كنانة بن الأخنس قال: سمعت الأشعري وهو يقول على هذا المنبر: ما كان ذو الكفل بنبي ولكن كان - يعني في بني إسرائيل - رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفَّل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة، فسمي ذا الكفل (^٥)، وقد رواه ابن جرير من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: قال أبو موسى الأشعري … فذكره منقطعًا، والله أعلم (^٦).\nوقد روى الإمام أحمد [حديثًا] (^٧) غريبًا فقال: حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر قال: سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عدّ سبع مرات، ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال: \"كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارًا على أن يطأها،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل ومن الإسرائيليات.\n(^٢) كسابقه.\n(^٣) أي: في وقت القائلة.\n(^٤) في سنده أبو بكر بن عياش، فيه مقال، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٥) سنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف؛ لأن قتادة لم يسمع من أبي موسى ﵁.\n(^٧) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"ثنا\".","vol":"5","page":354},{"text":"فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال: ما يبكيك أكرهتك؟ قالت: لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملني عليه الحاجة، قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ ثم نزل فقال: اذهبي بالدنانير لك، ثم قال: والله لا يعصي الله الكفل أبدًا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوبًا على بابه: غفر الله للكفل\" (^١)، هكذا وقع في هذه الرواية الكفل من غير إضافة، والله أعلم، وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وإسناده غريب، وعلى كل تقدير فلفظ الحديث: إن كان الكفل، ولم يقل: ذو الكفل، فلعله رجل آخر، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2570\"></span>﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.\nهذه القصة مذكورة هنا وفي سورة الصافات (^٢) وفي سورة \"ن\" (^٣)، وذلك أن يونس بن متى ﵇، بعثه الله إلى أهل قرية نينوى، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله تعالى، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله ﷿ وجأروا إليه، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحملانها (^٤)، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [يونس].\nوأما يونس ﵇ فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت بهم، وخافوا أن يغرقوا فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات] أي: وقعت عليه القرعة فقام يونس ﵇ وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله سبحانه من البحر الأخضر - فيما قاله ابن مسعود - حوتًا يشق البحار حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت أن لا تأكل له لحمًا ولا تهشم له عظمًا، فإن يونس ليس لك رزقًا، وإنما بطنك تكون له سجنًا.\nوقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ يعني: الحوت صحت الإضافة إليه بهذه النسبة. وقوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قال الضحاك لقومه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: نضيق عليه في بطن الحوت، يروى\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨/ ٣٦٩ ح ٤٧٤٧) وضعفه محققوه، وأخرجه الترمذي من طريق أسباط بن محمد به وحسّنه (السنن، صفة القيامة باب رقم ٤٨ ح ٢٤٩٦)، وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٥٤)، وإن صح سنده فقد وجه الحافظ متنه بأن المقصود غير ذي الكفل.\n(^٢) الآيات ١٣٩ - ١٤٨.\n(^٣) الآيات ٤٨ - ٥٠.\n(^٤) جمع حمل، وهو: الخروف.","vol":"5","page":355},{"text":"نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم (^١)، واختاره ابن جرير واستشهد عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧].\nوقال عطية العوفي: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: نقضي عليه (^٢). كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تقول: قدر وقدّر بمعنى واحد، وقال الشاعر:\nفلا عائد ذاك الزمان الذي مضى … تباركت ما تَقدْرَ يَكُن فلَكَ الأمر (^٣)\nومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] أي: قدر. ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل (^٤)، وكذا روي عن ابن عباس، وعمرو بن ميمون، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والضحاك، والحسن، وقتادة (^٥).\nوقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة حوت في بطن حوت آخر في ظلمة البحر (^٦).\nقال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما: وذلك أنه ذهب به الحوت في البحار يشقها حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٦).\nوقال عوف الأعرابي: لما صار يونس في بطن الحوت ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى يا رب اتخذت لك مسجدًا في موضع لم يبلغه أحد من الناس (^٧).\nوقال سعيد بن أبي الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يومًا (^٨). رواهما ابن جرير.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحمًا ولا تكسر له عظمًا، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسًّا فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسندين يقوّي أحدهما الآخر، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.\n(^٣) استشهد به القرطبي (الجامع ١١/ ٣٣٢).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١١/ ٥٤١)، والبستي بسند صحيح من طريق عمرو بن ميمون عن ابن مسعود، وأخرجه الحاكم من الطريق نفسه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٨٣).\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف، وفيه عنعنة ابن إسحاق، ويتقوى بسابقه، وبقية أقوال التابعين كلها مراسيل يقوّي بعضها بعضًا، وتتقوى بقول ابن مسعود.\n(^٦) قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما غالبًا ما يرويه الطبري بسند السدي الذي خلط بين طرق هذا الإسناد فترك.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٨) أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح من طريق عوف عن سعيد بن أبي الحسن البصري (العقوبات ص ١٧٨).","vol":"5","page":356},{"text":"البحر، قال: وسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة، قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] \" رواه ابن جرير (^١)، ورواه البزار في مسنده من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة فذكره بنحوه، ثم قال: لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد (^٢).\nوروى ابن عبد الحق من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي مرفوعًا: \"لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى، سبح لله في الظلمات\" (^٣)، وقد روي هذا الحديث بدون هذه الزيادة من حديث ابن عباس وابن مسعود وعبد الله بن جعفر، وسيأتي أسانيدها في سورة \"ن\" (^٤).\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثني أبو صخر، أن يزيد الرقاشي قال: سمعت أنس بن مالك، ولا أعلم إلا أن أنسًا يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ أن يونس النبي ﵇ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: اللَّهم لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت هذه الدعوة تحت العرش، فقالت الملائكة: يا ربِّ صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا يا ربِّ، ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة، قال: نعم قالوا: يا ربِّ أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه في العراء (^٥).\n\n<span id=\"aya-2571\"></span>وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي: أخرجناه من بطن الحوت وتلك الظلمات ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا كانوا في الشدائد ودعونا منيبين إلينا ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب في الدعاء به عن سيد الأنبياء.\nقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد هو:- ابن أبي وقاص ﵁ قال: مررت بعثمان بن عفان ﵁ في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد عليّ السلام، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين هل حدث في الإسلام شيء، مرتين قال: لا وما ذاك؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفًا في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق.\n(^٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٥٤)، وسنده ضعيف أيضًا لعنعنة ابن إسحاق وإسقاط شيخه.\n(^٣) في سنده عبد الله بن سلمة: صدوق تغير حفظه (التقريب ص ٣٠٦)، ولعل الزيادة منه لأنه ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس بدون قوله: \"سبح لله في الظلمات\" (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩). . .﴾ [طه] ح ٣٣٩٥).\n(^٤) في الآيات ٤٨ - ٥٠.\n(^٥) سنده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي.","vol":"5","page":357},{"text":"ثم لم يرد عليّ السلام، قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلت، قال سعد: قلت: بلى، حتى حلف وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفًا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ، لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة، قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله ﷺ ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله ﷺ فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إلي رسول الله ﷺ فقال: \"من هذا، أبو إسحاق؟ \" قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: \"فمه\" قلت: لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك، قال: \"نعم، دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له\" (^١).\nورواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه عن سعد به (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب، قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب - يعني: ابن سعد -، عن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من دعا بدعاء يونس استجيب له\" قال أبو سعيد: يريد به ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣). وقال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بشر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك - وهو: ابن أبي وقاص - يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى\" قال: قلت: يا رسول الله، هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: \"هي ليونس بن متى خاصة، ولجماعة المؤمنين عامة، إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله ﷿: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ فهو شرط من الله لمن دعاه به\" (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي شريج، حدثنا داود بن المحبر بن قحذم المقدسي، عن كثير بن معبد قال: سألت الحسن فقلت: يا أبا سعيد اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى؟ قال: ابن أخي أما تقرأ القرآن، قول الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسّن سنده محققوه (المسند ٣/ ٦٥ ح ١٤٦٢)، وأخرجه الحاكم من طريق إبراهيم بن محمد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥٠٥).\n(^٢) سنن الترمذي، الدعوات، باب ٨٢ (ح ٣٥٠٥)، والسنن الكبرى للنسائي، عمل اليوم والليلة، باب ذكر دعوة ذي النون (ح ١٠٤٩١).\n(^٣) أخرجه الحاكم من طريق أبي خالد الأحمر به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٨٤)، ويشهد له سابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان، ويتقوى بسابقيه.","vol":"5","page":358},{"text":"ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ إلى قوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ ابن أخي، هذا اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى (^١).\n\n<span id=\"aya-2572\"></span>﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾.\nيخبر تعالى عن عبده زكريا حين طلب أن يهبه الله ولدًا يكون من بعده نبيًا، وقد تقدمت القصة مبسوطة في أول سورة مريم وفي سورة آل عمران أيضًا، وههنا أخصر منها ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي: خفية عن قومه ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أي: لا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في الناس ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ دعاء وثناء مناسب للمسألة،\n\n<span id=\"aya-2573\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي: امرأته.\nقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: كانت عاقرًا لا تلد فولدت (^٢).\nوقال عبد الرحمن بن مهدي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: كان في لسانها طول، فأصلحها الله (^٣). وفي رواية: كان في خلقها شيء فأصلحها الله، وهكذا قال محمد بن كعب والسدي (^٤)، والأظهر من السياق الأول.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي: في عمل القربات وفعل الطاعات.\n﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قال الثوري: ﴿رَغَبًا﴾ فيما عندنا ﴿وَرَهَبًا﴾ مما عندنا ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي مصدقين بما أنزل الله (^٥).\nوقال مجاهد: مؤمنين حقًا (^٥).\nوقال أبو العالية: خائفين (^٥).\nوقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب لا يفارقه أبدًا (^٥). وعن مجاهد أيضًا: ﴿خَاشِعِينَ﴾؛ أي متواضعين.\nوقال الحسن وقتادة والضحاك: ﴿خَاشِعِينَ﴾؛ أي متذللين لله ﷿ (^٥)، وكل هذه الأقوال متقاربة.\nوقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الله القرشي، عن [عبد الله بن حكيم] (^٦) قال: خطبنا أبو بكر ﵁. ثم قال: أما بعد؛ فإني أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا\n_________\n(^١) سنده ضعيف جدًا؛ لأن داود بن المحبر متروك (التقريب ص ٢٠٠).\n(^٢) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمار، وهو الدهني.\n(^٣) أخرجه الحاكم من طريق أبي نعيم عن طلحة بن عمرو به، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: طلحة: واهٍ (المستدرك ٢/ ٣٨٣).\n(^٤) قول محمد بن كعب أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق ١٩/ ٥٣). وجعله الحافظ ابن كثير مرجوحًا.\n(^٥) هذه الأقوال تقدم تخريجها في تفسير سورة البقرة آية ٤٥.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"عبيد الله بن حكيم\".","vol":"5","page":359},{"text":"الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله ﷿ أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-2574\"></span>﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾.\nهكذا يذكر تعالى قصة مريم وابنها عيسى ﵉ مقرونة بقصة زكريا وابنه يحيى ﵉، فيذكر أولًا قصة زكريا ثم يتبعها بقصة مريم؛ لأن تلك مربوطة بهذه، فإنها إيجاد ولد من شيخ كبير قد طعن في السن، ومن امرأة عجوز عاقر لم تكن تلد في حال شبابها، ثم يذكر قصة مريم وهي أعجب، فإنها إيجاد ولد من أنثى بلا ذكر، هكذا وقع في سورة آل عمران وفي سورة مريم، وههنا ذكر قصة زكريا ثم أتبعها بقصة مريم بقوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ يعني: مريم ﵍، كما قال في سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [١٢].\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: دلالة على أن الله على كل شيء قدير، وأنه يخلق ما يشاء، و﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس] وهذا كقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١].\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمر بن علي، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن شعيب - يعني: ابن بشر -، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ قال: العالمين الجن والإنس (^٢).\n\n<span id=\"aya-2575\"></span>﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: يقول: دينكم دين واحد (^٣).\nوقال الحسن البصري في هذه الآية: يبين لهم ما يتقون وما يأتون.\nثم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: سنتكم سنة واحدة، فقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ إن واسمها، و﴿أُمَّتُكُمْ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾؛ أي: هذه شريعتكم التي بينت لكم ووضحت لكم. وقوله: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ نصب على الحال، ولهذا قال: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق محمد بن فضيل به، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: عبد الرحمن بن إسحاق كوفي ضعيف (المستدرك ٢/ ٣٨٣).\n(^٢) سنده حسن.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن جريج لم يسمع من مجاهد، وقول قتادة عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"5","page":360},{"text":"[المؤمنون: ٥١، ٥٢] وقال رسول الله ﷺ: \"نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد\" (^١)، يعني: أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].\n\n<span id=\"aya-2576\"></span>\n\n<span id=\"aya-2577\"></span>وقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: اختلفت الأمم على رسلها فمن بين مصدق لهم ومكذب، ولهذا قال: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ أي: يوم القيامة، فيجازي كل بحسب عمله، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: قلبه مصدق وعمل صالحًا ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ كقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] أي: لا يكفر سعيه وهو عمله؛ بل [يشكر فلا] (^٢) يظلم مثقال ذرة، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ أي: يكتب جميع عمله فلا يضيع عليه منه شيء.\n\n<span id=\"aya-2578\"></span>﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قال ابن عباس: وجب (^٣)؛ يعني: قد قدر أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة، هكذا صرح به ابن عباس وأبو جعفر الباقر وقتادة وغير واحد (^٤). وفي رواية عن ابن عباس: أنهم لا يرجعون؛ أي لا يتوبون (^٥)، والقول الأول أظهر، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2579\"></span>وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ قد قدمنا أنهم من سلالة آدم ﵇؛ بل هم من نسل نوح أيضًا من أولاد يافث؛ أي أبي الترك، والترك شرذمة منهم تركوا من وراء السد الذي بناه ذو القرنين، وقال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ [الكهف]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ أي: يسرعون في المشي إلى الفساد، والحدب: هو المرتفع من الأرض، قاله ابن عباس وعكرمة وأبو صالح والثوري وغيرهم (^٦)، وهذه صفتهم في حال خروجهم كأن السامع مشاهد لذلك ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] هذا إخبار عالم ما كان وما يكون، الذي يعلم غيب السماوات والأرض لا إله إلا هو.\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبيد الله بن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في سورة الأنعام آية ١٥٩.\n(^٢) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٣) هذا التفسير على قراءة \"حِرم\" وهي قراءة متواترة، وهذا التفسير أخرجه ابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس (ينظر: فتح الباري ١١/ ٥٠٣).\n(^٤) ما ورد عن أبي جعفر الباقر هو سؤال جابر الجعفي عن الرجعة، فأجابه بقراءة هذه الآية، وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي وتشيعه.\n(^٥) أخرجه الثوري والطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند.\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.","vol":"5","page":361},{"text":"أبي يزيد قال: رأى ابن عباس صبيانًا ينزو بعضهم على بعض يلعبون، فقال ابن عباس: هكذا يخرج يأجوج ومأجوج (^١).\nوقد ورد ذكر خروجهم في أحاديث متعددة من السنة النبوية.\nفالحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"تفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس، كما قال الله ﷿: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ \" فيغشون الناس وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمرّ بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسًا، حتى أن مَن بعدهم ليمرّ بذلك النهر فيقول: قد كان ههنا ماء مرة، حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أحد في حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم بقي أهل السماء، قال: ثم يهزُ أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة دمًا للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله ﷿ دودًا في أعناقهم كنغف (^٢) الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ قال: فيتجرد رجل منهم محتسبًا نفسه قد أوطنها على أنه مقتول فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي: \"يا معشر المسلمين ألا أبشروا إن الله ﷿ قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون لهم رعي إلا لحومهم، فتشكر عنهم كأحس ما شكرت عن شيء من النبات أصابته قط\" (^٣)، ورواه ابن ماجه من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق [به] (^٤) (^٥).\n(الحديث الثاني): قال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، عن أبيه: أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك في وجوهنا، فسألناه فقلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل؟ فقال: \"غير الدجال أخوفني عليكم. فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه شاب جعد قطط عينه طافية (^٦)، وإنه يخرج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينًا وشمالًا يا عباد الله اثبتوا، قلنا: يا رسول الله ما لبثه في الأرض؟ قال: \"أربعون يومًا، يوم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) النغف: دود يكون في أنوف الإبل والغنم (النهاية ٥/ ٨٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسّن سنده محققوه (المسند ١٨/ ٢٥٦ - ٢٥٨ ح ١١٧٣١).\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) سنن ابن ماجه، الفتن، باب طلوع الشمس من مغربها (ح ٤٠٧٩)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣٠٧).\n(^٦) أي: مرتفعة عن محلها.","vol":"5","page":362},{"text":"كسنة، ويوم كشهر، يوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم\" قلنا: يا رسول الله فذاك اليوم الذي هو كسنة، أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: \"لا اقدروا له قدره\" قلنا: يا رسول الله فما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث اشتد به الريح، قال: فيمر بالحيّ فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم (^١) وهي أطول ما كانت ذرى (^٢)، أمده خواصر، وأسبغه ضروعًا، ويمر بالحي فيدعوهم فيردون عليه قوله، فتتبعه أموالهم فيصبحون ممحلين (^٣) ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (^٤)، قال: ويأمر برجل فيقتل، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين (^٥) رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل إليه، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله ﷿ المسيح عيسى ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (^٦) واضعًا يديه على أجنحة ملكين، فيتبعه فيدركه فيقتله عند باب لُّد الشرقي، قال: فبينما هم كذلك إذ أوحى الله ﷿ إلى عيسى ابن مريم ﵇ أني قد أخرجت عبادًا من عبادي لا يدان لك بقتالهم، فحوّز عبادي إلى الطور، فيبعث الله ﷿ يأجوج ومأجوج، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله ﷿، فيرسل عليهم نغفًا في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابه فلا يجدون في الأرض بيتًا إلا قد ملأه زهمهم (^٧) ونتنهم، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله ﷿، فيرسل الله عليهم طيرًا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله\".\nقال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره قال: فتطرحهم بالمهبل (^٨).\nقال ابن جابر: فقلت: يا أبا يزيد وأين المهبل؟ قال: مطلع الشمس.\nقال: \"ويرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر أربعين يومًا، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة؛ ويقال للأرض: أنبتي ثمرك ودرِّي بركتك، قال: فيومئذٍ يأكل النفر من الرمانة فيستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر تكفي الفخذ، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت، قال: فبينما هم على ذلك إذ بعث الله ﷿ ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم - أو قال: كل مؤمن - ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم الساعة\" (^٩).\nانفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، ورواه مع بقية أهل السنن من طرق عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به. وقال الترمذي: حسن صحيح (^١٠).\n_________\n(^١) أي: ماشيتهم.\n(^٢) جمع ذروة، وهي: أعلى سنام البعير.\n(^٣) أي: مجدبين.\n(^٤) جمع يعسوب، وهو: أمير النحل؛ أي تظهر له وتجتمع عنده كما تجتمع النحل على يعاسيبها.\n(^٥) أي: قطعتين.\n(^٦) أي: بين حُلّتين شبيهتين بالمصبوغ بالهرد، والهرد: عرق، وقيل: الثوب المهرود الذي يصبغ بالورس ثم بالزعفران.\n(^٧) أي: دسمهم.\n(^٨) أي: الهوة الذاهبة في الأرض.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٢٩/ ١٧٢ - ١٧٥).\n(^١٠) صحيح مسلم، الفتن، باب ذكر الدجال وصفته (ح ٢١٣٧)، وسنن الترمذي، الفتن (ح ٢٢٤٠).","vol":"5","page":363},{"text":"(الحديث الثالث): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، [عن] (^١) ابن حرملة، عن خالته قالت: خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب، فقال: \"إنكم تقولون لا عدو لكم، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف (^٢)، من كل حدب ينسلون؛ كأن وجوههم المجان المطرقة\" (^٣).\nوكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث محمد بن عمرو، عن خالد بن عبد الله بن حرملة المدلجي، عن خالة له، عن النبي ﷺ … فذكره مثله سواء (^٤).\n(الحديث الرابع): قد تقدم في آخر تفسير سورة الأعراف من رواية الإمام أحمد عن هشيم، عن العوام، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عفازة، عن ابن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \"لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ قال: فتذاكروا أمر الساعة فردُّوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردُّوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردُّوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إليَّ ربي أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرًا، فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم، ولا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرُّون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس إليّ يشكونهم فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إليَّ ربي أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولدها ليلًا أو نهارًا\" (^٥).\nورواه ابن ماجه، عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب به نحوه، وزاد: قال العوام: ووجد تصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾، ورواه ابن جرير ههنا من حديث جبلة به (^٦).\nوالأحاديث في هذا كثيرة جدًا والآثار عن السلف كذلك. وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث معمر، عن غير واحد، عن حميد بن هلال، عن أبي الضيف قال: قال كعب: إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غدًا فنخرج، فيعيده الله كما كان، فيجيئون من الغد فيجدونه قد أعاده الله كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) المسند، وفي الأصل صحفت إلى: \"بن\".\n(^٢) أي: شُقر الشعور.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ٣٧/ ١٩ ح ٢٢٣٣١).\n(^٤) سنده ضعيف كسابقه.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧.\n(^٦) تقدم تخريجه كسابقه.","vol":"5","page":364},{"text":"ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غدًا فنخرج إن شاء الله، فيجيئون من الغد فيجدونه كما تركوه، فيحفرون حتى يخرجوا، فتمرُّ الزمرة الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تمرُّ الزمرة الثانية فيلحسون طينها، ثم تمرُّ الزمرة الثالثة فيقولون: قد كان ههنا مرة ماء، فيفر الناس منهم فلا يقوم لهم شيء، ثم يرمون بسهامهم إلى السماء فترجع إليهم مخضبة بالدماء، فيقولون: غلبنا أهل الأرض وأهل السماء، فيدعو عليهم عيسى ابن مريم ﵇، فيقول: اللَّهم لا طاقة ولا يد لنا بهم، فاكفناهم بما شئت، فيسلط الله عليهم دودًا يقال له: النغف، فيفرس رقابهم، ويبعث الله عليهم طيرًا تأخذهم بمناقيرها فتلقيهم في البحر، ويبعث الله عينًا يقال لها: الحياة، يطهر الله الأرض وينبتها، حتى إن الرمانة ليشبع منها السكن، وقيل: وما السكن يا كعب؟ قال: أهل البيت، قال: فبينما الناس كذلك إذ أتاهم الصريخ أن ذا السويقتين يريده، قال: فيبعث عيسى ابن مريم طليعة سبعمائة أو بين السبعمائة والثمانمائة حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله ريحًا يمانية طيبة فيقبض فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عجاج الناس، فيتسافدون كما تتسافد البهائم، فمثل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه متى تضع، قال كعب: فمن قال بعد قولي هذا شيئًا أو بعد علمي هذا شيئًا فهو المتكلف (^١)، وهذا من أحسن سياقات كعب الأحبار لما شهد له من صحيح الأخبار.\nوقد ثبت في الحديث: أن عيسى ابن مريم يحج البيت العتيق، وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمران، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عتبة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج\" (^٢). انفرد بإخراجه البخاري (^٣).\n\n<span id=\"aya-2580\"></span>وقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ يعني: يوم القيامة إذا حصلت هذه الأهوال والزلازل والبلابل، أزفت الساعة واقتربت فإذا كانت ووقعت، قال الكافرون: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من شدة ما يشاهدونه من الأمور العظام ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ أي: يقولون: يا ويلنا ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ أي: في الدنيا ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ يعترفون بظلمهم لأنفسهم حيث لا ينفعهم ذلك.\n\n<span id=\"aya-2581\"></span>﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا لأهل مكة من مشركي قريش ومن دان بدينهم من عبدة الأصنام والأوثان:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي الضيف به، وأخرجه الطبري من طريق معمر عن غير واحد عن أبي الضيف به، وفي الحالتين الخبر من الإسرائيليات ولبعضه شواهد.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٧)، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري من طريق قتادة به (الصحيح، الحج، باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ. . .﴾ بسورة المائدة ٩٧ - ح ١٥٩٣).","vol":"5","page":365},{"text":"﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال ابن عباس: أي: وقودها (^١). يعني: كقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤].\nوقال ابن عباس أيضًا: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ يعني: شجر جهنم (^٢)، وفي رواية قال: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ يعني: حطب جهنم بالزنجية (^٣).\nوقال مجاهد وعكرمة وقتادة: حطبها (^٤)، وهي كذلك في قراءة علي وعائشة ﵄ (^٥).\nوقال الضحاك: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾؛ أي ما يرمى به فيها (^٦)، وكذا قال غيره، والجميع قريب.\nوقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أي: داخلون\n\n<span id=\"aya-2582\"></span>﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ يعني: لو كانت هذه الأصنام والأنداد التي اتخذتموها من دون الله آلهة صحيحة لما وردوا النار وما دخلوها ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: العابدون ومعبوداتهم كلهم فيها خالدون\n\n<span id=\"aya-2583\"></span>﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] والزفير: خروج أنفاسهم، والشهيق: ولوج أنفاسهم ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا عبد الرحمن - يعني: المسعودي -، عن أبيه قال: قال ابن مسعود: إذا بقي من يخلد في النار جعلوا في توابيت من نار فيها مسامير من نار، فلا يرى أحد منهم أنه يعذب في النار غيره، ثم تلا عبد الله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ (^٧). ورواه ابن جرير من حديث حجاج بن محمد، عن المسعودي، عن يونس بن خبّاب، عن ابن مسعود … فذكره (^٨).\n\n<span id=\"aya-2584\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ قال عكرمة: الرحمة (^٩).\nوقال غيره: السعادة ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ لما ذكر تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسله، وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن] فكما أحسنوا العمل في الدنيا أحسن الله مآبهم وثوابهم، ونجاهم من العذاب وحصل لهم جزيل الثواب، فقال: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾\n\n<span id=\"aya-2585\"></span>﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أي: حريقها في الأجساد.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ويتقوى بما يليه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه البستي بسند صحيح من طريق عبد الملك بن أبجر الكوفي عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٥) ذكره الطبري تعليقًا، وذكره الفراء (معاني القرآن ٢/ ٢١٢).\n(^٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٧) سنده حسن.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده منقطع لأن يونس لم يسمع ابن مسعود، ويتقوى بسابقه.\n(^٩) لم أجد من أخرجه، ومعناه صحيح فصيح.","vol":"5","page":366},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبيه، عن الجريري، عن أبي عثمان ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قال: حَس حَس (^١).\nوقوله: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ فسلمهم من المحذور والمرهوب، وحصل لهم المطلوب والمحبوب.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سريج، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن ليث بن أبي سُليم، عن ابن عم النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير قال: وسمر مع علي ذات ليلة، فقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ قال: أنا منهم، وعمر منهم، وعثمان منهم، والزبير منهم، وطلحة منهم، وعبد الرحمن منهم، أو قال: سعد منهم، قال: أقيمت الصلاة، فقام وأظنه يجر ثوبه وهو يقول: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ (^٢).\nوقال شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف المكي، عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليًا يقول في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ قال: عثمان وأصحابه، ورواه ابن أبي حاتم أيضًا، ورواه ابن جرير من حديث يوسف بن سعد، وليس بابن ماهك، عن محمد بن حاطب، عن علي … فذكره ولفظه: عثمان منهم (^٣). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾: فأولئك أولياء الله يمرون على الصراط مرًا هو أسرع من البرق، ويبقى الكفار فيها جثيًا (^٤). فهذا مطابق لما ذكرناه، وقال آخرون: بل نزلت استثناء من المعبودين، وخرج منهم عزير والمسيح، كما قال حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ ثم استثنى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ فيقال: هم الملائكة وعيسى، ونحو ذلك مما يعبد من دون الله ﷿ (^٥)، وكذا قال عكرمة والحسن وابن جريج (^٦).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ قال: نزلت في عيسى ابن مريم وعزير ﵉ (^٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن عيسى بن\n_________\n(^١) سنده مرسل.\n(^٢) في سنده ليث فيه مقال، ومتنه فيه غرابة؛ لأنه يستبعد أن يقول الصحابي الجليل النعمان بن بشير ﵁: أنا منهم.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق أبي بشر عن يوسف بن سعد به، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي بشر عن يوسف بن سعد به، وسنده صحيح.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) سنده حسن بما يليه، وقوله: \"هم الملائكة وعيسى\" له شاهد، أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) قول عكرمة والحسن أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف.\n(^٧) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.","vol":"5","page":367},{"text":"ميسرة، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد بن طريف، عن الأصبغ، عن علي في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ قال: كل شيء يعبد من دون الله في النار إلا الشمس والقمر وعيسى ابن مريم. إسناده ضعيف (^١).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة (^٢). وقال الضحاك: عيسى ومريم والملائكة والشمس والقمر، وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي صالح وغير واحد (^٣).\nوقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا غريبًا جدًا، فقال: حدثنا الفضل بن يعقوب الرخامي، حدثنا سعيد بن مسلمة بن عبد الملك، حدثنا الليث بن أبي سُليم عن مغيث، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة (^٤).\nوذكر بعضهم قصة ابن الزبعري ومناظرة المشركين، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن سهل، حدثنا محمد بن حسن الأنماطي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا الحكم - يعني: ابن أبان -، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء عبد الله بن الزبعري إلى النبي ﷺ فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ فقال ابن الزبعري: قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم كل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف] ثم نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ (^٥). رواه الحافظ أبو عبد الله في كتابه الأحاديث المختارة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان - يعني: الثوري -، عن الأعمش، عن أصحابه، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ قال المشركون: فالملائكة وعزير وعيسى يعبدون من دون الله، فنزلت ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ الآلهة التي يعبدون ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) بل ضعيف جدًا؛ لأن سعد بن طريف متروك (التقريب ص ٢٣١).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة، وقول أبي صالح أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إسماعيل بن سيف، وهو ضعيف، ويتقوى بسابقيه.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف سعيد بن مسلمة بن عبد الملك (التقريب ص ٢٤١).\n(^٥) أخرجه ابن مردويه بسنده ومتنه كما نقله الحافظ ابن حجر وحسنه (موافقة الخُبر الخَبر ٢/ ١٧٢)، وأخرجه الحاكم من طريق الحسين بن واقد النحوي عن عكرمة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٨٤، ٣٨٥).\n(^٦) سنده ضعيف لجهالة أصحاب الأعمش، ويتقوى بسابقه ولاحقه.","vol":"5","page":368},{"text":"وروي عن أبي كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثل ذلك وقال: فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ (^١).\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀ في كتاب السيرة: وجلس رسول الله ﷺ فيما بلغني يومًا مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المسجد غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، وتلا عليه وعليهم ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ ثم قام رسول الله ﷺ وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس معهم، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعري: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطب آنفًا ولا قعد، وقد زعم محمد أنّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدًا كل ما يُعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: \"كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته\"، وأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ أي عيسى وعزير ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون الله، ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء]، ونزل فيما ذكر من أمر عيسى وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف] أي: ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلًا على علم الساعة، يقول: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] (^٢).\nوهذا الذي قاله ابن الزبعري خطأ كبير؛ لأن الآية إنما نزلت خطابًا لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل، ليكون ذلك تقريعًا وتوبيخًا لعابديها، ولهذا قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فكيف يورد على هذا المسيح وعزير ونحوهما ممن له عمل\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الحسن بن الحسين الأشقر عن أبي كدينة به، وفي سنده عطاء بن السائب: صدوق اختلط (التقريب ص ٣٩٠)، ويتقوى إذ توبع في رواية ابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (١/ ٣٥٨)، وسنده ضعيف معضل، ويشهد لبعضه ما تقدم في رواية ابن مردويه.","vol":"5","page":369},{"text":"صالح ولم يرضَ بعبادة من عبده، وعول ابن جرير في تفسيره في الجواب على أن ﴿مَا﴾ لما لا يعقل عند العرب، وقد أسلم عبد الله بن الزبعري بعد ذلك، وكان من الشعراء المشهورين، وقد كان يهاجي المسلمين أولًا ثم قال معتذرًا:\nيا رسول المليك إن لساني … رائق ما فتقت إذ أنا بور\nإذ أجاري الشيطان في سنن الغي … ومن مال ميله مثبور (^١)\n\n<span id=\"aya-2586\"></span>وقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ قيل: المراد بذلك: الموت، رواه عبد الرزاق عن يحيى بن ربيعة، عن عطاء. وقيل: المراد بالفزع الأكبر: النفخة في الصور، قاله العوفي عن ابن عباس (^٢)، وأبو سنان سعيد بن سنان الشيباني، واختاره ابن جرير في تفسيره، وقيل: حين يؤمر بالعبد إلى النار، قاله الحسن البصري (^٣)، وقيل: حين تطبق النار على أهلها، قاله سعيد بن جبير وابن جريج (^٤)، وقيل: حين يذبح الموت بين الجنة والنار، قاله أبو بكر الهذلي (^٥) فيما رواه ابن أبي حاتم عنه، وقوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ يعني: تقول لهم الملائكة تبشرهم يوم معادهم إذا خرجوا من قبورهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي: فأملوا ما يسركم.\n\n<span id=\"aya-2587\"></span>﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾.\nيقول تعالى: هذا [كائن] (^٦) يوم القيامة ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر].\nوقد قال البخاري: حدثنا مقدم بن محمد، حدثني عمىِ: القاسم بن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السماوات بيمينه\" انفرد به من هذا الوجه البخاري ﵀ (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي الواصل، عن أبي المليح الأزدي، عن أبي الجوزاء الأزدي، عن ابن عباس قال: يطوي الله السماوات السبع بما فيها من الخليقة والأرضين السبع بما فيها من الخليقة يطوي\n_________\n(^١) استشهد به ابن هشام (السيرة النبوية ٢/ ٤١٩).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن رجل مبهم عن الحسن.\n(^٤) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٥) أخرجه البستي بسند صحيح من طريق سفيان بن عيينة عن أبي بكر الهذلي.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: \"كان\".\n(^٧) أخرجه البخاري بسنده بنحوه (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ح ٧٤١٢).","vol":"5","page":370},{"text":"ذلك كله بيمينه يكون ذلك كله في يديه بمنزلة خردلة (^١).\nوقوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قيل: المراد بالسجل: الكتاب (^٢)، وقيل: المراد بالسجل ههنا: ملك من الملائكة (^٣)، قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا [يحيى بن يمان] (^٤)، حدثنا أبو الوفاء الأشجعي، عن أبيه، عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال: السجل: ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: أكتبها نورًا، وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن ابن يمان، به (^٥).\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: أن السجل ملك (^٦).\nوقال السدي في هذه الآية: السجل ملك موكل بالصحف فإذا مات الإنسان رفع كتابه إلى السجل، فطواه ورفعه إلى يوم القيامة (^٧).\nوقيل: المراد به اسم رجل صحابي كان يكتب للنبي ﷺ الوحي، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا نوح بن قيس، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال: السجل هو الرجل: قال نوح: وأخبرني يزيد بن كعب - هو العوذي -، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: السجل: كاتب للنبي ﷺ (^٨). وهكذا رواه أبو داود والنسائي، كلاهما عن قتيبة بن سعيد، عن نوح بن قيس، عن يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ قال: السجل كاتب للنبي ﷺ (^٩)، ورواه ابن جرير، عن نصر بن علي الجهضمي، كما تقدم (^١٠)، ورواه ابن عدي من رواية يحيى بن عمرو بن مالك النكري، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ كاتب يسمى السجل، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال: كما يطوى السجل الكتاب كذلك تطوى السماء، ثم قال: وهو غير محفوظ (^١١).\n_________\n(^١) يشهد له رواية البخاري السابقة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الثوري عن السدي، ومن طريق الثوري أخرجه الطبري، والثوري لم يسمع من السدي، وأخرجه البخاري (التاريخ الكبير ١/ ٤٣٣) من طريق ابن السدي عن السدي، وكذا أخرجه البستي وابن السدي هو إسماعيل: مجهول، كما في التقريب.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"يحيى بن أبان\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا؛ لأن أبا الوفاء الأشجعي، واسمه جعفر بن ميسرة، وهو منكر الحديث (لسان الميزان ٢/ ١٢٩).\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن أبي جعفر الباقر.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم والطبري، والذي في الطبري مختصر كما تقدم قبل ثلاث روايات.\n(^٨) الشطر الأول سنده حسن، وأما الشطر الثاني في سنده يزيد بن كعب العوذي: مجهول (التقريب ص ٦٠٤).\n(^٩) سنن أبي داود، الخراج والأمارة، باب في اتخاذ الكاتب (ح ٢٩٣٥)، والسنن الكبرى (ح ١١٣٣٥)، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه كما تقدم تحسينه في رواية ابن أبي حاتم.\n(^١١) أخرجه ابن عدي في (الكامل في الضعفاء ٧/ ٢٠٥)، وسنده ضعيف لضعف يحيى بن عمرو بن مالك ويقال: إن حماد بن زيد كذبه (التقريب ص ٥٩٤).","vol":"5","page":371},{"text":"وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: أنبأنا أبو بكر البرقاني، أنبأنا محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي، أنبأنا أحمد بن الحسن الكرخي أن حمدان بن سعيد، حدثهم عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: السجل: كاتب للنبي ﷺ (^١)، وهذا منكر جدًا من حديث نافع، عن ابن عمر لا يصح أصلًا، وكذلك ما تقدم عن ابن عباس من رواية أبي داود وغيره لا يصح أيضًا، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه، وإن كان في سنن أبي داود منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج - المزي فسح الله في عمره ونسأ في أجله، وختم له بصالح عمله -، وقد أفردت لهذا الحديث جزءًا على حده، ولله الحمد.\nوقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث، وردَّه أتمَّ رد، وقال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتّاب النبي ﷺ معروفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل، وصدق ﵀ في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث، وأما من ذكره في أسماء الصحابة، فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره، والله أعلم، والصحيح عن ابن عباس: أن السجل هي الصحيفة، قاله علي بن أبي طلحة (^٢)، والعوفي عنه (^٣)، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد (^٤)، واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب؛ أي على الكتاب بمعنى: المكتوب، كقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾ [الصافات] أي: على الجبين، وله نظائر في اللغة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ يعني: هذا كائن لا محالة يوم يعيد الله الخلائق خلقًا جديدًا كما بدأهم هو القادر على إعادتهم. وذلك واجب الوقوع لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل، وهو القادر على ذلك، ولهذا قال: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وابن جعفر وعفان المعني قالوا: حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظةٍ: فقال: \"إنكم محشورون إلى الله ﷿ حفاة عراةً غرلًا، كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا، إنا كنا فاعلين. . .\" وذكر تمام الحديث (^٥)، أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة، ذكره البخاري عند هذه الآية في كتابه (^٦).\nوقد روى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ نحو ذلك (^٧)، وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ قال: يهلك كل شيء كما كان أول مرة (^٨).\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ٨/ ١٧٥.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق على به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.\n(^٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٣٥)، وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، التفسير باب ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] (ح ٤٦٢٥)، وصحيح مسلم، كتاب الجنة مصنفة نعيمها، باب فناء الدنيا (ح ٢٨٦٠).\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق ليث، وليث فيه مقال، ومجاهد لم يسمع من عائشة، ويشهد لبعضه ما تقدم في الصحيحين.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما تقدم في الصحيحين.","vol":"5","page":372},{"text":"<span id=\"aya-2588\"></span>﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا والآخرة ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر] وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ. . .﴾ الآية [النور: ٥٥].\nوأخبر تعالى أن هذا مسطور في الكتب الشرعية والقدرية وهو كائن لا محالة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾.\n[قال الأعمش: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾] (^١) فقال: الزبور: التوراة، والإنجيل، والقرآن (^٢).\nوقال مجاهد: الزبور: الكتاب (^٣).\nوقال ابن عباس والشعبي والحسن وقتادة وغير واحد: الزبور: الذي أنزل على داود، والذكر: التوراة (^٤).\nوعن ابن عباس: الزبور: القرآن (^٥).\nوقال سعيد بن جبير: الذكر الذي في السماء (^٦).\nوقال مجاهد: الزبور: الكتب بعد الذكر، والذكر أم الكتاب عند الله (^٧)، واختار ذلك ابن جرير ﵀، وكذا قال زيد بن أسلم: هو الكتاب الأول (^٨).\nوقال الثوري: هو اللوح المحفوظ.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء، والذكر: أمّ الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك (^٩).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، أخبر الله ﷾ في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض أن يورث أمة محمد ﷺ الأرض، ويدخلهم الجنة وهم\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) أخرجه الثوري عن الأعمش به، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) قول الشعبي أخرجه الطبري والحاكم من طريق داود بن أبي هند عنه، وسكت عنه الحاكم والذهبي (المستدرك ٢/ ٥٨٧) وسنده حسن، وقول قتادة عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه الثوري عن الأعمش عن سعيد بن جبير، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه بمعناه.\n(^٩) أخرجه الطبري كسابقه.","vol":"5","page":373},{"text":"الصالحون (^١).\nوقال مجاهد، عن ابن عباس ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ قال: أرض الجنة (^٢)، وكذا قال أبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي وأبو صالح والربيع بن أنس والثوري (^٣).\nوقال أبو الدرداء: نحن الصالحون (^٤).\nوقال السدي: هم المؤمنون.\n\n<span id=\"aya-2589\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾ أي: إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد ﷺ لبلاغًا: لمنفعةً وكفايةً لقوم عابدين، وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان، وشهوات أنفسهم.\n\n<span id=\"aya-2590\"></span>وقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ يخبر تعالى أن الله جعل محمدًا ﷺ رحمة للعالمين؛ أي أرسله رحمةً لهم كلهم فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردَّها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم] وقال تعالى في صفة القرآن: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا مروان الفزاري، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله ادع على المشركين. قال: \"إني لم أبعث لعّانًا، وإنما بعثت رحمة\" انفرد بإخراجه مسلم (^٥).\nوفي الحديث الآخر: \"إنما أنا رحمة مهداة\" رواه عبد الله بن أبي عرابة وغيره، عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعًا. قال إبراهيم الحربي: وقد رواه غيره عن وكيع، فلم يذكر أبا هريرة (^٦). وكذا قال البخاري وقد سئل عن هذا الحديث، فقال: كان عند حفص بن غياث مرسلًا.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق أبي يحيى القتات عن مجاهد به، وفي سنده أبي يحيى: لين الحديث (التقريب ص ٦٨٦)، ويشهد له الآثار التالية.\n(^٣) قول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٤) أخرجه البخاري من طريق ميسرة مولى فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء (التاريخ الكبير ٧/ ٣٧٥ - ٣٧٦) هكذا ذكر معلقًا.\n(^٥) صحيح مسلم، البر والصلة، باب النهي عن لعن الدواب (ح ٢٥٩٩).\n(^٦) أخرجه أبو الحسن السكري من طريق عبد الله بن أبي عرابة به، في الفوائد المنتقاة كما ذكر الألباني وصححه (السلسلة الصحيحة ح ٤٩٠)، وأخرجه البيهقي من طريق وكيع به بدون ذكر أبي هريرة (دلائل النبوة ١/ ١٥٧)، ونسبه الهيثمي إلى البزار وقال: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨/ ٢٥٧)، وصححه السيوطي في الجامع الصغير ١/ ٣٤٨.","vol":"5","page":374},{"text":"قال الحافظ ابن عساكر: وقد رواه مالك بن سُعير بن [الخِمس] (^١)، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا، ثم ساقه من طريق أبي بكر بن المقرئ وأبي أحمد الحاكم، كلاهما عن بكر بن محمد بن إبراهيم الصوفي، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أُسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما أنا رحمة مهداة\" (^٢). ثم أورده من طريق الصلت بن مسعود، عن سفيان بن عيينة، عن مسعر، عن سعيد بن خالد، عن رجل، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم وخفض آخرين\" (^٣).\nقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن نافع الطحان، حدثنا أحمد بن صالح قال: وجدت كتابًا بالمدينة عن عبد العزيز الدراوردي وإبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عمرو بن عوف، عن محمد بن صالح التمار، [عن ابن شهاب] (^٤)، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قال أبو جهل حين قدم مكة منصرفه عن حمزة: يا معشر قريش إن محمدًا نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئًا، فاحذروا أن تمروا طريقه أو تقاربوه، فإنه كالأسد الضاري، إنه حنق عليكم لأنكم نفيتموه نفي القردان عن المناسم (^٥)، واللهِ إن له لسحرة ما رأيته قط ولا أحدًا من أصحابه إلا رأيت معهم الشياطين، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قيلة - يعني: الأوس والخزرج -، فهو عدو استعان بعدو، فقال له مطعم بن عدي: يا أبا الحكم والله ما رأيت أحدًا أصدق لسانًا، ولا أصدق موعدًا من أخيكم الذي طردتم، وإذ فعلتم الذي فعلتم، فكونوا أكفَّ الناس عنه، قال [أبو سفيان] (^٦) بن الحارث: كونوا أشد ما كنتم عليه إن ابني قيلة إن ظفروا بكم لم يرقبوا فيكم إلّا ولا ذمة، وإن أطعتموني ألجأتموهم حير كنانة أو تخرجوا محمدًا من بين ظهرانيهم، فيكون وحيدًا مطرودًا، وأما [ابنا قيلة فوالله ما هما وأهل دهلك (^٧)] (^٨) في المذلة إلا سواء وسأكفيكم حدهم، وقال:\nسأمنح جانبًا مني غليظًا … على ما كان من قرب وبعد\nرجال الخزرجية أهل ذل … إذا ما كان هزل بعد جد\nفبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: \"والذي نفسي بيده، لأقتلنهم ولأصلبنهم ولأهدينهم وهم كارهون، إني رحمة بعثني الله ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي،\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"الحميص\".\n(^٢) أخرجه البيهقي من طريق مالك بن سُعير الخِمس به (دلائل النبوة ١/ ١٥٨)، وأخرجه الحاكم من الطريق نفسه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٥).\n(^٣) تاريخ دمشق ٥٧/ ٣٤١، وهذا الحديث الأخير ضعيف لجهالة الراوي عن ابن عمر ﵄.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٥) القردان واحدة قُراد، وهو: دويبة تعض الإبل والمناسم جمع منسم، وهو: طرف خفِّ البعير.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٧) دهلك: هي جزيرة جنوب البحر الأحمر، تقع بين اليمن والحبشة.\n(^٨) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض، ثم: \"وأهل وأهل لك\".","vol":"5","page":375},{"text":"وأنا العاقب\" وقال أحمد بن صالح: أرجو أن يكون الحديث صحيحًا (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثني عمرو بن قيس، عن عمرو بن أبي قرة الكندي قال: كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ، فجاء حذيفة إلى سلمان، فقال سلمان: يا حذيفة إن رسول الله ﷺ كان يغضب فيقول ويرضى فيقول، لقد علمت أن رسول الله ﷺ خطب فقال: \"أيما رجل من أُمتي سببته سبة في غضبي أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما تغضبون، إنما بعثني الله رحمة للعالمين فأجعلها صلاة عليه يوم القيامة\" (^٢).\nورواه أبو داود، عن أحمد بن يونس، عن زائدة (^٣).\nفإن قيل: فأي رحمة حصلت لمن كفر به؟ فالجواب ما رواه أبو جعفر بن جرير: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا إسحاق الأزرق، عن المسعودي، عن رجل يقال له: سعيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ قال: من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف (^٤)، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث المسعودي عن أبي سعد وهو سعيد بن المرزبان البقال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس … فذكره بنحوه (^٥)، والله أعلم، وقد رواه أبو القاسم الطبراني عن عبدان بن أحمد، عن عيسى بن يونس الرملي، عن أيوب بن سويد، عن المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ قال: من تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يتبعه عوفي مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف (^٦).\n\n<span id=\"aya-2591\"></span>﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله صلواته وسلامه عليه أن يقول للمشركين: ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ١٢٣ ح ١٥٣٢)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني من طريق أحمد بن صالح وجادة، ورجاله ثقات.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده صحيح إن صحَّ سماع عمرو بن أبي قرة من سلمان (المسند ٣٩/ ١١٠ ح ٢٣٧٠٦).\n(^٣) سنن أبي داود، السنة، باب النهي عن سب أصحاب رسول الله ﷺ (ح ٤٦٥٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٨٩٤).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سعيد، وهو ابن المرزبان البقال، وقد توبع كما سيأتي فيرتقي إلى الحسن لغيره.\n(^٥) سنده كسابقه.\n(^٦) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ٢٣ ح ١٢٣٥٨)، وأخرجه الضياء المقدسي من طريق المسعودي عن أبي سنان، وهو ضرار بن مرة، عن سعيد بن جبير به (المختارة ١٠/ ٣٩٧)، وسنده حسن.","vol":"5","page":376},{"text":"إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: متبعون علي ذلك مستسلمون منقادون له\n\n<span id=\"aya-2592\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تركوا ما دعوتهم إليه ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمتكم أني حرب لكم كما أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنتم برآء مني، كقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس]، وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أي: ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء، وهكذا ههنا ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمتكم ببراءتي منكم وبراءتكم مني لعلمي بذلك.\nوقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده\n\n<span id=\"aya-2593\"></span>﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾ أي: إن الله يعلم الغيب جميعه ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما العباد عاملون في أجهارهم وأسرارهم، وسيجزيهم على ذلك القليل والجليل.\n\n<span id=\"aya-2594\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾ أي: وما أدري لعل هذا فتنة لكم ومتاع إلى حين.\nقال ابن جرير: لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم ومتاع إلى أجل مسمى (^١)، وحكاه عون، عن ابن عباس، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2595\"></span>﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق.\nقال قتادة: كانت الأنبياء ﵈ يقولون: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] وأمر رسول الله ﷺ أن يقول ذلك (^٢).\nوعن مالك، عن زيد بن أسلم: كان رسول الله ﷺ إذا شهد قتالًا قال: \" ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (^٣) \".\nوقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: على ما يقولون ويفترون من الكذب، ويتنوعون في مقامات التكذيب والإفك، والله المستعان عليكم في ذلك.\nوالحمد لله وحده.\n_________\n(^١) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) سنده معضل.","vol":"5","page":377},{"text":"<span data-type='title' id=toc-134>سُورَةُ الحَجِ</span>\n[وهي مكية] (^١)\n\n<span id=\"aya-2596\"></span>\n\n<span id=\"aya-2597\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده بتقواه ومخبرًا لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزلازلها وأحوالها، وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة: هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة، أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم؟ كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة]، وقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾ [الحاقة]، وقال تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ [الواقعة].\nفقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا وأول أحوال الساعة.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة .. في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ قال: قبل الساعة (^٢)، ورواه ابن أبي حاتم من حديث الثوري، عن منصور والأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة فذكره (^٣)، قال: وروي عن الشعبي وإبراهيم وعبيد بن عمير نحو ذلك. وقال أبو كُدينة، عن عطاء عن عامر الشعبي ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة (^٤).\nوقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور من رواية إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر\" قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال: \"قرن\". قال: فكيف هو؟ قال:\n_________\n(^١) زيادة من (حم).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) سنده كسابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق محمد بن الصلت عن أبي كُدينة به، ويشهد له سابقه.","vol":"5","page":378},{"text":"\"قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى؛ فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ [ص] فيُسيِّر الله الجبال فتكون سرابًا، وترجّ الأرض بأهلها رجًا، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ [النازعات] فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر تضربها الأمواج تكفؤها بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع وتضع الحوامل، ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب في وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضًا، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [غافر] فبينما هم على ذلك إذ انصدعت الأرض من قطر إلى قطر، ورأوا أمرًا عظيمًا، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به. ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها ثم كشطت عنهم، قال رسول الله ﷺ: \"والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك\".\nقال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] قال: \"أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله شرَّ ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ \" (^١).\nوهذا الحديث قد رواه الطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم وغير واحد مطولًا جدًا (^٢)، والغرض منه أنه دلَّ على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة، ونحو ذلك، والله أعلم.\nوقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال وبِلبال كائن يوم القيامة في العرصات بعد القيام من القبور. واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث:\n(الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن هشام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ قال وهو في بعض أسفاره، وقد تفاوت بين أصحابه السير رفع بهاتين الآيتين صوته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن محمد بن كعب، وقال فيه الطبري: في إسناده نظر.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.","vol":"5","page":379},{"text":"وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ فلما سمع أصحابه بذلك حثوا المطي (^١)، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما تأشبوا (^٢) حوله قال: \"أتدرون أي يوم ذاك؟ ذاك يوم ينادي آدم ﵇ فيناديه ربه ﷿، فيقول: يا آدم ابعث بعثك إلى النار، فيقول: يا رب وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة\" قال: فأبلس أصحابه حتى ما أوضحوا بضاحكة (^٣)، فلما رأى ذلك قال: \"أبشروا واعملوا، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس\" قال: فسُّري عنهم، ثم قال: \" [اعملوا وأبشروا] (^٤)، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو الرقمة في ذراع الدابة\" (^٥).\nوهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما عن محمد بن بشار، عن يحيى - وهو: القطان -، عن هشام - وهو: الدستوائي -، عن قتادة، به بنحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٦).\n(طريق آخر): لهذا الحديث: قال الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا ابن جدعان، عن الحسن، عن عمران بن حصين: أن النبي ﷺ قال لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ قال: نزلت عليه هذه الآية وهو في سفر، فقال: \"أتدرون أي يوم ذلك؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة\" فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله ﷺ: \"قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، قال: فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمّت، وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة (^٧) في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير\" ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة\"، فكبروا ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة\"، فكبروا ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة\"، فكبروا، ثم قال: ولا أدري قال: الثلثين أم لا؟ (^٨).\nوكذا رواه الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة به (^٩). ثم قال الترمذي أيضًا: هذا حديث حسن صحيح. [وقد روي من غير وجه عن الحسن عن عمران بن حصين] (^١٠).\nوقد رواه ابن أبي حاتم من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن والعلاء بن\n_________\n(^١) أي: الدواب.\n(^٢) أي: تدانوا وتضامُّوا.\n(^٣) بضاحكة واحدة الضواحك وهي أربعة، وسُميت ضواحك لأنها تظهر عند الضحك.\n(^٤) كذا في (حم) والمسند، وفي الأصل: \"أبشروا واعلموا\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٣٣/ ١٣٤، ١٣٥ ح ١٩٩٠١).\n(^٦) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة الحج (ح ٣١٦٩)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب سورة الحج (ح ١١٣٤٠).\n(^٧) الرقمة: الهنَة الناتئة في ذراع الدابة من داخل (النهاية ٢/ ٢٥٤).\n(^٨) المصدر السابق (ح ٣١٦٨).\n(^٩) المسند ٤/ ٤٣٢.\n(^١٠) كذا في (حم)، وفي الأصل: \"وقد روي عن عروبة عن الحسن عن عمران بن الحصين\".","vol":"5","page":380},{"text":"زياد العدوي، عن عمران بن الحصين .. فذكره، وهكذا روى ابن جرير، عن بندار، عن غندر، عن عوف، عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله ﷺ لما قفلَ من غزوة العسرة ومعه أصحابه بعدما شارف المدينة قرأ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١). . .﴾ (^١) وذكر الحديث، فذكر نحو سياق ابن جدعان، والله أعلم.\n(الحديث الثاني): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن الطباع، حدثنا أبو سفيان المعمري، عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: نزلت ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ وذكر؛ يعني: نحو سياق الحسن، عن عمران غير أنه قال: ومن هلك من كثرة الجن والإنس. ورواه ابن جرير بطوله من حديث معمر (^٢).\n(الحديث الثالث): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سلمان، حدثنا عباد - يعني: ابن العوام -، حدثنا هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية … فذكر نحوه، وقال فيه: \"إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة\"، ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة\"، ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة\" ففرحوا، وزاد أيضًا: \"وإنما أنتم جزء من ألف جزء\" (^٣).\n(الحديث الرابع): قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد قال: قال النبي ﷺ: \"يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف - أراه قال -: تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذٍ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فشقَّ ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم\". قال النبي ﷺ: \"من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا ثم قال: \"ثلث أهل الجنة\"، فكبّرنا ثم قال: \"شطر أهل الجنة\" فكبرنا (^٤)، وقد رواه البخاري أيضًا في غير هذا الموضع، ومسلم والنسائي في تفسيره من طرق عن الأعمش به (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويتقوى بسابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق معمر به، وكذلك الحاكم من هذا الطريق وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢٩).\n(^٣) في سنده هلال بن خباب: صدوق تغير بأخرة (التقريب ص ٥٧٥)، ويتقوى برواية عمران بن الحصين ﵁ السابقة، وبرواية أبي سعيد الخدري اللاحقة، وأخرجه البزار من طريق هلال به (كشف الأستار ح ٣٤٩٧)، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير هلال بن خباب، وهو ثقة (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٩٤).\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ (ح ٤٧٤١).\n(^٥) صحيح البخاري، الرقاق، باب قوله ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] (ح ٦٥٣٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب قوله: \"يقول الله: يا آدم أخرج بعث النار. . .\" (ح ٣٧٩)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] (ح ١١٣٣٩).","vol":"5","page":381},{"text":"(الحديث الخامس): قال الإمام أحمد: حدثنا عمارة بن محمد ابن أخت سفيان الثوري وعبيدة المعنى، كلاهما عن إبراهيم بن مسلم، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي: يا آدم إن الله يأمرك أن تبعث بعثًا من ذريتك إلى النار، فيقول آدم: يا ربِّ من هم؟ فيقال له: من كل مائة تسعة وتسعون\" فقال رجل من القوم: من هذا الناجي منا بعد هذا يا رسول الله؟ قال: \"هل تدرون ما أنتم في الناس إلا كالشامة في صدر البعير\" (^١). انفرد بهذا السند وهذا السياق الإمام أحمد.\n(الحديث السادس): قال الإمام [أحمد] (^٢): حدثنا يحيى، عن حاتم بن أبي صَغيرة، حدثنا ابن أبي مليكة: أن القاسم بن محمد أخبره، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: \"إنكم تحشرون إلى الله يوم القيامة حفاة عراة غرلًا\" قالت عائشة: يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض، قال: \"يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك\" (^٣). أخرجاه في الصحيحين (^٤).\n(الحديث السابع): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، هل يذكر الحبيب حبيبه، يوم القيامة؟ قال: \"يا عائشة أما عند ثلاث فلا؛ أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب إما يعطى بيمينه وإما يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار فينطوي عليهم ويتغيظ عليهم ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة؛ وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بمن ادعى مع الله إلهًا آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد قال: فينطوي عليهم، ويرميهم في غمرات جهنم، ولجهنم جسر أرق من الشعر وأحد من السيف، عليه كلاليب (^٥) وحَسَك (^٦) يأخذن من شاء الله، والناس عليه كالبرق وكالطرف (^٧) وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: ربِّ سَلِّم، سلِّم؛ فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكور في النار على وجهه\" (^٨).\nوالأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار كثيرة جدًا لها موضع آخر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ أي: أمر عظيم، وخطب جليل، وطارق مفظع، وحادث هائل، وكائن عجيب، والزلزال هو ما يحصل للنفوس من الرعب والفزع، كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب].\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مقطعًا إلى حديثين، وقال محققوه: صحيح لغيره (المسند ٦/ ١٩٩ - ٢٠١ ح ٣٦٧٧، ٣٦٧٨).\n(^٢) كذا في (حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وفي آخره: \"ذلك\"، وصحح سنده محققوه (المسند ٤٠/ ٣٠٩ ح ٢٤٢٦٥).\n(^٤) صحيح البخاري، الرقاق، باب الحشر (ح ٦٥٢٧)، وصحيح مسلم، الجنة، باب فناء الدنيا … (ح ٢٨٥٩).\n(^٥) جمع كلّاب، وهي: حديدة معوجة الرأس.\n(^٦) جمع حسكة، وهي: شوكة صلبة.\n(^٧) أي: كطرف العين.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ٤١/ ٣٠٢، ٣٠٣ ح ٢٤٧٩٣).","vol":"5","page":382},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ هذا من باب ضمير الشأن، ولهذا قال مفسرًا له: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ أي: فتشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها، والتي هي أشفق الناس عليه تدهش عنه في حال إرضاعها له، ولهذا قال: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ ولم يقل: مرضع، وقال: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ أي: عن رضيعها قبل فطامه.\nوقوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ أي: قبل تمامه لشدة الهول ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ وقرئ سكرى (^١) أي: من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه قد دهشت عقولهم، وغابت أذهانهم، فمن رآهم حسب أنهم سكارى ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-2598\"></span>﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾.\nيقول تعالى ذامًا لمن كذب بالبعث وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى، معرضًا عما أنزل الله على أنبيائه متبعًا في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان مريد من الإنس والجن، وهذا حال أهل البدع والضلال المعرضين عن الحق المتبعين للباطل يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رؤوس الضلالة الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء، ولهذا قال في شأنهم وأشباههم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: علم صحيح.\n﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾\n\n<span id=\"aya-2599\"></span>﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قال مجاهد: يعني: الشيطان (^٢)؛ يعني: كتب عليه كتابة قدرية ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ أي: اتبعه وقلده ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: يضله في الدنيا، ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، وهو الحار المؤلم المقلق المزعج.\nوقد قال السدي، عن أبي مالك: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث (^٣)، وكذلك قال ابن جريج.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن مسلم البصري، حدثنا عمر بن المحرم أبو قتادة، حدثنا [المعتمر] (^٤)، حدثنا أبو كعب المكي قال: قال خبيث من خبثاء قريش أخبرنا عن ربكم من ذهب هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو؟ فقعقعت السماء قعقعة - والقعقعة في كلام العرب: الرعد - فإذا قحف رأسه ساقط بين يديه (^٥).\nوقال ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد: جاء يهودي فقال: يا محمد أخبرني عن ربك من أي شيء هو، من درٍّ أم من ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته (^٦).\n_________\n(^١) وهي قراءة متواترة.\n(^٢) أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم وسنده مرسل.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم) وترجمته، وفي الأصل صُحف إلى: \"العمر\".\n(^٥) سنده مرسل.\n(^٦) سنده مرسل.","vol":"5","page":383},{"text":"<span id=\"aya-2600\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾.\nلما ذكر تعالى المخالف للبعث المنكر للمعاد، ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد بما يشاهد من بدئه للخلق فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أي: في شك ﴿مِنَ الْبَعْثِ﴾ وهو: المعاد، وقيام الأرواح والأجساد، يوم القيامة ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ أي: أصل [برئه] (^١) لكم من تراب، وهو الذي خلق منه آدم ﵇ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ وذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة مكثت أربعين يومًا كذلك يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث كذلك أربعين يومًا، ثم تستحيل فتصير مضغة قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في التشكيل والتخطيط فيصور منها رأس ويدان وصدر وبطن وفخذان ورجلان وسائر الأعضاء، فتارة تسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أي: كما تشاهدونها.\n﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال: هو السقط مخلوق وغير مخلوق، فإذا مضى عليها أربعون يومًا وهي مضغة، أرسل الله تعالى ملكًا إليها فنفخ فيها الروح وسواها كما يشاء الله ﷿ من حُسن وقُبح، وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد.\nكما ثبت في الصحيحين من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: \"إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وعمله وأجله، وشقي أو سعيد، ثم يُنفخ فيه الروح\" (^٢).\nوروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله قال: النطفة إذا استقرت في الرحم، أخذها ملك بكفه فقال: يا ربِّ مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دمًا، وإن قيل: مخلقة، قال: أي ربِّ ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، ما الأجل وما الأثر، وبأي أرض يموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فيقال له: اذهب إلى أمِّ الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل رزقها وتطأ أثرها، حتى إذا جاء\n_________\n(^١) كذا في (حم)، وفي الأصل و(ح): \"تربه\".\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٣٤.","vol":"5","page":384},{"text":"أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان، ثم تلا عامر الشعبي: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة، وإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دمًا، وإن كانت مخلقة نكست في الخلق (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي ﷺ قال: \"يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين يومًا أو خمس وأربعين، فيقول: أي: رب أشقي أم سعيد؟ فيقول الله ويكتبان، فيقول: أذكر أم أنثى؟ فيقول الله ويكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه وأجله، ثم تطوى الصحف فلا يزاد على ما فيها ولا ينتقص\" (^٢). ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة ومن طرق أُخر عن أبي الطفيل بنحو معناه (^٣).\nوقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: ضعيفًا في بدنه وسمعه وبصره وبطشه وعقله، ثم يعطيه الله القوة شيئًا فشيئًا، ويلطف به ويحنن عليه والديه في آناء الليل وأطراف النهار، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي: يتكامل القوى ويتزايد، ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المظهر، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ أي: في حال شبابه وقواه، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ وهو الشيخوخة والهرم وضعف القوة والعقل والفهم وتناقص الأحوال من الخرف وضعف الفكر، ولهذا قال: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ [الروم].\nوقد قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا خالد الزيات، حدثني داود أبو سليمان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم الأنصاري، عن أنس بن مالك، رفع الحديث قال: \"المولود حتى يبلغ الحنث ما عمل من حسنة كتبت لوالده أو لوالدته، وما عمل من سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه، فإذا بلغ الحنث أجرى الله عليه القلم أمر الملكان اللّذان معه أن يحفظا وأن يشددا، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام أمَّنه الله من البلايا الثلاث: الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين خفف الله حسابه، فإذا بلغ الستين رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كتب الله حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه في أهل بيته، وكتب أمين الله وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئًا كتب الله له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، فإذا عمل سيئة لم تكتب عليه\" (^٤).\nهذا حديث غريب جدًا، وفيه نكارة شديدة، ومع هذا قد رواه الإمام أحمد بن حنبل في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي معاوية عن داود به.\n(^٢) سنده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، القدر، باب كيفية خلق الآدمي (ح ٢٦٤٤).\n(^٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٥٢ ح ٣٦٧٨)، وضعفه الحافظ ابن كثير.","vol":"5","page":385},{"text":"مسنده موقوفًا ومرفوعًا، فقال: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا محمد بن عامر، عن محمد بن عبد الله العاملي (^١)، عن عمرو بن جعفر، عن أنس قال: \"إذا بلغ الرجل المسلم أربعين سنة، أمنه الله من أنواع البلايا: من الجنون، والبرص، والجذام، فإذا بلغ الخمسين لين الله حسابه، وإذا بلغ الستين رزقه الله إنابة يحبه الله عليها، وإذا بلغ السبعين أحبه الله وأحبه أهل السماء، وإذا بلغ الثمانين تقبل الله حسناته ومحا عنه سيئاته وإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وسمي أسير الله في أرضه وشفع في أهله\" ثم قال: حدثنا [هاشم، حدثنا الفرج، حدثني محمد بن عبد الله العامري] (^٢)، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ، مثله (^٣).\nرواه الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أنس بن عياض، حدثني يوسف بن أبي ذرة الأنصاري، عن جعفر بن عمرو بن أُمية الضمري، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون، والبرص، والجذام. . .\" (^٤)، وذكر تمام الحديث كما تقدم سواء، رواه الحافظ أبو بكر البزار، عن عبد الله بن شبيب، عن أبي شيبة، عن عبد الله بن عبد الملك، عن أبي قتادة العدوي، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من عبد يعمر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه أنواعًا من البلاء: الجنون، والجذام والبرص، فإذا بلغ خمسين سنة ليَّن الله له الحساب، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ سبعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين تقبل الله منه حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله في أرضه وشُفّع في أهل بيته\" (^٥).\nوقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى كما يحيي الأرض الميتة الهامدة، وهي المقحلة التي لا ينبت فيها شيء.\nوقال قتادة: غبراء متهشمة (^٦).\nوقال السدي: ميتة، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: فإذا أنزل الله عليها المطر، ﴿اهْتَزَّتْ﴾؛ أي تحركت بالنبات، وحييت بعد موتها، ﴿وَرَبَتْ﴾؛ أي ارتفعت لما سكن فيها الثرى، ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفنون من ثمار وزروع وأشتات\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية، وفي المسند في الرواية التي تليها: \"العامري\".\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"هشام، ثنا الروح\".\n(^٣) المسند ٢/ ٨٩، وضعفه الحافظ ابن كثير في سابقه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده ضعيف جدًا (المسند ٢١/ ١٢ ح ١٣٢٧٩)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٧٩).\n(^٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٣٥٨٨)، وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن شبيب (لسان الميزان ٣/ ٢٩٩). وأبو شيبة متروك كما في التقريب.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى عبد الرزاق والطبري وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة، ولم أجده في تفسيري عبد الرزاق والطبري.","vol":"5","page":386},{"text":"النبات في اختلاف ألوانها وطعومه وروائحها وأشكالها ومنافعها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: حسن المنظر طيب الريح.\n\n<span id=\"aya-2601\"></span>وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الخالق المدبر الفعال لما يشاء ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي: كما أحيا الأرض الميتة وأنبت منها هذه الأنواع ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس].\n\n<span id=\"aya-2602\"></span>﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ أي: كائنة لا شك فيها ولا مرية، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي: يعيدهم بعدما صاروا في قبورهم رممًا ويوجدهم بعد العدم، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ [يس]، والآيات في هذه كثيرة.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا حماد بن سلمة قال: أنبأنا يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن عمه أبي رزين العقيلي، واسمه: لَقيط بن عامر: أنه قال: يا رسول الله أكلُّنا يرى ربه ﷿ يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أليس كلكم ينظر إلى القمر مخليًا به؟ \" قلنا: بلى، قال: \"فالله أعظم\" قال: قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: \"أما مررت بوادي أهلك محلًا؟ \" قال: بلى. قال: \"ثم مررت به يهتز خضرًا؟ \" قال: بلى. قال: \"فكذلك يحيي الله الموتى وذلك آيته في خلقه\" (^١). ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث حماد بن سلمة به (^٢).\nثم رواه الإمام أحمد أيضًا: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سليمان بن موسى، عن أبي رزين العقيلي قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال: \"أمررت بأرض من أرض قومك مجدبة، ثم مررت بها مخصبة؟ \" قال: نعم. قال: \"كذلك النشور\" (^٣)، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا [عبيس بن مرحوم، حدثنا بكير بن أبي السمط] (^٤)، عن قتادة، عن أبي الحجاج، عن معاذ بن جبل قال: من علم أن الله هو الحق المبين، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، دخل الجنة (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حديث حسن لغيره (المسند ٢٦/ ١٠٠ ح ١٦١٨٢)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٥٠).\n(^٢) سنن أبي داود، السنة، باب في الرؤيا (ح ٤٧٣١)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح ١٨٠).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مطولًا، وقال محققوه: حديث حسن لغيره (المسند ٢٦/ ١١٣ - ١١٥ ح ١٦١٩٤).\n(^٤) كذا في الجرح والتعديل (٧/ ٣٤) إذ قال ابن أبي حاتم: روى عن بكير بن أبي السمط .. روى عنه أبي وسئل عنه فقال: ثقة، وفي الأصل: \"عنبس بن مرحوم عن بكير بن السميط\".\n(^٥) في سنده أبو الحجاج، ولم يصرح قتادة باسمه، وهو مدلس من مدلسي المرتبة الثالثة.","vol":"5","page":387},{"text":"<span id=\"aya-2603\"></span>﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾.\nلمّا ذكر تعالى حال الضلّال الجهّال المقلدين في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ [الحج] ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر والبدع فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ أي: بلا عقل صحيح، ولا نقل صحيح صريح؛ بل بمجرد الرأي والهوى.\n\n<span id=\"aya-2604\"></span>وقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ قال ابن عباس وغيره: مستكبر عن الحق إذا دعي إليه (^١).\nوقال مجاهد وقتادة ومالك، عن زيد بن أسلم: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي: لاوي عنقه وهي رقبته (^٢)؛ يعني: يعرض عما يدعى إليه من الحق، ويثني رقبته استكبارًا، كقوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩)﴾ [الذاريات]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾ [المنافقون]، وقال لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨] أي: تميله عنهم استكبارًا عليهم، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان].\nوقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال بعضهم: هذه لام العاقبة؛ لأنه قد لا يقصد ذلك، ويحتمل أن تكون لام التعليل؛ ثم إما أن يكون المراد بها المعاندين أو يكون المراد بها أن هذا الفاعل لهذا إنما جبلناه على هذا الخلق الدنيء لنجعله ممن يضل عن سبيل الله، ثم قال تعالى: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ وهو الإهانة والذل، كما أنه لما استكبر عن آيات الله لقاه الله المذلة في الدنيا وعاقبه فيها قبل الآخرة؛ لأنها أكبر همه ومبلغ علمه ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾\n\n<span id=\"aya-2605\"></span>﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: يقال له هذا تقريعًا وتوبيخًا ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾ [الدخان].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام، عن الحسن قال: بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة (^٣).\n\n<span id=\"aya-2606\"></span>﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾.\nقال مجاهد وقتادة وغيرهما: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ على شك، وقال غيرهم: على طرف، ومنه حرف\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحو، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^٣) سنده مرسل.","vol":"5","page":388},{"text":"الجبل؛ أي طرفه؛ أي: دخل في الدين على طرف، فإن وجد ما يحبه استقر وإلا انشمر (^١).\nوقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي ﷺ فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله على نبيه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: كان أحدهم إذا قدم المدينة وهي أرض وبيئة، فإن صحَّ بها جسمه، ونتجت فرسه مهرًا حسنًا، وولدت امرأته غلامًا رضي به، واطمأن إليه، وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيرًا، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ والفتنة: البلاء؛ أي وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شرًا، وذلك الفتنة (^٤). وهكذا ذكر قتادة والضحاك وابن جريج وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية (^٥). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو المنافق إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر (^٦).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي: ارتد كافرًا (^٧).\nوقوله: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ أي: فلا هو حصل من الدنيا على شيء، وأما الآخرة فقد كفر بالله العظيم، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي: هذه هي الخسارة العظيمة والصفقة الخاسرة.\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] (ح ٤٧٤٢).\n(^٣) في سنده جعفر بن أبي المغيرة فيه مقال، ويتقوى شطره الأول برواية الصحيح المتقدمة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى برواية الصحيح المتقدمة.\n(^٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، لكنه مرسل ويتقوى بسابقه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه لكنه معضل ويتقوى بما سبق، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف معضل.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٧) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"5","page":389},{"text":"<span id=\"aya-2607\"></span>وقوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ أي: من الأصنام والأنداد، يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها، وهي لا تنفعه ولا تضره ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾.\n\n<span id=\"aya-2608\"></span>وقوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ أي: ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن.\nوقوله: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ قال مجاهد: يعني: الوثن (^١)؛ يعني: بئس هذا الذي دعاه من دون الله مولى؛ يعني: وليًا وناصرًا، ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ وهو المخالط والمعاشر، واختار ابن جرير أن المراد لبئس ابن العم والصاحب ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ وقول مجاهد: إن المراد به الوثن، أولى وأقرب إلى سياق الكلام، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2609\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾.\nلما ذكر أهل الضلالة الأشقياء عطف بذكر الأبرار السعداء من الذين آمنوا بقلوبهم وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، فعملوا الصالحات من جميع أنواع القربات، وتركوا المنكرات، فأورثهم ذلك سكنى الدرجات العاليات في روضان الجنات، ولما [ذكر] (^٢) تعالى أنه أضلَّ أولئك وهدى هؤلاء قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.\n\n<span id=\"aya-2610\"></span>﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾.\nقال ابن عباس: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدًا ﷺ في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب؟ أي بحبل ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: سماء بيته ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ يقول: ثم ليختنق به (^٣)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وأبو الجوزاء وقتادة وغيرهم (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: ليتوصل إلى بلوغ السماء، فإن النصر إنما يأتي محمدًا من السماء ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ذلك عنه إن قدر على ذلك (^٥).\nوقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى وأبلغ في التهكم، فإن المعنى: من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدًا وكتابه ودينه، فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه، فإن الله\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: \"وتر\".\n(^٣) أخرجه البستي والطبري والحاكم كلهم من طريق سفيان عن أبي إسحاق السبيعي عن التيمي، وهو أربدة، عن ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الطبري (المستدرك ٢/ ٣٨٦).\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٥) نسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.","vol":"5","page":390},{"text":"ناصره لا محالة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر]، ولهذا قال: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.\nقال السدي: يعني: من شأن محمد ﷺ.\nوقال عطاء الخراساني فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ.\n\n<span id=\"aya-2611\"></span>وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: القرآن ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: واضحات في لفظها ومعناها، حجة من الله على الناس، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ أي: يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وله الحكمة التامة والحجة القاطعة في ذلك ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء] أما هو فلحكمته ورحمته وعدله وعلمه وقهره وعظمته لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.\n\n<span id=\"aya-2612\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾.\nيخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين ومن سواهم من اليهود والصابئين، وقد قدمنا في سورة البقرة التعريف بهم واختلاف الناس فيهم، والنصارى والمجوس والذين أشركوا فعبدوا غير الله معه، فإنه تعالى: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ويحكم بينهم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة، ومن كفر به النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم وما تكنّ ضمائرهم.\n\n<span id=\"aya-2613\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾.\nيخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعًا وكرهًا، وسجود كل شيء مما يختص به، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)﴾ [النحل] وقال ههنا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: من الملائكة في أقطار السماوات، والحيوانات في جميع الجهات من الإنس والجن والدواب والطير ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ إنما ذكر هذه على التنصيص؛ لأنها قد عُبدت من دون الله فبين أنها تسجد لخالقها وأنها مربوبة مسخرة ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت]، وفي الصحيحين عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث","vol":"5","page":391},{"text":"جئت\" (^١). وفي المسند وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه في حديث الكسوف: \"إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله ﷿ إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له\" (^٢).\nوقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدًا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه (^٣).\nوأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين والشمائل.\nوعن ابن عباس قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللَّهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، قال ابن عباس: فقرأ رسول الله ﷺ سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة. رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه (^٤).\nوقوله: ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ أي: الحيوانات كلها، وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد: أن رسول الله ﷺ، نهى عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، فرُبَّ مركوبة خير وأكثر ذكرًا لله تعالى من راكبها (^٥).\nوقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: يسجد لله طوعًا مختارًا متعبدًّا بذلك ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي: ممن امتنع وأبى واستكبر ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي، حدثنا القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: قيل لعلي: إن ههنا رجلًا يتكلم في المشيئة، فقال له علي: يا عبد الله خلقك الله كما يشاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء. قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث شاء؟ قال: بل حيث يشاء. قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف (^٦).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر (ح ٣١٩٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (ح ١٥٩).\n(^٢) المسند ٤/ ٢٦٧، وسنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة الكسوف (ح ١١٧٧)، وسنن النسائي، الكسوف ٣/ ١٤١، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة الكسوف (ح ١٢٦٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٠٤٤).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف، وهو الأعرابي، عن أبي العالية.\n(^٤) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما يقول في سجود القرآن (ح ٥٧٩)، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب سجود القرآن (ح ١٠٥٢)، والإحسان ٦/ ٤٧٣ ح ٢٧٦٨، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٨٦٥).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد من حديث معاذ بن أنس عن أبيه ﵁ (المسند ٣/ ٤٣٩)، وسنده ضعيف لضعف زبان، وكذلك ابن لهيعة فيه مقال.\n(^٦) سنده ضعيف للانقطاع بين والد جعفر، وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فإنه لم يسمع من علي ﵁.","vol":"5","page":392},{"text":"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيتُ فلي النار\" رواه مسلم (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم وأبو عبد الرحمن المقرئ قالا: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا مشرح بن هاعان، أبو مصعب المعافري، قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: \"نعم، فمن لم يسجد بهما فلا يقرأهما\" (^٢)، ورواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن لهيعة به. وقال الترمذي: ليس بقوي، وفي هذا نظر، فإن ابن لهيعة قد صرح \"فيه\" بالسماع، وأكثر ما نقموا عليه تدليسه (^٣).\nوقد قال أبو داود في المراسيل: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، أنبأنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن [عامر بن جَشيب] (^٤)، عن خالد بن معدان ﵀: أن رسول الله ﷺ قال: \"فُضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين\" ثم قال أبو داود: وقد أسند هذا؛ يعني: من غير هذا الوجه ولا يصح (^٥).\nوقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثني ابن أبي داود، حدثنا يزيد بن عبد الله، حدثنا الوليد، حدثنا أبو عمرو، حدثنا حفص بن عنان، حدثني نافع قال: حدثني أبو الجهم أن عمر سجد سجدتين في الحج وهو بالجابية، وقال: إن هذه فضلت بسجدتين (^٦). وروى أبو داود وابن ماجه من حديث الحارث بن سعيد العتقي، عن عبد الله بن مُنين، عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ، أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان، فهذه شواهد يشدُّ بعضها بعضًا (^٧).\n\n<span id=\"aya-2614\"></span>﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾.\nثبت في الصحيحين من حديث أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي ذرٍّ: أنه كان يقسم\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (ح ٨١).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥١)، وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال ولشطره الأول شواهد كما يليه. وأخرجه الحاكم من طريق ابن لهيعة، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢٢١).\n(^٣) سنن أبي داود، الصلاة، باب تفريع أبواب السجود (ح ١٤٠٢)، وسنن الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في السجدة في الحج (ح ٥٧٨)، وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وتعقبه الأستاذ أحمد شاكر بقوله: بل هو حديث صحيح.\n(^٤) كذا في ترجمته (التقريب ص ٢٨٧)، وفي الأصل صُحف: \"عامر بن حسيب\"، وفي (ح) و(حم): \"عامر بن حبيب\".\n(^٥) المراسيل رقم ٧٨، ويشهد له سابقه.\n(^٦) يشهد له ما سبق عن عقبة بن عامر ﵁.\n(^٧) سنن أبي داود، الصلاة، باب تفريع أبواب السجود (ح ١٤٠١)، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب عدد سجود القرآن (ح ١٠٥٧)، وله شاهد يقويه كسابقه.","vol":"5","page":393},{"text":"قسمًا أن هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت في حمزة وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في بدر، لفظ البخاري عند تفسيرها (^١)، ثم قال البخاري: حدثنا حجاج بن المنهال، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. انفرد به البخاري (^٢).\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم، فأفلج (^٣) الله الإسلام على من ناوأه، وأنزل ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (^٤). وكذا روى العوفي عن ابن عباس (^٥).\nوقال شعبة، عن قتادة في قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: مصدق ومكذب (^٦).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في هذه الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث (^٧).\nوقال في رواية هو وعطاء في هذه الآية: هم المؤمنون والكافرون (^٨).\nوقال عكرمة: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هي الجنة والنار، قالت النار: اجعلني للعقوبة، وقالت الجنة: اجعلني للرحمة (^٩).\nوقول مجاهد وعطاء: إن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون، يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله ﷿، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان وخذلان الحق وظهور الباطل، وهذا اختيار ابن جرير، وهو حسن، ولهذا قال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أي: فُصِّلت لهم مقطعات من النار.\nقال سعيد بن جبير: من نحاس، وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾\n\n<span id=\"aya-2615\"></span>﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ أي: إذا صب على رؤوسهم الحميم وهو الماء الحار في غاية الحرارة. وقال سعيد بن جبير: هو النحاس المذاب (^١٠)، أذاب ما في بطونهم من\n_________\n(^١) صحيح البخاري، المغازي، باب قتل أبي جهل (ح ٣٩٦٦)، وصحيح مسلم، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (ح ٣٠٣٣).\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] (ح ٤٧٤٤).\n(^٣) أي: أظفر والفلج الظفر والفوز.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم وعبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٦) يشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، ويشهد له ما سبق.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف كسابقه.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.","vol":"5","page":394},{"text":"الشحم والأمعاء، قاله ابن عباس (^١) ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم، وكذلك تذوب جلودهم، وقال ابن عباس وسعيد: تساقط (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثني إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن ابن حُجيرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه، وهو [الصَّهُر] (^٣)، ثم يعاد كما كان\" (^٤)، ورواه الترمذي من حديث ابن المبارك وقال: حسن صحيح (^٥)، وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي نعيم، عن ابن المبارك به (^٦). ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت عبد الله بن السري قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بكلبتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه تكرهه، قال: فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه فيفرغ دماغه، ثم يفرغ الإناء من دماغه فيصل إلى جوفه من دماغه، فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ (^٧).\n\n<span id=\"aya-2616\"></span>وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: \"لو أن مقمعًا من حديد وضع في الأرض، فاجتمع له الثقلان ما أقلَّوه (^٨) من الأرض\" (^٩).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت، ثم، عاد كما كان، ولو أن دلوًا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا\" (^١٠).\nوقال ابن عباس في قوله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ قال: يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله فيدعون بالثبور (^١١).\n\n<span id=\"aya-2617\"></span>وقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قال الأعمش، عن أبي ظبيان، عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا\n_________\n(^١) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن سعيد بن جبير، كسابقه.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحفت إلى: \"الضير\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه أيضًا من طريق يعمر بن بشر عن عبد الله بن المبارك به، وفي كليهما أبو السمح وهو دراج بن سمعان القرشي، وهو ضعيف، وأخرجه الحاكم من طريق ابن المبارك به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٨٧).\n(^٥) السنن، صفة جهنم، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار (ح ٢٥٨٢).\n(^٦) سنده ضعيف كسابقه.\n(^٧) سنده ضعيف؛ لأنه معضل.\n(^٨) أي: ما رفعوه.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ١٧/ ٣٣٤ ح ١١٢٣٣).\n(^١٠) المسند ٣/ ٨٣، وسنده كسابقه.\n(^١١) أخرجه الطبري عن سعيد بن جبير، وليس عن ابن عباس، وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، وكذلك عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد عن سعيد بن جبير.","vol":"5","page":395},{"text":"مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (^١).\nوقال زيد بن أسلم في هذه الآية ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قال: بلغني أن أهل النار في النار لا يتنفسون (^٢).\nوقال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها وتردُّهم مقامعها (^٣).\nوقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ كقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] معنى الكلام: أنهم يهانون بالعذاب قولًا وفعلًا\n\n<span id=\"aya-2618\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾.\nلما أخبر تعالى عن حال أهل النار، عياذًا بالله من حالهم وما هم فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال وما أعدَّ لهم من الثياب من النار، ذكر حال أهل الجنة - نسأل الله من فضله وكرمه أن يدخلنا الجنة - فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: تتخرق في أكنافها وأرجائها وجوانبها وتحت أشجارها وقصورها، يصرفونها حيث شاؤوا وأين أرادوا ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ من الحلية ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ أي: في أيديهم، كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: \"تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء\" (^٤).\nوقال كعب الأحبار: إن في الجنة ملكًا لو شئت أن أسميه لسميته، يصوغ لأهل الجنة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة لو أبرز قلب منها - أي: سوار منها - لردَّ شعاع الشمس كما تردَّ الشمس نور القمر (^٥).\nوقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير إستبرقه وسندسه، كما قال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ [الإنسان].\nوفي الصحيح: \"لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\" قال عبد الله بن الزبير: من لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة (^٦)، قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وسنده مرسل، وقد أخرجه الحاكم من طريق الأعمش به عن سلمان، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٨٧).\n(^٢) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وسنده مرسل.\n(^٣) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وسنده معضل.\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الطهارة، باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء ح ٢٥٠).\n(^٥) سنده مرسل.\n(^٦) أخرجهما البخاري بدون ذكر الآية ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] (الصحيح، اللباس، باب لبس الحرير للرجال … ح ٥٨٣٢ و٥٨٣٣).","vol":"5","page":396},{"text":"<span id=\"aya-2619\"></span>وقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾ [إبراهيم].\nوقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد]، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة]، فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، وقوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يوبخون به ويقرعون به، يقال لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي: إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم، كما جاء في الحديث الصحيح: \"إنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النّفس\" (^١).\nوقد قال بعض المفسرين في قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: القرآن.\nوقيل: لا إله إلا الله (^٢). وقيل: الأذكار المشروعة ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي: الطريق المستقيم في الدنيا، وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2620\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على الكفار في صدِّهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام وقضاء مناسكهم فيه ودعواهم أنهم أولياؤه ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وفي هذه الآية دليل على أنها مدنية، كما قال في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: ومن صفتهم أنهم مع كفرهم أنهم يصدون عن سبيل الله ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: ويصدون عن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر، وهذا التركيب في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد] أي: ومن صفتهم أنهم تطمئن قلوبهم بذكر الله.\nوقوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ أي: يمنعون الناس عن الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله الله شرعًا سواء لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ ومن ذلك استواء الناس في رِباع مكة وسكناها، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قال: ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة يونس آية ١٠.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"5","page":397},{"text":"وقال مجاهد: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل (^١)، وكذا قال أبو صالح وعبد الرحمن بن سابط وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٢).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: سواء فيه أهله وغير أهله (^٣).\nوهذه المسألة اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف، وأحمد بن حنبل حاضر أيضًا، فذهب الشافعي ﵀ إلى أن رِباع مكة تُملَّك وتورَّث وتؤجَّر، واحتج بحديث الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله أتنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال: \"وهل ترك لنا عقيل من رِباع؟ \" ثم قال: \"لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر\"، وهذا الحديث مخرَّج في الصحيحين (^٤)، وبما ثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية دارًا بمكة، فجعلها سجنًا، بأربعة آلاف درهم (^٥)، وبه قال طاوس وعمرو بن دينار (^٦)، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنها لا تورث ولا تؤجر، وهو مذهب طائفة من السلف، ونصَّ عليه مجاهد وعطاء، واحتج إسحاق بن راهويه بما رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وما تدعي رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن (^٧).\nوقال عبد الرزاق، عن ابن مجاهد، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها (^٨).\nوقال أيضًا، عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن تبويب دور مكة؛ لأن ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: أنظرني يا أمير المؤمنين إني كنت امرأ تاجرًا، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري، قال: فذلك إذًا (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بمعناه.\n(^٢) قول أبو صالح أخرجه الطبري بسند فيه مجهول عن أبي صالح، ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول عبد الرحمن بن سابط أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عنه، ولكنه مرسل ويتقوى برواية ابن عباس ومجاهد، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه لكنه معضل ويتقوى كسابقه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق عن معمر به، وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، المغازي، باب أين ركز النبي الراية يوم الفتح؟ (ح ٤٢٨٢) وصحيح مسلم، الفرائض (ح ١٦١٤).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار … فذكر القصة (المصنف ٥/ ١٤٧، ١٤٨ رقم ٩٢١٣)، وقد ثبت ذلك كما قرره الحافظ ابن كثير.\n(^٦) تقدم أثر عمرو بن دينار، كما في سابقه.\n(^٧) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، المناسك، باب أجر بيوت مكة ح ٣١٠٧)، وفي سنده علقمة بن نضلة: مقبول، كما في التقريب.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ٥/ ١٤٨ رقم ٩٢١٤) وسنده ضعيف لضعف ابن مجاهد وهو عبد الوهاب.\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ٥/ ١٤٦، ١٤٧ رقم ٩٢١٠) وسنده صحيح.","vol":"5","page":398},{"text":"وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابًا لينزل البادي حيث يشاء، [قال: وأخبرنا معمر عمن سمع عطاء يقول: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قال: ينزلون حيث شاؤوا (^١)، وروى الدارقطني من حديث ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا: \"من أكل كراء بيوت مكة أكل نارًا\" (^٢)] (^٣)، وتوسط الإمام أحمد فقال: تُملَّك وتورَّث ولا تؤجَّر جمعًا بين الأدلة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال بعض المفسرين من أهل العربية: الباء ههنا زائدة، كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي: تنبت الدهن، وكذا قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ تقديره إلحادًا، وكما قال الأعشى:\nضمنت برزق عيالنا أرماحنا … بين المراجل (^٤) والصريح الأجرد (^٥)\nوقال الآخر:\nبواد يمان ينبت الشَّثُّ (^٦) صدره … وأسفله بالمرخ (^٧) [والشبهان] (^٨) (^٩)\nوالأجود أنه ضمّن الفعل ههنا معنى يهم، ولهذا عدّاه بالباء فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ أي: يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار.\nوقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتأول، كما قال ابن جريج، عن ابن عباس هو: التعمد (^١٠).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿بِظُلْمٍ﴾ بشرك (^١١).\nوقال مجاهد: أن يعبد فيه غير الله (^١٢)، وكذا قال قتادة وغير واحد (^١٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿بِظُلْمٍ﴾ هو أن تستحل من الحرم ما حرَّم الله عليك من إساءة أو قتل، فتظلم من لا يظلمك وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم (^١٤)، وقال مجاهد: ﴿بِظُلْمٍ﴾ يعمل فيه عملًا سيئًا (^١٥)، وهذا من خصوصية الحرم أنه\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصدر السابق رقم ٩٢١١)، وسنده ضعيف لأن مجاهدًا لم يسمع من عمر بن الخطاب.\n(^٢) بياض في الأصل، واستدرك من (ح) و(حم) ومصنف عبد الرزاق.\n(^٣) أخرجه الدارقطني من طريق ابن أبي نجيح به (السنن ٢/ ٢٩٩)، وسنده ضعيف لأن ابن أبي نجيح لم يسمع من عبد الله بن عمر ﵄.\n(^٤) المراجل: جمع مرجل، وهو القدر.\n(^٥) ديوان الأعشى ٥٧.\n(^٦) الشّث: شجر طيب الريح مُرّ الطعم.\n(^٧) المرخ: شجر ليس له ورق ولا شوك سريع الاشتعال.\n(^٨) الشبهان: نبات طيب من الرياحين.\n(^٩) كذا في تفسير الطبري فقد استشهد به، وفي الأصل صُحفت إلى: \"شبهات\".\n(^١٠) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^١٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف ويشهد له سابقه.\n(^١٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^١٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^١٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"5","page":399},{"text":"يعاقب البادي فيه الشرَّ إذا كان عازمًا عليه وإن لم يوقعه، كما قال ابن أبي حاتم في تفسيره، حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة، عن السدي أنه سمع مُرَّة يحدث عن عبد الله - يعني: ابن مسعود - في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: لو أن رجلًا أراد فيه بإلحاد بظلم - وهو بعدن أبين، لأذاقه الله من العذاب الأليم (^١)، قال شعبة: هو رفعه لنا وأنا لا أرفعه لكم. قال يزيد: هو قد رفعه (^٢).\nورواه أحمد، عن يزيد بن هارون، به (^٣).\nقلت: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه، ولهذا صمم شعبة على وقفه من كلام ابن مسعود، وكذلك رواه أسباط وسفيان الثوري، عن السدي، عن مُرَّة، عن ابن مسعود موقوفًا، والله أعلم.\nوقال الثوري، عن السدي، عن مُرَّة، عن عبد الله قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلًا بعدن أبين همّ أن يقتل رجلًا بهذا البيت لأذاقه الله من العذاب الأليم (^٤)، وكذا قال الضحاك بن مزاحم (^٥)، وقال سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد: إلحاد فيه لا والله وبلى والله (^٦)، وروي عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مثله (^٧)، وقال سعيد بن جبير: شتم الخادم ظلم فما فوقه (^٨)، وقال سفيان الثوري عن عبد الله بن عطاء، عن ميمون بن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: تجارة الأمير فيه (^٩). وعن ابن عمر: بيع الطعام بمكة إلحاد (^١٠).\nوقال حبيب بن أبي ثابت: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: المحتكِّر بمكة (^١١)، وكذا قال غير واحد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، أنبأنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى، عن عمه عمارة بن ثوبان، حدثني موسى بن باذان، عن يعلى بن أمية: أن رسول الله ﷺ قال: \"احتكار الطعام بمكة إلحاد\" (^١٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قول الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ\n_________\n(^١) سنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق زبيد عن مُرَّة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٨٧).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق يزيد بن هارون به، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون به، وحسّن سنده محققوه (المسند ٧/ ١٥٥ ح ٤٠٧١).\n(^٤) سنده حسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق فضيل عن الضحاك.\n(^٦) سنده صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق منصور عن مجاهد به.\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٩) في سنده عبد الله بن عطاء: صدوق يخطئ ويدلس.\n(^١٠) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أشعث عن حبيب بن أبي ثابت.\n(^١٢) سنده ضعيف؛ لأن موسى بن باذان مجهول (التقريب ص ٥٥٠)، وأخرجه أبو داود عن جعفر بن يحيى به (السنن، المناسك، باب تحريم حرم مكة ح ٢٠٢٠)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٤٤٠).","vol":"5","page":400},{"text":"بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن أُنيس: أن رسول الله ﷺ بعثه مع رجلين: أحدهما مهاجر، والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب فغضب عبد الله بن أُنيس فقتل الأنصاري، ثم ارتدَّ عن الإسلام، وهرب إلى مكة، فنزلت فيه ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (^١)؛ يعني: من لجأ إلى الحرم بإلحاد؛ يعني: بميل عن الإسلام، وهذه الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد، ولكن هو أعمُّ من ذلك بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها، ولهذا لمّا همَّ أصحاب الفيل على تخريب البيت أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل] أي: دمرهم وجعلهم عبرةً ونكالًا لكل من أراده بسوء، ولذلك ثبت في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: \"يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم. . .\" الحديث (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كناسة، حدثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: أتى عبدُ الله بن عمر عبدَ الله بن الزبير فقال: يا ابن الزبير إياكَ والإلحاد في حرم الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنه سيلحد فيه رجل من قريش، لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت\" فانظر لا تكن هو (^٣).\nوقال أيضًا في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص: حدثنا هاشم، حدثنا إسحاق بن سعيد، حدثنا سعيد بن عمرو قال: أتى عبد الله بن عمرو عبدَ الله بن الزبير وهو جالس في الحِجر فقال: يا ابن الزبير، إياك والإلحاد في الحرم، فإني أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يحلُّها ويحلُّ به رجل من قريش، لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها\" قال: فانظر لا تكن هو (^٤)، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذين الوجهين.\n\n<span id=\"aya-2621\"></span>﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾.\nهذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله وأشرك به من قريش في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت؛ أي أرشده إليه وسلَّمه\n_________\n(^١) في سنده عبد الله بن لهيعة فيه مقال.\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث عائشة ﵂ (الصحيح، البيوع، باب ما ذكر في الأسواق ح ٢١١٨).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده بلفظ: \"لا تكونه\" (المسند ٢/ ١٣٦)، وهذا الحديث حقه أن يكون في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، كما هو في الحديث الذي يليه، وقد يكون محمد بن كناسة هو الذي أخطأ في ذلك؛ لأن أبا حاتم الرازي قال فيه: صاحب أخبار يكتب حديثه ولا يحتج به، وله أخطاء أخرى ذكرها ابن معين والدارقطني. (ينظر: تهذيب التهذيب ٩/ ٢٥٩، ٢٦٠)، ويؤكد هذا أن الحاكم أخرجه من طريق محمد بن كناسة به، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: ابن كناسة لا يحتج به (المستدرك ٢/ ٣٨٨)، ثم كذلك في رفعه نظر، كما سيأتي في الحديث الآتي.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده بدون: \"فانظر لا تكن هو\"، وبدون ذكر عبد الله بن الزبير، وهو جالس بالحجر. (المسند ١١/ ٤٣٥ ح ٦٨٤٧)، وفي رفعه نظر، كما قرر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٣٤٥).","vol":"5","page":401},{"text":"له وأذن له في بنائه، واستدل به كثير ممن قال: إن إبراهيم ﵇ هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يُبنَ قبله، كما ثبت في الصحيحين عن أبي ذرّ، قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: \"المسجد الحرام\". قلت: ثم أي؟ قال: \"بيت المقدس\". قلت: كم بينهما؟ قال: \"أربعون سنة\" (^١).\nوقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧].\nوقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار بما أغنى عن إعادته ههنا (^٢)، وقال تعالى ههنا: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أي: ابنه على اسمي وحدي.\n﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ قال قتادة ومجاهد: من الشرك (^٣).\n﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: اجعله خالصًا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به معروف، وهو أخصُّ العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أي: في الصلاة، ولهذا قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة وفي الحرب وفي النافلة في السفر، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2622\"></span>وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أي: ناد في الناس بالحج، داعيًا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذكر أنه قال: يا رب وكيف أُبلِّغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: نادِ وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قبيس (^٤)، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع مَن في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة، لبيك اللهم لبيك، وهذا مضمون ما روي عن ابن عباس (^٥) ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير (^٦) وغير واحد من السلف، والله أعلم، أوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة.\nوقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ …﴾ الآية، قد يستدل بهذه الآية من ذهب من\n_________\n(^١) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، الباب العاشر (ح ٣٣٦٦).\n(^٢) ينظر: سورة البقرة آية ١٢٥.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر في سورة البقرة آية ١٢٥ (التفسير ٢/ ٥٣٣)، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٤) وهو الجبل المجاور للكعبة المشرفة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١١/ ٥١٨)، والحاكم (المستدرك ٢/ ٣٨٨) كلاهما من طريق جرير عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس مختصرًا، وصححه ووافقه الذهبي، ولكن قابوس لين الحديث كما في التقريب (ص ٤٤٩)، ويتقوى بالآثار التالية.\n(^٦) قول مجاهد أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ٩١٠٠)، والطبري والبيهقي (الجامع لشعب الإيمان رقم ٣٩٩٩، ٤٠٠٠) من ثلاثة طرق يقوي بعضها بعضًا، وقول عكرمة هو ابن خالد المخزومي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عنه.","vol":"5","page":402},{"text":"العلماء إلى أن الحج ماشيًا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبًا؛ لأنه قدمهم في الذكر، فدلَّ على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة عزمهم، [وقال وكيع: عن أبي العُميس، عن أبي حلحلة، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: ما أسى علي شيء إلا أخي وددت أني كنت حججت ماشيًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾] (^١) (^٢).\nوالذي عليه الأكثرون: أن الحج راكبًا أفضل، اقتداء برسول الله ﷺ فإنه حج راكبًا مع كمال قوته ﵇.\nوقوله: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ يعني: طريق، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا (٣١)﴾ [الأنبياء: ٣١].\nوقوله: ﴿عَمِيقٍ﴾: بعيد، قاله مجاهد وعطاء والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان والثوري وغير واحد (^٣)، وهذه الآية كقوله تعالى إخبارًا عن إبراهيم، حيث قال في دعائه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحنّ إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار.\n\n<span id=\"aya-2623\"></span>﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾.\nقال ابن عباس: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ قال: منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن، والذبائح والتجارات (^٤)، وكذا قال مجاهد وغير واحد: إنها منافع الدنيا والآخرة (^٥)، كقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾.\nقال شعبة وهشيم، عن أبي بشر، عن سعيد، عن ابن عباس ﵄: الأيام المعلومات: أيام العشر (^٦)، وعلقه البخاري عنه بصيغة الجزم به (^٧). وروي مثله عن أبي موسى الأشعري ومجاهد وقتادة وعطاء وسعيد بن جبير والحسن والضحاك وعطاء الخراساني وإبراهيم النخعي (^٨)، وهو مذهب الشافعي والمشهور عن أحمد بن حنبل.\n_________\n(^١) زياد من (ح) و(حم).\n(^٢) أخرجه الخطيب البغدادي من طريق الحسن بن قتيبة عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب، ثم قال: الحسن بن قتيبة: متروك الحديث (تاريخ بغداد ٧/ ٤٠٤، ٤٠٥)، وموسى بن عبيدة: ضعيف. وأما السند الذي أورده الحافظ ابن كثير، فإن أبا حلحلة لم أجد له ترجمة.\n(^٣) قول مجاهد عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه البستي والطبري بسند صحيح من طريق سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه ابن مردويه بسند صحيح من طريق أبي بشر عن سعيد به (ينظر: فتح الباري ٢/ ٤٥٨).\n(^٧) صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق قبل حديث (رقم ٩٦٩).\n(^٨) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف =","vol":"5","page":403},{"text":"وقال البخاري: حدثنا محمد بن عرعرة، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"ما العمل في أيام أفضل منها في هذه\" قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: \"ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء\" (^١)، رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بنحوه. وقال الترمذي: حديث حسن، غريب، صحيح. وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر (^٢).\nقلت: وقد تقصيت هذه الطرق، وأفردت لها جزءًا على حدته، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد\" (^٣). وروي من وجه آخر عن مجاهد، عن ابن عمر بنحوه.\nوقال البخاري: وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى [السوق] (^٤) في أيام العشر، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما (^٥).\nوقد روى أحمد، عن جابر مرفوعًا: أن هذا هو العشر الذي أقسم به في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر] (^٦). وقال بعض السلف: إنه المراد بقوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢].\nوفي سنن أبي داود: أن رسول الله ﷺ كان يصوم هذا العشر (^٧).\nوهذا العشر مشتمل على يوم عرفة الذي ثبت في صحيح مسلم، عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله ﷺ، عن صيام يوم عرفة، فقال: \"أحتسب على الله أن يكفّر به السنة الماضية والآتية\" (^٨). ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث أنه أفضل\n_________\n= لإبهام شيخ الطبري، ويشهد له ما سبق.\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق ح ٩٦٩).\n(^٢) المسند ١/ ٢٢٤ وسنن أبي داود، الصوم، باب في صوم العشر (ح ١٤٣٨)، وسنن الترمذي، الصوم، باب صيام العشر (ح ٧٥٧)، وسنن ابن ماجه، الصيام، باب صيام العشر (ح ١٧٢٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٧٥)، وسنده ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد كما في التقريب، ويشهد له سابقه.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٥) أخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم عنهما (الصحيح، العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بلفظ: \"إن العشر عشر الأضحى\" (المسند ٢/ ٣٢٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٢٠)، وذكر الهيثمي أن رجاله رجال الصحيح غير عياش بن عقبة وهو ثقة (مجمع الزوائد ٧/ ١٣٧).\n(^٧) سنن أبي داود، الصوم، باب صوم العشر (ح ٢٤٣٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢١٢٩).\n(^٨) صحيح مسلم، الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة من كل شهر … (ح ١١٦٢).","vol":"5","page":404},{"text":"الأيام عند الله (^١)، وبالجملة فهذا العشر قد قيل: إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، وفضّله كثير على عشر رمضان الأخير؛ لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيره، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه.\nوقيل: ذلك أفضل لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وتوسط آخرون فقالوا: أيام هذا أفضل، وليالي ذاك أفضل، وبهذا يجتمع شمل الأدلة، والله أعلم.\n(قول ثانٍ): في الأيام المعلومات: قال الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: الأيام المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده (^٢)، ويروى هذا عن ابن عمر وإبراهيم النخعي، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه.\n(قول ثالث): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن عجلان، حدثني نافع: أن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات والمعدودات هن جميعهن أربعة أيام، فالأيام المعلومات: يوم النحر، ويومان بعده، والأيام المعدودات: ثلاثة أيام بعد يوم النحر (^٣)، هذا إسناد صحيح إليه، وقاله السدي، وهو مذهب الإمام مالك بن أنس، ويعضد هذا القول والذي قبله قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ يعني: ذكر الله عند ذبحها.\n(قول رابع): أنها يوم عرفة ويوم النحر ويوم آخر بعده، وهو مذهب أبي حنيفة.\nوقال ابن وهب: حدثني ابن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: المعلومات: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق (^٤).\nوقوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم، كما فصلها تعالى في سورة الأنعام ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ …﴾ الآية [الأنعام: ١٤٣].\nوقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ استدل بهذه الآية من ذهب إلى وجوب الأكل من الأضاحي، وهو قول غريب.\nوالذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب، كما ثبت أن رسول الله ﷺ لما نحر هديه أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ، فأكل من لحمها وحسا من مرقها.\nقال عبد الله بن وهب: قال لي مالك: أحب أن يأكل من أضحيته؛ لأن الله يقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال ابن وهب: وسألت الليث، فقال لي مثل ذلك.\nوقال سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن لم يشأ لم يأكل (^٥)، وروي عن مجاهد وعطاء\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، المناسك، باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ (ح ١٧٦٥)، والإمام أحمد (المسند ٤/ ٣٥٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١٥٥٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، وهو يخالف الرواية الصحيحة السابقة.\n(^٣) صحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف ابن زيد، وهو: عبد الرحمن.\n(^٥) سنده صحيح وأخرجه الطبري من طريق مغيرة عن إبراهيم.","vol":"5","page":405},{"text":"نحو ذلك (^١).\nقال هشيم، عن حصين، عن مجاهد في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال: هي كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] (^٢). وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره، واستدل من نصر القول بأن الأضاحي يتصدق فيها بالنصف بقوله في هذه الآية: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ فجزّأها نصفين: نصف للمضحي ونصف للفقراء، والقول الآخر: أنها تجزأ ثلاثة أجزاء: ثلث له، وثلث يهديه، وثلث يتصدق به؛ لقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ﴾ [الحج: ٣٦]، وسيأتي الكلام عليها عندها - إن شاء الله وبه الثقة.\nوقوله: ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ قال عكرمة: هو المضطر الذي يظهر عليه البؤس، والفقير المتعفف (^٣).\nوقال مجاهد: هو الذي لا يبسط يده، وقال قتادة: هو الزمن (^٤)، وقال مقاتل بن حيان: هو الضرير.\n\n<span id=\"aya-2624\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وهو وضع الإحرام من حلق الرأس ولبس الثياب وقص الأظافر ونحو ذلك (^٥)، وهكذا روى عطاء ومجاهد عنه (^٦)، وكذا قال عكرمة ومحمد بن كعب القرظي.\nوقال عكرمة، عن ابن عباس ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قال: التفث: المناسك (^٧).\nوقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني نحر ما نذر من أمر البدن (^٨).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ نذر الحج والهدي وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج (^٩). وقال إبراهيم بن ميسرة، عن مجاهد ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: الذبائح. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ كل نذر إلى أجل.\nوقال عكرمة: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: حجهم (^١٠). [وكذا روى الإمام ابن أبي حاتم:\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حصين عنه، وقول عطاء أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حجاج عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به، وسنده حسن.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد بنحوه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٩) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١٠) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":406},{"text":"حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: نذور الحج] (^١) (^٢)، فكل من دخل الحج فعليه من العمل فيه الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وعرفة والمزدلفة ورمي الجمار على ما أمروا به، وروي عن مالك نحو هذا.\nوقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ قال مجاهد: يعني: الطواف الواجب يوم النحر (^٣)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عباس: أتقرأ سورة الحج؟ يقول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فإن آخر المناسك الطواف بالبيت العتيق (^٤).\nقلت: وهكذا صنع رسول الله ﷺ، فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ برمي الجمرة، فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت، وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (^٥).\nوقوله: ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فيه مستدل لمن ذهب إلى أنه يجب الطواف من وراء الحجر؛ لأنه من أصل البيت الذي بناه إبراهيم، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت حين قصرت بهم النفقة، ولهذا طاف رسول الله ﷺ من وراء الحجر وأخبر أن الحجر من البيت ولم يستلم الركنين الشاميين؛ لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة، ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان، عن هشام بن حُجير، عن رجل، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ طاف رسول الله ﷺ من ورائه (^٦).\nوقال قتادة، عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ قال: لأنه أول بيت وضع للناس (^٧)، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٨).\nوعن عكرمة أنه قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه أعتق يوم الغرق زمان نوح (^٩).\nوقال خصيف: إنما سمي بالبيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار قط.\nوقال ابن أبي نجيح وليث، عن مجاهد: أعتق من الجبابرة أن يسلطوا عليه (^١٠)، وكذا قال قتادة.\nوقال حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد: لأنه لم يرده أحد بسوء إلا هلك (^١١).\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) سنده صحيح.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه مسلم من طريق طاوس عن ابن عباس بنحوه (الصحيح، الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض ح ١٣٢٨).\n(^٥) أخرجه مسلم كما في الرواية السابقة.\n(^٦) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عباس ﵄.\n(^٧) يشهد له ما يليه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٩) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.\n(^١٠) أخرجه عبد بن حميد (ينظر: تغليق التعليق ٣/ ٨٧)، والطبري كلاهما بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبيد عن مجاهد.","vol":"5","page":407},{"text":"وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن الزبير قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة (^١)، وقال الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل وغير واحد، حدثنا عبد الله بن صالح، أخبرني الليث، عن عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن محمد بن عروة، عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار\". وكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن سهل البخاري، عن عبد الله بن صالح به، وقال: إن كان صحيحًا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ثم رواه من وجه آخر عن الزهري مرسلًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-2625\"></span>﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾.\nيقول تعالى: هذا الذي أمرنا به من الطاعات في أداء المناسك وما لفاعلها من الثواب الجزيل ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ أي: ومن يجتنب معاصيه، ومحارمه ويكون ارتكابها عظيمًا في نفسه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: فله على ذلك خير كثير، وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على ترك المحرمات واجتناب المحظورات، قال ابن جريج: قال مجاهد في قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ قال: الحرمة: مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها (^٣)، وكذا قال ابن زيد (^٤).\nوقوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: أحللنا لكم جميع الأنعام، وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام.\nوقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: من تحريم ﴿الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ …﴾ الآية [المائدة: ٣]، قال ذلك ابن جرير، وحكاه عن قتادة.\nوقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ من ههنا لبيان الجنس؛ أي: اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقرن الشرك بالله بقول الزور، كقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف]، ومنه شهادة الزور.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، ورجاله ثقات، لكن الزهري لم يسمع من عبد الله بن الزبير.\n(^٢) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة الحج (ح ٣١٧٠)، وتفسير الطبري وكلاهما من طريق عبد الله بن صالح، وهو كاتب الليث: صدوق كثير الغلط (التقريب ص ٣٠٨)، ولعله هو الذي رفعه، فإن الأصح وقفه على عبد الله بن الزبير.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به ويتقوى من الطريق آخر، فقد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.","vol":"5","page":408},{"text":"وفي الصحيحين عن أبي بَكرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ \" قلنا: بلى يا رسول الله، قال: \"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - وكان متكئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور\". فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، أنبأنا سفيان بن زياد، عن [فَاتك بن فَضَالة] (^٢)، عن أيمن بن خُريم قال: قام رسول الله ﷺ خطيبًا، فقال: \"يا أيها الناس عدلت شهادة الزور إشراكًا بالله\" ثلاثًا، ثم قرأ ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (^٣). وهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية به، ثم قال: غريب إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد، وقد اختلف عنه في رواية هذا الحديث ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعًا من النبي ﷺ (^٤).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا سفيان العصفري، عن أبيه، عن حبيب بن النعمان الأسدي، عن خريم بن فاتك الأسدي قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فلما انصرف قام قائمًا فقال: \"عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ﷿\"، ثم تلا هذه الآية ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (^٥).\nوقال سفيان الثوري، عن عاصم بن أبي النجود، عن وائل بن ربيعة، عن ابن مسعود أنه قال: تعدل شهادة الزور الإشراك بالله، ثم قرأ هذه الآية (^٦).\n\n<span id=\"aya-2626\"></span>وقوله: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ أي: مخلصين له الدين منحرفين عن الباطل قصدًا إلى الحق، ولهذا قال: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ثم ضرب للمشرك مثلًا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: سقط منها ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ أي: تقطعه الطيور في الهواء ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد مهلك لمن هوى فيه، ولهذا جاء في حديث البراء: إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت وصعدوا بروحه إلى السماء؛ فلا تفتح له أبواب السماء بل تطرح روحه طرحًا من هناك، ثم قرأ هذه الآية، وقد تقدم الحديث في سورة إبراهيم بحروفه وألفاظه وطرقه (^٧).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور (ح ٣٦٥٤)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (ح ٨٧).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) والمسند، وفي الأصل صُحف إلى: \"وامل بن فضالة\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لجهالة فاتِك بن فَضَالة (المسند ٢٩/ ١٤٥ ح ١٧٦٠٣).\n(^٤) سنن الترمذي، الشهادات، باب ما جاء في شهادة الزور (ح ٢٢٩٩).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لجهالة والد سفيان العصفري، واسمه: زياد (المسند ٣١/ ١٩٤ ح ١٨٨٩٨).\n(^٦) أخرجه البستي والطبراني (المعجم الكبير ٩/ ١١٤) كلاهما من طريق سفيان به، وفي سنده وائل بن ربيعة ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٩٥)، وسكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ٨/ ١٧٦) وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٩/ ٤٣)، وحسن سنده الهيثمي (مجمع الزوائد ٤/ ٢٠٠) ولكن نكارة متنه لا تسعفه في تحسينه، وتوثيق ابن حبان لا يكفي لتفرده في ذلك.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة إبراهيم مطلع تفسير آية ٢٧.","vol":"5","page":409},{"text":"وقد ضرب تعالى للمشركين مثلًا آخر في سورة الأنعام، وهو قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى. . .﴾ الآية [الأنعام: ٧١].\n\n<span id=\"aya-2627\"></span>﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾.\nيقول تعالى هذا ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أي: أوامره ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ومن ذلك تعظيم الهدايا والبُدن، كما قال الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ليلى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام (^٢).\nوقال أبو أُمامة بن سهل: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون، رواه البخاري (^٣).\nوعن أبي هُريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"دم عفراء أحبُّ إلى الله من دم سوداوين\" رواه أحمد (^٤) وابن ماجه، قالوا: والعفراء: هي البيضاء بياضًا ليس بناصع، فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها يجزئ أيضًا لما ثبت في صحيح البخاري، عن أنس أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين (^٥).\nوعن أبي سعيد: أن رسول الله ضحّى بكبش أقرن كحيل، يأكل في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد، رواه أهل السنن وصححه الترمذي (^٦)؛ أي فيه نكتة سوداء في هذه الأماكن.\nوفي سنن ابن ماجه، عن أبي رافع: أن رسول الله ﷺ ضحّى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين (^٧). قيل: هما الخَصِيان، وقيل: اللّذان رُضَّ خُصياهما ولم يقطعهما، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق محمد ابن أبي ليلى عن الحكم به، ويشهد له ما يليه.\n(^٢) سنده حسن ويشهد له ما يليه.\n(^٣) أخرجه البخاري تعليقًا الصحيح، الأضاحي، باب أضحية النبي ﷺ بكبشين أقرنين، ووصله أبو عوانة في مسنده الصحيح، كما قاله الحافظ ابن حجر وصحح سنده (تغليق التعليق ٥/ ٤).\n(^٤) (المسند ١٥/ ٢٣٥ ح ٩٤٠٤)، وضعف سنده محققه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم ١٨٦١).\n(^٥) صحيح البخاري، الأضاحي، باب أضحية النبي ﷺ (ح ٥٥٥٣).\n(^٦) سنن أبي داود، الضحايا، باب ما يستحب من الضحايا (ح ٢٧٩٦)، وسنن الترمذي، الأضاحي، باب ما يستحب من الأضاحي (ح ١٤٩٦)، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حفص بن غياث، وسنن النسائي، الضحايا، الكبش ٧/ ٢٢١، وسنن ابن ماجه، الاْضاحي، باب ما يستحب من الأضاحي (ح ٣١٢٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٥٣٤).\n(^٧) أخرجه ابن ماجه من حديث عائشة وأبي هريرة ﵄ (السنن، الأضاحي، باب أضاحي رسول الله ﷺ ح ٣١٢٢) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٥٣١).","vol":"5","page":410},{"text":"وكذا روى أبو داود وابن ماجه، عن جابر: ضحّى رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين أملحين موجوءين (^١).\nوعن علي ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف (^٢) العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء، رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي (^٣).\nولهم عنه، قال: نهى رسول الله ﷺ أن نضحي بأعضب القرن والأذن، وقال سعيد بن المسيب: العضب: النصف فأكثر (^٤).\nوقال بعض أهل اللغة: إن كسر قرنها الأعلى فهي قصماء، فاما العضب فهو كسر الأسفل، وعضب الأذن: قطع بعضها.\nوعند الشافعي أن الأضحية بذلك مُجزئة لكن تكره.\nوقال أحمد: لا تُجزئ الأضحية بأعضب القرن والأذن لهذا الحديث.\nوقال مالك: إن كان الدم يسيل من القرن لم يجزئ وإلا أجزأ، والله أعلم.\nوأما المقابلة فهي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة من مؤخر أذنها، والشرقاء هي التي قطعت أذنها طولًا، قاله الشافعي، وأما الخرقاء فهي التي خرقت السمة أذنها خرقًا مدورًا، والله أعلم.\nوعن البراء قال: قال رسول الله ﷺ: \"أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البين ظَلعَها، والكسيرة التي لا تنقى (^٥) \" رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي (^٦).\nوهذه العيوب تنقص اللحم لضعفها وعجزها عن استكمال الرعي؛ لأن الشاء يسبقونها إلى المرعى، فلهذا لا تجزئ التضحية بها عند الشافعي وغيره من الأئمة، كما هو ظاهر الحديث.\nواختلف قول الشافعي في المريضة مرضًا يسيرًا على قولين.\nوروى أبو داود، عن عتبة بن عبد السلمي: أن رسول الله ﷺ نهى عن المصفرة والمستأصلة: والبخقاء والمشيعة والكسراء (^٧). فالمصفرة قيل: الهزيلة، وقيل: المستأصلة الأذن، والمستأصلة مكسورة القرن، والبخقاء هي العوراء، والمشيعة هي التي لا تزال تشيع\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الضحايا، باب ما يستحب من الضحايا (ح ٣١٤٢)، ويشهد له سابقه.\n(^٢) أي: نبحث ونتأمل حالهما للتأكد من السلامة من العيوب.\n(^٣) المسند ١/ ٨٠، وسنن أبي داود، باب ما يكره من الضحايا (ح ٢٨٠٤)، وسنن ابن ماجه، الأضاحي، باب ما يكره أن يضحى به (ح ٣١٤٣) مختصرًا، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ٢٥٤٤).\n(^٤) سنن الترمذي، الأضاحي، باب في الضحية بعضباء القرن والأُذن (ح ١٥٠٤)، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٥) أي: المنكسرة الرجل لا مخ لها لضعفها وهزالها.\n(^٦) المسند ٤/ ٢٨٤، وسنن أبي داود، الأضاحي، باب ما يكره من الضحايا (ح ٢٨٠٢)، وسنن الترمذي، الأضاحي، باب ما لا يجوز من الأضاحي (ح ١٤٩٧)، وقال: حسن صحيح، وسنن النسائي، الأضاحي، باب العرجاء ٧/ ٢١٥، وسنن ابن ماجه، الأضاحي، باب ما يكره من الأضاحي (ح ٣١٤٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٥٤٥)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٦٧)، وقال الإمام أحمد: ما أحسنه من حديث (ينظر: خلاصة البدر المنير ٢/ ٣٧٩).\n(^٧) أخرجه أبو داود من طريق عتبة به (السنن، الأضاحي، باب ما يكره من الضحايا ح ٢٨٠٣ وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود).","vol":"5","page":411},{"text":"خلف الغنم ولا تتبع لضعفها، والكسراء العرجاء، فهذه العيوب كلها مانعة [من الإجزاء.\nفأما إن طرأ العيب] (^١) بعد تعيين الأضحية فإنه لا يضر عند الشافعي خلافًا لأبي حنيفة، وقد روى الإمام أحمد، عن أبي سعيد قال: اشتريت كبشًا أضحي به، فعدا الذئب فأخذ الألية، فسألت النبي ﷺ فقال: \"ضحِّ به\" (^٢).\nولهذا جاء في الحديث: أمرنا النبي ﷺ أن نستشرف العين والأذن (^٣)؛ أي أن تكون الهدية أو الأضحية سمينة حسنة ثمينة، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود، عن عبد الله بن عمر قال: أهدى عمر نجيبًا فأعطي بها ثلثمائة دينار، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيبًا فأعطيت بها ثلثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنًا؟ قال: \"لا، انحرها إياها\" (^٤).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: البدن من شعائر الله (^٥).\nوقال محمد بن أبي موسى: الوقوف ومزدلفة والجمار والرمي والحلق والبدن من شعائر الله (^٦).\nوقال ابن عمر: أعظم الشعائر البيت (^٧).\n\n<span id=\"aya-2628\"></span>وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي: لكم في البدن منافع من لبنها وصوفها وأوبارها وأشعارها وركوبها ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال مقسم، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: ما لم تسم بُدْنًا (^٨).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة أو هديًا ذهب ذلك كله (^٩)، وكذا قال عطاء والضحاك وقتادة وعطاء الخراساني وغيرهم (^١٠).\nوقال آخرون: بل له أن ينتفع بها وإن كانت هديًا إذا احتاج إلى ذلك، كما ثبت في الصحيحين عن أنس: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة قال: \"اركبها\" قال: إنها بدنة.\nقال: \"اركبها ويحك\" في الثانية أو الثالثة (^١١).\n_________\n(^١) استدرك من (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٧/ ٣٧٤ ح ١١٢٧٤)، وضعف سنده محققوه لضعف جابر الجعفي.\n(^٣) تقدم تخريجه قبل أربع روايات.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٠/ ٤٠٣ ح ٦٣٢٥)، وضعفه محققوه لجهالة رجل فيه اسمه: جهم بن الجارود.\n(^٥) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ومعناه صحيح.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٤/ ٢٩٤)، والطبري بسند حسن من طريق داود بن أبى هند عن محمد بن أبي موسى.\n(^٧) لم أجد تخريجه ومعناه صحيح.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق محمد بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن مقسم به.\n(^٩) أخرجه سفيان الثوري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١٠) قول عطاء أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حجاج عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^١١) صحيح البخاري، الحج، باب ركوب البُدن (ح ١٦٩٠)، وصحيح مسلم، الحج، باب جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها (ح ١٣٢٣).","vol":"5","page":412},{"text":"وفي رواية لمسلم، عن جابر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها\" (^١) وقال شعبة: عن زهير بن أبي ثابت الأعمى، عن المغيرة بن حَذف، عن علي: أنه رأى رجلًا يسوق بدنة ومعها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها (^٢).\nوقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أي: محل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق، وهو الكعبة، كما قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، وقد تقدم الكلام على معنى البيت العتيق قريبًا (^٣)، ولله الحمد.\nوقال ابن جريج، عن عطاء: كان ابن عباس يقول: كلُّ من طاف بالبيت فقد حلَّ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-2629\"></span>\n\n<span id=\"aya-2630\"></span>﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾.\nيخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعًا في جميع الملل.\nوقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قال: عيدًا (^٥). وقال عكرمة: ذبحًا (^٦). وقال زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾: إنها مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكًا غيرها. وقوله: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: أتى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، فسمى وكَبَّر ووضع رجله على صفاحهما (^٧).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سلام بن مسكين، عن عائذ الله المجاشعي، عن أبي داود -وهو [نفيع] (^٨) بن الحارث-، عن زيد بن أرقم قال: قلت -أو قالوا: - يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: \"سنة أبيكم إبراهيم\" قالوا: ما لنا منها؟ قال: \"بكل شعرة حسنة\" قال: فالصوف؟ قال: \"بكل شعرة من الصوف حسنة\" (^٩). وأخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه من حديث سلام بن مسكين به (^١٠).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٣٢٤).\n(^٢) المغيرة بن حذف: لم أجد له ترجمة، ومتنه غريب في ذبح ولد البدنة.\n(^٣) آية ٢٩.\n(^٤) أخرجه مسلم بنحوه من طريق ابن جريج به (الصحيح، الحج، باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام ح ١٢٤٥).\n(^٥) (^٦) عزاهما السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٧) صحيح البخاري، الأضاحي، باب من ذبح الأضاحي بيده (ح ٥٥٥٨)، وصحيح مسلم، الأضاحي، باب استحباب الضحية (ح ١٩٦٦).\n(^٨) كذا في (ح) و(حم) والمسند، وفي الأصل صُحف إلى: \"منيع\".\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده ضعيف جدًا (المسند ٣٢/ ٣٤ ح ١٩٢٨٣).\n(^١٠) السنن، الأضاحي، باب ثواب الأضحية (ح ٣١٢٧).","vol":"5","page":413},{"text":"وقوله: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أي: معبودكم واحد وإن تنوعت شرائع الأنبياء ونسخ بعضها بعضًا، فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء] ولهذا قال: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أي: أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾.\nقال مجاهد: المطمئنين (^١).\nوقال الضحاك وقتادة: المتواضعين (^٢).\nوقال السدي: الوجلين (^٣). وقال عمرو بن أوس: المخبتين الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا (^٤).\nوقال الثوري: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قال: المطمئنين، الراضين بقضاء الله المستسلمين له (^٥).\nوأحسن ما يفسر بما بعده، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: خافت منه قلوبهم ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ أي: من المصائب.\nقال الحسن البصري: والله لنصبرنَّ أو لنهلكنَّ.\n﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ قرأ الجمهور بالإضافة السبعة وبقية العشرة أيضًا، وقرأ ابن السميفع \"والمقيمين الصلاة\" بالنصب (^٦).\nوقال الحسن البصري: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، وإنما حذفت النون ههنا تخفيفًا، ولو حذفت للإضافة لوجب خفض الصلاة، وقيل: على سبيل [التخفيف] (^٧)، فنصبت؛ أي: المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم من أداء فرائضه ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي: وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم وأرقائهم وفقرائهم ومحاويجهم، ويحسنون إلى الخلق مع محافظتهم على حدود الله، وهذه بخلاف صفات المنافقين، فإنهم بالعكس من هذا كله، كما تقدم تفسيره في سورة براءة (^٨).\n\n<span id=\"aya-2631\"></span>﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾.\nيقول تعالى مُمتنًا على عباده فيما خلق لهم من البدن وجعلها من شعائره، وهو أنه جعلها\n_________\n(^١) أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه ابن أبي شيبة بسند ضعيف من طريق جويبر عنه (المصنف ١٣/ ٥٧٨).\n(^٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ٥٧٨)، والطبري بسند جيد من طريق عثمان بن عبد الله بن أوس عن عمرو بن أوس.\n(^٥) أخرجه البستي بسند صحيح من طريق ابن أبي عمر عن الثوري.\n(^٦) وهي قراءة شاذة.\n(^٧) في الأصل بياض واستدرك من (ح) و(حم).\n(^٨) آية ٦٣.","vol":"5","page":414},{"text":"تهدى إلى بيته الحرام؛ بل هي أفضل ما يهدى إليه، كما قال تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ. . .﴾ الآية [المائدة: ٢]، قال ابن جريج: قال عطاء في قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قال: البقرة والبعير (^١)، وكذا روي عن ابن عمر (^٢)، وسعيد بن المسيب (^٣)، والحسن البصري (^٤).\nوقال مجاهد: وإنما البدن من الإبل (^٥).\nقلت: أما إطلاق البدنة على البعير فمتفق عليه، واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين: أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعًا، كما صحَّ الحديث.\nثم جمهور العلماء على أنه تجزئ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، كما ثبت به الحديث عند مسلم من رواية جابر بن عبد الله قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الأضاحي البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة (^٦).\nوقال إسحاق بن راهويه وغيره: بل تجزئ البقرة والبعير عن عشرة، وقد ورد به حديث في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وغيرهما (^٧)، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ أي: ثواب في الدار الآخرة، وعن سليمان بن يزيد الكعبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: \"ما عمل ابن آدم يوم النحر عملًا أحبّ إلى الله من إهراق دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسًا\" رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه (^٨).\nوقال سفيان الثوري: كان [أبو حازم] (^٩) يستدين ويسوق البدن، فقيل له: تستدين وتسوق البدن؟ فقال: إني سمعت الله يقول لكم: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾.\nوعن ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: \"ما أُنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم\n_________\n(^١) أخرجه البستي والطبري بسند حسن من طريق ابن جريج به.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم بلفظ: \"البدن من البقر\".\n(^٥) أخرجه البُستي بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) صحيح مسلم، الحج، باب حجة النبي ﷺ (ح ١٢١٨).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١/ ٢٧٥)، والنسائي (السنن، الضحايا، باب ما تجزي عنه البدنة في الضحايا ٧/ ٢٢٢) كلاهما من طريق حسين بن واقد عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فحضر النحر فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة. قال البيهقي: حديث عكرمة يتفرد به الحسين بن واقد عن علباء بن أحمر، وحديث جابر أصح منه (ينظر: الإكمال للحسيني ١٩٥)، وحسين بن واقد ثقة لكن له أوهام (التقريب ص ١٦٩).\n(^٨) أخرجه الترمذي (السنن، الأضاحي، باب ما جاء في فضل الأضحية ح ١٤٩٣)، وابن ماجه (السنن، الأضاحي، باب ثواب الأضحية ح ٣١٢٦) كلاهما من طريق أبي المثنى، وهو سليمان بن يزيد الكعبي، به، وسنده ضعيف لضعف سليمان بن يزيد (التقريب ٦٧٠).\n(^٩) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"أبو حاتم\".","vol":"5","page":415},{"text":"عيد\" رواه الدارقطني في سننه (^١).\nقال مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ قال: أجر ومنافع (^٢).\nوقال إبراهيم النخعي: يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها (^٣).\nوقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن جابر بن عبد الله قال: صلَّيت مع رسول الله ﷺ عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال: \"باسم الله والله أكبر، اللَّهم هذا عني وعمَّن لم يضحّ من أمتي\" رواه أحمد وأبو داود والترمذي (^٤).\nوقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عباس، عن جابر قال: ضحّى رسول الله ﷺ بكبشين في يوم عيد، فقال حين وجههما: \"وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللَّهم منك ولك عن محمد وأمته\"، ثم سمَّى الله وكبّر وذبح (^٥).\nوعن علي بن الحسين، عن أبي رافع: أن رسول الله ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس، أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه، فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: \"اللَّهم هذا عن أمتي جميعها: من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ\" ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه، ثم يقول: \"هذا عن محمد وآل محمد\" فيطعمهما جميعًا للمساكين [ويأكل] (^٦) هو وأهله منهما. رواه أحمد وابن ماجه (^٧).\nوقال الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: قيامًا على ثلاث قوائم، معقولة يدها اليسرى، يقول: باسم الله والله أكبر لا إله إلا الله، اللَّهم منك ولك (^٨). وكذلك روي عن مجاهد وعلي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (السنن ٤/ ٢٨٢) في سنده إبراهيم بن يزيد، وهو الخوزي: متروك (تهذيب التهذيب ١/ ١٧٩، ١٨٠).\n(^٢) أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر عن إبراهيم النخعي.\n(^٤) المسند ٢٣/ ١٣٣، ١٣٤ ح ١٤٨٣٧)، وقال محققوه: صحيح لغيره، وأخرجه أبو داود (السنن، الضحايا، باب في الشاة يضحى بها عن الجماعة ح ٢٨١٠)، والترمذي (السنن، الأضاحي، باب رقم ٢٢ ح ١٥٢١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح ٢٤٣٦).\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٦٢.\n(^٦) في الأصل بياض، واستدرك من (ح) و(حم).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد من طريق شريك عن عبد الله بن محمد عن علي بن حسين به بنحوه، وقال محققوه: إسناده ضعيف لضعف شريك، وهو ابن عبد الله النخعي (المسند ٣٩/ ٢٨٥، ٢٨٦ ح ٢٣٨٦٠)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٤/ ٢١).\n(^٨) أخرجه الطبري والبيهقي (السنن الكبرى ٥/ ٢٣٧)، كلاهما من طريق الأعمش به، ولكن الطبري من طريق جابر بن نوح عن الأعمش، وجابر بن نوح: ضعيف، كما في التقريب، ولكنه توبع في رواية البيهقي، فقد =","vol":"5","page":416},{"text":"نحو هذا (^١).\nوقال ليث، عن مجاهد: إذا عُقلتْ رجلها اليسرى قامت على ثلاث (^٢)، وروى ابن أبي نجيح عنه نحوه (^٣).\nوقال الضحاك: تعقل رجل واحدة فتكون على ثلاث (^٤).\nوفي الصحيحين عن ابن عمر: أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته وهو ينحرها فقال: ابعثها قيامًا مقيدة، سنة أبي القاسم ﷺ (^٥).\nوعن جابر: أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها، رواه أبو داود (^٦).\nوقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار: أن سالم بن عبد الله قال لسليمان بن عبد الملك: قف من شقها الأيمن، وانحر من شقها الأيسر (^٧).\nوفي صحيح مسلم عن جابر في صفة حجة الوداع قال فيه: فنحر رسول الله ﷺ بيده ثلاثًا وستين بدنة جعل يطعنها بحربة في يده (^٨).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة قال: في حرف ابن مسعود \"صوافن\" أي: معقلة قيامًا (^٩).\nوقال سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد من قرأها \"صوافن\" قال: معقولة، ومن قرأها ﴿صَوَافَّ﴾ قال: تصف بين يديها (^١٠).\nوقال طاوس والحسن وغيرهما: \"فاذكروا اسم الله عليها صوافيَ\" يعني: خالصة لله ﷿ (^١١)، وكذا رواه مالك، عن الزهري.\n_________\n= أخرجه من طريق وكيع عن الأعمش، وأخرجه البستي من طريق شعبة عن الأعمش به، وفيه متابعة شعبة لجابر بن نوح.\n(^١) قول مجاهد أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول ابن عباس أخرجه والطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، ومن طريق العوفي عنه، وطريق العوفي يتقوى بسابقه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق ليث به (المصنف ٤/ ٨٢).\n(^٣) تقدم في الرواية قبل السابقة.\n(^٤) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عُبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب كيف تنحر الإبل مقيدة؟ (ح ١٧٦٧)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب نحر البُدن قيامًا مقيدة (ح ١٣٢٠).\n(^٦) السنن، المناسك، باب كيف تنحر الإبل؟ (ح ١٧٦٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٥٥٣).\n(^٧) سنده حسن.\n(^٨) صحيح مسلم، الحج، باب حجة النبي ﷺ (ح ١٢١٨).\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وإسناده منقطع؛ لأن قتادة لم يسمع من ابن مسعود.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح عن سفيان به.\n(^١١) قول طاوس أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أيمن بن نابل عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن. والقراءة شاذة تفسيرية.","vol":"5","page":417},{"text":"وقال عبد الرحمن بن زيد: صوافيَ ليس فيها شرك كشرك الجاهلية لأصنامهم (^١).\nوقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني: سقطت إلى الأرض (^٢)، وهو رواية عن ابن عباس (^٣)، وكذا قال مقاتل بن حيان.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: فإذا وجبت جنوبها؛ يعنى: نحرت (^٤). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾؛ يعني: ماتت (^٥)، وهذا القول هو مراد ابن عباس ومجاهد، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها.\nوقد جاء في حديث مرفوع: \"لا تعجلوا النفوس أن تزهق\" (^٦). وقد رواه الثوري في جامعه عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن قرافصة الحنفي، عن عمر بن الخطاب أنه قال ذلك (^٧)، ويؤيده حديث شداد بن أوس في صحيح مسلم: \"إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته\" (^٨).\nوعن أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة\" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه (^٩).\nوقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال بعض السلف: قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة. وقال مالك: يستحب ذلك، وقال غيره: يجب، وهو وجه لبعض الشافعية.\nواختلفوا في المراد بالقانع والمعتر، فقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿الْقَانِعَ﴾: المستغني بما أعطيته وهو في بيته، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الذي يتعرض لك ويلم بك أن تعطيه من اللحم ولا يسأل (^١٠)، وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي (^١١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: القانع: المتعفف، والمعتر: السائل (^١٢)، وهذا قول\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بنحوه.\n(^٢) أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) عزاه الحافظ ابن حجر إلى ابن أبي حاتم من طريق مِقسم عن ابن عباس (فتح الباري ٣/ ٥٣٧).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٦) أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة مرفوعًا بسند فيه سعيد بن سلام العطار (السنن ٤/ ٢٨٣)، وسنده ضعيف لضعف سعيد، والوقف أشبه كما يلي.\n(^٧) أخرجه البيهقي من طريق الثوري به (السنن الكبرى ٩/ ٢٧٨)، ويشهد له ما يلي.\n(^٨) صحيح مسلم، الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل (ح ١٩٥٥).\n(^٩) (المسند ٣٦/ ٢٣٣ ح ٢١٩٠٣)، وحسنه محققوه، وسنن أبي داود، الصيد، باب في صيد قطع فيه قطعة (ح ٢٨٥٨)، وسنن الترمذي، الأطعمة، باب ما قطع من الحي فهو ميت (ح ١٤٨٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٨٥).\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.\n(^١١) قول مجاهد أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن ابن أبي نجيح عنه، وقول القرظي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي صخر عنه.\n(^١٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"5","page":418},{"text":"قتادة وإبراهيم النخعي ومجاهد في رواية عنه (^١). وقال ابن عباس وعكرمة وزيد بن أسلم وابن الكلبي والحسن البصري ومقاتل بن حيان ومالك بن أنس: ﴿الْقَانِعَ﴾: هو الذي يقنع إليك ويسألك، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الذي يعتريك يتضرع ولا يسألك، وهذا لفظ الحسن (^٢).\nوقال سعيد بن جبير: ﴿الْقَانِعَ﴾: هو السائل، قال: أما سمعت قول الشماخ (^٣):\nلمالُ المرءِ يصلحه فيُغني … مفاقِره أعفُّ من القنوع (^٤)\nقال: يغني من السؤال، وبه قال ابن زيد (^٥).\nوقال زيد بن أسلم: ﴿الْقَانِعَ﴾: المسكين الذي يطوف، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الصديق والضعيف الذي يزور (^٦)، وهو رواية عن ابنه [عبد الرحمن بن زيد] (^٧) أيضًا. وعن مجاهد أيضًا: ﴿الْقَانِعَ﴾: جارك الغني الذي يبصر ما يدخل بيتك، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الذي يعتريك من الناس (^٨)، وعنه: أن ﴿الْقَانِعَ﴾ هو الطامع، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: هو الذي يعتر بالبدن من غني أو فقير (^٩)، وعن عكرمة نحوه (^١٠) وعنه: ﴿الْقَانِعَ﴾ أهل مكة (^١١).\nواختار ابن جرير: أن ﴿الْقَانِعَ﴾: هو السائل؛ لأنه من أقنع بيده إذا رفعها للسؤال، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: من الاعتراء، وهو الذي يتعرض لأكل اللحم. وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء: فثلث لصاحبها يأكله، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾.\nوفي الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال للناس: \"إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادخروا ما بدا لكم\" (^١٢). وفي رواية: \"فكلوا وادخروا\n_________\n(^١) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول مجاهد وإبراهيم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عنهما.\n(^٢) قول ابن عباس عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وقول زيد بن أسلم أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الله بن عياش عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس عنه.\n(^٣) ديوان الشماخ ص ٢٢١.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند فيه شريك عن فرات القزاز عن سعيد بن جبير، وأخرجه الثوري وابن أبي شيبة (المصنف ١٠/ ٤٧٥)، من طريق شريك به دون الاستشهاد بالشعر.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه بمعناه.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي هلال عن زيد بن أسلم، وابن أبي هلال هو سعيد الليثي فيه مقال (ينظر: التقريب ص ٢٤٢).\n(^٧) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف: \"عبد الله بن زيد\".\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث، وهو ابن أبي سليم وفيه مقال، عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق فيه الحسين، وهو ابن داود ضعيف.\n(^١١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.\n(^١٢) أخرجه مسلم من حديث بريدة ﵁ (الصحيح، الجنائز، باب استئذان النبي ﷺ ربه في زيارة قبر أمه ح ٩٧٧).","vol":"5","page":419},{"text":"وتصدقوا\" (^١). وفي رواية: \"فكلوا وأطعموا وتصدقوا\" (^٢).\nوالقول الثاني: أن المضحِّي يأكل النصف ويتصدق بالنصف؛ لقوله في الآية المتقدمة: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ولقوله في الحديث: \"فكلوا وادخروا وتصدقوا\" فإن أكل الكل، فقيل: لا يضمن شيئًا، وبه قال ابن سريج من الشافعية.\nوقال بعضهم: يضمنها كلَّها بمثلها أو قيمتها. وقيل: يضمن نصفها. وقيل: ثلثها. وقيل: أدنى جزء منها، وهو المشهور من مذهب الشافعي. وأما الجلود ففي مسند أحمد، عن قتادة بن النعمان في حديث الأضاحي: \"فكلوا وتصدقوا، واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها\" (^٣).\nومن العلماء من رخَّص في بيعها، ومنهم من قال: يقاسم الفقراء ثمنها، والله أعلم.\n(مسألة): عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس هو من النسك في شيء\" أخرجاه (^٤)، فلهذا قال الشافعي وجماعة من العلماء: إن أول وقت ذبح الأضاحي إذا طلعت الشمس يوم النحر، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، زاد أحمد: وأن يذبح الإمام بعد ذلك لما جاء في صحيح مسلم: \"وأن لا تذبحوا حتى يذبح الإمام\" (^٥).\nوقال أبو حنيفة: أما أهل السواد من القرى ونحوهم فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر إذ لا صلاة عيد تشرع عنده لهم، وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتى يصلي الإمام، والله أعلم.\nثم قيل: لا يشرع بالذبح إلا يوم النحر وحده.\nوقيل: يوم النحر لأهل الأمصار لتيسر الأضاحي عندهم، وأما أهل القرى فيوم النحر وأيام التشريق بعده، وبه قال سعيد بن جبير.\nوقيل: يوم النحر ويوم بعده للجميع.\nوقيل: ويومان بعده، وبه قال الإمام أحمد.\nوقيل: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده، وبه قال الشافعي لحديث جبير بن مطعم: أن رسول الله ﷺ قال: \"أيام التشريق كلها ذبح\" رواه أحمد وابن حبان (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂ (الصحيح، الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي .. ح ١٩٧١) وينظر: تحفة الأشراف (١٢/ ٤٠٩ - ٤١٠ ح ١٧٩٠١).\n(^٢) أخرجه البخاري عن سلمة بن الأكوع بلفظ: \"كلوا وأطعموا وادخروا\"، (صحيح البخاري، الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي ح ٥٥٦٩).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد وضعف سنده محققوه (المسند ٢٦/ ١٤٧، ١٤٨ ح ١٦٢١٠).\n(^٤) صحيح البخاري، الأضاحي، باب سنة الأضحية (ح ٥٥٤٥)، وصحيح مسلم، الأضاحي، باب وقتها (ح ١٩٦١/ ٧).\n(^٥) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ بلفظ: \"فأمر النبي ﷺ من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ\" (ح ١٩٦٤).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد، وقال محققوه: حديث صحيح لغيره (المسند ٢٧/ ٣١٦ ح ١٦٧٥١)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٣٨٥٤)، وقال الهيثمي: ورجال أحمد وغيره ثقات (مجمع الزوائد ٤/ ٢٨).","vol":"5","page":420},{"text":"وقيل: إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة، وبه قال إبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو قول غريب.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ يقول تعالى من أجل هذا ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ أي ذلَّلناها لكم، وجعلناها منقادة لكم خاضعة، إن شئتم ركبتم، وإن شئتم حلبتم، وإن شئتم ذبحتم، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [يس]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2632\"></span>﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾.\nيقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرزاق لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم، ونضحوا عليها من دمائها، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي حماد، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جُريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: فنحن أحق أن ننضح، فأنزل الله ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (^١) أي: يتقبل ذلك ويجزي عليه، كما جاء في الصحيح: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\" (^٢).\nوجاء في الحديث: \"إن الصدقة لتقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض\" كما تقدم في الحديث، رواه ابن ماجه والترمذي، وحسنه عن عائشة مرفوعًا (^٣)، فمعناه أنه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا، والله أعلم.\nوقال وكيع، [عن يحيى بن مسلم أبي الضحاك] (^٤): سألت عامرًا الشعبي، عن جلود الأضاحي، فقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ إن شئت فبع، وإن شئت فأمسِك، وإن شئت فتصدق (^٥).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ أي: من أجل ذلك سخر لكم البُدن ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي: لتعظموه كما هداكم لدينه وشرعه وما يحبه ويرضاه ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه.\n_________\n(^١) سنده معضل؛ لأن ابن جُريج تابع تابعي.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة في آخر الآية ٢٧٥.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ١٠٤.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"عن ابن مسلم بن الضحاك\".\n(^٥) سنده جيد.","vol":"5","page":421},{"text":"وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: ﴿وَبَشِّرِ﴾ يا محمد ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي في عملهم القائمين بحدود الله المتبعين ما شرع لهم المصدقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ربه ﷿.\n(مسألة): وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري إلى القول بوجوب الأضحية على من مَلكَ نصابًا، وزاد أبو حنيفة: اشتراط الإقامة أيضًا، واحتج لهم بما رواه أحمد وابن ماجه بإسناد رجاله كلهم ثقات، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"من وجد سَعة فلم يضحِّ، فلا يقربنَّ مصلانا\" (^١) على أن فيه غرابة، واستنكره أحمد بن حنبل، وقال ابن عمر: أقام رسول الله ﷺ عشر سنين يضحي، رواه الترمذي (^٢).\nوقال الشافعي وأحمد: لا تجب الأُضحية؛ بل هي مستحبة لما جاء في الحديث: \"ليس في المال حق سوى الزكاة\" (^٣)، وقد تقدم أنه ﵊ ضحى عن أمته، فأسقط ذلك وجوبها عنهم. وقال أبو سريحة: كنت جارًا لأبي بكر وعمر، فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما.\nوقال بعض الناس: الأضحية سنة كفاية، إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة أو بيت، سقطت عن الباقين؛ لأن المقصود إظهار الشعار.\nوقد روى الإمام أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي عن مِحنف بن سُليم: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول بعرفات: \"على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تدعونها: الرجبية (^٤) \" (^٥)، وقد تُكلم في إسناده. وقال [أبو] (^٦) أيوب: كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس، فصار كما ترى. رواه الترمذي وصححه وابن ماجه (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (السنن، الأضاحي، باب الأضاحي واجبة هي أم لا؟ ح ٣١٢٣)، والحاكم (المستدرك ٢/ ٣٨٩) كلاهما من طريق زيد بن الحباب عن عبد الله بن عياش عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الله بن عياش به، وضعفه محققوه (المسند ١٤/ ٢٤ ح ٨٢٧٣)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٥٣٢)، وقد ذكر بعض النقاد أنه موقوف (ينظر: نصب الراية ٤/ ٢٠٧) وقال الطحاوي: الموقوف أشبه بالصواب (ينظر: فتح الباري ١٠/ ٣)، وهو الصواب.\n(^٢) السنن، الأضاحي، باب الدليل على أن الأضحية سنة (ح ١٥٠٧)، وحسنه الترمذي، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه من حديث فاطمة بنت قيس ﵄ (السنن، الزكاة، باب ما أدى زكاته ليس بكنز ح ١٧٨٩)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه.\n(^٤) الرجبية: نسبة إلى رجب، وهي ذبيحة كان أهل الجاهلية يذبحونها في رجب (ينظر: مشكل الآثار ٣/ ٨٢، ٨٣).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد وقال محققوه: حسن لغيره (المسند ٢٩/ ٤١٩ ح ١٧٨٨٩)، وأخرجه أبو داود، السنن، الضحايا، باب ما جاء في إيجاب الأضاحي (ح ٢٧٨٨)، والترمذي (السنن، الأضاحي، باب العتيرة ح ١٥١٨)، والنسائي (السنن، الضحايا، باب الفرع والعتيرة ٧/ ١٦٧)، وابن ماجه (السنن، الأضاحي، باب الأضاحي واجبة هي أم لا؟ ح ٣١٢٥)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٥٣٣).\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"ابن\".\n(^٧) أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (السنن، الأضاحي، باب ما جاء أن الشاة الواحدة تجزي عن أهل =","vol":"5","page":422},{"text":"وكان عبد الله بن هشام يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله، رواه البخاري.\nوأما مقدار سن الأضحية فقد روى مسلم عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن\" (^١)، ومن ههنا ذهب الزهري إلى أن الجذع لا يجزئ، وقابله الأوزاعي فذهب إلى أن الجذع يجزئ من كل جنس، وهما غريبان.\nوالذي عليه الجمهور إنما يجزئ الثني من الإبل والبقر والمعز، أو الجذع من الضأن، فأما الثني من الإبل فهو الذي له خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر ما له سنتان ودخل في الثالثة.\nوقيل: ما له ثلاث ودخل في الرابعة، ومن المعز ما له سنتان.\nوأما الجذع من الضأن فقيل: ما له سنة، وقيل: عشرة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: ستة أشهر، وهو أقل ما قيل في سنه، وما دونه فهو حمل، والفرق بينهما أن الحمل شعر ظهره قائم، والجذع شعر ظهره نائم، قد انفرق صدغين (^٢)، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2633\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾.\nيخبر تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٣].\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ أي: لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق لا يفي بما قال، والكفر الجحد للنعم، فلا يعترف بها.\n\n<span id=\"aya-2634\"></span>\n\n<span id=\"aya-2635\"></span>﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة (^٣).\nوقاله مجاهد والضحاك (^٤)، وغير واحد من السلف كابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد (^٥)، واستدل بهذا الآية بعضهم على أن السورة مدنية.\n_________\n= بيت ح ١٥٠٥)، وأخرجه ابن ماجه، السنن، الأضاحي، باب من ضحى بشاة عن أهله (ح ٣١٤٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٥٤٦).\n(^١) صحيح مسلم، الأضاحي، باب سن الأضحية (ح ١٩٦٣).\n(^٢) أي: الذي أتى له من وقت الولادة سبعة أيام (ينظر: النهاية ٣/ ١٧).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي ويتقوى برواية ابن عباس التالية.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وكلاهما يقوي أحدهما الآخر، ولهما شاهد في الرواية التالية عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"5","page":423},{"text":"وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن داود الواسطي، حدثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم -هو: البطين-، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن. قال ابن عباس: فانزل الله ﷿: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فعرفت أنه سيكون قتال (^١).\nورواه الإمام أحمد، عن إسحاق بن يوسف الأزرق به، وزاد: قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال. ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف، زاد الترمذي ووكيع كلاهما عن سفيان الثوري به. وقال الترمذي: حديث حسن، وقد رواه غير واحد عن الثوري، وليس فيه ابن عباس (^٢).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ أي: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته، كما قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد]، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾ [التوبة] وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [التوبة] وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد]، والآيات في هذا كثيرة.\nولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾: وقد فعل (^٣)، وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به؛ لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا فلو أمر المسلمين وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله ﷺ، وكانوا نيفًا وثمانين، قالوا: يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي؛ يعنون أهل منى، ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إني لم أومر بهذا\" (^٤)، فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي ﷺ من بين أظهرهم وهمُّوا بقتله، وشرَّدوا أصحابه شذر مذر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة وآخرون\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن كما يلي.\n(^٢) المسند ١/ ٢١٦، وسنن الترمذي، التفسير، باب سورة الحج (ح ٣١٧١)، وسنن النسائي، الجهاد، باب وجوب الجهاد ٦/ ٢، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وأحمد شاكر في تعليقه على المسند (ح ١٨٦٥)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ١١/ ٨ ح ٤٧١٠)، والحاكم كلاهما من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٦٦).\n(^٣) هذا الأثر تتمة لرواية العوفي عن ابن عباس المتقدمة في بداية تفسير هذه الآية.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد مطولًا من حديث كعب بن مالك ﵁، وقال محققوه: حديث قوي، وهذا إسناد حسن (المسند ٢٥/ ٨٩ - ٩٥ ح ١٥٧٩٨).","vol":"5","page":424},{"text":"إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة ووافاهم رسول الله ﷺ واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلًا يلجؤون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني: محمدًا وأصحابه (^١).\n﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب إلا إنهم وحّدوا الله وعبدوه لا شريك له، وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلى ما في نفس الأمر؛ وأما عند المشركين فإنه أكبر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج: ٨]، ولهذا لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون:\nاللَّهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا\nفأنزلنْ سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا\nإن الألى قد بَغوا علينا … إذا أرادوا فتنة أبينا (^٢)\nفيوافقهم رسول الله ﷺ ويقول معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا:\nإذا أرادوا فتنة أبينا\nيقول: \"أبينا\" يمد بها صوته (^٣).\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكفُّ شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض ولأهلك القوي الضعيف.\n﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله [ابن عباس] (^٤) ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم (^٥).\nوقال قتادة: هي معابد الصابئين (^٦)، وفي رواية عنه: صوامع المجوس، وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق.\n_________\n(^١) الأثر تتمه لما قبل الحديث السابق.\n(^٢) هذه الأبيات رواها مسلم عن عامر بن الأكوع ﵁ في غزوة خيبر (الصحيح، الجهاد والسير، باب غزوة خيبر ح ١٨٠٣).\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث البراء ﵁ (الصحيح، المغازي، باب غزوة الخندق ح ٤١٠٤).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٥) قول ابن عباس عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم، وقول مجاهد، أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيج عنه، وقول أبي العالية وهو رُفيع، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"5","page":425},{"text":"﴿وَبِيَعٌ﴾ وهي أوسع منها، وأكثر عابدين فيها، وهي للنصارى أيضًا، قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وابن صخر ومقاتل بن حيان وخُصيف (^١) وغيرهم.\nوحكى ابن جرير، عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود، وحكى السدي عمن حدثه، عن ابن عباس: أنها كنائس اليهود، ومجاهد إنما قال: هي الكنائس (^٢)، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: الصلوات: الكنائس (^٣)، وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود، وهم يسمونها صلواتًا (^٤).\nوحكى السدي عمن حدثه، عن ابن عباس: أنها كنائس النصارى (^٥).\nوقال أبو العالية وغيره: الصلوات: معابد الصابئين (^٦).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الصلوات مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق (^٧)، وأما المساجد فهي للمسلمين.\nوقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ فقد قيل: الضمير في قوله يذكر فيها عائد إلى المساجد؛ لأنها أقرب المذكورات.\nوقال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيرًا (^٨).\nوقال ابن جرير: الصواب لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا؛ لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب.\nوقال بعض العلماء: هذا ترقِّ من الأقل إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد، وهي أكثر عمارًا وأكثر عبادًا، وهم [ذوو القصد] (^٩) الصحيح.\nوقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾ [محمد].\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديرًا، وبعزته لا يقهره قاهر ولا يغلبه غالب؛ بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي\n_________\n(^١) قول أبي العالية وقتادة والضحاك تخريجه كقبل سابقه.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول ابن عباس ضعيف؛ لأن الراوي عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.\n(^٤) قول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٥) سنده ضعيف؛ لأن السدي يرويه عن مجهول.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عن رفيع وهو أبو العالية.\n(^٧) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٩) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: \"دور الفصل\".","vol":"5","page":426},{"text":"العزيز ناصره فهو المنصور وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة].\n\n<span id=\"aya-2636\"></span>﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع [الزهراني] (^١)، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد قال: قال عثمان بن عفان: فينا نزلت ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا: ربنا الله، ثم مكنا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي (^٢).\nوقال أبو العالية: هم أصحاب محمد ﷺ (^٣).\nوقال الصباح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ …﴾ الآية، ثم قال: ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه؟ إن لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة ولا المستكره بها، ولا المخالف سرها علانيتها (^٤).\nوقال عطية العوفي: هذه الآية كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥].\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ [الأعراف: ١٢٨].\nوقال زيد بن أسلم: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ وعند الله ثواب ما صنعوا (^٥).\n\n<span id=\"aya-2637\"></span>\n\n<span id=\"aya-2638\"></span>\n\n<span id=\"aya-2639\"></span>﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾.\nيقول تعالى مسليًا لنبيه محمد ﷺ في تكذيب من خالفه من قومه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: \"المرهداني\".\n(^٢) سنده ضعيف؛ لأن محمد -وهو ابن سيرين- لم يسمع من عثمان ﵁، ومعناه صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(^٤) معناه صحيح، وله شواهد من القرآن والسنة.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"5","page":427},{"text":"قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلى أن قال ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ أي: مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات.\n﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: أنظرتهم وأخرتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟! وذكر بعض السلف: أنه كان بين قول فرعون لقومه: أنا ربكم الأعلى، وبين إهلاك الله له أربعون سنة.\nوفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" ثم قرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود] (^١).\n\n<span id=\"aya-2640\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي: كم من قرية أهلكتها؟ ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: مكذبة لرسلها ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.\nقال الضحاك: سقوفها (^٢)؛ أي: قد خربت وتعطلت حواضرها ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: لا يستقى منها، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها.\n﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال عكرمة: يعني المبيض بالجص (^٣)، وروي عن علي بن أبي طالب ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي المليح والضحاك نحو ذلك (^٤). وقال آخرون: هو المنيف المرتفع (^٥). وقال آخرون: المشيد: المنيع الحصين (^٦)، وكل هذه الأقوال متقاربة ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله بهم كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].\n\n<span id=\"aya-2641\"></span>وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بأبدانهم وبفكرهم أيضًا، وذلك كافٍ كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران ﵇ أن: يا موسى اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سِح في الأرض، ثم اطلب الآثار والعبر، حتى يتخرق النعلان وتنكسر العصا (^٧).\nوقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحيّ قلبك بالمواعظ، ونوّره بالتفكر، وموّته بالزهد، وقوّه باليقين، وذلّله بالموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر\n_________\n(^١) الحديث تقدم تخريجه في تفسيرها.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك، ومعناه صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه وقول عطاء أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن جريج عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق هلال بن خباب عنه.\n(^٥) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٧) سنده مرسل.","vol":"5","page":428},{"text":"وفحش تقلب الأيام، وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب من كان قبله، وسيره في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا وأين حلُّوا وعمَّ انقلبوا؛ أي: فانظروا ما حلَّ بالأمم المكذبة من النقم والنكال.\n﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أي: فيعتبرون بها ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر ولا تدري ما الخبر، وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن سارة الأندلسي الشنتريني، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة:\nيا من يصيخ إلى داعي الشقاء وقد … نادى به الناعيان الشيب والكبر\nإن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ترى … في رأسك الواعيان السمع والبصر\nليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل … لم يهده الهاديان العين والأثر\nلا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك … الأعلى ولا النّيران الشمس والقمر\nليرحلن عن الدنيا وإن كرها … فراقها الثاويان البدو والحضر\n\n<span id=\"aya-2642\"></span>\n\n<span id=\"aya-2643\"></span>﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾.\nيقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أي: هؤلاء الكفار الملحدون المكذبون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال]، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ [ص].\nوقوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: الذي قد وعد من إقامة الساعة والانتقام من أعدائه، والإكرام لأوليائه. قال الأصمعي: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاءه عمرو بن عُبيد فقال: يا أبا عمرو، هل يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا، فذكر آية وعيد، فقال له: أمن العجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤمًا، وعن الإيعاد كرمًا، أما سمعت قول الشاعر (^١):\nليرهب ابن العم والجار سطوتي … ولا أنثني عن سطوة المتهدد\nفإني وإن أوعدته أو وعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nوقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ أي: هو تعالى لا يعجل، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حلمه، لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شيء وإن أجل وأنظر وأملى، ولهذا قال بعد هذا: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"يدخل\n_________\n(^١) هو عامر بن الطفيل، وهذا الشعر في ديوانه ص ٥٨.","vol":"5","page":429},{"text":"فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم خمسمائة عام\"، ورواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري، عن محمد بن عمرو به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^١). وقد رواه ابن جرير، عن أبي هريرة موقوفًا فقال: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن سمير بن نهار قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، قلت: وما مقدار نصف يوم؟ قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (^٢).\nوقال أبو داود في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم\" قيل لسعد: وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض (^٤). ورواه ابن جرير (^٥)، عن ابن بشار، عن ابن مهدي، وبه قال مجاهد وعكرمة (^٦)، ونصَّ عليه أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية.\nوقال مجاهد: هذه الآية كقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة] (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم محمد بن الفضل، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، عن رجل من أهل الكتاب أسلم قال: إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ وجعل أجل الدنيا ستة أيام، وجعل الساعة في اليوم السابع ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. فقد مضت الستة الأيام وأنتم في اليوم السابع، فمثل ذلك كمثل الحامل إذا دخلت شهرها ففي أية لحظة ولدت كان تمامًا (^٨).\n_________\n(^١) سنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في فضل الفقر (ح ٢٣٥٤)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ١١٣٤٨)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه في سننه، الزهد، باب منزله الفقراء (ح ٤١٢٢)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٣٩٦).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق شعبة عن سعيد الجريري به، وصححه محققوه بالشواهد (المسند ١٦/ ٤٢٥ ح ١٠٧٣٠).\n(^٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الملاحم، باب قيام الساعة ح ٤٣٥٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٥٦).\n(^٤) سنده حسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن جريج لم يسمع من مجاهد، ويشهد له سابقه.\n(^٧) أخرجه الطبري كسابقه.\n(^٨) سنده مرسل.","vol":"5","page":430},{"text":"<span id=\"aya-2644\"></span>\n\n<span id=\"aya-2645\"></span>﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾.\nيقول تعالى لنبيه ﷺ حين طلب منه الكفار وقوع العذاب واستعجلوه به: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)﴾ أي: إنما أرسلني الله إليكم نذيرًا لكم، بين يدي عذاب شديد، وليس إلي من حسابكم من شيء، أمركم إلى الله إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وإن شاء أضل من كتب عليه الشقاوة، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١] ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وصدقوا إيمانهم بأعمالهم ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: مغفرة لما سلف من سيئاتهم، ومجازاة حسنة على القليل من حسناتهم.\nقال محمد بن كعب القرظي: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فهو الجنة (^١).\n\n<span id=\"aya-2646\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ قال مجاهد: يثبطون الناس عن متابعة النبي ﷺ (^٢)، وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين (^٣).\nوقال ابن عباس: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مراغمين (^٤).\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وهي النار الحارة الموجعة، الشديد عذابها ونكالها، أجارنا الله منها. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل].\n\n<span id=\"aya-2647\"></span>\n\n<span id=\"aya-2648\"></span>﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾.\nقد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظنًا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة النجم، فلما بلغ هذا الموضع ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم] قال: فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتجى، قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، ومعناه صحيح.\n(^٢) أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، ويشهد له سابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن عباس بلفظ: مشاقِّين وفي سنده عثمان بن عطاء وهو ضعيف.","vol":"5","page":431},{"text":"﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ (^١).\nرواه ابن جرير، عن بُندار، عن غُندر، عن شعبة به بنحوه (^٢)، وهو مرسل، وقد رواه البزار في مسنده عن يوسف بن حماد، عن أُمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب الشك في الحديث: أن النبي ﷺ قرأ بمكة سورة النجم حتى انتهى إلى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ … وذكر بقيته، ثم قال البزار: لا نعلمه يروى متصلًا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أُمية بن خالد، وهو ثقة مشهور (^٣)، وإنما يُروى هذا من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ثم رواه ابن أبي حاتم، عن أبي العالية، وعن السدي مرسلًا، وكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس مرسلًا أيضًا (^٤).\nوقال قتادة: كان النبي ﷺ يصلي عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطان على لسانه وإن شفاعتها لترتجي، وإنها لمع الغرانيق العلى، فحفظها المشركون وأجرى الشيطان أن النبي ﷺ قد قرأها، فزلت بها ألسنتهم، فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ …﴾ الآية، فدحر الله الشيطان (^٥).\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله ﷺ اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم وأحزنه ضلالهم، فكان يتمنى هداهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾\n_________\n(^١) أخرجه البُستي من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به، وسنده مرسل، ويتقوى بالروايات التالية، والمراد بقوله: \"فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العُلى وأن شفاعتهن ترتجى\" أي: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ﷺ. وهذا ما قرره الإمام البغوي والقاضي عياض كما سيأتي، وعبر الحافظ ابن كثير: أن هذا القول من ألطفها؛ أي من ألطف الأقوال التي قيلت في هذه القصة، وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى ١٥/ ١٩١)، وذكر الحافظ ابن حجر أن للقصة أصلًا (فتح الباري ٨/ ٤٣٩)، وعليه فإن هذه القصة حقيقية، ولا تؤثر على الوحي؛ لأن المؤمنين لم يسمعوا بذلك، وإنما سمع ذلك المشركون الذين يوسوس فيهم الشيطان فذلك من تلك الوسوسة التي تأثر بها المشركون ولم يتأثر بها المؤمنون.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويتقوى بما يليه.\n(^٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٦٣)، وسنده حسن، وأخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مختصرًا، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ١١٥)، وأخرجه الضياء المقدسي (المحتارة ١٠/ ٢٣٤).\n(^٤) أخرجه الطبري بأسانيد مرسلة عن محمد بن كعب وأبي العالية وسعيد بن جبير والزهري، وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا وتتقوى برواية ابن عباس ﵄، وصححه السيوطي في الدر المنثور، وأما طريق الكلبي فضعيف وقد عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وهو مرسل يتقوى بما سبق، وذكره البغوي (معالم التنزيل ٣/ ٢٩٤).","vol":"5","page":432},{"text":"ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال: وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجي، وكان ذلك من [سجع] الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة وذلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدًا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر النجم سجد، وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلًا كبيرًا فرفع على كفه ترابًا فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله ﷺ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الآية الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين، فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أُمنية رسول الله ﷺ، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله ﷺ قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلَّوا مع رسول الله ﷺ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعًا، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته وحفظه من الفرية، وقال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ فلما بيّن الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم المسلمين، واشتدوا عليهم (^١)، وهذا أيضًا مرسل.\nوفي تفسير ابن جرير، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه (^٢)، وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه \"دلائل النبوة\"، فلم يجز به موسى بن عقبة ساقه من مغازيه بنحوه، قال: وقد روينا عن أبي إسحاق هذه القصة.\n(قلت): وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات (^٣)، والله أعلم.\nوقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل ههنا سؤالًا: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه؟ ثم حكى أجوبة عن الناس من ألطفها أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ﷺ، وليس كذلك في نفس الأمر؛ بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمن ﷺ (^٤)، والله أعلم.\nوهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وسنده مرسل يتقوى بما سبق.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الزهري به مختصرًا.\n(^٣) لكنها تتقوى بما سبق.\n(^٤) معالم التنزيل ٣/ ٢٩٣، ٢٩٤.","vol":"5","page":433},{"text":"وقد تعرّض القاضي عياض ﵀ في كتاب الشفاء لهذا (^١)، وأجاب بما حاصله أنها كذلك لثبوتها.\nوقوله: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ هذا فيه تسلية من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه؛ أي لا يهيدنك ذلك فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء.\nقال البخاري: قال ابن عباس: ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (^٢). قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه (^٣). وقال مجاهد: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ يعني: إذا قال (^٤)، ويقال: أمنيته قراءته \"إلا أماني\" يقولون ولا يكتبون.\nقال البغوي وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: ﴿تَمَنَّى﴾ أي: تلا وقرأ كتاب الله ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل:\nتمنى كتاب الله أول ليلة … وآخرها لاقى حمام المقادر (^٥)\nوقال الضحاك: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ إذا تلا (^٦). قال ابن جرير هذا القول أشبه بتأويل الكلام.\nوقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ حقيقة النسخ لغة: الإزالة والرفع.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي فيبطل الله ﷾ ما ألقى الشيطان (^٧).\nوقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته (^٨).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بما يكون من الأمور والحوادث لا تخفى عليه خافية ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامة والحجة البالغة، ولهذا قال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك وشرك وكفر ونفاق؛ كالمشركين حين فرحوا بذلك واعتقدوا أنه صحيح من عند الله، وإنما كان من الشيطان.\nقال ابن جريج: ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم المنافقون، ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم المشركون (^٩).\nوقال مقاتل بن حيان: هم اليهود ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في ضلال ومخالفة وعناد بعيد؛ أي من الحق والصواب،\n\n<span id=\"aya-2649\"></span>﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل والمؤمنون بالله ورسوله أن\n_________\n(^١) الشفا ٢/ ٧٥٠.\n(^٢) أخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم (الصحيح، تفسير سورة الحج باب ٢٢)، وقال الحافظ ابن حجر: وصله الطبري من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس مقطعًا (فتح الباري ٨/ ٤٣٨).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) معالم التنزيل ٣/ ٢٩٣.\n(^٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٨) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف مقطعًا، وفيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.","vol":"5","page":434},{"text":"ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك الذي أنزله بعلمه وحفظه، وحرسه أن يختلط به وغيره بل هو كتاب حكيم ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت].\nوقوله: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أي: يصدقوه وينقادوا له، ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تخضع وتذل له قلوبهم، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم الصراط المستقيم الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات.\n\n<span id=\"aya-2650\"></span>\n\n<span id=\"aya-2651\"></span>﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار: إنهم لا يزالون في مرية (^١)؛ أي في شك من هذا القرآن، قاله ابن جريج واختاره ابن جرير.\nوقال سعيد بن جبير وابن زيد ﴿مِنْهُ﴾ (^٢)؛ أي مما ألقى الشيطان.\n﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ قال مجاهد: فجأة.\nوقال قتادة: ﴿بَغْتَةً﴾ بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون.\nوقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال مجاهد: قال أُبي بن كعب: هو يوم بدر (^٣)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير (^٤). قال عكرمة ومجاهد في رواية عنهما: هو يوم القيامة، لا ليل له، وكذا قال الضحاك والحسن البصري (^٥)، وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به لكن هذا هو المراد، ولهذا قال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة] وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان].\n﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وصدقوا بالله ورسوله وعملوا بمقتضى ما علموا، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي: لهم النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول ولا يبيد.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٢) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن أبي وحشية عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري من طريق قتادة عن أُبي، وسنده منقطع؛ لأن قتادة لم يسمع من أُبي، وأخرجه الضياء المقدسي عن ابن عباس (المختارة ١٠/ ٨٩، ٩٠).\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري من طريقين يقوي أحدهما الآخر، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مجهول عن الضحاك.","vol":"5","page":435},{"text":"<span id=\"aya-2652\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كفرت قلوبهم بالحق وجحدوا به، وكذبوا به وخالفوا الرسل واستكبروا عن اتباعهم ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: مقابلة استكبارهم وإعراضهم عن الحق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] أي: صاغرين.\n\n<span id=\"aya-2653\"></span>﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾.\nيخبر تعالى عمن خرج مهاجرًا في سبيل الله ابتغاء مرضاته وطلبًا لما عنده، وترك الأوطان والأهلين والخلّان، وفارق بلاده في الله ورسوله، ونصرة لدين الله ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾؛ أي في الجهاد، ﴿أَوْ مَاتُوا﴾؛ أي حتف أنفهم؛ أي من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل والثناء الجميل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].\nوقوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أي: ليجرين عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ أي: الجنة كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ [الواقعة] فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم، كما قال ههنا: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾\n\n<span id=\"aya-2654\"></span>ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ أي: بمن يهاجر ويجاهد في سبيله وبمن يستحق ذلك ﴿حَلِيمٌ﴾ أي: يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب، ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه وتوكلهم عليه.\nفأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فإنه حي عند ربه يرزق كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران]، والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم، وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه وعظيم إحسان الله إليه.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن شريح، عن ابن الحارث -يعني: عبد الكريم-، عن ابن عقبة -يعني: أبا عبيدة بن عقبة- قال: قال حدثنا شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمرَّ بي سلمان -يعني: الفارسي ﵁-، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من مات مرابطًا أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق، وأَمِن من الفتّانين، واقرأوا إن شئتم ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾ \" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من طريق عبد الرحمن بن شريح به بدون ذكر الآية، ومن طريق مكحول عن شرحبيل بن السمط به، بلفظ: وأَمنَ الفتَّان، وبدون ذكر الآية (الصحيح، الإمارة، باب فضل الرباط) (ح ١٩١٣).","vol":"5","page":436},{"text":"وقال أيضًا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا زيد بن بشر، أخبرني همام أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المعافري يقولان: كنا برودس (^١)، ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ، فمر بجنازتين إحداهما قتيل، والأخرى متوفى، فمال الناس على القتيل، فقال فضالة: ما لي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله، فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت؟ اسمعوا كتاب الله ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ حتى بلغ آخر الآية (^٢).\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عبيدة بن سليمان، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا ابن لهيعة، [حدثنا] (^٣) سلامان بن عامر الشيباني أن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني، حدثه أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين أحدهما أصيب بمنجنيق، والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت إن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا …﴾ الآيتين، فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلًا ترضاه، ورزقت رزقًا حسنًا؟ والله أما أبالي من أي حفرتيهما بعثت.\nورواه ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرًا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل والآخر متوفى … فذكر نحو ما تقدم (^٤).\n\n<span id=\"aya-2655\"></span>وقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ …﴾ الآية، ذكر مقاتل بن حيان وابن جريج أنها نزلت في سرية من الصحابة لقوا جمعًا من المشركين في شهر محرم، فناشدهم المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا قتالهم، وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون فنصرهم الله عليهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (^٥).\n\n<span id=\"aya-2656\"></span>﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾.\nيقول تعالى منبهًا على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، كما قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ\n_________\n(^١) رودس: جزيرة في البحر الأبيض المتوسط شمال الإسكندرية، غزاها المسلمون زمن معاوية ﵁ (معجم البلدان ٢/ ١٣٢).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سلامان بن عامر عن فضالة بنحوه، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم، كما سيأتي بالرواية التالية، وهذان الطريقان يقوي أحدهما الآخر.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"سقط\".\n(^٤) تقدم تخريجه في سابقه.\n(^٥) قول مقاتل بن حيان عزاه السيوطي في الدر المنثور ولباب النقول إلى ابن أبي حاتم، وسنده معضل؛ لأن مقاتل بن حيان تابع تابعي، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، وابن جريج أيضًا تابع تابعي.","vol":"5","page":437},{"text":"الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران]، ومعنى: إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل: إدخاله من هذا في هذا ومن هذا في هذا، فتارة يطول الليل ويقصر النهار كما في الشتاء، وتارة يطول النهار ويقصر الليل كما في الصيف.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي: سميع بأقوال عباده، بصير بهم، لا يخفى عليه منهم خافية في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم، ولما بيّن أنه المتصرف في الوجود، الحاكم الذي لا معقب لحكمه\n\n<span id=\"aya-2657\"></span>قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ذو السلطان العظيم الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ أي: من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل؛ لأنه لا يملك ضرًا ولا نفعًا. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ كما قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه ﷿ عما يقول الظالمون المعتدون علوًا كبيرًا.\n\n<span id=\"aya-2658\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾.\nوهذا أيضًا من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه، فإنه يرسل الرياح فتثير سحابًا فيمطر على الأرض الجرز التي لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة سوادء فحلة، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، وقوله: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ الفاء ههنا للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل شيئين أربعين يومًا (^١)، ومع هذا هو معقب بالفاء، وهكذا ههنا قال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أي: خضراء بعد يباسها ومحولها. وقد ذكر عن بعض أهل الحجاز أنها تصبح عقب المطر خضراء، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي: عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها من الحب وإن صغر، ولا يخفى عليه خافية، فيوصل إلى كل منه قسطه من الماء فينبته به، كما قال لقمان: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان]، وقال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير الآية (٥) من هذه السورة.","vol":"5","page":438},{"text":"وَالْأَرْضِ﴾ [النمل:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ. . .﴾ الآية [يونس: ٦١]، ولهذا قال أُمية بن أبي الصلت أو زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته:\nوقولا له من ينبت الحب في الثرى؟ … فيصبح منه البقل يهتز رابيًا\nويخرج منه حبة في رؤوسه … ففي ذاك آيات لمن كان واعيًا (^١)\n\n<span id=\"aya-2659\"></span>وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ملكه جميع الأشياء، وهو غني عما سواه وكل شيء فقير إليه عبد لديه.\n\n<span id=\"aya-2660\"></span>وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: من حيوان وجماد وزروع وثمار، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، أي: من إحسانه وفضله وامتنانه ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أي: بتسخيره وتسييره؛ أي في البحر العجاج وتلاطم الأمواج تجري الفلك بأهلها بريح طيبة ورفق وتؤدة فيحملون فيها ما شاءوا من تجائر وبضائع ومنافع من بلد إلى بلد وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك مما يحتاجون إليه ويطلبونه ويريدونه ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: مع ظلمهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦].\n\n<span id=\"aya-2661\"></span>وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾ كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة]. وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية: ٢٦]. وقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] ومعنى الكلام: كيف تجعلون لله أندادًا وتعبدون معه غيره وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ أي: خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا يذكر، فأوجدكم ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أي: جحود.\n\n<span id=\"aya-2662\"></span>﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾.\nيخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكًا، قال ابن جرير: يعني لكل أمة نبي منسكًا، قال: وأصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد إليه إما لخير أو شر، قال: ولهذا سميت مناسك الحج بذلك لترداد الناس (^٢) إليها وعكوفهم عليها، فإن كان كما قال من أن المراد لكل أمة نبي جعلنا منسكًا، فيكون المراد بقوله: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: هؤلاء\n_________\n(^١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٢٢٨.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"5","page":439},{"text":"المشركين، وإن كان المراد لكل أمة جعلنا منسكًا جعلًا قدريًا كما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]، ولهذا قال ههنا: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ أي: فاعلوه، فالضمير ههنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق؛ أي هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته، فلا تتأثر بمنازعتهم لك ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود، وهذا كقوله: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧].\n\n<span id=\"aya-2663\"></span>\n\n<span id=\"aya-2664\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨)﴾؛ كقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس].\nوقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد؛ كقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف: ٨]، ولهذا قال: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾، وهذه كقوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ [الشورى].\n\n<span id=\"aya-2665\"></span>﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾.\nيخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السموات وما في الأرض، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء\" (^١).\nوفي السنن من حديث جماعة من الصحابة: أن رسول الله ﷺ قال: \"أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة\" (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش ﵎: اكتب، فقال القلم: وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة، فذلك قوله للنبي ﷺ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، القدر، باب حِجاج آدم وموسى (ح ٢٦٥٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود، السنن، السنة، باب القدر (ح ٤٧٠٠)، والترمذي، تفسير القرآن، باب سورة الحج، (ح ٣٣١٩) وحسنه، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٣٣).\n(^٣) سنده حسن بالشواهد المتقدمة.","vol":"5","page":440},{"text":"وهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها، وقدّرها وكتبها أيضًا، فما العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك على الوجه الذي يفعلونه، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره، وهذا يعصي باختياره، وكتب ذلك عنده وأحاط بكل شيء علمًا، وهو سهل عليه يسير لديه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-2666\"></span>﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا وعبدوا من دون الله ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾؛ يعني: حجة وبرهانًا، كقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون]، ولهذا قال ههنا: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه، وإنما هو أمر تلقّوه عن آبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سوَّل لهم الشيطان وزينه لهم، ولهذا توعدهم تعالى بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي: من ناصر ينصرهم من الله فيما يحل بهم من العذاب والنكال.\n\n<span id=\"aya-2667\"></span>ثم قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: وإذا ذكرت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو، وأن رسله الكرام حق وصدق ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي: يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة من القرآن، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: النار وعذابها ونكالها أشد وأشق وأطم وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم إن نلتم بزعمكم وإرادتكم.\nوقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِير﴾ أي: وبئس النار مقيلًا ومنزلًا ومرجعًا وموئلًا ومقامًا ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ [الفرقان].\n\n<span id=\"aya-2668\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾.\nيقول تعالى منبهًا على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أي: لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أي: أنصتوا وتفهموا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أي: لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك. كما قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي","vol":"5","page":441},{"text":"هريرة رفع الحديث قال: \"ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا مثل خلقي ذرة أو ذبابة أو حبة\" (^١). وأخرجه صاحبا الصحيح من طريق عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"قال الله ﷿: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؛ فليخلقوا ذرة؛ فليخلقوا شعيرة\" (^٢).\nثم قال تعالى أيضًا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أي: هم عاجزون عن خلق ذباب واحد؛ بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه لو سلبها شيئًا من الذي عليها من الطيب، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك، هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قال ابن عباس: الطالب: الصنم، والمطلوب: الذباب (^٣)، واختاره ابن جرير، وهو ظاهر السياق.\nوقال السدي وغيره: الطالب: العابد، والمطلوب: الصنم (^٤).\n\n<span id=\"aya-2669\"></span>ثم قال: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧] ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣)﴾ [البروج]، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات].\nوقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ أي: قد عز كل شيء فقهره وغلبه، فلا يمانع ولا يغالب لعظمته وسلطانه، وهو الواحد القهار.\n\n<span id=\"aya-2670\"></span>﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾.\nيخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلًا فيما يشاء من شرعه وقدره ومن الناس لإبلاغ رسالته ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي: سميع لأقوال عباده، بصير بهم، عليم بمن يستحق ذلك منهم، كما قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (^٥).\n\n<span id=\"aya-2671\"></span>وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾ أي: يعلم ما يفعل رسله فيما أرسلهم به، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم، كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٨]، فهو سبحانه رقيب عليهم، شهيد على ما يقال لهم، حافظ لهم، ناصر لجنابهم ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. . .﴾ الآية [المائدة: ٦٧].\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٩١) وسنده حسن، ويشهد له ما يليه.\n(^٢) صحيح البخاري، اللباس، باب نقض الصور (ح ٥٩٥٣)، وصحيح مسلم، اللباس والزينة، باب تحريم الصور (ح ٢١١١).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) كذا بقراءة \"رسالاته\" وهي قراءة متواترة.","vol":"5","page":442},{"text":"<span id=\"aya-2672\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾.\nاختلف الأئمة ﵏ في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود فيها، أم لا؟ على قولين، وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ: \"فضلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما\" (^١).\n\n<span id=\"aya-2673\"></span>وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\nوقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أي: يا هذه الأمة الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضلكم وشرفكم وخصَّكم بأكرم رسول وأكمل شرع ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجًا ومخرجًا، فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعًا، وفي السفر تقصر إلى اثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث (^٢)، وتصلى رجالًا وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط لعذر المرض، فيصليها المريض جالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات، ولهذا قال ﵇: \"بعثت بالحنيفية السمحة\" (^٣).\nوقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن \"بشّرا ولا تنفّرا ويسّرا ولا تعسّرا\" (^٤)، والأحاديث في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يعني: من ضيق (^٥).\nوقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ قال ابن جرير: نصب على تقدير ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق؛ بل وسعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم، قال: ويحتمل أنه منصوب على تقدير: ألزموا ملة أبيكم إبراهيم (^٦).\n(قلت): وهذا المعني في هذه الآية كقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا …﴾ الآية [الأنعام: ١٦١].\nوقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ وفي هذا قال الإمام عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: الله ﷿ (^٧)،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الآية ١٨ من هذه السورة.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١٠٢.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٨٥.\n(^٤) تقدم تخريجه كسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بثلاثة أسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٦) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٧) سنده صحيح، لأن عطاء هو ابن أبي رباح، كما صرح الطبري إذ أخرجه من طريق ابن جريج عن عطاء ابن أبي رباح به، وأخرجه الطبري أيضًا بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"5","page":443},{"text":"وكذا قال مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة (^١).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: إبراهيم، وذلك قوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] (^٢)، قال ابن جرير: وهذا لا وجه له؛ لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين، وقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ (^٣)، قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر (^٤)، ﴿وَفِي هَذَا﴾ يعني: القرآن، وكذا قال غيره.\n(قلت): وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه، بأنه مِلَّة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منِتَّه تعالى على هذه الأمة بما نوّه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان، فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا القرآن ﴿وَفِي هَذَا﴾.\nوقد قال النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام أخبره عن أبي سلام أنه أخبره، قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله ﷺ: \"من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم\" قال رجل: يا رسول الله ﷺ وإن صام وصلى؟ قال: \"نعم، وإن صام وصلى\" فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله\"، وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ من سورة البقرة (^٥)، ولهذا قال: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: إنما جعلناكم هكذا أمة وسطًا عدولًا خيارًا مشهودًا بعدالتكم عند جميع الأمم، لتكونوا يوم القيامة ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ لأن جميع الأمم معترفة يومئذٍ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها، فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك، وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته (^٦).\nوقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: قابلوا هده النعمة العظيمة بالقيام بشكرها فأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض وطاعة ما أوجب وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقام الصلاة\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لم يصرح الطبري باسم شيخه، ويشهد له ما سبق.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"القرآن\"، وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد بلفظه، وابن جريج لم يسمع من مجاهد.\n(^٥) تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢١.\n(^٦) تقدم تخريجه في الآية ١٤٣ من سورة البقرة.","vol":"5","page":444},{"text":"وإيتاء الزكاة، وهو الإحسان إلى خلق الله بما أوجب للفقير على الغني من إخراج جزء نزر من ماله في السنة للضعفاء والمحاويج، كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة التوبة (^١).\nوقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ أي: اعتضدوا بالله واستعينوا به وتوكلوا عليه وتأيدوا به ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ أي: حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ يعني: نِعم الولي ونعم الناصر من الأعداء.\nقال وهيب بن الورد: يقول الله تعالى: ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. رواه ابن أبي حاتم، والله أعلم (^٢).\nآخر تفسير سورة الحج، ولله الحمد والمنّة، والثناء الحسن، وأسأله التوفيق والعصمة في سائر الأفعال والأقوال، وصلى الله على سيدنا محمد وسلّم.\n_________\n(^١) في الآية رقم ٦٠.\n(^٢) سنده معضل.","vol":"5","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-135>سورة المؤمنون</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-2674\"></span>\n\n<span id=\"aya-2675\"></span>﷽\n﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني يونس بن سُليم قال: أملى عليَّ يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري؟ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، فلبثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه، وقال: \"اللَّهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا\"، ثم قال: \"لقد أنزل عليَّ عشر آيات من أقامهنَّ دخل الجنة\" ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ حتى ختم العشر (^١). وكذا رواه الترمذي في تفسيره، والنسائي في الصلاة من حديث عبد الرزاق به، وقال الترمذي: منكر لا نعرف أحدًا رواه غير يونس بن سليم، ويونس لا نعرفه (^٢).\nوقال النسائي في تفسيره: أنبأنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جعفر، عن أبي عمران، عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة أم المؤمنين: كيف كان خلق رسول الله ﷺ؟ قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن، فقرأت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ حتى انتهت إلى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ قالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ١/ ٣٥٠ - ٣٥١ ح ٢٢٣) لجهالة يونس بن سُليم، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: سئل عبد الرزاق عن شيخه ذا فقال: أظنه لا شيء (المستدرك ٢/ ٣٩٢).\n(^٢) سنن الترمذي، التفسير، سورة المؤمنون (ح ٣٧٢١)، والسنن الكبرى للنسائي، الوتر، باب رفع اليدين في الدعاء (ح ١٤٣٩).\n(^٣) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير ح ١١٣٥٠)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح ٣٠٨)، وفال الألباني: صحيح لغيره (صحيح الأدب المفرد ح ٢٣٤)، وأخرجه البستي والحاكم كلاهما من طريق قتيبة بن سعيد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٢).","vol":"5","page":446},{"text":"وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد وأبي العالية وغيرهم: لمّا خلق الله جنة عدن وغرسها بيده نظر إليها وقال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ قال كعب الأحبار: لما أعد لهم من الكرامة فيها (^١). وقال أبو العالية: فأنزل الله ذلك في كتابه (^٢).\nوقد روي ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا، فقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا المغيرة بن سلمة، حدثنا وهيب، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرسها وقال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ فدخلتها الملائكة، فقالت: طوبى لك منزل الملوك (^٣).\nثم قال: وحدثنا بشر بن آدم، وحدثنا يونس بن عبيد الله [العمري] (^٤)، حدثنا عدي بن الفضل، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: \"خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك -قال البزار: ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث- حائط الجنة لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك. فقال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك\" ثم قال البزار: لا نعلم أحدًا رفعه إلا عدي بن الفضل وليس هو بالحافظ (^٥). وهو شيخ متقدم الموت.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما خلق الله جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ \" بقية عن الحجازيين ضعيف (^٦).\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا حماد بن عيسى العبسي، عن إسماعيل السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس يرفعه: \"لما خلق الله جنة عدن بيده، ودلى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ قال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل\" (^٧).\nوقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن المثنى البزار، حدثنا محمد بن زياد الكلبي،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند رجاله ثقات عن كعب، لكنه مرسل ويتقوى بما يليه، وقول مجاهد أخرجه الطبري وهو مرسل أيضًا ويتقوى بما يليه.\n(^٢) أخرجه الطبري وهو أيضًا مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق حماد بن سلمة عن الجريري به (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٤٨٠ ح ٢٢٥٣)، قال الهيثمي: ورجال الموقوف رجال الصحيح، وأبو سعيد لا يقول هذا إلا بتوقيف (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٩٧).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"العبير\".\n(^٥) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ح ٢٢٢٥٤)، وسنده ضعيف؛ لأن عدي بن الفضل متروك الحديث، كما قال ابن معين وأبي حاتم، نقله الذهبي في ميزان الاعتدال.\n(^٦) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١١/ ١٨٤ ح ١١٤٣٩)، وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٧) أخرجه الطبراني (المعجم الأوسط ٥/ ٣٤٩ ح ٥٥١٨)، وسنده ضعيف لضعف أبي صالح، وهو باذام مولى أُم هانئ.","vol":"5","page":447},{"text":"حدثنا يعيش بن حسين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"خلق الله جنة عدن بيده: لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء؛ ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزعفران، ثم قال لها: انطقي، قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ فقال الله: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل\" ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^١) [الحشر: ٩].\nفقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ أي: قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح، وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿خَاشِعُونَ﴾ خائفون: ساكنون (^٢)، وكذا روي عن مجاهد والحسن وقتادة والزهري (^٣).\nوعن علي بن أبي طالب ﵁: الخشوع خشوع القلب، وكذا قال إبراهيم النخعي (^٤).\nوقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح (^٥).\nوقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم، إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١ ضض) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٦). ثم روى ابن جرير عنه، وعن عطاء بن أبي رباح أيضًا مرسلًا: أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك حتى نزلت هذه الآية.\nوالخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها واشتغل بها عما عداها وآثرها على غيرها، وحينئذٍ تكون راحة له وقُرَّة عين، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي، عن أنس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"حُبب إليّ: الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة\" (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (صفة الجنة ح ٢٠)، وسنده ضعيف لضعف محمد بن زياد الكلبي كما في ميزان الاعتدال، وأخرجه الحاكم وصححه، وضعفه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٢).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) قول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه.\n(^٤) قول علي ﵁ أخرجه عبد الله بن المبارك (الزهد برقم ١١٤٨)، والطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عنه، وأخرجه الحاكم من طريق صرح باسم الرجل المبهم، وهو عبيد الله بن أبي رافع عن علي ﵁ وصححه، ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٣)، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، ويشهد له سابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن شوذ، وهو عبد الله، عن الحسن البصري.\n(^٦) أخرجه البستي والطبري بسند رجاله ثقات عن محمد بن سيرين، لكنه مرسل.\n(^٧) (المسند ١٩/ ٣٠٥ ح ١٢٢٩٣)، وحسنه محققوه، وسنن النسائي ٧/ ٦١.","vol":"5","page":448},{"text":"عن رجل من أسلم: أن رسول الله ﷺ قال: \"يا بلال، أرحنا بالصلاة\" (^١).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد؛ أن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار، فحضرت الصلاة، فقال: يا جارية ائتني بوضوء لعلي أصلي فأستريح، فرآنا أنكرنا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2676\"></span>وقولى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ أي: عن الباطل، وهو يشمل الشرك كما قاله بعضهم، والمعاصي كما قاله آخرون، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].\nقال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقفهم عن ذلك.\n\n<span id=\"aya-2677\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا: زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [١٤١].\nوقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة ههنا: زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس]، وكقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت] على أحد القولين في تفسيرهما، وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2678\"></span>\n\n<span id=\"aya-2679\"></span>\n\n<span id=\"aya-2680\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا ولواط، لا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، أو ما ملكت أيمانهم من السراري ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أي: غير الأزواج والإماء ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أي: المعتدون.\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة: أن امرأة اتخذت مملوكها وقالت: تأوّلت آية من كتاب الله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فأُتي بها عمر بن الخطاب ﵁، وقال له ناس من أصحاب النبي ﷺ: تأوّلت آية من كتاب الله ﷿ على غير\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: رجاله ثقات (المسند ٣٨/ ١٧٨، ١٧٩ ح ٢٣٠٨٨)، ولم يجزموا بصحته، وقد أخرجه أبو داود من طريق مسعر به (السنن، الأدب، باب في صلاة العتمة ح ٤٩٨٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٧١).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه كقولهم في سابقه، وأخرجه أبو داود من طريق إسرائيل به (المصدر السابق ح ٤٩٨٦)، وصححه أيضًا الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٧٢).","vol":"5","page":449},{"text":"وجهها، قال: فغرَّب العبد وجزَّ رأسه، وقال: أنتِ بعده حرام على كل مسلم (^١). هذا أثر غريب منقطع، ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة المائدة، وهو ههنا أليق، وإنما حرمها على الرجال معاملة لها بنقيض قصدها، والله أعلم.\nوقد استدل الإمام الشافعي ﵀ ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال: فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾، وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور، حيث قال: حدثني علي بن ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: \"سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العالمين، ويدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا، ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره\" هذا حديث غريب، وإسناده فيه مَن لا يعرف لجهالته (^٢)، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2681\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا؛ بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك لا كصفات المنافقين الذي قال فيهم رسول الله ﷺ: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-2682\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ أي: يواظبون عليها في مواقيتها، كما قال ابن مسعود: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله؟ قال: \"الصلاة على وقتها\". قلت: ثم أي؟ قال: \"بر الوالدين\". قلت: ثم أي؟ قال: \"الجهاد في سبيل الله\". أخرجاه في الصحيحين (^٤). وفي مستدرك الحاكم قال: \"الصلاة في أول وقتها\" (^٥).\nوقال ابن مسعود ومسروق في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾: يعني في مواقيت الصلاة (^٦)، وكذا قال أبو الضحى وعلقمة بن قيس وسعيد بن جبير وعكرمة (^٧).\nوقال قتادة: على مواقيتها وركوعها وسجودها (^٨).\nوقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة، واختتمها بالصلاة فدلَّ على أفضليتها كما\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه في سورة المائدة آية (٥) ٩/ ٥٨٦ رقم ١١٢٧٧، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع الذي أشار إليه الحافظ ابن كثير، وذلك أن قتادة لم يسمع من عمر ﵁.\n(^٢) وهو مسلمة بن جعفر وحسان بن حميد، كما صرح الذهبي في ميزان الاعتدال، فسنده ضعيف.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٧.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٨٣.\n(^٥) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٨٨).\n(^٦) قول ابن مسعود عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وقول مسروق أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي الضحى، وهو مسلم بن صُبيح، عن ابن مسعود.\n(^٧) قول أبي الضحى أخرجه الطبري بسند صحيح عن الأعمش عنه.\n(^٨) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"5","page":450},{"text":"قال رسول الله ﷺ: \"استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\" (^١).\n\n<span id=\"aya-2683\"></span>\n\n<span id=\"aya-2684\"></span>ولما وصفهم تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾.\nوثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن\" (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ \" (^٣).\nوقال ابن جريج، عن ليث، عن مجاهد ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ قال: ما من عبد إلا وله منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبني بيته الذي في الجنة ويهدم بيته الذي في النار، وأما الكافر فيهدم بيته الذي في الجنة ويبني بيته الذي في النار (^٤). وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك (^٥)، فالمؤمنون يرثون منازل الكفار؛ لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له، أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم ﷿؛ بل أبلغ من هذا أيضًا، وهو ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بُردة عن أبي موسى عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \"يجيء ناس يوم القيامة من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى\" (^٦).\nوفي لفظ له: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقال: هذا فكاكك من النار\" فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات، أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ بذلك، قال: فحلف له (^٧).\nقلت: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم]، وكقوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف]، وقد قال مجاهد\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من حديث ثوبان ﵁، وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح، (المسند ٣٧/ ٦٠ ح ٢٢٣٧٨).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٣٣.\n(^٣) سنده صحيح، وأخرجه ابن ماجه من طريق أحمد بن سنان به (السنن، الزهد، باب صفة الجنة ح ٤٣٤١)، وصححه البوصيري والحافظ ابن حجر (فتح الباري ١١/ ٤٤٢)، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه في آخر حديث من السنن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به ويشهد له سابقه.\n(^٥) يشهد له حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٦) أخرجه مسلم (الصحيح، التوبة، باب قبول توبة القاتل ح ٢٧٦٧/ ٤٩).\n(^٧) المصدر السابق (٢٧٦٧/ ٥٠).","vol":"5","page":451},{"text":"وسعيد بن جبير: الجنة بالرومية هي الفردوس (^١).\nوقال بعض السلف: لا يسمى البستان: الفردوس، إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2685\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين، وهو آدم ﵇ خلقه اللَّه من صلصال من حمإ مسنون.\nوقال الأعمش: عن المنهال بن عمرو، عن أبي يحيى، عن ابن عباس ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ قال: من صفوة الماء (^٢).\nوقال مجاهد: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ أي: من مني آدم (^٣).\nوقال ابن جرير: إنما سمّي آدم طينًا؛ لأنَّهُ مخلوق منه (^٤).\nوقال قتادة: استلَّ آدم من الطين (^٥).\nوهذا أظهر في المعنى وأقرب إلى السياق، فإن آدم ﵇ خلق من طين لازب، وهو الصلصال من الحمإ المسنون، وذلك مخلوق من التراب، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم].\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا عوف، حَدَّثَنَا قسامة بن زهير، عن أبي موسى، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"إن اللَّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك\" (^٦)، وقد رواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به نحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح (^٧).\n\n<span id=\"aya-2686\"></span>\n\n<span id=\"aya-2687\"></span>﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ هذا الضمير عائد على جنس الإنسان، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾ [السجدة] أي: ضعيف، كما قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)﴾ يعني: الرحم معد لذلك مهيأ له ﴿إِلَى\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن جريج لم يسمع من مجاهد، وأخرجه البستي بسند صحيح عن ابن جريج بدون ذكر مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، عن أبي معاوية عن الأعمش به. وسنده ضعيف، وأخرجه البستي بسند صحيح من طريق المنهال عن أبي يحيى، بدون ذكر ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وزيادة: والسهل والحزن، وصحح سنده محققوه (المسند ٣٢/ ٣٥٣ ح ١٩٥٨٢).\n(^٧) سنن أبي داود، السنة، باب في القدر (ح ٤٦٩٣)، وسنن الترمذي، التفسير، سورة البقرة (ح ٢٩٥٥)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٦١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٢٦).","vol":"5","page":452},{"text":"قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ [المرسلات] أي: مدة معلومة وأجل معين حتَّى استحكم وتنقل من حال إلى حال وصفة إلى صفة، ولهذا قال ههنا: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أي: ثم صيرنا النطفة، وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل وهو ظهره، وترائب المرأة، وهي عظام صدرها، ما بين الترقوة إلى السرة، فصارت علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة.\nقال عكرمة: وهي: دم (^١). ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ وهي قطعة كالبضعة من اللّحم لا شكل فيها ولا تخطيط ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ يعني: شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها.\nوقرأ آخرون: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ (^٢). قال ابن عَبَّاسٍ: وهو عظم الصلب.\nوفي الصحيح من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"كل جسد ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب\" (^٣).\n﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ أي: وجعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أي: ثم نفخنا فيه الروح، فتحرك وصار خلقًا آخر، ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا جعفر بن مسافر، حَدَّثَنَا يحيى بن حسان، حَدَّثَنَا النضر -يعني: ابن كثير مولى بني هاشم-، حَدَّثَنَا زيد بن علي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إذا نمت النطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكًا فنفخ فيها الروح في ظلمات ثلاث، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (^٤) يعني: نفخنا فيه الروح، وروي عن أبي سعيد الخدري أنه نفخ الروح، قال ابن عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني: فنفخنا فيه الروح (^٥)، وكذا قال مجاهد وعكرمة والشعبي والحسن وأبو العالية والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد (^٦)، واختاره ابن جرير.\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني: ننقله من حال إلى حال إلى أن خرج طفلًا ثم نشأ صغيرًا، ثم احتلم ثم صار شابًا، ثم كهلًا ثم شيخًا ثم هرمًا (^٧). وعن قتادة\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) وهي قراءة متواترة.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير سورة المرسلات، باب قوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾ [المرسلات] (ح ٤٩٣٥).\n(^٤) سنده ضعيف لضعف النضر بن كثير (التقريب ص ٥٦٢).\n(^٥) أخرجه البستي والطبري من طريق الحجاج بن أرطأة عن عطاء عن ابن عباس، وفيه الحجاج كثير الخطأ والتدليس، ويتقوى بما يليه.\n(^٦) قول عكرمة أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن الأصبهاني عنه، ولم أقف على ترجمة عبد الرحمن وبقية رجاله ثقات، وقد روي من طرق صحيحة فأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي، وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بمعناه.","vol":"5","page":453},{"text":"والضحاك نحو ذلك (^١)، ولا منافاة فإنه من ابتداء نفخ الروح فيه شرع في هذه التنقلات والأحوال، والله أعلم.\nقال الإمام أحمد في مسنده: حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود ﵁- قال: حَدَّثَنَا رسول اللَّه ﷺ، وهو الصادق المصدوق: \"إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وهل هو شقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتَّى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتَّى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها\" أخرجاه من حديث سليمان بن مهران الأعمش (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة قال: قال عبد اللَّه -يعني: ابن مسعود-: إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعر وظفر، فتمكث أربعين يومًا، ثم تعود في الرحم فتكون علقة (^٣).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا حسين بن الحسن، حَدَّثَنَا [أبو كدينة] (^٤)، عن عطاء بن السائب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد اللَّه قال: مر يهودي برسول اللَّه ﷺ وهو يحدث أصحابه، فقالت قريش: يا يهودي، إن هذا يزعم أنه نبي، فقال: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي، قال: فجاءه حتَّى جلس، فقال: يا محمد، ممّ يخلق الإنسان؟ فقال: \"يا يهودي من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة، فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب، وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم\" [فقال: هكذا كان يقول من قبلك] (^٥) (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سفيان، عن عمرو، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أُسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين ليلة، فيقول: يا رب ماذا؟ أشقي أم سعيد، أذكر أم أُنثى؟ فيقول اللَّه، فيكتبان، ويكتب عمله وأثره ومصيبته، ورزقه، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص\" (^٧). وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو -هو: ابن دينار- به نحوه، ومن طريق أخرى عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أُسيد أبي سريحة الغفاري بنحوه (^٨)، والله أعلم.\n_________\n(^١) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٣٤.\n(^٣) سنده صحيح ويشهد له سابقه.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"أبو لدينة\".\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل سقط.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ٧/ ٤٣٧ ح ٤٤٣٨).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٦)، وسنده صحيح.\n(^٨) صحيح مسلم، القدر، باب كيفية الخلق الآدمي … (ح ٢٦٤٤).","vol":"5","page":454},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا أحمد بن عبدة، حَدَّثَنَا حماد بن زيد، حَدَّثَنَا عبيد اللَّه بن أبي بكر، عن أنس: أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"إن اللَّه وكل بالرحم ملكًا، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد اللَّه خلقها قال: أي رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ قال: فذلك يكتب في بطن أمه\" (^١). أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد به (^٢).\nوقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ يعني: حين ذكر قدرته ولطفه في خلق هذه النطفة من حال إلى حال وشكل إلى شكل حتَّى تصورت إلى ما صارت إليه من الإنسان السوي الكامل الخلق، قال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا يونس بن حبيب، حَدَّثَنَا أبو داود، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، حَدَّثَنَا علي بن زيد، عن أنس قال: قال عمر -يعني: ابن الخطاب ﵁-: وافقت ربي ووافقني في أربع: نزلت هذه الآية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الآية، قلت أنا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، فنزلت: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (^٣).\nوقال أيضًا: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا آدم بن أبي إياس، حَدَّثَنَا شيبان، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن زيد بن ثابت الأنصاري قال: أملي علي رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ فقال معاذ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فضحك رسول اللَّه ﷺ، فقال له معاذ: مم تضحك يا رسول اللَّه؟ فقال: \"بها ختمت فتبارك اللَّه أحسن الخالقين\" (^٤)، وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي ضعيف جدًا، وفي خبره هذا نكارة شديدة، وذلك أن هذه السورة مكية، وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضًا، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2688\"></span>\n\n<span id=\"aya-2689\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ يعني: بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ يعني: النشأة الآخرة ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] يعني: يوم المعاد، وقيام الأرواح إلى الأجساد، فيحاسب الخلائق، ويوفّى كل عامل عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.\n\n<span id=\"aya-2690\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾.\nلما ذكر تعالى خلق الإنسان، عطف بذكر خلق السموات السبع، وكثيرًا ما يذكر تعالى خلق السموات والأرض مع خلق الإنسان، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وهكذا في أول ﴿الم (١)﴾ السجدة التي كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ بها صبيحة يوم الجمعة في أولها خلق السموات والأرض، ثم بيان خلق الإنسان من سلالة من طين، وفيها أمر المعاد والجزاء وغير ذلك من المقاصد.\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، القدر، باب كيفية الخلق الآدمي … (ح ٢٦٤٦).\n(^٣) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف جابر الجعفي، كما قرر الحافظ ابن كثير، إذ ضعفه سندًا ومتنًا.","vol":"5","page":455},{"text":"وقوله: ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ قال مجاهد: يعني: السموات السبع (^١)، وهذه كقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ [نوح] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق] وهكذا قال ههنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ أي: و﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، وهو سبحانه لا يحجب عنه سماء سماء ولا أرض أرضًا، ولا جبل إلا يعلم ما في وعره، ولا بحر إلا يعلم ما في قعره، يعلم عدد ما في الجبال والتلال والرمال والبحار والقفار والأشجار ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\n\n<span id=\"aya-2691\"></span>﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾.\nيذكر تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى في إنزاله القطر من السماء ﴿بِقَدَرٍ﴾ أي: بحسب الحاجة لا كثيرًا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلًا فلا يكفي الزروع والثمار؛ بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتَّى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيرًا لزرعها ولا تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها، يسوق إليها الماء من بلاد أخرى، كما في أرض مصر ويقال لها: الأرض الجُرز، يسوق اللَّه إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طينًا أحمر فيسقي أرض مصر ويقر الطين على أرضهم ليزرعوا فيه؛ لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال، فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور.\nوقوله: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا في الأرض قابلية له تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى.\nوقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ أي: لو شئنا أن لا تمطر لفعلنا، ولو شئنا لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري والقفار لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه أجاجًا لا ينتفع به لشرب ولا لسقي لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض بل ينجر على وجهها لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مدى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا، ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم الماء من السحاب عذبًا فراتًا زلالًا، فيسكنه في الأرض ويسلكه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار ويسقي به الزروع والثمار، وتشربون منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون منه وتتنظفون، فله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد (العظمة ٣/ ١٣٨ رقم ٥٦٠)، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد اللَّه بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.","vol":"5","page":456},{"text":"<span id=\"aya-2692\"></span>وقوله: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ يعني: فأخرجنا لكم بما أنزلنا من السماء ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي بساتين ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] أي: ذات منظر حسن.\nوقوله: ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ أي: فيها نخيل وأعناب، وهذا ما كان يألف أهل الحجاز ولا فرق بين الشيء وبين نظيره، وكذلك في حق كل أهل إقليم عندهم من الثمار من نعمة اللَّه عليهم ما يعجزون عن القيام بشكره.\nوقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: من جميع الثمار، كما قال: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: ١١]. وقوله: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ كأنه معطوف على شيء مقدر تقديره تنظرون إلى حسنه ونضجه ومنه تأكلون.\n\n<span id=\"aya-2693\"></span>وقوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ يعني: الزيتونة، والطور: هو الجبل. وقال بعضهم: إنما يسمى طورًا إذا كان فيه شجر، فإن عري عنها سمي جبلًا لا طورًا، والله أعلم، وطور سيناء هو طور سينين، وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران ﵇، وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون. وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ قال بعضهم: الباء زائدة، وتقديره تنبت الدهن، كما في قول العرب: ألقى فلان بيده؛ أي يده، وأما على قول من يضمِّن الفعل، فتقديره تخرج بالدهن أو تأتي بالدهن، ولهذا قال: ﴿وَصِبْغٍ﴾ أي: أدم، قاله قتادة (^١): ﴿لِلْآكِلِينَ﴾ أي: فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ، كما قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، عن عبد اللَّه بن عيسى، عن عطاء الشامي، عن أبي أُسيد واسمه: مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلوا الزيت وادَّهنوا به، فإنه من شجرة مباركة\" (^٢).\nوقال عبد بن حميد في مسنده وتفسيره: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"ائتدموا بالزيت وادَّهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة\" (^٣)، ورواه الترمذي وابن ماجه من غير وجه عن عبد الرزاق. قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه، وكان يضطرب فيه، فربما ذكر فيه عمر، وربما لم يذكره (^٤).\nقال أبو القاسم الطبراني: حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة، حدثني الصعب بن حكيم بن شريك بن نميلة، عن أبيه، عن جده قال: ضفت عمر بن الخطاب ﵁ ليلة عاشوراء فأطعمني من رأس بعير بارد، وأطعمنا زيتًا، وقال: هذا الزيت المبارك الذي قال اللَّه لنبيه ﷺ (^٥).\n\n<span id=\"aya-2694\"></span>\n\n<span id=\"aya-2695\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٩٧)، وأخرجه الحاكم من طريق عطاء الشامي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٧، ٣٩٨) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٣٧٩).\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب رقم ١٣)، وسنده صحيح.\n(^٤) سنن الترمذي، الأطعمة، باب ما جاء في أكل الزيت (١٨٥١)، وسنن ابن ماجه، الأطعمة، باب الزيت (ح ٣٣١٩)، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه ح ٢٦٨٢).\n(^٥) وفي سنده الصعب وأبوه مقبول، وشريك: مستور، كما في تراجمهم في التقريب.","vol":"5","page":457},{"text":"﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ يذكر تعالى ما جعل لخلقه في الأنعام من المنافع، وذلك أنهم يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرث ودم، ويأكلون من حملانها، ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ويركبون ظهورها، ويحملونها الأحمال الثِّقال إلى البلاد النائية عنهم، كما قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ [النحل]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [يس].\n\n<span id=\"aya-2696\"></span>\n\n<span id=\"aya-2697\"></span>\n\n<span id=\"aya-2698\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾.\nيخبر تعالى عن نوح ﵇ حين بعثه إلى قومه لينذرهم عذاب اللَّه وبأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به وخالف أمره وكذب رسله ﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي: ألا تخافون من اللَّه في إشراككم به؟ ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ﴾ وهم السادة والأكابر منهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يعنون يترفع عليكم، ويتعاظم بدعوى النبوة، وهو بشر مثلكم، فكيف أوحي إليه دونكم؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ أي: لو أراد أن يبعث نبيًا لبعث ملكًا من عنده ولم يكن بشرًا ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾؛ أي ببعثة البشر ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم في الدهور الماضية. وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي: مجنون فيما يزعمه من أن الله أرسله إليكم واختصه من بينكم بالوحي ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ أي: انتظروا به ريب المنون، واصبروا عليه مدة حتَّى تستريحوا منه.\n\n<span id=\"aya-2699\"></span>\n\n<span id=\"aya-2700\"></span>﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾.\nيخبر تعالى عن نوح ﵇ أنه دعا ربه ليستنصره على قومه، كما قال تعالى مخبرًا عنه في الآية الأخرى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر] وقال ههنا: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ فعند ذلك أمره اللَّه تعالى بصنعة السفينة وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين؛ أي ذكرًا وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك، وأن يحمل فيها أهله ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي: من سبق عليه القول من اللَّه بالهلاك، وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله كابنه وزوجته، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أي: عند معاينة إنزال المطر العظيم لا تأخذنك","vol":"5","page":458},{"text":"رأفة بقومك وشفقة عليهم، وطمع في تأخيرهم لعلهم يؤمنون، فإني قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان، وقد تقدمت القصة مبسوطة في سورة هود بما يغني عن إعادة ذلك ههنا.\n\n<span id=\"aya-2701\"></span>\n\n<span id=\"aya-2702\"></span>وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، كما قال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف]. وقد امتثل نوح ﵇ هذا، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، فذكر اللَّه تعالى عند ابتداء سيره وعند انتهائه، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾.\n\n<span id=\"aya-2703\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ أي: إن في هذا الصنيع، وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين، ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي لحججًا ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاؤوا به عن اللَّه تعالى، وأنه تعالى فاعل لما يشاء قادر على كل شيء عليم بكل شيء.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين.\n\n<span id=\"aya-2704\"></span>\n\n<span id=\"aya-2705\"></span>\n\n<span id=\"aya-2706\"></span>\n\n<span id=\"aya-2707\"></span>\n\n<span id=\"aya-2708\"></span>\n\n<span id=\"aya-2709\"></span>\n\n<span id=\"aya-2710\"></span>\n\n<span id=\"aya-2711\"></span>\n\n<span id=\"aya-2712\"></span>\n\n<span id=\"aya-2713\"></span>\n\n<span id=\"aya-2714\"></span>﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.\nيخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرنًا آخرين، قيل: المراد بهم عاد، فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم، وقيل: المراد بهؤلاء ثمود لقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾ وأنه تعالى أرسل فيهم رسولًا منهم، فدعاهم إلى عبادة اللَّه وحده لا شريك له، فكذبوه وخالفوه وأبوا عن اتباعه لكونه بشرًا مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشري، وكذبوا بلقاء اللَّه في القيامة وأنكروا المعاد الجثماني وقالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)﴾ أي: بعيد بعيد ذلك ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: فيما جاءكم به من الرسالة والنذارة والإخبار بالمعاد ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩)﴾ أي: استفتح عليهم الرسول واستنصر ربه عليهم، فأجاب دعاءه ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠)﴾ أي: بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾ أي: وكانوا يستحقون ذلك من الله بكفرهم وطغيانهم، والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي الباردة ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ أي: صرعى هلكى كغثاء السيل، وهو الشيء الحقير التافه الهالك الذي لا ينتفع بشيء منه، ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، كقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾","vol":"5","page":459},{"text":"[الزخرف] أي: بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول اللَّه، فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم.\n\n<span id=\"aya-2715\"></span>\n\n<span id=\"aya-2716\"></span>\n\n<span id=\"aya-2717\"></span>﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢)﴾ أي: أُممًا وخلائق ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)﴾ يعني: بل يؤخذون على حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ، وعلمه قبل كونهم أُمة بعد أُمة، وقرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل، وخلفًا بعد سلف، ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾.\nقال ابن عَبَّاسٍ: يعني: يتبع بعضهم بعضًا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦].\nوقوله: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ يعني: جمهورهم وأكثرهم، كقوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس].\nوقوله: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ أي: أهلكناهم كقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧].\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: أخبارًا وأحاديث للناس، كقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩].\n\n<span id=\"aya-2718\"></span>\n\n<span id=\"aya-2719\"></span>\n\n<span id=\"aya-2720\"></span>\n\n<span id=\"aya-2721\"></span>\n\n<span id=\"aya-2722\"></span>﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)﴾.\nيخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى ﵇ وأخاه هارون إلى فرعون وملئه بالآيات والحجج الدامغات والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما والانقياد لأمرهما لكونهما بشرين، كما أنكرت الأُمم الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم فأهلك اللَّه فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد أجمعين، وأنزل على موسى الكتاب وهو التوراة، فيها أحكامه وأوامره ونواهيه، وذلك بعد أن قصم اللَّه فرعون والقبط وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وبعد أن أنزل اللَّه التوراة لم يهلك أمة بعامة؛ بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾ [القصص].\n\n<span id=\"aya-2723\"></span>﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇ أنه جعلهما آية للناس؛ أي حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أُم، وخلق حواء من ذكر بلا أُنثى، وخلق عيسى من أُنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأُنثى. وقوله:","vol":"5","page":460},{"text":"﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال الضحاك: عن ابن عباس: الربوة المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات (^١)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة (^٢).\nقال ابن عَبَّاسٍ: وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ يقول: ذات خصب ﴿وَمَعِينٍ﴾ يعني: ماء ظاهرًا (^٣).\nوقال مجاهد: ﴿رَبْوَةٍ﴾ مستوية (^٤).\nوقال سعيد بن جبير: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ استوى الماء فيها.\nوقال مجاهد وقتادة: ﴿وَمَعِينٍ﴾ الماء الجاري (^٥).\nثم اختلف المفسرون في مكان هذه الربوة: من أي أرض هي؟ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ليس الربى إلا بمصر، والماء حين يسيل يكون الربى عليها القرى، ولولا الربى غرقت القرى (^٦)، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا (^٧)، وهو بعيد جدًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، حَدَّثَنَا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: هي دمشق (^٨). قال: وروي عن عبد الله بن سلام والحسن وزيد بن أسلم وخالد بن معدان نحو ذلك (^٩).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: أنهار دمشق (^١٠).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وابن المنذر، وسنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس، ومعناه صحيح.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سالم الأفطس عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٣) هذا الأثر تتمة لسابقه عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) تقدم نحوه قبل الرواية السابقة.\n(^٦) أخرجه الطبري عن سعيد بن المسيب وليس عن عبد الرحمن وعزاه السيوطي إلى الطبري، وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فلعله سقط من تفسير الطبري.\n(^٧) أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق ١/ ٢١٢).\n(^٨) سنده صحيح، أخرجه البستي من طريق ابن أبي عمر العدني عن سفيان به.\n(^٩) قول عبد الله بن سلام ذكر ابن أبي حاتم أنه سال أباه عن حديث رواه عبد الوهاب الثففي، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد اللَّه بن سلام في قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] قال: دمشق، قال أبي: لم يتابع عبد الوهاب على رواية هذا الحديث، رواه ليث بن أبي سليم والثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك والدراوردي وسليمان بن بلال كلهم عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب .. قلث لأبي: أيهما أصح؟ قال: أولئك أحفظ، والله أعلم أيهما أصح، ويحتمل أن يكون سمي لعبد الوهاب: عبد اللَّه بن سلام، ولم يسم لهم (علل الحديث ٢/ ٦٦).\n(^١٠) سنده حسن.","vol":"5","page":461},{"text":"وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ قال: عيسى ابن مريم وأمه حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها (^١).\nوقال عبد الرزاق: عن بشر بن رافع، عن أبي عبد اللَّه بن عمِّ أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول اللَّه تعالى: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: هي الرملة من فلسطين (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا إبراهيم بن محمد بن يوسف [الفريابي] (^٣)، حَدَّثَنَا رواد بن الجراح، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن عباد الخواص أبو عتبة، حَدَّثَنَا الشيباني، عن ابن وعلة، عن كريب السحولي، عن مرة البهزي قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لرجل: \"إنك تموت بالربوة، فمات بالرملة\" (^٤)، وهذا حديث غريب جدًا، وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: المعين الماء الجاري، وهو النهر الذي قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] (^٥). وكذا قال الضحاك (^٦) وقتادة ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ وهو بيت المقدس (^٧)، فهذا -والله أعلم- هو الأظهر؛ لأنَّهُ المذكور في الآية الأخرى والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وهذا أولى ما يفسر به، ثم الأحاديث الصحيحة ثم الآثار.\n\n<span id=\"aya-2724\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾.\nيأمر تعالى عباده المرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين بالأكل من الحلال والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، فقام الأنبياء ﵈ بهذا أتم القيام، وجمعوا بين كل خير قولًا وعملًا ودلالةً ونصحًا، فجزاهم اللَّه عن العباد خيرًا. قال الحسن البصري في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ قال: أما والله ما أمركم بأصفركم ولا أحمركم ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكن قال: انتهوا إلى الحلال منه.\nوقال سعيد بن جبير والضحاك: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني: الحلال (^٨).\n_________\n(^١) يشهد له ما سبق.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق بشر بن رافع به (التاريخ الكبير ٩/ ٤٩)، ومن الطريق نفسه أخرجه الطبري وابن عساكر (تاريخ دمشق ١/ ٢١٢)، وسنده ضعيف لضعف بشر بن رافع (التقريب ص ١٢٣).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"القرماني\".\n(^٤) في رفعه نظر، ولهذا استغربه ابن كثير جدًا، وقد أخرجه الطبري من طريق عباد أبي عتبة الخواص به، وعباد هذا أظنه هو الذي ورد باسم عبد اللَّه بن عباد الخواص، فإن كان هو فقد قال عنه الحافظ ابن حجر: صدوق يهم، وقد أفحش ابن حبان فقال: يستحق الترك (التقريب ص ٢٩٠).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به.\n(^٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٨) لم أجد تخريجه ومعناه صحيح.","vol":"5","page":462},{"text":"وقال أبو إسحاق السبيعي: عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه (^١).\nوفي الصحيح: \"وما من نبي إلا رعى الغنم\" قالوا: وأنت يا رسول اللَّه؟ قال: \"نعم وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة\" (^٢).\nوفي الصحيح: \"إن داود ﵇ كان يأكل من كسب يده\" (^٣).\nوفي الصحيحين: \"إن أحب الصيام إلى اللَّه صيام داود، وأحب القيام إلى اللَّه قيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى\" (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو اليمان الحكم بن نافع، حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب: أن أم عبد اللَّه أخت شداد بن أوس قال: بعثت إلى النَّبِيّ ﷺ بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك في أول النهار وشدة الحر، فرد إليها رسولها أنَّى كانت لك الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي، فشرب منه، فلما كان من الغد أتته أم عبد اللَّه أخت شداد فقالت: يا رسول اللَّه بعثت إليك بلبن، مرثية (^٥) لك من طول النهار، وشدة الحر، فرددت إليَّ الرسول فيه، فقال لها: \"بذلك أمرت الرسل: أن لا تأكل إلا طيبًا، ولا تعمل إلا صالحًا\" (^٦).\nوقد ثبت في صحيح مسلم، وجامع الترمذي ومسند الإمام أحمد واللفظ له، من حديث فضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أيها الناس إن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن اللَّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، فأنى يستجاب لذلك\"، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث فضيل بن مرزوق (^٧).\n\n<span id=\"aya-2725\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة اللَّه وحده لا شريك له، ولهذا قال: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ وقد تقدم\n_________\n(^١) أخرجه البستي والطبري كلاهما من طريق عبيد بن إسحاق الضبي عن حفص بن عمر الفزاري عن أبي إسحاق السبيعي به، وسنده ضعيف لضعف عبيد بن إسحاق، وهو مرسل أيضًا.\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط ح ٢٢٦٢).\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده ح ٢٠٧٣).\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ (صحيح البخاري، التهجد، باب من نام عند السحر ح ١١٣١، وصحيح مسلم، الصيام، باب النهي عن صوم الدهر .. ح ١١٥٩).\n(^٥) أي: توجعًا لك وإشفاقًا عليك (ينظر: النهاية ٢/ ١٩٦).\n(^٦) أخرجه الحاكم من طريق أبي بكر بن أبي مريم به وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: وابن أبي مريم. واهٍ. (المستدرك ٤/ ١٢٥)، وهو كما قال، فقد ضعفه الحافظ ابن حجر (التقريب ص ٦٢٣).\n(^٧) صحيح مسلم، الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب (ح ١٠١٥)، وسنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة (ح ٢٩٨٩)، والمسند ٦/ ١٥٩.","vol":"5","page":463},{"text":"الكلام على ذلك في سورة الأنبياء وأن قوله: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ منصوب على الحال.\n\n<span id=\"aya-2726\"></span>\n\n<span id=\"aya-2727\"></span>وقوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ أي: الأمم الذين بعثت إليهم الأنبياء ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: يفرحون بما هم فيه من الضلال؛ لأنهم يحسبون أنهم مهتدون، ولهذا قال متهددًا لهم ومتوعدًا: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ أي: في غيهم وضلالهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي: إلى حين حينهم وهلاكهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق]، وقال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الحجر].\n\n<span id=\"aya-2728\"></span>\n\n<span id=\"aya-2729\"></span>وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟ كلَّا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] لقد أخطأوا في ذلك وخاب رجاؤهم؛ بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاء، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ [القلم] وقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)﴾ [المدثر]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ] والآيات في هذا كثيرة.\nقال قتادة في قوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ قال: مُكِرَ والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح (^١).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن عبيد، حَدَّثَنَا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مُرَّة الهمداني، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن اللَّه قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن اللَّه يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه اللَّه الدين فقد أحبه، والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتَّى يسلم قلبه ولسانه؛ ولا يؤمن حتَّى يأمن جاره بوائقه\"، قالوا: وما بوائقه يا رسول اللَّه؟ قال: \"غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن اللَّه لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث\" (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لضعف الصباح بن محمد (المسند ٦/ ١٨٩ ح ٣٦٧٢).","vol":"5","page":464},{"text":"<span id=\"aya-2730\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾ أي: هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله خائفون منه وجلون من مكره بهم، كما قال الحسن البصري: إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمنًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2731\"></span>\n\n<span id=\"aya-2732\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨)﴾ أي: يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، كقوله تعالى إخبارًا عن مريم ﵍: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢]؛ أي: أيقنت أن ما كان، إنما هو عن قدر اللَّه وقضائه، وما شرعه اللَّه فهو إن كان أمرًا فممّا يحبه ويرضاه، وإن كان نهيًا فهو ممّا يكرهه ويأباه، وإن كان خبرًا فهو حق، كما قال الله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ أي: لا يعبدون معه غيره؛ بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا اللَّه أحدًا صمدًا لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأنه لا نظير له ولا كفء له.\n\n<span id=\"aya-2733\"></span>\n\n<span id=\"aya-2734\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ أي: يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشرط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط، كما قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن آدم، حَدَّثَنَا مالك بن مغول، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة أنها قالت: يا رسول اللَّه الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف اللَّه ﷿؟ قال: \"لا يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله ﷿\" (^٢).\nوهكذا رواه الترمذي وابن أبي حاتم من حديث مالك بن مغول بنحوه، وقال: \"لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ \" وقال الترمذي: وروي هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ نحو هذا (^٣)، وهكذا قال ابن عَبَّاسٍ ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري في تفسير هذه الآية (^٤).\nوقد قرأ آخرون هذه الآية \"والذين يأتون ما (^٥) آتوا وقلوبهم وجلة\" أي: يفعلون ما يفعلون وهم خائفون، وروي هذا مرفوعًا إلى النَّبِيّ ﷺ أنه قرأها كذلك.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس عن الحسن.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه؛ لأن عبد الرحمن بن سعيد لم يدرك عائشة (المسند ٤٢/ ١٥٦ ح ٢٥٢٦٣)، وأخرجه ابن ماجه من طريق مالك بن مغول به (السنن، الزهد، باب التوقي على العمل ح ٤١٩٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٤٠٩ وأخرجه الحاكم من طريق مالك بن مغول به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٣)، وهذا التحسين والتصحيح هو بالشواهد كما سيأتي.\n(^٣) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة المؤمنون (ح ٣١٧٥).\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.\n(^٥) وهي قراءة شاذة تفسيرية، قرأ بها عائشة وابن عباس وقتادة والأعمش والحسن البصري وإبراهيم النخعي (ينظر: البحر المحيط ٦/ ٤١٠).","vol":"5","page":465},{"text":"قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا صخر بن جويرية، حَدَّثَنَا إسماعيل المكي، حَدَّثَنَا أبو خلف مولى بني جمح أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة ﵂، فقالت: مرحبًا بأبي عاصم، ما يمنعك أن تزورنا أو تلم بنا؟ فقال: أخشى أن أملّك، فقالت: ما كنت لتفعل؟ قال: جئت لأسألك عن آية من كتاب الله ﷿: كيف كان رسول الله ﷺ يقرؤها؟ قالت: أية آية؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أو \"والذين يأتون ما أتوا\" فقالت: أيتهما أحب إليك؟ فقلت: والذي نفسي بيده لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعًا، أو الدنيا وما فيها. قالت: وما هي؟ فقلت: \"والذين يأتون ما أتوا\" فقالت: أشهد أن رسول اللَّه ﷺ كذلك كان يقرؤها، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف (^١). فيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، والمعنى على القراءة الأولى، وهي قراءة الجمهور السبعة وغيرهم أظهر؛ لأنَّهُ قال: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ فجعلهم من السابقين؛ ولو كان المعنى على القراءة الأخرى لأوشك أن لا يكونوا من السابقين بل من المقتصدين أو المقصرين، والله تعالى أعلم.\n\n<span id=\"aya-2735\"></span>﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها؛ أي: إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء، ولهذا قال: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ يعني: كتاب الأعمال، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا يبخسون من الخير شيئًا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين،\n\n<span id=\"aya-2736\"></span>ثم قال منكرًا على الكفار والمشركين من قريش: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ أي: في غفلة وضلالة ﴿مِنْ هَذَا﴾ أي: القرآن الذي أنزله على رسوله ﷺ.\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾ قال الحكم بن أبان: عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾ أي: سيئة ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾؛ يعني: الشرك ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: لابدّ أن يعملوها (^٢)، كذا روي عن مجاهد والحسن وغير واحد (^٣).\nوقال آخرون: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ أي: قد كتبت عليهم أعمال سيئة لابدّ أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٩٥)، وأخرجه أبو عمر الدوري من طريق إسماعيل المكي به (قراءات النَّبِيّ ﷺ ص ١٣٠)، وسنده ضعيف فيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، كما قرر الحافظ ابن كثير، وفيه أيضًا أبو خلف مولى بني جمح: مجهول الحال (تعجيل المنفعة ص ٤٨١).\n(^٢) في سنده الحكم بن أبان: صدوق له أوهام (التقريب ص ١٧٤).\n(^٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بعدة طرق يقوي بعضها بعضًا، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حُميد عنه.","vol":"5","page":466},{"text":"وروي نحو هذا عن مقاتل بن حيان والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^١)، وهو ظاهر قوي حسن.\nوقد قدمنا في حديث ابن مسعود: \"فوالذي لا إله غيره إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتَّى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2737\"></span>وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤)﴾ يعني: حتَّى إذا جاء مترفيهم، وهم المنعمون في الدنيا، عذاب اللَّه وبأسه ونقمته بهم ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ أي: يصرخون ويستغيثون، كما قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾ [المزمل]، وقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ [ص].\n\n<span id=\"aya-2738\"></span>\n\n<span id=\"aya-2739\"></span>وقوله: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾ أي: لا يجيركم أحد مما حل بكم سواء جأرتم أو سكتم لا محيد ولا مناص ولا وزر لزم الأمر ووجب العذاب، ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦)﴾ أي: إذا دعيتم أبيتم وإن طلبتم امتنعتم ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر].\n\n<span id=\"aya-2740\"></span>وقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ في تفسيره قولان:\n(أحدهما): أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه استكبارًا عليه، واحتقارًا له ولأهله، فعلى هذا الضمير في به فيه ثلاثة أقوال:\n(أحدها): أنه الحرم؛ أي: مكة، ذُمُّوا لأنهم كانوا يسمرون فيه بالهجر من الكلام.\n(والثاني): أنه ضمير للقرآن كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة، إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة.\n(والثالث): أنه محمد ﷺ كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة، ويضربون له الأمثال الباطلة، من أنه شاعر أو كاهن أو ساحر أو كذاب أو مجنون، فكل ذلك باطل؛ بل هو عبد اللَّه ورسوله الذي أظهره اللَّه عليهم وأخرجهم من الحرم صاغرين أذلاء.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي: بالبيت يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه وليسوا به، كما قال [النسائي] (^٣) من التفسير في سننه: أخبرنا أحمد بن سليمان، أخبرنا عبيد اللَّه، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ فقال: مستكبرين بالبيت، يقولون: نحن أهله سامرًا قال: كانوا يتكبرون ويسمرون فيه ولا يعمرونه ويهجرونه (^٤). وقد أطنب ابن أبي حاتم ههنا بما هذا حاصله.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب -وهو عبد اللَّه- عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٣٢.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"النسئي\".\n(^٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٣٥١)، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٤).","vol":"5","page":467},{"text":"<span id=\"aya-2741\"></span>﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن العظيم وتدبرهم له وإعراضهم عنه، مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل اللَّه على رسول أكمل منه ولا أشرف، لاسيما آباؤهم الذين ماتوا في الجاهلية حيث لم يبلغهم كتاب ولا أتاهم نذير، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا النعمة التي أسداها اللَّه عليهم بقبولها والقيام بشكرها وتفهمها والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار، كما فعله النجباء منهم ممن أسلم واتبع الرسول ﷺ ورضي عنهم.\nوقال قتادة: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ إذ والله يجدون في القرآن زاجرًا عن معصية اللَّه لو تدبره القوم وعقلوه ولكنهم أخذوا بما تشابه منه فهلكوا عند ذلك.\n\n<span id=\"aya-2742\"></span>ثم قال منكرًا على الكافرين من قريش: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾ أي: أفهم لا يعرفون محمدًا وصدقه وأمانته وصيانته التي نشأ بها فيهم؛ أي أفيقدرون على إنكار ذلك والمباهتة فيه، ولهذا قال جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك إن اللَّه بعث فينا رسولًا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وهكذا قال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم، وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل حين سأله وأصحابه عن صفات النَّبِيّ ﷺ ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفارًا لم يسلموا، ومع هذا لم يمكنهم إلا الصدق فاعترفوا بذلك.\n\n<span id=\"aya-2743\"></span>وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ يحكي قول المشركين عن النَّبِيّ ﷺ أنه تقول القرآن؛ أي افتراه من عنده أو أن به جنونًا لا يدري ما يقول، وأخبر عنهم أن قلوبهم لا تؤمن به وهم يعلمون بطلان ما يقولونه في القرآن فإنه قد أتاهم من كلام اللَّه ما لا يطاق ولا يدافع وقد تحداهم وجميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله إن استطاعوا ولا يستطيعون أبد الآبدين، ولهذا قال: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ يحتمل أن تكون هذه جملة حالية؛ أي في حالة كراهة أكثرهم للحق، ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة، والله أعلم.\nوقال قتادة: ذُكرَ لنا أن نبي اللَّه ﷺ لقي رجلًا فقال له: \"أسلم\" فقال الرجل: إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره، فقال نبي اللَّه ﷺ: \"وإن كنت كارهًا\". وذكر لنا أنه لقي رجلًا فقال له: \"أسلم\" فتصعده ذلك، وكبَّر عليه، فقال له نبي الله ﷺ: \"أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث، فلقيت رجلًا تعرف وجهه وتعرف نسبه، فدعاك إلى طريق واسع سهل، أكنت تتبعه؟ \" قال: نعم. قال: \"فوالذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو قد كنت عليه، وإني لأدعوك لأسهل من ذلك لو دعيت إليه\"، وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ لقي رجلًا فقال له: \"أسلم\" فتصعده ذلك، فقال له نبي الله ﷺ: \"أرأيت لو كان فتيكَ أحدهما إذا حدثك صدقك، وإذا ائتمنته أدّى إليك، أهو أحب إليك أم فتاك الذي إذا حدثك كذلك وإذا ائتمنته خانك؟ \" قال: بل فتاي الذي","vol":"5","page":468},{"text":"إذا حدثني صدقني وإذا ائتمنته أدّى إلي، فقال نبي الله ﷺ: \"كذاكم [أنتم] (^١) عند ربكم\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2744\"></span>وقوله: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ قال مجاهد وأبو صالح والسدي: الحق هو: الله ﷿ (^٣)، والمراد: لو أجابهم اللَّه إلى ما في أنفسهم من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾؛ أي لفساد أهوائهم واختلافها، كما أخبر عنهم في قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، ثم قال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣١، ٣٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ [النساء]، ففي هذا كله تبيين عجز العباد واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله وشرعه وقدره وتدبيره لخلقه، تعالى وتقدس، فلا إله غيره ولا رب سواه، ولهذا قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ أي: القرآن ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2745\"></span>وقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾ قال الحسن: أجرًا (^٤).\nوقال قتادة: جعلًا (^٥) ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي: أنت لا تسألهم أجرة ولا جعلًا ولا شيئًا على دعوتك إياهم إلى الهدى؛ بل أنت في ذلك تحتسب عند اللَّه جزيل ثوابه، كما قال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧]، وقال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص] وقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] وقال: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ [يس: ٢٠، ٢١].\n\n<span id=\"aya-2746\"></span>\n\n<span id=\"aya-2747\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾ قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حسن بن موسى، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن رسول اللَّه ﷺ أتاه فيما يرى النائم ملكان، فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته، فقال: إن مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حِلّة حَبِرة (^٦)، فقال: أرأيتم إن أوردتكم رياضًا معشبة وحياضًا رِواء (^٧) تتبعوني؟ فقالوا: نعم، قال: فانطلق بهم وأوردهم، رياضًا معشبة وحياضًا رِواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"سقط\".\n(^٢) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم، وسنده ضعيف؛ لأن قتادة أرسله وهو لم يسمع إلا من أنس بن مالك ﵁.\n(^٣) قول أبي صالح أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل ابن أبي خالد، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق شعبة عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٦) أي: ثوب مخطط.\n(^٧) أي: كثير الماء أو عذب الماء.","vol":"5","page":469},{"text":"ألفكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضًا معشبة وحياضًا رواء أن تتبعوني؟ قالوا: بلى، قال: فإن بين أيديكم رياضًا أعشب من هذه وحياضًا هي أروى من هذه فاتبعوني، قال: فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه (^١).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا زهير، حَدَّثَنَا يونس بن محمد، حَدَّثَنَا يعقوب بن عبد الله الأشعري، حَدَّثَنَا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إني ممسك بحجزكم هلم عن النار هلم عن النار، وتغلبونني تقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فرطكم على الحوض، فتردون علي معًا وأشتاتًا أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين: أي ربِّ قومي، أي رب أمتي، فيقال: يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم، فلأعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من اللَّه شيئًا قد بلغت، ولأعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرًا له رغاء ينادي: يا محمد يا محمد، فاقول: لا أملك لك شيئًا قد بلغت، ولأعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسًا لها حمحمة فينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد بلغت، ولأعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء من أدم ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد بلغت\" (^٢). وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن الإسناد إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد اللَّه الأشعري [القمي] (^٣).\n(قلت): بل قد روى عنه أيضًا أشعث بن إسحاق، وقال فيه يحيى بن معين: صالح، ووثقه النسائي وابن حبان.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾ أي: لعادلون جائرون منحرفون، تقول العرب: نكب فلان عن الطريق: إذا زاغ عنها.\n\n<span id=\"aya-2748\"></span>وقوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ يخبر تعالى عن غلظهم في كفرهم بأنه لو أزاح عنهم الضرّ وأفهمهم القرآن لما انقادوا له ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال]، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ [الأنعام]، فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون، ولو كان كيف يكون.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه، لضعف علي بن زيد بن جدعان (المسند ٤/ ٢٢٧، ٢٢٨ ح ٢٤٠٢).\n(^٢) عزاه الهيثمي إلى أبي يعلي في المسند الكبير وإلى البزار وقال: ورجال الجميع ثقات (مجمع الزوائد ٣/ ٨٥).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"العمر\".","vol":"5","page":470},{"text":"قال الضحاك، عن ابن عباس: كل ما فيه (لو) فهو مما لا يكون أبدًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2749\"></span>﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ أي: ابتليناهم بالمصائب والشدائد ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: فما ردَّهم ذلك عمَّا كانوا فيه من الكفر والمخالفة؛ بل استمروا على غيهم وضلالهم ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أي: ما خشعوا ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: ما دعوا، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام].\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا محمد بن حمزة المروزي، حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا أبي، عن يزيد -يعني النحوي- عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أنشدك اللَّه والرحم، فقد أكلنا العلهز -يعني: الوبر والدم-، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ (^٢)، وكذا رواه النسائي عن محمد بن عقيل، عن علي بن الحسين، عن أبيه به (^٣)، وأصله في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ دعا على قريش حين استعصوا، فقال: \"اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف\" (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا سلمة بن شبيب، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن إبراهيم بن عمر بن كيسان، حدثني وهب بن عمر بن كيسان قال: حُبس وهب بن منبه فقال له رجل من الأبناء: ألا أنشدك بيتًا من شعر يا أبا عبد اللَّه؟ فقال وهب: نحن في طرف من عذاب اللَّه، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ قال: وصام وهب ثلاثًا متواصلة، فقيل له: ما هذا الصوم يا أبا عبد اللَّه؟ قال: أحدث لنا فأحدثنا، يعني: أحدث لنا الحبس فأحدثنا زيادة عبادة (^٥).\n\n<span id=\"aya-2750\"></span>وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)﴾ أي: حتَّى إذا جاءهم أمر اللَّه وجاءتهم الساعة بغتةً، فأخذهم من عذاب اللَّه ما لم يكونوا يحتسبون، فعند ذلك أبلسوا من كل خير وأيسوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم،\n\n<span id=\"aya-2751\"></span>\n\n<span id=\"aya-2752\"></span>\n\n<span id=\"aya-2753\"></span>ثم ذكر تعالى نعمه على عباده بأن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وهي العقول والفهوم التي يدركون بها الأشياء ويعتبرون بما\n_________\n(^١) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس ﵄.\n(^٢) أخرجه ابن حبان من طريق علي بن الحسين بن واقد عن أبيه به (الإحسان ٣/ ٢٧٤ ح ٩٦٧)، ومن الطريق نفسه أخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٤)، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٦/ ٥١٠).\n(^٣) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٣٥٢).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة يوسف آية ٩٩.\n(^٥) سنده حسن.","vol":"5","page":471},{"text":"في الكون من الآيات الدالة على وحدانية اللَّه، وأنه الفاعل المختار لما يشاء.\nوقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: ما أقل شكركم لله على ما أنعم به عليكم، كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف]، ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر في برئه الخليقة وذرئه لهم في سائر أقطار الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم، ثم يوم القيامة يجمع الأولين منهم والآخرين لميقات يوم معلوم، فلا يترك منهم صغيرًا ولا كبيرًا، ولا ذكرًا ولا أنثى، ولا جليلًا ولا حقيرًا، إلا أعاده كما بدأه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: يحيي الرمم ويميت الأمم، ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: وعن أمره تسخير الليل والنهار، كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، يتعاقبان لا يفتران ولا يفترقان بزمان غيرهما، كقوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس].\nوقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفليس لكم عقول تدلكم على العزيز العليم الذي قد قهر كل شيء، وعزَّ كل شيء وخضع له كل شيء؟\n\n<span id=\"aya-2754\"></span>\n\n<span id=\"aya-2755\"></span>\n\n<span id=\"aya-2756\"></span>ثم قال مخبرًا عن منكري البعث الذين أشبهوا من قبلهم من المكذبين؟ ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾ يعني: يستبعدون وقوع ذلك بعد صيرورتهم إلى البلى ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾ يعنون: الإعادة محال، إنما يخبر بها من تلقاها عن كتب الأولين واختلافهم، وهذا الإنكار والتكذيب منهم كقوله إخبارًا عنهم ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس].\n\n<span id=\"aya-2757\"></span>\n\n<span id=\"aya-2758\"></span>\n\n<span id=\"aya-2759\"></span>﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠)﴾.\nيقرر تعالى وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك ليرشد إلى أنه اللَّه الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، ولهذا قال لرسوله محمد ﷺ أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية، وأنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره معه مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئًا ولا يملكون شيئًا ولا يستبدون بشيء؛ بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ أي: من مالكها الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أي: فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك ﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أنه لا","vol":"5","page":472},{"text":"تنبغي العبادة إلا للخالق الرزاق لا لغيره ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ أي: من هو خالق العالم العلوي بما فيه من الكواكب النيرات والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات، ومن هو رب العرش العظيم؛ يعني: الذي هو سقف المخلوقات، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: \"شأن اللَّه أعظم من ذلك إن عرشه على سمواته هكذا\" وأشار بيده مثل القبة (^١).\nوفي الحديث الآخر: \"ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة\" (^٢)، ولهذا قال بعض السلف: إن مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة، وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: إنما سمي عرشًا لارتفاعه (^٣).\nوقال الأعمش، عن كعب الأحبار: إن السموات والأرض في العرش كالقنديل المعلق بين السماء والأرض (^٤).\nوقال مجاهد: ما السموات والأرض في العرش إلا كحلقة في أرض فلاة (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا العلاء بن سالم، حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا سفيان الثوري، عن عمار الدّهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: العرش لا يقدر قدره أحد (^٦)، وفي رواية: إلا الله ﷿، وقال بعض السلف: العرش من ياقوتة حمراء (^٧)، ولهذا قال ههنا: ﴿وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: الكبير.\nوقال في آخر السورة: ﴿وَرَبُّ الْعَرْشِ الكَرِيْم﴾ أي: الحسن البهي، فقد جمع العرش بين العظمة في الاتساع والعلو والحسن الباهر، ولهذا قال من قال: إنه من ياقوتة حمراء.\nوقال ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه.\n\n<span id=\"aya-2760\"></span>وقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾ أي: إذا كنتم تعترفون بأنه ربُّ السموات وربُّ العرش العظيم، أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟.\nقال أبو بكر عبد اللَّه بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتاب \"التفكر والاعتبار\": حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبيد اللَّه بن جعفر، أخبرني عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يحدث عن امرأة كانت في الجاهلية على رأس جبل معها ابن لها يرعى غنمًا، فقال لها ابنها: يا أمه من خلقك؟ قالت: اللَّه. قال: فمن خلق أبي؟ قالت: اللَّه. قال:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (السنن، السنة، باب في الجهمية ح ٤٧٢٦)، وفي سنده محمد بن إسحاق ولم يصرح بالسماع.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٥٥.\n(^٣) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.\n(^٤) سنده مرسل، ويشهد له الحديث السابق.\n(^٥) سنده مرسل، وله شاهد كسابقه.\n(^٦) أخرجه الحاكم من طريق سفيان به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٨٢).\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٣.","vol":"5","page":473},{"text":"فمن خلقني؟ قالت: اللَّه. قال: فمن خلق السموات؟ قالت: اللَّه. قال: فمن خلق الأرض؟ قالت: اللَّه. قال: فمن خلق الجبل؟ قالت: اللَّه. قال: فمن خلق هذه الغنم؟ قالت: اللَّه. قال: فإني أسمع لله شأنًا ثم ألقى نفسه من الجبل فتقطع. قال ابن عمر: كان رسول اللَّه ﷺ كثيرًا ما يحدثنا هذا الحديث، قال عبد اللَّه بن دينار: كان ابن عمر كثيرًا ما يحدثنا بهذا الحديث (^١)، قلت: في إسناده عبد اللَّه بن جعفر المديني، والد الإمام علي بن المديني، وقد تكلموا فيه، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2761\"></span>﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: بيده الملك ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] أي: متصرف فيها، وكان رسول اللَّه ﷺ يقول: \"لا والذي نفسي بيده\" (^٢)، وكان إذا اجتهد في اليمين قال: \"لا ومقلب القلوب\" (^٣)، فهو سبحانه الخالق المالك المتصرف ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحدًا لا يخفر في جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه لئلا يفتات عليه، ولهذا قال اللَّه: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: وهو السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه، الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وقال اللَّه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء] أي: لا يسأل عما يفعل لعظمته وكبريائه وغلبته وقهره وحكمته وعدله، فالخلق كلهم يسألون عن أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر].\n\n<span id=\"aya-2762\"></span>\n\n<span id=\"aya-2763\"></span>وقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أي: سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه هو اللَّه تعالى وحده لا شريك له ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك، ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ وهو الإعلام بأنه لا إله إلا اللَّه، وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: في عبادتهم مع اللَّه غيره ولا دليلٌ لهم على ذلك، كما قال في آخر السورة: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ فالمشركون لا يفعلون ذلك عن دليلٌ قادهم إلى ما هم فيه من الإفك والضلال، وإنما يفعلون ذلك اتباعًا لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال، كما قال اللَّه عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].\n\n<span id=\"aya-2764\"></span>\n\n<span id=\"aya-2765\"></span>﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾.\nينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك والتصرف والعبادة، فقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف عبد الله بن جعفر المديني (التقريب ص ٢٩٨).\n(^٢) تقدم تخريجه في سورة المائدة آية رقم ٧٩.\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ (الصحيح، القدر، باب يحول بين المرء وقلبه ح ٦٦١٧).","vol":"5","page":474},{"text":"متسق كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض، والمتكلمون ذكروا هذا المعنى، وعبروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فرض صانعان فصاعدًا فأراد واحد تحريك جسم والآخر أراد سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزًا ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد، وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالًا، فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب والآخر المغلوب ممكنًا؛ لأنَّهُ لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهورًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عمّا يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علوًا كبيرًا ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تقدّس وتنزّه وتعالى ﷿ عمَّا يقول الظالمون والجاحدون.\n\n<span id=\"aya-2766\"></span>\n\n<span id=\"aya-2767\"></span>﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾.\nيقول تعالى آمرًا نبيه محمدًا ﷺ أن يدعو بهذا الدعاء عند حلول النقم ﴿رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: إن عاقبتهم وأنا أشاهد ذلك، فلا تجعلني فيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه: \"وإذا أردت بقوم فتنة فتوفّني إليك غير مفتون\" (^١).\n\n<span id=\"aya-2768\"></span>\n\n<span id=\"aya-2769\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)﴾ أي: لو شئنا لأريناك ما نحل بهم من النقم والبلاء والمحن. ثم قال تعالى مرشدًا له إلى الترياق النافع في مخالطة الناس وهو الإحسان إلى من يسيء إليه، ليستجلب خاطره فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة، فقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾، وهذا كما قال في الآية الأخرى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت] أي: وما يلهم هذه الوصية أو هذه الخصلة أو الصفة ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: على أذى الناس فعاملوهم بالجميل مع إسدائهم القبيح ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-2770\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾ أمره اللَّه أن يستعيذ من الشياطين؛ لأنهم لا تنفع معهم الحيل ولا ينقادون بالمعروف، وقد قدمنا عند الاستعاذة أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل ﵁، وضعف سنده محققوه (المسند ٣٦/ ٤٢٢، ٤٢٣ ح ٢٢١٠٩)، وأخرجه الترمذي وصححه (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة ص ح ٣٢٣٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٥٨٢).\n(^٢) تقدم في بداية التفسير.","vol":"5","page":475},{"text":"<span id=\"aya-2771\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ أي: في شيء من أمري، ولهذا أمر بذكر اللَّه في ابتداء الأمور، وذلك لطرد الشيطان عند الأكل والجماع والذبح وغير ذلك من الأمور، ولهذا روى أبو داود أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"اللَّهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم ومن الغرق، وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت\" (^١).\nوقال الإمام أحمد، حَدَّثَنَا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم من الفزع: \"باسم اللَّه، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون\" قال: فكان عبد اللَّه بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرًا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه (^٢). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث محمد بن إسحاق. وقال الترمذي: حسن غريب (^٣).\n\n<span id=\"aya-2772\"></span>\n\n<span id=\"aya-2773\"></span>﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾.\nيخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت من الكافرين أو المفرطين في أمر اللَّه تعالى، وقيلهم عند ذلك وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته، ولهذا قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ [إبراهيم]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾ [الشورى: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود من حديث أبي اليسر ﵁ (السنن، الصلاة، باب في الاستعاذة ح ١٥٥٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٣٧٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حديث محتمل للتحسين (المسند ١١/ ٢٩٥، ٢٩٦ ح ٦٦٩٦)، ويؤكد ما يلي.\n(^٣) أخرجه أبو داود (السنن، الطب، باب في الرقي ح ٣٨٩٣)، والنسائي (في السنن الكبرى ح ١٠٦٠١)، وحسنه الألباني دون قوله: \"فكان عبد الله .. \" (صحيح سنن أبي داود ح ٣٢٩٤).","vol":"5","page":476},{"text":"كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر]، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر]، فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون عند الاحتضار ويوم النشور ووقت العرض على الجبار، وحين يعرضون على النار وهم في غمرات العذاب في الجحيم.\nوقوله ههنا: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ﴿كَلَّا﴾ حرف ردع وزجر؛ أي لا نجيبه إلى ما طلب ولا نقبل منه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أي لابدّ أن يقولها (^١)، لا محالة كل محتضر ظالم، ويحتمل أن يكون ذلك علة لقوله: كلّا؛ أي لأنها كلمة؛ أي سؤاله الرجوع ليعمل صالحًا هو كلام منه وقول لا عمل معه، ولو رد لما عمل صالحًا ولكان يكذب في مقالته هذه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].\nوقال محمد بن كعب القرظي: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قال: فيقول الجبار: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ (^٢).\nوقال عمر بن عبد اللَّه مولى غُفْرة: إذا قال الكافر: ربِّ ارجعون لعلي أعمل صالحًا، يقول اللَّه تعالى: كلا، كذبت.\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: كان العلاء بن زياد يقول: لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة الله تعالى. وقال قتادة: والله ما تمنى أنا يرجع إلى الأهل ولا إلى عشرية ولكن تعنى بطاعة اللَّه، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها، ولا قوة إلا بالله، وعن محمد بن كعب القرظي نحوه.\nوقال [أبو] (^٣) محمد بن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أحمد بن يوسف، حَدَّثَنَا فضيل -يعني: ابن عياض- عن ليث، عن طلحة بن مصرف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: إذا وضع -يعني: الكافر- في قبره فيرى مقعده من النار، قال: فيقول: ربِّ ارجعون أتوب وأعمل صالحًا، قال: فيقال: قد عَمَّرتَ ما كنت مُعمرًا، قال: فيضيق عليه قبره ويلتئم، فهو كالمنهوش ينام ويفزع، تهوي إليه هوام الأرض وحياتها وعقاربها (^٤).\nوقال أيضًا: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عمرو بن علي، حدثني سلمة بن تمام، حَدَّثَنَا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂ أنها قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور تدخل عليهم في قبورهم حيات سود أو دهم، حية عند رأسه وحية عند رجليه يقرصانه حتَّى يلتقيا في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب -وهو عبد الله- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب ذكر ابن رجب في شرح العلل عن ابن معين أن ما رواه أبو معشر عن محمد بن كعب في التفسير فهو حسنٌ. انظر: شرح العلل ٢/ ٦٥٨، تحقيق نور الدين عتر ويقصد بالحسن: حسن المتن.\n(^٣) زيادة يقتضيها السياق، فإن هذه الرواية عزاها السيوطي إلى ابن أبي حاتم صاحب التفسير الشهير، وكنيته أبو محمد.\n(^٤) سنده حسن، وله شواهد صحيحة.","vol":"5","page":477},{"text":"وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (^١).\nوقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ يعني: أمامهم.\nوقال مجاهد: البرزخ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة (^٢).\nوقال محمد بن كعب: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم (^٣).\nوقال أبو صخر: البرزخ: المقابر لا هم في الدنيا ولا هم في الآخرة، فهم مقيمون إلى يوم يبعثون (^٤)، وفي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ، كما قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧].\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي: يستمر به العذاب إلى يوم البعث، كما جاء في الحديث: \"فلا يزال معذبًا فيها\" (^٥)؛ أي في الأرض.\n\n<span id=\"aya-2774\"></span>﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾.\nيخبر تعالى أنه إذا نفخ في الصور نفخة النشور، وقام الناس من القبور ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: لا تنفع الأنساب يومئذٍ ولا يرثي والد لولده ولا يلوي عليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج] أي: لا يسأل القريب عن قريبه وهو يبصره ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره، وهو كان أعزّ الناس عليه في الدنيا ما التفت إليه ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة، قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس].\nوقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع اللَّه الأولين والآخرين، ثم نادى منادٍ: ألا مَن كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقَّه، قال: فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرًا، ومصداق ذلك في كتاب اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ (^٦). رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو سعيد مولى بني هاشم، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن جعفر، حدثتنا أُم بكر\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) يشهد له سابقه.\n(^٤) يشهد له سابقه.\n(^٥) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ وحسنه (السنن، الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر ح ١٠٧١)، قال الألباني: وسنده جيد (السلسلة الصحيحة ح ١٣٩١).\n(^٦) أخرجه المروزي في زوائده على ابن المبارك في الزهد رقم ١٤١٦، والطبري وأبو نعيم (الحلية ٤/ ٢٠١)، كلهم بسند حسن من طريق زاذان عن ابن مسعود.","vol":"5","page":478},{"text":"بنت المسور بن مخرمة، عن عبد اللَّه بن أبي رافع، عن المسور -هو: ابن مخرمة- ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"فاطمة بضعة مني، يغيظني ما يغيظها، وينشطني ما ينشطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري\" (^١). وهذا الحديث له أصل في الصحيحين عن المسور بن مخرمة أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"فاطمة بضعة مني، يريبني ما يريبها، ويؤذيني ما آذاها\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو عامر، حَدَّثَنَا زهير، عن عبد اللَّه بن محمد، عن حمزة بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول على هذا المنبر: \"ما بال رجال يقولون: إن رحم رسول الله ﷺ لا تنفع قومه؟ بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإنّي أيها الناس فرط لكم إذا جئتم\" قال رجل: يا رسول اللَّه أنا فلان بن فلان، وقال أخوه: أنا فلان بن فلان فأقول لهم: \"أما النسب فقد عرفت ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى\" (^٣).\nوقد ذكرنا في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من طرق متعددة عنه ﵁ أنه لما تزوج أُم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄ قال: أما والله ما بي إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كل سبب ونسب فإنه منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي\" رواه الطبراني والبزار والهيثم بن كليب والبيهقي، والحافظ الضياء في المختارة، وذكرنا أنه أصدقها أربعين ألفًا إعظامًا وإكرامًا ﵁ (^٤).\nفقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ من طريق أبي القاسم البغوي: حَدَّثَنَا سليمان بن عمر بن الأقطع، حَدَّثَنَا إبراهيم بن عبد السلام، عن إبراهيم بن يزيد، عن محمد بن عباد بن جعفر: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: \"كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري\" (^٥)، وروى فيها من طريق عمار بن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: \"سألت ربي ﷿ أن لا أتزوج إلى أحد من أُمتي، ولا يتزوج إلي أحد منهم إلا كان معي في الجنة فأعطاني ذلك\". ومن حديث عمار بن سيف، عن إسماعيل، عن عبد اللَّه بن [عمرو] (^٦) (^٧).\n\n<span id=\"aya-2775\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)﴾ أي: من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة، قاله ابن عباس: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الذين فازوا فنجوا من النار وأدخلوا الجنة.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه، دون قوله: \"وإن الأنساب يوم القيامة … \" فهو حسن بشواهد (المسند ٣١/ ٢٠٧ ح ١٨٩٠٧).\n(^٢) صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول اللَّه ﷺ (ح ٣٧١٤)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النَّبِيّ ﷺ (ح ٢٤٤٩).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره (المسند ١٧/ ٢١٩، ٢٢١ ح ١١١٣٨).\n(^٤) المعجم الكبير للطبراني ٣/ ٤٥، ومسند البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٤٤٥)، والمختارة (ح ٢٨١)، ويشهد له ما تقدم.\n(^٥) أخرجه ابن عساكر بسنده ومتنه (تاريخ دمشق ٦٧/ ٢١)، ويشهد له ما سبق.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٧) أخرجه الطبراني من طريق عمار بن سيف به (المعجم الأوسط ح ٣٩٦١)، وسنده ضعيف (التقريب ص ٤٠٧).","vol":"5","page":479},{"text":"وقال ابن عَبَّاسٍ: أولئك الذين فازوا بما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا (^١).\n\n<span id=\"aya-2776\"></span>﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي: ثقلت سيئاته على حسناته ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: خابوا وهلكوا وفازوا بالصفقة الخاسرة.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا إسماعيل بن أبي الحارث، حَدَّثَنَا داود بن المحبر، حَدَّثَنَا صالح المري، عن ثابت البناني وجعفر بن زيد ومنصور بن زاذان، عن أنس بن مالك يرفعه قال: إن لله ملكًا موكلًا بالميزان، فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يسمعه الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خف ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا. إسناده ضعيف فإن داود بن المحبر: ضعيف متروك (^٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها دائمون مقيمون فلا يظعنون\n\n<span id=\"aya-2777\"></span>﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)﴾ [الأنبياء].\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا فروة بن أبي [المغراء] (^٣)، حَدَّثَنَا محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضرار بن مرة، عن عبد اللَّه بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"إن جهنم لما سيق لها أهلها تلقاهم لهبها، ثم تلفحهم لفحة (^٤) فلم يبق لهم لحم إلا سقط على العرقوب\" (^٥).\nوقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن يحيى القزاز، حَدَّثَنَا الخضر بن علي بن يونس القطان، حَدَّثَنَا عمر بن أبي الحارث بن الخضر القطان، حَدَّثَنَا سعد بن سعيد المقبري، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول اللَّه تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ قال: \"تلفحهم لفحة تسيل لحومهم على أعقابهم\" (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني عابسون (^٧).\nوقال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: ألم ترَ إلى الرأس المشيط الذي قد بدا أسنانه وقلصت شفتاه (^٨).\nوقال الإمام أحمد: أخبرنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد اللَّه -هو: ابن المبارك ﵀-،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٥.\n(^٢) سنده ضعيف جدًا؛ لأن داود بن المحبر: متروك، كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"الغرا\".\n(^٤) لفح النار: حرها ووهجها (النهاية ٤/ ٢٦٠).\n(^٥) أخرجه الطبراني من طريق محمد بن سليمان الأصبهاني به (المعجم الأوسط ح ٢٨٠)، وقال الهيثمي: فيه محمد بن سليمان الأصبهاني، وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٩٣).\n(^٦) سنده ضعيف؛ لأن سعد بن سعيد المقبري: لين الحديث (التقريب ص ٢٣١).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٨) أخرجه الطبري والحاكم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٥).","vol":"5","page":480},{"text":"أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \" ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: \"تشويه النار فتقلص شفته العليا حتَّى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتَّى تبلغ سرته\" (^١)، ورواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن عبد اللَّه بن المبارك به، وقال: حسن غريب (^٢).\n\n<span id=\"aya-2778\"></span>\n\n<span id=\"aya-2779\"></span>﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾.\nهذا تقريع من اللَّه وتوبيخ لأهل النار على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم في ذلك، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾ أي: قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت عليكم الكتب، وأزلت شبهكم، ولم يبق لكم حجة، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ [الملك]، ولهذا قالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ أي: قد قامت علينا الحجة، ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها، فضللنا عنها ولم نرزقها.\n\n<span id=\"aya-2780\"></span>ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ أي: ردّنا إلى الدنيا، فإن عدنا إلى ما سلف منا فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة، كما قال: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر]؛ أي: لا سبيل إلى الخروج لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحّده المؤمنون.\n\n<span id=\"aya-2781\"></span>﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾.\nهذا جواب من اللَّه تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار. يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ أي: امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء، ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ أي: لا تعودوا إلى سؤالكم هذا، فإنه لا جواب لكم عندي.\nقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: هذا قول الرحمن حين انقطع\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨/ ٣٥٠ ح ١١٨٣٦)، وضعف سنده محققوه، ويتقوى بسابقه، وأخرجه الحاكم من طريق ابن المبارك به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب (السنن، صفة جهنم، باب ما جاء في طعام أهل النار ح ٢٥٨٧)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي، ويشهد له ما تقدم موقوفًا وثابتًا عن ابن مسعود.","vol":"5","page":481},{"text":"كلامهم منه (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي: حَدَّثَنَا عبدة بن سليمان المروزي، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: إن أهل جهنم يدعون مالكًا فلا يجيبهم أربعين عامًا، ثم يردُّ عليهم: إنكم ماكثون، قال: هانت دعوتهم واللهِ على مالك وربِّ مالك، ثم يدعون ربهم فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون] قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فواللهِ ما [نبس] (^٢) القوم بعدها بكلمة واحدة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، حَدَّثَنَا سفيان، عن سلمة بن كهيل، حَدَّثَنَا أبو الزعراء قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: إذا أراد اللَّه تعالى أن لا يخرج منهم أحدًا -يعني من جهنم-، غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع فيقول: يا رب، فيقول اللَّه: من عرف أحدًا فليخرجه، فيجيء الرجل من المؤمنين فينظر فلا يعرف أحدًا، فيناديه الرجل: يا فلان أنا فلان، فيقول: ما أعرفك، قال: فعند ذلك يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ فعند ذلك يقول اللَّه تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فإذا قال ذلك أطبقت عليهم النار فلا يخرج منهم أحد (^٤).\n\n<span id=\"aya-2782\"></span>\n\n<span id=\"aya-2783\"></span>\n\n<span id=\"aya-2784\"></span>ثم قال تعالى مذكرًا لهم بذنوبهم في الدنيا وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي: فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إليّ ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ أي: حملكم بغضهم على أن نسيتم معاملتي ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ أي: من صنيعهم وعبادتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ [المطففين] أي: يلمزونهم استهزاء: ثم أخبر تعالى عما جازى به أولياؤه وعباده الصالحين، فقال تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: على أذاكم لهم واستهزائكم بهم ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالسعادة والسلامة والجنة والنجاة من النار. عياذًا بالله تعالى منها.\n\n<span id=\"aya-2785\"></span>\n\n<span id=\"aya-2786\"></span>\n\n<span id=\"aya-2787\"></span>﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾.\nيقول تعالى منبهًا لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة اللَّه تعالى وعبادته\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"يبس\".\n(^٣) أخرجه الحاكم من طريق سعيد بن أبي عروبة به، بدون قوله: \"فوالله ما نبست … \" آخره، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٥).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن مهدي به، وسنده صحيح.","vol":"5","page":482},{"text":"وحده، ولو صبروا في مدة الدنيا القصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)﴾ أي: كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾ أي: الحاسبين ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: مدة يسيرة على كل تقدير ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لما آثرتم الفاني على الباقي ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيء، ولا استحققتم من اللَّه سخطه في تلك المدة اليسيرة، فلو أنكم صبرتم على طاعة اللَّه وعبادته كما فعل المؤمنون لفزتم كما فازوا.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن [الوزير] (^١)، حَدَّثَنَا الوليد، حَدَّثَنَا صفوان، عن أيفع بن عبدٍ الكلاعي أنه سمعه يخطب الناس فقال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن اللَّه إذا أدخل أهل الجنةِ الجنَّةَ وأهل النارِ النارَ، قال: يا أهل الجنة كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم، قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم رحمتي ورضواني وجنتي أمكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم قال: يا أهل النار كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم، فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين مخلدين\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2788\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثًا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا؟ وقيل: للعبث؛ أي لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وإنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله ﷿: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ أي: لا تعودون في الدار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة] يعني: هملًا.\n\n<span id=\"aya-2789\"></span>وقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: تقدس أن يخلق شيئًا عبثًا، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ فذكر العرش لأنَّهُ سقف جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريم؛ أي حسن المنظر بهي الشكل، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧].\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا علي بن محمد الطنافسي، حَدَّثَنَا إسحاق بن سليمان -شيخ من أهل العراق-، أنبأنا شعيب بن صفوان، عن رجل من آل سعيد بن العاص قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد؛ أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثًا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادًا ينزل اللَّه فيه للحكم بينكم والفصل بينكم، فخاب وخسر وشقي عبد أخرجه اللَّه من رحمته، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن عذاب اللَّه غدًا إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافدًا بباقٍ وقليلا بكثير وخوفًا بأمان، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين حتَّى تردون إلى خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله ﷿، قد قضى نحبه وانقضى أجله حتَّى تغيبوه في صدع من الأرض في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم؛ فاتقوا اللَّه قبل\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"الدرير\".\n(^٢) سنده مرسل؛ لأن أيفع بن عبد تابعي.","vol":"5","page":483},{"text":"انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم، ثم جعل طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا يحيى بن نصير الخولاني، حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي هبيرة، عن [حسن] (^٢) بن عبد اللَّه: أن رجلًا مصابًا مرَّ به عبد اللَّه بن مسعود فقرأ في أذنه هذه الآية ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ حتَّى ختم السورة فبرأ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"بماذا قرأت في أذنه؟ \" فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده لو أن رجلًا موقنًا قرأها على جبل لزال\" (^٣).\nوروى أبو نعيم من طريق خالد بن نزار، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ قال: فقرأناها فغنمنا وسلمنا (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حَدَّثَنَا إسحاق بن وهب العلاف الواسطي، حَدَّثَنَا أبو المسيب سالم بن سلام، حَدَّثَنَا بكر بن حُبيش، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك بن مزاحم، عن عبد اللَّه بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا السفينة باسم اللَّه الملك الحق، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]، ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١] \" (^٥).\n\n<span id=\"aya-2790\"></span>﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾.\nيقول تعالى متوعدًا من أشرك به غيره وعبد معه سواه، ومخبرًا أن من أشرك بالله لا برهان له؛ أي لا دليل له على قوله، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ وهذه جملة معترضة، وجواب الشَّرط في قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: اللَّه يحاسبه على ذلك، ثم أخبر ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة.\nقال قتادة: ذُكر لنا أن نبي اللَّه ﷺ قال لرجل: \"ما تعبد؟ \" قال: أعبد اللَّه وكذا وكذا حتَّى عد أصنامأ، فقال رسول اللَّه ﷺ: \"فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك؟ \" قال: الله ﷿، قال: \"فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها؟ \" قال: الله ﷿، قال: \"فما يحملك على أن تعبد\n_________\n(^١) سنده ضعيف لجهالة شيخ شعيب بن صفوان.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"حبيس\".\n(^٣) في سنده ابن لهيعة لم يتابع عليه؛ بل قد سئل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال: هذا موضوع من حديث الكذابين، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في ترجمة سلام بن رزين (لسان الميزان ٣/ ٥٧).\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في (معرفة الصحابة ح ٧٢٦)، وعزاه الحافظ ابن حجر إلى ابن منده وقال: إسناده لا بأس به (الإصابة ١/ ١٥)، وفي سنده خالد بن نزار: صدوق يخطئ (التقريب ص ١٩١).\n(^٥) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلقَ ابن عباس ﵄، وفيه أيضًا نهشل بن سعيد، وهو متروك (مجمع الزوائد ١٠/ ١٣٢).","vol":"5","page":484},{"text":"هؤلاء معه، أم حسبت أن تغلب عليه؟ \" قال: أردت شكره بعبادة هؤلاء معه، فقال رسول الله ﷺ: \"تعلمون ولا يعلمون\" فقال الرجل بعدما أسلم: لقيت رجلًا خصمني (^١). هذا مرسل من هذا الوجه.\nوقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسندًا عن عمران بن الحصين، عن أبيه، عن رسول اللَّه ﷺ، نحو ذلك (^٢).\n\n<span id=\"aya-2791\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ هذا إرشاد من اللَّه تعالى إلى هذا الدعاء، فالغفر إذا أطلق معناه: محو الذنب وستره عن الناس، والرحمة معناها: أن يسدده ويوفقه في الأقوال والأفعال.\nآخر تفسير سورة المؤمنون.\n_________\n(^١) سنده ضعيف؛ لأن قتادة أرسله.\n(^٢) أخرجه الترمذي من طريق الحسن البصري عن عمران بن الحصين بنحوه (السنن، الدعوات، باب رقم ٧٠ ح ٣٤٨٣)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي.","vol":"5","page":485},{"text":"<span data-type='title' id=toc-136>سُوْرَةُ النُّوْرِ</span>\nوهي مدنية\n\n<span id=\"aya-2792\"></span>﷽\n﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.\nيقول تعالى: هذه ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ فيه تنبيه على الاعتناء بها ولا ينفي ما عداها \"وفرَّضناها\".\nقال مجاهد وقتادة: أي بيَّنا الحلال والحرام والأمر والنهي والحدود (^١).\nوقال البخاري: ومن قرأ ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ (^٢)، يقول: فرضناها عليكم وعلى من بعدكم (^٣).\n﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: مفسرات واضحات ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2793\"></span>ثم قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ هذه الآية الكريمة فيها حكم الزاني في الحد، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع، فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرًا، وهو الذي لم يتزوج، أو محصنًا، وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، فأما إذا كان بكرًا لم يتزوج، فإن حدَّه مِائَة جلدة كما في الآية، ويُزاد على ذلك أن يُغرَّب عامًا عن بلده عند جمهور العلماء خلافًا لأبي حنيفة ﵀، فإن عنده أن التغريب إلى رأي الإمام: إن شاء غرَّب وإن شاء لم يغرِّب، وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين اللّذين أتيا رسول الله ﷺ، فقال أحدهما: يا رسول اللَّه إن ابني هذا كان عسيفًا -يعني: أجيرًا- على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مِائَة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه ﷺ: \"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه تعالى، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مِائَة وتغريب عام، واغد يا أُنيس -لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها\"، \"فغدا عليها فاعترفت فرجمها\" (^٤)،\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^٢) القراءتان متواترتان.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور.\n(^٤) صحيح البخاري، الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (ح ٢٦٩٦)، وصحيح مسلم، الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا (ح ١٦٩٨).","vol":"5","page":486},{"text":"ففي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مِائَة إذا كان بكرًا لم يتزوج.\nفأما إذا كان محصنًا، وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، فإنه يرجم، كما قال الإمام مالك: حدثني محمد بن شهاب، أخبرنا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود: أن ابن عباس أخبره: أن عمر قام فحمد اللَّه وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد؛ أيها الناس فإن اللَّه تعالى بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب اللَّه فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها اللَّه، فالرجم في كتاب اللَّه حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، النساء إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف. أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك مطولًا (^١)، وهذه قطعة منه فيها مقصودنا ههنا.\nوروى الإمام أحمد: عن هشيم، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس؛ حدثني عبد الرحمن بن عوف: أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول: ألا وإن أناسًا يقولون: ما بال الرجم في كتاب اللَّه الجلد؟ وقد رجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم: إن عمر زاد في كتاب اللَّه ما ليس منه؛ لأثبتها كما نزلت به (^٢). وأخرجه النسائي من حديث عبيد اللَّه بن عبد اللَّه به (^٣)، وقد روى الإمام أحمد أيضًا، عن هشيم، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ فذكر الرجم، فقال: لا تُخدعُنَّ عنه فإنه حدُّ من حدود اللَّه تعالى، ألا وإن رسول اللَّه ﷺ قد رجم ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائلون: زاد عمر في كتاب اللَّه ما ليس فيه لكتبت في ناحية من المصحف، وشهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان أن رسول الله ﷺ قد رجم ورجمنا بعده، ألا إنه سيكون من بعدكم قومٌ يكذبون بالرجم، وبالدجال وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا (^٤).\nوروى أحمد أيضًا، عن يحيى القطان، عن يحيى الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب: \"إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم\" (^٥)، الحديث رواه الترمذي من حديث سعيد، عن عمر، وقال: صحيح (^٦)، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا عبيد اللَّه بن عمر القواريري، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، حَدَّثَنَا ابن عون -عن محمد هو: ابن سيرين-، قال: نبئت عن كثير بن الصلت قال: كنا عند مروان وفينا زيد، فقال زيد بن ثابت: كنا نقرأ \"الشيخ والشيخة إذا\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الحدود، باب الاعتراف بالزنا (ح ٦٨٢٩)، وصحيح مسلم، الحدود، باب رجم الثيب في الزنا (ح ١٦٩١).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ١/ ٣٢٧ ح ١٩٧)، وصحح سنده محققوه.\n(^٣) السنن الكبرى (ح ٧١٥٤).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٩٦ ح ١٥٦)، وضعف سنده محققوه لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٦٢ ح ٢٤٩)، وصحح سنده محققوه.\n(^٦) سنن الترمذي، الحدود، باب ما جاء في تحقيق الرجم (ح ١٤٣١).","vol":"5","page":487},{"text":"زنيا فارجموهما البتة\"، قال مروان: ألا كتبتها في المصحف؟ قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب، فقال: أنا أشفيكم من ذلك، قال: قلنا: فكيف؟ قال جاء رجل إلى النَّبِيّ ﷺ قال: فذكر كذا وكذا وذكر الرجم، فقال: يا رسول اكتب لي آية الرجم، قال: \"لا أستطيع الآن\" هذا أو نحو ذلك (^١).\nوقد رواه النسائي من حديث محمد بن المثنى، عن غُندر، عن شعبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن كثير بن الصلت، عن زيد بن ثابت به (^٢)، وهذه طرق كلها متعددة ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها وبقي حكمها معمولًا به، والله أعلم.\nوقد أمر رسول الله ﷺ برجم هذه المرأة، وهي زوجة الرجل الذي استأجر الأجير لما زنت مع الأجير، ورجم رسول اللَّه ﷺ ماعزًا والغامدية، وكل هؤلاء لم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه جلدهم قبل الرجم، وإنما وردت الأحاديث الصحاح المتعددة الطرق والألفاظ بالاقتصار على رجمهم وليس فيها ذكر الجلد، ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي ﵏، وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للآية، والرجم للسُّنة.\nكما رُويَ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه لما أتى بشراحة، وكانت قد زنت وهي محصنة، فجلدها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، فقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ (^٣). وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة ومسلم من حديث قتادة، عن الحسن، عن حطّان بن عبد اللَّه الرقاشي، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"خذوا عني خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مِائَة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مِائَة والرجم\" (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم اللَّه؛ أي لا ترحموهما [وترأفوا بهما] (^٥) في شرع اللَّه، وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية على إقامة الحد، وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد، فلا يجوز ذلك.\nقال مجاهد: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان فتقام ولا تعطل (^٦)، وكذا روي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لإبهام شيخ محمد بن سيرين.\n(^٢) السنن الكبرى (ح ٧١٤٥).\n(^٣) أخرجه البخاري بلفظ: \"حين رجم المرأة يوم الجمعة\"، وقال: رجمتها بسُّنة رسول الله ﷺ. دون ذكر الجلد (الصحيح، الحدود، باب رجم المحصن ح ٦٨١٢)، وأخرجه البستي من طريق عمرو بن علي، وسنده ضعيف؛ لأن عمرو لم يسمع من على (المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٢٢).\n(^٤) المسند ٥/ ٣١٧، وصحيح مسلم، الحدود، باب حد الزنا (ح ١٦٩٠)، وسنن أبي داود، الحدود، باب الرجم (ح ٤٤١٥)، وسنن الترمذي، الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثيب (ح ١٤٣٤)، والسنن الكبرى للنسائي، الرجم (ح ٧١٤٢)، وسنن ابن ماجه، الحدود، باب حد الزنا (ح ٢٥٥٠).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"وترثوا لهما\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"5","page":488},{"text":"وقد جاء في الحديث: \"تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجب\" (^١).\nوفي الحديث الآخر: \"لحدُّ يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحًا\" (^٢).\nوقيل: المراد ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فلا تقيموا الحدَّ كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر عن المأثم، وليس المراد الضرب المبرح.\nقال عامر الشعبي: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: رحمة في شدة الضرب (^٣).\nوقال عطاء: ضرب ليس بالمبرح (^٤).\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن حماد بن أبي سليمان: يجلد القاذف وعليه ثيابه والزاني تخلع ثيابه، ثم تلا ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فقلت: هذا في الحكم؟ قال: هذا في الحكم، والجلد، يعني: في إقامة الحد وفي شدة الضرب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد اللَّه الأودي، حَدَّثَنَا وكيع، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها (^٥)، قال نافع: أراه قال: وظهرها، قال: قلت: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: يا بني ورأيتني أخذتني بها رأفة إن اللَّه لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجعل جلدها في رأسها، وقد أوجعت حين ضربتها (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: فافعلوا ذلك وأقيموا الحدود على من زنى، وشددوا عليه الضرب، ولكن ليس مبرحًا ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك، وقد جاء في المسند عن بعض الصحابة أنه قال: يا رسول اللَّه إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال: \"ولك في ذلك أجر\" (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا بحضرة الناس، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما وأنجع في ردعهما، فإن في ذلك تقريعًا وتوبيخًا وفضيحة إذا كان الناس حضورًا.\nقال الحسن البصري في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: يعني علانية (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ (السنن، الحدود، باب العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان ح ٤٣٧٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٨٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ (المسند ١٤/ ٣٥١ ح ٨٧٣٨)، وضعف سنده محققوه، وكذا أخرجه ابن ماجه (السنن، الحدود، باب إقامة الحدود ح ٢٥٣٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٠٥٧)، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٢٤٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عن الشعبي.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق حجاج بن أرطأة عن عطاء بن أبي رباح.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق شعبة عن حماد.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق من طريق ابن أبي مليكة به، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد من حديث قرَّة المزني ﵁ (المسند ٣٣/ ٤٧٢ ح ٢٠٣٦٣)، وصحح سنده محققوه، وأخرجه البخاري بنحوه في الأدب المفرد (ح ٣٧٣)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٢٨٧).\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن (المصنف ١٠/ ٦٠).","vol":"5","page":489},{"text":"ثم قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الطائفة: الرجل فما فوقه (^١).\nوقال مجاهد: الطائفة رجل إلى ألف (^٢)، وكذا قال عكرمة (^٣)، ولهذا قال أحمد: إن الطائفة تصدق على واحد.\nوقال عطاء بن أبي رباح: اثنان (^٤)، وبه قال إسحاق بن راهويه، وكذا قال سعيد بن جبير ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: يعني: رجلين فصاعدًا (^٥).\nوقال الزهري: ثلاثة نفر فصاعدًا (^٦).\nوقال عبد الرزاق: حدثني ابن وهب، عن الإمام مالك في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: الطائفة أربعة نفر فصاعدًا (^٧)، لأنَّهُ لا يكفي شهادة في الزنا دون أربعة شهداء فصاعدًا، وبه قال الشافعي (^٨).\nوقال ربيعة: خمسة.\nوقال الحسن البصري: عشرة.\nوقال قتادة: أمر اللَّه أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين؛ أي نفر من المسلمين (^٩) ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان، حَدَّثَنَا بقية قال: سمعت نصر بن علقمة يقول في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: ليس ذلك للفضيحة، إنما ذلك ليدعى اللَّه تعالى لهما بالتوبة والرحمة (^١٠).\n\n<span id=\"aya-2794\"></span>﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾.\nهذا خبر من اللَّه تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة؛ أي لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية، أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾ أي: عاصٍ بزناه ﴿أَوْ مُشْرِكٌ﴾ لا يعتقد تحريمه.\nقال سفيان الثوري: عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن إياس، عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه حفص بن عمر، وهو ضعيف، ويتقوى بما سبق.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن عطاء.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يونس بن يزيد وابن أبي ذئب عن الزهري.\n(^٧) أخرجه الشافعي بسند صحيح من طريق عبد الرزاق به (الأم ٦/ ١٢٢، ١٢٣).\n(^٨) الأم ٦/ ١٢٢.\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"5","page":490},{"text":"﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ قال: ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك (^١). وهذا إسناد صحيح عنه، وقد روي عنه من غير وجه أيضًا. وقد روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والضحاك ومكحول ومقاتل بن حيان وغير واحد نحو ذلك (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى اَلْمُؤمْنِينَ﴾ أي: تعاطيه والتزوج بالبغايا، أو تزويج العفائف بالرجال الفجار.\nوقال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا قيس، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى اَلْمُؤمْنِينَ﴾ قال: حرَّم اللَّه الزنا على المؤمنين (^٣).\nوقال قتادة ومقاتل بن حيان: حرَّم اللَّه على المؤمنين نكاح البغايا (^٤)، وتقدم ذلك فقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى اَلْمُؤمْنِينَ﴾، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥].\nوقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ....﴾ الآية [المائدة: ٥]، ومن ههنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي مادامت كذلك حتَّى تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح، حتَّى يتوب توبة صحيحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عارم، حَدَّثَنَا معتمر بن سليمان، قال أبي: حَدَّثَنَا الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄: أن رجلًا من المؤمنين استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال لها: أم مهزول، كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه، قال: فاستأذن رسول الله ﷺ أو ذكر له أمرها قال: فقرأ عليه رسول اللَّه ﷺ ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ (^٥).\nوقال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، حَدَّثَنَا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها: أم مهزول، وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن يتزوجها، فأنزل الله ﷿: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق خالد بن الحارث عن حبيب بن أبي عمرة به، وسنده صحيح، وقد صححه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم عن هؤلاء بأسانيد ثابتة.\n(^٣) سنده حسن.\n(^٤) قول قتادة أخرجه الطبري معلقًا، وقول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ١٦ ح ٦٤٨٠)، وضعف سنده محققوه لجهالة الحضرمي. قال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ٧٣)، وأخرجه الحاكم من طريق هشيم عن سليمان التيمي عن القاسم بن محمد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٦). ولعل الحضرمي خلط بين الصحابيين فرواه تارة عن ابن عمر وتارة عن ابن عمرو.","vol":"5","page":491},{"text":"زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ (^١).\nوقال الترمذي: حَدَّثَنَا عبد بن حميد، حَدَّثَنَا روح بن عبادة، عن عبيد اللَّه بن الأخنس، أخبرني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلًا يحمل الأسارى من مكة حتَّى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وإنه واعد رجلًا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتَّى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط، فلما انتهت إلي عرفتني، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحبًا وأهلًا، هلم فبت عندنا الليلة، قال: فقلت: يا عناق حرم اللَّه الزنا، فقالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم، قال: فتبعني ثمانية ودخلت الخندمة فانتهيت إلى غار أو كهف، فدخلت فيه فجاؤوا حتَّى قاموا على رأسي، فبالوا: فظل بولهم على رأسي، فأعماهم اللَّه عني، قال: ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته، وكان رجلًا ثقيلًا حتَّى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه أحبله، فجعلت أحمله ويعينني حتَّى أتيت به المدينة، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه أنكح عناقًا أنكح عناقًا -مرتين؟ -، فأمسك رسول الله ﷺ فلم يرد عليّ شيئًا حتَّى نزلت ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾، فقال رسول الله ﷺ: \"يا مرثد، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فلا تنكحها\". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٢)، وقد رواه أبو داود والنسائي في كتاب النكاح من سننهما من حديث عبيد اللَّه بن الأخنس به (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا مسدد أبو الحسن، حَدَّثَنَا عبد الوارث، عن حبيب المعلم، حدثني عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله\" (^٤). وهكذا أخرجه أبو داود في سننه عن مسدد وأبي معمر، عن عبد اللَّه بن عمر كلاهما عن عبد الوارث، به (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، عن أخيه عمر بن محمد، عن عبد اللَّه بن يسار مولى ابن عمر، قال: أشهد لسمعت سالمًا يقول: قال عبد اللَّه: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، والمرأة المترجّلة المتشبهة بالرجال، والديوث، وثلاث لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، ومدمن الخمر، والمنَّان بما أعطى\" (^٦). ورواه النسائي عن عمرو بن\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم كما في سابقه.\n(^٢) السنن، التفسير، سورة النور (ح ٣١٧٧)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٥٣٨)، وأخرجه الحاكم من طريق عبيد الله بن الأخنس به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٦٦).\n(^٣) سنن أبي داود، النكاح، باب قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣]: (ح ٢٠٥١) وسنن النسائي، النكاح، باب تزويج الزانية ٦/ ٦٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) سنن أبي داود، النكاح، باب قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ (ح ٢٠٥٢).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠/ ٣٢١، ٣٢٢ ح ٦١٨٠)، وحسّن سنده محققوه، وصححه =","vol":"5","page":492},{"text":"علي الفلاس، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري، عن عبد اللَّه بن يسار، به (^١).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا الوليد بن كثير، عن قطن بن وهب، عن عويمر بن الأجدع، عمّن حدثه، عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر؛ قال: حدثني عبد الله بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"ثلاثة حرّم اللَّه عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث الذي يقرّ في أهله الخبث\" (^٢).\nوقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثني شعبة، حدثني رجل من آل سهل بن حنيف، عن محمد بن عمار، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"لا يدخل الجنة ديوث\" (^٣). يستشهد به لما قبله من الأحاديث.\nوقال ابن ماجه: حَدَّثَنَا هشام بن عمار، حَدَّثَنَا سلام بن سوار، حَدَّثَنَا كثير بن سليم، عن الضحاك بن مزاحم: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"من أراد أن يلقى اللَّه وهو طاهر متطهر، فليتزوج الحرائر\" (^٤)، في إسناده ضعف.\nوقال الإمام أبو النصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح في اللغة: الديوث القُنذع، وهو: الذي لا غيرة له (^٥).\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب النكاح من سننه: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن علية، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب، عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير وعبد الكريم، عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس. -عبد الكريم رفعه إلى ابن عباس وهارون لم يرفعه-، قالا: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن عندي امرأة هي من أحب الناس إلي، وهي لا تمنع يد لامس؟ قال: \"طلقها\" قال: لا صبر لي عنها. قال: \"استمتع بها\". ثم قال النسائي: هذا الحديث غير ثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون أثبت منه، وقد أرسل الحديث وهو ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم (^٦).\nقلت: وهو: ابن أبي المخارق البصري المؤدب تابعي ضعيف الحديث، وقد خالفه هارون بن رئاب وهو تابعي ثقة من رجال مسلم، فحديثه المرسل أولى كما قال النسائي، لكن قد رواه النسائي في كتاب الطلاق، عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل، عن حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب، عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس مسندًا، فذكره بهذا الإسناد،\n_________\n= أحمد شاكر برقم ٦١٨٠، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٤/ ١٤٦).\n(^١) سنن النسائي، الزكاة، باب المنان بما أعطى ٨/ ٨٠.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٦٩)، وسنده ضعيف لإبهام شيخ عويمر الأجدع، ويشهد له سابقه.\n(^٣) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٦٤٢)، وسنده ضعيف لإبهام شيخ شعبة، ويشهد له حديث عبد الله بن عمر قبل السابق.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، النكاح، باب تزويج الحرائر والولود ح ١٨٦٢)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه.\n(^٥) الصحاح للجوهري ١/ ٢٨٢.\n(^٦) سنن النسائي، النكاح، باب تزويج الزانية ٦/ ٦٧، وقد أخرجه من طرق أخرى تقويه كما يليه.","vol":"5","page":493},{"text":"فرجاله على شرط مسلم إلا أن النسائي بعد روايته له قال هذا خطأ والصواب مرسل (^١)، ورواه غير النضر على الصواب.\nوقد رواه النسائي أيضًا وأبو داود، عن الحسين بن حريث، أخبرنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ … فذكره (^٢)، وهذا الإسناد جيد. وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعّف له كما تقدم عن النسائي، ومنكر كما قال الإمام أحمد: هو حديث منكر، وقال ابن قتيبة: إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلًا (^٣)، وحكاه النسائي في سننه عن بعضهم فقال: وقيل: سخية تعطي، ورد هذا بأن لو كان المراد لقال: لا ترَدّ يد ملتمس، وقيل: المراد أن سجيتها لا تردّ يد لامس لا أن المراد أن هذا واقع منها وأنها تفعل الفاحشة، فإن رسول اللَّه ﷺ لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها، فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثًا، وقد تقدم الوعيد على ذلك، ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد، أمره رسول اللَّه ﷺ بفراقها، فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها؛ لأن محبته لها محققة ووقوع الفاحشة منها متوهم، فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهم الآجل، والله ﷾ أعلم.\nقالوا: فأما إذا حصلت توبة فإنه يحل التزويج، كما قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم ﵀: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد، عن ابن أبي ذئب قال: سمعت شعبة مولى ابن عباس ﵁ قال: سمعت ابن عباس وسأله رجل فقال: إني كنت ألمُّ بامرأة آتي منها ما حرم الله ﷿ عليّ، فرزقني الله ﷿ من ذلك توبة، فأردت أن أتزوجها، فقال أناس: إن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، فقال ابن عَبَّاسٍ: ليس هذا في هذا، أنكحها فما كان من إثم فعليّ (^٤)، وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الآية منسوخة.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ذكر عنده ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ قال: كان يقال: نسختها التي بعدها ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] قال: كان يقال: الأيامى من المسلمين (^٥)، وهكذا رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ (^٦) له عن سعيد بن المسيب، ونصَّ على ذلك أيضًا الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعي (^٧).\n\n<span id=\"aya-2795\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾.\nهذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان\n_________\n(^١) المصدر السابق ٦/ ١٧٠.\n(^٢) المصدر السابق ٦/ ١٦٩.\n(^٣) وهذا هو اللّائق بمقام الصحابية ﵂.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل.\n(^٦) الناسخ والمنسوخ ص ١٠٠ رقم ١٧.\n(^٧) الأُم للشافعي ٥/ ١٢.","vol":"5","page":494},{"text":"المقذوف رجلًا فكذلك يجلد قاذفه أيضًا، وليس في هذا نزاع بين العلماء، فإن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله درأ عنه الحد، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فأوجب على القاذف، إذا لم يقم البينة على صحة ما قال: ثلاثة أحكام:\n(أحدها): أن يجلد ثمانين جلدة.\n(الثاني): أنه ترد شهادته أبدًا.\n(الثالث): أن يكون فاسقًا ليس بعدل، لا عند اللَّه، ولا عند الناس.\n\n<span id=\"aya-2796\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ الآية. واختلف العلماء في هذا الاستثناء: هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، فترفع التوبة الفسق فقط، ويبقى مردود الشهادة دائمًا وإن تاب؟ أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة؟\nأما الجلد فقد ذهب وانقضى سواء تاب أو أصر ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف، فذهب الإمام مالك وأحمد والشافعي إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق، ونصَّ عليه سعيد بن المسيب سيد التابعين (^١)، وجماعة من السلف أيضًا.\nوقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبدًا، وممن ذهب إليه من السلف القاضي شريح وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومكحول وعبد الرحمن بن زيد بن جابر (^٢).\nوقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته، وإن تاب، إلا أن يعترف على نفسه أنه قد قال البهتان، فحينئذٍ تقبل شهادته (^٣)، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2797\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾.\nهذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته، وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر الله ﷿، وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به، فيحلّفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء: إنه لمن الصادقين؛ أي فيما رماها به من الزنا\n\n<span id=\"aya-2798\"></span>\n\n<span id=\"aya-2799\"></span>﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ فإذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرها ويتوجب عليها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب.\n(^٢) قول إبراهيم النخعي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الأعمش عنه.\n(^٣) قول الشعبي أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق داود بن أبي هند عنه، وقول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.","vol":"5","page":495},{"text":"حد الزنا، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله: ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: فيما رماها به\n\n<span id=\"aya-2800\"></span>﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ ولهذا قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يعني: الحد ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ فخصَّها بالغضب، كما أن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به، ولهذا كانت الخامسة في حقِّها أن غضب اللَّه عليها، والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه.\n\n<span id=\"aya-2801\"></span>ثم ذكر تعالى رأفته بخلقه ولطفه بهم فيما شرع لهم من الفرج والمخرج من شدة ما يكون بهم من الضيق، فقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: لحرجتم ولشق عليكم كثير من أموركم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ أي: على عباده، وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يشرعه ويأمر به وفيما ينهى عنه، وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية، وذكر سبب نزولها، وفيمن نزلت فيه من الصحابة.\nفقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، أخبرنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار ﵁: أهكذا أنزلت يا رسول اللَّه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ \" فقالوا: يا رسول اللَّه لا تلمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرًا، وما طلق امرأة له قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد: والله يا رسول اللَّه إني لأعلم أنها حق وأنها من اللَّه، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعًا (^١) قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتَّى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتَّى يقضي حاجته -قال: فما لبثوا إلا يسيرًا- حتَّى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلًا، فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهيجه حتَّى أصبح، فغدا على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني جئت على أهلي عشاء فوجدت عندها رجلًا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به واشتد عليه، واجتمعت عليه الأنصار وقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن، يضرب رسول الله ﷺ هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا. وقال هلال: يا رسول اللَّه فإني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به، والله يعلم إني لصادق. فواللهِ إن رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه؛ إذ أنزل اللَّه على رسوله ﷺ الوحي.\nوكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد (^٢) وجهه؛ يعني: فأمسكوا عنه حتَّى فرغ من الوحي، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ .. ..﴾ الآية، فسُريَّ عن رسول اللَّه ﷺ فقال: \"أبشر يا هلال فقد جعل اللَّه لك فرجًا ومخرجًا\" فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي ﷿، فقال رسول اللَّه ﷺ: \"أرسلوا إليها\" فأرسلوا إليها\n_________\n(^١) أي: حمقاء.\n(^٢) أي: تغير لون وجهه.","vol":"5","page":496},{"text":"فجاءت، فتلاها رسول اللِّه ﷺ عليهما، فذكرهما وأخبرهما عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول اللَّه لقد صدقت عليها، فقالت: كذب، فقال رسول الله ﷺ: \"لاعنوا بينهما\" فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة قيل له: يا هلال اتق اللَّه، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني اللَّه عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: اتقي اللَّه، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين.\nففرق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت لها من أجل أن يفترقا من غير طلاق ولا متوفى عنها، وقال: \"إن جاءت به أصيهب (^١) أريسح (^٢) حمس الساقين (^٣)، فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدًا جماليًا خدلج الساقين سابغ الأليتين، فهو الذي رميت به\" فجاءت به أورق (^٤) جعدًا (^٥) جماليًا (^٦) خدلج الساقين (^٧) سابغ الأليتين، فقال رسول الله ﷺ: \"لولا الأيمان لكان لي ولها شأن\".\nقال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وكان يدعى لأمه ولا يدعى لأب (^٨). ورواه أبو داود، عن الحسن بن علي، عن يزيد بن هارون به نحوه مختصرًا (^٩).\nولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة، فمنها ما قال البخاري: حدثني محمد بن بشار، حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن هشام بن حسان، حدثني عكرمة، عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النَّبِيّ ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النَّبِيّ ﷺ: \"البينة أو حد في ظهرك\" فقال: يا رسول اللَّه إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النَّبِيّ ﷺ يقول: \"البينة وإلا حد في ظهرك\" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن اللَّه ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتَّى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فانصرف النَّبِيّ ﷺ، فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ يقول: \"إن اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ \" ثم قامت فشهدت، فلما كان في الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة، قال ابن عَبَّاسٍ: فتلكأت ونكصت حتَّى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، فقال النَّبِيّ ﷺ: \"أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ\n_________\n(^١) أي: أشقر.\n(^٢) أي: أي: لا عجز له.\n(^٣) أي: دقيق الساقين.\n(^٤) أي: أسمر.\n(^٥) أي: جعد الشعر.\n(^٦) أي: ضخم الأعضاء.\n(^٧) أي: عظيم الساقين.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٤/ ٣٦ ح ٢١٣١)، وحسنه محققوه، وله شواهد ستأتي.\n(^٩) سنن أبي داود، الطلاق، باب في اللعان (ح ٢٢٥٦).","vol":"5","page":497},{"text":"الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك ابن سحماء\" فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ: \"لولا ما مضى من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن\" (^١)، انفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه من غير وجه عن ابن عباس وغيره.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن منصور الرمادي، حَدَّثَنَا يونس بن محمد، حَدَّثَنَا صالح -وهو: ابن عمر-، حَدَّثَنَا عاصم -يعني: ابن كليب-، عن أبيه، حدثني ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فرمى امرأته برجل، فكره ذلك رسول اللَّه ﷺ، فلم يزل يردده حتَّى أنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ فقرأ حتَّى فرغ من الآيتين، فأرسل إليهما فدعاهما فقال: \"إن اللَّه تعالى قد أنزل فيكما\" فدعا الرجل فقرأ عليه، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه، فقال له: \"كل شيء أهون عليه من لعنة اللَّه\" ثم أرسله فقال: \"لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين\" ثم دعاها فقرأ عليها، فشهدت أربع شهادات بالله إنه من الكاذبين، ثم أمر فأمسك على فيها فوعظها وقال: \"ويحك كل شيء أهون من غضب اللَّه\" ثم أرسلها فقالت: غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين. فقال رسول اللَّه ﷺ: \"أما والله لأقضين بينكما قضاء فصلًا\" قال: فولدت فما رأيت مولودًا بالمدينة أكثر غاشيةً منه، فقال: \"إن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا، وإن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا\"، فجاءت به يشبه الذي قذفت به (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا عبد الملك بن أبي سليمان قال: سمعت سعيد بن جبير قال: سُئلت عن المتلاعنين أيفرق بينهما في إمارة ابن الزبير؟ فما دريت ما أقول، فقمت من مكاني إلى منزل ابن عمر فقلت: يا أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيفرق بينهما؟ فقال: سبحان اللَّه، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان، فقال: يا رسول اللَّه أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة فإن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك، فسكت فلم يجبه.\nفلما كان بعد ذلك أتاه فقال: الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيات في سورة النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ حتَّى بلغ ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فبدأ بالرجل فوعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقال: والذي بعثك بالحق ما كذبتك، ثم ثنّى بالمرأة فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فقالت المرأة: والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، قال: فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما. رواه النسائي في التفسير من حديث عبد الملك بن أبي سليمان به، وأخرجاه فى الصحيحين من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور، باب ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: ٨] (ح ٢٦٧١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) (المسند ٢/ ١٩)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ١٣٥٧)، وصحيح البخاري، الطلاق، باب إن أحدكما كاذب (ح ٥٣١٢)، وصحيح مسلم، اللعان (ح ١٤٩٣).","vol":"5","page":498},{"text":"وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن حماد، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه قال: كنا جلوسًا عشية الجمعة في المسجد، فقال رجل من الأنصار: أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا إن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، والله لئن أصبحت صالحًا لأسألنَّ رسول اللَّه ﷺ، قال: فسأله، فقال: يا رسول اللَّه إن أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، اللَّهم احكم. قال: فأنزلت آية اللعان، فكان ذلك الرجل أول من ابتلي به. انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من طرق عن سليمان بن مهران الأعمش، به (^١).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا أبو كامل، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، حَدَّثَنَا ابن شهاب، عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي (^٢) فقال له: سل رسول اللَّه ﷺ: أرأيت رجلًا وجد رجلًا مع امرأته فقتله أيقتل به، أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول اللَّه ﷺ فعاب رسول اللَّه ﷺ المسائل، قال: فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟ قال: ما صنعت إنك لم تأتني بخير، سألت رسول اللَّه ﷺ فعاب المسائل، فقال عويمر: والله لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه. فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيهما، قال: فدعا بهما فلاعن بينهما. قال عويمر: لئن انطلقت بها يا رسول اللَّه لقد كذبت عليها. قال: ففارقها قبل أن يأمره رسول اللَّه ﷺ فصارت سنّة المتلاعنين، وقال رسول الله ﷺ: \"أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين، عظيم الأليتين، فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذبًا\" فجاءت به على النعت المكروه. أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عن الزهري، به (^٣).\nورواه البخاري أيضًا من طرق عن الزهري به، فقال: حَدَّثَنَا سليمان بن داود أبو الربيع حَدَّثَنَا فليع عن الزهري عن سهل بن سعد أن رجلًا أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! أرأيت رجلًا رأى مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فأنزل اللَّه تعالى فيهما ما ذكر في القرآن من التلاعن فقال له رسول اللَّه ﷺ: \"قد قضي فيك وفي امرأتك\" قال: فتلاعنا وأنا شاهد عند رسول الله ﷺ مفارقها، فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنَين وكانت حاملًا فأنكر حملها وكان ابنها يدعى إليها. ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض اللَّه لها (^٤).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا إسحاق بن الضيف، حَدَّثَنَا النضر بن شميل، حَدَّثَنَا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن زيد بن يُثيع، عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر: \"لو رأيت مع أُم رومان رجلًا ما كنت فاعلًا به؟ \" قال: كنت والله فاعلًا به شرًا، قال: \"فأنت يا عمر؟ \" قال: كنت والله فاعلًا، كنت أقول: لعن اللَّه الأعجز فإنه خبيث. قال: فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾. ثم قال: لا نعلم أحدًا أسنده إلا النضر بن شميل، عن يونس بن أبي\n_________\n(^١) (المسند ١/ ٤٢١)، وصحيح مسلم، اللعان (ح ١٤٩٥).\n(^٢) في هذه الرواية ورد ذكر عويمر في القصة، وفي الرواية السابقة هلال بن أمية، وقد جمع الحافظ ابن حجر بأن يكون هلال سأل أولًا ثم سأل عويمر، فنزلت الآية في شأنهما معًا (فتح الباري ٩/ ٤٥٠).\n(^٣) (المسند ٥/ ٣٣٤)، وصحيح البخاري، التفسير، سورة النور، باب ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ ....﴾ [النور: ٦] (ح ٤٧٤٥) وصحيح مسلم، اللعان (ح ١٤٩٢).\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور (ح ٤٧٤٦).","vol":"5","page":499},{"text":"إسحاق، ثم رواه من حديث الثوري عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، مرسلًا (^١)، فالله أعلم.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حَدَّثَنَا مخلد بن الحسين، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لأول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فرفعه إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"أربعة شهود، وإلا فحد في ظهرك\" فقال: يا رسول اللَّه إن اللَّه يعلم إني لصادق، ولينزلن اللَّه عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد، فأنزل الله آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ …﴾ إلى آخر الآية، قال: فدعاه النَّبِيّ ﷺ فقال: \"اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا\" فشهد بذلك أربع شهادات، ثم قال له في الخامسة: \"ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا\" ففعل، ثم دعاها رسول اللَّه ﷺ فقال: \"قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا\" فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة: \"وغضب اللَّه عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا\" قال: فلما كانت الرابعة أو الخامسة، سكت سكتة حتَّى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول، ففرق رسول اللَّه ﷺ بينهما، وقال: \"انظروا فإن جاءت به جعدًا حمش الساقين، فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العينين (^٢)، فهو لهلال بن أُمية \"فجاءت به آدم جعدًا حمش الساقين، فقال رسول اللَّه ﷺ: \"لولا ما نزل فيهما من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-2802\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾.\nهذه العشر آيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين ﵂ حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله ﷿ لها ولنبيه صلوات اللَّه وسلامه عليه، فأنزل اللَّه تعالى براءتها صيانة لعرض رسول الله ﷺ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أي: جماعة منكم، يعني: ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة، فكان المقدم في هذه اللعنة عبد اللَّه بن أُبي ابن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه، حتَّى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبًا من شهر حتَّى نزل القرآن، وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة.\nقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها اللَّه تعالى، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت لها اقتصاصًا، وقد وعيت عن كل واحدٍ\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٣٧)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ٧٤)، وفي سنده يونس بن أبي إسحاق، وهو السبيعي: صدوق يهم قليلًا (التقريب ص ٦١٣) وأبوه مدلس ولم يصرح بالسماع، وتارة يرويه مرسلًا، وتارة موصولًا.\n(^٢) أي: أقمر العينين.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى بسنده بنحوه (المسند ٥/ ٢٠٧ ح ٢٨٢٤) وصححه محققه، وأخرجه مسلم من طريق هشام به (الصحيح، اللعان ح ١٤٩٦).","vol":"5","page":500},{"text":"منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضًا، ذكروا أن عائشة ﵂ زوج النَّبِيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول اللَّه ﷺ معه، قالت عائشة ﵂: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، وخرجت مع رسول الله ﷺ وذلك بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتَّى إذا فرغ رسول اللَّه ﷺ من غزوة وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذن بالرحيل فمشيت حتَّى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار (^١) قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلونني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يُهلَبهن (^٢) ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة (^٣) من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتَّى أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتَّى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين (^٤) في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد اللَّه بن أُبي ابن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمناها شهرًا والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول اللَّه ﷺ اللطف الذي أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول اللَّه ﷺ فيسلم ثم يقول: \"كيف تيكم؟ \" فذلك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتَّى خرجت بعدما نقهت (^٥)، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه (^٦) في البرية، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها في بيوتنا، فانطلقت أنا وأُم مسطح وهي بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أُم مسطح في مرطها (^٧)، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئسما قلت: تسبين رجلًا شهد بدرًا؟ فقالت: أي هنتاه ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ، ثم قال: \"كيف تيكم؟ \" فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أتيقن الخبر من\n_________\n(^١) أي: خرز وظفار مدينة في اليمن.\n(^٢) أي: لم يكثر عليهن.\n(^٣) أي: الشيء اليسير.\n(^٤) أي: وقد توسط الشمس السماء.\n(^٥) أي: برأت وأفقت من المرض.\n(^٦) أي: التباعد؛ أي: مكان بعيد عن السكن لقضاء الحاجة.\n(^٧) المرط: الكساء.","vol":"5","page":501},{"text":"قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ، فجئت أُبوي فقلت لأُمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس به؟ فقالت: أي بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. قالت: فقلت سبحان الله أوقد تحدث الناس بها، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأُسامة بن زيد حين استلبث الوحي ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أُسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال أُسامة: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرًا. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر.\nقالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: \"أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ \" فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرًا قط أغمصه (^١) عليها أكثر من جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن (^٢) فتأكله. فقام رسول الله ﷺ من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أُبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: \"يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي\" فقام سعد بن معاذ الأنصاري ﵁ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا بأمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان: الأوس والخزرج حتى همَّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائمٌ على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت رسول الله ﷺ، قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، قال: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله ﷺ فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: \"أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله ثم توبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه\" قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص (^٣) دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ، فقال والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت لأُمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أحفظ كثيرًا من القرآن: والله لقد عرفت، أنكم قد سمعتم بهذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم: إني بريئة، والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني، وإني والله ما أجد لي ولكم\n_________\n(^١) أي: أعيبها به، وأطعن به عليها.\n(^٢) أي: الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم.\n(^٣) أي: ذهب الدمع.","vol":"5","page":502},{"text":"مثلًا إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذٍ أعلم أني بريئة وأن الله تعالى مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله تعالى على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سُرّي عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: \"أبشري يا عائشة أما الله ﷿ فقد برأك\"، قالت: فقالت لي أُمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ﷿ هو الذي أنزل براءتي، وأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ. . .﴾ العشر آيات كلها، فأنزل الله هذه الآيات في براءتي قالت: فقال أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.\nقالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري، فقال: \"يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟ \" فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرًا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله تعالى بالورع. وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك. قال ابن شهاب: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط. أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الزهري (^١). وهكذا رواه ابن إسحاق، عن الزهري، كذلك قال: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة ﵂، وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة بنحو ما تقدم (^٢)، والله أعلم.\nثم قال البخاري: وقال أبو أُسامة، عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي، عن عائشة ﵂ قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به، قام رسول الله ﷺ فيّ خطيبًا، فتشهّد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: \"أما بعد؛ أشيروا عليّ في أناس أبنوا (^٣) أهلي، وايمُ الله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، وما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم (^٤) بمن والله ما علمت عليه من سوء قط، ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي\"، فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله ﷺ، ائذن لنا أن نضرب أعناقهم، فقام رجل من\n_________\n(^١) (المسند ٦/ ١٩٤ - ١٩٧)، وصحيح البخاري، الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضًا (ح ٢٦٦١)، وصحيح مسلم، التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف (ح ٢٧٧٠).\n(^٢) السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٩٧ - ٣٠٧.\n(^٣) أي: اتهموا أهلي.\n(^٤) أي: اتهموهم.","vol":"5","page":503},{"text":"الخزرج وكانت أُم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال: كذبت أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم، حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شر في المسجد وما علمت، فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح، فعثرت فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أم تسبين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثانية فقالت: تعسَ مسطح فقلت لها: أي أم تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح فانتهرتُها، فقالت: والله ما أسبه إلا فيك، فقلت: في أي شأني؟ قالت: فبقرت (^١) لي الحديث، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله، فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلًا ولا كثيرًا، ووعكت وقلت لرسول الله ﷺ: أرسلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل، وأبا بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أُم رومان: ما جاء بك بنية، فأخبرتها وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني، فقالت: يا بنية خففي عليك الشأن، فإنه واللهِ لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدنها، وقيل فيها، فقلت: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم. قلت: ورسول الله ﷺ؟ قالت: نعم ورسول الله ﷺ، فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ، فنزل فقال لأُمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه ﵁ وقال: أقسمت عليك - أي بنية - إلا رجعت إلى بيتك؛ فرجعت، ولقد جاء رسول الله ﷺ بيتي فسأل عني خادمتي فقالت: لا والله ما علمت عليها عيبًا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به. فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ عن تبر الذهب الأحمر، وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كنف أنثى قط.\nقالت عائشة ﵂: فقتل شهيدًا في سبيل الله، وقالت: وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول الله ﷺ وقد صلى العصر، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: \"أما بعد؛ يا عائشة إن كنت قارفت سوءًا أو ظلمت فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده\" قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت: ألا تستحيي من هذه المرأة أن تذكر شيئًا؟ فوعظ رسول الله ﷺ فالتفت إلى أبي فقلت له: أجبه قال: فماذا أقول؟ فالتفت إلى أمي فقلت: أجيبيه قالت: ماذا أقول؟ فلما لم يجيباه تشهّدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعد فوالله إن قلت لكم: إني لم أفعل والله ﷿ يشهد أني لصادقة ما ذاك بنافعي عندكم، لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم، وإن قلت لكم: إني قد فعلت، والله يعلم أني لم أفعل، لتقولن: قد باءت به على نفسها، وإنني والله ما أجد لي ولكم مثلًا، والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، وأنزل الله على رسوله ﷺ من ساعته، فسكتنا فرفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول: \"أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك\" قالت: وكنت أشد ما كنت غضبًا فقال لي أبواي: قومي إليه، فقلت: لا والله لا أقوم\n_________\n(^١) أي: كشفت الحديث.","vol":"5","page":504},{"text":"إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه.\nوكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحش فقد عصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرًا، وأما أختها حمنة بنت جحش فهلكت فيمن هلك، وكان الذي يتكلم به مسطح وحسان بن ثابت، وأمِا المنافق عبد الله بن أُبي بن سلول، وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة، قالت: وحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحًا، بنافعة أبدًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ يعني: أبا بكر ﴿وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ يعني: مسطحًا إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فقال أبو بكر: بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا، وعاد له بما كان يصنع (^١). هكذا رواه البخاري من هذا الوجه معلقًا بصيغة الجزم عن أبي أسامة حماد بن أُسامة أحد الأئمة الثقات. وقد رواه ابن جرير في تفسيره عن سفيان بن وكيع، عن أبي أُسامة به مطولًا مثله أو نحوه. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أُسامة ببعضه (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لما نزل عذري من السماء جاءني النبي ﷺ فأخبرني بذلك، فقلت: نحمد الله لا نحمدك (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثني ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة أيضًا، عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمَرَ برجلين وامرأة فضربوا حدَّهم (^٤)، وأخرجه أهل السنن الأربعة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ووقع عند أبي داود تسميتهم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش (^٥)، فهذه طرق متعددة عن أم المؤمنين عائشة ﵂ في المسانيد والصحاح والسنن وغيرها.\nوقد روي من حديث أُمها أُم رومان ﵂، فقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، أخبرنا حصين، عن أبي وائل، عن مسروق، عن أُم رومان، قالت: بينا أنا عند عائشة؛ إذ دخلت علينا امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بابنها وفعل، فقالت عائشة: ولم؟ قالت: إنه كان فيمن حدث الحديث، قالت: وأي الحديث؟ قالت: كذا وكذا، قالت: وقد بلغ ذلك رسول الله ﷺ؟ قالت: نعم، قالت: وبلغ أبا بكر؟ قالت: نعم، فخرّت عائشة ﵂ مغشيًا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض، فقمت فدثرتها، قالت: فجاء النبي ﷺ قال: \"فما شأن هذه؟ \" فقلت: يا رسول الله\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور، (ح ٤٧٥٧).\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بهذين السندين بنحوه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠/ ١٣ ح ٢٤٠١٣)، وقال محققوه: حديث صحيح، دون قوله: \"جاءني النبي ﷺ فأخبرني بذلك\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠/ ٧٦، ٧٧ ح ٢٤٠٦٦) وحسنه محققوه.\n(^٥) سنن أبي داود، الحدود، باب حد القذف (ح ٤٤٧٤)، وسنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة النور (ح ٣١٨١)، والسنن الكبرى للنسائي، التعزيرات، باب حد القذف (ح ٧٣٥١)، وسنن ابن ماجه، الحدود، باب حد القذف (ح ٢٥٦٧)، وحسنه الألباني أيضًا صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٠٨١).","vol":"5","page":505},{"text":"أخذتها حُمَّى بنافض، قال: \"فلعله في حديث تحدث به\" قالت: فاستوت له عائشة قاعدة، فقالت: والله لئن حلفت لكم لا تصدقوني، ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قالت: فخرج رسول الله ﷺ وأنزل الله عذرها، فرجع رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر، فدخل فقال: يا عائشة \"إن الله تعالى قد أنزل عذرك\" فقالت: بحمد الله لا بحمدك، فقال لها أبو بكر: تقولين هذا لرسول الله ﷺ؟ قالت: نعم. قالت: فكان فيمن حدث هذا الحديث رجل كان يعوله أبو بكر فحلف أن لا يصله، فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ. . .﴾ إلى آخر الآية [النور: ٢٢]، فقال أبو بكر: بلى فوصله. تفرد به البخاري دون مسلم من طريق حصين (^١).\nوقد رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، وعن محمد بن سلام، عن محمد بن فضيل كلاهما عن حصين به، وفي لفظ أبي عوانة: حدثتني أُم رومان (^٢)، وهذا صريح في سماع مسروق منها، وقد أنكر ذلك جماعة من الحفّاظ منهم الخطيب البغدادي، وذلك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمن النبي ﷺ، قال الخطيب: وقد كان مسروق يرسله فيقول: سئلت أم رومان، ويسوقه فلعل بعضهم كتب (سئلت) بألف اعتقد الراوي أنها (سألت) فظنه متصلًا، قال الخطيب: وقد رواه البخاري كذلك ولم تظهر له علته، كذا قال (^٣)، والله أعلم.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ أي: بالكذب والبهت والافتراء ﴿عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة منكم ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ أي: يا آل أبي بكر ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين ﵂، حيث أنزل الله براءتها في القرآن العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]، ولهذا لما دخل عليها ابن عباس ﵁ وعنها وهي في سياق الموت، قال لها: أبشري فإنك زوجة رسول الله ﷺ، وكان يحبك ولم يتزوج بكرًا غيرك، وأنزل براءتك من السماء (^٤).\nوقال ابن جرير في تفسيره: حدثني محمد بن عثمان الواسطي، حدثنا جعفر بن عون، عن\n_________\n(^١) (المسند ٦/ ٣٦٧، ٣٦٨)، وصحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف] (ح ٣٣٨٣).\n(^٢) صحيح البخاري، المغازي، باب حديث الإفك (ح ٤١٤٣).\n(^٣) وقد أجاب الحافظ ابن حجر على ما ذكره الحافظ الخطيب البغدادي، ففال الحافظ ابن حجر: والذي ظهر لي بعد التأمل أن الصواب مع البخاري؛ لأن عمدة الخطيب ومن تبعه في دعوى الوهم: الاعتماد على قول من قال: إن أم رومان ماتت في حياة النبي ﷺ سنة أربع، وقيل: سنة خمس، وقيل: ست، وهو شيء ذكره الواقدي، ولا يتعقب الأسانيد الصحيحة بما يأتي عن الواقدي، وقد أشار البخاري إلى ردِّ ذلك في تاريخه الأوسط والصغير، فقال: بعد أن ذكر أم رومان في فصل من مات في خلافة عثمان: روى علي بن يزيد عن القاسم قال: ماتت أم رومان في زمن النبي ﷺ سنة ست، قال البخاري: وفيه نظر وحديث مسروق أسند، أي: أقوى إسنادًا وأبين اتصالًا (فتح الباري ٨/ ٤٣٨).\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور، باب ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ. . .﴾ [النور: ١٥] (ح ٤٧٥٣).","vol":"5","page":506},{"text":"المعلى بن [عرفان] (^١)، عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت عائشة وزينب ﵄ فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي من السماء، وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في كتاب الله حين حملني صفوان بن المعطل على الراحلة، فقالت لها زينب: يا عائشة ما قلت: حين ركبتيها؟ قالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، قالت: قلت: كلمة المؤمنين (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ أي: لكل من تكلم في هذه القضية ورمى أم المؤمنين عائشة ﵂ بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب.\n﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: على ذلك، ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أُبي بن سلول - قبحه الله تعالى ولعنه - وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث، وقال ذلك مجاهد وغير واحد (^٣)، وقيل: المراد به حسان بن ثابت، وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على ذلك، لما كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذبُّ عن رسول الله ﷺ بشعره، وهو الذي قال له رسول الله ﷺ: \"هاجهم وجبريل معك\" (^٤).\nوقال الأعمش: عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كنت عند عائشة ﵂، فدخل حسان بن ثابت، فأمرت فألقي له وسادة، فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني: يدخل عليك، وفي رواية: قيل لها: أتأذنين لهذا يدخل عليك، وقد قال الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قالت: وأي عذاب أشد من العمى، وكان قد ذهب بصره، لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم، ثم قالت: إنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ، وفي رواية: أنه أنشدها عندما دخل عليها شعرًا يمتدحها به، فقال (^٥):\nحصانٌ رزانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ … وتصبح غَرثى من لحوم الغوافل (^٦)\nفقالت: أما أنت فلست كذلك. وفي رواية: لكنك لست كذلك.\nوقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن قزعة، حدثنا سلمة بن علقمة (^٧)، حدثنا داود، عن عامر، عن عائشة أنها قالت: ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان، ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:\nهجوت محمدًا فأجبتُ عنه … وعند الله في ذاك الجزاء\nفإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحف إلى: \"عرفات\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا؛ لأن المعلى بن عرفان: متروك الحديث (ينظر: لسان الميزان ٦/ ٦٤).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، والأثر مرسل.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٨٧.\n(^٥) ديوان حسان ﵁ ص ١٨٨.\n(^٦) أخرجه البخاري من طريق شعبة عن الأعمش به (الصحيح، المغازي، باب حديث الإفك ح ٤١٤٦).\n(^٧) قال الحافظ ابن حجر: سلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند، صوابه: مسلمة (التقريب ص ٢٤٨).","vol":"5","page":507},{"text":"أتشتمه ولست له بكفء؟ … فشركما لخير كما الفداء\nلساني صارم لا عيب فيه … وبحري لا تكدره الدلاء (^١)\nفقيل: يا أُم المؤمنين أليس هذا لغوًا؟ قالت: لا إنما اللغو ما قيل عند النساء، قيل: أليس الله يقول: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره، وكنع (^٢) بالسيف (^٣)؟ تعني: الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطل السلمي حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك، فعلاه بالسيف وكاد أن يقتله.\n\n<span id=\"aya-2803\"></span>﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾.\nهذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة ﵂ حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السيء، وما ذكر من شأن الإفك فقال تعالى: ﴿لَوْلَا﴾ يعني: هلا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أي: ذلك الكلام الذي رُميت به أُم المؤمنين ﵂ ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أي: قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم، فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى.\nوقد قيل: إنها نزلت في أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته ﵄، كما قال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار: عن أبيه، عن بعض رجال بني النجار: إن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري قالت له امرأته أُم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ﵂؟ قال: نعم وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أُم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك، قال: فلما نزل القرآن ذكر ﷿ من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ. . .﴾ الآية؛ أي كما قال أبو أيوب وصاحبته (^٤).\nوقال محمد بن عمر الواقدي: حدثني ابن أبي حبيب، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن الأفلح مولى أبي أيوب: أن أُم أيوب قالت لأبي أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب أفكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك؟ قالت: لا والله. قال: فعائشة والله خير منك، فلما نزل القرآن وذكر أهل الإفك قال الله ﷿: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ يعني: أبا أيوب حين قال لأُم أيوب ما قال (^٥).\nويقال: إنما قالها أُبيّ بن كعب (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ. . .﴾ إلخ؛ أي هلّا ظنوا الخير فإن أُم المؤمنين أهله وأولى به.\n_________\n(^١) الأبيات وردت في ديوان حسان ص ٩.\n(^٢) كنعه بالسيف: أي أيبس جلده خوفًا وهلعًا.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وداود هو ابن أبي هند، وعامر هو الشعبي، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٢/ ٣٠٢)، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن أبي أيوب ﵁.\n(^٥) أخرجه الواقدي بسنده ومتنه (المغازي ٢/ ٤٢٤)، وسنده ضعيف لضعف الواقدي.\n(^٦) ذكره الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٤٧٠).","vol":"5","page":508},{"text":"هذا ما يتعلق بالباطن، وقوله: ﴿وَقَالُوا﴾ أي: بألسنتهم ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ أي: كذب ظاهر على أُم المؤمنين ﵂، فإن الذي وقع لم يكن ريبة، وذلك أن مجيء أُم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة صفوان بن المعطل في وقت الظهيرة، والجيش بكماله يشاهدون ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، ولو كان هذا الأمر فيه ريبة لم يكن هكذا جهرة ولا كانا يقدمان على مثل ذلك على رؤوس الأشهاد، بل كان يكون هذا لو قدر خفية مستورًا، فتعين أن ما جاء به أهل الإفك مما رموا به أم المؤمنين هو الكذب البحت، والقول الزور، والرعونة الفاحشة الفاجرة، والصفقة الخاسرة،\n\n<span id=\"aya-2804\"></span>قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا﴾ أي: هلّا ﴿جَاءُوا عَلَيْهِ﴾ أي: على ما قالوه ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ يشهدون على صحة ما جاءوا به ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ أي: في حكم الله كاذبون فاجرون.\n\n<span id=\"aya-2805\"></span>﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أيها الخائضون في شأن عائشة بأن قَبِل توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى الدار الآخرة ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ من قضية الإفك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا فيمن عنده إيمان رزقه الله بسببه التوبة إليه، كمسطح وحسان وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، فأما من خاض فيه من المنافقين كعبد الله بن أُبي بن سلول وأضرابه، فليس أولئك مرادين في هذه الآية؛ لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يعادل هذا ولا ما يعارضه، وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعل معين يكون مطلقًا مشروطًا بعدم التوبة أو ما يقابله من عمل صالح يوازنه أو يرجح عليه.\n\n<span id=\"aya-2806\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير؛ أي يرويه بعضكم عن بعض (^١)، يقول: هذا سمعته من فلان، وقال فلان كذا، وذكر بعضهم كذا، وقرأ آخرون \"إذ تَلِقونه بألسنتكم\" (^٢)، وفي صحيح البخاري عن عائشة: أنها كانت تقرؤها كذلك (^٣)، وتقول: هو من ولق اللسان؛ يعني: الكذب الذي يستمر صاحبه عليه، تقول العرب: ولق فلان في السير؛ إذا استمر فيه، والقراءة الأولى أشهر وعليها الجمهور، ولكن الثانية مروية عن أم المؤمنين عائشة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة أنها كانت تقرأ \"إذ تَلِقونه\" وتقول: إنما هو ولق القول، والولق: الكذب. قال ابن أبي مليكة: هي أعلم به من غيرها (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: تقولون ما لا تعلمون، ثم قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ أي: تقولون ما تقولون في شأن أُم المؤمنين وتحسبون\n_________\n(^١) أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور، باب ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ. . .﴾ [النور: ١٥] (ح ٤٧٥٢).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"5","page":509},{"text":"ذلك يسيرًا سهلًا، ولو لم تكن زوجة النبي ﷺ لما كان هينًا، فكيف وهي زوجة النبي الأُمي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين؟ فعظيم عند الله أن يقال في زوجة رسوله ما قيل! فإن الله ﷾ يغار لهذا، وهو ﷾ لا يقدّر على زوجة نبي من الأنبياء ذلك حاشا وكلّا، ولما لم يكن ذلك، فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. وفي الصحيحين: \"إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ، يهوي بها في النار أبعد مما بين السماء والأرض\". وفي رواية: \"لا يلقي لها بالًا\" (^١).\n\n<span id=\"aya-2807\"></span>﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾.\nهذا تأديب آخر بعد الأول الآمر بظن الخير؛ أي إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة فأولى ينبغي الظن بهم خيرًا، وأن لا يشعر نفسه سوى ذلك، ثم إن علق بنفسه شيء من ذلك وسوسة أو خيالًا، فلا ينبغي أن يتكلم به، فإن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله تعالى تجاوز لأمتي عمّا حدّثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل\" أخرجاه في الصحيحين (^٢).\nوقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أي: ما ينبغي لنا أن نتفوّه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ أي: سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحليلة خليله.\n\n<span id=\"aya-2808\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ أي: ينهاكم الله متوعدًا أن يقع منكم ما يشبه هذا أبدًا؛ أي فيما يستقبل، فلهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم تؤمنون بالله وشرعه، وتعظمون رسوله ﷺ، فأما من كان متصفًا بالكفر فذاك حكم آخر،\n\n<span id=\"aya-2809\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يوضح لكم الأحكام الشرعية والحِكم القدرية ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بما يصلح عباده، حكيم في شرعه وقدره.\n\n<span id=\"aya-2810\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾.\nهذا تأديب ثالث لمن سمع شيئًا من الكلام السيء، فقام بذهنه شيء منه وتكلم به فلا يكثر منه ولا يشيعه ويذيعه، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: بالحد، وفي الآخرة بالعذاب الأليم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: فردُّوا الأمور إليه ترشدوا.\n_________\n(^١) أخرجاه من حديث أبي هريرة ﵁، صحيح البخاري، الرقاق، باب حفظ اللسان (ح ٦٤٧٨)، وصحيح مسلم، الزهد، باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار (ح ٢٩٨٨).\n(^٢) أخرجاه من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، الطلاق ح ٥٢٦٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس (ح ١٢٧).","vol":"5","page":510},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا [ميمون أبو محمد المرئي] (^١)، حدثنا محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: \"لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته، حتى يفضحه في بيته\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2811\"></span>\n\n<span id=\"aya-2812\"></span>﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾.\nيقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ أي: لولا هذا لكان أمر آخر، ولكنه تعالى رؤوف بعباده رحيم بهم، فتاب على من تاب إليه من هذه القضية، وطَهُر من طَهُر منهم بالحدِّ الذي أقيم عليهم، ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ يعني: طرائقه ومسالكه وما يأمر به ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ عمله (^٣).\nوقال عكرمة: نزغاته (^٤).\nوقال قتادة: كل معصية فهي من خطوات الشيطان (^٥).\nوقال أبو مجلز: النذور في المعاصي من خطوات الشيطان (^٦).\nوقال مسروق: سأل رجل ابن مسعود فقال: إني حرمت أن آكل طعامًا وسماه، فقال: هذا من نزغات الشيطان، كفّر عن يمينك وكُلْ (^٧).\nوقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده: هذا من نزغات الشيطان، وأفتاه أن يذبح كبشًا (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، حدثنا السري بن يحيى، عن سليمان التيمي، عن أبي رافع قال: غضبت عليّ امرأتي فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من نزغات الشيطان، وكذلك قالت زينب بنت أُم سلمة (^٩) وهي يومئذٍ أفقه امرأة بالمدينة، وأتيت عاصم بن عمر فقال مثل ذلك (^١٠).\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: \"ميمون بن أبي محمد المراي\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٨٨ ح ٢٢٤٠٢)، وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه حفص بن عمر، وهو ضعف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق القاسم بن الوليد الهمداني عن قتادة.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سليمان التيمي عن أبي مجلز.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٣).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق خالد بن داود عن الشعبي.\n(^٩) زينب بنت أم سلمة بن عبد الأسد بن هلال ماتت سنة ثلاث وسبعين (الإصابة ٤/ ٣١٧).\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"5","page":511},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ أي: لولا هو يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه ويزكي النفوس من شركها، وفجورها ودنسها، وما فيها من أخلاق رديئة كل بحسبه، لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرًا ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من خلقه، ويضل من يشاء ويرديه في مهالك الضلال والغي.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ أي: سميع لأقوال عباده ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق منهم الهدى والضلال.\n\n<span id=\"aya-2813\"></span>﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ من الألية وهي الحلف؛ أي لا يحلف ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ أي: الطّوْل والصدقة والإحسان ﴿وَالسَّعَةِ﴾ أي: الجدة ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: لا تحلفوا أن لا تصلوا قراباتكم المساكين والمهاجرين. وهذا في غاية الترفق والعطف على صلة الأرحام، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ أي: عما تقدم منهم من الإساءة والأذى؟ وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم.\nوهذه الآية نزلت في الصديق ﵁ حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة بعدما قال في عائشة ما قال، كما تقدم في الحديث (^١)، فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت، وتاب الله على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على من أقيم عليه شرع ﵎ وله الفضل والمنّة، يعطف الصديق على قريبه ونسيبه، وهو مسطح بن أثاثة، فإنه كان ابن خالة الصديق، وكان مسكينًا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر ﵁، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد ولق (^٢) ولقةً تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها، وكان الصديق ﵁ معروفًا بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب، فلما نزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ. . .﴾ الآية، فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر عن المذنب إليك نغفر لك، وكما تصفح نصفح عنك، فعند ذلك قال الصديق: بلى والله إنا نحب، يا ربنا أن تغفر لنا ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا، في مقابلة ما كان؛ قال: والله لا أنفعه بنافعة أبدًا. فلهذا كان الصديق هو الصديق ﵁ [وعن بنته] (^٣).\n\n<span id=\"aya-2814\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾.\nهذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات - خُرِّج مخرج الغالب -\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير الآية ١١ من هذه السورة الكريمة.\n(^٢) أي: كذب.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"5","page":512},{"text":"فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق ﵄، وقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبَّها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين قولان؛ أصحهما أنهنَّ كهي، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الآية، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب]، وقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة ﵂، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن خراش، عن العوام، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قال: نزلت في عائشة خاصة (^١)، وكذا قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان.\nوقد ذكره ابن جرير، عن عائشة فقال: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: قالت عائشة: رميت بما رميت به وأنا غافلة فبلغني بعد ذلك، قالت: فبينا رسول الله ﷺ جالس عندي إذ أوحي إليه، قالت: وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات، وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي، ثم استوى جالسًا يمسح وجهه، وقال: \"يا عائشة أبشري\" قال: فقلت: بحمد الله لا بحمدك، فقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ حتى قرأ ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦] (^٢)، هكذا أورده وليس فيه أن الحكم خاص بها، وإنما فيه أنها سبب النزول دون غيرها، وإن كان الحكم يعمها كغيرها، ولعله مراد ابن عباس ومن قال كقوله، والله أعلم. وقال الضحاك وأبو الجوزاء وسلمة بن نبيط: المراد بها أزواج النبي خاصة دون غيرهن من النساء (^٣).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ. . .﴾ الآية، يعني أزواج النبي ﷺ رماهن أهل النفاق، فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج النبي ﷺ، ثم نزل بعد ذلك ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥] فأنزل الله الجلد والتوبة، فالتوبة تُقبل والشهادة تُردُّ (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم، أخبرنا العوام بن حوشب، عن شيخ من بني أسد، عن ابن عباس قال: فسر سورة النور، فلما أتى على هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ. . .﴾ الآية، قال: في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ، وهي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الله بن خراش وهو ضعيف كما في التقريب، وقد توبع فأخرجه الحاكم من طريق يزيد بن هارون عن العوام به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٠).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له حديث قصة الإفك المتفق عليه، وقد مضى في تفسير آية ١١ من هذه السورة الكريمة.\n(^٣) قول الضحاك أخرجه الطبراني من طريق محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان عن سلمة بن نبيط عنه (المعجم الكبير ٢٣/ ١٥٢ رقم ٢٢٩) وسنده صحيح، وقول أبي الجوزاء أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمرو بن مالك النكري عنه، وقول سلمة بن نبيط أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي أسامة - وهو حماد بن أسامة - عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له ما تقدم.","vol":"5","page":513},{"text":"مبهمة وليست لهم توبة، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا. . .﴾ الآية [النور: ٥]، قال: فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لمن قذف أولئك توبة، قال: فهمّ بعض القوم أن يقوم إليه فيقبّل رأسه من حسن ما فسر به سورة النور (^١).\nفقوله: وهي مبهمة؛ أي عامة في تحريم قذف كل محصنة ولعنته في الدنيا والآخرة، وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا في عائشة ومن صنع مثل هذا أيضًا اليوم في المسلمات، فله ما قال الله تعالى ولكن عائشة كانت إمام ذلك (^٢).\nوقد اختار ابن جرير عمومها وهو الصحيح، ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي بن وهب، حدثني عمي، حدثنا سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات\" قيل: وما هنَّ يا رسول الله؟ قال: \"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\" أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال به (^٣).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحذاء الحراني، حدثني أبي، وحدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا جدي أحمد بن أبي شعيب، حدثني موسى بن أعين، عن ليث، عن أبي إسحاق، عن صِلة بن زُفر، عن حُذيفة، عن النبي ﷺ قال: \"قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-2815\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن عمرو ابن أبي قيس، عن مِطرف، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنهم - يعني: المشركين - إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة قالوا: تعالوا حتى نجحد فيجحدون، فيختم على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثًا (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم وابن جرير أيضًا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن درَّاج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: \"إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فيجحد ويخاصم، فيقال: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف، وأخرجه الطبراني من طريق هشيم به (المعجم الكبير ٢٣/ ١٥٤ رقم ٢٣٤)، ويشهد له الآثار السابقة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو صحيح متفق عليه (صحيح البخاري، الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] ح ٢٧٦٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أكبر الكبائر (ح ٨٩).\n(^٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ١٨٧ رقم ٣٠٢٣)، وفي سنده ليث، وهو ابن أبي سُليم، فيه مقال.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"5","page":514},{"text":"كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا، فيقال: احلفوا؛ فيحلفون، ثم يصمتهم الله فتشهد عليهم أيديهم وألسنتهم، ثم يدخلهم النار (^١).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة الكوفي، حدثنا منجاب بن الحارث التميمي، حدثنا أبو عامر الأسدي، حدثنا سفيان بن عبيد المكتب، عن فضيل بن عمرو الفقيمي، عن الشعبي، عن أنس بن مالك قال: كنا عند النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: \"أتدرون مم أضحك؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: \"من مجادلة العبد لربه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز عليّ إلا شاهدًا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا وبالكرام عليك شهودًا، فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي؛ فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بُعدًا لكنَّ وسُحقًا فعنكنَّ كنت أناضل (^٢) \" (^٣). وقد رواه مسلم والنسائي جميعًا عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبيه، عن عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري به، ثم قال النسائي: لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث عن سفيان الثوري غير الأشجعي، وهو حديث غريب (^٤)، والله أعلم، هكذا قال.\nوقال قتادة: ابن آدم، والله إن عليك لشهودًا غير متهمة في بدنك، فراقبهم واتق الله في سرك وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، الظلمة عنده ضوء، والسر عنده علانية، فمن استطاع أن يموت، وهو بالله حسن الظن فليفعل، ولا قوة إلا بالله (^٥).\n\n<span id=\"aya-2816\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ قال ابن عباس: ﴿دِينَهُمُ﴾ أي: حسابهم وكل ما في القرآن: دينهم؛ أي حسابهم، وكذا قال غير واحد، ثم إن قراءة الجمهور بنصب ﴿الْحَقَّ﴾ على أنه صفة لدينهم، وقرأ مجاهد بالرفع على أنه نعت الجلالة (^٦)، وقرأها بعض السلف في مصحف أُبيّ بن كعب: \"يومئذٍ يوفيهم الله الحق دينهم\" (^٧).\nوقوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ أي: وعده ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه.\n\n<span id=\"aya-2817\"></span>﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾.\nقال ابن عباس: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالسند والمتن، وسنده ضعيف؛ لأن رواية دراج عن أبي الهيثم فيها مقال.\n(^٢) أناضل: أي أُجادل وأُدافع.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) صحيح مسلم، الزهد والرقائق (ح ٢٩٦٩)، وسنن النسائي ٦/ ٧٦، والنكت الظراف ١/ ٢٤٩.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) القراءتان متواترتان.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند منقطع من طريق جرير بن حازم عن أُبي بن كعب، وجرير لم يدرك أُبي بن كعب، والقراءة شاذة تفسير به.","vol":"5","page":515},{"text":"القول والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول، قال: ونزلت في عائشة وأهل الإفك (^١)، وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت، والضحاك (^٢)، واختاره ابن جرير ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس، والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس، فما نسبه أهل النفاق إلي عائشة هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء (^٣).\nوهذا أيضًا يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم؛ أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ﷺ إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له لا شرعًا ولا قدرًا، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: بسبب ما قيل فيهم من الكذب، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: عند الله في جنات النعيم، وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول الله ﷺ في الجنة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار قال: جاء أسير بن جابر إلى عبد الله، فقال: لقد سمعت الوليد بن عقبة تكلم اليوم بكلام أعجبني، فقال عبد الله: إن الرجل المؤمن يكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل (^٤) في صدره ما يستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل عنده يُتلّها فيضمها إليه، وأن الرجل الفاجر يكون في قلبه الكلمة الخبيثة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها فيسمعها الرجل الذي عنده يتلها فيضهما إليه. ثم قرأ عبد الله: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (^٥)، ويشبه هذا ما رواه الإمام أحمد في المسند مرفوعًا: \"مثل هذا الذي يسمع الحكمة ثم لا يحدث إلا بشرّ ما سمع كمثل رجل جاء إلى صاحب غنم فقال: اجزرني شاة، فقال: اذهب فخذ بأذن أيها شئت، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم\" (^٦).\nوفي الحديث الآخر: \"الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها أخذها\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بالآثار التي تليه.\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج الطبري آثارهم بأسانيد ثابتة إلا قول الحسن البصري لم يخرجه وقد عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب - وهو عبد الله - عن عبد الرحمن.\n(^٤) أي: تتردد وتتحرك، والجلجلة: حركة مع صوت (النهاية ١/ ٢٨٤).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ (المسند ١٤/ ٢٨٤ ح ٨٦٣٩)، وضعفه محققوه؛ لأن فيه علي بن زيد، وهو ابن جدعان: ضعيف، ولجهالة أوس بن خالد.\n(^٧) أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث غريب (السنن، أبواب العلم، باب في فضل الفقه على العبادة ح ٢٦٨٧)، وابن ماجه (السنن، الزهد، باب الحكمة ح ٤١٦٩)، وضعفه السخاوي (المقاصد الحسنة ص ١٩١، ١٩٢)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه.","vol":"5","page":516},{"text":"<span id=\"aya-2818\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾.\nهذه آداب شرعية، أدّب الله بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان، أمرهم أن لا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا؛ أي يستأذنوا قبل الدخول، ويسلموا بعده، وينبغي أن يستأذن ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا انصرف، كما ثبت في الصحيح: أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثًا فلم يؤذن له انصرف، ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما رجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: \"إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فلينصرف\" فقال عمر: لتأتيني على هذا ببيِّنة وإلا أوجعتك ضربًا، فذهب إلى ملإٍ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك فقال: ألهاني عنه الصفق (^١) بالأسواق (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس أو غيره: أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: \"السلام عليك ورحمة الله\" فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلّم ثلاثًا، ورد عليه سعد ثلاثًا ولم يسمعه، فرجع النبي ﷺ واتبعه سعد فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، وأردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت فقرب إليه زبيبًا فأكل نبي الله، فلما فرغ قال: \"أكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون\" (^٣).\nوقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن قيس بن سعد - هو: ابن عبادة - قال: زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا فقال: \"السلام عليكم ورحمة الله\" فردَّ سعد ردًّا خفيًا، قال قيس: فقلت ألا تأذن لرسول الله ﷺ؟ فقال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله ﷺ: \"السلام عليكم ورحمة الله\" فردَّ سعد ردًا خفيًا ثم قال رسول الله ﷺ: \"السلام عليكم ورحمة الله\" ثم رجع رسول الله ﷺ، واتبعه سعد فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأردُّ عليك ردًّا خفيًا لتكثر علينا من السلام. قال: فانصرف معه رسول الله ﷺ وأمر له سعد بغسل فاغتسل، ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس، فاشتمل بها ثم رفع رسول الله ﷺ يديه وهو يقول: \"اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة\". قال: ثم أصاب رسول الله ﷺ يد من\n_________\n(^١) أي: شغلني عن ذلك الحديث أمر التجارة في الأسواق.\n(^٢) صحيح البخاري، الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثًا (ح ٦٢٤٥)، وصحيح مسلم، الآداب، باب الاستئذان (ح ٢١٥٣).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٣٨)، وسنده صحيح.","vol":"5","page":517},{"text":"الطعام، فلما أراد الانصراف قرب إليه سعد حمارًا قد وطئ (^١) عليه بقطيفة، فركب رسول الله ﷺ فقال سعد: يا قيس اصحب رسول الله ﷺ، قال قيس: فقال رسول الله ﷺ: \"اركب\" فأبيت، فقال: \"إما أن تركب وإما أن تنصرف قال: فانصرفت (^٢)، وقد روي هذا من وجوه أخر، فهو حديث جيد قوي، والله أعلم.\nثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره، لما رواه أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: حدثنا بَقية، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن بُشر قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: \"السلام عليكم، السلام عليكم\" وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذٍ ستور (^٣)، تفرد به أبو داود.\nوقال أبو داود أيضًا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير (ح)، قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن طلحة، عن هزيل قال: جاء رجل، قال عثمان: سعد فوقف على باب النبي ﷺ يستأذن فقام على الباب قال عثمان: مستقبل الباب، فقال له النبي ﷺ: \"هكذا عنك، أو هكذا، فإنما الاستئذان من النظر\" (^٤). وقد رواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن رجل، عن سعد، عن النبي ﷺ؛ رواه أبو داود من حديثه (^٥).\nوفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: لو أن امرأً اطلع عليك بغير إذن فخذفته (^٦) بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح (^٧).\nوأخرج الجماعة من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي فدققت الباب، فقال: \"من ذا؟ \" فقلت: أنا، قال: \"أنا أنا\" كأنه كرهه (^٨)، وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بأنا، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: الاستئناس: الاستئذان، وكذا قال غير واحد (^٩).\n_________\n(^١) أي: جعل عليه فراشًا وطيئًا.\n(^٢) سنن أبي داود، الأدب، باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان (ح ٥١٨٥)، وقال عنه الحافظ ابن كثير: جيد قوي.\n(^٣) المصدر السابق (ح ٥١٨٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣١٨).\n(^٤) سنن أبي داود، الأدب، باب في الاستئذان (ح ٥١٧٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣١٠).\n(^٥) المصدر السابق (ح ٥١٧٥).\n(^٦) أي: فرميته.\n(^٧) صحيح البخاري، الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينه (ح ٦٩٠٢)، وصحيح مسلم، الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره (ح ٢١٥٨).\n(^٨) صحيح البخاري، الاستئذان، باب إذا قال: أنا … (ح ٦٢٥٠)، وصحيح مسلم، الأدب، باب كراهة قول المستأذن: أنا … (ح ٢١٥٥).\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به، ومعناه صحيح.","vol":"5","page":518},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ قال: إنما هي خطأ من الكاتب حتى تستأذنوا وتسلموا (^١). وهكذا رواه هشيم عن أبي بشر - وهو جعفر بن إياس - به وروى معاذ بن سليمان عن جعفر بن إياس عن سعيد، عن ابن عباس بمثله، وزاد: كان ابن عباس يقرأ \"حتى تستأذنوا وتسلموا\" وكان يقرأ على قراءة أُبيّ بن كعب ﵁ (^٢)، وهذا غريب جدًا عن ابن عباس.\nوقال هشيم: أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: في مصحف ابن مسعود \"حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا\" (^٣)، وهذا أيضًا رواية عن ابن عباس، وهو اختيار ابن جرير.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن أبي سفيان، أن عمرو بن عبد الله بن صفوان أخبره، أن كِلدة بن الحنبل أخبره أن صفوان بن أُمية بعثه في الفتح بلبأ (^٤) وجَدَاية (^٥) وضغابيس (^٦)، والنبي ﷺ بأعلى الوادي، قال: فدخلت على النبي ﷺ ولم أسلم ولم أستأذن، فقال ﷺ: \"ارجع فقل: السلام عليكم أأدخل؟ \" وذلك بعدما أسلم صفوان (^٧). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن جريج به. وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديثه (^٨).\nوقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن رِبعي قال: أتى رجل من بني عامر استأذن على رسول الله ﷺ وهو في بيته، فقال: أألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: \"اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له: قل: السلام عليكم أأدخل؟ \" فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ، فدخل (^٩). وقال هشيم: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين، وأخبرنا يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد الثقفي: أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ فقال: أألج أو أنلج؟ فقال النبي ﷺ لأمة له يقال لها: روضة: \"قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن، فقولي له يقول: السلام عليكم أأدخل؟ \" فسمعها الرجل فقالها، فقال: \"ادخل\" (^١٠).\nوقال الترمذي: حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا سعيد بن زكريا، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، ولعل قول ابن عباس هذا مستند على قراءة منسوخة قرأ بها أُبي بن كعب كما سيأتي في الرواية التالية.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحسين عن هشيم به، والحسين هو ابن داود: ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبري من الطريق السابق، وفيه أيضًا إبراهيم وهو النخعي لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٤) اللبا: هو أول ما يحلب عند الولادة.\n(^٥) الجَداية من أولاد الظباء ما بلغ ستة أشهر أو سبعة.\n(^٦) الضغابيس: جمع ضغبوس، وهي صغار القثاء.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ١٥٢ ح ١٥٤٢٥)، وصحح سنده محققوه.\n(^٨) سنن أبي داود، الأدب، باب كيف الاستئذان (ح ٥١٧٦)، وسنن الترمذي، الاستئذان؟ باب ما جاء في التسليم قبل الاستئذان (ح ٢٧١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣١١).\n(^٩) المصدر السابق (ح ٥١٧٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣١٢).\n(^١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق.","vol":"5","page":519},{"text":"\"السلام قبل الكلام\" ثم قال الترمذي: عنبسة: ضعيف الحديث ذاهب، ومحمد بن زاذان: منكر الحديث (^١).\nوقال هشيم: قال مغيرة: قال مجاهد: جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه الرمضاء، فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قالت: ادخل بسلام، فأعاد فأعادت وهو يراوح بين قدميه، قال: قولي: ادخل. قالت: ادخل؛ فدخل (^٢).\nولابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم الأحول، حدثني خالد بن إياس، حدثتني جدتي أُم إياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة، فقلت: ندخل؟ فقالت: لا، قلن لصاحبتكن تستأذن، فقالت: السلام عليكم أندخل؟ قالت: ادخلوا، ثم قالت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا. . .﴾ الآية (^٣).\nوقال هشيم: أخبرنا أشعث بن سوار، عن كردوس، عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم، قال أشعث، عن عدي بن ثابت: إن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، قال: فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا. . .﴾ الآية (^٤).\nوقال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس ﵄ قال: ثلاث آيات جحدهن الناس. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] قال: ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتًا، قال: والأذن كله قد جحده الناس، قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم، فرددت عليه ليرخص لي فأبى، فقال: تحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا، قال: فاستأذن قال: فراجعته أيضًا. فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قلت: نعم، قال: فاستأذن.\nقال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس، عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إليّ أن أرى عورتها من ذات محرم، قال: وكان يشدد في ذلك.\nوقال ابن جريج، عن الزهري: سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإذن على أُمهاتكم.\nوقال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته قال: لا (^٥). وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه ونقده (السنن، أبواب الاستئذان، باب السلام قبل الكلام ح ٢٦٩٩).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الحسين عن هشيم به، والحسين هو ابن داود: ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا؛ لأن خالد بن إياس متروك، كما في التقريب.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده ضعيف لضعف أشعث بن سوار.\n(^٥) أخرجه بطوله وطرقه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف؛ لأنه مروي من طريق الحسين، وهو ابن داود ويُلقب بسُنيد وهو ضعيف، وأخرجه سنيد به كما في التمهيد لابن عبد البر ١٦/ ٢٣٢.","vol":"5","page":520},{"text":"وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن خازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب - امرأة عبد الله بن مسعود - عن زينب ﵂، قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه (^١)، إسناده صحيح.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن [أبي عبيدة] (^٢). قال: كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس وتكلم ورفع صوته (^٣).\nوقال مجاهد: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾، قال: تنحنحوا وتنخموا (^٤).\nوعن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: إذا دخل الرجل بيته استحب له أن يتنحنح أو يحرك نعليه، ولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله ﷺ: أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقًا (^٥). وفي رواية: ليلًا يتخونهم (^٦).\nوفي الحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة نهارًا، فأناخ بظاهرها، وقال: \"انتظروا حتى ندخل عشاء - يعني: آخر النهار - حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة\" (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن واصل بن السائب، حدثني أبو سورة بن أخي أبي أيوب، عن أبي أيوب قال: قلت: يا رسول الله هذا السلام، فما الاستئناس؟ قال: \"يتكلم الرجل بتسبيحة أو تكبيرة أو تحميدة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت\" (^٨)، هذا حديث غريب.\nوقال قتادة في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ هو الاستئذان ثلاثًا، فمن لم يؤذن له منهم فليرجع، أما الأولى فليسمع الحي، وأما الثانية فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة فإن شاؤوا أذنوا وإن شاؤوا ردوا، ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم، فإن للناس حاجات ولهم أشغال، والله أولى بالعذر (^٩).\nوقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه ويقول: حُيّيت صباحًا وحُيّيت مساءً، وكان ذلك تحية القوم بينهم، وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: \"أبي هبيرة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله بن مسعود ﵁.\n(^٤) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر عن مجاهد.\n(^٥) صحيح البخاري، النكاح، باب لا يطرق أهله ليلًا … (ح ٥٢٤٣).\n(^٦) صحيح مسلم، الإمارة، باب كراهية الطروق … (ح ٧١٥/ ١٨٤).\n(^٧) صحيح البخاري، النكاح، باب تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة (ح ٥٢٤٧).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف واصل وأبي سورة، كما في التقريب. وضعف سنده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١١/ ٨).\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق محمد بن يسار عن قتادة.","vol":"5","page":521},{"text":"يقتحم ويقول: قد دخلت، ونحو ذلك، فيشق ذلك على الرجل ولعله يكون مع أهله، فغير الله ذلك كله في ستر وعفة، وجعله نقيًا نزهًا من الدنس والقذر والدرن، فقال تعالى: \" ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا. . .﴾ الآية (^١).\nوهذا الذي قاله مقاتل حسن، ولهذا قال تعالى ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يعني: الاستئذان خير لكم بمعنى هو خير من الطرفين للمستأذن ولأهل البيت ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2819\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فإن شاء أذن، وإن شاء لم يأذن، ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ أي: إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده ﴿فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ أي: رجوعكم أزكى لكم وأطهر ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.\nوقال قتادة: قال بعض المهاجرين؛ لقد طلبت عمري كله هذه الآية، فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (^٢).\nوقال سعيد بن جبير: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ أي: لا تقفوا على أبواب الناس (^٣).\n\n<span id=\"aya-2820\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾ هذه الآية الكريمة أخص من التي قبلها، وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد إذا كان له متاع فيها بغير إذن، كالبيت المعد للضيف إذا أذن له فيه أول مرة كفى.\nقال ابن جريج، قات ابن عباس: \"لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم\" ثم نسخ واستثنى، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (^٤). وكذا روي عن عكرمة والحسن البصري (^٥).\nوقال آخرون: هي بيوت التجار كالخانات ومنازل الأسفار (^٦)، وبيوت مكة وغير ذلك، واختار ذلك ابن جرير وحكاه عن جماعة، والأول أظهر، والله أعلم.\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم: هي بيوت الشعر.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان لكنه معضل؛ لأن مقاتل بن حيان تابع تابعي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وسنده ضعيف؛ لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس، وأخرجه ابن الجوزي موصولًا بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس (نواسخ القرآن ص ٤٠٧).\n(^٥) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، ولكنه توبع كما في رواية ابن الجوزي السابقة، وقول الحسن ذكره النحاس بغير سند (الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٤٥).\n(^٦) أخرجه النحاس بسند جيد عن محمد بن علي بن الحنفية (المصدر السابق ٢/ ٥٤٨).","vol":"5","page":522},{"text":"<span id=\"aya-2821\"></span>﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾.\nهذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعًا، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير، عن جده جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري (^١). وكذا رواه الإمام أحمد عن هشيم، عن يونس بن عبيد به. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه أيضًا (^٢).\nوقال الترمذي: حسن صحيح، وفي رواية لبعضهم فقال: \"أطرق بصرك\" يعني: انظر إلى الأرض، والصرف أعم، فإنه قد يكون إلى الأرض وإلى جهة أخرى، والله أعلم.\nوقال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا شريك، عن أبي ربيعة الإيادي، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: \"يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليس لك الأخرة\" ورواه الترمذي من حديث شريك وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديثه (^٣).\nوفي الصحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إياكم والجلوس على الطرقات\" قالوا: يا رسول الله لا بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول الله ﷺ: \"إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه\" قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ فقال: \"غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر\" (^٤).\nوقال أبو القاسم البغوي: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا فضل بن جبير (^٥)، سمعت أبا أُمامة، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"اكفلوا لي ستًا أكفل لكم بالجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا اؤتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف، وغضُّوا أبصاركم، وكفُّوا أيديكم، واحفظوا فروجكم\" (^٦).\nوفي صحيح البخاري: \"من يكفل لي ما بين لحييه وما بين رجليه، أكفل له الجنة\" (^٧).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الآداب، باب نظر الفجأة (ح ٢١٥٩).\n(^٢) (المسند ٤/ ٣٦١)، وسنن أبي داود، النكاح، باب ما يؤمر به من غض البصر (ح ٢١٤٨)، وسنن الترمذي، الأدب، ما جاء في نظرة المفاجأة (ح ٢٧٧٦)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٩٢٣٣).\n(^٣) سنن أبي داود، النكاح، باب ما يؤمر به من غض البصر (ح ٢١٤٩)، وسنن الترمذي، الأدب، باب ما جاء في نظرة المفاجأة (ح ٢٧٧٧)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٨١).\n(^٤) صحيح البخاري، المظالم، باب أفنية الدور والجلوس فيها (ح ٢٤٦٥).\n(^٥) \"فضل بن جبير\" كذا في الأصل، وفي (ح) و(حم): \"فضيل بن جبير\".\n(^٦) أخرجه الخطيب البغدادي من طريق أبي القاسم البغوي به (تاريخ بغداد ٧/ ٣٩٢)، وأخرجه ابن حبان من طريق فضال بن جبير به، وقال: فضال بن جبير لا يحتج به (المجروحين ٢/ ٢٠٤)، ولبعضه شواهد كما في الحديث التالي.\n(^٧) صحيح البخاري، الرقاق، باب حفظ اللسان (ح ٦٤٧٤).","vol":"5","page":523},{"text":"وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: كل ما عصي الله به فهو كبيرة (^١)، وقد ذكر الطرفين فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.\nولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف: النظر سهم سم إلى القلب، ولذلك أمر الله بحفظ الفروج، كما أمر بحفظ إلأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)﴾ [المعارج]، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه، كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن: \"احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك\" (^٢).\n﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ أي: أطهر لقلوبهم وأنقَى لدينهم، كما قيل: من حفظ بصره أورثه الله نورًا في بصيرته، ويروى: في قلبه.\nوروى الإمام أحمد: حدثنا عتاب، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة - (أول مرة) - ثم يغضُّ بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها\" (^٣)، وروي هذا مرفوعًا عن ابن عمر وحذيفة (^٤) وعائشة ﵃، ولكن في إسنادها ضعف إلا أنها في الترغيب، ومثله يتسامح فيه.\nوفي الطبراني من طريق عبيد الله بن [زحر] (^٥)، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة مرفوعًا: \"لتغضنّ أبصاركم، ولتحفظنّ فروجكم، ولتقيمنّ وجوهكم، أو لتكسفن وجوهكم\" (^٦).\nوقال الطبراني: حدثنا أحمد بن زهير [التستري] (^٧) قال: قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير، المقري، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا هريم بن سفيان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم من تركها مخافتي أبدلته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه\" (^٨)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر].\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) المسند ٥/ ٣، ٤، وسنن أبي داود، الحمام، باب ما جاء في التعري (ح ٤٠١٧)، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب التستر عند الجماع (ح ٤٩٢٠)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٣٩١)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٧٩)، وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١/ ٣٨٥).\n(^٣) (المسند ٥/ ٢٦٤)، وسنده ضعيف لضعف علي بن يزيد، وهو الألهاني.\n(^٤) أخرجه الحاكم وضعفه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣١٤).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل خطأ بلفظ: \"يزيد\".\n(^٦) (المعجم الكبير ٨/ ٢٤٦)، وسنده ضعيف كرواية المسند المتقدمة.\n(^٧) في الأصل بدون نقط.\n(^٨) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٠/ ٢١٤)، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق، وهو الواسطي (مجمع الزوائد ٨/ ٦٣).","vol":"5","page":524},{"text":"وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كُتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطى، والنفس تمنَى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه\" رواه البخاري تعليقًا، ومسلم مسندًا من وجه آخر بنحو ما تقدم (^١).\nوقد قال كثير من السلف: إنهم كانوا ينهون أن يحد الرجل بصره إلى الأمرد، وقد شدّد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحرمه طائفة من أهل العلم لما فيه من الافتتان، وشدد آخرون في ذلك كثيرًا جدًا.\nوقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو سعيد المدني، حدثنا عمر بن سهل المازني، حدثني عمر بن محمد بن [صهبان] (^٢)، عن صفوان بن سليم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل عين باكية يوم القيامة إلا عينًا غضت عن محارم الله، وعينًا سهرت في سبيل الله، وعينًا يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ﷿\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-2822\"></span>﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾.\nهذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركين، وكان سبب نزول هذه الآية ما ذكره مقاتل بن حيان قال: بلغنا - والله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرشدة كانت في محل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدوا ما في أرجلهن من الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن (^٤) فقالت أسماء: ما أقبح هذا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ. . .﴾ الآية (^٥)، فقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ أي: عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن، ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلًا.\nواحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي من حديث الزهري عن نبهان مولى أم سلمة: أنه\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج (ح ٦٣٤٣)، وأخرجه مسلم موصولًا بنحوه (الصحيح، القدر، باب ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ [الأنبياء] ح ٢٦٥٧).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ههيان.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم من طريق عمر بن محمد بن صهبان به (الحلية ٣/ ١٦٣)، وسنده ضعيف لضعف عمر بن محمد بن صهبان (التقريب ص ٤١٤).\n(^٤) أي: شعورهن.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ مقاتل بن حيان.","vol":"5","page":525},{"text":"حدث أن أُم سلمة حدثته أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابن أُم مكتوم، فدخل عليه وذلك بعدما أُمرنا بالحجاب، فقال رسول الله ﷺ: \"احتجبا منه\" فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أَوَ عمياوان أنتما؟ أولستما تبصرانه؟ \" ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (^١).\nوذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة أُم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملَّت ورجعت (^٢).\nوقوله: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ قال سعيد بن جبير: عن الفواحش (^٣).\nوقال قتادة وسفيان: عما لا يحل لهن (^٤).\nوقال مقاتل: عن الزنا (^٥).\nوقال أبو العالية: كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج، فهو من الزنا إلا هذه الآية (^٦). ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أن لا يراها أحد (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي: لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب (^٨). يعني: على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب. فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه ونظيره في زين النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه. وقال بقول ابن مسعود الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي (^٩) وغيرهم.\nوقال الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: وجهها وكفيها والخاتم (^١٠). وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي\n_________\n(^١) سنن أبي داود، اللباس، باب قول الله ﷿: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ﴾ [النور: ٣١] (ح ١١٣)، وسنن الترمذي، الأدب، باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال (ح ٧٧٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ١٢/ ٣٨٧ ح ٥٥٧٥)، وقواه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٩/ ٣٣٧).\n(^٢) صحيح البخاري، الصلاة، باب أصحاب الحراب في المسجد (ح ٤٥٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.\n(^٤) قول سفيان أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن المبارك عنه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(^٨) أخرجه البُستي والطبري وابن أبي حاتم والحاكم من طرق عن ابن مسعود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٧)، وأخرجه الطبراني وقال الهيثمي: ورجال أحدها رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٨٢).\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق علقمة عن إبراهيم.\n(^١٠) هذا الطريق لم أجدهُ ولم يسم الحافظ ابن كثير الراوي عن الأعمش، وفرضًا لو صح فإنه مقيد في هذا التفسير في بيتها، فقد أخرج الطبري بسنده الثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها، وقد وضحه الزهري كما سيأتي بعد روايتين، علمًا أن الطبري أخرجه بلفظ: \"الكحل والخاتم\" وفيه مسلم بن كيسان الملائي، وهو ضعيف: (التقريب ص ٥٣٠).","vol":"5","page":526},{"text":"الشعثاء والضحاك وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك (^١)، وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزنية التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة: القرط والدملج والخلخال والقلادة (^٢). وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان؛ فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب (^٣).\nوقال الزهري: لا يبدين لهؤلاء الذين سمى الله من لا تحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدين منها إلا الخواتم (^٤).\nوقال مالك، عن الزهري: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الخاتم والخلخال (^٥).\nويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه: حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا: حدثنا الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد بن دريك، عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: \"يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا\" وأشار إلى وجهه وكفيه (^٦)، لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي: هذا مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة ﵂، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني: المقانع يعمل لها صيقات ضاربات على صدورهن لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية فإنهن لم يكن يفعلن ذلك؛ بل كانت المرأة منهن تمرُّ بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها، فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن، كمِا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ\n_________\n(^١) قول ابن عمر لم أجده مسندًا، وقول عطاء أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الأوزاعي عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه البستي والطبري بسند ضعيف من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد، وعبد الله بن مسلم بن هرمز ضعيف، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول إبراهيم غير هذا فهو بلفظ \"الثياب\" كقول ابن مسعود، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق علقمة عن إبراهيم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه حجاج بن أرطأة، وهو صدوق كثير الخطأ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه حجاج بن أرطأة، وهو صدوق كثير الخطأ، ويشهد لأخره ما تقدم عن ابن مسعود.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يزيد بن أبي حبيب عن الزهري.\n(^٥) سنده صحيح وتقدم نحوه وزيادة في سابقه.\n(^٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، اللباس، باب فيما تبدي المرأة من زينتها ح ٤١٠٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٥٨)، والحق أنه ضعيف لثلاث علل: أولًا: ضعف سعيد بن بشير، ثانيًا: تدليس قتادة. ثالثًا: خالد بن دريك لم يسمع من عائشة، كما نقل الحافظ ابن كثير، من أجل ذلك قول الحافظ ابن كثير أن هذا الحديث يستأنس به، فيه نظر.","vol":"5","page":527},{"text":"يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ والخمر جمع خمار وهو ما يخمر به؛ أي يغطى به الرأس، وهي التي تسميها الناس المقانع.\nقال سعيد بن جبير: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ وليشددن ﴿بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني: على النحر والصدر فلا يرى منه شيء.\nوقال البخاري: حدثنا أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها (^١).\nوقال أيضًا: حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة؛ أن عائشة ﵂ كانت تقول لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾: أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا الزنجي بن خالد، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة قالت: فذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة ﵂: إن لنساء قريش لفضلًا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا بكتاب الله ولا إيمانًا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحنَّ وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان (^٣). ورواه أبو داود من غير وجه عن صفية بنت شيبة به (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب: أن [قرة] (^٥) بن عبد الرحمن أخبره عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن أكتف مروطهن فاختمرن بها، ورواه أبو داود من حديث ابن وهب به (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أي: أزواجهن ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها، ولكن من غير اقتضاد وتبهرج.\nوقد روى ابن المنذر: حدثنا موسى - يعني: ابن هارون -، حدثنا أبو بكر - يعني: ابن أبي\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور، باب قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] (ح ٤٧٥٨).\n(^٢) المصدر السابق (ح ٤٧٥٩).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري كما في الحديثين السابقين.\n(^٤) السنن، اللباس، باب قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] (ح ٤١٠١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٥٦).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"قرقرة\".\n(^٦) أخرجه الطبري وأبو داود، المصدر السابق (ح ٤١٠٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٥٧).","vol":"5","page":528},{"text":"شيبة -، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا داود، عن الشعبي، وعكرمة في هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ حتى فرغ منها وقال: لم يذكر العمَّ ولا الخال لأنهما ينعتان لأبنائهما ولا تضع خمارها عند العم والخال، فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله فتتصنع له بما لا يكون بحضرة غيره (^١).\nوقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ يعني: تظهر بزينتها أيضًا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة لئلا تصفهن لرجالهن. وذلك وإن كان محذورًا في جميع النساء إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد، فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع، وأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه، وقد قال رسول الله ﷺ: \"لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها\" أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود (^٢).\nوقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن هشام بن الغار، عن عبادة بن نسي، عن أبيه، عن الحارث بن قيس قال: كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة: أما بعد؛ فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك فإنه من قبلك فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها (^٣).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال: نساؤهن المسلمات ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة (^٤)، وروى عبدٌ (^٥) في تفسيره عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال: هن المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية وهو: النحر والقرط والوشاح وما لا يحل أن يراه إلا محرم (^٦).\nوروى سعيد، حدثنا جرير عن ليث، عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فليست من نسائهن (^٧).\nوعن مكحول وعبادة بن نسي أنهما كرها أن تقبل (^٨) النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة (^٩).\nفأما ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمير، حدثنا ضمرة قال: قال ابن عطاء، عن أبيه قال: لما قدم أصحاب رسول الله ﷺ بيت المقدس كان قوابل نسائهن\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، النكاح، باب لا تباشر المرأة، المرأة المرأة، فتنعتها لزوجها (ح ٥٢٤١).\n(^٣) أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور به (السنن الكبرى ٧/ ٩٥)، وسنده ضعيف؛ لأن نسي والد عبادة: مجهول، وأخرجه الطبري من طريق عبادة بدون ذكر عن أبيه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده فيه ليث، وهو ابن أبي سُليم، وفيه مقال.\n(^٥) أي: عبد بن حميد الكشي، صاحب التفسير المشهور.\n(^٦) سنده ضعيف جدًا لضعف الكلبي، وتصريحه بأن كل ما روى عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب، كما في تهذيب التهذيب في ترجمة محمد بن السائب الكلبي.\n(^٧) في سنده أيضًا ليث، وهو ابن أبي سُليم، وفيه مقال.\n(^٨) أي: تولد، بدليل ما يليه.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عبادة بن نسيّ، وذلك لضعف الحسين، وهو ابن داود.","vol":"5","page":529},{"text":"اليهوديات والنصرانيات (^١)، فهذا إن صحَّ فمحمول على حال الضرورة أو أن ذلك من باب الامتهان، ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ قال ابن جرير: يعني من نساء المشركين، فيجوز لها أن تظهر زينتها لها (^٢) وإن كانت مشركة لأنها أمتها، وإليه ذهب سعيد بن المسيب (^٣)، وقال الأكثرون: بل يجوز أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا أبو جميع سالم بن دينار، عن ثابت، عن أنس: أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى، قال: \"إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك\" (^٤).\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة خديج الحمصي مولى معاوية: أن عبد الله بن مسعدة الفزاري كان أسود شديد الأدمة، وأنه قد كان النبي ﷺ وهبه لابنته فاطمة، فربته ثم أعتقته، ثم قد كان بعد ذلك كله برز مع معاوية أيام صفين، وكان من أشد الناس على عليّ بن أبي طالب ﵁.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن نبهان، عن أم سلمة، ذكرت أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه\" (^٥). ورواه أبو داود عن مسدد، عن سفيان به (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يعني: كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، وهم مع ذلك في عقولهم وله وخَوَث، ولا همة لهم إلى النساء ولا يشتهونهن، قال ابن عباس: هو المغفل الذي لا شهوة له (^٧).\nوقال مجاهد: هو الأبله (^٨).\nوقال عكرمة: هو المخنث الذي لا يقوم ذكره (^٩)، وكذلك قال غير واحد من السلف.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن عطاء؛ وهو عثمان وأبوه: صدوق يهم كثيرًا.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب بلفظ: \"إنما يعني ذلك: الإماء\".\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، اللباس، باب في العبد ينظر إلى شعر مولاته ح ٤١٠٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٦٠).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ٧٣ ح ٢٦٤٧٣) وضعّف سنده محققوه، وأخرجه الترمذي من طريق سفيان بن عيينة به، وقال: حسن صحيح، (السنن، البيوع، باب ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي ح ١٢٦١).\n(^٦) السنن، العتق، باب في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجر أو يموت (ح ٣٩٢٨).\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٨) أخرجه البستي والطبري وابن أبي حاتم بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني، وهو ضعيف.","vol":"5","page":530},{"text":"وفي الصحيح من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة، أن مخنثًا كان يدخل على أهل رسول الله ﷺ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ وهو ينعت امرأة يقول: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال رسول الله ﷺ: \"ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم\" فأخرجه، فكان بالبيداء (^١) يدخل كل يوم جمعة ليستطعم (^٢).\nوروى الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة أنها قالت: دخل عليها رسول الله ﷺ وعندها مخنث، وعندها عبد الله بن أبي أُمية، والمخنث يقول: يا عبد الله بن أبي أُمية، إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، قال: فسمعه رسول الله ﷺ فقال لأُم سلمة: \"لا يدخلن هذا عليك\" (^٣). أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة، فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي ﷺ: \"ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم هذا\" فحجبوه (^٥)، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق عبد الرزاق به (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ يعني: لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن كان مراهقًا، أو قريبًا منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن من الدخول على النساء، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إياكم والدخول على النساء\" قيل: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: \"الحمو (^٧) الموت\" (^٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ. . .﴾ الآية، كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوته، ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنينه،\n_________\n(^١) تعرف الآن بالعزيزية تقع في الشمال الغربي من المدينة المنورة.\n(^٢) أخرجه مسلم من طريق معمر عن الزهري به مختصرًا (صحيح مسلم، السلام، باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب، ح ٢١٨١).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٩٠)، وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، اللباس، باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت (ح ٥٨٨٧)، وصحيح مسلم، السلام، باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب (ح ٢١٨٠).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٥٢)، وسنده صحيح.\n(^٦) وصحيح مسلم، الحديث السابق، وسنن أبي داود، اللباس، باب في قوله: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] (ح ٤١٠٨)، والسنن الكبرى للنسائي، عشرة النساء (ح ٩٢٤٦).\n(^٧) أي: أقارب الزوج.\n(^٨) صحيح البخاري، النكاح، باب لا يخلون رجل بمرأة إلا ذو محرم (ح ٥٢٣٢)، وصحيح مسلم، السلام، باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها (ح ٢١٧٢).","vol":"5","page":531},{"text":"فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ. . .﴾ إلى آخره، ومن ذلك أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتمَّ الرجال طيبها، فقد قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ثابت بن عمارة الحنفي، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا\" يعني: زانية، قال: وفي الباب عن أبي هريرة: وهذا حسن صحيح (^١)، رواه أبو داود والنسائي من حديث ثابت بن عمارة به (^٢).\nوقال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى أبي رُهم، عن أبي هريرة ﵁ قال: لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب ولذيلها إعصار، فقال: يا أَمة الجبار جئت من المسجد؟ قالت: نعم. قال لها: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: إني سمعت حبي أبا القاسم ﷺ يقول: \"لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة\" (^٣). ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان - هو ابن عيينة -، به (^٤).\nوروى الترمذي أيضًا من حديث موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن ميمونة بنت سعد: أن رسول الله ﷺ قال: \"الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها\" (^٥)، ومن ذلك أيضًا أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق لما فيه من التبرج.\nقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز - يعني: ابن محمد -، عن أبي اليمان، عن شداد بن أبي عمرو بن حمَّاس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أُسيد الأنصاري، عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله ﷺ: \"استأخرن، فإنه ليس لكنَّ أن تحتضنّ الطريق، عليكن بحافات الطريق\" فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: افعلوا ما أمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهيا عنه، والله تعالى هو المستعان.\n_________\n(^١) سنن الترمذي، أبواب الاستئذان، باب ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطرة (ح ٢٧٨٦).\n(^٢) سنن أبي داود، الترجل، باب ما جاء في المرأة تتطيب للخروج (ح ٤١٧٣)، وسنن النسائي، الزينة، باب ما يكره للنساء من الطيب ٨/ ١٥٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٥١٦).\n(^٣) المصدر السابق (ح ٤١٧٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٥١٧).\n(^٤) السنن، الفتن، باب فتنة النساء (ح ٤٠٠٢).\n(^٥) السنن، الرضاع، باب ما جاء في كراهية خروج النساء في الزينة (ح ١١٦٧)، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة، ويشهد له سابقه.\n(^٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب في مشي النساء مع الرجال في الطريق ح ٥٢٧٢)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣٩٢).","vol":"5","page":532},{"text":"<span id=\"aya-2823\"></span>﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾.\nاشتملت هذه الآيات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة والأوامر المبرمة، فقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ. . .﴾ إلى آخره، هذا أمر بالتزويج.\nوقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه. واحتجوا بظاهر قوله ﵇: \"يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء\"، أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود (^١).\nوقد جاء في السنن من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: \"تزوجوا الولود تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة\" (^٢). وفي رواية: \"حتى بالسقط\"، الأيامى جمع أيم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له، سواء كان قد تزوج ثم فارق أو لم يتزوج واحد منهما، حكاه الجوهري عن أهل اللغة (^٣)، يقال: رجل أيم، وامرأة أيم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. . .﴾ الآية، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد ووعدهم عليه الغنى، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد الأزرق، حدثنا عمر بن عبد الواحد، عن سعيد - يعني: ابن عبد العزيز - قال: بلغني أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٥).\nوعن ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ رواه ابن جرير (^٦)، وذكر البغوي عن عمر بنحوه (^٧).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، النكاح، باب من لم يستطع الباءة فليصم (ح ٥٠٦٦)، وصحيح مسلم، النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه (ح ١٤٠٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (السنن، النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء ح ٢٠٥٠)، والنسائي (السنن، النكاح، باب كراهية تزوج العقيم ٦/ ٦٥)، وأحمد (المسند ٣/ ١٥٨)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٤/ ٢٥٨)، وابن حبان (الإحسان ٩/ ٣٣٨ ح ٤٠٢٨)، وصححه محققه والضياء المقدسي (المختارة ٥/ ٢٦٠ ح ١٨٨٨)، وحسنه محققه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٦٢)، وصححه العراقي (تخريج إحياء علوم الدين ٢/ ٩٧٠)، وصححه الألباني بشواهده (الإرواء ٦/ ١٩٥ ح ١٧٨٤).\n(^٣) الصحاح ٥/ ١٨٦٨.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكن سنده منقطع؛ لأن سعيد بن عبد العزيز رواه بلاغًا عن أبي بكر ﵁.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق القاسم بن الوليد عن ابن مسعود، وهو لم يسمع منه.\n(^٧) أخرجه البغوي معلقًا بغير سند (التفسير ٣/ ٣٤٢)، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن عمر قال: =","vol":"5","page":533},{"text":"وعن الليث، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله\" رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه (^١).\nوقد زوَّج النبي ﷺ ذلك الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد، ومع هذا فزوجه بتلك المرأة وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن (^٢). والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله، وأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث: \"تزوجوا فقراء يغنكم الله\" (^٣)، فلا أصل له ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه، وكذا هذه الأحاديث التي أوردناها، ولله الحمد والمنّة.\n\n<span id=\"aya-2824\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجًا بالتعفف عن الحرام، كما قال ﷺ: \"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء\" الحديث (^٤)، وهذه الآية مطلقة، والتي في سورة النساء أخص منها، وهي قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] أي: صبركم عن تزوج الإماء خير لكم؛ لأن الولد يجيء رقيقًا ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال عكرمة في قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ قال: هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السماوات والأرض حتى يغنيه الله (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ هذا أمر\n_________\n= عجبت لرجل لا يطلب الغنى بالباءة (ينظر: المقاصد الحسنة ص ٨٣)، وسنده منقطع لأن قتادة لم يسمع من عمر ﵁، وأخرجه عبد الرزاق بهذا السند والمتن، وكذلك أخرجه من طريق هشام بن حسان عن الحسن عن عمر، ومن طريق هشام بن عروة عن عمر (المصنف ٦/ ١٧٠ - ١٧٣)، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، وأخرجه البستي من طريق محمد بن عجلان عن عمر بلفظ: \"ابتغوا الغنى في النكاح\"، ومحمد بن عجلان لم يسمع من عمر، ولكن يتقوى بما سبق من الطرق.\n(^١) المسند ١٣/ ٤٩، وصحح سنده أحمد شاكر، وسنن الترمذي، وحسنه، كتاب، فضائل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد والناكح والمكاتب … (ح ١٦٥٥)، وسنن النسائي، الجهاد، باب فضل الروحة في سبيل الله ٦/ ١٥، وسنن ابن ماجه، العتق، باب المكاتب (ح ٢٥١٨)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٩/ ٣٣٩ ح ٤٠٣٠)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٦٠)، وحسنه البغوي (شرح السنة ٩/ ٧)، وصححه السيوطي (الجامع الصغير مع شرح فيض القدير ٣/ ٣١٧)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٣٥٢).\n(^٢) صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب القراءة عن ظهر القلب (ح ٥٠٣٠).\n(^٣) أخرجه البزار والدارقطني في العلل، والحاكم وابن مردويه والديلمي كلهم من رواية سلم بن جنادة عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة مرفوعًا: \"تزوجوا النساء، فإنهن يأتين بالمال\"، قال الحاكم: تفرد به سُلم وهو ثقة، وقال البزار والدارقطني: سلم يرويه مرسلًا (ينظر: المقاصد الحسنة للسخاوي ص ٨٢).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير الآية نفسها.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني، وهو ضعيف.","vol":"5","page":534},{"text":"من الله تعالى للسادة إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة أن يكاتبوهم بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب، لا أمر تحتم وإيجاب؛ بل السيد مخيّر إذا طلب منه عبده الكتابة، إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه، قال الثوري عن جابر، عن الشعبي: إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه (^١).\nوكذا قال ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن رجل، عن عطاء بن أبي رباح: إن يشأ يكاتبه وإن يشأ لم يكاتبه (^٢).\nوكذا قال مقاتل بن حيان (^٣) والحسن البصري.\nوذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب، منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب أخذًا بظاهر هذا الأمر.\nوقال البخاري: وقال روح، عن ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالًا أن أكاتبه، قال: ما أراه إلا واجبًا.\nوقال عمرو بن دينار: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا، ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسًا المكاتبة، وكان كثير المال فأبى، فانطلق إلى عمر ﵁، فقال: كاتبه، فأبى فضربه بالدرة، ويتلو عمر ﵁ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فكاتبه. هكذا ذكره البخاري تعليقًا (^٤)، ورواه عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أواجب عليّ إذا علمت له مالًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبًا وقال عمرو بن دينار، قال: قلت لعطاء: أتأثره من أحد؟ قال: لا (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن سيرين أراد أن يكاتبه، فتلكأ عليه فقال له عمر: لتكاتبنه (^٦). إسناد صحيح.\nوقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم بن جويبر، عن الضحاك قال: هي عزمة (^٧)، وهذا القول القديم من قولي الشافعي، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله ﵇: \"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه\" (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وفي سنده جابر، وهو الجعفي: ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن عطاء بن أبي رباح، وسيأتي بسند صحيح عن عطاء.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان.\n(^٤) صحيح البخاري، العتق، باب في المكاتب ونجومه في كل سنة نجم، قبل حديث رقم ٢٥٦٠، ووصله إسماعيل بن إسحاق القاضي في \"أحكام القرآن\" عن علي بن المديني عن روح به (ينظر: فتح الباري ٥/ ١٨٦)، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ٨/ ٣٧١)، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير، وهو كما قال.\n(^٧) سنده ضعيف لضعف جويبر.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد من حديث عمِّ أبي حرَّة الرقاشي مطولًا (المسند ٣٤/ ٢٩٩ - ٣٠١ ح ٢٠٦٩٥)، وقال محققوه: صحيح لغيره مقطعًا.","vol":"5","page":535},{"text":"وقال ابن وهب: قال مالك: الأمر عندنا أنه ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحدًا من الأئمة أكره أحدًا على أن يكاتب عبده. قال مالك: وإنما ذلك أمر من الله تعالى وإذن منه للناس وليس بواجب (^١). وكذا قال الثوري وأبو حنيفة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم (^٢)، واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال بعضهم: أمانة (^٣).\nوقال بعضهم: صدقًا (^٤).\nوقال بعضهم: مالًا (^٥). وقال بعضهم: حيلة وكسبًا (^٦).\nوروى أبو داود في كتاب المراسيل، عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله ﷺ: \"فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا\" قال: \"إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلا على الناس\" (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ اختلف المفسرون فيه:\nفقال بعضهم: معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها، ثم قال بعضهم: مقدار الربع (^٨)، وقيل: الثلث، وقيل: النصف (^٩)، وقيل: جزء من الكتابة من غير حد.\nوقال آخرون: بل المراد من قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكاة، وهذا قول الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبيه ومقاتل بن حيان (^١٠)، واختاره ابن جرير.\nوقال إبراهيم النخعي في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: حثَّ الناس عليه مولاه وغيره (^١١)، وكذا قال بُريدة بن الحصيب الأسلمي (^١٢) وقتادة، وقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب. وقد تقدم في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: \"ثلاثة حق على الله عونهم. . .\" فذكر منهم المكاتب يريد الأداء، والقول الأول أشهر.\n_________\n(^١) الموطأ ٢/ ٧٨٨، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن الإمام مالك بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس بسند حسن من طريق مبارك عن الحسن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح عن الحسن، وإبراهيم النخعي.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة بنحوه.\n(^٧) سنده معضل؛ لأن يحيى ابن أبي كثير تابع تابعي.\n(^٨) أخرجه البستي بسند حسن من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁.\n(^٩) أخرجه البستي بسند ضعيف من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن عمر ﵁، والقاسم لم يسمع من عمر.\n(^١٠) قول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه، وقول مقاتل بن سليمان أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه.\n(^١١) أخرجه عبد الرزاق بسند ضعيف من طريق مغيرة عن إبراهيم (المصنف ٨/ ٣٧٦)، ورواية مغيرة عن إبراهيم فيها مقال.\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه.","vol":"5","page":536},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا وكيع، عن ابن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر: أنه كاتب عبدًا له يكنى أبا أُمية، فجاء بنجمه حين حلّ فقال: يا أبا أُمية اذهب فاستعن به في مكاتبتك، فقال: يا أمير المؤمنين، لو تركته حتى يكون من آخر نجم؟ قال: أخاف أن لا أدرك ذلك، ثم قرأ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال عكرمة: فكان أول نجم (^١) أُدّي في الإسلام (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئًا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته، ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحبّ (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: يعني ضعوا عنهم في مكاتبتهم (^٤). وكذلك قال مجاهد وعطاء والقاسم بن أبي بزة وعبد الكريم بن مالك الجزري والسدي (^٥).\nوقال محمد بن سيرين في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ كان يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتبه طائفة من مكاتبته (^٦)، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الفضل بن شاذان المقري، أخبرنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، أخبرني عطاء بن السائب: أن عبد الله بن جندُب أخبره عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"ربع الكتابة\" (^٧). وهذا حديث غريب ورفعه منكر، والأشبه أنه موقوف على علي ﵁، كما رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي ﵀ (^٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الآية، كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة، فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أُبيّ بن سلول، فإنه كان له إماء، فكان يُكرههنّ على البغاء طلبًا لخراجهنَّ، ورغبة في أولادهنَّ، ورياسة منه فيما يزعم.\nذكر الآثار الواردة في ذلك:\nقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ﵀ في مسنده: حدثنا أحمد بن داود الواسطي، حدثنا أبو عمرو اللخمي - يعني: محمد بن الحجاج -، حدثنا محمد بن إسحاق،\n_________\n(^١) هو القدر المعين الذي يؤديه المكاتب في وقت معين (النهاية ٥/ ٢٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرج بعضها الطبري وابن أبي حاتم، وتتقوى بسابقها.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن سيرين (المصنف ٦/ ٣٧١).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف فيه جندب: مستور، وعطاء بن السائب: صدوق اختلط، والصواب وقفه كما تقدم.\n(^٨) تقدم تخريجه وثبوته عن علي ﵁ موقوفًا في تفسير الآية نفسها.","vol":"5","page":537},{"text":"عن الزهري قال: كانت جارية لعبد الله بن أُبيّ بن سلول، يقال لها: معاذة يكرهها على الزنا، فلما جاء الإسلام نزلت ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ. . .﴾ الآية (^١).\nوقال الأعمش: عن أبي سفيان، عن جابر في هذه الآية ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، قال: نزلت في أمة لعبد الله بن أُبيّ بن سلول يقال لها: مُسيكة، كان يكرهها على الفجور، وكانت لا بأس بها فتأبى، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢). وروى النسائي من حديث ابن جريج: عن أبي الزبير، عن جابر نحوه (^٣).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا علي بن سعيد، حدثنا الأعمش، حدثني أبو سفيان، عن جابر قال: كان لعبد الله بن أُبيّ بن سلول، جارية يقال لها: مُسيكة، وكان يكرهها على البغاء، فأنزل الله ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ صرح الأعمش بالسماع من أبي سفيان طلحة بن نافع، فدل على بطلان قول من قال: لم يسمع منه إنما هو صحيفة. حكاه البزار (^٤).\nوقال أبو داود الطيالسي، عن سليمان بن معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن جارية لعبد الله بن أُبي كانت تزني في الجاهلية فولدت أولادًا من الزنا، فقال لها ما لك: لا تزنين، قالت: والله لا أزني؛ فضربها، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (^٥).\nوروى البزار أيضًا: حدثنا أحمد بن داود الواسطي، حدثنا أبو عمرو اللخمي - يعني: محمد بن الحجاج -، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: كانت جارية لعبد الله بن أُبي، يُقال لها: معاذة، يكرهها على الزنا، فلما جاء الإسلام نزلت ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٦).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري: أن رجلًا من قريش أسر يوم بدر وكان عند عبد الله بن أبيّ أسيرًا، وكانت لعبد الله بن أُبيّ جارية يقال لها: معاذة وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة وكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله بن أُبيّ يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل من القرشي فيطلب فداء ولده، فقال ﵎: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٤٠)، قال الهيثمي: فيه محمد بن الحجاج اللخمي وهو كذاب (مجمع الزوائد ٧/ ٨٣)، وفيه محمد بن إسحاق ولم يصرح بالسماع، والزهري أرسله، وكل ذلك لا يضر؛ لأنه في صحيح مسلم كما في الرواية التالية.\n(^٢) أخرجه مسلم من طريق الأعمش به (صحيح مسلم، التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣] ح ٣٠٢٩).\n(^٣) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٣٦٥)، وأبو الزبير توبع بواسطة أبي سفيان في رواية مسلم السابقة.\n(^٤) رواية مسلم السابقة تدل على سماع الأعمش من أبي سفيان طلحة بن نافع، ويبدو أن الحافظ ابن كثير لم يطلع على رواية مسلم؛ لأن من منهجه إذا كانت الرواية في الصحيح عزاها إلى الصحيح.\n(^٥) سنده ضعيف فيه سماك وفي روايته عن عكرمة فيها اضطراب.\n(^٦) في سنده علتان تقدم ذكرهما في الرواية السابقة، وأصله في صحيح مسلم.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويتقوى بما سبق.","vol":"5","page":538},{"text":"وقال السدي: أُنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أُبيّ بن سلول رأس المنافقين وكانت له جارية تدعى: مُعاذة وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له. فأقبلت الجارية إلى أبي بكر ﵁ فشكت إليه، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ فأمره بقبضها فصاح عبد الله بن أُبيّ من يعذرنا من محمد يغلبنا على مملوكتنا، فأنزل الله فيهم هذا (^١)، وقال مقاتل بن حيان: بلغني - والله أعلم - أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما إحداهما اسمها مسيكة وكانت للأنصار، وكانت أُميمة أُم مسيكة لعبد الله بن أُبيّ وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة، فأتت مسيكة وأُمها النبي ﷺ فذكرتا ذلك له، فأنزل الله في ذلك ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ يعني: الزنا (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: من خراجهن ومهورهن وأولادهن، وقد نهى رسول الله ﷺ عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن (^٣)، وفي رواية: \"مهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث\" (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لهن كما تقدم في الحديث عن جابر.\nوقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم، وإثمهن على من أكرههن (^٥)، وكذا قال مجاهد وعطاء الخراساني والأعمش وقتادة (^٦).\nوقال أبو عبيد: حدثني إسحاق الأزرق، عن عوف، عن الحسن في هذه الآية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال لهنَّ: والله لهنَّ والله (^٧).\nوعن الزهري قال: غفور لهن ما أكرهن عليه.\nوعن زيد بن أسلم قال: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للمكرهات (^٨)، حكاهن ابن المنذر في تفسيره بأسانيده.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند مرسل عن السدي ويتقوى كسابقه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل لكنه معضل، ولبعضه شواهد يتقوى بها.\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث عقبة بن عمرو ﵁ (صحيح البخاري، البيوع، باب ثمن الكلب ح ٢٢٣٧)، وصحيح مسلم، المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب (ح ١٥٦٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود من حديث رافع بن خديج ﵁ (السنن، البيوع، باب في كسب الحجام ح ٣٤٢١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٩١٩).\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٦) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عطاء الخراساني أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، وعثمان: ضعيف، وقول الأعمش أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن نمير عن الأعمش، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة.\n(^٧) سنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.","vol":"5","page":539},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء، عن سعيد بن جبير قال: في قراءة عبد الله بن مسعود \"فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم\" وإثمهن على من أكرههن (^١)، وفي الحديث المرفوع عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2825\"></span>ولما فصَّل ﵎ هذه الأحكام وبينها قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ يعني: القرآن فيه آيات واضحات مفسرات ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: خبرًا عن الأمم الماضية وما حلَّ بهم في مخالفتهم أوامر الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]. ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ أي: زاجرًا عن ارتكاب المآثم والمحارم ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: لمن اتقى الله وخافه.\nقال علي بن أبي طالب ﵁ في صفة القرآن: فيه حكم ما بينكم وخبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله (^٣).\n\n<span id=\"aya-2826\"></span>﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول: هادي أهل السماوات والأرض (^٤).\nقال ابن جريج: قال مجاهد وابن عباس في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي، حدثنا وهب بن راشد، عن فرقد، عن أنس بن مالك قال: إن الله يقول: نوري هداي (^٦). واختار هذا القول ابن جرير.\nوقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قال: هو المؤمن الذي جعل الله الإيمان والقرآن في صدره فضرب الله مثله فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال: مثل نور من آمن به، قال: فكان أُبيّ بن كعب يقرؤها \"مثل نور من آمن به\" (^٧)، فهو\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف؛ لأن سعيد بن جبير لم يسمع من ابن مسعود، والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٥٧.\n(^٣) تقدم تخريجه في مقدمة التفسير.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وسنده ضعيف؛ لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد وابن عباس ﵄.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف وهب بن راشد (لسان الميزان ٦/ ٢٣٠، ٢٣١)، ويشهد له الرواية قبل السابقة.\n(^٧) وهي قراءة شاذة تفسيرية.","vol":"5","page":540},{"text":"المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره (^١). وهكذا قال سعيد بن جبير وقيس بن سعد، عن ابن عباس أنه قرأها كذلك: \"مثل نور من آمن بالله\" (^٢)، وقرأ بعضهم \"الله نور السماوات والأرض\"، وعن الضحاك \"الله نوَّرَ السماوات والأرض\" (^٣).\nوقال السدي في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فبنوره أضاءت السماوات والأرض (^٤).\nوفي الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق في السيرة عن رسول الله ﷺ أنه قال في دعائه يوم آذاه أهل الطائف: \"أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل بي غضبك أو ينزل بي سخطك، لك العتبي حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله\" (^٥).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يقول: \"اللَّهم لك الحمد، أنت قَيّم السماوات والأرض، ولك الحمد ومن فيهنَّ، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن. . .\" الحديث (^٦).\nوعن ابن مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور العرش من نور وجهه.\nوقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في هذا الضمير قولان:\n(أحدهما): أنه عائد إلى الله ﷿؛ أي مثل هداه في قلب المؤمن. قاله ابن عباس (^٧) ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾.\n(والثاني): أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام تقديره: مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة، فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧] فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري وما يستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف، فقوله: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغير واحد: هو موضع الفتيلة من القنديل (^٨) هذا هو المشهور، ولهذا قال بعده: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وهو الذبالة التي تضيء.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وذلك أن اليهود قالوا لمحمد ﷺ: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل ذلك\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم مقطعًا بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٣) قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) رواه ابن إسحاق بلاغًا (ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٤٢٠)، وسنده ضعيف.\n(^٦) صحيح البخاري، الجمعة، باب التهجد بالليل (ح ١١٢٠)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (ح ٧٦٩).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٨) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كسابقه، وقول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول محمد بن كعب أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عاصم بن محمد العمري عنه.","vol":"5","page":541},{"text":"لنوره فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ والمشكاة كوة في البيت، قال: وهو مثل ضربه الله لطاعته فسمى الله طاعته نورًا، ثم سماها أنواعًا شتى (^١).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: هن الكوة بلغة الحبشة (^٢).\nوزاد بعضهم فقال: المشكاة: الكوة التي لا منفذ لها (^٣).\nوعن مجاهد: المشكاة: الحدائد التي يعلق بها القنديل (^٤)، والقول الأول أولى، وهو أن المشكاة هو موضع الفتيلة من القنديل، ولهذا قال: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وهو النور الذي في الذُبالة.\nقال أُبيّ بن كعب: المصباح: النور، وهو القرآن والإيمان الذي في صدره (^٥).\nوقال السدي: هو السراج ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ أي: هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية.\nوقال أُبيّ بن كعب وغير واحد: وهي نظير قلب المؤمن (^٦) ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قرأ بعضهم: بضم الدال من غير همزة من الدُر؛ أي كأنها كوكب من دُرّ، وقرأ آخرون: دِريء ودُريء بكسر الدال وضمها مع الهمزة من الدرء (^٧) وهو الدفع، وذلك أن النجم إذا رمي به يكون أشد استنارة من سائر الأحوال، والعرب تسمي ما لا يعرف من الكواكب دراري، قال أُبيّ بن كعب: كوكب مضيء (^٨).\nوقال قتادة: مضيء مبين ضخم (^٩) ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أي: يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدل أو عطف بيان ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي: ليست في شرقي بقعتها فلا تصل إليها الشمس من أول النهار، ولا في غربيها فيقلص عنها الفيء قبل الغروب؛ بل هي في مكان وسط تقرعه الشمس من أول النهار إلى آخره فيجيء زيتها صافيًا معتدلًا مشرقًا.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد، أخبرنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي شجرة بالصحراء لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف ولا يواريها شيء وهو أجود لزيتها (^١٠).\nوقال يحيى بن سعيد القطان، عن عمران بن حُدير، عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي بصحراء وذلك أصفى لزيتها (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك غزوان.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق داود ابن أبي هند عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي العالية عن أُبي ﵁.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كسابقه.\n(^٧) كلها قراءات متواترة.\n(^٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كسابقه.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده جيد.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مسدد وعن يحيى به.","vol":"5","page":542},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمرو بن فروخ، عن حبيب بن الزبير، عن عكرمة وسأله رجل عن قوله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: تلك بأرض فلاة إذا أشرقت الشمس أشرقت عليها فإذا غربت غربت عليها، فذلك أصفى ما يكون من الزيت (^١).\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: ليست بشرقية لا تصيبها الشمس إذا غربت ولا غربية لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولكنها شرقية وغربية تصيبها إذا طلعت وإذا غربت (^٢).\nوعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ قال: هو أجود الزيت، قال: إذا طلعت الشمس أصابتها من صوب المشرق، فإذا أخذت في الغروب أصابتها الشمس، فالشمس تصيبها بالغداة والعشي فتلك لا تعد شرقية ولا غربية (^٣).\nوقال السدي قوله: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ يقول: ليست بشرقية يحوزها المشرق ولا غربية يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنها على رأس جبل أو في صحراء تصيبها الشمس النهار كله (^٤).\nوقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أنها في وسط الشجر ليست بادية للمشرق ولا للمغرب.\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب في قول الله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت، قال: فكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها، فيثبته الله فيها فهو بين أربع خلال، إن قال صدق، وإن حكم عدل، وإن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات (^٥).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي وسط الشجر لا تصيبها الشمس شرقًا ولا غربًا (^٦).\nوقال عطية العوفي: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي شجرة في موضع من الشجر يرى ظل ثمرها في ورقها، وهذه من الشجر لا تطلع عليها الشمس ولا تغرب (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي، حدثنا عمرو بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق خُصيف عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) أخرجه الطبري وأبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه عن عطية العوفي.","vol":"5","page":543},{"text":"أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ ليست شرقية ليس فيها غرب، ولا غربية ليس فيها شرق، ولكنها شرقية غربية (^١).\nوقال محمد بن كعب القرظي ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي القِبلية (^٢) (^٣).\nوقال زيد بن أسلم: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: الشام (^٤).\nوقال الحسن البصري: لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنه مثل ضربه الله تعالى لنوره (^٥).\nوقال الضحاك: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قال رجل صالح ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: لا يهودي ولا نصراني (^٦)، وأولى هذه الأقوال القول الأول، وهو أنها في مستوى من الأرض في مكان فسيح بادٍ ظاهر ضاحٍ للشمس تقرعه من أول النهار إلى آخره ليكون ذلك أصفى لزيتها وألطف، كما قال غير واحد ممن تقدم، ولهذا قال تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: لضوء إشراف الزيت (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بذلك: إيمان العبد وعمله (^٨).\nوقال مجاهد والسدي: يعني: نور النار ونور الزيت (^٩)، وقال أُبيّ بن كعب: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة (^١٠).\nوقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ قال: يكاد محمد ﷺ يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت أن يضيء (^١١).\nوقال السدي في قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ قال: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحبه كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا، فلا يكون واحد منهما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده جيد.\n(^٢) أي: نحو القبلة جنوبًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن كعب.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أُسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه، وأُسامة ضعيف من قِبل حفظه، كما في التقريب والتهذيب.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن الحسن.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي هشام بن حوشب عن أبي سنان عن الضحاك، وأبو هشام لم أجد له ترجمة، ومتنه غريب.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٩) قول مجاهد أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: \"النار على الزيت\"، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عنه بلفظ ما ذكره الحافظ ابن كثير.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي العالية عن أُبي.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم مقطعًا بسند حسن من طريق شمر به","vol":"5","page":544},{"text":"إلا بصاحبه (^١).\nوقوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يرشد الله إلى هدايته من يختاره، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن زيد، عن عبد الله [الديلمي] (^٢)، عن عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذٍ، فمن أصاب من نوره يومئذٍ اهتدى، ومن أخطأ ضلّ، فلذلك أقول: جفَّ القلم على علم الله ﷿\" (^٣).\n(طريق أخرى عنه): قال البزار: حدثنا أيوب، عن سويد، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نورًا من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ\" ورواه البزار عن عبد الله بن عمرو من طريق آخر بلفظه وحروفه (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لما ذكر تعالى هذا مثلًا لنور هداه في قلب المؤمن ختم الآية بقوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإضلال.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية، يعني شيبان، عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن أبي البُختري، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد: فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق، عرَفَ ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم والقيح؛ فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\" (^٥). إسناده جيد ولم يخرجوه.\n\n<span id=\"aya-2827\"></span>﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾.\nلما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) والمسند وترجمته، وفي الأصل صُحف إلى: \"الديلي\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، (المسند ١١/ ٢١٩ ح ٦٦٤٤)، وصحح سنده محققوه.\n(^٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢١٤٥)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الله الديلمي عن عبد الله بن عمرو ﵁، كما في الحديث السابق، الصحيح السند.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ٢٠٨ ح ١١١٢٩)، وضعف سنده محققوه، وجود الحافظ ابن كثير سنده، والحق أنه ضعيف لانقطاعه بين أبي البُختري وأبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"5","page":545},{"text":"الصافية المتوقد من زيت طيب وذلك كالقنديل، ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحبّ البقاع إلى الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يُعبد فيها ويُوحّد فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي: أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها. كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ قال نهى الله سبحانه عن اللغو فيها (^١)، وكذا قال عكرمة وأبو صالح والضحاك ونافع بن جبير وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة وسفيان بن حسين وغيرهم من العلماء المفسرين (^٢).\nوقال قتادة: هي هذه المساجد أمر الله ﷾ ببنائها وعمارتها ورفعها وتطهيرها. وقد ذُكر لنا أن كعبًا كان يقول: مكتوب في التوراة ألا إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه ثم زارني في بيتي أكرمته، وحقٌّ على المزور كرامة الزائر. رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره (^٣).\nوقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطييبها وتبخيرها وذلك له محل مفرد يذكر فيه، وقد كتبت في ذلك جزءًا على حدة، ولله الحمد والمنّة، ونحن بعون الله تعالى نذكر ها هنا طرفًا من ذلك، إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان؛ فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة\"، أخرجاه في الصحيحين (^٤).\nوروى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من بنى مسجدًا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتًا في الجنة\" (^٥)، وللنسائي عن عمرو بن عنبسة مثله (^٦)، والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.\nوعن عائشة ﵂ قالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب. رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي (^٧)، ولأحمد وأبي داود عن سَمُرة بن جندب نحوه (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي وزيادة: و\"هي المساجد تُكرم. . .\".\n(^٢) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأما الشطر الآخر عن كعب الأحبار ففيه انقطاع لأن قتادة لم يسمع من كعب.\n(^٤) صحيح البخاري، الصلاة، باب من بنى مسجدًا (ح ٤٥٠)، وصحيح مسلم، المساجد، باب فضل بناء المساجد والحث عليها (ح ٥٣٣).\n(^٥) سنن ابن ماجه، المساجد، باب من بنى مسجدًا (ح ٧٣٥)، وسنن النسائي، المساجد، باب الفضل في بناء المساجد ٢/ ٣١، وسند ابن ماجه منقطع؛ لأنه رواه من طريق عثمان بن عبد الله عن عمر، وعثمان لم يسمع من عمر (ينظر: مصباح الزجاجة ١/ ٢٦٠)، ويشهد له حديث عمرو بن عنبسة والحديث السابق.\n(^٦) سنن النسائي، المساجد، باب الفضل في بناء المساجد ٢/ ٣١.\n(^٧) (المسند ٤٣/ ٣٩٧ ح ٢٦٣٨٦)، وصححه محققوه بشواهده، وسنن أبي داود، الصلاة، باب اتخاذ المساجد في الدور (ح ٤٥٥)، وسنن الترمذي، أبواب السفر، باب ما ذكر في تطييب المساجد (ح ٥٩٤) وسنن ابن ماجه، المساجد، باب تطهير المساجد وتطييبها (ح ٧٥٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣٦).\n(^٨) (المسند ٥/ ١٧)، وسنن أبي داود، الباب السابق (ح ٤٥٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣٧).","vol":"5","page":546},{"text":"وقال البخاري: قال عمر: ابنِ للناس ما يكنُّهم، وإياكَ أن تحمِّر أو تصفِّر فتفتن الناس (^١).\nوروى ابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم\" وفي إسناده ضعف (^٢).\nوروى أبو داود، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أمرت بتشييد المساجد\" قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى (^٣).\nوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد\". رواه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي (^٤).\nوعن بُريدة: أن رجلًا أنشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي ﷺ: \"لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له\" رواه مسلم (^٥).\nوعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن البيع والابتياع وعن تناشد الأشعار في المساجد. رواه أحمد وأهل السنن وقال الترمذي: حسن (^٦).\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالَّة في المسجد فقولوا: لا ردَّ الله عليك\". رواه الترمذي وقال: حسن غريب (^٧).\nوقد روى ابن ماجه وغيره من حديث ابن عمر مرفوعًا قال: خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقًا، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض (^٨) فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه حدّ، ولا يقتص فيه أحد، ولا يتخذ سوقًا (^٩).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الصلاة، باب بنيان المسجد بعد حديث ٤٤٥.\n(^٢) سنن ابن ماجه، المساجد، باب تشييد المساجد (ح ٧٤١)، وسنده موضوع؛ لأن فيه جبارة بن المغلس وهو كذاب.\n(^٣) سنن أبي داود، الصلاة، باب في بناء المساجد (ح ٤٤٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣١).\n(^٤) (المسند ٣/ ١٣٤)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب ما جاء في المساجد (ح ٤٤٩)، وسنن النسائي، المساجد، باب المباهاة في المساجد ٢/ ٣٢، وسنن ابن ماجه، المساجد، باب تشييد المساجد (ح ٧٣٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣٢).\n(^٥) صحيح مسلم، المساجد، باب النهي عن نشد الضالة في المسجد (ح ٥٦٩).\n(^٦) المسند ٢/ ١٧٩، وسنن أبي داود، الصلاة، باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة (ح ١٠٧٩)، وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في كراهية البيع والشراء … (ح ٣٢٢)، وسنن النسائي، المساجد، باب النهي عن البيع والشراء في المسجد ٢/ ٤٧، وسنن ابن ماجه، المساجد والجماعات (ح ٧٤٩)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٩٥٦).\n(^٧) سنن الترمذي، أبواب البيوع، باب النهي عن البيع في المسجد (ح ١٣٢١)، ويشهد له حديث بريدة ﵁ المتقدم في صحيح مسلم.\n(^٨) أي: لا يشد فيه.\n(^٩) سنن ابن ماجه، المساجد والجماعات، باب ما يكره في المساجد (ح ٧٤٨)، وسنده ضعيف فيه زيد بن جبيرة وهو ضعيف كما في التقريب.","vol":"5","page":547},{"text":"وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله ﷺ قال: \"جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسلَّ سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع\" (^١) ورواه ابن ماجه أيضًا وفي إسنادهما ضعف.\nأما أنه لا يتخذ طريقًا فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه، وفي الأثر: إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه. وأما أنه لا يشهر فيه السلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل، فلما يخشى من إصابة بعض الناس به لكثرة المصلين فيه، ولهذا أمر رسول الله ﷺ إذا مرّ أحد بسهام أن يقبض على نصالها لئلا يؤذي أحدًا، كما ثبت ذلك في الصحيح (^٢)، وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه فلما يخشى من تقاطر الدم منه، كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث، وأما أنه لا يضرب فيه حدّ أو يقتص فلما يخشى من إيجاد النجاسة فيه من المضروب أو المقطوع، وأما أنه لا يتخذ سوقًا، فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه، فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة فيه، كما قال النبي ﷺ لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: \"إن المساجد لم تبنَ لهذا، إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها\" ثم أمر بسجل من ماء فأهريق على بوله (^٣).\nوفي الحديث الثاني: \"جنّبوا مساجدكم صبيانكم\" وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا رأى صبيانًا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة وهي الدُرَّة، وكان يعسُّ (^٤) المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدًا.\n\"ومجانينكم\" يعني: لأجل ضعف عقولهم وسخر الناس بهم، فيؤدي إلى اللعب فيها، ولما يخشى من تقذيرهم المسجد، ونحو ذلك.\n\"وبيعكم وشراءكم\" كما تقدم \"وخصوماتكم\" يعني: التحاكم والحكم فيه، ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد؛ بل يكون في موضع غيره لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر العياط (^٥) التي لا يُناسبه، ولهذا قال بعده: \"ورفع أصواتكم\".\nوقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا [الجعيد بن عبد الرحمن قال: حدثني يزيد بن حصيفة] (^٦)، عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائمًا في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين فجئته بهما فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ؟ (^٧).\nوقال النسائي: حدثنا سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن سعد بن\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه، المساجد، باب ما يكره في المساجد (ح ٧٤٨)، قال البوصيري: فيه زيد بن جبيرة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف (مصباح الزجاجة ١/ ٢٦٤).\n(^٢) صحيح مسلم، البر والصلة (ح ٢٦١٥).\n(^٣) ينظر: صحيح البخاري، الوضوء، باب صبّ الماء على البول في المسجد (ح ٢٢٠).\n(^٤) أي: يطوف بالليل ساهرًا.\n(^٥) أي: الصراخ والصياح.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل صُحفت إلى: \"عبد الرحمن بن يزيد بن خصيف\".\n(^٧) صحيح البخاري، الصلاة، باب رفع الصوت في المسجد (ح ٤٧٠).","vol":"5","page":548},{"text":"إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمع عمر صوت رجل في المسجد فقال: أتدري أين أنت؟ (^١). وهذا أيضًا صحيح.\nوقوله: \"إقامة حدودكم وسلّ سيوفكم\" تقدما.\nوقوله: \"واتخذوا على أبوابها المطاهر\" يعني: المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة. وقد كانت قريبًا من مسجد رسول الله ﷺ آبار يستقون منها فيشربون ويتطهرون ويتوضؤون وغير ذلك.\nوقوله: \"وجمروها في الجمع\" يعني: بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذٍ.\nوقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبيد الله، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله ﷺ كل جمعة (^٢). إسناده حسن لا بأس به، والله أعلم.\nوقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: \"صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تَزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللَّهم صلِّ عليه، اللَّهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة\" (^٣).\nوعند الدارقطني مرفوعًا: \"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد\" (^٤).\nوفي السنن: \"بشر المشّائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة\" (^٥).\nويستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى وأن يقول، كما ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ: أنه كان إذا دخل المسجد يقول: \"أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم\" قال: \"فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم\" (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: تحفة الأشراف ٨/ ٤، وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٧٠ ح ١١٩٠)، وضعفه محققه لضعف عبد الله بن عمر العمري، ونقل عن الهيثمي أنه مختلف فيه (مجمع الزوائد ٢/ ١١)، وحسنه الحافظ ابن كثير.\n(^٣) صحيح البخاري، الأذان، باب فضل صلاة الجماعة (ح ٦٤٧)، وصحيح مسلم، المساجد، باب فضل صلاة الجماعة (ح ٦٤٩).\n(^٤) أخرجه الدارقطني بسند فيه سليمان بن داود اليمامي (السنن، الصلاة، باب الحث لجار المسجد على الصلاة فيه إلا من عذر ١/ ٤٢٠)، وسنده ضعيف لضعف سليمان (ينظر: العلل المتناهية لابن الجوزي ح ٦٩٣)، وأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن داود به (المستدرك ١/ ٢٤٦)، وأخرجه الدارقطني من حديث جابر ﵁ وفي سنده محمد بن مسكين (المصدر السابق)، وقال الذهبي: محمد بن مسكين لا يعرف وخبره منكر (ميزان الاعتدال ٣/ ٥٦٧).\n(^٥) سنن أبي داود، الصلاة، باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلم (ح ٥٦١)، وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة (ح ٢٢٣)، وسنن ابن ماجه، المساجد، باب المشي إلى الصلاة (ح ٧٧٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٦٣٢).\n(^٦) أخرجه أبو داود وليس البخاري (السنن، الصلاة، باب ما يقول الرجل عند دخوله المسجد ح ٤٦٦)، =","vol":"5","page":549},{"text":"وروى مسلم بسنده عن أبي حميد أو أبي أُسيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللَّهم إني أسألك فضلك\" (^١)، ورواه النسائي عنهما عن النبي ﷺ. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ، وليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللَّهم اعصمني من الشيطان الرجيم\". ورواه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن عبد الله بن حسين، عن أُمه فاطمة بنت حسين، عن جدتها فاطمة بنت رسول الله ﷺ -قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد ﷺ صلى على محمد وسلّم ثم قال: \"اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك\" وإذا خرج صلى على محمد وسلّم ثم قال: \"اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك\" (^٣). ورواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي، هذا حديث حسن، وإسناده ليس بمتصل؛ لأن فاطمة بنت حسين الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى (^٤)، فهذا الذي ذكرناه مع ما تركناه من الأحاديث الواردة في ذلك كله لحال الطول، داخل في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾.\nوقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: اسم الله، كقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن]، [وقوله تعالى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾] (^٥) قال ابن عباس: يعني فيها يتلى كتابه (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ أي: في البكرات والعشيات. والآصال: جمع أصيل، وهو آخر النهار.\nوقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة (^٧).\n_________\n= وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٤١).\n(^١) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب ما يقول إذا دخل المسجد (ح ٧١٣).\n(^٢) سنن النسائي، المساجد، باب القول عند دخول المسجد ٢/ ٥٣، وسنن ابن ماجه، المساجد، باب الدعاء عند دخول المسجد (ح ٧٧٢)، وصحيح ابن خزيمة (ح ٤٥٢)، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ح ٢٠٤٨)، وصححه البوصيري (مصباح الزجاجه ١/ ٩٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٦٢٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢٠٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ١٣ ح ٢٦٤١٦)، وقال محققوه: صحيح لغيره، دون قوله: \"اللهم اغفر لي ذنوبي\" فحسن.\n(^٤) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء ما يقول عند دخوله المسجد (ح ٣١٤)، وسنن ابن ماجه، المساجد، باب الدعاء عند دخول المسجد (ح ٧٧١)، وحسنه الحافظ ابن حجر (نتائج الأفكار ١/ ٢٨٤)، ويشهد له حديث مسلم عن أبي أُسيد أو أبي حميد المتقدم.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل سقط.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الفريابي من طريق عمار الدهني عن سعيد بن جبير به (ينظر: تغليق التعليق ٤/ ٢٣٩)، وسنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق عمار به.","vol":"5","page":550},{"text":"وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني بالغدوّ: صلاة الغداة، ويعني بالآصال: صلاة العصر، وهما أول ما افترض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما وأن يذكر بهما عباده (^١). وكذا قال الحسن والضحاك: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ يعني: الصلاة، ومن قرأ من القراء ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ بفتح الباء (^٢) من \"يسبح\" (^٣) على أنه مبني لما لم يسم فاعله وقف على قوله: ﴿وَالْآصَالِ﴾ وقفًا تامًا\n\n<span id=\"aya-2828\"></span>وابتدأ بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وكأنه مفسر للفاعل المحذوف، كما قال الشاعر:\nليبكَ يزيد ضارع (^٤) لخصومة … ومختبطٌ مما تطيح الطوائح (^٥)\nكأنه قال: من يبكيه؟ قال: هذا يبكيه؟ وكأنه قيل: من يسبح له فيها؟ قال: رجال. وأما على قراءة من قرأ ﴿يُسَبِّحُ﴾ بكسر الباء فجعله فعلًا وفاعله ﴿رِجَالٌ﴾ فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل؛ لأنه تمام الكلام فقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ﴾ فيه إشعار بهممهم السامية ونياتهم وعزائمهم العالية التي بها صاروا عمّارًا للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، وأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن، لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها (^٦)، وصلاتها في مخدعها (^٧) أفضل من صلاتها في بيتها\" (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني عمرو، عن أبي السمح، عن السائب مولى أُم سلمة، عن أُم سلمة ﵂، عن رسول الله ﷺ قال: \"خير مساجد النساء قعر بيوتهن\" (^٩).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا هارون، أخبرني عبد الله بن وهب، حدثنا داود بن قيس، عن عبد الله بن سويد الأنصاري، عن عمته أُم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال: \"قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي\" قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه فكانت واللهِ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) قول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن، وقول الضحاك أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^٣) قراءة متواترة.\n(^٤) أي: ذليل.\n(^٥) ذكره ابن هشام في مغني اللبيب ٢/ ٦٤٨.\n(^٦) أي: صحن الدار الذي تكون أبواب البيوت إليها.\n(^٧) أي: البيت الصغير الذي يكون داخل البيت يحفظ فيه الأمتعة النفيسة.\n(^٨) سنن أبي داود، الصلاة، باب التشديد في ذلك (ح ٥٨٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٥٣٣).\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ١٦٤ ح ٢٦٥٤٢)، وحسن سنده محققوه بالشواهد.","vol":"5","page":551},{"text":"تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى (^١). لم يخرجوه.\nهذا ويجوز لها شهود جماعة الرجال بشرط أن لا تؤذي أحدًا من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب، كما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله\" رواه البخاري ومسلم (^٢)، ولأحمد وأبي داود: \"وبيوتهن خير لهن\" (^٣). وفي رواية: \"وليخرجن وهن تفلات\" (^٤)؛ أي: لا ريح لهن.\nوقد ثبت في صحيح مسلم، عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: \"إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا\" (^٥).\nوفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله ﷺ، ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس (^٦).\nوفي الصحيحين عنها أيضًا أنها قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة] يقول تعالى: لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم، والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم؛ لأن ما عندهم ينفد وما عند الله باقٍ، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أي: يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم.\nقال هشيم: عن سيار قال: حُدثت عن ابن مسعود أنه رأى قومًا من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله بن مسعود: هؤلاء من الذين\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ٣٧ ح ٢٧٠٩٠)، وحسن سنده محققوه، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري وثقه ابن حبان (مجمع الزوائد ٢/ ٣٣، ٣٤)، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٢/ ٣٥٠).\n(^٢) صحيح البخاري، الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان؟ (ح ٩٠٠)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد … (ح ٤٤٢).\n(^٣) المسند ٢/ ٧٦، وسنن أبي داود، الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد (ح ٥٦٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٥٣٠).\n(^٤) المصدر السابق (ح ٥٦٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٥٢٩).\n(^٥) صحيح مسلم، الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد (ح ٤٤٣).\n(^٦) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة الفجر (ح ٥٧٨)، وصحيح مسلم، المساجد، باب استحباب التبكير بالصبح (ح ٦٤٥).\n(^٧) صحيح البخاري، الأذان، باب انتظار الناس قيام الإمام (ح ٨٦٩)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد (ح ٤٤٥).","vol":"5","page":552},{"text":"ذكر الله في كتابه ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. . .﴾ (^١) الآية، وهكذا روى عمرو بن دينار القهرماني، عن سالم، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله بن بكير الصنعاني، حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبد الله بن بجير، حدثنا أبو عبد رب قال: قال أبو الدرداء ﵁: إني قمت على هذا الدرج أبايع عليه، أربح كل يوم ثلاثمائة دينار، أشهد الصلاة في كل يوم في المسجد، أما إني لا أقول: إن ذلك ليس بحلال، ولكني أحبُّ أن أكون من الذين قال الله فيهم: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٣).\nوقال عمرو بن دينار الأعور: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد، فمررنا بسوق المدينة وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد، فتلا سالم هذه الآية ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: هم هؤلاء (^٤)، وكذا قال سعيد بن أبي الحسن والضحاك: لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها (^٥).\nوقال مطر الورّاق: كانوا يبيعون ويشترون، ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة (^٦).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يقول: عن الصلاة المكتوبة (^٧)، وكذا قال مقاتل بن حيان والربيع بن أنس (^٨).\nوقال السدي: عن الصلاة في جماعة (^٩).\nوقال مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم الله وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها (^١٠).\nوقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ أي: يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار؛ أي من شدّة الفزع وعظمة الأهوال، كقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن مسعود.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري وابن أبي حاتم كلهم من طريق عمرو بن دينار به، وسنده ضعيف لضعف عمرو بن دينار، كما في التقريب.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده جيد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم وفي سنده أيضًا عمرو بن دينار، وهو ضعيف.\n(^٥) قول سعيد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شعبة وعوف الأعرابي عنه، وقول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق عبد الله بن شوذب عن مطر.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٨) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.","vol":"5","page":553},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ [الإنسان].\n\n<span id=\"aya-2829\"></span>وقوله تعالى ههنا: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ أي: هؤلاء من الذين يتقبل حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم. وقوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وقال: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] وقال ههنا: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وعن ابن مسعود أنه جيء بلبن فعرضه على جلسائه واحدًا واحدًا، فكلهم لم يشربه؛ لأنه كان صائمًا، فتناوله ابن مسعود فشربه لأنه كان مفطرًا، ثم تلا قوله: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾، رواه النسائي وابن أبي حاتم من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة عنه (^١).\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة جاء منادٍ فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلائق\" (^٢).\nوروى الطبراني من حديث بقية، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: ﴿أُجُورَهُمْ﴾ [فاطر: ٣٠] يدخلهم الجنة، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الشفاعة، لمن وجبت له الشفاعة لمن صنع لهم المعروف في الدنيا\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-2830\"></span>\n\n<span id=\"aya-2831\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾.\nهذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار، كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين: ناريًا ومائيًا، وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة الرعد مثلين: مائيًا وناريًا،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الأعمش به، وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الرحمن بن إسحاق وهو ضعيف، وشهر بن حوشب فيه مقال، وقد روي من طرق أخرى تقويه فقد أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر الجهني وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٩).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١٧٣.","vol":"5","page":554},{"text":"وقد تكلمنا على كل منهما في موضعه بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد والمنّة.\nفأما الأول من هذين المثلين، فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض من بعد كأنه بحر طام، والقيعة: جمع قاع كجار وجيرة، والقاع أيضًا واحد القيعان، كما يقال: جار وجيران، وهي الأرض المستوية المتسعة المنبسطة وفيه يكون السراب، وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار، وأما الآل فإنما يكون أول النهار يرى كأنه ماء بين السماء والأرض، فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء يحسبه ماء قصده ليشرب منه، فلما انتهى إليه ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، فكذلك الكافر يحسب أنه قد عمل عملًا وأنه قد حصل شيئًا، فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها ونوقش على أفعاله، لم يجد له شيئًا بالكلية قد قبل، إما لعدم الإخلاص أو لعدم سلوك الشرع، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان]، وقال ههنا: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وهكذا روي عن أُبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد (^١).\nوفي الصحيحين: أنه يقال يوم القيامة لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من ولد ماذا تبغون؟ فيقولون: يا رب عطشنا فاسقنا، فيقال: ألا ترون؟ فتمثل لهم النار كأنها سرابٌ يحطم بعضها بعضًا، فينطلقون فيتهافتون فيها (^٢).\nوهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب، فأما أصحاب الجهل البسيط، وهم الطماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون، فمثلهم كما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ قال قتادة: ﴿لُجِّيٍّ﴾ هو العميق (^٣). ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام، فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط، المقلد الذي لا يعرف حال من يقوده، ولا يدري أين يذهب، بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم، قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري.\nوقال العوفي: عن ابن عباس ﵄ ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ. . .﴾ الآية: يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهي كقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ. . .﴾ الآية [البقرة: ٧]، وكقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً. . .﴾ الآية [الجاثية: ٢٣] (^٤). وقال أُبيّ بن كعب في قوله تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ\n_________\n(^١) قول أُبي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي العالية عنه، وقول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، سورة النساء (ح ٤٥٨١)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ١٨٣).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.","vol":"5","page":555},{"text":"بَعْضٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة من الظلم فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار (^١)، وقال السدي والربيع بن أنس نحو ذلك أيضًا (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: من لم يهده الله فهو هالك جاهل، حائل، بائر، كافر، كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، وهذا في مقابلة ما قال في مثل المؤمنين: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]، فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورًا، وعن أيماننا نورًا، وعن شمائلنا نورًا، وأن يعظم لنا نورًا.\n\n<span id=\"aya-2832\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾.\nيخبر تعالى أنه يسبح له من في السماوات والأرض؛ أي من الملائكة والأناسي والجان والحيوان حتى الجماد، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء].\nوقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ أي: في حال طيرانها تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه، وهو يعلم ما هي فاعلة، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أي: كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله ﷿. ثم أخبر أنه عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2833\"></span>ثم أخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض، فهو الحاكم المتصرف الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له ولا معقب لحكمه ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: يوم القيامة، فيحكم فيه بما يشاء ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، فهو الخالق المالك، ألا له الحكم في الدنيا والأخرى، وله الحمد في الأولى والأخرة.\n\n<span id=\"aya-2834\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾.\nيذكر تعالى أنه يسوق السحاب بقدرته أول ما ينشئها وهي ضعيفة، وهو الإزجاء ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أي: يجمعه بعد تفرقه ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ أي: متراكمًا، أي: يركب بعضه بعضًا ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ أي: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ أي: من خلله، وكذا قرأها ابن عباس والضحاك (^٣).\nقال عبيد بن عمير الليثي: يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قمًا، ثم يبعث الله الناشئة فتنشئ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي العالية به.\n(^٢) قول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه أبي حاتم بسند جيد من طريق سليمان بن عامر عنه.\n(^٣) هذه القراءة شاذة تفسير، وما نسب عن ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف عن طريق رجل مجهول عن ابن عباس، وقراءة الضحاك أخرجها الطبري بسند حسن من طريق قتادة عنه.","vol":"5","page":556},{"text":"السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح السحاب. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١) رحمهما الله.\nوقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ قال بعض النحاة: ﴿مِنَ﴾ الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة لبيان الجنس، وهذا إنما يجيء على قول من ذهب من المفسرين إلى أن قوله: ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ معناه أن في السماء جبال برد ينزل الله منها البرد.\nوأما من جعل الجبال ههنا كناية عن السحاب، فإن ﴿مِنَ﴾ الثانية عند هذا لابتداء الغاية أيضًا، لكنها بدل من الأولى، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أي: بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبرد، فيكون قوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ رحمة لهم ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يؤخر عنهم الغيث، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أي: بالبرد نقمة على من يشاء لما فيه من نثر ثمارهم وإتلاف زروعهم وأشجارهم، ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ رحمة بهم.\nوقوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ أي: يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته.\n\n<span id=\"aya-2835\"></span>وقوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: يتصرف فيهما فيأخذ من طول هذا في قصر هذا حتى يعتدلا، ثم يأخذ من هذا في هذا فيطول الذي كان قصيرًا ويقصر الذي كان طويلًا؛ والله هو التصرف في ذلك بأمره وقهره وعزته وعلمه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: لدليلًا على عظمته تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران]، وما بعدها من الآيات الكريمات.\n\n<span id=\"aya-2836\"></span>﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾.\nيذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه أنواع المخلوقات على اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها من ماء واحد، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحية وما شاكلها، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان والطير ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالأنعام وسائر الحيوانات، ولهذا قال: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: بقدرته؛ لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-2837\"></span>﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾.\nيقرر تعالى أنه أنزل في هذا القرآن من الحُكْم والحِكَم والأمثال البينة المحكمة كثيرًا جدًا، وأنه يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب والبصائر والنهى، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عبيد بن عمير.","vol":"5","page":557},{"text":"<span id=\"aya-2838\"></span>﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾.\nيخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولًا بألسنتهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: يخالفون أقوالهم بأعمالهم فيقولون ما لا يفعلون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2839\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ. . .﴾ الآية؛ أي إذا طلبوا إلى اتباع الهدى فيما أنزل الله على رسوله أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء].\nوفي الطبراني من حديث روح بن عطاء، عن أبي ميمونة، عن أبيه، عن الحسن، عن سَمُرة مرفوعًا: \"من دعي إلى سلطان فلم يجب، فهو ظالم لا حق له\" (^١).\n\n<span id=\"aya-2840\"></span>\n\n<span id=\"aya-2841\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾ أي: وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم جاؤوا سامعين مطيعين، وهو معنى قوله: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى غير الحق، وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي ﷺ ليروج باطله ثم فإذعانه أولًا لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق؛ بل لأنه موافق لهواه، ولهذا لما خالف الحق قصده عدل عنه إلى غيره، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. . .﴾ الآية، يعني لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم لها أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم، وأيًا ما كان فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم وما هو منطو عليه من هذه الصفات.\nوقول تعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: بل هم الظالمون الفاجرون، والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور، تعالى الله ورسوله عن ذلك.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا مبارك، حدثنا الحسن قال: كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة فدعي إلى النبي ﷺ وهو محق، أذعن وعلم أن النبي ﷺ سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي ﷺ أعرض وقال: انطلق إلى فلان، فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي ﷺ: \"من كان بينه وبين أخيه شيء فدعي إلى حكم من أحكام المسلمين فأبى أن يجيب، فهو ظالم لا حق له\" (^٢) وهذا حديث غريب، وهو مرسل.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني من طريق روح به (المعجم الكبير ٧/ ٢٢٥ ح ٦٩٣٩)، وفي سنده روح بن عطاء: ضعيف (مجمع الزوائد ٤/ ١٩٨)، وفيه عنعنة الحسن البصري عن سَمُرة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله.","vol":"5","page":558},{"text":"<span id=\"aya-2842\"></span>ثم أخبر تعالى عن صفة المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله الذين لا يبغون دينًا سوى كتاب الله وسنة رسوله، فقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعًا وطاعة. ولهذا وصفهم تعالى بالفلاح، وهو نيل المطلوب والسلامة من المرهوب، فقال تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\nوقال قتادة في هذه الآية: ﴿يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ذُكر لنا أن عبادة بن الصامت، وكان عقبيًا بدريًا أحد نقباء الأنصار، أنه لما حضره الموت قال لابن أخيه جنادة بن أبي أُمية: ألا أنبئك بماذا عليك وماذا لك؟ قال: بلى. قال: فإن عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك، وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وأن لا تنازع الأمر أهله إلا أن يأمروك بمعصية الله بواحًا، فما أمرت به من شيء يخالف كتاب الله، فاتبع كتاب الله.\nوقال قتادة: ذُكر لنا أن أبا الدرداء قال: لا إسلام إلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة، والنصيحة لله ولرسوله وللخليفة وللمؤمنين عامة، قال: وقد ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: عروة الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة لمن ولّاه الله أمر المسلمين. رواه ابن أبي حاتم (^١)، والأحاديث والآثار في وجوب الطاعة لكتاب الله وسنة رسوله وللخلفاء الراشدين والأئمة إذا أمروا بطاعة الله، كثيرة جدًا أكثر من أن تحصر في هذا المكان.\n\n<span id=\"aya-2843\"></span>وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمراه به، وترك ما نهياه عنه، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فيما مضى من ذنوبه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما يستقبل.\nوقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ يعني: الذين فازوا بكل خير وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-2844\"></span>﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن أهل النفاق الذين كانوا يحلفون للرسول ﷺ: لئن أمرتهم بالخروج في الغزو ليخرجن، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ أي: لا تحلفوا. وقوله: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قيل: معناه: طاعتكم طاعة معروفة؛ أي قد علم طاعتكم إنما هي قول لا فعل معه، وكلما حلفتم كذبتم، كما قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة]. وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)﴾ [المنافقون]، فهم من سجيتهم الكذب حتى فيما يختارونه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق قتادة به، وسنده ضعيف؛ لأن قتادة لم يسمع من الصحابة المذكورين ﵃.","vol":"5","page":559},{"text":"قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)﴾ [الحشر].\nوقيل: المعنى في قوله: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي: ليكن أمركم طاعة معروفة؛ أي بالمعروف من غير حلف ولا أقسام، كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف، فكونوا أنتم مثلهم ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: هو خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة والباطن بخلافه وإن راجٍ على المخلوق، فالخالق تعالى يعلم السر وأخفى، لا يروج عليه شيء من التدليس؛ بل هو خبير بضمائر عباده وإن أظهروا خلافها.\n\n<span id=\"aya-2845\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تتولوا عنه وتتركوا ما جاءكم به ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ أي: إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ أي: بقبول ذلك وتعظيمه والقيام بمقتضاه ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. . .﴾ الآية [الشورى: ٥٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].\nوقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية]. قال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: شعياء: أن قُم في بني إسرائيل، فإني سأطلق لسانك بوحي، فقام فقال: يا سماء اسمعي ويا أرض انصتي، فإن الله يريد أن يقضي شأنًا ويدبر أمرًا هو منفذه، إنه يريد أن يحول الريف إلى الفلاة، والآجام (^١) في الغيطان (^٢)، والأنهار في الصحارى، والنعمة في الفقراء، والملك في الرعاة، ويريد أن يبعث أميًا من الأميين ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، لو يمر على السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب اليابس لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه بشيرًا ونذيرًا، لا يقول الخنا (^٣)، أفتح به أعينًا عُميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غُلفًا، وأسدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خُلُق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبرّ شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلّم به من الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة (^٤)، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء مشتتة، وأستنقذ به فئامًا من الناس عظيمًا من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحّدين مؤمنين مخلصين مصدقين بما جاءت به رسلي. رواه ابن أبي حاتم (^٥).\n_________\n(^١) أي: الشجر الكثيف الملتف (النهاية ١/ ٢٦).\n(^٢) أي: الأرض المنبتة (الصحاح للجوهري ٣/ ١١٣٧).\n(^٣) أي: الفحش من القول (النهاية ٢/ ٨٦).\n(^٤) أي: الخفاء.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد عن وهب، والخبر عليه أمارات الإسرائيليات.","vol":"5","page":560},{"text":"<span id=\"aya-2846\"></span>﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾.\nهذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض؛ أي أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد. وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنًا وحكمًا فيهم، وقد فعله ﵎، وله الحمد والمنّة، فإنه ﷺ لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة ﵀ وأكرمه.\nثم لما مات رسول الله ﷺ واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فلمّ شعث ما وهى بعد موته ﷺ، وأَطّدَ جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ﵁، ففتحوا طرفًا منها، وقتلوا خلقًا من أهلها. وجيشًا آخر صحبة أبي عبيدة ﵁ ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثًا صحبة عمرو بن العاص ﵁ إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بُصرى ودمشق ومخالفيهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله ﷿ واختار له ما عنده من الكرامة.\nومنَّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام بالأمر بعده قيامًا تامًا، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله. وتمَّ في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها وديار مصر إلى آخرها وأكثر إقليم فارس. وكَسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقَصر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام، وانحذر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله، عليه من ربه أتمّ سلام وأزكى صلاة.\nثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدًا، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجبى الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، ويبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها\" (^١)، فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، فنسأل الله الإيمان به وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنّا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث ثوبان ﵁ مطولًا (الصحيح، الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض ح ٢٨٨٩).","vol":"5","page":561},{"text":"قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سَمُرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا\" ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عني، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله ﷺ فقال: قال: \"كلهم من قريش\" (^١). ورواه البخاري من حديث شعبة عن عبد الملك بن عمير به (^٢)، وفي رواية لمسلم: أنه قال ذلك عشية رجم ماعز بن مالك، وذكر معه أحاديث أُخر (^٣)، وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا بد من وجود اثني عشر خليفة عادلًا وليسوا هم بأئمة الشيعة الاثني عشر، فإن كثيرًا من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء، فأما هؤلاء فإنهم يكونون من قريش يلون فيعدلون، وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة، ثم لا يشترط أن يكونوا متتابعين؛ بل يكون وجودهم في الأمة متتابعًا ومتفرقًا، وقد وجد منهم أربعة على الولاء وهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃، ثم كانت بعدهم فترة، ثم وجد منهم من شاء الله، ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله تعالى. ومنهم المهدي الذي اسمه يطابق اسم رسول الله ﷺ، وكنيته كنيته، يملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا.\nوقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد بن جهمان، عن سفينة مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: \"الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكًا عضوضًا\" (^٤).\nوقال الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا. . .﴾ الآية، قال: كان النبي ﷺ وأصحابه بمكة نحوًا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وإلى عبادته وحده لا شريك له سرًا، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة، فقدموها فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فغيروا بذلك من شاء الله، ثم إن رجلًا من الصحابة قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لن تصبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا ليست فيه حديدة\" وأنزل الله هذه الآية (^٥)، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله تعالى قبض نبيه ﷺ، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش ح ١٨٢١/ ٦).\n(^٢) صحيح البخاري، الأحكام (ح ٧٢٢٢).\n(^٣) المصدر قبل السابق (ح ١٨٢٢).\n(^٤) أخرجه المذكورون بدون لفظ: \"عضوضًا\" (المسند ٣٦/ ٢٤٨ ح ٢١٩١٩)، وحسنه محققوه، وسنن أبي داود، السنة، باب في الخلفاء (ح ٤٦٤٦)، وسنن الترمذي، الفتن، باب ما جاء في الخلافة (ح ٢٢٢٦)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ١٥/ ٢٤ ح ٦٦٥٧)، وحسنه محققه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٧١)، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر والألباني (ينظر: السلسلة الصحيحة ح ٤٦٠).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع به، وسنده مرسل، ويشهد له ما أخرجه الحاكم من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أُبي بن كعب، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٠١)، وأخرجه الضياء المقدسي وحسنه محققه (المختارة ٣/ ٣٥٣ ح ١١٤٥).","vol":"5","page":562},{"text":"فيه، فأدخل عليهم الخوف فاتخذوا الحجزة والشرط وغيروا فغير بهم، وقال بعض السلف: خلافة أبي بكر وعمر ﵄ حق في كتاب الله، ثم تلا هذه الآية.\nوقال البراء بن عازب: نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد (^١)، وهذه الآية الكريمة، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنفال]. وقوله تعالى: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، كما قال تعالى عن موسى ﵇ أنه قال لقومه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ. . .﴾ الآية [الأعراف: ١٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص].\nوقوله: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ. . .﴾ الآية، كما قال رسول الله ﷺ لعدي بن حاتم حين وفد عليه: \"أتعرف الحيرة؟ \" قال: لم أعرفها، ولكن قد سمعت بها. قال: \"فوالذي نفسي بيده ليتمَّن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز\" قلت: كسرى بن هُرمُز، قال: \"نعم كسرى بن هُرمُز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد\". قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله ﷺ قد قالها (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن أبي سلمة، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"بشر هذه الأمة بالسنا (^٣) والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب\" (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أنس أن معاذ بن جبل حدثه قال: بينا أن رديف النبي ﷺ على حمار ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، قال: \"يا معاذ\". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ثم سار ساعة، ثم قال: \"يا معاذ بن جبل\". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: \"يا معاذ بن جبل\". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: \"هل تدري ما حق الله على العباد؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم .. قال: \"فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا\". قال: ثم سار ساعة، ثم قال: \"يا معاذ بن جبل\". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: \"فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ \" قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن البراء ﵁، ويشهد له ما سبق.\n(^٢) أخرجه البخاري بنحوه (الصحيح، المناقب، باب علامات النبوة ح ٣٥٩٥).\n(^٣) أي: بارتفاع المنزلة والقدر.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ١٤٤ ح ٢١٢٢٠)، وقال محققوه: إسناده قوي، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣١١)، وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٢٠). وما نقله ابن حجر عن المسند من طريق عبد الرزاق عن معمر عن سفيان به (إتحاف المهرة ١/ ١٨٨).","vol":"5","page":563},{"text":"\"فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم\" (^١)، أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك فقد خرج عن أمر ربه، وكفى بذلك ذنبًا عظيمًا، فالصحابة ﵃ لما كانوا أقوم الناس بعد النبي ﷺ بأوامر الله ﷿ وأطوعهم لله، كان نصرهم بحسبهم أظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيدهم تأييدًا عظيمًا، وحكموا في سائر العباد والبلاد، ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ظهورهم بحسبهم، ولكن قد ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة\"، وفي رواية: \"حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\"، وفي رواية: \"حتى يقاتلوا الدجال\"، وفي رواية: \"حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون\" (^٣)، وكل هذه الروايات صحيحة، ولا تعارض بينها.\n\n<span id=\"aya-2847\"></span>﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بإقام الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة، وهي الإحسان إلى المخلوقين ضعفائهم وفقرائهم، وأن يكونوا في ذلك مطيعين لرسول الله ﷺ؛ أي سالكين وراءه فيما به أمرهم، وتاركين ما عنه زجرهم، لعلَّ الله يرحمهم بذلك، ولا شكَّ أن من فعل هذا، أن الله سيرحمه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١].\n\n<span id=\"aya-2848\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ أي: [لا تظن يا محمد أن] (^٤) ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: خالفوك وكذبوك ﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا يعجزون الله؛ بل الله قادر عليهم وسيعذبهم على ذلك أشد العذاب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: بئس المآل مآل الكافرين، وبئس القرار وبئس المهاد.\n\n<span id=\"aya-2849\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾.\nهذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أول\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٤٢)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل (ح ٥٩٦٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (ح ٣٠).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨١.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"يا محمد\"، وبعدها بياض قدر كلمة.","vol":"5","page":564},{"text":"السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض، فأمر الله تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم في ثلاثة أحوال:\n(الأول): من قبل صلاة الغداة؛ لأن الناس إذ ذاك يكونون نيامًا في فرشهم.\n- ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ (^١) أي: في وقت القيلولة، لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله.\n- ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (^٢) لأنه وقت النوم، فيؤمر الخدم والأطفال أن لا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال لما يخشى من أن يكون الرجل على أهله أو نحو ذلك من الأعمال، ولهذا قال: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي: إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال، فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم من ذلك ولا عليهم إن رأوا شيئًا في غير تلك الأحوال؛ لأنه قد أذن لهم في الهجوم، ولأنهم طوافون عليكم؛ أي: في الخدمة وغير ذلك. ويغتفر في الطوافين ما لا يغتفر في غيرهم، ولهذا روى الإمام مالك وأحمد بن حنبل وأهل السنن أن النبي ﷺ قال في الهرة: \"إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم أو والطوافات\" (^٣).\nولما كانت هذه الآية محكمة ولم تنسخ بشيء وكان عمل الناس بها قليلًا جدًا، أنكر عبد الله بن عباس ذلك على الناس.\nكما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: ترك الناس ئلاث آيات فلم يعملوا بهن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. . .﴾ إلى آخر الآية، والآية التي في سورة النساء ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]، والآية في الحجرات: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (^٤).\nوروى أيضًا من حديث إسماعيل بن مسلم - وهو ضعيف -، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: غلب الشيطان الناس على ثلاث آيات فلم يعملوا بهن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى آخر الآية (^٥).\nوروى أبو داود: حدثنا ابن الصباح بن سفيان وابن عبدة وهذا حديثه: أخبرنا سفيان عن\n_________\n(^١) وهو الحال الثاني.\n(^٢) وهو الحال الثالث.\n(^٣) الموطأ، الطهارة، باب الطهور للوضوء (ح ١٣)، (ومسند أحمد ٣٧/ ٢١١ ح ٢٢٥٢٨)، وصححه محققوه، وسنن أبي داود، الطهارة، باب في سؤر الهرة (ح ٧٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٦٨)، وسنن الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة (ح ٩٢) وقال: حسن صحيح، وسنن النسائي، الطهارة، باب سؤر الهرة ١/ ٥٥، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الوضوء بسؤر الهرة والرخصة في ذلك (ح ٣٦٧).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده، وسنده جيد، ويشهد له الأخبار التالية.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن مسلم به، ويشهد له سابقه ولاحقه.","vol":"5","page":565},{"text":"عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول: لم يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي. قال أبو داود: وكذلك رواه عطاء عن ابن عباس: يأمر به (^١).\nوقال الثوري، عن موسى بن أبي عائشة: سألت الشعبي: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؟ قال: لم تنسخ. قلت: فإن الناس لا يعملون بها. فقال: الله المستعان (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن، فقال ابن عباس: إن الله ستير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم، ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجره وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله. ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط الله عليهم الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به (^٣). وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه أبو داود عن القعنبي، عن الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، به (^٤).\nوقال السدي: كان أناس من الصحابة ﵃ يحبون أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن (^٥)، وقال مقاتل بن حيان: بلغنا - والله أعلم - أن رجلًا من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنبي ﷺ طعامًا فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا، إنه ليدخل على المرأة وزوجها - وهما في ثوب واحد - غلامهما بغير إذن، فأنزل الله في ذلك ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ. . .﴾ الآية (^٦).\nومما يدل على أنها محكمة لم تنسخ قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-2850\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث، إذا بلغوا الحلم رجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، يعني بالنسبة إلى أجانبهم وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث.\nقال الأوزاعي: عن يحيى بن أبي كثير: إذا كان الغلام رباعيًا (^٧)، فإنه يستأذن في العورات\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الأدب، باب الاستئذان في العورات الثلاث (ح ٥١٩١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣٢٣).\n(^٢) أخرجه الطبري بسندين صحيحين من طريق الثوري به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٤) سنن أبي داود، الأدب، باب الاستئذان في العورات الثلاث (ح ٥١٩٢)، وحسنه الألباني (ح ٤٣٢٢).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بكير بن معروف عن مقاتل، وسنده حسن لكنه معضل؛ لأن مقاتل بن حيان تابع تابعي.\n(^٧) أي: طوله أربعة أشبار (النهاية ٢/ ١١٨).","vol":"5","page":566},{"text":"الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال (^١). وهكذا قال سعيد بن جبير (^٢). وقال في قوله: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه (^٣).\n\n<span id=\"aya-2851\"></span>وقوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والضحاك وقتادة: هن اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد (^٤). ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي: لم يبق لهن تشوُّق إلى التزوج ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي: ليس عليها من الحرج في التستر كما على غيرها من النساء.\nقال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ. . .﴾ الآية [النور: ٣١]، فنسخ واستثنى من ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآية (^٥).\nقال ابن مسعود في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال: الجلباب أو الرداء (^٦). وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والزهري والأوزاعي وغيرهم (^٧).\nوقال أبو صالح: تضع الجلباب وتقوم بين يدي الرجل في الدرع (^٨) والخمار (^٩).\nوقال سعيد بن جبير وغيره في قراءة عبد الله بن مسعود: \"أن يضعن من ثيابهن\" وهو الجلباب من فوق الخمار، فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق (^١٠).\nوقال سعيد بن جبير في الآية: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ يقول: لا يتبرجن بوضع الجلباب ليرى ما عليهن من الزينة (^١١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبد الله، حدثنا ابن المبارك، حدثني سوار بن ميمون، حدثتنا طلحة بنتُ عاصم، عن أُم الضياء أنها قالت: دخلت على عائشة ﵂، فقلت: يا أم المؤمنين ما تقولين في الخضاب والنفاض والصباغ والقرطين والخلخال وخاتم الذهب وثياب الرقاق؟ فقالت: يا معشر النساء قصتكن كلها واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات؛ أي لا يحل لكن أن يروا منكن محرمًا (^١٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الأوزاعي به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد.\n(^٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، اللباس، باب في قول الله ﷿: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ح ٤١١١)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٦٤).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بعدة طرق صحاح عن ابن مسعود ﵁.\n(^٧) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٨) أي: القميص.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق عمران بن سليمان المرادي عن أبي صالح، وهو باذام مولى أم هانئ.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير به، وسنده ضعيف، لأن سعيدًا لم يسمع من ابن مسعود.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وطلحة بنت عاصم لم أجد لها ترجمة ومعناه صحيح.","vol":"5","page":567},{"text":"وقال السدي: كان شريك لي يقال له: مسلم، وكان مولى لامرأة حذيفة بن اليمان، فجاء يومًا إلى السوق وأثر الحناء في يده، فسألته عن ذلك فأخبرني أنه خضب رأس مولاته وهي امرأة حذيفة، فأنكرت ذلك، فقال: إن شئت أدخلتك عليها؟ فقلت: نعم، فأدخلني عليها فإذا هي امرأة جليلة، فقلت لها: إن مسلمًا حدثني أنه خضب لك رأسك؟ فقالت: نعم يا بُني إني من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا، وقد قال الله تعالى في ذلك ما سمعت (^١).\nوقوله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أي: وترك وضعهن لثيابهن وإن كان جائزًا خير وأفضل لهن ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-2852\"></span>﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾.\nاختلف المفسرون ﵏ في المعنى الذي لأجله رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض ههنا، فقال عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنها: نزلت في الجهاد (^٢)، وجعلوا هذه الآية ههنا كالتي في سورة الفتح، وتلك في الجهاد لا محالة؛ أي إنهم لا إثم عليهم في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم، وكما قال تعالى في سورة براءة ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة]، وقيل: المراد ههنا أنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى؛ لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات، فربما سبقه غيره إلى ذلك، ولا مع الأعرج؛ لأنه لا يتمكن من الجلوس فيفتات عليه جليسه، والمريض لا يستوفي من الطعام كغيره، فكرهوا أن يؤاكلوهم لئلا يظلموهم، فأنزل الله هذه الآية، رخصة في ذلك، وهذا قول سعيد بن جبير ومقسم.\nوقال الضحاك: كانوا قبل البعثة يتحرجون من الأكل مع هؤلاء تقذرًا وتعززًا، ولئلا يتفضلوا عليهم، فأنزل الله هذه الآية (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده من طريق أسباط عن السدي، والسدي في هذا المتن يُنبه على تشيعه، فالإسناد ضعيف.\n(^٢) قول عطاء الخراساني أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عنه، وعثمان ضعيف، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه لكنه معضل؛ لأن عبد الرحمن تابع تابعي.\n(^٣) أخرجه البستي وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك وهو مرسل، ويتقوى بما يليه.","vol":"5","page":568},{"text":"وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ. . .﴾ الآية، قال: كان الرجل يذهب بالأعمى أو بالأعرج أو بالمريض إلى بيت أبيه أو أخيه أو بيت أخته أو بيت عمته أو بيت خالته، فكان الزمنى يتحرجون من ذلك يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم (^١).\nوقال السدي: كان الرجل يدخل بيت أبيه أو أخيه أو ابنه، فتتحفه المرأة بشيء من الطعام، فلا يأكل من أجل أن ربَّ البيت ليس ثمَّ، فقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إنما ذكر هذا وهو معلوم ليعطف عليه غيره في اللفظ، وليستأذنه به ما بعده في الحكم، وتضمن هذا بيوت الأبناء؛ لأنه لم ينصّ عليهم، ولهذا استدل بهذا من ذهب إلى أن مال الولد بمنزلة مال أبيه، وقد جاء في المسند والسنن من غير وجه عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أنتَ ومالُك لأبيك\" (^٣).\nوقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ هذا ظاهر.\nوقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، كما هو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل في المشهور عنهما.\nوأما قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ فقال سعيد بن جبير والسدي: هو خادم الرجل من عبد وقهرمان (^٤)، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف (^٥).\nوقال الزهري، عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: كان المسلمون يذهبون في النفير مع رسول الله ﷺ فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه، فكانوا يقولون: إنه لا يحلّ لنا أن نأكل، إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم، وإنما نحن أمناء، فأنزل الله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ (^٦).\nوقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أي: بيوت أصدقائكم وأصحابكم، فلا جناح عليكم في الأكل منها إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم ولا يكرهون ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل، ويتقوى بما سبق.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، (المسند ١١/ ٢٦١ ح ٦٦٧٨)، وقال محققوه: صحيح لغيره، وأخرجه أبو داود (السنن، الإجارة، باب في الرجل يأكل من مال ولده ح ٣٥٣٠)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٣٠١٥)، وابن ماجه (السنن، البيوع، ح ٢٢٩٢).\n(^٤) القهرمان: القائم بأمور الرجل باللغة الفارسية (ينظر: النهاية ٤/ ١٢٩).\n(^٥) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عنه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق صالح بن كيسان عن الزهري به.","vol":"5","page":569},{"text":"وقال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه (^١).\nوقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك لما أنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل من الأموال، فلا يحلّ لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ وكانوا أيضًا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره، فرخَّص الله لهم في ذلك، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (^٢).\nوقال قتادة: كان هذا الحي من بني كنانة يرى أحدهم أن مخزاة عليه أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (^٣). فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده ومع الجماعة، وإن كان الأكل مع الجماعة أبرَك وأفضل.\nكما رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن وحشي بن حرب، عن أبيه، عن جده: أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إنا نأكل ولا نشبع، قال: \"لعلكم تأكلون متفرقين؟ اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه\" (^٤). ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث الوليد بن مسلم به (^٥).\nوقد روى ابن ماجه أيضًا من حديث عمرو بن دينار القهرماني، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"كلوا جميعًا ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة\" (^٦).\nوقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ قال سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والزهري: يعني فليسلم بعضكم على بعض (^٧).\nوقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، سمعت جابر بن عبد الله يقول: إذا دخلت على أهلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ٤٨٥ ح ١٦٠٧٨)، وقال محققوه: حسن بشواهده، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٠٣)، وحسنه الألباني (السلسلة الصحيحة ح ٦٦٤).\n(^٥) سنن ابن ماجه، الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام (ح ٣٢٨٦)، وسنن أبي داود، الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام (ح ٣٧٦٤)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٦٥٧).\n(^٦) أخرجه ابن ماجه، الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام (ح ٣٢٨٧)، وضعفه البوصيري (مصباح الزجاجة ٣/ ٧٧)، وذكر الألباني أنه ضعيف جدًا … والجملة الأولى ثابتة، (السلسلة الصحيحة ح ٢٦٩١).\n(^٧) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه، وقول الحسن البصري أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد ابن أبي عروبة عنه.","vol":"5","page":570},{"text":"فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة، قال: ما رأيته إلا يوجبه (^١).\nقال ابن جريج: وأخبرني زياد، عن ابن طاوس: أنه كان يقول: إذا دخل أحدكم بيته فليسلم، قال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم؟ قال: لا، ولا آثر وجوبه عن أحد، ولكن هو أحب إلي وما أدعه إلا ناسيًا (^٢).\nوقال مجاهد: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله، وإذا دخلت على أهلك فسلِّم عليهم، وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (^٣).\nوروى الثوري عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد، إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: بسم الله والحمد لله، السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (^٤).\nوقال قتادة: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يُؤمر بذلك، وحدثنا أن الملائكة تردُّ عليه (^٥).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عويد بن أبي عمران الجوني، عن أبيه، عن أنس قال: أوصاني النبي ﷺ بخمس خصال قال: \"يا أنس أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وسلِّم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك، وإذا دخلت - يعني بيتك - فسلم على أهلك يكثر خير بيتك، وصلِّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأوّابين قبلك، يا أنس ارحم الصغير ووقر الكبير تكن من رفقائي يوم القيامة\" (^٦).\nوقوله: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ قال محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان يقول: ما أخذت التشهد، إلا من كتاب الله سمعت الله يقول: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ فالتشهد في الصلاة، التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، السلام عليك أيُّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثم يدعو لنفسه ويسلم. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث ابن إسحاق (^٧). والذي في صحيح مسلم عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ يخالف هذا (^٨)، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من طريق ابن جريج به (الأدب المفرد ح ١٠٩٥)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٨٣٣).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به لكن في سنده الحسين، وهو ابن داود، وهو ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الكريم الجزري عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق الثوري به (المصنف ٨/ ٦٤٩).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل.\n(^٦) سنده ضعيف جدًا؛ لأن عويد بن أبي عمران الجوني: متروك، وروى عن أبيه أحاديث منكرة (ينظر: لسان الميزان ٤/ ٣٨٦، ٣٨٧).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي إسحاق به، وسنده حسن.\n(^٨) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: \"التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله\" (الصحيح، الصلاة، باب التشهّد في الصلاة ح ٤٠٣).","vol":"5","page":571},{"text":"وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لمَّا ذكر تعالى ما في هذه السور الكريمة من الأحكام المحكمة والشرائع المتقنة المبرمة، نبّهَ تعالى عباده على أنه يبين لعباده الآيات بيانًا شافيًا؛ ليتدبّروها ويتعقّلوها.\n\n<span id=\"aya-2853\"></span>﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)﴾.\nوهذا أيضًا أدب أرشد الله عباده المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو اجتماع في مشورة ونحو ذلك، أمرهم الله تعالى أن لا يتفرقوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته وإن من يفعل ذلك فإنه من المؤمنين الكاملين، ثم أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء، ولهذا قال: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ. . .﴾ الآية.\nوقد قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: حدثنا بشر هو: ابن المفضل، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلِّم، فليست الأولى بأحق من الآخرة\" (^١)، وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عجلان به. وقال الترمذي: حديث حسن (^٢).\n\n<span id=\"aya-2854\"></span>﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾.\nقال الضحاك، عن ابن عباس: كانوا يقولون: يا محمد يا أبا القاسم، فنهاهم الله ﷿ عن ذلك إعظامًا لنبيه ﷺ، قال: فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله (^٣)، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير (^٤).\nوقال قتادة: أمر الله أن يُهاب نبيه ﷺ، وأن يُبجّل وأن يُعظّم وأن يُسوّد (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب في السلام إذا قام من المجلس ح ٥٢٠٨)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٤٣٤٠)، وحسنه السيوطي (الجامع الصغير مع شرح فيض القدير ١/ ٣٠٥ ح ٤٩٧).\n(^٢) سنن الترمذي، الاستئذان، باب ما جاء في التسليم عند القيام وعند القعود (ح ٢٧٠٦)، والسنن الكبرى (ح ١٠٢٠١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ويتقوى بالمراسيل التالية.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سالم الأفطس عنه، وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وهو مرسل ويتقوى بالمراسيل السابقة.","vol":"5","page":572},{"text":"وقال مقاتل في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ يقول: لا تسموه إذا دعوتموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا ابن عبد الله، ولكن شرفوه فقولوا: يا نبي الله يا رسول الله (^١).\nوقال مالك: عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ قال: أمرهم الله أن يشرفوه (^٢)، هذا قول، وهو الظاهر من السياق، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤].\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٢ - ٥]، فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي ﷺ والكلام معه وعنده، كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته.\nوالقول الثاني في ذلك: أن المعنى في ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا، حكاه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن البصري وعطية العوفي، والله أعلم (^٣).\nوقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ قال مقاتل بن حيان: هم المنافقون كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة، ويعني بالحديث: الخطبة، فيلوذون ببعض أصحاب محمد ﷺ حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي ﷺ في يوم الجمعة بعدما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشار بأصبعه إلى النبي ﷺ فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل؛ لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي ﷺ يخطب بطلت جمعته (^٤).\nوقال السدي: كانوا إذا كانوا معه في جماعة لاذ بعضهم ببعض حتى يتغيّبوا عنه فلا يراهم (^٥).\nوقال قتادة في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾: [يعني: لواذًا عن نبي الله وعن كتابه (^٦). وقال سفيان: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ قال: من الصف (^٧)، وقال مجاهد في الآية: ﴿لِوَاذًا﴾] (^٨) خلافًا (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل، وسنده معضل ويتقوى بما سبق.\n(^٢) سنده صحيح وهو مرسل، ويشهد له ما سبق.\n(^٣) قول ابن عباس وعطية أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به عن ابن عباس، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عاصم عن الحسن البصري.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل لكنه معضل لأن مقاتلًا؛ تابع تابعي.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق مهران، وهو ابن أبي عمر العطار.\n(^٨) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٩) أخرجه البستي والطبري وابن أبي حاتم كلهم من طريق ابن جريج عن مجاهد، وهو لم يسمع من مجاهد، ويتقوى بما سبق.","vol":"5","page":573},{"text":"وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمر رسول الله ﷺ وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (^١)؛ أي فليحذر وليخشَ من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا.\n﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الدنيا بقتل أو حدّ أو حبس أو نحو ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويقتحمن فيها، قال: فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلّم عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها\". أخرجه من حديث عبد الرزاق (^٢).\n\n<span id=\"aya-2855\"></span>﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾.\nيخبر تعالى أن مالك السماوات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة، وهو عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم، فقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾، وقد للتحقيق، كما قال قبلها ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: ٦٣] وقال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة]، وقال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام]، وقال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فكل هذه الآيات فيها تحقيق الفعل بقد، كقول المؤذن تحقيقًا وثبوتًا: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة.\nفقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: هو عالم به مشاهد له لا يعزب عنه مثقال ذرة، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ [الشعراء]، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]؛ أي: هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر، وقال تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥]، وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ. . .﴾ الآية [الرعد: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٣١.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الرعد آية ١٧.","vol":"5","page":574},{"text":"رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود]، وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام]، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: ويوم ترجع الخلائق إلى الله، وهو يوم القيامة ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: يخبرهم بما فعلوا في الدنيا من جليل وحقير وصغير وكبير، كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة]، وقال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف]، ولهذا قال ههنا: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nوالحمد لله رب العالمين، ونسأله التمام.","vol":"5","page":575},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>سُوْرَةُ الفُرْقَانِ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-2856\"></span>\n\n<span id=\"aya-2857\"></span>﷽\n﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾.\nيقول تعالى حامدًا لنفسه الكريمة على ما نزَّله على رسوله الكريم من القرآن العظيم، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ [الكهف] وقال ههنا: ﴿تَبَارَكَ﴾ وهو تفاعل من البركة المستقرة [الثابتة الدائمة] ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ نزَّل فعل من التكرر والتكثر كقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة، والقرآن نزل منجمًا مفرقًا مفصلًا آيات بعد آيات، وأحكامًا بعد أحكام، وسورًا بعد سور، وهذا أشد وأبلغ وأشد اعتناء بمن أنزل عليه، كما قال في أثناء هذه السورة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان] ولهذا سماه ههنا الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال، والغي والرشاد والحلال والحرام.\nوقوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ هذه صفة مدح وثناء لأنه أضافه إلى عبوديته، كما وصفه بها في أشرف أحواله وهي ليلة الإسراء، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن] وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه ونزول الملك إليه، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾.\nوقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ أي: إنما خصَّه بهذا الكتاب المفصل العظيم المبين المحكم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت] الذي جعله فرقانًا عظيمًا إنما خصه به ليخصه بالرسالة إلى من يستظل بالخضراء ويستقل على الغبراء، كما قال ﷺ: \"بُعثتُ إلى الأحمر والأسود\" وقال: \"أُعطيتُ خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي\" فذكر منهن أنه \"كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة\" (^١) كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٥٨]\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٥١.","vol":"5","page":576},{"text":"﴿نَذِيرًا﴾ أي: الذي أرسلني هو مالك السماوات والأرض الذي يقول للشيء كن فيكون وهو الذي يحيي ويميت، وهكذا قال ههنا: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ونزه نفسه عن الولد، وعن الشريك.\nثم أخبر أنه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي: كل شيء مما سواه مخلوق مربوب، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت [قهره] (^١) وتدبيره وتسخيره وتقديره.\n\n<span id=\"aya-2858\"></span>﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾.\nيخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله الخالق لكل شيء، المالك لأزمّة الأمور، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومع هذا عبدوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، فكيف يملكون لعابديهم؟ ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ أي: ليس لهم من ذلك شيء بل ذلك كله مرجعه إلى الله ﷿ الذي هو يحيي ويميت، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] كقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر] وقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ … ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾ [الصافات] ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ [يس] فهو الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، ولا تنبغي العبادة إلا له لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي لا ولد ولا والد له ولا عديل ولا نديد، ولا وزير ولا نظير، بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.\n\n<span id=\"aya-2859\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار في قولهم عن القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ﴾ أي: كذب ﴿افْتَرَاهُ﴾ يعنون: النبي ﷺ: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ أي: واستعان على جمعه بقوم آخرين، فقال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أي: فقد افتروا هم قولًا باطلًا، وهم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون\n\n<span id=\"aya-2860\"></span>﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يعنون: كتب الأوائل؛ أي استنسخها ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: في أول النهار وآخره.\nوهذا الكلام لسخافته وكذبه وبهته منهم يعلم كل أحد بطلانه، فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة أن محمدًا رسول الله ﷺ لم يكن يعاني شيئًا من الكتابة لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"قدره\".","vol":"5","page":577},{"text":"أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوًا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه وصدقه ونزاهته وبرَّه وأمانته وبعده عن الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم كانوا يسمّونه في صغره وإلى أن بعث \"الأمين\"، لما يعلمون من صدقه وبرِّه، فلما أكرمه الله بما أكرمه به نصبوا له العداوة ورموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا فيما يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون، وتارة يقولون: كذاب، وقال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ [الإسراء].\n\n<span id=\"aya-2861\"></span>وقال تعالى في جواب ما عاندوا ههنا وافتروا ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخبارًا حقًّا صدقًا مطابقًا للواقع في الخارج ماضيًا ومستقبلًا ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أي: الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ دعاء لهم إلى التوبة والإنابة وإخبار لهم بأن رحمته واسعة وأن حلمه عظيم وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم وفجورهم وبهتانهم وكفرهم وعنادهم وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيه إلى الإسلام والهدى، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج] قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة (^١).\n\n<span id=\"aya-2862\"></span>\n\n<span id=\"aya-2863\"></span>\n\n<span id=\"aya-2864\"></span>﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾\nيخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم، وإنما [تعللوا] (^٢) بقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ يعنون كما نأكله ويحتاج إليه كما نحتاج إليه ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ أي: يتردد فيها وإليها طلبًا للتكسب والتجارة ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يقولون: هلَّا أنزل إليه ملك من عند الله فيكون له شاهدًا على صدق ما يدعيه، وهذا كما قال فرعون: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾\n_________\n(^١) لم أجد من أخرجه.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"تقللوا\".","vol":"5","page":578},{"text":"[الزخرف] وكذلك قال هؤلاء على السواء تشابهت قلوبهم، ولهذا قالوا: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي: علم كنز ينفق منه ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي: تسير معه حيث سار، وهذا كله سهل يسير على الله ولكن له الحكمة في ترك ذلك وله الحجة البالغة ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا﴾ أي: جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك من قولهم ساحر مسحور مجنون كذاب شاعر، وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك، ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾ عن طريق الهدى ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ وذلك أن كل من خرج عن الحق وطريق الهدى، فإنه ضالّ حيثما توجه، لأن الحق واحد ومنهجه متحد يصدق بعضه بعضًا.\n\n<span id=\"aya-2865\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا نبيه أنه إن شاء لآتاه خيرًا مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾.\nقال مجاهد: يعني في الدنيا، قال: وقريش يسمّون كل بيت من حجارة قصرًا كبيرًا كان أو صغيرًا (^١).\nقال سفيان الثوري: عن حبيب بن أبي ثابت، عن خيثمة: قيل للنبي ﷺ: إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعطه نبيًا قبلك، ولا نعطي أحدًا من بعدك ولا ينقص ذلك مما لك عند الله، فقال: \"اجمعوها لي في الآخرة\" فأنزل الله ﷿ في ذلك ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2866\"></span>وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ أي: إنما يقول هؤلاء هكذا تكذيبًا وعنادًا لا أنهم يطلبون ذلك تبصرًا واسترشادًا بل تكذيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ أي: أرصدنا ﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ أي: عذابًا أليمًا حارًا لا يطاق في نار جهنم.\nقال الثوري: عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير ﴿سَعِيرًا﴾ وادٍ من قيح جهنم.\n\n<span id=\"aya-2867\"></span>وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ أي: جهنم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ يعني في مقام المحشر (^٣).\nقال السدي: من مسيرة مائة عام (^٤) ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ أي: حنقًا عليهم، كما قال تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٧، ٨] أي: يكاد ينفصل بعضها عن بعض من شدة غيظها على من كفر بالله.\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا إدريس بن حاتم بن الأحنف الواسطي، أنه سمع محمد بن الحسن الواسطي، عن أصبغ بن زيد، عن خالد بن كثير، عن خالد بن دريك بإسناده عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله: \"من يقل عليَّ ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه،\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١١/ ٥٠٩)، والطبري كلاهما من طريق سفيان به، وسنده مرسل لأن خيثمة تابعي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان به، وسنده مرسل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي، وسنده مرسل.","vol":"5","page":579},{"text":"أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار - وفي رواية - فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدًا\" قيل: يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال: \"أما سمعتم الله يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ \" الآية (^١)؟ ورواه ابن جرير، عن محمد بن خداش، عن محمد بن يزيد الواسطي به (^٢).\nوقال أيضًا: حدثنا أبي (^٣)، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عيسى بن سليم، عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله يعني ابن مسعود ومعنا الربيع بن خُثَيم، فمروا على حداد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار، ونظر الربيع بن خُثَيم إليها، فتمايل الربيع ليسقط، فمرَّ عبد الله على أتون (^٤) على شاطئ الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه، قرأ هذه الآية ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾ فصعق، يعني: الربيع، وحملوه إلى أهل بيته، فرابطه عبد الله إلى الظهر، فلم يفق ﵁ (^٥).\nوحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن العبد ليجر إلى النار فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف، هكذا رواه ابن أبي حاتم بإسناده مختصرًا (^٦).\nوقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟ قالت: إنه يستجير مني، فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول: يا ربِّ ما كان هذا الظن بك، فيقول: فما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهقة البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف (^٧)، وهذا إسناد صحيح.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن منصور، عن مجاهد، عن عُبيد بن عُمير في قوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ قال: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خرّ لوجهه ترتعد فرائصه، حتى إن إبراهيم ﵇ ليجثو على ركبتيه ويقول: ربّ لا أسألك اليوم إلا نفسي (^٨).\n\n<span id=\"aya-2868\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ قال قتادة: عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكن خالد بن دريك معروف بالإرسال ولم يصرح باسم الصحابي حتى نعلم هل أدرك ذلك الصحابي، أما إبهام الصحابي فلا يضر لأنهم كلهم عدول، وللحديث شواهد في الصحيحين إلا السؤال الأخير وجوابه.\n(^٢) أخرجه بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٣) أي: والد ابن أبي حاتم.\n(^٤) أي: مكان موقد النار.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو يحيى وهو القتات لين الحديث كما في التقريب.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه، وقد صحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده رجاله ثقات لكنه مرسل.","vol":"5","page":580},{"text":"قال: مثل الزج (^١) في الرمح؛ أي من ضيقه (^٢).\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني نافع بن يزيد، عن يحيى بن أبي أُسيد يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ، أنه سُئل عن قول الله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ قال: \"والذي نفسي بيده، إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط\" (^٣).\nوقوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قال أبو صالح: يعني مكتفين (^٤).\n﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ أي: بالويل والحسرة والخيبة\n\n<span id=\"aya-2869\"></span>﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ الآية.\nروى الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: \"أول من يُكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من بعده، وهو ينادي يا ثبوراه، وينادون يا ثبورهم حتى يقفوا على النار، فيقول يا ثبوراه ويقولون يا ثبورهم، فيقال لهم: لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا، وادعوا ثبورًا كثيرًا\" (^٥) لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. ورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن سنان، عن عفان به، ورواه ابن جرير من حديث حماد بن سلمة به (^٦).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ أي: لا تدعوا اليوم ويلًا واحدًا، وادعوا ويلًا كثيرًا (^٧).\nوقال الضحاك: الثبور الهلاك (^٨)، والأظهر أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخسار والدمار، كا قال موسى لفرعون ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] أي: هالكًا.\nوقال عبد الله بن الزبعري:\nإذ أجاري الشيطان في سنَنَ الغـ … ـي ومن مال ميله مثبورا (^٩)\n\n<span id=\"aya-2870\"></span>\n\n<span id=\"aya-2871\"></span>﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾.\nيقول تعالى: يا محمد هذا الذي وصفناه لك من حال الأشقياء الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، فتلقاهم بوجه عبوس وبغيظ وزفير، ويلقون في أماكنها الضيقة مقرنين لا يستطيعون\n_________\n(^١) الزج: أي الحديدة التي تركب في أسفل الرمح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وأبو أيوب هو: المراغي الأزدي، اسمه يحيى ويقال: حبيب بن مالك، كما في التقريب.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن وهب به وسنده منقطع.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، (المسند ٣/ ١٥٢)، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري كلاهما بسند ضعيف من طريق علي بن زيد بن جدعان.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى برواية الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٨) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٩) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٢/ ٤١٩).","vol":"5","page":581},{"text":"حراكًا ولا استنصارًا ولا فكاكًا مما هم فيه، أهذا خير أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين من عباده؟ التي أعدها لهم وجعلها لهم جزاء ومصيرًا على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ من الملاذ من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب ومناظر، وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحد، وهم في ذلك خالدون أبدًا دائمًا سرمدًا بلا انقطاع ولا زوال ولا انقضاء ولا يبغون عنها حولًا، وهذا من وعد الله الذي تفضل به عليهم وأحسن به إليهم، ولهذا قال: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي: لا بدّ أن يقع وأن يكون كما حكاه أبو جعفر بن جرير، عن بعض علماء العربية أن معنى قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي: وعدًا واجبًا (^١).\nوقال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ يقول: سلوا الذي وعدتكم - أو قال وعدناكم - ننجز وعدهم وتنجزوه (^٢).\nوقال محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ إن الملائكة تسأل لهم ذلك ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨] (^٣).\nوقال أبو حازم إذا كان يوم القيامة، قال المؤمنون: ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا، فذلك قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ وهذا المقام في هذه السورة من ذكر النار، ثم التنبيه على حال أهل الجنة، كما ذكر تعالى في سورة الصافات حل أهل الجنة وما فيها من النضرة والحبور، ثم قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ [الصافات].\n\n<span id=\"aya-2872\"></span>\n\n<span id=\"aya-2873\"></span>﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله من الملائكة وغيرهم، فقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\nقال مجاهد: هو عيسى والعزير والملائكة (^٤). ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ الآية؛ أي فيقول ﵎ للمعبودين: أأنتم دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني، أم هم عبدوكم من\n_________\n(^١) ذكره الطبري، ومعناه أنه هو سبحانه أوجبه على نفسه، وهذا من رحمته الواسعة.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن جريح عن عطاء، وهو الخراساني كما صرّح الطبري به، وسنده ضعيف لأن عطاء لم يسمع من ابن عباس.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي هلال عن محمد بن كعب القرظي.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"5","page":582},{"text":"تلقاء أنفسهم من غير دعوة منكم لهم؟ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ الآيات [المائدة: ١١٦، ١١٧]، ولهذا قال تعالى مخبرًا عما يجيب به المعبودون يوم القيامة ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ قرأ الأكثرون بفتح النون من قوله: ﴿نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدًا سواك لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا، ونحن برآء منهم ومن عبادتهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ]، وقال آخرون: \"ما كان ينبغي لنا نتخذ (^١) من دونك من أولياء\" أي: ما ينبغي لأحد أن يعبدنا فإنا عبيد لك فقراء إليك، وهي قريبة المعنى من الأولى ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ أي: طال عليهم العمر حتى نسوا الذكر؛ أي نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك.\n﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ قال ابن عباس: أي هلكى (^٢).\nوقال الحسن البصري ومالك، عن الزهري: أي لا خير فيهم (^٣).\nوقال ابن الزبعري حين أسلم:\nيا رسول المليك إن لساني … راتقٌ ما فتقت إذ أنا بور\nإذ أجاري الشيطان في سنن الغـ … ــي ومن مال ميله مثبور\n\n<span id=\"aya-2874\"></span>وقال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أي: فقد كذبكم الذين عبدتم من دون الله فيما زعمتم أنهم لكم أولياء وأنهم يقربونكم إلى الله زلفى، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف].\nوقوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ أي: لا يقدرون على صرف العذاب عنهم ولا الانتصار لأنفسهم ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ أي: يشرك بالله ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2875\"></span>﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن جميع من بعثه من الرسل المتقدمين: أنهم كانوا يأكلون الطعام ويحتاجون إلى التغذي به، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمناف لحالهم\n_________\n(^١) والقراءتان بالفتح والرفع متواترتان.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) قول الحسن البصري أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.","vol":"5","page":583},{"text":"ومنصبهم، فإن الله تعالى جعل لهم من السمات الحسنة والصفات الجميلة والأقوال الفاضلة والأعمال الكاملة والخوارق الباهرة والأدلة الظاهرة، ما يستدل به كل ذي لبٍّ سليم وبصيرة مستقيمة على صدق ما جاؤوا به من الله، ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾ [الأنبياء].\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ أي: اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم من يطيع ممن يعصي، ولهذا قال: ﴿أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أي: بمن يستحق أن يوحي إليه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به ومن لا يستحق ذلك.\nوقال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ قال: يقول الله: لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم وأبتليكم بهم (^١). وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى إني مبتليك ومبتلٍ بك\" (^٢). وفي المسند عن رسول الله ﷺ: \"لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة\" (^٣). وفي الصحيح أنه عليه أفضل الصلاة والسلام خُيّر بين أن يكون نبيًا ملكًا أو عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-2876\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن تعنت الكفار في كفرهم، وعنادهم في قولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: بالرسالة كما تنزل على الأنبياء، كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ويحتمل أن يكون مرادهم ههنا ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فنراهم عيانًا فيخبرونا أن محمدًا رسول الله، كقولهم: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وقد تقدم تفسيرها في سورة سبحان، ولهذا قالوا: ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٣٩).\n(^٢) أخرجه مسلم بلفظ: \"إنما بعَثتُك لأبتليك وأبتلي بك\"، مطولًا الصحيح، الجنة وصفة نعيمها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٢٨٦٥).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا (المسند ٨/ ٣١٨ ح ٤٩٢٠)، وضعف سنده محققه لضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن، ويشهد له الحديث التالي، ولهذا حسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٩/ ١٩).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا (المسند ١٢/ ٧٦ ح ٧١٦٠) وصحح سنده محققوه.","vol":"5","page":584},{"text":"إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-2877\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾؛ أي: هم لا يرون الملائكة في يوم خير لهم، بل يوم يرونهم لا بشرى يومئذٍ لهم، وذلك يصدق على وقت الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار، والغضب من الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه، اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سموم وحميم وظل من يحموم، فتأبى الخروج وتتفرق في البدن فيضربونه (^١)، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: بالضرب ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ولهذا قال في هذه الآية الكريمة ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ وهذا بخلاف حال المؤمنين حال احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت].\nوفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب: أن الملائكة تقول لروح المؤمن: اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب إن كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان. وقد تقدم الحديث في سورة إبراهيم عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾.\nوقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى﴾ يعني: يوم القيامة، قاله مجاهد والضحاك (^٢) وغيرهما، ولا منافاة بين هذا وما تقدم، فإن الملائكة في هذين اليومين: يوم الممات ويوم المعاد، تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران، فلا بشرى يومئذٍ للمجرمين ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾؛ أي: وتقول الملائكة للكافرين: حرام محرم عليكم الفلاح اليوم.\nوأصل الحجر المنع ومنه يقال حجر القاضي على فلان إذا منعه التصرف، إما لفلس أو سفه أو صغر أو نحو ذلك، ومنه سمي الحجر عند البيت الحرام، لأنه يمنع الطواف أن يطوفوا فيه، وإنما يطاف من ورائه (^٣)، ومنه يقال للعقل حجر، لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي ما لا يليق، والغرض أن الضمير في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عائد على الملائكة، هذا قول مجاهد وعكرمة والحسن والضحاك وقتادة وعطية العوفي وعطاء الخراساني وخصيف وغير واحد\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة إبرهيم آية ٢٧.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"5","page":585},{"text":"واختاره ابن جرير (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا موسى يعني ابن قيس، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري في الآية ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قال: حرامًا محرمًا أن يبشر بما يبشر به المتقون (^٢). وقد حكى ابن جُرير عن ابن جُريج أنه قال ذلك من كلام المشركين ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾؛ أي: يتعوذون من الملائكة (^٣)، وذلك أن العرب كانوا إذا نزل بأحدهم نازلة أو شدة يقول: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وهذا القول وإن كان له مأخذ ووجه، ولكنه بالنسبة إلى السياق بعيد لا سيما وقد نصَّ الجمهور على خلافه، ولكن قد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال في قوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾؛ أي: عوذًا معاذًا (^٤). فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جريج، ولكن في رواية ابن أبي حاتم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ عوذًا معاذًا الملائكة تقول ذلك، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2878\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ الآية، هذا يوم القيامة حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من الخير والشر، فأخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم شيء، وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي إما الإخلاص فيها وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصًا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معًا فتكون أبعد من القبول حينئذٍ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ قال مجاهد والثوري ﴿وَقَدِمْنَا﴾؛ أي: عمدنا (^٥)، وكذا قال السدي: وبعضهم يقول: أتينا عليه (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ في قوله: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال: شعاع الشمس إذا دخل الكوة (^٧)، وكذا روي من غير هذا الوجه عن علي وروي مثله عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي والضحاك وغيرهم (^٨)، وكذا قال الحسن البصري: هو الشعاع في كوة أحدهم، ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع (^٩).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال: هو الماء المهراق (^١٠).\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق فطر الحناط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول عطية العوفي أخرجه ابن أبي حاتم ضمن الرواية التالية.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عطية العوفي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وهو لم يسمع من مجاهد.\n(^٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٥) قول مجاهد تخريجه كسابقه، وقول الثوري ذكره ابن أبي حاتم محذوف السند.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لضعف الحارث وهو الأعور الهمداني كما في التقريب، وقد تابعه عقيل الجزري في رواية ابن أبي حاتم أيضًا. ومعناه صحيح، لأن الهباء يظهر في شعاع الشمس من الفتحة الضيقة، ويشهد له الآثار التالية.\n(^٨) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وقول ابن عباس أخرجه البستي بسند جيد من طريق أربدة التميمي عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند جيد من طريق سماك عنه.\n(^٩) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"5","page":586},{"text":"وقال أبو الأحوص: عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال: الهباء رهج (^١) الدواب (^٢)، وروي مثله عن ابن عباس أيضًا والضحاك، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٣).\nوقال قتادة في قوله: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال: أما رأيت يبس الشجر إذا ذرته الريح؟ فهو ذلك الورق (^٤).\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني عاصم بن حكيم، عن أبي سريع الطائي، عن [عُبيد بن يعلى] (^٥) قال: وإن الهباء الرماد (^٦). إذا ذرته الريح، وحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالًا اعتقدوا أنها على شيء، فلما عرضت على الملك الحكيم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدًا إذا إنها لا شيء بالكلية، وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ [إبراهيم]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، وتقدم الكلام على تفسير ذلك، ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-2879\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾؛ أي: يوم القيامة ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر]، وذلك أن أهل الجنة يصيرون إلى الدرجات العاليات والغرفات الآمنات، فهم في مقام أمين حسن المنظر طيب المقام ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾ [الفرقان]، وأهل النار يصيرون إلى الدركات السافلات، والحسرات المتتابعات، وأنواع العذاب والعقوبات ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ [الفرقان]؛ أي: بئس المنزل منظرًا، وبئس المقيل مقامًا، ولهذا قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾؛ أي: بما عملوه من الأعمال المتقبلة نالوا ما نالوا، وصاروا إلى ما صاروا إليه، بخلاف أهل النار فإنهم ليس لهم عمل واحد يقتضي دخول الجنة لهم والنجاة من النار، فنبه تعالى بحال السعداء على حال الأشقياء، وأنه لا خير عندهم بالكلية، فقال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾.\n_________\n(^١) أي: غبار الدواب (النهاية ٢/ ٢٨١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي الأحوص، وفيه أيضًا الحارث وهو الأعور الهمداني وهو ضعيف.\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق خالد بن قيس عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه.\n(^٥) كذا في تفسير ابن أبي حاتم وترجمته وفي النسخ الخطية بلفظ: \"عُبيد بن يعلى\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به، لكنه معلقًا عن ابن وهب، فسنده ضعيف.","vol":"5","page":587},{"text":"قال الضحاك، عن ابن عباس: إنما هي ضحوة فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين المقرنين (^١).\nوقال سعيد بن جبير: يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ (^٢).\nوقال عكرمة: إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وهي الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل الجنة فينطلق بهم إلى الجنة فكانت قيلولتهم في الجنة، وأطعموا كبد حوت فأشبعهم كلهم، وذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ (^٣).\nوقال سفيان، عن ميسرة: عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: لا ينتصف النهار حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ وقرأ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ (^٤) [الصافات].\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ قال: قالوا في الغرف من الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ (^٥) [الانشقاق].\nوقال قتادة: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ مأوى ومنزلًا (^٦).\nوقال قتادة: وحدث صفوان بن محرز أنه قال: يجاء برجلين يوم القيامة أحدهما كان ملكًا في الدنيا إلى الحمرة والبياض، فيحاسب فإذا عبد لم يعمل خيرًا قط فيؤمر به إلى النار، والآخر كان صاحب كساء في الدنيا فيحاسب فيقول: يا ربِّ ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به، فيقول الله: صدق عبدي فأرسلوه فيؤمر به إلى الجنة، ثم يتركان ما شاء الله، ثم يدعى صاحب النار فإذا هو مثل الحممة (^٧) السوداء، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: شرّ مقيل، فيقال له: عد، ثم يدعى بصاحب الجنة فإذا هو مثل القمر ليلة البدر، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: ربِّ خير مقيل، فيقال له: عُدّ. رواها ابن أبي حاتم كلها (^٨).\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، أن سعيدًا الصواف\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مجهول عن عكرمة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان به، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٠٢).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) أي: الفحمة السوداء، وجمعها حِمم (الصحاح ٥/ ١٩٠٤).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.","vol":"5","page":588},{"text":"حدثه أنه بلغه أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس، وذلك قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-2880\"></span>﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾.\nيخبر تعالى عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظيمة، فمنها انشقاق السماء وتفطرها، وانفراجها بالغمام وهو ظل النور العظيم الذي يبهر الأبصار، ونزول ملائكة السماوات يومئذٍ فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر، ثم يجيء الرب ﵎ لفصل القضاء. قال مجاهد: وهذا كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ (^٢) [البقرة].\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ قال ابن عباس ﵄ يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة في صعيد واحد: الجنّ والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق، فتنشق السماء الدنيا، فينزل أهلها وهم أكثر من الجنّ والإنس ومن جميع الخلق، فيحيطون بالجنّ والإنس وجميع الخلق، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم والجنّ والإنس وجميع الخلق، ثم تنشق السماء الثالثة فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الثانية والسماء الدنيا ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجنّ والإنس وجميع الخلق، ثم تنشق السماء الثالثة فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الثانية والسماء الدنيا ومن جميع الخلق فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجنّ والإنس وجميع الخلق، ثم كذلك كل سماء على ذلك التضعيف، حتى تنشق السماء السابعة فينزل أهلها وهم أكثر ممن نزل قبلهم من أهل السماوات ومن الجنّ والإنس ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم من أهل السماوات وبالجنّ والإنس وجميع الخلق كلهم، وينزل ربنا ﷿ في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون (^٣) وهم أكثر من أهل السماوات السبع ومن الجنّ والإنس وجميع الخلق، لهم قرون كأكعب القنا (^٤)، وهم تحت العرش لهم زجل (^٥) بالتسبيح والتهليل والتقديس لله ﷿، ما بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، وما بين\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن الصواف رواه بلاغًا.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وهو لم يسمع من مجاهد.\n(^٣) أي: سادة الملائكة (ينظر: النهاية ٤/ ١٦١).\n(^٤) أكعب القنا: جمع قناة وهي الرمح (النهاية ٤/ ١٦١).\n(^٥) أي: الصوت المرتفع (ينظر: النهاية ٢/ ٢٩٧).","vol":"5","page":589},{"text":"كعبه إلى ركبته مسيرة خمسمائة عام، وما بين ركبته إلى أرنبته (^١) مسيرة خمسمائة عام، وما بين أرنبته إلى ترقوته (^٢) مسيرة خمسمائة عام، وما بين ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام. وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام وجهنم مجنبته، وهكذا رواه ابن حاتم بهذا السياق (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، أنه سمع ابن عباس يقول: إن هذه السماء إذا انشقت ينزل منها من الملائكة أكثر من الإنس والجنّ، وهو يوم التلاق، يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا؟ فيقولون: لم يجئ وهو آت، ثم تنشق السماء الثانية، ثم سماء سماء على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، فينزل منها من الملائكة أكثر من جميع من نزل من السماوات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكروبيون، ثم يأتي ربنا في حملة العرش الثمانية بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة، وبين فخذه ومنكبه مسيرة سبعين سنة. قال: وكل ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه، وكل ملك منهم واضع رأسه بين ثدييّه، يقول: سبحان الملك القدوس، وعلى رؤوسهم شيء مبسوط كأنه القباء، والعرش فوق ذلك، ثم وقف (^٤). فمداره على علي بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف وفي سياقاته غالبًا، وفيها نكارة شديدة، وقد ورد في حديث الصور المشهور قريب من هذا، والله أعلم، وقد قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة]، قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية، أربعة منهم يقولون: سبحانك اللَّهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك. وأربعة منهم يقولون: سبحانك اللَّهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ورواه ابن جرير (^٥) عنه.\nوقال أبو بكر بن عبد الله: إذا نظر أهل الأرض إلى العرش يهبط عليهم من فوقهم، شخصت إليه أبصارهم، ورجفت كِلاهم في أجوافهم، وطارت قلوبهم من مقرها من صدورهم إلى حناجرهم (^٦).\nقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن عبد الجليل، عن أبي حازم، عن عبد الله بن عمرو قال: يهبط الله ﷿ حين يهبط، وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب (^٧)، وهذا\n_________\n(^١) الأرنبة: طرف الأنف (النهاية ١/ ٤١).\n(^٢) الترقوة: العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق (النهاية ١/ ١٨٧).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري، وسنده ضعيف لإرسال شهر بن حوشب، وقوله: \"حملة العرش ثمانية يشهد له القرآن الكريم\" كما في الآية السابقة.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق الحسين عن حجاج عن أبي بكر بن عبد الله، وسنده ضعيف لضعف الحسين وهو ابن داود، وكذلك إرسال أبي بكر، ومعناه صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحسين كما في سابقه.","vol":"5","page":590},{"text":"موقوف على عبد الله بن عمرو من كلامه، ولعله من الزاملتين (^١)، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2881\"></span>وقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ [غافر: ١٦].\nوفي الصحيح أن الله تعالى يطوي السماوات بيمينه، ويأخذ الأرضين بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملك أنا الديَّان، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون، أين المتكبرون (^٢)؟\nوقوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾؛ أي: شديدًا صعبًا، لأنه يوم عدل وقضاء فصل، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر]، فهذا حال الكافرين في هذا اليوم، وأما المؤمنون فكما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ [الأنبياء].\nوروى الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-2882\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾، يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول ﷺ، وما جاء به من عند الله من الحق المبين الذي لا مرية فيه، وسلك طريقًا أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم، وعضَّ على يديه حسرة وأسفًا.\nوسواء كان سبب نزولها في عُقبة بن أبي مُعَيط (^٤) أو غيره من الأشقياء، فإنها عامة في كل ظالم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ [الأحزاب]، فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويعض على يديه قائلًا: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾\n\n<span id=\"aya-2883\"></span>﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨)﴾ يعني: من صرفه عن الهدى وعدل به إلى طريق الضلال من دعاة الضلالة، وسواء في ذلك أمية بنن خلف أو أخوه أبي بن خلف أو غيرهما،\n\n<span id=\"aya-2884\"></span>﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ وهو القرآن ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾؛ أي: بعد بلوغه إليّ، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾؛ أي: يخذله عن الحق ويصرفه عنه، ويستعمله في الباطل ويدعوه إليه.\n_________\n(^١) أي: الزاملتين التي حصل عليهما عبد الله بن عمرو ﵄ في غزوة اليرموك وفيها كتب من أهل الكتاب.\n(^٢) أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄، (الصحيح، صفات المنافقين، باب صفة القيامة والجنة والنار ح ٢٧٨٨).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨/ ٢٤٦ ح ١١٧١٧) وضعف سنده محققوه.\n(^٤) وردت في هذا السبب مراسيل صحيحة يقوي بعضها بعضًا أخرجها ابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة وعمرو بن ميمون.","vol":"5","page":591},{"text":"<span id=\"aya-2885\"></span>﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن رسوله ونبيه محمد ﷺ أنه قال: \"يا ربَّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا\" وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت]، فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه. فهذا من هجرانه وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره، من هجرانه، فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء، أن يخلصنا مما يسخطه، ويستعملنا فيما يرضيه من حفظ كتابه وفهمه، والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يحبه ويرضاه، إنه كريم وهاب.\n\n<span id=\"aya-2886\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: كما حصل لك يا محمد في قومك من الذين هجروا القرآن، كذلك كان في الأمم الماضين، لأن الله جعل لكل نبي عدوًا من المجرمين، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ [الأنعام]، ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾؛ أي: لمن اتبع رسوله وآمن بكتابه وصدقه واتبعه، فإن الله هاديه وناصره في الدنيا والآخرة، وإنما قال: ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لأن المشركين كانوا يصدون الناس عن اتباع القرآن لئلا يهتدي أحد به، ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن، فلهذا قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾.\n\n<span id=\"aya-2887\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن كثرة اعتراض الكفار وتعنتهم وكلامهم فيما لا يعنيهم، حيث قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ أي هلَّا أُنزل عليه هذا الكتاب الذي أوحي إليه جملة واحدة، كما نزلت الكتب قبله جملة واحدة، كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب الإلهية، فأجابهم الله تعالى عن ذلك بأنه إنما نزل منجمًا في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث، وما يحتاج إليه من الأحكام ليثبت قلوب المؤمنين به، كقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء]، ولهذا قال: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ قال قتادة: بيناه تبيينًا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"5","page":592},{"text":"وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وفسرناه تفسيرًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2888\"></span>﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾؛ أي: بحجة وشبهة ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾؛ أي: ولا يقولون قولًا يعارضون به الحق، إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم.\nقال سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ أي: بما يلتمسون به عيب القرآن والرسول ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية؛ أي: إلا نزل جبريل من الله تعالى (^٢) بجوابهم.\nثم في هذا اعتناء كبير لشرف الرسول ﷺ، حيث كان يأتيه الوحي من الله ﷿ بالقرآن صباحًا ومساء، وليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، وكلّ مرة كان يأتيه الملك بالقرآن لا كإنزال كتاب مما قبله من الكتب المتقدمة، فهذا المقام أعلى وأجلُّ وأعظم مكانة من سائر إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فالقرآن أشرف كتاب أنزله الله، ومحمد ﷺ أعظم نبي أرسله الله تعالى، وقد جمع الله للقرآن الصفتين معًا، ففي الملأ الأعلى أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك إلى الأرض منجمًا بحسب الوقائع والحوادث.\nوقال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا أحمد بن سليمان، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ (^٣) [الإسراء].\n\n<span id=\"aya-2889\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن سوء حال الكفار في معادهم يوم القيامة، وحشرهم إلى جهنم في أسوأ الحالات وأقبح الصفات ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾. وفي الصحيح عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: \"إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة\" (^٤) وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من المفسرين.\n\n<span id=\"aya-2890\"></span>\n\n<span id=\"aya-2891\"></span>\n\n<span id=\"aya-2892\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾.\nيقول تعالى متوعدًا من كذب رسوله محمدًا ﷺ من مشركي قومه ومن خالفهم، ومحذرهم من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير به.\n(^٣) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، ح ١١٣٧٢) وسنده صحيح.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٩٧.","vol":"5","page":593},{"text":"عقابه وأليم عذابه مما أحله بالأمم الماضية المكذبين لرسله، فبدأ بذكر موسى وأنه بعثه وجعل معه أخاه هارون وزيرًا؛ أي: نبيًا مؤازرًا ومؤيدًا وناصرًا، فكذبهما فرعون وجنوده ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]، وكذلك فعل بقوم نوح حين كذبوا رسوله نوحًا ﵇، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع الرسل، إذ لا فرق بين رسول ورسول، ولو فرض أن الله تعالى بعث إليهم كل رسول فإنهم كانوا يكذبون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ ولم يبعث إليهم إلا نوح فقط، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله ﷿، ويحذرهم نقمه ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] ولهذا أغرقهم الله جميعًا ولم يبق منهم أحدًا، ولم يترك من بني آدم على وجه الأرض سوى أصحاب السفينة فقط ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾؛ أي: عبرة يعتبرون بها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾ [الحاقة]؛ أي: وأبقينا لكم من السفن ما تركبون في لُجج البحار لتذكروا نعمة الله عليكم في إنجائكم من الغرق، وجعلكم من ذرية من آمن به وصدق أمره.\n\n<span id=\"aya-2893\"></span>\n\n<span id=\"aya-2894\"></span>\n\n<span id=\"aya-2895\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ قد تقدم الكلام على قصتيهما في غير ما سورة، كسورة الأعراف بما أغنى عن الإعادة.\nوأما أصحاب الرس، فقال ابن جريج عن ابن عباس: هم أهل قرية من قرى ثمود (^١).\nوقال ابن جريج: قال عكرمة: أصحاب الرسّ بفلج، وهم أصحاب يس (^٢).\nوقال قتادة: فلج من قرى اليمامة (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ قال: بئر بأذربيجان (^٤).\nوقال الثوري عن أبي بُكير، عن عكرمة: الرسّ: بئر رسوا فيها نبيهم؛ أي: دفنوه بها (^٥).\nوقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود، وذلك أن الله تعالى بعث نبيًا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك العبد الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرًا فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعامًا وشرابًا، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي إليه طعامه وشرابه، ثم يردها كما كانت، قال: فكان ذلك ما شاء الله أن يكون، ثم إنه ذهب يومًا يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به، وهو لم يسمع من ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة بلفظ: \"أهل فلح وآبار كانوا عليها، وما ذكره الحافظ ابن كثير أقرب للواقع بأنها الرس المعروفة في القصيم بالمملكة العربية السعودية\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الثوري عن أبي بكير عن عكرمة.","vol":"5","page":594},{"text":"وجد سنة، فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائمًا، ثم إنه هبَّ فتمطى فتحول لشقه الآخَر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هبَّ واحتمل حزمته ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعامًا وشرابا كما كان يصنع، ثم إنه ذهب إلى الحفيرة موضعها الذي كانت فيه، فالتمسه فلم يجده، وكان قد بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه، قال: فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل، فيقولون له: لا ندري، حتى قبض الله النبي، هبَّ الأسود من نومته بعد ذلك\" فقال رسول الله ﷺ: \"إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة\". وهكذا رواه ابن جرير، عن ابن حميد، عن سلمة، عن محمد بن كعب مرسلًا (^١)، وفيه غرابة ونكارة، ولعل فيه إدراجًا، والله أعلم. وقال ابن جرير: لا يجوز أن يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرسّ الذين ذكروا في القرآن، لأن الله أخبر عنهم أنه أهلكهم، وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم اللهم إلا أن يكون حدث لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم، والله أعلم.\nواختار ابن جرير أن المراد بأصحاب الرس هم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج (^٢)، فالله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾؛ أي: وأممًا أضعاف من ذكر أهلكناهم كثيرة، ولهذا قال: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: بينا لهم الحجج ووضحنا لهم الأدلة، كما قال قتادة: وأزحنا الأعذار عنهم (^٣) ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾؛ أي: أهلكنا إهلاكًا، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧]. والقرن هو الأمة من الناس، كقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢)﴾ [المؤمنون] وحده بعضهم بمائة وعشرين سنة. وقيل: بمائة. وقيل: بثمانين، وقيل: أربعين، وقيل: غير ذلك، والأظهر أن القرن هم الأمة المتعاصرون في الزمن الواحد وإذا ذهبوا وخلفهم جيل فهم قرن آخر، كما ثبت في الصحيحين: \"خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\" (^٤) الحديث ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ يعني: قرية قوم لوط، وهي سدوم ومعاملتها التي أهلكها الله بالقلب وبالمطر من الحجارة التي من سجيل، كما قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾ [الشعراء]، وقال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ [الصافات]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ [الحجر]، وقال: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، ولهذا قال: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾؛ أي: فيعتبروا بما حل بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم بالرسول وبمخالفتهم أوامر الله\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وسنده ضعيف للإرسال وعنعنة محمد بن إسحاق، وضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا.\n(^٢) ليس هذا باختيار الطبري وإنما قال: \"ولا أعلم قومًا كانت لهم قصة بسبب حفرة ذكرهم الله في كتابه إلا أصحاب الأخدود، فإن يكونوا هم المعنيِّين\" بقوله: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨] فإنا سنذكر خبرهم إن شاء الله إذا انتهينا إلى سورة البروج، وإن يكونوا غيرهم فلا نعرف لهم خبرًا إلا ما جاء من جملة الخبر عنهم أنهم قوم رسّوا نبيهم في حفرة إلا ما حدثنا … ثم ذكر رواية ابن إسحاق المذكورة أعلاه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: \"كل قد أعذر الله إليه، ثم انتقم منه\".\n(^٤) الذي في الصحيح هو بلفظ: \"خير الناس قرني\"، وصح عنه بلفظ: \"خير أُمتي قرني\" (السلسلة الصحيحة ح ١٨٤١).","vol":"5","page":595},{"text":"وقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ يعني: المارين بها من الكفار لا يعتبرون لأنهم لا يرجون نشورًا؛ أي: معادًا يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-2896\"></span>﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾.\nيخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول ﷺ إذا رأوه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، يعنون بالعيب والنقص. وقال ههنا: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾؛ أي: على سبيل التنقيص والازدراء فقبحهم الله، كما قال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾ [الرعد].\n\n<span id=\"aya-2897\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ يعنون أنه كاد يثنيهم عن عبادة الأصنام لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا عليها. قال الله تعالى متوعدًا لهم ومتهددًا ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2898\"></span>ثم قال تعالى لنبيه منبهًا أن من كتب الله عليه الشقاوة والضلال، فإنه لا يهديه أحد إلا الله ﷿ ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾؛ أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسنًا في هوى نفسه كان دينه ومذهبه، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، ولهذا قال ههنا: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾.\nقال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانًا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول (^١).\n\n<span id=\"aya-2899\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾؛ أي: هم أسوأ حالًا من الأنعام السارحة، فإن تلك تعقل ما خلقت له، وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له، وهم يعبدون غيره ويشركون به مع قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم.\n\n<span id=\"aya-2900\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾.\nمن ههنا شرع ﷾ في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾.\nقال ابن عباس وابن عمر وأبو العالية وأبو مالك ومسروق ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.","vol":"5","page":596},{"text":"والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغيرهم: هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس (^١).\n﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أي: دائمًا لا يزول، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدً﴾ الآيات [القصص: ٧١ - ٧٢].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾؛ أي: لولا أن الشمس تطلع عليه لما عرف، فإن الضدَّ لا يعرف إلا بضدِّه.\nوقال قتادة والسدي: دليلًا تتلوه وتتبعه حتى تأتي عليه كله (^٢).\n\n<span id=\"aya-2901\"></span>وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)﴾؛ أي: الظل. وقيل: الشمس ﴿يَسِيرًا﴾؛ أي: سهلًا.\nقال ابن عباس: سريعًا (^٣).\nوقال مجاهد: خفيًا (^٤).\nوقال السدي: قبضًا خفيًا حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة، وقد أظلت الشمس ما فوقه (^٥).\nوقال أيوب بن موسى في الآية ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾: قليلًا قليلًا (^٦).\n\n<span id=\"aya-2902\"></span>وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾؛ أي: يلبس الوجود ويغشاه، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل]، وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ [الشمس].\n﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾؛ أي: قاطعًا للحركة لراحة الأبدان، فإن الأعضاء والجوارح تكلُّ من كثرة الحركة في الانتشار بالنهار في المعاش، فإذا جاء الليل وسكن، سكنت الحركات فاستراحت، فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معًا ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾؛ أي: ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [القصص].\n\n<span id=\"aya-2903\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾.\nوهذا أيضًا من قدرته التامة وسلطانه العظيم، وهو أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات؛ أي:\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه البخاري تعليقًا (الصحيح، التفسير، سورة الفرقان قبل حديث رقم ٤٧٦٠)، ووصله الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبقية المذكورين من الصحابة والتابعين ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.\n(^٢) قول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد العزيز بن رفيع عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن أيوب بن موسى.","vol":"5","page":597},{"text":"بمجيء السحاب بعدها، والرياح أنواع في صفات كثيرة من التسخير، فمنها ما يثير السحاب، ومنها ما يحمله، ومنها ما يسوقه، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشرًا، ومنها ما يكون قبل ذلك يقم الأرض، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾؛ أي: آلة يتطهر بها كالسحور والوقود وما جرى مجراهما، فهذا أصح ما يقال في ذلك. وأما من قال إنه فعول بمعنى فاعل، أو إنه مبني للمبالغة والتعدي، فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة والحكم، ليس هذا موضع بسطها، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، حدثني حميد الطويل، عن ثابت البناني قال: دخلت مع أبي العالية في يوم مطير، وطرق البصرة قذرة، فصلى فقلت له، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ قال: طهره ماء السماء (^١).\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا وهيب، عن داود، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية قال: أنزله الله طهورًا لا ينجسه شيء (^٢).\nوعن أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها النتن ولحوم الكلاب؟ فقال: \"إن الماء طهور لا ينجسه شيء\" رواه الشافعي وأحمد وصححه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي (^٣).\nوروى ابن أبي حاتم بإسناده: حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشعث حدثنا معتمر، سمعت أبي يحدث عن سيار، عن خالد بن يزيد قال: كان عند عبد الملك بن مروان فذكروا الماء، فقال خالد بن يزيد: منه من السماء، ومنه يسقيه الغيم من البحر فيغذ به الرعد والبرق، فأما ما كان من البحر فلا يكون له نبات، فأما النبات فمما كان من السماء (^٤).\nوروي عن عكرمة قال: ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة (^٥).\nوقال غيره: في البَرّ بُرّ وفي البحر دُرّ.\n\n<span id=\"aya-2904\"></span>وقوله تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾؛ أي: أرضًا قد طال انتظارها للغيث، فهي هامدة لا نبات فيها ولا شيء فلما جاءها الحياء عاشت واكتست رباها أنواع الأزاهير والألوان، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]، ﴿وَنُسْقِيَهُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو جعفر الرازي وهو صدوق سيء الحفظ ويشهد له ما يليه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) الأم للشافعي ١/ ٩، والمسند ١٨/ ١٩٠ (ح ١١١١٩)، وصححه محققوه بطرقه وشواهده، وسنن أبي داود، الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة (ح ٦٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٥٩)، وسنن الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في أن الماء لا ينجسه شيء (ح ٦٦)، وسنن النسائي، المياه، باب ذكر بئر بضاعة ١/ ١٧٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الرحمن بن عبد الله الأصبهاني عن عكرمة.","vol":"5","page":598},{"text":"مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾؛ أي: وليشرب منه الحيوان من أنعام، وأناسيّ محتاجين إليه غاية الحاجة لشربهم وزروعهم وثمارهم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى]، وقال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الروم].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾؛ أي: أمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسقنا السحاب يمر على الأرض ويتعداها وبتجاوزها إلى الأرض الأخرى، فيمطرها ويكفيها ويجعلها غدقًا، والتي وراءها لم ينزل فيها قطرة من ماء، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة.\n\n<span id=\"aya-2905\"></span>قال ابن عباس وابن مسعود ﵃: ليس عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن الله يصرفه كيف يشاء، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾ (^١)؛ أي: ليذكروا بإحياء الله الأرض الميتة أنه قادر على إحياء الأموات والعظام الرفات، أو ليذكر من منع المطر إنما أصابه ذلك بذنب أصابه، فيقلع عما هو فيه.\nوقال عمر مولى غُفرة: كان جبريل ﵇ في موضع الجنائز (^٢)، فقال له النبي ﷺ: \"يا جبريل إني أُحب أن أعلم أمر السحاب\" قال: فقال له جبريل: يا نبي الله هذا ملك السحاب فسله، فقال: تأتينا صكاك (^٣) مختمة، اسقِ بلاد كذا وكذا، وكذا وكذا قطرة. رواه ابن أبي حاتم وهو حديث مرسل (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ قال عكرمة: يعني الذين يقولون مُطرنا بنوء (^٥) كذا وكذا (^٦)، وهذا الذي قاله عكرمة كما صحَّ في الحديث المخرج في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال لأصحابه يومًا على أثر سماء أصابتهم من الليل: \"أتدرون ماذا قال ربكم؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي، كافر بالكواكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي، مؤمن بالكواكب\" (^٧).\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وأخرجه الحاكم من الطريق نفسه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٠٣)، وقول ابن مسعود أخرجه الطبري البيهقي من طريقين وصححه البيهقي (السنن الكبرى ٣/ ٣٦٣).\n(^٢) موضع الجنائز: هو مكان معروف في المسجد النبوي الشريف تجاه المنبر توضع فيه الجنائز للصلاة عليها (ينظر: فتح الباري ٣/ ١٩٩).\n(^٣) صكاك: جمع صك وهو الكتاب (النهاية ٣/ ٤٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف لضعف عمر مولى عُفرة كما في التقريب، ولإرساله.\n(^٥) النوء: منزلة من ثمان وعشرين منزلة ينزل القمر كل ليلة منزلة منها، وسمي نوءًا لأنه إذا سقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق ينوء نوءًا أي: نهض وطلع (ينظر: النهاية ٥/ ١٢١، ١٢٢).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق النضر بن عربي عن عكرمة.\n(^٧) أخرجه مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني (الصحيح، الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء ح ٧١).","vol":"5","page":599},{"text":"<span id=\"aya-2906\"></span>\n\n<span id=\"aya-2907\"></span>﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)﴾ يدعوهم إلى الله ﷿، ولكنا خصصناك يا محمد بالبعثة إلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغهم القرآن ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]، ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: ٩٢]، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وفي الصحيحين: \"بعثت إلى الأحمر والأسود\" (^١)، وفيهما: \"وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة\" (^٢) ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ يعني القرآن، قاله ابن عباس (^٣)، ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣].\n\n<span id=\"aya-2908\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾؛ أي: خلق الماءين: الحلو والملح، فالحلو كالأنهار والعيون والآبار، وهذا هو البحر الحلو العذب الفرات الزلال، قاله ابن جريج (^٤)، واختاره ابن جرير، وهذا المعنى لا شك فيه، فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات، والله ﷾ إنما أخبر بالواقع لينبه العباد على نعمه عليهم ليشكروه، فالبحر العذب هو هذا السارح بين الناس، فرقه الله تعالى بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارًا وعيونًا في كل أرض، بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾؛ أي: مالح مر زعاق لا يستساغ، وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب: البحر المحيط وما يتصل به من الزقاق، وبحر القلزم، وبحر اليمن، وبحر البصرة، وبحر فارس، وبحر الصين والهند، وبحر الروم، وبحر الخزر، وما شاكلها وما شابهها من البحار الساكنة التي لا تجري، ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح، ومنها ما فيه مدُّ وجزر، ففي أول كل شهر يحصل منها مدُّ وفيض، فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتى ترجع إلى غايتها الأولى، فإذا استهلَّ الهلال من الشهر الآخر شرعت في المدِّ إلى الليلة الرابعة عشرة، ثم تشرع في النقص، فأجرى الله ﷾ وهو ذو القدرة التامة العادة بذلك، فكلُّ هذه البحار الساكنة، خلقها الله ﷾ مالحة لئلا يحصل بسببها نتن الهواء، فيفسد الوجود بذلك، ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان، ولما كان ماؤها مالحًا، كان هواؤها صحيحًا وميتتها طيبة، ولهذا قال رسول الله ﷺ وقد سئل عن ماء البحر: أنتوضأ به؟ فقال: \"هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته\" (^٥) رواه الأئمة مالك والشافعي وأحمد وأهل السنن بإسناد جيد.\n_________\n(^١) (^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٠.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس وهو لم يلق ابن عباس.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٣.","vol":"5","page":600},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا﴾؛ أي: بين العذب والمالح ﴿بَرْزَخًا﴾؛ أي: حاجزًا وهو اليبس من الأرض، ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾؛ أي: مانعًا من أن يصل أحدهما إلى الآخر، كقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١)﴾ [الرحمن]، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ [النمل].\n\n<span id=\"aya-2909\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ الآية؛ أي: خلق الإنسان من نطفة ضعيفة فسواه وعدله وجعله كامل الخلقة ذكرًا وأنثى، كما يشاء، ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهرًا، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات، وكل ذلك من ماء مهين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2910\"></span>﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾.\nيخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام التي لا تملك له ضرًا ولا نفعًا، بلا دليل قادهم إلى ذلك، ولا حجة أدَّتهم إليه بل بمجرد الآراء والتشهي والأهواء، فهم يوالونهم ويقاتلون في سبيلهم، ويعادون الله ورسوله والمؤمنين فيهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾؛ أي: عونًا في سبيل الشيطان على حزب الله وحزب الله هم الغالبون، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ [يس]؛ أي: آلهتهم التي اتخذوها من دون الله لا تملك لهم نصرًا، وهؤلاء الجهلة للأصنام جند محضرون يقاتلون عنهم، ويذبُّون عن حوزتهم، ولكن العاقبة والنصرة لله ولرسوله وللمؤمنين في الدنيا والآخرة.\nقال مجاهد: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قال: يظاهر الشيطان على معصية الله ويعينه (^١).\nوقال سعيد بن جبير: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ يقول: عونًا للشيطان على ربه بالعداوة والشرك (^٢).\nوقال زيد بن أسلم: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قال: مواليًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-2911\"></span>ثم قال تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦)﴾؛ أي: بشيرًا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ليث بن أبي سُليم عن مجاهد، وليث فيه مقال.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق محمد بن أبان عن زيد بن أسلم، ومحمد بن أبان ضعيف (المجروحين ٢/ ٢٦٠).","vol":"5","page":601},{"text":"للمؤمنين ونذيرًا للكافرين، مبشرًا بالجنة لمن أطاع الله ونذيرًا بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله\n\n<span id=\"aya-2912\"></span>﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: على هذا البلاغ وهذا الإنذار من أجرة أطلبها من أموالكم، وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ [التكوير].\n﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا ومسلكًا ومنهجًا يقتدي فيها بما جئت به.\n\n<span id=\"aya-2913\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾؛ أي: في أمورك كلها كن متوكلًا على الله الحي الذي لا يموت أبدًا، الذي هو ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، الدائم الباقي السرمدي الأبدي الحي القيوم ورب كل شيء ومليكه اجعله ذخرك وملجأك، وهو الذي يتوكل عليه ويفزع إليه، فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل قال: قرأت على معقل يعني: ابن عبيد الله، عن عبد الله بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب قال: لقي سلمان النبيَّ ﷺ في بعض فجاج المدينة فسجد له، فقال: \"لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحيّ الذي لا يموت\" (^١) وهذا مرسل حسن.\nوقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾؛ أي: أقرن بين حمده وتسبيحه، ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول: \"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك\" (^٢)؛ أي: أخلص له العبادة والتوكل، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل]، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾؛ أي: بعلمه التام الذي لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة.\n\n<span id=\"aya-2914\"></span>وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية؛ أي: هو الحي الذي لا يموت، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه، الذي خلق قدرته السموات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ أي: يدبر الأمر، ويقضي الحق، وهو خير الفاصلين.\nوقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ أي: استعلم عنه من هو خبير به عالم به، فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه، سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فما قاله فهو الحق، وما أخبر به فهو الصدق، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء وجب ردّ نزاعهم إليه، فما وافق أقواله وأفعاله فهو الحق، وما خالفها فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال شهر بن حوشب، وفي شهر مقال أيضًا.\n(^٢) تقدم تخريجه في الاستعاذة قبل سورة الفاتحة.","vol":"5","page":602},{"text":"[الشورى: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]؛ أي: صدقًا في الإخبار وعدلا في الأوامر والنواهي، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.\nقال مجاهد: في قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قال: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك (^١). وكذا قال ابن جريج (^٢).\nوقال شمر بن عطية في قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ هذا القرآن خبير به (^٣).\n\n<span id=\"aya-2915\"></span>ثم قال تعالى منكرًا على المشركين الذي يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: لا نعرف الرحمن، وكانوا ينكرون أن يسمى الله باسمه الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي ﷺ للكاتب: \"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم\" فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، ولكن اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللَّهم، ولهذا أنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (^٤) [الإسراء: ١١٠]؛ أي: هو الله وهو الرحمن وقال في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: لا نعرفه ولا نقر به ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾؛ أي: لمجرد قولك ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ فأما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويفردونه بالإلهية، ويسجدون له، وقد اتفق العلماء ﵏ على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروع السجود عندها لقارئها ومستمعها، كما هو مقرر في موضعه، والله ﷾ أعلم.\n\n<span id=\"aya-2916\"></span>\n\n<span id=\"aya-2917\"></span>﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾.\nيقول تعالى ممجدًا نفسه ومعظمًا على جميل ما خلق في السماوات من البروج، وهي الكواكب العظام في قول مجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح والحسن وقتادة (^٥).\nوقيل: هي قصور في السماء للحرس، يروى هذا عن علي وابن عباس ومحمد بن كعب وإبراهيم النخعي وسليمان بن مهران الأعمش، وهو رواية عن أبي صالح أيضًا (^٦)، والقول الأول أظهر. اللَّهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس، فيجتمع القولان، كما قال\n_________\n(^١) أخرجه البستي وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين بن داود وهو ضعيف ويشهد له سابقه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبيد بن حميد عن شمر، وعبيد لم أجد له ترجمة.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مغفل المُزني ﵁ (المسند ٢٧/ ٣٥٤ ح ١٦٨٠٠)، وصحح سنده محققوه، وصحح سنده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٥/ ٣٥١).\n(^٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول أبي صالح فقد أخرجه بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٦) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند إلا قول علي ابن أبي طالب أخرجه بسند ضعيف جدًا من طريق سعد بن طريق عن أصبغ بن نباتة عنه، وسعد وأصبغ وكلاهما متروك. كما أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن عطية العوفي.","vol":"5","page":603},{"text":"تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، ولهذا قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ وهي الشمس المنيرة التي هي كالسراج في الوجود، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)﴾ [النبأ].\n﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾؛ أي: مشرقًا مضيئًا بنور آخر من غير نور الشمس، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]، وقال مخبرًا عن نوح ﵇، أنه قال لقومه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح]، ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾؛ أي: يخلف كل واحد منهما صاحبه، يتعاقبان لا يفتران، إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ الآية [إبراهيم: ٣٣]، وقال: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ الآية [لأعراف: ٥٤]، وقال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس].\nوقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾؛ أي: جعلهما يتعاقبان توقيتًا لعبادة عباده له ﷿، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل، وقد جاء في الحديث الصحيح: \"إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل\" (^١).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا [أبو حرة] (^٢)، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، فقال: إنه بقي عليَّ من وردي شيء، فأحببت أن أتمَّه، أو قال أقضيه، وتلا هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية: يقول من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل (^٤)، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحسن (^٥).\nوقال مجاهد وقتادة: خلفة؛ أي: مختلفين؛ أي: هذا بسواده وهذا بضيائه (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، (الصحيح، التوبة، باب غيرة الله تعالى ح ٢٧٥٩).\n(^٢) كذا في تفسير ابن أبي حاتم ومن ترجمته لأن أبا حرة معروف بالتدليس عن الحسن البصري (تهذيب التهذيب ١١/ ١٠٤)، وفي النسخ الخطية صُحف إلى: (أبو حمزة).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي داود الطيالسي به، وسنده ضعيف لأن أبا حُرة يدلس عن الحسن، والحسن لم يسمع من عمر ﵁.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) قول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمر بن قيس بن ماهر عن مجاهد بنحوه.","vol":"5","page":604},{"text":"<span id=\"aya-2918\"></span>\n\n<span id=\"aya-2919\"></span>\n\n<span id=\"aya-2920\"></span>﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾.\nهذه صفات عباد الله المؤمنين ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾؛ أي: بسكينة ووقار من غير جبرية (^١) ولا استكبار، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ [الإسراء]، فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح، ولا أشِر ولا بِطر، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعًا ورياء، فقد كان سيد ولد آدم ﷺ إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى، شابًا يمشي رويدًا، فقال: ما بالك أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، فعلاه بالدرة وأكل وأمره أن يمشي بقوة.\nوإنما المراد بالهون هنا السكينة والوقار، كما قال رسول الله ﷺ: \"إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم منها فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا\" (^٢).\nوقال عبد الله بن المبارك: عن معمر، عن يحيى بن المختار، عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الآية، قال: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلَّت منهم -والله- الأسماع والأبصار والجوارح، حتى تحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، وإنهم والله أصحاء، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة، ولكن أبكاهم الخوف من النار، إنه من لم يتعز بعزاء الله، تقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمةً إلا في مطعم أو مشرب، فقد قل علمه وحضر عذابه (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾؛ أي: إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيء لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إلا خيرًا، كما كان رسول الله ﷺ لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلمًا، وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ [القصص]. وروى الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن النعمان بن مقرن المزني قال: قال رسول الله ﷺ، وسبَّ رجل رجلًا عنده، فجعل قال: المسبوب يقول: عليك السلام، الرجل فقال رسول الله ﷺ: \"أما إن ملكًا بينكما يذبُّ عنك، كلما شتمك هذا قال له: بل أنتَ وأنتَ أحق به، وإذا قلت له: وعليك السلام، قال: لا بل عليك وأنت أحق به\" (^٤). إسناده حسن، ولم يخرجوه.\n_________\n(^١) الجبرية: بفتِح الباء وإسكانها: التكبُّر.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي قتادة ﵁، (صحيح البخاري، الأذان، باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة ٦٣٥، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة ح ٦٠٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن المبارك، وفي سنده يحيى بن المختار وهو مستور كما في التقريب.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/ ١٥٤ ح ٢٣٧٤٥)، وقال محققوه: حسن لغيره، وقال الهيثمي: =","vol":"5","page":605},{"text":"وقال مجاهد: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ يعني: قالوا سدادًا (^١).\nوقال سعيد بن جبير: ردوا معروفًا من القول (^٢).\nوقال الحسن البصري: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ حلماء لا يجهلون إن جهل عليهم حلموا، يصاحبون عباد الله نهارهم بما يسمعون، ثم ذكر أن ليلهم خير ليل (^٣)، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾؛ أي: في طاعته وعبادته، كما قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات]، وقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾؛ أي: ملازمًا دائمًا، كما قال الشاعر:\nإن يعذب يكن غرامًا … وإن يُعط جزيلًا، فإنه لا يبالي (^٤)\nولهذا قال الحسن في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ كل شيء يصيب ابن آدم ويزول عنه، فليس بغرام، وإنما الغرام الملازم مادامت السموات والأرض (^٥)، وكذا قال سليمان التيمي (^٦).\nوقال محمد بن كعب: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ يعني: ما نعموا في الدنيا، إن الله تعالى سأل الكفار عن النعمة فلم يردوها إليه، فأغرمهم فأدخلهم النار (^٧).\n\n<span id=\"aya-2921\"></span>﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾؛ أي: بئس المنزل منظرًا، وبئس المقيل مقامًا.\nوقال ابن أبي حاتم عند قوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل له: مكانك حتى تتحف، قال: فيسقى كأسًا من سمِّ الأساود (^٨) والعقارب، قال: فيميز (^٩) الجلد على حِدة، والشعر على حِدة، والعصب على حِدة، والعروق على حِدة (^١٠).\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن\n_________\n= رجاله رجال الصحيح غير أبي خالد الوالبي وهو ثقة (مجمع الزوائد ٨/ ٧٥).\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن.\n(^٤) استشهد به الطبري ونسبه إلى الأعشى.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند حسن من طريق جعفر بن سليمان عن سليمان التيمي.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب، وموسى ضعيف كما في التقريب.\n(^٨) الأساود: جمع أسود وهو أخبث الحيات وأعظمها (ينظر الصحاح ٢/ ٤٩١).\n(^٩) أي: يعزل (الصحاح ٣/ ٨٩٧).\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح ولكنه مرسل.","vol":"5","page":606},{"text":"مجاهد، عن عبيد بن عمير قال: إن في النار لجبابًا (^١) فيها حيات أمثال البُخْت (^٢)، وعقارب أمثال البغال الدُلْم (^٣)، فإذا قذف بهم في النار خرجت إليهم من أوطانها، فأخذت بشفاههم وأبشارهم وأشعارهم، فكشطت لحومهم إلى أقدامهم، فإذا وجدت حر النار رجعت (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سلام يعني ابن مسكين، عن [أبي ظلال] (^٥)، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"إن عبدًا في جهنم لينادي ألف سنة: يا حنَّان يا منَّان، فيقول الله ﷿ لجبريل: اذهب فأتني بعبدي هذا، فينطلق جبريل فيجد أهل النار مُكبِّين يبكون، فيرجع إلى ربه ﷿ فيخبره، فيقول الله ﷿، ائتني به، فإنه في مكان كذا وكذا، فجيء به فيوقفه على ربه ﷿، فيقول له: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا ربِّ شر مكان وشر مقيل، فيقول الله ﷿ ردُّوا عبدي، فيقول: يا ربِّ ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني فيها، فيقول الله ﷿، دَعُوا عبدي\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-2922\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية؛ أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء]، وقال الإمام أحمد: حدثنا عصام بن خالد، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن [ضَمِرة] (^٧)، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: \"من فقه الرجل رفقة في معيشته\" (^٨). ولم يخرجوه.\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا مسكين بن عبد العزيز العبدي، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما عال من اقتصد\" (^٩) لم يخرجوه.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون، حدثنا سعيد بن حكيم، عن مسلم بن حبيب، عن بلال -يعني: العبسي- عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أحسن القصد في الغنى، وأحسن القصد في الفقر، وأحسن القصد في\n_________\n(^١) جبابا: جمع جُب وهو الواسعة (ينظر لسان العرب ١/ ٢٥٠).\n(^٢) البُخْت: البخْتية هي الأنثى من الجمال البخت وهي جمال طوال الأعناق (ينظر النهاية ١/ ١٠١).\n(^٣) الدُلْم: جمع أدلم وهو الأسود الطويل (النهاية ٢/ ١٣١).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: (أبي طلال).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١/ ١٠٠ ح ١٣٤١١)، وقال محققوه: إسناده ضعيف جدًا، أبو ظلال: واسمه هلال بن أبي هلال مجمع على ضعفه، وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٦٧).\n(^٧) كذا في (ح) و(حم) ومسند أحمد، وفي الأصل صحف إلى: (حمزة).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٢٦ ح ٢١٦٩٥)، وضعفه محققوه لضعف أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٣٠٢ ح ٤٢٦٩) وضعف سنده محققوه لضعف إبراهيم الهجري.","vol":"5","page":607},{"text":"العبادة\" ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة ﵁ (^١).\nوقال الحسن البصري: ليس في النفقة في سبيل الله سرف (^٢).\nوقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله تعالى، فهو سرف (^٣).\nوقال غيره: السرف النفقة في معصية الله ﷿ (^٤).\n\n<span id=\"aya-2923\"></span>\n\n<span id=\"aya-2924\"></span>﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله هو: ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ أي الذنب أكبر؟ قال: \"أن تجعل لله ندًا وهو خلقك\" قال: ثم أي: قال: \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك\" قال: ثم أي؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك\" قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (^٥)، وهكذا رواه النسائي عن هناد بن السري، عن أبي معاوية به (^٦)، وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش ومنصور زاد البخاري وواصل ثلاثتهم عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود به، فالله أعلم، ولفظهما عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ الحديث (^٧)، طريق غريب.\nقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا عامر بن مدرك، حدثنا السري يعني: ابن إسماعيل، حدثنا الشعبي، عن مسروق قال: قال عبد الله، خرج رسول الله ﷺ ذات يوم فاتبعته، فجلس على نشز من الأرض، وقعدت أسفل منه ووجهي حيال ركبتيه، واغتنمت خلوته وقلت: بأبي أنت وأُمي يا رسول الله؛ أي: الذنب أكبر؟ قال: \"أن تدعو لله ندًا وهو خلقك\" قلت: ثم مه؟ قال: \"أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك\" قلت: ثم مه؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك\" ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (المسند ح ٣٦٠٤) قال الهيثمي: رواه البزار عن سعيد بن حكيم عن مسلم بن حبيب، ومسلم هذا لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في ترجمة سعيد الراوي عنه، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٥٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة (المصنف ٩/ ٩٦) بسند حسن من طريق هشام عن الحسن.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق جعفر بن أبي إياس عن إياس بن معاوية.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٠٤ ح ٣٦١٢) وصحح سنده محققوه.\n(^٦) السنن الكبرى، التفسير، (ح ١١٣٦٨).\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢١.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن السري بن إسماعيل: متروك (التقريب ص ٢٣٠).","vol":"5","page":608},{"text":"وقال النسائي: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف [عن] (^١) سلمة بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: \"ألا إنما هي أربع\" فما أنا بأشح عليهنَّ مني منذ سمعتهنَّ من رسول الله ﷺ: \"لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن المديني ﵀، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا طيبة الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"ما تقولون في الزنا؟ \" قالوا: حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره\". قال: \"فما تقولون في السرقة؟ \" قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: \"لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره\" (^٣).\nوقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بَقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي ﷺ قال: \"ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له\" (^٤).\nوقال ابن جريج: أخبرني يعلى، عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يحدث أن ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية، ونزلت ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (^٥) الآية [الزمر: ٥٣].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي فاختة قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: \"إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو كلبك، وينهاك أن تزني بحليلة جارك\". قال سفيان: وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر﴾ الآية (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ﴿أَثَامًا﴾ وادٍ في جهنم (^٧).\nوقال عكرمة ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أودية في جهنم يعذب فيها الزناة (^٨). وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد (^٩).\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: (بن).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٣١.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٣٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (الورع ح ١٣٧)، وسنده ضعيف لضعف ابن أبي مريم وإرساله الهيثم.\n(^٥) أخرجه مسلم من طريق ابن جريج به (الصحيح، الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله ح ١٩٣).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل لأن أبا فاختة تابعي، وأخرجه البستي من طريق ابن أبي عمر العدني به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي أيوب السختياني عن عبد الله بن عمرو.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الحسين بن يزيد النحوي عن عكرمة.\n(^٩) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.","vol":"5","page":609},{"text":"وقال قتادة ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ نكالًا، كنا نحدث أنه وادٍ في جهنم (^١).\nوقد ذُكر لنا أن لقمان كان يقول: يا بني، إياك والزنا، فإن أوله مخافة وآخره ندامة (^٢).\nوقد ورد في الحديث الذي رواه ابن جرير وغيره عن أبي أُمامة الباهلي موقوفًا ومرفوعًا: أن غيًا وآثامًا بئران في قعر جهنم (^٣)، أجارنا الله منهما بمنه وكرمه.\nوقال السدي: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ جزاء (^٤)، وهذا أشبه بظاهر الآية، وبهذا فسره بما بعده مبدلًا منه، وهو قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي يكرر عليه ويغلظ ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾؛ أي: حقيرًا ذليلًا.\n\n<span id=\"aya-2925\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾؛ أي: جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبيحة ما ذكر ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ أي: في الدنيا إلى الله ﷿ من جميع ذلك، فإن الله يتوب عليه، وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وبين آية النساء ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء]، فإن هذه وإن كانت مدنية إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب لأن هذه مقيدة بالتوبة، ثم قد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨].\nقد ثبتت السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقررًا من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب، فقبلَ الله توبته، وغير ذلك من الأحاديث.\nوقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ في معنى قوله: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قولان:\n(أحدهما): أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات (^٥)، وروي عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان ينشد عند هذه الآية:\nبدلن بعد حرهِ خريفًا … وبعد طول النفس الوجيفا (^٦) (^٧)\nيعني تغيرت تلك الأحوال إلى غيرها.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة لكنه مرسل.\n(^٣) تقدم تخريجه وتضعيفه في تفسير سورة مريم آية ٥٩.\nالحسين وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق إسباط عن السدي.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) الوجيف هو: ضرب من سير الإبل والخيل (النهاية ٥/ ١٥٧).\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جابر بن يزيد عن مجاهد به، وجابر ضعيف.","vol":"5","page":610},{"text":"وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا، يكون الرجل على هيئة قبيحة ثم يبدله الله بها خيرًا (^١).\nوقال سعيد بن جبير: أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات (^٢).\nوقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيء العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصًا، وأبدلهم بالفجور إحصانًا، وبالكفر إسلامًا (^٣)، وهذا قول أبي العالية وقتادة وجماعة آخرين.\nوالقول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذلك إلا لأنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، فيوم القيامة وإن وجده مكتوبًا عليه، فإنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحَّت به الآثار المروية عن السلف ﵃، وهذا سياق الحديث:\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار، وآخر أهل الجنة دخولًا إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول نحّوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملتَ يوم كذا، كذا وكذا، وعملتَ يوم كذا، كذا وكذا، فيقول: نعم لا يستطيع أن يُنكر من ذلك شيئًا، فيقال: فإن لكَ بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب عملت أشياء لا أراها ههنا\" قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه (^٤)، انفرد بإخراجه مسلم (^٥).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثني هاشم بن يزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك، فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان وكتبهن حسنات، فإذا أراد أحدكم أن ينام فليكبر ثلاثًا وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعًا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثًا وثلاثين تسبيحة فتلك مائة\" (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سلمة وعارم، قالا: حدثنا ثابت يعني: ابن يزيد أبو زيد، حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: يعطي الرجل يوم القيامة صحيفته فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه رجل مجهول.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يونس عن الحسن.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٧٠) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ١٩٠).\n(^٦) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ٢٩٦ ح ٣٤٥١)، وسنده ضعيف لضعف محمد بن إسماعيل ولم يثبت سماعه من أبيه (ينظر مجمع الزوائد ١٠/ ١٢١).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"5","page":611},{"text":"وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سليمان بن موسى الزهري أبو داود، حدثنا أبو العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: ليأتين الله ﷿ بأناس يوم القيامة رأوا أنهم قد استكثروا من السيئات، قيل: من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات (^١).\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا أبو حمزة، عن أبي الضيف -قلت: وكان من أصحاب معاذ بن جبل- قال يدخل أهل الجنة الجنة على أربعة أصناف المتقين ثم الشاكرين ثم الخائفين ثم أصحاب اليمين قلت: لم سُمُّوا أصحاب اليمين؟ قال: لأنهم قد عملوا الحسنات والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم فقرؤوا سيئاتهم حرفًا حرفاَ، وقالوا: يا ربنا هذه سيئاتنا، فأين حسناتنا؟ فعند ذلك محا الله السيئات وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] فهم أكثر أهل الجنة (^٢).\nوقال علي بن الحسين زين العابدين ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: في الآخرة (^٣).\nوقال مكحول: يغفرها لهم فيجعلها حسنات (^٤)، رواهما ابن أبي حاتم.\nوروى ابن جرير عن سعيد بن المسيب مثله (^٥).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو جابر، أنه سمع مكحولًا لا يحدث قال: جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه، فقال: يا رسول الله، رجل غدر وفجر ولم يدع حاجة ولا داجة (^٦) إلا اقتطفها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال له رسول الله ﷺ: \"أأسلمت؟ \" فقال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، فقال النبي: \"فإن الله غافر لك ما كنت كذلك، ومبدل سيئاتك حسنات\" فقال: يا رسول الله وغدراتي وفجراتي؟ فقال: \"وغدراتك وفجراتك\" فولّى الرجل يهلّل ويُكبر (^٧).\nوروى الطبراني من حديث أبي المغيرة، عن صفوان بن عمر، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي فروة شطب (^٨) أنه أتى رسول الله ﷺ، فقال: أرأيت رجلًا عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ فقال: \"أسلمت؟ \" فقال: نعم، قال: \"فافعل الخيرات واترك السيئات، فيجعلها الله لك خيرات كلها\" قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: \"نعم\" فمازال يُكبِّر\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن سليمان بن موسى الزهري فيه لين كما في التقريب ويشهد له ما سبق من الروايات.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأبو الضيف لم أعرف من هو.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق علي بن زيد عن علي بن الحسين، وعلي بن زيد هو ابن جدعان ضعيف، ويشهد له ما سبق.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن عبد العزيز عن مكحول.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب، ويشهد له ما سبق.\n(^٦) أي: الكبيرة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات، والشيخ الكبير هو شطب المحدود أبو الطويل، كما سيأتي في الرواية التالية، قال الحافظ ابن حجر: هو على شرط الصحيح (الإصابة ٢/ ١٥٢).\n(^٨) في الأصل غير منقوط.","vol":"5","page":612},{"text":"حتى توارى (^١).\nورواه الطبراني من طريق أبي فروة الرهاوي عن ياسين الزيات، عن أبي سلمة الحمصي، عن يحيى بن جابر، عن سلمة بن نفيل مرفوعًا (^٢).\nوقال أيضًا (^٣): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان، عن فُليح الشماس، عن عُبيد بن أبي عُبيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءتني امرأة فقالت: هل لي من توبة؟ إني زنيت، وولدت وقتلته، فقلت: لا، ولا نعمت العين ولا كرامة، فقامت وهي تدعو بالحسرة، ثم صلَّيت مع النبي ﷺ الصبح، فقصصت عليه ما قالت المرأة وما قلت لها، فقال رسول الله ﷺ: \"بئسما قلت، أما تقرأ هذه الآية؟ \" ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾، فقرأتها عليها، فخرت ساجدة وقالت: الحمد الله الذي جعل لي مخرجًا (^٤).\nهذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي رجاله من لا يعرف، والله أعلم. وقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي بسنده بنحوه، وعنده: فخرجت تدعو بالحسرة وتقول: يا حسرتا أخلق هذا الحسن للنار؟ وعنده أنه لما رجع من عند رسول الله ﷺ، تطلّبها في جميع دور المدينة فلم يجدها، فلما كان من الليلة المقبلة جاءته، فأخبرها بما قال له رسول الله ﷺ، فخرت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجًا وتوبة مما عملت، وأعتقت جارية كانت معها وابنتها، وتابت إلى الله ﷿ (^٥).\n\n<span id=\"aya-2926\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن عموم رحمته بعباده، وأنه من تاب إليه منهم تاب عليه من أي ذنب كان جليلًا أو حقيرًا، كبيرًا أو صغيرًا، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾؛ أي: فإن الله يقبل توبته، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ [التوبة]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر]. أي: لمن تاب إليه.\n\n<span id=\"aya-2927\"></span>﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾.\nوهذه أيضًا من صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور، قيل: هو الشرك وعبادة الأصنام، وقيل: الكذب والفسق والكفر واللغو والباطل.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني من طريق المغيرة به، (المعجم الكبير ٧/ ٣١٤ ح ٧٢٣٥)، ويشهد له سابقه.\n(^٢) المعجم الكبير ٧/ ٥٣، ويشهد له ما سبق.\n(^٣) أي: ابن أبي حاتم القائل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عيسى بن شعيب فيه لين، وعبيد بن أبي عبيد مقبول كما في التقريب.\n(^٥) أخرجه الطبري، وسنده كسابقه.","vol":"5","page":613},{"text":"وقال محمد بن الحنفية: هو اللغو والغناء (^١).\nوقال أبو العالية وطاوس وابن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم: هي أعياد المشركين (^٢).\nوقال عمرو بن قيس، هي مجالس السوء والخنا (^٣).\nوقال مالك عن الزهري: شرب الخمر لا يحضرونه ولا يرغبون فيه، كما جاء في الحديث: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر\".\nوقيل المراد بقوله تعالى: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾؛ أي: شهادة الزور، وهي الكذب متعمدًا على غيره، كما في الصحيحين عن أبي بَكرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ \" ثلاثًا، قلنا: بلى يا رسول الله. قال: \"الشرك بالله وعقوق الوالدين\" وكان متكئًا، فجلس فقال: \"ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور\" فمازال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (^٤).\nوالأظهر من السياق أن المراد لا يشهدون الزور أي: لا يحضرونه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾؛ أي: لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مروا ولم يتدنَّسوا منه بشيء، ولهذا قال: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو الحسن العجلي، عن محمد بن مسلم، أخبرني إبراهيم بن ميسرة، أن ابن مسعود مرَّ بلهو معروضًا، فقال رسول الله ﷺ: \"لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريمًا\" (^٥).\nوحدثنا الحسين بن محمد بن سلمة النحوي، حدثنا حبان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد بن مسلم، أخبرني ميسرة قال: بلغني أن ابن مسعود مرَّ بلهو معرضًا فلم يقف، فقال رسول الله ﷺ: \"لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريمًا\". ثم تلا إبراهيم بن ميسرة: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (^٦).\n\n<span id=\"aya-2928\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ وهذه أيضًا من صفات المؤمنين ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، بخلاف الكافر، فإنه إذا سمع كلام الله لا يؤثِّر فيه ولا يتغيَّر عما كان عليه بل يبقى مستمرًا على كفره وطغيانه وجهله وضلاله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، فقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾؛ أي: بخلاف الكافر الذي إذا سمع آيات الله فلا تؤثّر فيه، فيستمر على حاله كأن لم يسمعها أصمٌ أعمى.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه إسماعيل بن سليمان الأزرق وهو ضعيف كما في التقريب.\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند الأقوال الضحاك فقد أسنده.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق مسلمة بن جعفر البجلي عن عمرو بن قيس.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٣١.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن إبراهيم بن ميسرة لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وهو كسابقه.","vol":"5","page":614},{"text":"قال مجاهد قوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ قال: لم يسمعوا ولم يبصروا ولم يفقهوا شيئًا (^١).\nوقال الحسن البصري ﵁: كم من رجل يقرؤها ويخرُّ عليها أصمٌ أعمى (^٢).\nوقال قتادة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ يقول: لم يصمُّوا عن الحق ولم يعموا فيه، فهم والله قوم عقلوا عن الحق وانتفعوا بما سمعوا من كتابه (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أُسيد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن حمران، حدثنا ابن عون قال سألت الشعبي قلت: الرجل يرى القوم سجودًا ولم يسمع ما سجدوا، أيسجد معهم؟ قال: فتلا هذه الآية (^٤): ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ يعني أنه لا يسجد معهم، لأنه لم يتدبر أمر السجود، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة بل يكون على بصيرة من أمره ويقين واضح بين.\n\n<span id=\"aya-2929\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ يعني: الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم من ذرِّياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له.\nقال ابن عباس: يعنون من يعمل بطاعة الله فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة (^٥).\nقال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالًا، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين (^٦).\nوسئل الحسن البصري عن هذه الآية فقال: أن يري الله العبد المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة الله، لا والله لا شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولدًا أو ولد ولد أو أخًا أو حميمًا مطيعًا لله ﷿ (^٧).\nقال ابن جريج في قوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قال: يعبدونك فيحسنون عبادتك ولا يجرون علينا الجرائر (^٨).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني يسألون الله تعالى لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا [يعمر] (^٩) بن بشر، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا، فمرَّ به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللَّتين رأتا رسول الله ﷺ لودِدنا أنا رأينا ما رأيت\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي الأشهب عن الحسن.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) وأخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني وهو ضعيف.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق كثير بن زياد عن الحسن.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.\n(^٩) كذا في (ح) و(حم) ومسند الإمام أحمد، وفي الأصل صُحف إلى: (معمر).","vol":"5","page":615},{"text":"وشهدنا ما شهدت، فاستغضب المقداد، فجعلت أعجب لأنه ما قال إلا خيرًا، ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرًا غيبه الله عنه لا يدري لو شهده كيف يكون فيه، والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقوام أكبَّهم الله على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه، أو لا تحمدون الله إذ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعرفون إلا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم قد كفيتم البلاء بغيركم؟ لقد بعث الله النبي ﷺ على أشدّ حال بعث عليها نبيًا من الأنبياء في فترة جاهلية، ما يرون أن دينًا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرَّق به بين الحق والباطل، وفرَّق بين الوالد وولده، إن كان الرجل ليرى والده وولده أو أخاه كافرًا وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقرُّ عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وأنها التي قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (^١) وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه.\nوقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قال ابن عباس والحسن والسدي وقتادة والربيع بن أنس: أئمة يقتدى بنا في الخير (^٢). وقال غيرهم: هداة مهتدين دعاة إلى الخير، فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعديًا إلى غيرهم بالنفع، وذلك أكثر ثوابًا، وأحسن مآبًا، ولهذا ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعده، أو صدقة جارية\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-2930\"></span>﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾.\nلمّا ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من الصفات الجميلة، والأقوال والأفعال الجليلة، قال بعد ذلك كله ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المتصفون بهذه ﴿يُجْزَوْنَ﴾ يوم القيامة ﴿الْغُرْفَةَ﴾ وهي: الجنة.\nقال أبو جعفر الباقر وسعيد بن جبير والضحاك والسدي (^٤)، سُمِّيت بذلك لارتفاعها ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾؛ أي: على القيام بذلك ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾؛ أي: يبتدرون فيها بالتحية والإكرام، ويلقون التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام، فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.\n\n<span id=\"aya-2931\"></span>وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: مقيمين لا يظعنون ولا يحولون ولا يموتون ولا يزولون عنها ولا يبغون\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/ ٢٣٠ ح ٢٣٨١٠)، وصحح سنده محققوه. وكذا الحافظ ابن كثير.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه بنحوه، وبقية التابعين ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٨.\n(^٤) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند إلا قول الضحاك فأخرجه بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.","vol":"5","page":616},{"text":"عنها حولًا، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود].\nوقوله تعالى: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾؛ أي: حَسُنت منظرًا وطابت مقيلًا ومنزلًا، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾؛ أي: لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه، فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بُكرة وأصيلًا.\n\n<span id=\"aya-2932\"></span>قال مجاهد وعمرو بن شعيب ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ يقول: ما يفعل بكم ربي (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ يقول: لولا إيمانكم. وأخبر تعالى الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبَّب إليهم الإيمان كما حبَّبه إلى المؤمنين (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أيها الكافرون ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾؛ أي: فسوف يكون تكذيبكم لزامًا لكم، يعني مقتضيًا لعذابكم وهلاككم ودماركم في الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك يوم بدر، كما فسره بذلك عبد الله بن مسعود وأُبي بن كعب ومحمد بن كعب القرظي ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم (^٣).\nوقال الحسن البصري: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي: يوم القيامة (^٤)، ولا منافاة بينهما، والله أعلم.\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عمرو بن شعيب أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي يعلى عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند إلا خبر السدي أخرجه بسند حسن من طريق إسرائيل عن السدي عن أبي مالك، وأما قول ابن مسعود فقد أخرجه النسائي بسند صحيح من طريق مسروق عنه (السنن الكبرى، التفسير) وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.","vol":"5","page":617},{"text":"<span data-type='title' id=toc-138>سُورَةُ الشُّعَرَاءِ</span>\nوهي مكية\nووقع في تفسير مالك المروي عنه تسميتها سورة الجامعة.\n\n<span id=\"aya-2933\"></span>\n\n<span id=\"aya-2934\"></span>﷽\n﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾.\nأما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تكلمنا عليه في أول تفسير سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾؛ أي: هذه آيات القرآن المبين، أي البيّن الواضح الجلي الذي يفصل بين الحق والباطل، والغي والرشاد.\n\n<span id=\"aya-2935\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾؛ أي: مُهلك ﴿نَفْسَكَ﴾؛ أي: مما تحرص وتحزن عليهم ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وهذه تسلية من الله لرسوله ﷺ في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، كقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف]. قال مجاهد وعكرمة وقتادة وعطية والضحاك والحسن وغيرهم: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾؛ أي: قاتل نفسك (^١).\nقال الشاعر:\nألا أيهذا الباخع الحزن نفسه … لشيء نَحَتهُ عن يديه المقادر (^٢)\n\n<span id=\"aya-2936\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾؛ أي: لو نشاء لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإيمان قهرًا، ولكنَّا لا نفعل ذلك لأنَّا لا نريد من أحد إلا الإيمان الاختياري. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ [يونس]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية [هود: ١١٨]، فنفذ قدره،\n_________\n(^١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول مجاهد أخرجه بسند ضعيف من طريق أبي يحيى القتات عنه، وأبو القتات فيه لين ويتقوى بقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^٢) استشهد به الطبري ونسبه إلى ذي الرُّمة.","vol":"5","page":618},{"text":"ومضت حكمته، وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم.\n\n<span id=\"aya-2937\"></span>\n\n<span id=\"aya-2938\"></span>\n\n<span id=\"aya-2939\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥)﴾؛ أي: كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف]، وقال تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ الآية [المؤمنون: ٤٤]، ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦)﴾ أي: فقد كذبوا بما جاءهم من الحق، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء]، ثم نبَّه تعالى على عظمة سلطانه وجلالة قدره وشأنه، الذين اجترؤوا على مخالفة رسوله وتكذيب كتابه، وهو القاهر العظيم القادر الذي خلق الأرض وأنبت فيها من كل زوج كريم من زروع وثمار وحيوان.\nقال سفيان الثوري عن رجل عن الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم (^١).\n\n<span id=\"aya-2940\"></span>\n\n<span id=\"aya-2941\"></span>﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾؛ أي: دلالة على قدرة الخالق للأشياء الذي بسط الأرض ورفع بناء السماء، ومع هذا ما آمن أكثر الناس بل كذبوا به وبرسله وكتبه، وخالفوا أمره، وارتكبوا نهيه. وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الذي عزَّ كل شيء وقهره وغلبه ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: بخلقه فلا يعجل على من عصاه بل يؤجله وينظره، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.\nقال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس وابن إسحاق: العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف أمره وعبد غيره (^٢).\nوقال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب (^٣).\n\n<span id=\"aya-2942\"></span>\n\n<span id=\"aya-2943\"></span>\n\n<span id=\"aya-2944\"></span>\n\n<span id=\"aya-2945\"></span>﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾.\nيخبر تعالى عما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇ حين ناداه من جانب الطور الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه، ولهذا قال تعالى:\n_________\n(^١) سنده ضعيف لإبهام شيخ الثوري.\n(^٢) قول أبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول ابن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه، وقول قتادة والربيع بن أنس ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند، وسند الربيع يدخل في سند أبي العالية المتقدم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.","vol":"5","page":619},{"text":"﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ هذه أعذار سأل الله إزاحتها عنه، كما قال في سورة طه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦)﴾ [طه].\n\n<span id=\"aya-2946\"></span>\n\n<span id=\"aya-2947\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾؛ أي: بسبب قتل ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر ﴿قَالَ كَلَّا﴾؛ أي: قال الله له: لا تخف من شيء من ذلك كقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ أي: برهانًا، ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ كقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]؛ أي: إنني معكما بحفظي وكلائتي ونصري وتأييدي.\n\n<span id=\"aya-2948\"></span>\n\n<span id=\"aya-2949\"></span>\n\n<span id=\"aya-2950\"></span>\n\n<span id=\"aya-2951\"></span>\n\n<span id=\"aya-2952\"></span>﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ كقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]؛ أي: كل منا أرسل إليك ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾؛ أي: أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنَّهم عباد الله المؤمنون وحزبه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين، فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون هنالك بالكلية، ونظر إليه بعين الازدراء والغمص، فقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا [مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾؛ أي: أما أنت الذي ربيناه] (^١) فينا وفي بيتنا وعلى فراشنا، وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك الفعلة أن قتلت منا رجلًا، وجحدت نعمتنا عليك، ولهذا قال ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: الجاحدين قاله ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم واختاره ابن جرير: (قال فعلتها إذًا)؛ أي: في تلك الحال ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: قبل أن يوحى إلي وينعم الله علي بالرسالة والنبوة.\nقال ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: الجاهلين (^٢).\n\n<span id=\"aya-2953\"></span>قال ابن جريج: وهو كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود ﵁ ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)﴾ (^٣)؛ أي انفصل الحال الأول وجاء أمر آخر، فقد أرسلني الله إليك فإن أطعته سلمت، وإن خالفته عطبت،\n\n<span id=\"aya-2954\"></span>ثم قال موسى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾؛ أي: وما أحسنت إليَّ وربّيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل فجعلتهم عبيدًا وخدمًا تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفيَفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم، أي ليس ما ذكرته شيئًا بالنسبة إلى ما فعلت بهم.\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن ابن مسعود: (وأنا من الجاهلين)، وهي قراءة شاذة تفسيرية، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن مسعود.","vol":"5","page":620},{"text":"<span id=\"aya-2955\"></span>\n\n<span id=\"aya-2956\"></span>\n\n<span id=\"aya-2957\"></span>\n\n<span id=\"aya-2958\"></span>﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن كفر فرعون وتمرده وطغيانه وجحوده في قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وذلك أنه كان يقول لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤]، وكانوا يجحدون الصانع جلَّ وعلا، ويعتقدون أنه لا ربَّ لهم سوى فرعون، فلما قال له موسى: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦]. قال له فرعون: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه] (^١) ومن زعمَ من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط، فإنَّه لم يكن مقرًّا بالصانع حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحدًا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك قال موسى لما سأله عن ربِّ العالمين ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: خالق جميع ذلك ومالكه والمتصرف فيه، وإلهه لا شريك له، هو الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقِفار وجبال وأشجار وحيوانات ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطير، وما يحتوي عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون ذليلون.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾؛ أي: إن كانت لكم قلوب موقنة وأبصار نافذة، فعند ذلك التفتَ فرعون إلى مَن حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلًا لهم على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾؛ أي: ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه أن لكم إلهًا غيري؟\nفقال لهم موسى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: خالقكم وخالق آبائكم الأولين، الذين كانوا قبل فرعون وزمانه.\n\n<span id=\"aya-2959\"></span>\n\n<span id=\"aya-2960\"></span>﴿قَالَ﴾؛ أي: فرعون لقومه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾؛ أي: ليس له عقل في دعواه أن ثم ربًّا غيري. ﴿قَالَ﴾؛ أي: موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشُبهة، فأجاب موسى بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: هو الذي جعل المشرق مشرقًا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربًا تغرب فيه الكواكب: ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سخّرها فيه وقدرها، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقًا، فليعكس الأمر وليجعل المشرق مغربًا والمغرب مشرقًا، كما أخبر تعالى عن ﴿الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، ولهذا لما غلب فرعون وانقطعت حجته، عدَل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى ﵇، فقال ما أخبر الله تعالى عنه:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"5","page":621},{"text":"<span id=\"aya-2961\"></span>\n\n<span id=\"aya-2962\"></span>﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾.\nلمّا قامت الحجة على فرعون بالبيان والعقل، عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه، وظنَّ أنه ليس وراء هذا المقام مقال، فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ فعند ذلك قال موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾؟ أي: ببرهان قاطع واضح\n\n<span id=\"aya-2963\"></span>\n\n<span id=\"aya-2964\"></span>﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢)﴾؛ أي: ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة، ذات قوائم، وفم كبير، وشكل هائل مزعج\n\n<span id=\"aya-2965\"></span>\n\n<span id=\"aya-2966\"></span>\n\n<span id=\"aya-2967\"></span>﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾؛ أي: من جيبه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾؛ أي: تتلألأ كقطعة من القمر، فبادر فرعون بشقاوته إلى التكذيب والعناد، فقال للملإ حوله ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: فاضل بارع في السحر، فروَّج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة، ثم هيَّجهم وحرضَّهم على مخالفته والكفر به، فقال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾؛ أي: [أراد] (^١) أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه، ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم، فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به؟\n\n<span id=\"aya-2968\"></span>\n\n<span id=\"aya-2969\"></span>﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾؛ أي: أَخِّره وأخاه حتى تجمح له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحَّار عليم يقابلونه، ويأتون بنظير ما جاء به، فتغلبه أنت، وتكون لك النصرة والتأييد، فأجابهم إلى ذلك. وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك ليجتمع الناس في صعيد واحد، وتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة.\n\n<span id=\"aya-2970\"></span>\n\n<span id=\"aya-2971\"></span>﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾.\nذكر الله تعالى هذه المناظرة الفعلية بين موسى ﵇ والقِبط في سورة الأعراف، وفي سورة طه، وفي هذه السورة، وذلك أنَّ القبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتمَّ نوره ولو كره الكافرون، وهذا شأن الكفر والإيمان ما تواجها وتقابلا إلّا غلبه الإيمان ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء] ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء]، ولهذا لما كان السحرة وقد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر، وكانوا إذ ذاك من أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تخييلًا في ذلك، وكان السحرة جمعا كثيرًا وجمًا غفيرًا، قيل: كانوا اثني عشر ألفًا، وقيل: خمسة عشر ألفًا، وقيل: سبعة عشر ألفًا،\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"5","page":622},{"text":"وقيل: تسعة عشر ألفًا، وقيل: بضعة وثلاثين ألفًا، وقيل: ثمانين ألفًا، وقيل: غير ذلك، والله أعلم بعدتهم.\n\n<span id=\"aya-2972\"></span>قال ابن إسحاق: وكان أمرهم راجعًا إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم، وهم: سابور، وعاذور، وحطحط، ويصفى، واجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ ولم يقولوا نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم\n\n<span id=\"aya-2973\"></span>﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾؛ أي: إلى مجلس فرعون، وقد ضربوا له وطاقًا، وجمع خدمه وحشمه ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته، فقام السحرة بين يديّ فرعون يطلبون منه الإحسان إليهم والتقرب إليه إن غلبوا؛ أي: هذا الذي جمعتنا من أجله، فقالوا ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١)﴾\n\n<span id=\"aya-2974\"></span>\n\n<span id=\"aya-2975\"></span>﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾؛ أي: وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي؛ فعادوا إلى مقام المناظرة ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه: ٦٥، ٦٦] وقد اختصر هذا ههنا، فقال لهم موسى: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣)﴾\n\n<span id=\"aya-2976\"></span>\n\n<span id=\"aya-2977\"></span>\n\n<span id=\"aya-2978\"></span>\n\n<span id=\"aya-2979\"></span>\n\n<span id=\"aya-2980\"></span>﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ وهذا كما تقول الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئًا هذا بثواب فلان، وقد ذكر الله تعالى في سورة الأعراف ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [١١٦]. وقال في سورة طه: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ وقال ههنا: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾؛ أي: تخطفه وتجمعه من كل بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئًا.\nقال الله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف] فكان هذا أمرًا عظيمًا جدًا، وبرهانًا قاطعًا للعذر، وحجَّة دامغة، وذلك أن الذي استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا، غلبوا وخضعوا، وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، سجدوا لله رب العالمين الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة، فغلب فرعون غلبًا لم يشاهد العالم مثله، وكان وقحًا جريئًا، عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل، فشرع يتهدَّدهم ويتوعَّدهم ويقول: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣].\n\n<span id=\"aya-2981\"></span>[﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾].\nتهدَّدهم فلم يقطع ذلك فيهم، وتوعَّدهم فما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا، وذلك إنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر، وظهر لهم الحقُّ بعلمهم ما جهل قومهم من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر إلا أن يكون الله قد أيده به، وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه، ولهذا لما قال لهم فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾؟ أي: كان ينبغي أن تستأذنوني فيما","vol":"5","page":623},{"text":"فعلتم، ولا تفتاتوا علي في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم فإني أنا الحاكم المطاع ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهذه مكابرة يعلم كل أحد بطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل.\n\n<span id=\"aya-2982\"></span>\n\n<span id=\"aya-2983\"></span>ثم توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب فقالوا: ﴿لَا ضَيْرَ﴾؛ أي: لا حرج، ولا يضرنا ذلك، ولا نبالي به ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: المرجع إلى الله ﷿، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء، ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾؛ أي: ما قارفنا من الذنوب وما أكرهتنا عليه من السحر ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بسبب أنا بادرنا قومنا من القِبط إلى الإيمان. فقتلهم كلَّهم.\n\n<span id=\"aya-2984\"></span>\n\n<span id=\"aya-2985\"></span>﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾.\nلما طال مقام موسى ﵇ ببلاد مصر، وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبقَ لهم إلا العذاب والنَكال، فأمر الله تعالى موسى ﵇ أن يخرج ببني إسرائيل ليلًا من مصر، وأن يمضي بهم حيث يؤمر، ففعل موسى ﵇ ما أمره به ربه ﷿، خرج بهم بعد ما استعاروا من قوم فرعون حليًا كثيرًا، وكان خروجه بهم فيما ذكره غير واحد من المفسرين وقت طلوع القمر.\nوذكر مجاهد ﵀ أنه كسف القمر تلك (^١) الليلة، فالله أعلم، وأن موسى ﵇ سأل عن قبر يوسف ﵇، فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم، ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه ﵇، وكان يوسف ﵇ قد أوصى بذلك، إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم.\nوقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم ﵀ فقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا [ابن فضيل] (^٢)، عن يونس بن أبي إسحاق، عن ابن أبي بردة، عن أبيه، أبي موسى قال: نزل رسول الله ﷺ بأعرابي فأكرمه، فقال له رسول الله ﷺ: \"تعاهدنا؟ \" فأتاه الأعرابي، فقال له رسول الله ﷺ:\"ما حاجتك؟ \" قال: ناقة برحلها وأعنز يحتلبها أهلي، فقال: \"أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟ \" فقال له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال: \"إن موسى ﵇ لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضلَّ الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحدثك أن يوسف ﵇ لما حضرته الوفاة أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى: فأيَّكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل، فأرسل إليها فقال لها: دلِّيني على قبر يوسف، فقالت: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، فقال لها: وما حكمك؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: \"ابن فضل\".","vol":"5","page":624},{"text":"قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة، فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له: أعطها حكمها -قال- فانطلقت معهم إلى بحيرة -مستنقع ماء- فقالت لهم: انضبوا هذا الماء، فلما أنضبوه قالت: احفروا، فلما حفروا استخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار\" (^١) وهذا حديث غريب جدًا، والأقرب أنه موقوف، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-2986\"></span>\n\n<span id=\"aya-2987\"></span>\n\n<span id=\"aya-2988\"></span>فلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب، غاظ ذلك فرعون، واشتدَّ غضبه على بني إسرائيل لما يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعًا في بلاده حاشرين؛ أي: من يحشر الجند ويجمعه كالنقباء والحجاب، ونادى فيهم ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: بني إسرائيل ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾؛ أي: لطائفة قليلة ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥)﴾؛ أي: كل وقت يصل منهم إلينا ما يغيظنا ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾؛ أي: نحن كل وقت نحذر من غائلتهم، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم، وأبيد خضراءهم، فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم،\n\n<span id=\"aya-2989\"></span>\n\n<span id=\"aya-2990\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾؛ أي: فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم، وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق، والملك والجاه الوافر في الدنيا\n\n<span id=\"aya-2991\"></span>﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص].\n\n<span id=\"aya-2992\"></span>﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾.\nذكر غير واحد من المفسرين أن فرعون خرج في جحفل عظيم وجمع كبير، هو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه، أولي الحلِّ والعقد والدول من الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء والجنود، فأما ما ذكره غير واحد من الإسرائيليات من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس ومنها مائة ألف على خيل دهم.\nوقال كعب الأحبار: فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم (^٢)، وفي ذلك نظر، والظاهر أن ذلك من مجازفات بني إسرائيل، والله ﷾ أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده يونس: صدوق يهم قليلًا ولعله هو الذي رفع الحديث، وأخرجه ابن حبان (موارد الظمآن ح ٢٤٣٥)، والحاكم كلاهما من طريق محمد بن فضيل به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٧١)، وأخرجه أبو يعلى وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ١٧٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب بلفظ: \"على =","vol":"5","page":625},{"text":"والذي أخبر به القرآن هو النافع، ولم يعين عدتهم إذ لا فائدة تحته، ألا أنهم خرجوا بأجمعهم.\n﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾؛ أي: وصلوا إليهم عند شروق الشمس، وهو طلوعها،\n\n<span id=\"aya-2993\"></span>﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾؛ أي: رأى كل من الفريقين صاحبه، فعند ذلك ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ وذلك أنهم انتهى بهم السير إلى سيف البحر (^١)، وهو بحر القلزم (^٢)، فصار أمامهم البحر وقد أدركهم فرعون بجنوده، فلهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾\n\n<span id=\"aya-2994\"></span>\n\n<span id=\"aya-2995\"></span>﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾؛ أي: لا يصل إليكم شيء مما تحذرون، فإن الله سبحانه هو الذي أمرني أن أسير ههنا بكم، وهو ﷾ لا يخلف الميعاد، وكان هارون ﵇ في المقدمة، ومعه يوشع بن نون، ومؤمن آل فرعون، وموسى ﵇ في الساقة، وقد ذكر غير واحد من المفسرين أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون، وجعل يوشع بن نون أو مؤمن آل فرعون، يقول لموسى ﵇: يا نبي الله ههنا أمرك ربك أن تسير؟ فيقول: نعم، فاقترب فرعون وجنوده ولم يبقَ إلا القليل، فعند ذلك أمر الله نبيه موسى ﵇ أن يضرب بعصاه البحر، فضربه وقال: انفلق بإذن الله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد، حدثنا محمد بن حمزة بن محمد بن يوسف، عن عبد الله بن سلام أن موسى ﵇ لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كلِّ شيء، والمكوّن لكلِّ شيء، والكائن بعد كلِّ شيء، اجعل لنا مخرجًا، فأوحى الله إليه ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ (^٣).\nوقال قتادة: أوحى الله تلك الليلة إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع، فبات البحر تلك الليلة وله اضطراب، ولا يدري من أي جانب يضربه موسى، فلما انتهى إليه موسى، قال له فتاه يوشع بن نون: يا نبي الله أين أمرك ربك ﷿؟ قال: أمرني أن أضرب البحر، قال: فاضربه (^٤).\nوقال محمد بن إسحاق، أوحى الله -فيما ذُكر لي- إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له، قال: فبات البحر يضطرب ويضرب بعضه بعضًا فرقًا من الله تعالى، وانتظارًا لما أمره الله، وأوحى الله إلى موسى ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فضربه بها، ففيها سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق (^٥)، ذكر غير واحد أنه جاء فكنَّاه، فقال: انفلق عليّ [أبا خالد] (^٦) بحول الله.\nقال الله تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: كالجبل الكبير، قاله ابن مسعود وابن عباس ومحمد بن كعب والضحاك وقتادة وغيرهم (^٧).\n_________\n= سبعين ألفًا من دُهُم الخيل\"، والخبر من الإسرائيليات.\n(^١) أي: شاطئ البحر.\n(^٢) أي: البحر الأحمر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٤) أخرج ابن أبي حاتم جزء منه بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق.\n(^٦) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا خبر ابن عباس فقد أخرجه بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.","vol":"5","page":626},{"text":"وقال عطاء الخراساني: هو الفجّ بين الجبلين (^١).\nوقال ابن عباس: صار البحر اثني عشر طريقًا لكل سبط طريق (^٢).\nوزاد السدي: وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حيلة كالحيطان. وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته، فصار يبسًا كوجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ (^٣) [طه: ٧٧].\n\n<span id=\"aya-2996\"></span>وقال في هذه القصة ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾؛ أي: هنالك. قال ابن عباس وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ أي: قرَّبنا من البحر فرعون وجنوده، وأدنيناهم إليه (^٤)\n\n<span id=\"aya-2997\"></span>\n\n<span id=\"aya-2998\"></span>﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾؛ أي: أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن اتبعهم على دينهم، فلم يهلك منهم أحد، وأغرق فرعون وجنوده فلم يبق منهم رجل إلا هلك.\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله هو: ابن مسعود أن موسى ﵇ حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك، فأمر بشاة فذبحت، وقال: لا والله لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القِبط، فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر، فقال له: انفرق، فقال له البحر: قد استكبرت يا موسى، وهل انفرقت لأحد من ولد آدم، فأنفرق لك؟ قال: ومع موسى رجل على حصان له، فقال له ذلك الرجل، أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه، قال: والله ما كذب ولا كذبت، ثم اقتحم الثانية فسبح ثم خرج، فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه. قال: والله ما كذب ولا كذبت، قال: فأوحى الله إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر فضربه موسى بعصاه، فانفلق، فكان فيه اثنا عشر سبطًا لكل سبط طريق يتراءون، فلما خرج أصحاب موسى، وتتام أصحاب فرعون، التقى البحر عليهم فأغرقهم (^٥).\nوفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: فلما خرج آخر أصحاب موسى، وتكامل أصحاب فرعون، انطمَّ عليهم البحر، فما رُئي سواد أكثر من يومئذٍ، وغرق فرعون (^٦) لعنه الله.\n\n<span id=\"aya-2999\"></span>\n\n<span id=\"aya-3000\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾؛ أي: في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين، لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ تقدم تفسيره.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، وعثمان ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه أبو سعد الأعول وهو ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بلفظ: \"كهيئة الطيقان\".\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني عنه، وقول عطاء أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به، وسنده حسن.","vol":"5","page":627},{"text":"<span id=\"aya-3001\"></span>\n\n<span id=\"aya-3002\"></span>﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾.\nهذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم ﵇ إمام الحنفاء، أمر الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ أن يتلوه على أُمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبري من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل؛ أي: من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشب أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله ﷿: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠)﴾؛ أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟\n\n<span id=\"aya-3003\"></span>﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)﴾ أي: مقيمين على عبادتها ودعائها\n\n<span id=\"aya-3004\"></span>\n\n<span id=\"aya-3005\"></span>\n\n<span id=\"aya-3006\"></span>\n\n<span id=\"aya-3007\"></span>\n\n<span id=\"aya-3008\"></span>\n\n<span id=\"aya-3009\"></span>﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾ يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يهرعون، فعند ذلك قال لهم إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾؛ أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير، فلتخلص إلي بالمساءة، فإني عدو لها لا أبالي بها ولا أفكر فيها، وهذا كما قال تعالى مخبرًا عن نوح ﵇: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١]، وقال هود ﵇: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود]، وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم فقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٨١]. وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزخرف]، يعني: لا إله إلا الله.\n\n<span id=\"aya-3010\"></span>\n\n<span id=\"aya-3011\"></span>﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾.\nيعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾؛ أي: هو الخالق الذي قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على ما قدر له، وهو الذي يهدي من يشاء ويضلُّ من يشاء ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)﴾؛ أي: هو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المُزن، وأنزل الماء وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقًا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالًا يسقيه مما خلق أنعامًا وأناسي كثيرًا.\n\n<span id=\"aya-3012\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبًا، كما قال تعالى آمرًا للمصلي أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ","vol":"5","page":628},{"text":"الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة]، فأسند الإنعام والهداية إلى الله تعالى، والغضب حذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن]، وكذا قال إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾؛ أي: إذا وقعت في مرض، فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه\n\n<span id=\"aya-3013\"></span>﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)﴾؛ أي: هو الذي يحيي ويميت لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد\n\n<span id=\"aya-3014\"></span>﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ أي: لا يقدر على غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعَّال لما يشاء.\n\n<span id=\"aya-3015\"></span>﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾.\nوهذا سؤال من إبراهيم ﵇ أن يؤتيه ربه حكمًا. قال ابن عباس: وهو العلم (^١).\nوقال عكرمة: هو اللّب (^٢) (^٣).\nوقال مجاهد: هو القرآن (^٤).\nوقال السدي: هو النبوة (^٥).\nوقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾؛ أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي ﷺ عند الاحتضار: \"اللَّهم في الرفيق الأعلى\" (^٦). قالها ثلاثًا.\nوفي الحديث في الدعاء: \"اللَّهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مبدلين\" (^٧).\n\n<span id=\"aya-3016\"></span>وقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾؛ أي: واجعل لي ذكرًا جميلًا بعدي أذكر به ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠)﴾ [الصافات].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف جدًا فيه مطر بن ميمون وهو متروك كما في التقريب.\n(^٢) أي: العقل.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل بن مسلم عن عكرمة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط السدي.\n(^٦) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂ (صحيح البخاري، الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءَه ح ٦٥٠٩، وصحيح مسلم، السلام، باب استحباب رقية المريض ح ٢١٩١).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبيد الزرقي ﵁ (المسند ٢٤/ ٢٤٦، ٢٤٧ ح ١٥٤٩٢)، وقال محققوه: رجاله ثقات، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح ٦٩٩)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٥٣٨)، وأخرجه الحاكم وصححه واستدرك عليه الذهبي بقوله: والحديث مع نظافة إسناده منكر، أخاف أن يكون موضوعًا (المستدرك ١/ ٥٠٦).","vol":"5","page":629},{"text":"قال مجاهد وقتادة: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ يعني: الثناء الحسن (^١).\nقال مجاهد: [كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ١٢٢]] وكقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (^٢) [العنكبوت: ٢٧].\nوكقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢].\nقال ليث بن أبي سُليم: كلُّ مِلَّة تحبه وتتولاه (^٣)، وكذا قال عكرمة.\n\n<span id=\"aya-3017\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾؛ أي: أنعم عليّ في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم.\n\n<span id=\"aya-3018\"></span>وقوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾، كقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [إبراهيم: ٤١] وهذا مما رجع عنه إبراهيم ﵇، كما قال تعإلى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة] وقد قطع تعالى الإلحاق في استغفاره لأبيه فقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤].\n\n<span id=\"aya-3019\"></span>وقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)﴾؛ أي: أجرني من الخزي يوم القيامة يوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم. قال البخاري عند هذه الآية: قال إبراهيم بن طهمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغَبَرة والقَتَرة\" (^٤).\nحدثنا إسماعيل، حدثنا أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا ربّ إنك وعدتني أنك لا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين\" (^٥) هكذا رواه عند هذه الآية. وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفردًا به، ولفظه: \"يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصيني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا ربِّ إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم انظر تحت رجلك، فينظر، فإذا هو بذيخ (^٦) متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار\" (^٧).\nوقال عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير: وقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)﴾\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه ابن أبى حاتم بسند جيد من طريق الحكم بن عتيبة عنه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حسين الجعفي عن ليث.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه هكذا معلقًا (الصحيح، التفسير، سورة الشعراء، باب ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] ح ٤٧٦٨) وفد وصله البخاري كما في الحديث التالي والذي يليه.\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٧٦٩).\n(^٦) الذيخ: هو ذكر الضباع (النهاية ٢/ ١٧٤).\n(^٧) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].","vol":"5","page":630},{"text":"أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة، وقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني، قال: لكني اليوم لا أعصيك واحدة، قال: يا رب وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فإن أخزيت أباه فقد أخزيت الأبعد. قال: يا إبراهيم إني حرمتها على الكافرين فأخذ منه. قال: يا إبراهيم أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني، قال: انظر أسفل منك، فنظر، فإذا [ذيخ] (^١) يتمرغ في نتنه، فأخذ بقوائمه فألقي في النار\" وهذا إسناد غريب، وفيه نكارة، والذيخ هو الذكر من الضباع، كأنه حول آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته فيلقى في النار كذلك (^٢)، وقد رواه البزار بإسناده من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (^٣) وفيه غرابة، ورواه أيضًا من حديث قتادة، عن جعفر بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ بنحوه (^٤).\n\n<span id=\"aya-3020\"></span>\n\n<span id=\"aya-3021\"></span>وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾؛ أي: لا يقي المرء من عذاب الله ماله ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا ﴿وَلَا بَنُونَ﴾؛ أي: ولو افتدى بمن على الأرض جميعًا، ولا ينفع يومئذٍ إلا الإيمان بالله وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك وأهله، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾؛ أي: سالم من الدنس والشرك.\nقال ابن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور (^٥).\nوقال ابن عباس: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ حَييَ أن يشهد أن لا إله إلا الله (^٦).\nوقال مجاهد والحسن وغيرهما ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يعني: من الشرك (^٧).\nوقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب المنافق مريض، قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠].\nقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب السالم من البدعة، المطمئن إلى السنة.\n\n<span id=\"aya-3022\"></span>﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾.\n﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي: قرُبت وأُدنيت من أهلها مزخرفة مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) والسنن الكبرى للنسائي، وفي الأصل صُحف إلى: \"بذبح\".\n(^٢) السنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٣٧٥)، ويتقوى بسابقه.\n(^٣) يشهد له روايات البخاري السابقة.\n(^٤) يشهد له روايات البخاري السابقة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه يحيى بن عمرو بن مالك: وهو ضعيف كما في التقريب.\n(^٧) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق جسر اليمامي عنه.","vol":"5","page":631},{"text":"رغبوا فيها على ما في الدنيا، وعملوا لها في الدنيا\n\n<span id=\"aya-3023\"></span>﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾؛ أي: أظهرت وكشف عنها، وبدت منها عنق فزفرت زفرة بلغت منها القلوب الحناجر،\n\n<span id=\"aya-3024\"></span>\n\n<span id=\"aya-3025\"></span>وقيل: لأهلها تقريعًا وتوبيخًا ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾؛ أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله من تلك الأصنام والأنداد تُغني عنكم اليوم شيئًا، ولا تدفع عن أنفسها، فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون.\n\n<span id=\"aya-3026\"></span>\n\n<span id=\"aya-3027\"></span>وقوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤)﴾ قال مجاهد: يعني فَدُهْوِرُوا فيها (^١). وقال غيره: كُبّوا فيها، والكاف مكررة، كما يقال: صرصر، والمراد أنه ألقي بعضهم على بعض من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشك ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾؛ أي: أُلقوا فيها عن آخرهم\n\n<span id=\"aya-3028\"></span>\n\n<span id=\"aya-3029\"></span>\n\n<span id=\"aya-3030\"></span>\n\n<span id=\"aya-3031\"></span>﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾؛ أي: يقول الضعفاء للذين استكبروا ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧]؟ ويقولون: وقد عادوا على أنفسهم بالملامة ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾؛ أي: نجعل أمركم مطاعًا كما يطاع أمر ربِّ العالمين، وعبدناكم مع رب العالمين ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩)﴾؛ أي: ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون\n\n<span id=\"aya-3032\"></span>\n\n<span id=\"aya-3033\"></span>﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ قال بعضهم: يعني: من الملائكة كما يقولون: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وكذا قالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾؛ أي: قريب.\nقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحًا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحًا شفع (^٢).\n\n<span id=\"aya-3034\"></span>\n\n<span id=\"aya-3035\"></span>\n\n<span id=\"aya-3036\"></span>﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾ وذلك أنهم يتمنون أن يردُّوا إلى دار الدنيا ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، والله تعالى يعلم أنهم لو ردّهم إلى دار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، وقد أخبر الله تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة (ص) ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ [ص] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾؛ أي: إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامته الحجج عليهم في التوحيد لآية؟ أي: لدلالة واضحة جلية على أن لا إله إلا الله ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾.\n\n<span id=\"aya-3037\"></span>\n\n<span id=\"aya-3038\"></span>\n\n<span id=\"aya-3039\"></span>\n\n<span id=\"aya-3040\"></span>\n\n<span id=\"aya-3041\"></span>\n\n<span id=\"aya-3042\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾.\nهذا إخبار من الله ﷿ عن عبده ورسوله نوح ﵇، وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد ما عبدت الأصنام والأنداد، فبعثه الله ناهيًا عن ذلك ومحذرًا من وبيل عقابه، فكذبه قومه، فاستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم مع الله تعالى: ونزل الله تعالى\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد وهو لم يسمع من مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق يحيى بن سعيد المسمعي عن قتادة، ويحيى لم أقف على ترجمة له.","vol":"5","page":632},{"text":"تكذيبهم له منزلة تكذيبهم جميع الرسل، فلهذا قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾؛ أي: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧)﴾؛ أي: إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني الله به، أبلغكم رسالات ربي ولا أزيد فيها ولا أنقص منها ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ الآية؛ أي: لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم، بل أدّخر ثواب ذلك عند الله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾ فقد وضح لكم وبان صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني الله به [وائتمنني] (^١) عليه.\n\n<span id=\"aya-3043\"></span>\n\n<span id=\"aya-3044\"></span>\n\n<span id=\"aya-3045\"></span>\n\n<span id=\"aya-3046\"></span>\n\n<span id=\"aya-3047\"></span>﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾.\nيقولون: لا نؤمن لك، ولا نتبعك ونتساوى في ذلك بهؤلاء الأراذل، الذين اتبعوك وصدقوك وهم أراذلنا، ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢)﴾؛ أي: وأي شيء يلزمني من اتباع هؤلاء لي؟ ولو كانوا على أي شيء كانوا عليه، لا يلزمني التنقيب عنهم والبحث والفحص، إنما عليّ أن أقبل منهم تصديقهم إياي، وأكل سرائرهم إلى الله ﷿ ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾ كأنهم سألوا منه أن يبعدهم عنه ويتابعوه، فأبى عليهم ذلك وقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾؛ أي: إنما بعثت نذيرًا، فمن أطاعني واتبعني وصدقني كان مني وأنا منه، سواء كان شريفًا أو وضيعًا، أو جليلًا أو حقيرًا.\n\n<span id=\"aya-3048\"></span>\n\n<span id=\"aya-3049\"></span>\n\n<span id=\"aya-3050\"></span>﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾.\nلما طال مقام نبي الله بين أظهرهم، يدعوهم إلى الله تعالى ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، وكلما كرر عليهم الدعوة صمَّموا على الكفر الغليظ والامتناع الشديد، وقالوا في الآخر: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)﴾؛ أي: لئن لم تنته من دعوتك إيانا إلى دينك، ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾؛ أي: لنرجمنك، فعند ذلك دعا عليهم دعوة استجاب الله منه، فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾ [القمر]،\n\n<span id=\"aya-3051\"></span>\n\n<span id=\"aya-3052\"></span>وقال ههنا: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾ والمشحون هو المملوء بالأمتعة والأزواج التي حمل فيها من كل زوجين اثنين؛ أي: أنجينا نوحًا ومن اتبعه كلهم، وأغرقنا من كفر به وخالف أمره كلهم أجمعين\n\n<span id=\"aya-3053\"></span>\n\n<span id=\"aya-3054\"></span>﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾.\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: \"وايتمني\".","vol":"5","page":633},{"text":"<span id=\"aya-3055\"></span>\n\n<span id=\"aya-3056\"></span>\n\n<span id=\"aya-3057\"></span>\n\n<span id=\"aya-3058\"></span>\n\n<span id=\"aya-3059\"></span>\n\n<span id=\"aya-3060\"></span>\n\n<span id=\"aya-3061\"></span>﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾.\nوهذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله هود -﵇-، أنه دعا قومه عادًا، وكان قومه يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل قريبًا من حضرموت، من جهة بلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح، كما قال في سورة الأعراف: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [٦٩]، وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش الشديد، والطول المديد، والأرزاق الدارة، والأموال والجنات والأنهار، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله هودًا إليهم رجلًا منهم رسولًا وبشيرًا ونذيرًا، فدعاهم إلى الله وحده، وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته وبطشه، فقال لهم كما قال نوح لقومه إلى أن قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨)﴾.\nاختلف المفسرون في الريع بما حاصله أنه المكان المرتفع عند جواد (^١) الطرق المشهورة، يبنون هناك بنيانًا محكمًا هائلًا باهرًا، ولهذا قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾؛ أي: معلمًا بناء مشهورًا ﴿تَعْبَثُونَ﴾؛ أي: وإنما تفعلون ذلك عبثًا لا للاحتياج إليه بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة، ولهذا أنكر عليهم نبيهم -﵇- ذلك، لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾.\nقال مجاهد: والمصانع البروج المشيدة والبنيان المخلد (^٢)، وفي رواية عنه: بروج الحمام (^٣).\nوقال قتادة: هي مأخذ الماء (^٤).\nقال قتادة: وقرأ بعض الكوفيين: \"وتتخذون مصانع كأنكم خالدون\" (^٥).\nوفي القراءة المشهورة ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾؛ أي: لكي تقيموا فيها أبدًا وذلك ليس بحاصل لكم بل زائل عنكم، كما زال عمن كان قبلكم.\nوروى ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن عجلان، حدثني عون بن عبد الله بن عتبة، أن أبا الدرداء ﵁ لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البنيان ونصب الشجر، قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تستحيون، ألا تستحيون؟ تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما\n_________\n(^١) أي: الطريق الكبير الذي يجمع الطرق.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند فيه مسلم بن خالد الزنجي وهو صدوق كثير الأوهام.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة والقراءة شاذة تفسيرية.","vol":"5","page":634},{"text":"لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، إنه قد كانت قبلكم قرون يجمعون فيوعون، ويبنون فيوثقون، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غرورًا، وأصبح جمعهم بورًا، وأصبحت مساكنهم قبورًا، ألا إن عادًا ملكت ما بين عدن وعمان خيلًا وركابًا، فمن يشتري مني ميراث عاد بدرهمين (^١)؟\n\n<span id=\"aya-3062\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾؛ أي: يصفهم بالقوة والغلظة والجبروت\n\n<span id=\"aya-3063\"></span>\n\n<span id=\"aya-3064\"></span>\n\n<span id=\"aya-3065\"></span>\n\n<span id=\"aya-3066\"></span>\n\n<span id=\"aya-3067\"></span>﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١)﴾؛ أي: اعبدوا ربكم وأطيعوا رسولكم، ثم شرع يذكرهم نعم الله عليهم، فقال: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾؛ أي: إن كذبتم وخالفتم، فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، فما نفع.\n\n<span id=\"aya-3068\"></span>﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾.\nيقول تعالى: مخبرًا عن جواب قوم هود له بعد ما حذرهم وأنذرهم، ورغبهم ورهبهم، وبين لهم الحق، ووضحه ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦)﴾؛ أي: لا نرجع عما نحن عليه ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣]، وهكذا الأمر، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-3069\"></span>\n\n<span id=\"aya-3070\"></span>وقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧)﴾ قرأ بعضهم (إن هذا إلا خَلْق الأولين) بفتح الخاء وتسكين اللام (^٢). قال ابن مسعود والعوفي عن عبد الله بن عباس وعلقمة ومجاهد: يعنون ما هذا الذي جئتنا به إلا أخلاق الأولين (^٣)، كما قال المشركون من قريش ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ (^٤) [النحل] وقرأ آخرون ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧)﴾ بضم الخاء واللام (^٥)، يعنون دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأولين من الآباء والأجداد، ونحن تابعون لهم سالكون وراءهم، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا معاد، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)﴾.\nقال علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧)﴾ يقول: دين الأولين (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) القراءتان متواترتان.\n(^٣) قول ابن مسعود أخرجه الطبري بسندين صحيحين من طريق علقمة عنه، وقول العوفي عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف وقد أخرجه هو والطبري بطريق آخر ثابت عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول علقمة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عامر الشعبي عنه وقول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) وهي قراءة متواترة.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"5","page":635},{"text":"وقاله عكرمة وعطاء الخراساني وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير (^١).\n\n<span id=\"aya-3071\"></span>\n\n<span id=\"aya-3072\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾؛ أي: استمروا على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده، فأهلكهم الله وقد بين سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن بأنه أرسل عليهم ريحًا صرصرًا عاتية؛ أي: ريحًا شديدة الهبوب، ذات برد شديد جدًا، فكان سبب إهلاكهم من جنسهم، فإنهم كانوا أعتى شيء وأجبره، فسلط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشد قوة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ [الفجر] وهم عاد الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾ [النجم] وهم من نسل إرم بن سام بن نوح ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ الذين كانوا يسكنون العمد، ومن زعم أن إرم مدينة، فإنما أخذ ذلك من الإسرائيليات من كلام كعب ووهب، وليس لذلك أصل أصيل، ولهذا قال: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ [الفجر]؛ أي: لم يخلق مثل هذه القبيلة في قوتهم وشدتهم وجبروتهم، ولو كان المراد بذلك مدينة لقال: التي لم يبن مثلها في البلاد، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾ [فصلت]، وقد قدمنا أن الله تعالى لم يرسل عليهم من الريح إلا مقدار أنف الثور، عتت على الخزنة، فأذن الله لها في ذلك، فسلكت فحَصَبت بلادهم، فحَصبت كل شيء لهم، كما قال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٦، ٧]؛ أي: كاملة ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]؛ أي: بقوا أبدانًا بلا رؤوس، وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أُم رأسه، فتشدخ دماغه وتكسر رأسه وتلقيه، كأنهم أعجاز نخل منقعِر، وقد كانوا تحصنوا في الجبال والكهوف والمغارات، وحفروا لهم في الأرض إلى أنصافهم، فلم يغن عنهم ذلك من أمر الله شيئًا ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾.\n\n<span id=\"aya-3073\"></span>\n\n<span id=\"aya-3074\"></span>\n\n<span id=\"aya-3075\"></span>\n\n<span id=\"aya-3076\"></span>\n\n<span id=\"aya-3077\"></span>﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥)﴾.\nوهذا إخبار من الله ﷿ عن عبده ورسوله صالح ﵇، أنه بعثه إلى قومه ثمود، وكانوا عربًا يسكنون مدينة الحجْر التي بين وداي القرى وبلاد الشام، ومساكنهم معروفة مشهورة، وقد قدمنا في سورة الأعراف (^٢) الأحاديث المروية في مرور رسول الله ﷺ بهم حين أراد غزو الشام، فوصل إلى تبوك ثم عاد إلى المدينة ليتأهب لذلك، وكانوا بعد عاد وقبل الخليل ﵇. فدعاهم\n_________\n(^١) قول عكرمة ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عطاء الخراساني أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه عثمان بن عطاء، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، -وهو عبد الله- عنه.\n(^٢) آية ١٣ - ٧٨.","vol":"5","page":636},{"text":"نبيهم صالح إلى الله ﷿ أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوه فيما بلَّغهم من الرسالة، فأبوا عليه وكذبوه وخالفوه، وأخبرهم أنه لا يبتغي بدعوتهم أجرًا منهم، وإنما يطلب ثواب ذلك من الله ﷿، ثم ذكرهم آلاء الله عليهم، فقال.\n\n<span id=\"aya-3078\"></span>\n\n<span id=\"aya-3079\"></span>\n\n<span id=\"aya-3080\"></span>﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾.\nيقول لهم واعظًا لهم، ومحذرهم نقم الله أن تحل بهم، ومذكرًا بأنعم الله عليهم فيما رزقهم من الأرزاق الدارّة وجعلهم في أمن من المحذورات، وأنبت لهم من الجنات، وفجر لهم من العيون الجاريات، وأخرج لهم من الزروع والثمرات، ولهذا قال: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس: أينع وبلغ، فهو هضيم (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. يقول: معشبة (^٢).\nوقال إسماعيل بن أبي خالد، عن عمرو بن أبي عمرو -وقد أدرك الصحابة- عن ابن عباس في قوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: إذا رطب واسترخى (^٣)، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن أبي صالح نحو هذا (^٤).\nوقال أبو إسحاق، عن أبي العلاء ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: هو المذنب من الرطب (^٥).\nوقال مجاهد: هو الذي إذا يبس تهشم وتفتت وتناثر (^٦).\nوقال ابن جريج: سمعت عبد الكريم، وأبا أُمية، سمعت مجاهدًا يقول: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: حين يطلع تقبض عليه فتهضمه، فهو من الرطب الهضيم، ومن اليابس الهشيم، تقبض عليه فتهشمه (^٧).\nوقال عكرمة وقتادة: الهضيم الرطب اللين (^٨).\nوقال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة وركب بعضها بعضًا، فهو هضيم (^٩).\nوقال مُرَّة: هو الطلع حين يتفرق ويخضر.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويشهد له ما يليه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الحارث النقال يرويه عن مردان بن معاوية عن إسماعيل به، والحارث النقال: ضعيف (الجرح والتعديل ٣/ ٧٦) ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق به.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد وهو لم يسمع منه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن جريج به.\n(^٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من سماك عن عكرمة.\n(^٩) أخرجه البستي وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.","vol":"5","page":637},{"text":"وقال الحسن البصري: هو الذي لا نوى له (^١).\nوقال أبو صخر: ما رأيت الطلع حين ينشق عنه الكم؟ فترى الطلع قد لصق بعضه ببعض، فهو الهضيم (^٢).\n\n<span id=\"aya-3081\"></span>\n\n<span id=\"aya-3082\"></span>وقوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعني: حاذقين (^٣).\nوفي رواية عنه: شرهين أشرين (^٤)، وهو اختيار مجاهد وجماعة (^٥)، ولا منافاة بينهما، فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبطرًا وعبثًا من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم، ولهذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠)﴾، أي: أقبلوا على ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم لتعبدوه وتوحدوه وتسبحوه بكرة وأصيلًا\n\n<span id=\"aya-3083\"></span>\n\n<span id=\"aya-3084\"></span>﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ يعني: رؤساءهم وكبراءهم، الدعاة لهم إلى الشرك والكفر ومخالفة الحق.\n\n<span id=\"aya-3085\"></span>﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن ثمود في جوابهم لنبيهم صالح ﵇ حين دعاهم إلى عبادة ربهم ﷿ أنهم ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾.\nقال مجاهد وقتادة: يعنون من المسحورين (^٦).\nوروى أبو صالح عن ابن عباس ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ يعني: من المخلوقين (^٧)، واستشهد بعضهم على هذا بقول الشاعر:\nفإن تسألينا: فيم نحن؟ فإننا … عصافير من هذا الأنام المسحَّر (^٨)\nيعني الذين لهم سحور، والسحر هو الرئة. والأظهر في هذا القول مجاهد وقتادة أنهم\n_________\n(^١) أخرجه البستي وابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق عن عطاء واسماعيل عن الحسن البصري، وسنده حسن، وعطاء هو ابن السائب، وإسماعيل هو ابن أبي خالد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مفضل عن أبي صخر.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بتاليه.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) قول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري والخطيب البغدادي (تاريخ بغداد ١٠/ ٤٢٣) كلاهما بسند ضعيف من طريق أبي صالح عن ابن عباس، وأبو صالح هو باذام أو باذان مولى أُم هانئ وهو ضعيف، ومعناه صحيح.\n(^٨) استشهد به الطبري ونسبه إلى لبيد ﵁.","vol":"5","page":638},{"text":"يقولون: إنما أنت في قولك هذا مسحور لا عقل لك،\n\n<span id=\"aya-3086\"></span>ثم قالوا: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ يعني: فكيف أوحي إليك دوننا؟ كما قالوا في الآية الأخرى ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ [القمر].\nثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم، وقد اجتمع ملؤهم، وطلبوا منه أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة ناقة عشراء إلى صخرة عندهم -من صفتها كذا وكذا، فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح. العهود والمواثيق لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به وليتبعنه، فأعطوه ذلك، فقام نبي الله صالح ﵇ فصلى، ثم دعا الله ﷿ أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم وكفر أكثرهم\n\n<span id=\"aya-3087\"></span>\n\n<span id=\"aya-3088\"></span>\n\n<span id=\"aya-3089\"></span>\n\n<span id=\"aya-3090\"></span>\n\n<span id=\"aya-3091\"></span>﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ يعني: ترد ماءكم يومًا، ويومًا تردونه أنتم ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾ فحذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينًا من الدهر، ترد الماء وتأكل الورق والمرعى- وينتفعون بلبنها يحلبون منها ما يكفيهم شربًا وريًا، فلما طال عليهم الأمد وحضر شقاؤهم، تمالؤوا على قتلها وعقرها ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ وهو أن أرضهم زلزلت زلزالًا شديدًا، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب من محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، وأصبحوا في ديارهم جاثمين ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾.\n\n<span id=\"aya-3092\"></span>\n\n<span id=\"aya-3093\"></span>\n\n<span id=\"aya-3094\"></span>\n\n<span id=\"aya-3095\"></span>\n\n<span id=\"aya-3096\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله لوط ﵇، وهو لوط بن هاران بن آزار وهو ابن أخي إبراهيم الخليل ﵇، وكان الله تعالى قد بعثه إلى أُمة عظيمة في حياة إبراهيم ﵇، وكانوا يسكنون سدوم وأعمالها التي أهلكها الله بها، وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة، وهي مشهورة ببلاد الغور بناحية متاخمة لجبال البيت المقدس، بينها وبين بلاد الكرك (^١) والشوبك (^٢)، فدعاهم إلى الله ﷿ أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم مما لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله، من إتيان الذكور دون الإناث، ولهذا قال تعالى:\n\n<span id=\"aya-3097\"></span>\n\n<span id=\"aya-3098\"></span>\n\n<span id=\"aya-3099\"></span>\n\n<span id=\"aya-3100\"></span>﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾.\nلما نهاهم نبي الله عن ارتكاب الفواحش، وغشيانهم الذكور، وأرشدهم إلى إتيان نسائهم اللّاتي خلقهنَّ الله لهم، ما كان جوابهم له إلا أن قالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ﴾؛ أي: عما جئتنا به\n_________\n(^١) مدينة تقع شرق عمان في الأردن.\n(^٢) قلعة حصينة تقع بين عمان وإيلات.","vol":"5","page":639},{"text":"﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾؛ أي: ننفيك من بين أظهرنا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾ [الأعراف]، فلما رأى أنهم لا يرتدعون عما هم فيه وأنهم مستمرون على ضلالتهم، تبرأ منهم وقال: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين، لا أحبه ولا أرضى به، وإنِّي بريء منكم،\n\n<span id=\"aya-3101\"></span>\n\n<span id=\"aya-3102\"></span>\n\n<span id=\"aya-3103\"></span>\n\n<span id=\"aya-3104\"></span>\n\n<span id=\"aya-3105\"></span>\n\n<span id=\"aya-3106\"></span>\n\n<span id=\"aya-3107\"></span>ثم دعا الله عليهم فقال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩)﴾ قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠)﴾؛ أي: كلهم ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١)﴾ وهي امرأته، وكانت عجوز سوء بقيت فهلكت مع من بقي من قومها، وذلك كما أخبر الله تعالى عنهم في سورة الأعراف وهود، وكذا في الحجر حين أمره الله أن يسري بأهله إلا امرأته، وأنهم لا يلتفتوا إذا سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه، فصبروا لأمر الله واستمروا، وأنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾.\n\n<span id=\"aya-3108\"></span>\n\n<span id=\"aya-3109\"></span>\n\n<span id=\"aya-3110\"></span>\n\n<span id=\"aya-3111\"></span>\n\n<span id=\"aya-3112\"></span>﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠)﴾.\nهؤلاء -يعني أصحاب الأيكة- هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبي الله شعيب من أنفسهم وإنما لم يقل ههنا أخوهم شعيب لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة، وقيل: شجر ملتف كالغيضة كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: كذَّب أصحاب الأيكة المرسلين لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، وإنما قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبًا. ومن الناس من لم يفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيبًا ﵇ بعثه الله إلى أُمتين، ومنهم من قال: ثلاث أُمم.\nوقد روى إسحاق بن بشر الكاهلي -وهو ضعيف- حدثني ابن السدي عن أبيه، وزكريا بن عمر عن خُصيف، عن عكرمة، قالا: ما بعث الله نبيًا مرتين إلا شعيبًا، مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة، فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة (^١).\nوروى أبو القاسم البغوي عن هدبة، عن همَّام، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨] قوم شعيب (^٢).\nوقوله: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ قوم شعيب.\nقال إسحاق بن بشر. وقال غير جويبر (^٣): أصحاب الأيكة ومدين هما واحد، والله أعلم.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أُمتان، بعث الله\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف إسحاق بن بشر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق هدبة بن خالد به.\n(^٣) قول جويبر أخرجه ابن أبي حاتم وقد توبع في رواية الطبري من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.","vol":"5","page":640},{"text":"إليهما شعيبًا النبي ﵇\" (^١) وهذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفًا، والصحيح أنهم أُمة واحدة وصفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدلَّ ذلك على أنهما أُمة واحدة.\n\n<span id=\"aya-3113\"></span>\n\n<span id=\"aya-3114\"></span>﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾.\nيأمرهم الله تعالى بإيفاء المكيال والميزان، وينهاهم عن التطفيف فيهما، فقال: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١)﴾؛ أي: إذا دفعتم للناس فكملوا الكيل لهم، ولا تبخسوا الكيل فتعطوه ناقصًا، وتأخذوه إذا كان لكم تامًّا وافيًا، ولكن خذوا كما تعطون، وأعطوا كما تأخذون ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢)﴾ والقسطاس هو الميزان، وقيل: هو القبّان. قال بعضهم: هو معرب من الرومبة.\nقال مجاهد: القسطاس المستقيم: هو العدل بالرومية (^٢).\nوقال قتادة القسطاس: العدل.\n\n<span id=\"aya-3115\"></span>وقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾؛ أي: لا تنقصوهم أموالهم ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يعني: قطع الطريق، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦].\n\n<span id=\"aya-3116\"></span>وقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾ يخوفهم بأس الله الذي خلقهم وخلق آباءهم الأوائل، كما قال موسى ﵇ ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦].\nقال ابن عباس ومجاهد والسدي وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ يقول: خلق الأولين (^٣).\nوقرأ ابن زيد ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢] (^٤).\n\n<span id=\"aya-3117\"></span>﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾.\nيخبر تعالى عن جواب قومه له بمثل ما أجابت به ثمود لرسولها، تشابهت قلوبهم حيث قالوا:\n_________\n(^١) ينظر مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ١٠/ ٣٠٩، وسنده ضعيف لضعف ربيعة بن سيف كما في ميزان الاعتدال.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سفيان أخرجه البستي وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عمر العدني عنه، وفول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٤) وهي قراءة متواترة.","vol":"5","page":641},{"text":"﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ يعنون من المسحورين كما تقدم\n\n<span id=\"aya-3118\"></span>﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦)﴾؛ أي: تتعمد الكذب فيما تقوله لا أن الله أرسلك إلينا\n\n<span id=\"aya-3119\"></span>﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.\nقال الضحاك: جانبًا من السماء (^١).\nوقال قتادة: قطعًا من السماء (^٢).\nوقال السدي: عذابًا من السماء (^٣). وهذا شبيه بما قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ إلى أن قالوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾ [الإسراء] وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال]، وهكذا قال هؤلاء الكفار الجهلة ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾\n\n<span id=\"aya-3120\"></span>\n\n<span id=\"aya-3121\"></span>﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨)﴾ يقول: الله أعلم بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به، وهو غير ظالم لكم، وهكذا وقع بهم جزاء كما سألوا جزاء وفاقًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ وهذا من جنس ما سألوه من إسقاط الكسف عليهم، فإن الله ﷾ جعل عقوبتهم أن أصابهم حرُّ عظيم مدة سبعة أيام، لا يكنّهم منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أظلتهم، فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحرِّ، فلما اجتمعوا كلُّهم تحتها، أرسل الله تعالى عليهم منها شررًا من نار ولهبًا ووهجًا عظيمًا، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nوقد ذكر الله تعالى صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]، فأرجفوا نبي الله ومن اتبعه فأخذتهم الرجفة، وفي سورة هود قال: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤] وذلك لأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، قالوا: ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم، فقال: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وههنا قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾، على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحقَّ عليهم ما استبعدوا وقوعه ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nقال قتادة: قال عبد الله بن عمرو ﵁: إن الله سلَّط عليهم الحرَّ سبعة أيام حتى ما يظلهم منه شيء، ثم إن الله تعالى أنشأ لهم سحابة، فانطلق إليها أحدهم فاستظل بها فأصاب تحتها بردًا\n_________\n(^١) أخرجه البستي وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.","vol":"5","page":642},{"text":"وراحة، فأعلم بذلك قومه فأتوها جميعًا فاستظلوا تحتها فأججت عليهم نارًا (^١)، وهكذا روي عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم (^٢).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: بعث الله إليهم الظلة حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف الله عنهم الظلة وأحمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى (^٣).\nوقال محمد بن كعب القرظي: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فلما خرجوا منها أصابهم فزع شديد، ففرقوا أن يدخلوا إلى البيوت فتسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة، فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلًا أطيب ولا أبرد من هذا، هلموا أيها الناس، فدخلوا جميعًا تحت الظلة، فصاح بهم صيحة واحدة، فماتوا جميعًا، ثم تلا محمد بن كعب ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (^٤).\nوقال محمد بن جرير: حدثني الحارث، حدثني الحسن، حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، حدثني يزيد الباهلي، سألت ابن عباس عن هذه الآية ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قال: بعث الله عليهم [ومدةً] (^٥) وحرًا شديدًا، فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هرابًا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردًا ولذَّة، فنادى بعضهم بعضًا حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارًا. قال ابن عباس: فذلك عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (^٦).\n\n<span id=\"aya-3122\"></span>\n\n<span id=\"aya-3123\"></span>﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾؛ أي: العزيز في انتقامه من الكافرين، الرحيم بعباده المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-3124\"></span>\n\n<span id=\"aya-3125\"></span>﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: القرآن ذكره في أول السورة في قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥] الآية ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق قتادة به، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع عبد الله بن عمرو ﵄، ويتقوى بما يليه.\n(^٢) قول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ميسرة، وهو ابن عمار، عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق جعفر بن أبي المغيرة عنه، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه الوليد بن حسان البكري سكت عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل. وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب، وأبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن السندي وهو ضعيف كما في التقريب.\n(^٥) أي: الندي والرطوبة، وفي الأصل: \"رعدًا\"، والمثبت من تفسير الطبري وابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق سعيد بن زيد به، وسكت عنه هو والذهبي (المستدرك ٢/ ٥٦٨)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن ضمرة الباهلي عن ابن عباس.","vol":"5","page":643},{"text":"الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: أنزله الله عليك وأوحاه إليك ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ وهو جبريل ﵇، قاله غير واحد من السلف: ابن عباس ومحمد بن كعب وقتادة وعطية العوفي والسدي والضحاك والزهري وابن جريج (^١)، وهذا مما لا نزاع فيه.\nقال الزهري: وهذه كقوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧].\nوقال مجاهد: من كلمه الروح الأمين لا تأكله الأرض (^٢).\n\n<span id=\"aya-3126\"></span>﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾؛ أي: نزل به ملك كريم أمين ذو مكانة عند الله مطاع في الملأ الأعلى ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ يا محمد سالمًا من الدنس والزيادة والنقص ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: لتنذر به بأس الله ونقمته على من خالفه وكذبه، وتبشر به المؤمنين المتبعين له.\n\n<span id=\"aya-3127\"></span>وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾؛ أي: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك، أنزلناه بلسانك العربي الفصيح الكامل الشامل، ليكون بينًا واضحًا ظاهرًا، قاطعًا للعذر، مقيمًا للحجة دليلًا إلى المحجة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر العتكي، حدثنا عباد بن عباد المهلبي، عن موسى بن محمد، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه في يوم دجن (^٣) إذ قال لهم: \"كيف ترون بواسقها؟ \" (^٤) قالوا: ما أحسنها وأشد تراكمها. قال: \"فكيف ترون قواعدها؟ \" قالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها. قال: \"فكيف ترون جونها؟ \" (^٥) قالوا: ما أحسنه وأشد سواده. قال: \"فكيف ترون رحاها استدارت\" قالوا: ما أحسنها وأشد استدارتها. قال: \"فكيف ترون برقها: أَومَيض (^٦) أم خَفق (^٧) أم يشق شقًا؟ \" قالوا: بل يشق شقًا. قال: \"الحياء الحياء إن شاء الله\". قال: فقال رجل: يا رسول الله، بأبي وأُمي، ما أفصحك، ما رأيت الذي هو أعرب منك. قال: فقال: \"حق لي وإنما أنزل القرآن بلساني والله يقول: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ \" (^٨).\nوقال سفيان الثوري: لم ينزل وحي إلا بالعربية، ثم ترجم كل نبي لقومه، واللسان يوم القيامة بالسريانية، فمن دخل الجنة تكلم بالعربية، رواه ابن أبي حاتم (^٩).\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ويتقوى بالأقوال التالية التي ذكر أغلبها ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عطية العوفي تقدم ضمن رواية ابن عباس، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أي: يوم مظلم (ينظر أساس البلاغة ص ١٨٣).\n(^٤) أي: طولها.\n(^٥) الجون: الأسود، أو الأسود تخالطه حمرة.\n(^٦) الميض: الخفة والسرعة (القاموس المحيط ٢/ ٣٥٧).\n(^٧) خفق: الخفق التحريك والاضطراب (القاموس المحيط ٣/ ٣٣٥).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن محمد بن إبراهيم بن الحارث تابعي أرسله.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يحيى بن الضريس عن سفيان الثوري.","vol":"5","page":644},{"text":"<span id=\"aya-3128\"></span>\n\n<span id=\"aya-3129\"></span>﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾.\nيقول تعالى: وإن ذكر هذا القرآن والتنويه به لموجود في كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم الذين بشَّروا به في قديم الدهر وحديثه، كما أخذ الله عليهم الميثاق بذلك حتى قام آخرهم خطيبًا في ملئه بالبشارة بأحمد ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، والزبر ههنا هي: الكتب، وهي جمع زبور، وكذلك الزبور وهو كتاب داود، وقال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)﴾ [القمر]؛ أي: مكتوب عليهم في صحف الملائكة، ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾؛ أي: أوليس يكفيهم من الشاهد الصادق على ذلك أن العلماء من بني إسرائيل يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها، والمراد العدول منهم الذين يعترفون بما في أيديهم من صفة محمد ﷺ ومبعثه وأمته، كما أخبر بذلك من آمن منهم، كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي عمَّن أدركه منهم ومن شاكلهم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\n\n<span id=\"aya-3130\"></span>\n\n<span id=\"aya-3131\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن شدة كفر قريش وعنادهم لهذا القرآن: أنه لو نزل على رجل من الأعاجم ممن لا يدري من العربية كلمة وأنزل عليه هذا الكتاب ببيانه وفصاحته لا يؤمنون به، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ كما أخبر عنهم في الآية الأخرى ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ [الحجر]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-3132\"></span>\n\n<span id=\"aya-3133\"></span>\n\n<span id=\"aya-3134\"></span>\n\n<span id=\"aya-3135\"></span>﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩)﴾.\nيقول تعالى: كذلك سلكنا التكذيب والكفر والجحود والعناد؛ أي: أدخلناه في قلوب المجرمين ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: بالحق ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾؛ أي: حيث لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾؛ أي: عذاب الله بغتة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)﴾؛ أي: يتمنون حين يشاهدون العذاب أن لو أنظروا قليلًا ليعملوا في زعمهم بطاعة الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ","vol":"5","page":645},{"text":"(٤٤)﴾ [إبراهيم]، فكل ظالم وفاجر إذا شاهد عقوبته ندم ندمًا شديدًا، هذا فرعون لما دعا عليه الكليم بقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨، ٨٩]، فأثرت هذه الدعوة في فرعون، فما آمن حتى رأى العذاب الأليم ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس]، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر].\n\n<span id=\"aya-3136\"></span>\n\n<span id=\"aya-3137\"></span>\n\n<span id=\"aya-3138\"></span>\n\n<span id=\"aya-3139\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)﴾ إنكار عليهم وتهديد لهم، فإنهم كانوا يقولون للرسول تكذيبًا واستبعادًا ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [لعنكبوت: ٥٣] الآيات، ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾؛ أي: لو أخرناهم وأنظرناهم وأملينا لهم برهة من الدهر وحينًا من الزمان وإن طال، ثم جاءهم أمر الله أي: شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعيم ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّر﴾ [البقرة: ٩٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾ [الليل]، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾.\nوفي الحديث الصحيح: \"يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة ثم يقال له: هل رأيت خيرًا قط؟ هل رأيت نعيمًا قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا كان في الدنيا، فيصبغ في الجنة صبغة، ثم يقال له: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا والله يا رب\" (^١)؟ أي: ما كأن شيئًا كان.\nولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يتمثل بهذا البيت:\nكأنك لم تؤثر من الدهر ليلة … إذا أنتَ أدركت الذي كنتَ تطلبُ\n\n<span id=\"aya-3140\"></span>\n\n<span id=\"aya-3141\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن عدله في خلقه أنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم، والإنذار لهم، وبعثة الرسل إليهم، وقيام الحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩)﴾ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ [القصص].\n\n<span id=\"aya-3142\"></span>\n\n<span id=\"aya-3143\"></span>\n\n<span id=\"aya-3144\"></span>﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد أنه نزل به الروح الأمين المؤيد من الله ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)﴾ ثم ذكر أنه يمتنع\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ (الصحيح، صفات المنافقين، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار ح ٢٨٠٧).","vol":"5","page":646},{"text":"عليهم ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ما ينبغي لهم؛ أي: ليس هو من بغيتهم ولا من طلبتهم، لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونور وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي ولو انبغى لهم ما استطاعوا ذلك، قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، ثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته، لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله، لأن السماء ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا في مدة إنزال القرآن على رسول الله، فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه لئلا يشتبه الأمر، وهذا من رحمة الله بعباده، وحفظه لشرعه، وتأييده لكتابه ولرسوله، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ كما قال تعالى مخبرًا عن الجن ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن].\n\n<span id=\"aya-3145\"></span>\n\n<span id=\"aya-3146\"></span>\n\n<span id=\"aya-3147\"></span>\n\n<span id=\"aya-3148\"></span>﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾.\nيقول تعالى آمرًا بعبادته وحده لا شريك له، ومخبرًا أن من أشرك به عذبه. ثم قال تعالى آمرًا لرسوله ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين؛ أي: الأدنين إليه، وأنه لا يخلص أحدًا منهم إلا إيمانه بربه ﷿، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين، ومن عصاه من خلق الله كائنًا من كان فليتبرأ منه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)﴾ وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة بل هي فرد من أجزائها، كما قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [لأنعام: ٥١]، وقال تعالى: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧].\nوفي صحيح مسلم: \"والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار\" (^١) وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة فلنذكرها:\n(الحديث الأول) قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ قال: لما أنزل الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ أتى النبي ﷺ الصفا، فصعد عليه ثم نادى: \"يا صباحاه\" فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ: \"يا بني عبد المطلب، يا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٠.","vol":"5","page":647},{"text":"بني فِهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ \" قالوا: نعم. قال: \"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\" فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ (^١) [المسد]. ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الأعمش به (^٢).\n(الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ قام رسول الله ﷺ فقال: \"يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا سلوني من مالي ما شئتم\" (^٣) انفرد بإخراجه مسلم.\n(الحديث الثالث) قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشًا، فعمَّ وخصَّ (^٤) فقال: \"يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئًا إلا أن لكم رحمًا سأبلها (^٥) ببلالها\" (^٦). ورواه مسلم والترمذي من حديث عبد الملك بن عمير به. وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلًا، ولم يذكر فيه أبا هريرة، والموصول هو الصحيح (^٧)، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا محمد يعني: ابن إسحاق، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله، يا صفية عمة رسول الله ويا فاطمة بنت رسول الله اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما\" (^٩) تفرد به من هذا الوجه، وتفرد به أيضًا عن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٧ ح ٢٨٠١) وصحح سنده محققوه.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، تفسير سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ [المسد] (ح ٤٨٠١)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء] (ح ٢٠٨، وسنن الترمذي، تفسير سورة تبت ح ٣٣٦٣، والسنن الكبرى للنسائي ح ١١٧١٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٨٧) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، الإيمان، باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (ح ٢٠٥).\n(^٥) أي: سأصلها.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٦٠) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٠٤)، وسنن الترمذي، التفسير، سورة الشعراء (ح ٣١٨٥)، والسنن الكبرى للنسائي، الوصايا، باب إذا أوصى لعشيرته الأقربين ٦/ ٢٤٨.\n(^٨) صحيح البخاري، تفسير سورة الشعراء (ح ٤٧٧١)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٠٦).\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥/ ٤٩٣ ح ٩٧٩٣) وحسن سنده محققوه.","vol":"5","page":648},{"text":"معاوية، عن زائدة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه (^١)، ورواه أيضًا عن حسن حدثنا ابن لهيعة: عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا (^٢).\nوقال أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا ضمام بن إسماعيل، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"يا بني قصي، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، أنا النذير، والموت المغير، والساعة الموعد\" (^٣).\n(الحديث الرابع) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد التيمي، عنِ أبي عثمان، عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو، قالا: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ صعد رسول الله ﷺ رضمة (^٤) من جبل على أعلاها حجر، فجعل ينادي: \"يا بني عبد مناف، إنما أنا نذير، وإنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو فذهب يربأ أهله يخشى أن يسبقوه، فجعل ينادي ويهتف: يا صباحاه\" (^٥) ورواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن طرخان التيمي، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن سهل النهدي، عن قبيصة وزهير بن عمرو الهلالي به (^٦).\n(الحديث الخامس) قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ جمع النبي ﷺ من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون فأكلوا وشربوا، قال: وقال لهم: \"من يضمن عنِّي ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟ \" فقال رجل لم يسمه شريك: يا رسول الله أنتَ كنتَ بحرًا (^٧) من يقوم بهذا، قال: ثم قال الآخر -ثلاثًا- قال: فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي: أنا (^٨).\n(طريق أخرى بأبسط من هذا السياق) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، عن علي ﵁ قال: جمع رسول الله ﷺ -أو دعا رسول الله- بني عبد المطلب وهم رهط، وكلُّهم يأكل الجذعة (^٩) ويشرب الفَرق (^١٠)، فصنع لهم مُدًا من طعام فأكلوا حتى شبعوا، وبقي الطعام كما هو كأنه لم يُمسّ، ثم دعا بغمر (^١١) فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يُمسّ أو لم يشرب، وقال: \"يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، فقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم\n_________\n(^١) المسند (١٥/ ٩٥ ح ٩١٧٧) وصحح سنده محققوه.\n(^٢) (المسند ١٤/ ٢٥٥ ح ٨٦٠١).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١١/ ١٠ ح ٦١٤٩)، وسنده ضعيف لأن سويد بن سعيد الهروي صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه. (التقريب ص ٢٦٠).\n(^٤) الرضمة: صخور بعضها فوق بعض.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٤/ ٢٠٩ ح ٢٠٦٠٥) وصحح سنده محققوه.\n(^٦) صحيح مسلم، الإيمان، باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (ح ٢٠٧، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير ح ١١٣٧٩).\n(^٧) أي: واسع الكرم والجود.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٢٥ ح ٨٨٣) وضعف سنده محققوه.\n(^٩) الجذعة: هي من الإبل ما تم له أربع سنين، ومن البقر والمعز ما تمّ سنة.\n(^١٠) الفَرق: مكيال يسع اثنا عشر مدًا.\n(^١١) أي: القدح الصغير.","vol":"5","page":649},{"text":"يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي\" قال: فلم يقم إليه أحد، قال: فقمت إليه وكنت أصغر القوم، قال: فقال: \"اجلس\" ثم قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: \"اجلس\" حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي (^١).\n(طريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر) قال الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل، واستكتمني اسمه، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ قال رسول الله ﷺ: \"عرفت أني إن بادأتُ بها قومي رأيت منهم ما أكره فَصَمَتُّ، فجاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك\" قال علي ﵁: فدعاني، فقال: يا علي: \"إن الله تعالى قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فصَمتَ عن ذلك، ثم جاءني جبريل فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك، فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعد لنا عسَّ (^٢) لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب\" ففعلت فاجتمعوا إليه، وهم يومئذٍ أربعون رجلًا يزيدون رجلًا أو ينقصون رجلًا، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث، فقدمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ منها رسول الله ﷺ حِذية (^٣) فشقها بأسنانه، ثم رمى بها في نواحيها، وقال: \"كلوا بسم الله\" فأَكَلَ القوم حتى نهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ: \"اسقهم يا علي\" فجئت بذلك القعب (^٤) فشربوا منه حتى نهلوا جميعًا، وايمُ الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لَهِدَّما (^٥) سحركم صاحبكم، فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ.\nفلما كان الغد قال رسول الله ﷺ: \"يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم\" ففعلت، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ: \"اسقهم يا علي\" فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعًا، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب بالكلام، فقال: لَهدَّما سحركم صاحبكم، فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ.\nفلما كان الغد، قال رسول الله ﷺ: \"يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم\" ففعلت ثم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٦٥ ح ١٣٧١)، وضعفه محققوه لجهالة ربيعة بن ناجذ.\n(^٢) أي: القدح الكبير.\n(^٣) أي: ما قطع من اللّحم طولًا.\n(^٤) أي: القدح الضخم.\n(^٥) لهد: كلمة تستخدم للتعجب يقال: لهدّ الرجل أي: ما أجلده.","vol":"5","page":650},{"text":"جمعتهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ: \"يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابًا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة\" قال أحمد بن عبد الجبار: بلغني أن ابن إسحاق إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم، عن المنهال، عن عمرو، عن عبد الله بن الحارث (^١).\nوقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب فذكر مثله، وزاد بعد قوله: \"إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا؟ \" قال: فأحجم القوم عنها جميعًا وقلت -وإني لأحدثهم سنًا، وأمرصهم عينًا، وأعظمهم بطنًا، وأحمشهم ساقًا-: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثم قال: \"إن هذا أخي، وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا\" قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأن طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (^٢). تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعفه الأئمة ﵏ (^٣).\n(طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي أخبرنا الحسين، عن عيسى بن ميسرة الحارثي، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث قال: قال علي ﵁: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ قال لي رسول الله ﷺ: \"اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبنًا\" قال: ففعلت، ثم قال: \"ادع بني هاشم\" قال: فدعوتهم وإنهم يومئذٍ أربعون غير رجل، أو أربعون ورجل، قال: وفيهم عشرة كلهم يأكل الجذعة بإدامها، قال: فلما أتوا بالقصعة أخذ رسول الله ﷺ من ذروتها (^٤) ثم قال: \"كلوا\" \"فأكلوا حتى شبعوا، وهي على هيئتها لم يزرؤوا (^٥) منها إلا اليسير\"، قال: ثم أتيتهم بالإناء فشربوا حتى رووا، قال: وفضل فضل، فلما فرغوا أراد رسول الله ﷺ أن يتكلم فبدروه (^٦) الكلام، فقالوا ما رأينا كاليوم في السحر. فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: \"اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام\" فصنعت، قال: فدعاهم فلما أكلوا وشربوا، قال: فبدروه فقالوا مثل مقالتهم الأولى، فسكت رسول الله ﷺ، ثم قال لي: \"اصنع لي رجل شاة بصاع طعام\" فصنعت، قال: فجمعتهم فلما أكلوا وشربوا بدرهم رسول الله ﷺ الكلام، فقال: \"أيكم يقضي عني دَيْني، ويكون خليفتي في أهلي؟ \" قال: فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال:\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٢/ ١٧٨)، وسنده ضعيف جدًا لأن عبد الغفار بن القاسم رافضي ليس بثقة كان يضع الحديث، (لسان الميزان ٤/ ٤٢).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه.\n(^٣) ينظر (لسان الميزان ٤/ ٤٢).\n(^٤) أي: أعلاها.\n(^٥) أي: لم ينقصوا.\n(^٦) أي: سبقوه بالكلام.","vol":"5","page":651},{"text":"وسكت أنا لسنِّ العباس. ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول الله. قال: وإني يومئذٍ لأسوأهم هيئة، وإني لأعمش العينين، ضخم البطن، حمش الساقين (^١) (^٢)، فهذه طرق متعددة لهذا الحديث عن علي ﵁، ومعنى سؤاله ﷺ لأعمامه وأولادهم أن يقضوا عنه دينه ويخلفوه في أهله؛ يعني: إن قتل في سبيل الله، كأنه خشي إذا قام بأعباء الإنذار أن يقتل، فلما أنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، فعند ذلك أمن، وكان أولا يحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ولم يكن أحد في بني هاشم إذ ذاك أشد إيمانًا وإيقانًا وتصديقًا لرسول الله ﷺ من علي ﵁، ولهذا بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسول الله ﷺ ثم كان بعد هذا -والله أعلم- دعاؤه الناس جهرة على الصفا، وإنذاره لبطون قريش عمومًا وخصوصًا، حتى سمَّى من سمى من أعمامه وعماته وبناته لينبه بالأدنى على الأعلى؛ أي إنما أنا نذير والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد الدمشقي -غير منسوب- من طريق عمرو بن سمرة، عن محمد بن سوقة، عن عبد الواحد الدمشقي قال: رأيت أبا الدرداء ﵁ يحدث الناس ويفتيهم، وولده إلى جنبه، وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون، فقيل له: ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟ فقال: لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أزهد الناس في الدنيا الأنبياء، وأشدهم عليهم الأقربون\" وذلك فيما أنزل الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ ثم قال: إن أزهد الناس في العالم أهله حتى يفارقهم ولهذا قال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3149\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي في جميع أمورك، فإنه مؤيدك وحافظك وناصرك ومظفرك ومعلي كلمتك.\n\n<span id=\"aya-3150\"></span>وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي هو معتن بك كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] قال ابن عباس: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ يعني: إلى الصلاة (^٤).\nوقال عكرمة يرى قيامه وركوعه وسجوده (^٥).\nوقال الحسن: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إذا صليت وحدك (^٦).\n_________\n(^١) أي: دقيق الساقين.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن عبد القدوس (ينظر ميزان الاعتدال ٢/ ٤٥٧).\n(^٣) في سنده عبد الواحد الدمشقي قال الحافظ ابن حجر عبد الواحد عن أبي الدرداء لا يُدرى من ذا، ولا حدث عنه سوى محمد بن سوقه (لسان الميزان ٤/ ٨٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه حفص بن عمر وهو العدني ضعيف ويشهد له سابقه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق كلثوم بن جبير عن الحسن.","vol":"5","page":652},{"text":"وقال الضحاك ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾ أي من فراشك أو مجلسك (^١).\nوقال قتادة: ﴿الَّذِي يَرَاكَ﴾ قائمًا وجالسًا وعلى حالاتك (^٢).\n\n<span id=\"aya-3151\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ قال قتادة: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ قال: في الصلاة يراك وحدك، ويراك في الجمع (^٣)، وهذا قول عكرمة وعطاء الخراساني والحسن البصري (^٤).\nوقال مجاهد: كان رسول الله ﷺ يرى من خلفه كما يرى من أمامه (^٥)، ويشهد لهذا ما صحَّ في الحديث: \"سوّوا صفوفكم فإنّي أراكم من وراء ظهري\" (^٦).\nوروى البزار وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي حتى أخرجه نبيًا (^٧).\n\n<span id=\"aya-3152\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾؛ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١].\n\n<span id=\"aya-3153\"></span>﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا لمن زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول ﷺ ليس بحق، وأنه شيء افتعله من تلقاء نفسه، أو أنه أتاه به رئي من الجان، فنزه الله ﷾ جناب رسوله عن قولهم وافترائهم، ونبه أن ما جاء به إنما هو من عند الله، وأنه تنزيله ووحيه، نزل به ملك كريم أمين عظيم، وأنه ليس من قبل الشياطين، فإنهم ليس لهم رغبة في مثل هذا القرآن العظيم وإنما ينزلون على من يشاكلهم ويشابههم من الكهان الكذبة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: أخبركم ﴿عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)﴾\n\n<span id=\"aya-3154\"></span>﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾؛ أي: كذوب في قوله وهو الأفاك ﴿أَثِيمٍ﴾ وهو الفاجر في أفعاله. فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين من الكهان، وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة، فإن الشياطين أيضًا كَذَبة فَسقَة\n\n<span id=\"aya-3155\"></span>﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾؛ أي: يسترقون السمع\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان عن قتادة.\n(^٤) قول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان الثوري عن أبيه عنه، وقول عطاء الخراساني أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق كلثوم بن جبر عن الحسن.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الشيخان من حديث أنس ﵁ (صحيح البخاري، الأذان، باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف ح ٧٢٣)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب تسوية الصفوف (ح ١٢٥).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.","vol":"5","page":653},{"text":"من السماء، فيسمعون الكلمة من علم الغيب، فيزيدون معها مائة كذبة، ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس، فيحدثون بها فيصدقهم الناس في كل ما قالوه بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء، كما صح بذلك الحديث.\nكما رواه البخاري من حديث الزهري: أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير أنه سمع عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة ﵂: سأل ناس النبي ﷺ عن الكهان، فقال: \"إنهم ليسوا بشيء\" قالوا: يا رسول الله فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقًا، فقال النبي ﷺ: \"تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها (^١) في أذن وليه كقرقرة الدجاج، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة\" (^٢).\nوروى البخاري أيضًا: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن النبي ﷺ قال: \"إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ (قالوا للذي قال): الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض -وصف سفيان بيده، فحرفها وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء\" (^٣) تفرد به البخاري.\nوروى مسلم من حديث الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس، عن رجال من الأنصار قريبًا من هذا (^٤)، وسيأتي عند قوله تعالى في سبأ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [٢٣] الآية.\nوقال البخاري: وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال أن أبا الأسود أخبره عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن الملائكة تحدث في العنان -والعنان: الغمام- بالأمر يكون في الأرض، فتسمع الشياطين الكلمة، فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة\" (^٥). ورواه البخاري في موضع آخر في كتاب بدء الخلق عن سعيد بن أبي مريم، عن الليث عن عبد الله بن أبي جعفر عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة عن عائشة بنحوه.\n\n<span id=\"aya-3156\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني الكفار يتبعهم ضُلَّال الإنس والجن (^٦)، وكذا قال مجاهد ﵀ وعبد الرحمن بن زيد بن\n_________\n(^١) أي: يرددها.\n(^٢) صحيح البخاري، التوحيد، باب قراءة الفاجر والمنافق (ح ٧٥٦١).\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، تفسير سورة سبأ (ح ٤٨٠٠).\n(^٤) صحيح مسلم، السلام، باب تحريم الكهانة (ح ٢٢٢٩).\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، بدء الخلق، باب صفة النار ح ٣٢٨٨) وهذا الحديث المعلق وصله أبو نعيم في المستخرج والحافظ ابن حجر بسنده إلى الطبراني عن مطلب بن شعيب عن عبد الله بن صالح عن الليث به (تغليق التعليق ٤/ ٥١٣).\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"5","page":654},{"text":"أسلم وغيرهما (^١).\nوقال عكرمة: كان الشاعران يتهاجيان فينتصر لهذا فئام من الناس، ولهذا فئام من الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ليث، عن ابن الهاد، عن يُحَنَّس مولى مصعب بن الزبير، عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج إذ عرض شاعر ينشد، فقال النبي ﷺ: \"خذوا الشيطان، أو أمسكوا الشيطان، لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-3157\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: في كل لغو يخوضون (^٤).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: في كل فن من الكلام (^٥)، وكذا قال مجاهد وغيره (^٦).\nوقال الحسن البصري: قد والله رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها مرة في شتمه فلان، ومرة في مدحه فلان (^٧). وقال قتادة: الشاعر يمدح قومًا بباطل ويذم قومًا بباطل (^٨).\n\n<span id=\"aya-3158\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: أن رجلان على عهد رسول الله أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، وإنهما تهاجيا، فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه، وهم السفهاء، فقال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ (^٩).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أكثر قولهم يكذبون فيه (^١٠). وهذا الذي قاله ابن عباس ﵁ هو الواقع في نفس الأمر. فإن الشعراء يتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم، فيتكثرون بما ليس لهم، ولهذا اختلف العلماء ﵏: فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حدًا: هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا؟ لأنهم يقولون ما لا يفعلون، على قولين.\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: \"الشياطين\"، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه بلفظ: \"المشركون\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الكريم الجزري عن عكرمة بلفظ قال الله ﷿، بدلًا من قوله: فأنزل الله تعالى.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ١١١ - ١١٠٥٧)، وصحح سنده محققوه، وأخرجه مسلم عن قتيبة بن سعيد به، (الصحيح، كتاب الشعر ح ٢٢٥٩).\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن الضحاك به وهو لم يلق ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق ليث بن كيسان عن الحسن.\n(^٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٩) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به.\n(^١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.","vol":"5","page":655},{"text":"وقد ذكر محمد بن إسحاق ومحمد بن سعد في الطبقات، والزبير بن بكار في كتاب \"الفكاهة\" أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان من أرض البصرة، وكان يقول الشعر، فقال:\nألا هل أتى الحسناء أنَّ حليلها … بميسان يسقي في زجاج وحنتم (^١)\nإذا شئت غنتني دهاقين قرية … ورقَّاصة تحدو على كل منسم\nفإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني … ولا تسقني بالأصغر المتثلم\nلعل أمير المؤمنين يسوؤه … تنادمنا بالجوسق (^٢) المتهدم\nفلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: إي والله إنه ليسوؤني ذلك، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته، وكتب إليه عمر بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر]-أما بعد- قد بلغني قولك:\nلعل أمير المؤمنين يسوؤه … تنادمنا بالجوسق المتهدم\nوأيمُ الله إنه ليسوؤني وقد عزلتك. فلما قدم على عمر بكته بهذا الشعر، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قط، وما ذاك الشعر إلا شيء طفح على لساني. فقال عمر: أظن ذلك، ولكن والله لا تعمل لي عملًا أبدًا وقد قلت ما قلت (^٣).\nفلم يذكر أنه حده على الشراب، وقد ضمنه شعره، لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ولكنه ذمَّه عمر ﵁ ولامه على ذلك وعزله به، ولهذا جاء في الحديث \"لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا\" (^٤) والمراد من هذا أن الرسول ﷺ الذي أنزل عليه هذا القرآن ليس بكاهن ولا بشاعر، لأن حاله مناف لحالهم من وجوه ظاهرة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ [الحاقة]، وهكذا قال ههنا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء] إلى أن قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء] إلى أن قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾.\n\n<span id=\"aya-3159\"></span>وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداري قال: لما نزلت ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ\n_________\n(^١) جرار خُضُر تضرب إلى حمرة.\n(^٢) أي: الحصن أو شبيه الحصن.\n(^٣) هذه القصة والأبيات في الطبقات الكبرى لابن سعد (٤/ ١٤٠).\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، كتاب الشعر ح ٢٢٥٧).","vol":"5","page":656},{"text":"(٢٢٤)﴾ جاء حسَّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك إلى رسول الله ﷺ وهم يبكون، فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء، فتلا النبي ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: \"أنتم\" ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قال: \"أنتم\" ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال: \"أنتم\" رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من رواية ابن إسحاق (^١).\nوقد روى ابن أبي حاتم أيضًا عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أُسامة، عن الوليد بن أبي كثير، عن يزيد، عن عبد الله، عن أبي الحسن مولى بني نوفل أن حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، أتيا رسول الله ﷺ حين نزلت هذه الآية ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ يبكيان، فقال رسول الله ﷺ وهو يقرؤها عليهما ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ حتى بلغ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: \"أنتم\" (^٢).\nوقال أيضًا حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة قال: لما نزلت ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد علم الله أني منهم، فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية (^٣)، وهكذا قال ابن عباس وعكرمة مجاهد وقتادة وزيد بن أسلم وغير واحد: أن هذا استثناء مما تقدم (^٤). ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآيات شعراء الأنصار؟ وفي ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها، والله أعلم، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم حتى يدخل فيه من كان متلبسًا من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب ورجع وأقلع وعمل صالحًا، وذكر الله كثيرًا في مقابلة ما تقدم من الكلام السيء. فإن الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كان يذمه، كما قال عبد الله بن الزبعري حين أسلم:\nيا رسول المليك إن لساني … اتق ما فتقت إذ أنا بور\nإذ أجاري الشيطان في سنن … الغي ومن مال ميله مثبور\nوكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، كان من أشدِّ الناس عداوة للنبي ﷺ وهو ابن عمه وأكثرهم له هجوًا، فلما أسلم لم يكن أحد أحب إليه من رسول الله ﷺ، وكان يمدح رسول الله ﷺ بعد ما كان يهجوه، ويتولاه بعد ما كان قد عاداه، وهكذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أن أبا سفيان صخر بن حرب لما أسلم قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن، قال: \"نعم\" قال: معاوية تجعله كاتبًا بين يديك؟ قال: \"نعم\" قال وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري من طريق ابن إسحاق به، ولم يصرح بالسماع بل عنعن وقد توبع كما سيأتي في الرواية التالية فيكون سنده حسنًا لغيره.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق أبي أسامة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٤٨٨).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عنه، ويشهد له سابقه ولاحقه، فقول قتادة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.","vol":"5","page":657},{"text":"أقاتل المسلمين؟ قال: \"نعم\" وذكر الثالثة (^١)، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قيل: معناه ذكروا الله كثيرًا في كلامهم، وقيل في شعرهم. كلاهما صحيح مكفِّر لما سبق.\nوقوله تعالى: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال ابن عباس: يردُّون على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين (^٢)، وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد (^٣)، وهذا كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لحسان اهجهم -أو قال- \"اهجهم وجبريل معك\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال للنبي ﷺ: إن الله ﷿ قد أنزل في الشعراء ما أنزل، فقال: \"إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأن ما ترمونهم به نضح النبل\" (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر].\nوفي \"الصحيح\" أن رسول الله ﷺ قال: \"إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة\" (^٦).\nقال قتادة بن دعامة في قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ يعني: من الشعراء وغيرهم (^٧).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا إياس بن أبي تميمة قال: حضرت الحسن ومرَّ عليه بجنازة نصراني، فقال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.\nوقال عبد الله بن رباح، عن صفوان بن محرز أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى، حتى أقول قد اندق قضيب زوره، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (^٨).\nوقال ابن وهب: أخبرنا شريح الإسكندراني عن بعض المشيخة أنهم كانوا بأرض الروم، فبينما هم ليلة على نار يشتوون عليها أو يصطلون، إذا بركاب قد أقبلوا فقاموا إليهم، فإذا فضالة بن عُبيد فيهم، فأنزلوه فجلس معهم، قال: وصاحب لنا قائم قال يصلي حتى مرَّ بهذه الآية ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ قال فضالة بن عبيد: هؤلاء الذين يخربون البيت (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (الصحيح، الفضائل، باب من فضائل أبي سفيان بن حرب ح ٢٥٠١).\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق علي بن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة.\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث البراء بن عازب ﵁، (صحيح البخاري، الأدب، باب هجاء المشركين ح ٦١٥٣، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، فضائل حسان بن ثابت ﵁ ح ٢٤٨٦).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ١٤٨ ح ٢٧١٧٤)، وصحح سنده محققوه.\n(^٦) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ بنحوه (الصحيح، البر، باب تحريم الظلم ح ٢٥٧٨).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عاصم الأحول عن عبد الله بن رباح.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي عن ابن وهب به وسنده ضعيف للتعليق ولإبهام شيخ شريح الإسكندراني.","vol":"5","page":658},{"text":"وقيل: المراد بهم أهل مكة، وقيل الذين ظلموا من المشركين. والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ظالم. كما قال ابن أبي حاتم: ذكر عن زكريا بن يحيى الواسطي، حدثني الهيثم بن محفوظ أبو سعد النهدي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن المجبر، حدثنا هشام بن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: كتب أبي في وصيته سطرين: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر وينتهي الفاجر ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه، وإن يفجر ويبدل فلا أعلم الغيب ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (^١).\nآخر تفسير سورة الشعراء.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه بدون لفظ: \"الغيب\". وسنده ضعف لأن روايته تعليقًا وفيه أيضًا محمد بن عبد الرحمن بن مجبر وهو ضعيف (المغني في الضعفاء ٢/ ٦٥).","vol":"5","page":659},{"text":"<span data-type='title' id=toc-139>سُورَةُ النَّمل</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-3160\"></span>\n\n<span id=\"aya-3161\"></span>\n\n<span id=\"aya-3162\"></span>\n\n<span id=\"aya-3163\"></span>﷽\n﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾.\nقد تقدم الكلام في سورة البقرة على الحروف المقطعة في أوائل السور.\nوقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أي: هذه آيات ﴿الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بيِّن واضح ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ أي: إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لمن آمن به واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وأيقن بالدار الآخرة، والبعث بعد الموت، والجزاء علي الأعمال: خيرها وشرها، والجنة والنار، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]. ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: يكذبون بها ويستبعدون وقوعها ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: حسنّا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غيهم فهم يتيهون في ضلالهم، وكان هذا جزاء على ما كذبوا من الدار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-3164\"></span>﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾؛ أي: في الدنيا والآخرة ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾؛ أي: ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر.\n\n<span id=\"aya-3165\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾؛ أي: ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد.\nقال قتادة: ﴿لَتُلَقَّى﴾؛ أي: لتأخذ (^١).\n﴿الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أي: من عند حكيم عليم؛ أي: حكيم في أمره ونهيه، عليم بالأمور: جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان، وهو ابن عبد الرحمن النحوي، عن قتادة.","vol":"5","page":660},{"text":"<span id=\"aya-3166\"></span>\n\n<span id=\"aya-3167\"></span>﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾.\nيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ مذكِّرًا له ما كان من أمر موسى ﵇، كيف اصطفاه الله وكلمه وناجاه أعطاه من الآيات العظيمة الباهرة والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه، فجحدوا بها وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾؛ أي: اذكر حين سار موسى بأهله فأضل الطريق، وذلك في ليل وظلام، فآنس من جانب الطور نارًا؛ أي: رأى نارًا تتأجَّج وتضطرم، فقال: ﴿لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾؛ أي: عن الطريق ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾؛ أي: تستدفئون به وكان كما قال. فإنه رجع منها بخبر عظيم، واقتبس منها نورًا عظيمًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾؛ أي: فلما أتاها ورأى منظرًا هائلًا عظيمًا حيث انتهى إليها والنار تضطرم في شجرة خضراء لا تزداد النار إلا توقدًا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة، ثم رفع رأسه، فإذا نورها متصل بعنان السماء. قال ابن عباس وغيره: لم تكن نارًا، وإنما كانت نورًا يتوهج.\nوفي رواية عن ابن عباس: نور رب العالمين (^١)، فوقف موسى متعجبًا مما رأى ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾.\nقال ابن عباس: تقدس (^٢) ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾؛ أي: من الملائكة، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود هو الطيالسي، حدثنا شعبة والمسعودي، عن عمرو بن مرة، سمع أبا عبيدة يحدث عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل\"، زاد المسعودي \"وحجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سُبُحَاتُ وجهه كل شيء أدركه بصره\". ثم قرأ أبو عبيدة ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (^٤). وأصل الحديث مخرج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرة به (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وبقية إلا قول ذكرها ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح مسلم، الإيمان، باب في قوله ﷺ: \"إن الله لا ينام\" (ح ١٧٩).","vol":"5","page":661},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الذي يفعل ما يشاء، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم المباين لجميع المخلوقات، ولا تكتنفه الأرض والسموات، بل هو الأحد الصمد المنزه عن مماثلة المحدثات.\n\n<span id=\"aya-3168\"></span>\n\n<span id=\"aya-3169\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ أعلمه أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه الله العزيز الذي عزَّ كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أقواله وأفعاله، ثم أمره أن يلقي عصاه من يده ليظهر له دليلًا واضحًا على أنه الفاعل المختار القادر على كل شيء، فلما ألقى موسى تلك العصا من يده انقلبت في الحال حية عظيمة هائلة في غاية الكبر وسرعة الحركة مع ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ والجان ضرب من الحيات أسرعه حركة وأكثره اضطرابًا.\nوفي الحديث نهي عن قتل جنان (^١) البيوت (^٢)، فلما عاين موسى ذلك ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾؛ أي: لم يلتفت من شدة فرقه (^٣) ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾؛ أي: لا تخف مما ترى، فإني أريد أن أصطفيك رسولا وأجعلك نبيًا وجيهًا.\n\n<span id=\"aya-3170\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾ هذا استثناء منقطع وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على عمل سيء ثم أقلع عنه ورجع وتاب وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء]، والآيات في هذا كثيرة جدًا.\n\n<span id=\"aya-3171\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ هذه آية أخرى ودليل باهر على قدرة الله الفاعل المختار، وصدق من جعل له معجزة، وذلك أن الله تعالى أمره أن يدخل يده في جيب درعه، فإذا أدخلها وأخرجها خرجت بيضاء ساطعة كأنها قطعة قمر لها لمعان تتلألأ كالبرق الخاطف.\nوقوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾؛ أي: هاتان ثنتان من تسع آيات أؤيدك بهن وأجعلهن برهانًا لك إلى فرعون وقومه ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ وهذه هي الآيات التسع التي قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] كما تقدم تقرير ذلك هنالك.\n\n<span id=\"aya-3172\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾؛ أي: بينة واضحة ظاهرة ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وأرادوا معارضته بسحرهم، فغلبوا وانقلبوا صاغرين\n\n<span id=\"aya-3173\"></span>﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ في ظاهر أمرهم ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله ولكن جحدوها وعاندوها وكابروها ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾؛ أي: ظلمًا من أنفسهم سجية ملعونة، وعلوًا؛ أي: استكبارًا من اتباع الحق، ولهذا قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: انظر يا محمد كيف كان عاقبة أمرهم في إهلاك الله إياهم، وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة، وفحوى الخطاب يقول: احذروا أيها المكذبون بمحمد،\n_________\n(^١) جمع جان وهي: الحية الصغيرة.\n(^٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ذكر الجن وثوابهم، وصحيح مسلم، قتل الحيات.\n(^٣) أي: خوفه.","vol":"5","page":662},{"text":"الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأخرى، فإن محمدًا صلوات الله وسلامه عليه أشرف وأعظم من موسى، وبرهانه أدلّ وأقوى من برهان موسى بما آتاه الله من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله، وما سبقه من البشارات من الأنبياء به، وأخذ المواثيق له، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.\n\n<span id=\"aya-3174\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾.\nيخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه: داود وابنه سليمان ﵇، من النعم الجزيلة والمواهب الجليلة، والصفات الجميلة، وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة، والمُلك والتمكين التام في الدنيا، والنبوة والرسالة في الدين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾.\nقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن إبراهيم بن يحيى بن تمام، أخبرني أبي، عن جدي قال: كتب عمر بن عبد العزيز: إن الله لم ينعم على عبده نعمة فيحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾؛ فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان ﵇ (^١).\n\n<span id=\"aya-3175\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾؛ أي: في الملك والنبوة، وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود، فإنه قد كان لدواد مائة امرأة، ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة، فإن الأنبياء لا تورث أموالهم كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في قوله: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة\" (^٢) وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: أخبر سليمان بنعم الله عليه فيما وهبه له من الملك التام والتمكين العظيم، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير، وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضًا، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر فيما علمناه مما أخبر الله به ورسوله، ومن زعم من الجهلة والرعاع أن الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود، كما قد يتفوه به كثير من الناس، فهو قول بلا علم، ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة، إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم، ويعرف ما تقول، وليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، بل لم تزل البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خلقت إلى زماننا هذا على\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه معلق.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة مريم آية ٦.","vol":"5","page":663},{"text":"هذا الشكل والمنوال. ولكن الله سبحانه كان قد أفهم سليمان ما يتخاطب به الطيور في الهواء، وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها، ولهذا قال تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: مما يحتاج إليه الملك ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: الظاهر البين لله علينا.\nقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن [عمرو] (^١) بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"كان داود ﵇ فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلقت الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع، قال: فخرج ذات يوم وأغلقت الأبواب، فأقبلت امرأة تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة؟ والله لنفتضحنَّ بداود، فجاء داود ﵇ فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ فقال: الذي لا يهاب الملوك ولا يمتنع من الحجاب، فقال داود: أنت إذًا والله ملك الموت مرحبًا بأمر الله، فتزمل (^٢) داود مكانه حتى قبضت نفسه حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان ﵇ للطير: أظلي داود، فظللت عليه الطير حتى أظلمت عليه الأرض، فقال لها سليمان: اقبضي جناحًا جناحًا\" قال أبو هريرة: يا رسول الله كيف فعلت الطير؟ فقبض رسول الله يده وغلبت عليه يومئذ المضرحيَّة (^٣).\nقال أبو الفرج بن الجوزي: المصرحية هنَّ: النسور الحُمُر.\n\n<span id=\"aya-3176\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾؛ أي: وجمع لسلمان جنوده من الجن والإنس والطير؛ يعني: ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة في الإنس وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حر أظلته منه بأجنحتها. وقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يكف أولهم على آخرهم لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له.\nقال مجاهد: جعل على كل صنف وزعة يردون أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير كما يفعل الملوك اليوم (^٤).\n\n<span id=\"aya-3177\"></span>\n\n<span id=\"aya-3178\"></span>وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾؛ أي: حتى إذا مرّ سليمان ﵇ بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وأورد ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن أن اسم هذه النملة حرس، وأنها من قبيلة يقال لهم بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب (^٥)؛ أي: خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنهم،\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) ومسند أحمد، وفي الأصل صُحفت إلى: \"عمره\".\n(^٢) تزملَّ فلان: التفَّ بثوبه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ١٥/ ٢٥٤ ح ٩٤٣٢)، وضعفه محققوه لأن المطلب لم يسمع من أبي هريرة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وهو لم يسمع من مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) سنده ضعيف جدًا لأن إسحاق بن بشر متروك (ينظر لسان الميزان ١/ ٣٥٤).","vol":"5","page":664},{"text":"ففهم ذلك سليمان ﵇ منها ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾؛ أي: ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها عليّ من تعليمي منطق الطير والحيوان. وعلى والديَّ بالإسلام لك، والإيمان بك ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾؛ أي: عملًا تحبه وترضاه ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: إذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك، ومن قال من المفسرين أن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وأن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها.\nوعن نوف البكالي أنه قال: كان نمل سليمان أمثال الذياب (^١)، هكذا رأيته مضبوطًا بالياء المثناة من تحت، وإنما هو بالباء الموحدة وذلك تصحيف، والله أعلم. والغرض أن سليمان ﵇ فهم قولها وتبسم ضاحكًا من ذلك، وهذا أمر عظيم جدًا.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا مسعر، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود ﵇ يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك وإلا تسقنا تهلكنا. فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم (^٢).\nوقد ثبت في الصحيح عند مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"قرصت نبيًا من الأنبياء نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه، أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ فهلَّا نملة واحدة؟ \" (^٣).\n\n<span id=\"aya-3179\"></span>﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾.\nقال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندسًا يدل (^٤) سليمان ﵇ على الماء إذا كان بأرض فلاة طلبه، فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلَّهم عليه، أمر سليمان ﵇ الجان فحفروا له ذلك المكان حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان ﵇ يومًا بفلاة من الأرض فتفقد الطير ليرى الهدهد فلم يره ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ حدث يومًا عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج يقال له نافع بن الأرزق وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قف يا ابن عباس غلبت اليوم، قال: ولم؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ ويحثو على الفخ ترابًا، فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ فيصيده\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الحكم بن الوليد عن نوف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو مرسل ومن أخبار أهل الكتاب.\n(^٣) صحيح مسلم، قتل الحيات، باب النهي عن قتل النمل (ح ٢٢٤١).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف معلق.","vol":"5","page":665},{"text":"الصبي، فقال ابن عباس، لولا أن يذهب هذا فيقول رددت على ابن عباس لما أجبته، ثم قال له: ويحك إنه إذا نزل القدر عمي البصر وذهب الحذر، فقال له نافع: والله لا أجادلك في شيء من القرآن أبدًا (^١).\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله البرزي من أهل برزة في غوطة دمشق، وكان من الصالحين يصوم الإثنين والخميس، وكان أعور قد بلغ الثمانين فروى ابن عساكر بسنده إلى أبي سليمان بن زيد أنه سأله عن سبب عوره، فامتنع عليه، فألَّح عليه شهورًا، فأخبره أن رجلين من أهل خراسان نزلا عنده جمعة في قرية برزة، وسألاه عن وادٍ بها فأريتهما إياه، فأخرجا مجامر وأوقدا فيها بخورًا كثيرًا حتى عجعج الوادي بالدخان، فأخذا يعزمان والحيات تقبل من كل مكان إليهما، فلا يلتفتان إلى شيء منها، حتى أقبلت حية نحو الذراع وعيناها تتوقدان مثل الدينار (^٢)، فاستبشرا بها عظيمًا، وقالا الحمد لله الذي لم يخيب سفرنا من سنة، وكسرا المجامر، وأخذ الحية، فأدخلا في عينها ميلًا فاكتحلا به، فسألتهما أن يكحلاني فأبيا، فألححت عليهما وقلت: لابدّ من ذلك وتوعدتهما بالدولة، فكحلا عيني الواحدة اليمنى، فحين وقع في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة أنظر ما تحتها كما ترى المرآة، ثم قالا لي: سر معنا قليلًا، فسرت معهما وهما يحدثاني حتى إذا بعدت عن القرية أخذاني فكتفَّاني (^٣)، وأدخل أحدهما يده في عيني ففقأها ورمى بها ومضيا، فلم أزل كذلك ملقى مكتوفًا حتى مرَّ بي نفر ففك وثاقي، فهذا ما كان من خبر عيني.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن عمرو الغساني، حدثنا عباد بن ميسرة المنقري، عن الحسن قال: اسم هدهد سليمان ﵇ عنبر (^٤).\nوقال محمد بن إسحاق: كان سليمان ﵇ إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه تفقد الطير، وكان فيما يزعمون يأتيه نوب من كل صنف من الطير كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلِّها من حضره إلا الهدهد ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر (^٥).\n\n<span id=\"aya-3180\"></span>وقوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قال الأعمش: عن المنهال بن عمرو، عن سعيد، عن ابن عباس: يعني نتف ريشه (^٦).\nوقال عبد الله بن شداد: نتف ريشه وتشميسه (^٧)، وكذا قال غير واحد من السلف أنه نتف\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه سعيد بن بشير، ولكنه توبع فقد أخرجه الحاكم من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٠٥، ٤٠٦).\n(^٢) لأنه من الذهب وفيه بريق.\n(^٣) أي: ربطوا يداه ببعضهما.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة صدقة بن عمرو كما في التقريب.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، والرواية من الإسرائيليات.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الأعمش به.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سفيان بن عيينة عن حصين بن عبد الرحمن السلمي عن عبد الله بن شداد.","vol":"5","page":666},{"text":"ريشه وتركه ملقى بأكله الذر والنمل (^١).\nوقوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ يعني قتله ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بعذر بيّن واضح، وقال سفيان بن عيينة وعبد الله بن شداد: قدم الهدهد قالت له الطير: ما خلفك؟ فقد نذر سليمان دمك، فقال: هل استثنى؟ قالوا: نعم. قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ قال: نجوت إذًا.\nقال مجاهد: إنما دفع الله عنه ببرِّه بأمه (^٢).\n\n<span id=\"aya-3181\"></span>\n\n<span id=\"aya-3182\"></span>\n\n<span id=\"aya-3183\"></span>﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿فَمَكَثَ﴾ الهدهد ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾؛ أي: غاب زمانًا يسيرًا، ثم جاء فقال لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾؛ أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾؛ أي: بخبر صدق حق يقين، وسبأهم حمير وهم ملوك اليمن، ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ قال الحسن البصري: وهي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ.\nوقال قتادة: كانت أمها جنية، وكان مؤخر قدميها مثل حافر الدابة من بيت مملكة (^٣).\nوقال زهير بن محمد: هي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان، وأمها فارعة الجنية (^٤).\nوقال ابن جريج: بلقيس بنت ذي شرخ وأُمها: بلتعة (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان مع صاحبة سليمان ألف قيل (^٦)، تحت كل قيل مائة ألف مقاتل (^٧).\nوقال الأعمش: عن مجاهد كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيل تحت كل قيل مائة ألف مقاتل (^٨).\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ كانت من بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلًا، كل رجل منهم على عشرة آلاف\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه ليث وهو ابن أبي سليم عن مجاهد، وليث فيه مقال.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الوليد بن مسلم عن زهير، والخبر كسابقه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان عن ابن جريج، والخبر كسابقه.\n(^٦) هو الملك النافذ أو الوزير (ينظر ترتيب القاموس المحيط ٣/ ٧١٨).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن نمير عن الأعمش به، وسنده صحيح.","vol":"5","page":667},{"text":"رجل، وكانت بأرض يقال لها مأرب على ثلاثة أميال من صنعاء (^١)، وهذا القول هو أقرب على أنه كثير على مملكة اليمن، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: من متاع الدنيا مما يحتاج إليه الملك المتمكن ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف بالذهب وأنواع الجواهر واللآلئ.\nقال زهير بن محمد: كان من ذهب وصفحاته مرمولة بالياقوت والزبرجد طوله ثمانون ذراعًا، وعرضه أربعون ذراعًا (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق: كان من ذهب مفصَّص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ، وكان إنما يخدمها النساء، ولها ستمائة امرأة تلي الخدمة.\nقال علماء التاريخ: وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم، وكان فيه ثلاثمائة وستون طاقة من مشرقه ومثلها من مغربه، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها فيسجدون لها صباحًا ومساءًا (^٣)، ولهذا قال: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: عن طريق الحق ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3184\"></span>وقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ معناه ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾؛ أي: لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من الكواكب وغيرها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت]، وقرأ بعض القراء \"ألا يا اسجدوا لله\" (^٤) جعلها ألا الإستفتاحية، ويا للنداء، وحذف المنادى تقديره عنده ألا يا قوم اسجدوا لله.\nوقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعلم كل خبيئة في السماء والأرض (^٥)، وكذا قال عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد (^٦).\nوقال سعيد بن المسيب: الخبء الماء (^٧)، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: [خبء] (^٨) السموات والأرض ما جعل فيهما من الأرزاق، المطر من السماء والنبات من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الوليد بن مسلم عن زهير.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وهذه الأخبار كلها إسرائيلية.\n(^٤) قراءة متواترة.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) قول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه حفص بن عمر العدني وهو ضعيف ويشهد له سابقه ولاحقه، وقول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد وقتادة ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي يزيد التيمي عن سعيد بن المسيب، وأبو يزيد لم أعرف من هو.\n(^٨) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: \"خبا\".","vol":"5","page":668},{"text":"الأرض (^١). وهذا مناسب من كلام الهدهد الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عباس وغيره من أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض وداخلها.\nوقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾؛ أي: يعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه من الأقوال والأفعال، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [الرعد].\n\n<span id=\"aya-3185\"></span>وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾؛ أي: هو المدعو وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، الذي ليس في المخلوقات أعظم منه. ولما كان الهدهد داعيًا إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له نهي عن قتله، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى النبي ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد (^٢)، وإسناده صحيح.\n\n<span id=\"aya-3186\"></span>\n\n<span id=\"aya-3187\"></span>﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن قيل سليمان للهدهد حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾؛ أي: صدقت في إخبارك هذا ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في مقالتك لتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك؟ ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ وذلك أن سليمان ﵇ كتب كتابًا إلى بلقيس وقومها. وأعطاه ذلك الهدهد فحمله، قيل في جناحه كما هي عادة الطير، وقيل بمنقاره، وجاء إلى بلادهم فجاء إلى قصر بلقيس إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها فألقاه إليها من كوة هنالك بين يديها، ثم تولي ناحية أدبًا ورياسة، فتحيرت مما رأت وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته ففتحت ختمه وقرأته، فإذا فيه ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها،\n\n<span id=\"aya-3188\"></span>\n\n<span id=\"aya-3189\"></span>\n\n<span id=\"aya-3190\"></span>ثم قالت لهم ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ تعني: بكرمه ما رأته من عجيب أمره كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدبًا، وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأته عليهم ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ فعرفوا أنه من نبي الله سليمان ﵇، وأنه لا قبل لهم به، وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة، فإنه حصل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة (السنن، كتاب الصيد، باب ما ينهى عن قتله ح ٣٢٢٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٦٠٨)، وأخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس (المسند ٥/ ١٩٢ ح ٣٠٦٦)، وصحح سنده محققوه، وكذا أخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب في قتل الذر ح ٥٢٦٧).","vol":"5","page":669},{"text":"قال العلماء: لم يكتب أحد بسم الله الرحمن الرحيم قبل سليمان ﵇.\nوقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا في تفسيره حيث قال: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن الفضل أبو يعلى الخياط. حدثنا أبو يوسف، عن سلمة بن صالح، عن عبد الكريم أبي أُمية، عن، ابن بُريدة، عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: \"إني أعلم آية لم تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود\" قلت: يا نبي الله أي آية؟ قال: \"سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد\" قال: فانتهى إلى الباب فأخرج إحدى قدميه، فقلت نسي ثم التفت إلي وقال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (^١) وهذا حديث غريب، وإسناده ضعيف.\nوقال ميمون بن مهران: أن رسول الله ﷺ يكتب: باسمك اللَّهم حتى نزلت هذه الآية. فكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (^٢).\nوقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ قال قتادة: يقول لا تجبروا علي ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا تمتنعوا ولا تتكبروا علي وأتوني مسلمين (^٤). قال ابن عباس: موحدين (^٥).\nوقال غيره: مخلصين (^٦).\nوقال سفيان بن عيينة: طائعين (^٧).\n\n<span id=\"aya-3191\"></span>\n\n<span id=\"aya-3192\"></span>﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾.\nلما قرأت عليهم كتاب سليمان، استشارتهم في أمرها وما قد نزل بها، ولهذا قالت: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾؛ أي: حتى تحضرون وتشيرون ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: منوا إليها بعددهم وعددهم وقوتهم، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾؛ أي: نحن ليس لنا عاقة ولا بنا بأس إن شئت أن تقصديه وتحاربيه، فما لنا عاقة عنه. وبعد هذا فالأمر إليكِ مُري فينا رأيك نمتثله ونطيعه.\n\n<span id=\"aya-3193\"></span>قال الحسن البصري ﵀: فوِّضوا أمرهم إلى علجَة (^٨) تضطرب [ثدياها] (^٩) (^١٠)، فلما قالوا لها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عبد الكريم بن أبي أُمية كما في التقريب، وضعفه ابن كثير سندًا ومتنًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ميمون بن مهران، وسنده ضعيف لإرسال ميمون.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ألا تخالفوا عليَّ.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق مهران عن سفيان.\n(^٨) العلج: الرجل من كُفَّار العجم.\n(^٩) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحفت إلى: \"ثديها\".\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي أيوب السختياني عن الحسن.","vol":"5","page":670},{"text":"ما قالوا، كانت هي أحزم رأيًا منهم وأعلم بأمر سليمان، وأنه لا قبل لها بجنوده وجيوشه وما سخر له من الجن والإنس والطير. وقد شاهدت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرًا عجيبًا بديعًا، فقالت لهم: إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه فيقصدنا بجنوده ويهلكنا بمن معه ويخلص إليَّ وإليكم الهلاك والدماء دون غيرنا. ولهذا قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا﴾ قال ابن عباس: أي إذا دخلوا بلدًا عنوة أفسدوه؛ أي: خربوه (^١) ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾؛ أي: وقصدوا من فيها من الولاة والجنود فأهانوهم غاية الهوان إما بالقتل أو بالأسر.\nقال ابن عباس: قالت بلقيس ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ﴾ قال الربُّ ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3194\"></span>ثم عدلت إلى المصالحة والمهادنة والمسالمة والمخادعة والمصانعة، فقالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾؛ أي: سأبعث إليه بهدية تليق بمثله وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك منا ويكف عنا، أو يضرب علينا خراجًا نحمله إليه في كل عام ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا.\nقال قتادة ﵀: ما كان أعقلها في إسلامها وشركها، علمت أن الهدية تقع موقعًا من الناس (^٣).\nوقال ابن عباس وغير واحد: قالت لقومها: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه (^٤).\n\n<span id=\"aya-3195\"></span>﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾.\nذكر غير واحد من المفسرين من السلف وغيرهم أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك (^٥). وقال بعضهم: أرسلت بلبنة من ذهب (^٦)، والصحيح أنها أرسلت إليه بآنية من ذهب.\nقال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما: أرسلت جواري في زي الغلمان، وغلمان في زي الجواري فقالت: إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبي، قالوا: فأمرهم سليمان فتوضؤوا، فجعلت الجارية تفرغ على يدها من الماء وجعل الغلام يغترف فميزهم بذلك، وقيل: بل جعلت الجارية تغسل باطن يدها قبل ظاهرها والغلام بالعكس (^٧)، وقيل: بل جعلت الجواري يغسلن من أكفهن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق مسلم، وهو ابن صُبيح، عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق قيس بن خالد الأزدي عن قتادة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن ثابت البناني.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة بنحوه.","vol":"5","page":671},{"text":"إلى مرافقهن، والغلمان من مرافقهم إلى كفوفهم ولا منافاة بين ذلك كله، والله أعلم.\nوذكر بعضهم أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء لا من السماء ولا من الأرض، فأجرى الخيل حتى عرقت ثم ملأه من ذلك، وبخرزة وسلك ليجعله فيها ففعل ذلك والله أعلم أكان ذلك أم لا، وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات، والظاهر أن سليمان ﵇، لم ينظر إلى ما جاؤوا به بالكلية، ولا اعتنى به، بل أعرض عنه. وقال منكرًا عليهم ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾؟ أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟ ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾؛ أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾؛ أي: أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف.\nقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁: أمر سليمان الشياطين فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة، فلما رأت رسلها ذلك، قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا (^١).\nوفي هذا جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد\n\n<span id=\"aya-3196\"></span>﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: بهديتهم ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾؛ أي: لا طاقة لهم بقتالهم ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً﴾؛ أي: ولنخرجنهم من بلدتهم أذلة ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾؛ أي: مهانون مدحورون. فلما رجعت إليها رسلها بهديتها وبما قال سليمان سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة، معظِّمة لسليمان ناوية متابعته في الإسلام، ولما تحقق سليمان ﵇ قدومهم عليه، وووفودهم إليه فرح بذلك وسرَّه.\n\n<span id=\"aya-3197\"></span>﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾.\nقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان قال: فلما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان قالت: قد واللهِ عرفت ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة وما نصنع بمكابرته شيئًا، وبعثت إليه: إني قادمة عليك بملوك قومي لأنظر ما أمرك وما تدعونا إليه من دينك، ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه. وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ، فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض، ثم أقفلت عليه الأبواب ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله، ولا يرينه أحد حتى آتيك ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قَيْلِ من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل منهم ألوف كثيرة فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس ممن تحت يده فقال: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الأعمش به، وسنده حسن. والخبر من الإسرائيليات.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، والخبر من الإسرائيليات.","vol":"5","page":672},{"text":"وقال قتادة: لما بلغ سليمان أنها جاثية وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه. وكان من ذهب وقوائمه لؤلؤ وجوهر. وكان مسترًا بالديباج والحرير، وكانت عليه تسعة مغاليق، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم.\nوقد علم نبي الله أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم ودماؤهم، فقال: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ (^١) وهكذا قال عطاء الخراساني والسدي وزهير بن محمد ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فتحرم علي أموالهم بإسلامهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-3198\"></span>\n\n<span id=\"aya-3199\"></span>﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ قال مجاهد: أي مارد من الجن (^٣).\nقال شعيب الجبائي: وكان اسمه: كوزن (^٤)، وكذا قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان (^٥)، وكذا قال أيضًا وهب بن منبه. قال أبو صالح وكان كأنه جبل (^٦).\n﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ قال ابن عباس ﵁: يعني: قبل أن تقوم من مجلسك (^٧).\nوقال مجاهد: مقعدك (^٨).\nوقال السدي وغيره: كان يجلس للناس للقضاء والحكومات وللطعام، من أول النهار إلى أن تزول الشمس (^٩).\n﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ قال ابن عباس: أي: قوي على حمله أمين على ما فيه من الجوهر (^١٠)، فقال سليمان ﵊: أريد أعجل من ذلك (^١١)، ومن ههنا يظهر أن سليمان أراد بإحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهب الله له من الملك، وما سخر له من الجنود الذي لم يعطه أحد قبله ولا يكون لأحد من بعده، وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها لأن هذا خارق عظيم أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يقدموا عليه، هذا وقد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة. فلما قال سليمان أريد أعجل من ذلك ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس: وهو آصف كاتب سليمان، وكذا روى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان أنه آصف بن برخياء. وكان صديقًا يعلم الاسم الأعظم (^١٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول زهير بن محمد فقد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الوليد بن مسلم عن زهير.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد وهو لم يسمع مجاهدًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مجاهد عن ابن عباس.\n(^٨) أخرجه آدم بن أبي إياس وابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق إسباط عن السدي بنحوه.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق إسباط عن السدي.\n(^١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به.","vol":"5","page":673},{"text":"وقال قتادة: كان مؤمنًا من الإنس واسمه آصف (^١)، وكذا قال أبو صالح (^٢) والضحاك وقتادة أنه كان من الإنس، زاد قتادة من بني إسرائيل (^٣).\nوقال مجاهد: كان اسمه أسطوم.\nوقال قتادة في رواية عنه: كان اسمه بليخا (^٤)، وقال زهير بن محمد: هو رجل من الإنس يقال له: ذو النور (^٥).\nوزعم عبد الله بن لهيعة أنه الخضر (^٦)، وهو غريب جدًا.\nوقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾؛ أي: ارفع بصرك وانظر، مد بصرك مما تقدر عليه، فإنك لا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك.\nوقال وهب بن منبه: امدد بصرك فلا يبلغ مداه حتى آتيك به (^٧)، فذكروا أنه أمره أنه ينظر نحو اليمين التي فيها هذا العرش المطلوب ثم قام فتوضأ ودعا الله تعالى.\nقال مجاهد: قال: يا ذا الجلال والإكرام (^٨).\nوقال الزهري: قال: يا إلهنا وإله كل شيء إلهًا واحدًا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها. قال: فمثل بين يديه (^٩).\nقال مجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق وزهير بن محمد وغيرهم: لما دعا الله تعالى وسأله أن يأتيه بعرش بلقيس، وكان في اليمن وسليمان ﵇ ببيت المقدس غاب السرير، وغاص في الأرض ثم نبع من بين يدي سليمان (^١٠).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لم يشعر سليمان إلا وعرشها يحمل بين يديه، قال وكان هذا الذي جاء به من عباد البحر فلما عاين سليمان وملؤه ذلك ورآه مستقرًا عنده ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾؛ أي: هذا من نعم الله عليّ ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ (^١١)؛ أي: ليختبرني ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، وكقوله: ﴿ومَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند فيه ابن عثمة، وهو محمد بن خالد صدوق يخطئ كما في التقريب.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الوليد بن مسلم عن زهير.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب.\n(^٨) أخرجه آدم وابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق عثمان بن مطر عن الزهري لضعف عثمان.\n(^١٠) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق العلاء بن عبد الكريم عن مجاهد، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه، وقول محمد بن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه، وقول زهير بن محمد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الوليد بن مسلم عنه.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.","vol":"5","page":674},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾؛ أي: هو غني عن العباد وعبادتهم كريم؛ أي: كريم في نفسه وإن لم يعبده أحد فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد، وهذا كما قال موسى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨].\nوفي صحيح مسلم: \"يقول الله تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه\" (^١).\n\n<span id=\"aya-3200\"></span>﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾.\nلما جيء سليمان ﵇ بعرش بلقيس قبل قدومها أمر به أن يغير بعض صفاته ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته هل تقدم على أنه عرشها أو أنه ليس بعرشها فقال: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾.\nقال ابن عباس: نزع منه فصوصه ومرافقه (^٢).\nوقال مجاهد: أمر به فغير ما كان فيه أحمر جُعل أصفر، وما كان أصفر جُعل أحمر، وما كان أخضر جُعل أحمر غير كل شيء عن حاله (^٣).\nوقال عكرمة زادوا فيه ونقصوا (^٤).\nوقال قتادة: جعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره وزادوا فيه ونقصوا (^٥).\n\n<span id=\"aya-3201\"></span>﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؛ أي: عرض عليها عرشها وقد غُيِّر ونُكِّر وزِيدَ فيه ونقص منه فكان فيها ثبات وعقل، ولها لب ودهاء وحزم، فلم تقدم على أنه هو لبعد مسافته عنها ولا أنه غيره لما رأت من آثاره وصفاته وإن غير وبدل ونكر فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾؛ أي: يشبهه ويقاربه. وهذا غاية في الذكاء والحزم.\nوقوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ قال مجاهد: يقوله سليمان (^٦).\n\n<span id=\"aya-3202\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ هذا من تمام كلام\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة إبراهيم آية ٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الحكم بن عتيبة عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أبي سعد عن عكرمة.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"5","page":675},{"text":"سليمان ﵇ في قول مجاهد وسعيد بن جبير رحمهما الله؛ أي: قال سليمان: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ (^١) وهي كانت قد صدها؛ أي: منعها من عبادة الله وحده ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ وهذا الذي قاله مجاهد وسعيد: حسنٌ وقاله ابن جرير أيضًا.\nثم قال ابن جرير: ويحتمل أن يكون في قوله: ﴿وَصَدَّهَا﴾ ضمير يعود إلى سليمان أو إلى الله ﷿ تقديره ومنعها ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: صدها عن عبادة غير الله ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ (^٢).\nقلت: ويؤيد قول مجاهد أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح كما سيأتي.\n\n<span id=\"aya-3203\"></span>وقوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ وذلك أن سليمان ﵇ أمر الشياطين فبنوا لها قصرًا عظيمًا من قوارير؛ أي: من زجاج، وأجري تحته الماء فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه.\nواختلفوا في السبب الذي دعا سليمان ﵇ إلى اتخاذه فقيل: إنه لما عزم على تزوجها واصطفائها لنفسه، ذكر له جمالها وحسنها لكن في ساقيها هلب (^٣) عظيم ومؤخر أقدامها كمؤخر الدابة. فساءه ذلك فاتخذ هذا ليعلم صحته أم لا؟ هكذا قول محمد بن كعب القرظي وغيره.\nفلما دخلت وكشفت عن ساقيها رأى أحسن الناس ساقًا وأحسنهم قدمًا ولكن رأى على رجليها شعرًا لأنها ملكة وليس لها زوج فأحب أن يذهب ذلك عنها فقيل لها: الموسى فقالت: لا أستطيع ذلك. وكره سليمان ذلك وقال للجن: اصنعوا شيئًا غير الموسى يذهب بهذا الشعر فصنعوا له النورة. وكان أول من اتخذت له النورة (^٤)، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والسدي وابن جريج وغيرهم (^٥).\nوقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان ثم قال لها: ادخلي الصرح. ليريها ملكًا هو أعزُّ من ملكها وسلطانًا هو أعظم من سلطانا، فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها: إنه صرح ممرد من قوارير، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله وحده، وعاتبها في عبادة الشمس من دون الله (^٦).\nوقال الحسن البصري: لما رأت العلجة الصرح عرفت والله أن قد رأت ملكًا أعظم من ملكها.\nوقال محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه قال: أمر سليمان بالصرح وقد عملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضًا ثم أرسل الماء تحته ثم وضع له فيه سريره\n_________\n(^١) قول مجاهد تقدم في الرواية السابقة وقول سعيد بن جبير ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٣) الهُلْبُ: ما غَلُظَ وصَلُب من الشَّعر.\n(^٤) النورة: هو حجر يحرق يحلق به شعر العانة.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عنه، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق إسباط عنه، وقول محمد بن كعب أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر عنه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به.","vol":"5","page":676},{"text":"فجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإنس ثم قال لها: ادخلي الصرح. ليريها ملكًا هو أعز من ملكها وسلطانًا هو أعظم من سلطانها ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لا تشك أنه ماء تخوضه، قيل لها: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ (^١).\nفلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله ﷿ وحده وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله فقالت بقول الزنادقة، فوقع سليمان ساجدًا إعظامًا لما قالت وسجد معه الناس فسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع، فلما رفع سليمان رأسه قال: ويحك ماذا قلت؟ قالت: أُنسيت ما قالت، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فأسلمت وحسن إسلامها (^٢). وقد روى الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في هذا أثرًا غريبًا عن ابن عباس فقال: حدثنا الحسين بن علي عن زائدة، حدثني عطاء بن السائب، حدثنا مجاهد ونحن في الأزد قال: حدثنا ابن عباس قال: كان سليمان ﵇ يجلس على سريره ثم توضع كراسي حوله فيجلس عليها الإنس ثم يجلس الجن ثم الشياطين ثم تأتي الريح فترفعهم ثم تظلهم الطير ثم يغدون قدر ما يشتهي الراكب أن ينزل شهرًا ورواحها شهرٌ، قال فبينما هو ذات يوم في مسير له إذ تفقد الطير ففقد الهدهد فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ [النمل] قال: وكان عذابه إياه أن ينتفه ثم يلقيه في الأرض فلا يمتنع من نملة ولا من شيء من هوام الأرض.\nقال عطاء وذكر سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثل حديث مجاهد: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] فقرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ [النمل: ٢٧، ٢٨] وكتب بسم الله الرحمن الرحيم، إلى بلقيس ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ [النمل] فلما ألقى الهدهد الكتاب إليها ألقي في روعها أنه كتاب كريم وأنه من سليمان وأن لا تعلوا علي وائتوني مسلمين، قالوا: نحن أولوا قوة قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون، فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال ارجع إليهم فلما نظر إلى الغبار أخبرنا ابن عباس قال وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بيننا وبين الحيرة، قال عطاء ومجاهد حينئذٍ في الأزد.\nقال سليمان: أيكم يأتيني بعرشها؟ قال: وبين عرشها وبين سليمان حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس كما يجلس الأمراء ثم يقوم. فقال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] قال سليمان: أريد أعجل من ذلك، فقال الذي عنده علم من الكتاب أنا أنظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتدَّ إليك طرفك قال فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه ردَّ سليمان بصره، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان من تحت كرسي كان سليمان يضع عليه رجله ثم يصعد إلى السرير، قال: فلما رأى سليمان عرشها قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠]، ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن إسحاق به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم وهو تتمة لقبل الأثر السابق.","vol":"5","page":677},{"text":"عَرْشَهَا﴾ فلما جاءت قيل: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو قال: فسألته حين جاءته عن أمرين قالت لسليمان: أريد ماء ليس من أرض ولا سماء. وكان سليمان إذا سئل عن شيء سأل الإنس ثم الجن ثم الشياطين قال: فقالت الشياطين هذا هين أجر الخيل ثم خذ عرقها ثم املأ منه الآنية. قال فأمر بالخيل فأجريت ثم أخذ عرقها فملأ منه الآنية، قال: وسألت عن لون الله ﷿، قال فوثب سليمان عن سريره فخر ساجدًا فقال: يا ربِّ لقد سألتني عن أمر إنه ليتكايد (^١) في قلبي أن أذكره لك، فقال: ارجع فقد كفيتكهم قال: فرجع إلى سريره قال: ما سألت عنه؟ قالت: ما سألتك إلا عن الماء فقال لجنوده: ما سألت عنه؟ فقالوا: ما سألتك إلا عن الماء، قال: ونسوه كلهم. قال: وقالت الشياطين: إن سليمان يريد أن يتخذها لنفسه فإن اتخذها لنفسه ثم ولد بينهما ولد لم ننفك من عبوديته، قال: فجعلوا صرحًا ممردًا من قوارير فيه السمك قال: فقيل لها: ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها فإذا هي شعراء. فقال سليمان: هذا قبيح فما يذهبه؟ قالوا: يذهبه الموسى فقال: أثر الموسى قبيح قال: فجعلت الشياطين النورة. قال: فهو أول من جعلت له النورة، ثم قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث (^٢).\nقلت: بل هو منكر غريب جدًا ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس، والله أعلم.\nوالأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله تعالى فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان وما لم يكن ومما حرف وبدل ونسخ. وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ ولله الحمد والمنة.\nأصل الصرح في كلام العرب هو القصر وكل بناء مرتفع، قال الله ﷿ إخبارًا عن فرعون لعنه الله أنه قال لوزيره هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] الآية. والصرح قصر في اليمن عالي البناء، والممرد المبني بناءً محكمًا أملس ﴿مِنْ قَوَارِير﴾؛ أي: زجاج، وتمريد البناء تمليسه، ومارد: حصن بدومة الجندل، والغرض أن سليمان ﵇ اتخذ قصرًا عظيمًا منيفًا من زجاج لهذه الملكة ليريها عظمة سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما آتاه الله وجلالة ما هو فيه وتبصرت في أمره انقادت لأمر الله تعالى وعرفت أنه نبي كريم، وملك عظيم، وأسلمت لله ﷿، وقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾؛ أي: بما سلف من كفرها وشركها وعبادتها وقومها للشمس من دون الله ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: متابعة لدين سليمان في عبادته لله وحده لا شريك له الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا.\n\n<span id=\"aya-3204\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾.\nيخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح ﵇ حين بعثه الله إليهم فدعاهم إلى\n_________\n(^١) في حاشية الأصل يعني: \"يتعاظم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي شيبة به. وضعفه الحافظ ابن كثير.","vol":"5","page":678},{"text":"عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ قال مجاهد: مؤمن وكافر كقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾؟ ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾ [الأعراف].\n\n<span id=\"aya-3205\"></span>﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾؛ أي: لم تدعون بحضور العذاب ولا تطلبون من الله رحمته ولهذا قال: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾؛ أي: ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرًا، وذلك أنهم لشقائهم كان لا يصيب أحدًا منهم سوء إلا قال: هذا من قبل صالح وأصحابه.\nقال مجاهد: تشاءموا بهم (^١).\nوهذا كما قال الله تعالي إخبارًا عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]؛ الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]؛ أي: بقضائه وقدره،\n\n<span id=\"aya-3206\"></span>وقال تعالى مخبرًا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ الآية [يس: ١٨ - ١٩]، وقال هؤلاء: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: الله يجازيكم على ذلك ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾.\nقال قتادة: تبتلون بالطاعة والمعصية (^٢).\nوالظاهر أن المراد بقوله: ﴿تُفْتَنُونَ﴾؛ أي: تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال.\n\n<span id=\"aya-3207\"></span>﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾.\nيخبر تعالى عن طغاة ثمود ورؤوسهم الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلال والكفر وتكذيب صالح، وآلَ بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة وهموا بقتل صالح أيضًا، بأن يبيتوه في أهله ليلًا فيقتلوه غيلة، ثم يقولوا لأوليائه من أقربيه: إنهم ما علموا بشيء من أمره، وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به من أنهم لم يشاهدوا ذلك فقال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: مدينة ثمود ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾؛ أي: تسعة نفر ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود، لأنهم كانوا كبراءهم ورؤساءهم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"5","page":679},{"text":"قال العوفي، عن ابن عباس: هؤلاء هم الذين عقروا الناقة (^١)؛ أي: الذين صدر ذلك عن رأيهم ومشورتهم قبحهم الله ولعنهم، وقد فعل ذلك.\nوقال السدي، عن أبي مالك عن ابن عباس: كان أسماء هؤلاء التسعة: رعمي، ورعيم، وهرما، وهريم، وداب، وصواب، ورياب، ومسطع، وقدار بن سالف عاقر الناقة (^٢)؛ أي: الذي باشر ذلك بيده، قال الله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ [القمر]، وقال تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ [الشمس].\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا يحيى بن ربيعة الصنعاني، سمعت عطاء -هو ابن أبي رباح- يقول: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ قال: كانوا يقرضون الدراهم (^٣)، يعني: أنهم كانوا يأخذون منها وكأنهم كانوا يتعاملون بها عددًا كما كان العرب يتعاملون.\nوقال الإمام مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض (^٤).\nوفي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: أن رسول الله ﷺ نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس (^٥). والغرض أن هؤلاء الكفرة الفسقة كان من صفاتهم الإفساد في الأرض، بكل طريق يقدرون عليها، فمنها ما ذكره هؤلاء الأئمة وغير ذلك.\n\n<span id=\"aya-3208\"></span>\n\n<span id=\"aya-3209\"></span>\n\n<span id=\"aya-3210\"></span>\n\n<span id=\"aya-3211\"></span>\n\n<span id=\"aya-3212\"></span>وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾؛ أي: تحالفوا وتبايعوا على قتل نبي الله صالح ﵇ من لقيه ليلًا غيلة، فكادهم الله وجعل الدائرة عليهم.\nقال مجاهد: تقاسموا وتحالفوا على هلاكه، فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين (^٦).\nوقال قتادة: تواثقوا على أن يأخذوه ليلًا فيقتلوه، وذكر لنا أنهم بينما هو معانيق (^٧) إلى صالح ليفتكوا به إذ بعث الله عليهم صخرة فأهمدتهم (^٨).\nقال العوفي، عن ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة، قالوا حين عقروها: لنبيتن صالحًا وأهله فنقتلهم ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئًا، وما لنا به من علم فدمرهم الله أجمعين (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف معلق.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفيه يحيى بن ربيعة ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٩/ ١٤٤).\n(^٤) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، البيوع، باب بيع الذهب بالفضة ح ٣٧)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق مالك به، وسنده صحيح.\n(^٥) سنن أبي داود، البيوع، باب في كسر الدراهم (ح ٣٤٤٩)، وسنده ضعيف لأن فيه محمد بن فضاء وهو ضعيف (التقريب ص ٥٠٢).\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أي: يمشون بتبختر (ينظر ترتيب القاموس المحيط ٣/ ٣٢٩).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به.","vol":"5","page":680},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: قال هؤلاء التسعة بعدما عقروا الناقة: هَلمَّ فلنقتل صالحًا، فإن كان صادقًا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبًا كنا قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلًا ليبيتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطأوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم منشدخين (^١) قد رضخوا (^٢) بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، ثم همُّوا به فقامت عشيرته دونه، ولبسوا السلاح وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبدًا وقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقًا فلا تزيدوا ربكم عليكم غضبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم من وراء ما تريدون، فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لما عقروا الناقة قال لهم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]، قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة أيام، فنحن نفرغ منه وأهله قبل ثلاث، وكان لصالح مسجد في الحجر عند شعب هناك يصلي فيه، فخرجوا إلى كهف؛ أي: غار هناك ليلًا فقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله ففرغنا منهم، فبعث الله عليهم صخرة من الهضب حيالهم فخشوا أن تشدخهم فتبادروا، فانطبقت عليهم الصخرة وهم في ذلك الغار، فلا يدري قومهم أين هم، ولا يدرون ما فعل بقومهم، فعذب الله هؤلاء ههنا، وهؤلاء ههنا، وأنجى الله صالحًا ومن معه ثم قرأ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ أي: فارغة ليس فيها أحد ﴿بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-3213\"></span>\n\n<span id=\"aya-3214\"></span>﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾.\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط ﵇ أنه أنذر قومه نقمة الله بهم في فعلهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكور دون الإناثِ، وذلك فاحشة عظيمة استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾؛ أي: يرى بعضكم بعضًا، وتأتون في ناديكم المنكر ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾ أي: لا تعرفون شيئًا لا طبعًا ولا شرعًا كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء]،\n\n<span id=\"aya-3215\"></span>﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾؛ أي: يتحرجون من فعل ما تفعلون، ومن إقراركم على صنيعكم فأخرجوهم من بين أظهركم فإنهم لا يصلحون\n_________\n(^١) الشدخ هو كسر الشيء الأجوف كالرأس ونحوه.\n(^٢) الرضحَ هو كسر الرأس.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ به.","vol":"5","page":681},{"text":"لمجاورتكم في بلادكم فعزموا على ذلك، فدمر الله عليهم وللكافرين أمثالها،\n\n<span id=\"aya-3216\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧)﴾ أي: من الهالكين مع قومها، لأنها كانت ردءًا لهم على دينهم وعلى طريقتهم، في رضاها بأفعالهم القبيحة، فكانت تدل قومها على ضيفان لوط ليأتوا إليهم، لا أنها كانت تفعل الفواحش تكرمة لنبي الله صلوات الله وسلامه عليه لا كرامة لها.\n\n<span id=\"aya-3217\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾؛ أي: حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ولهذا قال: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾؛ أي: الذين قامت عليهم الحجة، ووصل إليه الإنذار فخالفوا الرسول وكذبوه وهموا بإخراجه من بينهم.\n\n<span id=\"aya-3218\"></span>\n\n<span id=\"aya-3219\"></span>﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾.\nيقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ أي: على نعمه على عباده من النعم التي لا تعد ولا تحصى وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى، وأن يسلم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم وهم رسله وأنبياؤه الكرام، عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام، وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره: إن المراد بعباده الذين اصطفى، هم الأنبياء (^١)، قال: وهو كقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات].\nوقال الثوري والسدي: هم أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم أجمعين (^٢)، وروي نحوه عن ابن عباس أيضًا (^٣)، ولا منافاة فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى. والقصد أن الله تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعد ذكره لهم ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد وما أحلَّ بأعدائه من الخزي والنكال والقهر، أن يحمدوه على جميع أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار.\nوقد قال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا الحكم بن ظهير عن السدي -إن شاء الله-، عن أبي مالك، عن ابن عباس ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قال: هم أصحاب محمد ﷺ اصطفاهم الله لنبيه ﵃ (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.\n(^٢) قول الثوري أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن المبارك عنه، وقول السدي ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف جدًا بسبب الحكم بن ظهير وهو متروك الحديث كما في التقريب.\n(^٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٤٣)، وسنده كسابقه ينظر: (مجمع الزوائد ٧/ ٨٧).","vol":"5","page":682},{"text":"أخرى. ثم شرع تعالى يبين أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾؛ أي: خلق تلك السموات في ارتفاعها وصفائها. وما جعل فيها من الكواكب النيرة والنجوم الزاهرة والأفلاك الدائرة. وخلق الأرض في استفالها وكثافتها وما جعل فيها من الجبال والأطواد والسهول والأوعار، والفيافي والقفار، والزروع والأشجار، والثمار والبحار، والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾؛ أي: جعله رزقًا للعباد ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ﴾؛ أي: بساتين ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾؛ أي: منظر حسن وشكل بهي ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ أي: لم تكونوا تقدرون على إنبات أشجارها. وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق المستقل بذلك المتفرد به دون ما سواه من الأصنام والأنداد كما يعترف به هؤلاء المشركون كما قال تعالى قي الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣]؛ أي: هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة، من هو المتفرد بالخلق والرزق ولهذا قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؟ أي: أإله مع الله يعبد، وقد تبيَّن لكم ولكل ذي لبّ مما يعترفون به أيضًا أنه الخالق الرازق.\nومن المفسرين من يقول معنى قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فعل هذا وهو يرجع إلى معنى الأول، لأن تقدير الجواب أنهم يقولون ليس ثم أحد فعل هذا معه بل هو المتفرد به، فيقال فكيف تعبدون معه غيره وهو المستقل المتفرد بالخلق والرزق والتدبير؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]. وقوله تعالى ههنا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أمّن في هذه الآيات كلها تقديره، أمن يفعل هذه الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر لأن في قوة الكلام ما يرشد إلى ذلك. وقد قال الله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nثم قال في آخر الآية: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾؛ أي: يجعلون لله عدلًا ونظيرًا. وهكذا قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ﴾ [الزمر: ٩]؛ أي: أمن هو هكذا كمن ليس كذلك؟ ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾؛ أي: أمن هو شهيد على أفعال الخلق حركاتهم وسكناتهم يعلم الغيب جليله وحقيره كمن هو لا يعلم ويسمع ولا يبصر من هذه الأصنام التي عبدوها من دون الله؟ ولهذا قال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]، وهكذا هذه الآيات الكريمة كلها.\n\n<span id=\"aya-3220\"></span>﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾؛ أي: قارة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا","vol":"5","page":683},{"text":"ترجف بهم فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة بل جعلها من فضله ورحمته مهادًا بساطًا ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [غافر: ٦٤].\n﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾؛ أي: جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة شقها في خلالها وصرَّفها فيها ما بين أنهار كبار وصغار وبين ذلك، وسيَّرها شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطارهم حيث ذرأهم في أرجاء الأرض وسيَّر لهم أرزاقهم بحسب ما يحتاجون إليه ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا شامخة ترسي الأرض وتثبتها لئلا تميد بهم ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾؛ أي: جعل بين المياه العذبة والمالحة حاجزًا؛ أي: مانعًا يمنعها من الاختلاط لئلا يفسد هذا بهذا، وهذا بهذا فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقضاء كل منهما على صفته المقصودة منه، فإن البحر الحلو هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس، والمقصود منها أن تكون عذبة زلالًا يسقى الحيوان والنبات والثمار منها. والبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء والأقطار من كل جانب، والمقصود منها أن يكون ماؤها ملحًا أجاجًا لئلا يفسد الهواء بريحها كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ [الفرقان: ٥٣]، ولهذا قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؟ أي: فعل هذا، أو يعبد على القول الأول والآخر؟. وكلاهما متلازم صحيح ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: في عبادتهم غيره.\n\n<span id=\"aya-3221\"></span>﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾.\nينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد، المرجو عند النوازل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، وهكذا قال ههنا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾؛ أي: من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه.\nقال الإمام أحمد: أنبأنا عفان: أنبأنا وهيب، أنبأنا خالد الحذاء، عن أبي تميمة الهجيمي، عن رجل من بلهجيم قال: قلت: يا رسول الله إلامَ تدعو؟ قال: \"أدعو إلى الله وحده الذي إن مسك ضرٌّ فدعوته كشف عنك، والذي إن أضللت بأرض قفر فدعوته ردَّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك\" قال: قلت: أوصني، قال: \"لا تسبنَّ أحدًا ولا تزهدنَّ في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تُفِرغَ من دلوك في إناء المستقي، واتّزر إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة\" (^١).\nوقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر، فذكر اسم الصحابي فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا يونس هو: ابن عبيد، حدثنا عبيدة الهجيمي، عن أبي تميمة الهجيمي، عن جابر بن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤/ ٢٣٩ ح ٢٠٦٣٦)، وصحح سنده محققوه.","vol":"5","page":684},{"text":"سليم الهجيمي قال: أتيت رسول الله ﷺ -وهو مُحتَبٍ بشملة، وقد وقع هدبها على قدميه فقلت: أيكم محمد رسول الله؟ فأومأ بيده إلى نفسه، فقلت: يا رسول الله أنا من أهل البادية وفيّ جفاؤهم فأوصني، قال: \"لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك، فلا تشتمه بما تعلم فيه فإنه يكون لك أجره وعليه وزره، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، ولا تسبن أحدًا\" قال: فما سببت بعده أحدًا ولا شاة ولا بعيرا (^١). وقد روى أبو داود والنسائي لهذا الحديث طرقًا وعندهما طرف صالح منه (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم، حدثنا عبدة بن نوح، عن عمر بن الحجاج، عن عبيد الله بن أبي صالح قال: دخل عليَّ طاوس يعودني فقلت له: ادعُ الله لي يا أبا عبد الرحمن، فقال: ادع لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه (^٣).\nوقال وهب بن منبه: قرأت في الكتاب الأول أن الله تعالى يقول: بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات بمن فيهن، والأرضون بمن فيهن، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجًا ومن لم يعتصم بي فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء فأكله إلى نفسه (^٤).\nوذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي قال هذا الرجل: كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني فركب معي ذات مرة رجل فمررنا على بعض الطريق على طريق غير مسلوكة فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب، فقلت: لا خبرة لي فيها، فقال: بل هي أقرب، فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر ووادٍ عميق وفيه قتلى كثيرة فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه وسل سكينًا معه وقصدني، ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله وقلت: خذ البغل بما عليه، فقال هو لي: وإنما أريد قتلك، فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين فقال: عجِّل، فقمت أصلي فأرتج علي القرآن فلم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفًا متحيرًا وهو يقول: هيه افرغ، فأجرى الله على لساني قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده فخر صريعًا، فتعلقت بالفارس وقلت: بالله من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالمًا.\nوذكر في ترجمة فاطمة بنت الحسن أُم أحمد العجيلة قالت: هزم الكفار يومًا المسلمين في\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤/ ٢٨٢٣٧ ح ٢٠٦٣٥)، وصححه محققوه بالمتابعة.\n(^٢) سنن أبي داود، اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار (ح ٤٠٨٤)، والسنن الكبرى للنسائي، الزينة (ح ٩٦٩١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٤٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبدة بن نوح ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٦/ ٩٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه.","vol":"5","page":685},{"text":"غزوة فوقف جواد جيد بصاحبه وكان من ذوي اليسار ومن الصلحاء، فقال للجواد: ما لك؟ ويلك؛ إنما كنت أعدك لمثل هذا اليوم، فقال له الجواد: وما لي لا أقصر وأنت تكل العلوفة إلى السواس فيظلمونني ولا يطعمونني إلا القليل؟ فقال: لك علي عهد الله أن لا أعلفك بعد هذا اليوم إلا في حجري، فجرى الجواد عند ذلك ونجى صاحبه وكان لا يعلفه بعد ذلك إلا في حجره، واشتهر أمره بين الناس وجعلوا يقصدونه ليسمعوا منه ذلك وبلغ ملك الروم أمره، فقال: ما تضام بلدة يكون هذا الرجل فيها، واحتال ليحصله في بلده فبعث إليه رجلًا من المرتدين عنده، فلما انتهى إليه أظهر له أنه قد حسنت نيته في الإسلام وقومه حتى استوثق، ثم خرجا يومًا يمشيان على جنب الساحل، وقد واعد شخصًا آخر من جهة ملك الروم ليتساعدا على أسره، فلما اكتنفاه ليأخذاه رفع طرفه إلى السماء وقال: اللَّهم إنه إنما خدعني بك فاكفنيهما بما شئت. قال: فخرج سبعان فأخذاهما ورجع الرجل سالمًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: يخلف قرنًا لقرن قبلهم وخلفًا لسلف كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]؛ أي: قومًا يخلف بعضهم بعضًا كما قدمنا تقريره، وهكذا هذه الآية ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: أُمة بعد أُمة، وجيلًا بعد جيل، وقومًا بعد قوم، لو شاء لأوجدهم كلهم في وقت واحد، ولم يجعل بعضهم من ذرية بعض، بل لو شاء لخلقهم كلهم أجمعين كما خلق آدم من تراب، ولو شاء أن يجعلهم بعضهم من ذرية بعض، ولكن لا يميت أحدًا حتى تكون وفاة الجميع في وقت واحد، فكانت تضيق عليهم الأرض، وتضيق عليهم معايشهم وأكسابهم، ويتضرر بعضهم ببعض، ولكن اقتضت حكمته وقدرته أن يخلقهم من نفس واحدة، ثم يكثرهم غاية الكثرة، ويذرأهم في الأرض، ويجعلهم قرونًا بعد قرون، وأممًا بعد أمم، حتى ينقضي الأجل وتفرغ البرية، كما قدَّر ذلك ﵎، وكما أحصاهم وعدَّهم عدًا، ثم يقيم القيامة ويوفي كل عامل عمله إذا بلغ الكتاب أجله، ولهذا قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؛ أي: يقدر على ذلك أو أإله مع الله يعبد؟ وقد علم أن الله هو المتفرد بفعل ذلك وحده لا شريك له؟ ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم.\n\n<span id=\"aya-3222\"></span>﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾؛ أي: بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية كما قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، الآية ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: بين يدي السحاب الذي فيه مطر يغيث الله","vol":"5","page":686},{"text":"به عباده المجدبين الأزلين القنطين ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3223\"></span>﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾.\nأي هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخلق ثم يعيده كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣)﴾ [البروج]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].\n﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: بما ينزل من مطر السماء وينبت من بركات الأرض كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ [الطارق]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد: ٤]، فهو ﵎ ينزل من السماء ماءً مباركًا فيسكنه في الأرض، ثم يخرج به منها أنواع الزروع والثمار والأزاهير وغير ذلك من ألوان شتى ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾ [طه]، ولهذا قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؛ أي: فعل هذا وعلى القول الآخر بعد هذا ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ على صحة ما تدعونه من عبادة آلهة أخرى ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في ذلك وقد علم أنه لا حجة لهم ولا برهان كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون].\n\n<span id=\"aya-3224\"></span>﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول معلمًا لجميع الخلق أنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ استثناء منقطع، أي: لا يعلم أحد ذلك إلا الله ﷿ فإنه المنفرد بذلك وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان]، والآيات في هذا كثيرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾؛ أي: وما يشعر الخلائق الساكنون في السموات والأرض بوقت الساعة كما قال تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي: ثقل علمها على أهل السموات والأرض.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂، قالت: من زعم أنه يعلم -يعني النبي ﷺ- ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.","vol":"5","page":687},{"text":"وقال قتادة: إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء وجعلها يهتدى بها وجعلها رجومًا للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. وإن أناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن ولد بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والقصير والطويل والحسن والدميم، وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب، وقضى الله تعالى أنه لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (^١). رواه ابن أبي حاتم بحروفه وهو كلام جليل متين صحيح (^٢).\n\n<span id=\"aya-3225\"></span>وقوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾؛ أي: انتهى علمهم وعجز عن معرفة وقتها، وقرأ آخرون \"بل أدرك علمهم\" (^٣)؛ أي: تساوى علمهم في ذلك كما في الصحيح لمسلم أن رسول الله ﷺ قال لجبريل وقد سأله عن وقت الساعة: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\" (^٤)؛ أي: تساوى في العجز عن درك ذلك علم المسؤول والسائل.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: غاب (^٥).\nوقال قتادة: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ يعني: بجهلهم بربهم، يقول: لم ينفذ لهم علم في الآخرة (^٦).\nهذا قول وقال ابن جريج: عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ حين لم ينفع العلم (^٧).\nوبه قال عطاء الخراساني والسدي: أن علمهم إنما يدرك ويكمل يوم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك (^٨)، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ [مريم].\nوقال سفيان، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن: أنه كان يقرأ \"بل أدرك علمهم\" قال: اضمحل علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو جعفر الرازي صدوق سيء الحفظ وما يرويه هنا ليس من نسخة أبي العالية، وقد توبع في رواية البخاري لكن بدون ذكر هذه الآية فقد أخرجه البخاري من طريق وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر به وقد ورد فيه آيات غير الآية المذكورة أعلاه (الصحيح، التفسير، سورة النجم ح ٤٨٥٥).\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) وهي قراءة متواترة.\n(^٤) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (ح ٨).\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد هذا ضعيف كما في التقريب.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ابن جريج به، وعطاء لم يسمع من ابن عباس ﵄.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق إسباط عن السدي.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان به وسنده ضعيف لضعف عمرو بن عبيد كما في التقريب.","vol":"5","page":688},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ عائد على الجنس، والمراد الكافرون، كما قال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ [الكهف]؛ أي: الكافرون منكم. وهكذا قال ههنا: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾؛ أي: شاكون في وجودها ووقوعها ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾؛ أي: في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها.\n\n<span id=\"aya-3226\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن منكري البعث من المشركين: إنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظمًا ورفاتًا وترابًا،\n\n<span id=\"aya-3227\"></span>ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: ما زلنا نسمع بهذا نحن وآباؤنا ولا نرى له حقيقة ولا وقوعًا.\nوقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعنون: ما هذا الوعد بإعادة الأبدان ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: أخذه قوم عمَّن قبلهم من كتب يتلقاه بعض عن بعض وليس له حقيقة،\n\n<span id=\"aya-3228\"></span>قال الله تعالى مجيبًا لهم عما ظنوه من الكفر وعدم المعاد: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: المكذبين بالرسل وبما جاؤوهم به من أمر المعاد وغيره كيف حلَّت بهم نقمة الله وعذابه ونكاله ونجى الله من بينهم رسله الكرام ومن اتبعهم من المؤمنين، فدلَّ ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته.\n\n<span id=\"aya-3229\"></span>ثم قال تعالى مسليًا لنبيه ﷺ: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: المكذبين بما جئت به ولا تأسف عليهم وتذهب نفسك عليهم حسرات ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ أي: في كيدك، ورد ما جئت به فإن الله مؤيدك وناصرك ومظهر دينك على من خالفه وعانده في المشارق والمغارب.\n\n<span id=\"aya-3230\"></span>\n\n<span id=\"aya-3231\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١)﴾؟ قال الله تعالى مجيبًا لهم: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [قال ابن عباس: أن يكون قرب أو أن يقرب لكم (^١) بعض الذي تستعجلون] (^٢)، وهكذا قال مجاهد والضحاك وعطاء الخراساني وقتادة والسدي (^٣)، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]، وقال تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٣) قول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وبقية الأقوال ذكرها ابن أبي حاتم بحذف السند.","vol":"5","page":689},{"text":"﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ [العنكبوت]، وإنما دخلت اللام في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ لأنه ضمن معنى عَجِلَ لكم، كما قال مجاهد في رواية عنه: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ عجل لكم (^١).\n\n<span id=\"aya-3232\"></span>ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾؛ أي: في إسباغه نعمه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم\n\n<span id=\"aya-3233\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾؛ أي: يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥]\n\n<span id=\"aya-3234\"></span>ثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السموات والأرض وأنه عالم الغيب والشهادة، وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه، فقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.\nقال ابن عباس: يعني وما من شيء (^٢) ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وهذه كقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج].\n\n<span id=\"aya-3235\"></span>﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من الهدى والبيان والفرقان أنه يقصُّ على بني إسرائيل وهم حملة التوراة والإنجيل ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ كاختلافهم في عيسى وتباينهم فيه، فاليهود افتروا، والنصارى غلوا، فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل أنه عبد من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام، عليه أفضل الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ [مريم].\n\n<span id=\"aya-3236\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ أي: هدى لقلوب المؤمنين به ورحمة لهم في العمليات.\n\n<span id=\"aya-3237\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: في انتقامه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعال عباده وأقوالهم\n\n<span id=\"aya-3238\"></span>\n\n<span id=\"aya-3239\"></span>﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: في جميع أمورك وبلغ رسالة ربك ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾؛ أي: أنت على الحق المبين وإن خالفك من خالفك ممن كتبت عليه الشقاوة وحقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾؛ أي: لا تسمعهم شيئًا ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة وفي آذانهم وقر الكفر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾\n\n<span id=\"aya-3240\"></span>﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾؛ أي: إنما يستجيب لك من هو سميع بصير،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه كما في الرواية السابقة.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.","vol":"5","page":690},{"text":"السمع والبصر النافع في القلب والبصيرة، الخاضعُ لله ولما جاء عنه على ألسنة الرسل ﵈.\n\n<span id=\"aya-3241\"></span>﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾.\nهذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض، قيل: من مكة، وقيل: من غيرها كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى فتكلم الناس على ذلك، قال ابن عباس والحسن وقتادة.\nويروى عن علي ﵁: تكلمهم كلامًا؛ أي: تخاطبهم مخاطبة (^١).\nوقال عطاء الخراساني: تكلمهم فتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (^٢). ويروى هذا عن علي واختاره ابن جرير وفي هذا القول نظر لا يخفى، والله أعلم.\nوقال ابن عباس في رواية؛ تجرحهم، وعنه رواية قال: كلّا تفعل هذا وهذا (^٣)، وهو قول حسن ولا منافاة، والله أعلم.\nوقد ورد في ذكر الدابة أحاديث وآثار كثيرة فلنذكر منها ما تيسر والله المستعان.\nقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن فرات، عن أبي الطُفيل، عن حذيفة بن أُسيد الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة، فقال: \"لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان والدابَّة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم ﵇، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا\" (^٤). وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من طرق عن فرات القزاز، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة موقوفًا. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه مسلم أيضًا من حديث عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عنه مرفوعًا، فالله أعلم (^٥).\n(طريق أخرى) قال أبو داود الطيالسي: عن طلحة بن عمرو وجرير بن حازم، فأما طلحة فقال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عمير الليثي: أن أبا الطفيل حدثه عن حذيفة بن أُسيد\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يونس بن عبيد عنه، وقول علي أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه رجل مبهم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه وعثمان ضعيف، ويتقوى بما سبق.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف جدًا من طريق نفيع الأعمى عن ابن عباس، ونفيع متروك كما في التقريب.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٦) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح مسلم، الفتن وأشراط الساعة، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (ح ٢٩٠١)، وسنن أبي داود، الملاحم، باب أمارات الساعة (ح ٤٣١١)، وسنن الترمدي، الفتن، باب ما جاء في الخسف (ح ٢١٨٣)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب أشراط الساعة (ح ٤٠٤١).","vol":"5","page":691},{"text":"الغفاري أبي سريحة، وأما جرير فقال: عن عبد الله بن عبيد، عن رجل من آل عبد الله بن مسعود. وحديث طلحة أتم وأحسن قال: ذكر رسول الله ﷺ الدابَّة فقال: \"لها ثلاث خرجات من الدهر: فتخرج خرجة من أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية -يعني مكة- ثم تكمن زمنًا طويلًا، ثم تخرج خرجة أخرى دون تلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية ويدخل ذكرها القرية\" يعني: مكة، قال رسول الله ﷺ: \"ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي تدنو بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب، فارفضَّ الناس عنها شتى ومعًا، وبقيت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فبدأت بهم فجلَّت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري، وولَّت في الأرض لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان الآن تصلي، فيقبل عليها فَتَسمْه في وجهه، ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال ويصطحبون في الأمصار، يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن ليقول: يا كافر اقضني حقي، وحتى إن الكافر ليقول: يا مؤمن اقضني حقي\" (^١). ورواه ابن جرير من طريقين عن حذيفة بن أُسيد موقوفًا، والله أعلم. ورواه من رواية حذيفة بن اليمان مرفوعًا (^٢)، وأن ذلك في زمان عيسى ابن مريم، وهو يطوف بالبيت ولكن إسناده لا يصح.\n(حديث آخر) قال مسلم بن الحجاج: حدثنا أبا بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر، عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبًا\" (^٣).\n(حديث آخر) روى مسلم في صحيحه من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرقَةَ، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"بادروا بالأعمال ستًا، طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة\" (^٤) تفرد به، وله من حديث قتادة، عن الحسن، عن زياد بن رباح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"بادروا بالأعمال ستًا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، [وخُوَيْصة] (^٥) أحدكم\" (^٦).\n(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث وابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك، عن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ١٠٦٩)، وسنده ضعيف من الطريقين فالأول فيه طلحة بن عمرو وهو متروك (التقريب ص ٢٨٣) والطريق الثاني فيه إبهام شيخ عبد الله بن عبيد.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريقين وفي كل واحد منهما رجل ضعيف.\n(^٣) صحيح مسلم، الفتن، باب في خروج الدجال (ح ٢٩٤١).\n(^٤) صحيح مسلم، الفتن، باب في بقية من أحاديث الدجال (ح ٢٩٤٧).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) وصحيح مسلم، وفي الأصل صحفت إلى: \"خويصية\".\n(^٦) المصدر السابق (ح ١٢٩/ ٢٩٤٧).","vol":"5","page":692},{"text":"رسول الله ﷺ قال: \"بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، والدجال، وخويصة أحدكم، وأمر العامة\" (^١) تفرد به.\n(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى وخاتم سليمان ﵇، فتخطم أنف الكافر بالعصا، وتجلي وجه المؤمن بالخاتم، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر\" (^٢). ورواه الإمام أحمد عن بهز وعفان ويزيد بن هارون ثلاثتهم، عن حماد بن سلمة به، وقال: \"فتخطم أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخوان الواحد ليجتمعون فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر\" ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد المؤدب، عن حماد بن سلمة به (^٣).\n(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو، حدثنا أبو تميلة، حدثنا خالد بن عبيد، حدثنا عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال: ذهب بي رسول الله ﷺ إلى موضع بالبادية قريب من مكة، فإذا أرض يابسة حولها رمل، فقال رسول الله ﷺ: \"تخرج الدابة من هذا الموضع\" فإذا فتر في شبر، قال ابن بريدة: فحججت بعد ذلك بسنين فأرانا عصًا له، فإذا هو بعصاي هذه كذا وكذا (^٤).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة أن ابن عباس قال: هي دابة ذات زغب (^٥) لها أربع قوائم من بعض أودية تهامة (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية قال: قال عبد الله: تخرج الدابة من صدع من الصفا، كجري الفرس ثلاثة أيام لم يخرج ثلثها (^٧).\nوقال محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح قال: سئل عبد الله بن عمرو، عن الدابة فقال: الدابة تخرج من تحت صخرة بجياد، والله لو كنت معهم أو لو شئت بعصاي الصخرة التي تخرج الدابة من تحتها. قيل: فتصنع ماذا يا عبد الله بن عمرو، فقال: تستقبل المشرق فتصرخ صرخة تنفُذُه، ثم تستقبل الشام فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل اليمن فيصرخ صرخة تنفذه، ثم تروح من مكة فتصبح بُعسْفَانَ، قيل: ثم ماذا؟ قال لا أعلم (^٨).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه، الفتن، باب الآيات (ح ٤٠٥٦)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ٣٢٧٩).\n(^٢) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢٥٦٤)، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.\n(^٣) المسند ٢/ ٢٩٥، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب دابة الأرض (ح ٤٠٦٦) وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٤) المصدر السابق (ح ٤٠٦٧) وضعفه البوصيري (مصباح الزجاجة ٣/ ٢٥٩).\n(^٥) هو صغار الريش والشعر.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من ابن عباس.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عطية وهو العوفي.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يعلى بن عبيد عن محمد بن إسحاق به، وفي سنده محمد بن إسحاق لم يصرح بالسماع.","vol":"5","page":693},{"text":"وعن عبد الله بن عمر أنه قال: تخرج الدابة ليلة جَمْعٍ (^١). رواه ابن أبي حاتم، وفي إسناده ابن البيلمان.\nوعن وهب بن منبه: أنه حكى من كلام عُزَير ﵇ أنه قال: وتخرج من تحت سدوم دابة تكلم الناس كل يسمعها، وتضع الحُبالى قبل التمام، ويعود الماء العذب أجاجًا، ويتعادى الأخلاء وتحرق الحكمة، ويرفع العلم، وتكلم الأرض التي تليها، وفي ذلك الزمان يرجو الناس ما لا يبلغون، ويتعبون فيما لا ينالون، ويعملون فيما لا يأكلون، رواه ابن أبي حاتم (^٢) عنه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي مريم أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: إن الدابة فيها من كل لون، ما بين قرنيها فرسخ للراكب (^٣).\nوقال ابن عباس: هي مثل الحربة الضخمة (^٤).\nوعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إنها دابة لها ريش، وزغب، وحافر، وما لها ذنب، ولها لحية، وإنها لتخرج حُضْر (^٥) الفرس الجواد ثلاثًا، وما خرج ثلثها، رواه ابن أبي حاتم (^٦).\nوقال ابن جريج، عن ابن الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعًا، تخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلا نكتت في وجهه بعصا موسى نكتة بيضاء، فتفشو تلك النكتة حتى يبيض لها وجهه، ولا يبقى كافر إلا نكتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان، فتفشو تلك النكتة السوداء حتى يسود بها وجهه، حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق بكم ذا يا مؤمن، بكم ذا يا كافر؟ وحتى إن أهل البيت يجلسون على مائدتهم فيعرفون مؤمنهم من كافرهم، ثم تقول لهم الدابة: يا فلان أبشر أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار. فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ (^٧).\n\n<span id=\"aya-3242\"></span>﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن يوم القيامة وحشر الظالمين من المكذبين بآيات الله ورسله إلى بين يدي الله ﷿ ليسألهم عما فعلوه في الدار الدنيا، تقريعًا وتوبيخًا وتصغيرًا وتحقيرًا فقال تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس، وقابوس فيه لين كما في التقريب.\n(^٥) الحُضْر: عَدْوٌ مع وثب.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر. وكل هذه الأوصاف للدابة من الإسرائيليات.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الحسن بن يحيى الخشني عن ابن جريج به، والحسن صدوق سيئ الحفظ.","vol":"5","page":694},{"text":"﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾؛ أي: من كل قوم وقرن فوجًا؛ أي: جماعة ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير: ٧]، وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قال ابن عباس ﵄: يدفعون (^١).\nوقال قتادة: وزعة يردُّ أولهم على آخرهم (^٢).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يساقون (^٣).\n\n<span id=\"aya-3243\"></span>\n\n<span id=\"aya-3244\"></span>﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ ووقفوا بين يدي الله ﷿ في مقام المساءلة ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: فيسألون عن اعتقادهم وأعمالهم! فلما لم يكونوا من أهل السعادة وكانوا كما قال الله عنهم: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ [القيامة]، فحينئذٍ قامت عليهم الحجة، ولم يكن لهم عذر يعتذرون به، كما قال الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ الآية [المرسلات]، وهكذا قال ههنا: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾؛ أي: بهتوا فلم يكن لهم جواب لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم، وقد ردوا إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية.\n\n<span id=\"aya-3245\"></span>ثم قال تعالى منبهًا على قدرته التامة وسلطانه العظيم وشأنه الرفيع الذي تجب طاعته والانقياد لأوامره وتصديق أنبيائه فيما جاؤوا به من الحق الذي لا محيد عنه، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾؛ أي: في ظلام الليل لتسكن حركاتهم بسببه وتهدأ أنفاسهم، ويستريحون من نصب التعب في نهارهم ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾؛ أي: منيرًا مشرقًا، فبسبب ذلك يتصرفون في المعاش والمكاسب والأسفار والتجارات وغير ذلك من شؤونهم التي يحتاجون إليها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3246\"></span>﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾.\nيخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفزع في الصور، وهو كما جاء في الحديث قرن ينفخ فيه. وفي حديث الصور: إن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ فيه أولًا نفخة الفزع ويطولها وذلك في آخر عمر الدنيا حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء فيفزع من في السموات ومن في الأرض ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وهم الشهداء، فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون.\nقال الإمام مسلم بن الحجاج: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي، سمعت عبد الله بن عمرو ﵁، وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث أن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.","vol":"5","page":695},{"text":"فقال: سبحان الله، أو لا إله إلا الله أو كلمة نحوهما، لقد هممت أن لا أحدث أحدًا شيئًا أبدًا، إنما قلت أنكم سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا يخرب البيت ويكون ويكون، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: \"يخرج الدجال في أُمتي فيمكث أربعين -لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا- فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه\" قال: سمعتها من رسول الله ﷺ قال: \"فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارّ رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط (^١) حوض إبله، قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله -أو قال ينزل الله- مطرًا كأنه الطل -أو قال: الظل، نعمان الشاك، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم وقفوهم إنهم مسؤولون، ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: مِنْ كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذلك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يكشف عن ساق\" (^٢).\nوقوله ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا. الليت هو صفحة العنق؛ أي: أمال عنقه ليستمعه من السماء جيدًا، فهذه نفخة الفزع، ثم بعد ذلك نفخة الصعق وهو الموت، ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين وهو النشور من القبور لجميع الخلائق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ قرئ بالمد وبغيره (^٣) على الفعل، وكل بمعنى واحد، وداخرين؛ أي: صاغرين مطيعين لا يتخلف أحد عن أمره، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]، وفي حديث الصور أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح فتوضع في ثقب في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فيه بعد ما تنبت الأجساد في قبورها وأماكنها، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح تتوهج أرواح المؤمنين نورًا، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقول الله ﷿: وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى جسدها. فتجيء الأرواح إلى أجسادها فتدب فيها كما يدبُّ السُّم في اللديغ، ثم يقومون ينفضون التراب من قبورهم (^٤)، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ [المعارج].\n\n<span id=\"aya-3247\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ أي: تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه، وهي تمر مر السحاب؛ أي: تزول عن أماكنها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ\n_________\n(^١) أي: يطينه ويصلحه.\n(^٢) صحيح مسلم، الفتن، باب خروج الدجال (ح ٢٩٤٠).\n(^٣) القراءتان متواترتان.\n(^٤) تقدم تخريج حديث الصور الطويل في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣ من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.","vol":"5","page":696},{"text":"مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ [الطور]، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧].\nوقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أي: يفعل ذلك بقدرته العظيمة ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أي: أتقن كل ما خلق، وأودع فيه من الحكمة ما أودع، ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾؛ أي: هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء.\n\n<span id=\"aya-3248\"></span>ثم بين تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذٍ، فقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾.\nقال قتادة: بالإخلاص (^١).\nوقال زين العابدين: هي لا إله إلا الله (^٢)، وقد بيَّن تعالى في الموضع الآخر أن له عشر أمثالها ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت:٤٠] وقال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]،\n\n<span id=\"aya-3249\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾؛ أي: من لقي الله مسيئًا لا حسنة له، أو قد رجحت سيئاته على حسناته كل بحسبه، ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nوقال ابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة ﵃، وأنس بن مالك وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي، وأبو وائل وأبو صالح ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم، والزهري والسدي والضحاك والحسن وقتادة وابن زيد في قوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يعني: بالشرك (^٣).\n\n<span id=\"aya-3250\"></span>﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا رسوله وآمرًا له أن يقول: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤]، وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش].\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾؛ أي: الذي إنما صارت حرامًا شرعًا وقدرًا بتحريمه لها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: \"إن هذه البلد حرمه الله\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من قول ابن مسعود ﵁.\n(^٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس فقد أخرجه بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.","vol":"5","page":697},{"text":"يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها\" الحديث بتمامه (^١). وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع، كما هو مبين في موضعه من كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ من باب عطف العام على الخاص؛ أي: هو ربُّ هذه البلدة وربُّ كل شيء ومليكه لا إله إلا هو ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له.\n\n<span id=\"aya-3251\"></span>وقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: على الناس أبلغهم إياه كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ [آل عمران]، وكقوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ الآية [القصص: ٣]؛ أي: أنا مبلغ ومنذر، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: لي أسوة بالرسل الذين أنذروا قومهم، وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم، وخلصوا من عهدتهم وحساب أممهم على الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢].\n\n<span id=\"aya-3252\"></span>﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾؛ أي: لله الحمد الذي لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والإنذار إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بل هو شهيد على كل شيء.\nقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن أبي عمر الحوضي حفص بن عمر، حدثنا أبو أُمية بن يعلى الثقفي، حدثنا سعيد بن أبي سعيد، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"يا أيها الناس لا يغترن أحدكم بالله، فإن الله لو كان غافلًا شيئًا لأغفل البعوضة والخردلة والذرة\" (^٢).\nوقال أيضًا: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا نصر بن علي، قال أبي: أخبرني خالد بن قيس، عن مطر، عن عمر بن عبد العزيز قال: فلو كان الله مغفِلًا شيئًا لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم (^٣).\nوقد ذُكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه كان ينشد هذين البيتين إمّا له وإمّا لغيره:\nإذا ما خَلَوتَ الدّهْرَ يوما فلا تَقُل … خَلَوتُ ولكن قل عليَّ رَقِيبُ\nولا تَحْسَبَّن الله يغفل ساعة … ولا أن ما يَخْفَى عليه يَغِيبُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه معلق.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده جيد.","vol":"5","page":698},{"text":"<span data-type='title' id=toc-140>سورة القصص</span>\nقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا وكيع، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن معد يكرب قال: أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا طسم المائتين، فقال: ما هي معي، ولكن عليكم بمن أخذها من رسول الله ﷺ خبَّاب بن الأرت، قال: فأتينا خبَّاب بن الأرت فقرأها علينا ﵁ (^١).\n\n<span id=\"aya-3253\"></span>﷽\n﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾.\nفقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة،\n\n<span id=\"aya-3254\"></span>وقوله: ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أي: الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان وما هو كائن.\n\n<span id=\"aya-3255\"></span>وقوله: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقّ﴾ الآية، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]؛ أي: نذكر لك الأمر على ما كان عليه كأنك تشاهد وكأنك حاضر،\n\n<span id=\"aya-3256\"></span>\n\n<span id=\"aya-3257\"></span>\n\n<span id=\"aya-3258\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: تكبر وتجبر وطغى ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي: أصنافًا قد صرف كل صنف فيما يريد من أمور دولته.\nوقوله تعالى: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ يعني: بني إسرائيل، وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم، هذا وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العتيد يستعمله في أخسّ الأعمال، ويكدهم ليلًا ونهارًا في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم ويستحيي نساءهم، إهانة لهم واحتقارًا وخوفًا من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته منه أن يوجد منهم غلام، يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه. وكانت القبط قد تلقَّوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل ﵇، حين ورد الديار المصرية، وجرى له مع جبارها ما جرى حين أخذ سارة ليتخذها جارية، فصانها الله منه ومنعه منها بقدرته وسلطانه، فبشَّر إبراهيم ﵇ ولده أنه سيولد من صلبه وذريته من يكون هلاك ملك مصر على يديه، فكانت القبط تحدث بهذا عند\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٨٧ ح ٣٩٨٠) وضعف سنده محققوه.","vol":"6","page":5},{"text":"فرعون، فاحترز فرعون من ذلك، وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل ولن ينفع حذر من قدر، لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، ولكل أجل كتاب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ وقد فعل تعالى ذلك بهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ [الأعراف].\nوقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء]، أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك مع قدرة الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري ولا يغلب، بل نفذ حكمه وجرى قلمه في القدم بأن يكون هلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده وقتلت بسببه ألوفًا من الولدان، إنما منشؤه ومرباه على فراشك وفي دارك، وغذاؤه من طعامك وأنت تربيه وتدلِّله وتتفداه، وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك على يديه، لتعلم أن ربِّ السموات العلا هو القاهر الغالب العظيم القوي العزيز الشديد المحال، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\n\n<span id=\"aya-3259\"></span>\n\n<span id=\"aya-3260\"></span>﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾.\nذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يفني بني إسرائيل، فيلونهم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة، فقالوا لفرعون: إنه يوشك إن استمر هذا الحال أن يموت شيوخهم وغلمانهم يقتلون. ونساؤهم لا يمكن أن تقمن بما تقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك، فأمر بقتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، فولد هارون ﵇ في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون ناس موكلون بذلك، وقوابل يَدُرْنَ على النساء، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها لا يقبلها إلا نساء القبط، فإن ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن، وإن ولدت غلامًا دخل أولئك الذبَّاحون بأيديهم الشفار المرهفة فقتلوه ومضوا، قبحهم الله تعالى.\nفلما حملت ام موسى به ﵇ لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات ولكن لما وضعته ذكرًا ضاقت به ذرعًا، وخافت عليه خوفًا شديدًا، وأحبته حبًا زائدًا، وكان موسى ﵇ لا يراه أحد إلا أحبه، فالسعيد من أحبه طبعًا وشرعًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، فلما ضاقت به ذرعًا، ألهمت في سرها، وألقي في خلدها، ونفث في روعها، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتًا ومهدت فيه مهدًا، وجعلت ترضع ولدها، فإذ دخل عليها أحد ممن تخافه ذهبت فوضعته في ذلك التابوت،","vol":"6","page":6},{"text":"وسيرته في البحر وربطته بحبل عندها، فلما كانت ذات يوم دخل عليها من تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت وأرسلته في البحر، وذهلت عن أن تربطه، فذهب مع الماء واحتمله حتى مرَّ به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتتن عليها في فتحه دونها، فلما كشف عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها، ولهذا قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية.\nقال محمد بن إسحاق وغيره: اللام هنا لام العاقبة، لا لام التعليل، لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك، ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق، فإنه تبقى اللام للتعليل، لأن معناه أن الله تعالى قيضهم لالتقاطه ليجعله عدوًا لهم وحزنًا فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.\nوقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه كتب كتابًا إلى قوم من القدرية في تكذيبهم بكتاب الله وبأقداره النافذة في علمه السابق وموسى في علم الله السابق لفرعون عدو وحزن، قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] وقلتم أنتم لو شاء فرعون أن يكون لموسى وليًا وناصرًا، والله تعالى يقول: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية.\n\n<span id=\"aya-3261\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ يعني: أن فرعون لما رآه هم بقتله خوفًا من أن يكون من بني إسرائيل، فشرعت امرأته آسية بنت مزاحم تخاصم عنه وتذبُّ دونه وتحببه إلى فرعون، فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فقال فرعون: أما لكِ فنعم، وأما لي فلا، فكان كذلك، وهداها الله بسببه وأهلكه الله على يديه، وقد تقدم في حديث الفتون في سورة طه (^١) هذه القصة بطولها من رواية ابن عباس مرفوعًا عند النسائي وغيره.\nوقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ وقد حصل لها ذلك، وهداها الله به وأسكنها الجنة بسببه. وقوله: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي: أرادت أن تتخذه ولدًا وتتبناه، وذلك أنه لم يكن لها ولد منه. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه من الحكمة العظيمة البالغة والحجة القاطعة.\n\n<span id=\"aya-3262\"></span>﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن فؤاد أُم موسى حين ذهب ولدها في البحر أنه أصبح فارغًا؛ أي: من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى، قاله ابن عباس ومجاهد، وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو\n_________\n(^١) في الآية ٤٠.","vol":"6","page":7},{"text":"عبيدة، والضحاك والحسن البصري وقتادة وغيرهم (^١).\n﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها لولا أن الله ثبتها وصبرها، قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾\n\n<span id=\"aya-3263\"></span>﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: أمرت ابنتها وكانت كبيرة تعي ما يقال لها، فقالت لها: ﴿قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره، وخذي خبره، وتطلبي شأنه من نواحي البلد، فخرجت لذلك ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ قال ابن عباس: عن جانب (^٢).\nوقال مجاهد: بصرت به عن جنب عن بعد (^٣).\nوقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده (^٤)، وذلك أنه لما استقر موسى ﵇ بدار فرعون وأحبته امرأة الملك واستطلقته منه، عرضوا عليه المراضع التي في دارهم فلم يقبل منها ثديًا، وأبى أن يقبل شيئًا من ذلك، فخرجوا به إلى السوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته بايديهم عرفته ولم تظهر ذلك ولم يشعروا بها.\n\n<span id=\"aya-3264\"></span>\n\n<span id=\"aya-3265\"></span>قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: تحريمًا قدريًا، وذلك لكرامته عند الله وصيانته له أن يرتضع غير ثدي أُمه، ولأن الله ﷾ جعل ذلك سببًا إلى رجوعه إلى أمه لترضعه، وهي آمنة بعد ما كانت خائفة، فلما رأتهم حائرين فيمن يرضعه ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.\nقال ابن عباس: فلما قالت ذلك، أخذوها وشكُّوا في أمرها، وقالوا لها: وما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟ فقالت لهم: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في سرور الملك ورجاء منفعته، فأرسلوها (^٥).\nفلما قالت لهم ذلك وخلصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم فدخلوا به على أُمه فأعطته ثديها فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، وذهب البشير إلى امرأة الملك، فاستدعت أُم موسى وأحسنت إليها وأعطتها عطاءً جزيلًا، وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه وافق ثديها، ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه، فأبت عليها وقالت: إن لي بعلًا وأولادًا، ولا أقدر على المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت، فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليها النفقة والصلات والكساوى والإحسان الجزيل، فرجعت أُم موسى بولدها راضية مرضية قد أبدلها الله بعد خوفها أمنًا، في عزِّ وجاه ورزق دارّ. ولهذا جاء في الحديث: \"مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير، كمثل أُم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها\" (^٦).\n_________\n(^١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند سوى قول ابن عباس فقد أخرجه بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٠٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٦) تقدم الحديث عنه في تفسير سورة طه آية ٣٠.","vol":"6","page":8},{"text":"ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل يوم وليلة أو نحوه، والله أعلم، فسبحان من بيده الأمر، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن اتقاه بعد كل هم فرجًا وبعد كل ضيق مخرجًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ أي: به ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ أي: عليه ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: فيما وعدها من ردِّه إليها وجعله من المرسلين، فحينئذٍ تحققت بردِّه إليها أنه كائن منه رسول من المرسلين، فعاملته في تربيته ما ينبغي له طبعًا وشرعًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: حكم الله في أفعاله وعواقبها المحمودة التي هو المحمود عليها في الدنيا والآخرة، فربما يقع الأمر كريهًا إلى النفوس وعاقبته محمودة في نفس الأمر، كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].\n\n<span id=\"aya-3266\"></span>\n\n<span id=\"aya-3267\"></span>\n\n<span id=\"aya-3268\"></span>\n\n<span id=\"aya-3269\"></span>﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾.\nلما ذكر تعالى مبدأ أمر موسى ﵇، ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، آتاه الله حكمًا وعلمًا. قال مجاهد: يعني النبوة ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ثم ذكر تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قدره له من النبوة والتكليم في قضية قتله ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مدين، فقال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾.\nقال ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: وذلك بين المغرب والعشاء (^١).\nوقال ابن المنكدر عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: كان ذلك نصف النهار (^٢)، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة (^٣).\n﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ أي: يتضاربان ويتنازعان ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: إسرائيلي ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي: قبطي، قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق (^٤).\nفاستغاث الإسرائيلي بموسى ﵇، فوجد موسى فرصة وهي غفلة الناس، فعمد إلى القبطي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن عطاء لم يسمع من ابن عباس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن المنكدر به.\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول سعيد بن جبير فقد أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه النضر بن إسماعيل الكوفي وهو ليس بالقوي كما في التقريب.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول قتادة والسدي ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه.","vol":"6","page":9},{"text":"﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ قال مجاهد: فوكزه؛ أي: طعنه بجُمع كفه (^١).\nوقال قتادة: وكزه بعصا كانت معه، فقضي عليه (^٢)؛ أي: كان فيها حتفه فمات ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: بما جعلت لي من الجاه والعزِّ والنعمة ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ أي: معينًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أي الكافرين بك، المخالفين لأمرك.\n\n<span id=\"aya-3270\"></span>\n\n<span id=\"aya-3271\"></span>﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن موسى ﵇ لما قتل ذلك القبطي أنه أصبح ﴿فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا﴾ أي: من معرَّة ما فعل ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ أي: يتلفت ويتوقع ما يكون من هذا الأمر فمر في بعض الطرق، فإذا ذلك الذي استنصره بالأمس على ذلك القبطي يقاتل آخر، فلما مر عليه موسى استصرخه على الآخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر الغواية كثير الشر، ثم عزم موسى على البطش بذلك القبطي، فاعتقد الإسرائلي لخوره وضعفه وذلته أن موسى إنما يريد قصده لما سمعه يقول ذلك، فقال يدفع عن نفسه: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟ وذلك لأنه لم يعلم به إلا هو وموسى ﵇، فلما سمعها ذلك القبطي لقفها من فمه، ثم ذهب بها إلى باب فرعون وألقاها عنده، فعلم فرعون بذلك، فاشتدَّ حنقه، وعزم على قتل موسى فطلبوه فبعثوا وراءه ليحضروه لذلك.\n\n<span id=\"aya-3272\"></span>﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)﴾.\nقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ وصفه بالرجولية، لأنه خالف الطريق، فسلك طريقًا أقرب من طريق الذين بعثوا وراءه، فسبق إلى موسى، فقال له: يا موسى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أي: يتشاورون فيك ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ أي: من البلد ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3273\"></span>﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾.\nلما أخبره ذلك الرجل بما تمالأ عليه فرعون ودولته في أمره، خرج من مصر وحده، ولم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"6","page":10},{"text":"يألف ذلك قبله بل كان في رفاهية ونعمة ورياسة ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أي: يتلفت ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: من فرعون وملئه، فذكروا أن الله ﷾ بعث إليه ملكًا على فرس، فأرشده إلى الطريق، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3274\"></span>﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: أخذ طريقًا سالكًا مهيعًا، فرح بذلك ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: الطريق الأقوم، ففعل الله به ذلك وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعله هاديًا مهديًا\n\n<span id=\"aya-3275\"></span>﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: لما وصل إلى مدين وورد ماءها، وكان لها بئر يرده رعاء الشاء ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ أي: جماعة يسقون، ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ أي: تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يؤذيا، فلما رآهما موسى ﵇ رق لهما ورحمهما ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾؟ أي: ما خبركما لا تردان مع هؤلاء؟ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أي: لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ أي: فهذا الحال الملجئ لنا إلى ما ترى،\n\n<span id=\"aya-3276\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾.\nقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن موسى ﵇ لما ورد ماء مدين، وجد عليه أُمة من الناس يسقون قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبًا واحدًا حتى رويت الغنم (^١)، إسناد صحيح.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال ابن عباس: سار موسى من مصر إلى مدين ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيًا، فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل قدميه، وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه للاصق بظهره من الجوع (^٢). وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه (^٣)، وإنه لمحتاج إلى شق تمرة.\nوقوله: ﴿إِلَى الظِّلّ﴾ قال ابن عباس وابن مسعود والسدي: جلس تحت شجرة. وقال ابن جرير: حدثني الحسين بن عمرو العنقزي، حدثنا أبي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: حثثت على جمل ليلتين حتى صبحت مدين، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا هي شجرة خضراء ترف، فأهوى إليها جملي وكان جائعًا فأخذها جملي فعالجها ساعة ثم لفظها، فدعوت الله لموسى ﵇ ثم انصرفت. وفي رواية عن ابن مسعود أنه ذهب إلى الشجرة التي كلَّم الله منها موسى، كما سيأتي إن شاء الله (^٤)، فالله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف ١١/ ٥٣٠)، وسنده صحيح وأخرجه ابن أبي حاتم والحاكم من طريق ابن أبي شيبة به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٠٨)، وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق السدي عن ابن عباس وهو لم يسمع ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٧٦).","vol":"6","page":11},{"text":"وقال السدي: كانت الشجرة من شجر السَّمُر (^١).\nوقال عطاء بن السائب: لما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ أسمع المرأةَ (^٢)\n\n<span id=\"aya-3277\"></span>﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾.\nلما رجعت المرأتان سريعًا بالغنم إلى أبيهما، أنكر حالهما بسبب مجيئهما سريعًا، فسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى ﵇، فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها، قال الله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ أي: مشي الحرائر، كما روي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه قال: كانت مستترة بكم درعها (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا [أبي] (^٤)، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر ﵁: جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع من النساء دلَّاجة ولَّاجة خرَّاجة (^٥). هذا إسناد صحيح.\nقال الجوهري: السلفع من الرجال: الجسور، ومن النساء: الجارية السليطة، ومن النوق: الشديدة (^٦).\n﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ وهذا تأدب في العبارة لم تطلبه طلبًا مطلقًا لئلا يوهم ريبة، بل قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا؛ يعني: ليثيبك ويكافئك على سقيك لغنمنا ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ أي: ذكر له ما كان من أمره وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يقول: طِب نفسًا وقرّ عينًا، فقد خرجت من مملكتهم، فلا حكم لهم في بلادنا، ولهذا قال: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nوقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو؟ على أقوال:\nأحدها: أنه شعيب النبي ﵇ الذي أرسل إلى أهل مدين، وهذا هو المشهور عند كثير من العلماء، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد (^٧)، ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسباط بن نصر عن السدي.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن علي عن عطاء بن السائب.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر ﵁.\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٦) الصحاح للجوهري ص ١٢٣١.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قرة بن خالد عن الحسن بلفظ: \"يقولون شعيب وليس بشعيب\".","vol":"6","page":12},{"text":"ابن عبد العزيز الأويسي، حدثنا مالك بن أنس أنه بلغه أن شعيبًا هو الذي قصَّ عليه موسى القصص (^١). قال: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nوقد روى الطبراني عن سلمة بن سعد الغزي أنه وفدَ على رسول الله ﷺ فقال له: \"مرحبًا بقوم شعيب وأختان (^٢) موسى هُدِيت\" (^٣).\nوقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب (^٤).\nوقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب.\nوقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى ﵇ بمدة طويلة لأنه قال لقومه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل ﵇ بنصِّ القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى ﵇ مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد.\nوما قيل: إن شعيبًا عاش مدة طويلة، إنما هو -والله أعلم- احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينصَّ على اسمه في القرآن ههنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، كما سنذكره قريبًا إن شاء الله، ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه: ثيرون (^٥)، والله أعلم.\nقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: ثيرون هو ابن أخي شعيب ﵇ (^٦).\nوعن أبي حمزة، عن ابن عباس قال: الذي استأجر موسى يثرى صاحب مدين (^٧)، رواه ابن جرير به، ثم قال: الصواب أن هذا لا يدرك إلا بخبر، ولا خبر تجب به الحُجَّة في ذلك (^٨).\n\n<span id=\"aya-3278\"></span>وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ أي: قالت إحدى ابنتي هذا الرجل، قيل: هي التي ذهبت وراء موسى ﵇، قالت لأبيها: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أي: لرعية هذه الغنم.\nقال عمر وابن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد: لما قالت: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت له: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اختلفت علي الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد العزيز الأويسي عن الإمام مالك.\n(^٢) أختان: كل ما كان من قِبل المرأة كأبيها وأخيها.\n(^٣) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٧/ ٥٥ ح ٦٣٦٤)، قال الهيثمي: فيه من لم أعرفهم (مجمع الزوائد ح ٦٥٩٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عمرو بن مرة عن أبي عبيدة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الرواية السابقة.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بالسند المتقدم دون ذكر ابن مسعود ﵁، وكذا أخرجه الطبري.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.\n(^٨) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٩) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول عمر أخرجه ابن =","vol":"6","page":13},{"text":"وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله هو: ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حينِ تفرَّس في عمر، وصاحب يوسف حين قال: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، وصاحبة موسى حين قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-3279\"></span>قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ أي: طلب إليه هذا الرجل الشيخ الكبير أن يرعى غنمه ويزوجه إحدى ابنتيه هاتين.\nقال شعيب الجبائي: وهما صفوريا وليا (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق: صفورا وشرفا، ويقال: ليا (^٣).\nوقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على صحة البيع فيما إذا قال بعتك أحد هذين العبدين بمائة، فقال: اشتريت، أنه يصح، والله أعلم.\nوقوله: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: على أن ترعى غنمي ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين فهو إليك، وإلا ففي الثمان كفاية ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: لا أشاقك ولا أؤذيك ولا أماريك، وقد استدلوا بهذه الآية الكريمة لمذهب الأوزاعي فيما إذا قال: بعتك هذا بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة أنه يصح، ويختار المشتري بأيهما أخذه صح، وحمل الحديث المروي في سنن أبي داود: \"من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما (^٤) أو الربا\" (^٥) على هذا المذهب، وفي الاستدلال بهذه الآية وهذا الحديث على هذا المذهب نظر ليس هذا موضع بسطه لطوله، والله أعلم.\nثم قد استدل أصحاب الإمام أحمد ومن تبعهم في صحة استئجار الأجير بالطعمة والكسوة، بهذه الآية، واستأنسوا في ذلك بما رواه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في كتابه السنن حيث قال: باب استئجار الأجير على طعام بطنه، حدثنا محمد بن الحمصي، حدثنا بَقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح قال: سمعت عتبة بن [النُّدَّر] (^٦) السُّلمي يقول: كنا عند رسول الله ﷺ فقرأ طسم حتى إذا بلغ قصة موسى قال: \"إن موسى آجر نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على عِفَّة فرجه وطعام بطنه\" (^٧).\n_________\n= أبي حاتم بسند صحيح من طريق عمرو بن ميمون عنه، وقول شريح أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الحكم بن عتيبة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الحكم بن أبي عروبة عنه، وقول أبي مالك أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حصين عنه، وقول ابن إسحاق أخرجه ابن أبى حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ولقبه: سُنيد وهو ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.\n(^٤) الوكس هو: هو النقص، ومعنى أوكسهما أي: أنقصهما.\n(^٥) أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ (السنن، البيوع، باب فيمن باع بيعتين ح ٣٤٦١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٩٥٥).\n(^٦) كذا في سنن ابن ماجه وفي النسخ الخطية صحف إلى: \"المنذر\".\n(^٧) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الرهون، باب إجارة الأجير على طعام بطنه ح ٢٤٤٤)، وسنده =","vol":"6","page":14},{"text":"وهذا الحديث من هذا الوجه ضعيف، لأن مسلمة بن علي وهو: الخشني الدمشقي البلاطي ضعيف الرواية عند الأئمة، ولكن قد روي من وجه آخر، وفيه نظر أيضًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن الندّر السلمي صاحب رسول الله ﷺ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: \"إن موسى ﵇ آجر نفسه بعفة فرجه وطعمة بطنه\" (^١).\n\n<span id=\"aya-3280\"></span>وقوله تعالى إخبارًا عن موسى ﵇: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾ يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت من أنك استأجرتني على ثمان سنين، فإن أتممت عشرًا فمن عندي فأنا متى فعلت أقلهما فقد برئت من العهد وخرجت من الشرط، ولهذا قال: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ﴾ أي: فلا حرج علي، مع أن الكامل وإن كان مباحًا لكنه فاضل من جهة أخرى بدليل من خارج، كما قال تعالى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].\nوقال رسول الله ﷺ لحمزة بن عمرو الأسلمي ﵁، وكان كثير الصيام، وسأله عن الصوم في السفر، فقال: \"إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر\" (^٢) مع أن فعل الصيام راجح من دليل آخر، هذا وقد دلّ الدليل على أن موسى ﵇ إنما فعل أكمل الأجلين وأتمهما.\nوقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة؛ أي: الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت على ابن عباس ﵁ فسألته، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله إذا قال فعل (^٣)، هكذا رواه البخاري وهكذا رواه حكيم بن جبير وغيره عن سعيد بن جبير، ووقع في حديث الفتون من رواية القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: أن الذي سأله رجل من أهل النصرانية (^٤) والأول أشبه، والله أعلم.\nوقد روي من حديث ابن عباس مرفوعًا، قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"سألت جبريل؛ أيُّ الأجلين قضى موسى؟\n_________\n= ضعيف جدًا لأن مسلمة بن علي متروك (التقريب ص ٥٣٠)، وفيه بقية لم يصرح بالسماع، وضعفه الحافظ ابن كثير، ولكنه يتقوى برواية البخاري التالية.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وأطول، وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٥/ ٤٢٣ ح ١٦٠٣٧)، وصححه محققوه بالمتابعات، وأخرجه النسائي (السنن، الصيام، ٤/ ١٨٥).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد ح ٢٦٨٤).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة طه آية ٤٠، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.","vol":"6","page":15},{"text":"قال: أتمهما وأكملهما\" (^١) ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن الحميدي، عن سفيان وهو ابن عيينة: حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب وكان من أسناني أو أصغر مني … فذكره (^٢). وفي إسناده قلب، وإبراهيم هذا ليس بمعروف. ورواه البزار، عن أحمد بن أبان القرشي عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي … فذكره، ثم قال: لا نعرفه مرفوعًا عن ابن عباس إلا من هذا الوجه (^٣).\nثم قال ابن أبي حاتم: قُرئ على يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، عن يحيى بن ميمون الحضرمي، عن يوسف بن تيرح أن رسول الله سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: \"لا علم لي\" فسأل رسول الله ﷺ جبريل، فقال جبريل: لا علم لي، فسأل جبريل ملكًا فوقه، فقال: لا علم لي، فسأل ذلك الملك ربه ﷿ عما سأله عنه جبريل، عما سأله عنه محمد ﷺ فقال الرب ﷿: قضى أبرهما وأبقاهما، أو قال: أزكاهما (^٤)، وهذا مرسل، وقد جاء مرسلًا من وجه آخر.\nوقال سُنيد: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال مجاهد: إن النبي ﷺ، سأل جبريل؛ أي: الأجلين قضى موسى؟ فقال: سوف أسأل إسرافيل فسأله، فقال: سوف أسأل الربِّ ﷿، فسأله فقال: أبرهما وأوفاهما (^٥).\nطريق أخرى مرسلة أيضًا.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: \"أوفاهما وأتمهما\" (^٦). فهذه طرق متعاضدة، ثم قد روي هذا مرفوعًا من رواية أبي ذرٍّ ﵁.\nقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو عبيد الله يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عوبَد ابن أبي عمران الجوني، عن أبيه، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرٍّ ﵁ أن النبي ﷺ سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: \"أوفاهما وأبرهما - قال:- وإن سئلت: أي المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما\" (^٧) ثم قال البزار: لا نعلم يروى عن أبي ذرٍّ إلا بهذا الإسناد. وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث عَوبَد ابن أبي عمران، وهو ضعيف.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن إبراهيم بن يحيى لا يعرف قاله الذهبي (تلخيص المستدرك ٢/ ٤٠٨)، وقال في ميزان الاعتدال (١/ ٧٤)، روى عنه سفيان بن عيينة بخبر منكر، ويتقوى برواية البخاري السابقة فيكون حسنًا لغيره.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ١٤٩٥)، وحكمه كسابقه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله، ويشهد له ما تقدم عن البخاري.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق سُنيد به، وسنده ضعيف لإرساله وابن جريج لم يسمع من مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وأبي معشر وإرسال محمد بن كعب ويشهد له ما سبق.\n(^٧) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٤٤)، وسنده ضعيف لضعف عوبَد (لسان الميزان ٤/ ٣٨٦).","vol":"6","page":16},{"text":"ثم قد روي أيضًا نحوه من حديث عتبة بن [النُدَّر] (^١) بزيادة غريبة جدًا، فقال أبو بكر البزار: حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن النّدر يقول: إن رسول الله ﷺ سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: \"أبرهما وأوفاهما\" ثم قال النبي ﷺ: \"إن موسى ﵇ لما أراد فراق شعيب ﵇، أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه في ذلك العام من قالب لون، قال: فما مرَّت شاة إلا ضرب موسى جنبها بعصاه، فولدت قوالب ألوان (^٢) كلها، وولدت ثنتين وثلاثا كل شاة ليس فيها فشوش (^٣) (^٤) ولا ضبوب، ولا [كميشة] (^٥) تفوت الكف ولا ثغول\" وقال رسول الله ﷺ: \"إذا فتحتم الشام فإنكم ستجدون بقايا منها وهي السامرية\" (^٦) هكذا أورده البزار.\nوقد رواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا فقال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة (ح) وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، أنبأنا الوليد، أنبأنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن النّدر السلمي صاحب رسول الله ﷺ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: \"إن موسى ﵇ آجر نفسه بعفة فرجه وطعمة بطنه، فلما وفي الأجل قيل: يا رسول الله؛ أي: الأجلين؟ -قال: أبرهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه من قالب لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حسناء، فانطلق موسى ﵇، إلى عصاه، فسماها من طرفها ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى بإزاء الحوض فلم تصدر منها شاة إلا وضرب جنبها شاة شاة، قال: فأتأمت وألبنت ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها [فشوش] (^٧) \"، قال يحيى: ولا ضبون، وقال صفوان: ولا ضبوب، قال أبو زرعة: الصواب ضبوب ولا عزوز ولا ثعول ولا كميشة تفوت الكفّ، قال النبي ﷺ: \"لو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية\" (^٨).\nوحدثنا أبو زرعة، أنبأنا صفوان قال: سمعت الوليد قال: سألت ابن لهيعة ما الفشوش؟ قال: التي تفش بلبنها واسعة الشخب، قلت: فما الضبوب؟ قال: الطويلة الضرع تجره، قلت: فما العزوز؟ قال: ضيقة الشخب. قلت: فما الثغول؟ قال: التي ليس لها ضرع إلا كهيئة حلمتين، قلت: فما الكميشة؟ قال: التي تفوت الكف كميشة الضرع صغير لا يدركه الكفّ (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٢) قال ابن الأثير: \"أنها جاءت على غير ألوان أمهاتها؛ كأن لونها قد انقلب\". النهاية ٤/ ٩٧.\n(^٣) الفشوش: هي التي ينفش لبنها من غير حلب: أي يجري؛ وذلك لسعة الإحليل. والضبوب: ضيقة ثقب الإحليل والكميشة: الصغيرة الضرع. والثعول: الشاة التي لها زيادة حلمة، وهو عيب.\n(^٤) هذه الكلمة الغريبة وما بعدها يأتي التعريف بها بعد الرواية التالية.\n(^٥) كذا في رواية البزار وفي تفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صحفت إلى: \"كمشة\".\n(^٦) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٤٦).\n(^٧) كذا في رواية ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحفت إلى: \"قنوش\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى ابن لهيعة ولا يضر ما قيل فيه لأنه لم يروه عن أحد وإنما هو من تفسيره.","vol":"6","page":17},{"text":"مدار هذا الحديث على عبد الله بن لهيعة المصري، وفي حفظه سوء، وأخشى أن يكون رفعه خطأ، والله أعلم.\nوينبغي أن يروى ليس فيها فشوش ولا عزوز ولا ضبوب ولا ثعول ولا كميشة، لتذكر كل صفة ناقصة مع ما يقابلها من الصفات الناقصة.\nوقد روى ابن جرير من كلام أنس بن مالك موقوفًا عليه ما يقارب بعضه بإِسناد جيد، فقال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك ﵁، قال: لما دعا نبي الله موسى ﵇ صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت على غير لونها، فلك ولدها، فعمد موسى فرفع حبالًا على الماء، فلما رأت الخيال فزعت، فجالت جولة، فولدن كلهنَّ بلقًا إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن كلهن ذلك العام (^١).\n\n<span id=\"aya-3281\"></span>﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾.\nقد تقدم في تفسير الآية قبلها أن موسى ﵇ قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما وأكملهما وأتقاهما، وقد يستفاد هذا أيضًا من الآية الكريمة حيث قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ أي: الأكمل منهما، والله أعلم.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: قضى عشر سنين وبعدها عشرًا أخر (^٢)، وهذا القول لم أره لغيره، وقد حكاه عنه ابن أبي حاتم وابن جرير، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ قالوا: كان موسى قد اشتاق إلى بلاده وأهله، فعزم على زيارتهم في خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره، فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلًا، فجعل كلما أورى زنده لا يضيء شيئًا، فتعجب من ذلك، فبينما هو كذلك ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ أي: رأى نارًا تضيء على بعد ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ أي: حتى أذهب إليها ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾، وذلك لأنه قد أضلَّ الطريق ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ أي: قطعة منها ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي: تستدفئون بها من البرد،\n\n<span id=\"aya-3282\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ أي: من جانب الوادي مما يلي الجبل عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وجود سنده الحافظ ابن كثير، وأخرجه ابن عساكر من طريق معاذ بن هشام به (تاريخ دمشق ٦١/ ٤٠).\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"6","page":18},{"text":"يمينه من ناحية الغرب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن يمينه، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء في لحف (^١) الجبل مما يلي الوادي، فوقف باهتًا في أمرهما، فناداه ربه ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: رأيت الشجرة التي نودي منها موسى ﵇ سمرة خضراء ترفُّ (^٢)، إسناده مقارب.\nوقال محمد بن إسحاق عن بعض من لا يتهم عن وهب بن منبه قال: شجرة من العلِّيق، وبعض أهل الكتاب يقول إنها من العوسج (^٣).\n[وقال قتادة: هي من العوسج، وعصاه من العوسج] (^٤) (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين الفعال لما يشاء لا إله غيره ولا ربَّ سواه، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله سبحانه.\n\n<span id=\"aya-3283\"></span>وقوله: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ أي: التي في يدك كما قرره على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)﴾ [طه]، والمعنى أما هذه عصاك التي تعرفها ألقها ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠)﴾ [طه] فعرف وتحقق أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء: كن فيكون، كما تقدم بيان ذلك في سورة طه، وقال ههنا: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزّ﴾ أي: تضطرب ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا﴾ أي: في حركتها السريعة مع عظم خلقتها وقوائمها، واتساع فمها واصطكاك أنيابها وأضراسها، بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها، تنحدر في فيها تتقعقع كأنها حادرة في واد فعند ذلك ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي: ولم يكن يلتفت لأن طبع البشرية ينفر من ذلك، فلما قال الله له: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ رجع فوقف في مقامه الأول،\n\n<span id=\"aya-3284\"></span>ثم قال الله تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي: إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها، فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق، ولهذا قال: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي: من غير [برص] (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ قال مجاهد: من الفزع (^٧).\n_________\n(^١) اللِّحف: أصل الجبل.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان: فيه مقال، وأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود وقد توبعا فقد أخرجه ابن عساكر من طريق عمرو بن ميمون عن ابن مسعود، (تاريخ دمشق ٦١/ ٤٨).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره وتاريخه (١/ ٤٠١)، وسنده ضعيف لجهاله شيخ ابن إسحاق.\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة قال: الشجرة عوسج، قال معمر وقال غير قتادة: عصا موسى من العوسج، والشجرة من العوسج.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: \"مرض\".\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"الفَرَق\".","vol":"6","page":19},{"text":"وقال قتادة: من الرعب (^١).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير: مما حصل لك من خوفك من الحية (^٢)، والظاهر أن المراد أعمُّ من هذا، وهو أنه أمر موسى ﵇ إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب وهو يده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف، وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يده على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجده أو يخف إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الربيع بن ثعلب الشيخ الصالح، أخبرنا أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم، عن مجاهد قال: كان موسى ﵇ قد ملئ قلبه رعبًا من فرعون، فكان إذا رآه قال: اللَّهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره، فنزع الله ما كان في قلب موسى ﵇، وجعله في قلب فرعون، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: إلقاء العصا وجعلها حية تسعى وإدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار، وصحة نبوة من جرى هذا الخارق على يديه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ أي: وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ أي: خارجين عن طاعة الله، مخالفين لدين الله.\n\n<span id=\"aya-3285\"></span>\n\n<span id=\"aya-3286\"></span>\n\n<span id=\"aya-3287\"></span>﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾.\nلما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون الذي إنما خرج من ديار مصر فرارًا منه وخوفًا من سطوته ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾، يعني: ذلك القبطي ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: إذا رأوني ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ وذلك أن موسى ﵇ كان في لسانه لثغة بسبب ما كان تناول تلك الجمرة حين خير بينها وبين التمرة أو الدرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، فحصل فيه شدة في التعبير، ولهذا قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ [طه]؛ أي: يؤنسني فيما أمرتني به من هذا المقام العظيم، وهو القيام بأعباء النبوة والرسالة إلى هذا الملك المتكبر الجبار العنيد، ولهذا قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ أي: وزيرًا ومعينًا ومقويًا لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله ﷿، لأن خبر الإثنين أنجع في النفوس من خبر الواحد، ولهذا قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ أي: يبين لهم عني ما أكلمهم به، فإنه يفهم عني ما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه عند الآية (٣٥) من هذه السورة، وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن مسلم وهو ابن هرمز المكي كما في التقريب.","vol":"6","page":20},{"text":"لا يفهمون (^١)، فلما سأل ذلك موسى قال الله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: سنقوي أمرك، ونعز جانبك بأخيك الذي سألت له أن يكون نبيًا معك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ [مريم]، ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم مِنَّة على أخيه من موسى على هارون ﵇، فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيًا ورسولًا معه إلى فرعون وملئه، ولهذا قال تعالى في حق موسى ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ أي: حجة قاهرة ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ أي: لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب]؛ أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا ومؤيدًا، ولهذا أخبرهما أن العاقبة لهما ولمن اتبعهما في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر].\nووجَّه ابن جرير على أن المعنى: ونجعل لكما سلطانًا فلا يصلون إليكما، ثم يبتدئ فيقول: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ تقديره أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا (^٢)، ولا شك أن هذا المعنى صحيح، وهو حاصل من التوجيه الأول، فلا حاجة إلى هذا، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3288\"></span>\n\n<span id=\"aya-3289\"></span>﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾.\nيخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه وعرضه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة، والدلالة القاهرة على صدقهما فيما أخبرا به عن الله ﷿ من توحيده واتباع أوامره، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من عند الله، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباعتة، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق فقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أي: مفتعل مصنوع، وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه فما صعد معهم ذلك.\nوقوله: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، يعنون عبادة الله وحده لا شريك له، يقولون: ما رأينا أحدًا من آبائنا على هذا الدين، ولم نرَ الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى، فقال موسى ﵇ مجيبًا لهم ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، يعني: مني ومنكم، وسيفصل\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"6","page":21},{"text":"بيني وبينكم، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: من النصرة والظفر والتأييد ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: المشركون بالله ﷿.\n\n<span id=\"aya-3290\"></span>﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾.\nيخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وإفترائه في دعواه الإلهية لنفسه القبيحة لعنه الله، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤)﴾ [الزخرف]، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم، ولهذا قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وقال تعالى إخبارًا عنه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ [النازعات]، يعني: أنه جمع قومه، ونادى فيهم بصوته العالي مصرحًا لهم بذلك، فأجابوه سامعين مطيعين، ولهذا انتقم الله تعالى منه، فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة، وحتى إنه واجه موسى الكليم بذلك، فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩].\nوقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، يعني: أمر وزيره هامان ومدبر رعيته ومشير دولته أن يوقد له على الطين، يعني يتخذ له آجرًا لبناء الصرح وهو القصر المنيف الرفيع العالي، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾ [غافر] وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح الذي لم يرَ في الدنيا بناء أعلى منه، إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون، ولهذا قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: في قوله: إن ثم ربًا غيري، لا أنه كذبه في أن الله تعالى أرسله لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع جل وعلا، فإنه قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]؟ وقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ وهذا قول ابن جرير.\n\n<span id=\"aya-3291\"></span>\n\n<span id=\"aya-3292\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩)﴾ أي: طغوا وتجبروا، وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا قيامة ولا معاد ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر]، ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ أي: أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة، فلم يبقَ منهم أحد ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾\n\n<span id=\"aya-3293\"></span>﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: لمن سلك وراءهم وأخذ بطريقتهم في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولًا بذل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣].","vol":"6","page":22},{"text":"<span id=\"aya-3294\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ أي: وشرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين لرسله، كما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم كذلك ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾.\nقال قتادة: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾ [هود] (^١).\n\n<span id=\"aya-3295\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾.\nيخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، من إنزال التوراة عليه بعد ما أهلك فرعون وملأه.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يعني: أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾ [الحاقة]، وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد وعبد الوهاب قالا: حدثنا عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: ما أهلك الله قومًا بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير أهل القرية الذين مسخوا قردة بعد موسى، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ الآية (^٢)، ورواه ابن أبي حاتم من حديث عوف بن أبي [جميلة] (^٣) الأعرابي بنحوه (^٤)، وهكذا رواه أبو بكر البزار في مسنده عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القطان، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفًا (^٥)، ثم رواه عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد رفعه إلى النبي ﷺ قال: \"ما أهلك الله قومًا بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى\" ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ الآية (^٦).\nوقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ أي: من العمى والغي، وهدى إلى الحق ورحمة؛ أي: إرشادا إلى العمل الصالح ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: لعل الناس يتذكرون به ويهتدون بسببه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) كذا في ابن أبي حاتم وهو الصواب كما في ترجمته، وفي الأصل صحف إلى: \"حميد\"، وفي (حم): حميلة، وفي (مح): حبيبة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق هوذة بن خليفة عن عوف به، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٠٨).\n(^٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار ح ٢٢٤٧ وذكر الهيثمي: إن رجاله رجال لصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٨٨).\n(^٦) المصدر السابق ح ٢٢٤٨، والصحيح وقفه.","vol":"6","page":23},{"text":"<span id=\"aya-3296\"></span>﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.\nيقول تعالى منبهًا على برهان نبوة محمد ﷺ حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرًا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم، وهو رجل أُمّي لا يقرأ شيئًا من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئًا من ذلك، كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من أمرها قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران]؛ أي: وما كنت حاضرًا لذلك، ولكن الله أوحاه إليك، وهكذا لما أخبره عن نوح وقومه، وما كان من إنجاء الله له وإغراق قومه.\nثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ الآية [هود]، وقال في آخر السورة: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ [هود: ١٠٠]، وقال بعد ذكر قصة يوسف: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾ [يوسف]، وقال في سورة طه: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩)﴾، وقال ههنا بعد ما أخبر عن قصة موسى من أولها إلى آخرها، وكيف كان ابتداء إيحاء الله إليه وتكليمه له ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ يعني: ما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلم الله موسى من الشجرة التي هي شرقية على شاطئ الوادي ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ لذلك ولكن الله ﷾ أوحى إليك ذلك، ليكون حجة وبرهانًا على قرون قد تطاول عهدها، ونسوا حجج الله عليهم وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين.\n\n<span id=\"aya-3297\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي: وما كنت مقيمًا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا حين أخبرت عن نبيها شعيب وما قال لقومه وما ردوا عليه: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ أي ولكن نحن أوحينا إليك ذلك وأرسلناك إلى الناس رسولًا\n\n<span id=\"aya-3298\"></span>﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾.\nقال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه: أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا عيسى بن يونس، عن حمزة الزياد، عن الأعمش، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ قال: نودوا أن: يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني، وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^١) من حديث جماعة عن حمزة وهو ابن حبيب الزيات، عن الأعمش. ورواه ابن جرير من حديث وكيع ويحيى بن عيسى عن\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (السنن الكبرى، التفسير ح ١١٣٨٢)، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الأعمش به وأخرجه الحاكم من طريق حمزة الزيات به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٠٨).","vol":"6","page":24},{"text":"الأعمش، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة وهو: ابن عمرو بن جرير أنه قال ذلك من كلامه (^١)، والله أعلم.\nوقال مقاتل بن حيان: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ أمتك في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بعثت (^٢).\nوقال قتادة: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى (^٣). وهذا -والله أعلم- أشبه بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ ثم أخبر ههنا بصيغة أخرى أخصّ في ذلك وهو النداء، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [الشعراء: ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦)﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: ما كنت مشاهدًا لشيء من ذلك، ولكن الله تعالى أوحاه إليك وأخبرك به رحمة منه بك والعباد وبإرسالك إليهم ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: لعلهم يهتدون بما جئتهم به من الله ﷿\n\n<span id=\"aya-3299\"></span>﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ الآية، أي: وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة، ولينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، كما قال تعالى بعد ذكره إنزال كتابه المبارك وهو القرآن ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾ [المائدة]، والآيات في هذا كثيرة.\n\n<span id=\"aya-3300\"></span>\n\n<span id=\"aya-3301\"></span>﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن القوم الذين لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم، لاحتجوا بأنهم لم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق صالح بن سعيد عن مقاتل بن حيان، وصالح قال عنه ابن أبي حاتم: شيخ (الجرح والتعديل ٤/ ٤٠٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"6","page":25},{"text":"يأتهم رسول أنهم لما جاءهم الحق من عنده على لسان محمد ﷺ، قالوا على وجه التعنت والعناد والكفر والجهل والإلحاد: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ الآية، يعنون -والله أعلم- من الآيات كثيرة مثل العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وتنقيص الزروع والثمار، مما يضيق على أعداء الله، وكفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى إلى غير ذلك من الآيات الباهرة، والحجج القاهرة، التي أجراها الله تعالى على يدي موسى ﵇ حجة وبرهانًا له على فرعون وملئه وبني إسرائيل، ومع هذا كله لم ينجع في فرعون وملئه، بل كفروا بموسى وأخيه هارون، كما قالوا لهما: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)﴾ [المؤمنون]، ولهذا قال ههنا: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: أولم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ أي: تعاونا ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أي: بكل منهما كافرون، ولشدة التلازم والتصاحب والمقاربة بين موسى وهارون، دل ذكر أحدهما على الآخر، كما قال الشاعر:\nفما أدري إذا يممت أرضًا … أريد الخير أيهما يليني\nأي: فما أدري يليني الخير أو الشر.\nقال مجاهد بن جبر: أمرت اليهود قريشًا أن يقولوا لمحمد ﷺ ذلك (^١)، فقال الله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا﴾ قال: يعني: موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم ﴿تَظَاهَرَا﴾ أي: تعاونا وتناصرا وصدق كل منهما الآخر؟ وبهذا قال سعيد بن جبير وأبو رزين في قوله: ﴿سِحْرَانِ﴾ يعنون: موسى وهارون (^٢)، وهذا قول جيد قوي، والله أعلم.\nوقال مسلم بن يسار عن ابن عباس: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ قال: يعنون: موسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم (^٣)، وهذه رواية الحسن البصري (^٤).\nوقال الحسن وقتادة: يعني: عيسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم (^٥)، وهذا فيه بعد، لأن عيسى لم يجر له ذكر ههنا، والله أعلم.\nوأما من قرأ: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (^٦) فقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: يعنون:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه، وقول أبي رزين أخرجه الطبري بسند صحيح كسابقه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق مسلم بن يسار به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين بن داود، وهو ضعيف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقول الحسن تقدم في سابقه.\n(^٦) كلتاهما قراءتان متواترتان.","vol":"6","page":26},{"text":"التوراة والقرآن (^١)، وكذا قال عاصم [الجحدري] (^٢) والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٣).\nقال السدي: يعني: صدّق كل واحد منهما الآخر.\nوقال عكرمة: يعنون: التوراة والإنجيل، وهو رواية عن أبي رزين (^٤)، واختاره ابن جرير.\nوقال الضحاك وقتادة: الإنجيل والقرآن (^٥)، والله ﷾ أعلم بالصواب، والظاهر على قراءة \"سحران\" أنهم يعنون: التوراة والقرآن، لأنه قال بعده: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ وكثيرًا ما يقرن الله بين التوراة والقرآن، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩١ - ٩٢]، وقال في آخر السورة: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام]، قالت الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي﴾ [الأحقاف: ٣٠]، وقال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي أنزل على موسى (^٦).\nوقد عُلم بالضرورة لذوي الألباب أن الله تعالى لم ينزل كتابًا من السماء فيما أنزل من الكتب المتعددة على أنبيائه أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم ولا أشرف من الكتاب الذي أنزل على محمد ﷺ، وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى بن عمران ﵇، وهو الكتاب الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤]، والإنجيل إنما أنزل متممًا للتوراة، ومحلًا لبعض ما حرم على بني إسرائيل، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ أي: فيما تدافعون به الحق وتعارضون به من الباطل.\n\n<span id=\"aya-3302\"></span>قال اِلله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ أي: فإن لم يجيبوك عما قلت لهم، ولم يتبعوا الحق ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: بلا دليل ولا حجة ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بغير حجة مأخوذة من كتاب الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3303\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ قال مجاهد: فصلنا لهم القول (^٧).\n_________\n(^١) كذا في الأصول الخطية وفي تفسير ابن أبي حاتم، والطبري بسند ثابت عن علي به بلفظ: التوراة والفرقان، وأما قول العوفي عن عباس فقد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف بلفظ: \"هم أهل الكتاب\".\n(^٢) كذا في تفسير ابن أبي حاتم، وفي النسخ الخطية صحف إلى: \"الجندي\".\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي رزين.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر عن الضحاك.\n(^٦) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، بدء الوحي، باب كيف بدأ الوحي إلى رسول الله ﷺ ح ٣، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بدء الوحي ح ٢٥٢).\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ليث بن أبي سُليم عن مجاهد وليث فيه مقال.","vol":"6","page":27},{"text":"وقال السدي: بينا لهم القول (^١).\nوقال قتادة: يقول تعالى: أخبرهم كيف صنع بمن مضى، وكيف هو صانع (^٢) ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\nقال مجاهد وغيره: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾ يعني: قريشًا (^٣)، وهذا هو الظاهر.\nلكن قال حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن رفاعة، رفاعة هذا هو ابن قرظة القرظي، وجعله ابن منده: رفاعة بن شموال خال صفية بنت حيي وهو الذي طلَّق تميمة بنت وهب التي تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير بن باطا، كذا ذكره ابن الأثير (^٤) [قال: نزلت ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ في عشرة أنا أحدهم، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديثه] (^٥) (^٦).\n\n<span id=\"aya-3304\"></span>\n\n<span id=\"aya-3305\"></span>﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾.\nيخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧)﴾ [الإسراء: ١٠٧] ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة].\nقال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي ﷺ قرأ عليهم: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [يس] حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ (^٧) يعني: من قبل هذا القرآن كنا مسلمين، أي موحدين مخلصين لله مستجيبين له.\n\n<span id=\"aya-3306\"></span>قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: هؤلاء المتصفون بهذا الصفة الذين أمنوا بالكتاب الأول ثم الثاني، ولهذا مال ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: على اتباع الحق، فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) ينظر أسد الغابة ٢/ ٢٢٨، ٢٣٢.\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٦) أخرجه الطبري وابن حاتم كلاهما من طريق حماد بن سلمة به وسنده صحيح.\n(^٧) لم أجده عن سعيد بن جبير بهذا اللفظ، وعلى كل حال سنده ضعيف بسبب الإرسال.","vol":"6","page":28},{"text":"وقد ورد في الصحيح من حديث عامر الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلائة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة، فأدَّبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها فتزوجها\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، حدثنا ابن لهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي أُمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله ﷺ يوم الفتح، فقال قولًا حسنًا جميلًا، وقال فيما قال: \"من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين وله ما لنا وعليه ما علينا ومن أسلم من المشركين فله أجره وله ما لنا وعليه ما علينا\" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: لا يقابلون السيء بمثله، ولكن يعفون ويصفحون ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي: ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق الله في النفقات الواجبة لأهليهم وأقاربهم، والزكاة المفروضة والمستحبة من التطوعات وصدقات النفل والقربات.\n\n<span id=\"aya-3307\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ أي: لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم، بل كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].\n﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي: إذا سفه عليهم سفيه وكلمهم بما لا يليق بهم الجواب عنه، أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب، ولهذا قال عنهم: إنهم قالوا: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي: لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها.\nقال محمد بن إسحاق في السيرة: ثم قدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة عشرون رجلًا أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلة رسول الله ﷺ عما أرادوا، دعاهم إلى الله تعالى وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال: قال: ما نعلم ركبًا أحمق منكم، أو كما قالوا لهم فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه لم نأل أنفسنا خيرًا. قال: ويقال: إن النفر النصارى من أهل نجران، فالله أعلم أي ذلك كان. قال: ويقال -والله أعلم- أن فيهم نزلت هذه الآيات ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ قال: وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت؟ قال: ما زلت أسمع من علمائنا\n_________\n(^١) صحيح البخاري، العلم، باب تعليم الرجل أمته وأهله (ح ٩٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ (ح ١٥٤).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٥٧٠ ح ٢٢٢٣٤) وصححه محققوه بالمتابعات.","vol":"6","page":29},{"text":"أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه ﵃، والآيات اللاتي في سورة المائدة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [٨٢ - ٨٣] (^١).\n\n<span id=\"aya-3308\"></span>\n\n<span id=\"aya-3309\"></span>﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾.\nيقول تعالى لرسوله ﷺ: إنك يا محمد ﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي: ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف].\nوهذه الآية أخصُّ من هذا كلِّه، فإنه قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية.\nوقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله ﷺ، وقد كان يحوطه وينصره ويقوم في صفه ويحبه حبًا شديدًا طبعيًا لا شرعيًا، فلما حضرته الوفاة وحان أجله، دعاه رسول الله ﷺ إلى الإيمان والدخول في الإسلام. فسبق القدر فيه واختُطف من يده، فاستمر على ما كان عليه من الكفر، ولله الحكمة التامة.\nقال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه، وهو المسيب بن حزن المخزومي ﵁ قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أُمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: \"يا عمّ قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله\" فقال أبو جهل وعبد الله بن أَبي أُمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ: يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى كان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: \"والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك\" فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] وأنزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أخرجاه من حديث الزهري، وهكذا رواه مسلم في صحيحه (^٢)، والترمذي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله ﷺ فقال: \"يا عماه قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة\" فقال: لولا أن تعيرني بها قريش يقولون ما حمله عليه إلا جزع الموت، لأقررتُ بها عينك، لا أقولها إلا لأقرّ بها عينك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾، وقال الترمذي: حسن\n_________\n(^١) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٣٩٢) وسنده ضعيف لإرساله.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، سورة القصص، باب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (ح ٤٧٧٢)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت (ح ٢٤).","vol":"6","page":30},{"text":"غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان (^١). ورواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد القطان، عن يزيد بن كيسان: حدثني أبو حازم، عن أبي هريرة فذكره بنحوه (^٢)، وهكذا قال ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة: إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله ﷺ أن يقول: لا إله إلا الله، فأبى عليه ذلك، وقال: أي ابن أخي ملَّة الأشياخ، وكان آخر ما قاله هو على ملَّة عبد المطلب (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن أبي راشد قال: كان رسول قيصر جاء إلي، قال: كتب معي قيصر إلى رسول الله ﷺ كتابًا، فأتيته فدفعت الكتاب فوضعه في حجره، ثم قال: \"ممن الرجل؟ \" قلت: من [تنوخ] (^٤). قال: \"هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنيفية؟ \" قلت: إني رسول قوم وعلى دينهم حتى أرجع إليهم، فضحك رسول الله ﷺ ونظر إلى أصحابه، وقال: \"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء\" (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ يقول تعالى مخبرًا عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول الله ﷺ: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ أي: نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، قال الله تعالى مجيبًا لهم: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يعني: هذا الذي اعتذروا به كذبا وباطل؛ لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين وحرم معظم آمن منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم آمنًا لهم في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمنًا لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق؟\nوقوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ولهذا قالوا ما قالوا.\nوقد قال النسائي: أنبأنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مُليكة قال: قال عمرو بن شعيب، عن ابن عباس، ولم يسمعه منه: إن الحارث بن عامر بن نوفل الذي قال: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ (^٦).\n\n<span id=\"aya-3310\"></span>﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾.\nيقول تعالى معرضًا بأهل مكة في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ أي:\n_________\n(^١) سنن الترمذي، التفسير، سورة القصص (ح ٣١٨٨).\n(^٢) المسند ٢/ ٤٣٤.\n(^٣) هذه الآثار أخرجها الطبري وابن أبي حاتم ويشهد لها ما تقدم في الصحيحين.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحفت إلى: \"تيرح\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سعيد بن أبي راشد (لسان الميزان ٣/ ٢٨).\n(^٦) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، سورة القصص ح ١١٣٨٥)، وسنده ضعيف للانقطاع بين عمرو بن شعيب وابن عباس، كما أشار الحافظ ابن كثير.","vol":"6","page":31},{"text":"طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾ [النحل]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ أي: رجعت خرابًا ليس فيها أحد.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا عن ابن مسعود أنه سمع كعبًا يقول لعمر: إن سليمان ﵇ قال للهامة -يعني البومة-: ما لك لا تأكلين الزرع؟ قالت: لأنه أخرج آدم من الجنة بسببه، قال: فما لك لا تشربين الماء؟ قالت: لأن الله تعالى أغرق قوم نوح به. قال: فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب؟ قالت: لأنه ميراث الله تعالى، ثم تلا: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-3311\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن عدله وأنه لا يهلك أحدًا ظالمًا له، وإنما يهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم، ولهذا قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾، وهي مكة ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ فيه دلالة على أن النبي الأمي وهو محمد ﷺ المبعوث من أم القرى رسول إلى جميع القرى من عرب وأعجام، كما قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]، وتمام الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾ [الإسراء] الآية، فأخبر تعالى أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى؛ لأنه رسول إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها. وثبت في الصحيحين عنه صلوات الله وسلامه علي أنه قال: \"بعثت إلى الأحمر والأسود\" (^٢)، ولهذا ختم به النبوة والرسالة، فلا نبيّ من بعده ولا رسول؛ بل شرعه باقٍ بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ أي: أصلها وعظيمتها كأمهات الرساتيق والأقاليم، حكاه الزمخشري وابن الجوزي وغيرهما، وليس ببعيد.\n\n<span id=\"aya-3312\"></span>﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن حقارة الدنيا، وما فيها من الزينة الدنيئة، والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند معلق وفيه أيضًا رجل ضعيف وهو مالك بن سليمان (ينظر ميزان الاعتدال ٣/ ٤٢٧).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٠.","vol":"6","page":32},{"text":"أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم، كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، وقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى].\nوقال رسول الله ﷺ: \"والله ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر ماذا يرجع إليه\" (^١).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؟ أي: أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3313\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾ يقول تعالى: أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده الله على صالح الأعمال من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة، كمن هو كافر مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده، فهو ممتع في الحياة الدنيا أيامًا قلائل: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.\nقال مجاهد وقتادة: من المعذبين (^٢).\nثم قد قيل: إنها نزلت في رسول الله ﷺ وفي أبي جهل (^٣).\nوقيل: في حمزة وعلي وأبي جهل (^٤)، وكلاهما عن مجاهد، الظاهر أنها عامة، وهذا كقوله تعالى إخبارًا عن ذلك المؤمن حين أشرف على صاحبه وهو في الدرجات، وذاك في الدركات، فقال: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ [الصافات]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨].\n\n<span id=\"aya-3314\"></span>﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة حيث يناديهم فيقول: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ يعني: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا من الأصنام والأنداد، هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ وهذا على سبيل التقريع والتهديد، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾ [الأنعام].\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٨٥.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق أبان بن تغلب عن مجاهد، وهو مرسل.\n(^٤) ذكره الطبري دون أن ينسبه إلى أحد.","vol":"6","page":33},{"text":"<span id=\"aya-3315\"></span>\n\n<span id=\"aya-3316\"></span>وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ يعني: الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ فشهدوا عليهم أنه أغووهم فاتبعوهم ثم تبرأوا من عبادتهم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف]، وقال الخليل ﵇ لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ [العنكبوت] الآية، وقال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة]، ولهذا قال: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: ليخلصوكم مما أنتم فيه كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة.\nوقوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أي: فوَدُّوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ [الكهف].\n\n<span id=\"aya-3317\"></span>\n\n<span id=\"aya-3318\"></span>وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات، ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم، وكيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربك، ومن نبيك، وما دينك؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدأ عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول: هاه هاه لا أدري، ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت؛ لأن من كان في هذه أعمى، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦)﴾.\nقال مجاهد: فعميت عليهم الحجج ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (^١) بالأنساب.\n\n<span id=\"aya-3319\"></span>وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: في الدنيا ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ أي: يوم القيامة وعسى من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنَّته لا محالة.\n\n<span id=\"aya-3320\"></span>\n\n<span id=\"aya-3321\"></span>﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾.\nيخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ أي: ما يشاء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"6","page":34},{"text":"خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه، وقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ نفي على أصح القولين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقد اختار ابن جرير أن ﴿مَا﴾ ههنا بمعنى الذي تقديره: ويختار الذي لهم فيه خيرة (^١)، وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح، والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس (^٢)، وغيره أيضًا. فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئًا.\nثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩)﴾ أي: يعلم ما تكن الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [الرعد].\n\n<span id=\"aya-3322\"></span>وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ما يشاء ويختار سواه ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ أي: في جميع ما يفعله هو المحمود عليه بعدله وحكمته ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الذي لا معقب له لقهره وغلبته وحكمته ورحمته ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: جميعكم يوم القيامة، فيجزي كل عامل بعمله من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال.\n\n<span id=\"aya-3323\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾.\nيقول تعالى مُمتنًا على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قوام لهم بدونهما وبيّن أنه لو جعل الليل دائمًا عليهم سرمدًا إلى يوم القيامة، لأضرَّ ذلك بهم، ولسئمته النفوس وانحصرت منه، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ أي: تبصرون به وتستأنسون بسببه ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾؟.\n\n<span id=\"aya-3324\"></span>ثم أخبر تعالى أنه لو جعل النهار سرمدًا؛ أي: دائمًا مستمرًا إلى يوم القيامة، لأضرَّ ذلك بهم، ولتعبت الأبدان وكَلَّت من كثرة الحركات والأشغال، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أي: تستريحون من حركاتكم وأشغالكم ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾\n\n<span id=\"aya-3325\"></span>﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: بكم ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: خلق هذا وهذا ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار بالأسفار والترحال، والحركات والأشغال، وهذا من باب اللف والنشر.\n_________\n(^١) ذكره الطبري.\n(^٢) لم يرد في تفسير ابن أبي حاتم ما يفيد إنها نافية.","vol":"6","page":35},{"text":"وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان]، والآيات في هذا كثيرة.\n\n<span id=\"aya-3326\"></span>﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾.\nوهذا أيضًا نداء ثانٍ على سبيل التوبيخ والتقريع لمن عبد مع الله إلهًا آخر، يناديهم الرب تعالى على رؤوس الأشهاد فيقول: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: في دار الدنيا\n\n<span id=\"aya-3327\"></span>﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ قال مجاهد: يعني: رسولًا (^١).\n﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: على صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أي: لا إله غيره، فلم ينطقوا ولم يحيروا جوابًا ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ذهبوا فلم ينفعوهم.\n\n<span id=\"aya-3328\"></span>﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾.\nقال الأعمش: عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ قال: كان ابن عمه (^٢)، وهكذا قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن الحارث بن نوفل وسماك بن حرب (^٣)، وقتادة ومالك بن دينار وابن جريج وغيرهم أنه كان ابن عمِّ موسى ﵇ (^٤).\nقال ابن جريج: هو قارون بن يصهر بن قاهث وموسى بن عمران بن قاهث (^٥).\nوزعم محمد بن إسحاق بن يسار أن قارون كان عمّ موسى بن عمران ﵇.\nقال ابن جريج: وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه (^٦)، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم من الطريق الأعمش به، وكذا أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٠٩).\n(^٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بخمسة أسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٤) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول مالك بن دينار أخرجه الطبري عنه بلاغًا.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.","vol":"6","page":36},{"text":"وقال قتادة بن دعامة: كنا نحدث أنه كان ابن عمّ موسى، وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله (^١).\nوقال شهر بن حوشب (^٢): زاد في ثيابه شبرًا طولًا ترفعًا على قومه.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ أي: الأموال ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي: ليثقل حملها الفئام من الناس لكثرتها (^٣).\nقال الأعمش، عن خيثمة: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الإصبع، كل مفتاح على خزانة على حدته، فإذا ركب حملت على ستين بغلًا أغرَّ محجلًا (^٤)، وقيل: غير ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي: وعظه فيما هو فيه صالحو قومه، فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه، يعنون لا تبطر بما أنت فيه من المال، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.\nقال ابن عباس: يعني: المرحين (^٥).\nوقال مجاهد: يعني: الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم (^٦).\n\n<span id=\"aya-3329\"></span>وقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة.\n﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أي: مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، ولزورك عليك حقًا، فآت كل ذي حق حقه ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أي: أحسن إلى خلقه، كما أحسن هو إليك ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في الأرض، وتسيء إلى خلق الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3330\"></span>﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن جواب قارون لقومه حين نصحوه، وأرشدوه إلى الخير ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي: لا أفتقر إلى ما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني\n_________\n(^١) ذكره الطبري دون سند عن ابن جريج.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما من طريق ليث، وهو ابن أبي سُليم، عن شهر وليث فيه مقال.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الأعمش به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق علي بن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"6","page":37},{"text":"أستحقه ولمحبته لي، فتقديره إنما أعطيته لعلم الله فيّ أني أهل له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩]؛ أي: على علم من الله بي، وكقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠]؛ أي: هذا أستحقه.\nوقد روي عن بعضهم أنه أراد ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي: أنه كان يعاني علم الكيمياء، وهذا القول ضعيف، لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل (^١)، لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣].\nوفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة\" (^٢)، وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى؟ هذا زور ومحال، وجهل وضلال، وإنما يقدرون على الصبغ في الصور الظاهرة، وهي كذب وزغل وتمويه وترويج أنه صحيح في نفس الأمر وليس كذلك قطعًا لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعي أنه صحَّ مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاطاها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفَّاكون، فأما ما يجريه الله سبحانه من خرق العوائد على يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهبًا أو فضة أو نحو ذلك، فهذا أمر لا ينكره مسلم، ولا يرده مؤمن، ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات، وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات واختياره وفعله، كما روي عن حيوة بن شريح المصري رحمه الله تعالى أنه سأله سائل، فلم يكن عنده ما يعطيه، ورأى ضرورته، فأخذ حصاة من الأرض فأجالها في كفه، ثم ألقاها إلى ذلك السائل، فإذا هي ذهب أحمر، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًا يطول ذكرها.\nوقال بعضهم: إن قارون كان يعرف الاسم الأعظم، فدعا الله به فتمول بسببه. والصحيح المعنى الأول، ولهذا قال الله تعالى رادًا عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال.\n﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ أي: قد كان من هو أكثر منه مالًا، وما كان ذلك عن محبة منّا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم، ولهذا قال: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: لكثرة ذنوبهم.\nقال قتادة: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ على خير عندي (^٣).\nوقال السدي: على علم أني أهل لذلك (^٤).\nوقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه قال في قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قال: لولا رضا الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال، وقرأ ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ\n_________\n(^١) يقصد غير علم الكيمياء المعاصر.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحج آية ٧٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي بلفظ: \"علِمَ الله أني أهل لذلك\".","vol":"6","page":38},{"text":"أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (^١)، [وهكذا يقول من قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه لولا أن يستحق ذلك لما أعطي] (^٢).\n\n<span id=\"aya-3331\"></span>\n\n<span id=\"aya-3332\"></span>﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن قارون أنه خرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة، وتجمل باهر، من مراكب وملابس عليه وعلى خدمه وحشمه، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زخارفها وزينتها، تمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أُعطي قالوا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي: ذو حظ وافر من الدنيا، فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون. كما في الحديث الصحيح \"يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرءوا إن شئتم ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (^٣) [السجدة] \".\nوقوله: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ قال السدي: ولا يلقى الجنة إلا الصابرون (^٤)، كأنه جعل ذلك من تمام الكلام الذين أوتوا العلم.\nقال ابن جرير: ولا يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا الراغبون في الدار الآخرة (^٥). وكأنه جعل ذلك مقطوعًا من كلام أولئك، وجعله من كلام الله ﷿، وإخباره بذلك.\n\n<span id=\"aya-3333\"></span>﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾.\nلما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته وفخره على قومه وبغيه عليهم عقَّب ذلك بأنه خسف به وبداره الأض، كما ثبت في الصحيح عند البخاري من حديث الزهري عن سالم أن أباه حدثه أن رسول الله ﷺ قال: \"بينما رجل يجرُّ إزاره إذ خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة\". ثم رواه من حديث جرير بن زيد، عن سالم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.\n(^٢) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁، (صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] ح ٨٤٩٨، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة ح ١٨٨).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٦) صحيح البخاري، اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء (ح ٥٧٩٠).","vol":"6","page":39},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص، حدثنا الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"بينما رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما، أمر الله الأرض فأخذته، فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة\" (^١) تفرد به أحمد، وإسناده حسن.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو يعلى بن منصور، أخبرني محمد بن مسلم، سمعت زياد النميري يحدث عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"بينما رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين فاختال فيهما، فأمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة\" (^٢).\nوقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر في كتاب \"العجائب الغريبة\" بسنده عن نوفل بن مساحق قال: رأيت شابًا في مسجد نجران، فجعلت أنظر إليه وأتعجب من طوله وتمامه وجماله، فقال: ما لك تنظر إلي؟ فقلت: أعجب من جمالك وكمالك. فقال: إن الله ليعجب مني، قال: فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر، فأخذه بعض قرابته في كمِّه وذهب به.\nوقد ذكر أن هلاك قارون كان من دعوة موسى نبي الله ﵇، واختلف في سببه:\nفعن ابن عباس والسدي أن قارون أعطى امرأة بغيًا مالًا على أن تبهت موسى بحضرة الملأ من بني إسرائيل، وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب الله تعالى، فتقول يا موسى إنك فعلتَ بي كذا وكذا، فلما قالت ذلك في الملأ لموسى ﵇ أرعد من الفرق، وأقبل عليها بعد ما صلى ركعتين ثم قال: أنشدك بالله الذي فرق البحر وأنجاكم من فرعون، وفعل كذا وكذا لما أخبرتني بالذي حملك على ما قلت؟ فقالت: أما إذ نشدتني فإن قارون أعطاني كذا وكذا على أن أقول ذلك لك، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فعند ذلك خرَّ موسى لله ﷿ ساجدًا، وسأل الله في قارون، فأوحى الله إليه أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره، فكان ذلك، وقيل إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك وهو راكب على البغال الشهب، وعليه وعلى خدمه ثياب الأرجوان المصبغة، فمرَّ في محفله ذلك على مجلس نبي الله موسى ﵇، وهو يذكرهم بأيام الله، فلما رأى الناس قارون انصرفت وجوههم نحوه ينظرون إلى ما هو فيه، فدعاه موسى ﵇، وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا موسى أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة فلقد فضلت عليك بالدنيا، ولئن شئت لنخرجن فلتدعونَّ عليَّ وأدعو عليك، فخرج موسى وخرج قارون في قومه، فقال موسى ﵇: تدعو أو أدعو أنا، فقال: بل أدعو أنا، فدعا قارون فلم يجب له، ثم قال موسى: أدعو؟ قال: نعم، فقال موسى: اللَّهم مُر الأرض أن تطيعني اليوم، فأوحى الله إِليه أني قد فعلت، فقال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إِلى أقدامهم ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إِلى ركبهم، ثم إِلى مناكبهم، ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم. قال: فأقبلت\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٠)، وحسن سنده الحافظ ابن كثير، ويشهد له سابقه.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٢٧٩ ح ٤٣٠٢)، وسنده ضعيف لضعف زياد بن عبد الله النميري (مجمع الزوائد ٥/ ١٢٦) ويتقوى بما سبق.","vol":"6","page":40},{"text":"بها حتى نظروا إليها، ثم أشار موسى بيده، ثم قال: اذهبوا بني لاوي فاستوت بهم الأرض (^١).\nوعن ابن عباس قال: خسف بهم إلى الأرض السابعة (^٢).\nوقال قتادة: ذُكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة (^٣)، فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة (^٤)، وقد ذكر ههنا إسرائيليات غريبة أضربنا عنها صفحًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ أي: ما أغنى عنه ماله ولا جمعه ولا خدمه وحشمه، ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله، ولا كان هو في نفسه منتصرًا لنفسه، فلا ناصر له من نفسه ولا من غيره.\n\n<span id=\"aya-3334\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ أي: الذين لما رأوه في زينته قالوا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩] فلما خسف به أصبحوا يقولون: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ أي: ليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع ويضيق ويوسع ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة.\nوهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود \"إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب\" (^٥).\n﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ أي: لولا لطف الله بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا كما خسف به لأنا ودِدنا أن نكون مثله ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ يعنون أنه كان كافرًا، ولا يفلح الكافرون عند الله لا في الدنيا ولا في الآخرة.\nوقد اختلف النحاة في معنى قوله ههنا: [ويكأنَّ] (^٦) فقال بعضهم: معناه ويلك اعلم أن، ولكن خفف فقيل ويك ودل فتح أن على حذف اعلم، وهذا القول ضعفه ابن جرير، والظاهر أنه قوي ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة ويكأن، والكتابة أمر وضعي اصطلاحي، والمرجع إلى اللفظ العربي، والله أعلم.\nوقيل: معناها: ويكأن أي: ألم تر أن؟ قاله قتادة.\nوقيل: معناها: وي كأن، ففصلها وجعل حرف وي للتعجب أو للتنبيه، وكأن بمعنى أظن وأحسب.\nقال ابن جرير: وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة إنما بمعنى ألم تر أن (^٧)، واستشهد بقول الشاعر:\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه بنحوه، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عنه لكنه مرسل، والخبر عنهما من الإسرائيليات.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أبي نصر، وهو الكوفي الأسدي، عن ابن عباس، وأبو نصر مجهول كما في التقريب.\n(^٣) أي: قامة الرجل؛ أي: بطوله.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكن قتادة لم يصرح باسم شيخه.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسيره سورة البقرة آية ٢٦٧.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"ويك أن\".\n(^٧) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"6","page":41},{"text":"سألتاني الطلاق أن رأتاني … قلّ ما لي جئتماني بنُكر\nويكأن من يكن له نشب … يُحبَب ومن يفتقر يعش عيش ضُرّ (^١)\n\n<span id=\"aya-3335\"></span>﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾.\nيخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علوًا في الأرض؛ أي: ترفعًا على خلق الله وتعاظمًا عليهم وتجبرًا بهم ولا فسادًا فيهم، كما قال عكرمة العلو: التجبر (^٢).\nوقال سعيد بن جبير: العلو البغي (^٣).\nوقال سفيان بن سعيد الثوري، عن منصور، عن مسلم البطين: العلو في الأرض التكبر بغير حق، والفساد أخذ المال بغير حق (^٤).\nوقال ابن جريج: ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ تعظمًا وتجبرًا ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ عملًا بالمعاصي (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أشعث السمان، عن أبي سلام الأعرج، عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ (^٦). وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره، فإن ذلك مذموم، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: \"إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد\" (^٧).\nوأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل، فهذا لا بأس به، فقد ثبت أن رجلًا قال: يا رسول الله إني أحبُّ أن يكون ردائي حسنًا ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: \"لا، إن الله جميل يحب الجمال\" (^٨).\n\n<span id=\"aya-3336\"></span>وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ أي: ثواب الله خير من حسنة العبد، فكيف والله يضاعفه أضعافًا كثيرة، وهذا مقام الفضل ثم قال: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى\n_________\n(^١) نسبه سيبويه إلى زيد بن عمرو بن نفيل (الكتاب ٢/ ١٥٥)، واستشهد به الطبري.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق زياد بن أبي زياد عن عكرمة، وزياد ضعيف كما في التقريب، ومعناه صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه أشعث، سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٢/ ٢٧٧).\n(^٧) أخرجه مسلم من حديث عياض بن حمار ﵁ (الصحيح، الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ح ٢٨٦٥).\n(^٨) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود، الإيمان، باب تحريم الكبر (ح ٩١).","vol":"6","page":42},{"text":"الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ [النمل]، وهذا مقام الفضل والعدل.\n\n<span id=\"aya-3337\"></span>﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله صلوات الله وسلامه عليه ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس، ومخبرًا له بأنه سيرده إلى معاد وهو يوم القيامة، فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: افترض عليك أداءه إلى الناس ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: إلى يوم القيامة فيسألك عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]، وقال: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩].\nوقال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يقول لرادك إلى الجنة ثم سائلك عن القرآن. قاله السدي.\nوقال أبو سعيد (^١) مثلها.\nوقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلي يوم القيامة (^٢)، ورواه مالك عن الزهري (^٣).\nوقال الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ إلى الموت (^٤)، ولهذا طرق عن ابن عباس ﵄، وفي بعضها لرادُّك إلى معدنك من الجنة (^٥).\nوقال مجاهد: يحييك يوم القيامة (^٦)، وكذا روي عن عكرمة وعطاء وسعيد بن جبير وأبي قزعة وأبي مالك وأبي صالح (^٧).\nوقال الحسن البصري: إي والله إن له لمعادًا فيبعثه الله يوم القيامة ثم يدخله الجنة (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق السدي به، وسنده ضعيف لأن أبا صالح وهو باذام أو باذان: ضعيف، والسدي لم يسمع من أبي سعيد وهو الخدري وقد صرح ابن أبي حاتم بأنه الخدري.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم به، وحفص ضعيف كما في التقريب.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن والزهري.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن الأعمش به، قال الحافظ ابن حجر: وإسناده لا بأس به (فتح الباري ٨/ ٥١٠).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه خُصيف وهو صدوق سيء الحفظ.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) قول أبي مالك وأبي صالح والحسن البصري أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عنهم.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن قتادة عن الحسن البصري.","vol":"6","page":43},{"text":"وقد روي عن ابن عباس غير ذلك، كما قال البخاري في التفسير من صحيحه حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا يعلى، حدثنا سفيان العصفري، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى مكة (^١)، وهكذا رواه النسائي في تفسير سننه (^٢)، وابن جرير من حديث يعلى وهو ابن عبيد الطنافسي به، وهكذا رواه العوفي، عن ابن عباس ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: لرادك إلى مكة كما أخرجك منها (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق، عن مجاهد في قوله: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ إلى مولدك بمكة (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس ويحيى بن الجراز وسعيد بن جبير وعطية والضحاك نحو ذلك (^٥).\nوحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة عن الضحاك قال: لما خرج النبي ﷺ من مكة، فبلغ الجحفة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ إلى مكة (^٦). وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان مجموع السورة مكيًا، والله أعلم.\nوقد قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: هذه مما كان ابن عباس يكتمها (^٧).\nوقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن نعيم القارئ أنه قال في قوله: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى بيت المقدس (^٨)، وهذا -والله أعلم- يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة، لأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر والله الموفق للصواب.\nووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجل النبي ﷺ، كما فسر ابن عباس سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر]، أنه أجل رسول الله ﷺ نُعي إليه، وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب، ووافقه عمر على ذلك وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم (^٩)، ولهذا فسر ابن عباس\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة القصص باب ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥] الآية ح ٤٧٧٣).\n(^٢) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٣٨٦)، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري من الطريقين والأول يقوي الثاني وهو طريق عطية العوفي.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لأن ابن إسحاق لم يسمع من مجاهد، ولم يصرح بالسماع منه، ويتقوى بما سبق.\n(^٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، ويشهد لهم ما تقدم في الصحيح.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه معضل.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى قتادة ولكن ابن عباس صرح بتفسيرها إنه إلى مكة كما تقدم في الرواية السابقة في صحيح البخاري، فلعل قتادة لم يبلغه تفسير ابن عباس ﵄.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حُريز بن عثمان عن نعيم القارئ.\n(^٩) سيأتي تخريجه في تفسير سورة النصر.","vol":"6","page":44},{"text":"تارة أخرى قوله: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ بالموت، وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين: الإنس والجن، ولأنه أكمل خلق الله وأفصح خلق الله وأشرف خلق الله على الإطلاق.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: قل لمن خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين ومن تبعهم على كفرهم قل: ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني، وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار، ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى مذكِّرًا لنبيه نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم\n\n<span id=\"aya-3338\"></span>﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ أي: ما كنت تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل عليك ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: إنما أنزل الوحي عليك من الله من رحمته بك وبالعباد بسببك، فإذا منحك بهذه النعمة العظيمة ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾ أي: معينًا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم.\n\n<span id=\"aya-3339\"></span>﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ أي: لا تتأثر لمخالفتهم لك وصدهم الناس عن طريقك لا تلوي على ذلك ولا تباله، فإن الله معلٍ كلمتك ومؤيد دينك ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: إلى عبادة ربك وحده لا شريك له ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3340\"></span>وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا تليق العبادة إلا له، ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته.\nوقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن]، فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه.\nوقد ثبت في الصحيح من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد:\nألا كل شيء ما خلا الله باطلُ (^١)\nوقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: أي: إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له (^٢).\nقال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر:\nأستغفر الله ذنبًا لست محصيه … ربّ العباد إليه الوجه والعمل (^٣)\n_________\n(^١) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية (ح ٣٨٤١، وصحيح مسلم، كتاب الشعر ح ٢٢٥٦).\n(^٢) أخرجه البخاري معلقًا (الصحيح، تفسير سورة القصص قبل حديث ٤٧٧٢)، ووصله ابن أبي حاتم من طريق خُصيف عن مجاهد، وخصيف صدوق سيء الحفظ كما في التقريب، ووصله ابن أبي حاتم أيضًا من طريق عطاء بن مسلم الحلبي عن الثوري، وعطاء هذا: صدوق يخطئ كثيرًا كما في التقريب.\n(^٣) ذكره الطبري بلفظ: \"واستشهدوا لتأويلهم ذلك كذلك بقول الشاعر\" … فذكر الشعر.","vol":"6","page":45},{"text":"وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء.\nقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب \"التفكر والاعتبار\": حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بكر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عمر بن سليم الباهلي، حدثنا أبو الوليد قال: كان ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة، فيقف على بابها فينادي بصوت حزين، فيقول أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^١).\nوقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الملك والتصرف ولا معقب لحكمه ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم معادكم، فيجزيكم بأعمالكم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، والله سبحانه أعلم.\n[آخر تفسير سورة القصص] (^٢).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لجهالة أبي الوليد (التقريب ص ٦٨٢).\n(^٢) زيادة من (حم) و(ح).","vol":"6","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-141>سورة العنكبوت</span>\n[وهي] (^١) مكية\n\n<span id=\"aya-3341\"></span>\n\n<span id=\"aya-3342\"></span>\n\n<span id=\"aya-3343\"></span>﷽\n﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾.\nأما الكلام على الحروف المقطعة، فقد تقدم في أول سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ استفهام إنكار، ومعناه أن الله ﷾ لابد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح: \"أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء\" (^٢)، وهذه الآية كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران] ومثلها في سورة براءة. وقال في البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة]، ولهذا قال ههنا: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ أي: الذين صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه، والله ﷾ يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهذا مجمع عليه عند أئمة السُّنَّة والجماعة، وبهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة: ١٤٣] إلا لنرى. وذلك لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعمُّ من الرؤية، فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود.\n\n<span id=\"aya-3344\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ أي: لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان، فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطمّ، ولهذا قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ أي: يفوتونا ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: بئس ما يظنون.\n\n<span id=\"aya-3345\"></span>﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ أي: في الدار الآخرة، وعمل الصالحات ورجا ما\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنبياء آية ٨٣.","vol":"6","page":47},{"text":"عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله سيحقق له رجاءه ويوفيه عمله كلامًا موفرًا، فإن ذلك كائن لا محالة لأنه سميع الدعاء بصير بكل الكائنات، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾.\n\n<span id=\"aya-3346\"></span>\n\n<span id=\"aya-3347\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] أي: من عمل صالحًا فإنما يعود نفع عمله على نفسه، فإن الله تعالى غني عن أفعال العباد، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾.\nقال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يومًا من الدهر بسيف (^١).\nثم أخبر تعالى أنه مع غناه عن الخلائق جميعهم، ومع برِّه وإحسانه بهم، يجازي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أحسن الجزاء، وهو أن يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن الذين كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات، ويثيب عليها الواحدة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويجزي على السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء] وقال ههنا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾.\n\n<span id=\"aya-3348\"></span>\n\n<span id=\"aya-3349\"></span>﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء] ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: وإن حرصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، فلا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إليّ يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع من أحب؛ أي: حبًا دينيًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾.\nوقال الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن أبيه سعد قال: نزلت فيّ أربع آيات، فذكر قصته وقال: قالت أُم سعد: أليس الله قد أمرك بالبر؟ والله\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي بشير الحلبي عن الحسن البصري.","vol":"6","page":48},{"text":"لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها، فنزلت: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ الآية (^١)، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أيضًا (^٢). وقال الترمذي: حسن صحيح.\n\n<span id=\"aya-3350\"></span>﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن صفات قوم من المكذبين الذي يدَّعون الإيمان بألسنتهم ولم يثبت الإيمان في قلوبهم، بأنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم، فارتدُّوا عن الإسلام، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾.\nقال ابن عباس: يعني فتنته أن يرتدَّ عن دينه إذا أوذي في الله (^٣)، وكذا قال غيره من علماء السلف (^٤)، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج].\nثم قال ﷿: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: ولئن جاء نصر قريب من ربك يا محمد، وفتح ومغانم، ليقولن هؤلاء لكم: إنا كنا معكم؛ أي: إخوانكم في الدين، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، وقال تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] وقال تعالى مخبرًا عنهم ههنا: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ ثم قال الله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أو ليس الله بأعلم بما في قلوبهم وما تكنُّه ضمائرهم، وإن أظهروا لكم الموافقة.\n\n<span id=\"aya-3351\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ أي: وليختبرن الله الناس بالضراء والسراء، ليتميز هؤلاء من هؤلاء، من يطيع الله في الضراء والسراء، ومن إنما يطيعه في حظ نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير، باب ومن سورة العنكبوت ح ٣١٨٩)، وسنده صحيح.\n(^٢) المسند ١/ ١٨١، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب الانفال (ح ١٧٤٨/ ٣٤)، وهو طرف من حديث أطول من المذكور، وليس فيه المتن المذكور، وأخرجه أبو داود، السنن، الجهاد، باب في النفل (ح ٢٧٤٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٧٨)، ولفظه كلفظ مسلم.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويشهد له ما يليه.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق آدم بن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.","vol":"6","page":49},{"text":"[محمد]. وقال تعالى بعد وقعة أحد التي كان فيها ما كان من الاختبار والامتحان: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٩].\n\n<span id=\"aya-3352\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن كفار قريش أنهم قالوا لمن آمن منهم واتبع الهدى: ارجعوا عن دينكم إلى ديننا، واتبعوا سبيلنا ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ أي: وآثامكم إن كانت لكم آثام في ذلك علينا وفي رقابنا، كما يقول القائل: افعل هذا وخطيئتك في رقبتي، قال الله تعالى تكذيبًا لهم: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: فيما قالوه إنهم يحتملون عن أولئك خطاياهم، فإنه لا يحمل أحد وزر أحد، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١٠، ١١].\n\n<span id=\"aya-3353\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة، أنهم يحملون يوم القيامة أوزار أنفسهم وأوزارًا أُخر بسبب ما أضلُّوا من الناس من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئًا، كما قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية [النحل: ٢٥]، وفي الصحيح: \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من آثامهم شيئًا\" (^١).\nوفي الصحيح: \"ما قتلت نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل\" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: يكذبون ويختلقون من البهتان.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثًا فقال: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا [عثمان أبو حفص ابن أبي العاتكة] (^٣)، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي، عن أبي أُمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ بلغ ما أرسل به، ثم قال: \"إياكم والظلم، فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول: وعزتي وجلالي لا يجوزني اليوم ظلم ثم ينادي منادٍ فيقول: أين فلان بن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي الرحمن ﷿، ثم يأمر المنادي فينادي: من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان بن فلان فهلم، فيقبلون حتى يجتمعوا قيامًا بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي، فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول: خذوا لهم من حسناته، فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى منها حسنة، وقد بقي من\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٢.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٣٠.\n(^٣) كذا في تفسير ابن أبي حاتم هو الصواب كما في ترجمته (في تهذيب التهذيب ٧/ ١٢٤)، وفي الأصل صحف إلى: \"عثمان بن حفص بن أبي العاملة\".","vol":"6","page":50},{"text":"أصحاب الظلامات، فيقول: اقضوا عن عبدي، فيقولون: لم يبق له حسنة، فيقول خذوا من سيئاتهم فاحملوها عليه\" ثم نزع النبي ﷺ بهذه الآية الكريمة: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ (^١). وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه: \"إن الرجل ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال وقد ظلم هذا، وأخذ من مال هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم تبق له حسنة، أخذ من سيئاتهم فطرح عليه\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو بشر الحذاء، عن أبي حمزة الثمالي، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"يا معاذ إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى عن كحل عينيه وعن فتات الطينة بإصبعيه، فلا ألفينَّك تأتي يوم القيامة وأَحدٌ أسعدُ بما آتاك الله منك\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-3354\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾.\nهذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ، يخبره عن نوح ﵇ أنه مكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله تعالى ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فرارًا عن الحق وإعراضًا عنه وتكذيبًا له، وما آمن معه منهم إلا قليل، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: بعد هذه المدة الطويلة ما نجع فيهم البلاغ والإنذار، فأنتَ يا محمد لا تأسف على من كفر بك من قومك ولا تحزن عليهم، فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وبيده الأمر، وإليه ترجع الأمور ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس]، واعلم أن الله سيظهرك وينصرك ويؤيدك، ويذل عدوك ويكبتهم، ويجعلهم أسفل السافلين.\nقال حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس قال: بعث نوح وهو لأربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان ستين عامًا حتى كثر الناس وفشوا (^٣).\nوقال قتادة: يقال: إن عمره كله ألف سنة إلا خمسين عامًا لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، ودعاهم ثلاثمائة سنة، ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين عامًا، وهذا قول غريب، وظاهر السياق من الآية أنه مكث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عامًا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عثمان أبو حفص بن أبي العاتكة (ينظر تهذيب التهذيب ٧/ ١٢٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي حمزة الثمالي واسمه: ثابت بن أبي صفية (التقريب ص ١٣٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم كلاهما من طريق حماد بن سلمة به، وسكت عنه الحاكم والذهبي (المستدرك ٢/ ٥٤٥)، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.","vol":"6","page":51},{"text":"وقال عون بن أبي شداد: إن الله تعالى أرسل نوحًا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة، فدعاهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، ثم عاش بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة، وهذا أيضًا غريب، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١). وقول ابن عباس أقرب، والله أعلم.\nوقال الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر: كم لبث نوح في قومه؟ قال: قلت ألف سنة إلا خمسين عامًا، قال: فإن الناس لم يزالوا في نقصان من أعمارهم وأحلامهم وأخلاقهم إلى يومك هذا (^٢).\n\n<span id=\"aya-3355\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ أي: الذين آمنوا بنوح ﵇، وقد تقدم ذكر ذلك مفصلًا في سورة هود، وتقدم تفسيره بما أغنى عن إعادته.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: وجعلنا تلك السفينة باقية إما عينها، كما قال قتادة: إنها بقيت إلى أول الإسلام على جبل الجودي أو نوعها جعله للناس تذكرة لنعمه على الخلق كيف أنجاهم من الطوفان، كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ [يس] وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾ [الحاقة] وقال ههنا: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾ وهذا من باب التدريج من الشخص إلى الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] أي: وجعلنا نوعها رجومًا فإن التي يرمى بها ليست هي زينة للسماء، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ [المؤمنون]، ولهذا نظائر كثيرة.\nوقال ابن جرير: لو قيل إن الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ عائد إلى العقوبة لكان وجهًا، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3356\"></span>﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾.\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له والإخلاص له في التقوى وطلب الرزق منه وحده لا شريك له، وتوحيده في الشكر، فإنه المشكور على النعم لا مسدي لها غيره، فقال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: أخلصوا له العبادة والخوف ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إذا فعلتم ذلك حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة، واندفع عنكم الشر في الدنيا والآخرة،\n\n<span id=\"aya-3357\"></span>ثم أخبر تعالى أن الأصنام التي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق نوح بن قيس عن عون بن أبي شداد.\n(^٢) سنده صحيح.","vol":"6","page":52},{"text":"يعبدونها لا تضر ولا تنفع، وإنما اختلقتم أنتم لها أسماء فسميتموها آلهة وإنما هي مخلوقة مثلكم، هكذا رواه العوفي عن ابن عباس (^١)، وبه قال مجاهد (^٢) والسدي.\nوروى الوالبي، عن ابن عباس: وتصنعون إفكًا (^٣)؛ أي: تنحتونها أصنامًا، وبه قال مجاهد في رواية (^٤)، وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم (^٥)، واختاره ابن جرير ﵀.\nوهي لا تملك لكم رزقًا ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ وهذا أبلغ في الحصر كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة]، ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] ولهذا قال: ﴿فَابْتَغُوا﴾ أي: فاطلبوا ﴿عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ أي: لا عند غيره، فإن غيره لا يملك شيئًا ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أي: كلوا من رزقه واعبدوه وحده، واشكروا له على ما أنعم به عليكم ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله.\n\n<span id=\"aya-3358\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: فبلغكم ما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ يعني: إنما على الرسول أن يبلغكم ما أمره الله تعالى به من الرسالة، والله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، فاحرصوا لأنفسكم أن تكونوا من السعداء.\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قال: يُعزي نبيه ﷺ (^٦)، وهذا من قتادة يقتضي أنه قد انقطع الكلام الأول واعترض بهذا إلى قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ [الكهف: ٢٤] وهكذا نصَّ على ذلك ابن جرير (^٧) أيضًا. والظاهر من السياق أن كل هذا من كلام إبراهيم الخليل ﵇، يحتج عليهم لإثبات المعاد لقوله بعد هذا كله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3359\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الخليل ﵇ أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا، ثم وجدوا وصاروا أناسًا سامعين\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به بلفظ: \"إفكًا\".\n(^٢) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت صحيح من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس، وهو لم يسمع من ابن عباس.\n(^٥) قول قتادة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"6","page":53},{"text":"مبصرين، فالذي بدأ هذا قادر على إعادته، فإنه سهل عليه يسير لديه، ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء: السموات وما فيها من الكواكب النيرة الثوابت والسيارات، والأرضين وما فيها من مهاد، وجبال، وأودية وبراري وقفار، وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء كن فيكون، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].\n\n<span id=\"aya-3360\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وكقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور].\n\n<span id=\"aya-3361\"></span>وقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هو الحاكم المتصرف الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فله الخلق والأمر مهما فعل فعدل، لأنه المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة، كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن: \"إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم\" ولهذا قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)﴾ أي: ترجعون يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-3362\"></span>\n\n<span id=\"aya-3363\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: لا يعجزه أحد من أهل سمواته وأرضه، بل هو القاهر فوق عباده، فكل شيء خائف منه فقير إليه، وهو الغني عما سواه.\n﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾ أي: جحدوها وكفروا بالمعاد ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ أي: لا نصيب لهم فيها ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع شديد في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-3364\"></span>﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن قوم إبراهيم في كفرهم وعنادهم ومكابرتهم ودفعهم الحق بالباطل، أنهم ما كان لهم جواب بعد مقالة إبراهيم هذه المشتملة على الهدى والبيان: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾، وذلك لأنهم قام عليهم البرهان وتوجهت عليهم الحجة، فعدلوا إلى استعمال جاههم وقوة ملكهم ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ [الصافات] وذلك أنهم حشدوا في جمع أحطاب عظيمة مدة طويلة، وحوَّطوا حولها، ثم أضرموا فيها النار، فارتفع لها لهب إلى عنان السماء، ولم توقد نار قط أعظم منها، ثم عمدوا إلى إبراهيم فكتفوه وألقوه في كفة المنجنيق، ثم قذفوه فيها، فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، وخرج منها سالمًا بعد ما مكث فيها أيامًا، ولهذا وأمثاله جعله الله للناس إمامًا، فإنه بذل نفسه للرحمن،","vol":"6","page":54},{"text":"وجسده للنيران، وسخا بولده للقربان، وجعل ماله للضيفان، ولهذا اجتمع على محبته جميع أهل الأديان.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ أي: سلَّمه منها بأن جعلها عليه بردًا وسلامًا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾\n\n<span id=\"aya-3365\"></span>﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، يقول لقومه مقرعًا لهم وموبخًا على سوء صنيعهم في عبادتهم للأوثان: إنما اتخذتم هذه لتجتمعوا على عبادتها في الدنيا صداقة وألفة منكم بعضكم لبعض في الحياة الدنيا، وهذا على قراءة من نصب ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ على أنه مفعول له، وأما على قراءة الرفع (^١)، فمعناه إنما اتخاذكم هذا لتحصل لكم المودة في الدنيا فقط ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ينعكس هذا الحال، فتبقى هذه الصداقة والمودة بغضًا وشنآنًا ثم ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: تتجاحدون ما كان بينكم ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي: يلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف] وقال ههنا: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ الآية؛ أي: ومصيركم ومرجعكم بعد عرصات القيامة إلى النار وما لكم من ناصر ينصركم، ولا منقذ ينقذكم من عذاب الله، وهذا حال الكافرين، وأما المؤمنون فبخلاف ذلك.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل [الأحمسي] (^٢)، حدثنا أبو عاصم الثقفي، الربيع بن [إسماعيل] (^٣)، عن عمرو بن سعيد بن جعدة بن هبيرة المخزومي، عن أبيه، عن جده، عن أم هانئ أُخت علي ابن أبي طالب قالت: قال لي النبي ﷺ: \"أخبرك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، فمن يدري أين الطرفان؟ قالت: الله ورسوله أعلم، ثم ينادي مناد من تحت العرش: يا أهل التوحيد، فيشرئبون -قال أبو عاصم يرفعون رؤوسهم- ثم ينادي: يا أهل التوحيد، ثم ينادي الثالثة: يا أهل التوحيد، إن الله قد عفا عنكم، قال: فيقوم الناس قد تعلق بعضهم ببعض في ظلامات الدنيا -يعني المظالم- ثم ينادي: يا أهل التوحيد ليعف بعضكم عن بعض، وعلى الله الثواب\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-3366\"></span>﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن إبراهيم أنه آمن له لوط، يقال إنه ابن أخي إبراهيم، يقولون هو لوط بن هاران بن آزر؛ يعني: ولم يؤمن به، من قومه سواه وسارة امرأة إبراهيم الخليل، لكن يقال: كيف الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الوارد في الصحيح أن إبراهيم حين مرَّ على ذلك الجبار\n_________\n(^١) القراءتان متواترتان.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: \"الأحمصي\".\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: \"سليمان\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن أبا عاصم الربيع بن إسماعيل منكر الحديث كما قال أبو حاتم، (ينظر لسان الميزان ٢/ ٤٤٤).","vol":"6","page":55},{"text":"فسأل إبراهيم عن سارة ما هي منه، فقال: أختي، ثم جاء إليها فقال لها: إني قد قلت له إنك أختي فلا تكذبيني، فإنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأنت أختي في الدين (^١)؟ وكأن المراد من هذا -والله أعلم- أنه ليس على وجه الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك، فإن لوطًا ﵇ آمن به من قومه، وهاجر معه إلى بلاد الشام، ثم أرسل في حياة الخليل إلى أهل سدوم وأقام بها، وكان من أمرهم ما تقدم وما سيأتي.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ يحتمل عود الضمير في قوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ على لوط. لأنه هو أقرب المذكورين، ويحتمل عوده إلى إبراهيم.\nقال ابن عباس والضحاك (^٢): وهو المكنى عنه بقوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أي: من قومه، ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين به، الحكيم في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية.\nوقال قتادة: هاجروا جميعًا من كوثى، وهي من سواد الكوفة إلى الشام. قال: وذُكِر لنا أن نبي الله ﷺ قال: \"إنها ستكون هجرة بعد هجرة ينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها حتى تلفظهم أرضهم، وتقذرهم روح الله ﷿، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير (^٣)، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل ما سقط منهم\".\nوقد أسند الإمام أحمد هذا الحديث فرواه مطولًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية، قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي، فجئته إذ جاء رجل فانتبذ الناس وعليه خميصة، فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، فلما رآه نوف أمسك عن الحديث، فقال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، فتلفظهم أرضهم تقذرهم نفس الرحمن، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، فتبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف منهم\" قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"سيخرج أناس من أُمتي من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج منهم قرن قطع كلما خرج منهم قرن قطع -حتى عدها زيادة على عشرين (^٤) مرة- كلما خرج منهم قرن قطع حتى يخرج الدجال في بقيتهم\" (^٥). ورواه الإمام أحمد، عن أبي داود وعبد الصمد كلاهما عن هشام الدستوائي، عن قتادة به (^٦)، وقد رواه أبو\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ (ح ٢٣٧١).\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول الضحاك أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^٣) قول قتادة ذو شقين: الأول أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، والشق الثاني فيه وذكر لنا فإنه مرسل.\n(^٤) كذا في النسخ الخطية، وفي مسند الإمام أحمد بلفظ: \"عشرة مرات\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع الفرق المتقدم (المسند ١١/ ٤٥٥، ٤٥٦ ح ٦٨٧١)، وضعفه محققوه.\n(^٦) المسند ١١/ ٥٤١، ٥٤٢ ح ٦٩٥٢)، وضعف سنده محققوه وذكروا لبعضه شواهد.","vol":"6","page":56},{"text":"داود في سننه فقال في كتاب الجهاد (باب ما جاء في سكنى الشام): حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، تلفظهم أرضهم، وتقذرهم نفس الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا أبو جناب يحيى بن أبي حية، عن شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد رأيتنا وما صاحب الدينار والدرهم بأحق من أخيه المسلم، ثم لقد رأيتنا بآخرة الآن والدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لئن أنتم اتبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد في سبيل الله، ليلزمكم الله مذلة في أعناقكم لا تنزع منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه، وتتوبوا إلى الله تعالى\" وسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم حتى لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، وتلفظهم أرضوهم، وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تقيل معهم إذا قالوا، وتبيت معهم حيث يبيتون، وما سقط منهم فلها\"، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يخرج قوم من أُمتي يسيئون الأعمال، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم -قال يزيد: لا أعلمه إلا قال- يحقر أحدكم علمه مع علمهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، فطوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن قتله الله\" فردَّد ذلك رسول الله ﷺ عشرين مرة وأكثر، وأنا أسمع (^٢).\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي: حدثنا أبو الحسن بن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم بن يزيد وهشام بن عمار الدمشقيان قالا: حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الأوزاعي، عن نافع، وقال أبو النضر: عمن حدثه، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"سيهاجر أهل الأرض هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم، حتى لا يبقى إلّا شرار أهلها، تلفظهم الأرضون، وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، لها ما سقط منهم\" (^٣) غريب من حديث نافع، والظاهر أن الأوزاعي قد رواه عن شيخ له من الضعفاء، والله أعلم. وروايته من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أقرب إلى الحفظ.\n_________\n(^١) السنن (ح ٢٤٨٢)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مقطعًا (المسند ٩/ ٣٩٥ - ٣٩٨ ح ٥٥٦٢)، وقطعة محققوه إلى قسمين فضعفوا القسم الأول وذكروا له شواهد، ثم صححوا القسم الثاني وذكروا له شواهد، والسند واحد، والشواهد لمعظمه. وقال الهيثمي فيه أبو جناب الكلبي وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٥/ ٢٥١) وقال الحافظ ابن حجر: سنده لا بأس به (فتح الباري ١١/ ٣٨٠).\n(^٣) أخرجه البيهقي (الأسماء والصفات ٩٧١)، وضعفه الحافظ ابن كثير.","vol":"6","page":57},{"text":"<span id=\"aya-3367\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ كقوله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ [مريم] أي: أنه لما فارق قومه، أقرَّ الله عينه بوجود ولد صالح نبي، وولد له ولد صالح نبي في حياة جده، وكذلك قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] أي: زيادة، كما قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي: يولد لهذا الولد ولد في حياتكما، تقرُّ به أعينكما، وكون يعقوب ولد لإسحاق نصَّ عليه القرآن وثبتت به السُّنَّة النبوية، قال الله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة].\nوفي الصحيحين: \"إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام\" (^١).\nفأما ما رواه العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ قال: هما ولدا إبراهيم (^٢). فمعناه أن ولد الولد بمنزلة الولد، فإن هذا الأمر لا يكاد يخفى على من هو دون ابن عباس.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ هذه خلعة سنية عظيمة مع اتخاذ الله إياه خليلًا، وجعله للناس إمامًا أن جعل في ذريته النبوة والكتاب، فلم يوجد نبي بعد إبراهيم ﵇ إلا وهو من سلالته، فجميع أنبياء بني إسرائيل من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، حتى كان آخرهم عيسى ابن مريم، فقام في ملئهم مبشرًا بالنبي العربي القرشي الهاشمي خاتم الرسل على الإطلاق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، الذي اصطفاه الله من صميم العرب العرباء من سلالة إسماعيل بن إبراهيم ﵇، ولم يوجد نبي من سلالة إسماعيل سواه، عليه أفضل الصلاة والسلام.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: جمع الله له بين سعادة الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة، فكان له في الدنيا الرزق الواسع الهني، والمنزل الرحب، والمورد العذب، والزوجة الحسنة الصالحة، والثناء الجميل، والذكر الحسن، وكل أحد يحبه ويتولاه، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم (^٣)، مع القيام بطاعة الله من جميع الوجوه، كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم] أي: قام بجميع ما أمر به وكمل طاعة ربه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النحل].\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة مريم آية ٤٩.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق علي بن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.","vol":"6","page":58},{"text":"<span id=\"aya-3368\"></span>\n\n<span id=\"aya-3369\"></span>\n\n<span id=\"aya-3370\"></span>﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن نبيه لوط ﵇، أنه أنكر على قومه سوء صنيعهم، وما كانوا يفعلونه من قبيح الأعمال في إتيانهم الذكران من العالمين، ولم يسبقهم إلى هذه الفعلة أحد من بني آدم قبلهم، وكانوا مع هذا يكفرون بالله ويكذبون رسله، ويخالفون ويقطعون السبيل؛ أي: يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ أي: يفعلون ما لا يليق من الأقوال والأفعال في مجالسهم التي يجتمعون فيها، لا ينكر بعضهم على بعض شيئًا من ذلك، فمن قائل كانوا يأتون بعضهم بعضًا في الملأ، قاله مجاهد (^١).\nومن قائل: كانوا يتضارطون ويتضاحكون، قالته عائشة ﵂ (^٢) والقاسم.\nومن قائل كانوا يناطحون بين الكباش ويناقرون بين الديوك، وكل ذلك يصدر عنهم وكانوا شرًا من ذلك.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن أُسامة، أخبرني حاتم بن أبي صَغيرة، حدثنا سماك بن حرب، عن أبي صالح مولى أُم هانئ، عن أُم هانئ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: \"يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم، وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه\" (^٣). ورواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث أبي أُسامة حماد بن أُسامة، عن أبي يونس القشيري، عن حاتم بن أبي صغيرة به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث حاتم بن أبي صَغيرة عن سماك (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير، عن عمرو بن قيس، عن الحكم، عن مجاهد ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: الصفير ولعب الحمام والجلاهق (^٥) والسؤال في المجلس، وحلّ أزرار القباء (^٦) (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وهذا من كفرهم واستهزائهم وعنادهم، ولهذا استنصر عليهم نبي الله فقال: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بخمسة أسانيد بعضها صحيح وبعضها دون ذلك يقوي بعضها بعضًا.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما بسند ضعيف جدًا من طريق عمر بن مصعب عن عائشة، وقد ذكره العقيلي وقال الحافظ ابن حجر باطل وذلك في ترجمة عمر بن مصعب. (ينظر لسان الميزان ٤/ ٣٣١).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ٤٥٩ ح ٢٦٨٩١)، وضعف سنده محققه.\n(^٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة العنكبوت ح ٣١٩٠)، وسنده ضعيف كسابقه لضعف أبي صالح مولى أُم هانئ، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٦٢٣)، وأخرجه الحاكم من طريق حماد بن أسامة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٠٩).\n(^٥) قال في القاموس: الجُلاهِقُ -كعُلابط- البندق الذي يرمى به.\n(^٦) القَبَاء: هو ثواب يلبس فوق الثياب أو القميص، ويحاط بنطاق.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"6","page":59},{"text":"<span id=\"aya-3371\"></span>\n\n<span id=\"aya-3372\"></span>\n\n<span id=\"aya-3373\"></span>\n\n<span id=\"aya-3374\"></span>\n\n<span id=\"aya-3375\"></span>﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾.\nلما استنصر لوط ﵇ بالله ﷿ عليهم، بعث الله لنصرته ملائكة فمرُّوا على إبراهيم ﵇ في هيئة أضياف، فجاءهم بما ينبغي للضيف، فلما رآهم أنه لا هِمَّة لهم إلى الطعام، نكرهم وأوجس منهم خيفة، فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بوجود ولد صالح من امرأته سارة، وكانت حاضرة، فتعجبت من ذلك كما تقدم بيانه في سورة هود والحجر، فلما جاءت إبراهيم البشرى وأخبروه بأنهم أُرسلوا لهلاك قوم لوط، أخذ يدافع لعلهم يُنْظَرون لعلَّ الله أن يهديهم، ولما قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾ أي: من الهالكين، لأنها كانت تمالئهُم على كفرهم وبغيهم ودبرهم، ثم ساروا من عنده فدخلوا على لوط في صورة شباب حِسان، فلما رآهم كذلك ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي: اغتمَّ بأمرهم إن هو أضافهم خاف عليهم من قومه، وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم، ولم يعلم بأمرهم في الساعة الراهنة ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)﴾ وذلك أن جبريل ﵇ اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم، وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد، وجعل الله مكانها بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذابًا يوم المعاد. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي: واضحة ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ [الصافات].\n\n<span id=\"aya-3376\"></span>\n\n<span id=\"aya-3377\"></span>﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧)﴾.\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله شعيب ﵇، أنه أنذر قومه أهل مدين، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخافوا بأس الله ونقمته وسطوته يوم القيامة، فقال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.\nقال ابن جرير: قال بعضهم معناه واخشوا اليوم الآخر (^١)، وهذا كقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١].\nثم نهاهم عن العبث في الأرض بالفساد وهو السعي فيها والبغي على أهلها، وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان ويقطعون الطريق على الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله، فأهلكهم الله\n_________\n(^١) ذكره الطبري بلفظه.","vol":"6","page":60},{"text":"برجفة عظيمة زلزلت عليهم بلادهم، وصيحة أخرجت القلوب من حناجرها، وعذاب يوم الظُلَّة الذي أزهق الأرواح من مستقرها، إنه كان عذاب يوم عظيم، وقد تقدمت قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف وهود والشعراء.\nوقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ قال قتادة: ميتين (^١).\nوقال غيره: قد ألقى بعضهم على بعض.\n\n<span id=\"aya-3378\"></span>\n\n<span id=\"aya-3379\"></span>\n\n<span id=\"aya-3380\"></span>﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾.\nيخبر تعالى عن هؤلاء الأمم المكذبة للرسل كيف أبادهم وتنوع في عذابهم، وأخذهم بالانتقام منهم، فعاد قوم هود ﵇ كانوا يسكنون الأحقاف، وهي قريبة من حضرموت بلاد اليمن، وثمود قوم صالح كانوا يسكنون الحجر قريبًا من وادي القرى، وكانت العرب تعرف مساكنهما جيدًا، وتمرُّ عليها كثيرًا، وقارون صاحب الأموال الجزيلة ومفاتيح الكنوز الثقيلة، وفرعون ملك مصر في زمان موسى ووزيره هامان القبطيان الكافران بالله تعالى ورسوله ﷺ ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ أي: كانت عقوبته بما يناسبه ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ وهم عاد، وذلك أنهم قالوا: من أشد منا قوة؟ فجاءتهم ريح صرصر باردة شديدة البرد، عاتية الهبوب جدًا، تحمل عليهم حصباء الأرض فتلقيها عليهم، وتقتلعهم من الأرض، فترفع الرجل منهم من الأرض إلى عنان السماء، ثم تنكسه على أُم رأسه فتشدخه، فيبقى بدنا بلا رأس، كأنهم أعجاز نخل منقعر.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ وهم ثمود، قامت عليهم الحجة وظهرت لهم الدلالة من تلك الناقة التي انفلقت عنها الصخرة مثل ما سألوه سواء بسواء، ومع هذا ما آمنوا بل استمروا على طغيانهم وكفرهم، وتهددوا نبي الله صالحًا ومن آمن معه وتوعدوهم بأن يخرجوهم ويرجموهم، فجاءتهم صيحة أخمدت الأصوات منهم والحركات.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ وهو قارون الذي طغى وبغى وعتا، وعصى الربَّ الأعلى، ومشى في الأرض مرحًا، وفرح ومرح وتاه بنفسه، واعتقد أنه أفضل من غيره، واختال في مشيته، فخسف الله به وبداره الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ وهو فرعون ووزير هامان وجنودهما عن آخرهم أغرقوا في صبيحة واحدة فلم ينجُ منهم مخبر ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: فيما فعل بهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: إنما فعل ذلك بهم جزاء وفاقًا بما كسبت أيديهم.\nوهذا الذي ذكرناه ظاهر سياق الآية، وهو من باب اللف والنشر، وهو أنه ذكر الأمم المكذبة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"6","page":61},{"text":"ثم قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ أي: من هؤلاء المذكورين، وإنما نبهت على هذا لأنه قد روى ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ قال: قوم لوط، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال: قوم نوح (^١).\nوهذا منقطع عن ابن عباس: فإن ابن جريج لم يدركه.\nثم قد ذكر الله في هذه السورة إهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم لوط بإنزال الرجز من السماء، وأطال السياق والفصل بين ذلك وبين هذا السياق.\nوقال قتادة: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ قال قوم لوط (^٢): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ قوم شعيب، وهذا بعيد أيضًا لما تقدم، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3381\"></span>﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾.\nهذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفهم ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم، إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئًا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها.\n\n<span id=\"aya-3382\"></span>ثم قال تعالى متوعدًا لمن عبد غيره وأشرك به، إنه تعالى يعلم ما هم عليه من الأعمال ويعلم ما يشركون به من الأنداد، وسيجزيهم وصفهم، إنه حكيم عليم،\n\n<span id=\"aya-3383\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ أي: وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم المتضلعون منه.\nقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني ابن لهيعة، عن أبي قَبيل، عن عمرو بن العاص ﵁ قال: عقلت عن رسول الله ﷺ ألف مثل (^٣).\nوهذه منقبة عظيمة لعمرو بن العاص ﵁ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا أبي، حدثنا ابن سنان، عن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني، لأنني سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به، كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"قوم فرعون\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٣٤١ ح ١٧٨٠٦)، وضعف سنده محققوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"6","page":62},{"text":"<span id=\"aya-3384\"></span>﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة أنه خلق السموات والأرض بالحق؛ يعني: لا على وجه العبث واللعب ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه: ١٥]، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لدلالة واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والإلهية.\n\n<span id=\"aya-3385\"></span>ثم قال تعالى آمرًا رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن، وهو قراءته وإبلاغه للناس ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ يعني: أن الصلاة تشتمل على شيئين على ترك الفواحش والمنكرات؛ أي: مواظبتها تحمل على ترك ذلك.\nوقد جاء في الحديث من رواية عمران وابن عباس مرفوعًا: \"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم تزده من الله إلا بعدًا\" (^١).\nذكر الآثار الواردة في ذلك:\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن هارون المخرمي الفلاس، حدثنا عبد الرحمن بن نافع أبو زياد، حدثنا عمر بن أبي عثمان، حدثنا الحسن، عن عمران بن حصين قال: سئل النبي ﷺ عن قول الله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال: \"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له\" (^٢).\nوحدثنا علي بن الحسين، حدثنا يحيى بن أبي طلحة اليربوعي، حدثنا أبو معاوية، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعدًا\" (^٣) ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن العلاء بن المسيب، عمن ذكره، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال: فمن لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدًا (^٥)، فهذا موقوف.\nقال ابن جرير: وحدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا صلاة لمن لم يطع الصلاة\" وطاعة الصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر (^٦).\n_________\n(^١) الحديث المرفوع ضعيف من الروايتين كما سيأتي تفصيله في الأحاديث الستة التالية.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهاله عمر بن أبي عثمان (الجرح والتعديل ٥/ ١٢٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ليث وهو: ابن أبي سُليم.\n(^٤) المعجم الكبير ١١/ ٥٤ ح ١١٠٢٥) وسنده كسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ العلاء بن المسيب.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف جويبر والحسين وهو ابن داود، والضحاك لم يلق ابن مسعود.","vol":"6","page":63},{"text":"قال: قال سفيان: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧] قال: فقال سفيان: إي والله تأمره وتنهاه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ -وقال أبو خالد مرة عن عبد الله-: \"لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر\" (^١) والموقوف أصح، كما رواه الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قيل لعبد الله: إن فلانًا يطيل الصلاة، قال: إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا علي، حدثنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعدًا\"، والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة والأعمش (^٣) وغيرهم، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، أنبأنا جرير -يعني: ابن عبد الحميد- عن الأعمش، عن أبي صالح قال: أراه عن جابر، شك الأعمش، قال: قال رجل للنبي ﷺ: إن فلانًا يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق. قال: \"سينهاه ما تقول\" (^٤).\nوحدثنا محمد بن موسى الجرشي، أخبرنا زياد بن عبد الله، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر، عن النبي ﷺ بنحوه، ولم يشك، ثم قال: وهذا الحديث قد رواه عن الأعمش غير واحد، واختلفوا في إسناده، فرواه غير واحد عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو غيره. وقال قيس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال جرير وزياد، عن عبد الله، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، أخبرنا الأعمش، قال: أخبرنا أبو صالح، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن فلانًا يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق، فقال: \"إنه سينهاه ما تقول\" (^٦).\nوتشتمل الصلاة أيضًا على ذكر الله تعالى وهو المطلوب الأكبر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: أعظم من الأول ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: يعلم جميع أعمالكم وأقوالكم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف كسابقه في الكلام عن جويبر والضحاك.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من طريق الأعمش به (الزهد ص ١٥٩)، وسنده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق شقيق عن ابن مسعود بنحوه (المصنف ١٣/ ٢٩٨).\n(^٣) قول ابن مسعود وابن عباس والأعمش تقدم، وقول الحسن وقتادة، أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن.\n(^٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٧٢١) وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٢/ ٢٥٨) لكنه معضل فإن الأعمش لم يدرك أحدًا من الصحابة، ويتقوى برواية الإمام أحمد التالية.\n(^٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٧٢٢)، ويتقوى بما يليه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥/ ٤٨٣ ح ٩٧٧٨)، وصحح سنده محققوه.","vol":"6","page":64},{"text":"وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال: إن الصلاة فيها ثلاث خصال، فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخصال فليست بصلاة: الإخلاص، والخشية، وذكر الله، فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله القرآن يأمره وينهاه (^١).\nوقال ابن عون الأنصاري: إذا كنت في صلاة، فأنت في معروف، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر، والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر (^٢).\nوقال حماد بن أبي سليمان: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ يعني: ما دمت فيها.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ يقول: ولذكر الله لعباده أكبر إذا ذكروه من ذكرهم إياه (^٣)، وكذا روى غير واحد عن ابن عباس، [وبه قال مجاهد وغيره (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن رجل، عن ابن عباس] (^٥) ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال: ذكر الله عند طعامك وعند منامك، قلت: فإن صاحبًا لي في المنزل يقول غير الذي تقول، قال: وأي شيء يقول؟ قلت: يقول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] فلذكر الله إيانا أكبر من ذكرنا إياه، قال: صدق (^٦).\nقال: وحدثنا أبي، حدثنا النفيلي، حدثنا إسماعيل، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال: لها وجهان، قال: ذكر الله عندما حرمه، قال: وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه (^٧).\nقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، أخبرنا هشيم، أخبرنا عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة قال: قال لي ابن عباس: هل تدري ما قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؟ قال: قلت نعم، قال: فما هو؟ قلت: التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة وقراءة القرآن ونحو ذلك. قال: لقد قلت قولًا عجيبًا وما هو كذلك ولكنه إنما يقول ذكر الله إياكم عندما أمر به أو نهى عنه إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم إياه (^٨).\nوقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس، وروي أيضًا عن ابن مسعود وأبي الدرداء وسلمان\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد في تفسيره.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه آدم والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ داود.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وإسماعيل هو ابن علية، وخالد هو الحذاء.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة عبد الله بن ربيعة (التقريب ص ٣٠٢)، وأخرجه عبد الرزاق وابن أبي حاتم من الطريق نفسه.","vol":"6","page":65},{"text":"الفارسي وغيرهم (^١)، واختاره ابن جرير.\n\n<span id=\"aya-3386\"></span>﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾.\nقال قتادة وغير واحد: هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولم يبق معهم مجادلة، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف (^٢).\nوقال آخرون: بل هي باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين (^٣)، فيجادل بالتي هي أحسن ليكون أنجع فيه، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل]، وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه] وهذا القول اختاره ابن جرير، وحكاه عن ابن زيد (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي: حادوا عن وجه الحق، وعموا عن واضح المحجة، وعاندوا وكابروا، فحيئنذٍ ينتقل من الجدال إلى الجلاد ويقاتلون بما يمنعهم ويردعهم، قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد]، قال جابر: أمرنا من خالف كتاب الله أن نضربه بالسيف.\nقال مجاهد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني: أهل الحرب، ومن امتنع منهم من أداء الجزية (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ يعني: إذا أخبروا بما لا نعلم صدقه ولا كذبه، فهذا لا نقدم على تكذيبه لأنه قد يكون حقًا، ولا تصديقه فلعله أن يكون باطلًا، ولكن نؤمن به إيمانًا مجملًا معلقًا على شرط وهو أن يكون منزلًا لا مبدلًا ولا مؤولًا.\nقال البخاري ﵀: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تصدقوا أهل\n_________\n(^١) قول عبد الله بن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق شقيق عنه (المصنف ١٣/ ٢٩٨) وقول أبي الدرداء أخرجه الطبراني بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول سلمان الفارسي أخرجه الطبري بسند ضعيف لإبهام الراوي عن سلمان ﵁.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن الرحمن بن زيد بن أسلم. .\n(^٤) رجحه الطبري وقول ابن زيد تقدم تخريجه في الرواية السابقة.\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق خُصَيف عن مجاهد، وخُصيف سيئ الحفظ.","vol":"6","page":66},{"text":"الكتاب ولا تكذبوهم\"، ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (^١) \" وهذا الحديث تفرد به البخاري.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن عمرو، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني ابن أبي نملة، أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله ﷺ جاءه رجل من اليهود، فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ: \"الله أعلم\" قال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم، فقال رسول الله ﷺ: \"إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقًا لم تكذبوهم، وإن كان باطلًا لم تصدقوهم\" (^٢).\n(قلت): وأبو نملة هذه هو عمارة. وقيل عمار: وقيل عمرو بن معاذ بن زرارة الأنصاري ﵁.\nثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان، لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل، وما أقل الصدق فيه، ثم ما أقل فائدة كثير منه لو كان صحيحًا.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا سفيان، عن سليمان بن عامر، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال (^٣).\nوقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب، عن [عبيد الله بن عبد الله] (^٤)، عن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل إليكم على رسول الله ﷺ أحدث تقرءونه محضًا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدَّلوا وغيَّروا وكتبوا بأيديكم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم (^٥).\nوقال البخاري: وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني [حميد بن عبد الرحمن] (^٦) أنه سمع معاوية يحدث رهطًا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا -مع ذلك- لنبلو عليه الكذب (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ولفظه باختصار الآية (الصحيح، التفسير، سورة البقرة) باب ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] (ح ٤٤٨٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٦)، وفي سنده ابن أبي نملة مقبول كما في التقريب، وأخرجه أبو داود (السنن، العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب ح ٣٦٤٤) من طريق الزهري به ولم يذكره الألباني في صحيح سنن أبي داود، والشطر الثاني من الحديث يتقوى بسابقه في صحيح البخاري.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة حريث بن ظهير (التقريب ص ١٥٦).\n(^٤) كذا في صحيح البخاري وفي الأصل: و(ح) و(حم) و(مح) صحف إلى: \"عبد الله بن عبد الله\".\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الإعتصام، باب قول النبي ﷺ: \"لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء\" ح ٧٣٦٣).\n(^٦) كذا في (ح) و(حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل حُرف إلى: عبيد بن عبد الرحمن.\n(^٧) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٧٣٦١).","vol":"6","page":67},{"text":"(قلت): معناه أنه يقع منه الكذب لغة من غير قصد، لأنه يحدث عن صحف يحسن بها الظن، وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة، لأنهم لم يكن في ملَّتهم حفاظ متقنون كهذه الأمة العظيم، ومع ذلك وقرب العهد، وضعت أحاديث كثيرة في هذه الأمة لا يعلمها إلا الله ﷿، ومن منحه الله تعالى علمًا بذلك كل بحسبه، ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-3387\"></span>﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾.\nقال ابن جرير: يقول الله تعالى كما أنزلنا الكتب على من قبلك يا محمد من الرسل، كذلك أنزلنا إليك هذا الكتاب، وهذا الذي قاله حسن ومناسبته وارتباطه جيد (^١).\nوقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: الذين أخذوه فتلوه حق تلاوته من أحبارهم العلماء الأذكياء، وكعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأشباههما.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني: العرب من قريش وغيرهم ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ أي: ما يكذب بها ويجحد حقها إلا من يستر الحق بالباطل، ويغطي ضوء الشمس بالوصائل وهيهات.\n\n<span id=\"aya-3388\"></span>\n\n<span id=\"aya-3389\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: قد لبثت في قومك يا محمد من قبل أن تأتي بهذا القرآن عمرًا لا تقرأ كتابًا ولا تحسن الكتابة بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أُمي لا تقرأ ولا تكتب، وهكذا صفته في الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، وهكذا كان رسول الله ﷺ دائمًا إلى يوم الدين، لا يحسن الكتابة ولا يخطُّ سطرًا ولا حرفًا بيده، بل كان له كُتَّاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم.\nومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه ﵇ كتب يوم الحديبية: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: ثم أخذ فكتب. وهذه محمولة على الرواية الأخرى: ثم أمر فكتب. ولهذا اشتد النكير من فقهاء المشرق والمغرب على من قال بقول الباجي، وتبرؤوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالًا وخطبوا به في محافلهم، وإنما أراد الرجل -أعني الباجي- فيما يظهر عنه (^٢)، أنه كتب ذلك على وجه المعجزة لا أنه كان يحسن الكتابة، كما قال ﷺ إخبارًا عن الدجال: \"مكتوب بين عينيه كافر\" (^٣) وفي رواية: \"ك ف ر، يقرؤها كل مؤمن\" (^٤).\n_________\n(^١) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٢) ذكر الحافظ رأي الباجي وبعض الأناشيد. (ينظر فتح الباري ٧/ ٥٠٣).\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث أنس ﵁ (الصحيح، الفتن، باب ذكر الدجال ح ٧١٣١).\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث أنس ﵁ (الصحيح، الفتن، باب ذكر الدجال وصفته وما معه ح ٢٩٣٣).","vol":"6","page":68},{"text":"وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت ﷺ حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل (^١) له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو﴾ أي: تقرأ ﴿مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ لتأكيد النفي ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، تأكيد أيضًا، وخرج مخرج الغالب كقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].\nوقوله تعالى: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس، فيقول: إنما تعلم هذا من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء مع أنهم قالوا: ذلك مع علمهم بأنه أُمي لا يحسن الكتابة ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان]، وقال ههنا: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق أمرًا ونهيًا وخبرًا، يحفظه العلماء يسره الله عليهم حفظًا وتلاوة وتفسيرًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر].\nوقال رسول الله ﷺ: \"ما من نبي إلا وقد أعطي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا\" (^٢).\nوفي حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم يقول الله تعالى: \"إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظانًا\" (^٣) أي: لو غسل الماء المحل المكتوب فيه لما احتيج إلى ذلك المحل، لأنه قد جاء من الحديث الآخر: \"لو كان القرآن في إهاب ما أحرقته النار\" (^٤)، ولأنه محفوظ في الصدور ميسر على الألسنة، مهيمن على القلوب، معجز لفظًا ومعنى، ولهذا جاء في الكتب المتقدمة في صفة هذا الأمة أناجيلهم في صدورهم.\nواختار ابن جرير أن المعنى في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابًا، ولا تخطه بيمينك آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب، ونقله عن قتادة وابن جريج (^٥)، وحكي الأول، عن الحسن البصري فقط (^٦).\nقلت: وهو الذي رواه العوفي، عن ابن عباس (^٧)، وقاله الضحاك (^٨) وهو الأظهر والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يكذب بها ويبخس حقها ويردها إلا الظالمون؛ أي: المعتدون المكابرون الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ\n_________\n(^١) عزاه الحافظ ابن حجر إلى ابن أبي شيبة وعمر بن شبة وضعف سنده لأنه مرسل. (ينظر فتح الباري ٧/ ٥٤).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الرعد آية ٣١.\n(^٣) أخرجه مسلم (الصحيح، الجنة، باب الصفات التي يُعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ح ٢٨٦٥).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ١٥١) وسنده حسن.\n(^٥) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود وهو ضعيف.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.","vol":"6","page":69},{"text":"الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-3390\"></span>﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعنتهم وطلبهم آيات، يعنون ترشدهم إلى أن محمدًا رسول الله كما أتى صالح بناقته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: إنما أمر ذلك إلى الله، فإنه لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم، لأن هذا سهل عليه يسير لديه، ولكنه يعلم منكم أنكم إنما قصدتم التعنت والامتحان فلا يجيبكم إلى ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩].\nوقوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: إنما بعثت نذيرًا لكم بين النذارة، فعلي أن أبلغكم رسالة الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]\n\n<span id=\"aya-3391\"></span>ثم قال تعالى مبينًا كثرة جهلهم وسخافة عقلهم حيث طلبوا آيات تدلهم على صدق محمد ﷺ فيما جاءهم، وقد جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي هو أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته بل عن معارضة عشر سور من مثله، بل عن معارضة سورة منه، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي: أولم يكفهم آية أنا أنزلنا عليك الكتاب العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم، ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحدًا من أهل الكتاب، فجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى ببيان الصواب مما اختلفوا فيه وبالحق الواضح البين الجليّ، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ [الشعراء] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ [طه].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\" (^١) أخرجاه من حديث الليث (^٢).\nوقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا القرآن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٤١) وسنده صحيح.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير الآية ٤٩ من هذه السورة الكريمة.","vol":"6","page":70},{"text":"لرحمة؛ أي: بيانًا للحق وإزاحة للباطل، وذكرى بما فيه حلول النقمات ونزول العقاب بالمكذبين والعاصين لقوم يؤمنون.\n\n<span id=\"aya-3392\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ أي: هو أعلم بما تفيضون فيه من التكذيب، ويعلم ما أقول لكم من إخباري عنه بأنه أرسلني، فلو كنت كاذبًا عليه لانتقم مني، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة] وإنما أنا صادق عليه فيما أخبرتكم به، ولهذا أيدني بالمعجزات الواضحات والدلائل القاطعات ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: لا تخفى عليه خافية ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: يوم القيامة سيجزيهم على ما فعلوا ويقابلهم على ما صنعوا في تكذيبهم بالحق واتباعهم الباطل، كذبوا برسل الله مع قيام الأدلة على صدقهم، وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل، فسيجزيهم على ذلك إنه حكيم عليم.\n\n<span id=\"aya-3393\"></span>﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن جهل المشركين في استعجالهم عذاب الله أن يقع بهم وبأس الله أن يحلَّ عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال] وقال ههنا: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: لولا ما حتم الله من تأخير العذاب إلى يوم القيامة لجاءهم العذاب قريبًا سريعًا كما استعجلوه، ثم قال: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾\n\n<span id=\"aya-3394\"></span>﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ أي: يستعجلون العذاب وهو واقع بهم لا محالة.\nقال شعبة: عن سماك، عن عكرمة: قال في قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال: البحر (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا أبي، عن مجالد، عن الشعبي أنه سمع ابن عباس يقول: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ وجهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه، وتكور فيه الشمس والقمر، ثم يوقد فيكون هو جهنم (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الله بن أُمية، حدثني محمد بن حيي، أخبرني صفوان بن يعلى، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: \"البحر هو جهنم\" قالوا ليعلى: فقال: ألا ترون أن الله تعالى يقول: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] قال: لا والذي نفس يعلى\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من شعبة به.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن عمر بن إسماعيل بن مجالد، متروك (التقريب ص ٤١٠).","vol":"6","page":71},{"text":"بيده، لا أدخلها أبدًا حتى أعرض على الله ولا يصيبني منها قطرة حتى أعرض على الله تعالى (^١)، هذا تفسير غريب، وحديث غريب جدًا، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3395\"></span>ثم قال ﷿: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣٩] فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم، وهذا أبلغ في العذاب الحسيّ.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تهديد وتقريع وتوبيخ، وهذا عذاب معنوي على النفوس، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطور].\n\n<span id=\"aya-3396\"></span>﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾.\nهذا أمر من الله تعالى المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدثني أبو سعد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله ﷺ: \"البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيرًا فأقم\" (^٢).\nولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك، فوجدوا خير المنزلين هناك: أصحمة النجاشي ملك الحبشة رحمه الله تعالى، فآواهم وأيدهم بنصره، وجعلهم سيومًا (^٣) ببلاده، ثم بعد ذلك هاجر رسول الله ﷺ والصحابة الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة.\n\n<span id=\"aya-3397\"></span>\n\n<span id=\"aya-3398\"></span>\n\n<span id=\"aya-3399\"></span>\n\n<span id=\"aya-3400\"></span>ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾ أي: أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله وحيث أمركم الله، فهو خير لكم، فإن الموت لابدّ منه ولا محيد عنه، ثم إلى الله المرجع والمآب، فمن كان مطيعًا له جازاه أفضل الجزاء، ووفاه أتم الثواب ولهذا قال\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٤٧٨ ح ٧٩٦٠)، وضعف سنده محققوه لجهالة محمد بن حيي.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣٧ ح ١٤٢٠)، وضعف سنده محققوه لوجود ثلاثة مجاهيل.\n(^٣) أي: آمنين وهي كلمة حبشية وتروى بفتح السين، وقيل سيوم: دمع سائم أي: تسومون في بلدي كالغنائم السائمة لا يعارضكم أحد (النهاية ٣/ ٤٣٤، ٤٣٥).","vol":"6","page":72},{"text":"تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: لنسكننهم منازل عالية في الجنة تجري من تحتها الأنهار على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن، يصرفونها ويجرونها حيث شاؤوا ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا لا يبغون عنها حولًا ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ نعمت هذه الغرف أجرًا على أعمال المؤمنين ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: على دينهم. وهاجروا إلى الله ونابذوا الأعداء، وفارقوا الأهل والأقرباء ابتغاء وجه الله ورجاء ما عنده وتصديق موعوده.\nوقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، أخبرنا صفوان المؤذن، أخبرنا الوليد بن مسلم، أخبرنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام الأسود، حدثني أبو معاوية الأشعري، أن أبا مالك الأشعري حدثه، أن رسول الله ﷺ، حدثه أن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وتابع الصلاة والصيام، وقام بالليل والناس نيام (^١).\n﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أحوالهم كلها في دينهم ودنياهم ثم أخبرهم تعالى أن الرزق لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب، فإنهم بعد قليل صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار والأمصار، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ أي: لا تطيق جمعه وتحصيله ولا تدخر شيئًا لغد ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: الله يقيض لها رزقها على ضعفها وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء والحيتان في الماء. قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي، حدثنا يزيد يعني: ابن هارون، حدثنا الجراح بن منهال الجزري -هو أبو العطوف-، عن الزهري، عن رجل، عن ابن عمر قال: خرجت مع رسول الله ﷺ حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: \"يا ابن عمر ما لك لا تأكل؟ \" قال: قلت: لا أشتهيه يا رسول الله، قال: \"لكني أشتهيه، وهذا صبح رابعة منذ لم أذق طعامًا ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم بضعف اليقين؟ \" قال: فوالله ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"إن الله ﷿ لم يأمرني بكنز الدنيا، ولا باتباع الشهوات، فمن كنز دنياه يريد بها حياة باقية، فإن الحياة بيد الله، ألا وإني لا أكنز دينارًا ولا درهمًا ولا أخبأ رزقًا لغد\" (^٢). هذا حديث غريب، وأبو العطوف الجزري ضعيف، وقد ذكروا أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق ابن معانق أو أبي معانق عن أبي مالك الأشعري به (المسند ٣٧/ ٥٣٩ ح ٢٢٩٠٥)، وقال محققوه: إسناده حسن إن كان ابن معانق سمعه من أبي مالك. اهـ. ويتقوى بمتابعة أبي معاوية الأشعري المتقدمة، وله شاهد أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ (المسند ٢/ ١٧٣)، وبمجموع طرقه يكون حسنًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عمر ﵄. وضعف سنده الحافظ ابن كثير لضعف أبي العطوف.","vol":"6","page":73},{"text":"الغراب إذا فقس عن فراخه البيض خرجوا وهم بيض، فإذا رآهم أبواهم كذلك نفرا عنهم أيامًا حتى يسود الريش، فيظل الفرخ فاتحًا فاه يتفقد أبويه فيقيض الله تعالى طيرًا صغارًا كالبرغش (^١)، فيغشاه فيتقوت به تلك الأيام حتى يسود ريشه، والأبوان يتفقدانه كل وقت، فكلما رأوه أبيض الريش نفرا عنه، فإذا رأوه قد اسود ريشه عطفا عليه بالحضانة والرزق، ولهذا قال الشاعر:\nيا رازق النعاب (^٢) في عشه … وجابر العظم الكسير المهيض (^٣)\nوقد قال الشافعي في جملة كلام له في الأوامر كقوله النبي ﷺ: \"سافروا تصحوا وترزقوا\" (^٤).\nقال البيهقي: أخبرنا إملاء أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، أخبرنا محمد بن غالب، حدثني محمد بن سنان، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن [رداد] (^٥) شيخ من أهل المدينة، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"سافروا تصحوا وتغنموا\" (^٦) قال: ورويناه عن ابن عباس (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، أخبرنا ابن لهيعة، عن دراج، عن عبد الرحمن بن حجيرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"سافروا تربحوا، وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا\" (^٨) وقد ورد مثل حديث ابن عمر، عن ابن عباس مرفوعًا، وعن معاذ بن جبل موقوفًا، وفي لفظ: \"سافروا مع ذوي الجد والميسرة\" (^٩) قال: ورويناه عن ابن عباس.\nوقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم.\n\n<span id=\"aya-3401\"></span>\n\n<span id=\"aya-3402\"></span>\n\n<span id=\"aya-3403\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾.\nيقول تعالى مقررًا أنه لا إله إلا هو، لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السموات والأرض، والشمس والقمر، وتسخير الليل والنهار، وأنه الخالق الرازق لعباده ومقدر آجالهم، واختلافها واختلاف أرزاقهم، فتفاوت بينهم، فمنهم الغني والفقير وهو العليم بما يصلح كلًا منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستقل بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها، فإذا كان الأمر كذلك، فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد\n_________\n(^١) البرغش: البعوض اللساع.\n(^٢) أي: فرخ الغراب.\n(^٣) أي: المكسور بعدما كاد ينجبر.\n(^٤) سيأتي تخريجه وضعفه في الرواية التالية.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"دراد\".\n(^٦) أخرجه البيهقي (السنن الكبرى ٧/ ١٠٢) قال ابن أبي حاتم عن أبيه: هذا حديث منكر (العلل ٢/ ٣٠٦).\n(^٧) أخرجه ابن عدي بسند فيه نهشل بن سعيد وهو متروك. (الكامل في الضعفاء ٧/ ٢٥٢١).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده بلفظ: \"واغزوا تستغنوا\". (المسند ١٤/ ٥٠٧ ح ٨٩٤٥) وضعف سنده محققوه.\n(^٩) أخرجه الديلمي (مسند الفردوس ح ٣٣٨٧) من حديث معاذ ﵁ وسنده ضعيف أيضًا فيه إسماعيل بن زياد وهو ضعيف وضعف سنده السيوطي والمناوي كما في فيض القدير شرح الجامع الصغير، ٤/ ٨٢، ٨٣.","vol":"6","page":74},{"text":"الربوبية. وقد كان المشركون يعترفون بذلك، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.\n\n<span id=\"aya-3404\"></span>﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها وغاية ما فيها لهو ولعب: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ أي: الحياة الدائمة الحق الذي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد.\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لآثروا ما يبقى على ما يفنى، ثم أخبر تعالى عن المشركين أنهم عند الاضطرار يدعونه وحده لا شريك له، فهلا يكون هذا منهم دائمًا\n\n<span id=\"aya-3405\"></span>﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال ههنا: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ وقد ذكر محمد بن إسحاق، عن عكرمة بن أبي جهل، أنه لما فتح رسول الله ﷺ مكة ذهب فارًّا منها، فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة، فقال أهلها: يا قوم أخلصوا لربهم الدعاء، فإنه لا ينجي ههنا إلا هو، فقال عكرمة: والله لئن كان لا ينجي في البحر غيره، فإنه لا ينجي في البر أيضًا غيره، اللَّهُمّ لك عليّ عهد لئن خرجت لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد، فلأجدنه رؤوفًا رحيمًا، فكان كذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-3406\"></span>وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ هذه اللام يسميها كثير من أهل العربية والتفسير وعلماء الأصول لام العاقبة، لأنهم لا يقصدون ذلك، ولا شك أنها كذلك بالنسبة إليهم، وأما بالنسبة إلى تقدير الله عليهم ذلك وتقييضه إياهم لذلك فهي لام التعليل، وقد قدمنا تقرير ذلك في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].\n\n<span id=\"aya-3407\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾.\nيقول تعالى ممتنًا على قريش فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، ومن دخله كان آمنًا فهم في أمن عظيم، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش].\n_________\n(^١) سنده ضعيف للانقطاع بين ابن إسحاق وعكرمة، ويتقوى بما تقدم في تفسير سورة الإسراء آية ٦٧ فقد صحت القصة.","vol":"6","page":75},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد و﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة لله، وأن لا يشركوا به، وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه، وأخرجوه من بين أظهرهم، ولهذا سلبهم الله تعالى ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم ببدر، ثم صارت الدُولة (^١) لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله مكة، وأرغم آنافهم وأذل رقابهم.\n\n<span id=\"aya-3408\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ أي: لا أحد أشد عقوبة ممن كذب على الله، فقال: إن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء. ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله، وهكذا لا أحد أشد عقوبة ممن كذب بالحق لما جاءه، فالأول مفتر والثاني مكذب، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾\n\n<span id=\"aya-3409\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ يعني: الرسول ﷺ وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنبصرنهم سبلنا؛ أي: طرقنا في الدنيا والآخرة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، أخبرنا عباس الهمداني أبو أحمد من أهل عكا في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ قال: الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله لما لا يعلمون. قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت به أبا سليمان الداراني، فأعجبه وقال: ليس ينبغي لمن ألهم شيئًا من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الأثر، فإذا سمعه في الأثر عمل به، وحمد الله حتى وافق ما في نفسه.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن جعفر قاضي الري، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن المغيرة، عن الشعبي قال: قال عيسى ابن مريم ﵇: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك (^٢)، والله أعلم.\n[آخر تفسير سورة العنكبوت. ولله الحمد والمنة] (^٣).\n_________\n(^١) الدُولة: الغلبة.\n(^٢) أخرج ابن أبي حاتم الروايتين، وسند الثانية مرسل، لأن ما يروى عن الأنبياء لابدّ أن يكون بحديث مرفوع أو له حكم الرفع.\n(^٣) زيادة من (مح).","vol":"6","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>سُورَةُ الرُّومِ</span>\n[وهي] (^١) مكية\n\n<span id=\"aya-3410\"></span>\n\n<span id=\"aya-3411\"></span>\n\n<span id=\"aya-3412\"></span>\n\n<span id=\"aya-3413\"></span>\n\n<span id=\"aya-3414\"></span>\n\n<span id=\"aya-3415\"></span>﷽\n﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾.\nنزلت هذه الآيات حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم. واضطره هرقل ملك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية وحاصره فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل كما سيأتي.\nقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عَمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال: غُلِبت وغَلَبت، قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، فذكر ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"أما إنهم سيغلبون\" فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلًا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﷺ، فقال: \"ألا جعلتها إلى دون -أراه قال: العشر-\" قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر، ثم ظهرت الروم بعد قال: فذلك قوله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ (^٢) هكذا رواه الترمذي والنسائي جميعًا عن الحسين بن حريث، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان بن سعيد الثوري به. وقال الترمذي: حسن غريب إنما نعرفه من حديث سفيان، عن حبيب (^٣)، ورواه ابن أبي حاتم، عن\n_________\n(^١) زيادة من (حم).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧ ح ٢٤٩٥)، وصحح سنده محققوه.\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الروم (ح ٣١٩٣)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٣٨٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٥٥١).","vol":"6","page":77},{"text":"محمد بن إسحاق الصاغاني، عن معاوية بن عمرو به، ورواه ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن سعيد أبو سعيد [التغلبي] (^١) الذي يقال له أبو سعد من أهل طرسوس، حدثنا أبو إسحاق الفزاري فذكره، وعندهم قال سفيان: فبلغني أنهم غلبوا يوم بدر (^٢).\nحديث آخر: قال سليمان بن مهران الأعمش: عن مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: خمس قد مضين، الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم، أخرجاه (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن عامر -هو الشعبي-، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان فارس ظاهرًا على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم. وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب وهم أقرب إلى دينهم، فلما نزلت ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ قالوا: يا أبا بكر إن صاحبك يقول إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين؟ قال: صدق. قالوا: هل لك أن نقامرك؟ فبايعوه على أربع قلائص (^٤) إلى سبع سنين، فمضت السبع ولم يكن شيء، ففرح المشركون بذلك، وشق على المسلمين، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: \"ما بضع سنين عندك؟ \" قالوا: دون العشر. قال: \"اذهب فزايدهم، وازدد سنتين في الأجل\" قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك، وأنزل الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (^٥).\nحديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عمر الوكيعي، حدثنا مؤمل، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ قال المشركون لأبي بكر: ألا ترى إلى ما يقول صاحبك يزعم أن الروم تغلب فارس؟ قال: صدق صاحبي. قالوا: هل لك أن نخاطرك (^٦)؟ فجعل بينه وبينهم أجلًا، فحلَّ الأجل قبل أن تغلب الروم فارس، فبلغ ذلك النبي ﷺ فساءه ذلك وكرهه، وقال لأبي بكر: \"ما دعاك إلى هذا؟ \" قال: تصديقًا لله ولرسوله. قال: \"تعرض لهم وأعظم الخطر واجعله إلى بضع سنين\" فأتاهم أبو بكر فقال لهم: هل لكم في العود، فإن العود أحمد؟ قالوا: نعم، فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا الرومية، فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فقال: هذا السحت، قال: \"تصدق به\" (^٧).\n\nحديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن أبي\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(ح) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: \"الثعلبي\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه الشيخان من طريق الأعمش به. (صحيح البخاري، التفسير، سورة الدخان ح ٤٧٦٧، وصحيح مسلم، صفة القيامة والجنة، باب الدخان ح ٢٧٩٨).\n(^٤) أي: أربع من الإبل الشابة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال ويتقوى بالروايات التالية.\n(^٦) أي: نراهنك (ينظر لسان العرب ٤/ ٢٥١).\n(^٧) سنده حسن.","vol":"6","page":78},{"text":"أويس، أخبرني ابن أبي الزناد، عن عروة بن الزبير، عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم، لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قول الله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ وكانت قريش تحب ظهور فارس، لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب، ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية، خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ قال ناس من قريش لأبي بكر: فذاك بيننا وبينكم، زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلاك نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسمِّ بيننا وبينك وسطًا ننتهي إليه؟ قال: فسمّوا بينهم ست سنين، قال: فمضت ست السنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس: فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، قال: لأن الله قال في بضع سنين، قال: فأسلم عند ذلك ناس كثير. هكذا ساقه الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد (^١).\nوقد روي نحو هذا مرسلًا عن جماعة من التابعين مثل عكرمة والشعبي ومجاهد وقتادة والسدي والزهري وغيرهم (^٢)، ومن أغرب هذه السياقات ما رواه الإمام سنيد بن داود في تفسيره حيث قال: حدثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن عكرمة قال: كان في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال، فدعاها كسرى فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشًا وأستعمل عليهم رجلًا من بنيك، فأشيري علي أيهم أستعمل؟! فقالت: هذا فلان وهو أروغ من ثعلب، وأحذر من صقر، وهذا فرخان وهو أنفذ من سنان، وهذا شهريراز وهو أحلم من كذا، تعني أولادها الثلاثة، فاستعمل أيهم شئت، قال: فإني قد استعملت الحليم، فاستعمل شهريراز، فسار إلى الروم بأهل فارس، فظهر عليهم فقتلهم وخرب مدائنهم، وقطع زيتونهم، قال أبو بكر بن عبد الله: فحدثت بهذا الحديث عطاء الخراساني فقال: أما رأيت بلاد الشام؟ قلت: لا، قال: أما إنك لو رأيتها لرأيت المدائن التي خربت والزيتون الذي قطع، فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته. قال عطاء الخراساني: حدثني يحيى بن يعمر أن قيصر بعث رجلًا يدعى قطمة بجيش من الروم، وبعث كسرى شهريراز فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إليكم، فلقيت فارس الروم فغلبتهم فارس، ففرحت بذلك كفار قريش، وكرهه المسلمون، قال عكرمة: ولقي المشركون أصحاب النبي ﷺ وقالوا: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أُميون، وقد ظهر إخوانكم من أهل فارس على إخواننا من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير باب ومن سورة الروم ح ٣١٩٤)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٥٥٢).\n(^٢) معظم هذه المراسيل أخرجها الطبري وهي تشد بعضها بعضًا وتتقوى بما سبق.","vol":"6","page":79},{"text":"فأنزل الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله ليظهرن الله الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا ﷺ، فقام إليه أُبي بن خلف فقال: كذبت يا أبا فضيل، فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: أُناحِبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإِن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين، ثم جاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال: \"ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر وماده في الأجل\" فخرج أبو بكر فلقي أُبيًا، فقال: لعلك ندمت؟ فقال: لا، تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت، فظهرت الروم على فارس قبل ذلك، فغلبهم المسلمون. قال عكرمة: لما أن ظهرت فارس على الروم، جلس فرخان يشرب وهو أخو شهريراز، فقال: لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت كسرى، فكتب كسرى إلى شهريراز: إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان له نكاية وصوت في العدو، فلا تفعل، فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفًا منه، فعجل إلي برأسه. فراجعه، فغضب كسرى فلم يجبه، وبعث بريدًا إلى أهل فارس: إِني قد نزعت عنكم شهريراز واستعملت عليكم فرخان، ثم دفع إلى البريد صحيفة لطيفةٍ صغيرة، فقال: إذا ولي فرخان الملك وانقاد إليه أخوه، فأعطه هذه، فلما قرأ شهريراز الكتاب قال: سمعًا وطاعة، ونزل عن سريره وجلس فرخان، ودفع إليه الصحيفة قال: ائتوني بشهريراز، وقدمه ليضرب عنقه، قال: لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: نعم، فدعا بالسفط (^١) فأعطاه الصحائف، قال: كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد، فردَّ الملك إلى أخيه شهريراز، وكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم إن لي إليك حاجة لا تحملها البُرُد (^٢)، ولا تحملها الصحف فألقني ولا تلقني إلا في خمسين روميًا، فإني ألقاك في خمسين فارسيًا، فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلًا، ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، مع كل واحد منهما سكين فدعيا ترجمانًا بينهما، فقال شهريراز: إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا وأراد أن أقتل أخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني وقد خلعناه جميعًا، فنحن نقاتله معك. قال: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا، قال: أجل، فقتلا الترجمان جميعًا بسكينيهما، فأهلك الله كسرى، وجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ففرح والمسلمون معه (^٣). فهذا سياق غريب وبناء عجيب.\n_________\n(^١) السفط: الذي يعبي فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء.\n(^٢) جمع بريد.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق سنيد به، وعزاه الزيلعي إلى تفسير سنيد (تخريج أحاديث الكشاف ٣/ ٥٤). وسنيد فيه مقال، وضعفه متنه الحافظ ابن كثير.","vol":"6","page":80},{"text":"ولنتكلم عن كلمات هذه الآيات الكريمة، فقوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة البقرة، وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهم أبناء عمِّ بني إسرائيل، ويقال لهم بنو الأصفر، وكانوا على دين اليونان، واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك، وكانوا يعبدون الكواكب السيارة السبعة، ويقال لها المتحيرة، ويصلون إلى القطب الشمالي، وهم الذين أسسوا دمشق، وبنوا معبدها، وفيه محاريب إلى جهة الشمال، فكان الروم على دينهم إلى بعد مبعث المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة، وكان من ملك الشام مع الجزيرة منهم يقال له قيصر، فكان أول من دخل في دين النصارى من الملوك قسطنطين ابن [قسطس] (^١) وأمه مريم الهيلانية الشدقانية من أرض حرَّان، كانت قد تنصرت قبله، فدعته إلى دينها، وكان قبل ذلك فيلسوفًا فتابعها، يقال: تَقية (^٢)، واجتمعت به النصارى وتناظروا في زمانه مع عبد الله بن أريوس، واختلفوا اختلافًا منتشرًا متشتتًا لا ينضبط، إلا أنه اتفق من جماعتهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا، فوضعوا لقسطنطين العقيدة، وهي التي يسمونها الأمانة الكبيرة، وإنما هي الخيانة الحقيرة، ووضعوا له القوانين يعنون كتب الأحكام من تحريم وتحليل، وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وغيروا دين المسيح ﵇، وزادوا فيه ونقصوا منه، فصلوا إلى المشرق، واعتاضوا عن السبت بالأحد، وعبدوا الصليب وأحلوا الخنزير، واتخذوا أعيادًا أحدثوها كعيد الصليب والقداس والغطاس وغير ذلك من البواعيث والشعانين (^٣)، وجعلوا له الباب، وهو كبيرهم، ثم البتاركة، ثم المطارنة، ثم الأساقفة والقساقسة، ثم الشمامسة، وابتدعوا الرهبانية، وبنى لهم الملك الكنائس والمعابد، وأسس المدينة المنسوبة إليه وهي القسطنطينية.\nيقال: إنه بنى في أيامه اثني عشر ألف كنيسة، وبنى بيت لحم بثلاث محاريب، وبنت أُمه القمامة، وهؤلاء هم الملكية يعنون الذين هم على دين الملك.\nثم حدثت بعدهم اليعقوبية أتباع يعقوب الأسكاف، ثم النسطورية أصحاب نسطورا، وهم فرق وطوائف كثيرة، كما قال رسول الله ﷺ: \"إنهم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة\" (^٤) والغرض أنهم استمروا على النصرانية، كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده حتى كان آخرهم هرقل، وكان من عقلاء الرجال، ومن أحزم الملوك وأدهاهم، وأبعدهم غورًا، وأقصاهم رأيًا، فتملك عليهم في رياسة عظيمة وأبهة كبيرة، فناوأه كسرى ملك الفرس وملك البلاد كالعراق وخراسان والريّ وجميع بلاد العجم، وهو سابور ذو الأكتاف، وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر، وله رياسة العجم، وحماقة الفرس، وكانوا مجوسًا يعبدون النار.\nفتقدم عن عكرمة أنه: بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه، والمشهور أن كسرى غزاه بنفسه في بلاده، فقهره وكسره وقصره، حتى لم يبق معه سوى مدينة قسطنطينية، فحاصره بها مدة طويلة، حتى ضاقت عليه، وكانت النصارى تعظمه تعظيمًا زائدًا، ولم يقدر كسرى على فتح البلد، ولا\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"قيطس\".\n(^٢) أي: حذرًا.\n(^٣) الشعانين: عيد النصارى يقع يوم الأحد السابق لعيد الفصح، يحتفل فيه بذكرى دخول المسيح بيت المقدس.\n(^٤) أخرجه أبو داود من حديث عوف بن مالك ﵁. (السنن، السنة، باب شرح السنة ح ٤٥٩٦)، وقال الألباني: حسن صحيح. (صحيح سنن أبي داود ح ٣٨٤٢).","vol":"6","page":81},{"text":"أمكنه ذلك لحصانتها لأن نصفها من ناحية البر، ونصفها الآخر من ناحية البحر، فكانت تأتيهم الميرة والمدد من هنالك، فلما طال الأمر، دبر قيصر مكيدة، ورأى في نفسه خديعة، فطلب من كسرى أن يقلع عن بلاده على مال يصالحه عليه ويشترط عليه ما شاء، فأجابه إلى ذلك، وطلب منه أموالًا عظيمة لا يقدر عليها أحد من ملوك الدنيا من ذهب وجواهر وأقمشة وجوار وخدام وأصناف كثيرة، فطاوعه قيصر وأوهمه أن عنده جميع ما طلب، واستقل عقله لما طلب منه ما طلب، ولو اجتمع هو وإياه لعجزت قدرتهما عن جمع عشره، وسأل كسرى أن يمكنه من الخروج إلى بلاد الشام وأقاليم مملكته، ليسعى في تحصيل ذلك من ذخائره وحواصله ودفائنه، فأطلق سراحه، فلما عزم قيصر على الخروج من مدينة قسطنطينية فجمع أهل ملَّته وقال: إني خارج في أمر قد أبرمته في جند قد عينته من جيشي، فإن رجعت إليكم قبل الحول، فأنا ملككم، وإن لم أرجع إليكم قبلها، فأنتم بالخيار: إن شئتم استمررتم على بيعتي، وإن شئتم وليتم عليكم غيري، فأجابوه بأنك ملكنا ما دمت حيًا، ولو غبت عشرة أعوام، فلما خرج من القسطنطينية خرج جريدة (^١) في جيش متوسط هذا، وكسرى مخيم على القسطنطينية ينتظره ليرجع، فركب قيصر من فوره وسار مسرعًا حتى انتهى إلى بلاد فارس، فعاث في بلادهم قتلًا لرجالها ومن بها من المقاتلة أولًا فأولًا، ولم يزل يقتل حتى انتهى إلى المدائن وهي كرسي مملكة كسرى، فقتل من بها وأخذ جميع حواصله وأمواله، وأسر نساءه وحريمه، وحلق رأس ولده وركبه على حماره، وبعث معه من الأساورة (^٢) من قومه في غاية الهوان والذلة، وكتب إلى كسرى يقول: هذا ما طلبت فخذه، فلما بلغ ذلك كسرى أخذه من الغم ما لا يحصيه إلا الله تعالى، واشتد حنقه على البلد، فاشتد في حصارها بكل ممكن، فلم يقدر على ذلك، فلما عجز ركب ليأخذ عليه الطريق من مخاضة جيحون (^٣) التي لا سبيل لقيصر إلى القسطنطينية إلا منها، فلما علم قيصر بذلك، احتال بحيلة عظيمة، لم يسبق إليها وهو أنه أرصد جنده وحواصله التي معه عند فم المخاضة، وركب في بعض الجيش، وأمر بأحمال من التبن والبعر والروث، فحملت معه، وسار إلى قريب من يوم في الماء مصعدًا، ثم أمر بإلقاء تلك الأحمال في النهر، فلما مرت بكسرى ظن وجنده أنهم قد خاضوا من هنالك، فركبوا في طلبهم فشغرت المخاضة عن الفرس، وقدم قيصر فأمرهم بالنهوض والخوض، فخاضوا وأسرعوا السير، ففاتوا كسرى وجنوده، ودخلوا القسطنطينية، فكان ذلك يومًا مشهودًا عند النصارى، وبقي كسرى وجيوشه حائرين لا يدرون ماذا يصنعون، لم يحصلوا على بلاد قيصر، وبلادهم قد خربتها الروم، وأخذوا حواصلهم، وسبوا ذراريهم، ونساءهم، فكان هذا من غلب الروم لفارس، وكان ذلك بعد تسع سنين من غلب الفرس للروم، وكانت الوقعة الكائنة بين فارس والروم حين غلبت الروم بين أذرعات وبصرى على ما ذكره ابن عباس وعكرمة وغيرهما، وهي طرف بلاد الشام مما يلي بلاد الحجاز (^٤).\nوقال مجاهد: كان ذلك في الجزيرة، وهي أقرب بلاد الروم من فارس، فالله أعلم.\n_________\n(^١) الجريدة: خيل لا رجالة فيها.\n(^٢) أي: الفرسان.\n(^٣) أي: نهر جيحون.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود وهو ضعيف.","vol":"6","page":82},{"text":"ثم كان غلب الروم لفارس بعد بضع سنين وهي تسع، فإن البضع في كلام العرب ما بين الثلاث إلى التسع، وكذلك جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وغيرهما من حديث عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر في مناحبة (^١): ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ الآية: \"ألا احتطت يا أبا بكر، فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع؟ \" ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه (^٢). وروى ابن جرير عن عبد الله بن عمرو أنه قال ذلك (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ أي: من قبل ذلك ومن بعده، فبني على الضم لما قطع المضاف، وهو قوله قبل عن الإضافة ونويت.\n﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أي: للروم أصحاب قيصر ملك الشام على فارس أصحاب كسرى، وهم المجوس، وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قوله طائفة كثيرة من العلماء، كابن عباس والثوري والسدي (^٤) وغيرهم.\nوقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث الأعمش عن عطية، عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر، ظهرت الروم علي فارس، فأعجب ذلك المؤمنين ففرحوا به، وأنزل الله ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ (^٥).\nوقال الآخرون: بل كان نصر الروم على فارس عام الحديبية، قاله عكرمة والزهري وقتادة وغير واحد (^٦).\nووجه بعضهم هذا القول بأن قيصر كان قد نذر لئن أظفره الله بكسرى ليمشين من حمص إلى إيليا وهو بيت المقدس، شكرًا لله تعالى ففعل، فلما بلغ بيت المقدس لم يخرج منه حتى وافاه كتاب رسول الله ﷺ الذي بعثه مع دحية بن خليفة، فأعطاه دحية لعظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر، فلما وصل إليه سأل من بالشام من عرب الحجاز، فأحضر له أبو سفيان صخر بن حرب الأموي في جماعة من كبار قريش، وكانوا بغزة، فجيء بهم إليه فجلسوا بين يديه. فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا، فقال لأصحابه وأجلسهم خلفه: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذب فكذبوه، فقال أبو سفيان،\n_________\n(^١) أي: مراهنة.\n(^٢) أخرجه الطبري والترمذي من حديث عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي به، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٦٢٤).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٤) تقدم تخريجه في بداية تفسير الآية.\n(^٥) أخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الروم ح ٣١٩٢)، والطبري، وفي سنده عطية وهو العوفي وفيه مقال ويتقوى بما سبق من الروايات في بداية تفسير الآية ولهذا قال الألباني صحيح بما بعده (صحيح سنن الترمذي ح ٢٥٥٠).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقول الزهري عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.","vol":"6","page":83},{"text":"فوالله لولا أن يأثروا عليَّ الكذب لكذبت، فسأله هرقل عن نسبه وصفته، فكان فيما سأله أن قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها (^١)؛ يعني: بذلك الهدنة التي كانت قد وقعت بين رسول الله ﷺ وكفار قريش عام الحديبية على وضع الحرب بينهم عشر سنين، فاستدلوا بهذا على أن نصر الروم على فارس كان عام الحديبية، لأن قيصر إنما وفى بنذره بعد الحديبية، والله أعلم.\nولأصحاب القول الأول أن يجيبوا عن هذا بأن بلاده كانت قد خربت وتشعثت، فما تمكن من وفاء نذره حتى أصلح ما ينبغي له إصلاحه وتفقد بلاده، ثم بعد أربع سنين من نصرته وفى بنذره، والله أعلم، والأمر في هذا سهل قريب، إلا أنه لما انتصرت فارس على الروم ساء ذلك المؤمنين، فلما انتصرت الروم على فارس، فرح المؤمنون بذلك، لأن الروم أهل كتاب في الجملة، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس، كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة]. وقال تعالى ههنا: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثني أسيد الكلابي قال: سمعت العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس ثم رأيت غلبة المسلمين فارس، والروم كل ذلك في خمس عشرة سنة (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: في انتصاره وانتقامه من أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده المؤمنين.\nوقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: هذا الذي أخبرناك به يا محمد من أنّا سننصر الروم على فارس وعد من الله حق، وخبر صدق لا يخلف ولابدّ من كونه ووقوعه، لأن الله قد جرت سنته أن ينصر أقرب الطائفتين المقتتلين إلى الحق، ويجعل لها العاقبة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: بحكم الله في كونه، وأفعاله المحكمة الجارية على وفق العدل.\n\n<span id=\"aya-3416\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ أي: أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة.\nقال الحسن البصري: والله لبلغ من أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس ﵄ (الصحيح، بدء الوحي باب رقم ٦ ح ٧).\n(^٢) في متنه نكارة إذ خالف ما تقدم من الروايات الصحيحة بان البضع ما بين ثلاث إلى تسع.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"6","page":84},{"text":"وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ يعني: الكفار يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال (^١).\n\n<span id=\"aya-3417\"></span>﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾.\nيقول تعالى منبهًا على التفكر في مخلوقاته الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني به: النظر والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء من العالم العلوي والسفلي وما بينهما من المخلوقات المتنوعة والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها ما خلقت سدىً ولا باطلًا بل بالحق، وأنها مؤجلة إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3418\"></span>\n\n<span id=\"aya-3419\"></span>ثم نبههم على صدق رسله فيما جاؤوا به عنه، بما أيدهم من المعجزات والدلائل الواضحات من إهلاك من كفر بهم ونجاة من صدقهم، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بأفهامهم وعقولهم ونظرهم وسماع أخبار الماضين، ولهذا قال: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: كانت الأمم الماضية والقرون السالفة أشد منكم أيها المبعوث إليهم محمد ﷺ وأكثر أموالًا وأولادًا، وما أوتيتم معشار ما أوتوا، ومكنوا في الدنيا تمكينًا لم تبلغوا إليه وعمروا فيها أعمارًا طوالًا، فعمروها أكثر منكم، واستغلوها أكثر من استغلالكم، ومع هذا فلما جاءتهم رسلهم بالبينات وفرحوا بما أوتوا، أخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واقٍ، ولا حالت أموالهم ولا أولادهم بينهم وبين بأس الله، ولا دفعوا عنهم مثقال ذرة، وما كان الله ليظلمهم فيما أجل بهم من العذاب والنكال ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: وإنما أوتوا من أنفسهم حيث كذبوا بآيات الله واستهزؤوا بها، وما ذاك إلا بسبب ذنوبهم السالفة وتكذيبهم المتقدم، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] وعلى هذا تكون السوأى منصوبة مفعولًا لأساؤوا، وقيل: بل المعنى في ذلك ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ أي: كانت السوأى عاقبتهم لأنهم كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون. فعلى هذا تكون السوأى منصوبة خبر كان، هذا توجيه ابن جرير، ونقله عن ابن عباس وقتادة (^٢)، ورواه ابن أبي حاتم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.","vol":"6","page":85},{"text":"عنهما، وعن الضحاك بن مزاحم (^١)، وهو الظاهر -والله أعلم-[لقوله] (^٢) ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3420\"></span>\n\n<span id=\"aya-3421\"></span>﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: كما هو قادر على بداءته فهو قادر على إعادته ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله. ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾.\nقال ابن عباس: ييأس المجرمون (^٣).\nوقال مجاهد: يفتضح المجرمون (^٤)، وفي رواية يكتئب المجرمون (^٥)\n\n<span id=\"aya-3422\"></span>﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ أي: ما شفعت فيهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى وكفروا بهم وخانوهم أحوج ما كانوا إليهم.\n\n<span id=\"aya-3423\"></span>\n\n<span id=\"aya-3424\"></span>\n\n<span id=\"aya-3425\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ قال قتادة: هي والله الفرقة التي لا اجتماع بعدها (^٦)؛ يعني: أنه إذا رفع هذا إلى عليين وخفض هذا إلى أسفل سافلين، فذلك آخر العهد بينهما، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾.\nقال مجاهد وقتادة: ينعمون (^٧).\nوقال يحيى بن أبي كثير: يعني سماع الغناء والحبرة أعمُّ من هذا كله (^٨)، قال العجاج:\nالحمد لله الذي أعطى الحبر (^٩) … موالي الحق (^١٠) إن المولى شكر (^١١)\n\n<span id=\"aya-3426\"></span>\n\n<span id=\"aya-3427\"></span>﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾.\nهذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده في هذه الأوقات\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس والضحاك وقتادة.\n(^٢) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والفريابي (ينظر تغليق التعليق ٤/ ٢٧٩)، والطبري كلهم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^٨) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٩) أي: السرور.\n(^١٠) أي: أولياء الحق.\n(^١١) استشهد به الطبري، والبيت في ديوان العجاج ص ٤.","vol":"6","page":86},{"text":"المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه عند المساء، وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح وهو إسفار النهار عن ضيائه. ثم اعترض بحمده مناسبة للتسبيح وهو التحميد، فقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المحمود على ما خلق في السموات والأرض.\nثم قال تعالى: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ فالعشاء هو شدة الظلام، والإظهار قوة الضياء، فسبحان خالق هذا وهذا، فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنًا، كما قال تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ [الشمس]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل]، وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى]، والآيات في هذا كثيرة.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا [زبّان] (^١) بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ألا أخبركم لم سمَّى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا وحين تظهرون\" (^٢).\nوقال الطبراني: حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، عن سعيد بن بشير، عن محمد بن عبد الرحمن بن [البيلماني] (^٣)، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: \"ومن قال حين يصبح ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾، الآية بكمالها أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته\" (^٤). إسناده جيد ورواه أبو داود في سننه (^٥).\n\n<span id=\"aya-3428\"></span>وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة، وهذه الآيات المتتابعة الكريمة كلُّها من هذا النمط، فإنه يذكر فيها خلقه الأشياء وأضدادها، ليدل خلقه على كمال قدرته، فمن ذلك إخراج النبات من الحب والحب من النبات، والبيض من الدجاج والدجاج من البيض، والإنسان من النطفة والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)﴾ [يس]، وقال: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) والمسند، وفي الأصل صُحف إلى: \"ريان\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ٣٨٨ ح ١٥٦٢٤) وضعف سنده محققوه.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) والمعجم الكبير للطبراني، وفي الأصل صُحف إلى: \"السلماني\".\n(^٤) المعجم الكبير (١٢/ ٢٣٩)، وسنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني، ولعل الحافظ ابن كثير جود سنده بسابقه.\n(^٥) سنن أبي داود، الأدب، باب ما يقول إذا أصبح (ح ٥٠٧٦)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود.","vol":"6","page":87},{"text":"حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف]، ولهذا قال ههنا: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3429\"></span>﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على عظمته وكمال قدرته، أنه خلق أباكم آدم من تراب ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ فأصلكم من تراب ثم من ماءٍ مهين، ثم تصور فكان علقة ثم مضغة، ثم صار عظامًا مشكله على شكل الإنسان، ثم كسا الله تلك العظام لحمًا، ثم نفخ فيه الروح فإذا هو سميع بصير، ثم خرج من بطن أمه صغيرًا ضعيف القوى والحركة، ثم كلَّما طال عمره تكاملت قواه وحركاته حتى آلَ به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون، ويسافر في أقطار الأقاليم، ويركب متن البحور، ويدور أقطار الأرض، ويتكسب ويجمع الأموال، وله فكرة وغور ودهاء ومكر ورأي وعلم واتساع في أمور الدنيا والآخرة كل بحسبه، فسبحان من أقدرهم وسيرهم وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكر، والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد وغندر قالا: حدثنا عوف، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن وبين ذلك\" (^١) ورواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (^٢).\n\n<span id=\"aya-3430\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي: خلق لكم من جنسكم إناثًا يكن لكم أزواجًا ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] يعني بذلك: حواء، خلقها الله من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر، ولو أنه تعالى جعل بني آدم كلهم ذكورًا وجعل إناثهم من جنس آخر إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الإئتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس، ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهنَّ ﴿مَوَدَّةً﴾ وهي: المحبة، ﴿وَرَحْمَةً﴾ وهي: الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إنما لمحبته لها أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما وغير ذلك ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢/ ٣٥٣ ح ١٩٥٨٢)، وصحح سنده محققوه.\n(^٢) سنن أبي داود، السنة، باب في القدر ٤٦٩٤، وسنن الترمذي، التفسير، سورة البقرة (ح ٢٩٩٥).","vol":"6","page":88},{"text":"<span id=\"aya-3431\"></span>﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على قدرته العظيمة ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خلق السموات في ارتفاعها واتساعها، وسقوف أجرامها، وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات، والأرض في انخفاضها وكثافتها، وما فيها من جبال وأودية وبحار، وقفار وحيوان وأشجار.\nوقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ يعني: اللّغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تتر لهم لغة أخرى، وهؤلاء كرج، وهؤلاء روم، وهؤلاء فرنج، وهؤلاء بربر، وهؤلاء تكرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى من اختلاف لغات بني آدم واختلاف ألوانهم وهي حُلاهم، فجميع أهل الأرض بل أهل الدنيا منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة كل له عينان وحاجبان وأنف وجبين وفم وخدان، وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لابدّ أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام ظاهرًا كان أو خفيًا يظهر عند التأمل، كل وجه منهم أسلوب بذاته وهيئته لا تشبه أخرى، ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح لابدّ من فارق بين كل واحد منهم وبين الآخر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾\n\n<span id=\"aya-3432\"></span>﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ومن الآيات ما جعل الله من صفة النوم في الليل والنهار، فيه تحصل الراحة وسكون الحركة وذهاب الكلال والتعب. وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في النهار وهذا ضد النوم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يعون.\nقال الطبراني: حدثنا حجاج بن عمران السدوسي، حدثنا عمرو بن الحصين العقيلي، حدثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، سمعت عبد الملك بن مروان يحدث عن أبيه، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أصابني أرق من الليل، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: \"قل اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم، يا حي يا قيوم، أنم عيني وأهدئ ليلي\" فقلتها، فذهب عني (^١).\n\n<span id=\"aya-3433\"></span>﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على عظمته أنه ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة وصواعق متلفة، وتارة ترجون وميضه وما يأتي بعده من المطر المحتاج إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٥/ ١٢٤ (ح ٤٨١٧)، وسنده ضعيف، قال ابن عدي: تفرد به عمرو بن الحصين وهو مظلم الحديث (الكامل ٥/ ١٧٩٩).","vol":"6","page":89},{"text":"أي: بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3434\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١].\nوكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا اجتهد في اليمين يقول: لا والذي تقوم السماء والأرض بأمره؛ أي: هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير الأرض والسموات، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات] وقال تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ [يس].\n\n<span id=\"aya-3435\"></span>﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ملكه وعبيده ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي: خاضعون خاشعون طوعًا وكرهًا.\nوفي حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعًا \"كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة\" (^١).\n\n<span id=\"aya-3436\"></span>وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني أيسر عليه (^٢).\nوقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هيّن (^٣). وكذا قال عكرمة (^٤) وغيره.\nوروى البخاري: حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: \"قال الله كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد\" (^٥) انفرد\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١١٦.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سماك عن عكرمة.\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده بلفظ: \"لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد\"، (الصحيح، التفسير، سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] ح ٤٩٧٤).","vol":"6","page":90},{"text":"بإخراجه البخاري، كما انفرد بروايته أيضًا من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة به (^١). وقد رواه الإمام أحمد منفردًا به عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة: حدثنا أبو يونس سليم بن جبير، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه أو مثله (^٢).\nوقال آخرون: كلاهما بالنسبة إلى القدرة على السواء.\nوقال العوفي عن ابن عباس: كل عليه هين (^٣)، وكذا قاله الربيع بن خُثيم (^٤)، ومال إليه ابن جرير وذكر عليه شواهد كثيرة، قال: ويحتمل أن يعود الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ إلى الخلق؛ أي: وهو أهون على الخلق.\nوقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٥) [الشورى: ١١].\nوقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا ربَّ غيره (^٦)، وقال مثل هذا ابن جرير، وقد أنشد بعض المفسرين عند ذكر هذه الآية لبعض أهل المعارف:\nإذا سكن الغدير على صفاء … وجُنِّبَ أن يحركه النسيم\nترى فيه السماء بلا امتراء … كذاك الشمس تبدو والنجوم\nكذاك قلوبُ أرباب التجلي … يُرَى في صفوها الله العظيم\nوهو العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع بل قد غلب كل شيء، وقهر كل شيء بقدرته وسلطانه، الحكيم في أقواله وأفعاله شرعًا وقدرًا.\nوعن مالك في تفسيره المروي عنه، عن محمد بن المنكدر في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ قال: لا إِله إِلا الله (^٧).\n\n<span id=\"aya-3437\"></span>﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾.\nهذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له، كما كانوا في تلبيتهم يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك (^٨). فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ\n_________\n(^١) المصدر السابق (ح ٤٩٧٥).\n(^٢) المسند ٢/ ٣٥٠، وفي سنده ابن لهيعة ويشهد له سابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعناه صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن منذر الثوري عن الربيع بن خُثيم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) سنده صحيح ويؤيد قول قتادة.\n(^٨) سيأتي تخريجه في الحديث التالي.","vol":"6","page":91},{"text":"فِيهِ سَوَاءٌ﴾ أي: لا يرتضي أحدكم أن يكون عبده شريكًا له في ماله فهو وهو فيه على السواء ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تخافون أن يقاسموكم الأموال.\nقال أبو مِجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذاك، كذلك الله لا شريك له (^١)، والمعنى إن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] أي: من البنات حيث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، وجعلوها بنات الله، وقد كان أحدهم إذا بشر ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩]. فهم يأنفون من البنات، وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم، فهذا أغلظ الكفر، وهكذا في هذا المقام جعلوا له شركاء من عبيده وخلقه، وأحدهم يأبى غاية الإباء ويأنف غاية الأنفة من ذلك، أن يكون عبده شريكه في ماله يساويه فيه ولو شاء لقاسمه عليه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nقال الطبراني: حدثنا محمود بن الفرج الأصفهاني، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدثنا حماد بن شعيب، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. فأنزل الله تعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٢).\nولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى ونزاهته بطريق الأولى والأحرى. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾،\n\n<span id=\"aya-3438\"></span>ثم قال تعالى مبينًا أن المشركين إنما عبدوا غيره سفهًا من أنفسهم وجهلًا: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: المشركون ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: في عبادتهم الأنداد بغير علم ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ أي: فلا أحد يهديهم إذا كتب الله ضلالهم ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أي: ليس لهم من قدرة الله منقذ ولا مُجير ولا مُحيد لهم عنه، لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\n\n<span id=\"aya-3439\"></span>﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾.\nيقول تعالى: فسدِّد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره، كما تقدم عند قوله\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمران، وهو ابن حدير السدوسي البصري (ينظر تهذيب التهذيب ٨/ ١٢٥)، عن أبي مجلز.\n(^٢) (المعجم الكبير ١٢/ ٢٠ ح ١٢٣٤٨)، وسنده ضعيف لضعف حماد بن شعيب (مجمع الزوائد ٣/ ٢٢٣).","vol":"6","page":92},{"text":"تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وفي الحديث: \"إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم\" (^١).\nوسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية والنصرانية والمجوسية.\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قال بعضهم: معناه لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبرًا بمعنى الطلب، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وهو معنى حسن صحيح.\nوقال آخرون: هو خبر على بابه ومعناه أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك. ولهذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وابن زيد في قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدين الله (^٢).\nوقال البخاري: قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدين الله (^٣)، خلق الأولين دين الأولين، الدين والفطرة الإسلام.\nحدثنا عبدان: أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ \" ثم يقول: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (^٤). ورواه مسلم من حديث عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري به (^٥)، وأخرجاه أيضًا من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ (^٦).\nوفي معنى هذا الحديث قد وردت أحاديث عن جماعة من الصحابة، فمنهم الأسود بن سريع التميمي.\nقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن، عن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول الله ﷺ وغزوت معه فأصبت ظهرًا، فقتل الناس يومئذٍ حتى قتلوا الولدان، فبلغ ذلك\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٧٢.\n(^٢) قول ابن عباس عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وقول إبراهيم النخعي أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق مغيرة عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع ويتقوى بالسابق واللاحق، وقول مجاهد أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بأسانيد يقوى بعضها بعضًا، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٣) أخرجه البخاري في بداية الحديث التالي، ويشهد له ما سبق.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة الروم، باب ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ح ٤٧٧٥).\n(^٥) صحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (ح ٢٦٥٨).\n(^٦) تقدم في تفسير سورة النساء آية ١١٩.","vol":"6","page":93},{"text":"رسول الله ﷺ فقال: \"ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية؟ \" فقال رجل: يا رسول الله إنما هم أبناء المشركين؟ فقال: \"ألا إنما خياركم أبناء المشركين، ثم قال: لا تقتلوا ذرية، لا تقتلوا ذرية، وقال: كل نسمة تولد على الفطرة حتى يُعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها\" (^١). ورواه النسائي في كتاب السير عن زياد بن أيوب، عن هشيم، عن يونس وهو ابن عبيد بن الحسن البصري به (^٢).\nومنهم جابر بن عبد الله الأنصاري. قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، [حدثنا] (^٣) أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكرًا وإما كفورًا\" (^٤).\nومنهم عبد الله بن عباس الهاشمي. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن أولاد المشركين، فقال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم\" (^٥). أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا بذلك (^٦).\nوقد قال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا حماد؛ يعني: ابن سلمة، أنبأنا عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: أتى عليّ زمان وأنا أقول: أولاد المسلمين مع المسلمين، وأولاد المشركين مع المشركين، حتى حدثني فلان عن فلان أن رسول الله ﷺ سئل عنهم، فقال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\". قال: فلقيت الرجل فأخبرني، فأمسكت عن قولي (^٧).\nومنهم عياض بن حمار المجاشعي. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم، فقال في خطبته: \"إن ربي ﷿ أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل مال نحلته عبادي حلال، وإِني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإِنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، ثم إن الله ﷿ نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظان: ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشًا، فقلت: يا ربِّ إذًا يثلغ (^٨) رأسي فيدعه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق عليهم فسننفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بلفظ: \"ألا لا تقتلوا الذرية\". (المسند ٢٤/ ٣٥٦ - ٣٥٧ ح ١٥٥٨٩) قال محققوه: رجاله ثقات، لكن سماع الحسن من الأسود بن سريع لا يثبت عند بعضهم. اهـ. وأخرجه الحاكم من طريق يونس به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٢٣) وقد صرح الحسن البصري بالتحديث عن الأسود في رواية الحاكم، من أجل ذلك صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٤٠٢).\n(^٢) (السنن الكبرى ح ٨٦١٦).\n(^٣) سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) ومسند الإمام أحمد.\n(^٤) (المسند ٣/ ٣٥٣) وسنده ضعيف لأن أبا جعفر وهو الرازي سيئ الحفظ.\n(^٥) (المسند ١/ ٣٢٨) وسنده صحيح.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ١٥.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ١٥.\n(^٨) الثَّلغ: الشدخ، وقيل: هو ضربك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ.","vol":"6","page":94},{"text":"عصاك، قال: وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير متصدق وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر (^١) له الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك\" وذكر البخيل أو الكذاب، والشنظير: الفحاش (^٢). انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من طرق عن قتادة به (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القيم المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلهذا لا يعرفه أكثر الناس، فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٦].\n\n<span id=\"aya-3440\"></span>وقوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ قال ابن زيد وابن جريج: أي: راجعين إليه (^٤).\n﴿وَاتَّقُوهُ﴾ أي: خافوه وراقبوه، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وهي الطاعة العظيمة ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة لا يريدون بها سواه.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يوسف بن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم قال: مرَّ عمر ﵁ بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأُمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص وهي الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملَّة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.\nحدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، عن [أبي قلابة] (^٥) أن عمر ﷺ قال لمعاذ: ما قوام هذا الأمر؟ فذكر نحوه (^٦).\n\n<span id=\"aya-3441\"></span>وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ أي: لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم؛ أي: بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقرأ بعضهم: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ فارقوا (^٧) دينهم؛ أي: تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وسائر أهل الأديان الباطلة مما عدا أهل الإسلام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ [الأنعام]، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومثل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأُمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة وهم أهل السُّنَّة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسُنَّة رسول الله ﷺ، وبما كان عليه الصدر الأول\n_________\n(^١) الزبر: العقل والرأي.\n(^٢) (المسند ٤/ ١٦٢) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، الجنة وصفه نعيمها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (ح ٢٨٦٥).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأخرجه بسند ضعيف، فيه الحسين بن داود وهو ضعيف، عن ابن جريج.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: \"أبي ذلامة\".\n(^٦) أخرجهما الطبري بسنديهما وهذان السندان يقوي أحدهما الآخر.\n(^٧) وهي قراءة متواترة.","vol":"6","page":95},{"text":"من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل رسول الله ﷺ عن الفرقة الناجية منهم فقال: \"ما أنا عليه وأصحابي\" (^١).\n\n<span id=\"aya-3442\"></span>﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الناس أنهم في حال الإضطرار يدعون الله وحده لا شريك له، وأنه إذا أسبغ عليهم النعم إذا فريق منهم في حالة الاختيار يشركون بالله ويعبدون معه غيره.\n\n<span id=\"aya-3443\"></span>\n\n<span id=\"aya-3444\"></span>وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ هي لام العاقبة عند بعضهم، ولام التعليل عند آخرين، ولكنها تعليل لتقييض الله لهم ذلك، ثم توعدهم بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قال بعضهم: والله لو توعدني حارس درب لخفت منه، فكيف والمتوعد ههنا هو الذي يقول للشيء كن فيكون؟ ثم قال: منكرًا على المشركين فيما اختلقوه من عبادة غيره بلا دليل ولا حجة ولا برهان ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ أي: حجة ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ أي: ينطق ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾، وهذا استفهام إنكار؛ أي: لم يكن لهم شيء من ذلك.\n\n<span id=\"aya-3445\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾ هذا إنكار على الإنسان من حيث هو إلا من عصمه الله ووفقه، فإن الإنسان إذا أصابته نعمة بطر. وقال: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] أي: يفرح في نفسه ويفخر على غيره، وإذا أصابته شدة قنط وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير بالكلية. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ١١] أي: صبروا في الضراء وعملوا الصالحات في الرخاء. كما ثبت في الصحيح: \"عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-3446\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: هو المتصرف الفاعل لذلك بحكمته وعدله، فيوسع على قوم ويضيق على آخرين ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3447\"></span>﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾.\nيقول تعالى آمرًا بإعطاء ﴿ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ أي: من البر والصلة، ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾ وهو الذي لا\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٢٩)، وحسنه الحافظ ابن حجر، (الكافي الشاق في تخريج أحاديث الكشاف ص ٦٣).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٥٣.","vol":"6","page":96},{"text":"شيء له ينفق عليه أو له شيء لا يقوم بكفايته، ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما يحتاج إليه في سفره، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ أي: النظر إليه يوم القيامة وهو الغاية القصوى، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-3448\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: من أعطى عطية يريد أن يرد عليه الناس أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله، بهذا فسره ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب والشعبي (^١)، وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه قد نهى عنه رسول الله ﷺ خاصة، قاله الضحاك، واستدل بقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط العطاء تريد أكثر منه (^٢).\nوقال ابن عباس: الربا رباءان: فربا لا يصح؛ يعني: ربا البيع؟ وربا لا بأس به وهو هدية الرجل يريد فضلها، وأضعافها، ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^٣). وإنما الثواب عند الله في الزكاة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ أي: الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء. كما جاء في الصحيح: \"وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه فيربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله حتى تصير التمرة أعظم من أحد\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-3449\"></span>وقوله ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أي: هو الخالق الرزاق، يخرج الإنسان من بطن أمه عريانًا لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا قوة، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك والرياش واللِّباس والمال والأملاك والمكاسب. كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سلَّام أبي شُرحبيل، عن حبَّة وسَواء ابني خالد قالا: دخلنا على النبي ﷺ وهو يصلح شيئًا فأعنَّاه، فقال: \"لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة، ثم يرزقه الله ﷿\" (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أي: بعد هذه الحياة، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ أي: الذين تعبدونهم من دون الله ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؟ أي: لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل الله ﷾ هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة، ولهذا قال بعد هذا كلِّه: ﴿سُبْحَانَهُ\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويشهد له ما يليه.\nوقول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه عبد الرزاق والبستي بسند حسن من طريق عبد العزيز بن أبي رواد عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى الفريابي وابن أبي شيبة والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك، وأخرجه الطبري عن الضحاك مختصرًا، وسنده ضعيف معضل لأن الضحاك وهو ابن مزاحم: تابع تابعي.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم دون ذكر تلاوة الآية.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٧٦.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ١٨٦ ح ١٥٨٥٥) وضعف سنده محققوه.","vol":"6","page":97},{"text":"وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم وجلَّ وعزَّ عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساوٍ أو ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.\n\n<span id=\"aya-3450\"></span>﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)﴾.\nقال ابن عباس وعكرمة والضحاك والسدي وغيرهم: المراد بالبر ههنا الفيافي، وبالبحر الأمصار والقرى.\nوفي رواية عن ابن عباس وعكرمة: البحر الأمصار، والقرى ما كان منهما على جانب نهر (^١). وقال آخرون: بل المراد بالبر هو البر المعروف، وبالبحر هو البحر المعروف.\nوقال زيد بن رفيع: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ يعني: انقطاع المطر عن البر يعقبه القحط، وعن البحر تعمى دوابه، رواه ابن أبي حاتم (^٢).\nوقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، عن سفيان، عن حميد بن قيس الأعرج، عن مجاهد ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: فساد البر قتل ابن آدم، وفساد البحر أخذ السفينة غصبًا (^٣).\nوقال عطاء الخراساني: المراد بالبر ما فيه من المدائن والقرى، وبالبحر جزائره (^٤). والقول الأول أظهر وعليه الأكثرون، ويؤيده ما قاله محمد بن إسحاق في السيرة: إن رسول الله ﷺ صالح ملك أيلة، وكتب إليه ببحره (^٥)؛ يعني: ببلده، ومعنى قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: بان النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي.\nوقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: \"لحدٍّ يُقام في الأرض أحبُّ إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحًا\" (^٦). والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت انكف الناس أو أكثرهم أو كثير منهم عن تعاطي المحرمات، وإذا تركت المعاصي كان سببًا في حصول البركات من السماء والأرض. ولهذا إذا نزل عيسى ابن مريم ﵇ في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة في ذلك الوقت من قتل الخنزير وكسر الصليب ووضع الجزية، وهو تركها، فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه ويأجوج ومأجوج، قيل للأرض:\n_________\n(^١) قول ابن عباس عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وأخرجه البستي بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) سنده حسن.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) سنده ضعيف لأنه لم يسنده، والخبر مشهور.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ (المسند ١٤/ ٣٥١ ح ٨٧٣٨)، وضعف سنده محققوه، وللمزيد ينظر تخريجه في تفسير سورة النور آية ٢.","vol":"6","page":98},{"text":"أخرجي بركتك، فيأكل من الرمانة الفئام (^١) من الناس ويستظلون بقحفها (^٢)، ويكفي لبن اللقحة الجماعة من الناس، وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة محمد ﷺ فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير. ولهذا ثبت في الصحيح: أن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب (^٣).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا محمد والحسين قالا: حدثنا عوف، عن أبي قحذم قال: وجد رجل في زمان زياد أو ابن زياد، صرَّة فيها حبُّ؛ يعني: من برّ، أمثال النوى عليه مكتوب: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه بالعدل (^٤).\nوروى مالك، عن زيد بن أسلم أن المراد بالفساد ههنا الشرك (^٥)، وفيه نظر.\nوقوله تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ الآية؛ أي: يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختبارًا منه لهم ومجازاة على صنيعهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: عن المعاصي، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]\n\n<span id=\"aya-3451\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلكم ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ أي: فانظروا ما حلَّ بهم من تكذيب الرسل وكفر النعم.\n\n<span id=\"aya-3452\"></span>\n\n<span id=\"aya-3453\"></span>\n\n<span id=\"aya-3454\"></span>﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته والمبادرة إلى الخيرات ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يوم القيامة إذا أراد كونه فلا رادَّ له ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون، ففريق في الجنة وفريق في السعير، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يجازيهم مجازاة الفضل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ومع هذا هو العادل فيهم الذي لا يجور.\n\n<span id=\"aya-3455\"></span>﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.\nيذكر تعالى نعمه على خلقه في إرسال الرياح مبشرات بين يدي رحمته بمجيء الغيث عقبها،\n_________\n(^١) أي: الجماعة.\n(^٢) أي: بقشرها.\n(^٣) أخرجه البخاري (الصحيح، الرقاق، باب سكرات الموت ح ٦٥١٢).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده بلفظ وُجدَ في زمان.\n(المسند ١٣/ ٣٣١ ح ٧٩٤٩)، وضعف سنده محققوه.\n(^٥) سنده صحيح.","vol":"6","page":99},{"text":"ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: المطر الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: في البحر وإنما سيرها بالريح ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: في التجارات والمعايش والسير من إقليم إلى إقليم، وقطر إلى قطر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة التي لا تُعدُّ ولا تُحصى.\n\n<span id=\"aya-3456\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾، هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ بأنه وإن كذّبه كثير من قومه ومن الناس، فقد كذبت الرسل المتقدمون مع ما جاؤوا أممهم به من الدلائل الواضحات. ولكن انتقم الله ممن كذّبهم وخالفهم وأنجى المؤمنين بهم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: هو حق أوجبه على نفسه الكريمة تكرمًا وتفضلًا، كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا موسى بن أعين، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من امرئ مسلم يُرَدّ عن عرض أخيه إلا كان حقًا على الله أن يردَّ عنه نار جهنم يوم القيامة\" ثم تلا هذه الآية ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-3457\"></span>﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾.\nيُبين تعالى كيف يخلق السحاب الذي ينزل منه الماء، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ إما من البحر كما ذكره غير واحد، أو مما يشاء الله ﷿ ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي: يمده فيكثره وينميه، ويجعل من القليل كثير، ينشئ سحابة ترى في رأي العين مثل الترس، ثم يبسطها حتى تملأ أرجاء الأفق، وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ثقالًا مملوءة ماءً، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف]، وكذلك قال ههنا: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾، قال مجاهد وأبو عمرو بن العلاء ومطر الوراق وقتادة: يعني قطعًا (^٢).\nوقال غيره: متراكمًا، قاله الضحاك (^٣).\nوقال غيره: أسود من كثرة الماء، تراه مدلهمًا ثقيلًا قريبًا من الأرض.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ أي: فترى المطر وهو القطر، يخرج من بين ذلك\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأن ليث وهو ابن أبي سُليم، وشهر بن حوشب كلاهما فيهما مقال.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"القطر\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم عن الضحاك بلفظ: \"سماء دون سماء\".","vol":"6","page":100},{"text":"السحاب ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: إليه يفرحون لحاجتهم بنزوله عليهم ووصوله إليهم.\n\n<span id=\"aya-3458\"></span>\n\n<span id=\"aya-3459\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾ معنى الكلام: أن هؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر، كانوا قانطين أزلين من نزول المطر إليهم قبل ذلك، فلما جاءهم جاءهم على فاقة، فوقع منهم موقعًا عظيمًا.\nوقد اختلف النحاة في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ فقال ابن جرير: هو تأكيد (^١)، وحكاه عن بعض أهل العربية.\nوقال آخرون: من قبل أن ينزل عليهم المطر من قبله؛ أي: الإنزال لمبلسين، ويحتمل أن يكون ذلك من دلالة التأسيس، ويكون معنى الكلام: أنهم كانوا محتاجين إليه قبل نزوله، ومن قبله أيضًا قد فات عندهم نزوله وقتًا بعد وقت، فترقبوه في إبانه، فتأخر، ثم مضت مدة فترقبوه فتأخر، ثم جاءهم بغتة بعد الإياس منه والقنوط، فبعدما كانت أرضهم مقشعرة هامدة أصبحت وقد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ يعني: المطر ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.\nثم نبّه بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها فقال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي: إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾\n\n<span id=\"aya-3460\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ يابسة على الزرع الذي زرعوه ونبت وشبَّ واستوى على سوقه، فرأوه مصفرًا؛ أي: قد أصفر وشرع في الفساد لظلُّوا من بعده؛ أي: بعد هذا الحال، يكفرون؛ أي: يجحدون ما تقدم إليهم من النعم. كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾ [الواقعة].\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: الرياح ثمانية: أربعة منها رحمة، وأربعة عذاب، فأما الرحمة: فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وأما العذاب: فالعقيم والصرصر وهما في البر، والعاصف والقاصف وهما في البحر (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله بن أخي بن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عبد الله بن عياش، حدثني عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"الريح مسخرة من الثانية -يعني: الأرض الثانية- فلما أراد أن يهلك عادًا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحًا تهلك عادًا، فقال: يا ربِّ أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور، قال له الجبار ﵎: لا إذًا تكفأ الأرض وما عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله في كتابه (^٣) ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾\n_________\n(^١) رجحه الطبري.\n(^٢) سنده حسن.\n(^٣) في سنده دراج وفيه مقال وضعفه الحافظ ابن كثير.","vol":"6","page":101},{"text":"[الذاريات] هذا حديث غريب، ورفعه منكر، والأظهر أنه من كلام عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما\".\n\n<span id=\"aya-3461\"></span>\n\n<span id=\"aya-3462\"></span>﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾.\nيقول تعالى: كما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أجداثها (^١)، ولا تبلغ كلامك الصم الذين لا يسمعون وهم مع ذلك مدبرون عنك، كذلك لا تقدر على هداية العميان عن الحق وردِّهم عن ضلالتهم بل ذلك إلى الله، فإنه تعالى بقدرته يسمع الأموات أصوات الأحياء إذا شاء، ويهدي من يشاء ويضلُّ من يشاء وليس ذلك لأحد سواه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون مستجيبون مطيعون، فأولئك هم الذي يسمعون الحق ويتبعونه وهذا حال المؤمنين، والأول مثل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ [الأنعام].\nوقد استدلت أُم المؤمنين عائشة ﵂ بهذه الآية ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ على توهيم عبد الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي ﷺ القتلى الذين ألقوا في قليب بدر بعد ثلاثة أيام ومعاتبته إياهم وتقريعه لهم، حتى قال عمر: يا رسول الله ما تخاطب من قوم قد جيفوا؟ (^٢) فقال: \"والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون\" وتأولته عائشة على أنه قال: \"إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق\" (^٣).\nوقال قتادة: أحياهم الله له حتى سمعوا مقالته تقريعًا وتوبيخًا ونقمة.\nوالصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححًا له عن ابن عباس مرفوعًا: \"ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا ردَّ الله عليه روحه حتى يرد عليه¬ السلام\" (^٤).\n[وثبت عنه ﷺ أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له، إذا انصرفوا عنه، وقد شرع النبي ﷺ لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول المسلم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين (^٥)، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا هذا الخطاب لكانوا بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف بزيارة الحي له ويستبشر، فروى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده، إلا استأنس به وردَّ عليه حتى يقوم\" (^٦).\nوروى عن أبي هريرة ﵁، قال: إذا مرّ رجل بقبر يعرفه فسلم عليه، ردَّ عليه¬ السلام.\n_________\n(^١) جمع جدث وهو القبر.\n(^٢) جيفوا: أي أنثنوا، يقال جافته الميتة وجيفت واجتافت. والجيفة جثة الميت إذا أنتت.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٤٤.\n(^٤) أخرجه ابن عبد البر من طريق عبيد بن عمير عن ابن عباس وصححه (الاستذكار ٢/ ١٦٥).\n(^٥) سيأتي تخريجه في آخر هذه الروايات.\n(^٦) في سنده عبد الله بن سمعان قال الذهبي: تركوه. (تخريج أحاديث إحياء علوم الدين ص ٤٠٣١).","vol":"6","page":102},{"text":"وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن رجل من آل عاصم الجَحْدَري قال: رأيت عاصمًا الجحدري في منامي بعد موته بسنتين، فقلت: أليس قد متّ؟ قال: بلى، قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله، في روضة من رياض الجنة، أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني، فنتلقى أخباركم. قال: قلت: أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات! قد بليت الأجسام، وإنما تتلاقى الأرواح، قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس، قال: قلت: فكيف ذلك دون الأيام كلها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته (^١).\nقال: وحدثنا محمد بن الحسين، ثنا بكر بن محمد، ثنا حسن القصاب قال: كنت أغدو مع محمد بن واسع في كل غداة سبت حتى نأتي أهل الجبان (^٢)، فنقف على القبور فنسلم عليهم، وندعو لهم ثم ننصرف، فقلت ذات يوم: لو صيرت هذا اليوم يوم الإثنين؟ قال: بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويومًا قبلها ويومًا بعدها. قال: ثنا محمد، ثنا عبد العزيز بن أبان قال: ثنا سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبرًا يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة.\nحدثنا خالد بن خداش، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي التيَّاح يقول: كان مطرَّف يغدو، فإذا كان يوم الجمعة أدلج. قال: وسمعت أبا التياح يقول: بلغنا أنه كان ينزل بغوطة، فأقبل ليلة حتى إذا كان عند المقابر يقوم وهو على فرسه، فرأى أهل القبور كل صاحب قبر جالسًا على قبره (^٣)، فقالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة ويصلون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما يقول فيه الطير. قلت: وما يقولون؟ قال: يقولون: سلام عليكم.\nحدثني محمد بن الحسن، ثنا يحيى بن أبي بكر، ثنا الفضل بن الموفق ابن خال سفيان بن عيينة قال: لما مات أبي جزعت عليه جزعًا شديدًا، فكنت آتي قبره في كل يوم، ثم قصرت عن ذلك ما شاء الله، ثم إني أتيته يومًا، فبينا أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي فنمت، فرأيت كأن قبر أبي قد انفرج، وكأنه قاعد في قبره متوشح أكفانه، عليه سحنة الموتى، قال: فكأني بكيت لما رأيته، قال: يا بني، ما أبطأ بك عني؟ قلت: وإنك أعلم بمجيئي؟ قال: ما جئت مرة إلا علمتها، وقد كنت تأتيني فأسر بك ويسر من حولي بدعائك، قال: فكنت آتيه بعد ذلك كثيرًا.\nحدثني محمد، حدثنا يحيى بن بَسطام، ثنا عثمان بن سُويد الطُّفاوي قال: وكانت أمه من العابدات، وكان يقال لها: راهبة، قال: لما احتضرت رفعت رأسها إلى السماء فقالت: يا ذخري وذخيرتي من عليه اعتمادي في حياتي وبعد موتي، لا تخذلني عند الموت ولا توحشني. قال: فماتت. فكنت آتيها في كل جمعة فأدعو لها وأستغفر لها ولأهل القبور، فرأيتها ذات يوم في منامي، فقلت لها: يا أُمي، كيف أنت؟ قالت: أي بني، إن للموت لكربة شديدة، وإني بحمد الله لفي برزخ محمود يفرش فيه الريحان، ونتوسد السندس والإستبرق إلى يوم النشور،\n_________\n(^١) في سنده رجل مبهم من آل عاصم الجحدري.\n(^٢) أي: الصحراء التي فيها القبور.\n(^٣) أخرجه الثوري بلاغًا عن الضحاك.","vol":"6","page":103},{"text":"فقلت لها: ألك حاجة؟ قالت: نعم، قلت: وما هي؟ قالت: لا تدع ما كنت تصنع من زيارتنا والدعاء لنا، فإني لأبشر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك، يقال لي: يا راهبة، هذا ابنك، قد أقبل، فأسر ويسر بذلك من حولي من الأموات.\nحدثني محمد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن سليمان، حدثنا بشر بن منصور قال: لما كان زمن الطاعون وكان رجل يختلف إلى الجبان (^١)، فيشهد الصلاة على الجنائز، فإذا أمسى وقف على المقابر فقال: آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز عن مسيئكم، وقبل حسناتكم، لا يزيد على هؤلاء الكلمات، قال: فامسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو، قال: فبينا أنا نائم إذ بخلق قد جاؤوني، فقلت: ما أنتم وما حاجتكم؟ قالوا: نحن أهل المقابر، قلت: ما حاجتكم؟ قالوا: إنك عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك، قلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو بها، قال: قلت: فإني أعود لذلك، قال: فما تركتها بعد.\nوأبلغ من ذلك أن الميت يعلم بعمل الحي من أقاربه وإخوانه. قال عبد الله بن المبارك: حدثني ثور بن يزيد، عن إبراهيم، عن أيوب قال: تعرض أعمال الأحياء على الموتى، فإذا رأوا حسنًا فرحوا واستبشروا وإن رأوا سوءًا قالوا: اللَّهُمّ راجع به.\nوذكر ابن أبي الدنيا عن أحمد بن أبي الحواري قال: ثنا محمد أخي قال: دخل عباد بن عباد على إبراهيم بن صالح وهو على فلسطين فقال: عظني، قال: بم أعظك، أصلحك الله؟ بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ما يعرض على رسول الله ﷺ من عملك، فبكى إبراهيم حتى أخضل لحيته. قال ابن أبي الدنيا: وحدثني محمد بن الحسين، ثنا خالد بن عمرو الأموي، ثنا صدقة بن سليمان الجعفري قال: كانت لي شِرَّة سمجة، فمات أبي فتبت وندمت على ما فرطت، ثم زللت أيما زلة، فرأيت أبي في المنام، فقال: أي بني، ما كان أشد فرحي بك وأعمالك تعرض علينا، فنشبهها بأعمال الصالحين، فلما كانت هذه المرة استحييت لذلك حياء شديدًا، فلا تخزني فيمن حولي من الأموات، قال: فكنت أسمعه بعد ذلك يقول في دعائه في السحر، وكان جارًا لي بالكوفة: أسألك إيابة لا رجعة فيها ولا حور، يا مصلح الصالحين، ويا هادي المضلين، ويا أرحم الراحمين.\nوهذا باب فيه آثار كثيرة عن الصحابة، وكان بعض الأنصار من أقارب عبد الله بن رواحة، يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من عمل أخزى به عند عبد الله بن رواحة، كان يقول ذلك بعد أن استشهد عبد الله.\nوقد شرع السلام على الموتى، والسلام على من لم يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وقد عَلَّم النبي ﷺ أمته إذا رأوا القبور أن يقولوا: \"سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية\" (^٢) فهذا\n_________\n(^١) أي الصحراء التي فيها القبور.\n(^٢) أخرجه مسلم بنحوه من حديث أُم المؤمنين عائشة ﵂ (الصحيح، الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها ح ٩٧٤).","vol":"6","page":104},{"text":"السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد، والله أعلم] (^١).\n\n<span id=\"aya-3463\"></span>﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾.\nيُنبه تعالى على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالًا بعد حال، فأصله من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، ثم يصير عظامًا، ثم تكسى العظام لحمًا، وينفخ فيه الروح، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفًا نحيفًا واهن القوي، ثم يشبُّ قليلًا قليلًا حتى يكون صغيرًا، ثم حدثًا ثم مراهقًا شابًا. وهو القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص فيكتهل ثم يشيخ ثم يهرم، وهو الضعف بعد القوة، فتضعف الهمَّة والحركة والبطش، وتشيب اللَّمة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: يفعل ما يشاء ويتصرف في عبيده بما يريد ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن فُضيل ويزيد، حدثنا فُضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي قال: قرأت على ابن عمر ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ ثم قال: قرأت على رسول الله ﷺ كما قرأتُ عليَّ، فأخذ عليَّ كما أخذتُ عليكَ (^٢)، ورواه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث فضيل (^٣)، ورواه أبو داود من حديث عبد الله بن جابر، عن عطية، عن أبي سعيد بنحوه (^٤).\n\n<span id=\"aya-3464\"></span>\n\n<span id=\"aya-3465\"></span>﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾.\nيخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضًا، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا، ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ أي: فيردّ عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا، فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في كتاب الأعمال ﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ أي: من يوم خلقتم إلى أن بعثتم ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) ما بين المعقوفين زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩/ ١٨٥ ح ٥٢٢٧)، وضعف سنده محققوه.\n(^٣) سنن أبي داود، الحروف (ح ٣٩٧٨)، وسنن الترمذي، القراءات (ح ٢٩٣٦) وحكمه كسابقه.\n(^٤) سنن أبي داود، الحروف (ح ٣٩٧٩).","vol":"6","page":105},{"text":"<span id=\"aya-3466\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي: اعتذارهم عما فعلوا ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: ولا هم يرجعون إلى الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤].\n\n<span id=\"aya-3467\"></span>\n\n<span id=\"aya-3468\"></span>﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: قد بيَّنا لهم الحق، ووضحناه لهم، وضربنا لهم فيه الأمثال ليستبينوا الحق ويتبعوه ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ أي: لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره، لا يؤمنون بها ويعتقدون أنها سحر وباطل، كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس] ولهذا قال ههنا: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩)﴾\n\n<span id=\"aya-3469\"></span>﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: اصبر على مخالفتهم وعنادهم، فإن الله تعالى منجز لك ما وعدك من نصره إياك عليهم وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي: بل أثبت على ما بعثك الله به، فإنه الحق الذي لا مرية فيه، ولا تعدل عنه وليس فيما سواه هدى يتبع، بل الحق كله منحصر فيه.\nقال سعيد عن قتادة: نادى رجل من الخوارج عليًا ﵁ وهو في صلاة الغداة، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر] فأنصتَ له عليٌّ حتى فهم ما قال، فأجابه وهو في الصلاة ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^١).\nوقد رواه ابن جرير من وجه آخر فقال: حدثنا ابن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن علي بن ربيعة قال: نادى رجل من الخوارج عليًا ﵁ وهو في صلاة الفجر، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر] فأجابه علي ﵁ وهو في الصلاة ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ (^٢).\nطريق أخرى قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شريك، عن عمران بن ظبيان، عن أبي يحيى قال: صلى علي بن أبي طالب ﵁ صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] فأجابه علي ﵁ وهو في الصلاة ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق سعيد به، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من علي ﵁.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان.\n(^٣) سنده ضعيف لضعف وتشيع عمران بن ظبيان.","vol":"6","page":106},{"text":"ما روي في فضل هذه السورة الشريفة واستحباب قراءتها في الفجر.\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيب أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ، صلى بهم الصبح فقرأ فيها الروم فأوهم (^١)، فقال: \"إنه يُلبِّس علينا القرآن، فإن أقوامًا منكم يصلُّون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء\" (^٢). وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سرٌّ عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه ﷺ تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدلَّ ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام. والله أعلم.\nآخر تفسير سورة الروم. والحمد لله وحده.\n_________\n(^١) أوهم في الصلاة أو في القراءة: ترك منها شيئًا. يقال أوهمت الشيء إذا تركته وأوهمت في الكلام والكتاب إذا أسقطت منه شيئًا.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسند بنحوه (المسند ٢٥/ ٢٠٩ ح ١٥٨٧٣)، وحسن سنده محققوه. وكذا الحافظ ابن كثير.","vol":"6","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>سُورَةُ لُقْمَانَ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-3470\"></span>\n\n<span id=\"aya-3471\"></span>\n\n<span id=\"aya-3472\"></span>\n\n<span id=\"aya-3473\"></span>\n\n<span id=\"aya-3474\"></span>﷽\n﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.\nتقدم في سورة البقرة عامة الكلام على ما يتعلق بصدر هذه السورة، وهو أنه ﷾ جعل هذا القرآن هدىً وشفاءً ورحمةً للمحسنين، وهم الذين أحسنوا العمل في اتباع الشريعة، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها وما يتبعها من نوافل راتبة وغير راتبة، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، ووصلوا أرحامهم وقراباتهم، وأيقنوا بالجزاء في الدار الآخرة، فرغبوا إلى الله في ثواب ذلك لم يراؤوا به، ولا أرادوا جزاءًا من الناس ولا شكورًا، فمن فعل ذلك كذلك، فهو من الذين قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: على بصيرة وبيّنة ومنهج واضح جليّ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-3475\"></span>﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾.\nلما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر]، عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: هو واللهِ الغناء.\nروى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يُسأل عن هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال عبد الله بن مسعود: الغناء واللهِ الذي لا إله إلا هو، يردِّدها ثلاث مرات (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق حميد الخراط عن عمار عن سعيد بن جبير به، =","vol":"6","page":108},{"text":"حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حميد الخراط، عن عمار، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء أنه سأل ابن مسعود، عن قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: الغناء (^١)، وكذا قال ابن عباس وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومكحول وعمرو بن شعيب و[علي بن نديمة] (^٢) (^٣).\nوقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في الغناء والمزامير (^٤).\nوقال قتادة: قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ والله لعله لا ينفق فيه مالًا، ولكن شراؤه استحبابه بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق (^٥)، وما يضر على ما ينفع (^٦).\nوقيل: أراد بقوله: ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ اشتراء المغنيات من الجواري.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن خلاد الصفار، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أُمامة، عن النبي ﷺ قال: \"لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنزل الله ﷿ علي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ \"، وهكذا رواه الترمذي وابن جرير من حديث عبيد الله بن زحر بنحوه، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، وضعَّف علي بن يزيد المذكور (^٧).\n(قلت): علي وشيخه والراوي عنه كلهم ضعفاء، والله أعلم.\nوقال الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: يعني الشرك (^٨)، وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٩).\nواختار ابن جرير أنه كلُّ كلام يصدُّ عن آيات الله واتباع سبيله (^١٠).\n_________\n= وصححه وقال الذهبي: حميد هو ابن زياد: صالح الحديث (المستدرك ٢/ ٤١١)، وحميد قد توبع فسنده حسن.\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه حميد الخراط وقد توبع في الرواية السابقة.\n(^٢) كذا في (حم) وهو الصواب كما في ترجمته، وفي الأصل صُحف إلى: \"علي بن نديمة\".\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بثمانية طرق يقوي بعضها بعضًا، وقول جابر أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي ظبيان عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، ويشهد له ما تقدم.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الترمذي من طريق عبيد الله بن زحر به (السنن، التفسير، باب ومن سورة لقمان ح ٣١٩٥)، وسنده ضعيف لضعف علي بن يزيد وهو ابن أبي زياد الألهاني كما في التقريب.\n(^٨) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان، عن الضحاك.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^١٠) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"6","page":109},{"text":"وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله، وعلى قراءة فتح الياء (^١) تكون اللام لام العاقبة أو تعليلًا للأمر القدري؛ أي: قيضوا لذلك ليكونوا كذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ قال مجاهد: ويتخذ سبيل الله هزوًا يستهزئ بها (^٢). وقال قتادة: يعني ويتخذ آيات الله هزوًا (^٣)، وقول مجاهد أولى.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: كما استهانوا بآيات الله وسبيله أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر.\n\n<span id=\"aya-3476\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ أي: هذا المقبل على اللّهو واللَّعب والطرب إذا تليت عليه الآيات القرآنية ولَّى عنها وأعرض وأدبر وتصامم، وما به من صمم، كأنه ما سمعها لأنه يتأذى بسماعها إذ لا انتفاع له بها ولا أرب له فيها، ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: يوم القيامة، يؤلمه كما تألم بسماع كتاب الله وآياته.\n\n<span id=\"aya-3477\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾.\nهذا ذكرُ مآل الأبرار من السعداء في الدار الآخرة، الذي آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة التابعة لشريعة الله ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ أي: يتنعمون فيها بأنواع الملاذ والمسار من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والنساء والنضرة والسماع، الذي لم يخطر ببال أحد وهم في ذلك مقيمون دائمًا لا يظعنون دائمًا ولا يبغون عنها حولًا.\n\n<span id=\"aya-3478\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: هذا كائن لا محالة لأنه من وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، لأنه الكريم المنَّان الفعَّال لما يشاء القادر على كل شيء ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي قهر كل شيء ودان له كل شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله، الذي جعل القرآن هدىً للمؤمنين ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء]\n\n<span id=\"aya-3479\"></span>﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾.\nيبيِّن سبحانه [بهذا] (^٤) قدرته العظيمة على خلق السماوات والأرض، وما فيها وما بينهما، فقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ قال الحسن وقتادة: ليس لها عمد مرئية ولا غير مرئية (^٥).\n_________\n(^١) ليَضِل: وهي قراءة متواترة.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بمعناه.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"بذا\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن بلفظ: ليس لها عمد.","vol":"6","page":110},{"text":"وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: لها عمد لا ترونها (^١).\nوقد تقدم تقرير هذه المسألة في أول سورة الرعد بما أغنى عن إعادته: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ يعني: الجبال أرست الأرض وثقلتها لئلا تضطرب بأهلها على وجه الماء، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: لئلا تميدَ بكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي: وذرأ فيها من أصناف الحيوانات مما لا يعلم عدد أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها، ولما قرر سبحانه أنه الخالق نبّه على أنه الرازق بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي: من كل زوج من النبات كريم؛ أي: حسن المنظر. وقال الشعبي: والناس أيضًا من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.\n\n<span id=\"aya-3480\"></span>وقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي ذكره الله تعالى من خلق السماوات والأرض وما بينهما صادر عن فعل الله وخلقه وتقديره، وحده لا شريك له في ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ﴾ يعني: المشركين بالله العابدين معه غيره ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ أي: جهل وعمى ﴿مُبِينٍ﴾ أي: واضح ظاهر لا خفاء به.\n\n<span id=\"aya-3481\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾.\nاختلف السلف في لقمان: هل كان نبيًا أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني.\nوقال سفيان الثوري، عن الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدًا حبشيًا نجارًا (^٢).\nوقال قتادة: عن عبد الله بن الزبير: قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيرًا أفطس من النوبة (^٣) (^٤).\nوقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة (^٥).\nوقال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله، فقال له سعيد بن المسيب: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من\n_________\n(^١) تقدم تفسيره في تفسير سورة الرعد آية ٢.\n(^٢) أخرجه الثوري بسنده ومتنه (ينظر فتح الباري ٦/ ٤٦٦)، وأخرجه الطبري من طريق سفيان به، وسنده ضعيف لضعف الأشعث وهو ابن سوار الكندي الكوفي (ينظر تهذيب التهذيب ١/ ٣٥٢).\n(^٣) النوبة: بلدة تقع في شمال السودان.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لعدم سماع قتادة من عبد الله بن الزبير.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يحيى بن سعيد به.","vol":"6","page":111},{"text":"السودان: بلال ومهجع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم كان أسود نوبيًا ذا مشافر (^١)\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أبي الأشهب، عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدًا حبشيًا نجارًا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، قال: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، وقال: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها، فأخرجتهما؟ فقال لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا (^٢).\nوقال شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: كان لقمان عبدًا صالحًا ولم يكن نبيًا (^٣).\nوقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبدًا أسود عظيم الشفتين، مشقق القدمين (^٤).\nوقال [حكام بن سلِم] (^٥)، عن سعيد الزبيدي، عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبدًا حبشيًا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضيًا على بني إسرائيل، وذكر غيره أنه كان قاضيًا على بني إسرائيل في زمان داود ﵇ (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو بن قيس قال: كان لقمان عبدًا أسود، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس ناس يحدثهم، فقال له: ألستَ الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صِدقُ الحديث والصمتُ عما لا يعنيني (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: إن الله رفع لقمان الحكيم بحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال له: ألستَ عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال: بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قَدَرُ الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني (^٨).\nفهذه الآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيًا، ومنها ما هو مشعر بذلك، لأن كونه عبدًا قد مسه الرقّ ينافي كونه نبيًا، لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها، ولهذا كان جمهور السلف\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الأوزاعي به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي الأشهب به وسنده صحيح (المصنف ١٣/ ١٢٤)، وأبو الأشهب هو جعفر بن جيان وهو ثقة (التقريب ص ١٤٠).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة به، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق يحيى بن عيسى، عن الأعمش به، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق يحيى بن عيسى عن الأعمش به، (المصنف ١٣/ ٢١٣) وسنده حسن.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: \"حكام بن أسلم\".\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق حكام به، وسنده ضعيف لضعف سعيد الزبيدي وهو سعيد بن عبد الجبار، ويقال سعيد بن أبي سعيد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حُميد الرازي وهو ضعيف، وقد توبع فأخرجه ابن أبي الدنيا من طريق أبي شهاب عن عمرو بن قيس (الصمت رقم ١١٦)، وسنده مرسل.\n(^٨) سنده مرسل.","vol":"6","page":112},{"text":"على أنه لم يكن نبيًا، وإنما ينقل كونه نبيًا عن عكرمة إن صحَّ السند إليه، فإنه رواه ابن جرير وقال ابن أبي حاتم من حديث وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، قال: كان لقمان نبيًا (^١)، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم.\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الله بن عياش القتباني، عن عمر مولى غُفرة، قال: وقف رجل على لقمان الحكيم، فقال: أنت لقمان، أنت عبد بني الخشخاس؟ قال: نعم، قال: أنت راعي الغنم؟ قال: نعم، قال: أنت الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك. قال: يا ابن أخي إن صَغيت إلى ما أقول لك كنت كذلك، قال لقمان: غضّي بصري وكفّي لساني، وعفة طعمتي وحفظي فرجي، وقولي بصدق، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيرني إلى ما ترى (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن عبدة بن رباح، عن ربيعة، عن أبي الدرداء أنه قال يومًا وذكر لقمان الحكيم، فقال: ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلًا صمصامة سكيتًا، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهارًا قط، ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخع، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقًا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد، وكان قد تزوج وولد أولاد، فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر، فبذلك أوتي ما أوتي (^٣).\nوقد ورد أثر غريب عن قتادة رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الوليد، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدثنا سعيد، عن ابن بشير، عن قتادة قال: خيّر الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة، قال: فأتاه جبريل وهو نائم، فذر عليه الحكمة، أو رشَّ عليه الحكمة، قال: فأصبح ينطق بها، قال سعيد: فسمعت عن قتادة يقول: قيل للقمان: كيف اخترت الحكمة على النبوة، وقد خيّرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة، فكانت الحكمة أحبَّ إلي (^٤). فهذا من رواية سعيد بن بشير، وفيه ضعف قد تكلموا فيه بسببه، فالله أعلم، والذي رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي: الفقه في الإسلام، ولم يكن نبيًا ولم يوح إليه (^٥).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي: الفهم والعلم والتعبير ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أي: أمرناه أن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق وكيع به وسنده ضعيف كما قرر الحافظ ابن كثير لضعف جابر بن يزيد الجعفي.\n(^٢) أخرجه البستي عن أحمد بن عمرو بن سرح عن ابن وهب به، وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن عياش (تهذيب التهذيب ٥/ ٣٥١).\n(^٣) سنده ضعيف جدًا لأن عمرو بن واقد: متروك.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة به.","vol":"6","page":113},{"text":"يشكر الله ﷿ على ما آتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل الذي خصصه به عمَّن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤].\nوقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي: غني عن العباد لا يتضرر بذلك ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعًا، فإنه الغني عما سواه، فلا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه.\n\n<span id=\"aya-3482\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن وصية لقمان لولده، وهو لقمان بن عنقاء بن سدون، واسم ابنه ثاران في قول حكاه السهيلي (^١)، وقد ذكره الله تعالى بأحسن الذكر، وأنه آتاه الحكمة، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف ولهذا أوصاه أولًا بأن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، ثم قال محذرًا له ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هو أعظم الظلم.\nقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ \". ورواه مسلم من حديث الأعمش (^٢) به، ثم قرن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وكثيرًا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن،\n\n<span id=\"aya-3483\"></span>وقال ههنا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾، قال مجاهد: مشقة وهن الولد (^٣).\nوقال قتادة: جهدًا على جهد (^٤).\nوقال عطاء الخراساني: ضعفًا على ضعف (^٥).\nوقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَة﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ومن ههنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه قال في الآية الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلًا ونهارًا، ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾\n_________\n(^١) ينظر التعريف والإعلام ص ١٠٠.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٨٢.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وأخرجه البستي بسند حسن عن الضحاك.","vol":"6","page":114},{"text":"[الإسراء: ٢٤] ولهذا قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي: فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب قال: قدم علينا معاذ بن جبل، وكان بعثه النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني رسول رسول الله ﷺ إليكم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تطيعوني لا آلوكم خيرًا، وإن المصير إلى الله إلى الجنة أو إلى النار إقامة فلا ظعن، وخلود فلا موت (^١).\n\n<span id=\"aya-3484\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفًا؛ أي: محسنًا إليهما، ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يعني: المؤمنين، ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nقال الطبراني في \"كتاب العشرة\": حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد، حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، أن سعد بن مالك قال: أنزلت في هذه الآية ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ الآية، قال: كنتُ رجلًا برًا بأُمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيّر بي، فيقال: يا قاتل أُمه، فقلت: لا تفعلي يا أُمه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء. فمكثت يومًا وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يومًا وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي، فأكلت (^٢).\n\n<span id=\"aya-3485\"></span>﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾.\nهذه وصايا نافعة قد حكاها الله سبحانه عن لقمان الحكيم، ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، فقال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة من خردل، وجوَّز بعضهم أن يكون الضمير في قوله إنها ضمير الشأن والقصة، وجوَّز على هذا رفع مثقال، والأول أولى.\nوقوله ﷿: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ أي: أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) سنده ضعيف لأن داود بن أبي هند لم يسمع من سعد ﵁ ويشهد لبعضه حديث مسلم المتقدم في تفسير سورة العنكبوت آية ٨.","vol":"6","page":115},{"text":"نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ الآية [الأنبياء: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة]، ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السماوات والأرض، فإن الله يأتي بها، لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي: لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت، ﴿خَبِيرٌ﴾ بدبيب النمل في الليل البهيم.\nوقد زعم بعضهم أن المراد بقوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ أنها صخرة تحت الأرضين السبع، وذكره السدي بإسناده ذلك المطروق، عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة (^١) إن صحَّ ذلك، ويروى هذا عن عطية العوفي وأبي مالك والثوري والمنهال بن عمرو وغيرهم (^٢)، وهذا - والله أعلم - كأنه متلقى من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، والظاهر - والله أعلم - أن المراد أن هذه الحبة في حقارتها لو كانت داخل صخرة، فإن الله سيبديها ويظهرها بلطيف علمه. كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: \"لو أن أحدكم يعمل في صخرة صمَّاء ليس لها باب ولا كوَّة لخرج عمله للناس كائنًا ما كان\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-3486\"></span>ثم قال ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أي: بحدودها وفروضها وأوقاتها، ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي: بحسب طاقتك وجهدك ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾، علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بدّ أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر.\nوقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك احتقارًا منك لهم، واستكبارًا عليهم، ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث: \"ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيَّلة، والمخيَّلة لا يحبها الله\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-3487\"></span>قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تتكبر فتحقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك (^٥)، وكذا روى العوفي وعكرمة عنه (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرَّة عن عبد الله، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ، وسنده ضعيف لأن السدي خلط بين الأسانيد الضعيفة والصحيحة فلم يميز بينها، كذا ذكر الحافظ ابن حجر في المقدمة النفيسة لكتابه القيم \"العجاب في بيان الأسباب\".\n(^٢) الرواية من الإسرائيليات كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ٣٣٠ ح ١١٢٢٩)، وضعف سنده محققوه.\n(^٤) أخرجه أبو داود من حديث جابر بن سليم مطولًا (السنن، اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار ح ٤٠٨٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٤٢).\n(^٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويشهد له سابقه.","vol":"6","page":116},{"text":"وقال مالك: عن زيد بن أسلم ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تتكلم وأنت معرض (^١)، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة ويزيد بن الأصم وأبي الجوزاء وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد وغيرهم (^٢).\nوقال إبراهيم النخعي: يعني بذلك التشديق في الكلام (^٣). والصواب القول الأول.\nوقال ابن جرير: وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها، حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها، فشبه به الرجل المتكبر، ومنه قول عمرو بن حيي التغلبي.\nوكنا إذا الجبار صعَّر خَدَّه … أقمنا له من ميله فتقوَّما (^٤)\nوقال أبو طالب في شعره:\nوكنا قديمًا لا نقر ظُلامة … إذا ما ثنوا صعر الرؤوس نقيمها (^٥)\nوقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي: خيلاء متكبرًا جبارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يبغضك الله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: مختال معجب في نفسه، فخور؛ أي: على غيره. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ [الإسراء] وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ثابت بن قيس بن شماس قال: ذكر الكبر عند رسول الله ﷺ فشدد فيه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها، ويعجبني شراك نعلي، وعلاقة سوطي، فقال: \"ليس ذلك الكبر، إنما الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس\" (^٦). ورواه من طريق أخرى بمثله، وفيه قصة طويلة، ومقتل ثابت ووصيته بعد موته.\n\n<span id=\"aya-3488\"></span>وقوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: امش مقتصدًا مشيًا ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلًا وسطًا بين بين.\nوقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أي: لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه،\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق أبي مكين نوح بن ربيعة عنه، وقول يزيد بن الأصم أخرجه البُستي بسند حسن من طريق جعفر بن برقان عنه وقول الضحاك أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق المغيرة عن إبراهيم.\n(^٤) ذكره الطبري، واستشهد به الفراء (معاني القرآن ٢/ ١٢٧).\n(^٥) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٢٦٩).\n(^٦) أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ٢/ ٧٠ ح ١٣١٧) وسنده ضعيف لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من ثابت ﵁.","vol":"6","page":117},{"text":"ولهذا قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾، قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير (^١)؛ أي: غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى، وهذا التشبيه في هذا بالحمير، يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم، لأن رسول الله ﷺ قال: \"ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه\" (^٢).\nوقال النسائي عند تفسير هذه الآية: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا\" (^٣). وقد أخرجه بقية الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن جعفر بن ربيعة به (^٤)، وفي بعض الألفاظ: بالليل، فالله أعلم.\nفهذه وصايا نافعة جدًا، وهي من قصص القرآن عن لقمان الحكيم، وقد روي عنه من الحكم والمواعظ أشياء كثيرة، فلنذكر منها أنموذجًا ودستورًا إلى ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، أخبرني نهشل بن مجمع الضبي، [عن قزعة] (^٥)، عن ابن عمر قال: أخبرنا رسول الله ﷺ قال: \"إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئًا حفظه\" (^٦).\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم [بن مخيمرة] (^٧) أن رسول الله ﷺ قال: \"قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني إياك والتقنع، فإنه مخوفة بالليل مذمة بالنهار\" (^٨).\nوقال: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عثمان عن ضمرة، حدثنا السدي بن يحيى قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك (^٩).\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا عبد الرحمن المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام؛ يعني: السلام، ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في\n_________\n(^١) أخرجه البُستي بسند صحيح من طريق أبان بن تغلب عن مجاهد.\n(^٢) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة الأعراف آخر تفسير آية ١٧٧.\n(^٣) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير ح ١١٣٩١) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، بدء الخلق (ح ٣٣٠١)، وصحيح مسلم، الذكر، باب استحباب الذكر عند صياح الديك (ح ٢٧٧٩)، وسنن أبي داود، الأدب، باب ما جاء في الديك والبهائم، وسنن الترمذي، الدعوات، باب ما يقول إذا سمع نهيق الحمار (ح ٣٤٥٦).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) ومسند أحمد، وفي الأصل بدون عن قزعة.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٨٧) وسنده جيد.\n(^٧) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٨) سنده ضعيف لإرسال القاسم بن مخيمرة وهو تابعي ويتقوى برواية الحاكم فقد أخرجه موصولًا من طريق القاسم بن مخيمرة عن أبي موسى الأشعري وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤١١).\n(^٩) سنده مرسل ضعيف.","vol":"6","page":118},{"text":"ذكر الله، فأجل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم (^١).\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ضمرة، عن حفص بن عمر قال: وضع لقمان جرابًا من خردل إلى جانبه، وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة حتى نفذ الخردل، فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل تفطر، قال: فتفطر ابنه (^٢).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، حدثنا [أبين] (^٣) بن سفيان المقدسي، عن خليفة بن سلام، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"اتخذوا السودان، فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن\" قال أبو القاسم الطبراني أراد الحبش (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-144>فصل في الخمول والتواضع </span>(^٥)\nوذلك متعلق بوصية لقمان ﵇ لابنه. وقد جمع في ذلك الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا كتابًا مفردًا، ونحن نذكر منه مقاصده، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد الله بن موسى المدني، عن أُسامة بن زيد بن حفص بن عبد الله بن أنس، عن جده أنس بن مالك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"رُبَّ أشعث ذي طمرين (^٦) يصفح عن أبواب الناس إذا أقسم على الله لأبره\" (^٧). ثم رواه من حديث جعفر بن سليمان، عن ثابت، وعلي بن زيد، عن أنس، عن النبي ﷺ فذكره، وزاد: \"منهم البراء بن مالك\".\nوقال أبو بكر بن سهل التميمي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن زيد، عن عياش بن عباس، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁ أنه دخل المسجد، فإذا هو بمعاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول الله ﷺ قال له: ما يبكيك يا معاذ؟ قال: حديث سمعته عن رسول الله ﷺ: سمعته يقول: \"إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الأثرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة\" (^٨).\n_________\n(^١) سنده مرسل ضعيف.\n(^٢) سنده مرسل ضعيف.\n(^٣) كذا في (ح) والمعجم الكبير للطبراني وكذا في (حم) لكن من غير نقط، وفي الأصل صُحف إلى: \"أنس\".\n(^٤) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١١/ ١٩٨ ح ١١٤٨٢)، وسنده ضعيف لضعف أبين بن سفيان (مجمع الزوائد ٤/ ٢٣٥)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٢٣١).\n(^٥) هذا العنوان مقتبس من كتاب: التواضع والخمول كما سيأتي في الروايات بعد التالية.\n(^٦) الطمر: الثوب القديم (ينظر النهاية ٣/ ١٣٨).\n(^٧) لم أجده في كتاب التواضع والخمول، وقد أخرجه الطبراني من طريق إبراهيم بن المنذر به (المعجم الأوسط ح ٨٦٥)، وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (السنن، المناقب، باب مناقب البراء بن مالك ﵁ ح ٣٨٥٤)، وصححه الألباني (صحيح سنن الترمذي ح ٣٠٢٨)، وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب (فضل الضعفاء والخاملين ح ٢٦٢٢).\n(^٨) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع والخمول ص ١٠٣ رقم ٨)، وسنده ضعيف جدًا لأن عيسى بن =","vol":"6","page":119},{"text":"حدثنا الوليد بن شجاع، حدثنا عثّام بن علي، عن حميد بن عطاء الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"رُبَّ ذي طمرين لا يُؤبه له لو أقسم على الله لأبره، لو قال: اللَّهم إني أسألك الجنة لأعطاه الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئًا\" (^١).\nوقال أيضًا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من أُمتي من لو أتى باب أحدكم يسأله دينارًا أو درهمًا أو فلسًا لم يعطه، ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها، ولو سأله الدنيا لم يعطه إياها، ولم يمنعها إياه لهوانه عليه، ذو طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره\" (^٢). وهذا مرسل من هذا الوجه.\nوقال أيضًا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا عوف قال: قال أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من ملوك الجنة من هو أشعث أغبر ذو طمرين لا يؤبه له الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة بين الناس لوسعهم\" (^٣).\nقال: وأنشدني عمر بن شبة، عن ابن عائشة، قال: قال عبد الله بن المبارك:\nألا رُبَّ ذي طمرين في منزل غدا … زرابيه مبثوثةٌ ونَمَارقُهْ\nقد اطَّردتْ أنهاره حول قصره … وأشرق والتفَّت عليه حدائقُهْ (^٤)\nوروي أيضًا من حديث عبيد الله بن زحر، عن [علي بن يزيد] (^٥)، عن القاسم، عن أبي أُمامة مرفوعًا: \"قال الله: من أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر، وكان غامضًا في الناس لا يشار إليه بالأصابع إن صبر على ذلك\" قال: ثم أنفذ رسول الله ﷺ بيده، وقال: \"عجلت منيته، وقل تراثه، وقلت بواكيه\" (^٦).\nوعن عبد الله بن عمرو قال: أحبُّ عباد الله إلى الله الغرباء، قيل: ومن الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم يجمعون يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم (^٧).\nوقال الفضيل بن عياض: بلغني أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أنعم عليك؟ ألم\n_________\n= عبد الرحمن وهو الزرقي: متروك (التقريب ص ٤٣٨).\n(^١) يشهد لشطر الأول ما صحَّ عن أنس بن مالك.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع والخمول رقم ١ ص ٩٧) وسنده ضعيف لإرساله.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (الأولياء رقم ٩)، وسنده ضعيف للانقطاع بين عوف، وهو ابن أبي جميلة، وأبي هريرة ﵁.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع والخمول رقم ٥ ص ١٠٠)، وسنده صحيح، وابن عائشة هو عبيد الله بن محمد التيمي.\n(^٥) كذا في كتاب التواضع والخمول و(ح)، وفي الأصل و(حم) صُحف بلفظ: \"علي بن زيد\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر به، (التواضع والخمول رقم ١٣ ص ١٠٧)، وسنده ضعيف لضعف علي بن يزيد وهو الألهاني، وأخرجه الحاكم من الطريق نفسه وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: لا بل إلى الضعف هو (المستدرك ٤/ ١٢٣).\n(^٧) أخرجه ابن أبي الدنيا بسند فيه محمد بن مسلم الطائفي عن عثمان بن عبد الله بن أوس. (التواضع والخمول رقم ١٦ ص ١٠٩)، ومحمد الطائفي صدوق يخطئ وعثمان: مقبول كما في التقريب.","vol":"6","page":120},{"text":"أعطك؟ ألم أسترك؟ ألم … ألم … ألم أُخمل ذكرك؟ ثم قال الفضيل: إن استطعت ألا تعرف فافعل، وما عليك أن لا يثنى عليك، وما عليك أن تكون مذمومًا عند الناس محمودًا عند الله (^١).\nوكان ابن مُحَيريز يقول: اللَّهم إني أسألك ذكرًا خاملًا (^٢).\nوكان الخليل بن أحمد يقول: اللَّهم اجعلني عندك من أرفع خلقك، واجعلني في نفسي من أوضع خلقك. وعند الناس من أوسط خلقك (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-145>باب ما جاء في الشهرة</span>\nحدثنا أحمد بن عيسى المصري، حدثنا ابن وهب، عن عمر بن الحارث وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"حسب امرئ من الشر إلا من عصم الله أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه، وإن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم\" (^٤). وروي مثله عن إسحاق بن البهلول، عن ابن أبي فديك، عن محمد بن عبد الواحد الأخنسي، عن عبد الواحد بن أبي كثير، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا مثله (^٥)، وروي عن الحسن مرسلًا نحوه فقيل للحسن: فإنه يشار إليك بالأصابع، فقال: إنما المراد من يشار إليه في دينه بالبدعة، وفي دنياه بالفسق (^٦).\nوعن علي ﵁ قال: لا تبدأ لأن تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلّم واكتم، واصمت تسلم، تسر الأبرار وتغيظ الفجار (^٧).\nوقال إبراهيم بن أدهم ﵀ ما صدق الله من أحبَّ الشهرة.\nوقال أيوب: ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه (^٨).\nوقال محمد بن العلاء: من أحبَّ الله أحب أن لا يعرفه الناس (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق إبراهيم بن الأشعث عن الفضيل (المصدر السابق رقم ١٧ ص ١١٠)، وسنده مرسل.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق عبد الواحد بن موسى عن ابن مُحيريز (المصدر السابق رقم ١٨ ص ١١١) وسنده جيد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا عن الخليل بن أحمد. (المصدر السابق رقم ٢١ ص ١١٢).\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه دون قوله: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم. . .\" (التواضع والخمول رقم ٣٠ ص ١١٦) وهذا الشطر هو جزء من الرواية التالية، وسنده حسن ويشهد له الحديث التالي.\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا عن إسحاق بن البهلول به (المصدر السابق رقم ٣١) وسنده حسن، وقوله: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم. . .\" له شاهد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ كما سيأتي في تفسير سورة الحجرات آية ١٣.\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق علي بن الجعد عن المبارك بن فضالة عن الحسن (المصدر السابق رقم ٣٢) وسنده مرسل ويشهد له ما سبق.\n(^٧) أخرجه ابن أبي الدنيا بسند فيه رجل مبهم يروي عن علي ﵁ (المصدر السابق رقم ٣٤).\n(^٨) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق عن أبي بكر بن الفضل عن أيوب (المصدر السابق رقم ٣٥).\n(^٩) أخرجه ابن أبي الدنيا من كتاب محمد بن العلاء (المصدر السابق رقم ٣٦).","vol":"6","page":121},{"text":"وقال سماك بن سلمة: إياك وكثرة الأخلاء (^١).\nوقال أبان بن عثمان: إن أحببت أن يسلم إليك دينك فأقل من المعارف (^٢).\nكان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة نهض وتركهم (^٣).\nوقال: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن عوف، عن أبي رجاء قال: رأى طلحة قومًا يمشون معه فقال: ذباب طمع وفراش النار (^٤).\nوقال ابن إدريس، عن هارون بن أبي عنترة، عن سليم بن حنظلة قال: بينا نحن حول أُبي إذ علاه عمر بن الخطاب بالدرَّة وقال: إنها مذلة للتابع وفتنة للمتبوع (^٥).\nوقال ابن عون: عن الحسن: خرج ابن مسعود فاتبعه أناس، فقال: والله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان (^٦).\nوقال حماد بن زيد: كنا إذا مررنا على المجلس ومعنا أيوب فسلم، ردُّوا ردًّا شديدًا، فكان ذلك يغمه (^٧).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر: كان أيوب يطيل قميصه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في طول القميص، واليوم في تشميره (^٨). واصطنع مرة نعلين على حذو نعلي النبي ﷺ، فلبسهما أيامًا ثم خلعهما، وقال: لم أر الناس يلبسونهما (^٩).\nوقال إبراهيم النخعي: لا تلبس من الثياب ما يشهرك في الفقهاء ولا ما يزدريك السفهاء (^١٠).\nوقال الثوري: كانوا يكرهون من الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم. والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستذل دينه (^١١).\nوحدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد، عن أبي حسنة صاحب الزيادي قال: كنا عند أبي قلابة إذ دخل عليه رجل عليه أكسية فقال: إياكم وهذا الحمار النهاق (^١٢).\nوقال الحسن ﵀: إن قومًا جعلوا الكبر في قلوبهم والتواضع في ثيابهم، فصاحب الكساء\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق مغيرة عن سماك (المصدر السابق رقم ٤٠) وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق فضاله بن صيفي (المصدر السابق رقم ٤٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق ليث عن أبي العالية (المصدر السابق رقم ٤٧).\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (المصدر السابق رقم ٥٠).\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتن أكمل بلفظ: \"بينا نحن حول أُبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدَّرة\" (المصدر السابق رقم ٥١).\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق عون، وليس ابن عون، عن الحسن به (المصدر السابق رقم ٥٢) وفي الحالتين فيه الحسن لم يسمع من ابن مسعود ﵁.\n(^٧) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق أبي داود عن حماد، وفى آخره تصحيف بلفظ: \"فكان ذلك نقمة\" (المصدر السابق رقم ٥٨).\n(^٨) أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح من طريق عبد الرزاق به (المصدر السابق رقم ٦١).\n(^٩) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق عدي بن الفضل عن أيوب (المصدر السابق رقم ٦٢).\n(^١٠) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق منصور عن إبراهيم به (المصدر السابق رقم ٦٣).\n(^١١) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق غسان بن عبيد عن الثوري بنحوه (المصدر السابق رقم ٦٤).\n(^١٢) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه، وفيه عن أبي خشينة صاحب الزيادي (المصدر السابق رقم ٦٥).","vol":"6","page":122},{"text":"بكسائه أعظم من صاحب المطرف بمطرفه (^١) ما لهم تفاقدوا (^٢).\nوفي بعض الأخبار أن موسى ﵇ قال لبني إسرائيل: ما لكم تأتوني عليكم ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الذئاب، البسوا ثياب الملوك، وألينوا قلوبكم بالخشية.\n\n<span data-type='title' id=toc-146>فصل في حسن الخلق</span>\nقال أبو التياح: عن أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقًا (^٣).\nوعن عطاء، عن ابن عمر: قيل: يا رسول الله؛ أي: المؤمنين أفضل؟ قال: \"أحسنهم خلقًا\" (^٤).\nوعن نوح بن عباد، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا: \"إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الآخرة وشرف المنازل، وإنه لضعيف العبادة، وإنه ليبلغ بسوء خلقه درك جهنم وهو عابد\" (^٥).\nوعن سنان بن هارون، عن حميد، عن أنس مرفوعًا: \"ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة\" (^٦).\nوعن عائشة مرفوعًا: \"إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار\" (^٧).\nوقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، حدثنا عبد الله بن إدريس، أخبرني أبي وعمي، عن جدي، عن أبي هريرة ﵁ سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: \"تقوى الله وحسن الخلق\". وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: \"الأجوفان: الفم والفرج\" (^٨).\nوقال أُسامة بن شريك: كنت عند رسول الله ﷺ فجاءته الأعراب من كل مكان، فقالوا: يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: \"حسن الخلق\" (^٩).\nوقال يعلى بن سماك، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء يبلغ به قال: ما شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، وكذا رواه عطاء، عن أُم الدرداء به (^١٠).\n_________\n(^١) المطرف: الثوب الذي في طرفيه علَمان. النهاية ٣/ ١٢١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق رجل مبهم عن أبي بكر عن الحسن (المصدر السابق رقم ٦٦).\n(^٣) أخرجه مسلم من طريق أبي التياح به (الصحيح، الآداب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته ح ٢١٥٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق فروة بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر ﵄ (المصدر السابق رقم ١٦٥)، وسنده ضعيف لأن فروة مجهول كما في التقريب، وحسنه الألباني بشواهد (السلسلة الصحيحة ح ١٣٨٤).\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق النضر بن عبد الجبار عن نوح بن عباد (التواضع والخمول رقم ١٦٨)، ويتقوى بالشواهد السابقة واللاحقة.\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق سنان به (المصدر السابق رقم ١٦٩)، وفي سنده سنان بن هارون صدوق فيه لين كما في التقريب ص ٢٥٦.\n(^٧) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق المطلب عن عائشة (المصدر السابق رقم ١٦٦)، وأخرجه الإمام أحمد المطلب به (المسند ٤١/ ١٤٥ ح ٢٤٥٩٥) وقال محققوه: حديث صحيح لغيره.\n(^٨) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (المصدر السابق رقم ١٧٠)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق داود بن يزيد عن أبيه عن أبي هريرة بنحوه (المسند ١٣/ ٢٨٧ ح ٧٩٠٧) وحسنه محققوه.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد مطولًا (المسند ٣٠/ ٣٩٥ ح ١٨٤٥٤)، وصحيح سنده محققوه وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٢١).\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد من طريق عطاء بن نافع عن أم الدرداء به (المسند ٤٥/ ٤٨٧ ح ٢٧٤٩٦)، وصحح سنده محققوه.","vol":"6","page":123},{"text":"وعن مسروق، عن عبد الله مرفوعًا: \"إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا\" (^١).\nحدثنا عبد الله بن أبي بدر، حدثنا محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي سارة، عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ليعطي العبد على الثواب من حسن الخلق، كما يعطي المجاهد في سبيل الله يغدو عليه الأجر ويروح\" (^٢).\nوعن مكحول، عن أبي ثعلبة مرفوعًا: \"إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني منزلًا في الجنة مساويكم أخلاقًا الثرثارون المتشدقون المتفيهقون\" (^٣).\nوعن أبي أويس، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا: \"ألا أخبركم بأكملكم إيمانًا أحاسنكم أخلاقًا الموطؤون أكنافًا (^٤) الذين يؤلفون ويألفون\" (^٥).\nوقال الليث: عن يزيد بن عبد الله بن أُسامة، عن بكر بن أبي الفرات قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما حسّن الله خلق رجل وخلقه فتطعمه النار\" (^٦).\nوعن عبد الله بن غالب الحداني، عن أبي سعيد مرفوعًا: \"خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق\" (^٧).\nوقال ميمون بن مهران: عن رسول الله ﷺ: \"ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخل\" (^٨) وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في آخر.\nقال: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو المغيرة الأحمسي، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن رجل من قريش قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق، إن الخلق الحسن ليذيب الذنوب. كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل\" (^٩).\nوقال عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق\" (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من طريق مسروق به (الصحيح، المناقب، باب صفة النبي ﷺ ح ٣٥٥٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع رقم ١٧٦)، وسنده ضعيف لأن محمد بن أبي سارة لم يسمع من الحسن بن علي ﵄ (لسان الميزان ٥/ ١٧٣).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق مكحول به (المسند ٢٩/ ٢٦٧ ح ١٧٧٣٢) وقال محققوه: حسن لغيره، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨/ ٢٤).\n(^٤) أي: المتواضعون الذين يعتمد عليهم في الصحبة ولا يتأذى من يصاحبهم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق أبي أويس به (التواضع رقم ١٧٨). وسنده حسن بشواهده.\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق الليث به (المصدر السابق رقم ١٨٠)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٦٥)، والسيوطي في (اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ١/ ١١٩).\n(^٧) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق عبد الله بن غالب به (المصدر السابق رقم ١٨٢) وله شواهد سابقة ولاحقة.\n(^٨) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق ميمون بن مهران به (المصدر السابق رقم ١٨٣)، وسنده ضعيف لإرساله.\n(^٩) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (المصدر السابق رقم ١٨٤)، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق (التقريب ٣٣٦) وهو لم يلق أحدًا من الصحابة فشيخه مجهول.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق عبد الله بن إدريس به (المصدر السابق رقم ١٩٠)، وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ١٩٧٩) وحسنه المنذري (الترغيب ٣/ ٢٦٤ ح ٣٩٣٥)، وأخرجه الحاكم وصححه، وتعقبه =","vol":"6","page":124},{"text":"وقال محمد بن سيرين: حسن الخلق عون على الدين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-147>فصل في ذم الكبر</span>\nقال علقمة: عن ابن مسعود رفعه: \"لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان\" (^٢).\nوقال إبراهيم بن أبي عبلة: عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \"من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، أكبه الله على وجهه في النار\" (^٣).\nحدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا أبو معاوية، عن عمر بن راشد، عن إياس بن سلمة، عن أبيه مرفوعًا: \"لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله من الجبَّارين، فيصيبه ما أصابهم من العذاب\" (^٤).\nوقال مالك بن دينار: ركب سليمان بن داود ﵉ ذات يوم البساط في مائتي ألف من الإنس ومائتي ألف من الجن، فرفع حتى سمع تسبيح الملائكة في السماء، ثم خفضوه حتى مست قدمه ماء البحر، فسمعوا صوتًا لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر لخسف به أبعد مما رفع (^٥).\nحدثنا أبو خيثمة، حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان حتى إن أحدنا ليقذر نفسه فيقول: خرج من مجرى البول مرتين (^٦).\nوقال الشعبي: من قتل اثنين فهو جبار، ثم تلا: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٧) [القصص: ١٩].\nوقال الحسن: عجبًا لابن آدم يغسل الخرء بيده في اليوم مرتين، ثم يتكبر يعارض جبار السماوات (^٨).\nقال: حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن الضحاك بن سفيان، فذكر حديث ضرب مثل الدنيا بما يخرج من ابن آدم (^٩).\n_________\n= الذهبي بأن عبد الله: واه (المستدرك ١/ ١٢٤).\n(^١) يشهد له ما سبق من الروايات التي ذكرت حسن الخلق.\n(^٢) أخرجه مسلم من طريق علقمة به (الصحيح، الإيمان، باب تحريم الكبر ح ٩).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق إبراهيم بن أبي عبلة به (التواضع رقم ١٩٦)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق إبراهيم بن أبي عبلة به (المسند ١١/ ٥٨٩ ح ٧٠١٥) وصحح سنده محققوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع رقم ١٩٨) وسنده ضعيف لضعف عمر بن راشد.\n(^٥) سنده مرسل وعليه أمارات الإسرائيليات وأخرجه ابن أبي الدنيا (التواضع رفم ١٩٩).\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع رقم ٢٠٠).\n(^٧) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل بن سالم عن الشعبي، (التواضع رقم ٢٠٣).\n(^٨) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق أبي محمد البصري عن الحسن (التواضع رقم ٢٠٩).\n(^٩) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع رقم ٢١٠) وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.","vol":"6","page":125},{"text":"وقال الحسن: عن [عتّي] (^١) عن أُبي قال: إن مطعم ابن آدم ضرب مثلًا للدنيا وإن قزَّحه (^٢) وملَّحه (^٣).\nوقال محمد بن الحسين بن علي - من ولد علي ﵁: ما دخل قلب رجل شيء من الكبر، إلا نقص من عقله بقدر ذلك (^٤).\nوقال يونس بن عبيد: ليس مع السجود كبر، ولا مع التوحيد نفاق.\nونظر طاوس إلى عمر بن عبد العزيز وهو يختال في مشيته، وذلك قبل أن يستخلف، فطعن طاوس في جنبه بأصبعه، وقال: ليس هذا شأن من في بطنه خرء؟ فقال له كالمعتذر إليه: يا عمِّ لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها (^٥).\nقال أبو بكر بن أبي الدنيا: كانت بنو أُمية يضربون أولادهم حتى يتعلمون هذه المشية.\n\n<span data-type='title' id=toc-148>فصل في الاختيال</span>\nعن ابن أبي ليلى، عن ابن بُريدة، عن أبيه مرفوعًا: \"من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه\" (^٦).\nورواه عن إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعًا مثله (^٧).\nوحدثنا محمد بن بكار، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره، وبينما رجل يتبختر في برديه أعجبته نفسه خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة\" (^٨) وروى الزهري عن سالم، عن أبيه بينما رجل إلى آخره (^٩).\n\n<span id=\"aya-3489\"></span>\n\n<span id=\"aya-3490\"></span>﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾.\nيقول تعالى منبهًا خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة بأنه سخر لهم ما في السماوات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وما يخلق فيها من سحاب وأمطار وثلج وبرد، وجعله\n_________\n(^١) كذا في النُسخ والتصويب من كتاب التواضع.\n(^٢) أي: جعل الأبازير في قدر الطعام.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق الحسن به (التواضع رقم ٢١١).\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا معلقًا بصيغة حُدثت عن أبي همام (التواضع رقم ٢٢٦)، وسنده ضعيف لعدم التصريح باسم شيخه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق شيخ مجهول به (التواضع رقم ٢٤١).\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق ابن أبي ليلى به (التواضع رقم ٢٣٨) وله شاهد صحيح كما يلي.\n(^٧) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع رقم ٢٣٩)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق زيد بن أسلم به وأطول (المسند ١٠/ ٤١٣ ح ٦٣٤٠)، وصحح سنده محققوه.\n(^٨) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق محمد بن بكار به (التواضع رقم ٢٣٢) وأخرجه البخاري من طريق أبي الزناد به (الصحيح، اللباس، باب من جرَّ ثوبه من الخيلاء ح ٥٧٨٨).\n(^٩) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق الزهري به (التواضع رقم ٢٣٤) ويشهد له سابقه.","vol":"6","page":126},{"text":"إياها لهم سقفًا محفوظًا، وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار وأشجار وزروع وثمار، وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة الشبه والعلل، ثم مع هذا كلِّه ما آمن الناس كلُّهم، بل منهم من [يجادل] (^١) في الله؛ أي: في توحيده وإرساله الرسل ومجادلته في ذلك بغير علم، ولا مستند من حجة صحيحة، ولا كتاب مأثور صحيح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ أي: مبين مضيء ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء المجادلين في توحيد الله ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: على رسوله من الشرائع المطهرة ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي: لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] أي: فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم أنهم كانوا على ضلالة وأنتم خَلَفٌ لهم فيما كانوا فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.\n\n<span id=\"aya-3491\"></span>﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عمَّن أسلم وجهه [لله] (^٢)؛ أي: أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: في عمله باتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: فقد أخذ موثقًا من الله متينًا لا يعذبه.\n﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾\n\n<span id=\"aya-3492\"></span>\n\n<span id=\"aya-3493\"></span>﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أي: لا تحزن عليهم يا محمد في كفرهم بالله وبما جئت به، فإن قدر الله نافذ فيهم، وإلى الله مرجعهم فينبئهم بما عملوا؛ أي: فيجزيهم عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فلا تخفى عليه خافية، ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ أي: في الدنيا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ أي: نلجئهم ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: فظيع صعب مشق على النفوس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-3494\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء المشركين به أنهم يعرفون أن الله خالق السماوات والأرض وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها خلق له وملك له، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: إذ قامت عليكم الحجة باعترافكم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"مجادل\".\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف بدون لفظ: \"لله\".","vol":"6","page":127},{"text":"<span id=\"aya-3495\"></span>ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو خلقه وملكه ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: الغني عما سواه. وكل شيء فقير إليه، الحميد في جميع ما خلق، له الحمد في السماوات والأرض على ما خلق وشرع، وهو المحمود في الأمور كلِّها.\n\n<span id=\"aya-3496\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عظمته وكبريائه وجلاله وأسمائه الحسنى وصفاته العُلا، وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها، كما قال سيد البشر وخاتم الرسل: \"لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك\" (^١) فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ أي: ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلامًا وجعل البحر مدادًا وأمده سبعة أبحر معه، فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسرت الأقلام ونفذ ماء البحر، ولو جاء أمثالها مددًا.\nوإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر ولا أن ثم سبعة أبحر موجودة محيطة بالعالم كما يقوله من تلقاه من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، بل كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف]، فليس المراد بقوله: ﴿بِمِثْلِهِ﴾ آخر فقط بل بمثله ثم بمثله، ثم بمثله ثم هلم جرا، لأنه لا حصر لآيات الله وكلماته.\nقال الحسن البصري: لو جعل شجر الأرض أقلامًا، وجعل البحر مدادًا، وقال الله إن من أمري كذا ومن أمري كذا، لنفد ماء البحر وتكسرت الأقلام (^٢).\nوقال قتادة: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ أي: لو كان شجر الأرض أقلامًا ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه (^٣).\nوقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ الآية، يقول: لو كان البحر مدادًا لكلمات الله، والأشجار كلها أقلامًا، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء، لأن أحدًا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول.\nوقد روي أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ (الصحيح، الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود ح ٤٨٦).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة مختصرًا وسنده مرسل، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"6","page":128},{"text":"قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جُبير أو عكرمة، عن ابن عباس أن أحبار يهود قالوا لرسول الله ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأيت قولك: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله ﷺ: \"كلاكما\" قالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم\" وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ الآية (^١)، وهكذا روي عن عكرمة وعطاء بن يسار (^٢)، وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية، لا مكية، والمشهور أنها مكية، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزيز قد عزّ كل شيء وقهره وغلبه، فلا مانع لما أراد ولا مخالف ولا معقب لحكمه، حكيم في خلقه وأمره وأقواله وأفعاله وشرعه وجميع شؤونه.\n\n<span id=\"aya-3497\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كنسبة خلق نفس واحدة، الجميع هين عليه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس]، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر] أي: لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة، فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى تكرره وتوكيده ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات].\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي: كما هو سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة، كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾.\n\n<span id=\"aya-3498\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾.\nيخبر تعالى أنه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ يعني: يأخذ منه في النهار فيطول ذاك، ويقصر هذا، وهذا يكون زمن الصيف، يطول النهار إلى الغاية، ثم يشرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار، وهذا يكون في الشتاء ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: إلى غاية محدوده، وقيل: إلى يوم القيامة، وكلا المعنيين صحيح، ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذرّ ﵁ الذي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"يا أبا ذرّ أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت\" (^٣).\n_________\n(^١) في سنده محمد بن أبي محمد لم يعرف، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق عن رجل من أهل مكة عن سعيد بن جبير به. ويتقوى بمرسل عكرمة التالي.\n(^٢) قول عكرمة أخرجه البستي بسند صحيح من طريق داود بن أبي هند عنه، وقول عطاء بن يسار أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق، عن بعض أصحابه عن عطاء.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٥٨.","vol":"6","page":129},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قال: الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، قال: وكذلك القمر، إسناده صحيح (^١).\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، كقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج: ٧٠] ومعنى هذا: أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق].\n\n<span id=\"aya-3499\"></span>وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ أي: إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق؛ أي: الموجود الحق الإله الحق، وأن كل ما سواه باطل، فإنه الغني عما سواه وكل شيء فقير إليه، لأن كل ما في السماوات والأرض الجميع خلقه وعبيده، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابًا لعجزوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ أي: العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، فكل خاضع حقير بالنسبة إليه.\n\n<span id=\"aya-3500\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾.\nيخبر تعالى أنه هو الذي سخر البحر لتجري فيه الفلك بأمره؛ أي: بلطفه وتسخيره، فإنه لو لا ما جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن لما جرت، ولهذا قال: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِه﴾ أي: من قدرته ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي: صبار في الضراء شكور في الرخاء.\n\n<span id=\"aya-3501\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ أي: كالجبال والغمام ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].\nثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قال مجاهد: أي: كافر (^٢)، كأنه فسر المقتصد ههنا بالجاحد، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].\nوقال ابن زيد: هو المتوسط في العمل (^٣)، وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فالمقتصد ههنا هو\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد بلفظ: الذي على صلاح من الأمر.","vol":"6","page":130},{"text":"المتوسط في العمل، ويحتمل أن يكون مرادًا هنا أيضًا، ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال والأمور العظام والآيات الباهرات في البحر، ثم بعد ما أنعم الله عليه بالخلاص كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام، والدؤوب في العبادة، والمبادرة إلى الخيرات، فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرًا والحالة هذه والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ فالختار هو: الغدار، قاله مجاهد والحسن وقتادة ومالك، عن زيد بن أسلم (^١)؛ وهو الذي كلما عاهد نقض عهده، والختر أتم الغدر وأبلغه. قال عمرو بن معديكرب:\nوإنك لو رأيت أبا عُمير … ملأت يديك من غدر وختر (^٢)\nوقوله: ﴿كَفُورٍ﴾ أي: جحود للنعم لا يشكرها بل يتناساها ولا يذكرها.\n\n<span id=\"aya-3502\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾.\nيقول تعالى منذرًا للناس يوم المعاد، وآمرًا لهم بتقواه والخوف منه والخشية من يوم القيامة حيث: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ أي: لو أراد أن يفديه بنفسه لما قبل منه. وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه. لم يقبل منه.\nثم عاد بالموعظة عليهم بقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: لا تلهينكم بالطمأنينة فيها عن الدار الآخرة ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ يعني: الشيطان. قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة (^٣): فإنه يغرُّ ابن آدم ويعده ويمنيه، وليس من ذلك شيء بل كان ما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء].\nقال وهب بن منبه: قال عزير ﵇: لما رأيت بلاء قومي، اشتدَّ حزني وكثر همِّي وأرق نومي، فضرعت إلى ربي وصلّيت وصمت، فأنا في ذلك أتضرع أبكي، إذ أتاني الملك فقلت له: خبرني هل تشفع أرواح المصدقين للظلمة أو الآباء لأبنائهم؟ قال: إن القيامة فيها فصل القضاء، وملك ظاهر ليس فيه رخصة لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الرحمن، ولا يؤخذ فيه والد عن ولده، ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه، ولا عبد عن سيده، ولا يهتم أحد بهم غيره، ولا يحزن لحزنه، ولا أحد يرحمه، كل مشفق على نفسه، ولا يؤخذ إنسان عن إنسان، كل يهمه همه، ويبكي عوله، ويحمل وزره، ولا يحمل وزره معه غيره، رواه ابن أبي حاتم (^٤).\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه وقول الحسن أخرجه البُستي والطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول مالك عن زيد بن أسلم صحيح السند.\n(^٢) البيت في ديوانه ص ١٠٥ واستشهد به الطبري.\n(^٣) قول ابن عباس عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٤) الخبر من الإسرائيليات.","vol":"6","page":131},{"text":"<span id=\"aya-3503\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾.\nهذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها، فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك، ومن يشاء الله من خلقه، وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى أو شقيًا أو سعيدًا، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه، وكذا لا تدري نفس ماذا تكسب غدًا في دنياها وأخراها ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك، وهذه شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية [الأنعام: ٥٩].\nوقد وردت السُّنَّة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب.\nقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بُريدة، سمعت أبي - بُريدة - يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"خمس لا يعلمهن إلا الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ \" (^١)، هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجوه.\n(حديث ابن عمر) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ \" (^٢). انفرد بإخراجه البخاري، فرواه في كتاب الإستسقاء في صحيحه عن محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان بن سعيد الثوري به (^٣). ورواه في التفسير من وجه آخر، فقال: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، أن أباه حدثه، أن عبد الله بن عمر قال: قال النبي ﷺ: \"مفاتيح الغيب خمس\" ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ (^٤) انفرد به أيضًا.\nورواه الإمام أحمد، عن غُندر، عن شعبة، عن عمر بن محمد أنه سمع أباه يحدث عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ \" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٩٠ ح ٢٢٩٨٦) وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد قوي. اهـ. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٩٢)، وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٤) وسنده صحيح.\n(^٣) الصحيح (ح ١٠٣٩).\n(^٤) الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [القمان: ٣٤] (ح ٤٧٧٨).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٨٥) قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨/ ٤٦٢).","vol":"6","page":132},{"text":"(حديث ابن مسعود ﵁). قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: قال عبد الله: أُوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كل شيء غير خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ (^١). وكذا رواه عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة به. وزاد في آخره. قال: قلت له أنت سمعته من عبد الله؟ قال: نعم، أكثر من خمسين مرة (^٢)، ورواه أيضًا عن وكيع، عن مسعر، عن عمرو بن مرة به (^٣). وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن، ولم يخرجوه.\n(حديث أبي هريرة) قال البخاري عن تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق، عن جرير، عن [أبي حيان] (^٤)، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يومًا بارزًا للناس إذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر\" قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: \"الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان\" قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: \"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قالط: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها، وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الآية\"، ثم انصرف الرجل فقال: \"ردوه عليَّ\" فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئًا، فقال: \"هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم\" (^٥). ورواه البخاري أيضًا في كتاب الإيمان (^٦)، ومسلم عن طرق، عن أبي حيان به (^٧). وقد تكلمنا عليه في أول شرح البخاري، وذكرنا ثم حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في ذلك بطوله، وهو من أفراد مسلم.\n(حديث ابن عباس) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا [شهر] (^٨)، حدثنا عبد الله بن عباس ﵄، قال: جلس رسول الله ﷺ مجلسًا فأتاه جبريل، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ واضعًا كفيه على ركبتي النبي ﷺ فقال يا رسول الله: حدثني ما الإسلام؟ قال رسول الله ﷺ: \"الإسلام أن تسلم وجهك لله ﷿، وتشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله\" قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: \"إذا فعلت ذلك فقد أسلمت\" قال: يا رسول الله، فحدثني ما الإيمان؟ قال: \"الإيمان أن تؤمن بالله واليوم الآخر، والملائكة والكتاب والنبيين، وتؤمن بالموت وبالحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنة والنار،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٧٢ - ١٧٣ ح ٣٦٥٩)، وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد يحتمل التحسين.\n(^٢) (المسند ٧/ ٢٣٢ ح ٤١٦٧).\n(^٣) (المسند ٧/ ٢٨٦ ح ٤٢٥٣).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وصحيح البخاري، وفي الأصل صُحف إلى: \"أبي حصان\".\n(^٥) الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] (ح ٤٧٧٧).\n(^٦) باب سؤال جبريل النبي ﷺ (ح ٥٠).\n(^٧) الصحيح، الإيمان (ح ٩).\n(^٨) كذا في (ح) و(حم) ومسند الإمام أحمد، وفي الأصل صُحف إلى: \"بهز\".","vol":"6","page":133},{"text":"والحساب والميزان، وتؤمن بالقدر كله: خيره وشره\" قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: \"إذا فعلت ذلك فقد آمنت\" قال: يا رسول الله حدثني ما الإحسان؟ قال رسول الله ﷺ: \"الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك\" قال: يا رسول الله فحدثني متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ: \"- سبحان الله - في خمس لا يعلمهن إلا هو: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك، قال: أجل يا رسول الله، فحدثني، قال رسول الله ﷺ: \"إذا رأيت الأمة ولدت ربتها - أو ربها - ورأيت أصحاب الشاء يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس، فذلك من معالم الساعة وأشراطها\" قال: يا رسول الله ومن أصحاب الشاء الحفاة الجياع العالة؟ قال: \"العرب\" (^١). حديث غريب، ولم يخرجوه.\nحديث رجل من بني عامر روى الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن رِبعي بن حراش، عن رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي ﷺ فقال: أألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمة: \"اخرجي إليه، فإنه لا يحسن الإستئذان، فقولي له فليقل: السلام عليكم، أأدخل؟ \" قال: فسمعته يقول ذلك، فقلت: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن لي فدخلت، فقلت: بمَ أتيتنا به؟ قال: \"لم آتكم إلا بخير، أتيتكم بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تَدَعُوا اللات والعزى، وأن تصلوا بالليل والنهار خمس صلوات، وأن تصوموا من السنة شهرًا، وأن تحجوا البيت، وأن تأخذوا الزكاة من مال أغنيائكم فتردوها على فقرائكم\" قال: فقال فهل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: \"قد علّمني الله ﷿ خيرًا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله ﷿: الخمس ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ \" (^٢)، وهذا إسناد صحيح.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى، فأخبرني ما تلد، وبلادنا مجدبة، فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت فانزل الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ قال مجاهد: وهي مفاتيح الغيب التي قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٣).\nوقال الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ أنها قالت: من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٩٢ - ٩٥ ح ٢٩٢٤)، وحسنه محققوه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٢٠٦ ح ٢٣١٢٧)، قال محققوه صحيح لغيره. اهـ. وصحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به لكنه مرسل.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف وفيه ذكر قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، والشطر الأول في صحيح البخاري من طريق =","vol":"6","page":134},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ قال قتادة: أشياء استأثر الله بهن، فلم يطلع عليهنّ ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة، أو في أي شهر، أو ليل أو نهار: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ليلًا أو نهارًا: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود، وما هو: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ أخير أم شر، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت لعلك الميت غدًا، لعلك المصاب غدًا: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم بر أو سهل أو جبل (^١).\nوقد جاء في الحديث: \"إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة\" فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير في مسند أُسامة بن زيد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي المليح، عن أُسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما جعل الله ميتة عبد بأرض إلا جعل له فيها حاجة\" (^٢).\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن مطر بن [عكاس] (^٣) قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا قضى الله ميتة عبد بأرض جعل له إليها حاجة\" (^٤) وهكذا رواه الترمذي في القدر من حديث سفيان الثوري به، ثم قال: حسن غريب، ولا يعرف لمطر عن النبي ﷺ غير هذا الحديث (^٥)، وقد رواه أبو داود في المراسيل، فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي المليح بن أُسامة، عن أبي عَزَّة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أراد الله قبض روح عبد بأرض جعل له فيها - أو قال - بها حاجة\" (^٦) وأبو عَزَّة هذا هو [يسار] (^٧) بن عبيد الله، ويقال ابن عبد الهذلي. وأخرجه الترمذي من حديث إسماعيل [بن إبراهيم وهو ابن عُلَيّة، وقال: صحيح (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأصفهاني، حدثنا المؤمل بن إسماعيل] (^٩)،\n_________\n= الشعبي عن مسروق عن عائشة بنحوه (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦). . .﴾ [الجن] ح ٧٣٨٠).\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١/ ١٧٨ ح ٤٦١)، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ١٩٦).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) ومسند أحمد، وفي الأصل صحف إلى: \"عكاش\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٣٠٨ ح ٢١٩٨٣) وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٥) سنن الترمذي، القدر، باب ما جاء أن النفس تموت حيث ما كتب لها (ح ٢١٤٦)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٢).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ٣٠١ ح ١٥٥٣٩)، وصحح سنده محققوه.\n(^٧) كذا في (ح) و(حم) وسنن الترمذي، وفي الأصل صُحف إلى: \"بشار\".\n(^٨) السنن، القدر، باب ما جاء أن النفس تموت حيث ما كتب لها (ح ٢١٤٧).\n(^٩) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"6","page":135},{"text":"حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن أبي عزة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ (^١).\n(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري ومحمد بن يحيى القطعي قالا: حدثنا عمر بن علي، حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة\" ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرفعه إلا عمر بن علي المقدمي (^٢).\nوقال ابن أبي الدنيا: حدثني سليمان بن أبي شيخ قال: أنشدني محمد بن الحكم لأعشى همدان:\nفما تزودَ مما كان يَجمَعُهُ … سوى حنوطٍ (^٣) غداةَ البيْنِ مع خرق\nوغيرَ نفحةِ أعوادٍ تُشَبّ له … وقَلّ ذلك من زادٍ لمنطلق\nلا تأسَيَّن على شيء فكلّ فتى … إلى منيته سَيَّارٌ (^٤) في عَنَقٍ\nوكُلّ من ظَنَّ أن الموتَ يُخطِئُه … مُعَلَّلٌ بأعَاليل من الحَمَقِ\nبأيَّما بَلْدةٍ تُقَدَّرْ منيَّتُهُ … إن لا يُسَيَّرْ إليها طَائِعًا يُسَقِ\nأورده الحافظ ابن عساكر ﵀ في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث (^٥)، وهو أعشى همدان، وكان الشعبي زوج أخته، وهو مزوج بأخت الشعبي أيضًا، وقد كان ممن طلب العلم والتفقه، ثم عدل إلى صناعة الشعر فعرف به.\nوقد روى ابن ماجه، عن أحمد بن ثابت وعمر بن شبة، كلاهما عن عمر بن علي مرفوعًا: إذا كان أجل أحدكم بأرض أوثبته له إليها حاجة، فإذا بلغ أقصى أثره قبضه الله ﷿، فتقول الأرض يوم القيامة: ربِّ هذا ما أودعتني (^٦).\nقال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن\n_________\n(^١) تقدم صحته بدون ذكر قراءة الآية، ولعل هذه الزيادة من أخطاء مؤمل بن إسماعيل لأنه صدوق سيء الحفظ (التقريب ص ٥٥٥).\n(^٢) أخرجه البزار (المسند رقم ١٨٩٩)، وأخرجه ابن ماجه من طريق أحمد بن ثابت الجحدري به، وصححه البوصيري (السنن، الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له ح ٤٢٦٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٣٨)، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن خالد الوهبي عن إسماعيل بن أبي خالد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٦٧).\n(^٣) في تاريخ دمشق بلفظ: \"إلا حنوطًا\".\n(^٤) في تاريخ دمشق: يسير.\n(^٥) أخرجه ابن عساكر من طريق محمد بن عبد الله بن أحمد الصفار، عن أبي بكر بن أبي الدنيا به (تاريخ دمشق ٤٠/ ٤٤٣) تحقيق سكينة الشهابي، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.\n(^٦) تقدم تخريجه في الرواية السابقة.","vol":"6","page":136},{"text":"أبي المليح، عن أُسامة أن رسول الله ﷺ قال: \"ما جعل الله منية عبد بأرض إلا جعل له إليها حاجة\" (^١).\nآخر تفسير سورة لقمان.\nوالحمد لله رب العالمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قبل خمس روايات.","vol":"6","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-149>سُورَةُ السَّجْدَةِ</span>\n[وهي مكية] (^١)\nروى البخاري في كتاب الجمعة: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] (^٢). ورواه مسلم أيضًا من حديث سفيان الثوري به.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا الحسن بن صالح، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كان النبي ﷺ لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، تفرد به أحمد (^٣).\n\n<span id=\"aya-3504\"></span>\n\n<span id=\"aya-3505\"></span>﷽\n﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾.\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا.\nوقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك فيه ولا مرية أنه منزل ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،\n\n<span id=\"aya-3506\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن المشركين: أم ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أي: اختلقه من تلقاء نفسه ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يتبعون الحق.\n\n<span id=\"aya-3507\"></span>﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾.\nيخبر تعالى أنه خالق للأشياء فخلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش، وقد تقدم الكلام على ذلك.\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ أي: بل هو المالك لأزمة الأمور، الخالق لكل شيء،\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الجمعة، باب ما يُقرأ في صلاة الفجر يومَ الجمعة ح ٨٩١).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣/ ٢٦ ح ١٤٦٥٩)، وصححه محققوه بالمتابعات. وصححه أيضًا بالمتابعات الألباني (السلسلة الصحيحة ح ٥٨٥، وصحيح الأدب المفرد ح ١٩١٧).","vol":"6","page":138},{"text":"المدبر لكل شيء، القادر على كل شيء، فلا ولي لخلقه سواه، ولا شفيع إلا من بعد إذنه، ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يعني: أيها العابدون غيره المتوكلون على من عداه، تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له نظير أو شريك أو وزير أو نديد أو عديل، لا إله إلا هو ولا ربَّ سواه.\nوقد أورد النسائي ههنا حديثًا فقال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب، حدثني محمد بن الصباح، حدثني أبو عبيدة الحداد، حدثنا الأخضر بن عجلان، عن ابن جريج المكي، عن عطاء، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أخذ بيدي فقال: \"إن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، فخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الإثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر، وخلقه من أديم الأرض: أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله من بني آدم الطيب والخبيث\" (^١). هكذا أورد هذا الحديث إسنادًا ومتنًا، وقد أخرج مسلم والنسائي أيضًا من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أُمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحو من هذا السياق (^٢).\nوقد علله البخاري في كتاب التاريخ الكبير فقال: وقال بعضهم: أبو هريرة عن كعب الأحبار وهو أصح (^٣)، وكذا علَّله غير واحد من الحفاظ، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3508\"></span>\n\n<span id=\"aya-3509\"></span>قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أي: يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق]، وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا ومسافة ما بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة، وسمك السماء خمسمائة سنة.\nوقال مجاهد وقتادة والضحاك: النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام وصعوده في مسيرة خمسمائة (^٤) عام، ولكنه يقطعها في طرفة عين، ولهذا قال تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: المدبر لهذه الأمور، الذي هو شهيد على أعمال عباده، يرفع إليه جليلها وحقيرها وصغيرها وكبيرها، هو العزيز الذي قد عزّ كل شيء فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، الرحيم بعباده المؤمنين، فهو عزيز في رحمته، رحيم في عزته،\n_________\n(^١) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير ح ١٠١٠) وقد اختلف في متنه قديمًا وحديثًا وهو في صحيح مسلم كما يأتي.\n(^٢) صحيح مسلم، صفات المنافقين وأحكامهم، باب ابتداء الخلق وخلق آدم ﵇ (ح ٢٧٨٩)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ١١٠١٠).\n(^٣) التاريخ الكبير ١/ ٤١٣.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث عنه، وليث هو ابن أبي سُليم فيه مقال، وفي سنده أيضًا ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف ويتقوى بما يليه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.","vol":"6","page":139},{"text":"[وهذا هو الكمال: العزة مع الرحمة، والرحمة مع العزة، فهو رحيم بلا ذلّ] (^١).\n\n<span id=\"aya-3510\"></span>﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا أنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها.\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أحسن خلق كل شيء (^٢) كأنه جعله من المقدم والمؤخر، ثم لمَّا ذكر تعالى خلق السماوات والأرض، شرع في ذكر خلق الإنسان، فقال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ يعني: خلق أبا البشر آدم من طين\n\n<span id=\"aya-3511\"></span>﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾ أي: يتناسلون كذلك من نطفة من بين صلب الرجل وترائب المرأة\n\n<span id=\"aya-3512\"></span>﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني: آدم لما خلقه من تراب، خلقًا سويًا مستقيمًا ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ يعني: العقول ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: بهذه القوى التي رزقكموها الله ﷿، فالسعيد من استعملها في طاعة ربه ﷿.\n\n<span id=\"aya-3513\"></span>﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: تمزقت أجسامنا وتفرقت في أجزاء الأرض وذهبت ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: أئنا لنعود بعد تلك الحال؟ يستعبدون ذلك، وهذا إنما هو بعيد بالنسبة إلى قدرتهم العاجزة لا بالنسبة إلى قدرة الذي بدأهم وخلقهم من العدم، الذي إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3514\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة، كما هو المتبادر من حديث البراء المتقدم ذكره في سورة إبراهيم، وقد سُمِّي في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور، قاله قتادة وغير واحد وله أعوان، وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد حتى إذا بلغت الحلقوم وتناولها ملك الموت.\nقال مجاهد: حُويت له الأرض فجعلت مثل الطِّست يتناول منها متى يشاء (^٣)، ورواه زهير بن محمد، عن النبي ﷺ بنحوه مرسلًا، وقاله ابن عباس ﵄ (^٤).\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري، حدثنا عمرو بن شمر،\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) سنده صحيح.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"جويب له الأرض. . .\" لكنه مرسل.\n(^٤) رواية زهير بن محمد عزاها السيوطي إلى ابن أبي حاتم، ورواية ابن عباس عزاها السيوطي إلى الكلبي عن أبي صالح عنه وهو سند ضعيف جدًا.","vol":"6","page":140},{"text":"عن جعفر بن محمد قال: سمعت أبي يقول: نظر رسول الله ﷺ إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له النبي ﷺ: \"يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن\"، فقال ملك الموت: يا محمد طِب نفسًا وقِرّ عينًا، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما في الأرض بيت مدرّ ولا شعر في برّ ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات، حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها. قال جعفر: بلغني أنه إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة، فإذا حضرهم عند الموت فإن كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك ودفع عنه الشيطان، ولقَّنه الملك لا إله إلا الله محمد رسول الله في تلك الحال العظيمة (^١).\nوقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة قال: سمعت مجاهدًا يقول: ما على ظهر الأرض من بيت شعر أو مدر إلا وملك الموت يطوف به كل يوم مرتين (^٢).\nوقال كعب الأحبار: والله ما من بيت فيه أحد من أهل الدنيا إلا وملك الموت يقوم على بابه كل يوم سبع مرات ينظر هل فيه أحد أمر أن يتوفاه (^٣)، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم.\n\n<span id=\"aya-3515\"></span>﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾.\nيخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة وحالهم حين عاينوا البعث وقاموا بين يدي الله ﷿، حقيرين ذليلين ناكسي رؤوسهم؛ أي: من الحياء والخجل يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ أي: نحن الآن نسمع قولك ونطيع أمرك، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] وهكذا هؤلاء يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا﴾ أي: إلى دار الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي: قد أيقنا وتحققنا فيها أن وعدك حق ولقاءك حق، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى دار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارًا يكذبون بآيات الله ويخالفون رسله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ الآية [الأنعام: ٢٧]،\n\n<span id=\"aya-3516\"></span>وقال ههنا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]. ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من الصنفين فدارهم النار لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك.\n\n<span id=\"aya-3517\"></span>﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: يقال لأهل النار\n_________\n(^١) سنده ضعيف جدًا لأن عمرو بن شمر: متروك (ينظر: الإصابة ٢/ ٢٧٧) وفي متنه نكارة.\n(^٢) سنده مرسل.\n(^٣) سنده مرسل.","vol":"6","page":141},{"text":"على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم به واستبعادكم وقوعه وتناسيكم له إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: سنعاملكم معاملة الناسي، لأنه تعالى لا ينسى شيئًا ولا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة كما قال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بسبب كفركم وتكذيبكم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ [النبأ].\n\n<span id=\"aya-3518\"></span>﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ أي: إنما يصدق بها ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ أي: استمعوا لها وأطاعوها قولًا وفعلًا ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: عن أتباعهم والانقياد لها كما يفعله الجهلة من الكفرة الفجرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]\n\n<span id=\"aya-3519\"></span>ثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ يعني: بذلك قيام الليل وترك النوم والإضطجاع على الفرش الوطيئة.\nقال مجاهد والحسن في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ يعني: بذلك قيام الليل (^١).\nوعن أنس وعكرمة ومحمد بن المنكدر وأبي حازم وقتادة: هو الصلاة بين العشاءين (^٢).\nوعن أنس أيضًا: هو انتظار صلاة العتمة (^٣). ورواه ابن جرير بإسناد جيد.\nوقال الضحاك: هو صلاة العشاء في جماعة وصلاة الغداة في جماعة.\n﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: خوفًا من وبال عقابه وطمعًا في جزيل ثوابه ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فيجمعون بين فعل القربات اللازمة والمتعدية، ومقدم هؤلاء وسيدهم وفخرهم في الدنيا والآخرة رسول الله ﷺ، كما قال عبد الله بن رواحة ﵁.\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه أبو داود بسند صححه الألباني عن الحسن. (سنن أبي داود، الصلاة، باب وقت قيام النبي ﷺ من الليل ح ١٣٢١، وصحيح سنن أبي داود ح ١١٧٣).\n(^٢) قول أنس أخرجه الطبري بإسناد صحيح من طريق قتادة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بإسناد صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول ابن المنكدر وأبي حازم أخرجاهما محمد بن نصر في مختصر قيام الليل ص ٩ والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١٩.\n(^٣) أخرجه الطبري والترمذي كلاهما عن عبد الله بن أبي زياد عن عبد الله الأويسي عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد عن أنس وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. (السنن، التفسير، باب ومن سورة السجدة ح ٣١٩٦) وجود سنده الحافظ ابن كثير.","vol":"6","page":142},{"text":"وفينا رسولُ الله يتلو كتابه … إذا انشقَ معروفٌ من الصبحِ ساطعُ\n[أرانا الهدى بعد العَمَى، فقلوبُنا … به موقناتٌ أن ما قال واقع] (^١)\nيبيتُ يجافي جنبه عن فراشه … إذا استثقلت بالمشركين المضاجع\nوقال الإمام أحمد: حدثنا روح وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء بن السائب، عن مُرَّة الهمذاني، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"عجب ربنا من رجلين: رجل ثار من وطائه ولحافه من بين حيه وأهله إلى صلاته فيقول ربنا: أيا ملائكتي انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه من حيه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله تعالى فانهزموا، فعلم ما عليه من الفِرار وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، فيقول الله ﷿ للملائكة: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي ورهبة مما عندي حتى أهريق دمه\" (^٢). وهكذا رواه أبو داود في الجهاد عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به بنحوه (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير فقلت: يا نبي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: \"لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسَّره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل\"، ثم قرأ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، حتى بلغ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثم قال: \"ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ \" فقلت: بلى يا رسول الله فقال: \"رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله\"، ثم قال: \"ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ \" فقلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه ثم قال: \"كُفَّ عليك هذا\". فقلت: يا رسول الله: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال: \"ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم\" (^٤)، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم من طرق عن معمر به. وقال الترمذي: حسن صحيح (^٥).\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٦١ - ٦٢ ح ٣٩٤٩)، وحسن سنده محققوه، ونقلوا عن الدارقطني تصحيحه موقوفًا.\n(^٣) السنن، الجهاد، باب في الرجل الذي يشري نفسه (ح ٢٥٣٦) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٢١١).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٣٤٤ ح ٢٢٠١٦)، وصحح سنده محققوه بالمتابعات والشواهد.\n(^٥) سنن الترمذي، الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة (ح ٢٦١٦) وقال: حسن صحيح، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] (ح ١١٣٩٤)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب كف اللسان في الفتنة (ح ٣٩٧٣) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٢٠٩).","vol":"6","page":143},{"text":"ورواه ابن جرير من حديث شعبة، عن الحكم قال: سمعت عروة بن الزبير يحدث عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال له: \"ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام العبد في جوف الليل\"، وتلا هذه الآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾، ورواه أيضًا من حديث الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن الحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ، عن النبي ﷺ بنحوه. ومن حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، والحكم عن ميمون بن أبي [شبيب] (^١)، عن معاذ مرفوعًا بنحوه. ومن حديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن شهر، عن معاذ أيضًا، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ قال: \"قيام العبد من الليل\" (^٢).\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا فطر بن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت والحكم وحكيم بن جرير، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي ﷺ في غزوة تبوك فقال: \"إن شئت أنبأتك بأبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل\"، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ (^٣).\nثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الآية، فيقومون وهم قليل\" (^٤).\nوقال البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا الوليد بن العطاء بن الأغر، حدثنا عبد الحميد بن سليمان، حدثني مصعب، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال بلال: لما نزلت هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الآية، كُنَّا نجلس في المجلس وناس من أصحاب رسول الله ﷺ يصلّون بعد المغرب إلى العشاء، فنزلت هذه الآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ثم قال: لا نعلم روى أسلم، عن بلال سواه، وليس له طريق عن بلال غير هذه الطريق (^٥).\n\n<span id=\"aya-3520\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية؛ أي: فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، لما أخفوا\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: \"سبيب\".\n(^٢) أخرج هذه الروايات كلها الطبري بالأسانيد نفسها ويقوي بعضها بعضًا، ويشهد لها جميعًا الرواية الصحيحة السابقة.\n(^٣) أخرجه الحاكم من طريق حبيب بن أبي ثابت به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤١٢ - ٤١٣) ويشهد له ما سبق.\n(^٤) سنده ضعيف فيه سويد بن سعد وشهر وكلاهما فيهما مقال.\n(^٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٥٠) وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن سبيب (مجمع الزوائد ٧/ ٩٠).","vol":"6","page":144},{"text":"أعمالهم كذلك أخفى الله لهم من الثواب، جزاء وفاقًا، فإن الجزاء من جنس العمل.\nقال الحسن البصري: أخفى قوم عملهم، فأخفى الله لهم ما لم ترَ عين ولم يخطر على قلب بشر (^١). رواه ابن أبي حاتم.\nقال البخاري: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\"، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. قال: وحدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال الله مثله. قيل لسفيان: روايةً؟ قال: فأي شيء (^٢)؟ ورواه مسلم والترمذي من حديث سفيان بن عيينة به. وقال الترمذي: حسن صحيح (^٣).\nثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: \"يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ذخرًا من بله ما اطلعتم عليه\"، ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾. قال أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح: قرأ أبو هريرة: \"قُرَّات أعْيُنٍ\". انفرد به البخاري من هذا الوجه (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن رسول الله ﷺ: \"إن الله تعالى قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\" (^٥) أخرجاه في الصحيحين من رواية عبد الرزاق (^٦)، ورواه الترمذي في التفسير، وابن جرير من حديث عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ بمثله، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (^٧).\nوقال حماد بن سلمة، عن ثابت بن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال حماد: أحسبه عن النبي ﷺ قال: \"من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عين\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع وهو سفيان وفيه مقال، ورواية ابن أبي حاتم دائمًا فيها متابعة لسفيان لكن هذا الجزء والجزء الباقي من تفسير ابن أبي حاتم مفقود.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنديه ومتنيه (الصحيح، التفسير، سورة السجدة باب ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ح ٤٧٧٩).\n(^٣) صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها (ح ٢٨٢٤)، وسنن الترمذي التفسير، باب ومن سورة السجدة (ح ٣١٩٧).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (المصدر السابق ح ٤٧٨٠).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣١٣) وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه من طريق معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة، صحيح البخاري، التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] (ح ٧٤٩٨).\n(^٧) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الواقعة (ح ٣٢٩٢) وتفسير الطبري.","vol":"6","page":145},{"text":"رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر\". رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به (^١).\nوروى الإمام أحمد: حدثنا هارون، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر، أن أبا حازم حدثه قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي ﵁ يقول: شهدت مع رسول الله ﷺ مجلسًا وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: \"فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\"، ثم قرأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ (^٢). وأخرجه مسلم في صحيحه عن هارون بن معروف وهارون بن سعيد، كلاهما عن ابن وهب به (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا معلى بن أسد، حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ يروي عن ربه ﷿ قال: \"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\" (^٤). لم يخرجوه.\nوقال مسلم أيضًا في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر وغيره، حدثنا سفيان، حدثنا مطرف بن طريف وعبد الملك بن سعيد، سمعا الشعبي يخبر عن المغيرة بن شعبة قال: سمعته على المنبر يرفعه إلى النبي ﷺ قال: سأل موسى ﵇ ربه ﷿: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي ربِّ كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلك مَلكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربِّ، فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله، ومثله فقال في الخامسة، رضيت رضيت ربي، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت ربِّ، قال: ربِّ فأعلاهم منزلةٍ؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه من كتاب الله ﷿: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية (^٥)، ورواه الترمذي، عن ابن أبي عمر وقال: حسن صحيح. قال: ورواه بعضهم عن الشعبي، عن المغيرة ولم يرفعه، والمرفوع أصح (^٦).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن منير المدائني، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا زياد بن خيثمة، عن محمد بن جحادة، عن عامر بن عبد الواحد قال: بلغني أن الرجل من أهل الجنة يمكث في مكانه سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، فتقول: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب، فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد، فيمكث معها سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، فتقول له: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب، فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا التي قال الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الجنة، باب في دوام نعيم أهل الجنة (ح ٢٨٣٦).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٣٤) وسنده صحيح.\n(^٣) المصدر السابق (ح ٢٨٣٥).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق.\n(^٥) صحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (ح ١٨٩).\n(^٦) سنده مرسل، ومتنه فيه نكارة.","vol":"6","page":146},{"text":"وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: تدخل عليهم الملائكة في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم التحف من الله من جنات عدن ما ليس في جناتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ويخبرون أن الله عنهم راضٍ (^١).\nوروى ابن جرير: حدثنا سهل بن موسى الرازي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أبي اليمان الهوزني - أو غيره -، قال: الجنة مائة درجة، أولها درجة فضة، وأرضها فضة، ومساكنها فضة، وآنيتها فضة، وترابها المسك، والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك، والثالثة لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها اللؤلؤ، وآنيتها اللؤلؤ، وترابها المسك، وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (^٢)، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾.\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، عن الروح الأمين قال: \"يؤتى بحسنات العبد وسيئاته ينقص بعضها من بعض، فإن بقيت حسنة واحدة وسَّع الله له في الجنة\"، قال: فدخلت على يزداد فحدث بمثل هذا الحديث، قال: فقلت: فأين ذهبت الحسنة؟ قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ [الأحقاف]، قلت: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قال: العبد يعمل سرًا أسره إلى الله لم يعلم به الناس، فاسرَّ الله له يوم القيامة قُرَّة أعين (^٣).\n\n<span id=\"aya-3521\"></span>\n\n<span id=\"aya-3522\"></span>\n\n<span id=\"aya-3523\"></span>﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾.\nيخبر تعالى عن عدله وكرمه أنه لا يساوي في حكمه يوم القيامة من كان مؤمنًا بآياته متبعًا لرسله، بمن كان فاسقًا؛ أي: خارجًا عن طاعة ربه، مكذبًا لرسل الله إليه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ [الجاثية]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ\n_________\n(^١) سنده مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل وفيه تردد الراوي بقوله أو غيره.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه الغطريف هو أبو هارون بن عبيد الله اليماني (كذا في المستدرك ٤/ ٢٥٢)، أو العماني ذكره ابن أبي حاتم والبخاري وسكتا عنه. وأخرجه الحاكم من طريق مسدد عن المعتمر به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤/ ٢٥٢).","vol":"6","page":147},{"text":"الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر]، ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ أي: عند الله يوم القيامة.\nوقد ذكر عطاء بن يسار والسدي وغيرهما أنها نزلت في علي بن أبي طالب وعقبة بن أبي مُعيط (^١)، ولهذا فصل حكمهم فقال: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: صدقت قلوبهم بآيات الله وعملوا بمقتضاها وهي الصالحات ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ أي: التي فيها المساكن والدور والغرف العالية ﴿نُزُلًا﴾ أي: ضيافة وكرامة ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أي: خرجوا عن الطاعة فمأواهم النار، كلما أرادوا أن يخرجوا، منها أعيدوا فيها، كقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢].\nقال الفضيل بن عياض: \"والله إن الأيدي لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللَّهب ليرفعهم، والملائكة تقمعهم\" ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا.\n\n<span id=\"aya-3524\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ قال ابن عباس: يعني بالعذاب الأدنى: مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه (^٢). وروي مثله عن أُبي بن كعب وأبي العالية والحسن وإبراهيم النخعي والضحاك وعلقمة وعطية ومجاهد وقتادة وعبد الكريم الجزري وخصيف (^٣).\nوقال ابن عباس في رواية عنه: يعني به إقامة الحدود عليهم (^٤).\nوقال البراء بن عازب ومجاهد وأبو عبيدة: يعني به عذاب القبر (^٥).\nوقال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ\n_________\n(^١) قول عطاء بن يسار أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار، وسنده ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق، وقول السدي عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم والسدي فيه تشيع، وأخرجه الواحدي (أسباب النزول ص ٢٩١)، وابن عساكر (تاريخ دمشق ٦٣/ ٢٣٥ و١٧ ل ٨٧٦ صورة عن النسخة الظاهرية)، كلاهما من طريق عبيد الله بن موسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال الذهبي: إسناده قوي، لكن سياق الآية يدل على أنها في أهل النار. (سير أعلام النبلاء ٣/ ٤١٥) لكن فيه وعبيد الله بن موسى فيه تشيع.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٣) قول أُبي بن كعب أخرجه الطبري من عدة طرق عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، وقول أبي العالية أخرجه الطبري والبيهقي (شعب الإيمان رقم ٩٨٢٢)، كلاهما بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول الحسن وقتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن، وقول النخعي أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق منصور عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة، عن ابن عباس.\n(^٥) قول البراء لم أجده، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى عنه، وأبو يحيى هو القتات وهو لين الحديث (التقريب ص ٦٨٤)، وقول أبي عبيدة أخرجه هناد (الزهد رقم ٣٤٥).","vol":"6","page":148},{"text":"الْأَكْبَرِ﴾ قال: سنون أصابتهم (^١).\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني عبد الله بن عمر القواريري، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن عروة، عن الحسن العُرني، عن يحيى الجزار، عن ابن أبي ليلى، عن أُبي بن كعب في هذه الآية: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ قال: القمر والدخان قد مضيا والبطشة واللزام (^٢). ورواه مسلم من حديث شعبة به موقوفًا نحوه (^٣). وعند البخاري، عن ابن مسعود نحوه (^٤).\nوقال عبد الله بن مسعود أيضًا في رواية عنه: العذاب الأدنى ما أصابهم من القتل والسبي يوم بدر (^٥)، وكذا قال مالك، عن زيد بن أسلم (^٦).\nقال السدي وغيره: لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير، فأُصيبوا أو غرموا، ومنهم من جمع له الأمران.\n\n<span id=\"aya-3525\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ أي: لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها له ووضحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها كأنه لا يعرفها.\nقال قتادة: إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغترَّ أكبر الغرَّة، وأعوز أشد العوَز، وعظم من أعظم الذنوب، ولهذا قال تعالى متهددًا لمن فعل ذلك ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام.\nوروى ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا إسماعيل بن [عياش] (^٧)، حدثنا عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبادة بن نسي، عن جُنادة بن أبي أُمية، عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله يقول: ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من عقد لواء في غير حق، أو عقَّ والديه، أو مشى مع ظالم ينصره فقد أجرم، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (^٨). ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش به وهذا حديث غريب جدًا.\n\n<span id=\"aya-3526\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله موسى ﵇ أنه آتاه الكتاب، وهو التوراة، وقوله\n_________\n(^١) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، ح ١١٣٩٥) وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٢٨) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، صفات المنافقين، باب نزول أهل الجنة (ح ٢٧٩٩).\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، سورة الدخان (ح ٤٨٢٠).\n(^٥) أخرجه سفيان الثوري عن السدي عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤١٤).\n(^٦) سنده صحيح.\n(^٧) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: \"عباس\".\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عبد العزيز بن عبيد الله وهو الحمصي.","vol":"6","page":149},{"text":"تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ قال قتادة: يعني به ليلة الإسراء.\nثم روي عن أبي العالية الرياحي قال: حدثني ابن عم نبيكم؛ يعني ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أريت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلًا آدم طوالًا جعدًا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلًا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار والدجال\" في آيات أراهن الله إياه ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ أنه قد رأى موسى ولقي موسى ليلة أسري به (^١).\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن علي الحلواني، حدثنا روح بن عبادة. حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال: جُعل موسى هدى لبني إسرائيل (^٢).\nوفي قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ قال: من لقاء موسى ربه ﷿.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: الكتاب الذي آتيناه ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ كما قال تعالى في سورة الإسراء ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾.\n\n<span id=\"aya-3527\"></span>\n\n<span id=\"aya-3528\"></span>وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله، وترك زواجره، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ثم لما بدَّلوا وحرفوا وأوَّلوا، سلبوا ذلك المقام، وصارت قلوبهم قاسية يحرفون الكلِم عن مواضعه، فلا عملًا صالحًا ولا اعتقادًا صحيحًا، ولهذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾.\nقال قتادة وسفيان: لما صبروا عن الدنيا، وكذلك قال الحسن بن صالح، قال سفيان: هكذا كان هؤلاء، ولا ينبغي للرجل أن يكون إمامًا يقتدى به حتى يتحامى عن الدنيا.\nقال وكيع: قال سفيان: لا بدّ للدين من العلم، كما لا بدّ للجسد من الخبز.\nوقال ابن بنت الشافعي: قرأ أبي على عمِّي أو عمِّي على أبي: سئل سفيان عن قول علي ﵁: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ألم تسمع قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾، قال: لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤوساء.\nقال بعض العلماء: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ [وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ [الجاثية] كما قال هنا] (^٣): ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾ أي: من الاعتقادات والأعمال.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في بداية تفسير سورة الإسراء.\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ١٦٠ ح ١٢٧٥٨) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٩٠) ولكن في سنده شيخ الطبراني: محمد بن عثمان بن أبي شيبة كذبه الإمام أحمد وقال ابن خراش كان يضع الحديث.\n(ينظر لسان الميزان ٥/ ٢٨٠).\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"6","page":150},{"text":"<span id=\"aya-3529\"></span>﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾.\nيقول تعالى: أولم يهد لهؤلاء المكذبين بالرسل ما أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم إياهم فيما جاؤوهم به من قويم السبل، فلم يبق منهم باقية ولا عين ولا أثر؟ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] ولهذا قال: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: هؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين، فلا يرون منها أحدًا ممن كان يسكنها ويعمرها، ذهبوا منها ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢] كما قال: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] وقال: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج] ولهذا قال ههنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ أي: إن في ذهاب أولئك القوم ودمارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن بهم، لآيات وعبرًا ومواعظ ودلائل متناظرة.\n﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: أخبار من تقدم كيف كان أمرهم.\n\n<span id=\"aya-3530\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ يبين تعالى لطفه بخلقه وإحسانه إليهم في إرساله الماء إما من السماء أو من السيح، وهو ما تحمله الأنهار وينحدر من الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليه في أقواته، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ وهي التي لا نبات فيها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ [الكهف] أي: يبسًا لا تنبت شيئًا، وليس المراد من قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ أرض مصر فقط، بل هي بعض المقصود وإن مُثل بها كثير من المفسرين فليست هي المقصودة وحدها، ولكنها مرادة قطعًا من هذه الآية، فإنها في نفسها أرض رخوة غليظة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرًا لتهدمت أبنيتها، فيسوق الله تعالى إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة، وفيه طين أحمر، فيغشى أرض مصر وهي أرض سبخة مرملة محتاجة إلى ذلك الماء وذلك الطين أيضًا، لينبت الزرع فيه، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم، وطين جديد من غير أرضهم، فسبحان الحكيم الكريم المنان المحمود أبدًا.\nقال ابن لهيعة: عن قيس بن حجاج عمَّن حدثه قال: لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص، حين دخل بؤنة من أَشهُر العجم، فقالوا: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها. قال: وما ذاك؟ قالوا: إن كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا بؤنة (^١) والنيل لا يجري حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه\n_________\n(^١) أي: أقاموا شهرًا وهو ما يسمى بؤنة عند العجم كما تقدم في بداية الرواية.","vol":"6","page":151},{"text":"عمر: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل، فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها، فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجري، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل الله أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم (^١). رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتاب السُّنة له، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ كما قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس]، ولهذا قال ههنا: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾.\nوقال ابن أبي نجيح: عن رجل عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قال: هي التي لا تمطر إلا مطرًا لا يغني عنها شيئًا إلا ما يأتيها من السيول (^٢).\nوعن ابن عباس ومجاهد: هي أرض باليمن (^٣).\nوقال الحسن ﵀: هي قرى بين اليمن والشام (^٤).\nوقال عكرمة والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد: الأرض الجرز التي لا نبات فيها، وهي مغبرة (^٥).\nقلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ [يس].\n\n<span id=\"aya-3531\"></span>\n\n<span id=\"aya-3532\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن استعجال الكفار ووقوع بأس الله بهم، وحلول غضبه ونقمته عليهم، استبعادًا وتكذيبًا وعنادًا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ أي: متى تنصر علينا يا محمد؟ كما تزعم أن لك وقتًا علينا وينتقم لك منا، فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين\n_________\n(^١) سنده ضعيف لإبهام شيخ قيس بن حجاج.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري كلاهما من طريق ابن أبي نجيح به، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عباس ﵄.\n(^٣) أخرجه البُستي والطبري بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) قول الحسن عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) قول عكرمة والسدي عزاهما السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"المغْبَّرة\".","vol":"6","page":152},{"text":"ذليلين، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ أي: إذا حلَّ بكم بأس الله وسخطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الآية [غافر: ٨٣].\nومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتح مكة فقد أبعد النجعة، وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح قد قبل رسول الله ﷺ إسلام الطلقاء، وقد كانوا قريبًا من ألفين، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩)﴾، وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل كقوله: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ [الشعراء: ١١٨] الآية، وكقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ [سبأ]، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ [إبراهيم] وقال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] وقال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩].\n\n<span id=\"aya-3533\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾ أي: أعرض عن هؤلا المشركين، وبلّغ ما أنزل إليك من ربك، كقوله: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾ [الأنعام]، وانتظر فإن الله سينجز لك ما وعد وسينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أي: أنت منتظر وهم منتظرون ويتربصون بكم الدوائر ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ [الطور] وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم وعلى أداء رسالة الله في نصرتك وتأييدك، وسيجدون غبَّ ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك من وبيل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم.\nآخر تفسير سورة السجدة، ولله الحمد والمنة.","vol":"6","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-150>سُوْرَةُ الأَحْزَابِ</span>\n[وهي] (^١) مدنية\nقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زِرّ قال: قال لي أُبي بن كعب: كأين تقرأ سورة الأحزاب أو كأين تعدها؟ قال: قلت ثلاثًا وسبعين آية، فقال: قط لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالًا من الله، والله عليم حكيم (^٢)، ورواه النسائي من وجه آخر عن عاصم وهو ابن أبي النجود (^٣)، وهو [ابن] (^٤) بهدلة به، وهذا إسناد حسن، وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضًا، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3534\"></span>\n\n<span id=\"aya-3535\"></span>﷽\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾.\nهذا تنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى.\nوقد قال طَلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله مخافة عذاب الله.\nوقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أي: لا تسمع منهم ولا تستشرهم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: من قرآن وسُنَّة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي: فلا تخفى عليه خافية،\n\n<span id=\"aya-3536\"></span>وتوكل على الله؛ أي: في جميع أمورك وأحوالك ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: وكفى به وكيلًا لمن توكل عليه وأناب إِليه.\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائده بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٣٢)، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٥٩).\n(^٣) السنن الكبرى، الرجم، باب نسخ الجلد عن الثيب (ح ٧١٥٠).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"أبوه\".","vol":"6","page":154},{"text":"<span id=\"aya-3537\"></span>﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾.\nيقول تعالى موطئًا قبل المقصود المعنوي أمرًا معروفًا حسيًا، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنتِ عليَّ كظهر أُمي أُمًا له، كذلك لا يصير الدعيّ ولدًا للرجل إِذا تبناه فدعاه ابنًا له، فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ كقوله ﷿: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ هذا هو المقصود بالنفي، فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة ﵁ مولى النبي ﷺ (^١)، كان النبي ﷺ قد تبناه قبل النبوة، فكان يقال له: زيد بن محمد، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ كما قال تعالى في أثناء السورة ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب] وقال ههنا: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ يعني: تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنًا حقيقيًا، فإِنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون أبوان كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان.\n﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ قال سعيد بن جبير: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾ أي: العدل (^٢).\nوقال قتادة: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أي: الصراط المستقيم (^٣).\nوقد ذكر غير واحد أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش كان يقال له ذو القلبين، وأنه كان يزعم أن له قلبين كل منهما بعقل وافر، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردًّا عليه. هكذا روى العوفي، عن ابن عباس، وقاله مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة (^٤) واختاره ابن جرير (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن قابوس يعني: ابن أبي ظبيان، قال: إن أباه حدثه قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول الله ﷺ يومًا يصلي فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين: قلبًا معكم وقلبًا معهم، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (^٦). وهكذا\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في الروايات التالية.\n(^٢) معناه صحيح.\n(^٣) معناه صحيح.\n(^٤) قول العوفي عن ابن عباس أخرجه الطبري وسنده ضعيف ويتقوى بالمراسيل التالية: وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق خصيف عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٥) رجحه الطبري.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٣٣ ح ٢٤١٠)، وضعف سنده محققوه لضعف قابوس.","vol":"6","page":155},{"text":"رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن صاعد الحراني، وعن عبد بن حميد، عن أحمد بن يونس، كلاهما عن زهير وهو: ابن معاوية به. ثم قال: وهذا حديث حسن (^١)، وكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير به (^٢).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة ضرب له مثل: يقول ليس ابن رجل آخر ابنك (^٣)، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد أنها نزلت في زيد بن حارثة ﵁ (^٤)، وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير والله ﷾ أعلم.\n\n<span id=\"aya-3538\"></span>وقوله ﷿: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب وهم الأدعياء، فأمر ﵎ بردِّ نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط والبر.\nقال البخاري ﵀: حدثنا مُعلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة قال: حدثني سالم، عن عبد الله بن عمر قال: إن زيد بن حارثة ﵁ مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إِلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^٥). وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طرق، عن موسى بن عقبة به (^٦).\nوقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه في الخلوة بالمحارم وغير ذلك، ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة ﵄: يا رسول الله إِنا كنا ندعو سالمًا ابنًا، وإن الله قد أنزل ما أنزل، وإِنه كان يدخل علي وإني أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا، فقال ﷺ: \"أرضعيه تحرمي عليه\" الحديث (^٧).\nولهذا لما نسخ هذا الحكم أباح ﵎ زوجة الدعيّ، وتزوج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش مطلقة زيد بن حارثة ﵁، وقال ﷿: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقال ﵎ في آية التحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] احترازًا عن زوجة الدعيّ فإنه ليس من الصلب، فأما الابن من الرضاعة فمنزل منزلة ابن الصلب شرعًا بقوله ﷺ في الصحيحين: \"حرّموا من الرضاعة ما يحرم\n_________\n(^١) السنن، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (ح ٣١٩٩) وسنده كسابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه وأخرجه الحاكم من طريق زهير بن معاوية وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: قابوس ضعيف (المستدرك ٢/ ٤١٥)\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل التالية.\n(^٤) قول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة الأحزاب، باب ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] (ح ٢٧٨٢).\n(^٦) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضل زيد بن حارثة ﵁ (ح ٢٤٢٥)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (ح ٣٢٠٩)، والسنن، التفسير (ح ١١٣٩٧).\n(^٧) أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂ (الصحيح، الرضاع، باب رضاعة الكبير ح ١٤٥٣).","vol":"6","page":156},{"text":"من النسب\" (^١)، فأما دعوة الغير ابنًا على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهى عنه في هذه الآية بدليل ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي، من حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن [الحسن العُرني] (^٢)، عن ابن عباس ﵄ قال: قدّمنا على رسول الله ﷺ أُغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جُمَع (^٣)، فجعل يلطخ (^٤) أفخاذنا ويقول: \"أُبَيْنِيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس\" (^٥)، قال أبو عبيدة وغيره: أُبَيْنِيّ تصغير بَني وهذا ظاهر الدلالة، فإن هذا كان في حجة الوداع سنة عشر.\nوقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ في شأن زيد بن حارثة ﵁، وقد قتل في يوم مؤتة سنة ثمان، وأيضًا ففي صحيح مسلم من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن الجعد أبي عثمان البصري، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا بُنيَّ\" (^٦)، ورواه أبو داود والترمذي (^٧).\nوقوله ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ أمر تعالى بردِّ أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عرفوا، فإن لم يعرفوا آباءهم فهم إخوانهم في الدين ومواليهم؛ أي: عوضًا عما فاتهم من النسب، ولهذا قال رسول الله ﷺ يوم خرج من مكة عام عمرة القضاء وتبعتهم ابنة حمزة ﵂ تنادي: يا عمِّ يا عمِّ، فأخذها علي ﵁ وقال - لفاطمة ﵂: دونك ابنة عمك، فاحتملتها فاختصم فيها علي وزيد وجعفر ﵃ في أيُّهم يكفلها، فكلٌّ أدلى بحجة، فقال علي ﵁: أنا أحقُ بها وهي ابنة عمي: وقال زيد: ابنة أخي، وقال جعفر بن أبي طالب: ابنة عمي وخالتها تحتي؛ يعني: أسماء بنت عُميس، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: \"الخالة بمنزلة الأُم\"، وقال لعلي ﵁: \"أنت مني وأنا منك\". وقال لجعفر ﵁: \"أشبهت خَلْقي وخُلُقي\".\nوقال لزيد ﵁: \"أنت أخونا ومولانا\" (^٨)، ففي الحديث أحكام كثيرة من أحسنها أنه ﷺ حكم بالحق، وأرضى كلًّا من المتنازعين. وقال لزيد ﵁: \"أنت أخونا ومولانا\" كما قال تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂ بنحوه (صحيح البخاري، النكاح، باب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ح ٥٠٩٩)، وصحيح مسلم، الرضاع، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة (ح ١٤٤٤).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل صُحف إلى: \"الحسن العوفي\".\n(^٣) أي: مزدلفة.\n(^٤) أي: يضرب.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد، المسند (٣/ ٥٠٨ ح ٢٠٨٩)، وصححه محققوه بالشواهد، وأخرجه أبو داود (السنن، المناسك، باب التعجيل من جُمَع ح ١٩٤٠)، والنسائي (السنن، الحج، باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس ٥/ ٢٧٠)، وابن ماجه (السنن، الحج، باب من تقدم من جُمَع إلى منى ح ٣٠٢٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٤٥١).\n(^٦) صحيح مسلم، الآداب، باب جواز قوله لغير ابنه: يا بُنيَّ (ح ٢١٥١).\n(^٧) سنن أبي داود، الأدب، باب في الرجل يقول لابن غيره: يا بُنيّ (ح ٤٩٦٤)، وسنن الترمذي، الأدب، باب ما جاء في: يا بُنيَّ (ح ٢٨٣١).\n(^٨) أخرجه البخاري من حديث البراء ﵁ مطولًا (الصحيح، الصلح، باب كيف يُكتب \"هذا ما صالح فلان بن فلان. . .\" ح ٢٦٩٩).","vol":"6","page":157},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال أبو بَكرة ﵁: قال الله ﷿: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، فأنا ممن لا يعرف أبوه فأنا من إخوانكم في الدين، قال أبي: والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارًا لانتمى إليه (^١).\nوقد جاء في الحديث: \"من ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلمه كفر\" (^٢). وهذا تشديد وتهديد ووعيد أكيد في التبري من النسب المعلوم، ولهذا قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأ بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإِن الله تعالى قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، كما أرشد إليه في قوله ﵎ آمرًا عباده أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله ﷿: قد فعلت\" (^٣).\nوفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر\" (^٤).\nوفي حديث آخر: \"إن الله ﵎ رفع عن أُمتي الخطأ والنسيان وما يكرهون عليه\" (^٥).\nوقال ﵎ ههنا: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: وإنما الإثم على من تعمد الباطل، كما قال ﷿: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥]. وفي الحديث المتقدم: \" [ليس من رجل] (^٦) ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر\" (^٧). وفي القرآن المنسوخ: فإن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم (^٨).\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر ﵃ أنه قال: إن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، وأن رسول الله ﷺ قال: \"لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم ﵊ فإنما أنا عبد الله، فقولوا عبده ورسوله\" وربما قال معمر: \"كما أطرت النصارى ابن مريم\" (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث أبي ذرِّ ﵁ بنحوه (الصحيح، المناقب، باب رقم ٥ ح ٣٥٠٨).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٨٦.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنبياء آية ٧٩.\n(^٥) تقدم تخريجه في آخر تفسير سورة الأعراف آية ١٥٧.\n(^٦) كذا في صحيح البخاري كما في حديث أبي ذرٍّ ﵁، وفي النسخ الخطية بلفظ: \"من\".\n(^٧) تقدم تخريجه في الحديث السابق.\n(^٨) لم أجد تخريجه حتى في كتب الناسخ والمنسوخ.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤١٤ ح ٣٣١)، وصحح سنده محققوه.","vol":"6","page":158},{"text":"ورواه في الحديث الآخر: \"ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم\" (^١).\n\n<span id=\"aya-3539\"></span>﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾.\nقد علم الله تعالى شفقة رسوله على أمته ونصحة لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم كان مقدمًا على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء].\nوفي الصحيح: \"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين\" (^٢).\nوفي الصحيح أيضًا أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله، والله لأنتَ أحبُّ إِليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﷺ: \"لا يا عمر حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك\" فقال: يا رسول الله، والله لأنتَ أحبُّ إليَّ من كل شيء حتى من نفسي، فقال ﷺ: \"الآن يا عمر\" (^٣). ولهذا قال تعالى في هذه الآية ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.\nوقال البخاري عند هذه الآية الكريمة: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن فُليح، حدثنا أبي، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إِن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن ترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فأنا مولاه\" (^٤)، تفرد به البخاري ورواه أيضًا في الاستقراض (^٥)، وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن فُليح به مثله، ورواه أحمد من حديث أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ بنحوه (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ كان يقول: \"أنا أولى بكلِّ مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك دينًا فإليَّ، ومن ترك مالًا فهو لورثته\" (^٧) ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل به نحوه (^٨).\nوقال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في الحرمة والاحترام، والتوقير والإكرام والإعظام،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري ﵁، (الصحيح، الجنائز، باب التشديد في النياحة ح ٩٣٤).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ٢٤.\n(^٣) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب كيف كان يمين النبي ﷺ (ح ٦٦٣٢).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه، (صحيح البخاري، التفسير، سورة الأحزاب باب رقم (١) ح ٤٧٨١).\n(^٥) باب الصلاة على من ترك دينًا (ح ٢٣٩٩).\n(^٦) (المسند ٢/ ٣٥٦).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٢/ ٦٤ ح ١٤١٥٨)، وصحح سنده محققوه.\n(^٨) سنن أبي داود، البيوع والإجارات، باب في التشديد في الدّين (ح ٣٣٤٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٨٥٩).","vol":"6","page":159},{"text":"ولكن لا تجوز الخلوة بهن ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإِن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين كما هو منصوص الشافعي ﵁ في (المختصر)، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم، وهل يقال لمعاوية وأمثاله: خال المؤمنين؟ فيه قولان للعلماء ﵃، ونصَّ الشافعي ﵁ على أن يقال ذلك، وهل يقال لهن: أُمهات المؤمنين فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغليبًا؟ وفيه قولان: صحَّ عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا يقال ذلك، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي ﵁. وقد روي عن أُبي بن كعب وابن عباس ﵄ أنهما قرآ (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أُمهاتهم وهو أب لهم) (^١). وروي نحو هذا عن معاوية ومجاهد وعكرمة والحسن (^٢)، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي ﵁، حكاه البغوي وغيره، واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود ﵀: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا ابن المبارك، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أُعَلِّمُكُم، فإِذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه\". وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة (^٣). وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث ابن عجلان (^٤).\nوالوجه الثاني: أنه لا يقال ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم الله ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ أي: القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه للأخوة التي آخى بينهما رسول الله ﷺ (^٥)، وكذا قال سعيد بن جبير وغيره من السلف والخلف.\nوقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثًا عن الزبير بن العوام فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي من ساكني بغداد، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام ﵁ قال: أنزل الله ﷿ فينا خاصة معشر قريش والأنصار: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وذلك أنّا معشر قريش لما قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فواخيناهم وأورثناهم، فآخى أبو بكر ﵁ خارجةَ بن زيد، وآخى عمر ﵁ فلانًا،\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق طلحة عن عطاء عن أبي عباس ﵄، وصححه وتعقبه بقوله: بل طلحة ساقط. (المستدرك ٢/ ٤١٥).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع وهو سفيان وفيه مقال.\n(^٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ح ٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٦).\n(^٤) سنن النسائي، الطهارة، باب النهي عن الاستطابة بالروث ١/ ٣٨، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة (ح ٣١٣).\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٧٥.","vol":"6","page":160},{"text":"وآخى عثمان ﵁ رجلًا من بني زريق بن سعد الزرقي، ويقول بعض الناس غيره، قال الزبير ﵁: وواخيت أنا كعب بن مالك فجئته فابتعلته، فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، والله يا بني لو مات يومئذٍ عن الدنيا ما ورثه غيري حتى أنزل الله تعالى هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا (^١).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ أي: ذهب الميراث وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية.\nوقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ أي: هذا الحكم، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول الذي لا يُبدل ولا يُغيَّر، قاله مجاهد وغير واحد (^٢)، وإن كان تعالى قد شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي وقضائه القدري الشرعي.\n\n<span id=\"aya-3540\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾.\nيقول الله تعالى مخبرًا عن أولي العزم الخمسة وبقية الأنبياء أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين الله تعالى، وإبلاغ رسالته والتعاون والتناصر والاتفاق، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران]، فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم، وكذلك هذا، ونصَّ من بينهم على هؤلاء الخمسة وهم أولو العزم، وهو من باب عطف الخاص على العام، وقد صرح بذكرهم أيضًا في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، فذكر الطرفين، والوسط الفاتح، والخاتم، ومن بينهما على الترتيب، فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ فبدأ في هذه الآية بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه، ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله عليهم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية. قال النبي ﷺ: \"كنت أول النبيين في الخلق، وآخرهم في البعث [فبدأ بي] (^٣) قبلهم\" (^٤) سعيد بن بشير فيه ضعف، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة\n_________\n(^١) في سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد (تهذيب التهذيب ٦/ ١٧٢ - ١٧٣)، والراوي عنه من أهل بغداد كما صرح ابن أبي حاتم، وهذه من دقة فنه في النقد أن يذكر الراوي إنه من ساكني بغداد.\n(^٢) لم أجد من أخرجه عن مجاهد أو غيره.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير.","vol":"6","page":161},{"text":"مرسلًا وهو أشبه (^١)، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفًا: والله أعلم.\nوقال أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو أحمد، حدثنا حمزة الزيات، حدثنا عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: خيار ولد آدم خمسة: نوح وإِبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وخيرهم محمد ﷺ (^٢). موقوف وحمزة فيه ضعف.\nوقد قيل: إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذرِّ من صلب آدم ﵊، كما قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب قال: ورفع أباهم آدم، فنظر إِليهم يعني ذريته، وأن فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: ربِّ لو سويت بين عبادك، فقال: إِني أحببت أن أشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (^٣). وهذا قول مجاهد أيضًا (^٤).\nوقال ابن عباس: الميثاق الغليظ: العهد (^٥).\n\n<span id=\"aya-3541\"></span>وقوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ قال مجاهد: المبلغين المؤدين عن الرسل (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: من أممهم ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: موجعًا فنحن نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم، ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق الجلي الذي لا لبس فيه ولا شك ولا امتراء، وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين، فما جاءت به الرسل هو الحق، ومن خالفهم فهو على الضلال.\n\n<span id=\"aya-3542\"></span>\n\n<span id=\"aya-3543\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين في صرفه أعداءهم وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا، وذلك عام الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور.\nوقال موسى بن عقبة وغيره (^٧): كان في سنة أربع، وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفرًا من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلًا، وسنده صحيح إلى قتادة لكنه مرسل.\n(^٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٣٦٨)، وعلى الرغم مما قيل في حمزة، فإن معناه صحيح وله شواهد من القرآن والسنة، وقال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨/ ٢٥٨).\n(^٣) سنده جيد.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"في ظهر آدم\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويشهد له ما سبق.\n(^٦) أخرجه آدم والطبري كسابقه عن مجاهد.\n(^٧) ذكره في البداية والنهاية (٤/ ٩٣).","vol":"6","page":162},{"text":"أشراف يهود بني النضير الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله ﷺ من المدينة إلى خيبر، منهم سلام بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع، خرجوا إلى مكة فاجتمعوا بأشراف قريش وألبَّوهم على حرب النبي ﷺ، ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة، فأجابوهم إلى ذلك، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضًا، وخرجت قريش في أحابيشها ومن تابعها وقائدها أبو سفيان صخر بن حرب، وعلى غطفان عُيينة بن حصن بن بدر، والجميع قريب من عشرة آلاف، فلما سمع رسول الله ﷺ بمسيرهم، أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق، وذلك بإشارة سلمان الفارسي ﵁، فعمل المسلمون فيه واجتهدوا، ونقل معهم رسول الله ﷺ التراب وحفر، وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات. وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريبًا من أحد، ونزلت طائفة منهم أعالي أرض المدينة، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين وهم نحو ثلاثة آلاف، وقيل: سبعمائة، فأسندوا ظهورهم إلى سلع ووجوههم إلى نحو العدو، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الخيالة والرجال أن تصل إليهم، وجعل انساء والذراري في آطام (^١) المدينة، وكانت بنو قريظة وهم طائفة من اليهود لهم حصن شرقي المدينة، ولهم عهد من النبي ﷺ وذمة وهم قريب من ثمانمائة مقاتل، فذهب إليهم حُيي بن أخطب النضري، فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد ومالؤوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، فعظم الخطب واشتد الأمر وضاق الحال، كما قال الله ﵎: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب] ومكثوا محاصرين للنبي ﷺ وأصحابه قريبًا من شهر، إلا أنهم لا يصلون إليهم ولم يقع بينهم قتال، إلا أن عمرو بن عبد ودّ العامري وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية، ركب ومعه فوارس، فاقتحموا الخندق وخلصوا إلى ناحية المسلمين، فندب رسول الله ﷺ خيل المسلمين إليه، فيقال إنه لم يبرز أحد فأمر عليًا ﵁ فخرج إليه فتجاولا ساعة ثم قتله علي ﵁، فكان علامة النصر.\nثم أرسل الله ﷿ على الأحزاب ريحًا شديدة الهبوب قوية حتى لم يبق لهم خيمة ولا شيء، ولا توقد لهم نار ولا يقر لهم قرار، حتى ارتحلوا خائبين خاسرين، كما قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا﴾ (^٢).\nقال مجاهد: وهي الصبا (^٣)، ويؤيده الحديث الآخر: \"نُصرت بالصبا، وأُهلكت عاد بالدبور\" (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عكرمة قال: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول الله ﷺ، فقالت الشمال: إن الحرة لا\n_________\n(^١) الآطام جمع أُطُم: وهو البناء المرتفع.\n(^٢) هذه الغزوة وردت في صحيح البخاري في جملة من الأحاديث (كتاب المغازي، باب غزوة الخندق ح ٤٠٩٧ - ٤١٢٢)، وفي صحيح مسلم، الجهاد، باب غزوة الأحزاب (ح ١٧٨٨)، وسردها الحافظ ابن كثير مفصلة في البداية والنهاية (٤/ ٩٣ - ٩٩).\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه البخاري من طريق مجاهد عن ابن عباس مرفوعًا (الصحيح، الاستسقاء، باب قول النبي ﷺ: نُصرت بالصبا ح ١٠٣٥).","vol":"6","page":163},{"text":"تسري بالليل، قال: \"فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا (^١). ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن حفص بن غياث، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، فذكره.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أرسلني خالي عثمان بن مظعون ﵁ ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة، فقال: أئتنا بطعام ولحاف، قال: فاستأذنت رسول الله ﷺ فأذن لي وقال: \"من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا\"، قال: فذهبت والريح تسفي كل شيء، فجعلت لا ألقى أحدًا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي ﷺ قال: فما يلوي أحد منهم عنق، قال: وكان معي ترس لي، فكانت الريح تضربه علي، وكان فيه حديد، قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي فأبعدها إلى الأرض (^٢).\nوقوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ هم الملائكة زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إِلي، فيجتمعون إِليه، فيقول: النجاء، النجاء لما ألقى الله ﷿ في قلوبهم من الرعب.\nوقال محمد بن إِسحاق، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان ﵁: يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. قال: قال حذيفة ﵁: يا ابن أخي والله لو رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق، وصلى رسول الله ﷺ هويًا من الليل، ثم التفت فقال: \"من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ يشترط له النبي ﷺ أن يرجع أدخله الله الجنة\"، قال: فما قام رجل، ثم صلى رسول الله ﷺ هويًا من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله، فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله ﷺ هويًا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: \"من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع؟ يشترط له رسول الله ﷺ الرجعة، أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة\" فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله ﷺ، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال ﷺ: \"يا حذيفة اذهب فأدخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تحدثنّ شيئًا حتى تأتينا\".\nقال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله ﷿ تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قرارًا ولا نارًا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال يا معشر قريش، لينظر كل امرئ من جليسه، قال حذيفة ﵁: فاخذت بيد الرجل إلى جنبي فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"6","page":164},{"text":"عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله ﷺ إليَّ أن لا تحدث شيئًا حتى تأتيني لو شئت لقتلته بسهم.\nقال حذيفة ﵁: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل، فلما رآني أدخلني بين رجليه وطرح عليَّ طرف المرط، ثم ركع وسجد، وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا (^١) راجعين إلى بلادهم (^٢).\nوقد رواه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: كنا عند حذيفة بن اليمان ﵁ فقال له رجال: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت، فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر (^٣)، فقال رسول الله ﷺ: \"ألا رجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة\" فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية ثم الثالثة مثله، ثم قال ﷺ: \"يا حذيفة قم فأتنا بخبر من القوم\" فلم أجد بدًا إذ دعاني باسمي أن أقوم فقال: \"ائتني بخبر القوم ولا تَذْعَرهُم علي\" قال: فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يَصْلي ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله ﷺ: لا تذعرهم عليَّ، ولو رميته لأصبته، قال: فرجعت كأنما أمشي في حمام، فأتيت رسول الله ﷺ، ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت، فأخبرت رسول الله ﷺ وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى الصبح، فلما أصبحت قال رسول الله ﷺ: \"قم يا نومان\" (^٤) (^٥).\nورواه يونس بن بكير عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: إن رجلًا قال لحذيفة ﵁: نشكو إلى الله صحبتكم لرسول الله ﷺ، إنكم أدركتموه ولم ندركه، ورأيتموه ولم نره، فقال حذيفة ﵁: ونحن نشكو إلى الله إيمانكم به ولم تروه، والله لا تدري يا ابن أخي لو أدركته كيف كنت تكون، لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الخندق في ليلة باردة مطيرة، ثم ذكر نحو ما تقدم مطولًا (^٦). وروى بلال بن يحيى العبسي، عن حذيفة ﵁ نحو ذلك أيضًا (^٧)، وقد أخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل من حديث عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال: ذكر حذيفة ﵁ مشاهدهم في رسول الله ﷺ فقال جلساؤه: أما والله لو شاهدنا ذلك كنا فعلنا وفعلنا، فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك، لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودًا، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة لليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا قط أشد ظلمة ولا أشد ريحًا في أصوات ريحها أمثال الصواعق\n_________\n(^١) انشمروا: مطاوع شمره، والمراد أسرعوا.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وفيه عدم تصريح ابن إسحاق بالتحديث، وفيه أيضًا ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ويتقوى بالروايات التالية.\n(^٣) القُرُّ: البرد.\n(^٤) أي: كثير النوم.\n(^٥) صحيح مسلم، الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب (ح ١٧٨٨).\n(^٦) أخرجه البيهقي من طريق يونس بن بكير به (دلائل النبوة ٣/ ٤٥٤)، وسنده مرسل ويشهد له السابق واللاحق.\n(^٧) أخرجه البيهقي من طريق بلال به (دلائل النبوة ٣/ ٤٥٠)، وأخرجه الحاكم من طريق بلال العبسي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٣١).","vol":"6","page":165},{"text":"وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ ويقولون: إن بيوتنا عورة وما هي بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم فيتسللون، ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله رجلًا رجلًا، حتى أتى علي وما علي جُنَّة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، قال: فأتاني ﷺ وأنا جَاثٍ على ركبتي فقال: \"من هذا؟ \" فقلت: حذيفة. قال: \"حذيفة؟ \" فتقاصرت الأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم، فقمت فقال: \"إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم\" قال: وأنا من أشد الناس فزعًا وأشدهم قهرًا. قال: فخرجت فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته\" قال: فوالله ما خلق الله تعالى فزعًا ولا قرًّا في جوفي إلا خرج من جوفي، فما أجد فيه شيئًا، قال: فلما وليت، قال ﷺ: \"يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئًا حتى تأتني\"، قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، فإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته، ويقول: الرحيل الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهمًا من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله ﷺ: \"لا تحدثن فيهم شيئًا حتى تأتيني\"، قال: فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي، ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرًا، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفَرَسَتْهم (^١)، الريح تضربهم بها، ثم خرجت نحو النبي ﷺ فلما انتصفت في الطريق أو نحوًا من ذلك إذ أنا بنحو من عشرين فارسًا أو نحو ذلك معتمين، فقالوا: أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو مشتمل في شملته يصلي، فوالله ما عدا أن رجعت راجعني القُرُّ، وجعلت أقرقف فأومأ إلي رسول الله ﷺ بيده وهو يصلي، فدنوت منه فأسبل عليّ شملته، وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلَّى، فأخبرته خبر القوم، وأخبرته أني تركتهم يرتحلون، وأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ (^٢).\nوأخرج أبو داود في سننه منه، وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلّى، من حديث عكرمة بن عمار به.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي: الأحزاب ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ تقدم عن حذيفة ﵁ بنو قريظة ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ أي: شدة الخوف والفزع (^٣) ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ قال ابن جرير: ظنَّ بعض من كان مع رسول الله ﷺ أن الدائرة على المؤمنين، وأن الله سيفعل ذلك.\nوقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق، حتى قال معتِّب بن قُشير أخو بني عمرو بن\n_________\n(^١) فَرَسَتهمُ: فتكت بهم.\n(^٢) أخرجه البيهقي من طريق عكرمة بن عمار به (دلائل النبوة ٣/ ٤٥١) ويشهد له السابق واللاحق.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٤٥.","vol":"6","page":166},{"text":"عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط (^١).\nوقال الحسن في قوله ﷿: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمدًا ﷺ وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق، وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن [عاصم] (^٣) الأنصاري، حدثنا أبو عامر، (ح) وحدثنا أبي، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا الزبير يعني: ابن عبد الله مولى عثمان ﵁، عن [رُبيح] (^٤) بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد ﵁ قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال ﷺ: نعم، قولوا: \"اللَّهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا\" قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم بالريح (^٥). وكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي عامر العقدي (^٦).\n\n<span id=\"aya-3544\"></span>\n\n<span id=\"aya-3545\"></span>\n\n<span id=\"aya-3546\"></span>﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾.\nيقول الله تعالى مخبرًا عن ذلك الحال حين نزلت الأحزاب حول المدينة، والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالًا شديدًا، فحينئذٍ ظهر النفاق، وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾، أما المنافق فنجم (^٧) نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسيكة (^٨) لضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه لضعف إيمانه وشدة ما هو فيه من ضيق الحال.\nوقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يعني: المدينة. كما جاء في الصحيح: \"أُريت في المنام دار هجرتكم، أرض بين حرتين، فذهب وهلي أنها هجر فإذا هي يثرب\" وفي لفظ: المدينة (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن ابن إسحاق، وأخرجه ابن إسحاق مطولًا بأسانيد مرسلة يقوي بعضها بعضًا كما في تفسير الطبري والسيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عوف - وهو الأعرابي -، عن الحسن البصري.\n(^٣) كذا في (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"عصام\".\n(^٤) كذا في (حم) والمسند، وفي الأصل: \"ررح\" بدون نقط.\n(^٥) سنده ضعيف لأن رُبيح بن عبد الرحمن مقبول. (التقريب ص ٢٠٥).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد عن أبي عامر به (المسند ١٧/ ٢٧ ح ١٠٩٩٦) وضعف سنده محققوه للسبب السابق.\n(^٧) نجم الشيء: طلع وظهر. ونجم له رأي: بدا.\n(^٨) الحسيكة: الحقد والعداوة.\n(^٩) أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (صحيح البخاري، المناقب، علامات النبوة ح ٣٦٢٢، وصحيح مسلم، الرؤيا، باب رؤيا النبي ﷺ ح ٢٢٧٢).","vol":"6","page":167},{"text":"فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا صالح بن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى، إنما هي طابة هي طابة\" (^١) تفرد الإمام أحمد، وفي إسناده ضعف، والله أعلم. ويقال كان أصل تسميتها يثرب برجل نزلها من العماليق يقال له يثرب بن عبيل بن مهلاييل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، قاله السهيلي (^٢). قال: وروي عن بعضهم أنه قال: إن لها في التوراة أحد عشر اسمًا: المدينة وطابة وطيبة والمسكينة والجابرة والمحبة والمحبوبة والقاصمة والمجبورة والعذراء والمرحومة.\nوعن كعب الأحبار قال: إنا نجد في التوراة يقول الله تعالى للمدينة: يا طيبة ويا طابة ويا مسكينة [لا تُقلي الكنوز أرفع أحاجرك على أحاجر القرى] (^٣).\nوقوله: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: ههنا يعنون عند النبي ﷺ في مقام المرابطة ﴿فَاَرْجِعُوْا﴾ أي: إلى بيوتكم ومنازلكم ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ قال العوفي عن ابن عباس ﵄: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف عليها السراق (^٤)، وكذا قال غير واحد.\nوذكر ابن إسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي (^٥)، يعني اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة؛ أي: ليس دونها ما يحجبها من العدو، فهم يخشون عليها منهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ أي: ليست كما يزعمون ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ أي: هربًا من الزحف.\n\n<span id=\"aya-3547\"></span>﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾.\nيخبر تعالى عن هؤلاء الدين ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة وهي الدخول في الكفر لكفروا سريعًا، وهم لا يحافظون على الإيمان ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع، هكذا فسرها قتادة وعبد الرحمن بن زيد (^٦) وابن جرير، وهذا ذمٌّ لهم في غاية الذمّ.\n\n<span id=\"aya-3548\"></span>\n\n<span id=\"aya-3549\"></span>ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف أن لا يولوا الأدبار ولا يفرون من الزحف ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أي: وإن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد لا بدّ من ذلك، ثم أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم ولا يطول أعمارهم بل ربما كان ذلك سببًا في تعجيل أخذهم غرَّة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: بعد هربكم وفراركم ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧].\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٨٣ ح ١٨٥١٩)، وضعف سنده محققوه لضعف يزيد بن أبي زياد.\n(^٢) التحريف والإعلام ص ١٠٢.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٥) ذكره الطبري ابن هشام (السيرة النبوية ٢/ ٢٢٢).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.","vol":"6","page":168},{"text":"<span id=\"aya-3550\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يمنعكم ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجير ولا مغيث.\n\n<span id=\"aya-3551\"></span>﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾.\nيخبر تعالى عن إِحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب والقائلين لإخوانهم؛ أي: أصحابهم وعشرائهم وخلطائهم ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار، وهم مع ذلك ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أي: بخلاء بالمودة والشفقة عليكم.\n\n<span id=\"aya-3552\"></span>وقال السدي: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أي: في الغنائم (^١)، ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: من شدة خوفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا كان الأمن تكلموا كلامًا بليغًا فصيحًا عاليًا، وادَّعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك.\nوقال ابن عباس ﵄: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ أي: استقبلوكم.\nوقال قتادة: أما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأه مقاسمة: أعطونا أعطونا قد شهدنا معكم (^٢)، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق (^٣)، وهم مع ذلك أشحة على الخير؛ أي: ليس فيهم خير قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير، فهم كما قال في أمثالهم الشاعر:\nأفي السلم أعيارًا جَفاءً وغلظة … وفي الحرب أمثالَ النساء العوارِكِ (^٤)\nأي: في حال المسالمة كأنهم الحمر، والأعيار جمع عير وهو الحمار، وفي الحرب كأنهم النساء الحيّض، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: سهلًا هينًا عنده.\n\n<span id=\"aya-3553\"></span>﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)﴾.\nوهذا أيضًا من صفاتهم القبيحة في الجبن والخور والخوف ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ بل هم قريب منهم وإن لهم عودة إليهم ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ أي: ويودُّون إذا جاءت الأحزاب أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة، بل في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) البيت لهند بنت عتبة استشهد به ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٦٥٦).","vol":"6","page":169},{"text":"البادية يسألون عن أخباركم وما كان من أمركم مع عدوكم ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إلا قليلًا لكثرة جبنهم وذلتهم وضعف يقينهم.\n\n<span id=\"aya-3554\"></span>﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾.\nهذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر ﵎ الناس بالتأسي بالنبي ﷺ يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه ﷿، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، ولهذا قال تعالى للذين تقلقوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: هلَّا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله ﷺ، ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.\n\n<span id=\"aya-3555\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن عباده المؤمنين المصدقين بموعود الله لهم وجعله العاقبة حاصلة لهم في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، قال ابن عباس ﵄ وقتادة: يعنون قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ (^١) [البقرة] أي: هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم، كما قال جمهور الأئمة: إنه يزيد وينقص، وقد قررنا ذلك في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.\nومعنى قوله جلت عظمته: ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ أي: ذلك الحال والضيق والشدة ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ بالله ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ أي: انقيادًا لأوامره وطاعة لرسوله ﷺ.\n\n<span id=\"aya-3556\"></span>﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾.\nلما ذكر ﷿ عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه لا يولّون الأدبار، وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق: ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ويتقوى برواية قتادة التي أخرجها الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وأخرجها عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر، عن قتادة.","vol":"6","page":170},{"text":"نَحْبَهُ﴾ قال بعضهم: أجله (^١).\nوقال البخاري: عهده (^٢). وهو يرجع إلى الأول ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ أي: وما غيروا عهد الله ولا نقضوه ولا بدلوه. قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: لما نسخنا المصحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها: لم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﵁، الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (^٣) تفرد به البخاري دون مسلم، وأخرجه أحمد في مسنده والترمذي والنسائي في التفسير من سننهما من حديث الزهري به. وقال الترمذي: حسن صحيح (^٤).\nوقال البخاري أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبي، عن ثمامة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر ﵁ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ﴾ الآية (^٥)، انفرد به البخاري من هذا الوجه، ولكن له شواهد من طرق أخر.\nقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: قال أنس: عمِّي أنس بن النضر ﵁ سميت به لم يشهد مع رسول الله ﷺ يوم بدر فشق عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غُيّبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهدًا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرين الله ﷿ ما أصنع. قال فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أُحد فاستقبل سعد بن معاذ ﵁، فقال له أنس ﵁: يا أبا عمرو أين واهًا (^٦) لريح الجنة إني أجده دون أحد قال: فقاتلهم حتى قُتل ﵁، قال: فوجد في جسده بضع وثمانين بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته - عمتي الربيع ابنة النضر -: فما عرفت أخي إلا ببنانه، قال: فنزلت هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه، وفي أصحابه ﵃ (^٧). ورواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به. ورواه النسائي أيضًا وابن جرير من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁ به نحوه (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حميد، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن البصري (ينظر فتح الباري ٨/ ٥١٨).\n(^٢) ذكره البخاري من غير نسبته إلى أحد (الصحيح، التفسير سورة الأحزاب، باب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ. . .﴾ [الأحزاب: ٢٣]).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٧٨٤).\n(^٤) المسند ٥/ ١٨٨، وسنن الترمذي، التفسير، باب من سورة التوبة (ح ٣١٠٤)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٤٠١).\n(^٥) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ. . .﴾ [الأحزاب: ٢٣] (ح ٤٧٨٣).\n(^٦) كلمه حنان وتلهف.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٩٣) وسنده صحيح.\n(^٨) صحيح مسلم، الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد (ح ١٩٠٣) وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (ح ٣٢٠٠)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٤٠٤).","vol":"6","page":171},{"text":"أنس ﵁ قال: إن عمه يعني أنس بن النضر ﵁، غاب عن قتال بدر، قال: غُيّبت عن أول قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين، لئن الله أشهدني قتالًا للمشركين ليرين الله تعالى ما أصنع، قال: فلما كان يوم أُحد انكشف المسلمون، فقال: اللَّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني: أصحابه - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني: المشركين - ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ ﵁ دون أُحد، فقال: أنا معك. قال سعد ﵁: فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فلما قتل قال: فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم، وكانوا يقولون: فيه وفي أصحابه نزلت ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ (^١)، وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، والنسائي فيه أيضًا عن إسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن يزيد بن هارون به. وقال الترمذي: حسن (^٢). وقد رواه البخاري في المغازي عن حسان بن حسان، عن محمد بن طلحة، عن مصرف، عن حميد، عن أنس ﵁ به، ولم يذكر نزول الآية. ورواه ابن جرير من حديث المعتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس ﵁ به (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن الفضل العسقلاني، حدثنا سليمان بن أيوب بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة ﵁ قال: لما أن رجع رسول الله ﷺ من أُحد صعد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وعزى المسلمين بما أصابهم، وأخبرِهم بما لهم فيه من الأجر والذخر، ثم قرأ هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ الآية كلها، فقام إليه رجل من المسلمين فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ فأقبلت وعليَّ ثوبان أخضران حضرميان، فقال: \"أيها السائل: هذا منهم\" وكذا رواه ابن جرير من حديث سليمان بن أيوب الطلحي به. وأخرجه الترمذي في التفسير والمناقب أيضًا، وابن جرير من حديث يونس بن بكير، عن طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابني طلحة، عن أبيهما ﵁ به. وقال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس (^٤).\nوقال أيضًا: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عامر - يعني: العقدي -، حدثني إسحاق - يعني: ابن طلحة بن عبيد الله -، عن موسى بن طلحة قال: دخلت على معاوية ﵁، فلما خرجت دعاني فقال: ألا أضع عندك يا ابن أخي حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ؟ أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"طلحة ممن قضى نحبه\" (^٥).\nورواه ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة الطلحي، عن موسى بن طلحة قال: قام معاوية بن أبي سفيان ﵁ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"طلحة ممن قضى نحبه\" (^٦).\n_________\n(^١) سنده صحيح ويشهد له ما تقدم في الصحيحين.\n(^٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (ح ٣٢٠١)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٤٠٣).\n(^٣) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة أُحد (ح ٤٠٤٨).\n(^٤) أخرجه الطبري والترمذي بالسند المذكور (سنن الترمذي التفسير باب ومن سورة الأحزاب ح ٣٢٠٣) وقال الألباني حسن صحيح. (صحيح سنن الترمذي ح ٢٥٦٠).\n(^٥) أخرجه الترمذي من طريق إسحاق بن طلحة به. (المصدر السابق ح ٣٢٠٢) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٥٥٩).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الحميد الحماني فيه مقال لكنه توبع بما سبق فيتقوى إلى الحسن.","vol":"6","page":172},{"text":"ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: عهده ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، قال: يومًا فيه القتال فيصدق في اللقاء (^١).\nوقال الحسن: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: موته على الصدق والوفاء، ومنهم من ينتظر الموت على مثل ذلك، ومنهم من لم يبدل تبديلًا (^٢)، وكذا قال قتادة وابن زيد (^٣).\nوقال بعضهم، نحبه: نذره (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ أي: وما غيروا عهدهم وبدلوا الوفاء بالغدر، بل استمروا على ما عاهدوا عليه وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ [الأحزاب].\n\n<span id=\"aya-3557\"></span>وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر هذا بالفعل، مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم حتى يعملوا بما يعلمه منهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد]، فهذا علم بالشيء بعد كونه وإن كان العلم السابق حاصلًا به قبل وجوده، وكذا قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ أي: بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه وقيامهم به ومحافظتهم عليه، ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ وهم الناقضون لعهد الله المخالفون لأوامره فاستحقوا بذلك عقابه، وعذابه، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا إن شاء استمر بهم على ما فعلوا حتى يلقوه فيعذبهم عليه، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإيمان والعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان، ولما كانت رحمته ورأفته ﵎ بخلقه فهي الغالبة لغضبه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n\n<span id=\"aya-3558\"></span>﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية، ولولا أن الله جعل رسوله رحمة للعالمين، لكانت هذه الريح عليهم أشد من الريح العقيم التي أرسلها على عاد، ولكن قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] فسلَّط عليهم هواء فرق شملهم كما كان سبب اجتماعهم من الهوى، وهم أخلاط من قبائل شتى أحزاب وآراء، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعاتهم، وردهم خائبين خاسرين\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه أبو عبيدة (ينظر فتح الباري ٨/ ٥١٨).","vol":"6","page":173},{"text":"بغيظهم وحنقهم، ولم ينالوا خيرًا لا في الدنيا مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول ﷺ بالعداوة وهمهم بقتله واستئصال جيشه، ومن همّ بشيء وصدق همَّه بفعله، فهو في الحقيقة كفاعله.\nوقوله ﵎: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ أي: لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم، بل كفى الله وحده ونصر عبده وأعز جنده، ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول: \"لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده\"، أخرجاه من حديث أبي هريرة ﵁ (^١).\nوفي الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: \"اللَّهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللَّهم اهزمهم وزلزلهم\" (^٢).\nوفي قوله ﷿: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش، وهكذا وقع بعدها لم يغزهم المشركون بل غزاهم المسلمون في بلادهم.\nقال محمد بن إسحاق: لما انصرف أهل الخندق، قال رسول الله ﷺ فيما بلغنا: \"لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم\" فلم تغز قريش بعد ذلك، وكان رسول الله ﷺ هو يغزوهم بعد ذلك حتى فتح الله تعالى مكة (^٣)، وهذا الحديث الذي ذكره محمد بن إسحاق حديث صحيح، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني أبو إسحاق، قال: سمعت سليمان بن صُرَد ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: \"الآن نغزوهم ولا يغزوننا\" (^٤). وهكذا رواه البخاري في صحيحه من حديث الثوري، وإسرائيل، عن أبي إسحاق به، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ أي: بحوله وقوته ردَّهم خائبين لم ينالوا خيرًا، وأعزَّ الله الإسلام وأهله، وصدق وعده ونصر رسوله وعبده، فله الحمد والمنة (^٥).\n\n<span id=\"aya-3559\"></span>﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾.\nقد تقدم أن بني قريظة لما قدمت جنود الأحزاب ونزلوا على المدينة، نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد، وكان ذلك بسفارة حُييّ بن أخطب النضري لعنه الله، دخل\n_________\n(^١) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الخندق (ح ٤١١٣)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل (ح ٢٧٢٤).\n(^٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة (ح ٦٣٩٢)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب استحباب الدعاء والنصر عند لقاء العدو (ح ١٧٤١).\n(^٣) السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٢٠٦ والحديث منقطع ويشهد له ما يليه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٦٢)، وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الخندق (ح ٤١٠٩).","vol":"6","page":174},{"text":"حصنهم ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وقال له فيما قال: ويحكَ قد جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون ههنا حتى يستأصلون محمدًا وأصحابه، فقال له كعب: بل واللهِ أتيتني بذل الدهر، ويحكَ يا حيي إنك مشؤوم، فدعنا منكَ، فلم يزل يفتل في الذروة والغارب (^١) حتى أجابه، واشترط له حيي إن ذهب الأحزاب ولم يكن من أمرهم شيء أن يدخل معهم في الحصن، فيكون له أسوتهم، فلما نقضت قريظة، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ ساءه وشقَّ عليه وعلى المسلمين جدًا، فلما أيده الله تعالى ونصره وكبت الأعداء وردهم خائبين بأخسر صفقة، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة مؤيدًا منصورًا، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول الله ﷺ يغتسل من وعثاء (^٢) تلك المرابطة في بيت أُم سلمة ﵂، إذ تبدَّى له جبريل ﵊ معتجرًا (^٣) بعمامة من إستبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال ﷺ: \"نعم\" قال: لكن الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم، ثم قال: إن الله ﵎ يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة.\nوفي رواية فقال له: عذيرك (^٤) من مقاتل أوضعتم السلاح؟ قال: \"نعم\" قال: لكنا لم نضع أسلحتنا بعد انهض إلى هؤلاء، قال ﷺ: \"أين؟ \" قال: بني قريظة، فإن الله تعالى أمرني أن أزلزل عليهم، فنهض رسول الله ﷺ من فوره، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة، وكانت على أميال من المدينة، وذلك بعد صلاة الظهر، وقال ﷺ: \"لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة\" فسار الناس فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق وقالوا: لم يرد منا رسول الله ﷺ، إلا تعجيل المسير.\nوقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة، فلم يعنِّف واحدًا من الفريقين، وتبعهم رسول الله ﷺ، وقد استخلف على المدينة ابن أُم مكتوم ﵁، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب ﵁، ثم نازلهم رسول الله ﷺ وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما طال عليه الحال، نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس ﵁، لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك، كما فعل عبد الله بن أُبي ابن سلول في مواليه بني قينقاع، حين استطلقهم من رسول الله ﷺ، فظنَّ هؤلاء أن سعدًا سيفعل فيهم كما فعل ابن أُبي في أولئك، ولم يعلموا أن سعدًا ﵁ كان قد أصابه سهم في أكحله أيام الخندق، فكواه رسول الله ﷺ في أكحله (^٥) وأنزله في قبة المسجد ليعوده من قريب، وقال سعد ﵁ فيما دعا به: اللَّهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فأفجرها، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستجاب الله تعالى دعاءه، وقدر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم طلبًا من تلقاء أنفسهم فعند ذلك استدعاه رسول الله ﷺ من المدينة\n_________\n(^١) الذروة أعلى سنام البعير، والغارب مقدم السنام، وهذا مثل يضرب بحال من يريد إقناع غيره بأمر ويأبى عليه، ثم ينقاد له في نهاية الأمر، لأن الجمل النفور إذا أُريد تأنيسه فإن الرجل يمد يده عليه، ويمسح غاربه، ويُفتِّل وبره، حتى يستأنس، حتى يتمكن من وضع الزمام له.\n(^٢) الوعثاء: المشقة والتعب.\n(^٣) أي: قد لفَّ عمامته على رأسه.\n(^٤) أي: هات من يعذرك فيه.\n(^٥) أي: في وسط ذراعه.","vol":"6","page":175},{"text":"ليحكم فيهم، فلما أقبل وهو راكب على حمار قد وطئوا له عليه (^١)، جعل الأوس يلوذون به ويقولون: يا سعد إنهم مواليك فأحسن فيهم، ويرققونه عليهم ويعطفونه وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال ﵁: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنه غير مستبقهم، فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ: \"قوموا إلى سيدكم\" فقام إليه المسلمون، فأنزلوه إعظامًا وإكرامًا واحترامًا له في محل ولايته ليكون أنفذ لحكمه فيهم، فلما جلس قال له رسول الله ﷺ: \"إن هؤلاء - وأشار إليهم - قد نزلوا على حكمك، فاحكم فيهم بما شئت\" فقال ﵁: وحكمي نافذ عليهم؟ قال ﷺ: \"نعم\". قال: وعلى من في هذه الخيمة؟ قال: \"نعم\". قال: وعلى من ههنا وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله، وهو معرض بوجهه عن رسول الله ﷺ إجلالًا وإكرامًا وإعظامًا، فقال له رسول الله ﷺ: \"نعم\". فقال ﵁: إني أحكم أن تقتل مُقَاتلتهم وتُسبى ذريتهم وأموالهم، فقال له رسول الله ﷺ: \"لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبع أرقعة (^٢) \"، وفي رواية: \"لقد حكمت بحكم الملك\"، ثم أمر رسول الله ﷺ بالأخاديد فخُدت (^٣) في الأرض، وجيء بهم مكتفين، فضرب أعناقهم وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة، وسبى من لم ينبت منهم مع النساء وأموالهم (^٤).\nوهذا كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة الذي أفردناه موجزًا وبسيطًا، ولله الحمد والمنة.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله ﷺ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: بني قريظة من اليهود من بعض أسباط بني إسرائيل، كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديمًا طمعًا في اتباع النبي الأمي الذين يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] فعليهم لعنة الله.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: حصونهم، كذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة والسدي (^٥) وغيرهم من السلف، ومنه سمي صياصي البقر، وهي قرونها لأنها أعلى شيء فيها، ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ وهو الخوف، لأنهم كانوا مالؤوا المشركين على حرب النبي ﷺ، وليس من يعلم كمن لا يعلم، وأخافوا المسلمين وراموا قتالهم ليعِزُّوا في الدنيا، فانعكس عليهم الحال، وانقلبت إليهم القال، انشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون، فكما رامو العزَّ ذلوا، وأردوا استئصال المسلمين فاستئصلوا، وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ فالذين قتلوا هم المقاتلة، والأسرى هم الأصاغر والنساء.\n_________\n(^١) أي: وطئوا له بوسادة حتى لا يتأذى بالركوب.\n(^٢) أي: السماوات.\n(^٣) أي: حُفرت.\n(^٤) أخرجه ابن إسحاق بطوله (السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢١٥ - ٢٢٠)، وكثير من رواياته الموصولة في الموصولة صحيحة وبعضها في صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، وبعضها في كتاب الجهاد، باب إذا نزل العدو على حكم رجل (ح ٣٠٤٣) وسيأتي مطولًا في المسند كما في الرواية التالية.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه والطبري بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.","vol":"6","page":176},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم بن بشير، أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي قال: عُرضتُ على النبيِّ ﷺ يوم قريظة، فشكُّوا في، فأمر بي النبي ﷺ أن ينظروا هل أنبتُ بعد، فنظروني فلم يجدون أنبت، فخُلي عني وألحقني بالسبي (^١)، وكذا رواه أهل السنن كلهم من طرق، عن عبد الملك بن عمير به. وقال الترمذي: حسن صحيح (^٢)، ورواه النسائي أيضًا من حديث ابن جريج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عطية بنحوه (^٣).\n\n<span id=\"aya-3560\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ أي: جعلها لكم من قتلكم لهم ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ قيل: خيبر (^٤).\nوقيل: مكة (^٥)، رواه مالك، عن زيد بن أسلم (^٦).\nوقيل: فارس والروم (^٧).\nوقال ابن جرير: يجوز أن يكون الجميع مرادًا (^٨) ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص قال: أخبرتني عائشة ﵂ قالت: خرجت يوم الخندق أقفوا الناس فسمعت وئيد الأرض (^٩) ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ ﵁، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة (^١٠)، قالت: فجلست إلى الأرض، فمر سعد ﵁ وعليه درع من حديد قد خرجت منه أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد ﵁ من حديد قد خرجت منه أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد ﵁ من أعظم الناس وأطولهم، فمر وهو يرتجز ويقول:\nلبث قليلًا يشهدُ الهيجا جمل … ما أحسن الموتَ إذا حان الأجل\nقالت: فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيها عمر بن الخطاب ﵁ وفيهم رجل عليه تسبغة (^١١) له، تعني المغفر، فقال عمر ﵁: ما جاء بك؟ لعمري والله إنكِ لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز (^١٢)؟ قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت بي ساعتئذٍ، فدخلت فيها، فرفع الرجل التسبغة عن وجهه، فإذا هو طلحة بن عبيد الله ﵁، فقال: يا عمر ويحكَ إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢/ ١٦٣ ح ١٩٤٢١) وصحح سنده محققوه.\n(^٢) سنن أبي داود، الحدود، باب في الغلام يصيب الحد (ح ٤٤٠٤) وسنن الترمذي السير، باب في النزول على الحكم (ح ١٥٨٤)، وسنن النسائي، الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي ٦/ ١٥٥، وسنن ابن ماجه، الحدود، باب من لا يجب عليه الحد (ح ٢٥٤١) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٠٥٩).\n(^٣) السنن الكبرى، السير، باب حد الإدراك (ح ٨٦١٩).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد عن يزيد بن رومان، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٥) ذكره الطبري من غير سند، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٦) سنده صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.\n(^٨) ذكره الطبري بمعناه.\n(^٩) أي: صوت الوطء على الأرض.\n(^١٠) أي: الترس.\n(^١١) تسبغة: جاء في المعجم الوسيط (سبغ): تسبغة الخوزة: ما توصل به من حلق الدروع فتستر العنق.\n(^١٢) تحوز: قال ابن الأثير ٥/ ٤٥٩: هو من قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦] أي: منضمًا إليها.","vol":"6","page":177},{"text":"تعالى؟ قالت: ورمى سعدًا ﵁ رجل من قريش يقال له: ابن العرقة بسهم له، وقال له: خذها وأنا ابن العرقة (^١)، فأصاب أكحله (^٢) فقطعه، فدعا الله تعالى سعد ﵁ فقال: اللَّهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت: فرقأ كُلْمه (^٣) وبعث الله تعالى الريح على المشركين ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأمر بقبة من أدم (^٤) فضربت على سعد ﵁ في المسجد، قالت: فجاءه جبريل ﵇ وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أوقد وضعت السلاح؟ لا والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأمته (^٥)، وأذَّن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فمرَّ على بني غَنْم وهم جيران المسجد، فقال: \"من مرّ بكم؟ \" قالوا: مرّ بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي يشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵊، فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصارهم واشتد البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم إنه الذبح، قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ ﵁.\n[فقال رسول الله ﷺ: \"انزلوا على حكم سعد بن معاذ\" فنزلوا، وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ ﵁] (^٦)، فأتى به على حمار عليه إكاف من ليف (^٧) قد حمل عليه، وحفَّ به قومه فقالوا: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك، وأهل النكاية (^٨) ومن قد علمت، قالت: فلا يرجع إليهم شيئًا ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. قال: قال أبو سعيد فلما طلع، قال رسول الله ﷺ: \"قوموا إلى سيدكم فأنزلوه\" فقال عمر ﵁: سيدنا الله، قال: \"أنزلوه\" فأنزلوه، قال رسول الله ﷺ: \"احكم فيهم\" قال سعد ﵁: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال رسول الله ﷺ: \"لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله\" ثم دعا سعد ﵁، فقال: اللَّهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك قال: فانفجر كلمه (^٩) وكان قد برئ منه إلا مثل الخُرْص (^١٠)، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله، قالت عائشة ﵂: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄، قالت: فوالذي نفس محمد بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر ﵁ من بكاء عمر ﵁ وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] قال علقمة: فقلت أي أمه، فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه\n_________\n(^١) هو حيان بن العرفة (ينظر أسد الغابة ٢/ ٣٧٤) وقد صرح باسمه في رواية البخاري، الصحيح، المغازي باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب (ح ٤١٢٢).\n(^٢) أي: وسط ذراعه.\n(^٣) أي: جرحه.\n(^٤) أي: من جلد.\n(^٥) أي: الدرع والسلاح.\n(^٦) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٧) أي: بردعة من ليف.\n(^٨) أي: الأكثار فيهم من الجراح والقتل.\n(^٩) أي: جرحه.\n(^١٠) أي: بقعة صغيرة.","vol":"6","page":178},{"text":"لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته ﷺ (^١).\nوقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ نحوًا من هذا، ولكنه أخصر منه، وفيه دعا سعد ﵁ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3561\"></span>\n\n<span id=\"aya-3562\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.\nهذا أمر من الله ﵎ لرسوله ﷺ بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن ﵅ وأرضاهن الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة.\nقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه، قالت: فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: \"إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك\" وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: \"إن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ \" إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة (^٣)؟ وكذا رواه معلقًا عن الليث، حدثني يونس عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ فذكره، وزاد: قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت، وقد حكى البخاري أن معمرًا اضطرب فيه، فتارة رواه عن الزهري، عن أبي سلمة، وتارة رواه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: قالت عائشة ﵂: لما نزل الخيار قال لي رسول الله ﷺ: \"إني أريد أن أذكر لك أمرًا، فلا تقضي فيه شيئًا حتى تستأمري أبويك\" قالت: قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال فردَّه عليها، فقالت: وما هو يا رسول الله؟ قالت فقرأ ﷺ عليها ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخر الآية، قالت: فقلت: بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ففرح بذلك النبي ﷺ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه وطوله (المسند ٤٢/ ٢٥ - ٣٠ ح ٢٥٠٩٦) وقال محققوه: بعضه صحيح، وجزء منه حسن، وهذا إسناد فيه ضعف. اهـ. وقد سردوا شواهده.\n(^٢) صحيح البخاري، المغازي، باب فرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة (ح ٤١٢٢)، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب (ح ١٧٦٩).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا. . .﴾ [الأحزاب: ٢٨] ح ٤٧٨٥).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه المصدر السابق باب ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .﴾ [الأحزاب: ٢٩] (ح ٤٧٨٦).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه.","vol":"6","page":179},{"text":"وحدثنا ابن وكيع، حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت آية التخيير بدأ بي رسول الله ﷺ فقال: \"يا عائشة إني عارض عليك أمرًا فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك: أبي بكر وأُم رومان ﵄\" فقالت: يا رسول الله وما هو؟ قال ﷺ: \"قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ قالت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأُم رومان ﵄\". فضحك رسول الله ﷺ ثم استقرأ الحجر فقال: \"إن عائشة ﵂ قالت: كذا وكذا\" فقلن: ونحن نقول مثلما قالت عائشة ﵅ كلهنَّ (^١). رواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أُسامة، عن محمد بن عمرو به.\nقال ابن جرير: وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ لما نزل إلى نسائه أمر أن يخيرهن، فدخل عليّ فقال: \"سأذكر لك أمرًا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك\" فقلت: وما هو يا رسول الله؟ قال: \"إني أمرت أن أخيركن\" وتلا عليها آية التخيير إلى آخر الآيتين.\nقالت: فقلت: وما الذي تقول: لا تعجلي حتى تستشيري أباك؟ فإني أختار الله ورسوله. فسُر ﷺ بذلك، وعرض على نسائه فتتابعن كلهن، فاخترن الله ورسوله ﷺ (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن سنان البصري، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عقيل، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس ﵄ قال: قالت عائشة ﵂: أنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فقال ﷺ: \"إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك\" قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: \"إن الله ﵎ قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الآيتين، قالت عائشة ﵂: فقلت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإِني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه كلهن، فقلن ما قالت عائشة ﵅، وأخرجه البخاري ومسلم جميعًا عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ مثله (^٣) \".\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: خيرنا رسول الله ﷺ، فاخترناه، فلم يعدها علينا شيئًا (^٤). أخرجاه من حديث الأعمش (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن رسول الله ﷺ والناس ببابه جلوس،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٣) تقدم تخريجه في الصحيحين في الروايات الأُول في تفسير هذه الآية.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٥) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، الطلاق، باب من خير أزواجه (ح ٥٢٦٢)، وصحيح مسلم، الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية (ح ١٤٧٧).","vol":"6","page":180},{"text":"والنبي ﷺ جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر ﵁، فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر ﵄، فدخلا والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه، وهو ﷺ ساكت، فقال عمر ﵁: لأكلمنَّ النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر ﵁: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد - امرأة عمر - سألتني النفقة آنفًا فوجأت عنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: \"هنَّ حولي يسألنني النفقة\" فقام أبو بكر ﵁ إِلى عائشة ليضربها، وقام عمر ﵁ إلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده، فنهاهما رسول الله ﷺ، فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده، قال: وأنزل الله ﷿ الخيار، فبدأ بعائشة ﵂ فقال: \"إني أذكر لك أمرًا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك\" قالت: وما هو؟ قال: فتلا عليها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الآية، قالت عائشة ﵂: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله تعالى ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال ﷺ: \"إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها\" (^١) انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، فرواه هو والنسائي من حديث زكريا بن إسحاق المكي به (^٢).\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا [سُريج] (^٣) بن يونس، حدثنا علي بن هشام بن البريد، عن محمد بن عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن عثمان بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: إِن رسول الله ﷺ خير نساءه الدنيا والآخرة ولم يخيرهن الطلاق (^٤)، وهذا منقطع.\nوقد روي عن الحسن وقتادة وغيرهما نحو ذلك (^٥)، وهو خلاف الظاهر من الآية، فإنه قال: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي: أعطيكن حقوقكن وأطلق سراحكن.\nوقد اختلف العلماء في جواز تزوج غيره لهن لو طلقهن على قولين، أصحهما نعم لو وقع ليحصل المقصود من السراح، والله أعلم. قال عكرمة: وكان تحته يومئذٍ تسع نسوة: خمس من قريش: عائشة وحفصة وأُم حبيبة وسودة وأُم سلمة ﵅، وكانت تحته ﷺ صفية بنت حيي النضيرية وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، ﵅ وأرضاهن جميعًا (^٦).\n\n<span id=\"aya-3563\"></span>﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾.\nيقول الله تعالى واعظًا نساء النبي ﷺ اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخر، واستقر أمرهنَّ\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣٢٨) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية (ح ١٤٧٨)، والسنن الكبرى للنسائي، عشرة النساء، باب إذا لم يجد الرجل ما ينفق على امرأته هل يخير امرأته؟ (ح ٩٢٠٨).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) ومسند أحمد، وفي الأصل صُحف إلى: \"شريح\".\n(^٤) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد بسنده ومتنه في زوائده على المسند (٢/ ٢٨ ح ٥٨٨) وضعف سنده محققوه لضعف محمد بن عبيد الله بن علي بن أبي رافع.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه مرسل من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن.\n(^٦) أخرجه الطبري عن عكرمة معلقًا.","vol":"6","page":181},{"text":"تحت رسول الله ﷺ فناسب أن يخبرهنَّ بحكمهنَّ وتخصيصهنَّ دون سائر النساء بأن من يأت منهنَّ بفاحشة مبينة.\nقال ابن عباس ﵄: وهي النشوز وسوء الخلق (^١). وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وكقوله ﷿: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف]، ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر]، فلما كانت محلتهنَّ رفيعة ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهنَّ مغلظًا صيانة لجنابهنَّ وحجابهنَّ الرفيع، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾.\nقال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال: في الدنيا والآخرة (^٢).\nوعن ابن أبي نجيح مثله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: سهلًا هينًا.\n\n<span id=\"aya-3564\"></span>ثم ذكر عدله وفضله في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: يطيع الله ورسوله ويستجيب ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ أي: في الجنة فإنهنَّ في منازل رسول الله ﷺ في أعلى العليين، فوق منازل جميع الخلائق في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش.\n\n<span id=\"aya-3565\"></span>﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾.\nهذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي ﷺ ونساء الأمة تبع لهنَّ في ذلك، فقال تعالى مخاطبًا لنساء النبي ﷺ: بأنهن إذا اتقين الله ﷿ كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة، ثم قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ قال السدي وغيره: يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال، ولهذا قال تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: دغل ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.\nقال ابن زيد: قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير (^٣)، ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.\n\n<span id=\"aya-3566\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي: الزمن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه كما قال رسول الله ﷺ: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهن تفلات (^٤) \" (^٥) وفي رواية: \"وبيوتهن خير لهن\" (^٦).\n_________\n(^١) لم أجد من أخرجه.\n(^٢) سنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أي: تاركات للطيب.\n(^٥) أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ (السنن، الصلاة، باب في خروج النساء إلى المسجد ح ٥٦٥)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٥٢٩).\n(^٦) أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر ﵄. (المصدر السابق ح ٥٦٧)، وصححه الألباني (المصدر السابق ح ٥٣٠).","vol":"6","page":182},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا أبو رجاء الكلبي روح بن المسيب - ثقة -، حدثنا ثابت البناني، عن أنس ﵁ قال: جئن النساء إلى رسول الله فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ: \"من قعدت - أو كلمة نحوها - منكن في بيتها، فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى\" ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا روح بن المسيب، وهو رجل من أهل البصرة مشهور (^١).\nوقال البزار أيضًا: حدثنا محمد المثنى، حدثني عمرو بن عاصم، حدثنا همام، عن قتادة، عن مورّق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها\" رواه الترمذي، عن بندار، عن عمرو بن عاصم به نحوه (^٢). وروى البزار بإسناده المتقدم وأبو داود أيضًا، عن النبي ﷺ قال: \"صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها\" (^٣). وهذا إسناد جيد.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية (^٤).\nوقال قتادة: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ يقول: إذا خرجتنَّ من بيوتكنَّ وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج، فنهى الله تعالى عن ذلك (^٥).\nوقال مقاتل بن حيان: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ والتبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده، فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمَّت نساء المؤمنين في التبرج (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني ابن زهير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا داود بن أبي الفرات، حدثنا [علباء] (^٧) بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: تلا هذه الآية ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ قال: كانت فيما بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صِباحًا، وفي النساء\n_________\n(^١) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (المسند ح ٢٠٦١) وهو ضعيف من مناكير أبي رجاء الكلبي (ينظر لسان الميزان ٢/ ٤٦٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي من طريق عمرو بن عاصم به (السنن، الرضاع باب ١٨ ح ١١٧٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٩٣٦).\n(^٣) مسند البزار (ح ٢٠٦٠)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب التشديد في ذلك (ح ٥٦٩) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٥٣٢).\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد (ينظر فتح الباري ٨/ ٥٢٠) وسنده صحيح.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٧) كذا في ترجمته وتفسير الطبري، وفي النسخ الخطية صُحف إلى: \"علي\".","vol":"6","page":183},{"text":"دمامة. وكان نساء السهل صِباحًا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس لعنه الله أتى رجلًا من أهل السهل في صورة غلام، فآجر نفسه منه فكان يخدمه، فاتخذ إبليس شيئًا من مثل الذي يرمز فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدًا يجتمعون إليه في السنة، فيتبرج النساء للرجال، قال: ويتزين الرجال لهنَّ، وإن رجلًا من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصِباحتهنَّ، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن فنزلوا معهن، وظهرت الفاحشة فيهن، فهو قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، نهاهن أولًا عن الشر ثم أمرهن بالخير من إِقامة الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة وهي الإحسان إلى المخلوقين ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهذا من باب عطف العام على الخاص.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وهذا نصٌّ في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت ههنا، لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولًا واحدًا إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح.\nوروى ابن جرير، عن عكرمة أنه كان ينادى في السوق: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، نزلت في نساء النبي ﷺ خاصّة (^٢). وهكذا روى ابن أبي حاتم قال: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا زيد بن الحبّاب، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قال: نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة (^٣).\nوقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في شأن نساء النبي ﷺ (^٤)، فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففيه نظر، فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك:\nالحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان يمر بباب فاطمة ﵂ ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: \"الصلاة يا أهل البيت، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا\" (^٥) رواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن عفان به. وقال: حسن غريب (^٦).\nحديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، حدثنا يونس، عن أبي إسحاق، أخبرني أبو داود، عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقال الحافظ ابن حجر: وإسناده قوي (فتح الباري ٨/ ٥٢٠)، وأخرجه الحاكم من طريق موسى بن إسماعيل به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٤٨).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الأصبغ بن علقمة عن عكرمة، وهو مرسل ويتقوى بالرواية التالية.\n(^٣) سنده حسن.\n(^٤) سنده مرسل ويتقوى بسابقه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٥٩) وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.\n(^٦) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (ح ٣٢٠٦). وسنده كسابقه.","vol":"6","page":184},{"text":"رسول الله ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة ﵄ فقال: \"الصلاة الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا\" (^١). أبو داود الأعمى هو [نفيع] (^٢) بن الحارث: كذاب.\nحديث آخر: وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، حدثنا شداد [أبو] (^٣) عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع ﵁. وعنده قوم، فذكروا عليًا ﵁ فشتموه، فشتمه معهم، فلما قاموا قال لي: شتمت هذا الرجل؟ قلت: قد شتموه فشتمته معهم، ألا أخبركم بما رأيت من رسول الله ﷺ؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة ﵂ أسألها عن علي ﵁، فقالت: توجه إلى رسول الله ﷺ فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله ﷺ ومعه علي وحسن وحسين ﵃، آخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل فأدنى عليًا وفاطمة ﵄، وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنًا وحسينًا ﵄ كل واحد منهما على فخذه، ثم لفَّ عليهم ثوبه أو قال: كساءه، ثم تلا ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وقال: \"اللَّهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق\" (^٤).\nوقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن عبد الكريم بن أبي عمير، عن الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو الأوزاعي بسنده نحوه، زاد في آخره قال واثلة ﵁: فقلت: وأنا يا رسول الله صلى الله عليك من أهلك؟ قال ﷺ: \"وأنت من أهلي\" قال واثلة ﵁: وإنها من أرجى ما أرتجي (^٥).\nثم رواه أيضًا عن عبد الأعلى بن واصل عن الفضل بن دُكين، عن عبد السلام بن حرب، عن كلثوم المحاربي، عن شداد بن أبي عمار قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع ﵁، إذ ذكروا عليًا ﵁ فشتموه، فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموه إني عند رسول الله ﷺ إذ جاءه علي وفاطمة وحسن وحسين ﵃، فألقى ﷺ عليهم كساء له ثم قال لهم: \"اللَّهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا\" قلت: يا رسول الله وأنا؟ قال ﷺ: \"وأنتَ\" قال: فوالله إنها لأوثق عمل عندي (^٦).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، حدثني من سمع أُم سلمة ﵂ تذكر أن النبي ﷺ كان في بيتها، فأتته\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن أبا داود الأعمى: كذاب كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى \"يضع\".\n(^٣) كذا في (حم) والمسند، وفي الأصل صُحف إلى: \"ابن\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٧)، وأخرجه الحاكم من طريق الأوزاعي به بدون ذكر الشتم، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ١٤٧).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق الأوزاعي به دون ذكر الزيادة، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤١٦) وهذه الزيادة شاذة مخالفة لما صح عن أُم سلمة ﵂.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الطبراني من طريق الفضل بن دكين به (المعجم الكبير ٢٢/ ٦٥ ح ٢٦٦٩) قال الهيثمي: ورجال السياق رجال الصحيح غير كلثوم بن زياد وثقه ابن حبان وفيه ضعف (مجمع الزوائد ٩/ ١٦٨) ويشهد له ما تقدم في غير ذكر الشتم وفي غير ما ورد في آخره.","vol":"6","page":185},{"text":"فاطمة ﵂ ببرمة فيها خزيرة (^١)، فدخلت عليه بها فقال ﷺ لها: \"ادعي زوجك وابنيك\" قالت: فجاء علي وحسن وحسين ﵃، فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو على منامة (^٢) له، وكان تحته ﷺ كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلي، فأنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قالت ﵂: فأخذ ﷺ فضل الكساء فغطاهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثم قال: \"اللَّهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا\" قالت: فأدخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ فقال ﷺ: \"إنك إلى خير، إنك إلى خير\" (^٣). في إسناده من لم يسم وهو شيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات.\n(طريق أخرى): قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب بن المقداد، حدثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن أُم سلمة ﵂ قالت: جاءت فاطمة ﵂ إلى رسول الله ﷺ ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة، تحملها على طبق، فوضعتها بين يديه ﷺ فقال: \"أين ابن عمك وابناك؟ \" فقالت ﵂: في البيت، فقال ﷺ: \"ادعيهم\" فجاءت إلى علي ﵁ فقالت: أجب رسول الله ﷺ أنت وابناك، قالت أم سلمة ﵂: فلما رآهم مقبلين مد ﷺ يده إلى كساء كان على المنامة، فمده وبسطه وأجلسهم عليه ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رؤوسهم، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه فقال: \"اللَّهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا\" (^٤).\n(طريق أخرى): قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا علي بن أبي طالب ﵁ عند أُم سلمة ﵂ فقالت: في بيتي نزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قالت أُم سلمة: جاء رسول الله ﷺ إلى بيتي فقال: \"لا تأذني لأحد\" فجاءت فاطمة ﵂، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن ﵁، فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه، ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه عن جده ﷺ وأمه ﵂ ثم جاء علي ﵁، فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا فجلَّلهم رسول الله ﷺ بكساء كان عليه، ثم قال: \"هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا\" فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يا رسول الله وأنا؟ قالت: فوالله ما أنعم، وقال: \"إنك إلى خير\" (^٥).\n(طريق أخرى): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن أبي المُعذَّل، عن عطية الطفاوي، عن أبيه قال: إن أُم سلمة ﵂ حدثته قالت: بينما رسول الله ﷺ: في بيتي\n_________\n(^١) الخزيرة شبه الحساء باللحم والدقيق والسمن.\n(^٢) منامة: أي قطيفة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٩٢) وسنده ضعيف لجهالة الراوي عن أم سلمة ﵂، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف ويشهد لبعضه ما سبق.","vol":"6","page":186},{"text":"يومًا إذ قالت الخادم: إن فاطمة وعليًا ﵄ بالسُّدة، قالت: فقال لي رسول الله ﷺ: \"قومي فتنحي عن أهل بيتي\" قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبًا، فدخل علي وفاطمة ومعها الحسن والحسين ﵃، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما، واعتنق عليًا ﵁ بإحدى يديه، وفاطمة ﵂ باليد الأخرى، وقبل فاطمة وقبل عليًا: وأغدق عليهم خميصة سوداء، وقال: \"اللَّهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي\" قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله؟ فقال ﷺ: \"وأنتِ\" (^١) (^٢).\n(طريق أخرى): قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، عن أُم سلمة ﵂ قالت: إن هذه الآية نزلت في بيتي ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ فقال ﷺ: \"إنك إلى خير، أنت من أزواج النبي ﷺ\" قالت: وفي البيت رسول الله ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ (^٣).\n(طريق أخرى): رواها ابن جرير أيضًا، عن أبي كريب، عن وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أُم سلمة ﵂ (^٤).\n(طريق أخرى): قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا خالد بن مخلد، حدثني موسى بن يعقوب، حدثنا هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وهب بن زمعة قال: أخبرتني أُم سلمة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ جمع عليًا وفاطمة والحسن والحسين ﵃، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله ﷿ ثم قال: \"هؤلاء أهل بيتي\" قالت أُم سلمة ﵂: فقلت يا رسول الله أدخلني معهم، فقال ﷺ: \"أنتِ من أهلي\" (^٥).\n(طريق أخرى): رواها ابن جرير أيضًا عن أحمد بن محمد الطوسي، عن عبد الرحمن بن صالح، عن محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد المكي، عن عطاء، عن عمر بن أبي سلمة، عن أُمه ﵂ بنحو ذلك (^٦).\n(حديث آخر): قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع محمد بن بشير، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة ﵂: خرج النبي ﷺ ذات غداة وعليه مرطٌ مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن ﵁ فأدخله معه، ثم جاء الحسين فأدخله معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه ثم جاء علي ﵁ فأدخله معه، ثم قال ﷺ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (^٧). رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن\n_________\n(^١) هذه الرواية في الأصل تأخرت عن روايات الطبري.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ١٦١ - ١٦٢ ح ٢٦٥٤٠)، وضعف سنده محققوه. اهـ. ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه عطية وهو العوفي فيه مقال ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده، وفيه شهر بن حوشب فيه مقال ويتقوى بما سبق.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"6","page":187},{"text":"محمد بن بشير به (^١).\n(طريق أخرى): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا [سُريج] (^٢) بن يونس أبو الحارث، حدثنا محمد بن يزيد، عن العوام يعني: ابن حوشب ﵁، عن عمٍّ له قال: دخلت مع أبي على عائشة ﵂ فسألتها عن علي ﵁، فقالت ﵂: تسألني عن رجل من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه؟ لقد رأيت رسول الله ﷺ دعا عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا ﵃، فألقى عليهم ثوبًا فقال: \"اللَّهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا\" قالت: فدنوت منهم فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك؟ فقال ﷺ: \"تنحي فإنك على خير\" (^٣).\n(حديث آخر): قال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا بكر بن يحيى بن زبان العنزي (^٤)، حدثنا مِندل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"نزلت هذه الآية في خمسة: فيَّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ \" (^٥).\nقد تقدم أن فضيل بن مرزوق رواه عن عطية، عن أبي سعيد، عن أُم سلمة ﵂ كما تقدم، وروى ابن أبي حاتم من حديث هارون بن سعد العجلي، عن عطية، عن أبي سعيد ﵁ موقوفًا، والله ﷾ أعلم.\n(حديث آخر): قال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا بكير بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد ﵁ قال: قال سعد ﵁: قال رسول الله ﷺ حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليًا وابنيه وفاطمة ﵃، فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال: \"ربِّ هؤلاء أهلي وأهل بيتي\" (^٦).\n(حديث آخر): وقال مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب وشجاع بن مخلد، عن ابن عُليَّة، قال زهير: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثني أبو حيان، حدثني يزيد بن حبان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلمة إلى زيد بن أرقم ﵁، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا رأيت رسول الله ﷺ وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا. حَدِّثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تُكلِّفونيه، ثم قال: قام فينا رسول الله ﷺ يومًا خطيبًا بماء يدعى خُمًا، بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعظ وذكر ثم قال: \"أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله\n_________\n(^١) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بيت النبي ﷺ (ح ٢٤٢٤).\n(^٢) كذا في (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"شريح\".\n(^٣) يشهد له ما تقدم.\n(^٤) كذا في تفسير الطبري، وفي الأصل صحف إلى: العرحي، وفي (حم) صحف إلى: \"العوفي\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق وما سيأتي في رواية صحيح مسلم، إلا قوله: فيَّ، فإنها منكرة تخالف ما في الصحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه ولاحقه.","vol":"6","page":188},{"text":"تعالى، فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به\" فحثَّ على كتاب الله ﷿ ورغب فيه، ثم قال: \"وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي\" ثلاثًا، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس ﵃، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة بعده؟ قال: نعم (^١).\nثم رواه عن محمد بن بكار بن الريان، عن حسان بن إبراهيم، عن سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم ﵁، فذكر الحديث بنحو ما تقدم، وفيه فقلت له: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، وايم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده (^٢).\nهكذا وقع في هذه الرواية، والأولى أولى والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه، إنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله، وهذا الاحتمال أرجح جمعًا بينهما وبين الرواية التي قبلها، وجمعًا أيضًا بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت، فإن في بعض أسانيدها نظرًا، والله أعلم، ثم الذي لا شك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ أي: واعملن بما ينزل الله ﵎ على رسوله ﷺ في بيوتكن من الكتاب والسُّنَّة، قاله قتادة وغير (^٣) واحد، واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ أولاهنَّ بهذه النعمة، وأحظاهنَّ بهذه الغنيمة، وأخصهنَّ من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها، كما نصَّ على ذلك صلوات الله وسلامه عليه.\nقال بعض العلماء ﵀: لأنه لم يتزوج بكرًا سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه ﷺ و- ﵂، فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه المرتبة العليا، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته، فقرابته أحق بهذه التسمية، كما تقدم في الحديث: \"وأهل بيتي أحق\". وهذا ما يشبه ما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال: \"هو مسجدي هذا\" (^٤) فهذا من هذا القبيل، فإِن الآية إنما نزلت في مسجد قباء كما ورد في الأحاديث الأخر، ولكن إذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ أولى بتسميته بذلك، والله أعلم.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا أبو عوانة، عن حصين بن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁ ح ٢٤٠٨/ ٣٦).\n(^٢) المصدر السابق (ح ٢٤٠٨/ ٣٧).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ١٠٨.","vol":"6","page":189},{"text":"عبد الرحمن، عن أبي جميلة قال: إن الحسن بن علي ﵄ استخلف حين قتل علي ﵄، قال: فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجره، وزعم حصين أنه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد، وحسن ﵁ ساجد. قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه، فمرض منها أشهرًا ثم برأ، فقعد على المنبر فقال: يا أهل العراق اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قال: فما زال يقولها حتى ما بقي أحد في المسجد إلا وهو يحن بكاءً (^١).\nوقال السدي: عن أبي الديلم قال: قال علي بن الحسين ﵄ لرجل من الشام: أما قرأت في الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾؟ فقال: نعم، ولأنتم هم؟ قال: نعم.\n\n<span id=\"aya-3567\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أي: بلطفه بكن، بلغتن هذه المنزلة، وبخبرته بكن وأنكن أهل لذلك أعطاكن ذلك وخصكن بذلك (^٢).\nقال ابن جرير ﵀: واذكرن نعمة الله عليكن بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فاشكرن الله تعالى على ذلك واحمدنه (^٣).\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أي: ذا لطف بكن، إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آيات الله والحكمة، وهي السُّنَّة. خبيرًا بكن إذ اختاركن لرسوله، وقال قتادة: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ قال: يمتن عليهنَّ بذلك (^٤)، رواه ابن جرير.\nوقال عطية العوفي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ يعني: لطيفًا باستخراجها خبيرًا بموضعها، رواه ابن أبي حاتم (^٥)، ثم قال: وكذا روي عن الربيع بن أنس، عن قتادة.\n\n<span id=\"aya-3568\"></span>﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عثمان بن حكيم، حدثنا عبد الرحمن بن شيبة قال: سمعت أُم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ تقول: قلت للنبي ﷺ: ما لنا لا نُذكر في القرآن كما يُذكر الرجال؟ قال: فلم يَرُعُني منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر، وأنا أُسرِّح شعري، فلففت شعري ثم خرجت إلى حجرتي حجرة بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول عند المنبر: \"يا أيها الناس إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. . .﴾ \" إلى آخر الآية (^٦)، وهكذا رواه النسائي وابن جرير من حديث\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) سنده ضعيف لأن السدي فيه تشيع، وفيه نكارة في تخصيص لطف الله تعالى بآل البيت ﵃.\n(^٣) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ١٩٩ ح ٢٦٥٧٥) وصحح سنده محققوه.","vol":"6","page":190},{"text":"عبد الواحد بن زياد به مثله (^١).\n(طريق أخرى): عنها قال النسائي أيضًا: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا سويد، أخبرنا عبد الله بن شريك، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أُم سلمة ﵂، أنها قالت للنبي ﷺ: يا نبي الله ما لي أسمع الرجالُ يذكرون في القرآن والنساء لا يُذكرون؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٢). وقد رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن أبي معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه، عن أُم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله أَيُذكر الرجال ولا نُذكر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية (^٣).\n(طريق أخرى): قال سفيان الثوري: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أُم سلمة ﵂: يا رسول الله يُذكر الرجال ولا نُذكر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية (^٤).\n(حديث آخر): قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا سيار بن مظاهر العنزي، حدثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال النساء للنبي ﷺ: ما له يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات؟ فأنزل لله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية (^٥).\nوحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: دخل نساء على نساء النبي ﷺ فقلن: قد ذكركنَّ الله تعالى في القرآن ولم نذكر بشيء أما فينا ما يُذكر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية (^٦).\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وهو أخصُّ منه لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].\nوفي الصحيحين: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" (^٧) فيسلبه الإيمان ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين، فدلَّ على أنه أخصُ منه كما قررناه أولًا في شرح البخاري.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ القنوت هو الطاعة في سكون ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾ [الروم]، ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران]، ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فالإسلام بعده مرتبة يرتقي إليها وهو الإيمان، ثم القنوت ناشئ عنهما.\n_________\n(^١) السنن الكبرى (ح ١٤٠٥) وتفسير الطبري.\n(^٢) السنن الكبرى (ح ١٤٠٤) وسنده حسن ويشهد له سابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن ويشهد به ما سبق.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وفي سنده انقطاع لأن مجاهدًا لم يسمع من أُم سلمة، ويشهد له ما سبق. وأخرجه الحاكم من طريق الثوري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤١٦).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده قابوس فيه لين كما في التقريب، ويشهد له ما سبق.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده إلى قتادة صحيح لكنه مرسل ويتقوى بما سبق.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٩١.","vol":"6","page":191},{"text":"﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ هذا في الأقوال، فإن الصدق خصلة محمودة ولهذا كان بعض الصحابة ﵃ لم تجرب عليهم كذبة لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو علامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومن صدق نجا، [\"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار] (^١) ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا\" (^٢). والأحاديث فيه كثيرة جدًا.\n﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ هذه [سجية] (^٣) الأثبات، وهي الصبر على المصائب، والعلم بأن المقدر كائن لا محالة وتلقى ذلك بالصبر عند الصدمة الأولى؛ أي: أصعبه في أول وهلة، ثم ما بعده أسهل منه وهو صدق السجية وثباتها.\n﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ الخشوع: السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع، والحامل عليه الخوف من الله تعالى ومراقبته، كما في الحديث: \"أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" (^٤).\n﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ الصدقة هي الإحسان إلى الناس المحاويج الضعفاء الذين لا كسب لهم ولا كاسب يعطون من فضول الأموال طاعة لله وإحسانًا إلى خلقه.\nوقد ثبت في الصحيحين: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله - فذكر منهم - ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\" (^٥).\nوفي الحديث الآخر: \"والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار\" (^٦).\nوالأحاديث في الحثِّ عليها كثيرة جدًا له موضع بذاته.\n﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ وفي الحديث الذي رواه ابن ماجه: \"والصوم زكاة البدن\" (^٧) أي: يزكيه ويطهره وينقيه من الأخلاط الرديئة طبعًا وشرعًا، كما قال سعيد بن جبير: من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر دخل في قوله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ (^٨).\nولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة، كما قال رسول الله ﷺ: \"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء\" (^٩) ناسب أن يذكر بعده ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ أي: عن المحارم والمآثم إلا عن المباح كما قال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ١١٩.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: \"نتيجة\".\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية (١).\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٧١.\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (السنن، الزهد، باب الحسد ح ٤٢١٠)، وسنده ضعيف جدًا لأن فيه عيسى بن أبي عيسى متروك الحديث (التقريب ص ٤٤٠).\n(^٧) أخرجه ابن ماجه بسند ضعيف فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف كما في التقريب. (سنن ابن ماجه، الصيام، باب في الصوم زكاة الجسد ح ١٧٤٥).\n(^٨) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٩) تقدم تخريجه في تفسير سورة النور آية ٣٢.","vol":"6","page":192},{"text":"أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون].\nوقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا محمد بن جابر، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كُتبا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات\" (^١). وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الأعمش، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄، عن النبي ﷺ بمثله (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله أي العباد أفضل درجة عند الله تعالى يوم القيامة؟ قال ﷺ: \"الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات\" قال: قلت: يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله تعالى؟ قال: \"لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويتخضب دمًا، لكان الذاكرون الله تعالى أفضل منه\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة، فأتى على جُمدان (^٤) فقال: \"هذا جُمدان سيروا فقد سبق المُفَرِّدون\" قالوا: وما المُفَرِّدون؟ قال ﷺ: \"الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات\" ثم قال ﷺ: \"اللَّهم اغفر للمحلقين\" قالوا: والمقصرين؟ قال ﷺ: \"اللَّهم اغفر للمحلِّقين\" قالوا، والمقصرين؟ قال: \"والمقصرين\" (^٥). تفرد به من هذا الوجه ورواه مسلم دون آخره (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا [حُجين] (^٧) بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: إنه بلغني عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما عمل آدمي عملًا قط أنجى له من عذاب الله تعالى من ذكر الله ﷿\" وقال معاذ ﵁: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أخبركم بخير أعمالكم لكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم غدًا فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله، قال ﷺ: \"ذِكر الله ﷿\" (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه من طريق علي بن الأقمر به (السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن أيقظ أهله ح ١٣٣٥، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/ ٢٢٣).\n(^٢) سنن أبي داود، الصلاة، باب قيام الليل (ح ١٣٩٠)، والنسائي، قيام الليل، باب ثواب من استيقظ وأيقظ امرأته فصليا (ح ١٣١٠)، وسنن ابن ماجه كما في تخريج الرواية السابقة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٧٥) وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.\n(^٤) وهو جبل شمال مكة بمئة كيلًا على طريق المدينة.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥/ ١٩٢ ح ٩٣٣٢) قال محققوه: حديث صحيح، وهذا سند حسن في المتابعات.\n(^٦) صحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله تعالى (ح ٢٦٧٦).\n(^٧) كذا في (حم) والمسند، وفي الأصل صُحف إلى: \"حجير\".\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٢٩٦، ٢٩٧ ح ٢٢٠٧٩) قال المحققون: إسناده ضعيف =","vol":"6","page":193},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: إن رجلًا سأله فقال: أي المجاهدين أعظم أجرًا يا رسول الله؟ قال ﷺ: \"أكثرهم لله تعالى ذكرًا\" قال: فأي الصائمين أكثر أجرًا؟ قال ﷺ: \"أكثرهم لله ﷿ ذِكرًا\" ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة. كل ذلك يقول رسول الله: \"أكثرهم لله ذِكرًا\" فقال أبو بكر لعمر ﵄: ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله ﷺ: \"أجل\" (^١).\nوسنذكر إن شاء الله تعالى بقية الأحاديث الواردة في كثرة الذكر عند قوله تعالى في هذه السورة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب] الآية، إن شاء الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ خبر عن هؤلاء المذكورين كلهم؛ أي: أن الله تعالى قد أعدّ لهم؛ أي: هيأ لهم مغفرة منه لذنوبهم وأجرًا عظيمًا وهو الجنة.\n\n<span id=\"aya-3569\"></span>﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾.\nقال العوفي: عن ابن عباس ﵄ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية، وذلك أن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة ﵁، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية ﵂ فخطبها، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله ﷺ: \"بلى فانكحيه\" قالت: يا رسول الله أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ الآية، قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحًا؟ قال رسول الله ﷺ: \"نعم\" قالت: إِذًا لا أعصي رسول الله ﷺ قد أنكحته نفسي (^٢).\nوقال ابن لهيعة: عن ابن أبي عَمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة ﵁ فاستنكفت (^٣) منه وقالت: أنا خير منه حسبًا، وكانت امرأة فيها حدة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية كلَّها (^٤)، وهكذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان أنها نزلت في زينب بنت جحش ﵂ حين خطبها رسول الله ﷺ على مولاه زيد بن حارثة ﵁، فامتنعت ثم أجابت (^٥). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت في أُم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ وكانت أول من هاجر من النساء؛ يعني: بعد صلح الحديبية،\n_________\n= لانقطاعه، وقد صحَّ الشطر الثاني. اهـ. وله شواهد صحيحة في تفسير الآية ٤١ من هذه السورة المباركة.\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٣٨) وسنده ضعيف لضعف زبان والمقال في ابن لهيعة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بالشواهد والمراسيل التالية.\n(^٣) أي: امتنعت عن الزواج من زيد ﵁.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق محمد بن حمير عن ابن لهيعة به، وفي سنده ابن لهيعة ويتقوى بالمراسيل التالية.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح لكنه مرسل من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح لكنه مرسل عن معمر عنه، وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر.","vol":"6","page":194},{"text":"فوهبت نفسها للنبي ﷺ، فقال: قد قبلت فزوجها زيد بن حارثة ﵁ بعد فراقه زينب، فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله ﷺ فزوجنا عبده، قال: فنزل القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا. . .﴾ إلى آخر الآية، قال: وجاء أمر أجمع من هذا ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، قال: فذاك خاص وهذا جماع (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ثابت البناني، عن أنس ﵁، قال: خطب النبي ﷺ على جُليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتى أستأمر أمها، فقال النبي ﷺ: \"فنعم إذًا\" قال: فانطلق الرجل إلى امرأته فذكر ذلك لها، قالت: لاها الله (^٢) ذا ما وجد رسول الله ﷺ إلا جليبيبًا، وقد منعناها من فلان وفلان، قال: والجارية في سترها تسمع، قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر رسول الله ﷺ بذلك، فقالت الجارية: أتريدون أن تردُّوا على رسول الله ﷺ أمره؟! إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه، قال: فكأنها جلت عن أبويها، وقالا: صدقت فذهب أبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: إن كنت رضيته فقد رضيناه، قال ﷺ: \"فإني قد رضيته\" قال: فزوجها، ثم فزع أهل المدينة فركب جُليبيب، فوجدوه قد قتل وحوله ناس من المشركين قد قتلهم، قال أنس ﵁: فلقد رأيتها وإنها لمن أنفق (^٣) بيت بالمدينة (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد يعني: ابن سلمة، عن ثابت، عن كِنانة بن نعيم العدوي، عن أبي برزة الأسلمي قال: إن جُليبيبًا كان امرأ يدخل على النساء يمرُّ بهنَّ ويلاعبهنَّ، فقلت لامرأتي: لا يدخلنَّ اليوم عليكن جليبيبًا فإنه إن دخل عليكن لأفعلن ولأفعلن، قالت: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيم لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي ﷺ فيها حاجة أم لا، فقال النبي ﷺ لرجل من الأنصار: \"زوجني ابنتك\" قال: نعم وكرامة يا رسول الله ونعمة عين، فقال ﷺ: \"إني لست أريدها لنفسي\" قال: فلمن يا رسول الله؟ قال ﷺ: \"لجليبيب\" فقال: يا رسول الله أشاور أمها، فأتى أمها، فقال: رسول الله ﷺ يخطب ابنتك؟ فقالت: نعم ونعمة عين، فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه إنما يخطبها لجليبيب، فقالت: أجليبيب إنيه أجليبيب إنيه؟ (^٥) ألا لعمر الله لا نزوجه، فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله ﷺ فيخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، قالت: أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ ادفعوني إليه، فإنه لن يضيعني، فانطلق أبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: شأنك بها فزوجها جُليبيبًا، قال: فخرج رسول الله ﷺ في غزوة له، فلما أفاء الله عليه قال لأصحابه ﵃: \"هل تفقدون من أحد\"؟ قالوا: نفقد فلانًا ونفقد فلانًا، قال ﷺ: \"انظروا هل تفقدون من أحد\" قالوا: لا. قال ﷺ: \"لكنني أفقد جُليبيبًا\" قال ﷺ: \"فاطلبوه في القتلى\" فطلبوه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه معضل من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ومتنه مخالف لما ثبت من المراسيل التي يقوي بعضها بعضًا.\n(^٢) أي: قسمًا بالله، وحرف القسم محذوف.\n(^٣) أي: كثر خطابها وطلابها للزواج.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه. (المسند ١٩/ ٣٨٥ ح ١٢٣٩٣)، وصحح سنده محققوه. وقال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٩/ ٣٧١).\n(^٥) أي: قرة عين وسرور.","vol":"6","page":195},{"text":"قتلوه، فقالوا: يا رسول الله ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه، فأتاه رسول الله ﷺ فقام عليه فقال: \"قتل سبعة وقتلوه، هذا مني وأنا منه\" مرتين أو ثلاثًا، ثم وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه وحفر له ما له سرير إلا ساعد النبي ﷺ، ثم وضعه في قبره ولم يذكر أنه غسله ﵁، قال ثابت ﵁: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها. وحديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتًا: هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ؟ فقال: قال: \"اللَّهم صُبّ عليها الخير صبًا، ولا تجعل عيشها كدًّا\" وكذا كان، فما كان في الأنصار أيم أنفق منها (^١). هكذا أورده الإمام أحمد بطوله، وأخرج منه مسلم والنسائي في الفضائل قصة قتله (^٢).\nوذكر الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب أن الجارية لما قالت في خدرها: أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ نزلت هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^٣).\nوقال ابن جريج: [أخبرني عامر بن مصعب، عن طاوس قال: إنه سأل ابن عباس، عن ركعتين بعد العصر فنهاه، وقرأ ابن عباس ﵁ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾] (^٤) (^٥)، فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد هنا، ولا رأي ولا قول، كما قال ﵎: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء]، وفي الحديث: \"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به\" (^٦)، ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].\n\n<span id=\"aya-3570\"></span>﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن نبيه ﷺ أنه قال لمولاه زيد بن حارثة ﵁، وهو الذي أنعم الله عليه؛ أي: بالإسلام ومتابعة الرسول ﷺ ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أي: بالعتق من الرقِّ، وكان سيدًا كبير الشأن جليل القدر حبيبًا إلى النبي ﷺ يقال له الحبّ، ويقال لابنه أُسامة الحِبُّ بن الحِبِّ، قالت\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٢٤) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل جُليبيب ﵁ (ح ٢٤٧٢)، والسنن الكبرى للنسائي، فضائل الصحابة (ح ٨٢٤٦).\n(^٣) الاستيعاب ٤/ ٢٧٢.\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وغيره، وسنده ضعيف لجهالة عامر بن مصعب، قال الحافظ ابن حجر: شيخ لابن جريج لا يعرف. (التقريب ص ٢٨٨).\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ٢٤.","vol":"6","page":196},{"text":"عائشة ﵂: ما بعثه رسول الله ﷺ في سرية إلا أمّره عليهم، ولو عاش بعده لاستخلفه، رواه الإمام أحمد عن سعيد بن محمد الوراق ومحمد بن عبيد، عن وائل بن داود، عن عبد الله البهي عنها (^١).\nوقال البزار: حدثنا خالد بن يوسف، حدثنا أبو عوانة، ح، وحدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو داود حدثنا أبو عوانة، أخبرني عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، حدثني أُسامة بن زيد ﵄ قال: كنت في المسجد فأتاني العباس وعلي بن أبي طالب ﵄: فقالا: يا أُسامة استأذن لنا على رسول الله ﷺ قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقلت: علي والعباس يستأذنان، فقال ﷺ: \"أتدري ما حاجتهما؟ \" قلت: لا يا رسول الله، قال ﷺ: \"لكني أدري\" قال: فأذن لهما، قالا: يا رسول الله جئناك لتخبرنا أي أهلك أحب إليك؟ قال ﷺ: \"أحبُّ أهلي إليَّ فاطمة بنت محمد\" قالا: يا رسول الله ما نسألك عن فاطمة، قال ﷺ: \"فأُسامة بن زيد بن حارثة الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه\" (^٢).\nوكان رسول الله ﷺ قد زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية ﵂، وأُمها أُميمة بنت عبد المطلب، وأصدقها عشرة دنانير وستين درهمًا، وخمارًا وملحفة ودرعًا، وخمسين مُدًا من طعام وعشرة أمداد من تمر، قاله مقاتل بن حيان (^٣)، فمكثت عنده قريبًا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله ﷺ، فجعل رسول الله ﷺ يقول له: \"أمسك عليك زوجك واتق الله\" قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.\nذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ههنا آثارًا عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحًا لعدم صحتها فلا نوردها.\nوقد روى الإمام أحمد ههنا أيضًا حديثًا من رواية حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس ﵁ فيه غرابة تركنا سياقه أيضًا (^٤). وقد روى البخاري أيضًا بعضه مختصرًا فقال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا معلى بن منصور، عن حماد بن زيد، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة ﵄ (^٥).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم مرزوق، حدثنا ابن عيينة، عن علي بن زيد بن جُدعان قال: سألني علي بن الحسين ﵄ ما يقول الحسن في قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٤٣/ ٧٤ ح ٢٥٨٩٨)، قال المحققون: إسناده حسن إن صح سماع البهي.\n(^٢) أخرجه الترمذي والحاكم من طريق أبي عوانة وقال الترمذي: حسن صحيح (السنن، المناقب، باب مناقب أسامة بن زيد ﵁ ح ٣٨١٩)، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: عمر ضعيف (أي عمر بن أبي سلمة). (المستدرك ٢/ ٤١٧).\n(^٣) سنده معضل لأن مقاتل بن حيان تابع تابعي.\n(^٤) وهي رواية ضعيفة سندًا ومتنًا (ينظر المسند ١٩/ ٤٩٢ ح ١٢٥١١).\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة الأحزاب، باب ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ. . .﴾ [٣٧] ح ٤٧٨٧).","vol":"6","page":197},{"text":"نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فذكرت له، فقال: لا ولكن الله تعالى أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد ﵁ ليشكوها إليه قال: \"اتق الله وأمسك عليك زوجك\" فقال: قد أخبرتك أني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه (^١). وهكذا روي عن السدي أنه قال نحو ذلك (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثني خالد، عن داود، عن عامر، عن عائشة ﵂ أنها قالت: لو كتم محمد ﷺ شيئًا مما أوحي إليه من كتاب الله تعالى لكتم ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الوطر هو الحاجة والأرب؛ أي: لما فرغ منها وفارقها زوجناكها، وكان الذي ولي تزويجها منه هو الله ﷿ بمعنى أنه أوحى إليه أنه يدخل عليها بلا ولي ولا عقد ولا مهر ولا شهود من البشر (^٣).\nقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم؛ يعني: ابن القاسم، أخبرنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب ﵂ قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: \"اذهب فاذكرها علي\" فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها وأقول إن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي ﷿، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إِذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله ﷺ وأطعمنا عليها الخبز واللّحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته، فجعل ﷺ يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أُخبِرَ، فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب ووُعِظَ القوم بما وعظوا به ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآية كلها (^٤)، ورواه مسلم والنسائي من طرق عن سليمان بن المغيرة به (^٥).\nوقد روى البخاري ﵀ عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن زينب بنت جحش ﵂ عنها كانت تفخر على أزواج النبي فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات (^٦)،\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان، والقول بأن النبي ﷺ أخفى أنها ستصير زوجته وهذا الذي رجحه الحافظ ابن حجر ونقل عن الترمذي الحكيم تحسينه وقوله: إنها من جواهر العلم المكنون (فتح الباري ٨/ ٥٢٤).\n(^٢) ذكره الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٥٢٤).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لعدم سماع الشعبي من عائشة ﵂.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٩٥) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح مسلم، النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ﵂ ونزول الحجاب (ح ١٤٢٨).\n(^٦) أخرجه البخاري بنحوه (الصحيح، التوحيد، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ. . .﴾ [هود: ٧] ح ٧٤٢١).","vol":"6","page":198},{"text":"وقد قدمنا في سورة النور عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة ﵄، فقالت زينب ﵂: أنا الذي نزل تزويجي من السماء، وقالت عائشة ﵂: أنا التي نزل عذري من السماء، فاعترفت لها زينب ﵂ (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي قال: كانت زينب ﵂ تقول للنبي ﷺ إني لأدلي عليك بثلاث، وما من نسائك امرأة تدلي بهن: إن جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله ﷿ من السماء، وإن السفير جبريل ﵊ (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ أي: إنما أبحنا لك تزويجها، وفعلنا ذلك لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسول الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنَّى زيد بن حارثة ﵁، فكان يقول له زيد بن محمد، فلما قطع الله تعالى هذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤، ٥] ثم زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش ﵂، لما طلَّقها زيد بن حارثة ﵁، ولهذا قال تعالى في آية التحريم ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ليحترز من الابن الدعيّ، فإن ذلك كان كثيرًا فيهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحتمه وهو كائن لا محالة، كانت زينب ﵂ في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ.\n\n<span id=\"aya-3571\"></span>﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾.\nيقول تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أي: فيما أحلَّ له وأمره به من تزويج زينب ﵂ التي طلقها دعيه زيد بن حارثة ﵁.\nوقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا ردٌّ على من توهم من المنافقين نقصًا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيه الذي كان قد تبناه.\n﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أي: وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\n\n<span id=\"aya-3572\"></span>﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾.\nيمدح ﵎ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ أي: إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾\n_________\n(^١) تقدم في تفسير سورة النور آية ١١.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال الشعبي.","vol":"6","page":199},{"text":"أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا، وسيد الناس في هذا المقام بل وفي كل مقام محمد رسول الله ﷺ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله تعالى كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي قبله إنما يبعث إلى قومه خاصة، وأما هو ﷺ فإنه بعث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه ﵃، بلّغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحضره وسفره، وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلَفهم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، أخبرنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يحقرنَّ أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقوله، فيقول الله ما يمنعك أن تقول فيه؟ فيقول ربِّ خشيت الناس، فيقول: فأنا أحق أن يخشى\" (^١). ورواه أيضًا عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن زبيد، عن عمرو بن مرة. ورواه ابن ماجه، عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش به (^٢).\n\n<span id=\"aya-3573\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ نهى أن يقال بعد هذا زيد بن محمد؛ أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه ﷺ لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم فإنه ﷺ ولد له القاسم والطيب والطاهر من خديجة ﵂ فماتوا صغارًا وولد له ﷺ إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضًا رضيعًا، وكان له ﷺ من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ﵃ أجمعين، فمات في حياته ﷺ ثلاث، وتأخرت فاطمة ﵂ حتى أُصيبت به ﷺ، ثم ماتت بعده لستة أشهر.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ كقوله ﷿: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فهذه الآية نصٌّ في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخصُّ من مقام النبوة، فإِن كل رسول نبي ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة ﵃.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أُبي بن كعب، عن أبيه ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارًا فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ٣٥٧ ح ١١٢٥٥) وضعف سنده محققوه لأن أبا البختري لم يسمع من أبي سعيد ﵁.\n(^٢) المسند ٣/ ٧٣، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ح ٤٠٠٨)، وسنده ضعيف للعلة السابقة. في الرواية السابقة.","vol":"6","page":200},{"text":"ويعجبون منه، ويقولون: لو تمَّ موضع هذه اللَّبنة، فأنا في النبيّين موضع تلك اللَّبنة\" (^١). ورواه الترمذي، عن بندار، عن أبي عامر العقدي به، وقال حسن صحيح (^٢).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا المختار بن فُلفُل، حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعد ولا نبي\" قال: فشقَّ ذلك على الناس، فقال: \"ولكن المبشرات\" قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: \"رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة\" (^٣). وهكذا رواه الترمذي، عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن عفان بن مسلم به، وقال: صحيح غريب من حديث المختار بن فلفل (^٤).\nحديث آخر: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سليم بن حيان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللَّبنة، فأنا موضع اللَّبنة ختم بي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام\" (^٥). ورواه البخاري ومسلم والترمذي من طرق عن سليم بن حيان به، وقال الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه (^٦).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى دارًا فأتمَّها إلا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللَّبنة\" (^٧). انفرد به مسلم من رواية الأعمش به (^٨).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عثمان بن عبيد الراسبي قال: سمعت أبا الطفيل ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا نبوة بعدي إلا المبشرات\" قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: \"الرؤيا الحسنة\" - أو قال: - \"الرؤيا الصالحة\" (^٩).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ١٦٨ ح ٢١٢٤٣) وحسّن سنده محققوه وصححوه لغيره بالشواهد، وانظر مزيدًا من التصحيح في الرواية التالية.\n(^٢) سنن الترمذي، المناقب، باب فضل النبي ﷺ (ح ٣٦١٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٨٥٨).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١/ ٣٢٦ ح ١٣٨٢٤) وصحح سنده محققوه.\n(^٤) سنن الترمذي، الرؤيا، باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات (ح ٣٢٧٢).\n(^٥) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند رقم ١٧٨٥)، وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، المناقب، باب خاتم النبيّين ﷺ (ح ٣٥٣٤)، وصحيح مسلم، الفضائل باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين (ح ٢٢٨٧).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٩) وسنده صحيح.\n(^٨) صحيح مسلم، الفضائل، الباب السابق بعد حديث ٢٢٨٦/ ٢٢.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/ ٢١٣ ح ٢٣٧٩٥) وصحح سنده محققوه.","vol":"6","page":201},{"text":"ابتنى بيوتًا فأكملها وأحسنها وأجملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان ويقولون: ألا وضعت ههنا لبنة فيتم بنيانك\"، قال رسول الله ﷺ: \"فكنت أنا اللبنة\" (^١)، أخرجاه من حديث عبد الرزاق (^٢).\nحديث آخر: عن أبي هريرة ﵁ أيضًا قال الإمام مسلم: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"فُضلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا طهورًا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون\" (^٣). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث إسماعيل بن جعفر، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٤).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارًا فأتمها إلا موضع لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة\". ورواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب كلاهما عن أبي معاوية به (^٥).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، حدثنا سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ: \"إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته\" (^٦).\nحديث آخر: قال الزهري: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي\" أخرجاه في الصحيحين (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا كالمودِّع فقال: \"أنا محمد النبي الأمي - ثلاثًا - ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي، وعُوفِيتُ وعُوفِيَّتْ أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذُهب بي فعليكم بكتاب الله تعالى أحلوا حلاله، وحرموا حرامه\" تفرد به الإمام أحمد (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣١٢) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الفضائل، باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيّين (ح ٢١/ ٢٨٨٦).\n(^٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، المساجد ومواضع الصلاة ح ٥٢٣).\n(^٤) سنن الترمذي، السير، باب ما جاء في الغنيمة (ح ١٥٥٣).\n(^٥) تقدم تخريجه قبل أربع روايات.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٩.\n(^٧) صحيح البخاري، المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ (ح ٣٥٣٢)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب في أسمائه ﷺ (ح ٢٣٥٤).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٧٢). وسنده ضعيف لما قيل في ابن لهيعة والشطر الأخير من قوله: \"فاسمعوا وأطيعوا. . .\" إلخ له شاهد صحيح صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٤٧٢).","vol":"6","page":202},{"text":"ورواه الإمام أحمد أيضًا عن يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عبد الله بن سريج الخولاني، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو ﵄، فذكر مثله سواء (^١).\nوالأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السُّنَّة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب وأفَّاك دجال ضال مضلّ، لو تخرق (^٢) وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات (^٣) فكلها محال وضلال عند أولي الألباب كما أجرى الله ﷾ على يد الأسود العنسي باليمن ومسيلمة الكذاب باليمامة من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان لعنهما الله، وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال، فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله تعالى معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها، وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه، فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلا على سبيل الاتفاق أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ الآية [الشعراء]، وهذا بخلاف حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنهم في غاية البر والصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات والأدلة الواضحات والبراهين الباهرات، فصلوات الله وسلامه عليهم دائمًا مستمرًا ما دامت الأرض والسماوات.\n\n<span id=\"aya-3574\"></span>\n\n<span id=\"aya-3575\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم ﵎ المنعم عليهم بأنواع النعم وصنوف المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد، حدثني مولى ابن عياش، عن أبي بَحرية، عن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والوَرِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم\" قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال ﷺ: \"ذِكر الله ﷿\" (^٤). وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢١٢) وحكمه كسابقه وشاهده.\n(^٢) أي: اختلق الكذب.\n(^٣) جمع نيرج وهو أخذ كالسحر.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٣٦/ ٣٤ ح ٢١٧٠٢) وصحح سنده محققوه.","vol":"6","page":203},{"text":"زياد مولى ابن عياش، عن أبي بحرية واسمه عبد الله بن قيس التراغمي، عن أبي الدرداء ﵁ به، قال الترمذي: رواه بعضهم عنه فأرسله (^١).\nقلت: وقد تقدم هذا الحديث عند قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] في مسند الإمام أحمد من حديث زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش، أنه بلغه عن معاذ بن جبل ﵁، عن رسول الله ﷺ بنحوه (^٢)، فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا فرج بن فضالة، عن أبي سعيد الحمصي قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: دعاء سمعته من رسول الله ﷺ لا أدعه: اللَّهم اجعلني أُعظِمُ شكركَ، وأَتبعُ نصيحتك، وأُكثِرُ ذكركَ، وأحفظ وصيتك (^٣). ورواه الترمذي عن يحيى بن موسى، عن وكيع، عن أبي فضالة الفرج بن فضالة، عن أبي سعيد الحمصي، عن أبي هريرة ﵁، فذكر مثله، وقال: غريب (^٤)، وهكذا رواه الإمام أحمد أيضًا، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن فرج بن فضالة، عن أبي سعيد المري، عن أبي هريرة ﵁، فذكره (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس قال: سمعت عبد الله بن بُسْر يقول: جاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله؛ أي: الناس خير؟ قال ﷺ: \"من طال عمره وحسُنَ عمله\"، وقال الآخر: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فمرني بأمر أتشبث به، قال ﷺ: \"لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله تعالى\" (^٦). وروى الترمذي وابن ماجه الفصل الثاني من حديث معاوية بن صالح به، وقال الترمذي: حديث حسن غريب (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث قال: إن دراجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقولوا مجنون\" (^٨).\nوقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مُكرم العمي، حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري، حدثنا الحسن بن أبي جعفر، عن عقبة بن أبي ثُبيب الراسبي، عن أبي الجوزاء، عن\n_________\n(^١) سنن الترمذي، الدعاء (ح ٣٣٧٧)، وسنن ابن ماجه، الأدب، باب فضل الذكر (ح ٣٧٩٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٠٥٧).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير آية ٣٥ من هذه السورة الكريمة، الحديث السابق يشهد له.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦/ ١٤٦ - ١٤٧ ح ١٠١٧٩) وضعف سنده محققوه لضعف فرج بن فضالة.\n(^٤) لم أجده في سنن الترمذي بهذا الإسناد، وذكره المزي وعزاه للترمذي بهذا الإسناد (تحفة الأشراف ١٠/ ٤٥٤)، وحكمه كسابقه.\n(^٥) (المسند ١٣/ ٤٦٥ ح ٨١٠١) وحكمه كسابقه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٢٤٠ ح ١٧٦٩٨) وصحح سنده محققوه.\n(^٧) سنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في طول العمر للمؤمن (ح ٣٣٧٥)، وسنن ابن ماجه، الأدب، باب فضل الذكر (ح ٣٧٩٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٠٦٠).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٦٨) وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.","vol":"6","page":204},{"text":"ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"اذكروا الله ذكرًا كثيرًا [حتى] (^١) يقول المنافقون إنكم تُراؤون\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شدَّاد أبو طلحة الراسبي، سمعت أبا الوازع جابر بن عمرو يحدث عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من قوم جلسوا مجلسًا لم يذكروا الله تعالى فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة\" (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على تركه، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقال ﷿: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته (^٤).\nوالأحاديث والآيات والآثار في الحثِّ على ذكر الله تعالى كثيرة جدًا، وفي هذه الآية الكريمة الحث على الإكثار من ذلك. وقد صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار كالنسائي والمعمري وغيرهما. ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب (الأذكار) للشيخ محيي الدين النووي ﵀.\nوقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ أي: عند الصباح والمساء، كقوله ﷿: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم]،\n\n<span id=\"aya-3576\"></span>وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ هذا تهييج إلى الذكر؛ أي: أنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم، كقوله ﷿: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة]، وقال النبي ﷺ: \"يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه\" (^٥)، والصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند الملائكة، حكاه البخاري عن أبي العالية (^٦)، ورواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عنه (^٧)، وقال غيره: الصلاة من الله ﷿ الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين، والله أعلم.\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"بياض\".\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ١٦٩ ح ١٢٧٨٦)، وسنده ضعيف لضعف الحسن بن أبي جعفر الجفري (التقريب ص ١٥٨ وينظر مجمع الزوائد ١٠/ ٧٦).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٦٦٣ ح ٧٠٩٣)، وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٥٢.\n(^٦) أخرجه البخاري تعليقًا (الصحيح، تفسير سورة الأحزاب، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ. . .﴾ [الأحزاب: ٥٦] قبل حديث رقم ٤٧٩٧).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق آدم بن أبي إياس عن أبي جعفر الرازي به (ينظر فتح الباري ٨/ ٥٣٣).","vol":"6","page":205},{"text":"وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار، كقوله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [غافر: ٧ - ٩]. وقوله تعالى ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: بسبب رحمته بكم وثنائه عليكم ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبصرهم الطريق الذي ضلَّ عنه وحاد عنه من سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأتباعهم من الطغاة، وأما رحمته بهم في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: مرَّ رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه ﵃، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني، ابني، وسعت فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، قال فخفضهم رسول الله ﷺ وقال: \"لا، والله لا يلقي حبيبه في النار\" (^١). إسناده على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولكن في صحيح الإمام البخاري، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيًا لها فألصقته إلى صدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ: \"أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟ \" قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ: \"فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-3577\"></span>وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ الظاهر أن المراد - والله أعلم - تحيتهم؛ أي: من الله تعالى يوم يلقونه سلام؛ أي: يوم يسلم عليهم كما قال ﷿: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس].\nوزعم قتادة أن المراد أنهم يحيي بعضهم بعضًا بالسلام يوم يلقون الله في الدار الآخرة (^٣)، واختاره ابن جرير.\n(قلت): وقد يستدل له بقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ يعني: الجنة وما فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والملاذ والمناظر، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٠٤)، وسنده صحيح وأخرجه الحاكم من طريق المعتمر عن حميد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٧٧) وذكر الهيثمي أن رجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٨٣) وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) صحيح البخاري، الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (ح ٥٩٩٩).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: \"تحية أهل الجنة: السلام\".","vol":"6","page":206},{"text":"<span id=\"aya-3578\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود حدثنا فُليح بن سليمان، حدثنا هلال بن علي، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لست بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم الملّة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا (^١). وقد رواه البخاري في البيوع عن محمد بن سنان، عن فُليح بن سليمان، عن هلال بن علي به (^٢). ورواه في التفسير عن عبد الله، قيل ابن رجاء: وقيل ابن صالح: عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو به (^٣). ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عبد الله بن رجاء، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون به.\nوقال البخاري في البيوع: وقال سعيد: عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام ﵁ (^٤)، وقال وهب بن منبه: إن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له شعياء: أن قُم في قومك بني إسرائيل فإني مُنطق لسانك بوحي وأبعث أميًا من الأميين، أبعثه ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، لو يمرُّ إلى جنب سراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرًا ونذيرًا لا يقول الخنا، أفتح به أعينًا كمهًا (^٥) وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا، أسدده لكل أمر جميل، وأهبَ له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد: اسمه، أهدي به بعد الضلال، وأُعلِّم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأُعرف به بعد النكرة، وأُكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة وقلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فئامًا من الناس عظيمة من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين مصدقين لما جاءت به رسلي، ألهمهم التسبيح والتحميد، والثناء والتكبير والتوحيد، في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم يصلون لي قيامًا وقعودًا ويقاتلون في سبيل الله صفوفًا وزحوفًا، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتي ألوفًا، يطهرون الوجوه والأطراف ويشدون الثياب في\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٧٤) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق (ح ٢١٢٥).\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] (ح ٤٨٣٨).\n(^٤) ينظر فتح الباري ٤/ ٣٤٣.\n(^٥) أي: جمع أكمه وهو الأعمى.","vol":"6","page":207},{"text":"الأنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، وأجعل في أهل بيته، وذريته السابقين والصديقين والشهداء والصالحين، أمته من بعده يهدون بالحق وبه يعدلون، وأعزُّ من نصرهم وأؤيد من دعا لهم، وأجعل دائرة السوء على من خالفهم، أو بغى عليهم أو أراد أن ينتزع شيئًا مما في أيديهم، أجعلهم ورثة لنبيهم، والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويوفون بعهدهم أختم بهم الخير الذي بدأته بأولهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم. هكذا رواه ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه اليماني (^١) ﵀.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ وقد كان أمر عليًا ومعاذًا ﵄ أن يسيرا إلى اليمن فقال: \"انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، إنه قد أُنزل عليّ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ \" (^٢). ورواه الطبراني عن محمد بن نصر بن حميد البزاز البغدادي، عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي بإسناده مثله، وقال في آخره: \"فإنه قد أنزل علي يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا على أمتك ومبشرًا بالجنة ونذيرًا من النار وداعيًا إلى شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه وسراجًا منيرًا بالقرآن\" (^٣).\nفقوله تعالى: ﴿شَاهِدًا﴾ أي: لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره، وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا كقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوقوله ﷿: ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: بشيرًا للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيرًا للكافرين من وبيل العقاب.\n\n<span id=\"aya-3579\"></span>\n\n<span id=\"aya-3580\"></span>وقوله جلت عظمته: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: داعيًا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ أي: وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق كالشمس في إشراقها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند.\n\n<span id=\"aya-3581\"></span>وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ أي: لا تطعهم وتسمع منهم في الذي يقولونه. ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ أي: اصفح وتجاوز عنهم، وكِلْ أمرهم إلى الله تعالى، فإن فيه كفاية لهم، ولهذا قال ﷻ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.\n_________\n(^١) الخبر من الإسرائيليات الصريحة.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن محمد العرزمي (مجمع الزوائد ٧/ ٩٢)، ومتنه فيه مخالفة لأن المشهور في الصحيح أن النبي ﷺ أرسل أبا موسى الأشعري ومعاذًا ﵄، وفي السند أيضًا عبد الرحمن بن صالح الأزدي فيه تشيع كما في التقريب.\n(^٣) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١١/ ٣١٢ ح ١١٨٤١) وسنده ضعيف كسابقه وفيه أيضًا مخالفة أخرى في آخره.","vol":"6","page":208},{"text":"<span id=\"aya-3582\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾.\nهذه الآية الكريمة فيها أحكام كثيرة منها إطلاق النكاح على العقد وحده، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وقد اختلفوا في النكاح: هل هو حقيقة في العقد وحده أو في الوطء أو فيهما؟ على ثلاثة أقوال، واستعمال القرآن إنما هو في العقد والوطء بعده إلا في هذه الآية، فإنه استعمل في العقد وحده لقوله ﵎: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ وفيها دلالة لإباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها.\nوقوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ خرج مخرج الغالب إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالاتفاق، وقد استدل ابن عباس ﵄ وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعلي بن الحسين زين العابدين وجماعة من السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح، لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فعقب النكاح بالطلاق، فدلَّ على أنه لا يصح ولا يقع قبله، وهذا مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من السلف والخلف رحمهم الله تعالى.\nوذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلى صحة الطلاق قبل النكاح فيما إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق فعندهما متى تزوجها طلقت منه، واختلفا فيما إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فقال مالك: لا تطلق حتى يعين المرأة.\nوقال أبو حنيفة ﵀: كل امرأة يتزوجها بعد هذا الكلام تطلق منه، فأما الجمهور فاحتجوا على عدم وقوع الطلاق بهذه الآية.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا يونس يعني ابن أبي إسحاق، قال: سمعت آدم مولى خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، قال: ليس بشيء من أجل أن الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية (^١).\nوحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن مطر، عن الحسن بن مسلم بن يناق، عن ابن عباس ﵄ قال: إنما قال الله ﷿: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح (^٢)، وهكذا روى محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال الله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فلا طلاق قبل النكاح (^٣).\nوقد ورد الحديث بذلك عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك\" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي:\n_________\n(^١) في سنده آدم مولى خالد وهو: ابن سليمان مولى خالد بن عقبة بن أبي معيط كذا ذكره ابن أبي حاتم وقال: صالح (الجرح والتعديل ٢/ ٢٦٨) ويتقوى بالروايات والأحاديث التي تليه.\n(^٢) في سنده الحسن بن مسلم لم يسمع من ابن عباس ﵄ ويتقوى بما يليه.\n(^٣) سنده حسن بسابقه ولاحقه.","vol":"6","page":209},{"text":"هذا حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب (^١)، وهكذا روى ابن ماجه، عن علي والمسور بن مخرمة ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا طلاق قبل نكاح\" (^٢).\nوقوله ﷿: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ هذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها، فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرًا، وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ المتعة ههنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى أو المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمي لها.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال ﷿: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة].\nوفي صحيح البخاري، عن سهل بن سعد وأبي أُسيد ﵄ قالا: إن رسول الله ﷺ تزوج أُميمة بنت شراحيل، فلما أن دخلت عليه ﷺ بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك فأمر أبا أُسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين (^٣) (^٤).\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: إن كان سمي لها صداقًا فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمى لها صداقًا أمتعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل (^٥).\n\n<span id=\"aya-3583\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ بأنه قد أحلَّ له من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مهورهن وهي الأجور ههنا، كما قاله مجاهد وغير واحد. وقد كان مهره لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونشًا وهو نصف أوقية، فالجميع خمسمائة درهم إلا أُم حبيبة بنت أبي سفيان، فإنه أمهرها عنه النجاشي رحمه الله تعالى أربعمائة دينار وإلا صفية بنت حيي فإنه اصطفاها من سبي خيبر، ثم أعتقها\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من طريق عمرو بن شعيب به (المسند ١١/ ٢٨٢ ح ٦٧٦٩)، وحسن سنده محققوه، وكذا أخرجه أبو داود (السنن، الطلاق، باب في الطلاق قبل النكاح ح ٢١٩١)، والترمذي (السنن، الطلاق، باب ما جاء لا طلاق قبل النكاح ح ١١٨١)، وابن ماجه (السنن، الطلاق، باب ما جاء لا طلاق قبل النكاح ح ٢٠٤٧)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩١٦).\n(^٢) سنن ابن ماجه، الباب السابق (ح ٢٠٤٧) وحسنه البوصيري (مصباح الزجاجة ٢/ ١٣٢) ويشهد له سابقه.\n(^٣) وهي ثياب من قطن أبيض.\n(^٤) صحيح البخاري، الطلاق، باب وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق (ح ٥٢٥٦).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.","vol":"6","page":210},{"text":"وجعل عتقها صداقها، كذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية أدَّى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها ﵅ أجمعين.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ أي: وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم، وقد ملكَ صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما، وملكَ ريحانة بنت شمعون النضرية ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم ﵇، وكانتا من السراري ﵄.\nوقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، هذا عدل وسط بين الإفراط والتفريط، فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدًا، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم ما فرطت فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت وهذا شنيع فظيع، وإنما قال: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ فوحَّد لفظ الذكر لشرفه، وجمع الإناث لنقصهن كقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨]، ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وله نظائر كثيرة.\nوقوله تعالى: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث الرازي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح، عن أُم هانئ قالت: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قالت: فلم أكن أحلّ له، ولم أكن ممن هاجر معه كنت من الطلقاء (^١). ورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن عبيد الله بن موسى به (^٢)، ثم رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح عنها بنحوه (^٣)، ورواه الترمذي في جامعه (^٤). وهكذا قال أبو رزين وقتادة إن المراد من هاجر معه إلى المدينة.\nوفي رواية عن قتادة: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أي: أسلمنَّ.\nوقال الضحاك: قرأ ابن مسعود: ﴿واللاتي هاجرن معك﴾ (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ أي: ويحل لك أيها النبي المرأة المؤمنة إن وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك. وهذه الآية توالى فيها شرطان، كقوله تعالى إخبارًا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وكقول موسى ﵇ ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وقال ههنا: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف أبي صالح مولى أُم هاني.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٣) حكمه كسابقه.\n(^٤) السنن، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (ح ٣٢١٤).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند فيه إبهام اسم شيخه عن الضحاك به وهي قراءة شاذة تفسيرية بيّن معناها بقوله: يعني بذلك: كل شيء هاجر معه ليس من بنات العم والعمة، ولا من بنات الخال والخالة.","vol":"6","page":211},{"text":"وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قيامًا طويلًا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﷺ: \"هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ \" فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله ﷺ: \"إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئًا\" فقال: لا أجد شيئًا، فقال: \"التمس ولو خاتمًا من حديد\" فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال له النبي ﷺ: \"هل معك من القرآن شيء؟ \" قال: نعم سورة كذا وسورة كذا - لِسُور يسميها - فقال له النبي ﷺ: \"زوجتكها بما معك من القرآن\" (^١). أخرجاه من حديث مالك (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا مرحوم، سمعت ثابتًا يقول: كنت مع أنس جالسًا وعنده ابنة له، فقال أنس: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله هل لك في حاجة؟ فقالت ابنته: ما كان أقل حياءها، فقال: \"هي خير منك رغبت في النبي فعرضت عليه نفسها\" (^٣). انفرد بإخراجه البخاري من حديث مرحوم بن عبد العزيز، عن ثابت البناني، عن أنس به (^٤).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا سنان بن ربيعة، عن الحضرمي، عن أنس بن مالك أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ابنة لي كذا وكذا، فذكرت من حسنها وجمالها فآثرتك بها، فقال: \"قد قَبِلتُها\" فلم تزل تمدحها حتى ذكرت أنها لم تُصدَّع ولم تشتك شيئًا قط، فقال: \"لا حاجة لي في ابنتكِ\" (^٥). لم يخرجوه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا ابن أبي الوضاح يعني: محمد بن مسلم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ خولة بنت حكيم (^٦).\nوقال ابن وهب: عن سعيد بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن خولة بنت حكيم بن الأوقص من بني سليم كانت من اللاتي وهبنَ أنفسهنَّ لرسول الله ﷺ (^٧).\nوفي رواية له عن سعيد بن عبد الرحمن، عن هشام، عن أبيه: كنا نتحدث أن خولة بنت\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٣٦)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، النكاح، باب عرض المرأة نفسها (ح ٥١٣٥)، وصحيح مسلم، النكاح، باب الصداق وجواز كون تعليم قرآن وخاتم حديد (ح ١٤٢٥).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٦٨) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، النكاح، باب عرض المرأة نفسها (ح ٥١٢٠).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠/ ٣٨ - ٣٩ ح ١٢٥٨٠)، وضعف سنده محققوه لضعف سنان بن ربيعة.\n(^٦) في سنده ابن أبي الوضاح وهو محمد بن مسلم: صدوق يهم، ولكنه قد توبع فأخرجه الطبري من طريق ابن وهب عن سعيد عن هشام بن عروة به، وسنده حسن، وأخرجه البخاري موقوفًا على عروة. (الصحيح، النكاح، باب عرض المرأة نفسها ح ٥١١٣).\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب به.","vol":"6","page":212},{"text":"حكيم كانت وهبت نفسها لرسول الله ﷺ وكانت امرأة صالحة. فيحتمل أن أُم سليم هي: خولة بنت حكيم أو هي امرأة أخرى.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب وعمر بن الحكم وعبد الله بن عبيدة قالوا: تزوج رسول الله ﷺ ثلاث عشرة امرأة، ستًا من قريش: خديجة وعائشة وحفصة وأُم حبيبة وسودة وأُم سلمة، وثلاثًا من بني عامر بن صعصعة، وامرأتين من بني هلال بن عامر: ميمونة بنت الحارث وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ وزينب أُم المساكين، وامرأة من بني بكر بن كلاب من القرظيات، وهي التي اختارت الدنيا، وامرأة من بني الجون وهي التي استعاذت منه، وزينب بنت جحش الأسدية، والسبيتين صفية بنت حيي بن أخطب وجويرية بنت الحارث بن عمرو بن المصطلق الخزاعية (^١).\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ قال: هي ميمونة بنت الحارث (^٢)، فيه انقطاع، هذا مرسل، والمشهور أن زينب التي كانت تدعى أُم المساكين هي زينب بنت خزيمة الأنصارية، وقد ماتت عند النبي ﷺ في حياته، فالله أعلم.\nوالغرض من هذا أن اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ كثير، كما قال البخاري: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١] قلت: ما أرى ربك إلا يُسارع في هواك (^٣).\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن منصور الجعفي، حدثنا يونس بن بكير، عن عنبسة بن الأزهر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له (^٤). ورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن يونس بن بكير (^٥)؛ أي: أنه لم يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له وإن كان ذلك مباحًا له ومخصوصًا به، لأنه مردود إلى مشيئته، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ أي: إن اختار ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال عكرمة: أي: لا تحلّ الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئًا (^٦)، وكذا قال مجاهد والشعبي وغيرهما (^٧)؛ أي: أنها إذا فوَّضت المرأة نفسها إلى رجل فإنه متى دخل بها رجب عليه لها مهر\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة به، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من ابن عباس.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة الأحزاب، باب ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ. . .﴾ [الأحزاب: ٥١] ح ٤٧٨٨).\n(^٤) قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٩/ ٢٥٥)، وحسّن الحافظ ابن حجر رواية الطبراني (فتح الباري ٨/ ٣٨٦).\n(^٥) أخرجه الطبري عن أبي كريب به، وسنده حسن.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم ويشهد له الآثار التالية.\n(^٧) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الحكم عنه بلفظ: \"أن تهبَ\"، وقول الشعبي أخرجه ابن أبي شيبة والطبري والبُستي بسند صحيح من طريق عبد الله بن أبي السفر عنه بلفظ: \"أنها امرأة من الأنصار، وهبت نفسها للنبي وهي مما أرجأ\" (المصنف ٤/ ٣١٦) ومعنى أرجأ أي: أخر.","vol":"6","page":213},{"text":"مثلها، كما حكم به رسول الله ﷺ في بَرْوَع بنت واشق لما فوَّضت، فحكم لها رسول الله ﷺ بصداق مثلها لما توفي عنها زوجها، والموت والدخول سواء في تقرير المهر وثبوت مهر المثل في المفوضة لغير النبي ﷺ، فأما هو ﵊ فإنه لا يجب عليه للمفوضة شيء ولو دخل بها، لأن له أن يتزوج بغير صداق ولا ولي، ولا شهود، كما في قصة زينب بنت جحش ﵂، ولهذا قال قتادة في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي ﷺ (^١).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال أُبي بن كعب ومجاهد والحسن وقتادة وابن جرير في قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: من حصرهم في أربع نسوة حرائر، وما شاؤوا من الإماء واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم، وهم الأمة وقد رخصنا لك في ذلك فلم نوجب عليك شيئًا منه (^٢) ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n\n<span id=\"aya-3584\"></span>﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها كانت تغير من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ، قالت: ألا تستحي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق؟ فأنزل الله ﷿ ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية، قالت: إني أرى ربك يسارع لك في هواك (^٣).\nوقد تقدم أن البخاري رواه من حديث أبي أُسامة، عن هشام بن عروة (^٤)، فدلَّ هذا على أن المراد بقوله: ﴿تُرْجِي﴾ أي: تؤخر ﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي: من الواهبات ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: من شئت قبلتها ومن شئت رددتها، ومن رددتها فأنت فيها أيضًا بالخيار بعد ذلك، إن شئت عدت فيها فآويتها، ولهذا قال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾.\nقال عامر الشعبي في قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، كنَّ نساء وهبن أنفسهن للنبي ﷺ، فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن لم ينكحن بعده، منهن أم شريك (^٥).\nوقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية؛ أي: من أزواجك لا حرج عليك\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) قول أُبي بن كعب أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مجهول عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند فيه ليث وهو ابن أبي سُليم وفيه مقال، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٥٨) وسنده صحيح.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير الآية السابقة.\n(^٥) أخرجه البُستي والبيهقي (السنن الكبرى ٧/ ٥٥) كلاهما بسند حسن من طريق يونس بن بكير، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي.","vol":"6","page":214},{"text":"أن تترك القسم لهن، فتقدم من شئت وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت وتترك من شئت، هكذا يروى عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأبي رزين وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم (^١)، ومع هذا كان النبي ﷺ يقسم لهنَّ، ولهذا ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبًا عليه ﷺ، واحتجوا بهذه الآية الكريمة.\nوقال البخاري: حدثنا حبان بن موسى، حدثنا عبد الله هو ابن المبارك، وأخبرنا عاصم الأحول، عن معاذ، عن عائشة أن رسول الله ﷺ: كان يستأذن في اليوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول إن كان ذلك إليَّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدًا (^٢).\nفهذا الحديث عنها يدلُّ على أن المراد من ذلك عدم وجود القسم، وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات، ومن ههنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات وفي النساء، اللّاتي عنده أنه مخير فيهن إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم، وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أن تقسم لهن اختيارًا منك، لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به، وحملن جميلك في ذلك، واعترفن بمنتك عليهن في قسمتك لهن وتسويتك بينهنَّ وإنصافك لهن وعدلك فيهنَّ.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: من الميل إلى بعضهن دون بعض مما لا يمكن دفعه، كما قال الإمام [أحمد: حدثنا] يزيد (^٣)، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: \"اللَّهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك\" (^٤). ورواه أهل السنن الأربعة من حديث حماد بن سلمة، وزاد أبو داود بعد قوله: \"فلا تلمني فيما تملك ولا أملك\" (^٥) يعني: القلب. وإسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات، ولهذا عقب ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ أي: بضمائر السرائر ﴿حَلِيمًا﴾ أي: يحلم ويغفر.\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه بلفظ: \"تؤخر\"، وقول مجاهد آدم بن أبي إياس والطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وقول أبي رزين أخرجه عبد الرزاق وابن سعد بسند صحيح من طريق منصور عنه.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] ح ٤٧٨٩).\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٢/ ٤٦ ح ٢٥١١١)، قال المحققون: هذا إسناد رجاله ثقات … وقد أخطأ حماد بن سلمة في وصله، والصواب أنه مرسل.\n(^٥) سنن أبي داود، النكاح، باب القسم بين النساء (ح ٢١٣٤)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر (ح ١١٤٠)، والسنن الكبرى للنسائي، عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض (ح ٣٩٤٣)، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب القسمة بين النساء (ح ١٩٧١) وحكمه مرسل كسابقه.","vol":"6","page":215},{"text":"<span id=\"aya-3585\"></span>﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾.\nذكر غير واحد من العلماء كابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد وابن جرير وغيرهم، أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي ﷺ ورضًا عنهنَّ على حسن صنيعهنَّ في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لما خيرهن رسول الله ﷺ كما تقدم في الآية، فلما اخترن رسول الله ﷺ كان جزاؤهنَّ أن الله تعالى قصره عليهنَّ، وحرَّم عليه أن يتزوج بغيرهنَّ أو يستبدل بهن أزواجًا غيرهنَّ، ولو أعجبه حسنهنَّ إلا الإماء والسراري فلا حرج عليه فيهنَّ (^١)، ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوج لتكون المنة لرسول الله ﷺ عليهنَّ.\nقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة ﵂ قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحلَّ الله له النساء (^٢)، ورواه أيضًا من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن عُبيد بن عُمير، عن عائشة (^٣)، ورواه الترمذي والنسائي في سننيهما (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، حدثني عمر بن أبي بكر، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن الخزاعي، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أُم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحلَّ الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، وذلك قول الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١] فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة كآيتي عدة الوفاة في البقرة، الأولى ناسخة للتي بعدها (^٥)، والله أعلم.\nوقال آخرون: بل معنى الآية ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك، اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك وبنات العم\n_________\n(^١) في هذا التفسير دمج الحافظ أقوال المفسرين وصاغها بالمعنى فقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه بلفظ: \"نُهي رسول الله ﷺ أن يتزوج بعد نسائه الأول شيئًا\"، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه بنحوه، وقول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: \"لا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة\". (المصنف ٤/ ٢٦٩) وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه بلفظ: \"لا بأس أن تبادل بجاريتك ما شئت أن تُبادل، فأما الحرائر فلا\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠/ ١٦٤ - ١٦٥ ح ٢٤١٣٧)، قال المحققون: حديث ضعيف وإن كان رجاله ثقات رجال الشيخين قد اختلف فيه على عطاء وهو ابن أبي رباح.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق وهيب عن ابن جريج به (المسند ٤٢/ ٢٩٤ ح ٢٥٤٦٧) وضعف سنده محققوه.\n(^٤) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (ح ٣٢١٦)، وحسنه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٥٦٨)، وسنن النسائي، النكاح، باب ما افترض الله ﷿ الله رسوله ٦/ ٥٦.\n(^٥) في سنده عمر بن أبي بكر مقبول كما في التقريب وأخرجه الحاكم من حديث عائشة ﵂ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٣٧).","vol":"6","page":216},{"text":"والعمات والخال والخالات والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحلّ لك، وهذا ما روي عن أُبي بن كعب ومجاهد في رواية عنه، وعكرمة والضحاك في رواية، وأبي رزين في رواية عنه، وأبي صالح والحسن وقتادة في رواية، والسدي (^١) وغيرهم.\nقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، حدثني محمد بن أبي موسى، عن زياد، عن رجل من الأنصار قال: قلت لأُبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي ﷺ توفين أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك؟ قال: قلت قول الله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ فقال: إنما أحلَّ الله له ضربًا من النساء، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ثم قيل له: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (^٢). ورواه عبد الله بن أحمد من طرق عن داود به (^٣).\nوروى الترمذي، عن ابن عباس قال: نهي رسول الله ﷺ عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات بقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ فأحلَّ الله فتياتكم المؤمنات، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي وحرم كل ذات دين غير الإسلام، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥].\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء (^٤).\nوقال مجاهد: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد ما سمي لك من مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة.\nوقال أبو صالح: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا عربية، ويتزوج بعد من نساء تهامة وما شاء من بنات العم والعمة والخال والخالة إن شاء ثلاثمائة (^٥).\nوقال عكرمة: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: التي سمى الله (^٦).\nواختار ابن جرير ﵀: أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي النساء اللواتي في\n_________\n(^١) قول أُبي بن كعب لم يثبت عنه كما سيأتي في الرواية المسندة عن الطبري وعبد الله بن أحمد، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح عن طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف عن شيخ مبهم للطبري، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول أبي صالح أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام الراوي عن أبي صالح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن أُبي.\n(^٣) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد من طريق داود عن محمد بن أبي موسى عن زياد الأنصاري عن أُبي (المسند ٣٥/ ١٣٥ ح ٢١٢٠٨) وضعفه محققوه لجهالة زياد الأنصاري.\n(^٤) أخرجه الترمذي من طريق شهر بن حوشب عن ابن عباس وحسنه (السنن، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب ح ٣٢١٥) وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٦٣١).\n(^٥) قول مجاهد وأبي صالح تقدم الحكم عليهما قبل الرواية السابق.\n(^٦) أخرجه ابن سعد بسند صحيح من طريق سليمان بن يسار عن عكرمة (الطبقات الكبرى ٨/ ٢٠٠ - ٢٠١). وتخريجه تقدم عند تفسير هذه الآية.","vol":"6","page":217},{"text":"عصمته وكن تسعًا، وهذا الذي قاله جيد، ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف، فإن كثيرًا منهم روى عنه هذا وهذا ولا منافاة، والله أعلم\nثم أورد ابن جرير على نفسه ما روي أن رسول الله ﷺ طلَّق حفصة ثم راجعها! وعزم على فراق سودة حتى وهبت يومها لعائشة، ثم أجاب بأن هذا كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ الآية، وهذا الذي قاله من أن هذا كان قبل نزول الآية صحيح، ولكن لا يحتاج إلى ذلك، فإن الآية إنما دلت على أنه لا يتزوج بمن عدا اللواتي في عصمته وأنه لا يستبدل بهن غيرهن، ولا يدل ذلك على أنه لا يطلق واحدة منهن من غير استبدال، فالله أعلم.\nفأما قضية سودة ففي الصحيح عن عائشة رضي الله ﵎ عنها وهي سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ الآية (^١) [النساء: ١٢٨].\nوأما قضية حفصة فروى أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من طرق، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح بن حيي، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عمر أن رسول الله ﷺ طلَّق حفصة ثم راجعها (^٢)، وهذا إسناد قوي.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ لعل رسول الله ﷺ طلقك، إنه قد كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي، والله لئن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدًا (^٣)، ورجاله على شرط الصحيحين.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ فنهاه عن الزيادة إن طلق واحدة منهن، واستبدال غيرها بها، إلا ما ملكت يمينه، وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا مناسبًا ذكره ههنا، فقال: حدثنا إبراهيم بن نصر، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله القرشي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك: وأبادلك بامرأتي؛ أي: تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ قال فدخل عُيينة بن حصن الفزاري على النبي ﷺ وعنده عائشة، فدخل بغير إذن، فقال له رسول الله ﷺ: \"فأين الاستئذان؟ \" فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت، ثم قال: من هذه الحُميراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله ﷺ: \"هذه عائشة أُم المؤمنين\"\n_________\n(^١) تخريجه تقدم عند تفسير هذه الآية.\n(^٢) سنن أبي داود، الطلاق، باب في المراجعة (ح ٢٢٨٣)، وسنن ابن ماجه، الطلاق (ح ٢٠١٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٩٨)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٩٧).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٦٠ ح ١٧٢)، وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢٣/ ٣٠٥)، وقال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٩/ ٢٤٤).","vol":"6","page":218},{"text":"قال: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟ قال: \"يا عيينة إن الله قد حرم ذلك\" فلما أن خرج قالت عائشة: من هذا؟ قال: \"هذا أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه\" ثم قال البزار: إسحاق بن عبد الله لين الحديث جدًا، وإنما ذكرناه لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه وبينا العلَّة فيه (^١).\n\n<span id=\"aya-3586\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾.\nهذه آية الحجاب وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب ﵁، كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي ﷿ في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو حجبتهن، فأنزل الله آية الحجاب، وقلت لأزواج النبي ﷺ لما تمالأن عليه في الغيرة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فنزلت كذلك (^٢)، وفي رواية لمسلم ذكر أُسارى بدر وهي قضية رابعة (^٣).\nوقد قال البخاري: حدثنا مسدد، عن يحيى، عن حميد، عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فانزل الله آية الحجاب (^٤). وكان وقت نزولها في صبيحة عرَّس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش الأسدية التي تولَّى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة في قول قتادة والواقدي وغيرهما، وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى وخليفة بن خياط أن ذلك كان في سنة ثلاث، فالله أعلم.\nقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مِجلز، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رى ذلك قام، فلما قام، قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ﷺ ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٥١)، وسنده ضعيف جدًا لأن إسحاق بن عبد الله متروك (مجمع الزوائد ٧/ ٩٢).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٥.\n(^٣) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر ﵁ (ح ٢٣٩٩).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. . .﴾ [الأحزاب: ٥٣] ح ٤٧٩٠).","vol":"6","page":219},{"text":"فانطلقوا، فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فانزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ الآية (^١)، وقد رواه أيضًا في موضع آخر، ومسلم والنسائي من طرق عن معتمر بن سليمان به (^٢).\nثم رواه البخاري منفردًا به من حديث أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك ﵁ بنحوه، ثم قال: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: بنى النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيًا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدًا أدعوه، فقلت: يا رسول الله ما أجد أحدًا أدعوه، قال: \"ارفعوا طعامكم\" وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ، فانطلق إلى حجرة عائشة ﵂ فقال: \"السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته\" قالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك يا رسول الله؟ بارك الله لك؟ فَتقرَّى (^٣) حجر نسائه كلهنَّ يقول لهنَّ كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي ﷺ فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون، وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أم أخبر أن القوم خرجوا، فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة (^٤) الباب داخله والأخرى خارجة، أرخى الستر بيني وبينه، وأنزل آية الحجاب (^٥). انفرد به البخاري من بين أصحاب الكتب الستة سوى النسائي في اليوم والليلة من حديث عبد الوارث، ثم رواه عن إسحاق هو ابن منصور، عن عبد الله بن بكر السهمي، عن حميد، عن أنس بنحو ذلك، وقال رجلان (^٦): انفرد به من هذا الوجه، وقد تقدم في أفراد مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو المظفر، حدثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان اليشكري، عن أنس بن مالك قال: أعرس رسول الله ﷺ ببعض نسائه، فصنعت أُم سليم حيسًا (^٧) ثم جعلته في تور (^٨) فقالت: اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ وأقرئه مني السلام وأخبره أن هذا منا له قليل، قال أنس: والناس يومئذٍ في جهد، فجئت به فقلت: يا رسول الله بعثت بهذا أُم سليم إليك، وهي تقرئك السلام وتقول: أخبره أن هذا منا له قليل، فنظر إليه ثم قال: \"ضعه\" فوضعته في ناحية البيت ثم قال: \"اذهب فادع لي فلانًا وفلانًا\" فسمى رجالًا كثيرًا وقال: \"ومن لقيت من المسلمين\" فدعوت من قال لي ومن لقيت من المسلمين، فجئت والبيت والصفة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٧٩١).\n(^٢) صحيح مسلم، النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ﵂ (ح ١٤٢٨/ ٩٢)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، سورة الأحزاب (ح ١١٤٢٠).\n(^٣) أي: تتبع الحجرات واحدة واحدة (فتح الباري ٨/ ٥٣٠).\n(^٤) أسكفة الباب: عتبته.\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٧٩٣).\n(^٦) المصدر السابق (ح ٤٧٩٤).\n(^٧) الحيس: تمر أو أقط وسمن تخلط وتعجن وتسوى كالثريد.\n(^٨) وهو إناء يشرب فيه.","vol":"6","page":220},{"text":"والحجرة ملأى من الناس، فقلت: يا أبا عثمان كم كانوا؟ فقال: كانوا زهاء ثلاثمائة. قال أنس: فقال لي رسول الله ﷺ \"جئ به\" فجئت به إليه فوضع يده عليه ودعا وقال: \"ما شاء الله\" ثم قال: \"ليتحلق عشرة عشرة، وليسموا، وليأكل كل إنسان مما يليه\" فجعلوا يسمون ويأكلون حتى أكلوا كلهم، فقال لي رسول الله ﷺ: \"ارفعه\" قال: فجئت فأخذت التور، فنظرت فيه فما أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت؟ قال: وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ وزوج رسول الله ﷺ التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول الله ﷺ وكان أشد الناس حياء، ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزًا، فقام رسول الله ﷺ، فخرج فسلم على حجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسول الله ﷺ في بيته يسيرًا وأنزل الله عليه القرآن، فخرج وهو يتلو هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ. . .﴾ الآيات، قال أنس: فقرأهن عليَّ قبل الناس، فأنا أحدث الناس بهن عهدًا (^١)، وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعًا عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان به، وقال الترمذي؛ حسن صحيح (^٢)، وعلقه البخاري في كتاب النكاح، فقال: وقال إبراهيم بن طهمان، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس فذكر نحوه. ورواه مسلم أيضًا، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الجعد به، وقد روى هذا الحديث عبد الله بن المبارك، عن شريك، عن بيان بن بشر، عن أنس بنحوه (^٣)، ورواه البخاري والترمذي من طريقين آخرين عن بيان بن بشر الأحمسي الكوفي، عن أنس بنحوه، ورواه ابن أبي حاتم أيضًا من حديث أبي نضرة العبدي، عن أنس بن مالك بنحو ذلك، ولم يخرجوه، ورواه ابن جرير من حديث عمرو بن سعيد ومن حديث الزهري، عن أنس بنحو ذلك.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا بهز وهاشم بن القاسم قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: \"اذهب فاذكرها علي\" قال: فانطلق زيد حتى أتاها، قال: وهي تخمر عجينها، فلما رأيتها عظمت في صدري، وذكر تمام الحديث كما قدمناه عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وزاد في آخره بعد قوله: ووعظ القوم بما وعظوا به. قال هاشم في حديثه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ (^٤). وقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة (^٥).\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ﵂ (١٤٢٨/ ٩٤)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (ح ٣٢١٨).\n(^٣) المصدر السابق (ح ١٤٢٨/ ٩٥).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٩٥)، وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح مسلم، النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ﵂ (ح ١٤٢٨/ ٨٩)، والسنن للنسائي، النكاح، باب صلاة المرأة إذا خطبت واستخارتها ٦/ ٧٩.","vol":"6","page":221},{"text":"وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب، حدثني عمي عبد الله بن وهب، حدثني يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: إن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع - وهو صعيد أفيح (^١) - وكان عمر يقول لرسول الله ﷺ: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ ليفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج رسول الله ﷺ، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصًا على أن ينزل الحجاب، قالت: فانزل الله الحجاب (^٢)، هكذا وقع في هذه الرواية، والمشهور أن هذا بعد نزول الحجاب (^٣).\nكما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة، لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق (^٤)، فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر: كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: \"إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن\" (^٥) لفظ البخاري، فقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ حظر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله ﷺ بغير إذن كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأُمة فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأُمة ولهذا قال رسول الله ﷺ: \"إياكم والدخول على النساء\" (^٦) الحديث، ثم استثنى من ذلك فقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.\nقال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي غير متحينين نضجه واستواءه (^٧)؛ أي: لا ترقبوا الطعام إذا طبخ حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإن هذا مما يكرهه الله ويذمه.\nوهذا دليل على تحريم التطفيل وهو الذي تسميه العرب الضيفن (^٨)، وقد صنف الخطيب\n_________\n(^١) أي: واسع.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) لكن ما ورد في البخاري يؤيد رواية الطبري فقد أخرجه البخاري من طريق عقيل عن الزهري به مختصرًا وفيه قوله: قد عرفناك يا سودة … إلى آخره.\nوقد جمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين فقال: المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني، والحاصل أن عمر ﵁ وقع في قلبه نفرة من إطلاع الأجانب على الحريم النبوي، حتى صرح بقوله له عليه الصلاة: احجب نساءك، وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلًا ولو كنَّ مستترات، فبالغ في ذلك، فمنع منه، وأُذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعًا للمشقة ورفعًا للحرج (فتح الباري ٨/ ٥٣١).\n(^٤) أي: العظم بلحمه.\n(^٥) المسند ٦/ ٥٦ وصحيح البخاري، التفسير، باب ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ. . .﴾ [الأحزاب: ٥٣] (ح ٤٧٩٥)، وصحيح مسلم، السلام، باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان (ح ٢١٧٠).\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة النور آية ٣١.\n(^٧) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٨) أي: الذي يجيء مع الضيف.","vol":"6","page":222},{"text":"البغدادي في ذلك كتابًا في (ذم الطفيليين)، وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، وفي صحيح مسلم، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا كان أو غيره\" (^١) وأصله في الصحيحين.\nوفي الصحيح أيضًا عن رسول الله ﷺ: \"لو دعيت إلى ذراع لأجبت ولو أهدي إليّ كراع (^٢) لقبلت، فإذا فرغتم من الذي دعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل وانتشروا في الأرض\" (^٣)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي: كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث، ونسوا أنفسهم حتى شقَّ ذلك على رسول الله ﷺ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾.\nوقيل: المراد إن دخولكم منزله بغير إذنه كان يشق عليه ويتأذى به، ولكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه ﵇ حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: ولهذا نهاكم عن ذلك وزجركم عنه.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي: وكما نهيتكم عن الدخول عليهن كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن، فلا ينظر إليهن ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب ..\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مسعر، عن موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن عائشة قالت: كنت آكل مع النبي ﷺ حيسًا في قعْب (^٤)، فمرَّ عمر فدعاه فأكل، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال: حِسِّ أو أوه، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزل الحجاب ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (^٥) أي: هذا الذي أمرتكم به وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي حماد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ قال: نزلت في رجل همَّ أن يتزوج بعض نساء النبي ﷺ بعده، قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذلك (^٦). وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن\n_________\n(^١) صحيح مسلم، النكاح، باب الأمر بإجابة الراعي إلى دعوة (ح ١٤٢٩).\n(^٢) أي: ما دون الركبة.\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الهبة، باب القليل من الهبة ح ٢٥٦٨).\n(^٤) أي: القدح الضخم.\n(^٥) أخرجه البستي من طريق ابن أبي عمر العدني به، وفي سنده مجاهد وهو لم يسمع من عائشة ﵂، وأخرجه الطبراني من طريق ابن أبي عمر به (المعجم الأوسط ٣/ ٤٥٢ ح ٢٩٧١) وقال الطبراني لم يروه عن مسعر إلا سفيان بن عيينة (ينظر مجمع البحرين ٦/ ٥٩ ح ٣٣٧٤).\n(^٦) سنده حسن.","vol":"6","page":223},{"text":"أسلم (^١)، وذكر بسنده عن السدي إن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله ﵁ (^٢)، حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك، ولهذا اجتمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه أنه يحرم على غيره تزوجها من بعده، لأنهنَّ أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين كما تقدم، واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته: هل يحل لغيره أن يتزوجها؟ على قولين مأخذهما هل دخلت هذه في عموم قوله: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أم لا؟ فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فما نعلم في حلِّها لغيره والحالة هذه نزاعًا، والله أعلم.\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عامر أن نبي الله ﷺ مات وقد ملك قيلة ابنة الأشعث - يعني: ابن قيس - فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق ذلك على أبي بكر مشقة شديدة، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله إنها ليست من نسائه، إنها لم يخيرها رسول الله ولم يحجبها، وقد برأها الله منه بالردَّة التي ارتدت مع قومها: قال: فاطمأن أبو بكر ﵁ وسكن (^٣).\nوقد عظَّم الله ﵎ ذلك، وشدَّد فيه وتوعد عليه بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾\n\n<span id=\"aya-3587\"></span>ثم قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾ أي: مهما تكنه ضمائركم وتنطوي عليه سرائركم، فإن الله يعلمه، فإنه لا تخفى عليه خافية ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر].\n\n<span id=\"aya-3588\"></span>﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾.\nلما أمر ﵎ النساء بالحجاب من الأجانب، بيّن أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم، كما استثناهم في سورة النور عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] وفيها زيادات على هذه، وقد تقدم تفسيرها والكلام عليها بما أغنى عن إعادته ههنا.\nوقد سأل بعض السلف فقال: لِمَ لمْ يذكر العمَّ والخال في هاتين الآيتين؟ فأجاب عكرمة والشعبي بأنهما لم يذكرا لأنهما قد يصفان ذلك لبنيهما.\nقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، حدثنا داود، عن الشعبي وعكرمة في قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ الآية، قلت: ما شأن العمّ والخال لم يُذكرا (^٤)؟ قال لأنهما ينعتانهما لأبنائهما وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمها.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) سنده مرسل.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل، وأخرجه ابن سعد من طريق داود بن هند دون ذكر عامر الشعبي (الطبقات الكبرى ٨/ ١٤٧).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"6","page":224},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ يعني: بذلك عدم الاحتجاب من النساء المؤمنات.\nوقوله تعالى: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني: به أرقاءهن من الذكور والإناث كما تقدم التنبيه عليه وإيراد الحديث فيه (^١).\nقال سعيد بن المسيب: إنما يعني به الإماء فقط، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أي: واخشينه في الخلوة والعلانية، فإنه شهيد على كل شيء، لا تخفى عليه خافية فراقبن الرقيب.\n\n<span id=\"aya-3589\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾.\nقال البخاري: قال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء.\nوقال ابن عباس: يصلون يبركون، هكذا علقه البخاري عنهما (^٢)، وقد رواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية كذلك، وروي مثله عن الربيع (^٣) أيضًا، وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس كما قاله سواء (^٤)، رواهما ابن أبي حاتم.\nوقال أبو عيسى الترمذي: وروي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم، قالوا: صلاة الربِّ الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار (^٥).\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو الأودي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، قال الأعمش أراه عن عطاء بن أبي رباح ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال: صلاته ﵎ سبوح قدوس، سبقت رحمتي غضبي والمقصود من هذه الآية أن الله ﷾ أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه (^٦).\nثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين: العلوي والسفلي جميعًا.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر؛ يعني: ابن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا لموسى ﵇: هل يصلي ربك؟ فناداه ربه ﷿: يا موسى سألوك هل يصلي ربك، فقل: نعم أنا أصلي وملائكتي على أنبيائي ورسلي، فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (^٧).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة النور آية ٣١.\n(^٢) الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ. . .﴾ [الأحزاب: ٥٦] قبل حديث (٤٧٩٧).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق آدم بن أبي إياس عن أبي جعفر به (ينظر فتح الباري ٨/ ٥٣٣) وسنده جيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٥) سنن الترمذي، أبواب الوتر، باب فضل الصلاة على النبي ﷺ.\n(^٦) سنده مرسل.\n(^٧) في سنده جعفر بن أبي المغيرة وهو صدوق يهم.","vol":"6","page":225},{"text":"وقد أخبر ﷾ بأنه يصلي على عباده المؤمنين في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب] وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة].\nوفي الحديث: \"إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف\" (^١).\nوفي الحديث الآخر: \"اللَّهم صلِّ على آل أبي أوفى\" (^٢) وقال رسول الله ﷺ لامرأة جابر وقد سألته أن يصلي عليها وعلى زوجها: \"صلى الله عليكِ وعلى زوجك\" (^٣)، وقد جاءت الأحاديث المتواترة، عن رسول الله ﷺ بالأمر بالصلاة عليه، وكيفية الصلاة عليه، ونحن نذكر منها إن شاء الله ما تيسر والله المستعان.\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد، أخبرنا أبي، عن مسعر، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: قيل يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ قال: \"قولوا اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللَّهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (^٤) \".\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم قال: سمعت ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله قد علمنا أو عرفنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة؟ فقال: \"قولوا اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\" (^٥). وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة في كتبهم من طرق متعددة عن الحكم وهو ابن عتيبة، زاد البخاري وعبد الله بن عيسى كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى فذكره (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم بن بشير، عن يزيد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود من حديث عائشة ﵂ (السنن، الصلاة، باب من يستحب أن يلي الإمام في الصف ح ٦٧٦) وقال الألباني حسن بلفظ: \"على الذين يصلون الصفوف\" (ح ٦٢٨).\n(^٢) (^٣) تقدم تخريجهما في تفسير سورة التوبة آية ١٠٣.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ. . .﴾ [الأحزاب: ٥٦] ح ٤٧٩٧).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٤١) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] (ح ٣٣٧٠)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ (ح ٤٠٦)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ (ح ٩٧٦)، وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في صفة الصلاة على النبي ﷺ (ح ٤٨٣١)، وسنن النسائي، الصلاة، باب كيفية الصلاة على النبي ﷺ ٣/ ٤٧، وسنن ابن ماجه إقامة الصلاة باب كيفية الصلاة على النبي ﷺ (ح ٩٠٤).","vol":"6","page":226},{"text":"عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾، قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\"، وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول وعلينا معهم. ورواه الترمذي بهذه الزيادة (^١)، ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفناه هو الذي في التشهد، الذي كان يعلمهم إياه كما كان يعلِّمهم السورة من القرآن، وفيه السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.\nحديث آخر: قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول الله هذا السلام، فكيف نصلي عليك؟ قال: \"قولوا اللَّهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم\"، قال أبو صالح عن الليث: على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم.\nحدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا ابن أبي حازم والدّراوَرْدِي، عن يزيد يعني: ابن الهاد قال: كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم (^٢). وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث ابن الهاد به (^٣).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: قرأت على عبد الرحمن (^٤): مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرو بن سليم أنه قال: أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: \"قولوا اللَّهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\" (^٥). وقد أخرجه بقية الجماعة سوى الترمذي من حديث مالك به (^٦).\nحديث آخر: قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي قال: قرأت على مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، أخبرني محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري قال: وعبد الله بن زيد هو الذي كان أُري النداء بالصلاة، أخبره عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى به وبالزيادة (السنن، أبواب الوتر، باب ما جاء في صفة الصلاة على النبي ﷺ ح ٤٨٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٤٠١)، وأخرجه البخاري من طريق الحكم به بدون الزيادة كما تقدم في الرواية السابقة.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنديه ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ. . .﴾ [الأحزاب: ٥٦] ح ٤٧٩٨).\n(^٣) سنن النسائي، الصلاة، باب كيفية الصلاة على النبي ﷺ ٣/ ٤٩، وسنن ابن ماجه، الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ (ح ٩٠٥).\n(^٤) أي: عبد الرحمن بن مهدي.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٢٤) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء (ح ٣٢٦٩)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ (ح ٤٠٧).","vol":"6","page":227},{"text":"نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ: \"قولوا اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم\" (^١). وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير من حديث مالك به. وقال الترمذي: حسن صحيح (^٢).\nوروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبي مسعود البدري أنهم قالوا: يا رسول الله أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ فقال: \"قولوا: اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد\" (^٣). وذكره ورواه الشافعي ﵀ في مسنده عن أبي هريرة بمثله (^٤)، ومن ههنا ذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصح صلاته، وقد شرع بعض المتأخرين من المالكية وغيرهم يشنِّع على الإمام الشافعي في اشتراطه ذلك في الصلاة، ويزعم أنه قد تفرد بذلك.\nوحكى الإجماع على خلافه أبو جعفر الطبري والطحاوي والخطابي وغيرهم فيما نقله القاضي عياض عنهم، وقد تعسف هذا القائل في ردِّه على الشافعي، وتكلف في دعواه الإجماع في ذلك، وقال ما لم يحط به علمًا، فإنا قد روينا وجوب ذلك والأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة، كما هو ظاهر الآية، ومفسر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود وأبو مسعود البدري وجابر بن عبد الله، ومن التابعين: الشعبي وأبو جعفر الباقر ومقاتل بن حيان، وإليه ذهب الشافعي لا خلاف عنه في ذلك ولا بين أصحابه أيضًا، وإليه ذهب الإمام أحمد أخيرًا فيما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقي به، وبه قال إسحاق بن راهويه والفقيه الإمام محمد بن إبراهيم المعروف بابن المواز المالكي ﵏، حتى أن بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقال في الصلاة عليه ﷺ كما علمهم أن يقولوا لما سألوه، وحتى أن بعض أصحابنا أوجب الصلاة على آله فيما حكاه البندنيجي وسليم الرازي وصاحبه نصر بن إبراهيم المقدسي، ونقله إمام الحرمين وصاحبه الغزالي قولًا عن الشافعي. والصحيح أنه وجه على أن الجمهور على خلافه، وحكوا الإجماع على خلافه وللقول بوجوبه ظواهر الحديث والله أعلم.\nوالغرض أن الشافعي ﵀ يقول بوجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة سلفًا وخلفًا كما تقدم، ولله الحمد والمنة، فلا إجماع على خلافه في هذه المسألة لا قديمًا ولا حديثًا، والله أعلم.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ح ٤٠٥).\n(^٢) سنن أبي داود، الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ (ح ٩٨٠)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (ح ٣٢٢٠)، وسنن النسائي، السهو، باب الفضل في الصلاة على النبي ﷺ ٣/ ٤٥.\n(^٣) (المسند ٤/ ١٩١)، وسنن أبي داود، الباب السابق (ح ٩٨١)، وسنن الترمذي، الباب السابق ٣٢٢٠، وسنن النسائي، السهو باب الفضل في الصلاة على النبي ﷺ ٣/ ٤٥ وصحيح ابن خزيمة (ح ٧١١) والمستدرك ١/ ٢٦٨، وسنده حسن وصرح ابن إسحاق بالتحديث.\n(^٤) ترتيب مسند الشافعي، الصلاة، باب في الدعاء (ح ٤٩٧).","vol":"6","page":228},{"text":"ومما يؤيد ذلك الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من رواية حيوة بن شريح المصري، عن أبي هانئ حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك أبي علي الجنبي، عن فُضالة بن عُبيد ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصلِّ على النبي، فقال رسول الله ﷺ: \"عَجِلَ هذا\" ثم دعاه فقال له أو لغيره: \"إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد الله ﷿ والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبي ثم ليدع بعد بما شاء\" (^١). وكذا الحديث الذي رواه ابن ماجه من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي، ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار\" (^٢) ولكن عبد المهيمن هذا متروك وقد رواه الطبراني من رواية أخيه أُبي بن عباس، ولكن في ذلك نظر، وإنما يعرف من رواية عبد المهيمن، والله أعلم.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل، عن أبي داود الأعمى، عن بُريدة قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: \"قولوا: اللَّهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد\" (^٣). أبو داود الأعمى اسمه نفيع بن الحارث، متروك.\nحديث آخر موقوف: رويناه من طريق سعيد بن منصور ويزيد بن هارون وزيد بن الحباب، ثلاثتهم عن نوح بن قيس، حدثنا سلامة الكندي أن عليًا ﵁ كان يعلّم الناس هذا الدعاء: اللَّهم داحي المدحوات (^٤)، وبارئ المسموكات (^٥)، وجبار (^٦) القلوب على فطرتها: شقيها وسعيدها، اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة [تحننك] (^٧) على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ لجيشات الأباطيل، كما حمل فاضطلع (^٨) بأمرك لطاعتك، مستوفزًا (^٩) [في] (^١٠) مرضاتك، غير نكل في قدم، ولا واهن في\n_________\n(^١) (المسند ٣٩/ ٣٦٢ - ٣٦٣ ح ٢٣٩٣٧)، وصحح سنده محققوه، وسنن أبي داود، الصلاة، باب الدعاء (ح ١٤٨١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٣١٤)، وسنن الترمذي، الدعوات (ح ٣٤٧٦)، وسنن النسائي، الصلاة، باب التمجيد والصلاة على النبي ﷺ ٣/ ٤٤، وصحيح ابن خزيمة (ح ٧١٠) وصحيح ابن حبان (ح ١٩٦٠).\n(^٢) سنن ابن ماجه، الطهارة، باب ما جاء في التسمية في الوضوء (ح ٤٠٠)، وسنده ضعيف جدًا لأن عبد المهيمن بن عباس: متروك.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٥٣) وسنده ضعيف جدًا لأن داود الأعمى: متروك.\n(^٤) المدحوات: الأرضون السبع.\n(^٥) أي: السماوات السبع.\n(^٦) أي: أقام القلوب وأثبتها على ما فطرها عليه من معرفته والإقرار به (النهاية ١/ ٢٣٦).\n(^٧) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل صُحف إلى: \"تحيتك\".\n(^٨) أي: قام به.\n(^٩) أي: أن النبي ﷺ يسرع في مرضاة الله تعالى.\n(^١٠) كذا في (حم) و(ح) وفي الأصل صُحف إلى: \"إلى\".","vol":"6","page":229},{"text":"عزم. داعيًا بوحيك، حافظًا لعهدك، ماضيًا على نفاذ أمرك حتى أورى قبسًا لقابس، آلاء الله تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم، وأبهج موضحات الأعلام، ونائرات الأحكام، ومنيرات الإسلام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة، اللَّهم افسح له في عدنك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك، مهنآت غير مكدرات، من فوز ثوابك المحلول وجزيل عطائك المجمول، اللَّهم أعل على بناء البانين بنيانه. وأكرم مثواه لديك ونزله، وأتمم له نوره واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة، مرضي المقالة ذا منطق عدل، وخطة فصل، وحجة وبرهان عظيم (^١). هذا مشهور من كلام علي ﵁، وقد تكلم عليه ابن قتيبة في مشكل الحديث، وكذا أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي في جزء جمعه في فضل الصلاة على النبي ﷺ إلا أن في إسناده نظرًا.\nقال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: سلامة الكندي هذا ليس بمعروف ولم يدرك عليًا، كذا قال: وقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني هذا الأثر عن محمد بن علي الصائغ، عن سعيد بن منصور، حدثنا نوح بن قيس، عن سلامة الكندي قال: كان علي ﵁ يعلمنا الصلاة على النبي ﷺ فيقول: اللَّهم داحي المدحوات، وذكره.\nحديث آخر موقوف: قال ابن ماجه: حدثنا الحسين بن بيان، حدثنا زياد بن عبد الله، حدثنا المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إذا صليتم على رسول الله ﷺ، فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، قال: فقالوا له علمنا، قال: قولوا: اللَّهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللَّهم ابعثه مقامًا محمودًا يغبطه به الأولون والآخرون، اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آله محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللَّهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (^٢)، وهذا موقوف، وقد روى إسماعيل القاضي عن عبد الله بن عمرو أو عمر على الشك من الراوي قريبًا من هذا (^٣).\nحديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا أبو إسرائيل، عن يونس بن خباب قال: خطبنا بفارس فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ فقال: أنبأني من سمع ابن عباس يقول: هكذا أنزل،\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم من طريق سعيد بن منصور به (عوالي سعيد بن منصور رقم ١٨) وسنده ضعيف لأن سلامة الكندي مجهول ولم يسمع من علي ﵁ (ينظر الجرح والتعديل ٤/ ٣٠٠).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، إقامة الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ ح ٩٠٦) وفي سنده المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، صدوق اختلط وضابطه من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط (التقريب ص ٢٤٤)، ولبعض هذا الحديث له شواهد صحيحة تقدم ذكرها في بداية هذه الأحاديث.\n(^٣) فضل الصلاة على النبي ﷺ (رقم ٦٢).","vol":"6","page":230},{"text":"فقلنا: أو قالوا يا رسول الله علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: \"اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارحم محمدًا وآل محمد، كما رحمت آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد\" (^١).\nفيستدل بهذا الحديث من ذهب إلى جواز الترحم على النبي ﷺ كما هو قول الجمهور، ويعضده حديث الأعرابي الذي قال: اللَّهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال رسول الله ﷺ: \"لقد حجرت واسعًا\" (^٢).\nوحكى القاضي عياض عن جمهور المالكية منعه، قال: وأجازه أبو محمد بن أبي زيد.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا شعبة، عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"من صلى علي صلاة، لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي، فليُقلَّ عبدٌ من ذلك أو ليُكثر\" (^٣). ورواه ابن ماجه من حديث شعبة به (^٤).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي ويونس هو ابن محمد، قالا: حدثنا ليث، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمر، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج رسول الله ﷺ، فاتبعته حتى دخل نخلًا، فسجد فأطال السجود حتى خفت أو خشيت أن يكون قد توفاه الله أو قبضه، قال فجئت أنظر فرفع رأسه فقال: \"ما لك يا عبد الرحمن؟ \" قال: فذكرت ذلك له فقال: \"إن جبريل ﵇ قال لي: ألا أبشرك إن الله ﷿ يقول: من صلى عليكَ صليتُ عليه، ومن سلم عليكَ سلمتُ عليه\" (^٥).\nطريق آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف قال: قام رسول الله ﷺ فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجدًا فأطال السجود حتى ظننت أن الله قد قبض نفسه فيها، فدنوت منه ثم جلست، فرفع رأسه فقال: \"من هذا؟ \" قلت: عبد الرحمن. قال: \"ما شأنك؟ \" قلت: يا رسول الله سجدت سجدة خشيت أن يكون الله قبض روحك فيها، فقال: \"إن جبريل أتاني فبشرني أن الله ﷿ يقول لك: من صلى عليكَ صليتُ عليه، ومن سلم عليكَ سلمتُ عليه، فسجدت لله ﷿ شكرًا\" (^٦). ورواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه عن يحيى بن عبد الحميد، عن الدراوردي، عن عمرو بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عباس ﵄، ولشقه الأول شواهد تقدمت.\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الأدب، باب رحمة الناس والبهائم ح ٦٠١٠).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ٤٥١ ح ١٥٦٨٠) وحسنه محققوه.\n(^٤) سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ (ح ٩٠٧).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٠٠ ح ١٦٦٢) قال محققوه: حسن لغيره.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٠١ ح ١٦٦٤) قال محققوه: حسن لغيره.","vol":"6","page":231},{"text":"عبد الواحد، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف به، ورواه من وجه آخر عن عبد الرحمن.\nحديث آخر: قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن بحير بن عبد الله بن معاوية بن بحير بن ريسان، حدثنا يحيى بن أيوب، حدثني عبد الله بن عمر، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ لحاجة فلم يجد أحدًا يتبعه، ففزع عمر فأتاه بمطهرة من خلفه، فوجد النبي ﷺ ساجدًا في مشربة، فتنحى عنه من خلفه حتى رفع النبي ﷺ رأسه، فقال: \"أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدًا فتنحيت عني، إن جبريل أتاني فقال: من صلى عليك من أمتك واحدة صلى الله عليه عشر صلوات ورفعه عشر درجات\" (^١). وقد اختار هذا الحديث الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج على الصحيحين (^٢)، وقد رواه إسماعيل القاضي عن القعنبي عن سلمة بن وردان، عن أنس، عن عمر بنحوه ورواه أيضًا عن يعقوب بن حميد، عن أنس بن عياض، عن سلمة بن وردان، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب بنحوه (^٣).\nحديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا بندار، حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدثني موسى بن يعقوب الزمعي، حدثني عبد الله بن كيسان أن عبد الله بن شداد أخبره عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: \"أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة\" تفرد بروايته الترمذي ﵀، ثم قال: هذا حديث حسن غريب (^٤).\nحديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن يعقوب بن زيد بن طلحة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتاني آت من ربي فقال لي: ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرًا\" فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله ألا أجعل نصف دعائي لك؟ قال: \"إن شئت\". قال: ألا أجعل ثلثي دعائي لك؟ قال: \"إن شئت\". قال: ألا أجعل دعائي لك كله. قال: \"إذن يكفيك الله همَّ الدنيا وهمَّ الآخرة\" فقال شيخ كان بمكة يقال له منيع لسفيان عمَّن أسنده: لا أدري (^٥).\nحديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أُبي بن كعب، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يخرج في جوف الليل فيقول: \"جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه\" فقال أُبي:\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الأوسط ٦/ ٣٥٣) قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني (مجمع الزوائد ٢/ ٨٩). وله شواهد تالية.\n(^٢) أخرجه الضياء المقدسي من طريق الطبراني به (المختارة ١/ ١٨٦ ح ٩٣) وحسنه محققه.\n(^٣) صفة الصلاة على النبي ﷺ رقم (٤) و(٥).\n(^٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، الصلاة، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي ﷺ ح ٤٨٤).\nقال الحافظ ابن حجر: وله شاهد عند البيهقي عن أبي أُمامة .. ولا بأس بسنده (فتح الباري ١١/ ١٦٧) ورواية البيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٢٤٩.\n(^٥) أخرجه القاضي إسماعيل بسنده ومتنه وتعليقه (فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم ١٣)، وسنده ضعيف لإرسال يعقوب بن زيد بن طلحة، ويشهد له رواية الترمذي التالية.","vol":"6","page":232},{"text":"يا رسول الله إني أصلي من الليل، أفأجعل لك ثلث صلاتي؟ قال رسول الله ﷺ: \"الشطر\". قال: أفأجعل لك شطر صلاتي؟ قال رسول الله ﷺ: \"الثلثان\". قال: أفأجعل لك صلاتي كلها؟ قال: \"إذن يغفر لك الله ذنبك كله\" (^١).\nوقد رواه الترمذي بنحوه، فقال: حدثنا هناد، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أُبي بن كعب، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل، قام فقال: \"يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه\" قال أُبي: قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: \"ما شئت\" قلت: الربع؟ قال: \"ما شئت، فإن زدت فهو خير لك\" قلت: فالنصف؟ قال: \"ما شئت، فإن زدت فهو خير لك\". قلت فالثلثين؟ قال: \"ما شئت، فإن زدت فهو خير لك\" قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: \"إذن تكفي همك، ويغفر لك ذنبك\" ثم قال: هذا حديث حسن (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أُبي، عن أبيه قال: قال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: \"إذن يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك\" (^٣).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت بن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ جاء ذات يوم والسرور يرى في وجهه، فقالوا: يا رسول الله إنا لنرى السرور في وجهك، فقال: \"إنه أتاني الملك فقال: يا محمد أما يرضيك أن ربك ﷿ يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرًا، ولا يسلم عليك أحد من أُمتك إلا سلمت عليه عشرًا، قال: بلى\" (^٤). ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به (^٥)، وقد رواه إسماعيل القاضي، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة بنحوه (^٦).\nطريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا سُريج، حدثنا أبو معشر، عن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبي طلحة الأنصاري قال: أصبح رسول الله ﷺ يومًا طيب النفس يرى في وجهه البشر، قالوا: يا رسول الله أصبحت اليوم طيب النفس يرى في وجهك البشر، قال: \"أجل أتاني آت من ربي ﷿ فقال: من صلى عليك من أُمتك صلاة، كتب الله له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وردَّ عليه مثلها\" (^٧). وهذا أيضًا إسناد جيد، ولم يخرجوه.\n_________\n(^١) المصدر السابق رقم ١٤ وسنده ضعيف جدًا لأن سعيد بن سلام العطار كذاب وضاع (ينظر لسان الميزان ٣/ ٣١). ولشطره الأخير شاهد كما في الرواية التالية.\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وقال: حسن صحيح. (السنن، صفة القيامة، باب رقم ٢٣ ح ٢٤٥٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ١٦٦ ح ٢١٢٤٢) وحسّن سنده محققوه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/ ٢٨٣ ح ١٦٣٦٣) وقال محققوه: حسن لغيره.\n(^٥) السنن الكبرى (ح ٩٨٨٨).\n(^٦) فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم (١).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣ ح ١٦٣٥٢) وضعف سنده محققوه لضعف =","vol":"6","page":233},{"text":"حديث آخر: روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًا\" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف وعامر بن ربيعة وعمار وأبي طلحة وأنس وأُبي بن كعب (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شريك، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"صلوا علي، فإنها زكاة لكم وسلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في أعلى الجنة، ولا ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون أنا هو\" (^٢) تفرد به أحمد. وقد رواه البزار من طريق مجاهد، عن أبي هريرة بنحوه، فقال: حدثنا محمد بن إسحاق البكالي، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا [ذوَّاد بن علبة] (^٣)، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"صلوا علي فإنها زكاة لكم، وسلوا الله لي الدرجة الوسيلة من الجنة\" فسألناه أو أخبرنا فقال: \"هي درجة في أعلى الجنة، وهي لرجل، وأرجو أن أكون ذلك الرجل\" في إسناده بعض من تكلم فيه (^٤).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن [مُريح] (^٥) الخولاني، سمعت أبا قيس مولى عمرو بن العاص، سمعت عبد الله بن عمرو يقول: من صلَّى على رسول الله ﷺ صلاة صلى الله عليه وملائكته بها سبعين صلاة، فليقل عبد من ذلك أو ليكثر، وسمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا كالمودع فقال: \"أنا محمد النبي الأمي - قاله ثلاث مرات - ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش وتجوز بي، عوفيت وعوفيت أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله وحرموا حرامه\" (^٦).\nحديث آخر: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو سلمة الخراساني، حدثنا أبو إسحاق، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ذكرت عنده فليصلِّ عليَّ، ومن صلى عليَّ مرة واحدة صلى الله عليه عشرًا\" (^٧). ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث أبي داود الطيالسي، عن أبي سلمة وهو المغيرة بن مسلم الخراساني، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أنس به (^٨).\n_________\n= أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي، والشطر الأول شواهد صحيحة سابقة ولاحقة، ولهذا جود سنده الحافظ ابن كثير.\n(^١) صحيح مسلم، الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (ح ٤٠٨) وسنن أبي داود، الوتر، باب في الاستغفار (ح ١٥٣٠)، وسنن الترمذي، أبواب الوتر، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ح ٤٨٥)، وسنن النسائي، السهو، باب الفضل في الصلاة على النبي ﷺ ٣/ ٥٠.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ٣٧٩ ح ٨٧٧٠) وضعف سنده محققوه.\n(^٣) كذا في كشف الأستار وترجمته في التقريب ص ٢٠٣، وفي الأصل صُحف إلى: \"داود بن علية\".\n(^٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٣٦٣) وسنده ضعيف لضعف ذوَّاد بن علبة كما في التقريب.\n(^٥) كذا في (حم) و(ح) والمسند، وفي الأصل صُحف إلى: \"شريح\".\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ١٧٨ ح ٦٦٠٥) وضعفه محققوه لجهالة عبد الرحمن بن مُريح.\n(^٧) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢١٢٢) وله شواهد سابقة ولاحقة.\n(^٨) السنن الكبرى (ح ٩٨٨٩).","vol":"6","page":234},{"text":"حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا يونس بن عمرو يعني: يونس بن أبي إسحاق، عن بُريد بن أبي مريم، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحطَّ عنه عشر خطيئات\" (^١).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو وأبو سعيد، قالا: حدثنا سليمان بن بلال، عن عمارة بن [غزية] (^٢)، عن عبد الله بن علي بن الحسين، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: \"البخيل من ذكرت عنده ثم لم يُصلّ عليَّ\" وقال أبو سعيد: \"فلم يصلِّ عليَّ\" (^٣) ورواه الترمذي من حديث سليمان بن بلال، ثم قال: هذا حديث حسن غريب صحيح (^٤)، ومن الرواة من جعله من مسند الحسين بن علي، ومنهم من جعله من مسند علي نفسه.\nحديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن معبد بن بلال العنزي، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذرٍّ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ\" (^٥).\nحديث آخر مرسل: قال إسماعيل: وحدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ: \"بحسب امرئ من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي عليَّ\" (^٦).\nحديث آخر: قال الترمذي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا ربعي بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"رَغُمَ أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورَغُمَ أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورَغُمَ أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة\" ثم قال: حسن غريب (^٧).\nقلت: وقد رواه البخاري في الأدب عن محمد بن عبيد الله: حدثنا ابن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه، ورويناه من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به. قال الترمذي: وفي الباب عن جابر وأنس (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩/ ٥٧ ح ١١٩٩٨) وصححه محققوه بالمتابعات والشواهد.\n(^٢) كذا في المسند، وفي الأصل صُحف إلى: \"عرنة\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٥٨ ح ١٧٣٦) قال محققوه: إسناده قوي. اهـ. ويؤكد ذلك الترمذي كما يلي.\n(^٤) سنن الترمذي، الدعوات، باب رقم ١٠١ (ح ٣٥٤٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢٨١١.\n(^٥) أخرجه إسماعيل القاضي بسنده ومتنه (فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم ٣٧) وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن عوف بن مالك، ويشهد له ما يليه.\n(^٦) المصدر السابق رقم ٣٨ وسنده مرسل ويشهد له ما تقدم في رواية الترمذي.\n(^٧) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وحكمه (السنن - الدعوات - باب قول رسول الله ﷺ: رغم أنف رجل ح ٣٥٤٥).\nقال الألباني: حسن صحيح. (صحيح سنن الترمذي ح ٢٨١٠).\n(^٨) المصدر السابق.","vol":"6","page":235},{"text":"قلت: وابن عباس وكعب بن عجرة، وقد ذكرت طرق هذا الحديث في أول كتاب الصيام عند قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ (^١) [الإسراء: ٢٣]، وهذا الحديث والذي قبله دليل على وجوب الصلاة على النبي ﷺ كما ذكر، وهو مذهب طائفة من العلماء منهم الطحاوي والحليمي، ويتقوى بالحديث الآخر الذي رواه ابن ماجه: حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من نسي الصلاة علي أخطأ طريق الجنة\" (^٢) جبارة ضعيف، ولكن رواه إسماعيل القاضي من غير وجه عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال: قال رسول الله: \"من نسي الصلاة عليَّ أخطأ طريق الجنة\" وهذا مرسل يتقوى بالذي قبله، والله أعلم.\nوذهب آخرون إلى أنه تجب الصلاة عليه في المجلس مرة واحدة، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس، بل تستحب، نقله الترمذي عن بعضهم، ويتأيد بالحديث الذي رواه الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرة (^٣) يوم القيامة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم\" (^٤) تفرد به الترمذي من هذا الوجه، ورواه الإمام أحمد، عن حجاج ويزيد بن هارون كلاهما عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله (^٥)، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوقد روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من غير وجه. وقد رواه إسماعيل القاضي من حديث شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن أبي سعيد قال: \"ما من قوم يقعدون ثم يقومون ولا يصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم يوم القيامة حسرة وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب\" (^٦).\nوحكي عن بعضهم أنه إنما تجب الصلاة عليه، ﵊، في العمر مرة واحدة امتثالًا لأمر الآية. ثم هي مستحبة في كل حال، وهذا هو الذي نصره القاضي عياض بعدما حكى الإجماع على وجوب الصلاة عليه ﷺ في الجملة. قال: وقد حكى الطبري أن محمل الآية على الندب وادّعى فيه الإجماع. قال: ولعله فيما زاد على المرة والواجب فيه مرة كالشهادة له بالنبوة، وما زاد على ذلك فمندوب ومرغب فيه من سنن الإسلام وشعار أهله.\n(قلت): وهذا قول غريب، فإنه قد ورد الأمر بالصلاة عليه في أوقات كثيرة، فمنها واجب ومنها مستحب على ما نبينه.\n_________\n(^١) وتقدم تخريجه عند تفسير هذه الآية.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، إقامة الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ ح ٩٠٨)، ضعفه البوصيري لضعف جبارة. (مصباح الزجاجة ١/ ٣١٣).\n(^٣) أي: حسرة وندامة.\n(^٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، الدعوات، باب ما جاء في القوم يجلسون ولا يذكرون الله ح ٣٣٨٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٩١).\n(^٥) (المسند ٢/ ٤٥٣).\n(^٦) فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم ٥٥، ويشهد له سابقه عند الترمذي.","vol":"6","page":236},{"text":"فمنه بعد النداء للصلاة للحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا كعب بن علقمة أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يقول: إنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إذا سمعتم مؤذنًا فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى عليَّ صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة\" وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث كعب بن علقمة (^١).\nطريق أخرى: قال إسماعيل القاضي: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا عمر بن علي بن أبي بكر الجشمي، عن صفوان بن سليم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سأل الله لي الوسيلة حقَّت عليه شفاعتي يوم القيامة\" (^٢).\nحديث آخر: قال إسماعيل القاضي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا سعيد بن زيد، عن ليث، عن كعب الأحبار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"صلوا علي فإن صلاتكم عليَّ زكاة لكم، وسلوا الله لي الوسيلة\" قال: فإما حدثنا وإما سألناه، قال: \"الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون أنا ذلك الرجل\" ثم رواه عن محمد بن أبي بكر، عن معتمر، عن ليث وهو ابن أبي سُليم (^٣) به، وكذا الحديث الآخر.\nقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن سوادة عن زياد بن نعيم، عن [وفاء] الحضرمي (^٤)، عن رويفع بن ثابت الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: \"من صلى على محمد وقال: اللَّهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي\" (^٥). وهذا إسناد لا بأس به ولم يخرجوه.\nأثر آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثني معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، سمعت ابن عباس يقول: اللَّهم تقبل شفاعة محمد الكبرى وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى، كما آتيت إبراهيم وموسى ﵉ (^٦). إسناد جيد قوي صحيح.\nومن ذلك عند دخول المسجد والخروج منه للحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث بن أبي سُليم، عن عبد الله بن الحسن، عن أُمه فاطمة بنت\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٣٥.\n(^٢) المصدر السابق رقم ٥٠ وفي سنده عمر بن علي والجشمي وكلاهما فيهما مقال ويشهد له سابقه.\n(^٣) المصدر السابق رقم ٤٦ و٤٧، وفي سنده ليث وهو ابن أبي سُليم وفيه مقال، وتقدم تخريجه وتضعيفه من رواية البزار من حديث أبي هريرة.\n(^٤) كذا في مسند الإمام أحمد وترجمة وفاء، وفي الأصل و(حم) و(ح) صُحف إلى: \"ورقاء\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٨) وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال، وفيه وفاء الحضرمي وهو مقبول (التقريب ص ٥٨١) ويشهد له سابقة ولاحقة.\n(^٦) أخرجه إسماعيل القاضي بسنده ومتنه (فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم ٥٢)، وقول الحافظ ابن كثير: إسناده جيد قوي صحيح لأنه روي بدرجة هذه الأسانيد حسب نقده رحمه الله تعالى.","vol":"6","page":237},{"text":"الحسين، عن جدته فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، ثم قال: \"اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك\"، وإذا خرج صلى على محمد وسلم، ثم قال: \"اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك\" (^١).\nوقال إسماعيل القاضي: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا سفيان بن عمر التميمي، عن سليمان الضبي، عن علي بن الحسين قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: إذا مررتم بالمساجد فصلوا على النبي ﷺ (^٢).\nوأما الصلاة عليه ﷺ في الصلاة، فقد قدمنا الكلام عليها في التشهد الأخير ومن ذهب إلى ذلك من العلماء، منهم الشافعي ﵀ وأكرمه، وأحمد، وأما التشهد الأول فلا يجب فيه قولًا واحدًا وهل تستحب؟ على قولين للشافعي، ومن ذلك الصلاة عليه ﷺ في صلاة الجنازة، فإن السُّنَّة أن يقرأ في التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب، وفي الثانية يصلي على النبي ﷺ، وفي الثالثة يدعو للميت، وفي الرابعة يقول اللَّهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده.\nقال الشافعي ﵀: حدثنا مطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري، أخبرني أبو أُمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السُّنَّة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ، ويخلص الدعاء للجنازة، وفي التكبيرات لا يقرأ في شيء منها، ثم يسلم سرًا في نفسه (^٣). ورواه النسائي عن أبي أُمامة نفسه أنه قال من السُّنَّة، فذكره (^٤)، وهذا من الصحابي في حكم المرفوع على الصحيح. ورواه إسماعيل القاضي عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي أُمامة بن سهل، عن سعيد بن المسيب أنه قال: السُّنَّة في الصلاة على الجنازة، فذكره (^٥).\nوهكذا روي عن أبي هريرة وابن عمر والشعبي، ومن ذلك في صلاة العيد قال إسماعيل القاضي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة، خرج عليهم الوليد بن عقبة يومًا قبل العيد فقال لهم: إن هذا العيد قد دنا فكيف التكبير فيه؟ قال عبد الله: تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة وتحمد ربك، وتصلي على النبي ﷺ، ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ ثم تكبر وتركع، ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وتصلي\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ١٣ ح ٢٦٤١٦) قال محققوه صحيح لغيره، دون قوله: \"اللهم اغفر لي ذنوبي\" فحسن.\n(^٢) أخرجه إسماعيل القاضي بسنده ومتنه (فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم ٨٠). في سنده سفيان بن عمر التميمي لم أقف على ترجمته.\n(^٣) أخرجه الإمام الشافعي بسنده ومتنه (الأُم ١/ ٢٣٩). وسنده صحيح كما يليه.\n(^٤) أخرجه النسائي (السنن كتاب الجنائز، باب الدعاء ٤/ ٧٥) وصححه الألباني (في صحيح سنن النسائي ح ١٨٨٠).\n(^٥) فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم ٩٤ وسنده كسابقه.","vol":"6","page":238},{"text":"على النبي ﷺ، ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تركع، فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن (^١)، إسناد صحيح.\nومن ذلك أنه يستحب ختم الدعاء بالصلاة عليه ﷺ قال الترمذي: حدثنا أبو داود، حدثنا النضر بن شميل، عن أبي قرة الأسدي، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال: الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيِّك (^٢). وكذا رواه أيوب بن موسى، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب. ورواه معاذ بن الحارث، عن أبي قرة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعًا، وكذا رواه رزين بن معاوية في كتابه مرفوعًا عن النبي ﷺ قال: \"الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد حتى يُصلى عليَّ، فلا تجعلوني كغُمَر الراكب (^٣)، صلوا عليَّ أول الدعاء وآخره وأوسطه\" (^٤)، وهذه الزيادة إنما تُروى من رواية جابر بن عبد الله في مسند الإمام عبد بن حميد الكشي حيث قال: حدثنا جعفر بن عون، أخبرنا موسى بن عبيدة، عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: قال جابر: قال لنا رسول الله ﷺ: \"لا تجعلوني كقدح الراكب إذا علق تعاليقه أخذ قدحه فملأه من الماء، فإذا كان له حاجة في الوضوء توضأ، وإن كان له حاجة في الشرب شرب وإلا أهرق ما فيه، اجعلوني في أول الدعاء وفي وسط الدعاء وفي آخر الدعاء\" (^٥). وهذا حديث غريب، وموسى بن عبيدة ضعيف الحديث.\nومن آكد ذلك دعاء القنوت لما رواه أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث أبي الجوزاء، عن الحسن بن علي ﵄ قال: علّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، وزاد النسائي في سننه بعد هذا وصلى الله على محمد (^٦).\nومن ذلك أنه يستحب الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة وليلة الجمعة.\nقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي\n_________\n(^١) المصدر السابق رقم ٨٨ وصحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، الصلاة، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي ﷺ ح ٤٨٦)، وسنده ضعيف لجهالة أبي قرة الأسدي كما في التقريب. وحسنه الألباني بالشواهد والمتابعات (السلسلة الصحيحة ٢٠٣٥).\n(^٣) أي: كالقدح الصغير الذي يحمله الراكب في رحله، أراد أن عنده ليس بمهم (ينظر النهاية ٣/ ٣٨٥).\n(^٤) عزاه ابن الأثير إلى رزين. (جامع الأصول ٤/ ١٥٥).\n(^٥) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب من مسند عبد بن حميد رقم ١١٣٠) وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي كما في التقريب.\n(^٦) (المسند ٣/ ٢٤٥ ح ١٧١٨) وصحح سنده محققوه وسنن أبي داود، الوتر، باب القنوت في الوتر ١٤٢٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٢٦٣ وسنن الترمذي، الوتر، باب ما جاء في القنوت والوتر ح ٤٦٤)، وسنن النسائي، قيام الليل، باب الدعاء في الوتر ٣/ ٢٤٨، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب ما جاء القنوت في الوتر (ح ١١٧٨)، وصحيح ابن خزيمة (ح ١٠٩٥)، وصحيح ابن حبان ٢/ ١٤٨.","vol":"6","page":239},{"text":"الأشعث الصنعاني، عن أوس الثقفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أفضل أيامكم يوم الجمعة، وفيه خلق آدم وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ\" قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أَرمتَ؟ يعني: وقد بليتَ، قال: \"إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء\" (^١). ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث حسين بن علي الجعفي (^٢). وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والنووي في \"الأذكار\".\nحديث آخر: قال أبو عبد الله ابن ماجه: حدثنا عمرو بن سواد المصري، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عُبادة بن نسي، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدًا لا يصلي عليَّ فيه إلا عرضت عليَّ صلاته حتى يفرغ منها\" قال: قلت وبعد الموت؟ قال: \"إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبي الله حيُّ يرزق\" (^٣). هذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع بين عبادة بن نسي وأبي الدرداء فإنه لم يدركه، والله أعلم.\nوقد روى البيهقي من حديث أبي أُمامة (^٤) وابن مسعود عن النبي ﷺ في الأمر بالإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ولكن في إسنادهما ضعف، والله أعلم. وروي مرسلًا عن الحسن البصري.\nقال إسماعيل القاضي: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسن البصري فقال رسول الله ﷺ: \"لا تأكل الأرض جسد من كلمه روح القدس\" (^٥). مرسل حسن.\nوقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرنا صفوان بن سليم أن النبي ﷺ قال: \"إذا كان يوم الجمعة وليلة الجمعة، فأكثروا الصلاة عليَّ\" (^٦) هذا مرسل، وهكذا يجب على الخطيب أن يصليَّ على النبي ﷺ يوم الجمعة على المنبر في الخطبتين، ولا تصح الخطبتان إلا بذلك لأنها عبادة، وذكر الله شرط فيها فوجب ذكر الرسول ﷺ فيها كالأذان والصلاة، هذا مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/ ٨٤ ح ١٦١٦٢) وصحح سنده محققوه، وللتأكيد على صحته ينظر ما يلي.\n(^٢) سنن أبي داود، الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة (ح ١٠٤٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٩٢٥)، وسنن النسائي، الجمعة، باب إكثار الصلاة على النبي ﷺ ٣/ ٦١، وسنن ابن ماجه الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ (ح ١٦٣٦).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الجنائز، باب ذكر وفاته ﷺ ح ١٦٣٧)، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع، ويتقوى بالشواهد السابقة.\n(^٤) السنن الكبرى ٣/ ٢٤٩، وحسنه السخاوي (القول البديع ص ١٥٣).\n(^٥) فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم ٢٣، وسنده ضعيف لارساله ويتقوى بالشواهد السابقة.\n(^٦) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (الأُم ١/ ١٨٤) وحكمه كسابقه.","vol":"6","page":240},{"text":"ومن ذلك أنه يستحب الصلاة والسلام عليه عند زيارة قبره ﷺ. قال أبو داود: حدثنا ابن [عوف] (^١) هو محمد، حدثنا المقري، حدثنا حيوة، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"ما منكم من أحد يسلم علي إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ عليه¬ السلام\" (^٢). تفرد به أبو داود وصححه النووي في \"الأذكار\": ثم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم\" (^٣). تفرد به أبو داود أيضًا. وقد رواه الإمام أحمد، عن سُريج، عن عبد الله بن نافع وهو الصائغ به (^٤)، وصححه النووي أيضًا.\nوقد روي من وجه آخر متصلًا قال القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه \"فضل الصلاة على النبي ﷺ\": حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عمَّن أخبره من أهل بيته، عن علي بن الحسين بن علي أن رجلًا كان يأتي كل غداة فيزور قبر النبي ﷺ ويصلي عليه، ويصنع من ذلك ما اشتهر عليه علي بن الحسين، فقال له علي بن الحسين: ما يحملك على هذا؟ قال: أحبُّ السلام على النبي ﷺ فقال له علي بن الحسين: هل لك أن أحدثك حديثًا عن أبي؟ قال: نعم. قال له علي بن الحسين: أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تجعلوا قبري عيدًا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا وصلوا عليَّ وسلموا حيثما كنتم، فتبلغني صلاتكم وسلامكم\" (^٥). في إسناده رجل مبهم لم يسم.\nوقد روي من وجه آخر مرسلًا قال عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري، عن ابن عجلان، عن رجل يقال له سهيل، عن الحسن بن الحسن بن علي قال: رأى قومًا عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي ﷺ قال: \"لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني\" (^٦). فلعله رآهم يسيئون الأدب برفع أصواتهم فوق الحاجة فنهاهم. وقد روي أنه رأى رجلًا ينتاب القبر فقال: يا هذا ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء؛ أي: الجميع يبلغه صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.\nوقال الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أحمد بن رشدين المصري، حدثنا سعيد بن أبي\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) وسنن أبي داود، وفي الأصل صُحف إلى: \"عف\".\n(^٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، المناسك، باب زيارة القبور ح ٢٠٤١) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٧٩٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٢٠٤٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٧٩٦).\n(^٤) (المسند ٢/ ٣٦٧).\n(^٥) أخرجه إسماعيل القاضي بسنده ومتنه (فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم ٢٠)، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن علي بن الحسين ويشهد له ما سبق.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم ٦٧٢٦).\nوحكمه كسابقه في العلة والشاهد.","vol":"6","page":241},{"text":"مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني حميد بن أبي زينب، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵃، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: \"صلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني\" (^١).\nثم قال الطبراني: حدثنا العباس بن حمدان الأصبهاني، حدثنا شعيب بن عبد الحميد الطحان، أخبرنا يزيد بن هارون بن أبي شيبان، عن الحكم بن عبد الله بن [خطاف] (^٢)، عن أُم أنيس بنت الحسن بن علي، عن أبيها قال: قال رسول الله ﷺ: \"أرأيت قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾؟ \" فقال: \"إن هذا من المكتوم، ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم، إن الله ﷿ وكَّلَ بي مَلَكين لا أذكر عند عبد مسلم فيصلي عليَّ إلا قال ذانك الملكان غفر الله لك، وقال الله وملائكته جوابًا لذينك الملكين: آمين، ولا يصلي عليَّ أحد إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك، ويقول لله وملائكته جوابًا لذينك الملكين: آمين\" (^٣). غريب جدًا، وإسناده فيه ضعف شديد.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: \"إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أُمتي السلام\" (^٤). وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان بن مهران الأعمش كلاهما عن عبد الله بن السائب به (^٥).\nفأما الحديث الآخر: \"من صلَّى عليَّ عند قبري سمعته، ومن صلَّى عليَّ من بعيد بلغته\" ففي إسناده نظر تفرد به محمد بن مروان السدي الصغير وهو متروك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا (^٦).\nقال أصحابنا: ويستحب للمُحرِم إذا لبَّى وفرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ لما رواه الشافعي والدارقطني من رواية صالح بن محمد بن زائدة، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ على كلِّ حال (^٧).\nوقال إسماعيل القاضي: حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا زكريا، عن الشعبي، عن وهب بن الأجدع قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعًا وصلوا عند المقام ركعتين، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت فكبروا\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ٨٢ والمعجم الأوسط ح ٣٦٧)، قال الهيثمي: فيه حميد بن أبي زينب لم أعرفه (مجمع الزوائد ١٠/ ١٦٢)، وله شواهد ثابتة سابقة.\n(^٢) كذا في المعجم الكبير ومجمع الزوائد وفي الأصل صُحف إلى: \"خطاب\".\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ٨٩ ح ٢٧٥٣) وسنده ضعيف جدًا لأن الحكم بن عبد الله بن خطاف كذاب (مجمع الزوائد ٧/ ٩٣).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٢٦٠ ح ٤٢١٠)، وصحح سنده محققوه.\n(^٥) سنن النسائي، السهو، باب السلام على النبي ﷺ ٣/ ٤٣.\n(^٦) أخرجه العقيلي من طريق محمد بن مروان السدي به (الضعفاء الكبير ٤/ ١٣٦)، وسنده ضعيف جدًا لأن السدي الصغير متروك.\n(^٧) أخرجه الشافعي من طريق صالح بن محمد بن زائدة به (الأُم، الحج، باب ما يستحب من القول في أثر التلبية ٢/ ١٣٤) وسنده مرسل.","vol":"6","page":242},{"text":"سبع مرات تكبيرًا بين حمد الله وثناء عليه وصلاة على النبي ﷺ ومسألة لنفسك، وعلى المروة مثل ذلك (^١). إسناد جيد حسن قوي.\nقالوا: ويستحب الصلاة على النبي ﷺ مع ذكر الله عند الذبح، واستأنسوا بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح]، قال بعض المفسرين: يقول الله تعالى: لا أذكر إلا ذكرت معي، وخالفهم في ذلك الجمهور وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الله تعالى كما عند الأكل والدخول والوقاع وغير ذلك مما لم ترد فيه السُّنة بالصلاة على النبي ﷺ.\nحديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عمر بن هارون، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"صلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني\" (^٢)، في إسناده ضعيفان، وهما: عمر بن هارون وشيخه، والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن موسى بن عبيدة الربذي به (^٣).\nومن ذلك أنه يستحب الصلاة عليه عند طنين الأذن إن صحَّ الخبر في ذلك على أن الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قد رواه في صحيحه فقال: حدثنا زياد بن يحيى، حدثنا معمر بن محمد بن عبيد الله، عن علي بن أبي رافع، عن أبيه، عن أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا طنَّت أذن أحدكم فليذكرني وليصلِّ عليَّ وليقل ذكر الله من ذكرني بخير\" (^٤). إسناده غريب، وفي ثبوته نظر، والله أعلم.\nمسألة: وقد استحب أهل الكتابة أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي ﷺ كلما كتبه، وقد ورد في الحديث من طريق كادح بن رحمة، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صلى عليَّ في كتاب لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب\" (^٥). وليس هذا الحديث بصحيح من وجوه كثيرة وقد روي من حديث أبي هريرة ولا يصح أيضًا (^٦)، قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي شيخنا أحسبه موضوعًا، وقد روي نحوه عن أبي بكر وابن عباس ولا يصح من ذلك شيء والله أعلم.\nوقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه (الجامع لآداب الراوي والسامع) قال: رأيت بخط الإمام أحمد بن حنبل ﵀ كثيرًا ما يكتب اسم النبي ﷺ من غير ذكر الصلاة عليه كتابة قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظًا (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه إسماعيل القاضي بسنده ومتنه فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم ٨١. وحسنه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم ٤٥ وسنده ضعيف جدًا.\n(^٣) مصنف عبد الرزاق رقم ٣١١٨ وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة الربذي.\n(^٤) أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير ٢/ ١٢٠ ح ١١٠٤)، وابن عدي (الكامل في الضعفاء ٦/ ٤٥١)، معمر بن محمد به، وقال ابن عدي: معمر بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه منكر الحديث. اهـ. وسنده ضعيف جدًا.\n(^٥) أخرجه الأصبهاني من طريق كادح بن رحمة به (الترغيب ح ١٦٩٩) والحديث موضوع كما قرر الحافظ الذهبي، وكادح بن رحمة: وضاع (ينظر لسان الميزان ٤/ ٤٨١).\n(^٦) المعجم الأوسط للطبراني (ح ٢٣٤).\n(^٧) الجامع لأخلاق الراوي والسامع ١/ ٢٧١.","vol":"6","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-151>فصل</span>\nوأما الصلاة على غير الأنبياء فإن كانت على سبيل التبعية كما تقدم في الحديث اللَّهم صل على محمد وآله وأزواجه وذريته، فهذا جائز بالإجماع وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم فقال قائلون: يجوز ذلك، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وبقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وبقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وبحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: \"اللَّهم صلِّ عليهم\" فأتاه أبي بصدقته فقال: \"اللَّهم صلِّ على آل أبي أوفى\" أخرجاه في الصحيحين (^١)، وبحديث جابر أن امرأته قالت يا رسول الله صلِّ علي وعلى زوجي، فقال: \"صلى الله عليك وعلى زوجك\" (^٢).\nقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة لأن هذا قد صار شعارًا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم فلا يقال: قال أبو بكر صلى الله عليه أو قال علي صلى الله عليه، وإن كان المعنى صحيحًا، كما لا يقال: قال محمد ﷿، وإن كان عزيزًا جليلًا لأن هذا من شعار ذكر الله ﷿، وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسُّنَّة على الدعاء لهم، ولهذا لم يثبت شعارًا لآل أبي أوفى ولا لجابر وامرأته، وهذا مسلك حسن.\nوقال آخرون: لا يجوز ذلك لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدى بهم في ذلك والله أعلم.\nثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم أو الكراهة التنزيهية أو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاه الشيخ أبو زكريا النووي في كتاب الأذكار. ثم قال: والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه لأنه شعار أهل البدع وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود. قال أصحابنا والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء، كما أن قولنا: ﷿ مخصوص بالله تعالى فكما لا يقال: محمد ﷿ وإن كان عزيزًا جليلًا لا يقال: أبو بكر أو علي صلى الله عليه (^٣)، هذا لفظه بحروفه.\nقال: وأما السلام؟ فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو في معنى الصلاة فلا يستعمل في الغائب ولا يفرد به كير الأنبياء فلا يقال: علي ﵇ وسواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به فيقال: سلام عليك، وسلام عليكم أو السلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه انتهى ما ذكره.\n(قلت): وقد غلب هذا في عبارة كثيرة من النساخ للكتب أن ينفرد علي ﵁ بأن يقال ﵇ من دون سائر الصحابة أو كرم الله وجهه، وهذا وإن كان معناه صحيحًا، لكن ينبغي أن يسوى\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية من سورة الأحزاب.\n(^٢) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية من سورة الأحزاب.\n(^٣) الأذكار ص ١٥٩.","vol":"6","page":244},{"text":"بين الصحابة في ذلك فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه ﵃ أجمعين.\nقال إسماعيل القاضي: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب بن زياد، حدثني عثمان بن حكيم بن عبادة بن حنيف، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا تصح الصلاة على أحد إلا على النبي ﷺ ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالمغفرة (^١).\nوقال أيضًا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حسين بن علي، عن جعفر بن برقان، قال كتب عمر بن عبد العزيز ﵀: أما بعد فإن ناسًا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناسًا من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي ﷺ، فإذا جاءك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة ويدعوا ما سوى ذلك. أثر حسن (^٢).\nقال إسماعيل القاضي: حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نبيه بن وهب أن كعبًا دخل على عائشة ﵂ فذكروا رسول الله ﷺ فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفون بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ سبعون ألفًا بالليل وسبعون ألفًا بالنهار حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يزفونه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-152>فرع</span>\nقال النووي: إذا صلى على النبي ﷺ فليجمع بين الصلاة والتسليم فلا يقتصر على أحدهما فلا يقول: صلى الله عليه فقط، ولا ﵇ فقط، وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فالأولى أن يقال ﷺ تسليمًا.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾.\nيقول تعالى متهددًا ومتوعدًا من آذاه بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك وإيذاء رسوله بعيب أو بنقص - عياذًا بالله من ذلك - قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ نزلت في المصورين (^٤).\nوفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة\n_________\n(^١) نسبه الحافظ ابن حجر إلى القاضي إسماعيل بن إسحاق الجهضمي في أحكام القرآن وصحح سنده (فتح الباري ٨/ ٥٣٤).\n(^٢) ذكره الحافظ ابن حجر نقلًا عن كتاب \"أحكام القرآن\" للقاضي الجهضمي بسنده ومتنه وحسّن سنده. (فتح الباري ٨/ ٥٣٤).\n(^٣) أخرجه إسماعيل القاضي الجهضمي بسنده ومتنه (فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم ١٠٢) وسنده مرسل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٨/ ٤٥٨)، والطبري كلاهما من طريق سلمة بن الحجاج عن عكرمة، وسلمة مقبول كما في التقريب.","vol":"6","page":245},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله ﷿: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب ليله ونهاره\" (^١).\nومعنى هذا أن الجاهلية كانوا يقولون: يا خيبة الدهر فعل بنا كذا وكذا، فيسندون أفعال الله وتعالى إلى الدهر ويسبونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله ﷿ فنهى عن ذلك. هكذا قرره الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من العلماء ﵏.\n\n<span id=\"aya-3590\"></span>وقال العوفي: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ نزلت في الذين طعنوا على النبي ﷺ في تزويجه صفية بنت حُييّ بن أخطب (^٢).\nوالظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء ومن آذاه فقد آذى الله كما أن من أطاعه فقد أطاع الله كما قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن عبيدة [بن أبي رائطة] (^٣) الحذاء التيمي عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن المغفل المزني قال: قال رسول الله ﷺ: \"الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه\" (^٤). وقد رواه الترمذي من حديث عبيدة بن أبي رائطة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن المغفل به، ثم قال: وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٥).\n\n<span id=\"aya-3591\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ أي: ينسبون إليهم ما هم برآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ وهذا هو البهت الكبير أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم فإن الله ﷿ قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم وينتقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدًا فهم في الحقيقة، منكسو القلوب يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين.\nوقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز يعني: ابن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: \"ذكرك أخاك بما يكره\" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: \"إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته\" (^٦). وهكذا رواه الترمذي، عن قتيبة، عن الدراوردي به ثم قال حسن صحيح (^٧).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير، سورة الجاثية (ح ٤٨٢٦)، وصحيح مسلم، الألفاظ من الأدب، باب النهي عن سب الدهر (ح ٢٢٤٦).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٣) كذا في المسند وفي الأصل و(ح) و(حم) صُحف إلى: \"رابطة\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧/ ٣٥٨ ح ١٦٨٠٣) وضعف سنده محقفوه.\n(^٥) السنن، المناقب، باب فيمن سبَّ أصحاب رسول الله ﷺ (ح ٣٨٦٢) وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب في الغيبة ح ٤٨٧٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٧٩).\n(^٧) السنن، البر والصلة، باب ما جاء في الغيبة (ح ١٩٣٤).","vol":"6","page":246},{"text":"وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن عمار بن أنس، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"أي الربا أربى عند الله؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم قال: \"أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم\" ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-3592\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ تسليمًا أن يأمر النساء المؤمنات - خاصة أزواجه وبناته لشرفهنَّ - بأن يدنين عليهنَّ من جلابيبهنَّ ليتميزنَّ عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء، والجلباب هو الرداء فوق الخمار، قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد (^٢)، وهو بمنزلة الإزار اليوم.\nقال الجوهري: الجِلباب الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلًا لها:\nتمشي النسور إليه وهي لاهيةٌ … مشيَ العذارى عليهن الجلابيب (^٣)\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويُبدينَ عينًا واحدة (^٤).\nوقال محمد بن سيرين: سألت عَبيدة السلماني عن قول الله ﷿: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى (^٥).\nوقال عكرمة: تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني فيما كتب إليَّ، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خيثم، عن صفية بنت شيبة، عن أُم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهنَّ الغربان من السكينة وعليهنَّ أكسية سود يلبسنها (^٧).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف عمار بن أنس، ومعاوية بن هشام صدوق له أوهام، وفي متنه غرابة في زيادة قراءة الآية بعد الحديث.\n(^٢) قول ابن مسعود هو الرداء عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وقول عَبيدة سيأتي بعد الرواية التالية وقول قتادة هو: أخذ الله عليهن إذا خرجنَ أن يقنعن على الحواجب، أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعد بن أبي عروبة عنه.\n(^٣) الصحاح ١/ ١٠١.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق محمد بن سيرين عن عَبيدة السلماني.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٧) أخرجه أبو داود من طريق معمر به مختصرًا لبس النساء، باب في قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] (ح ٤١٠١) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٥٧).","vol":"6","page":247},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثنا يونس بن يزيد قال: وسألناه يعني الزهري هل على الوليدة خمار متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها الخمار إن كانت متزوجة وتنهى عنِ الجِلباب لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر المحصنات وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (^١).\nوروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة وإنما نهى عن ذلك لخوف الفتنة لا لحرمتهن واستدل بقوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أي: إذا فعلنَّ ذلك عُرفنَّ أنهنَّ حرائر، لسن بإماء ولا عواهر.\nقال السدي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ قال: كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهنَّ، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهنَّ، فإذا رأوا المرأة عليها جلباب قالوا: هذه حرة فكفُّوا عنها، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا: هذه أمة فوثبوا عليها (^٢).\nوقال مجاهد: يتجلببن فيعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك،\n\n<span id=\"aya-3593\"></span>ثم قال تعالى متوعدًا للمنافقين وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال عكرمة وغيره: هم الزناة (^٤) ههنا.\n﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ يعني: الذين يقولون جاء الأعداء وجاءت الحروب، وهو كذب وافتراء لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أي: لنسلطنك عليهم (^٥).\nوقال قتادة: لنحرشنَّك بهم (^٦).\nوقال السدي: لنعلمنك بهم (^٧).\n﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا﴾ أي: في المدينة ﴿إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾\n\n<span id=\"aya-3594\"></span>﴿مَلْعُونِينَ﴾ حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة مطرودين مُبعدين ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ أي: وجدوا ﴿أُخِذُوا﴾ لذلتهم وقلتهم ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾\n\n<span id=\"aya-3595\"></span>ثم قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هذه سنته في\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وسنده مرسل، والسدي فيه تشيع.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس ومجاهد بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن مالك بن دينار عن عكرمة، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٨/ ٣٠٩).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.","vol":"6","page":248},{"text":"المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عما هم فيه أن أهل الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ أي: وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير.\n\n<span id=\"aya-3596\"></span>﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا لرسوله صلوات الله وسلامه عليه أنه لا علم له بالساعة وإن سأله الناس عن ذلك، وأرشده أن يردَّ علمها إلى الله ﷿ كما قال الله تعالى في سورة الأعراف وهي مكية، وهذه مدنية فاستمر الحال في ردِّ علمها إلى الذي يقيمها لكن أخبره أنها قريبة بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر]، وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء]، وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].\n\n<span id=\"aya-3597\"></span>ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ أي: في الدار الآخرة\n\n<span id=\"aya-3598\"></span>﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: ماكثين مستمرين فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه.\n\n<span id=\"aya-3599\"></span>ثم قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾ أي: يُسحبون في النار على وجوههم وتلوى وجوههم على جهنَّم يقولون وهم كذلك، يتمنون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول كما أخبر الله عنهم في حال العرصات بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحجر]، وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يودون أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا\n\n<span id=\"aya-3600\"></span>﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾، وقال طاوس: سادتنا يعني: الأشراف، وكبراءنا يعني: العلماء، رواه ابن أبي حاتم.\nأي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئًا وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء\n\n<span id=\"aya-3601\"></span>﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: بكفرهم وإغوائهم إيانا، ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ قرأ بعض القراء بالباء الموحدة، وقرأ آخرون بالثاء المثلثة (^١) وهما قريبا المعنى كما في حديث عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: \"قل اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم\" أخرجاه في الصحيحين (^٢)، يروى\n_________\n(^١) وهي قراءة شاذة تفسيرية قرأ بها الحسن البصري (ينظر: إتحاف فضلاء البشر ص ٣٥٦).\n(^٢) أخرجاه من حديث أبي بكر ﵁ صحيح البخاري الأذان، باب الدعاء قبل السلام (ح ٨٣٤) وصحيح =","vol":"6","page":249},{"text":"كثيرًا وكبيرًا (^١) وكلاهما بمعنى صحيح واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة وهذا تارة كما أن القارئ مُخيّر بين القراءتين (^٢) أيهما قرأ فَحَسَن وليس له الجمع بينهما، والله أعلم.\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ضِرار بن صُرَد، حدثنا علي بن هاشم، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه في تسمية من شهد مع علي ﵁ الحجَّاج بن عمرو بن [غزية] (^٣)، وهو الذي كان يقول عند اللقاء: يا معشر الأنصار أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ (^٤)؟\n\n<span id=\"aya-3602\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾.\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا عوف، عن الحسن ومحمد وخلاس، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ إن موسى كان رجلًا حييًّا وذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ (^٥). هكذا أورد هذا الحديث ههنا مختصرًا جدًا وقد رواه في أحاديث الأنبياء بهذا السند بعينه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن موسى ﵇ كان رجلًا حييًّا ستيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يتستر هذا التستر إلا من عيب في جلده إما برص وإما أدرة (^٦) وإما آفة\". وإن الله ﷿ أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى ﵇ فخلا يومًا وحده فخلع ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله ﷿ وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربًا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبًا (^٧) من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ (^٨). وهذا سياق حسن مطول وهذا الحديث من إفراد البخاري دون مسلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا عوف، عن الحسن، عن النبي ﷺ. وخلاس ومحمد،\n_________\n= مسلم، الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (ح ٢٧٠٥).\n(^١) قراءة: كثيرًا شاذة، وقراءة كبيرًا متواترة.\n(^٢) أي: القراءتين المتواترتين.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"غرمة\".\n(^٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ٢٢٣) وفي سنده ضراء بن صُرَد: صدوق له أوهام وخطأ ورمي بالتشيع كما في التقريب ص ٢٨٠، وكذلك علي بن هاشم فيه تشيّع.\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩] ح ٤٧٩٩).\n(^٦) أي: نفخة في الخصية.\n(^٧) الندب أي: أثر العصا.\n(^٨) أخرجه البخاري بالسند المتقدم في الحديث السابق ومتنه. (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب رقم ٢٨ ح ٣٤٠٤).","vol":"6","page":250},{"text":"عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ قال: قال رسول الله: \"إن موسى كان رجلًا حييًّا ستيرًا لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه\". ثم ساق الحديث كما رواه البخاري مطولًا (^١). ورواه عنه في تفسيره عن روح عن عوف به (^٢). ورواه ابن جرير من حديث الثوري، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحو هذا (^٣). وهكذا رواه من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير وعبد الله بن الحارث، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ قال: قال قومه له إنك آدر فخرج ذات يوم يغتسل فوضع ثيابه على صخرة فخرجت الصخرة تشد بثيابه وخرج يتبعها عريانًا حتى انتهت به مجالس بني إسرائيل فرأوه ليس بآدر، فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ (^٤). وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس ﵄ سواء.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا روح بن حاتم وأحمد بن المعلى الآدمي قالا: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: \"كان موسى ﵇ رجلًا حييًا وإنه أتى - أحسبه قال الماء - ليغتسل فوضع ثيابه على صخرة وكان لا يكاد تبدو عورته فقال بنو إسرائيل (^٥): إن موسى آدر أو به آفة - يعنون أنه لا يضع ثيابه - فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى كأحسن الرجال\" - أو كما قال - فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب ﵃ في قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون ﵇ فقال بنو إسرائيل لموسى ﵇ أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حياء، فآذوه من ذلك، فأمر الله الملائكة فحملته فمروا به على مجالس بني إسرائيل، فتكلمت بموته فما عرف موضع قبره إلا الرخم وإن الله جعله أصم أبكم (^٧). وهكذا رواه ابن جرير عن علي بن موسى الطوسي، عن عباد بن العوام (^٨) به. ثم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥١٤) وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري من طريق روح به (المصدر السابق).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي ويشهد له ما سبق.\n(^٤) أخرجه الطبري من أبي معاوية عن الأعمش به، وسنده حسن، ويشهد له ما سبق في رواية البخاري وأحمد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بالشواهد السابقة.\n(^٦) أخرجه البزار بسنده ومتنه قال الحافظ ابن حجر: هذا إسناد حسن، له شاهد في الصحيح من حديث أبي هريرة (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ١٠٢ ح ١٥٠٠) وهذا الشاهد تقدم في الحديث السابق في رواية البخاري وأحمد.\n(^٧) ذكره الحافظ ابن حجر وقال: إسناده قوي (فتح الباري ٨/ ٥٣٤). وأخرجه الحاكم من طريق عباد بن العوام به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٧٩).\n(^٨) أخرجه بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.","vol":"6","page":251},{"text":"قال: وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى وجائز أن يكون الأول هو المراد فلا قول أولى من قول الله ﷿.\n(قلت): يحتمل أن يكون الكل مرادًا وأن يكون معه غيره، والله أعلم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قسم رسول الله ﷺ ذات يوم قسمًا فقال رجل من الأنصار إن هذه القسمة ما أُريد بها وجه الله قال: فقلت: يا عدو الله أما لأخبرنَّ رسول الله ﷺ بما قلت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فاحمرَّ وجهه ثم قال: \"رحمة الله على موسى لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر\" (^١). أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش به (^٢).\nطريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هشام مولى الهمداني، عن زيد بن زائدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا فإني أُحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر\" فأتى رسول الله ﷺ مال فقسمه، قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة، قال: فتثبت حتى سمعت ما قالا ثم أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنك قلت لنا: \"لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئًا\" وإني مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا، فاحمرَّ وجه رسول الله ﷺ وشقَّ عليه ثم قال: \"دعنا منك لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر\" (^٣).\nوقد رواه أبو داود في الأدب عن محمد بن يحيى الذهلي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل، عن الوليد بن أبي هشام به مختصرًا: \"لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر\" (^٤). وكذا رواه الترمذي في المناقب عن الذهلي سواء إلا أنه قال زيد بن زائدة، ورواه أيضًا عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد كلاهما، عن إسرائيل، عن السدي، عن الوليد بن أبي هشام به مختصرًا أيضًا فزاد في إسناده السدي، ثم قال: غريب من هذا الوجه (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ أي: له وجاهة وجاه عند ربه ﷿.\nقال الحسن البصري: كان مستجاب الدعوة عند الله (^٦)، وقال غيره من السلف: لم يسأل الله\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٨٠) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب رقم ٢٨ (ح ٣٤٠٥)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (ح ١٠٦٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٢ ح ٣٧٥٩)، وضعف مسنده محققوه وقالوا: لبعضه شواهد. اهـ. ثم سردوا تلك الشواهد. ومن هذه الشواهد: الرواية التالية.\n(^٤) السنن، الأدب، باب في رفع الحديث (ح ٤٨٦٠) وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود.\n(^٥) السنن، المناقب، باب فضل أزواج النبي ﷺ (ح ٣٨٩٧).\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. ومعناه صحيح.","vol":"6","page":252},{"text":"شيئًا إلا أعطاه، ولكن منع الرؤية لما يشاء الله ﷿. وقال بعضهم: من وجاهته العظيمة عند الله أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه فأجاب الله سؤاله فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ [مريم].\n\n<span id=\"aya-3603\"></span>\n\n<span id=\"aya-3604\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه وأن يقولوا ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أي: مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم؛ أي: يوفقهم للأعمال الصالحة وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم في المستقبل يُلهمهم التوبة منها ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وذلك أن يجار من نار الجحيم ويصير إلى النعيم المقيم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، حدثنا خالد، عن ليث، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر، فلما انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا فقال: \"إن الله تعالى أمرني أن آمركم أن تتقوا الله وتقولوا قولًا سديدًا\" (^١).\nوقال ابن أبي الدنيا في كتاب (التقوى): حدثنا محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد العزيز بن عمران الزهري، حدثنا عيسى بن سمرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: ما قام رسول الله ﷺ على المنبر إلا سمعته يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ الآية (^٢)، غريب جدًا.\nوروى من حديث عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس موقوفًا: من سرَّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله (^٣).\nقال عكرمة: القول السديد لا إله إلا الله (^٤).\nوقال غيره: السديد الصدق (^٥).\nوقال مجاهد: هو السداد (^٦).\nوقال غيره: هو الصواب. والكل حق.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لما قيل في ليث وهو ابن أبي سُليم، وأخرجه الإمام أحمد من طريق ليث به (المسند ٤/ ٣٩١).\n(^٢) سنده ضعيف لضعف عبد العزيز بن عمران كما في لسان الميزان.\n(^٣) سنده ضعيف جدًا لأن عبد الرحيم بن زيد العمي وهو: متروك. (التقريب ٣٥٤).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني وهو ضعيف.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الكلبي، ويشهد له ما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"6","page":253},{"text":"<span id=\"aya-3605\"></span>﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس: يعني بالأمانة الطاعة وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم فلم يطقنها فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا ربِّ وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم فتحملها ذلك قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (^١).\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الأمانة الفرائض، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك، وأشفقوا عليه من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله أن لا يقوموا بها ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها وهو قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ يعني غِرًّا بأمر الله (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ قال: عرضت على آدم، فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، قال: قبلت فما كان إلا مقدار ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة (^٣)، وقد روى الضحاك عن ابن عباس قريبًا من هذا (^٤)، وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه، والله أعلم. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض (^٥)، وقال آخرون: هي الطاعة (^٦).\nوقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال أُبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة أؤتمنت على فرجها (^٧).\nوقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود (^٨).\nوقال بعضهم: الغسل من الجنابة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بالروايتين التاليتين.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن الأنباري (الأضداد ص ٣٨٩) بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الطبري والبُستي بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق شعبة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٢٢).\n(^٤) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك بدون ذكر ابن عباس ﵄، ويتقوى بسابقه.\n(^٥) قول الضحاك تقدم في الرواية السابقة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عُبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٧) أخرجه الطبري والحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٢٢).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"6","page":254},{"text":"وقال مالك: عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة: الصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة (^١). وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها بل متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفق الله وبالله المستعان.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة [البصري] (^٢)، حدثنا حماد بن واقد؛ يعني: أبا عمر الصفار سمعت أبا معمر يعني: عون بن معمر يحدث عن الحسن، يعني: البصري أنه تلا هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ قال: عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت قالت: لا ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال: فقيل لها هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، قالت: لا، ثم عرضها على الجبال الشمِّ الشوامخ الصعاب الصلاب، قال: قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا (^٣).\nوقال مقاتل بن حيان: إن الله تعالى حين خلق خلقه جمع بين الإنس والجن والسماوات والأرض والجبال فبدأ بالسماوات فعرض عليهن الأمانة، وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة، ولكن على الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ فقلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا الأمر وليس بنا قوة ولكنا لك مطيعون، ثم عرض الأمانة على الأرضين فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني، وأعطيكن الفضل والكرامة في الدنيا؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب، ولا نطيق ولكنا لك سامعون مطيعون لا نعصيك في شيء أمرتنا به. ثم قرّب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة، فلك عندي الكرامة والفضل، وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت، ولم ترعها حق رعايتها، وأسأت فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار، قال رضيت يا ربِّ، وتحمَّلها، فقال الله ﷿ عند ذلك قد حملتكها فذلك قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ رواه ابن أبي حاتم (^٤).\nوعن مجاهد أنه قال: عرضها على السماوات فقالت: يا رب حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا ربِّ غرست فيَّ الأشجار وأجريت فيَّ الأنهار وسكان الأرض وما ذكر وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة، وقالت الجبال مثل ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ في عاقبة أمره (^٥)،\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"بدون\".\n(^٣) سنده ضعيف لضعف حماد بن واقد وإرسال الحسن البصري ولبعضه شواهد تقدمت عن ابن عباس.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وسنده ضعيف معضل ويشهد لبعضه ما تقدم عن ابن عباس.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وهو مرسل.","vol":"6","page":255},{"text":"وهكذا قال ابن جريج. وعن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة ضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن، وقلن: ربنا لا طاقة لنا بالعمل ولا نريد الثواب (^١).\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾. فقال الإنسان: بين أذني وعاتقي، فقال الله ﷿: إني معينك عليها، إني معينك على عينيك بطبقتين، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق، ومعينك على لسانك بطبقتين، فإذا نازعك إلى ما أكره فأطبق، ومعينك على فرجك بلباس فلا تكشفه إلى ما أكره (^٢). ثم روي عن أبي حازم نحو هذا (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾، قال: إن الله تعالى عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين ويجعل لهن ثوابًا وعقابًا، ويستأمنهن على الدين، فقلن لا، نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابًا ولا عقابًا، قال: وعرض الله ﵎ على آدم فقال: بين أذني وعاتقي، قال ابن زيد: قال الله تعالى له: أما إذا تحملت هذا فسأعينك، أجعل لبصرك حجابًا فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك، فأرخَّ عليه حجابه وأجعل للسانك بابًا وغلقًا، فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباسًا فلا تكشفه إلا على ما أحللت [لك] (^٤) (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير ﵁، وكان من أصحاب النبي ﷺ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء فأرسلوا به، فمنهم رسول الله، ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن وهو كلام الله، وأنزلت العجمية والعربية، فعلموا أمر القرآن، وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله تعالى شيئًا من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم إلا بيّنه لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب، فعالم يعمل وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وصل إليّ وإلى أمتي، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، فالحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملًا\" (^٦). هذا حديث غريب جدًا، وله شواهد من وجوه أخرى.\nثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، حدثنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة وأبان بن أبي عياش، عن خُليد العصري، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وهو معضل.\n(^٢) سنده صحيح لكنه مرسل.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وسنده مرسل.\n(^٤) كذا في تفسير الطبري، ولم ترد في الأصل وفي (حم) (ح).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف معضل.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، واستغربه الحافظ ابن كثير، ولبعضه شواهد.","vol":"6","page":256},{"text":"من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها - وكان يقول:- وايمُ الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن وأدى الأمانة\". قالوا: يا أبا الدرداء وما أداء الأمانة؟ قال ﵁: الغسل من الجنابة، فإن الله تعالى لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره (^١). وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن أبي العوام عمران بن دوار القطان به (^٢).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها - أو قال - يكفر كل شيء إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أدِّ أمانتك، فيقول أنى يا ربِّ وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أدِّ أمانتك، فيقول: أنَّى يا ربِّ وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أدِّ أمانتك، فيقول: أنَّى يا ربِّ وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول: اذهبوا به إلى أُمه الهاوية، فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت قدمه فهوى في أثرها أبد الآبدين\" قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع، فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق.\nوقال شريك: وحدثنا عياش العامري، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ بنحوه، ولم يذكر الأمانة في الصلاة وفي كل شيء (^٣)، إسناده جيد، ولم يخرجوه.\nومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السُّنَّة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل (^٤) كجمر دحرجته على رجلك، تراه منتبرًا (^٥) وليس فيه شيء، قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله قال: فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، حتى يقال للرجل ما أجلده وأظرفه وأعقله وما في قلبه حبة خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أُبالي أيكم بايعت إن كان مسلمًا ليردنَّه علي دينه، وإن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنَّه على ساعيه (^٦)، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه أبو داود من طريق أبي العوام عمران بن دواد القطان به (السنن، الصلاة، باب المحافظة على وقت الصلوات ح ٤٢٩) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٤). وأراه موقوفًا أو مرسلًا عن التابعين وأن الذي رفعه أبو العوام عمران فإنه صدوق يهم (التقريب ص ٤٢٩)، وقد أخرجه الطبراني من طريق عمران به بدون ذكر أبي الدرداء (المعجم الصغير ٢/ ٥) وكذا أخرجه أبو نعيم من طريق عمران به بدون ذكر أبي الدرداء ﵁ (أخبار أصبهان ٢/ ١٨٩).\n(^٢) تقدم تخرجه في الرواية السابقة.\n(^٣) أخرجه الطبري بطريقيه ومتنه، وجوّد سنده الحافظ ابن كثير، لكن في سند شريك وفيه مقال في حفظه.\n(^٤) أي: أثر العمل بالأشياء الصلبة الخشنة.\n(^٥) أي: منتفخًا.\n(^٦) أي: رئيسهم.","vol":"6","page":257},{"text":"وفلانًا (^١). وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"أربع إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا. حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة\" هكذا رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما (^٣).\nوقد قال الطبراني في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: حدثنا يحيى بن أيوب العلاف المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن ابن حجيرة، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة\" (^٤). فزاد في الإسناد ابن حجيرة وجعله في مسند ابن عمر ﵄.\nوقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة، قال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق الشيباني، عن خناس بن سحيم أو قال: [جَبَلَة] (^٥) بن سحيم، قال: أقبلت مع زياد بن حدير من الجابية فقلت في كلامي لا والأمانة، فجعل زياد يبكي ويبكي فظننت أني أتيت أمرًا عظيمًا، فقلت له: أكان يكره هذا؟ قال: نعم، كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي (^٦). وقد ورد في ذلك حديث مرفوع قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي، عن ابن بُريدة، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حلف بالأمانة فليس منا\" (^٧) تفرد به أبو داود ﵀.\n\n<span id=\"aya-3606\"></span>وقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ أي: إنما حمل بني آدم الأمانة وهي التكاليف، ليعذب الله المنافقين منهم والمنافقات، وهم الذين يظهرون الإيمان خوفًا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ومخالفة رسله ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: وليرحم المؤمنين من الخلق الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله العالمين بطاعته ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n[آخر تفسير سورة الأحزاب، والحمد لله رب العالمين] (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٨٣) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الفتن، باب إذا بقي حثالة من الناس (ح ٧٠٨٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب رفع الأمانة (ح ١٤٣).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٧٧) وفي سنده ابن لهيعة وفي حفظه مقال، وهنا رواه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي هذه الرواية والتالية رواه من حديث عبد الله بن عمر.\n(^٤) عزاه الهيثمي إلى الطبراني وحسن سنده (مجمع الزوائد ٤/ ١٤٥)، ولكن فيه ابن لهيعة ولا يحسن على الإطلاق وإنما إذا عرف أن الراوي عنه قبل احتراق كتب ابن لهيعة.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"خيله\".\n(^٦) أخرجه عبد الله بن المبارك بسنده ومتنه (الزهد رقم ٢١٣) وفي سنده شريك في حفظه مقال، ويشهد له الخبر التالي.\n(^٧) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأيمان والنذور، باب كراهية الحلف بالأمانة ح ٣٢٥٣) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٧٨٨).\n(^٨) زيادة من (ح).","vol":"6","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-153>سُورَةُ سَبَإٍ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-3607\"></span>\n\n<span id=\"aya-3608\"></span>﷽\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾.\nيخبر تعالى عن نفسه الكريمة أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة، لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القصص]، ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع ملكه وعبيده وتحت تصرفه وقهره، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ [الليل].\nثم قال: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ فهو المعبود أبدًا، المحمود على طول المدى.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره ﴿الْخَبِيرُ﴾ الذي لا تخفى عليه خافية ولا يغيب عنه شيء.\nوقال مالك، عن الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره (^١)، ولهذا قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور، والكامن فيها، ويعلم ما يخرج من ذلك عدده وكيفيته وصفاته ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من قطر ورزق، وما يعرج فيها؛ أي: من الأعمال الصالحة وغير ذلك ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ أي: الرحيم بعباده، فلا يعاجل عصاتهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه.\n\n<span id=\"aya-3609\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾.\nهذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهنَّ مما أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يقسم بربه\n_________\n(^١) سنده صحيح.","vol":"6","page":259},{"text":"العظيم على وقع: المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهنَّ في سورة يونس ﵇، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس]، والثانية هذه ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، والثالثة في سورة التغابن، وهي قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن]، فقال تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره، فقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nقال مجاهد وقتادة: لا يعزب عنه لا يغيب عنه (^١)؛ أي: الجميع مندرج تحت علمه، فلا يخفى عليه شيء، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت، أين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة، فإنه بكل شيء عليم.\n\n<span id=\"aya-3610\"></span>\n\n<span id=\"aya-3611\"></span>ثم بيّن حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة، بقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: سعوا في الصد عن سبيل الله تعالى وتكذيب رسله، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ أي: لينعم السعداء من المؤمنين ويعذب الأشقياء من الكافرين، كما قال ﷿: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص].\n\n<span id=\"aya-3612\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله تعالى في الدنيا، رأوه حينئذٍ عين اليقين، ويقولون يومئذٍ أيضًا: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ويقال أيضًا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢]. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]، ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ العزيز هو المنيع الجناب الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كلَّ شيء وغلبه، الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وهو المحمود في ذلك كله.\n\n<span id=\"aya-3613\"></span>\n\n<span id=\"aya-3614\"></span>\n\n<span id=\"aya-3615\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾.\nهذا إخبار من الله ﷿ عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة، واستهزائهم بالرسول ﷺ في إخباره بذلك ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي: تفرقت أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب وتمزقت كل ممزق: ﴿إِنَّكُمْ﴾ أي: بعد هذا الحال\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.","vol":"6","page":260},{"text":"﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك، وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله تعالى أنه قد أوحي إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد، لكن لبس عليه كما يلبس على المعتوه والمجنون، ولهذا قالوا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قال الله ﷿ رادًّا عليهم: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا، ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد ﷺ هو الصادق البار الراشد، الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ أي: الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله تعالى ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ من الحق في الدنيا.\nثم قال تعالى منبهًا لهم على قدرته في خلق السماوات والأرض، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: حيثما توجهوا وذهبوا، فالسماء مطلة عليهم، والأرض تحتهم، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾ [الذاريات].\nقال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: إنك إن نظرت عن يمينك، أو عن شمالك، أو من بين يديك، أو من خلفك، رأيت السماء والأرض (^١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك بظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا، ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.\nقال معمر، عن قتادة: ﴿مُنِيبٍ﴾ تائب (^٢).\nوقال [شيبان] (^٣)، عن قتادة: المنيب: المقبل إلى الله تعالى (^٤)؛ أي: إن في النظر إلى خلق السماوات والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجَّاع إلى الله، على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد ووقع المعاد، لأن من قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها، وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ [يس: ٨١]، وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر].\n\n<span id=\"aya-3616\"></span>\n\n<span id=\"aya-3617\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾.\nيخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود ﵊ مما آتاه من الفضل\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) كذا في (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"سفيان\".\n(^٤) سنده صحيح وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"المُقبل التائب\".","vol":"6","page":261},{"text":"المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعدد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات، والرائحات، وتجاوبه بانواع اللغات.\nوفي الصحيح أن رسول الله ﷺ، سمع صوت أبي موسى الأشعري ﵁ يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال ﷺ: \"لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود\" (^١).\nوقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج (^٢) ولا بربط (^٣) ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري ﵁ (^٤).\nومعنى قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي﴾ أي: سبحي، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد (^٥).\nوزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبحي بلسان الحبشة، وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها (^٦).\nوقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه (الجُمل) (^٧) في باب النداء منه ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: سيري معه بالنهار كله، والتأويب سير النهار كله، والإسآد سير الليل كله، وهذا لفظه، وهو غريب جدًا لم أره لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية ههنا، والصواب أن المعنى في قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: رجعي مسبحة معه كما تقدم، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ قال الحسن البصري وقتادة والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يدخله نارًا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط (^٨)، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ وهي: الدروع.\nقال قتادة: وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح (^٩).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنبياء آية ٧٩.\n(^٢) الصنج صحيفة مدورة من نحاس يضرب بها على أخرى مثلها، وهي من الآلات الموسيقية.\n(^٣) أي: العود وهو من الآلات الموسيقية.\n(^٤) أخرجه القاسم بن سلام أبو عبيد عن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا سليمان التيمي - أو نبئت عنه - حدثنا أبو عثمان النهدي فذكره.\n(ينظر فضائل القرآن لابن كثير ص ٩٦) وفي سنده تردد إسماعيل بن إبراهيم لم يجزم هل سمعه عن سليمان التيمي أم بواسطة.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٦/ ٣٤٤)، والطبري كلاهما بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١١/ ٥٦٠)، والطبري بسند صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي ميسرة.\n(^٧) كذا في (حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"المجمل\".\n(^٨) قول الحسن عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه بنحوه.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"6","page":262},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن سماعة، حدثنا ابن ضمرة، عن ابن شوذب قال: كان داود ﵇ يرفع في كل يوم درعًا فيبيعها بستة آلاف درهم، ألفين له ولأهله، وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري (^١).\n﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ هذا إرشاد من الله تعالى لنبيه داود ﵇ في تعليمه صنعة الدروع.\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ لا تدق المسمار فيقلق في الحلقة، ولا تغلظه فيقصمها واجعله بقدر (^٢).\nوقال الحكم بن عيينة: لا تغلظه فيقصم، ولا تدقه فيقلق (^٣)، وهكذا روي عن قتادة وغير واحد (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السرد حلق الحديد (^٥).\nوقال بعضهم: يقال درع مسرودة إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر:\nوعليهما مسرودتان [قضاهما] (^٦) … داود أو صَنَع السوابغ تبع (^٧)\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵊ من طريق إسحاق بن بشر، وفيه كلام، عن أبي إلياس، عن وهب بن منبه ما مضمونه أن داود ﵇ كان يخرج متنكرًا، فيسأل الرُكبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحدًا إلا أثنى عليه خيرًا في عبادته وسيرته وعدله ﵇.\nقال وهب: حتى بعث الله تعالى ملكًا في صورة رجل، فلقيه داود ﵊ فسأله كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملًا. قال: ما هي؟ قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين، يعني: بيت المال، فعند ذلك نصب داود ﵇ إلى ربه ﷿ في الدعاء أن يعلمه عملًا بيده يستغني به ويغني به عياله، فألان الله ﷿ له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فعمل الدروع، وهو أول من عملها، فقال الله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ يعني: مسامير الحلق.\nقال: وكان يعمل الدرع، فإذا ارتفع من عمله درع، باعها فتصدق بثلثها، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يومًا بيوم إلى أن يعمل غيرها، وقال: إن الله أعطى داود شيئًا لم يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور تجتمع الوحوش إليه حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج (^٨)، إلا على أصناف\n_________\n(^١) سنده مرسل وهو من الإسرائيليات.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والبستي والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن عيينة عن أبيه عن الحكم.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٦) كذا في (حم) وديوان الهذليين ١/ ١٩، وفي الأصل صحف إلى: \"معناهما\". ومعنى قضاهما أي: فرغ منهما.\n(^٧) هو ملك من ملوك حمير في اليمن.\n(^٨) تقدم تعريفهما في رواية أبي عثمان النهدي السابقة.","vol":"6","page":263},{"text":"صوته ﵇، وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير، وكان قد أعطي سبعين مزمارًا في حلقه (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ أي: في الذين أعطاكم الله تعالى من النعم ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: مراقب لكم بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى عليَّ من ذلك شيء.\n\n<span id=\"aya-3618\"></span>﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾.\nلما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام من تسخير الريح له، تحمل بساطه غدوها شهر ورواحها شهر.\nقال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق، فينزل باصطخر (^٢) يتغذى بها ويذهب رائحًا من اصطخر فيبيت بكابل (^٣)، وبين دمشق واصطخر شهر كامل للمسرع، وبين اصطخر وكابل شهر كامل للمسرع (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومالك، عن زيد بن أسلم وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: القطر النحاس (^٥).\nقال قتادة: وكانت باليمن، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان ﵇ (^٦).\nقال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن ربه؛ أي: بقدره وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ أي: ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ وهو الحريق.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثًا غريبًا، فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥/ ل ٧٠٨، والخبر من الإسرائيليات التي يكثر منها وهب بن منبه.\n(^٢) وهي بلدة من أقدم بلاد فارس.\n(^٣) هي عاصمة أفغانستان حاليًا.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن، وأخرجه البستي بسند صحيح من طريق قرة بن سليمان عن الحسن.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد بلفظ: \"الصفر\"، وقول عكرمة عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.","vol":"6","page":264},{"text":"حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون\" (^١) رفعه غريب جدًا.\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، أخبرني بكر بن مضر، عن محمد بن بحير، عن ابن أنعُم أنه قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب.\nقال بكر بن مضر: ولا أعلم إلا أنه قال: حدثني أن الإنس ثلاثة أصناف: صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة، وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلًا، وصنف في صورة الناس على قلوب الشياطين (^٢).\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا سلمة؛ يعني: ابن الفضل، عن إسماعيل، عن الحسن قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنًا، فهو ولي الله تعالى، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرًا فهو شيطان (^٣).\n\n<span id=\"aya-3619\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ أما المحاريب فهي البناء الحسن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره.\nوقال مجاهد: المحاريب بنيان دون القصور (^٤).\nوقال الضحاك: هي المساجد (^٥).\nوقال قتادة: هي القصور والمساجد (^٦).\nوقال ابن زيد: هي المساكن (^٧).\nوأما التماثيل، فقال عطية العوفي والضحاك والسدي: التماثيل: الصور (^٨).\nقال مجاهد: وكانت من نحاس (^٩).\nوقال قتادة: من طين وزجاج (^١٠).\nوقوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ الجواب جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس:\n_________\n(^١) في سنده معاوية بن صالح وهو صدوق له أوهام وأخشى الرفع من طرفه، وأخرجه الحاكم من طريق أبي صالح به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٥٦).\n(^٢) سنده ضعيف لضعف بن أنعم وهو عبد الرحمن بن زياد الإفريقي.\n(^٣) سنده ضعيف لإرساله، وفي سنده أيضًا سلمة بن الفضل وهو صدوق كثير الخطأ كما في التقريب.\n(^٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٨) قول عطية العوفي عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.\n(^٩) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة من زجاج وشبه.","vol":"6","page":265},{"text":"تروح على آل المحلق جفنة … كجابية الشيخ العراقي تَفَهقُ (^١) (^٢)\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ ﴿كَالْجَوَابِ﴾ أي: كالجوبة من الأرض (^٣).\nوقال العوفي عنه كالحياض، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (^٤). والقدور الراسيات؛ أي: الثابتات في أماكنها لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها، كذا قال مجاهد والضحاك وغيرهما (^٥).\nوقال عكرمة: أثافيها منها (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ أي: وقلنا لهم: اعملوا شكرًا على ما أنعم به عليكم في الدين والدنيا، وشكرًا مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول والنية، كما قال:\nأفادتكم النعماء منِّي ثلاثةً … يدي ولساني والضمير المحجبا\nقال أبو عبد الرحمن الحُبلِّي: الصلاة شكر والصيام شكر، وكل خير تعمله لله ﷿ شكر، وأفضل الشكر الحمد (^٧)، رواه ابن جرير، وروى هو وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي قال: الشكر تقوى الله تعالى والعمل الصالح (^٨)، وهذا لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود ﵇ كذلك قائمين بشكر الله تعالى قولًا وعملًا.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا جعفر؛ يعني: ابن سليمان، عن ثابت البناني، قال: كان داود ﵇ قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (^٩).\nوفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأحبُّ الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى\" (^١٠).\nوقد روى أبو عبد الله ابن ماجه من حديث سُنيد بن داود: حدثنا يوسف بن محمد بن\n_________\n(^١) الفهق: أي: الامتلاء والاتساع.\n(^٢) استشهد به الطبري.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه أيضًا بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. وأخرجه أيضًا هو والبُستي بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر والطبري عن ابن عباس ولم أجده في تفسير الطبري.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق زهرة بن معبد عن أبي عبد الرحمن.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي. ضعيف.\n(^٩) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق جعفر بن سليمان به (المصنف ٧/ ٤٦٤) وسنده مرسل.\n(^١٠) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ (صحيح البخاري، التهجد، باب من نام عند السحر ح ١١٣١، وصحيح مسلم، الصيام، باب النهي عن صوم الدهر ح ١١٥٩).","vol":"6","page":266},{"text":"المنكدر، عن أبيه، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"قالت أُم سليمان بن داود ﵇، لسليمان، يا بني لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرًا يوم القيامة\" (^١).\nوروى ابن أبي حاتم، عن داود ﵊ ههنا أثرًا غريبًا مطولًا جدًا وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا أبو زيد فيض بن إسحاق الرقي قال: قال فضيل في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ قال داود: يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟ قال: \"الآن شكرتني حين قلت إن النعمة مني\" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ إخبار عن الواقع.\n\n<span id=\"aya-3620\"></span>﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾.\nيذكر تعالى كيفية موت سليمان ﵇، وكيف عمَّى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئًا على عصاه، وهي منسأته، كما قال ابن عباس ﵄ ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد (^٣)، مدة طويلة نحوًا من سنة، فلما أكلتها دابة الأرض، وهي الأرضة، ضعفت وسقطت إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة. وتبينت الجن والإنس أيضًا أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب وفي صحته نظر.\nقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا موسى بن مسعود، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء، عن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: \"كان نبي الله سليمان ﵇ إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت تغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان ﵇: اللَّهم عمِّ على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصًا فتوكأ عليها حولًا ميتًا والجن تعمل، فأكلتها الأرضة فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولًا في العذاب المهين\" قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجن للأرضة، فكانت تأتيها بالماء (^٤)، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث إبراهيم بن طهمان به. وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفًا، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات وفي بعض حديثه نكارة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل ح ١٣٣٢)، وضعف سنده البوصيري (مصباح الزجاجة ١/ ٤٣٣) والخبر من الإسرائيليات.\n(^٢) سنده ضعيف لإرساله، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأعله الحافظ ابن كثير بعطاء الخراساني.","vol":"6","page":267},{"text":"وقال السدي في حديث ذكره عن أبي مالك، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود ﵁، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ﵃. قال: كان سليمان ﵊ يتحرر (^١) في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقلّ من ذلك وأكثر، فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا ينبت الله في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها: فيقول ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت تنبت دواء قالت: نبت دواء كذا وكذا، فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ قالت: أنا الخروبة، قال ولأي شيء نبت؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد، قال سليمان ﵊: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئًا على عصاه، فمات ولم تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج عليهم فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جلدًا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان ﵇ في المحراب إلا احترق، فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان ﵇ قد سقط ميتًا، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عليه فأخرجوه. ووجدوا منسأته، وهي العصا بلسان الحبشة، قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يومًا وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وهي في قراءة ابن مسعود ﵁، فمكثوا يدينون له من بعد موته حولًا كاملًا، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم يطلعون على الغيب، لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله ﷿: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين، قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب؟ فهو ما تأتيها به الشياطين شكرًا لها (^٢). وهذا الأثر - والله أعلم - إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وقف لا يصدق منه إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب.\nوقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله ﵎: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال: قال سليمان ﵇ لملك الموت: إذا\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية، وفي رواية الطبري: يتجرد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن السدي خلط بين الأسانيد الصحيحة والضعيفة، وضعف سنده الحافظ ابن حجر في مقدمة العجاب في بيان الأسباب.","vol":"6","page":268},{"text":"أمرت بي فأعلمني، فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك قد بقيت لك سويعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحًا من قوارير وليس له باب، فقام يصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متكئ على عصاه، ولم يصنع ذلك فرارًا من ملك الموت، قال: والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي، قال: فبعث الله ﷿ دابَّة الأرض، قال: والدابة تأكل العيدان يقال لها: القادح، فدخلت فيها فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر ميتًا، فلما رأت ذلك الجن، انفضُّوا وذهبوا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال أصبغ: بلغني عن غيره أنها قامت سنة تأكل منها قبل أن يخر، وذكر غير واحد من السلف نحوًا من هذا (^١).\n\n<span id=\"aya-3621\"></span>﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾.\nكانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم وبلقيس صاحبة سليمان ﵊ من جملتهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم، وبعث الله ﵎ إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى، ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مذر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيله وبيانه قريبًا وبه الثقة.\nقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عبد الرحمن بن وعلة قال: سمعت ابن عباس يقول: إن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن سبأ: ما هو أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال ﷺ: \"بل هو رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام منهم أربعة، فأما اليمانيون، فمذحج وكِندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير، وأما الشامية: فلخم وجذام وعاملة وغسان\" (^٢) ورواه عبد عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة به (^٣). وهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه، وقد رواه الحافظ أبو عمر ابن عبد البر. في كتاب (القصد والأمم، بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم) من حديث ابن لهيعة، عن علقمة بن وعلة (^٤)، عن ابن عباس ﵄، فذكر نحوه. وقد روي نحوه من وجه آخر.\n_________\n(^١) سنده رجاله ثقات لكن الخبر من الإسرائيليات كسابقه، وأخرجه الطبري من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٢) أخرجه الإمام بسنده بلفظ: \"وإنمار وحِمير عرباء كلها\". (المسند ٥/ ٧٥ ح ٢٨٩٨)، وحسن سنده محققوه .. وأخرجه الحاكم من طريق أبي عبد الرحمن به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٢٣)، وحسنه الحافظ ابن كثير ويشهد له ما يليه.\n(^٣) وسنده كسابقه.\n(^٤) كذا ذكره: علقمة بن وعلة، وفي رواية أحمد السابقة: عبد الرحمن بن وعلة، ولعله التبس على ابن لهيعة.","vol":"6","page":269},{"text":"وقال الإمام أحمد أيضًا وعبد بن حميد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا [أبو جناب يحيى بن أبي حية] (^١) الكلبي، عن يحيى بن هانئ بن عروة، عن فروة بن مسيك ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي مدبرهم، قال رسول الله ﷺ: \"نعم فقاتل بمقبل قومك مدبرهم\" فلما وليت دعاني فقال: \"لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام\" فقلت: يا رسول الله أرأيت سبأ، وادٍ هو أو جبل أو ما هو؟ قال ﷺ: \"لا بل هو رجل من العرب، ولد له عشرة فتيا من ستة، وتشاءم أربعة، تيامن الأزد والأشعريون وحِميّر وكِندة ومذحج وأنمار، الذين يقال لهم بجيلة وخثعم، وتشاءم لخم وجذام وعاملة وغسان\" (^٢). وهذا أيضًا إسناد جيد وإن كان فيه أبو جناب الكلبي، وقد تكلموا فيه لكن رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن العنقري، عن أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانئ المرادي، عن عمه أو عن أبيه - شك أسباط - قال: قدم فروة بن مسيك ﵁ على رسول الله ﷺ فذكره (^٣).\nطريق أخرى لهذا الحديث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، عن توبة بن نمر، عن عبد العزيز بن يحيى أنه أخبره قال: كنا عند عبيدة بن عبد الرحمن بأفريقية، فقال يومًا: ما أظن قومًا بأرض إلا وهم من أهلها، فقال علي بن رباح: كلا قد حدثني فلان أن فروة بن مسيك الغطيفي ﵁ قدم على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن سبأ قوم كان لهم عزُّ في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام، أفأقاتلهم؟ فقال ﷺ: \"ما أمرت فيهم بشيء بعد\" فأنزلت هذه الآية ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ الآيات، فقال له رجل: يا رسول الله ما سبأ؟ فذكر مثل هذا الحديث الذي قبله أن رسول الله ﷺ سئل عن سبأ ما هو: أبلد أم رجل أم امرأة؟ قال ﷺ: \"بل رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام أربعة، أما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد الأشعريون وأنمار وحِميّر غير ما حلها، وأما الشام فلخم وجذام وغسان وعاملة\" (^٤). فيه غرابة من حيث ذكر نزول الآية بالمدينة، والسورة مكية كلُّها، والله ﷾ أعلم.\nطريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الحسن بن الحكم، حدثنا أبو سبرة النخعي، عن فروة بن مسيك الغطيفي ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله أخبرني عن سبأ ما هو: أرض أم امرأة؟ قال ﷺ: \"ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومِذحج وحمِيّر وأنمار\" فقال رجل: ما أنمار؟ قال ﷺ: \"الذين\n_________\n(^١) كذا في (حم) والمسند، وفي الأصل: \"أبو خباب بن أبي\".\n(^٢) لم يرد في المسند، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند ٥/ ١٧٨. وجود سنده الحافظ ابن كثير بالمتابعة التالية الواردة في تفسير الطبري.\n(^٣) أخرجه الطبري عن أبي كريب به.\n(^٤) سنده ضعيف لإبهام شيخ علي بن رباح، ويتقوى إذ توبع في رواية الترمذي فأخرجه من طريق أبي سبرة النخعي عن فروة بن مسيك به وقال: حسن غريب (السنن، التفسير، باب ومن سورة سبأ ح ٣٢٢٢) وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن الترمذي، وأخرجه الحاكم من طريق سعيد بن أبيض عن فروة، وصححه ووافقه الذهبي). (المستدرك ٢/ ٤٢٤) وحسنه ابن عبد البر كما سيأتي بعد الرواية التالية.","vol":"6","page":270},{"text":"منهم خثعم وبجيلة\" (^١). ورواه الترمذي في جامعه عن أبي كريب وعبد بن حميد قالا: حدثنا أبو أسامة فذكره أبسط من هذا، ثم قال: هذا حديث حسن غريب (^٢).\nوقال أبو عمر بن عبد البر: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا ابن كثير هو عثمان بن كثير، عن الليث بن سعد، عن موسى بن علي، عن يزيد بن حصين، عن تميم الداري ﵁ قال: إن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فسأله عن سبأ، فذكر مثله (^٣)، فقوي هذا الحديث وحسن. قال علماء النسب - منهم محمد بن إسحاق -: اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان (^٤).\nوإنما سمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب، وكان يقال له الرائش لأنه أول من غنم في الغزو، فأعطى قومه فسمي الرائش، والعرب تسمي المال ريشا ورياشًا. وذكروا أنه بشَّر برسول الله ﷺ في زمانه المتقدم، وقال في ذلك شعرًا:\nسيملك بعدنا ملكًا عظيمًا … نبي لا يُرَخِّصُ في الحرام\nويملك بعده منهم ملوك … يدينوه العباد بغير ذام\nويملك بعدهم منا ملوك … يصير الملك فينا باقتسام\nويملك بعد قحطان نبي … تقي مخبت خير الأنام\nوسُمِي أحمدًا يا ليت أني … أعمر بعد مبعثه بعام\nفأعضده وأحبوه بنصري … بكل مدجج وبكل رام\nمتى يظهر فكونوا ناصره … ومن يلقاه يبلغه سلامي (^٥)\nذكر ذلك الهمداني في كتاب (الإكليل) واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال:\n(أحدها): أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاثة طرائق.\n(والثاني): أنه من سلالة عابر، وهو هود ﵊، واختلفوا أيضًا في كيفية نسبه به على ثلاثة طرائق أيضًا.\n(والثالث): أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه على ثلاث طرائق أيضًا. وقد ذكر ذلك مستقصى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري رحمة الله تعالى عليه في كتابه المسمّى: (الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة). ومعنى قوله ﷺ: \"كان رجلًا من العرب\"؛ يعني: العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل ﵊ من سلالة سام بن نوح، وعلى القول الثالث كان من سلالة الخليل ﵇، وليس هذا المشهور عندهم، والله أعلم. ولكن في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ مرّ بنفر من أسلم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وتقدم تخريجه وتصحيحه في الرواية السابقة.\n(^٢) تقدم تخريجه في الرواية قبل السابقة.\n(^٣) القصد والأمم بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم ص ٢٠.\n(^٤) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ١٠).\n(^٥) هذه الأبيات ذكرها الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ٢/ ١٥٨).","vol":"6","page":271},{"text":"ينتضلون، فقال: \"ارموا بني إسماعيل؟ فإن أباكم كان راميًا\" (^١). فأسلم قبيلة من الأنصار - والأنصار أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبأ - نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد حين بعث الله ﷿ عليهم سيل العرم، ونزلت طائفة منهم بالشام، وإنما قيل: باليمن، وقيل لهم غسان بماء نزلوا عليه قيل: إنه قريب من المشلل، كما قال حسان بن ثابت ﵁:\nإما سألت فإنا معشر نجب … الأزد نسبتنا والماء غسان (^٢)\nومعنى قوله ﷺ: \"ولد له عشرة من العرب\"؛ أي: كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه الأبوان والثلاثة، والأقل والأكثر، كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب. ومعنى قوله ﷺ: \"فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة\"؛ أي: بعد ما أرسل الله تعالى عليهم سيل العرم، منهم من أقام ببلادهم، ومنهم من نزح عنها إلى غيرها. وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين. وتجتمع إليه أيضًا سيول أمطارهم وأوديتهم، فعمد ملوكهم الأقادم فبنوا بينهما سدًا عظيمًا محكمًا، حتى ارتفع الماء وحكم على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف منهم قتادة أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار، وعلى رأسها مكتل أو زنبيل وهو الذي تخترف فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قطاف لكثرته ونضجه واستوائه، وكان هذا السد بمأرب. بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب، وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء من الهوام، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية الله بهم ليوحدوه ويعبدوه، كما قال ﵎: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ ثم فسرها بقوله ﷿: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ أي: من ناحيتي الجبلين والبلدة بين ذلك ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أي: غفور لكم إن استمررتم على التوحيد.\n\n<span id=\"aya-3622\"></span>\n\n<span id=\"aya-3623\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أي: عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس من دون الله، كما قال الهدهد لسليمان ﵊ ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾ [النمل].\nوقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: بعث الله تعالى إليهم ثلاثة عشر نبيًا (^٣).\nوقال السدي: أرسل الله ﷿ إليهم اثني عشر ألف نبي، والله أعلم (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ المراد بالعرم المياه، وقيل: الوادي، وقيل: الجرذ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ (صحيح البخاري، المناقب، باب نسبة اليمن إلى إسماعيل ح ٣٥٠٧).\n(^٢) ديوان حسان ﵁ ٢٥١ واستشهد به ابن هشام في السيرة ١/ ١٠١.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٤) الخبر من الإسرائيليات.","vol":"6","page":272},{"text":"وقيل: الماء الغزير، فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته مثل مسجد الجامع وسعيد كرز، حكى ذلك السهيلي (^١).\nوذكر غير واحد منهم ابن عباس ووهب بن منبه وقتادة والضحاك: إن الله ﷿ لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم، بعث على السد دابة من الأرض يقال لها: الجرذ نقبته (^٢).\nقال وهب بن منبه: وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجرذ فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمن فلما جاء القدر غلبت الفأر السنانير، وولجت إلى السد فنقبته فانهار عليهم (^٣).\nوقال قتادة وغيره: الجرذ هو الخلد، نقبت أسافله حتى إذا ضعف ووهى (^٤)، وجاءت أيام السيول صدم الماء البناء فسقط، فانساب الماء في أسفل الوادي وخرب ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة، كما قال الله ﵎: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والحسن وقتادة والسدي: وهو الأراك (^٥) وأُكُلهُ البرير (^٦) (^٧).\n﴿وَأَثْلٍ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: هو الطرفاء (^٨).\nوقال غيره هو شجر يشبه الطرفاء، وقيل: هو السمر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ لما كان أجود هذه الأشجار المبدل بها هو السدر قال: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ فهذا الذي صار أمر تينك الجنتين إليه بعد الثمار النضيجة، والمناظر الحسنة، والظلال العميقة، والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والتمر القليل، وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ أي: عاقبناهم بكفرهم.\n_________\n(^١) ذكره في الروض الأُنف ١/ ١٥.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه ويتقوى بالآثار التي تليه فقول وهب أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بالسند المتقدم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) البرير: هو ثمر شجر الأراك.\n(^٧) أخرجه الطبري بالسند المتقدم بلفظ: \"أُكلُهُ بريره\".\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"6","page":273},{"text":"قال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور (^١).\nوقال الحسن البصري: صدق الله العظيم لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور.\nوقال طاوس: لا يناقش إلا الكفور (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو البيداء، عن هشام بن صالح التغلبي، عن ابن خيرة، وكان من أصحاب علي ﵁، قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسر في اللّذة، قيل: وما التعسر في اللّذة؟ قال: لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصُه إياها (^٣).\n\n<span id=\"aya-3624\"></span>﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾.\nيذكر تعالى ما كانوا فيه من النعمة والغبطة والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة بعضها من بعض مع كثرة أشجارها، وزروعها وثمارها بحيث أن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمرًا، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾.\nقال وهب بن منبه: هي قرى بصنعاء، وكذا قال أبو مالك (^٤).\nوقال مجاهد والحسن وسعيد بن جبير ومالك، عن زيد بن أسلم وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد وغيرهم؛ يعني: قرى الشام (^٥)، يعنون أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: القرى التي باركنا فيها بيت المقدس (^٦)، وقال العوفي عنه أيضًا: هي قرى عربية بين المدينة والشام ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ أي: بينة واضحة يعرفها المسافرون يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي: جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ أي: الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلًا ونهارًا\n\n<span id=\"aya-3625\"></span>﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وقرأ آخرون: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ (^٧) وذلك أنهم بطروا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه.\n(^٣) لم أقف على ترجمة أبي البيداء.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق حصين، وهو ابن عبد الرحمن، عن أبي مالك.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٧) وهي قراءة متواترة.","vol":"6","page":274},{"text":"هذه النعمة كما قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد (^١)، وأحبوا مفاوز ومهامة يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في منّ وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة، ولهذا قال لهم: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل]. وقال تعالى في حق هؤلاء. ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بكفرهم ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي: جعلناهم حديثًا للناس وسمرًا يتحدثون به من خبرهم، وكيف مكر الله بهم وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء، تفرقوا في البلاد ههنا وههنا، ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ، وتفرقوا شَذَرَ مَذَرَ (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: سمعت أبي يقول: سمعت عكرمة يحدث بحديث أهل سبأ قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٥، ١٦] وكانت فيهم كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، فكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال وأنه أخبر أن زوال أمرهم قد دنا وأن العذاب قد أظلَّهم، فلم يدرِ كيف يصنع لأنه كان له مال كثير من عقار، فقال لرجل من بنيه وهو أعزُّهم أخوالًا: يا بُني إذا كان غدًا وأمرتك بأمر فلا تفعله، فإذا انتهرتك فانتهرني، فإذا لطمتك فالطمني، قال: يا أبتِ لا تفعل إن هذا أمر عظيم وأمر شديد، قال: يا بني قد حدث أمر لا بدّ منه، فلم يزل به حتى وافاه على ذلك، فلما أصبحوا واجتمع الناس قال: يا بني افعل كذا وكذا، فأبى فانتهره أبوه، فأجابه فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه فلطمه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابني يلطمني؟ علي بالشفرة، قالوا: ما تصنع بالشفرة؟ قال: أذبحه، قالوا تريد أن تذبح ابنك؟ الطمه أو اصنع ما بدا لك، قال: فأبى، قال: فأرسلوا إلى أخواله فأعلموهم ذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك فأبى إلا أن يذبحه، قالوا: فلتموتن قبل أن تذبحه، قال: فإذا كان الحديث هكذا، فإني لا أرى أن أقيم ببلد يحال بيني وبين ابني فيه، اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره وأرضه وعقاره، فلما صار الثمن في يده وأحرزه قال: أي قوم إن العذاب قد أظلكم وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم دارًا جديدًا وحمى شديدًا وسفرًا بعيدًا، فليلحق بعُمان، ومن أراد منكم الخمر والخمير والعصير. وكلمة قال إبراهيم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أي: تفرقوا في كل ناحية.","vol":"6","page":275},{"text":"لم أحفظها، فليلحق ببصرى، ومن أراد الراسخات في الوحل: المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق بيثرب ذات نخل، فأطاعه قومه، فخرج أهل عمان إلى عمان. وخرجت غسان إلى بصرى، وخرجت الأوس والخزرج وبنو عثمان إلى يثرب ذات النخل، قال: فأتوا على بطن مر، فقال بنو عثمان هذا مكان صالح لا نبغي به بدلًا، فأقاموا به فسموا لذلك خزاعة، لأنهم انخزعوا من أصحابهم، واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة، وتوجه أهل عمان إلى عمان وتوجهت غسان إلى بصرى (^١). هذا أثر غريب عجيب، وهذا الكاهن هو عمرو بن عامر أحد رؤوساء اليمن وكبراء سبأ وكهانهم.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في أول السيرة ما كان من أمر عمرو بن عامر الذي كان أول من خرج من بلاد اليمن بسبب استشعاره بإرسال العرم عليهم، فقال: وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن فيما حدثني به أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذًا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عنهم الماء فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمن، فكادَ قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيها أصغر ولدي وعرض أمواله. فقال أشراف من أشراف اليمن اغتنموا غضبة عمرو، فاشتروا منه أمواله وانتقل هو في ولده وولد ولده، وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك وكانت حربهم سجالًا، ففي ذلك يقول عباس بن مرداس السلمي ﵁:\nوعك بن عدنان الذين تغلَّبُوا … بغسان حتى طُرّدوا كل مطرد\nوهذا البيت من قصيدة له. قال: ثم ارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلدان، فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مرًا، ونزلت أزدُ السراةِ السراةَ، ونزلت أزدُ عُمانٍ عُمانَ، ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه، وفي ذلك أنزل الله ﷿ هذه الآيات (^٢). وقد ذكر السدي قصة عمرو بن عامر بنحو مما ذكر محمد بن إسحاق، إلا أنه قال: فأمر ابن أخيه مكان ابنه، إلى قوله: فباع ماله وارتحل بأهله فتفرقوا، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، أخبرنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: يزعمون أن عمرو بن عامر وهو عمّ القوم، كان كاهنًا فرأى في كهانته أن قومه سيمزقون ويباعد بين أسفارهم، فقال لهم: إني قد علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا هم بعيد وحمل شديد، ومزاد حديد، فليلحق بكاس أو كرود. قال: فكانت وادعةُ بن عمرو. ومن كان منكم ذا همِّ مُدنٍ، وأمرٍ ذعر، فليلحق بأرض شنٍّ، فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم: بارق، ومن كان منكم يريد عيشًا آينًا (^٣)، وحرمًا آمنًا فليلحق بالأرزين، فكانت خزاعة، ومن كان منكم يريد\n_________\n(^١) رجاله ثقات إلى عكرمة لكن الحافظ ابن كثير استغربه، ولعله أخذه عكرمة من أخبار أهل الكتاب.\n(^٢) سنده ضعيف، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ١٠ - ١٢).\n(^٣) العيش الآين: الرافه الوادع.","vol":"6","page":276},{"text":"الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل (^١)، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس والخزرج، وهما هذان الحيان من الأنصار ومن كان منكم يريد خمرًا وخميرًا وذهبًا وحريرًا، وملكًا وتأميرًا، فليلحق بكوثى (^٢) وبُصرى (^٣)، فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام ومن كان منهم بالعراق.\nقال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلم يقول إنما قالت هذه المقالة طريفة امرأة عمرو بن عامر (^٤). وكانت كاهنة فرأت في كهانتها ذلك، فالله أعلم أي ذلك كان.\nوقال سعيد، عن قتادة، عن الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعُمان (^٥). فمزقهم الله كل ممزق. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nثم قال محمد بن إسحاق: حدثني أبو عبيدة قال: قال الأعشى - أعشى بني قيس بن ثعلبة - واسمه: ميمون بن قيس:\nوفي ذاك للمؤتسي أسوة … ومأرب عفى (^٦) عليها العرم\nرُخام بنته لهم حُمير … إذا جاء مواره (^٧) لم يرم\nفأروى الزروع وأعنا بها … على سعة ماؤهم إذ قسم\nفصاروا أيادي ما يقدرون … منه على شرب طفل فُطِم (^٨)\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي: إن في هذا الذي حل بهؤلاء من النقمة والعذاب وتبديل النعمة وتحويل العافية عقوبة على ما ارتكبوه من الكفر والآثام، لعبرة ودلالة لكل عبد صبار على المصائب شكور على النعم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن وعبد الرزاق المعني قالا: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن عمر بن سعد، عن أبيه هو: سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"عجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن إن أصابه خير حمد ربه وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر، يؤجر المؤمن في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته\" (^٩). وقد رواه النسائي في اليوم والليلة من حديث أبي إسحاق السبيعي به (^١٠)، وهو حديث عزيز من رواية عمر بن سعد، عن أبيه، ولكن له شاهد في الصحيحين من حديث أبي\n_________\n(^١) أي: الجوع الشديد.\n(^٢) مدينة تقع في جنوب العراق.\n(^٣) مدينة في سوريا.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة به، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.\n(^٦) أي: أذهب معالمها.\n(^٧) أي: الشديد المور.\n(^٨) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ١٤).\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٨٢ ح ١٤٨٧) وحسنه محققوه، وله شاهد في الصحيح كما سيأتي.\n(^١٠) السنن الكبرى (ح ١٠٩٠٦) وحكمه كسابقه.","vol":"6","page":277},{"text":"هريرة ﵁: \"عجبًا للمؤمن لا يقضي الله تعالى له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن\" (^١).\nقال عبد: حدثنا يونس، عن شيبان، عن قتادة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ قال: كان مطرف يقول: نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر (^٢).\n\n<span id=\"aya-3626\"></span>﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾.\nلما ذكر تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان، أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى وخالف الرشاد والهدى، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾.\nقال ابن عباس ﵄ وغيره: هذه الآية كقوله تعالى إخبارًا عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم ﵊، ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٣) [الإسراء: ٦٢]. وقال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف] والآيات في هذا كثيرة.\nوقال الحسن البصري: لما أهبط الله آدم ﵊ من الجنة ومعه حواء، هبط إبليس فرحًا بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف، وكان ذلك ظنًا من إبليس، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ فقال عند ذلك إبليس: لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح أعده وأمنيه وأخدعه، فقال الله تعالى: \"وعزتي وجلالي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفر إلا غفرت له\" (^٤)، رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span id=\"aya-3627\"></span>وقوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي: من حجة.\nوقال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غرورًا وأماني، دعاهم إليها فأجابوه، وقوله ﷿: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ أي: إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء، فيحسن عبادة ربه ﷿ في الدنيا ممن هو منها في شك.\nوقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي: ومع حفظه ضلَّ من ضلَّ من أتباع إبليس، وبحفظه وكلاءته سَلِمَ من سَلِمَ من المؤمنين أتباع الرسل.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٩٥ من حديث صهيب ﵁ في صحيح مسلم.\n(^٢) سنده صحيح. وعبد هو عبد بن حُميد الكُشي صاحب التفسير والمسند. وأخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به وسنده صحيح.\n(^٣) ذكره السيوطي بنحوه ونسبه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) سنده ضعيف لإرسال الحسن البصري.","vol":"6","page":278},{"text":"<span id=\"aya-3628\"></span>﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾.\nيُبين ﵎ أنه الإله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا نظير له ولا شريك له، بل هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك ولا منازع ولا معارض، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من الآلهة التي عُبدت من دونه ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ كما قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣].\nوقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ أي: لا يملكون شيئًا استقلالًا ولا على سبيل الشركة ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي: وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور، بل الخلق كلهم فقراء إليه عبيد لديه.\nقال قتادة في قوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ من عون يعينه بشيء (^١).\n\n<span id=\"aya-3629\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ولهذا ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند الله أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم أن يأتي ربهم لفصل القضاء قال: \"فأسجد لله تعالى فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع\" الحديث بتمامه (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ وهذا أيضًا مقام رفيع في العظمة، وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السماوات كلامه، أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي، قاله ابن مسعود ﵁ ومسروق وغيرهما (^٣).\n﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: زال الفزع عنها، قال ابن عباس وابن عمر ﵄ وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي وإبراهيم النخعي والضحاك والحسن وقتادة في قوله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ يقول: جُلِّي عن قلوبهم (^٤)، وقرأ بعض السلف، وجاء مرفوعًا: إذا فُرغ،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٧٩.\n(^٣) قول ابن مسعود أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات من طريق عامر الشعبي عن ابن مسعود، ولكن الشعبي لم يسمع من ابن مسعود ويتقوى بالشاهد التالي عن أبي هريرة في صحيح البخاري، وقول مسروق أخرجه بسند رجاله ثقات، لكنه مرسل ويشهد له أيضًا حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه البستي =","vol":"6","page":279},{"text":"بالغين المعجمة (^١) ويرجع إلى الأول، فإذا كان كذلك سأل بعضهم بعضًا ماذا قال ربكم؟ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا، ولهذا قال تعالى: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ أي: أخبروا بما قال من غير زيادة ولا نقصان ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\nوقال آخرون: بل معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: المشركين عند الاحتضار ويوم القيامة إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة قالوا: ماذا قال ربكم؟ فقيل لهم الحق وأخبروا به مما كانوا عنه لاهين في الدنيا (^٢).\nقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ كشف عنها الغطاء يوم القيامة (^٣).\nوقال الحسن: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: ما فيها من الشك والتكذيب (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: ما فيها من الشك قال: فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ قال: وهذا في بني آدم هذا عند الموت، أقروا حين لا ينفعهم الإقرار (^٥)، وقد اختار ابن جرير القول الأول: إن الضمير عائد على الملائكة، وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه لصحة الأحاديث فيه والآثار، ولنذكر منها طرفًا يدل على غيره.\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية الكريمة في صحيحه، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: إن نبي الله ﷺ قال: \"إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بيده فحرفها، ونشر بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا فيصدّق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء\" (^٦). انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة به، والله أعلم (^٧).\n_________\n= بسند فيه مجهول عن ابن عمر ﵄.\n(^١) وهي قراءة شاذة تفسيرية نسبها الطبري إلى الحسن البصري، وأخرجه البستي بسند صحيح من طريق قرة بن خالد عن الحسن.\n(^٢) أخرجه بنحوه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) نسبة السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. . .﴾ [سبأ: ٢٣] ح ٤٨٠٠).\n(^٧) سنن أبي داود، الحروف والقراءات، باب (١) (ح ٣٩٨٩) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٣٧٤)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة سبأ (ح ٣٢٢٣)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح ١٩٤).","vol":"6","page":280},{"text":"حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرزاق قالا: حدثنا معمر، أخبرنا الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في نفر من أصحابه، قال عبد الرزاق: من الأنصار، فرمي بنجم فاستنار، فقال ﷺ: \"ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية\" قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم. قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم ولكن غلظت حين بعث النبي ﷺ، قال: فقال رسول الله ﷺ: \"فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمرًا سبَّح حملة العرش، ثم سبَّح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء وتخطف الجن السمع فيرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون\" هكذا رواه الإمام أحمد (^١)، وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث صالح بن كيسان والأوزاعي ويونس ومعقل بن عبيد الله، أربعتهم عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس ﵄، عن رجل من الأنصار به. وقال يونس: عن رجال من الأنصار ﵃، وكذا رواه النسائي في التفسير من حديث الزبيدي، عن الزهري به، ورواه الترمذي فيه عن الحسين بن حريث، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄، عن رجل من الأنصار ﵁، والله أعلم (^٢).\nحديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف وأحمد بن منصور بن سيار الرمادي، والسياق لمحمد بن عوف، قالا: حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا الوليد هو ابن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عبد الله بن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة، عن النوَّاس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أراد الله ﵎ أن يوحي بأمره تلكم بالوحي، فإذا تكلم أخذت السماوات منه رجفة - أو قال رعدة - شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صُعقوا وخروا لله سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵊، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل ﵊ على الملائكة، كلما مرَّ بسماء سماء يسأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول ﵇: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض\" (^٣). وكذا رواه ابن جرير وابن خزيمة، عن زكريا بن أبان المصري، عن نعيم بن حماد (^٤) به.\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ليس هذا الحديث بالتام عن الوليد بن مسلم ﵀.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢١٨)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان (ح ٢٢٢٩)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة سبأ (ح ٣٢٢٤)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، (ح ١١٢٧٢).\n(^٣) في سنده نعيم بن حماد وهو صدوق يخطئ كثير (التقريب ٥٦٤). ويتقوى بما سبق من رواية أبي هريرة وابن عباس ﵃\n(^٤) أخرجه الطبري وابن خزيمة من طريق نعيم بن حماد به (التوحيد ص ٩٥) وسنده كسابقه.","vol":"6","page":281},{"text":"وقد روى ابن أبي حاتم من حديث العوفي، عن ابن عباس ﵄ (^١)، وعن قتادة أنهما فسرا هذه الآية بابتداء إيحاء الله تعالى إلى محمد ﷺ بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى ﵊، ولا شك أن هذا أولى ما دخل في هذه الآية (^٢).\n\n<span id=\"aya-3630\"></span>﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾.\nيقول تعالى مقررًا تفرده بالخلق والرزق وانفراده بالإلهية أيضًا، فكما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض؛ أي: بما ينزل من المطر وينبت من الزرع إلا الله، فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ هذا من باب اللف والنشر؛ أي: واحد من الفريقين مبطل، والآخر محقٌّ لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله تعالى، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nقال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد ﷺ للمشركين: واللهِ ما نحن وإياهم على أمر واحد إن أحد الفريقين لمهتد (^٣).\nوقال عكرمة وزياد بن أبي مريم: معناها إنا نحن لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين (^٤).\n\n<span id=\"aya-3631\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥)﴾ معناه التبري منهم؛ أي: لستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله تعالى وإلى توحيده وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم، وإن كذبتم فنحن برآء منكم وأنتم برآء منا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس]. وقال ﷿: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون].\n\n<span id=\"aya-3632\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ أي: يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد، ثم يفتح بيننا بالحق؛ أي: يحكم بيننا بالعدل، فيجزي كل عامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وستعلمون يومئذٍ لمن العزة والنصر والسعادة الأبدية كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف العوفي ومن يروي عنه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق عتاب بن بشير عن خُصيف عن عكرمة وزياد بن أبي مريم. وفي سنده عتاب وخُصيف كلاهما صدوق يخطئ كما في التقريب.","vol":"6","page":282},{"text":"بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم] ولهذا قال ﷿: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ أي: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور.\n\n<span id=\"aya-3633\"></span>وقوله ﵎: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ أي: أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادًا وصيرتموها له عدلًا ﴿كَلَّا﴾ أي: ليس له نظير ولا نديد ولا شريك ولا عديل. ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ﴾ أي: الواحد الأحد الذي لا شريك له ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: ذو العزة الذي قد قهر بها كل شيء وغلبت كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، ﵎ وتقدس.\n\n<span id=\"aya-3634\"></span>﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾.\nيقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلى لله عليه وسلم تسليمًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين كقوله ﵎: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان].\n﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: تبشر من أطاعك بالجنة وتنذر من عصاك بالنار ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ كقوله ﷿: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف] ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].\nقال محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ يعني إلى الناس عامة (^١).\nوقال قتادة في هذه الآية: أرسل الله تعالى محمدًا ﷺ إلى العرب والعجم، فأكرمهم على الله ﵎ أطوعهم لله ﷿ (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم يعني ابن أبان، عن عكرمة، قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: إن الله تعالى فضل محمدًا ﷺ على أهل السماء وعلى الأنبياء. قالوا: يا ابن عباس فبم فضله على الأنبياء؟ قال ﵁: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال للنبي ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس (^٣). وهذا الذي قاله ابن عباس ﵄ قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر ﵁ عنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني، ويشهد له حديث جابر ﵁ التالي.","vol":"6","page":283},{"text":"وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس عامة\" (^١).\nوفي الصحيح أيضًا: أن رسول الله ﷺ قال: \"بُعثت إلى الأسود والأحمر\" (^٢).\nقال مجاهد: يعني: الجن والإنس (^٣).\nوقال غيره: يعني: العرب والعجم، والكل صحيح.\n\n<span id=\"aya-3635\"></span>ثم قال ﷿ مخبرًا عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩)﴾، وهذه الآية كقوله ﷿: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ الآية [الشورى: ١٨].\n\n<span id=\"aya-3636\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾ أي: لكم ميعاد مؤجل معدود محرر لا يزاد ولا ينقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، وقال ﷿: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ [هود].\n\n<span id=\"aya-3637\"></span>\n\n<span id=\"aya-3638\"></span>\n\n<span id=\"aya-3639\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾.\nيخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن الكريم، وبما أخبر به من أمر المعاد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال الله ﷿ متهددًا لهم ومتوعدًا ومخبرًا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهم الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ منهم وهم قادتهم وسادتهم ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لولا أنتم تصدوننا لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاؤونا به فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ أي: نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لشهوتكم واختياركم لذلك، ولهذا قالوا: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: بل كنتم تمكرون بنا ليلًا نهارًا وتغروننا وتمنوننا وتخبروننا أنا على هدى وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل وكذب ومين.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٦٧.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٠.\n(^٣) معناه صحيح.","vol":"6","page":284},{"text":"قال قتادة وابن زيد: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يقول: بل مكركم بالليل والنهار (^١)، وكذا قال مالك، عن زيد بن أسلم بالليل والنهار.\n﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ أي: نظراء وآلهة معه وتقيمون لنا شبهًا وأشياء من المحال تضلوننا بها.\n﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: الجميع من السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: إنما نجازيكم بأعمالكم كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم وللأتباع بحسبهم ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨].\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضرار بن صُرَد، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها، ثم لفحتهم لفحة لم يبق لحم إلا سقط على العرقوب\" (^٢).\nوحدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا الطيب أبو الحسن، عن الحسن بن يحيى الخشني قال: ما في جهنم دار ولا مغار ولا غلٍّ ولا قيد ولا سلسلة إلا اسم صاحبها عليها مكتوب، قال: فحدثته أبا سليمان؛ يعني: الداراني رحمة الله عليه، فبكى ثم قال: ويحك فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد في رجليه والغلَّ في يديه، والسلسلة في عنقه، ثم أدخل النار وأدخل المغار؟ اللَّهم سلِّم (^٣).\n\n<span id=\"aya-3640\"></span>﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾.\nيقول تعالى مسليًا لنبيه ﷺ آمرًا بالتأسي بمن قبله من الرسل، ومخبره بأنه ما بعث نبيًا في قرية إلا كذبه مترفوها واتبعه ضعفاؤهم، كما قال قوم نوح ﵊ ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف محمد بن سليمان بن الأصبهاني (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٨٩)، وأخرجه الطبراني من طريق محمد بن سليمان بن الأصبهاني به (المعجم الأوسط ح ٩٣٦٥).\n(^٣) سنده مرسل، ومثل هذا الخبر لا يؤخذ إلا بحديث مرفوع لأنه من الغيبيات.","vol":"6","page":285},{"text":"وقال الكبراء من قوم صالح ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾ [الأعراف]، وقال ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]، وقال جلَّ وعلا: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء]، وقال جلَّ وعلا ههنا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أي: نبي أو رسول ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة.\nقال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورؤوسهم في الشر (^١). ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ أي: لا نؤمن به ولا نتبعه.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، عن سفيان بن عاصم، عن أبي رزين قال: كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي ﷺ كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل؟ فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فترك تجارته ثم أتى صاحبه فقال: دلَّني عليه، قال: وكان يقرأ الكتب أو بعض الكتب، قال فأتى النبي ﷺ فقال: إلامَ تدعو؟ قال: \"أدعو إلى كذا وكذا\" قال: أشهد أنك رسول الله. قال ﷺ: \"وما علمك بذلك؟ \" قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾ الآية، قال: فأرسل إليه النبي ﷺ إن الله ﷿ قد أنزل تصديق، ما قلت (^٢).\nوهكذا قال هِرَقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل قال فيها: وسألتك أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم؟ فزعمت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل (^٣).\n\n<span id=\"aya-3641\"></span>\n\n<span id=\"aya-3642\"></span>وقال ﵎ إخبارًا عن المترفين المكذبين: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ أي افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله تعالى لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة وهيهات لهم ذلك قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون]، وقال ﵎: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة]، وقال ﷿: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ [المدثر]، وقد أخبر الله ﷿ عن صاحب تينك الجنتين أنه كان ذا مال وثمر وولد، ثم لم يغن عنه شيئًا بل سلب ذلك كله في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا قال ﷿\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) سنده مرسل، ويشهد لبعضه الحديث الذي يليه.\n(^٣) هذا جزء من حديث طويل أخرجه البخاري من حديث ابن عباس ﵄ (الصحيح، بدء الوحي، باب رقم ٦ ح ٧).","vol":"6","page":286},{"text":"هاهنا: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب، فيفقر من يشاء ويغني من يشاء، وله الحكمة التامة البالغة والحجة القاطعة الدامغة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3643\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ أي: ليست هذه دليلًا على محبتنا لكم ولا إعتنائنا بكم.\nقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا كثير، حدثنا جعفر، حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\" (^١). ورواه مسلم وابن ماجه من حديث كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان به (^٢)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ أي: في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى ومن كل شر يحذر منه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي، حدثنا القاسم وعلي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنة لغرفًا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها\" فقال أعرابي: لمن هي؟ قال ﷺ: \"لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-3644\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: يسعون في الصد عن سبيل الله واتباع رسله والتصديق بآياته ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: جميعهم مجزيون بأعمالهم فيها بحسبهم.\n\n<span id=\"aya-3645\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: بحسب ما له في ذلك من الحكمة يبسط على هذا من المال كثيرًا. ويضيق على هذا ويقتر على رزقه جدًا. وله في ذلك من الحكمة ما لا يدركها غيره، كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء] أي: كما هم متفاوتون في الدنيا هذا فقير وهذا غني موسع عليه، فكذلك هم في الأخرة هذا في الغرفات في أعلى الدرجات، وهذا في الغمرات في أسفل الدركات، وأطيب الناس في الدنيا كما قال ﷺ: \"قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه\" رواه مسلم من حديث ابن عمرو ﵄ (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما ثبت في\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٣٩) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، البر، باب تحريم ظلم المسلم (ح ٢٥٦٤)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب القناعة (ح ٤١٤٣).\n(^٣) سنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق وهو الواسطي، والنعمان بن سعد: مقبول.\n(^٤) صحيح مسلم، الزكاة، باب في الكفاف والقناعة (ح ١٠٥٤).","vol":"6","page":287},{"text":"الحديث: \"يقول الله تعالى أنفق، أنفق عليك\" (^١).\nوفي الحديث: \"أن ملكين يصبحان كل يوم يقول أحدهما: اللَّهم أعطِ ممسكًا تلفًا، ويقول الآخر: اللَّهم أعط منفقًا خلفًا\" (^٢). وقال رسول الله ﷺ: \"أنفق بلالًا، ولا تخشى من ذي العرش إقلالًا\" (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: ذُكر، عن يزيد بن عبد العزيز الفلاس، حدثنا هشيم، عن [الكوثر] (^٤) بن حكيم، عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض، يعضُّ الموسر ما في يده حذار الإنفاق\" ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (^٥).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا روح بن حاتم، حدثنا هشيم، عن [الكوثر] (^٦) بن حكيم، عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض، يعضُّ الموسر على ما في يده حذار الإنفاق\" قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.\n\"وينهل شرار الناس يبايعون كل مضطر ألا إن بيع المضطرين حرام، ألا إن بيع المضطرين حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله إن كان عندك معروف فعد به على أخيك، وإلا فلا تزده هلاكًا إلى هلاكه\" (^٧). هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده ضعف. وقال سفيان الثوري: عن أبي يونس الحسن بن يزيد قال: قال مجاهد لا يتأولن أحدكم هذه الآية: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ إذا كان عند أحدكم ما يقيمه، فليقصد فيه، فإن الرزق مقسوم (^٨).\n\n<span id=\"aya-3646\"></span>\n\n<span id=\"aya-3647\"></span>\n\n<span id=\"aya-3648\"></span>﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾.\nيخبر تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورهم ليقربوهم إلى الله زُلفى، فيقول للملائكة: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ أي: أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم، كما قال تعالى في\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٢٩.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٢٩.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢١٢.\n(^٤) كذا في (مح) وترجمته، وفي الأصل و(حم) صُحف إلى: \"المكوثر\".\n(^٥) سنده ضعيف لأن مكحولًا. رواه بلاغًا ولم يسمع من حذيفة، وكوثر بن حكيم ضعيف ويروي أحاديث باطلة (لسان الميزان ٤/ ٤٩٠).\n(^٦) كذا في (مح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"المكوثر\".\n(^٧) عزاه الحافظ ابن حجر (المطالب العالية ١/ ٢٦١) إلى أبي يعلى في مسنده وكذا السيوطي في الدر المنثور وضعف سنده، وسنده كسابقه، وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٨) سنده صحيح ونسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.","vol":"6","page":288},{"text":"سورة الفرقان ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [١٧] وكما يقول لعيسى ﵊: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] وهكذا تقول الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تعاليت وتقدست عن أن يكون معك إله ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ يعنون: الشياطين، لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان وأضلوهم، ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٧، ١١٨]، قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ أي: لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأوثان التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكربكم، اليوم لا يملكون لكم نفعًا ولا ضرًا.\n﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المشركون: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيجًا.\n\n<span id=\"aya-3649\"></span>﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾.\nيخبر الله عن الكفار أنهم يستحقون منه العقوبة والأليم من العذاب، لأنهم كانوا إذا تتلى عليهم آياته بينات يسمعونها غضة طرية من لسان رسوله ﷺ ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ يعنون: أن دين آبائهم هو الحق، وأن ما جاءهم به الرسول عندهم باطل، عليهم وعلى آبائهم لعائن الله تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ يعنون: القرآن ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾،\n\n<span id=\"aya-3650\"></span>قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)﴾ أي: ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن وما أرسل إليهم نبيًا قبل محمد ﷺ، وقد كانوا يوَدون ذلك ويقولون: لو جاءنا نذير أو أنزل علينا كتاب لكنا أهدى من غيرنا، فلما منَّ الله عليهم بذلك كذبوه وجحدوه وعاندوه.\n\n<span id=\"aya-3651\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأُمم ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄؛ أي: من القوة في الدنيا (^١). وكذلك قال قتادة والسدي وابن زيد (^٢)، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾ [الأحقاف]، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر: ٨٢] أي: وما دفع ذلك عنهم عذاب الله ولا ردَّه، بل دمر الله عليهم لما كذبوا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"6","page":289},{"text":"رسله، ولهذا قال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: فكيف كان عقابي ونكالي وانتصاري لرسلي؟\n\n<span id=\"aya-3652\"></span>﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾.\nيقول ﵎: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أي: إنما آمركم بواحدة وهي: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي: تقوموا قيامًا خالصًا لله ﷿ من غير هوى ولا عصبية، فيسأل بعضكم بعضًا هل بمحمد من جنون. فينصح بعضكم بعضًا ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أي: ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد ﷺ ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه، ويتفكر في ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ هذا معنى ما ذكره مجاهد ومحمد بن كعب والسدي وقتادة وغيرهم (^١)، وهذا هو المراد من الآية.\nفأما الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان يقول: \"أعطيت ثلاثًا لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر: أُحلَّت لي الغنائم ولم تَحلّ لمن قبلي، كانوا قبلي يجمعون غنائمهم فيحرقونها، وبُعثت إلى كل أحمر وأسود، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا أتيمم بالصعيد وأصلي فيها حيث أدركتني الصلاة، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي\" (^٢). فهو حديث ضعيف الإسناد، وتفسير الآية بالقيام في الصلاة في جماعة وفرادى بعيد، ولعله مقحم في الحديث من بعض الرواة، فإن أصله ثابت في الصحاح (^٣) وغيرها، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾، قال البخاري عندها: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن خازم، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: صعد النبي ﷺ الصفا ذات يوم فقال: \"يا صباحاه\" فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: \"أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني\" قالوا: بلى، قال ﷺ: \"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\" فقال أبو لهب: تبًّا لك ألهذا جمعتنا. فأنزل الله ﷿ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ [المسد]. وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بُريدة، عن أبيه ﵁ قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ يومًا فنادى ثلاث مرات، فقال: \"أيها الناس أتدرون ما\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: \"بطاعة الله\"، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: \"فهذه واحدة وعظهم بها\".\n(^٢) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان، ولأغلبه شواهد تقدم بعضها في الآية ٢٨ من هذه السورة.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الشعراء آية ٢١٤.","vol":"6","page":290},{"text":"مثلي ومثلكم؟ \" قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم قال ﷺ: \"إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوًا يأتيهم، فبعثوا رجلًا يتراءى لهم فبينما هو كذلك أبصر العدو، فأقبل لينذرهم وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه، أيها الناس أُوتيتم أيها الناس أُوتيتم\" ثلاث مرات (^١)، وبهذا الإسناد قال رسول الله ﷺ: \"بُعثت أنا والساعة جميعًا، إن كادت لتسبقُني\" (^٢) تفرد به الإمام أحمد في مسنده.\n\n<span id=\"aya-3653\"></span>﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ أي: لا أريد منكم جعلًا ولا عطاء على أداء رسالة الله ﷿ إليكم ونصحي إياكم وأمركم بعبادة الله ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: إنما أطلب ثواب ذلك من عند الله ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: عالم بجميع الأمور بما أنا عليه من إخباري عنه بإرساله إياي إليكم وما أنتم عليه.\n\n<span id=\"aya-3654\"></span>وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨)﴾، كقوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥] أي: يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض، وهو علام الغيوب فلا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.\n\n<span id=\"aya-3655\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ أي: جاء الحق من الله والشرع العظيم، وذهب الباطل وزهق واضمحل، كقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]، ولهذا لما دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة جعل يطعن الصنم منها بسن قوسه ويقرأ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء]، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الآية، كلهم من حديث الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي مَعمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود ﵁ به (^٣)؛ أي: لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة.\nوزعم قتادة والسدي أن المراد بالباطل ههنا إبليس (^٤). أي: أنه لا يخلق أحدًا ولا يعيده ولا يقدر على ذلك، وهذا وإن كان حقًا ولكن ليس هو المراد ههنا، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3656\"></span>وقوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ أي: الخير كله من عند الله، وفيما أنزل الله ﷿ من الوحي والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضلَّ\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه بلفظ: \"ثلاث مرار\". (المسند ٣٨/ ٣٦ ح ٢٢٩٤٨) قال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٣٥ ح ٢٢٩٤٧) وقال محققوه: حسن لغيره.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٨١.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"6","page":291},{"text":"فإنما يضلُّ من تلقاء نفسه، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ لما سئل عن تلك المسألة في المفوضة أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله [بريئان] (^١) (^٢) منه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ أي: سميع لأقوال عباده قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وقد روى النسائي هنا حديث أبي موسى في الصحيحين: \"إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا مجيبًا\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-3657\"></span>﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾.\nيقول تعالى: ولو ترى يا محمد إذ فزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة، فلا فوت أي: فلا مفر لهم ولا وزر لهم ولا ملجأ ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: لم يمكنوا أن يمعنوا في الهرب بل أخذوا من أول وهلة.\nقال الحسن البصري: حين خرجوا من قبورهم (^٤).\nوقال مجاهد وعطية العوفي وقتادة: من تحت أقدامهم (^٥).\nوعن ابن عباس ﵄ والضحاك؛ يعني: عذابهم في الدنيا (^٦).\nوقال عبد الرحمن بن زيد: يعني: قتلهم يوم بدر (^٧)، والصحيح أن المراد بذلك يوم القيامة، وهو الطامَّة العظمى، وإِن كان ما ذكر متصلًا بذلك، وحكى ابن جرير عن بعضهم قال: إن المراد بذلك جيش يخسف بهم بين مكة والمدينة في أيام بني العباس ﵃. ثم أورد في ذلك حديثًا موضوعًا بالكلية (^٨)، ثم لم ينبه على ذلك، وهذا أمر عجيب غريب منه.\n\n<span id=\"aya-3658\"></span>﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ أي: يوم القيامة يقولوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة] ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: وكيف لهم تعاطي\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"بريان\".\n(^٢) المسالة في زواج الرجل ثم يموت ولا يفرض لزوجته شيئًا، وأجاب ابن مسعود ﵁: فإني أقضي لها مثل صدقة امرأة من نسائها .. ولها الميراث وعليها العدّة. ثم ذكر الحديث الذي أعلاه (المسند ٧/ ٣٠٨ ح ٤٢٧٦) وصَحح سنده محققوه.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٨٦.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن البصري.\n(^٥) نسبة السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية العوفي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري عن الضحاك.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٨) أخرجه الطبري من حديث حذيفة بن اليمان ﵁.","vol":"6","page":292},{"text":"الإيمان وقد بعدوا عن محل قبوله منهم، وصاروا إلى الدار الآخرة وهي دار الجزاء لا دار الابتلاء، فلو كانوا آمنوا في الدنيا لكان ذلك نافعهم ولكن بعد مصيرهم إلى الدار الآخرة لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان، كما لا سبيل إلى حصول الشيء لمن يتناوله من بعيد.\nقال مجاهد: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ قال: التناول لذلك (^١).\nوقال الزهري: التناوش تناولهم الإيمان وهم في الآخرة وقد انقطعت عنهم الدنيا.\nوقال الحسن البصري: أما إنهم طلبوا الأمر من حيث لا ينال تعاطوا الإيمان من مكان بعيد (^٢).\nوقال ابن عباس ﵄: طلبوا الرجعة إلى الدنيا والتوبة مما هم فيه وليس بحين رجعة ولا توبة (^٣)، وكذا قال محمد بن كعب القرظي ﵀.\n\n<span id=\"aya-3659\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة وقد كفروا بالحق في الدنيا وكذبوا الرسل ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.\nقال مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قال: بالظن (^٤)، قلت: كما قال تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] فتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: كاهن، وتارة يقولون: ساحر، وتارة يقولون: مجنون إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة، ويكذبون بالبعث والنشور والمعاد ويقولون: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢].\nقال قتادة ومجاهد: يرجمون بالظن لا بعث ولا جنة ولا نار (^٥).\n\n<span id=\"aya-3660\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ قال الحسن البصري والضحاك وغيرهما: يعني: الإيمان (^٦).\nوقال السدي: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ وهي التوبة (^٧)، وهذا اختيار ابن جرير ﵀.\nوقال مجاهد: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من هذه الدنيا من مال وزهرة وأهل (^٨)، وروى\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"الردّ\". وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"التناول\".\n(^٢) أخرجه يحيى بن سلام عن عثمان عن عمرو عن الحسن، وسنده ضعيف لضعف عثمان وهو ابن سعد البصري الكاتب.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"فكيف لهم بالردِّ\".\n(^٤) سنده صحيح.\n(^٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٦) قول الحسن أخرجه ابن أبي شيبة عن معتمر بن سليمان، عن أبي الأشهب عنه (المصنف ١٣/ ٥٢٧ رقم ١٧١٥٣) وسنده صحيح وقول الضحاك أخرجه البستي والطبري بسند حسن من طريق عُبيد الصيد عنه.\n(^٧) أخرجه البيهقي بسند حسن من طريق إسباط عن السدي (شعب الإيمان رقم ٧١٩٩).\n(^٨) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه البخاري تعليقًا عن مجاهد. (الصحيح، التفسير، سورة سبأ).","vol":"6","page":293},{"text":"نحوه ابن عمر وابن عباس والربيع بن أنس ﵃، وهو قول البخاري وجماعه.\nوالصحيح أنه لا منافاة بين القولين، فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة فمنعوا منه.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا أثرًا غريبًا عجيبًا جدًا فنذكره بطوله، فإنه قال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا بشر بن حجر الشامي، حدثنا علي بن منصور الأنباري، عن الشرقي بن قطامي، عن سعد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قول الله ﷿: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ. . .﴾ إلى آخر الآية، قال: كان رجل من بني إسرائيل فاتحًا أي: فتح الله تعالى له مالًا، فمات فورثه ابن له تافه؛ أي: فاسد، فكان يعمل في مال الله تعالى بمعاصي الله تعالى ﷿، فلما رأى ذلك أخوات أبيه، أتوا الفتى فعذلوه ولاموه، فضجر الفتى فباع عقاره بصامت (^١)، ثم رحل فأتى عينًا ثجاجة (^٢) فسرح فيها ماله وابتنى قصرًا، فبينما هو ذات يوم جالس إذ حملت عليه ريح بامرأة من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم أرجًا؛ أي: ريحًا، فقالت: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا امرؤ من بني إسرائيل، قالت: فلك هذا القصر وهذا المال؟ فقال: نعم. قالت: فهل لك من زوجة؟ قال: لا. قالت: فكيف يهنيك العيش ولا زوجة لك؟ قال: قد كان ذاك، قال: فهل لك من بعل؟ قالت: لا، قال: فهل لك إلا أن أتزوجك؟ قالت: إني امرأة منك على مسيرة ميل (^٣)، فإذا كان الغد فتزود زاد يوم وائتني، وإن رأيت في طريقك هولًا فلا يهولنك، فلما كان من الغد تزود زاد يوم وانطلق، فانتهى إلى قصر فقرع رتاجه (^٤)، فخرج إليه شاب من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم أرجًا؛ أي: ريحًا، فقال: من أنتَ يا عبد الله؟ فقال: أنا الإسرائيلي، قال: فما حاجتك؟ قال: دعتني صاحبة القصر إلى نفسها، قال: صدقت، قال: فهل رأيت في الطريق هولًا؟ قال: نعم ولولا أنها أخبرتني أن لا بأس علي لهالني الذي رأيت، قال: ما رأيت؟ قال: أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بكلبة فاتحة فاها، ففزعت فوثبت فإذا أنا من ورائها، وإذا جراؤها (^٥) ينبحن من بطنها، فقال له الشاب: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان يقاعد الغلام المشيخة في مجلسهم ويسرهم حديثه، قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بمائة عنز حُفَّل (^٦)، وإذا فيها جدي يمصها، فإذا أتى عليها وظن أنه لم يترك شيئًا فتح فاه يلتمس الزيادة، فقال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان ملك يجمع صامت الناس كلهم حتى إذا ظن أنه لم يترك شيئًا فتح فاه يلتمس الزيادة، قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بشجر فأعجبني غصن من شجرة منها ناضرة، فأردت قطعه فنادتني شجرة أخرى: يا عبد الله منا فخذ حتى ناداني الشجر أجمع يا عبد الله مني فخذ، فقال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان يقل الرجال ويكثر النساء حتى أن الرجل ليخطب المرأة فتدعوه العشر والعشرون إلى أنفسهنَّ، قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل، فإذا أنا برجل قائم\n_________\n(^١) أي: الذهب والفضة.\n(^٢) أي: يسيل منها الماء سيلًا.\n(^٣) الميل يساوي ١٨٤٨ مترًا (المقادير في الفقه الإسلامي ص ٧٠).\n(^٤) أي: الباب الضخم.\n(^٥) أي: أولادها.\n(^٦) أي: كثيرة اللبن.","vol":"6","page":294},{"text":"على عين يغرف لكل إنسان من الماء، فإذا تصدعوا (^١) عنه صَبَّ في جرته فلم تعلق جرته من الماء بشيء، قال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان القاص يعلم الناس العلم ثم يخالفهم إلى معاصي الله تعالى، قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بعنز وإذا بقوم قد أخذوا بقوائمها، وإذا رجل قد أخذ بقرنيها، وإذا رجل قد أخذ بذنبها، وإذا راكب قد ركبها، وإذا رجل يحتلبها، فقال: أما العنز فهي الدنيا، والذين أخذوا بقوائمها يتساقطون من عيشها، وأما الذي أخذ بقرنيها فهو يعالج من عيشها ضيقًا، وأما الذي أخذ بذنبها فقد أدبرت عنه، وأما الذي ركبها فقد تركها، وأما الذي يحلبها فبخ بخ (^٢) ذهب ذلك بها.\nقال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يمتح على قليب كلما أخرج دلوه صبه في الحوض فانساب الماء راجعًا إلى القليب (^٣)، قال: هذا رجل ردَّ الله عليه صالح عمله فلم يقبله، قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يبذر بذرًا فيستحصد فإذا حنطة طيبة، قال: هذا رجل قبل الله صالح عمله وأزكاه له.\nقال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل مستلق على قفاه، قال: يا عبد الله ادن مني فخذ بيدي وأقعدني، فوالله ما قعدت منذ خلقني الله تعالى، فأخذت بيده، فقام يسعى حتى ما أراه، فقال له الفتى: هذا عمر الأبعد نفد، أنا ملك الموت، وأنا المرأة التي أتتك أمرني الله تعالى بقبض روح الأبعد في هذا المكان، ثم أصيره إلى نار جهنم، قال: ففيه نزلت هذه الآية ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ الآية (^٤)، هذا أثر غريب وفي صحته نظر، وتنزيل الآية عليه وفي حقه بمعنى أن الكفار كلهم يتوفون وأرواحهم متعلقة بالحياة الدنيا، كما جرى لهذا المغرور المفتون، ذهب يطلب مراده فجاءه ملك الموت فجأة بغتة وحيل بينه وبين ما يشتهي.\nوقوله تعالى: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كما جرى للأمم الماضية المكذبة بالرسل لما جاءهم بأس الله تمنوا أن لو آمنوا فلم يقبل منهم ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر].\nوقوله ﵎: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ أي: كانوا في الدنيا في شك وريبة، فلهذا لم يتقبل منهم الإيمان عند معاينة العذاب، قال قتادة إياكم والشك والريبة، فإن من مات على شك بعث عليه، ومن مات على يقين بعث عليه.\nآخر تفسير سورة سبأ ولله الحمد والمنَّة.\n_________\n(^١) أي: ذهبوا.\n(^٢) بخ بخ: كلمة تُقال عند المدح.\n(^٣) أي: البئر.\n(^٤) هذا الحديث موضوع من وضع سعد بن طريف وهو الإسكاف متهم بالوضع كما في التقريب.","vol":"6","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-154>سُورَةُ فَاطِر</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-3661\"></span>﷽\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾.\nقال سفيان الثوري: عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، قال: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها؛ أي: بدأتها (^١).\nوقال ابن عباس ﵄ أيضًا: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بديع السماوات والأرض (^٢).\nوقال الضحاك: كل شيء في القرآن فاطر السماوات والأرض، فهو خالق السماوات والأرض (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ أي: بينه وبين أنبيائه ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ أي: يطيرون بها ليبلَّغوا ما أمروا به سريعًا ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، كما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ رأى جبريل ﵇ ليلة الإسراء وله ستمائة جناح، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب (^٤)، ولهذا قال: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nقال السدي: يزيد في الأجنحة وخلقهم ما يشاء (^٥).\nوقال الزهري وابن جريج في قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ يعني: حسن الصوت (^٦)، رواه عن الزهري البخاري في الأدب، وابن أبي حاتم في تفسيره، وقُرئ في الشاذ (يزيد في الحلق) بالحاء\n_________\n(^١) أخرجه البُستي من طريق سفيان الثوري به وكذا أبو عبيد القاسم بن سلام (فضائل القرآن ص ٢٠٦)، وحسنه الحافظ ابن حجر في الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف، سورة فاطر.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) تقدم تخريجه في مطلع تفسير سورة الإسراء.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه البيهقي من طريق صالح الناجي عن ابن جريج عن ابن شهاب الزهري. (شعب الإيمان ١/ ٣٥٥ رقم ١١٤) وفيه صالح الناجي ترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٤/ ٤٠٤)، وأخرجه البخاري من طريق صالح الناجي به. ثم قال: ذهبت أنا ومسلم إلى صالح فسألناه، فقال: لا أحفظ هذا عن ابن جريج، ولكن بلغني عن مقاتل بن حيان. (التاريخ الكبير ٢/ ٢٩٢).","vol":"6","page":296},{"text":"المهملة (^١)، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3662\"></span>﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾.\nيخبر تعالى أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.\nقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا مغيرة، أخبرنا عامر، عن [ورَّاد] (^٢) مولى المغيرة بن شعبة قال: إن معاوية كتب إلى المغيرة بن شعبة: اكتب لي بما سمعت من رسول الله ﷺ، فدعاني المغيرة فكتبت إليه: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللَّهم لا مانعَ لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد\" وسمعته ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، وعن وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومنع وهات (^٣)، وأخرجاه من طرق عن [ورّاد] (^٤) به (^٥).\nوثبت في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: \"سمع الله لمن حمده، اللَّهم ربنا لك الحمد ملء السماء والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللَّهم أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللَّهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد\" (^٦).\nوهذه الآية كقوله ﵎: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] ولها نظائر كثيرة.\nوقال الإمام مالك رحمة الله عليه: كان أبو هريرة ﵁ إذا مطروا يقول: مُطرنا بنوء الفتح، ثم يقرأ هذه الآية: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ (^٧)، ورواه ابن أبي حاتم، عن يونس، عن ابن وهب عنه (^٨).\n\n<span id=\"aya-3663\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾.\nينبِّه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له كما أنه المستقل بالخلق والرزق، فكذلك فليفرد بالعبادة ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ولهذا\n_________\n(^١) وهي قراءة على التفسير.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صُحف إلى: \"وارد\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/ ١٦٩ ح ١٨٢٣٢) وصححه محققوه.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) والصحيحين، وفي الأصل صُحف إلى: \"وارد\".\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٧.\n(^٦) صحيح مسلم، الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع (ح ٤٧٧).\n(^٧) أخرجه الإمام مالك بلاغًا عن أبي هريرة ﵁ (الموطأ، الاستسقاء، باب الاستمطار بالنجوم ١/ ١٩٢ ح ٦). وسنده ضعيف لانقطاعه.\n(^٨) سنده ضعيف كسابقه.","vol":"6","page":297},{"text":"قال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تؤفكون بعد هذا البيان، ووضوح هذا البرهان، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان.\n\n<span id=\"aya-3664\"></span>﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾.\nويقول ﵎: وإن يكذبوك يا محمد هؤلاء المشركون بالله ويخالفوك فيما جئتهم به من التوحيد، فلك فيمن سلف قبلك من الرسل أسوة، فإنهم كذلك جاؤوا قومهم بالبينات وأمروهم بالتوحيد فكذبوهم وخالفوهم ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: وسنجزيهم على ذلك أوفر الجزاء.\n\n<span id=\"aya-3665\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: المعاد كائن لا محالة ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: العيشة الدنيئة بالنسبة إلى ما أعد الله لأوليائه وأتباع رسله من الخير العظيم، فلا تتلهوا عن ذلك الباقي بهذه الزهرة الفانية ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وهو الشيطان قاله ابن عباس ﵄ (^١)؛ أي: لا يفتننكم الشيطان ويصرفنكم عن اتباع رسل الله وتصديق كلماته، فإنه غرار كذاب أفاك، وهذه الآية كالآية التي في آخر لقمان: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [٣٣].\nوقال مالك: عن زيد بن أسلم هو الشيطان (^٢). كما قال المؤمنون للمنافقين يوم القيامة حين يضرب ﴿بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾ [الحديد].\n\n<span id=\"aya-3666\"></span>ثم بيَّن تعالى عداوة إبليس لابن آدم فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ أي: هو مبارز لكم بالعداوة فعادوه أنتم أشد العداوة وخالفوه وكذبوه فيما يغركم به ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: إنما يقصد أن يضلكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب السعير، فهذا هو العدو المبين نسأل الله القوي العزيز أن يجعلنا أعداء الشيطان وأن يرزقنا اتباع كتاب الله، والاقتفاء بطريق رسله، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف]. [وقال بعض العلماء: وتحت هذا الخطاب نوع لطيف من العتاب كأنه يقول: إنما عاديت إبليس من أجل أبيكم ومن أجلكم، فكيف يحسن بكم أن توالوه؟ بل اللائق بكم أن تعادوه وتخالفوه ولا تطاوعوه] (^٣).\n\n<span id=\"aya-3667\"></span>\n\n<span id=\"aya-3668\"></span>﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾.\nلما ذكر تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى السعير، ذكر بعد ذلك أن الذين كفروا لهم عذاب\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) سنده صحيح.\n(^٣) زيادة من (حم).","vol":"6","page":298},{"text":"شديد، لأنهم أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن، وأن الذين آمنوا بالله ورسله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: لما كان منهم من ذنب ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ على ما عملوه من خير. ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ يعني: كالكفار والفجار يعملون أعمالًا سيئة وهم في ذلك يعتقدون ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا؛ أي: أفمن كان هكذا قد أضله الله ألك فيه حيلة، لا حيلة لك فيه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بقدره كان ذلك ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أي: لا تأسف على ذلك، فإن الله حكيم في قدره إنما يضل من يضل ويهدي من يهدي، لما له في ذلك من الحجة البالغة والعلم التام، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم عند هذه الآية: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني أو ربيعة، عن عبد الله بن الديلمي قال: أتيت عبد الله بن عمرو ﵄ وهو في حائط بالطائف يقال له: الوهط (^١)، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذٍ فقد اهتدى ومن أخطأه منه ضلَّ، فلذلك أقول جفَّ العلم على ما علم الله ﷿\" (^٢).\nثم قال: حدثنا محمد بن عبدة القزويني، حدثنا حسان بن حسان البصري، حدثنا إبراهيم بن بشر، حدثنا يحيى بن معن، حدثنا إبراهيم القرشي، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: \"الحمد لله الذي يهدي من الضلالة، ويلبِّس الضلالة على مَن أحب\" (^٣). وهذا أيضًا حديث غريب جدًا.\n\n<span id=\"aya-3669\"></span>﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾.\nكثيرًا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها، كما في أول سورة الحج ينبّه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا أرسل إليها\n_________\n(^١) وسميت منطقة الوهط نسبة لهذا الحائط وهو مزرعة كانت لعمرو بن العاص ﵄، ولا تزال هذه المنطقة موجودة ببن الطائف والشفا.\n(^٢) أخرجه الترمذي من طريق إسماعيل بن عياش عن يحيى بن أبي عمر الشيباني به وحسنه (السنن، الإيمان، باب ما جاء، في افتراق هذه الأمة ح ٢٦٤٢)، وأخرجه الحاكم من طريق الأوزاعي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٢٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٠٧٦).\n(^٣) سنده ضعيف جدًا لجهالة إبراهيم بن بشر وغير ذلك (الجرح والتعديل ٢/ ٩٠)، وأخرجه البخاري من طريق حسان بن حسان به ثم قال: وهذا إسناد مجهول لا يتابع عليه ولا يعرف سماع بعضهم من بعض. ولا أصل له (التاريخ الصغير ١/ ٢٥٠) ولهذا استغربه الحافظ ابن كثير.","vol":"6","page":299},{"text":"السحاب تحمل الماء وأنزله عليها ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]، كذلك الأجساد إذا أراد الله تعالى بعثها ونشورها، أنزل من تحت العرش مطرًا [يعم] (^١) الأرض جميعًا، ونبتت الأجساد في قبورها كما تنبت الحبة في الأرض ولهذا جاء في الصحيح: \"كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب\" (^٢) ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ وتقدم في الحج حديث أبي رزين قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال ﷺ: \"يا أبا رزين أما مررت بوادي قومك ممحلًا ثم مررت به يهتز خضرًا\"؟ قلت: بلى، قال ﷺ: \"فكذلك يحيي الله الموتى\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-3670\"></span>وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أي: من كان يحب أن يكون عزيزًا في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله تعالى، فإنه يحصل له مقصوده لأن الله تعالى مالك الدنيا والآخرة وله العزة جميعًا، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء].\nوقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].\nقال مجاهد: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ بعبادة الأوثان (^٤) ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.\nوقال قتادة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أي: فليتعزز بطاعة الله ﷿ (^٥)، وقيل: من كان يريد علم العزَّة لمن هي ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ وحكاه ابن جرير.\nوقوله ﵎: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ يعني: الذكر والتلاوة والدعاء، قاله غير واحد من السلف.\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، أخبرني جعفر بن عون، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله هو ابن مسعود ﵁: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى، إن العبد المسلم إذا قال سبحان الله وبحمده والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر تبارك الله، أخذهنَّ ملك فجعلهنَّ تحت جناحه ثم صعد بهن إلى السماء فلا يمر بهنَّ على جمع من الملائكة إلا واستغفروا لقائلهنَّ حتى يجيء بهنَّ وجه الله ﷿، ثم قرأ عبد الله ﵁ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^٦).\nوحدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق\n_________\n(^١) كذا في (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"نعم\".\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة المؤمنون آية ١٤.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحج آية ٦.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الله بن المخارق سكت عنه البخاري في التاريخ الكبير وكذا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٢٥).","vol":"6","page":300},{"text":"قال: قال كعب الأحبار: إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لدويًا حول العرش كدوي النحل يذكرن لصاحبهنَّ والعمل الصالح في الخزائن (^١). وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار رحمة الله عليه، وقد روي مرفوعًا.\nقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا موسى يعني ابن مسلم الطحان، عن عون بن عبد الله، عن أبيه أو عن أخيه، عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الذين يذكرون من جلال الله من تسبيحه وتكبيره وتحميده وتهليله، يتعاطفن حول العرش لهنَّ دوي كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن، ألا يُحبُّ أحدكم أن لا يزال له عند الله شيء يُذكِّر به؟ \" (^٢) وهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بشر خلف، عن يحيى بن سعيد القطان، عن موسى بن أبي عيسى الطحان، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبيه أو عن أخيه، عن النعمان بن بشير ﵁ به (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: الكلم الطيب ذكر الله تعالى، يصعد به إلى الله ﷿، والعمل الصالح أداء الفريضة، فمن ذكر الله تعالى في أداء فرائضه حمل عمله وذكر الله تعالى به إلى الله ﷿، ومن ذكر الله تعالى ولم يؤد فرائضهُ رُدَّ كلامه على عمله، فكان أولى به (^٤)، وكذا قال مجاهد: العمل الصالح يرفعه الكلام الطيب (^٥)، وكذا قال أبو العالية وعكرمة وإبراهيم النخعي والضحاك والسدي والربيع بن أنس وشهر بن حوشب وغير واحد (^٦).\nوقال إياس بن معاوية القاضي: لولا العمل الصالح لم يرفع الكلام.\nوقال الحسن وقتادة: لا يقبل قول إلا بعمل (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير وشهر بن حوشب: هم المراؤون بأعمالهم (^٨)؛ يعني: يمكرون بالناس يوهمون أنهم في طاعة الله تعالى، وهم بغضاء إلى الله ﷿ يراؤون بأعمالهم ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير إلى كعب الأحبار، لكنه مرسل إلا أنه يتقوى بالشواهد التالية.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/ ٣١٢ ح ١٨٣٦٢)، وقال محققوه: إسناده صحيح. اهـ. وصححه الألباني كما يلي.\n(^٣) السنن، الأدب، باب فضل التسبيح (ح ٣٨٠٩) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٠٧١).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄.\n(^٥) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه البستي بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية، وأخرجه البستي من طريق ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب وليث فيه مقال ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول الضحاك أخرجه ابن المبارك بسند حسن من طريق أبي سنان عنه (الزهد رقم ٩٠).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن الحسن وقتادة.\n(^٨) أخرجه البستي والبيهقي (شعب الإيمان رقم ٦٨٤٥) بسند حسن من طريق سعيد بن سنان عن مجاهد، وأخرجه البستي والطبري كلاهما من طريق ليث بن أبي سُليم عن شهر بن حوشب، وليث فيه مقال ويتقوى بسابقه، وقول سعيد بن جبير عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.","vol":"6","page":301},{"text":"وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المشركون (^١)، والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ أي: يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنهى، فإنه ما أسرَّ أحدٌ سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله تعالى رداءها إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنين المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، بل ينكشف لهم عن قريب وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية.\n\n<span id=\"aya-3671\"></span>وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: ابتدأ خلق أبيكم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي: ذكرًا وأنثى، لطفًا منه ورحمة أن جعل لكم أزواجًا من جنسكم لتسكنوا إليها. وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ أي: هو عالم بذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء بل ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد].\nوقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ أي: ما يعطي بعض النطف من العمر الطويل يعلمه وهو عنده في الكتاب الأول ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ الضمير عائد على الجنس لا على العين، لأن الطويل العمر في الكتاب وفي علم الله تعالى لا ينقص من عمره، وإنما عاد الضمير على الجنس.\nقال ابن جرير: وهذا كقولهم عندي: ثوب ونصفه؛ أي: هو ونصف ثوب آخر (^٢).\nوروي من طريق العوفي، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يقول: ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قدرت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذين كتبت له، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يقول: كل ذلك في كتاب عنده (^٣)، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ قال: ما لفظت الأرحام من الأولاد من غير تمام. وقال عبد الرحمن في تفسيرها: ألا ترى الناس يعيش الإنسان مائة سنة وآخر يموت حين يولد؟ فهذا هذا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.\n(^٤) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.","vol":"6","page":302},{"text":"وقال قتادة: والذي ينقص من عمره فالذي يموت قبل ستين سنة (^١).\nوقال مجاهد: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ أي: في بطن أمه يكتب له ذلك لم يخلق الخلق على عمر واحد، بل لهذا عمر، ولهذا عمر هو أنقص من عمره. فكل ذلك مكتوب لصاحبه بالغ ما بلغ (^٢)، وقال بعضهم: بل معناه ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ أي: ما يكتب من الأجل (^٣) ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ وهو ذهابه قليلًا قليلًا، الجميع معلوم عند الله تعالى سنة بعد سنة، وشهرًا بعد شهر، وجمعة بعد جمعة، ويومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة، الجميع مكتوب عند الله تعالى في كتابه، نقله ابن جرير، عن أبي مالك (^٤)، وإليه ذهب السدي وعطاء الخراساني (^٥)، واختار ابن جرير الأول، وهو كما قال.\nوقال النسائي عند تفسير هذا الآية الكريمة: حدثنا أحمد بن يحيى بن أبي زيد بن سليمان قال: سمعت ابن وهب يقول: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من سرَّه أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثرِه فليصل رحمه\". وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يونس بن يزيد الأيلي به (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الوليد بن الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله أبو مسرح، حدثنا عثمان بن عطاء (^٧)، عن مسلمة بن عبد الله، عن عمه أبي مَشجعةَ بن ربعي، عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ فقال: \"إن الله تعالى لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر\" (^٨).\nوقوله ﷿: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل عليه، يسير لديه علمه بذلك وبتفصيله في جميع مخلوقاته، فإن علمه شامل للجميع، لا يخفى عليه منه شيء.\n\n<span id=\"aya-3672\"></span>﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾.\nيقول تعالى منبهًا على قدرته العظيمة في خلقه لأشياء المختلفة خلق البحرين العذب الزلال، وهو هذه الأنهار السارحة بين الناس من كبار وصغار بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار والعمران والبراري والقفار، وهي عذبة سائغ شرابها لمن أراد ذلك ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ أي: مُر وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار، وإنما تكون مالحة زعافًا مُرَّة، ولهذا قال:\n_________\n(^١) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) نسبه السيوطي إلى عبد بن حميد.\n(^٣) نسبه السيوطي إلى عبد وابن أبي حاتم عن عكرمة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حصين عن أبي مالك.\n(^٥) نسبهما السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٢٧.\n(^٧) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وفي الضعفاء الكبير (٢/ ١٣٤) والكامل لابن عدي (٣/ ١١٣٣) ورد باسم سليمان بن عطاء فقد أخرجاه من طريق سليمان بن عطاء به، وقال العقيلي لا يتابع عليه بهذا اللفظ.\n(^٨) سنده ضعيف سواء كان عثمان بن عطاء أو سليمان بن عطاء فكلاهما ضعيف.","vol":"6","page":303},{"text":"﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ أي: مُر. ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يعني: السمك ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ كما قال ﷿: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣)﴾ [الرحمن].\nوقوله جلَّ وعلا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ أي: تمخره وتشقه بحيزومها وهو مقدمها المسنم الذي يشبه جؤجؤ الطير وهو صدره.\nوقال مجاهد: تمخر الريح السفن ولا يمخر الريح من السفن إلا العظام.\nوقوله جلَّ وعلا: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: بأسفاركم بالتجارة من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم، وهو البحر، تتصرفون فيه كيف شئتم، تذهبون أين أردتم، ولا يمتنع عليكم شيء منه، بل بقدرته قد سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض، الجميع من فضله ورحمته.\n\n<span id=\"aya-3673\"></span>﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾.\nوهذا أيضًا من قدرته التامة وسلطانه العظيم في تسخيره الليل بظلامه، والنهار بضيائه، ويأخذ من طول هذا فيزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم يأخذ من هذا في هذا، فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفًا وشتاء ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أي: والنجوم السيارات، والثوابت الثاقبات بأضوائهن أجرام السماوات، الجميع يسيرون بمقدار معين، وعلى منهاج مقنن محرر، تقديرًا من عزيز عليم.\n﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى يوم القيامة ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الذي فعل هذا هو الربُّ العظيم الذي لا إله غيره ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأنداد التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين.\n﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة وعطاء وعطية العوفي والحسن وقتادة وغيرهم: القطمير هو: اللفافة التي تكون على نواة التمرة (^١)؛ أي: لا يملكون من السماوات والأرض شيئًا ولا بمقدار هذا القطمير.\n\n<span id=\"aya-3674\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ يعني: الآلهة التي تدعونها من دون الله لا تسمع دعاءكم، لأنها جماد لا أرواح فيها، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على شيء مما يطلبون منها ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: يتبرؤون منكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.","vol":"6","page":304},{"text":"النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه مثل خبير بها.\nقال قتادة: يعني نفسه ﵎ (^١)، فإنه أخبر بالواقع لا محالة.\n\n<span id=\"aya-3675\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ ٥ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾.\nيخبر تعالى بغناه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها وتذللها بين يديه، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو تعالى الغني عنهم بالذات، ولهذا قال ﷿: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه.\n\n<span id=\"aya-3676\"></span>\n\n<span id=\"aya-3677\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦)﴾ أي: لو شاء لأذهبكم أيها الناس وأتى بقوم غيركم، وما هذا عليه بصعب ولا ممتنع، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾.\n\n<span id=\"aya-3678\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ أي: وإن تدع نفس مثقلة بأوزارها إلى أن تساعد على حمل ما عليها من الأوزار أو بعضه ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: وإن كان قريبًا إليها حتى ولو كان أباها أو ابنها، كل مشغول بنفسه وحاله.\nقال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الآية، قال: هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة، فيقول: يا ربِّ سَلْ هذا لم كان يغلق بابه دوني، وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن يوم القيامة، فيقول له: يا مؤمن إن لي عندك يدًا قد عرفت كيف كنت لك في الدنيا وقد احتجت إليك اليوم، فلا يزال المؤمن يشفع له عند ربه حتى يردَّه إلى منزل دون منزله، وهو في النار، وإن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة فيقول: يا بُني؛ أي والد كنتُ لكَ، فيثني خيرًا، فيقول له: يا بُني إني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى، فيقول له ولده: يا أبتِ ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثلما تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا، ثم يتعلق بزوجته فيقول: يا فلانة، أو يا هذه؛ أي: زوج كنت لكِ؟ فتثني خيرًا، فتقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة تهبينها لي لعلي أنجو بها مما ترين، قال: فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئًا، إني أتخوف مثل الذي تتخوف. يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الآية، ويقول ﵎: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]، ويقول\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.","vol":"6","page":305},{"text":"تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس] رواه ابن أبي حاتم ﵀، عن أبي عبد الله الطهراني، عن حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة به (^١).\nثم قال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: إنما يتعظ بما جئت به أولو البصائر والنّهي، الخائفون من ربهم، الفاعلون ما أمرهم به ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أي: ومن عمل صالحًا فإنما يعود نفعه على نفسه ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: وإليه المرجع والمآب، وهو سريع الحساب، وسيجزي كل عامل بعمله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.\n\n<span id=\"aya-3679\"></span>\n\n<span id=\"aya-3680\"></span>\n\n<span id=\"aya-3681\"></span>﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾.\nيقول تعالى: كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة كالأعمى والبصير لا يستويان، بل بينهما فرق وبون كثير، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور، كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات، كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقال ﷿: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: ٢٤] فالمؤمن بصير سميع في نور يمشي على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون، والكافر أعمى وأصم في ظلمات يمشي لا خروج له منها، بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ [الواقعة].\n\n<span id=\"aya-3682\"></span>\n\n<span id=\"aya-3683\"></span>\n\n<span id=\"aya-3684\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والإنقياد لها. ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي: كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها، كذلك هؤلاء المشركون الذي كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم ولا تستطيع هدايتهم ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ أي: إنما عليك البلاغ والإنذار، والله يضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: بشيرًا للمؤمنين ونذيرًا للكافرين، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أي: وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله تعالى إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ الآية [النحل: ٣٦]، والآيات في هذا كثيرة.\n\n<span id=\"aya-3685\"></span>\n\n<span id=\"aya-3686\"></span>وقوله ﵎: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وهي\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر وهو العدني، وكذلك إرسال عكرمة.","vol":"6","page":306},{"text":"المعجزات الباهرات والأدلة القاطعات ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ وهي الكتب ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أي: الواضح البين ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ومع هذا كله كذب أولئك رسلهم فيما جاؤوهم به، فأخذتهم؛ أي: بالعقاب والنكال ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: فكيف رأيت إنكاري عليهم عظيمًا شديدًا بليغًا؟\n\n<span id=\"aya-3687\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾.\nيقول تعالى منبهًا على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد، وهو الماء الذي ينزله من السماء، يخرج به ثمرات مختلفًا ألوانها من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض إلى غير ذلك من ألوان الثمار، كما هو المشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد].\nوقوله ﵎: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ أي: وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان، كما هو المشاهد أيضًا من بيض وحمر، وفي بعضها طرائق وهي الجدد جمع جدة، مختلفة الألوان أيضًا قال ابن عباس ﵄: الجدد الطرائق (^١)، وكذا قال أبو مالك والحسن وقتادة والسدي ومنها ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ قال عكرمة: الغرابيب الجبال الطوال السود، وكذا قال أبو مالك وعطاء الخراساني وقتادة (^٢).\nوقال ابن جرير: والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد قالوا: أسود غربيب (^٣)، ولهذا قال بعض المفسرين في هذه الآية: هذا من المقدم والمؤخر في قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ أي: سود غرابيب، وفيما قاله نظر.\n\n<span id=\"aya-3688\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ أي: كذلك الحيوانات من الأناسي والدواب، وهو كل ما دب على القوائم، والأنعام، من باب عطف الخاص على العام كذلك هي مختلفة أيضًا، فالناس منهم بربر وحبوش وطُماطم (^٤) في غاية السواد وصقالبة وروم في غاية البياض، والعرب بين ذلك والهنود دون ذلك، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان حتى في الجنس الواحد بل النوع الواحد منهن مختلف الألوان، بل الحيوان الواحد يكون أبلق فيه من هذا اللون وهذا اللون، فتبارك الله أحسن الخالقين.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا عبد الله بن عمر بن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) قول أبي مالك نسبه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٤) أي: الأعاجم الذين لا يُفصحون.","vol":"6","page":307},{"text":"أبان بن صالح، حدثنا زياد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أيصبغ ربك؟ قال ﷺ: \"نعم صبغًا لا ينقض أحمر وأصفر وأبيض\" (^١). وروي مرسلًا وموقوفًا، والله أعلم. ولهذا قال تعالى بعد هذا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير (^٢).\nوقال ابن لهيعة: عن ابن أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئًا، وأحلَّ حلاله وحرّم حرامه، وحفظ وصيته وأيقن أنه ملاقيه ومحاسب بعمله (^٣).\nوقال سعيد بن جبير: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله ﷿ (^٤).\nوقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الحسن ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (^٥).\nوعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية (^٦).\nوقال أحمد بن صالح المصري، عن ابن وهب، عن مالك قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنّما العلم نور يجعله الله في القلب (^٧). قال أحمد بن صالح المصري: معناه أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية، وإنما العلم الذي فرض الله ﷿ أن يتبع، فإنما هو الكتاب والسُّنَّة وما جاء عن الصحابة ﵃ ومن بعدهم من أئمة المسلمين، فهذا، لا يدرك إلا بالرواية، ويكون تأويل قوله: نور يريد به فهم العلم ومعرفة معانيه.\nوقال سفيان الثوري: عن أبي حيان التيمي، عن رجل قال: كان يقال العلماء ثلاثة: عالم بالله، عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله، ليس بعالم بالله، فالعالم\n_________\n(^١) أخرجه البزار بسنده ومتنه ثم قال: لا نعلم أحدًا أسنده عن ابن عباس إلا زياد بن عبد الله (المسند ح ٢٩٤٤) قال الهيثمي: فيه عطاء بن السائب وقد اختلط (مجمع الزوائد ٥/ ١٢٨)، وفيه أيضًا، زياد بن عبد الله وهو النمري: ضعيف (التقريب ص ٢٢٠).\n(^٢) أخرجه الطبري واللالكائي (السنة رقم ٩٤٥) كلاهما بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) في سنده ابن لهيعة فيه مقال.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وعبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه ابن عدي (الكامل في الضعفاء ١/ ٣٨)، والطبراني (المعجم الكبير ح ٨٥٣٤) كلاهما من طريق عون عن ابن مسعود، وسنده منقطع لأن عونًا لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٧) سنده صحيح.","vol":"6","page":308},{"text":"بالله وبأمر الله الذي يخشى الله تعالى ويعلم الحدود والفرائض، والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض، والعالم بأمر الله ليس العالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله ﷿ (^١).\n\n<span id=\"aya-3689\"></span>\n\n<span id=\"aya-3690\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾.\nيخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به، ويعملون بما فيه من إقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله تعالى في الأوقات المشروعة ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي: يرجون ثوابًا عند الله لا بدّ من حصوله، كما قدمنا في أول التفسير عند فضائل القرآن أنه يقول لصاحبه: إن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة، ولهذا قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ليوفيهم ثواب ما عملوه ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر لهم ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ أي: لذنوبهم ﴿شَكُورٌ﴾ للقليل من أعمالهم.\nقال قتادة: كان مُطرِّف ﵀ إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء (^٢).\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا سالم بن غيلان قال: إنه سمع درَّاجًا أبا السمح يحدث عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله تعالى إذا رضي عن العبد أثنى عليه بسبعة أصناف من الخير لم يعمله، وإذا سخط على العبد أثنى عليه بسبعة أضعاف من الشر لم يعمله\" (^٣). غريب جدًا.\n\n<span id=\"aya-3691\"></span>﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد من الكتاب وهو القرآن ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المتقدمة بصدقها كما شهدت له بالتنويه، وأنه منزل من ربِّ العالمين ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أي: هو خبير بهم بصير بمن يستحق ما يفضله به على من سواه، ولهذا فضل الأنبياء والرسل على جميع البشر، وفضل النبيين بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات وجعل منزلة محمد ﷺ فوق جميعهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\n\n<span id=\"aya-3692\"></span>﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾.\nيقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتب الذين اصطفينا من عبادنا وهم هذه الأمة، ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع، فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ\n_________\n(^١) في سنده إبهام شيخ أبي حيان التيمي، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معتمر عن أبيه عن قتادة به.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣٨) وسنده ضعيف لضعف رواية درّاج عن أبي الهيثم.","vol":"6","page":309},{"text":"لِنَفْسِهِ﴾ وهو: المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات.\n﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ وهو: المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات.\n﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهو: الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ قال: هم أمة محمد ﷺ، ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب (^١).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح وعبد الرحمن بن معاوية العتبي قالا: حدثنا أبو الطاهر بن السرح، حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ أنه قال ذات يوم: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي\".\nقال ابن عباس ﵄: \"السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ\" (^٢). وكذا روي عن غير واحد من السلف أن الظالم لنفسه من هذه الأُمة من المصطفين على ما فيه من عوج وتقصير.\nوقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأُمة ولا من المصطفين الوارثين للكتاب.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس ﵄ فمنهم ظالم لنفسه قال: هو الكافر (^٣). وكذا روى عنه عكرمة، وبه قال عكرمة أيضًا فيما رواه ابن جرير (^٤).\nوقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال: هم أصحاب المشأمة (^٥).\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم، والحسن وقتادة: هو المنافق (^٦).\nثم قد قال ابن عباس والحسن وقتادة: وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول\n_________\n(^١) أخرجه الطبري والبيهقي (البعث رقم ٧٣) كلاهما بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ١٨٩ ح ١١٤٥٤) وسنده موضوع لأن موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وضع على ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس كتابًا في التفسير. وهذا الحديث من ذلك (ينظر لسان الميزان ٦/ ١٢٤).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق والبستي من طريق ابن عيينة به، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر حسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة.\n(^٥) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٦) خبر مالك سنده صحيح، وخبر الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وخبر قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.","vol":"6","page":310},{"text":"سورة الواقعة وآخرها (^١)، والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأُمة، وهذا اختيار ابن جرير، كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ من طرق يشد بعضها بعضًا ونحن إن شاء الله تعالى نورد منها ما تيسر.\nالحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار أنه سمع رجلًا من ثقيف يحدث، عن رجل من كنانة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: \"هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة\" (^٢) هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده من لم يسم، وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شعبة به نحوه (^٣). ومعنى قوله: بمنزلة واحدة؛ أي: في أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة.\nالحديث الثاني: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة، عن موسى بن عقبة، عن علي بن عبد الله الأزدي، عن أبي الدرداء ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذي يحاسبون حسابًا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذي يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلاقاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ (^٤) [فاطر].\nطريق أخرى: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا الحسين بن حفص، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت، عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قال: فأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يصيبه الهم والحزن، ثم يدخل الجنة\" (^٥).\nورواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش قال: ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد، فجلس إلى جنب أبي الدرداء ﵁، فقال: اللَّهم آنس وحشتي، وارحم غربتي ويسر لي\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بقول الحسن وقتادة فقد أخرجهما الطبري وعبد الرزاق بسند صحيح كما تقدم في الرواية السابقة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨/ ٢٧١ ح ١١٧٤٥)، وضعف سنده محققوه لإبهام الرجل من ثقيف. اهـ. وأخرجه الترمذي من طريق محمد بن جعفر به (السنن، التفسير، باب ومن سورة الملائكة ح ٣٢٢٣).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق شعبة به وسنده كسابقه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٥٨ ح ٢١٧٢٧) وضعف سنده محققوه لانقطاعه بين علي بن عبد الله وأبي الدرداء، وفي رواية البخاري في التاريخ الكبير ٩/ ١٨ بينهما أبو خالد البكري، ولم يتبينوا من هو.\n(^٥) سنده ضعيف لإبهام شيخ الأعمش، ويتقوى بما يليه.","vol":"6","page":311},{"text":"جليسًا صالحًا، فقال أبو الدرداء ﵁: لئن كنت صادقًا لأنا أسعد بك منك، سأحدثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ لم أحدث به منذ سمعته منه وذكر هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾، فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغمِّ والحزن، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (^١).\nالحديث الثالث: قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس، حدثنا ابن مسعود، أخبرنا سهل بن عبد ربه الرازي، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُسامة بن زيد ﵄ ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلُّهم من هذه الأمة\" (^٢).\nالحديث الرابع: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عزيز، حدثنا سلامة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عوف بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أُمتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث يحاسبون حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحصون ويكشفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون وجدناهم يقولون: لا إله إلا الله وحده، يقول الله تعالى: صدقوا لا إله إلا أنا أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده، واحملوا خطاياهم على أهل النار، وهي التي قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وتصديقها في التي فيها ذكر الملائكة، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ فجعلهم ثلاثة أنواع، وهم أصناف كلهم، فمنهم ظالم لنفسه، فهذا الذي يمحص ويكشف\" (^٣) غريب جدًا.\nأثر عن ابن مسعود ﵁: قال ابن جرير: حدثني ابن حميد، حدثنا الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس، عن عبد الله بن عيسى، عن يزيد بن الحارث، عن شقيق أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن هذه الأُمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابًا يسيرًا، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول الله ﷿: ما هؤلاء؟ وهو أعلم ﵎ فتقول الملائكة: هؤلاء جاؤوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك شيئًا، فيقول الرب ﷿: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، وتلا عبد الله ﵁ هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق سفيان الثوري به، وسقط من السند شيخ الأعمش وهو منذر الثوري فقد أخرجه البستي من طريق سفيان الثوري عن الأعمش عن منذر الثوري قال: ذكر أبو ثابت. وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١/ ١٦٧ ح ٤١٠)، قال الهيثمي: وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيء الحفظ (مجمع الزوائد ٧/ ٩٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني من طريق محمد بن عزيز به (المعجم الكبير ١٨/ ٨٠)، قال الهيثمي: فيه سلامة بن روح وثقه ابن حبان وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ٩٦).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.","vol":"6","page":312},{"text":"أثر آخر: قال أبو داود الطيالسي: عن الصلت بن دينار بن الأشعث (^١)، عن عقبة بن صهبان الهنائي، قال: سألت عائشة ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية، فقالت لي: يا بني هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ، شهد له رسول الله ﷺ بالحياة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، قال: فجعلت نفسها ﵂ معنا، وهذا منها ﵂ من باب الهضم والتواضع، وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام (^٢).\nوقال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في قوله ﵎: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال: هي لأهل بدونا ومقتصدنا أهل حضرنا، وسابقنا أهل الجهاد (^٣)، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال عوف الأعرابي: حدثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: حدثنا كعب الأحبار رحمة الله عليه، قال: إن الظالم لنفسه من هذه الأُمة والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة، ألم تر أن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ إلى قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ قال: فهؤلاء أهل النار (^٤).\nرواه ابن جرير من طرق عن عوف به ثم قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا حميد، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه قال: إن ابن عباس ﵄ سأل كعبًا عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى قوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: تماسَّت مناكبهم وربّ كعب، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم (^٥).\nثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم بن بشير، حدثنا عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق السبيعي في هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية، قال أبو إسحاق: أما ما سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناج (^٦). ثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو، عن محمد ابن الحنفية ﵁ قال: إنها أُمة مرحومة، الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنان عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله (^٧). ورواه الثوري، عن إسماعيل بن\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية: ابن الأشعث، وفي مسند الطيالسي: أبو شعيب.\n(^٢) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص ٢٠٩ رقم ١٤٨٩)، وسنده ضعيف جدًا لأن الصلت بن دينار متروك، فقد أخرجه الطبراني من طريق الصلت بن دينار به (المعجم الأوسط ٦/ ١٦٧ ح ٦٠٩٤) وقال الهيثمي فيه الصلت بن دينار وهو متروك (مجمع الزوائد ٧/ ٩٧)، وأخرجه الحاكم من طريق الصلت به وصححه وتعقبه الذهبي بأن الصلت ليس بثقة (المستدرك ٢/ ٤٢٧).\n(^٣) أخرجه البستي من طريق ابن المبارك به، وسنده معضل.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق عوف به، وسنده مرسل.\n(^٥) أخرجه الطبري وسنده كسابقه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه.","vol":"6","page":313},{"text":"سميع، عن رجل، عن محمد ابن الحنفية ﵁ بنحوه (^١).\nوقال أبو الجارود: سألت محمد بن علي - يعني الباقر - عن قول الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ فقال: هو الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا.\nفهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام. وإذا تقرر هذا، فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة، فإنهم كما قال الإمام أحمد ﵀، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، عن قيس بن كثير قال: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء ﵁ وهو بدمشق، فقال: ما أقدمك أي أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله ﷺ، قال: أما قدمت لتجارة؟ قال: لا، قال: أما قدمت لحاجة؟ قال: لا، قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: نعم. قال ﵁: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من سلك طريقًا يطلب فيها علمًا، سلك الله تعالى به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر\" (^٢). وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن قيس (^٣)، ومنهم من يقول قيس بن كثير، عن أبي الدرداء ﵁، وقد ذكرنا طرقه واختلاف الرواة فيه في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري، ولله الحمد والمنة.\nوقد تقدم في أول سورة طه حديث ثعلبة بن الحكم ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \"يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء: إني لم أضع علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-3693\"></span>﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾.\nيخبر تعالى أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة، مأواهم جنات عدنٍ؛ أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على الله ﷿: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁، عن\n_________\n(^١) في سنده إبهام شيخ إسماعيل بن سميع.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٤٦ ح ٢١٧١٥) قال محققوه: حسن لغيره. اهـ. وصححه الألباني كما يلي.\n(^٣) سنن أبي داود، العلم، باب فضل العلم (ح ٣٦٤١)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (ح ٣٠٩٦)، وسنن الترمذي، العلم، باب ما جاء في فضل الفقه في طلب العلم (ح ٢٦٨٢)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (ح ٢٢٣).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة طه آية ٢.","vol":"6","page":314},{"text":"رسول الله ﷺ أنه قال: \"تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء\" (^١).\n﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ ولهذا كان محظورًا عليهم في الدنيا، فأباحه الله تعالى لهم في الآخرة، وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\" وقال: \"هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة\" (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن سواد السرحي، أخبرنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ قال: إن أبا أُمامة ﵁ حدث أن رسول الله ﷺ حدثهم، وذكر حلي أهل الجنة فقال: \"مُسوَّرون بالذهب والفضة مُكلَّلة بالدرِّ، وعليهم أكاليل من درٍّ وياقوت متواصلة، وعليهم تاج كتاج الملوك، شباب جرد مُرد مكحَّلون\" (^٣)\n\n<span id=\"aya-3694\"></span>﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وهو الخوف من المحذور، أزاحه عنا وأراحنا مما كنا نتخوفه ونحذره من هموم الدنيا والآخرة.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: عن أبيه، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن\" (^٤) رواه ابن أبي حاتم من حديثه.\nوقال الطبراني: حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا موسى بن يحيى المروزي، حدثنا سليمان بن عبد الله بن وهب الكوفي، عن عبد العزيز بن حكيم، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت ولا في القبور ولا في النشور، وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور\" (^٥).\nقال ابن عباس ﵄ وغيره: غفر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات (^٦)\n\n<span id=\"aya-3695\"></span>﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يقولون الذي أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام من فضله ومَنّه ورحمته، لم تكن أعمالنا تساوي ذلك، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة\" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: \"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل\" (^٧).\n﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء. والنصب\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحج آية ٢٣.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحج آية ٢٣.\n(^٣) سنده ضعيف لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ﵁.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأخرجه ابن عدي من الطريق نفسه وأعله بعبد الرحمن بن زيد (الكامل ٤/ ٢٧١)، وقال المنذري: في متنه نكارة (الترغيب والترهيب ٢/ ٤١٦).\n(^٥) نسبه الهيثمي إلى الطبراني وقال: وفيه جماعة لم أعرفهم (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٣٣).\n(^٦) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم بنحوه.\n(^٧) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، المرضى، باب تمني المريض الموت ح ٥٦٧٣، وصحيح مسلم، صفات المنافقين وأحكامهم ح ٢٨١٦).","vol":"6","page":315},{"text":"واللغوب كل منهما يستعمل في التعب، وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم، أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، والله أعلم، فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة قال الله ﵎: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة].\n\n<span id=\"aya-3696\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾.\nلما ذكر ﵎ حال السعداء، شرع في بيان مآل الأشقياء، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾، كما قال تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤]، وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: \"أما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون\" (^١) وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ [الزخرف]، فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحة لهم، ولكن لا سبيل إلى ذلك، قال الله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، كما قال ﷿: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ [الزخرف]، وقال: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ [النبأ]، ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ أي: هذا جزاء كل من كفر بربه وكذب الحق.\n\n<span id=\"aya-3697\"></span>وقوله جلَّت عظمته: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ أي: ينادون فيها يجأرون إلى الله ﷿ بأصواتهم ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ أي: يسألون الرجعة إلى الدنيا ليعملوا غير عملهم الأول، وقد علم الربُّ ﷻ أنه لو ردَّهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم، كما قال تعالى مخبرًا عنهم في قولهم: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١١، ١٢] أي: لا يجيبكم إلى ذلك لأنكم كنتم كذلك، ولو رددتم لعدتم إلى ما نهيتم عنه، ولهذا قال ههنا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ أي: أو ما عشتم في الدنيا أعمارًا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم؟\nوقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد ههنا، فروي عن علي بن الحسين زين العابدين ﵄ أنه قال: مقدار سبع عشرة سنة.\nوقال قتادة: اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نعير بطول العمر قد نزلت هذه الآية ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة (^٢)، وكذا قال أبو غالب الشيباني.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإيمان، باب إثبات الشفاعة واخراج الموحدين من النار (ح ١٨٥).\n(^٢) نسبه السيوطي إلى عبد بن حميد.","vol":"6","page":316},{"text":"وقال عبد الله بن المبارك: عن معمر، عن رجل، عن وهب بن منبه في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قال: عشرين سنة (^١).\nوقال هشيم، عن منصور: عن زاذان، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قال: أربعين سنة (^٢).\nوقال هشيم أيضًا: عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة، فليأخذ حذره من الله ﷿ (^٣)، وهذه رواية عن ابن عباس ﵄ فيما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: العمر الذي أعذر الله تعالى لابن آدم ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أربعون سنة (^٤)، هكذا رواه من هذا الوجه عن ابن عباس ﵄ به، وهذا القول هو اختيار ابن جرير، ثم رواه من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ ستون سنة (^٥)، فهذه الرواية أصح عن ابن عباس ﵄، وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضًا، لما ثبت في ذلك من الحديث كما سنورده، لا كما زعمه ابن جرير من أن الحديث لم يصح في ذلك، لأن في إسناده من يجب التثبت في أمره (^٦).\nوقد روى أصبغ بن نباتة، عن علي ﵁ أنه قال: العمر الذي عيرهم الله به في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ ستون سنة (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا دُحيم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني إبراهيم بن الفضل المخزومي، عن ابن أبي حسين المكي، أنه حدثه عن عطاء هو ابن رباح، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"إذا كان يوم القيامة، قيل: أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله تعالى فيه ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ \" (^٨). وكذا رواه ابن جرير عن علي بن شعيب، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به (^٩)، وكذا رواه الطبراني من طريق ابن أبي فديك به (^١٠)، وهذا الحديث فيه نظر لحال إبراهيم بن الفضل، والله أعلم.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن رجل من بني غفار،\n_________\n(^١) سنده ضعيف لإبهام شيخ معمر.\n(^٢) في سنده زاذان لين الحديث (التقريب ص ٦٨٤).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وفي سنده مجالد فيه مقال.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح وقال الحافظ ابن كثير فهذه الرواية أصح.\n(^٦) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٧) سنده ضعيف جدًا لأن أصبغ بن نابتة مثروك (التقريب ص ١١٣).\n(^٨) أعله الحافظ ابن كثير بإبراهيم بن الفضل، وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ٧/ ٩٧).\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه.\n(^١٠) أخرجه الطبراني من طريق إبراهيم بن الفضل به (المعجم الكبير ١١/ ١٧٧ ح ١١٤١٥) وسنده كسابقه.","vol":"6","page":317},{"text":"عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"لقد أعذر الله تعالى إلى عبد أحياه حتى بلغ الستين أو سبعين سنة، لقد أعذر الله تعالى إليه، لقد أعذر الله تعالى إليه\" (^١). وهكذا رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه: حدثنا عبد السلام بن مطهر، عن عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعذر الله ﷿ إلى امرئ أخر عمره حتى بلغ ستين سنة\" ثم قال البخاري: تابعه أبو حازم وابن عجلان، عن سعيد المقبري (^٢).\nفأما أبو حازم فقال ابن جرير: حدثنا أبو صالح الفزاري، حدثنا محمد بن سوار، أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد القادر؛ أي: الإسكندري، حدثنا أبو حازم، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من عمّره الله تعالى ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر\" (^٣) وقد رواه الإمام أحمد والنسائي في الرقاق جميعًا عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن به (^٤).\nورواه البزار قال: حدثنا هشام بن يونس، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"العمر الذي أعذر الله تعالى فيه إلى ابن آدم ستون سنة\" يعني: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ (^٥).\nوأما متابعة ابن عجلان فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو السفر يحيى بن محمد بن عبد الملك بن قرعة بسامراء، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله ﷿ إليه في العمر\" (^٦). وكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي عبد الرحمن هو المقري به (^٧)، ورواه أحمد أيضًا، عن خلف، عن أبي معشر، عن أبي سعيد المقبري (^٨).\nطريق أخرى عن أبي هريرة ﵁: قال ابن جرير: حدثني أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المطرف بن مازن الكناني، حدثني معمر بن راشد قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لقد أعذر الله ﷿ في العمر إلى صاحب الستين والسبعين\" (^٩). فقد صحَّ هذا الحديث من هذه\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٧٥) وسنده ضعيف لإبهام شيخ معمر، ويتقوى بما يليه.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (الصحيح، الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر ح ٦٤١٩).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٤) المسند ٢/ ٤١٧، ورواية النسائي ذكرها المزي (تحفة الأشراف ٩/ ٤٧٢).\n(^٥) أخرجه البيهقي من طريق عبد العزيز بن أبي حازم به (السنن الكبرى ٣/ ٣٧٠) وفي سنده أبو حازم المدني مقبول كما في التقريب ولعله هو الذي زاد ذكر الآية ويشهد له ما سبق دون ذكر الآية.\n(^٦) يشهد له ما سبق في صحيح البخاري.\n(^٧) (المسند ٢/ ٣٢٠).\n(^٨) (المسند ٢/ ٤٠٥).\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف المطرف بن مازن (الجرح والتعديل ٨/ ٣١٤)، وما سبق يشهد له إلا لفظ: \"والسبعين\".","vol":"6","page":318},{"text":"الطرق، فلو لم يكن إلا الطريق التي ارتضاها أبو عبد الله البخاري شيخ هذه الصناعة لكفت وقول ابن جرير: إن في رجاله بعض من يجب التثبت في أمره لا يلتفت إليه من تصحيح البخاري، والله أعلم. وذكر بعضهم أن العمر الطبيعي عند الأطباء مائة وعشرون سنة، فالإنسان لا يزال في ازدياد إلى كمال الستين، ثم يشرع بعد هذا في النقص والهرم، كما قال الشاعر:\nإذا بلغ الفتى ستين عامًا … فقد ذهب المسرة والفتاء (^١)\nولما كان هذا هو العمر الذي يعذر الله تعالى إلى عباده به ويزيح به عنهم العلل، كان هو الغالب على أعمار هذه الأمة، كما ورد بذلك الحديث.\nقال الحسن بن عرفة ﵀: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك\". وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعًا في كتاب الزهد عن الحسن بن عرفة به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٢). وهذا عجيب من الترمذي، فإنه قد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا من وجه آخر وطريق أخرى عن أبي هريرة حيث قال: حدثنا سليمان بن عمرو، عن محمد بن ربيعة، عن كامل أبي العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعمار أُمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك\" وقد رواه الترمذي في كتاب الزهد أيضًا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن محمد بن ربيعة به، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ (^٣)، وقد روي من غير وجه هذا نصه بحروفه في الموضعين، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى الأنصاري، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني إبراهيم بن الفضل مولى بني مخزوم، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين\" (^٤) وبه قال: قال رسول الله ﷺ: \"أقل أُمتي أبناء سبعين\" (^٥). إسناده ضعيف.\nحديث آخر في معنى ذلك: قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا إبراهيم بن مهدي، عن عثمان بن مطر، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة ﵁ أنه قال: يا رسول الله أنبئنا بأعمار أُمتك، قال رسول الله ﷺ: \"ما بين الخمسين إلى الستين\" قالوا: يا رسول الله فأبناء السبعين؟ قال ﷺ: \"قل من يبلغها من أُمتي، رحم الله أبناء السبعين، ورحم الله أبناء الثمانين\" ثم قال البزار: لا يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، وعثمان بن مطر\n_________\n(^١) أي: الشباب.\n(^٢) أخرجه الترمذي (السنن، أبواب الدعوات ح ٣٥٥٠)، وابن ماجه (السنن، الزهد، باب الأمل والأجل ح ٤٢٣٦)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ٣٤١٤).\n(^٣) سنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في أعمار هذه الأمة (ح ٢٣٣١).\n(^٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٤٢٢ ح ٦٥٤٣) وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن الفضل المخزومي.\n(^٥) المصدر السابق (ح ٦٥٤٤) وسنده كسابقه.","vol":"6","page":319},{"text":"من أهل البصرة ليس بقوي (^١)، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ عاش ثلاثًا وستين سنة (^٢)، وقيل: ستين، وقيل: خمسًا وستين، والمشهور الأول، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ روي عن ابن عباس ﵄ وعكرمة وأبي جعفر الباقر ﵁ وقتادة وسفيان بن عيينة أنهم قالوا: يعني الشيب (^٣).\nوقال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني به رسول الله ﷺ.\nوقرأ ابن زيد ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)﴾ (^٤) [النجم].\nوهذا هو الصحيح عن قتادة فيما رواه شيبان عنه أنه قال: احتج عليهم بالعمر والرسل (^٥)، وهذا اختيار ابن جرير، وهو الأظهر لقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾ [الزخرف] أي: لقد بيَّنا لكم الحق على ألسنة الرسل فأبيتم وخالفتم، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال ﵎: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ [الملك] أي: فذوقوا عذاب النار جزاء على مخالفتكم للأنبياء في مدة أعمالكم، فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال والأغلال.\n\n<span id=\"aya-3698\"></span>\n\n<span id=\"aya-3699\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩)﴾.\nيخبر تعالى بعلمه غيب السماوات والأرض، وإنه يعلم ما تكنُّه السرائر وما تنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل عامل بعمله، ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ أي: يخلف قوم لآخرين قبلهم وجيل لجيل قبلهم. كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: فإنما يعود وبال ذلك على نفسه دون غيره ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ أي: كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله تعالى، وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بخلاف المؤمنين، فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحسن عمله، ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة وزاد أجره وأحبه خالقه وبارئه ربُّ العالمين.\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٣٥٨٦)، وسنده ضعيف لضعف عثمان بن مطر (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٠٦).\n(^٢) ورجحه الحافظ في: الفصول في اختصار سيرة الرسول ﷺ ص ١٩٧، والخبر في صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂. (الصحيح، المناقب، باب وفاة النبي ﷺ ح ٣٥٣٦).\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه البيهقي بسند ضعيف فيه مجهول يروي عن ابن عباس (السنن الكبرى ٣/ ٣٧٠) وقول عكرمة عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) قول السدي عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وقول عبد الرحمن بن زيد، أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٥) سنده صحيح وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"6","page":320},{"text":"<span id=\"aya-3700\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾.\nيقول تعالى لرسوله ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من الأصنام والأنداد ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ليس لهم شيء من ذلك ما يملكون من قطمير.\nوقوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ أي: أم أنزلنا عليهم كتابًا بما يقولون من الشرك والكفر؟ ليس الأمر كذلك ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ أي: بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي يمنوها لأنفسهم وهي غرور وباطل وزور.\n\n<span id=\"aya-3701\"></span>ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عني أمره وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ أي: أن تضطربا عن أماكنهما، كما قال ﷿: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو، وهو مع ذلك حليم غفور؛ أي: يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم فيؤخر، وينظر ويؤجل ولا يعجل، ويستر آخرين ويغفر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.\nوقد أورد ابن أبي حاتم ههنا حديثًا غريبًا بل منكرًا، فقال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثني إسحاق بن إبراهيم، حدثني هشام بن يوسف، عن [أُمية بن شبل] (^١)، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﵊ على المنبر قال: وقع في نفس موسى ﵊: هل ينام الله ﷿؟ فأرسل الله إليه ملكًا فأرقه ثلاثًا، وأعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى حتى نام فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان، قال: ضرب الله له مثلًا أن الله ﷿ لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض (^٢)، والظاهر أن هذا الحديث ليس بمرفوع بل من الإسرائيليات المنكرة، فإن موسى ﵊ أجلُّ من أن يجوز على الله ﷾ النوم، وقد أخبر الله ﷿ في كتابه العزيز بأنه ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" (^٣).\n_________\n(^١) كذا في ترجمته (لسان الميزان ١/ ٤٦٧)، وفي (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"سنبل\" وفي (مح) صحف إلى: سهل.\n(^٢) تقدم تخريجه وإنه منكر في تفسير سورة البقرة آية ٢٥٥.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٥٥.","vol":"6","page":321},{"text":"وقد قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله هو ابن مسعود ﵁ فقال: من أين جئت؟ قال: من الشام، قال: من لقيت؟ قال: لقيت كعبًا، قال: ما حدثك؟ قال: حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك، قال: أفصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته، قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، كذب كعب إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (^١). وهذا إسناد صحيح إلى كعب وإلى ابن مسعود ﵁.\nثم رواه ابن جرير، عن ابن حميد، عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: ذهب جندب البجلي إلى كعب بالشام فذكر نحوه (^٢). وقد رأيت في مصنف للفقيه يحيى بن إبراهيم بن مزين الطليطلي سماه (سير الفقهاء) أورد هذا الأثر عن محمد بن عيسى بن الطباع، عن وكيع، عن الأعمش به (^٣)، ثم قال: وأخبرنا زونان؛ يعني: عبد الملك بن الحسن، عن ابن وهب، عن مالك أنه قال: السماء لا تدور، واحتج بهذه الآية، وبحديث: \"إن بالمغرب بابًا للتوبة لا يزال مفتوحًا حتى تطلع الشمس منه\" (^٤) قلت: وهذا الحديث في الصحيح، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3702\"></span>\n\n<span id=\"aya-3703\"></span>﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾.\nيخبر تعالى عن قريش والعرب، أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم قبل إرسال الرسول إليهم ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ أي: من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل، قاله الضحاك وغيره كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الأنعام: ١٥٦، ١٥٧]، وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾ [الصافات].\nقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وهو محمد ﷺ بما أنزل معه من الكتاب العظيم، وهو القرآن المبين ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ أي: ما ازدادوا إلا كفرًا إلى كفرهم، ثم بيّن ذلك بقوله: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: استكبروا عن اتباع آيات الله ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أي: ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ أي: وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير، وهو كما قال، وقول كعب الأحبار ردّه ابن مسعود ﵁.\n(^٢) أخرجه الطبري وسنده منقطع لأن إبراهيم لم يسمع من جندب.\n(^٣) سنده صحيح.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٥٨.","vol":"6","page":322},{"text":"قال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي زكريا الكوفي، عن رجل حدثه أن رسول الله ﷺ قال: \"إياك ومكر السيء، فإنه لا يحيق المكر السيء إلا بأهله، ولهم من الله طالب\" (^١).\nوقال محمد بن كعب القرظي: ثلاث من فعلن لم ينجُ حتى ينزل به: من مكر أو بغى أو نكث، وتصديقها في كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (^٢) [الفتح: ١٠].\nوقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني عقوبة الله لهم على تكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ أي: لا تغير ولا تبدل، بل هي جارية كذلك في كل مكذب ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ أي: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١] ولا يكشف ذلك عنهم ويحوله عنهم أحد.\n\n<span id=\"aya-3704\"></span>﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾.\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الرسالة: سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل، كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، فخلت منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من نعيم بعد كمال القوة وكثرة العدد والعُدد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئًا، ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك لأنه تعالى لا يعجزه شيء إذا أراد كونه في السماوات والأرض ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ أي: عليم بجميع الكائنات قدير على مجموعها،\n\n<span id=\"aya-3705\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: لو آخذهم بجميع ذنوبهم لأهلك جميع أهل الأرض وما يملكونه من دواب وأرزاق.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (^٣).\nوقال سعيد بن جبير والسدي في قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: لما سقاهم المطر فماتت جميع الدواب.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لتعليقه وإبهام شيخ أبي زكريا.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري به (المصنف ٨/ ١٦٤)، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق أبي إسحاق السبيعي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٢٨).","vol":"6","page":323},{"text":"﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: ولكن ينظرهم إلى يوم القيامة فيحاسبهم يومئذٍ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة وبالعقاب أهل المعصية، ولهذا قال ﵎: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾.\nآخر تفسير سورة فاطر ولله الحمد والمنة، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم.","vol":"6","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-155>سُورَة يس</span>\n[وهي] (^١) مكية\nقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا قتيبة وسفيان بن وكيع، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرواسي، عن الحسن بن صالح، عن هارون أبي محمد، عن مقاتل بن حيان، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لكل شيء قلبًا، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات\" ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن، وهارون أبو محمد شيخ مجهول. وفي الباب عن أبي بكر الصديق ﵁: ولا يصح لضعف إسناده (^٢). وعن أبي هريرة ﵁: منظور فيه، أما حديث الصديق ﵁ فرواه [الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول] (^٣) (^٤) وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقال أبو بكر البزار: حدثنا عبد الرحمن بن الفضل، حدثنا زيد هو ابن الحباب، حدثنا حميد هو: المكي مولى آل علقمة، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لكل شيء قلبًا وقلب القرآن يس\" ثم قال: لا نعلم رواه إلا زيد، عن حميد (^٥).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا حجاج بن محمد، عن هشام بن زياد، عن الحسن قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ يس في ليلة أصبح مغفورًا له، ومن قرأ ﴿حم﴾ (^٦) التي يذكر فيها الدخان أصبح مغفور له\" (^٧). إسناده جيد. وقال ابن حبان في صحيحه: حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني، حدثنا أبي، حدثنا زياد بن خيثمة، حدثنا محمد بن جحادة، عن الحسن، عن جُندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له\" (^٨).\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل يس ح ٢٨٨٧)، وسنده ضعيف، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: حديث باطل لا أصل له (العلل ٢/ ٥٦).\n(^٣) زيادة من (مح).\n(^٤) نوادر الأصول (ص ٣٣٥).\n(^٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٣٠٤)، وسنده ضعيف لضعف حميد المكي (الكامل في الضعفاء ٢/ ٢٧٤).\n(^٦) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٩٣ ح ٦٢٢٤) وضعفه محققه لضعف هشام بن زياد.\n(^٨) أخرجه ابن حبان بسنده ومتنه (الإحسان ٦/ ٣١٢ ح ٢٥٧٤)، وسنده ضعيف لعدم سماع الحسن من جندب ﵁ (المراسيل لابن أبي حاتم ص ٤٢).","vol":"6","page":325},{"text":"وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكًا، واستخرجت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] من تحت العرش فوصلت بها - أو فوصلت بسورة البقرة - ويس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم\" (^١).\nوكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان به (^٢).\nثم قال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا ابن المبارك، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان وليس بالنهدي، عن أبيه، عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقرؤوها على موتاكم\"؛ يعني: يس. ورواه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك به، إلا أن في رواية النسائي عن أبي العثمان، عن معقل بن يسار ﵁ (^٣)، ولهذا قال بعض العلماء: من خصائص هذه السورة أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره الله تعالى، وكأن قراءتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة، وليسهل عليه خروج الروح، والله تعالى أعلم.\nقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان قال: كان المشيخة يقولون: إذا قرئت - يعني يس - عند الميت خفف الله عنه بها (^٤).\nوقال البزار: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: \"لوددت أنها في قلب كل إنسان من أُمتي\" يعني: يس (^٥).\n\n<span id=\"aya-3706\"></span>﷽\n﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾.\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة. وروي عن ابن عباس ﵄ وعكرمة والضحاك والحسن وسفيان بن عيينة أن يس بمعنى: يا إنسان (^٦).\nوقال سعيد بن جبير: هو كذلك في لغة الحبشة (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٦)، وسنده ضعيف لإبهام الرجل وأبيه، ولأوله شاهد تقدم في فضائل سورة البقرة.\n(^٢) عمل اليوم والليلة (ح ١٠٧٥).\n(^٣) تقدم تخريجه في بداية فضائل سورة البقرة.\n(^٤) (المسند ٤/ ١٠٥).\n(^٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٣٠٥) وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن الحكم بن أبان (التقريب ص ٨٩).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ويتقوى بالآثار التالية: فقد أخرجه البُستي بسند صحيح من طريق يزيد عن عكرمة، وأخرجه عبد بن حميد عن الحسن وعكرمة والضحاك كما عزاه السيوطي في الدر المنثور.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.","vol":"6","page":326},{"text":"وقال مالك، عن زيد بن أسلم: هو اسم من أسماء الله تعالى (^١).\n\n<span id=\"aya-3707\"></span>﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ أي: المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه\n\n<span id=\"aya-3708\"></span>﴿إِنَّكَ﴾ أي: يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾\n\n<span id=\"aya-3709\"></span>﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ أي: على منهج ودين قويم وشرع مستقيم\n\n<span id=\"aya-3710\"></span>﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾ أي: هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئت به تنزيل من رب العزة الرحيم بعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى].\n\n<span id=\"aya-3711\"></span>وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ يعني بهم العرب، فإنه ما أتاهم من نذير من قبله، وذكرهم وحدهم لا ينفي من عداهم، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم، وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته ﷺ عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].\n\n<span id=\"aya-3712\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ قال ابن جرير: لقد وجب العذاب على أكثرهم بأن الله تعالى قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالله ولا يصدقون رسله.\n\n<span id=\"aya-3713\"></span>﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾.\nيقول تعالى: إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جعل في عنقه غل، فجمع يديه مع عنقه تحت ذقنه، فارتفع رأسه فصار مقمحًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ والمقمح هو الرافع رأسه، كما قالت أُم زرع في كلامها: وأشرب فأتقمح (^٢)؛ أي: أشرب فأروي، وأرفع رأسي تهنيئًا وترويًا، واكتفى بذكر الغلِّ في العنق عن ذكر اليدين وإن كانتا مرادتين، كما قال الشاعر (^٣):\nفما أدري إذا يممت أرضًا … أريد الخير أيهما يليني\nأألخير الذي أنا أبتغيه … أم الشر الذي لا يأتليني (^٤)؟ (^٥)\nفاكتفى بذكر الخير عن الشر، لما دلَّ الكلام والسياق عليه، وهكذا هذا لما كان الغلّ إنما يعرف فيما جمع اليدين مع العنق، اكتفى بذكر العنق عن اليدين.\nقال العوفي، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ\n_________\n(^١) سنده صحيح، وأخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه مسلم (الصحيح، فضائل الصحابة، باب ذكر حديث أم زرع ح ٢٤٤٨).\n(^٣) هو المثقب العبدي كما في ديوانه ص ٢١٢.\n(^٤) أي: الذي لا يقصر في طلبه.\n(^٥) استشهد به الفراء (معاني القرآن ٢/ ٢٧٢) والطبري.","vol":"6","page":327},{"text":"فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾ قال: هو كقوله ﷿ ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ (^١) [الإسراء: ٢٩] يعني بذلك: أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يبسطوها بخير.\nوقال مجاهد: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ قال: رافعي رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم (^٢)، فهم مغلولون عن كل خير.\n\n<span id=\"aya-3714\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ قال مجاهد: عن الحق (^٣).\n﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ قال مجاهد: عن الحق فهم يترددون (^٤).\nوقال قتادة: في الضلالات (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ أي: أغشينا أبصارهم عن الحق ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أي: لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه.\nقال ابن جرير: وروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقرأ \"فأعشيناهم\" بالعين المهملة من العشاء، وهو داء في العين (^٦).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل الله تعالى هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس] ثم قال: من منعه الله تعالى لا يستطيع (^٧).\nوقال عكرمة: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قال: وكانوا يقولون هذا محمد، فيقول: أين هو؟ أين هو؟ لا يبصره (^٨)، رواه ابن جرير.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب قال: قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكًا فإذا متم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن، وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تعذبون بها. وخرج عليهم رسول الله ﷺ عند ذلك وفي يده حفنة من تراب، وقد أخذ الله تعالى على أعينهم دونه، فجعل يذرها على رؤوسهم ويقرأ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ وانطلق رسول الله ﷺ لحاجته، وباتوا رصداء على بابه حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري والبستي وابن أبي حاتم (كما في تغليق التعليق ٥/ ١٩٠) بإسنادين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٤) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٦) ذكره الطبري تعليقًا بنحوه، ووصله البستي بسند ضعيف جدًا فيه خارجة بن مصعب عن رجل مجهول، وخارجة متروك يدلس عن الكذابين (التقريب ص ١٨٦).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة، وهو مرسل.","vol":"6","page":328},{"text":"الدار، فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمدًا، قال: قد خرج عليكم فما بقي منكم من رجل إلا وضع على رأسه ترابًا، ثم ذهب لحاجته، فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب. قال: وقد بلغ النبي ﷺ قول أبي جهل فقال: \"وأنا أقول ذلك إن لهم مني لذبحًا وإنه أحدهم\" (^١).\n\n<span id=\"aya-3715\"></span>وقوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ أي: فقد ختم الله عليهم بالضلالة فما يفيد فيهم الإنذار ولا يتأثرون به، وقد تقدم نظيرها في أول سورة البقرة، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس]\n\n<span id=\"aya-3716\"></span>﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي: إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعون الذكر وهو القرآن العظيم ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: حيث لا يراه أحد إلا الله ﵎ يعلم أن الله مطلع عليه وعالم بما يفعل ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ أي: لذنوبه ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أي: كثير واسع حسن جميل، كما قال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك].\n\n<span id=\"aya-3717\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي: يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار، الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد].\nوقوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أي: من الأعمال، وفي قوله تعالى: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ قولان: (أحدهما) نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي آثروها من بعدهم فنجزيهم على ذلك أيضًا إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، كقوله ﷺ: \"من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سنَّ في الإسلام سُنَّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا\" رواه مسلم من رواية شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه جرير بن عبد الله البجلي ﵁ (^٢). وفيه قصة مجتابي النّمار (^٣) المضريين، ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن يحيى بن سليمان الجعفي، عن أبي المحياة يحيى بن يعلى، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير بن عبد الله ﵁ فذكر الحديث بطوله، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ وقد رواه مسلم من رواية أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن المنذر بن جرير، عن أبيه فذكره (^٤).\nوهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة\n_________\n(^١) ذكره ابن هشام (السيرة ٢/ ٩٥) ولبعضه شواهد في السيرة النبوية الشريفة.\n(^٢) أخرجه مسلم بسنده ومتنه وأطول (الصحيح، الزكاة، باب الحث على الصدقة ح ١٠١٧/ ٦٩).\n(^٣) أي: لابسيها خارقين أوساطها.\n(^٤) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (المصدر السابق ١٠١٧/ ٧٠).","vol":"6","page":329},{"text":"جارية من بعده\" (^١).\nوقال سفيان الثوري: عن أبي سعيد ﵁، قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ قال: ما أورثوا من الضلالة (^٢).\nوقال ابن لهيعة: عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ يعني: ما أثروا، يقول: ما سنَّوا من سُنَّة فعمل بها قوم من بعد موتهم، فإن كانت خيرًا فلهم مثل أجورهم لا ينقص من أجر من عمل به شيئًا، وإن كانت شرًا فعليهم مثل أوزارهم ولا ينقص من أوزار من عمل بها شيئًا (^٣)، ذكرهما ابن أبي حاتم، وهذا القول هو اختيار البغوي (^٤).\nوالقول الثاني: أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية.\nقال ابن أبي نجيح وغيره، عن مجاهد ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ أعمالهم ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ قال: خطاهم بأرجلهم (^٥)، وكذا قال الحسن وقتادة: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ يعني: خطاهم (^٦).\nوقال قتادة: لو كان الله تعالى مُغفِلًا شيئًا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار (^٧)، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله تعالى أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله تعالى فليفعل.\nوقد وردت في هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال لهم: \"إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟ \" قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال ﷺ: \"يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم\" (^٨). وهكذا رواه مسلم من حديث سعيد الجريري وكهمس بن الحسن، كلاهما عن أبي نضرة واسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدي، عن جابر ﵁ به (^٩).\nالحديث الثاني: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي، حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان الثوري، عن أبي سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد، فنزلت ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فقال لهم النبي ﷺ: \"إن آثاركم تكتب\" فلم ينتقلوا (^١٠)، تفرد بإخراجه\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٨.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف أبي سعيد وهو البقال.\n(^٣) سنده حسن.\n(^٤) معالم التنزيل ٧/ ٩.\n(^٥) أخرجه البستي والطبري بإسنادين يقوي أحدهما الآخر عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن الحسن وقتادة.\n(^٧) أخرجه الطبري بالسند المتقدم.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣٣٢) وسنده صحيح.\n(^٩) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل كثرة الخُطا إلى المساجد (ح ٦٦٥).\n(^١٠) في سنده أبو سفيان وهو طريف بن شهاب السعدي وهو ضعيف. (التقريب ص ٢٨٢) ويشهد له ما سبق بدون ذكر نزول الآية.","vol":"6","page":330},{"text":"الترمذي عند تفسيره هذه الآية الكريمة عن محمد بن الوزير به، ثم قال: حسن غريب من حديث الثوري، ورواه ابن جرير، عن سليمان بن عمر بن خالد الرقي، عن ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن طريف - وهو ابن شهاب أبو سفيان السعدي - عن أبي نضرة به (^١).\nوقد روي من غير طريق الثوري فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن زياد الساجي، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة، عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁، قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله ﷺ بُعد منازلهم من المسجد، فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فأقاموا في مكانهم.\nوحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ بنحوه (^٢)، وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكاملها مكية، فالله أعلم.\nالحديث الثالث: قال ابن جرير: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد، فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فقالوا: نثبت مكاننا (^٣)، هكذا رواه، وليس فيه شيء مرفوع. ورواه الطبراني عن عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد، فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فثبتوا في منازلهم (^٤).\nالحديث الرابع: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: توفي رجل في المدينة فصلى عليه النبي ﷺ: وقال: \"يا ليته مات في غير مولده\"، فقال رجل من الناس: ولمَ يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل إذا توفي في غير مولده، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة (^٥)، ورواه النسائي عن يونس بن عبد الأعلى، وابن ماجه عن حرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن حيي بن عبد الله به (^٦).\n_________\n(^١) السنن، التفسير، باب ومن سورة يس (ح ٣٢٢٦) وسنده كسابقه.\n(^٢) يشهد له ما تقدم بدون ذكر نزول الآية.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سماك بن حرب وفي روايته عن عكرمة اضطراب. وأخرجه ابن ماجه من طريق وكيع عن إسرائيل به (السنن، المساجد والجماعات، باب الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا ح ٧٨٥) وأعله البوصيري أيضًا بسماك.\n(^٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ٨ ح ١٢٣١٠) وسنده كسابقه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٢٣٦ ح ٦٦٥٦) وضعف سنده محققوه لضعف حيي بن عبد الله المعافري.\n(^٦) سنن النسائي، الجنائز، باب الموت بغير مولده ٤/ ٧، ٨، وسنن ابن ماجه، الجنائز، باب ما جاء فيمن مات غريبًا (ح ١٦١٤) وسنده ضعيف كسابقه.","vol":"6","page":331},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو تُميلة، حدثنا الحسين، عن ثابت قال: مشيت مع أنس ﵁ فأسرعت المشي فأخذ بيدي فمشينا رويدًا، فلما قضينا الصلاة قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي، فقال: يا أنس أما شعرت أن الآثار تُكتب (^١)؟\nوهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تُكتب، فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: وجميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين ههنا هو أم الكتاب، قاله مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٢)، وكذا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير أو شر، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف].\n\n<span id=\"aya-3718\"></span>﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾.\nويقول تعالى: واضرب يا محمد لقومك الذين كذبوك ﴿مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ﵄ وكعب الأحبار ووهب بن منبه: إنها مدينة أنطاكية (^٣)، وكان بها ملك يقال له: أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس وكان يعبد الأصنام، فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل، وهم صادق وصدوق [وشلوم] (^٤) فكذبهم (^٥)، وهكذا روي عن بُريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري أنها: أنطاكية (^٦)، وقد استشكل بعض الأئمة كونها أنطاكية بما سنذكره بعد تمام القصة إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حُميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ويشهد له الحديث الأول.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٣) مدينة من الثغور الشامية (معجم ما استعجم ١/ ٢٠٠).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: \"شكوم\".\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق بلاغًا عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه. وسنده ضعيف. وقول ابن عباس نسبه السيوطي إلى الفريابي.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن بُريدة، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.","vol":"6","page":332},{"text":"<span id=\"aya-3719\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ أي: بادروهما بالتكذيب ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي: قويناهما وشددنا إزرهما برسول ثالث.\nقال ابن جريج: عن وهب بن سليمان، عن شُعيب الجبائي قال: كان اسم الرسولين الأولين شمعون ويوحنا، واسم الثالث بولص (^١)، والقرية أنطاكية فقالوا:- أي لأهل تلك القرية - ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ أي: من ربكم الذي خلقكم يأمركم بعبادته وحده لا شريك له، قاله أبو العالية (^٢).\nوزعم قتادة بن دعامة أنهم كانوا رسل المسيح ﵇ إلى أهل أنطاكية (^٣).\n\n<span id=\"aya-3720\"></span>﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أي: فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لا أوحي إلينا مثلكم ولو كنتم رسلًا لكنتم ملائكة، وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦] أي: استعجبوا من ذلك وأنكروه.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠]. وقوله تعالى حكاية عنهم في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ [المؤمنون]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ [الإسراء]، ولهذا قال هؤلاء: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾\n\n<span id=\"aya-3721\"></span>﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾ أي: أجابتهم رسلهم الثلاثة قائلين: الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبة عليه لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، كقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾ [العنكبوت].\n\n<span id=\"aya-3722\"></span>﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾ يقولون: إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، فإذا أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم تجيبوا فستعلمون غبّ ذلك.\n\n<span id=\"aya-3723\"></span>\n\n<span id=\"aya-3724\"></span>﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾.\nفعند ذلك قال لهم أهل القرية: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: لم نرَ على وجوهكم خيرًا في عيشنا.\nوقال قتادة: يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم (^٤).\nوقال مجاهد: يقولون لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عُذب أهلها ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾.\nقال قتادة: بالحجارة (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"6","page":333},{"text":"وقال مجاهد: بالشتم (^١)، ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: عقوبة شديدة فقالت لهم رسلهم: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: مردود عليكم، كقوله تعالى في قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وقال قوم صالح: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧].\nوقال قتادة ووهب بن منبه: أي: أعمالكم معكم (^٢). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي: من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، قابلتمونا بهذا الكلام وتوعدتمونا وتهددتمونا، بل أنتم قوم مسرفون.\nوقال قتادة: أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا بل أنتم قوم مسرفون (^٣).\n\n<span id=\"aya-3725\"></span>﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾.\nقال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ﵄ وكعب الأحبار ووهب بن منبه: إن أهل القرية همُّوا بقتل رسلهم، فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى؛ أي: لينصرهم من قومه، قالوا: وهو حبيب، وكان يعمل الجرير وهو الحبال، وكان رجلًا سقيمًا قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة يتصدق بنصف كسبه مستقيم الفطرة (^٤).\nوقال ابن إسحاق، عن رجل سماه، عن الحكم، عن مقسم أو عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، قال: اسم صاحب يس حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه (^٥).\nوقال الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز: كان اسمه حبيب بن سري (^٦).\nوقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: اسم صاحب يس حبيب النجار، فقتله قومه (^٧).\nوقال السدي: كان قصارًا (^٨).\nوقال عمر بن الحكم: كان إسكافًا (^٩).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن إسحاق بلاغًا عن وهب بن منبه.\n(^٣) أخرجه الطبري بالسند المتقدم.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق بلاغًا به، وسنده منقطع.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٦) أخرجه الثوري في تفسير كما في فتح الباري ٦/ ٤٦٧ سنده حسن.\n(^٧) سنده حسن.\n(^٨) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٩) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.","vol":"6","page":334},{"text":"وقال قتادة: كان يتعبد في غار هناك (^١) ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ يحضُّ قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم\n\n<span id=\"aya-3726\"></span>﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ أي: على إبلاغ الرسالة وهم مهتدون فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له\n\n<span id=\"aya-3727\"></span>﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أي: وما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم المعاد، فيجازيكم على أعمالكم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر\n\n<span id=\"aya-3728\"></span>﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ أي: هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه لا يملكون من الأمر شيئًا، فإن الله تعالى لو أرادني بسوء ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس] وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه\n\n<span id=\"aya-3729\"></span>﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ أي: إن اتخذتها آلهة من دون الله.\n\n<span id=\"aya-3730\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ﵄ وكعب ووهب: يقول لقومه: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الذي كفرتم به ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ أي: فاسمعوا قولي (^٢). ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أي: الذي أرسلكم ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ أي فاشهدوا لي بذلك عنده، وقد حكاه ابن جرير فقال:\nوقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، إني آمنت بربكم واتبعتكم (^٣)، وهذا القول الذي حكاه عن هؤلاء أظهر في المعنى، والله أعلم.\nقال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ﵄ وكعب ووهب ﵄: فلما قال ذلك، وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه (^٤).\nوقال قتادة: جعلوا يرجمونه بالحجارة وهو يقول: اللَّهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، فلم يزالوا به حتى أقعصوه (^٥)، وهو يقول كذلك، فقتلوه ﵀ (^٦).\n\n<span id=\"aya-3731\"></span>﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾.\nقال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود ﵁، أنهم وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه (^٧) من دبره (^٨)، وقال الله له: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ فدخلها فهو يرزق فيها قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بلاغًا.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن إسحاق بلاغًا.\n(^٣) ذكره الطبري.\n(^٤) أخرجه الطبري بالسند الضعيف المتقدم.\n(^٥) أي: قتله مكانه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه لم يذكر اسم شيخه.\n(^٧) أي: أمعاءه.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به وسنده ضعيف للانقطاع.","vol":"6","page":335},{"text":"وقال مجاهد: قيل لحبيب النجار: ادخل الجنة، وذلك أنه قتل فوجبت له، فلما رأى الثواب (^١) ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾.\nقال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحًا لا تلقاه غاشًا. لما عاين ما عاين من كرامة الله تعالى: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾\n\n<span id=\"aya-3732\"></span>﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ تمنى على الله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هجم عليه (^٢).\nوقال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] وبعد مماته في قوله: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ رواه ابن أبي حاتم.\nوقال سفيان الثوري: عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ بإيماني بربي وتصديقي المرسلين (^٣). ومقصودهُ أنهم لو اطلعوا على ما حصل لي من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل فرحمه الله ورضي عنه، فلقد كان حريصًا على هداية قومه.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا ابن جابر هو محمد، عن عبد الملك يعني ابن عمير قال: قال عروة بن مسعود الثقفي ﵁ للنبي ﷺ: ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: \"إني أخاف أن يقتلوك\" فقال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، فقال له رسول الله ﷺ: \"انطلق\" فانطلق، فمرَّ على اللات والعزى، فقال: لأصبحنك غدًا بما يسؤوك، فغضبت ثقيف، فقال: يا معشر ثقيف إن اللَّات لا لات وإن العزى لا عزى، أسلموا تسلموا، يا معشر الأحلاف إن العزى لا عزى وإن اللَّات لا لات، أسلموا تسلموا، قال: ذلك ثلاث مرات، فرماه رجل فأصاب أكحله فقتله، فبلغ رسول الله ﷺ فقال: \"هذا مثله كمثل صاحب يس\" ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ (^٤).\nوقال محمد بن إسحاق: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم أنه حدَّث عن كعب الأحبار، أنه ذكر له حبيب بن زيد بن عاصم أخو بني مازن بن النجار الذي كان مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة حين جعل يسأله عن رسول الله ﷺ، فجعل يقول له: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم، ثم يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فيقول له مسيلمة لعنه الله: أتسمع هذا، ولا تسمع ذاك؟ فيقول: نعم، فجعل يقطعه عضوًا عضوًا، كلما سأله لم يزده على ذلك حتى مات في يديه، فقال كعب حين قيل له اسمه حبيب: وكان والله صاحب يس اسمه حبيب (^٥).\n\n<span id=\"aya-3733\"></span>وقوله ﵎: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه غضبًا منه ﵎ عليهم، لأنهم كذبوا رسله\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) سنده حسن.\n(^٤) في سنده عبد الملك بن عمير ثقة لكنه تغير حفظه (التقريب ص ٣٦٤) وقد توبع فأخرجه الحاكم من طريق أبي الأسود عن عروة به وسكت عنه هو والذهبي (المستدرك ٣/ ٦١٥ - ٦١٦).\n(^٥) سنده مرسل ويتقوى بما سبق.","vol":"6","page":336},{"text":"وقتلوا وليه، ويذكر ﷿ أنه ما أنزل عليهم وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم، بل الأمر كان أيسر من ذلك. قاله ابن مسعود فيما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ أي: ما كاثرناهم بالجموع، الأمر كان أيسر علينا من ذلك ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ قال: فأهلك الله تعالى ذلك الملك الجبار، وأهلك أهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض فلم يبق منهم باقية (^١)، وقيل: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أي: وما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم بل نبعث عليهم عذابًا يدمرهم.\nوقيل المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من رسالة أخرى إليهم، قاله مجاهد وقتادة (^٢).\n\n<span id=\"aya-3734\"></span>قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ (^٣).\nقال ابن جرير: والأول أصح؛ لأن الرسالة لا تسمى جندًا (^٤).\nقال المفسرون: بعث الله تعالى إليهم جبريل ﵊، فأخذ بعضادتي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة، فإذا هم خامدون عن آخرهم لم تبق بهم روح تتردَّد في جسد، وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلًا من عند المسيح عيسى ابن مريم ﵊، كما نصَّ عليه قتادة وغيره، وهو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره، وفي ذلك نظر من وجوه:\nأحدها: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله ﷿، لا من جهة المسيح ﵇ كما قال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾ إلى أن قال: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾ [يس]، ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح ﵇. والله تعالى أعلم، ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥].\nالثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح، ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتَاركة، وهن: القدس لأنها بلد المسيح، وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، والإسكندرية لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين، ثم رومية لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأوطده (^٥)، ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البترك من رومية إليها، كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم، كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين، فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت، فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٥) أي: ثبته.","vol":"6","page":337},{"text":"الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري ﵁ وغير واحد من السلف أن الله ﵎ بعد إنزاله التوراة لم يهلك أُمة من الأُمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين، ذكروه عند قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ﴾ (^١) [القصص: ٤٣] فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضًا. أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظًا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملَّة النصرانية ولا قبل ذلك، والله ﷾ أعلم.\nفأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني، حدثنا حسين الأشقر، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: \"السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى ﵊ يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى ﵊ صاحب يس، والسابق إلى محمد ﷺ علي بن أبي طالب ﵁\" (^٢) فإنه حديث منكر، لا يعرف إلا من طريق حسين الأشقر، وهو شيعي متروك.\n\n<span id=\"aya-3735\"></span>﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ أي: يا ويل العباد (^٣). وقال قتادة: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ أي: يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيعت من أمر الله، وفرطت في جنب الله، وفي بعض القراءات: \"يا حسرة العباد على أنفسهم\" (^٤)، ومعنى هذا يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل الله؟ وخالفوا أمر الله، فإنهم كانوا في الدار الدنيا المكذبون منهم ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يكذبونه ويستهزئون به ويجحدون ما أرسل به من الحق.\n\n<span id=\"aya-3736\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ أي: ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل؟ كيف لم يكن لهم إلى هذه الدنيا كرّة ولا رجعة؟ ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفجرتهم من قولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [المؤمنون: ٣٧] وهم القائلون بالدور من الدهرية، وهم الذين يعتقدون جهلًا منهم أنهم يعودون إلى الدنيا، كما كانوا فيها، فردَّ الله ﵎ عليهم باطلهم، فقال ﵎: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾.\n_________\n(^١) قول أبي سعيد الخدري ﵁ تقدم عند هذه الآية نفسها في سورة القصص.\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٩٣ ح ١١١٥٢) وسنده ضعيف جدًا لأن حسين الأشقر: متروك.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، والقراءة شاذة تفسيرية.","vol":"6","page":338},{"text":"<span id=\"aya-3737\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ أي: وإن جميع الأُمم الماضية والآتية ستحضر للحساب يوم القيامة بين يدي الله جلَّ وعلا، فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها، ومعنى هذا كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١].\nوقد اختلف القراء في أداء هذا الحرف، فمنهم من قرأ \"وإن كل لَمَا\" بالتخفيف فعنده أن (إن) للإثبات، ومنهم من شدَّد \"لَمَّا\" (^١) وجعل إن نافية، ولمّا بمعنى إلا، تقديره: وما كل إلا جميع لدينا محضرون، ومعنى القراءتين واحد.\n\n<span id=\"aya-3738\"></span>﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾.\nيقول ﵎: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ أي: دلالة لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه الموتى ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ أي: إذا كانت ميتة هامدة لا شيء فيها من النبات، فإذا أنزل الله تعالى عليها الماء، اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال تعالى: ﴿أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ أي: جعلناه رزقًا لهم ولأنعامهم\n\n<span id=\"aya-3739\"></span>﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)﴾ أي: جعلنا فيها أنهارًا سارحة في أمكنة يحتاجون إليها ليأكلوا من ثمره، لما امتنَّ على خلقه بإيجاد الزروع لهم، عطف بذكر الثمار وتنوعها وأصنافها.\n\n<span id=\"aya-3740\"></span>وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: وما ذاك كله إلا من رحمة الله تعالى بهم لا بسعيهم ولا كدهم ولا بحولهم وقوتهم، قاله ابن عباس وقتادة، ولهذا قال تعالى ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى، واختار ابن جرير بل جزم به، ولم يحك غيره إلا احتمالًا: أن ﴿وَمَا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ بمعنى الذي تقديره ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم؛ أي: غرسوه ونصبوه، قال: وهي كذلك في قراءة ابن مسعود ﵁ ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3741\"></span>ثم قال ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ أي: من زروع وثمار ونبات ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فجعلهم ذكرًا وأنثى ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من مخلوقات شتى لا يعرفونها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات].\n\n<span id=\"aya-3742\"></span>﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾.\nيقول تعالى ومن الدلالة لهم على قدرته ﵎ العظيمة، خلق الليل والنهار هذا بظلامه\n_________\n(^١) القراءتان متواترتان.\n(^٢) كذا في الأصول الخطية، والذي في تفسير الطبري بلفظ: \"ومما عملته\".","vol":"6","page":339},{"text":"وهذا بضيائه، وجعلهما يتعاقبان يجيء هذا فيذهب هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا، كما قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] ولهذا قال ههنا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ أي: نصرمه منه، فيذهب فيقبل الليل، ولهذا قال ﵎: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ كما جاء في الحديث: \"إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم\" (^١). هذا هو الظاهر من الآية، وزعم قتادة أنها كقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ (^٢) [الحج: ٦١]، وقد ضعَّف ابن جرير قول قتادة ههنا، وقال: إنما معنى الإيلاج الأخذ من هذا في هذا، وليس هذا مرادًا في هذه الآية (^٣)، وهذا الذي قاله ابن جرير حق.\n\n<span id=\"aya-3743\"></span>وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ في معنى قوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قولان: أحدهما: أن المراد مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش هي وجميع المخلوقات؛ لأنه سقفها، وليس بكرة كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة، وهو فوق العالم مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون إلى العرش، فماذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام وهو وقت نصف الليل، صارت أبعد ما تكون إلى العرش، فحينئذٍ تسجد وتستأذن في الطلوع كما جاءت بذلك الأحاديث:\nقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في المسجد عند غروب الشمس، فقال ﷺ: \"يا أبا ذرّ أتدري أين تغرب الشمس؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ: \"فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ \" (^٤).\nحدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ ﵁: قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله ﵎: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال ﷺ: \"مستقرها تحت العرش\" (^٥). هكذا أورده ههنا، وقد أخرجه في أماكن متعددة، ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن الأعمش به.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في المسجد حين غربت الشمس، فقال ﷺ: \"يا أبا ذرّ أتدري أين تذهب الشمس؟ \" (^٦) قلت: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ: \"فإنها تذهب حتى تسجد بين\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٨٧.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة يس، باب ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا. . .﴾ [يس: ٣٨] ح ٤٨٠٢).\n(^٥) المصدر السابق (ح ٤٨٠٣).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٢) وسنده صحيح.","vol":"6","page":340},{"text":"يدي ربها ﷿، فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت، فترجع إلى مطلعها وذلك مستقرها، ثم قرأ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾.\nوقال سفيان الثوري: عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذرٍّ حين غربت الشمس: \"أتدري أين تذهب؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ: \"فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد، فلا يقبل منها؟ وتستأذن فلا يؤذن لها، ويقال لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ \" (^١).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال: إن الشمس تطلع فتردّها ذنوب بني آدم، حتى إذا غربت سلَّمت وسجدت واستأذنت فيؤذن لها، حتى إذا كانت يوم غربت فسلمت وسجدت واستأذنت فلا يؤذن لها، فتقول إن المسير بعيد، وإني إن لا يؤذن لي لا أبلغ فتحبس ما شاء الله أن تحبس، ثم يقال لها: اطلعي من حيث غربت، قال: فمن يومئذٍ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا (^٢). وقيل: المراد بمستقرها هو انتهاء سيرها، وهو غاية ارتفاعها في السماء في الصيف وهو أوجها، ثم غاية انخفاضها في الشتاء وهو الحضيض.\nوالقول الثاني: أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها وهو يوم القيامة، يبطل سيرها وتسكن حركتها وتكور، وينتهي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزماني.\nقال قتادة: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أي: لوقتها ولأجل لا تعدوه (^٣)، وقيل: المراد أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مدة لا تزيد عليها، ثم تنتقل في مطالع الشتاء إلى مدة لا تزيد عليها، يروى هذا عن عبد الله بن عمرو ﵄ (^٤).\nوقرأ ابن مسعود وابن عباس ﵃: \"والشمس تجري لا مستقر لها\" (^٥)؛ أي: لا قرار لها ولا سكون، بل هي سائرة ليلًا ونهارًا، لا تفتر ولا تقف، كما قال ﵎: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي: لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ أي: الذي لا يخالف ولا يمانع ﴿الْعَلِيمِ﴾ بجميع الحركات والسكنات، وقد قدر ذلك ووقته على منوال لا اختلاف فيه ولا تعاكس، كما قال ﷿: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من طريق الثوري به (الصحيح، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر ح ٣١٩٩).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفي متنه بعض ما يخالف الرواية الصحيحة المتقدمة، ولعله من قِبل وهب بن جابر فإنه مقبول (التقريب ص ٥٨٤).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ في كتاب \"العظمة\" وهو كما قال فقد أخرجه أبو الشيخ برقم ٦٤٠.\n(^٥) وهي قراءة شاذة تفسيرية ونسب هذه القراءة السيوطي إلى أبي عبيد في فضائله وأحمد وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس، وقد نقل القرطبي ردَّ ابن الأنباري على من نسب هذه القراءة إلى ابن عباس وابن مسعود (الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ٢٨).","vol":"6","page":341},{"text":"وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام] وهكذا ختم آية حم السجدة بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\n\n<span id=\"aya-3744\"></span>ثم قال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ أي: جعلناه يسير سيرًا آخر يستدل به على مضي الشهور، كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩].\nوقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ الآية [يونس: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء] فجعل الشمس لها ضوء يخصها، والقمر له نور يخصه، وفاوت بين سير هذه وهذا، فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفًا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وجعل سلطانها بالنهار فهي كوكب نهاري، وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورًا في الليلة الثانية ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياءً وإن كان مقتبسًا من الشمس حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر حتى يصير كالعرجون القديم.\nقال ابن عباس ﵄: وهو أصل العذق (^١).\nوقال مجاهد: العرجون القديم أي: العذق اليابس (^٢).\nيعني ابن عباس ﵄: أصل العنقود من الرطب إذا عتق (^٣) ويبس وانحنى، وكذا قال غيرهما، ثم بعد هذا يبديه الله تعالى جديدًا أول الشهر الآخر، والعرب تسمي كل ثلاث ليال من الشهر باسم باعتبار القمر، فيسمون الثلاث الأول: غُرَر، واللواتي بعدها: نُقَل واللواتي بعدها: تُسَع؛ لأن أخراهن التاسعة واللواتي بعدها: عُشَر؛ لأن أولاهن العشرة، واللواتي بعدها البيض؛ لأن ضوء القمر فيهن إلى آخرهن، واللواتي بعدهن: دُرع جمع درعاء؛ لأن أولهن أسود لتأخر القمر في أولهن منه، ومنه الشاة الدرعاء وهي التي رأسها أسود، وبعدهن ثلاث ظلم، ثم ثلاث حنادس، وثلاث [دآدئ] (^٤) وثلاث محاق لانمحاق القمر أواخر الشهر فيهن. وكان أبو عبيدة ينكر التسع والعشر. كذا قال في كتاب (غريب المصنف).\n\n<span id=\"aya-3745\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قال مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه (^٥)، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي يحيى القتات عن مجاهد.\n(^٣) أي: القديم.\n(^٤) كذا في (مح)، وفي الأصل صحف إلى داري، وفي (حم) صحف إلى: دراري. والمثبت هو الصواب لأن الدآدي هي ثلاث ليال من آخر الشهر قبل ليالي المحاق. (ينظر لسان العرب باب دأدأ).\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بمعناه.","vol":"6","page":342},{"text":"وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قال: ذلك ليلة الهلال (^١).\nوروى ابن أبي حاتم ههنا عن عبد الله بن المبارك أنه قال: إن للريح جناحًا، وإن القمر يأوي إلى غلاف من الماء.\nوقال الثوري: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: لا يدرك هذا ضوء هذا ولا هذا ضوء هذا (^٢).\nوقال عكرمة في قوله ﷿: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني: أن لكل منهما سلطانًا! فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يقول: لا ينبغي إذا كان الليل أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار، فسلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل.\nوقال الضحاك: لا يذهب الليل من ههنا حتى يجيء النهار من ههنا، وأومأ بيده إلى المشرق (^٤).\nوقال مجاهد: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يطلبان حثيثين يسلخ أحدهما من الآخر (^٥)، والمعنى في هذا أنه لا فترة بين الليل والنهار، بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخ؛ لأنهما مسخران دائبين يتطالبان طلبًا حثيثًا.\nوقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يعني: الليل والنهار والشمس والقمر، كلهم يسبحون؛ أي: يدورون في فلك السماء، قاله ابن عباس وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني (^٦).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: في فلك بين السماء والأرض، ورواه ابن أبي حاتم، وهو غريب جدًا بل منكر.\nقال ابن عباس ﵄ وغير واحد من السلف: في فلكة كفلكة المغزل (^٧).\nوقال مجاهد: الفلك كحديدة الرحى (^٨) أو كفلكة المغزل، لا يدور المغزل إلا بها، ولا تدور إلا به.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه سفيان الثوري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق عن معمر بلاغًا عن عكرمة.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق أبي الصهباء، وهو مضرس بن عبد الله بن وهب، عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٧) أخرجه أبو الشيخ (العظمة رقم ٦٥٤) والطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٨) أخرجه البستي بسند صحيح عن ابن أبي عمر العدني عن سفيان.","vol":"6","page":343},{"text":"<span id=\"aya-3746\"></span>﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾.\nيقول ﵎: ودلالة لهم أيضًا على قدرته ﵎ تسخيره البحر ليحمل السفن، فمن ذلك بل أوله سفينة نوح ﵊، التي أنجاه الله تعالى فيها بمن معه من المؤمنين الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم ﵊ غيرهم، ولهذا قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: آباءهم ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي: في السفينة المملوءة من الأمتعة والحيوانات، التي أمره الله ﵎ أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين.\nقال ابن عباس ﵄: المشحون الموقر (^١)، وكذا قال سعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي (^٢).\nوقال الضحاك وقتادة وابن زيد: وهي سفينة نوح ﵊ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3747\"></span>وقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ قال العوفي عن ابن عباس ﵄: يعني: بذلك الإبل (^٤)، فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبونها، وكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة في رواية، وعبد الله بن شداد وغيرهم.\nوقال السدي في رواية: هي الأنعام.\nوقال ابن جرير: حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: أتدرون ما قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ (^٥) قلنا: لا، قال: هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح ﵊ على مثلها (^٦)، وكذا قال أبو مالك والضحاك وقتادة وأبو صالح والسدي أيضًا المراد بقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ أي: السفن (^٧)، ويقوي هذا المذهب في المعنى\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"الممتليء\".\n(^٢) قول سعيد أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي كدينة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.\n(^٥) قول عكرمة أخرجه البخاري تعليقًا (الصحيح، التفسير، سورة يس)، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عثمان بن غياث عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن وقتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن، وقول عبد الله بن شداد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عنه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عن أبي مالك عنه، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وأخرجه أيضًا البستي بسند صحيح من طريق منصور بن زاذان عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق إسماعيل، وهو ابن أبي خالد، عن أبي صالح.","vol":"6","page":344},{"text":"قوله جل وعلا: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾ [الحاقة].\n\n<span id=\"aya-3748\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ يعني: الذين في السفن ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أي: لا مغيث لهم مما هم فيه ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ أي: مما أصابهم\n\n<span id=\"aya-3749\"></span>﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ وهذا استثناء منقطع تقديره ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر، ونسلمكم إلى أجل مسمى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت معلوم عند الله.\n\n<span id=\"aya-3750\"></span>\n\n<span id=\"aya-3751\"></span>﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن تمادي المشركين في غيهم وضلالهم وعدم اكتراثهم بذنوبهم التي أسلفوها، وما يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾.\nقال مجاهد: من الذنوب (^١)، وقال غيره بالعكس، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: لعل الله باتقائكم ذلك يرحمكم ويؤمنكم من عذابه، وتقدير الكلام أنهم لا يجيبون إلى ذلك بل يعرضون عنه، واكتفى عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: على التوحيد وصدق الرسل ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي: لا يتأملونها ولا يقبلونها ولا ينتفعون بها.\n\n<span id=\"aya-3752\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: إذا أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحاويج من المسلمين ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: عن الذين آمنوا من الفقراء؛ أي: قالوا: لمن أمرهم من المؤمنين بالإنفاق محاجين لهم فيما أمروهم به: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ أي: هؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم لو شاء الله لأغناهم ولأطعمهم من رزقه، فنحن نوافق مشيئة الله تعالى فيهم ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: في أمركم لنا بذلك.\nقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون من قول الله للكفار حين ناظروا المؤمنين وردوا عليهم، فقال لهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^٢) وفي هذا نظر.\n\n<span id=\"aya-3753\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾.\nيخبر تعالى عن استبعاد الكفرة لقيام الساعة في قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨]\n\n<span id=\"aya-3754\"></span>\n\n<span id=\"aya-3755\"></span>قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ أي: ما ينتظرون إلا صيحة واحدة، وهذه والله أعلم نفخة الفزع، ينفخ في الصور نفخة الفزع، والناس في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم، فبينما هم كذلك إذ أمر الله تعالى إسرافيل، فنفخ في الصور نفخة يطولها ويمدها، فلا يبقى أحد على وجه الأرض\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"6","page":345},{"text":"إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا، وهي صفحة العنق يتسمع الصوت من قبل السماء، ثم يساق الموجودون من الناس إلى محشر القيامة بالنار تحيط بهم من جوانبهم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: على ما يملكونه، الأمر أهم من ذلك ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقد وردت ههنا آثار وأحاديث ذكرناها في موضع آخر (^١)، ثم يكون بعد هذا نفخة الصعق التي تموت بها الأحياء كلهم ما عدا الحي القيوم، ثم بعد ذلك نفخة البعث.\n\n<span id=\"aya-3756\"></span>﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾.\nهذه هي النفخة الثالثة، وهي نفخة البعث والنشور للقيام من الأجداث والقبور، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ والنسلان هو المشي السريع كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ [المعارج]\n\n<span id=\"aya-3757\"></span>﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾؟ يعنون: قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها، فلما عاينوا ما كذبوا به في محشرهم ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم، لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد. قال أُبي بن كعب ﵁ ومجاهد والحسن وقتادة: ينامون نومة قبل البعث (^٢).\nقال قتادة: وذلك بين النفختين (^٣)، فلذلك يقولون من بعثنا من مرقدنا، فإذا قالوا ذلك أجابهم المؤمنون، قاله غير واحد من السلف ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾.\nوقال الحسن: إنما يجيبهم بذلك الملائكة، ولا منافاة إذ الجمع ممكن، والله ﷾ أعلم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: الجميع من قول الكفار (^٤) ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ نقله ابن جرير (^٥)، واختار الأول، وهو أصح، وذلك لقوله ﵎ في الصافات: ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾ [الروم].\n\n<span id=\"aya-3758\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ كقوله ﷿: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ\n_________\n(^١) سردها الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الحسن عن أُبي بن كعب، والحسن لم يسمع من أُبي، وقول الحسن عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بمعناه.\n(^٥) ذكره الطبري بلفظ المذكور عن عبد الرحمن بن زيد.","vol":"6","page":346},{"text":"الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧] وقال: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء] أي: إنما نأمرهم أمرًا واحدًا، فإذا الجميع محضرون\n\n<span id=\"aya-3759\"></span>﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي: من عملها ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3760\"></span>﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾.\nيخبر تعالى عن أهل الجنة أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العَرَصات، فنزلوا في روضات الجنات، أنهم في شغل عن غيرهم بما هم فيه من النعيم المقيم والفوز العظيم.\nقال الحسن البصري وإسماعيل بن أبي خالد: في شغل عما فيه أهل النار من العذاب (^١).\nوقال مجاهد: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ أي: في نعيم معجبون (^٢)؛ أي: به، وكذا قال قتادة.\nوقال ابن عباس ﵄: فاكهون؛ أي: فرحون (^٣).\nقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وسعيد المسيب وعكرمة والحسن وقتادة والأعمش وسليمان التيمي والأوزاعي في قوله ﵎: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار (^٤).\nوقال ابن عباس ﵄ في رواية عنه: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ أي: بسماع الأوتار.\nوقال أبو حاتم: لعله غلط من المستمع، وإنما هو افتضاض الأبكار (^٥).\n\n<span id=\"aya-3761\"></span>وقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ قال مجاهد: وحلائلهم (^٦)، ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ أي: في ظلال الأشجار ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والسدي وخصيف: ﴿الْأَرَائِكِ﴾ هي: السرر تحت الحجال (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه جويبر عن أبي سهل عن الحسن، وجويبر ضعيف، وأخرجه أيضًا بسند صحيح من طريق أبان بن تغلب عن إسماعيل بن أبي خالد.\n(^٢) أخرجه البخاري تعليقًا، وذكر الحافظ ابن حجر أن الفريابي وصله (فتح الباري ٨/ ٥٤٠)، وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) قول ابن مسعود أخرجه الطبري بسند وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا من طريق عكرمة عن ابن عباس، وقول عكرمة أخرجه البستي بسند صحيح من طريق أبي عمرو الكوفي عنه، وقول سعيد بن المسيب أخرجه الطبري من طريق وائل بن داود عنه.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ثم ذكر قول أبيه وهو أبو حاتم.\n(^٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) قول ابن عباس ومجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حصين عن مجاهد عن ابن عباس، وحصين هو ابن عبد الرحمن السلمي يروي عن مجاهد وهو ثقة (تهذيب الكمال ٦/ ٥١٩ - ٥٢١)، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق محمد بن سيرين عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٨) الحجال: جمع حجلة وهي الستر يضرب للعروس داخل البيت.","vol":"6","page":347},{"text":"(قلت): نظيره في الدنيا هذه التخوت تحت البشاخين، والله ﷾ أعلم.\n\n<span id=\"aya-3762\"></span>﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أي: من جميع أنواعها ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ أي: مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذ.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا محمد بن مهاجر، عن الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى، حدثني كريب أنه سمع أُسامة بن زيد ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ: \"ألا هل مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر (^١) لها، هي وربِّ الكعبة نور كلها يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد ونهر مطرد (^٢)، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سلامة، وفاكهة خضرة وحبرة (^٣) ونعمة في محلة عالية بهية\" قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال ﷺ: \"قولوا: إن شاء الله\" فقال القوم: إن شاء الله (^٤)، وكذا رواه ابن ماجه في كتاب الزهد من سننه من حديث الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر به (^٥).\n\n<span id=\"aya-3763\"></span>وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ فإن الله تعالى نفسه سلام على أهل الجنة (^٦)، وهذا الذي قاله ابن عباس ﵄، كقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤].\nوقد روى ابن أبي حاتم ههنا حديثًا، وفي إسناده نظر، فإنه قال: حدثنا موسى بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا أبو عاصم العباداني، حدثنا الفضل الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم\" (^٧). ورواه ابن ماجه في كتاب السنة من سننه عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب به (^٨).\nوقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثنا حرملة، عن سليمان بن حميد قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: إذا فرغ الله تعالى من أهل الجنة والنار، أقبل في ظلل من الغمام والملائكة، قال: فيُسلِّم على أهل الجنة، فيردُّون عليه¬ السلام.\nقال القرظي: وهذا في كتاب الله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ فيقول: سلوني،\n_________\n(^١) وهو النهر الجاري.\n(^٢) أي: سعة العيش.\n(^٣) سنده ضعيف لأن سليمان بن موسى فيه لين.\n(^٤) سنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة الجنة (ح ٤٣٣٢) وسنده كسابقه.\n(^٥) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يلق ابن عباس ﵄.\n(^٦) سنده ضعيف لأن الفضل الرقاشي منكر الحديث.\n(^٧) سنن ابن ماجه، السنة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح ١٨٤) وسنده كسابقه.\n(^٨) لا خطر لها: أي لا عِوض لها ولا مِثلَ.","vol":"6","page":348},{"text":"فيقولون: ماذا نسألك أي ربّ؟ قال: بلى سلوني، قالوا: نسألك أي ربّ رضاك، قال: رضائي أحلكم دار كرامتي، قالوا: يا ربّ فما الذي نسألك، فوعزَّتك وجلالك وارتفاع مكانك لو قسمت علينا رزق الثقلين لأطعمناهم ولأسقيناهم ولألبسناهم ولأخدمناهم لا ينقصنا ذلك شيئًا. قال تعالى: إن لديَّ مزيدًا، قال: فيفعل ذلك بهم في درجهم حتى يستوي في مجلسه، قال: ثم تأتيهم التحف من الله ﷿، تحملهم إليهم الملائكة، ثم ذكر نحوه (^١). وهذا خبر غريب، أورده ابن جرير من طرق.\n\n<span id=\"aya-3764\"></span>﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عما يؤول إليه الكفار يوم القيامة من أمره لهم أن يمتازوا بمعنى يميزون عني المؤمنين في موقفهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ [الروم]، ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أي: يصيرون صدعين فرقتين ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ [الصافات].\n\n<span id=\"aya-3765\"></span>\n\n<span id=\"aya-3766\"></span>\n\n<span id=\"aya-3767\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ هذا تقريع من الله تعالى للكفرة من بني آدم، الذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين، وعصوا الرحمن وهو الذي خلقهم ورزقهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ أي: قد أمرتكم في دار الدنيا بعصيان الشيطان، وأمرتكم بعبادتي، وهذا هو الصراط المستقيم، فسلكتم غير ذلك واتبعتم الشيطان فيما أمركم به ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ يقال: جِبلًّا - بكسر الجيم وتشديد اللام -، ويقال: جُبُلًا - بضم الجيم والباء وتخفيف اللام - (^٢)، ومنهم من يسكن الباء، والمراد بذلك الخلق الكثير، قاله مجاهد وقتادة والسدي وسفيان بن عيينة (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفما كان لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به من عبادته وحده لا شريك له، وعدولكم إلى اتباع الشيطان.\nقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع، عمن حدثه، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال \"إذا كان يوم القيامة، أمر الله تعالى جهنم، فيخرج منها عنق ساطع مظلم يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٢) القراءتان متواترتان.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سفيان بن عيينه، أخرجه البُستي بسند صحيح من طريق ابن أبي عمر العدني عنه.","vol":"6","page":349},{"text":"(٦٣)﴾ [يس] ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ فيتميز الناس ويجثون، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ [الجاثية] \" (^١).\n\n<span id=\"aya-3768\"></span>\n\n<span id=\"aya-3769\"></span>﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾.\nيقال للكفرة من بني آدم يوم القيامة وقد برزت الجحيم لهم تقريعًا وتوبيخًا: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ أي: هذه التي حذرتكم الرسل، فكذبتموهم ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)﴾ [الطور].\n\n<span id=\"aya-3770\"></span>وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة حين ينكرون ما اجترحوه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم بما عملت.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث التميمي، حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا سفيان، عن عبيد المكتب، عن الفضيل بن عمرو، عن الشعبي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ، فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال ﷺ: \"أتدرون ممّ أضحك؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ: \"من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: ربّ ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز علي إلا شاهدًا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا، والكرام الكاتبين شهودًا، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعدًا لَكُنَّ وسُحقًا، فعنكنَّ كنت أُناضل\" (^٢). وقد رواه مسلم والنسائي، كلاهما عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن سفيان هو الثوري به. ثم قال النسائي: [لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي (^٣)، وهو حديث غريب، والله تعالى أعلم، كذا قال: وقد تقدم من رواية أبي عامر عبد الملك بن عمرو الأسدي وهو: العقدي، عن سفيان (^٤).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ إسماعيل بن رافع.\n(^٢) سنده حسن، وأخرجه مسلم كما سيأتي.\n(^٣) صحيح مسلم، الزهد والرقائق (ح ٢٩٦٩)، والسنن الكبرى، التفسير (ح ١١٦٥٣).\n(^٤) أي: تقدم في رواية ابن أبي حاتم، وهذا استدراك جيد.","vol":"6","page":350},{"text":"\"إنكم تدعون مقدمًا على أفواهكم بالفدام (^١)، فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكتفه\"، رواه النسائي] (^٢)، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به (^٣)، وقال سفيان بن عيينة: عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ في حديث القيامة الطويل، قال فيه: \"ثم يلقى الثالث فيقول: ما أنتَ؟ فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك، وصمت وصلَّيت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، قال: فيقال له: ألا نبعث عليك شاهدنا؟ قال: فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه، فيختم على فيه ويقال لفخذه: انطقي، قال: فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل وذلك المنافق، وذلك ليعُذر من نفسه، وذلك الذي سخط الله تعالى عليه\" ورواه مسلم وأبو داود من حديث سفيان بن عيينة به بطوله (^٤).\nثم قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ضمضم بن زرعة، عن شُريح بن عبيد، عن عُقبة بن عامر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه، فخذه من الرجل اليسرى\" (^٥) وروى ابن جرير، عن محمد بن عوف، عن عبد الله بن المبارك، عن إسماعيل بن عياش به مثله (^٦). وقد جوَّد إسناده الإمام أحمد ﵀، فقال: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شُريح بن عُبيد الحضرمي، عمَّن حدثه، عن عقبة بن عامر ﵁ أنه سمع رسول الله يقول: \"إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل الشمال\" (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى هو الأشعري ﵁: يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فيعرض عليه ربه عمله فيما بينه وبينه، فيعترف فيقول: نعم أي رب عملت عملت عملت، قال: فيغفر الله تعالى له ذنوبه ويستره منها، قال: فما على الأرض خليقة ترى من تلك الذنوب شيئًا وتبدو حسناته، فود أن الناس كلهم يرونها، ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه عمله فيجحد ويقول: أي ربِّ وعزّتك لقد كَتب علي هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له الملك: أما عملت كذا يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك أي ربِّ ما عملته، فإذا فعل ذلك ختم الله على فيه، قال أبو موسى الأشعري ﵁: فإني أحسب أول ما ينطق منه الفخذ اليمنى، ثم تلا: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ\n_________\n(^١) الفدام: ما يشدُ على فم الأبريق لتصفية الشراب الذي فيه.\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٣) السنن الكبرى، التفسير، (ح ١١٤٦٩) وسنده حسن.\n(^٤) صحيح مسلم، الزهد والرقائق (ح ٢٩٦٨)، وسنن أبي داود، السنة، باب في الرؤية (ح ٤٧٣٠).\n(^٥) في سنده ضمضم بن زرعة صدوق يهم، ومدار الحديث متوقف عليه، وفيه مخالفة لرواية الثقات التالية من قول ابن موسى الأشعري إذ ورد فيه أن الفخد الأيمن هو الذي يشهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨/ ٦٠٢ ح ١٧٣٧٤)، وقال محققوه: حسن لغيره. اهـ. ولعله بالشواهد وإلا فيه ضمضم، وكذلك إبهام شيخ شريح بن عُبيد، ويشهد لأغلبه الرواية التالية.","vol":"6","page":351},{"text":"بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-3771\"></span>وقوله ﵎: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في تفسيرها: يقول ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى، فكيف يهتدون (^٢)؟ وقال مرة: أعميناهم.\nوقال الحسن البصري: لو شاء الله لطمس على أعينهم فجعلهم عميًا يترددون (^٣).\nوقال السدي: يقول ولو نشاء أعمينا أبصارهم.\nوقال مجاهد وأبو صالح وقتادة والسدي: فاستبقوا الصراط؛ يعني: الطريق (^٤).\nوقال ابن زيد: يعني بالصراط ههنا الحق (^٥)، فأنى يبصرون وقد طمسنا على أعينهم.\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﵄: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ لا يبصرون الحق (^٦).\n\n<span id=\"aya-3772\"></span>وقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ قال العوفي عن ابن عباس ﵄: أهلكناهم (^٧).\nوقال السدي: يعني لغيرنا خلقهم.\nوقال أبو صالح: لجعلناهم حجارة.\nوقال الحسن البصري وقتادة: لأقعدهم على أرجلهم (^٨)، ولهذا قال ﵎: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾ أي: إلى أمام ﴿وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ إلى وراء بل يلزمون حالًا واحدًا لا يتقدمون ولا يتأخرون.\n\n<span id=\"aya-3773\"></span>﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾.\nيخبر تعالى عن ابن آدم أنه كلما طال عمره، رُدَّ إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط، كما قال ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ [الروم] وقال: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥].\nوالمراد من هذا - والله أعلم - الإخبار عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال، لا دار دوام\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات وسنده صحيح، ويونس بن عبيد هو ابن دينار العبدي يروي عن حُميد بن هلال (تهذيب التهذيب ١١/ ٤٤٢) وهذه الرواية لها حكم الرفع لأنه من الغيب.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح عن أبي رجاء عن الحسن.\n(^٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي وهب عن ابن زيد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له سابقه.\n(^٧) أخرجه الطبري كسابقه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن، وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة مختصرًا.","vol":"6","page":352},{"text":"واستقرار، ولهذا قال: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم، ثم صيرورتهم إلى سن الشيبة، ثم إلى الشيخوخة ليعلموا أنهم خلقوا لدار أخرى لا زوال لها ولا انتقال منها ولا محيد عنها، وهي الدار الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3774\"></span>\n\n<span id=\"aya-3775\"></span>وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ يقول تعالى مخبرًا عن نبيه محمد ﷺ: أنه ما علمه الشعر ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي: ما هو في طبعه فلا يحسنه ولا يحبه ولا تقتضيه جبلته، ولهذا ورد أنه ﷺ كان لا يحفظ بيتًا على وزن منتظم بل إن أنشده [زحَّفه] (^١) أو لم يتمه.\nوقال أبو زرعة الرازي: حُدِّثتُ عن إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي أنه قال: ما ولد عبد المطلب ذكرًا ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله ﷺ (^٢)، ذكره ابن عساكر في ترجمة عتبة بن أبي لهب الذي أكله الأسد بالزرقاء (^٣).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن هو البصري قال: إن رسول الله ﷺ كان يتمثل بهذا البيت:\nكفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيًا\nفقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله:\nكفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا\nقال أبو بكر أو عمر ﵄ أشهد أنك رسول الله، يقول تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ (^٤). وهكذا روى البيهقي في الدلائل أن رسول الله ﷺ قال للعباس بن مرداس السلمي ﵁ \"أنت القائل\":\nأتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة\nفقال: إنما هو عيينة والأقرع، فقال ﷺ: \"الكل سواء\" (^٥)؛ يعني: في المعنى، صلوات الله وسلامه عليه.\nوقد ذكر السهيلي في الروض الأنف لهذا التقديم والتأخير الذي وقع في كلامه ﷺ في هذا البيت مناسبة أغرب فيها، حاصلها شرف الأقرع بن حابس على عيينة بن بدر الفزاري لأنه ارتدَّ أيام الصديق ﵁ بخلاف ذاك (^٦)، والله أعلم، وهكذا روى الأموي في مغازيه أن رسول الله ﷺ جعل يمشي بين القتلى يوم بدر وهو يقول: \"نفلق هامًا\" فيقول الصديق ﵁ متممًا للبيت:\nمن رجال أعزة علينا … وهم كانوا أعقَّ وأظلما\nوهذا لبعض الشعراء العرب في قصيدة له وهي في الحماسة (^٧).\n_________\n(^١) كذا في (مح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"مزحمة\"، والزِحاف من مصطلحات علم العروض في الشعر، وهو أن يسقط بين الحرفين حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر.\n(^٢) سنده ضعيف لإبهام شيخ أبي زرعة الرازي، وكذلك فيه مجالد فيه مقال.\n(^٣) مدينة بالقرب من عمَّان في الأردن.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان، وفيه أيضًا إرسال الحسن البصري.\n(^٥) أخرجه البيهقي عن موسى بن عقبة مرسلًا أيضًا. (دلائل النبوة ٥/ ١٨١).\n(^٦) الروض الأنف ٢/ ٣٠٩.\n(^٧) الحماسة لأبي تمام ١/ ١٠٧ - ١٠٨.","vol":"6","page":353},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم: حدثنا مغيرة، عن الشعبي، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استراب الخبر تمثل فيه ببيت طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ (^١)، وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن الشعبي عنها (^٢). ورواه الترمذي والنسائي أيضًا من حديث المقدام بن شريح بن هانئ، عن أبيه، عن عائشة ﵂ كذلك، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (^٣)، وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أسامة، عن زائدة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ يتمثل من الأشعار:\nويأتيك بالأخبار من لم تزودِ\nثم قال: ورواه غير زائدة، عن سماك، عن عطية، عن عائشة ﵂ (^٤)، هذا في شعر طرفة بن العبد في معلقته المشهورة، وهذا المذكور منها أوله:\nستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا … ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ\nويأتيك بالأخبار من لم تبع له … ثيابًا ولم تضرب له وقت موعد (^٥)\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم وكيل المتقي ببغداد، حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير، حدثنا علي بن عمرو الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: ما جمع رسول الله ﷺ بيت شعر قط إلا بيتًا واحدًا.\nتفاءل بما تهوى يكن فلقلَّما … يقال لشيء كان إلا تحقّقا (^٦)\nسألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي عن هذا الحديث فقال: هو منكر، ولم يعرف شيخ الحاكم ولا الضرير.\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: قيل لعائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت ﵂: كان أبغض الحديث إليه، غير أنه ﷺ كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوله آخره، وآخره أوله، فقال أبو بكر ﵁: ليس هذا هكذا يا رسول الله، فقال رسول ﷺ: \"إني والله ما أنا بشاعر وما ينبغي لي\" (^٧) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وهذا لفظه.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٤٠/ ٢٤ ح ٢٤٠٢٣) قال محققوه: حسن لغيره.\n(^٢) السنن الكبرى عمل اليوم والليلة (ح ١٠٨٣٤) وسنده كسابقه.\n(^٣) سنن الترمذي، الأدب، باب ما جاء في إنشاد الشعر (ح ٢٨٤٨) والسنن الكبرى، عمل اليوم والليلة ١٠٨٣٥.\n(^٤) أخرجه البزار (المسند رقم ٢١٠٦) وابن سعد من طريق سماك به (الطبقات الكبرى ١/ ٣٨٣)، وفي سنديهما سماك وفي روايته عن عكرمة اضطراب ويشهد له سابقه.\n(^٥) ديوان طرفه ٦٦.\n(^٦) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه ثم قال: لم أكتبه إلا بهذا الإسناد وفيهم من يجهل حاله (السنن الكبرى ٧/ ٤٣)، والمجهول حاله هو: أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم كما قرر الحافظ المزي.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة به، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من عائشة ﵂.","vol":"6","page":354},{"text":"وقال معمر، عن قتادة: بلغني أن عائشة ﵂ سئلت: هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت ﵂: لا. إلا بيت طرفة:\nستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا … ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ\nفجعل ﷺ يقول: \"من لم تزودِ بالأخبار\" فقال أبو بكر: ليس هذا هكذا، فقال ﷺ: \"إني لست بشاعر ولا ينبغي لي\" (^١).\nوثبت في الصحيحين أنه ﷺ تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة ﵁، ولكن تبعًا لقول أصحابه ﵃، فإنهم كانوا يرتجزون وهم يحفرون فيقولون:\nلا هُمّ لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا\nفأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا\nإن الأُلى قد بغوا علينا … إذا أرادوا فتنة أبينا\nويرفع ﷺ صوته بقول أبينا ويمدها (^٢)، وقد روى هذا بزحاف (^٣) في الصحيحين أيضًا، وكذا ثبت أنه ﷺ قال: يوم حنين وهو راكب البغلة يقدم بها في نحور العدو:\nأنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب (^٤)\nلكن قالوا: هذا وقع اتفاقًا من غير قصد لوزن شعر، بل جرى على اللسان من غير قصد إليه، وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جُندب بن عبد الله ﵁، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غار، فنُكبت أصبعه، فقال ﷺ:\nهل أنت إلا أصبع دُميت … وفي سبيل الله ما لقيت\nوسيأتي عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] إنشاد:\nإن تغفر اللَّهم تغفر جمًا … وأي عبد لك ما ألمَّا (^٥)\nوكل هذا لا ينافي كونه ﷺ ما علم شعرًا وما ينبغي له، فإن الله تعالى إنما علَّمه القرآن العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت] وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش، ولا كهانة، ولا مفتعل، ولا سحر يؤثر، كما تنوعت فيه أقوال الضُلَّال وآراء الجهال، وقد كانت سجيته ﷺ تأبى صناعة الشعر طبعًا وشرعًا، كما رواه أبو داود قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا شرحبيل بن يزيد المعافري، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما أبالي ما أوتيت\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق عن معمر به، وسنده كسابقه.\n(^٢) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الخندق (ح ٤١٠٤)، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب وهي الخندق (ح ١٨٠٣).\n(^٣) تقدم معناها ص ٣٥٣.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ٢٥.\n(^٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب من يُنكب في سبيل الله (ح ٢٨٠٢)، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين (ح ١٧٩٦).","vol":"6","page":355},{"text":"إن أنا شربت ترياقًا، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي\" (^١) تفرد به أبو داود.\nوقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل قال: سألت عائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ بسائغ عنده الشعر؟ فقالت: قد كان أبغض الحديث إليه. وقال عن عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك (^٢).\nوقال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: \"لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا\" (^٣) انفرد به من هذا الوجه، وإسناده على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا قزعة بن سويد الباهلي، عن عاصم بن مخلد، عن أبي الأشعث الصنعاني (ح)، وحدثنا الأشيب، فقال عن أبي عاصم، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة، لم تقبل له صلاة تلك الليلة\" (^٤). وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، والمراد بذلك نظمه لا إنشاده، والله أعلم، على أن الشعر ما هو مشروع، وهو هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الإسلام، كحسان بن ثابت ﵁، وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وأمثالهم وأضرابهم ﵃ أجمعين، ومنه ما فيه حكم ومواعظ وآداب، كما يوجد في شعر جماعة من الجاهلية، ومنهم أُمية بن أبي الصلت الذي قال فيه رسول الله ﷺ: \"آمن شعره، وكفر قلبه\" (^٥).\nوقد أنشد بعض الصحابة ﵃ للنبي ﷺ مائة بيت يقول عقب كل بيت \"هيه\" (^٦) يعني: يستطعمه، فيزيده من ذلك، وقد روى أبو داود من حديث أُبي بن كعب وبُريدة بن الحصيب وعبد الله بن عباس ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن من البيان سحرًا، وإن من الشعر حكمًا\" (^٧).\nولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ما علمه الله الشعر ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي: وما يصلح له ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أي ما هذا الذي علمناه ﴿إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه، السنن، الطب، باب في الترياق (ح ٣٨٦٩)، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن رافع التنوخي كما في التقريب.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤١/ ٧٦ ح ٢٥١٥٠)، وصحح سنده محققوه.\n(^٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، ما جاء في الشعر ح ٥٠٠٩) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٨٨).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٢٥)، وسنده ضعيف لجهالة عاصم بن مخلد وضعف قزعة بن سويد وقد ضعفه العقيلي (الضعفاء الكبير ٣/ ٣٣٩) وجعل ابن الجوزي هذا الحديث في عداد الموضوعات (١/ ٢٦١).\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الشعراء آية ٢٢٤.\n(^٦) أخرجه مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه ﵄ (الصحيح، كتاب الشعر ح ٢٢٥٥).\n(^٧) أخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب ما جاء في الشعر ح ٥٠١٠) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٨٩).","vol":"6","page":356},{"text":"أي: بيّن واضح جلي لمن تأمله وتدبره، ولهذا قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ أي: لينذر هذا القرآن المبين كل حي على وجه الأرض، كقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وإنما ينتفع بنذارته من هو حي القلب مستنير البصيرة، كما قال قتادة: حيَّ القلب حيَّ البصر (^١).\nوقال الضحاك: يعني عاقلًا: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: هو رحمة [للمؤمنين وحجة على الكافرين] (^٢).\n\n<span id=\"aya-3776\"></span>\n\n<span id=\"aya-3777\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾.\nيذكر تعالى ما أنعم به على خلقه من هذه الأنعام التي سخرها لهم ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ قال قتادة: مطيقون؛ أي: جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم، لا تمتنع منهم، بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه، ولو شاء لأقامه وساقه، وذاك ذليل منقاد معه، وكذا لو كان القطار مائة بعير أو أكثر لسار الجميع بسير الصغير.\nوقوله تعالى: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ أي: منها ما يركبون في الأسفار ويحملون عليه الأثقال إلى سائر الجهات والأقطار ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ إذا شاؤوا نحروا واجتزروا\n\n<span id=\"aya-3778\"></span>﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي: من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين ﴿وَمَشَارِبُ﴾ أي: من ألبانها وأبوالها لمن يتداوى ونحو ذلك، ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: أفلا يوحدون خالق ذلك ومسخره ولا يشركون به غيره؟\n\n<span id=\"aya-3779\"></span>\n\n<span id=\"aya-3780\"></span>﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي: لا تقدر الآلهة على نصر عابديها بل هي أضعف من ذلك وأقل وأحقر وأدحر، بل لا تقدر على الاستنصار لأنفسها، ولا الإنتقام ممن أرادها بسوء؛ لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل.\nوقوله: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ قال مجاهد: يعني: عند الحساب (^٣). يريد أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة محضرة عند حساب عابديها، ليكون ذلك أبلغ في حزنهم وأدلّ عليهم في إقامة الحجة عليهم.\nوقال قتادة: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ يعني: الآلهة ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ والمشركون يغضبون\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"للمؤمن وحجة على الكافر\".\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"6","page":357},{"text":"للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيرًا ولا تدفع عنهم شرًا، إنما هي أصنام (^١)، وهكذا قال الحسن البصري (^٢)، وهذا القول حسن، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله تعالى (^٣).\n\n<span id=\"aya-3781\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أي: تكذيبهم لك وكفرهم بالله ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: نحن نعلم جميع ما هم فيه، وسنجزيهم وصفهم ونعاملهم على ذلك يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلًا ولا حقيرًا ولا صغيرًا ولا كبيرًا بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديمًا وحديثًا.\n\n<span id=\"aya-3782\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾.\nقال مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير والسدي وقتادة: جاء أُبي بن خلف لعنه الله إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم، وهو يُفتَّه ويذروه في الهواء، وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟ قال ﷺ: \"نعم يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار\" ونزلت هذه الآيات من آخر يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى آخرهن (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا عثمان بن سعيد الزيات، عن هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: إن العاص بن وائل أخذ عظمًا من البطحاء ففته بيده، ثم قال لرسول الله ﷺ: أيحيي الله هذا بعدما أرى؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم يميتك الله، ثم يحييك، ثم يدخلك جهنم\" قال: ونزلت الآيات من آخر يس (^٥)، ورواه ابن جرير، عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير فذكره ولم يذكر ابن عباس ﵄ (^٦).\nوروي من طريق العوفي، عن ابن عباس ﵄ قال: جاء عبد الله بن أُبي بعظم ففته، وذكر نحو ما تقدم (^٧)، وهذا منكر؛ لأن السورة مكية وعبد الله بن أُبي بن سلول إنما كان بالمدينة، وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أُبي بن خلف أو العاص بن وائل أو فيهما، فهي عامة في كل من أنكر البعث، والألف واللام في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ للجنس يعمّ كلَّ منكر للبعث ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أي: أولم يستدل من أنكر البعث بالبدء\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) رجحه الطبري.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وهو مرسل ويتقوى بالمرسل الآخر الذي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) سنده حسن وأخرجه الحاكم من طريق هشيم به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٢٩).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل ويتقوى بما سبق وقد جمع الحافظ ابن كثير بين هذه الرواية والمراسيل السابقة.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق العوفي به، وسنده ضعيف وهو مخالف لما سبق.","vol":"6","page":358},{"text":"على الإعادة، فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾ [المرسلات] وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] أي: من نطفة من أخلاط متفرقة، فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته.\n\n<span id=\"aya-3783\"></span>\n\n<span id=\"aya-3784\"></span>كما قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا جرير، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بسر بن جحاش قال: إن رسول الله ﷺ: بصق يومًا في كفه، فوضع عليها أصبعه، ثم قال رسول الله ﷺ: \"قال الله تعالى: ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنَّى أوان الصدقة؟ \" (^١). ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن جرير بن عثمان به (^٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ أي: استبعد إعادة الله تعالى ذي القدرة العظيمة التي خلقت السماوات والأرض للأجسام والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله تعالى خلقه من العدم إلى الوجود، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ أي: يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها، أين ذهبت وأين تفرقت وتمزقت.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن رِبعي قال: قال عقبة بن عمرو لحذيفة ﵄: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ؟ فقال: سمعته ﷺ يقول: \"إن رجلًا حضره الموت فلما يئس من الحياة أوصى أهله إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا جزلًا، ثم أوقدوا فيه نارًا حتى إذ [أكلت] (^٣) لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت، فخذوها فدقُّوها فذروها في اليم، ففعلوا، فجمعه الله تعالى إليه ثم قال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك، فغفر الله ﷿ له\" فقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته ﷺ يقول ذلك وكان نباشًا (^٤). وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الملك بن عمير بألفاظ كثيرة منها أنه أمر بنيه أن يحرقوه ثم يسحقوه ثم يذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر في يوم رائح؛ أي: كثير الهواء، ففعلوا ذلك، فأمر الله تعالى البحر، فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: كن، فإذا هو رجل قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك وأنت أعلم، فما تلافاه أن غفر له (^٥).\n\n<span id=\"aya-3785\"></span>وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ أي: الذي\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٣٨٥ ح ١٧٨٤٢)، وحسنه محققوه، وغيرهم كما سيأتي.\n(^٢) سنن ابن ماجه، الوصايا، باب النهي عن الإمساك في الحياة والتبذير عند الموت (ح ٢٧٠٧) وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢١٨٨)، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة.\n(^٣) في الأصل بياض واستدرك من (حم) و(مح) والمسند.\n(^٤) أخرجه الأمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٩٥) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (ح ٣٤٥٢) وصحيح مسلم، التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى (ح ٢٧٥٧/ ٢٧).","vol":"6","page":359},{"text":"بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضرًا نضرًا ذا ثمر وينع، ثم أعاده إلى أن صار حطبًا يابسًا توقد به النار، كذلك هو فعال لما يشاء، قادر على ما يريد لا يمنعه شيء.\nقال قتادة في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ يقول الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه (^١)، وقيل: المراد بذلك سرح (^٢) المرخ والعفار (^٣) ينبت في أرض الحجاز، فيأتي من أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء، وروي هذا عن ابن عباس ﵄. وفي المثل: لكل شجر نار واستمجد المَرخُ والعَفار (^٤).\nوقال الحكماء: في كل شجر نار إلا العنَّاب.\n\n<span id=\"aya-3786\"></span>﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا منبهًا على قدرته العظيمة في خلق السماوات السبع بما فيها من الكواكب السيارة والثوابت والأرضين السبع، وما فيه من جبال ورمال وبحار وقفار، وما بين ذلك، ومرشدًا إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء العظيمة، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقال ههنا: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: مثل البشر، فيعيدهم كما بدأهم، قاله ابن جرير: وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف] وقال ﵎ ههنا: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾\n\n<span id=\"aya-3787\"></span>﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ وأي: إنما يأمر بالشيء أمرًا واحدًا لا يحتاج إلى تكرار أو تأكيد:\nإذا ما أراد الله أمرًا فإنما … يقول له كن فيكون\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن نمير، حدثنا موسى بن المسيب، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله تعالى يقول: يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيت، فاستغفروني أغفر لكم، وكلكم فقير إلا من أغنيت، إني جواد ماجد واجد أفعل ما أشاء، عطائي كلام وعذابي كلام، إذا أردت شيئًا فإنما أقول له كن فيكون\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-3788\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ أي: تنزيه وتقديس\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) السرح: شجر مفردها سرحة وهي من ضخام الشجر.\n(^٣) نوع من الشجر شديد الاشتعال.\n(^٤) مجمع الأمثال للميداني ٢/ ٧٤ رقم ٢٧٥٢.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وأطول (المسند ٣٥/ ٤٢٩ ح ٢١٥٤٠)، وصححه محققوه بالشواهد والمتابعات.","vol":"6","page":360},{"text":"وتبرئة من السوء للحي القيوم الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، وله الخلق والأمر وإليه يرجع العباد يوم المعاد، فيجازي كل عامل بعمله وهو العادل المنعم المتفضل. ومعنى قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [كقوله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾] (^١) [المؤمنون: ٨٨] كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] فالملك والملكوت واحد في المعنى كرحمة ورحموت، ورهبة ورهبوت، وجبر وجبروت، ومن الناس من زعم أن الملك هو عالم الأجساد، والملكوت هو عالم الأرواح، والصحيح الأول، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا سُريج بن النعمان، حدثنا حماد، عن عبد الملك بن عمير، حدثني ابن عمٍّ لحذيفة، عن حذيفة وهو: ابن اليمان ﵁، قال: قمت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقرأ السبع الطوال في سبع ركعات، وكان ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال: \"الحمد لله ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة\" وكان ركوعه مثل قيامه، وسجوده مثل ركوعه، فأنصرف وقد كادت تنكسر رجلاي (^٢).\nوقد روى أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة مولى الأنصار، عن رجل من بني عبس، عن حذيفة ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل، وكان يقول: \"الله أكبر - ثلاثًا - ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة\" ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوًا من قيامه، وكان يقول في ركوعه: \"سبحان ربي العظيم\" ثم رفع رأسه من الركوع، فكان قيامه نحوًا من ركوعه [وكان يقول في قيامه: \"لربي الحمد\" ثم سجد فكان سجوده نحوًا من قيامه] (^٣) وكان يقول في سجوده: \"سبحان ربي الأعلى\" ثم رفع رأسه من السجود وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوًا من سجوده، وكان يقول: \"ربِّ اغفر لي، رب اغفر لي\" فصلى أربع ركعات فقرأ فيهن البقرة، وآل عمران، والنساء والمائدة أو الأنعام - شكَّ شعبة - هذا لفظ أبي داود (^٤). وقال النسائي: أبو حمزة عندنا: طلحة بن يزيد، وهذا الرجل يشبه أن يكون صِلة (^٥)، كذا قال، والأشبه أن يكون ابن عمِّ حذيفة، كما تقدم في رواية الإمام أحمد، والله أعلم. وأما رواية صِلة بن زُفَر، عن حذيفة ﵁، فإنها في صحيح مسلم، ولكن ليس فيها ذكر الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة (^٦).\n_________\n(^١) زيادة من (مح).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٣٣٢ ح ٢٣٣٠٠) وضعف سنده محققوه لجهالة ابن عم حذيفة. ويتقوى بالروايات التالية.\n(^٣) زيادة من (حم) و(مح) وسنن أبي داود.\n(^٤) سنن أبي داود، الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده (ح ٨٧٤)، والشمائل للترمذي (ح ٢٧٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٧٧٧)، وفي سنده رجل مجهول من بني عبس، ولعله صححه بالشاهد الذي سيأتي في سنن أبي داود، وصحيح مسلم التالي لكن ليس فيه ذكر ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة كما سيأتي.\n(^٥) سنن النسائي، الافتتاح، باب ما يقول في قيامه ٢/ ١٩٩.\n(^٦) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل (ح ٧٧٢).","vol":"6","page":361},{"text":"وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن عاصم بن حميد، عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوَّذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: \"سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة\" ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة (^١)، ورواه الترمذي في الشمائل والنسائي من حديث معاوية بن صالح به (^٢).\nآخر تفسير سورة يس، والحمد لله، وصلواته وسلامه على محمد خير خلقه.\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده (ح ٨٧٣) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٧٧٦).\n(^٢) الشمائل رقم ٣١٣ وسنن النسائي، الافتتاح، باب نوع آخر من الذكر في الركوع ٢/ ١٩١ وحكمه كسابقه.","vol":"6","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-156>سُورَةُ الصَّافَّاتِ</span>\n[وهي] (^١) مكية\nقال النسائي: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، حدثنا خالد - يعني ابن الحارث - عن ابن أبي ذئب قال: أخبرنا الحارث بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويأُمُنا بالصافات (^٢)، تفرد به النسائي.\n\n<span id=\"aya-3789\"></span>﷽\n﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾.\nقال سفيان الثوري: عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ وهي: الملائكة ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾ هي: الملائكة ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ هي: الملائكة (^٣)، وكذا قال ابن عباس ﵄ ومسروق وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس (^٤).\nقال قتادة: الملائكة صفوف في السماء (^٥).\nوقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حُذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا وجعل لنا ترابها طهورًا إذا لم نجد الماء\" (^٦) وقد روى مسلم أيضًا وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الأعمش، عن المسيب بن رافع،\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن، الإمامة، باب الرخصة للإمام في التطويل ٢/ ٩٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ح ٧٩٦).\n(^٣) سنده صحيح وأخرجه عبد الرزاق والحاكم كلاهما من طريق الأعمش به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٢٩).\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس بسند ضعيف (العظمة رقم ٥١٣) ويشهد له سابقه ولاحقه، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي الضحى عن مسروق، وأخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس، وقول قتادة سيأتي كما يليه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢٢).","vol":"6","page":363},{"text":"عن [تميم] (^١) بن طرفة، عن جابر بن سَمُرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا تَصفُّون كما تصِفُّ الملائكة عند ربهم؟ \" قلنا: وكيف تصفُّ الملائكة عند ربهم؟ قال ﷺ: \"يتمُّون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصف\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-3790\"></span>\n\n<span id=\"aya-3791\"></span>وقال السدي وغيره: معنى قوله تعالى: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾ أنها تزجر السحاب (^٣).\nوقال الربيع بن أنس: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾ ما زجر الله تعالى عنه في القرآن (^٤)، وكذا روى مالك عن زيد بن أسلم (^٥).\n﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ قال السدي: الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ [المرسلات].\n\n<span id=\"aya-3792\"></span>\n\n<span id=\"aya-3793\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا هو المقسم عليه أنه تعالى لا إله إلا هو ربُّ السماوات والأرض ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: من المخلوقات ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ أي: هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من كواكب ثوابت وسيارات تبدو من المشرق وتغرب من المغرب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليه وقد صرح بذلك في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠)﴾ [المعارج]، وقال في الآية الأخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ [الرحمن]، يعني: في الشتاء والصيف للشمس والقمر.\n\n<span id=\"aya-3794\"></span>\n\n<span id=\"aya-3795\"></span>\n\n<span id=\"aya-3796\"></span>﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾.\nيخبر تعالى أنه زيَّن السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض بزينة الكواكب، قرئ بالإضافة وبالبدل وكلاهما بمعنى واحد فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوؤها جرم السماء الشفاف فتضيء لأهل الأرض كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ [الملك]، وقال: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ [الحجر]، فقوله جلَّ وعلَّا ههنا: ﴿وَحِفْظًا﴾ تقديره وحفظناها حفظًا ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ يعني: المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه ولهذا قال: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ أي: لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى وهي السماوات ومن فيها من الملائكة إذا تكلموا بما يوحيه الله تعالى مما يقوله من شرعه وقدرته كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تبارك\n_________\n(^١) زياد من (حم) و(مح) وصحيح مسلم.\n(^٢) صحيح مسلم، الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة (ح ٤٣٠)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب تسوية الصفوف (ح ٦٦١)، وسنن النسائي، الصلاة، باب حث الإمام علي ﵁ الصفوف ٢/ ٩٢ وسنن ابن ماجه كتاب الصلاة والسنة فيها، باب إقامة الصفوف (ح ٩٩٢).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط بن نصر عن السدي.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) سنده صحيح.","vol":"6","page":364},{"text":"وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ أي: يرمون ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ أي: من كل جهة يقصدون السماء منها\n\n<span id=\"aya-3797\"></span>﴿دُحُورًا﴾ أي: رجمًا يدحرون به ويزجرون ويمنعون من الوصول إلى ذلك ويرجمون ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي: في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر كما قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥]،\n\n<span id=\"aya-3798\"></span>وقوله ﵎: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ أي: إلا من اختطف من الشياطين الخطفة وهي الكلمة يسمعها من السماء فيلقيها إلى الذي تحته ويلقيها الآخر إلى الذي تحته فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها بقدر الله تعالى قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه فيذهب بها الآخر إلى الكاهن كما تقدم في الحديث ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ أي: مستنير.\nقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: كان للشياطين مقاعد في السماء قال: فكانوا يستمعون الوحي، قال: وكانت النجوم لا تجري وكانت الشياطين لا ترمى، قال: فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض فزادوا في الكلمة تسعًا، قال: فلما بعث رسول الله ﷺ جعل الشيطان إذا قصد مقعده جاءه شهاب فلم يخطئه حتى يحرقه قال فشكَوا ذلك إلى إبليس لعنه الله فقال ما هو إلا من أمر حدث قال: فبعث جنوده فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي بين جبلي نخلة، قال: وكيع يعني بطن نخلة قال: فرجعوا إلى إبليس فأخبروه فقال هذا الذي حدث (^١)، وستأتي إن شاء الله تعالى الأحاديث الواردة مع الآثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخبارًا عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن].\n\n<span id=\"aya-3799\"></span>﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾.\nيقول تعالى: فسل هؤلاء المنكرين للبعث أيما أشد خلقًا هم أم السماوات والأرض وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ وقرأ ابن مسعود ﵁ (أم من عددنا) فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقًا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر]، ثم بيَّن أنهم خلقوا من شيء ضعيف فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾.\nقال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك: هو الجيد الذي يلتزق بعضه ببعض (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، بلفظ: لازم، وقول =","vol":"6","page":365},{"text":"وقال ابن عباس ﵄ وعكرمة: هو اللزج الجيد (^١).\nوقال قتادة: هو الذي يلزق باليد (^٢).\n\n<span id=\"aya-3800\"></span>\n\n<span id=\"aya-3801\"></span>\n\n<span id=\"aya-3802\"></span>وقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ أي: بل عجبت يا محمد من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث وأنت مُوقن مصدق بما أخبر الله تعالى من الأمر العجيب وهو إعادة الأجسام بعد فنائها وهم بخلاف أمرك من شدة تكذيبهم ويسخرون مما تقول لهم من ذلك.\nقال قتادة: عجب محمد ﷺ، وسخر ضُلّال بني آدم (^٣) ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ أي: دلالة واضحة على ذلك ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3803\"></span>\n\n<span id=\"aya-3804\"></span>\n\n<span id=\"aya-3805\"></span>قال مجاهد وقتادة: يستهزئون (^٤) ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ أي: إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ يستبعدون ذلك ويكذبون به\n\n<span id=\"aya-3806\"></span>﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾ أي: قل لهم يا محمد نعم تبعثون يوم القيامة بعدما تصيرون ترابًا وعظامًا وأنتم داخرون؛ أي: حقيرون تحت القدرة العظيمة كما قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\n\n<span id=\"aya-3807\"></span>ثم قال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾ أي: فإنما هو أمر واحد من الله ﷿، يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم بين يديه ينظرون إلى أهوال يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-3808\"></span>\n\n<span id=\"aya-3809\"></span>\n\n<span id=\"aya-3810\"></span>﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾.\nيخبر تعالى عن قيل الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة ندموا كلَّ الندم حيث لا ينفعهم الندم ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ فتقول الملائكة والمؤمنون: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ ويأمر الله تعالى الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم ولهذا قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾.\n_________\n= سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مسلم البطين عنه عن ابن عباس، وقول الضحاك أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^١) قول ابن عباس تقدم في الرواية السابقة، وقول عكرمة أخرجه أبو الشيخ (العظمة رقم ١٠١٧)، والطبري كلاهما بسند حسن من طريق سماك بن حرب عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"6","page":366},{"text":"قال النعمان بن بشير ﵁: يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم (^١)، وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وأبو صالح وأبو العالية وزيد بن أسلم (^٢).\nوقال سفيان الثوري: عن سماك، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب ﵁ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال إخوانهم (^٣).\nوقال شريك: عن سماك عن النعمان قال: سمعت عمر يقول: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال: أشباههم. قال يجيء أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا، وأصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر (^٤).\nوقال خُصيف: عن مقسم، عن ابن عباس ﵄ أزواجهم نساؤهم (^٥). وهذا غريب والمعروف عنه الأول كما رواه مجاهد وسعيد بن جبير عنه: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قرناؤهم وما كانوا يعبدون من دون الله؛ أي: من الأصنام والأنداد تحشر معهم في أماكنهم (^٦).\n\n<span id=\"aya-3811\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي: أرشدوهم إلى طريق جهنم وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].\n\n<span id=\"aya-3812\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ أي: قفوهم حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا كما قال الضحاك، عن ابن عباس يعني احبسوهم إنهم محاسبون (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا النفيلي، حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت ليثًا يحدث عن بشر، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفًا معه إلى يوم القيامة لا يغادره ولا يفارقه وإن دعا رجل رجلًا\" ثم قرأ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾، ورواه الترمذي من حديث ليث بن أبي سُليم، ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم، عن معتمر، عن ليث، عن رجل، عن أنس ﵁ مرفوعًا (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق سماك بن حرب عن النعمان بن بشير، وأخرجه الطبري والحاكم من طريق سماك عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٣٠).\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وأخرجه البستي من طريق المسيب بن رافع عن ابن عباس وهو لم يسمع من ابن عباس ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول سعيد بن جبير وعكرمة عزاهما السيوطي إلى عبد بن حميد، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول زيد بن أسلم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٣) أخرجه البستي والطبري بسند حسن من طريق الثوري به.\n(^٤) سنده فيه شريك، وفيه مقال في حفظه ويتقوى بما سبق.\n(^٥) سنده ضعيف لمخالفة خُصيف من هو أوثق منه كما سبق وخُصيف سيء الحفظ.\n(^٦) تقدم نحوه في الروايات قبل السابقة.\n(^٧) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٨) في سنده ليث بن أبي سُليم فيه مقال، وقد اضطرب فيه فتارة يرويه عن بشر عن أنس كما في رواية ابن أبي =","vol":"6","page":367},{"text":"<span id=\"aya-3813\"></span>وقال عبد الله بن المبارك: سمعت عثمان بن زائدة يقول إن أول ما يسأل عنه الرجل جلساؤه، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ (^١) أي: كما زعمتم أنكم جمع منتصر\n\n<span id=\"aya-3814\"></span>﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ أي: ينقادون لأمر الله لا يخالفونه ولا يحيدون عنه.\n\n<span id=\"aya-3815\"></span>\n\n<span id=\"aya-3816\"></span>﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾.\nيذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة كما يتخاصمون في دركات النار: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾ [غافر]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ [سبأ]، وهكذا قالوا لهم ههنا ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾.\nقال الضحاك، عن ابن عباس: يقولون: كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء (^٢).\nوقال مجاهد: يعني عن الحق والكفار تقوله للشياطين (^٣).\nوقال قتادة: قالت الإنس للجن إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قال من قِبل الخير فتنهونا عنه وتبطئونا عنه (^٤).\nوقال السدي: تأتوننا من قبل الحق وتزينون لنا الباطل وتصدونا عن الحق (^٥).\nوقال الحسن في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ إي واللهِ يأتيه عند كل خير يريده فيصده (^٦) عنه.\n_________\n= حاتم والترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الصافات ح ٣٢٢٨) وقال: غريب، وأما رواية الطبري فرواه ليث عن رجل مجهول، وفي رواية ابن ماجه رواه ليث عن بشر بن نهيك (السنن، المقدمة، باب من سنَّ سنة حسنة أو سيئة ح ٢٠٨) وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة.\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"6","page":368},{"text":"وقال ابن زيد: معناه: تحولون بيننا وبين الخير ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به (^١).\nوقال يزيد الرشْك: من قِبلِ لا إله إلا الله.\nوقال خُصيف يعنون: من قبل ميامنهم.\nوقال عكرمة: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ قال: من حيث نأمنكم (^٢).\n\n<span id=\"aya-3817\"></span>\n\n<span id=\"aya-3818\"></span>وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ تقول القادة من الجن والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان قابلة للكفر والعصيان ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة على صحة ما دعوناكم إليه ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ أي: بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاؤوكم به فخالفتموهم.\n\n<span id=\"aya-3819\"></span>﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾ يقول الكبراء للمستضعفين: حقَّت علينا كلمة الله أنا من الأشقياء الذائقين للعذاب يوم القيامة\n\n<span id=\"aya-3820\"></span>﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ أي: دعوناكم إلى الضلالة ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ أي: فدعوناكم إلى ما نحن فيه فاستجبتم لنا،\n\n<span id=\"aya-3821\"></span>قال الله ﵎: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾ أي: الجميع في النار كل بحسبه\n\n<span id=\"aya-3822\"></span>\n\n<span id=\"aya-3823\"></span>﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا الليث، عن ابن مسافر يعني: عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ﷿\" وأنزل الله تعالى في كتابه العزيز وذكر قومًا استكبروا فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: أيضًا حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله وعزيرًا. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله والمسيح. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم: لا إله إلا الله فيستكبرون، ثم يقال لهم: لا إله إلا الله فيستكبرون، ثم يقال لهم: لا إله إلا الله، فيستكبرون، فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. قال أبو نضرة: فينطلقون أسرع من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٢) أخرجه البستي بسند صحيح من طريق الحسين بن واقد عن عكرمة.\n(^٣) أخرجه الطبري وابن حبان من طريق الزهري به (الإحسان ١/ ٤٥١) وصحح سنده محققه. وأصله في الصحيح ولكن بدون ذكر نزول الآية، ولعل هذه الزيادة أدرجها عبيد الله بن أخي بن وهب لأنه قد تُكلم فيه.","vol":"6","page":369},{"text":"الطير. قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله تعالى فيقال لهم: هل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقال لهم: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعلم أنه لا عدل له. قال: فيتعرف لهم ﵎ وتقدس وينجي الله المؤمنين (^١).\n\n<span id=\"aya-3824\"></span>﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ أي: أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول هذا الشاعر المجنون؟ يعنون: رسول الله ﷺ. قال الله تعالى تكذيبًا لهم وردًا عليهم: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: رسول الله ﷺ جاء بالحق في جميع شرعة الله تعالى له من الأخبار والطلب ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: صدقهم فيما أخبروا عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله تعالى في شرعه وأمره كما أخبروا: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [فصلت: ٤٣].\n\n<span id=\"aya-3825\"></span>\n\n<span id=\"aya-3826\"></span>\n\n<span id=\"aya-3827\"></span>\n\n<span id=\"aya-3828\"></span>﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا للناس: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣]، وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٤ - ٦] وقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر]، ولهذا قال ههنا: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ أي: ليسوا يذوقون العذاب الأليم ولا يناقشون في الحساب بل يتجاوز عن سيئاتهم إن كان لهم سيئات ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى ما شاء الله تعالى من التضعيف.\n\n<span id=\"aya-3829\"></span>\n\n<span id=\"aya-3830\"></span>\n\n<span id=\"aya-3831\"></span>\n\n<span id=\"aya-3832\"></span>وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾ قال قتادة والسدي: يعني: الجنة (^٢)، ثم فسره بقوله تعالى: ﴿فَوَاكِهُ﴾ أي: متنوعة ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ أي: يخدمون ويرفهون وينعمون ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤)﴾ قال مجاهد: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشر، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا إبراهيم القرشي، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فتلا هذه الآية: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤)﴾ ينظر بعضهم إلى بعض (^٣).\n_________\n(^١) سنده مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) سنده ضعيف، قال البخاري: هذا إسناد مجهول، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض (التاريخ الكبير ٣/ ٣٨٦ والصغير ١/ ٢٥٠).","vol":"6","page":370},{"text":"حديث غريب.\n\n<span id=\"aya-3833\"></span>\n\n<span id=\"aya-3834\"></span>\n\n<span id=\"aya-3835\"></span>وقوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ [الواقعة]، فنزه الله ﷾ خمر الجنة عن الآفات التي في خمر الدنيا من صداع الرأس ووجع البطن وهو الغول وذهابها بالعقل جملة، فقال تعالى ههنا: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ أي: بخمر من أنهار جارية لا يخافون انقطاعها ولا فراغها.\nقال مالك، عن زيد بن أسلم: خمر جارية بيضاء (^١)؛ أي: لونها مشرق حسن بهي لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم.\nوقوله: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: طعمها طيب كلونها وطيب الطعم دليل على طيب الريح بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ يعني: لا تؤثر فيها غولًا - وهو وجع البطن قاله مجاهد وقتادة وابن زيد (^٢) - كما تفعله خمر الدنيا من القولنج ونحوه لكثرة مائيتها.\nوقيل: المراد بالغول ههنا صداع الرأس وروي هكذا عن ابن عباس (^٣).\nوقال قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن (^٤).\nوعنه وعن السدي: لا تغتال عقولهم (^٥). كما قال الشاعر:\nفما زالت الكأس تغتالنا … وتذهب بالأول الأول (^٦)\nوقال سعيد بن جبير: لا مكروه فيها ولا أذى (^٧)، والصحيح قول مجاهد أنه وجع البطن. وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ قال مجاهد: لا تذهب عقولهم (^٨)، وكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب والحسن وعطاء بن أبي مسلم الخراساني والسدي وغيرهم (^٩).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع والقيء والبول\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) قول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) تقدم بالسند المتقدم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) استشهد به معمر بن المثنى (مجاز القرآن ٢/ ١٦٩) والطبري.\n(^٧) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٨) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"6","page":371},{"text":"فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال (^١)، كما ذكر في سورة الصافات.\n\n<span id=\"aya-3836\"></span>وقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن كذا قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وزيد بن أسلم وقتادة والسدي وغيرهم (^٢).\nوقوله: ﴿عِينٌ﴾ أي: حسان الأعين وقيل: ضخام الأعين وهو يرجع إلى الأول وهي النجلاء العيناء فوصف عيونهن بالحسن والعفة، كقول زليخا في يوسف ﵊ حين جملَّته وأخرجته على تلك النسوة، فأعظمنه وأكبرنه وظننَّ أنه ملك من الملائكة لحسنه وبهاء منظره قالت: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] أي: هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي، وهكذا الحور العين: ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]، ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾.\n\n<span id=\"aya-3837\"></span>وقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ يقول: اللؤلؤ المكنون، وينشد ههنا بيت [أبي دَهْبَل] (^٣) الشاعر في قصيدة له:\nهي زهراء مثل لؤلؤة الغواص … ميزت من جوهر مكنون (^٤)\nوقال الحسن: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ يعني محصون لم تمسه الأيدي (^٥).\nوقال السدي: البيض في عشه مكنون (^٦).\nوقال سعيد بن جبير: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ يعني بطن البيض (^٧).\nوقال عطاء الخراساني: هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيضة (^٨).\nوقال السدي: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ يقول: بياض البيض حين نزع قشرته (^٩). واختاره ابن جرير لقوله مكنون قال: والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش وتنالها الأيدي بخلاف داخلها (^١٠) والله أعلم.\nوقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا محمد بن الفرج الصدفي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس ﵄.\n(^٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول زيد بن أسلم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) كذا في تفسير الطبري وديوان أبي دهبل الجمحي، في الأصل: و(حم) صُحف إلى: \"أبي ذهيل\".\n(^٤) ديوان أبي دهبل الجمحي ص ٦٩ وتفسير الطبري.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن عطاء الخراساني.\n(^٩) تقدم قبل روايتين.\n(^١٠) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"6","page":372},{"text":"الدمياطي، عن عمرو بن هاشم، عن ابن أبي كريمة، عن هشام، عن الحسن، عن أُمه، عن أُم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله ﷿: [﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ قال: \"العين: الضخام العيون شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر\" قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله ﷿] (^١): ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ قال: رقتهن \"كرقة الجلدة التي رأسها في داخل البيضة التي تلي القشر وهي الغرقى\" (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان النهدي، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن الربيع بن أنس، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا حزنوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، لواء الحمد يومئذٍ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ﷿ ولا فخر، يطوف عليَّ ألف خادم كأنهن البيض المكنون - أو اللؤلؤ المكنون -\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-3838\"></span>﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾.\nيخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون؛ أي: عن أحوالهم، وكيف كانوا في الدنيا، وماذا كانوا يعانون فيها؟ وذلك من حديثهم على شرابهم واجتماعهم في تنادمهم ومعاشرتهم في مجالسهم وهم جلوس على السرر والخدم بين أيديهم يسعون ويجيئون بكل خير عظيم من مآكل ومشارب وملابس وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\n\n<span id=\"aya-3839\"></span>\n\n<span id=\"aya-3840\"></span>﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ قال مجاهد: يعني: شيطانًا (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: هو الرجل المشرك يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا (^٥)، ولا تنافي بين كلام مجاهد وابن عباس فإن الشيطان يكون من الجن فيوسوس في النفس، ويكون من الإنس فيقول كلامًا تسمعه الأذنان وكلاهما يتعاونان قال الله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، وكل منهما يوسوس كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي\n_________\n(^١) زيادة من (مح).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الطبراني من طريق عمرو بن هاشم به (المعجم الكبير ٢٣/ ٣٦٧ رقم ٨٧٠) وسنده ضعيف لضعف سليمان بن أبي كريمة ضعفه العقيلي (الضعفاء الكبير ٢/ ١٣٨) ثم ابن عدي (الكامل ٣/ ١١١١).\n(^٣) أخرجه الترمذي من طريق عبد السلام بن حرب به بدون الفقرة الأخيرة (السنن، المناقب، باب فضل النبي ﷺ ح ٣٦١٠) وسنده ضعيف لضعف ليث وهو ابن أبي سُليم.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.","vol":"6","page":373},{"text":"يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس]، ولهذا ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ أي: أأنت تصدق بالبعث والنشور والحساب والجزاء؟ يعني: يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد والكفر والعناد.\n\n<span id=\"aya-3841\"></span>﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾ قال مجاهد والسدي: لمحاسبون (^١).\n\n<span id=\"aya-3842\"></span>\n\n<span id=\"aya-3843\"></span>وقال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي: لمجزيون بأعمالنا (^٢). وكلاهما صحيح قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾ أي: مشرفون يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾.\nقال ابن عباس وسعيد بن جبير وخُليد العَصَري وقتادة والسدي وعطاء الخراساني: يعني: في وسط الجحيم (^٣).\nوقال الحسن البصري: في وسط الجحيم (^٤) كأنه شهاب يتقد.\n\n<span id=\"aya-3844\"></span>\n\n<span id=\"aya-3845\"></span>وقال قتادة: ذُكر لنا: أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي، وذُكر لنا أن كعب الأحبار قال في الجنة كوى (^٥) إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع (^٦) فيها فازداد شكرًا ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ يقول المؤمن مخاطبًا للكافر: والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ أي: ولولا فضل الله عليّ لكنتُ مثلك في سواء الجحيم حيث أنت محضر معك في العذاب ولكنه تفضل عليّ ورحمني فهداني للإيمان وأرشدني إلى توحيده ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].\n\n<span id=\"aya-3846\"></span>\n\n<span id=\"aya-3847\"></span>\n\n<span id=\"aya-3848\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ هذا من كلام المؤمن مغبطًا نفسه لما أعطاه الله تعالى من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة بلا موت فيها ولا عذاب ولهذا قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: [في قول الله ﵎ لأهل الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)﴾ [الطور]، قال ابن عباس ﵄:] (^٧) قوله: ﴿هَنِيئًا﴾ أي: لا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه أيضًا بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول خُليد العَصَري أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن خُليد، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عطاء الخراساني أخرجه البُستي بسند حسن من طريق معمر عنه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن راشد عن الحسن.\n(^٥) أي: فتحه.\n(^٦) أخرجه البستي من طريق قتادة عن كعب الأحبار، وسنده منقطع بين قتادة وكعب.\n(^٧) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"6","page":374},{"text":"يموتون فيها فعندها قالوا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ (^١).\n[وقال الحسن البصري: علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه فقالوا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾] (^٢) قيل: لا ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾.\n\n<span id=\"aya-3849\"></span>وقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ قال قتادة هذا من كلام أهل الجنة (^٣).\nوقال ابن جرير: هو من كلام الله تعالى ومعناه: لمثل هذا النعيم وهذا الفوز فليعمل العاملون في الدنيا ليصيروا إليه في الآخرة (^٤)، وقد ذكروا قصة رجلين كانا شريكين في بني إسرائيل تدخل في ضمن عموم هذه الآية الكريمة.\nقال أبو جعفر بن جرير: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب بن بشير، عن خُصيف، عن فرات بن ثعلبة البهراني في قوله: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قال: إن رجلين كانا شريكين فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار، وكان أحدهما له حرفة والآخر ليس له حرفة، فقال الذي له حرفة للآخر: ليس عندك حرفة ما أراني إلا مفارقك ومقاسمك، فقاسمه وفارقه، ثم إن الرجل اشترى دارًا بألف دينار كانت لملك مات، فدعا صاحبه فأراه فقال: كيف ترى هذه الدار ابتعتها بألف دينار؟ قال: ما أحسنها، فلما خرج قال: اللَّهم إن صاحبي هذا ابتاع هذه الدار بألف دينار، وإني أسألك دارًا من دور الجنة فتصدق بالف دينار، ثم مكث ما شاء الله تعالى أن يمكث، ثم إنه تزوج بامرأة بألف دينار فدعاه وصنع له طعامًا فلما أتاه قال: إني تزوجت هذه المرأة بألف دينار. قال: ما أحسن هذا فلما انصرف قال: يا ربِّ إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار، وإني أسألك امرأة من الحور العين فتصدق بألف دينار، ثم إنه مكث ما شاء الله تعالى أن يمكث ثم اشترى بستانين بالفي دينار ثم دعاه فأراه، فقال: إني ابتعت هذين البستانين بألفي دينار، قال: ما أحسن هذا، فلما خرج قال: يا ربِّ إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفي دينار، وأنا أسألك بستانين في الجنة فتصدق بألفي دينار، ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما ثم انطلق بهذا المتصدق، فأدخله دارًا تعجبه وإذا بامرأةٍ تطلع يضيء ما تحتها من حسنها ثم أدخله بستانين وشيئًا الله به عليم، فقال عند ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا. قال: فإنه ذاك ولك هذا المنزل والبستانان والمرأة، قال: فإنه كان لي صاحب يقول: أئنك لمن المصدقين، قيل له: فإنه في الجحيم. قال: هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم فقال عند ذلك: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ الآيات (^٥).\nقال ابن جرير: وهذا يقوي قراءة من قرأ \"أئنك لمن المصَّدقِّين\" بالتشديد (^٦).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني كما في التقريب.\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، والرواية من الإسرائيليات كما صرح السدي في الرواية الآتية.\nوأخرجه البُستي بسند حسن من طريق معمر عن عطاء الخراساني وفيه سبب نزول الآية، فهو مرسل.\n(^٦) وهي قراءة شاذة تفسيرية، وقد ذكر الطبري تفسيرها بمعنى: لمن المتصدقين.","vol":"6","page":375},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمرو بن عبد الرحمن الأبار، أخبرنا أبو حفص قال: سألت إسماعيل السدي عن هذه الآية ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ قال: فقال لي: ما ذكرك هذا؟ قلت: قرأته آنفًا فأحببت أن أسألك عنه فقال: أما فاحفظ، كان شريكان في بني إسرائيل أحدهما مؤمن والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار ثم افترقا فمكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضربت (^١) به شيئًا أتجرت في شيء؟ فقال له المؤمن: لا، فما صنعت أنت؟ فقال: اشتريت به أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا بألف دينار، قال: فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم، قال: فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه ثم قال: اللَّهم إن فلانًا - يعني: شريكه الكافر - اشترى أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا بألف دينار ثم يموت غدًا ويتركها اللَّهم إني اشتريت منك بهذه الألف دينار أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا في الجنة، قال: ثم أصبح فقسمها في المساكين، قال: ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك أضربت به في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال: لا. قال: فما صنعت أنت؟ قال: كانت ضيعتي قد اشتد علي مؤنتها فاشتريت رقيقًا بألف دينار يقومون لي فيها ويعملون لي فيها، فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم، قال: فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه ثم قال اللَّهم إن فلانًا - يعني: شريكه الكافر - اشترى رقيقًا من رقيق الدنيا بألف دينار يموت غدًا فيتركهم أو يموتون فيتركونه، اللَّهم إني اشتريت منك بهذه الألف الدينار رقيقًا في الجنة، قال: ثم أصبح فقسمها في المساكين، قال: ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك أضربت به في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال: لا، فما صنعت أنت؟ قال: كان أمري كله قد تمَّ إلا شيئًا واحدًا فلانة قد مات عنها زوجها فأصدقتها ألف دينار فجاءتني بها ومثلها معها فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم. قال: فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فلما انصرف أخذ الألف الدينار الباقية فوضعها بين يديه وقال: اللَّهم إن فلانًا - يعني شريكه الكافر - تزوج زوجة من أزواج الدنيا بألف دينار فيموت غدًا فيتركها أو تموت غدًا فتتركه اللَّهم وإني أخطب إليك بهذه الألف الدينار حوراء عيناء في الجنة، قال: ثم أصبح فقسمها بين المساكين، قال: فبقي المؤمن ليس عنده شيء. قال: فلبس قميصًا من قطن وكساء من صوف ثم أخذ مَرًّا (^٢) فجعله على رقبته يعمل الشيء ويحفر الشيء بقوته.\nقال: فجاءه رجل فقال له: يا عبد الله أتؤاجرني نفسك مشاهرة شهرًا بشهر تقوم على دواب لي تعلفها وتكنس سرقينها؟ قال: أفعل. قال: فواجره نفسه مشاهرة شهرًا بشهر يقوم على دوابه، قال: وكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه، فإذا رأى منها دابة ضامرة أخذ برأسه فوجأ عنقه ثم يقول له: سرقت شعير هذه البارحة. قال: فلما رأى المؤمن هذه الشدة قال: لآتين شريكي الكافر فلأعملنَّ في أرضه فليطعمني هذه الكسرة يومًا بيوم ويكسوني هذين الثوبين إذا\n_________\n(^١) أي: أكسبت به شيئًا.\n(^٢) أي: حبلًا.","vol":"6","page":376},{"text":"بليا، قال: فانطلق يريده فانتهى إلى بابه وهو ممس فإذا قصر مشيد في السماء، وإذا حوله البوابون فقال لهم: استأذنوا لي على صاحب هذا القصر فإنكم إذا فعلتم سرَّه ذلك، فقالوا له انطلق إن كنت صادقًا فنم في ناحية فإذا أصبحت فتعرض له.\nقال: فانطلق المؤمن فألقى نصف كسائه تحته ونصفه فوقه ثم نام، فلما أصبح أتى شريكه فتعرض له، فخرج شريكه الكافر وهو راكب، فلما رآه عرفه فوقف وسلم عليه وصافحه ثم قال له: ألم تأخذ المال مثل ما أخذت؟ قال: بلى. قال: وهذه حالي، وهذه حالك؟ قال: بلى. قال: أخبرني ما صنعت في مالك؟ قال: لا تسألني عنه، قال فما جاء بك؟ قال: جئت أعمل في أرضك هذه فتطعمني هذه الكسرة يومًا بيوم وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا، قال: لا، ولكن أصنع بك ما هو خير من هذا ولكن لا ترى مني خيرًا حتى تخبرني ما صنعت في مالك قال: أقرضته. قال: من؟ قال: المليء الوفي. قال: من؟ قال: الله ربي. قال: وهو مصافحه فانتزع يده من يده ثم قال: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾.\nقال السدي: محاسبون، قال: فانطلق الكافر وتركه، قال: فلما رآه المؤمن وليس يلوي عليه رجع وتركه، يعيش المؤمن في شدة من الزمان ويعيش الكافر في رخاء من الزمان. قال: فإذا كان يوم القيامة وأدخل الله تعالى المؤمن الجنة يمر فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار فيقول لمن هذا؟ فيقال: هذا لك. فيقول: يا سبحان الله أوَ بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال: ثم يمرُّ فإذا هو برقيق لا تحصى عدتهم فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك، فيقول: يا سبحان الله أوَ بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال ثم يمرُّ فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء مجوفة فيها حوراء عيناء فيقول: لمن هذه؟ فيقال: هذه لك، فيقول: يا سبحان الله أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال: ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر فيقول: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾.\nقال: فالجنة عالية والنار هاوية. قال: فيريه الله تعالى شريكه في وسط الجحيم من بين أهل النار فإذا رآه المؤمن عرفه فيقول: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ بمثل ما قد منّ عليه. قال: فيتذكر المؤمن ما مرَّ عليه في [الدنيا من الشدة] (^١) فلا يذكر مما مرَّ عليه في الدنيا من الشدة أشد عليه من الموت (^٢).\n\n<span id=\"aya-3850\"></span>﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾.\nيقول الله تعالى: [أهذا] (^٣) - الذي ذكره من نعيم الجنة وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح\n_________\n(^١) في الأصل بياض واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٢) الخبر من الإسرائيليات كما صرح السدي في مطلعه.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"هذا\".","vol":"6","page":377},{"text":"وغير ذلك من الملاذ - خير ضيافة وعطاء ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ أي: التي في جهنم وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك شجرة واحدة معينة كما قال بعضهم: إنها شجرة تمتد فروعها إلى جميع محال جهنم كما أن شجرة طوبى ما من دار في الجنة إلا وفيها منها غصن، وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك جنس شجر يقال له: الزقوم كقوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾ [المؤمنون]؛ يعني: الزيتونة ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)﴾ [الواقعة].\n\n<span id=\"aya-3851\"></span>\n\n<span id=\"aya-3852\"></span>وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾.\nقال قتادة: ذُكرت شجرة الزقوم فافتتن بها أهل الضلالة وقالوا: صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة والنار تأكل الشجر فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ غُذيت من النار ومنها خلقت (^١).\nوقال مجاهد: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾ قال أبو جهل - لعنه الله -: إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه (^٢). قلت: ومعنى الآية إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارًا نختبر به الناس من يصدق منهم ممن يكذب كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠].\nوقوله: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ أي: أصل منبتها في قرار النار\n\n<span id=\"aya-3853\"></span>﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ تبشيع لها وتكريه لذكرها.\nقال وهب بن منبه: شعور الشياطين قائمة إلى السماء، وإنما شبهها \"برؤوس الشياطين\" وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر، وقيل: المراد بذلك ضرب من الحيات رؤوسها بشعة المنظر، وقيل: جنس من النبات طلعه في غاية الفحاشة، وفي هذين الاحتمالين نظر، وقد ذكرهما ابن جرير (^٣) والأول أقوى وأولى، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3854\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾. ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه الشجرة التي لا أبشع منها ولا أقبح من منظرها مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها لأنهم لا يجدون إلا إياها وما هو في معناها كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾ [الغاشية].\nوقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية وقال: \"اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟ \"\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل، وشطره الأول له شاهد تقدم في تفسير سورة الإسراء آية ٦٠.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري كلاهما بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، ولكنه مرسل، وله شاهد كسابقه.\n(^٣) ذكرهما الطبري بنحوه دون نسبة إلى أحد المفسرين.","vol":"6","page":378},{"text":"ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة وقال الترمذي: حسن صحيح (^١).\n\n<span id=\"aya-3855\"></span>وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾ قال ابن عباس: يعني شرب الحميم على الزقوم (^٢)، وقال في رواية عنه شوبًا من حميم: مزجًا من حميم (^٣)، وقال: غيره يمزج لهم الحميم بصديد وغساق مما يسيل من فروجهم وعيونهم (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، حدثنا بقَية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو وأخبرني عبيد الله بن بسر، عن أبي أُمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: \"يقرب - يعني: إلى أهل النار - ماء فيتكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فيه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره\" (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا يعقوب بن عبد الله، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير قال: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارًا مرَّ بهم يعرفهم لعرفهم بوجوههم فيها ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود ويصهر ما في بطونهم فيمشون تسيل أمعاؤهم وتتساقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد فيسقط كل عضو على حياله يدعو بالثبور (^٦).\n\n<span id=\"aya-3856\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ أي: ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج وجحيم تتوقد وسعير تتوهج، فتارة في هذا وتارة في هذا كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن]، هكذا تلا قتادة هذه الآية (^٧). وهو تفسير حسن قوي.\nوقال السدي في قراءة عبد الله ﵁: \"ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم\" وكان عبد الله ﵁ يقول: والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ (^٨) [الفرقان]. وروى الثوري عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن عبد الله ﵁ قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء ويقيل هؤلاء قال سفيان: أراه ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم) (^٩).\nقلت: على هذا التفسير تكون ثم عاطفة لخبر على خبر.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير سورة آل عمران آية ١٠٢.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٥) في سنده بقية بن الوليد وهو من المدلسين الذين لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بالسماع، ولم يصرح بالسماع في هذا الخبر، وفيه أيضًا عبيد الله بن بسر وهو مجهول.\n(^٦) سنده مرسل.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق السدي به، وسنده ضعيف لأن السدي لم يسمع من ابن مسعود ﵁. والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٩) أخرجه الحاكم من طريق الثوري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٠٢).","vol":"6","page":379},{"text":"<span id=\"aya-3857\"></span>\n\n<span id=\"aya-3858\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩)﴾ أي: إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك من غير دليل ولا برهان، ولهذا قال: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ قال مجاهد: شبيهة بالهرولة (^١).\nوقال سعيد بن جبير: يسفهون.\n\n<span id=\"aya-3859\"></span>\n\n<span id=\"aya-3860\"></span>\n\n<span id=\"aya-3861\"></span>\n\n<span id=\"aya-3862\"></span>﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾.\nيخبر تعالى عن الأمم الماضية أن أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع الله آلهة أخرى، وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين ينذرون بأس الله ويحذرونهم سطوته ونقمته ممن كفر به وعبدَ غيره وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم، فأهلك المكذبين ودمرهم ونجى المؤمنين ونصرهم وظفرهم ولهذا قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾.\n\n<span id=\"aya-3863\"></span>\n\n<span id=\"aya-3864\"></span>\n\n<span id=\"aya-3865\"></span>﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾.\nلما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة شرع يبين ذلك مفصلًا فذكر نوحًا ﵊ وما لقي من قومه من التكذيب، وأنه لم يؤمن منهم إلا القليل مع طول المدة، لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا فلما طال عليه ذلك واشتد عليه تكذيبهم، وكلما دعاهم ازدادوا نفرة ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر]، فغضب الله تعالى لغضبه عليهم، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ أي: فلنعم المجيبون له ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ وهو التكذيب والأذى ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ يقول: لم تبق إلا ذرية نوح ﵇ (^٢).\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ قال الناس: كلهم من ذرية نوح ﵇ (^٣).\nوقد روى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ قال: سام وحام ويافث (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري كلاهما بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة به.\n(^٤) أخرجه الطبري والترمذي من طريق سعيد بن بشير به (السنن، التفسير، ومن سورة الصافات ح ٣٢٣٠) وسنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير كما في التقريب، وعنعنة الحسن وقد توبع سعيد بن بشير كما سيأتي ويبقى الانقطاع بين الحسن وسمرة.","vol":"6","page":380},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: \"سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم\" (^١). ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي، عن يزيد بن زريع، عن سعيد وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة به (^٢).\nقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر، وقد روي عن [عمران] (^٣) بن حصين ﵁، عن النبي ﷺ مثله (^٤).\nوالمراد بالروم ههنا هم الروم الأول وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن نوح ﵇ ثم روي من حديث إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ولد نوح ﵇ ثلاثة: سام ويافث وحام، وولد كل واحد من هؤلاء الثلاثة فولد سام: العرب وفارس والروم، وولد يافث: الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وولد حام: القبط والسودان والبربر (^٥)، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3866\"></span>وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ قال ابن عباس: يذكر بخير (^٦).\nوقال مجاهد: يعني لسان صدق للأنبياء كلهم (^٧).\nوقال قتادة والسدي: أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين (^٨).\nوقال الضحاك: السلام والثناء الحسن (^٩).\n\n<span id=\"aya-3867\"></span>وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ مفسر لما أبقى عليه الذكر الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم\n\n<span id=\"aya-3868\"></span>﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾ أي: هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله تعالى ونجعل له لسان صدق يذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك\n\n<span id=\"aya-3869\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ أي: المصدقين الموحدين الموقنين\n\n<span id=\"aya-3870\"></span>﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾ أي: أهلكناهم فلم يبق منهم عين تطرف ولا ذكر ولا عين ولا أثر، ولا يعرفون إلا بهذه الصفة القبيحة.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣/ ٢٩٢ ح ٢٠٠٩٩) وضعف سنده محققوه.\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، المناقب، باب مناقب في فضل العرب ح ٣٩٣١) وسنده ضعيف لعنعنة الحسن البصري.\n(^٣) كذا في (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"عمر\".\n(^٤) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٨/ ١٤٣)، والحاكم (المستدرك ٢/ ٥٤٦)، كلاهما من طريق الحسن عن عمران بن الحصين مرفوعًا وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي: رجاله موثقون (مجمع الزوائد ١/ ٩٨١). ولكن فيه أيضًا عنعنة الحسن.\n(^٥) ذكر الطبري في التفسير من غير سند، وأسنده في (التاريخ ١/ ١٩٨) من طريق إسماعيل بن عياش به، وإسماعيل فيه مقال، وقد توبع كما في رواية ابن سعد (الطبقات الكبرى ١/ ٣٦) وفي رواية الحاكم (المستدرك ٤/ ٤٦٣) فالإسناد ثابت عن سعيد بن المسيب.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٩) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.","vol":"6","page":381},{"text":"<span id=\"aya-3871\"></span>﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣)﴾ يقول من أهل دينه (^١).\n\n<span id=\"aya-3872\"></span>وقال مجاهد: على منهاجه وسنته (^٢) ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾.\nقال ابن عباس: يعني: شهادة أن لا إله إلا الله (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أُسامة، عن عوف قلت لمحمد بن سيرين ما القلب السليم؟ قال: يعلم أن الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (^٤). وقال الحسن: سليم من الشرك (^٥).\nوقال عروة: لا يكون لعَّانًا.\n\n<span id=\"aya-3873\"></span>\n\n<span id=\"aya-3874\"></span>\n\n<span id=\"aya-3875\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾ أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد ولهذا قال: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾.\nقال قتادة: يعني: ما ظنكم أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم معه غيره؟\n\n<span id=\"aya-3876\"></span>\n\n<span id=\"aya-3877\"></span>\n\n<span id=\"aya-3878\"></span>﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾.\nإنما قال إبراهيم ﵊ لقومه ذلك ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أزِفَ خروجهم إلى عيدٍ لهم، فأحبَّ أن يختلي بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلامًا هو حق في نفس الأمر فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾.\nقال قتادة: والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم (^٦). يعني قتادة: أنه نظر إلى السماء متفكرًا فيما يلهيهم به فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف، فأما الحديث الذي رواه ابن جرير ههنا، حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أُسامة، حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لم يكذب إبراهيم ﵊ غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله تعالى (^٧). وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) ذكره الطبري بمعناه دون نسبة إلى أحد.\n(^٤) سنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنبياء آية رقم ٦٢ - ٦٣.","vol":"6","page":382},{"text":"هي أُختي\" فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذمُّ فاعله حاشا وكلَّا ولمّا، وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزًا وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث: \"إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب\" (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في كلمات إبراهيم ﵊ الثلاث التي قال ما منها كلمة إلا ما حلَّ بها عن دين الله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقال للملك: حين أراد امرأته هي أختي\" (^٢).\nقال سفيان في قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يعني: طعين وكانوا يفرون من المطعون فأراد أن يخلو بآلهتهم (^٣)، وكذا قال العوفي عن ابن عباس ﵄: في قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ فقالوا له: وهو في بيت آلهتهم: أخرج فقال إني مطعون فتركوه مخافة الطاعون (^٤).\nوقال قتادة، عن سعيد بن المسيب: رأى نجمًا طلع فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ كايد نبي الله عن دينه ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ (^٥).\nوقال آخرون: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ بالنسبة إلى ما يستقبل يعني مرض الموت (^٦)، وقيل: أراد ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى.\nوقال الحسن البصري: خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم فأرادوه على الخروج فاضطجع على ظهره وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها (^٧). ورواه ابن أبي حاتم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾ أي: إلى عيدهم،\n\n<span id=\"aya-3879\"></span>\n\n<span id=\"aya-3880\"></span>(فراغ إلى آلهتهم) أي: ذهب إليها بعد ما خرجوا في سرعة واختفاء ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾؟ وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعامًا قربانًا لتبارك لهم فيه.\nوقال السدي: دخل إبراهيم ﵇ إلى بيت الآلهة فإذا هم في بهو عظيم وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد جعلوا طعامًا ووضعوه بين أيدي الآلهة، وقالوا: إذا كان حين نرجع وقد باركت الآلهة في طعامنا أكلناه، فلما نظر إبراهيم ﵊ إلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢)﴾ (^٨).\n_________\n(^١) ذكره البخاري في صحيحه في كتاب الأدب مبوبًا بعنوان: باب المعاريض مندوحة عن الكذب، وقد صح موقوفًا على عمران بن الحصين (ينظر السنن الكبرى للبيهقي ١٠/ ١٩٩ وفتح الباري ١٠/ ٥٩٤).\n(^٢) أخرجه البستي عن ابن أبي عمر العدني به، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان.\n(^٣) أخرجه البستي عن ابن أبي عمر عن سفيان، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه مجهولان عن سعيد بن جبير بنحوه.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٨) أخرجه الطبري بنحوه مختصرًا بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"6","page":383},{"text":"<span id=\"aya-3881\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ قال الفراء: معناه مال عليهم ضربًا باليمين (^١). وقال قتادة والجوهري فأقبل عليهم (^٢) ضربًا باليمين. وإنما ضربهم باليمين لأنها أشد وأنكى ولهذا تركهم جذاذًا إلا كبيرًا لهم لعلهم إليه يرجعون كما تقدم في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تفسير ذلك (^٣).\n\n<span id=\"aya-3882\"></span>\n\n<span id=\"aya-3883\"></span>وقوله تعالى ههنا: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾ قال مجاهد: وغير واحد؛ أي: يسرعون (^٤)، وهذه القصة ههنا مختصرة وفي سورة الأنبياء مبسوطة فإنهم لما رجعوا ما عرفوا من أول وهلة من فعل ذلك حتى كشفوا واستعلموا، فعرفوا أن إبراهيم ﵊ هو الذي فعل ذلك. فلما جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعيبهم فقال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ أي: أتعبدون من دون الله من الأصنام ما أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم؟\n\n<span id=\"aya-3884\"></span>\n\n<span id=\"aya-3885\"></span>\n\n<span id=\"aya-3886\"></span>﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ يحتمل أن تكون ما مصدرية فيكون تقدير الكلام خلقكم وعملكم، ويحتمل أن تكون بمعنى: الذي، تقديره والله خلقكم والذي تعملونه وكلا القولين متلازم، والأول أظهر لما رواه البخاري في كتاب أفعال العباد عن علي بن المديني، عن مروان بن معاوية، عن أبي مالك، عن رِبعي بن حراش، عن حُذيفة ﵁ مرفوعًا قال: \"إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته\" وقرأ بعضهم ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (^٥). فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر فقالوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونجَّاه الله من النار وأظهره عليهم وأعلى حجته ونصرها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾.\n\n<span id=\"aya-3887\"></span>\n\n<span id=\"aya-3888\"></span>﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن خليله إبراهيم ﵊ أنه بعد ما نصره الله تعالى على قومه وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات العظيمة هاجر من بين أظهرهم وقال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ\n_________\n(^١) معاني القرآن ٢/ ٣٨٨.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) في الآيات ٥١ - ٦٢.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"والوزيف: النسلان\".\n(^٥) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد ص ٧٣ وسنده صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر في مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ١٥٣ (ح ١٦٠٣).","vol":"6","page":384},{"text":"إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ يعني: أولادًا مطيعين عوضًا من قومه وعشيرته الذين فارقهم،\n\n<span id=\"aya-3889\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ وهذا الغلام هو إسماعيل ﵇، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم ﵇ وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب بل في نصِّ كتابهم أن إسماعيل ﵇ ولد ولإبراهيم ﵇ ست وثمانون سنة وولد إسحاق وعمر إبراهيم ﵊ تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله ﵎ أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة أخرى بكره، فأقحموا ههنا كذبًا وبهتانًا: إسحاق، ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنصِّ كتابه، وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم فزادوا ذلك وحرفوا، وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى مكة وهو تأويل وتحريف باطل فإنه لا يقال: وحيد إلا لمن ليس له غيره، وأيضًا فإن أول ولد له مَعزَّة ما ليس لمن بعده من الأولاد فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار.\nوقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى نقل عن بعض الصحابة ﵃ أيضًا، وليس ذلك في كتاب ولا سُنَّة وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب وأخذ ذلك مسلمَّا من غير حجة وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل فإنه ذكر البشارة بغلام حليم وذكر أنه الذبيح ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ ولما بشَّرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي: يولد له في حياتهم ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل، وقد قدمنا هناك أنه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرًا وإسماعيل وصف ههنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام؟\n\n<span id=\"aya-3890\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي: كبُرَ وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه، وقد كان إبراهيم ﵊ يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد فاران وينظر في أمرهما، وقد ذكر أنه كان يركب على البُراق سريعًا إلى هناك والله أعلم.\nوعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وزيد بن أسلم وغيرهم (^١) ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ بمعنى شبَّ وارتجل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾.\nقال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي ثم تلا هذه الآية ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (^٢).\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو عبد الملك الكرندي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسرائيل بن يونس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه بلفظ: \"العمل\"، وقول مجاهد أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه، وقول عكرمة عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه البخاري (الصحيح، الوضوء، باب التخفيف في الوضوء ح ١٣٨).","vol":"6","page":385},{"text":"رسول الله ﷺ: \"رؤيا الأنبياء في المنام وحي\" (^١). ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه.\n﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أي: امض لما أمرك الله من ذبحي ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: سأصبر وأحتسب ذلك عند الله ﷿، وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ [مريم].\n\n<span id=\"aya-3891\"></span>وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾ أي: فلما تشهدا وذكرا الله تعالى: إبراهيم على الذبح والولد شهادة الموت، وقيل: أسلما يعني استسلما وانقادا، إبراهيم امتثل أمر الله تعالى وإسماعيل طاعة لله ولأبيه قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن إسحاق وغيرهم (^٢)، ومعنى ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه. قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أكبّه على وجهه (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سُريج ويونس قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لما أمر إبراهيم ﵊ بالمناسك عرض له الشيطان عند السعي فسابقه فسبقه إبراهيم ﵊، ثم ذهب به جبريل ﵊ إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات ثم ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، ثم تلَّه للجبين وعلى إسماعيل ﵊ قميص أبيض فقال: يا أبتِ إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره فاخلعه حتى تكفني فيه، فعالجه ليخلعه فنودي من خلفه: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين قال ابن عباس: لقد رأيتنا نتتبع ذلك الضرب من الكباش، وذكر تمام الحديث في المناسك بطوله (^٤). ثم رواه أحمد بطوله من يونس، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ فذكره إلا أنه قال: إسحاق (^٥). فعن ابن عباس في تسمية\n_________\n(^١) في سنده سماك وفي روايته عن عكرمة اضطراب فتارة رفعه كما هنا وتارة رواه موقوفًا على ابن عباس وهكذا رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٣١) وعليه فالرفع ضعيف. والوقف صحيح.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن عكرمة وابن إسحاق.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه ويتقوى بالآثار التالية فقد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وأطول (المسند ٤/ ٤٣٨ ح ٢٧٠٧)، قال محققوه: رجاله ثقات رجال الصحيح غير أبي عاصم الغنوي فقد روى له أبو داود، وقال أبو حاتم: لا أعرف اسمه ولا أعرفه .. ولمعظم هذا الحديث طرق وشواهد يتقوى بها.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٢ ح ٢٧٩٤) وضعف سنده محققوه.","vol":"6","page":386},{"text":"الذبيح روايتان والأظهر عنه إسماعيل لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\n\nوقال محمد بن إسحاق: عن الحسن بن دينار، عن قتادة، عن جعفر بن إياس، عن ابن عباس ﵄ في قوله ﵎: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ قال: خرج عليه كبش من الجنة قد رعى قبل ذلك أربعين خريفًا، فأرسل إبراهيم ﵊ ابنه واتبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات ثم أفلته عندها فجاء إلى الجمرة الوسطى فأخرجه عندها فرماه بسبع حصيات ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها ثم أخذه فأتى به المنحر من منى فذبحه، فوالذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام وأن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة حتى وحش يعني: يبس (^١).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرنا القاسم قال: اجتمع أبو هريرة وكعب فجعل أبو هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ فجعل كعب يحدث عن الكتب فقال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﷺ: \"إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة\" فقال له كعب: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: فداك أبي وأُمي - أو فداه أبي وأُمي - أفلا أخبرك عن إبراهيم ﵊؟ إنه لما أري ذبح ابنه إسحاق قال الشيطان: إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبدًا، فخرج إبراهيم ﵊ بابنه ليذبحه فذهب الشيطان فدخل على سارة فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: غدا به لبعض حاجته. قال: فإنه لم يغد به لحاجة إنما ذهب به ليذبحه. قالت: ولم يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك قالت: فقد أحسن أن يطيع ربه، فذهب الشيطان في أثرهما، فقال للغلام: أين يذهب بك أبوك؟ قال: لبعض حاجته. قال: فإنه لا يذهب بك لحاجة ولكنه يذهب بك ليذبحك. قال: ولم يذبحني؟ قال: يزعم أن ربه أمره بذلك. قال: فواللهِ لئن كان الله تعالى أمره بذلك ليفعلن. قال: فيئس منه، فتركه ولحق بإبراهيم ﵊ فقال: أين غدوت بابنك؟ قال: لحاجة. قال: فإنك لم تغد به لحاجة وإنما غدوت به لتذبحه قال: ولم أذبحه؟ قال: تزعم أن ربك أمرك بذلك؟ قال: فوالله لئن كان الله تعالى أمرني بذلك لأفعلن. قال: فتركه ويئس أن يطاع (^٢)، وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن يزيد، عن ابن شهاب قال: إن عمرو بن أبي سفيان بن أُسيد بن جارية الثقفي أخبره أن كعبًا قال لأبي هريرة: فذكره بطوله، وقال في آخره: وأوحى الله تعالى إلى إسحاق: إني أعطيتك دعوة أُستجيب لكَ فيها. قال إسحاق: اللَّهم إني أدعوك أن تستجيب لي أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئًا فأدخله الجنة (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لعدم تصريح ابن إسحاق بالسماع، وضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في (التفسير والمصنف رقم ٢٠٨٦٤) وسنده صحيح وما ذكره كعب الأحبار هو من الإسرائيليات.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، والخبر أيضًا من الإسرائيليات.","vol":"6","page":387},{"text":"حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ﵎ خيرني بين أن يغفر لنصف أُمتي وبين أن يجيب شفاعتي فاخترت شفاعتي، ورجوت أن تكونَ أعمّ لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجلت فيها دعوتي، إن الله تعالى لما فرَّج عن إسحاق كرب الذبح قيل له: يا إسحاق سل تعط؟ فقال: أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان، اللَّهم من مات لا يشرك بك شيئًا فاغفر له وأدخله الجنة\" (^١) هذا حديث غريب منكر وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث وأخشى أن يكون في الحديث زيادة مدرجة وهي قوله: إن الله تعالى لما فرَّج عن إسحاق إلى آخره، والله أعلم. فهذا إن كان محفوظًا فالأشبه أن السياق إنما هو عن إسماعيل وإنما حرَّفوه بإسحاق حسدًا منهم كما تقدم وإلا فالمناسك والذبائح إنما محلها بمنى من أرض مكة حيث كان إسماعيل لا إسحاق فإنه إنما كان ببلاد كنعان من أرض الشام.\n\n<span id=\"aya-3892\"></span>\n\n<span id=\"aya-3893\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أي: قد حصل المقصود من رؤياك واضجاعك ولدك للذبح.\nوذكر السدي وغيره أنه أمرَّ السكين على رقبته فلم تقطع شيئًا بل حال بينهما وبينه صفحة من نحاس، ونودي إبراهيم ﵊ عند ذلك: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد ونجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق].\n\n<span id=\"aya-3894\"></span>وقد استدل بهذه الآية والقصة جماعة من علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن من الفعل خلافًا لطائفة من المعتزلة، والدلالة من هذه ظاهرة لأن الله تعالى شرع لإبراهيم ﵊ ذبح ولده ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء، وإنما كان المقصود من شرعه أولًا: إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ أي: الاختبار الواضح الجلي حيث أمر بذبح ولده فسارع إلى ذلك مستسلمًا لأمر الله تعالى منقادًا لطاعته ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم].\n\n<span id=\"aya-3895\"></span>\n\n<span id=\"aya-3896\"></span>\n\n<span id=\"aya-3897\"></span>\n\n<span id=\"aya-3898\"></span>\n\n<span id=\"aya-3899\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ قال سفيان الثوري: عن جابر الجعفي، عن أبي الطُفيل، عن علي ﵁ ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ قال بكبش: أبيض أعين أقرن قد ربط بسمرة قال أبو الطفيل: وجدوه مربوطًا بسمرة في ثبير (^٣) (^٤).\nوقال الثوري أيضًا: عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي مطولًا والخبر من الإسرائيليات.\n(^٣) أي: شجرة على جبل اسمه: ثبير، وهو من جبال مكة.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي.","vol":"6","page":388},{"text":"قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفًا (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار، حدثنا داود العطار، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء إسحاق ابنه هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه، فكان مخزونًا حتى فدي به إسحاق (^٢)، وروي أيضًا عن سعيد بن جبير أنه قال: كان الكبش يرتع في الجنة حتى فُدي به إسحاق (^٣)، وروي أيضًا عن سعيد بن جبير أنه قال: كان الكبش يرتع في الجنة حتى شقق عنه ثبير وكان عليه عهن (^٤) أحمر (^٥).\nوعن الحسن البصري أنه قال: كان اسم كبش إبراهيم: جرير (^٦).\nوقال ابن جريج: قال عُبيد بن عُمير: ذبحه بالمقام.\nوقال مجاهد: ذبحه بمنى عند المنحر (^٧).\nوقال هشيم: عن سيار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: كان أفتى الذي جعل عليه نذرًا أن ينحر نفسه فأمره بمائة من الإبل. ثم قال بعد ذلك لو كنت أفتيه بكبش لأجزأه أن يذبح كبشًا فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾.\nوالصحيح الذي عليه الأكثرون أنه فُدي بكبش (^٨).\nوقال الثوري: عن رجل، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ قال: وعل (^٩).\nوقال محمد بن إسحاق: عن عمرو بن عُبيد، عن الحسن أنه كان يقول: ما فدي إسماعيل ﵇ إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير (^١٠).\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثني منصور، عن خاله مسافع، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة ﵁، وقالت مرة: أنها سألت عثمان لم دعاك النبي ﷺ؟ قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي\" قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا (^١١). وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل ﵊، فإن قريشًا توارثوا\n_________\n(^١) سنده حسن، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٢) سنده حسن، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٣) الخبر من الإسرائيليات.\n(^٤) أي: صوف.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وهو قول غريب.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن جريج عن عُبيد بن عمير، ومن طريق ابن جريج عن مجاهد لكنه لم يسمع من مجاهد.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده جيد.\n(^٩) سنده ضعيف لإبهام شيخ الثوري.\n(^١٠) أخرجه الطبري من طريق محمد بن إسحاق به، وسنده ضعيف لأن ابن إسحاق لم يصرح بالسماع.\n(^١١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧/ ١٩٦ ح ١٦٦٣٧) وصحح سنده محققوه.","vol":"6","page":389},{"text":"قرني الكبش الذي فُدي به إبراهيم خلفًا عن سلف وجيلًا بعد جيل إلى أن بعث الله رسوله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-157>فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو؟</span>\n<span data-type='title' id=toc-158>ذكر من قال: هو إسحاق ﵊:</span>\nقال حمزة الزيات: عن أبي ميسرة ﵀ قال: قال يوسف ﵊ للملك في وجهه: ترغب أن تأكل معي وأنا واللهِ: يوسف بن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله (^١).\nوقال الثوري، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل أن يوسف ﵇ قال للملك: كذلك أيضًا (^٢)، وقال سفيان الثوري: عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: قال موسى ﵊: يا ربِّ يقولون بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فبمَ قالوا ذلك؟ قال: \"إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جادَ لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن\" (^٣).\nوقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود ﵁ فقال: أنا فلان بن فلان بن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله بن مسعود ﵁ ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله (^٤). وهذا صحيح عن ابن مسعود ﵁، وكذا روى عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه إسحاق (^٥)، وعن أبيه العباس وعن علي بن أبي طالب مثل ذلك، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعبيد بن عمير وأبو ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم بن أبي برزة ومكحول وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبو الهذيل وابن سابط وهذا اختيار ابن جرير، وتقدم روايته عن كعب الأحبار أنه إسحاق، وهكذا روى ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري، عن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة، عن أبي هريرة ﵁، عن كعب الأحبار أنه قال: هو إسحاق.\nوهذه الأقوال - والله أعلم - كلها مأخوذة عن كعب الأحبار فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر ﵁ عن كتبه قديمًا، فربما استمع له عمر ﵁ فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا ما عنده عنه غثها وسمينها وليس لهذه الأمة والله أعلم حاجة إلى حرف واحد مما عنده.\nوقد حكى البغوي القول بأنه إسحاق، عن عمر وعلي وابن مسعود والعباس ﵃ ومن التابعين عن كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة ومقاتل والزهري والسدي قال: وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس (^٦).\nوقد ورد في ذلك حديث لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين ولكن لم يصح سنده.\n_________\n(^١) سنده مرسل وهو من الإسرائيليات.\n(^٢) سنده مرسل وهو من الإسرائيليات.\n(^٣) سنده مرسل وهو من الإسرائيليات.\n(^٤) أخرجه الحاكم من طريق سُنيد عن حجاج بن محمد عن شعبة به وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: سُنيد لم يكن بذاك (المستدرك ٢/ ٥٥٩).\n(^٥) أخرجه الحاكم من طريق عكرمة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٨٨).\n(^٦) معالم التنزيل ٧/ ٤٦.","vol":"6","page":390},{"text":"قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن حباب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب ﵁، عن النبي ﷺ في حديث ذكره قال: هو إسحاق (^١). ففي إسناده ضعيفان وهما: الحسن بن دينار البصري متروك، وعلي بن زيد بن جدعان منكر الحديث. وقد رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان به مرفوعًا (^٢)، ثم قال: قد رواه مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس ﵁ وهذا أشبه وأصح.\n\n<span data-type='title' id=toc-159>ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵊ وهو الصحيح المقطوع به:</span>\nقد تقدمت الرواية عن ابن عباس ﵄ أنه إسحاق ﵊، وقال سعيد بن جبير وعامر الشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد وعطاء وغير واحد، عن ابن عباس ﵄ هو: إسماعيل ﵊.\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قال: المفدى إسماعيل ﵇، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود (^٣).\nوقال إسرائيل: عن ثور، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄ قال: الذبيح إسماعيل (^٤).\nوقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد هو إسماعيل ﵇ (^٥)، وكذا قال يوسف بن مهران.\nوقال الشعبي: هو إسماعيل ﵊ وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة.\nوقال محمد بن إسحاق: عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد، عن الحسن البصري أنه كان لا يشك في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل ﵇ (^٦).\nقال ابن إسحاق: وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول: إن الذي أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل وإنا لنجد ذلك في كتاب الله تعالى وذلك أن الله تعالى حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ ويقول الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] يقول بابن وابن ابن فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه الموعد بما وعده وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل (^٧).\nقال ابن إسحاق: سمعته يقول ذلك كثيرًا.\n_________\n(^١) سنده ضعيف جدًا لأن الحسن بن دينار متروك كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٢) سنده كسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق ابن وهب به مختصرًا على ذكر الشفاعة (الصحيح، الإيمان، باب اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأُمته ح ٣٣٧).\n(^٤) سنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن جريج عن ابن أبي نجيح به.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق وسنده ضعيف لأن الحسن بن دينار متروك (لسان الميزان ٢/ ٢٠٣) وعمرو بن عبيد فيه مقال.\n(^٧) أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به وسكت عنه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٥٥) وسنده حسن وقد صرح ابن إسحاق بالسماع.","vol":"6","page":391},{"text":"وقال ابن إسحاق: عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز ﵁ وهو خليفة إذ كان معه بالشام فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديًا فأسلم وحسن إسلامه وكان يرى أنه من علمائهم فسأله عمر بن عبد العزيز ﵁ عن ذلك قال محمد بن كعب وأنا عند عمر بن عبد العزيز فقال له عمر: أي: ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكر الله تعالى منه لصبره لما أمر به، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لكون إسحاق أباهم والله أعلم أيهما كان، وكلٌّ قد كان طاهرًا طيبًا مطيعًا لله ﷿ (^١).\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل ﵀: سألت أبي عن الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: إسماعيل. ذكره في كتاب الزهد.\nوقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبي يقول: الصحيح أن الذبيح إسماعيل ﵊، قال: وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب القرظي وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح ﵃ أنهم قالوا: الذبيح إسماعيل.\nوقال البغوي في تفسيره: واليه ذهب عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب والسدي والحسن البصري ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي وهو رواية عن ابن عباس، وحكاه أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء (^٢).\nوقد روى ابن جرير في ذلك حديثًا غريبًا فقال: حدثني محمد بن عمار الرازي، حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي، عن عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان، عن أبيه، حدثني عبد الله بن سعيد، عن الصنابحي قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق فقال: على الخبير سقطتم: كنا عند رسول الله ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله ﷺ فقيل له: يا أمير المؤمنين وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله له أمرها عليه ليذبحن أحد ولده، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا: افد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بمائة من الإبل والثاني إسماعيل (^٣). وهذا حديث غريب جدًا وقد رواه الأُموي في مغازيه: حدثنا بعض أصحابنا أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدثنا عمرو بن عبد الرحمن القرشي، حدثنا عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان، حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية ﵁\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.\n(^٢) معالم التنزيل ٧/ ٤٧.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف فقد أخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن عبيد به وسكت عنه وقال الذهبي: إسناده واهٍ (المستدرك ٢/ ٥٥٤) وضعفه السيوطي في الدر المنثور.","vol":"6","page":392},{"text":"فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق وذكره (^١)، كذا كتبته من نسخة [مغلوطة] (^٢)، وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي؛ أي: العمل، ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضًا. قال: وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام. قال: وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك. هذا ما اعتمد عليه في تفسيره، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم بل هو بعيد جدًا والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3900\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ لما تقدمت البشارة بالذبيح وهو إسماعيل عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق وقد ذكرت في سورتي هود والحجر (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿نَبِيًّا﴾ حال مقدرة؛ أي: سيصير منه نبي صالح.\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄ الذبيح إسحاق قال: وقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ قال بشَّر بنبوته قال، وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ [مريم]، قال: كان هارون أكبر من موسى ولكن أراد وهب له نبوته (^٤).\nوحدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت داود يحدث، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ قال: إنما بشر به نبيًا حين فداه الله من الذبح ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان الثوري، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ قال: بشر به حين ولد وحين نُبئ (^٦).\nوقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ قال: بعد ما كان أمره لما جاد لله تعالى بنفسه. وقال الله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ (^٧).\n\n<span id=\"aya-3901\"></span>وقوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ كقوله تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ [هود].\n_________\n(^١) سنده ضعيف لإبهام شيخ الأُموي.\n(^٢) كذا في نسخة (مح) وفي (حم) بلفظ: \"كذا\"، ولم تذكر هذه الكلمة في الأصل.\n(^٣) في الآية ٧١ من سورة هود، وفي الآية ٥٣ من سورة الحجر.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٦) سنده حسن.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"6","page":393},{"text":"<span id=\"aya-3902\"></span>\n\n<span id=\"aya-3903\"></span>\n\n<span id=\"aya-3904\"></span>\n\n<span id=\"aya-3905\"></span>\n\n<span id=\"aya-3906\"></span>﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾.\nيذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما من قوم فرعون وقومه وما كان يعتمد في حقهم من الإساءة العظيمة من قتل الأبناء واستحياء النساء واستعمالهم في أخس الأشياء، ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم، وأقرَّ أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم، ثم أنزل الله على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين وهو التوراة كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: ٤٨]، وقال ههنا: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾ أي: في الأقوال والأفعال\n\n<span id=\"aya-3907\"></span>\n\n<span id=\"aya-3908\"></span>\n\n<span id=\"aya-3909\"></span>\n\n<span id=\"aya-3910\"></span>﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩)﴾ أي: أبقينا لهما من بعدهما ذكرًا جميلًا وثناء حسنًا ثم فسره بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾.\n\n<span id=\"aya-3911\"></span>﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾.\nقال قتادة ومحمد بن إسحاق: يقال: إلياس هو: إدريس (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيدة بن ربيعة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إلياس: هو إدريس (^٢). وكذا قال الضحاك.\nوقال وهب بن منبه: هو إلياس بن تسبي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران بعثه الله تعالى في بني إسرائيل بعد حزقيل ﵇، وكانوا قد عبدوا صنمًا يقال له: بعل (^٣)، فدعاهم إلى الله تعالى ونهاهم عن عبادة ما سواه، وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتدَّ واستمروا على ضلالتهم ولم يؤمن به منهم أحد، فدعا الله عليهم فحبس عنهم القطر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم ووعدوه الإيمان به إن هم أصابهم المطر، فدعا الله تعالى لهم فجاءهم الغيث، فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر فسأل الله أن يقبضه إليه، وكان قد نشأ على يديه اليسع بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) سنده حسن وأخرجه عبد بن حميد في تفسير عن أبي نعيم به (ينظر: تغليق التعليق ٤/ ٢٩٤) وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٦/ ٣٧٣).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وفيه عنعنة ابن إسحاق.","vol":"6","page":394},{"text":"أخطوب عليهما الصلاة والسلام، فأمر إلياس أن يذهب إلى مكان كذا وكذا فمهما جاءه (^١) فليركبه ولا يهبه فجاءته فرس من نار فركب وألبسه الله تعالى النور وكساه الريش، وكان يطير مع الملائكة ملكًا إنسيًا سماويًا أرضيًا (^٢). هكذا حكاه وهب بن منبه عن أهل الكتاب والله أعلم بصحته.\n\n<span id=\"aya-3912\"></span>﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾ أي: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره\n\n<span id=\"aya-3913\"></span>﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: بعلًا يعني: ربًا (^٣).\nقال عكرمة وقتادة: وهي لغة أهل اليمن (^٤)، وفي رواية عن قتادة قال: وهي لغة أزد شنوءة.\nوقال ابن إسحاق: أخبرني بعض أهل العلم أنهم كانوا يعبدون امرأة اسمها: بعل (^٥).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: عن أبيه، هو اسم صنم كان يعبده أهل مدينة يقال لها بعلبك غربي دمشق (^٦).\nوقال الضحاك: هو صنم كانوا يعبدونه (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ أي: أتعبدون صنمًا ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾\n\n<span id=\"aya-3914\"></span>﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾ أي: هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له،\n\n<span id=\"aya-3915\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)﴾ أي: للعذاب يوم الحساب\n\n<span id=\"aya-3916\"></span>﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)﴾ أي: الموحدين منهم وهذا استثناء منقطع من مثبت.\n\n<span id=\"aya-3917\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩)﴾ أي: ثناء جميلًا\n\n<span id=\"aya-3918\"></span>﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ كما يقال في إسماعيل: إسماعين وهي لغة بني أسد، وأنشد بعض بني تميم في ضبٍّ صاده:\nيقول رب السوق لما جينا … هذا ورب البيت [إسرائينا] (^٨) (^٩)\nويقال ميكال وميكائين وإبراهيم وإبراهام وإسرائيل وإسرائين وطور سيناء وطور سينين، وهو موضع واحد وكل هذا سائغ وقرأ آخرون \"سلام على إدراسين\" وهي قراءة ابن مسعود ﵁ (^١٠)،\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وفي تفسير الطبري بلفظ: \"فماذا جاءك من شيء\".\n(^٢) أخرجه الطبري بالسند المتقدم عن ابن إسحاق، وليس فيه عن وهب بن منبه.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم (ينظر تغليق التعليق ٤/ ٢٩٤)، والطبري بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري من طريق عمارة عنه، ولم أعرف من هو عمارة، وقول قتادة سيأتي في الرواية التالية، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لإبهام شيخ ابن إسحاق.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٧) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٨) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: صُحف إلى: \"أنس بينا\".\n(^٩) استشهد به الفراء (معاني القرآن ٢/ ٣٩١)، والطبري دون نسبة.\n(^١٠) ذكرها الطبري عن ابن مسعود من غير سند، وهي قراءة شاذة.","vol":"6","page":395},{"text":"وقرأ آخرون \"سلام على آل ياسين\" (^١) يعني: آل محمد ﷺ،\n\n<span id=\"aya-3919\"></span>\n\n<span id=\"aya-3920\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ قد تقدم تفسيره.\n\n<span id=\"aya-3921\"></span>\n\n<span id=\"aya-3922\"></span>\n\n<span id=\"aya-3923\"></span>\n\n<span id=\"aya-3924\"></span>\n\n<span id=\"aya-3925\"></span>﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾.\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط ﵇ أنه بعثه إلى قومه فكذبوه فنجاه الله تعالى من بين أظهرهم هو وأهله إلا امرأته فإنها هلكت مع من هلك من قومها فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلًا ونهارًا ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)﴾\n\n<span id=\"aya-3926\"></span>﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ أي: أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟\n\n<span id=\"aya-3927\"></span>﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾.\nقد تقدمت قصة يونس ﵊ في سورة الأنبياء (^٢)، وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى\" (^٣) ونسبه إلى أُمه وفي رواية إلى أبيه.\n\n<span id=\"aya-3928\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ قال ابن عباس: هو الموقر؛ أي: المملوء بالأمتعة (^٤).\n\n<span id=\"aya-3929\"></span>\n\n<span id=\"aya-3930\"></span>﴿فَسَاهَمَ﴾ أي: قارع ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: المغلوبين، وذلك أن السفينة تلعبت بها الأمواج من كل جانب وأشرفوا على الغرق فساهموا على من تقع عليه القرعة يلقى في البحر لتخف بهم السفينة فوقعت القرعة على نبي الله يونس ﵊ ثلاث مرات وهم يضنون به أن يلقى من بينهم فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك، وأمر الله تعالى حوتًا من البحر الأخضر أن يشق البحار وأن يلتقم يونس ﵇ فلا يهشم له لحمًا ولا يكسر له عظمًا، فجاء ذلك الحوت وألقى يونس ﵇ نفسه فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلها. ولما استقر يونس في بطن الحوت حسب أنه قد مات ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي فقام فصلى في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه: يا ربِّ اتخذت لك مسجدًا في موضع لم يبلغه أحد من الناس، واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت فقيل: ثلاثة أيام\n_________\n(^١) وهي قراءة متواترة.\n(^٢) آية ٨٧ - ٨٨.\n(^٣) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ [الصافات] (ح ٣٣٩٥) وصحيح مسلم، الفضائل، باب في ذكر يونس ﵇ (ح ٢٣٧٧).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"6","page":396},{"text":"قاله قتادة (^١).\nوقيل: سبعة قاله جعفر الصادق ﵁ (^٢).\nوقيل: أربعين يومًا قاله أبو مالك (^٣).\nوقال مجاهد عن الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية، والله تعالى أعلم بمقدار ذلك، وفي شعر أُمية بن أبي الصلت:\nوأنت بفضل منك نجيتَ يونسا … وقد بات في أضعاف حوت لياليا (^٤)\n\n<span id=\"aya-3931\"></span>\n\n<span id=\"aya-3932\"></span>\n\n<span id=\"aya-3933\"></span>وقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ قيل: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء قاله الضحاك بن قيس وأبو العالية ووهب بن منبه وقتادة (^٥) وغير واحد، واختاره ابن جرير، وقد ورد في الحديث الذي سنورده إن شاء الله تعالى ما يدل على ذلك إن صحَّ الخبر، وفي حديث ابن عباس: \"تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة\" (^٦).\nوقال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء بن السائب والسدي والحسن وقتادة: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ يعني: المصلين (^٧)، وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك، وقال بعضهم: كان من المسبحين في جوف أبويه، وقيل: المراد ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ هو قوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء]، قاله سعيد بن جبير (^٨) وغيره.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي بن وهب، حدثنا عمي، حدثنا أبو صخر، أن يزيد الرقاشي حدثه أنه سمع أنس بن مالك ﵁، ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ: \"إن يونس النبي ﵊ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت فقال: اللَّهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت الدعوة تحفُّ بالعرش، قالت الملائكة: يا ربِّ هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة، فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا ربِّ ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي\n_________\n(^١) نسبه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنبياء آية ٨٧، ٨٨، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق السدي عن أبي مالك.\n(^٤) استشهد به ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٢٢٨).\n(^٥) قول الضحاك بن قيس أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ٣٧٥)، والطبري كلاهما من طريق جعفر عن ميمون بن مهران عنه، وجعفر لم يتبين لي من هو، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بلفظه وأطول (المسند ٥/ ١٩ ح ٢٨٠٣)، وصحح سنده محققوه. وهو حسن الإسناد.\n(^٧) قول ابن عباس أخرجه عبد الرزاق والبُستي والطبري بسند حسن من طريق أبي رزين عنه، وقول سعيد بن جبير، أخرجه الطبري من طريق أبي الهيثم عنه ويشهد له سابقه ولاحقه، وقول السدي، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الحسن، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمران القطان عنه.\n(^٨) ينظر تفسير سورة الأنبياء آية ٨٧، ٨٨.","vol":"6","page":397},{"text":"لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة. قالوا: يا ربِّ أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء، قال: بلى فأمر الحوت فطرحه بالعراء\" (^١) ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب به، زاد ابن أبي حاتم قال أبو صخر حُميد بن زياد: فأخبرني ابن قُسَيط وأنا أحدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: طرح بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة قلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدباء. قال أبو هريرة ﵁: وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من حشائش الأرض، قال فتتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى [نبت] (^٢) وقال أُمية بن أبي الصلت في ذلك بيتًا من شعره وهو:\nفأنبت يقطينًا عليه برحمة … من الله لولا الله ألقى ضاحيا (^٣)\nوقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ مسندًا مرفوعًا في تفسير سورة الأنبياء (^٤)، ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ أي: ألقيناه ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ قال ابن عباس ﵄ وغيره: وهو الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء (^٥). قيل: على جانب دجلة (^٦) وقيل: بأرض اليمن فالله أعلم ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف البدن.\nقال ابن مسعود ﵁: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش (^٧).\nوقال السدي: كهيئة الصبي (^٨) حين يولد وهو المنفوس، وقاله ابن عباس وابن زيد أيضًا (^٩).\n\n<span id=\"aya-3934\"></span>﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ قال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغير واحد قالوا كلهم: اليقطين هو القرع (^١٠).\nوقال هشيم، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: وكل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين (^١١)، وفي رواية عنه كل شجرة تهلك من عامها فهي من اليقطين (^١٢).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير الأنبياء آية ٨٧، ٨٨.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: \"ثبت\".\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب عن أبي صخر به، وأخرجه عبد الرزاق عن أبي صخر به، وسنده حسن.\n(^٤) تقدم في سورة الأنبياء آية ٨٧، ٨٨، ولكن بدون ذكر الشعر وبلفظ آخر.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"القيناه بالساحل\"، وأما اللفظ المذكور أعلاه أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر عن سعيد بن جبير.\n(^٧) أخرجه البستي بسند صحيح من طريق عمرو بن ميمون عن ابن مسعود.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق فيه ابن إسحاق معنعنا، وأخرجه أيضًا الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمرو بن ميمون عن ابن مسعود، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^١١) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده صحيح.\n(^١٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الأصبغ بن زيد عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير.","vol":"6","page":398},{"text":"وذكر بعضهم في القرع فوائد منها سرعة نباته وتظليل ورقه لكبره ونعومته وأنه لا يقربها الذباب وجودة تغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئًا ومطبوخًا بلبه وقشره أيضًا.\nوقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يحب الدباء ويتتبعه من نواحي الصحفة (^١).\n\n<span id=\"aya-3935\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ روى شهر بن حوشب، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما كانت رسالة يونس ﵊ بعد ما نبذه الحوت، رواه ابن جرير، حدثني الحارث، حدثنا أبو هلال عن شهر به (^٢).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت (^٣).\n(قلت): ولا مانع أن يكون الذين أرسل إليهم أولًا أمر بالعود إليهم بعد خروجه من الحوت فصدقوه كلهم وآمنوا به.\nوحكى البغوي: أنه أرسل إلى أُمة أخرى بعد خروجه من الحوت كانوا مائة ألف أو يزيدون (^٤). وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عنه: بل يزيدون وكانوا مائة وثلاثين ألفًا (^٥)، وعنه مائة ألف وبضعة وثلاثين ألفًا (^٦) وعنه مائة ألف وبضعة وأربعين ألفًا (^٧) والله أعلم.\nوقال سعيد بن جبير: يزيدون سبعين ألفًا (^٨).\nوقال مكحول: كانوا مائة ألف وعشرة آلاف رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سمعت زهيرًا يحدث عمن سمع أبا العالية يقول: حدثني أُبي بن كعب ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ قال: يزيدون عشرين ألفًا (^٩). ورواه الترمذي، عن علي بن حجر، عن الوليد بن مسلم، عن زهير، عن رجل، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب به وقال غريب (^١٠). ورواه ابن أبي حاتم من حديث زهير به (^١١).\nقال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك معناه: إلى المائة الألف أو كانوا يزيدون عندكم، يقول كذلك كانوا عندكم (^١٢). ولهذا سلك ابن جرير ههنا ما سلكه عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]، وقوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ (الصحيح، الأطعمة، باب من ناول، أو قدم إلى صاحبه، على المائدة شيئًا ح ٥٤٣٩).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده فيه شهر بن حوشب فيه مقال.\n(^٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٤) معالم التنزيل ٤/ ٢٣ ط. المعرفة.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق الحكم بن عبد الله الأزور عن ابن عباس، ولم أقف على ترجمة الحكم.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٨) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن أبي العالية.\n(^١٠) السنن، التفسير، باب ومن سورة الصافات (ح ٣٢٢٩) وسنده ضعيف كسابقه.\n(^١١) سنده ضعيف كسابقه.\n(^١٢) ذكره الطبري بلفظه.","vol":"6","page":399},{"text":"﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم]، المراد ليس أنقص من ذلك بل أزيد\n\n<span id=\"aya-3936\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَآمَنُوا﴾ أي: فآمن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم يونس ﵇ جميعهم ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت آجالهم كقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-3937\"></span>﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على هؤلاء المشركين في جعلهم لله تعالى البنات سبحانه ولهم ما يشتهون أي: من الذكور؛ أي: يودون لأنفسهم الجيد ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ [النحل] أي: يسوؤه ذلك ولا يختار لنفسه إلا البنين، يقول تعالى فكيف نسبوا إلى الله تعالى القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم؟ ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سلهم على سبيل الانكار عليهم ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم].\n\n<span id=\"aya-3938\"></span>وقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾ أي: كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف] أي: يسألون عن ذلك يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-3939\"></span>\n\n<span id=\"aya-3940\"></span>وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ أي: من كذبهم ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ أي: صدر منه الولد ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فذكر الله تعالى عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب، فأولًا جعلوهم بنات الله فجعلوا لله ولدًا تعالى وتقدس، وجعلوا ذلك الولد أنثى ثم عبدوهم من دون الله تعالى وتقدس وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم.\n\n<span id=\"aya-3941\"></span>\n\n<span id=\"aya-3942\"></span>\n\n<span id=\"aya-3943\"></span>ثم قال تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ أيْ: أيّ شيء يحمله على أن يختار البنات دون البنين كقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [الإسراء] ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ أي: ما لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾\n\n<span id=\"aya-3944\"></span>﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ أي: حجة على ما تقولونه،\n\n<span id=\"aya-3945\"></span>﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ أي: هاتوا برهانًا على ذلك يكون مستندًا إلى كتاب منزل من السماء عن الله تعالى أنه اتخذ ما تقولونه فإن ما تقولونه لا يمكن استناده إلى عقل بل لا يجوزه العقل بالكلية.\n\n<span id=\"aya-3946\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال مجاهد: قال المشركون: الملائكة بنات الله تعالى، فقال أبو بكر ﵁ فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سروات الجن (^١)، وكذا قال قتادة وابن\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأما قول أبي بكر ﵁ فالإسناد منقطع لأن مجاهدًا لم يسمع منه.","vol":"6","page":400},{"text":"زيد (^١)، ولهذا قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ أي: الذين نسبوا إليهم ذلك ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: إن الذين قالوا: ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم في ذلك وافترائهم وقولهم الباطل بلا علم.\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال: زعم أعداء الله أنه ﵎ هو وإبليس أخوان (^٢) تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، حكاه ابن جرير.\n\n<span id=\"aya-3947\"></span>وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد وعما يصفه به الظالمون الملحدون علوًا كبيرًا.\n\n<span id=\"aya-3948\"></span>قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ استثناء منقطع وهو من مثبت إلا أن يكون الضمير قوله تعالى: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عائد إلى الناس جميعهم ثم استثنى منهم المخلصين وهم المتبعون للحق المنزل على كل نبي مرسل، وجعل ابن جرير هذا الاستثناء من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ وفي هذا الذي قاله نظر.\n\n<span id=\"aya-3949\"></span>\n\n<span id=\"aya-3950\"></span>\n\n<span id=\"aya-3951\"></span>﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا للمشركين: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ أي: إنما ينقاد لمقالتكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذرئ للنار ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة كما قال ﵎: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ [الذاريات] أي: إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل.\n\n<span id=\"aya-3952\"></span>\n\n<span id=\"aya-3953\"></span>\n\n<span id=\"aya-3954\"></span>ثم قال ﵎ منزهًا للملائكة مما نسبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات الله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ أي: له موضع مخصوص في السماوات ومقامات العبادات لا يتجاوزه ولا يتعداه.\nوقال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن سعد، عن أبيه وكان بايع يوم الفتح أن رسول الله ﷺ قال يومًا لجلسائه: \"أطّت السماء وحق لها أن تئط ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد\" ثم قرأ ﷺ ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ (^٣).\n_________\n(^١) قول قتادة أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه عمرو بن سعيد الأبح وهو ضعيف، ويتقوى بسابقه ولاحقه، فقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٣) أسنده الحافظ ابن كثير في تفسير سورة المدثر آية رقم ٣١ من رواية المروزي، وهي في كتاب (تعظيم قدر الصلاة رقم ٢٥٥) وسنده ضعيف جدًا لأن محمد بن خالد وهو الدمشقي كذبه أبو حاتم الرازي (ينظر لسان =","vol":"6","page":401},{"text":"وقال الضحاك في تفسيره ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ قال: كان مسروق يروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: \"ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم\" فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ (^١).\nوقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁ قال: إن في السماوات لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه ثم قرأ عبد الله ﵁: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ (^٢). وكذا قال سعيد بن جبير:\nوقال قتادة: كانوا يصلون الرجال والنساء جميعًا حتى نزلت ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ فتقدم الرجال وتأخر النساء (^٣).\n﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ أي: نقف صفوفًا في الطاعة كما تقدم عند قوله ﵎: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ [الصافات].\nقال ابن جريج، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث قال: كانوا لا يَصفُّون في الصلاة حتى نزل ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ فصفُّوا (^٤).\nوقال أبو نضرة: كان عمر ﵁ إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ثم قال: أقيموا صفوفكم استووا قيامًا يريد الله تعالى بكم هدي الملائكة ثم يقول: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ تأخر يا فلان تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٥).\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"فضلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعلت لنا الأرض مسجدًا، وتربتها طهورًا. . .\" الحديث (^٦).\n﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ أي: نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننزهه عن النقائص فنحن عبيد له فقراء إليه خاضعون لديه.\nوقال ابن عباس ومجاهد: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ الملائكة ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ الملائكة ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ الملائكة تسبح الله ﷿ (^٧).\nوقال قتادة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ يعني: المصلون يثبتون بمكانهم (^٨) من العبادة كما قال\n_________\n= الميزان ٥/ ١٥٣)، وقد ورد بإسناد صحيح من غير ذكر الآية كما يلي.\n(^١) أخرجه المروزي من طريق عبيد بن سليمان الباهلي عن الضحاك بن مزاحم به (تعظيم قدر الصلاة رقم ٢٥٣)، وكذا أخرجه أبو الشيخ (العظمة ٣/ ٩٨٤) وحسنه الألباني بالشواهد (السلسلة الصحيحة ح ١٠٥٩)، ولكن الشواهد بدون قراءة الآية.\n(^٢) سنده صحيح وأورده الألباني من طريق مسلم بن صبيح أبي الضحى عن مسروق به وصححه. (المصدر السابق) وكذا أخرجه عبد الرزاق والبستي والطبري من طريق أبي الضحى به.\n(^٣) سنده مرسل.\n(^٤) سنده مرسل.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة به وسنده منقطع لأن أبا نضرة وهو المنذر بن مالك لم يسمع من عمر ﵁.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٤٣ في آخر تفسيرها.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى برواية مجاهد فقد أخرجها الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.","vol":"6","page":402},{"text":"﵎: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء].\n\n<span id=\"aya-3955\"></span>\n\n<span id=\"aya-3956\"></span>\n\n<span id=\"aya-3957\"></span>\n\n<span id=\"aya-3958\"></span>وقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾ أي: قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله وما كان من أمر القرون الأولى ويأتيهم بكتاب الله كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾ [فاطر]، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾ [الأنعام]، ولهذا قال تعالى ها هنا: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾ وعيد أكيد وتهديد شديد على كفرهم بربهم ﷿ وتكذيبهم رسوله ﷺ.\n\n<span id=\"aya-3959\"></span>\n\n<span id=\"aya-3960\"></span>\n\n<span id=\"aya-3961\"></span>\n\n<span id=\"aya-3962\"></span>﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾.\nيقول ﵎: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ أي: تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة]، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر]، ولهذا قال ﷻ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ أي: في الدنيا والآخرة كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم ممن كذبهم وخالفهم كيف أهلك الله الكافرين ونجى عباده المؤمنين ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [أي: تكون لهم العاقبة. وقوله جلَّ وعلا] (^١): ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤)﴾ أي: اصبر على أذاهم لك وانتظر إلى وقت مؤجل فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر، ولهذا قال بعضهم: غيَّى ذلك إلى يوم بدر وما بعدها أيضًا في معناها.\n\n<span id=\"aya-3963\"></span>وقوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)﴾ أي: أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال بمخالفتك وتكذيبك ولهذا قال تعالى على وجه التهديد والوعيد ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-3964\"></span>ثم قال: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾ أي: هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم بك فإن الله تعالى يغضب عليهم بذلك ويعجل لهم العقوبة ومع هذا أيضًا كانوا من كفرهم وعنادهم يستعجلون العذاب والعقوبة.\n\n<span id=\"aya-3965\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ أي: فإذا نزل العذاب بمحلتهم فبئس ذلك اليوم يومهم بإهلاكهم ودمارهم.\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"6","page":403},{"text":"وقال السدي: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ يعني: بدارهم ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: فبئس ما يصبحون (^١)؛ أي: بئس الصباح صباحهم. ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ﵁ قال: صبح رسول الله ﷺ خيبر، فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم (^٢) ورأوا الجيش رجعوا وهم يقولون: محمد والله محمد والخميس، فقال النبي ﷺ: \"الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين\" (^٣). ورواه البخاري من حديث مالك، عن حميد، عن أنس ﵁ (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة ﵁ قال: لما صبح رسول الله ﷺ خيبر وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم وأرضهم، فلما رأوا النبي ﷺ نكصوا مدبرين، فقال نبي الله ﷺ: \"الله أكبر الله أكبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين\" (^٥). لم يخرجوه من هذه الوجه وهو صحيح على شرط الشيخين.\n\n<span id=\"aya-3966\"></span>\n\n<span id=\"aya-3967\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك.\n\n<span id=\"aya-3968\"></span>\n\n<span id=\"aya-3969\"></span>\n\n<span id=\"aya-3970\"></span>﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.\nينزه ﵎ نفسه ويقدسها ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون تعالى وتنزه وتقدس عن قولهم علوًا كبيرًا ولهذا قال ﵎: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: ذي العزة التي لا تُرام ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عن قول هؤلاء المعتدين المفترين ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ أي: سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقيّته ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ أي: له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال، ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه من النقص قرن بينهما في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من القرآن ولهذا قال ﵎: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين فأنا رسول من المرسلين\" (^٦). هكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه كذلك.\nوقد أسنده ابن أبي حاتم ﵀ فقال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو بكر الأعين\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) المساحي جمع مسحاة وهي المجرفة من الحديد (النهاية ٤/ ٣٢٨).\n(^٣) أخرجه البخاري عن يعقوب بن إبراهيم عن إسماعيل بن علية به مطولًا (الصلاة، باب ما يُذكر في الفخذ ح ٣٧١)، وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب عن إسماعيل بن علية به (الصحيح، الجهاد، باب غزوة خيبر ح ١٢٠/ ١٣٦٥).\n(^٤) أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به (الصحيح، المغازي، باب غزوة خيبر ح ٤١٩٧).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٨) وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة به، ورجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى بما يليه.","vol":"6","page":404},{"text":"ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة قالا: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين\" (^١).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا نوح، حدثنا أبو هارون، عن أبي سعيد ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا أراد أن يسلم قال: \"سبحان ربك ربِّ العزَّة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين\" ثم يُسلِّم (^٢)، إسناده ضعيف.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا شبابة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سرَّه أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ \" (^٣). وروي من وجه آخر متصل موقوف على علي ﵁ (^٤).\nقال أبو محمد البغوي في تفسيره: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن [إبراهيم الشريحي] (^٥)، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن سهلويه، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي ﵁ قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في مجلسه ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ (^٦).\nوروى الطبراني من طريق عبد الله بن صخر بن الأنسي، عن عبد الله بن زيد بن أرقم، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ: أنه قال: \"من قال دُبرَ كل صلاة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ ثلاث مرات فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر\" (^٧).\nوقد وردت أحاديث في كفارة المجلس: سبحانك اللَّهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وقد أفردت لها جزءًا على حدة، فليكتب ههنا إن شاء الله تعالى (^٨).\nآخر تفسير الصافات. والحمد لله وحده وصلاته وسلامه على محمد خير خلقه.\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى من طريق أبي هارون به (المسند ٢/ ٣٦٣ ح ١١١٨) وسنده ضعيف جدًا لأن أبا هارون وهو عمارة بن جوين متروك كما في التقريب، وأخرجه البستي من طريق أبي هارون به.\n(^٣) سنده ضعيف لإرسال الشعبي.\n(^٤) وهو ضعيف أيضًا كما يأتي.\n(^٥) كذا في (مح) وتفسير البغوي، وفي الأصل باسم: شريح. دون نسبة وفي (حم) صحف إلى: \"الزنجي\".\n(^٦) أخرجه البغوي بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن الأصبغ بن نباته متروك كما في التقريب.\n(^٧) أخرجه الطبراني من طريق عبد المنعم بن بشير عن عبد الله الأنسي (المعجم الكبير ٥/ ٢١١ ح ٥١٢٤)، وسنده ضعيف جدًا قال الهيثمي فيه عبد المنعم بن بشير وهو ضعيف جدًا (مجمع الزوائد ١٠/ ١٠٣).\n(^٨) كذا قال ولم يذكر تلك الروايات وقد سردها الشيخ الفاضل: سامي بن محمد السلامة في تحقيقه لتفسير ابن كثير ٧/ ٤٧ - ٥٠.","vol":"6","page":405},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>سُورَةُ ص</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-3971\"></span>﷽\n﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾.\nأما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد قال الضحاك في قوله تعالى: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (^١) [الأنبياء: ١٠] أي: تذكيركم وكذا قال قتادة (^٢) واختاره ابن جرير.\nوقال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد وابن عيينة وأبو حصين وأبو صالح والسدي: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذي الشرف (^٣)؛ أي: ذي الشأن والمكانة، ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار.\nواختلفوا في جواب هذا القسم فقال بعضهم هو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ [ص].\nوقيل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ [ص]، حكاهما ابن جرير [وهذا الثاني فيه بُعد كبير وضعفه ابن جرير] (^٤).\n\n<span id=\"aya-3972\"></span>\n\n<span id=\"aya-3973\"></span>وقال قتادة: جوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ (^٥) واختاره ابن جرير ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العربية أنه قال جوابه ﴿ص﴾ بمعنى صدق حق ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها والله أعلم.\nوقوله ﵎: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ أي: إن في هذا القرآن لذكرًا لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أي: استكبار عنه وحمية\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مسعر عن أبي حصين، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل عن أبي صالح، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عن السدي.\n(^٤) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٥) أخرجه الطبري بالإسناد الصحيح المتقدم بلفظ: \"ههنا وقع القسم\".","vol":"6","page":406},{"text":"﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي: ومخالفة له ومعاندة ومفارقة، ثم خوفهم ما أهلك به الأُمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أمة مكذبة ﴿فَنَادَوْا﴾ أي: حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى وليس ذلك بمجد عنهم شيئًا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢)﴾ [الأنبياء]، أي: يهربون ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣)﴾ [الأنبياء].\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن التميمي قال: سألت ابن عباس ﵄ عن قول الله ﵎: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: ليس بحين نداء ولا نزو ولا فرار (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ليس بحين مغاث (^٢).\nوقال شبيب بن بشر: عن عكرمة، عن ابن عباس نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد: تذكر ليلى لات حين تذكر (^٣).\nوقال محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يقول نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصو للتوبة حين تولت الدنيا عنهم (^٤).\nوقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء (^٥).\nوقال مجاهد: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ليس بحين فرار ولا إجابة (^٦). وقد روي نحو هذا عن عكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة (^٧).\nوعن مالك، عن زيد بن أسلم ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ولا نداء في غير حين النداء (^٨)، وهذه الكلمة وهي: لات، هي لا التي للنفي زيدت معها التاء كما تزاد في ثم فيقولون: (ثمت) و(رب) فيقولون ربت وهي مفصولة والوقف عليها، ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره ابن جرير أنها متصلة بحين ولا تحين مناص والمشهور الأول ثم قرأ الجمهور بنصب حين تقديره: وليس الحين حين مناص، ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد:\nتذكر حب ليى لات حينا … وأضحى الشيب قد قطع القرينا (^٩)\nومنهم من جوز الجر بها وأنشد:\nطلبوا صلحنا ولات أوان … فأجبنا أن ليس حين بقاء (^١٠)\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٣٢).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) سنده حسن، ونسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن عكرمة به.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن كعب بنحوه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"ليس بحين فرار\"، وأخرجه البستي من طريق ابن جريج عن مجاهد كاملًا لكن ابن جريج لم يسمع من مجاهد.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق أيوب السختياني عن عكرمة، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد عن سعيد بن جبير والحسن البصري، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٨) سنده صحيح.\n(^٩) (^١٠) استشهد بها الطبري.","vol":"6","page":407},{"text":"وأنشد بعضهم أيضًا:\nولات ساعة مندم (^١)\nبخفض الساعة وأهل اللغة يقولون: النوص: التأخر، والبوص: التقدم، ولهذا قال ﵎: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب.\n\n<span id=\"aya-3974\"></span>\n\n<span id=\"aya-3975\"></span>﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله ﷺ بشيرًا ونذيرًا كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾ [يونس] وقال ههنا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أي: بشر مثلهم وقال الكافرون: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟ أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى وتعجبوا من ترك الشرك بالله فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلوبهم فلما دعاهم الرسول ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الإله بالوحدانية أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾\n\n<span id=\"aya-3976\"></span>﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين ﴿امْشُوا﴾ أي: استمروا على دينكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد ﷺ من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه (^٢).\nذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات.\nقال السدي: إن ناسًا من قريش اجتمعوا فيهم: أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه فلينصفنا منه فليكفَّ عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده، فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شيء فتعيرنا به العرب يقولون: تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه فبعثوا رجلًا منهم يقال له: المطلب فاستأذن لهم علي أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك. قال: أدخلهم، فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكفَّ عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه. قال: فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكفَّ عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك قال ﷺ: \"يا عمِّ أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم\" قال: وإلام تدعوهم؟ قال ﷺ: \"أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب\n_________\n(^١) استشهد بها الطبري.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"6","page":408},{"text":"ويملكون بها العجم\" فقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم: ما هي وأبيك لنعطينكها وعشرًا أمثالها قال ﷺ: \"تقولون: لا إله إلا الله\" فنفروا وقالوا: سلنا غيرها قال ﷺ: \"لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها\" فقاموا من عنده غضابًا وقالوا: والله لنشتمك وإلهك الذي أمرك بهذا ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦)﴾ ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد: فلما خرجوا دعا رسول الله ﷺ عمَّه إلى قوله: لا إله إلا الله، فأبى وقال: بل على دين الأشياخ ونزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] (^١).\nقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا: حدثنا أبو أُسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عباد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته فبعث إليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل. قال: فخشي أبو جهل - لعنه الله - إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرقّ له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قرب عمِّه فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي: ابن أخي ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله ﷺ فقال: \"يا عمِّ إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية\" ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم: كلمة واحدة نعم وأبيك عشرًا فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال ﷺ: \"لا إله إلا الله\" فقاموا: فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ لفظ أبي كريب (^٢). وهكذا رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن أبي أُسامة، عن الأعمش، عن عبَّاد غير منسوب به نحوه، ورواه الترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير أيضًا كلهم في تفاسيرهم من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة الكوفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ … فذكر نحوه. وقال الترمذي: حسن (^٣).\n\n<span id=\"aya-3977\"></span>وقولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملَّة الآخرة.\nقال مجاهد وقتادة وابن زيد: يعنون دين قريش (^٤)، وقال غيرهم: يعنون النصرانية قاله\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وسنده مرسل ولبعضه شاهد، أخرجه ابن حبان (موارد الظمآن، كتاب التفسير، سورة ص رقم ١٧٥٧)، والحاكم كلاهما من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٣٢)، وأخرجه الإمام أحمد، وصحح سنده أحمد شاكر (المسند رقم ٢٠٠٨).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة عباد بن جعفر ويشهد لبعضه ما تقدم في روايته الإمام أحمد والحاكم.\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ص (ح ٣٢٣٢)، والسنن الكبرى، التفسير رقم ٤٥٦، وتفسير الطبري ورواية الإمام تقدم ذكرها في الرواية السابقة.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.","vol":"6","page":409},{"text":"محمد بن كعب والسدي (^١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﵄: ما سمعنا بهذا في الملَّة الآخرة؛ يعني: النصرانية، قالوا: لو كان هذا القرآن حقًا لأخبرتنا به النصارى (^٢). ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾.\nقال مجاهد وقتادة: كذب (^٣).\nوقال ابن عباس: تخرص (^٤).\n\n<span id=\"aya-3978\"></span>\n\n<span id=\"aya-3979\"></span>وقولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يعني: أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]، ولهذا لما قالوا هذا الذي دلّ على جهلهم وقلة عقلهم في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم.\nقال الله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله تعالى ونقمته سيعلمون غب ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم دعًا.\nثم قال تعالى مبينًا أنه المتصرف في ملكه الفعال لما يشاء الذي يعطي من يشاء ما يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده ويختم على قلب من يشاء فلا يهديه أحد من بعد الله، وإن العباد لا يملكون شيئًا من الأمر وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة وما يملكون من قطمير.\nولهذا قال تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾ أي: العزيز الذي لا يُرام جنابه الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ [الإسراء] وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول البشر ﷺ وكما أخبر تعالى عن قوم صالح ﵇ حين قالوا: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ [القمر].\n\n<span id=\"aya-3980\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠)﴾ أي: إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى برواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس التي أخرجها الطبري بسند ثابت.\n(^٣) أخرجه الطبري وآدم بالسند الصحيح المتقدم عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. بلفظ: \"تخريص\".","vol":"6","page":410},{"text":"قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: يعني: طرق السماء (^١).\nوقال الضحاك: فليصعدوا إلى السماء السابعة (^٢).\n\n<span id=\"aya-3981\"></span>ثم قال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيهزمون ويغلبون ويُكبتون كما كُبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين، وهذه كقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ كان ذلك يوم بدر ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ [القمر].\n\n<span id=\"aya-3982\"></span>\n\n<span id=\"aya-3983\"></span>\n\n<span id=\"aya-3984\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء القرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة.\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالًا وأولادًا فما دفع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك ولهذا قال: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل ليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر.\n\n<span id=\"aya-3985\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ قال مالك، عن زيد بن أسلم: أي ليس لها مثنوية (^٣)؛ أي: ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتةً فقد جاء أشراطها؛ أي: فقد اقتربت ودنت وأزفت، وهذه الصيحة هي: نفخة الفزع التي يأمر الله تعالى إسرافيل أن يطولها فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله ﷿.\n\n<span id=\"aya-3986\"></span>وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ هذا إنكار من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب، فإن القط هو الكتاب، وقيل: هو الحظ والنصيب. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن غير واحد: سألوا تعجيل العذاب (^٤)، زاد قتادة كما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٥) [الأنفال: ٣٢].\nوقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة (^٦) إن كانت موجودة ليلقوا ذاك في الدنيا، وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٣) سنده صحيح، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الثوري عن أشعث عن الحسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ثابت الحداد عن سعيد بن جبير.","vol":"6","page":411},{"text":"وقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا (^١).\nوهذا الذي قاله جيد وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد والله أعلم.\nولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد، قال الله تعالى لرسوله ﷺ آمرًا له بالصبر على أذاهم ومبشرًا له على صبره بالعاقبة والنصر والظفر:\n\n<span id=\"aya-3987\"></span>﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾.\nيذكر تعالى عن عبده ورسوله داود ﵊ أنه كان ذا أيد، والأيد القوة في العلم والعمل.\nقال ابن عباس والسدي وابن زيد: الأيد: القوة.\nوقرأ ابن زيد ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ (^٢) [الذاريات]. وقال مجاهد: الأيد: القوة في الطاعة (^٣).\nوقال قتادة: أُعطي داود ﵊ قوة في العبادة وفقهًا في الإسلام، وقد ذُكر لنا أنه ﵊ كان يقوم ثلث الليل ويصوم نصف الدهر (^٤).\nوهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى، وأنه كان أوابًا\" (^٥) وهو الرجاع إلى الله ﷿ في جميع أموره وشؤونه.\n\n<span id=\"aya-3988\"></span>\n\n<span id=\"aya-3989\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)﴾ أي: أنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار كما قال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]، وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مرَّ الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا يستطيع الذهاب بل يقف في الهواء ويسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه وتسبح تبعًا له. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن بشر، عن مسعر،\n_________\n(^١) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما يليه من الآثار، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، والشطر الثاني منه يشهد له الحديث الصحيح التالي.\n(^٥) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ (صحيح البخاري، التهجد، باب من نام عند السحر ح ١١٣١)، وصحيح مسلم، الصيام، باب النهي عن صوم الدهر (ح ١٨١/ ١١٥٩ و١٨٦/ ١١٥٩).","vol":"6","page":412},{"text":"عن عبد الكريم، عن موسى بن أبي كثير، عن ابن عباس ﵄ أنه بلغه أن أُم هانئ ﵂ ذكرت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات، فقال ابن عباس ﵄: قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة يقول تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (^١).\nثم رواه من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل، عن أيوب بن صفوان، عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل، أن ابن عباس ﵄ كان لا يصلي الضحى فأدخلته على أُم هانئ ﵂ فقلت: أخبري هذا ما أخبرتني به. فقالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ يوم الفتح في بيتي، ثم أمر بماء صبَّ في قصعة ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه فاغتسل، ثم رش ناحية البيت فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء قريب بعضهن من بعض، فخرج ابن عباس ﵄ وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ وكنت أقول: أين صلاة الإشراق؟ وكان بعد يقول: صلاة الإشراق (^٢)، ولهذا قال: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ أي: محبوسة في الهواء ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أي: مطيع يسبح تبعًا له.\nوقال سعيد بن جبير وقتادة ومالك، عن زيد بن أسلم وابن زيد ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أي: مطيع (^٣).\n\n<span id=\"aya-3990\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أي: جعلنا له ملكًا كاملًا من جميع ما يحتاج إليه الملوك.\nقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد كان أشد أهل الدنيا سلطانًا (^٤).\nوقال السدي: كان يحرسه كل يوم أربعة آلاف (^٥).\nوقال بعض السلف: بلغني أنه كان يحرسه في كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفًا لا تدور عليهم النوبة إلى مثلها من العام القابل (^٦).\nوقال غيره: أربعون ألفًا مشتملون بالسلاح.\nوقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم من رواية علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس أن نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود ﵊ أنه اغتصبه بقرًا فأنكر الآخر ولم يكن للمدَّعي بينة، فأرجأ أمرهما، فلما كان الليل أمر داود ﵊\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن موسى بن أبي كثير لم يسمع أحدًا من الصحابة، ويتقوى بما يليه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده نحوه أخرجه البستي من طريق سعيد به، وأخرجه الحاكم من طريق سعيد بن أبي عروبة وسكت عنه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٥٣)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث بنحوه وصححه محققوه بالشواهد والمتابعات (المسند ٤٤/ ٤٧٣ ح ٢٦٩٠١).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\nوخبر مالك عن زيد بن أسلم سنده صحيح.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه الطبري والحاكم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي (المستدرك ٢/ ٥٨٦).\n(^٦) هذا الخبر فيه مبالغة، وهو من الإسرائيليات.","vol":"6","page":413},{"text":"في المنام بقتل المدعي، فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدعي، فقال: يا نبي الله علامَ تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري؟ فقال له: إن الله تعالى أمرني بقتلك فأنا قاتلك لا محالة، فقال: واللهِ إن الله لم يأمر بقتلي لأجل هذا الذي ادعيت عليه وإني لصادق فيما ادعيت، ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته ولم يشعر بذلك أحد، فأمر به داود ﵇ فقتل، قال ابن عباس: فاشتدت هيبته في بني إسرائيل وهو الذي يقول الله ﷿: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ (^١).\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال مجاهد: يعني الفهم والعقل والفطنة، وقال مرة: الحكمة والعدل، وقال مرة: الصواب (^٢).\nوقال قتادة: كتاب الله واتباع ما فيه.\nفقال السدي: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ النبوة (^٣) وقوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾.\nقال شريح القاضي والشعبي: فصل الخطاب الشهود والأيمان (^٤).\nوقال قتادة: شاهدان على المدعي أو يمين المدعى عليه هو فصل الخطاب (^٥) الذي فصل به الأنبياء والرسل، أو قال المؤمنون والصالحون: وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكذا قال أبو عبد الرحمن السلمي (^٦).\nوقال مجاهد والسدي: هو إصابة القضاء وفهم ذلك (^٧).\nوقال مجاهد أيضًا: هو الفصل في الكلام وفي الحكم، وهذا يشمل هذا كله وهو المراد واختاره ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شيبة النميري، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن بلال بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى ﵁ قال: أول من قال: أما بعد داود ﵇ وهو فصل الخطاب (^٨)، وكذا قال الشعبي فصل الخطاب: أما بعد (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق علباء بن أحمر به، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور عن أبي عوانة عن أبي بشر عن مجاهد (ينظر فتح الباري ٦/ ٤٥٦).\n(^٣) أخرجه الطبري والحاكم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي (المستدرك ٢/ ٥٨٦).\n(^٤) قول شريح أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٧/ ٢٣٢)، والطبري والبيهقي (السنن الكبرى ١٠/ ١٨١)، بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول الشعبي: أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود، وهو ابن أبي هند، عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري والبيهقي (السنن الكبرى ١٠/ ٢٥٣)، بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الثوري والطبري والبيهقي (السنن الكبرى ١٠/ ١٨١) من طريق أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق ليث عن مجاهد، وليث هو ابن أبي سُليم فيه مقال، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن زياد بن عياض الأشعري (المصنف ٥/ ٣٥٥) وسنده صحيح.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند فيه جابر بن نوح وهو ضعيف كما في التقريب ويشهد له سابقه.","vol":"6","page":414},{"text":"<span id=\"aya-3991\"></span>\n\n<span id=\"aya-3992\"></span>﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾.\nقد ذكر المفسرون ها هنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم حديثًا لا يصح سنده لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ (^١)، ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يردَّ علمها إلى الله ﷿، فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه وهو أشرف مكان في داره وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب؛ أي: احتاطا به يسألانه عن شأنهما\n\n<span id=\"aya-3993\"></span>وقوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي: غلبني يُقال: عز يعز إذا قهر وغلب.\n\n<span id=\"aya-3994\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي اختبرناه (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ أي: ساجدًا ﴿وَأَنَابَ﴾ ويحتمل أنه ركع أولًا ثم سجد بعد ذلك، وقد ذكر أنه استمر ساجدًا أربعين صباحًا\n\n<span id=\"aya-3995\"></span>﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي: ما كان منه مما يقال فيه إن حسنات الأبرار سيئات المقربين.\nوقد اختلف الأئمة ﵃ في سجدة ﴿ص﴾ هل هي من عزائم السجود؟ على قولين:\nالجديد من مذهب الشافعي ﵀ أنها ليست من عزائم السجود بل هي سجدة شكر، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا إسماعيل هو: ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: السجدة في ﴿ص﴾ ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها (^٣). ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث أيوب به وقال الترمذي حسن صحيح (^٤).\nوقال النسائي أيضًا: عند تفسير هذه الآية أخبرني إبراهيم بن الحسن هو المقسمي، حدثنا\n_________\n(^١) هذه القصة سردها السيوطي في الدر المنثور وهي من الإسرائيليات الغربية، وأخرجه الطبري من طريق الرقاشي عن أنس وساق القصة. وسنده ضعيف لضعف الرقاشي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ١/ ٣٦٠) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، سجود القرآن، باب سجدة ﴿ص﴾ (ح ١٠٦٩)، وسنن أبي داود، سجود القرآن، باب السجود في ﴿ص﴾ (ح ١٤٠٩)، وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في السجدة في ﴿ص﴾ (ح ٥٧٧)، والسنن الكبرى للنسائي كما في تحفة الأشراف رقم ٥٩٨٨.","vol":"6","page":415},{"text":"حجاج بن محمد، عن عمرو بن ذرٍّ، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: إن النبي ﷺ سجد في ﴿ص﴾ وقال: \"سجدها داود ﵊ توبة ونسجدها شكرًا\" (^١) تفرد بروايته النسائي ورجال إسناده كلهم ثقات.\nوقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا أبو إسحاق [الدَّرجيّ] (^٢)، أخبرنا زاهر بن أبي طاهر الثقفي، حدثنا زاهر بن أبي طاهر [الشحامي] (^٣)، أخبرنا أبو سعيد الكنجرودي، أخبرنا الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو العباس السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا محمد بن يزيد بن خُنيس، عن الحسن بن محمد بن عُبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج، يا حسن حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت، فسجدت الشجرة بسجودي فسمعتها تقول وهي ساجدة: اللَّهم اكتب لي عندك أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع بها عني وزرًا، وأقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود.\nقال ابن عباس: فرأيت النبي ﷺ قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول: وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة (^٤)، رواه الترمذي عن قتيبة وابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس نحوه، وقال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٥).\nوقال البخاري عند تفسيرها أيضًا: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عُبيد الطنافسي، عن العوام، قال سألت مجاهدًا عن سجدة ﴿ص﴾ فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت فقال: أو ما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فكان داود ﵊ ممن أمر نبيكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود ﵊ فسجدها رسول الله ﷺ (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حميد، حدثنا بكر هو ابن عبد الله المزني أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري ﵁ رأى رؤيا أنه يكتب ﴿ص﴾ فلما بلغ إلى الآية التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدًا قال: فقصَّها على النبي ﷺ فلم يزل يسجد بها بعد (^٧)، تفرد به أحمد.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي، السنن، الافتتاح، (باب سجود القرآن ٢/ ١٥٩) وسنده صحيح.\n(^٢) كذا في (مح)، وتهذيب الكمال للمزي، وفي الأصل و(حم)، صحف إلى: \"المدرجي\".\n(^٣) كذا في (مح) و(حم)، وتهذيب الكمال للمزي، وفي الأصل صحف إلى: \"السجستاني\".\n(^٤) أخرجه المزي بسنده ومتنه (تهذيب الكمال ٦/ ٣١٤)، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن يزيد بن خنيس به وصححه ووافقه الذهبي بقوله: صحيح ما في رواته مجروح (المستدرك ١/ ٢١٩ - ٢٢٠) ولكن محمد بن يزيد بن خُنيس مقبول (التقريب ص ٥١٣)، وقال الذهبي: غير حجة (الكاشف ١/ ٢٢٦).\n(^٥) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما يقوله في سجود القرآن (ح ٥٧٩)، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب سجود القرآن (ح ١٠٥٣)، وفيه مسنديهما أيضًا محمد بن يزيد بن خُنيس.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب سورة ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص] ح ٤٨٠٧).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨/ ٢٦٨ ح ١١٧٤١)، وضعف سنده محققوه لأن بكر المزني لم يسمع =","vol":"6","page":416},{"text":"وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ﴿ص﴾ فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزَّن الناس للسجود فقال ﷺ: \"إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم [تشزَّنتم\"] (^١) فنزل وسجد (^٢). وتفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيحين.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله ﷿ بها وحسن مرجع وهو الدرجات العالية في الجنة لتوبته وعدله التام في ملكه كما جاء في الصحيح: \"المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وما ولوا\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أحبَّ الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسًا إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابًا إمام جائر\" (^٤). ورواه الترمذي من حديث فضيل وهو ابن مرزوق الأغر، عن عطية به، وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرعة، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان، سمعت مالك بن دينار في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: يقام داود يوم القيامة عند ساق العرش ثم يقول: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا، فيقول وكيف وقد سلبته؟ فيقول: إني أردُّه عليك اليوم، قال: فيرفع داود ﵊ بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان (^٦).\n\n<span id=\"aya-3996\"></span>﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾.\nهذه وصية من الله ﷿ لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده ﵎ ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله، وقد توَعد ﵎ من ضلَّ عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا مروان بن جناح، حدثني إبراهيم أبو زرعة: وكان قد قرأ الكتاب أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب\n_________\n= من أبي سعيد الخدري، وأخرجه الحاكم من طريق حُميد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٣٢).\n(^١) كذا في (حم) وسنن أبي داود، وفي الأصل و(مح): \"نشزتم\".\n(^٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الصلاة، تفريع أبواب السجود، باب السجود في ﴿ص﴾ ح ١٤١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٢٥٣).\n(^٣) سيأتي تخريجه في تفسير سورة الحجرات آية ١٠.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٢)، وسنده ضعيف لضعف عطية وهو العوفي.\n(^٥) السنن، الأحكام، باب ما جاء في الإمام العادل (ح ١٣٢٩)، وسنده كسابقه.\n(^٦) سنده ضعيف بسبب إرسال مالك بن دينار.","vol":"6","page":417},{"text":"الخليفة؟ فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن وفقهت. فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل: في أمان الله، قلت: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود ﵊، إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توَعَّده في كتابه فقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^١) الآية.\nوقال عكرمة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ هذا من المقدم والمؤخر لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا (^٢).\nوقال السدي: لهم عذاب شديد بما تركوا (^٣) أن يعملوا ليوم الحساب، وهذا القول أمشى على ظاهر الآية. فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-3997\"></span>﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾.\nيخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثًا وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه ثم [يجمعهم] (^٤) يوم الجمع، فيثيب المطيع ويعذب الكافر ولهذا قال ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الذين لا يرون بعثًا ولا معادًا وإنما يعتقدون هذه الدار فقط ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ أي: ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم.\n\n<span id=\"aya-3998\"></span>\n\n<span id=\"aya-3999\"></span>ثم بين تعالى أنه من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين فقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ أي: لا نفعل ذلك ولا يستوون عند الله وإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع ويعاقب فيها هذا الفاجر.\nوهذا الإرشاد يدل على العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بدّ من معاد وجزاء فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده فلا بدّ في حكمة الحكيم العليم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا، وإذا لم يقع هذا في هذه الدار فتعيَّن أن هناك دارًا أخرى لهذا الجزاء والمواساة.\nولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ أي: ذوو العقول وهي الألباب جمع لب وهو العقل.\nقال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول:\n_________\n(^١) سؤال الوليد غريب وجواب إبراهيم سديد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق العوام عن عكرمة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"جمعهم\".","vol":"6","page":418},{"text":"قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span id=\"aya-4000\"></span>﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾.\nيقول تعالى: مخبرًا أنه وهب لداود سليمان؛ أي: نبيًا كما قال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] أي: في النبوة وإلا فقد كان له بنون غيره فإنه قد كان عنده مائة امرأة حرائر.\nوقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ثناء على سليمان بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله ﷿.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا ابن جابر، حدثنا مكحول، قال لمّا وهب الله تعالى لداود سليمان قال له: يا بني ما أحسن؟ قال: سكينة الله والإيمان؟ قال: فما أقبح؟ قال: كفر بعد إيمان. قال: فما أحلي؟ قال: روح الله بين عباده قال: فما أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس وعفو الناس بعضهم عن بعض. قال داود ﵇: فأنت نبي (^١).\n\n<span id=\"aya-4001\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ أي: إذ عُرض على سليمان ﵊ في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات.\nقال مجاهد: وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة (^٢) والجياد السراع، وكذا قال غير واحد من السلف.\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبيه: سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ قال: كانت عشرين فرسًا ذات أجنحة (^٣). كذا رواه ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي قال: كانت الخيل التي شغلت سليمان ﵊ عشرين ألف فرس فعقرها (^٤). وهذا أشبه، والله أعلم.\nوقال أبو داود: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا عمارة بن غزية، أن محمد بن إبراهيم حدثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر فهبَّت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة ﵂ لعب فقال ﷺ: \"ما هذا يا عائشة؟ \" قالت: بناتي،\n_________\n(^١) سنده مرسل.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٤) الخبر من الإسرائيليات.","vol":"6","page":419},{"text":"ورأى بينهنَّ فرسًا له جناحان من رقاع، فقال ﷺ: \"ما هذا الذي أرى وسطهنَّ\" قالت: فرس، قال رسول الله ﷺ: \"ما هذا الذي عليه؟ \" قالت ﵂: جناحان قال رسول الله ﷺ: \"فرس له جناحان؟ \" قالت ﵂: أما سمعت أن سليمان ﵊ كانت له خيل لها أجنحة؟ قالت ﵂: فضحك ﷺ حتى رأيت نواجذه (^١).\n\n<span id=\"aya-4002\"></span>\n\n<span id=\"aya-4003\"></span>وقوله ﵎: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدًا بل نسيانًا كما شغل النبي ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب، وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه من ذلك عن جابر ﵁ قال: جاء عمر ﵁ يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسبُّ كفار قريش ويقول: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب. فقال رسول الله ﷺ: \"والله ما صليتها\" فقال: فقمنا إلى بُطْحَان فتوضأ نبي الله ﷺ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب (^٢).\nويحتمل أنه كان سائغًا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال، والخيل تراد للقتال، وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعًا فنسخ ذلك بصلاة الخوف، ومنهم من ذهب إلى ذلك في حال المسايفة والمضايقة حيث لا تمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود كما فعل الصحابة ﵃ في فتح تُستَر، وهو منقول عن مكحول والأوزاعي وغيرهما.\nوالأول أقرب لأنه قال بعده: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾.\nقال الحسن البصري: قال: لا، والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، ثم أمر بها فعُقرت (^٣)، وكذا قال قتادة (^٤).\nوقال السدي: ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف (^٥).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حُبًّا لها (^٦). وهذا القول اختاره ابن جرير قال: لأنه لم يكن ليعذب حيوانًا بالعرقبة ويهلك مالًا من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها، وهذا الذي رجح به ابن جرير فيه نظر لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا ولا سيما إذا كان غضبًا لله تعالى بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله تعالى بما هو\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب في اللعب بالبنات ح ٤٩٣٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٢٣).\n(^٢) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت (ح ٥٩٦)، وصحيح مسلم، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ٦٣١).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن.\n(^٤) هو تتمة الأثر السابق، وهو من أخبار أهل الكتاب والراجح ما سيأتي عن ابن عباس ﵄.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.","vol":"6","page":420},{"text":"خير منها، وهي الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب غدوها شهر ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير من الخيل (^١).\nقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة وأبي الدهماء وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال لنا البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله تعالى وقال: \"إنك لا تدع شيئًا اتقاء الله تعالى إلا أعطاك الله ﷿ خيرًا منه\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-4004\"></span>﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي: اختبرناه بأن سلبناه الملك ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم يعني: شيطانًا (^٣) ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي: رجع إلى ملكه وسلطانه وأُبهته.\nقال ابن جرير: وكان اسم ذلك الشيطان صخرًا، قاله ابن عباس وقتادة (^٤).\nوقيل: آصف، قاله مجاهد (^٥).\nوقيل: آصر، قاله مجاهد أيضًا (^٦).\nوقيل: حبقيق، قاله السدي (^٧)، وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة.\nوقد قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: أمر سليمان ﵊ ببناء بيت المقدس فقيل له: ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد، قال: فطلب ذلك فلم يقدر عليه، فقيل: إن شيطانًا في البحر يقال له: صخر شبه المارد. قال: فطلبه وكانت في البحر عين يردها في كل سبعة أيام مرة فنزع ماءها وجعل فيها خمرًا فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر. فقال: إنك لشراب\n_________\n(^١) ولكن ما قاله الطبري هو الصحيح الذي استند على رواية الصحابي الجليل بن عباس ﵁، وأما القول الآخر فمشهور في كتب أهل الكتاب.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤/ ٣٤٢ ح ٢٠٧٣٨)، وصحح سنده محققوه، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٦).\n(^٣) قول ابن عباس: أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى برواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"صخر الجنِّي\" أخرجها الطبري أيضًا، وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير، وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بالسندين المتقدمين عنهما.\n(^٥) أخرجه الطبري بالسند المتقدم.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي في خبر طويل في آخره.","vol":"6","page":421},{"text":"طيب، إلا أنكِ تُصبين (^١) الحليم وتزيدين الجاهل جهلًا، قال: ثم رجع حتى عطش عطشًا شديدًا ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلًا، قال: ثم شربها حتى غلب على عقله قال: فأُري الخاتم أو ختم به بين كتفيه فذل، قال: وكان ملكه في خاتمه فأتى به سليمان ﵊ فقال: إنَّا قد أمرنا ببناء هذا البيت.\nوقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة فجاء الهدهد فدار حولها فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه فذهب فجاء بالماس فوضعه عليها فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه فأخذ الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة، وكان سليمان ﵊ إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخل بالخاتم فانطلق يومًا إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه وذلك عند مقارفة قارف فيها بعض نسائه. قال: فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه في البحر فالتقمته سمكة ونزع ملك سليمان منه، وألقي على الشيطان شبه سليمان قال: فجاء فقعد على كرسيه وسريره وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه فجعل يقضي بينهم وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا: فتن نبي الله، وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب ﵁ في القوة فقال: والله لأجربنه قال: فقال: يا نبي الله وهو لا يرى إلا أنه نبي الله أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمدًا حتى تطلع الشمس أترى عليه بأسًا؟ قال: لا فبينما هو كذلك أربعين ليلة إذ وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: هو الشيطان صخر (^٢).\nوقال السدي: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ابتلينا سليمان ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: شيطانًا جلس على كرسيه أربعين يومًا قال: كان لسليمان ﵊ مائة امرأة وكانت امرأة منهم يقال لها جرادة وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه ولم يأمن عليه أحدًا من الناس غيرها فأعطاها يومًا خاتمه ودخل الخلاء، فخرج الشيطان في صورته فقال: هاتي الخاتم فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان ﵊ وخرج سليمان بعد ذلك فسألها أن تعطيه خاتمه فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا وخرج وكأنه تائه ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يومًا قال فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا لهن: إنا قد أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه. قال: فبكى النساء عند ذلك. قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا يقرءون التوراة. قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت من حيتان البحر.\nوقال: وأقبل سليمان ﵊ في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه فسألهم من صيدهم، وقال: إني أنا سليمان. فقام إليه بعضهم فضربه بعصى فشجه فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم\n_________\n(^١) أي: تجعلينه يفعل فعل أهل اللهو.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة به. وهو من الإسرائيليات.","vol":"6","page":422},{"text":"الذي ضربه فقالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته. قال: إنه زعم أنه سليمان، قال: فأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم ولم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشقَّ بطونهما فجعل يغسل فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه فلبسه فردّ الله عليه بهاءه وملكه فجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان ﵊، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا فقال: ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم كان هذا الأمر لا بدّ منه. قال: فجاء حتى أتى ملكه وأرسل إلى الشيطان فجيء به فأمر به فجعل في صندوق من حديد ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه: حقيق (^١). قال: وسخر الله له الريح ولم تكن سخرت له قبل ذلك وهو قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.\nوقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله ﵎: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال شيطانا يقال: له آصف، فقال له سليمان ﵊: كيف تَفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فساح سليمان ﵊ وذهب ملكه وقعد آصف على كرسيه ومنعه الله ﵎ من نساء سليمان فلم يقربهنّ ولم يقربنه وأنكرنه. قال: فكان سليمان ﵊ يستطعم فيقول: أتعرفوني؟ أطعموني أنا سليمان، فيكذبونه حتى أعطته امرأة يومًا حوتًا ففتح بطنه فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفرَّ آصف فدخل البحر (^٢).\nوأرى هذه كلها من الإسرائيليات، ومِن أَنكرِها ما قاله ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا: حدثنا أبو معاوية، أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: أراد سليمان ﵊ أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه، وكانت الجرادة امرأته وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال: لها: هاتي خاتمي. فأعطته إياه، فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين، فلما خرج سليمان ﵇ من الخلاء. قال لها: هاتي خاتمي. قالت: أعطيته سليمان [قال: أنا سليمان. قالت: كذبت] (^٣) لست بسليمان فجعل لا يأتي أحدًا يقول له أنا سليمان إلا كذبه حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة فلما رأى ذلك سليمان عرف أنه من أمر الله ﷿.\nقال: وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله ﵎ أن يردَّ على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان. قال: فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا لهنَّ: أتنكرنَّ من سليمان شيئًا؟ قلن: نعم، إنه يأتينا ونحن حُيَّض وما كان يأتينا قبل ذلك، فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع فكتبوا كتبًا فيها سحر وكفر فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وهو من الإسرائيليات.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به، وهو من الإسرائيليات.\n(^٣) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"6","page":423},{"text":"أثاروها وقرءوها على الناس، وقالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم فأكفرَ الناسُ سليمانَ ﵊ فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم فطرحه في البحر فتلقته سمكة فأخذته، وكان سليمان ﵇ يحمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكًا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فدعا سليمان ﵊ فقال: تحمل لي هذا السمك؟ فقال: نعم. قال: بكم؟ قال: بسمكة من هذا السمك.\nقال: فحمل سليمان ﵊ السمك ثم انطلق إلى منزله فلما انتهى الرجل إلى بابه أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان ﵊ فشقَّ بطنها فإذا بالخاتم في جوفها فأخذه فلبسه، قال: فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين وعاد إلى حاله وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر فأرسل سليمان ﵊ في طلبه وكان شيطانًا مريدًا، فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يومًا نائمًا فجاؤوا فبنوا عليه بنيانًا من رصاص، فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا أنماط معه من الرصاص، قال: فأخذوه فأوثقوه وجاؤوا به إلى سليمان ﵊، فأمر به فنقر له تخت من رخام ثم أدخل في جوفه ثم سدّ بالنحاس، ثم أُمر به، فطرح في البحر فذلك قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ يعني: الشيطان الذي كان سلط عليه (^١). إسناده إلى ابن عباس قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس ﵄ إن صحَّ عنه من أهل الكتاب وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵊ فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله منه تشريفًا وتكريمًا لنبيه ﵇.\nوقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف ﵃ كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب.\nقال يحيى بن أبي عروبة الشيباني: وجد سليمان خاتمه بعسقلان فمشى في خرقة إلى بيت المقدس تواضعًا لله ﷿، رواه ابن أبي حاتم (^٢).\nوقد روى ابن أبي حاتم، عن كعب الأحبار في صفة كرسي سليمان ﵊ خبرًا عجيبًا فقال: حدثنا أبي ﵀، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، أخبرني أبو إسحاق المصري، عن كعب الأحبار أنه لما فرغ من حديث إرم ذات العماد قال له معاوية: يا أبا إسحاق أخبرني عن كرسي سليمان ﵊ وما كان عليه ومن أي شيء هو، فقال: كان كرسي سليمان من أنياب الفيلة مرصعًا بالدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ، وقد جعل له درجة منها مفصصًا بالدر والياقوت والزبرجد، ثم أمر بالكرسي فحفَّ من جانبيه بالنخل: نخل من ذهب شماريخها من ياقوت وزبرجد ولؤلؤ، وجعل على رؤوس النخل التي على يمين الكرسي طواويس من ذهب ثم\n_________\n(^١) قوى سنده الحافظ ابن كثير وجزم أن هذا الخبر من الإسرائيليات التي تخالف مقام الأنبياء.\n(^٢) وهذا الخبر أيضًا من الإسرائيليات.","vol":"6","page":424},{"text":"جعل على رؤوس النخل التي على يسار الكرسي نسورًا من ذهب مقابلة الطواويس، وجعل على يمين الدرجة الأولى شجرتي صنوبر من ذهب وعلى يسارها أسدان من ذهب، وعلى رؤوس الأسدين عمودان من زبرجد، وجعل من جانبي الكرسي كرم من ذهب قد أظلتا الكرسي وجعل عناقيدهما درًا وياقوتًا أحمر، ثم جعل فوق درج الكرسي أسدان عظيمان من ذهب مجوفان محشوان مسكًا وعنبرًا، فإذا أراد سليمان ﵇ أن يصعد على كرسيه استدار الأسدان ساعة ثم يقعان فينضحان ما في أجوافهما من المسك والعنبر حول كرسي سليمان ﵊ ثم يوضع منبران من ذهب واحد لخليفته والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان، ثم يوضع أمام كرسيه سبعون منبرًا من ذهب يقعد عليها سبعون قاضيًا من بني إسرائيل وعلمائهم وأهل الشرف منهم والطول، ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبرًا من ذهب ليس عليها أحد فإذا أراد أن يصعد على كرسيه وضع قدميه على الدرجة السفلى فاستدار الكرسي كله بما فيه وما عليه ويبسط الأسد يده اليمنى وينشر النسر جناحه الأيسر ثم يصعد سليمان ﵊ على الدرجة الثانية فيبسط الأسد يده اليسرى وبنشر النسر جناحه الأيمن فإذا استوى سليمان ﵊ على الدرجة الثالثة وقعد على الكرسي أخذ نسر من تلك النسور عظيم تاج سليمان ﵊ فوضعه على رأسه فإذا وضعه على رأسه استدار الكرسي بما فيه كما تدور الرحى المسرعة.\n[فقال معاوية] (^١): وما الذي يديره يا أبا إسحاق؟ قال: تنين من ذهب ذلك الكرسي عليه وهو عظيم مما عمله صخر الجني فإذا أحست بدورانه دارت تلك الأسود والنسور والطواويس التي في أسفل الكرسي دُرْنَ إلى أعلاه فإذا وقف وقفن كلهن منكسات رؤوسهن على رأس سليمان ﵊ وهو جالس ثم ينضحن جميعًا ما في أجوافهن من المسك والعنبر على رأس سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام. ثم تتناول حمامة من ذهب واقفة على عمود من جوهر التوراة فتجعلها في يده فيقرؤها سليمان ﵊ على الناس (^٢). وذكر تمام الخبر وهو غريب جدًا.\n\n<span id=\"aya-4005\"></span>﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ قال بعضهم: لا ينبغي لأحد من بعدي؛ أي: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه بعدي كما كان من قضية الجسد الذي ألقي على كرسيه لا أنه يحجر على من بعده من الناس، والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكًا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبذلك وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله ﷺ.\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح ومحمد بن جعفر، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"إن عفريتًا من الجن تفلت عليّ البارحة - أو كلمة نحوها - ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله ﵎ منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل حُرف إلى: \"إسحاق\".\n(^٢) الخبر من الإسرائيليات أيضًا.","vol":"6","page":425},{"text":"سليمان ﵊: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ \" قال روح: فردَّه خاسئًا (^١).\nوكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به.\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن زيد، عن أبي إدريس الخولاني (^٢)، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ يصلي فسمعناه يقول: \"أعوذ بالله منك - ثم قال: - ألعنك بلعنة الله\" ثلاثًا وبسط يده كأنه يتناول شيئًا فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك قال ﷺ: \"إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يتأخر ثلاث مرات ثم أردت أن آخذه والله لولا دعوة سليمان لأصبح موثقًا يلعب به صبيان أهل المدينة\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا [مسرَّة] (^٤) بن معبد، حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائمًا يصلي فذهبت أمرُّ بين يديه فردَّني ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال: \"لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها - ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل\" (^٥). وقد روى أبو داود منه: \"من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل\" عن أحمد بن أبي سريج، عن أبي أحمد الزبيري به (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد بن عبد الله الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو ﵄ وهو في حائط له بالطائف يقال له: الوهط (^٧) وهو مُخاصر، فتى من قريش يُزَنُّ (^٨) بشرب الخمر، فقلت بلغني: عنك حديث أنه \"من شرب شربة من الخمر لم يقبل الله له توبة أربعين صباحًا، وإن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي. . .﴾ [ص: ٣٥] ح ٤٨٠٨).\n(^٢) صحيح مسلم، المساجد، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة (ح ٥٤١)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٤٤٠).\n(^٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٥٤٢).\n(^٤) مسرة كذا في (حم)، والمسند وترجمته، وفي الأصل صحف إلى: \"ميسرة\"، وفي (مح) صحف إلى: \"مرة\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨/ ٣٠٢ ح ١١٧٨٠) وحسن سنده محققوه.\n(^٦) سنن أبي داود، الصلاة، باب ما يؤمر المصلي أن يدرأ عن الممر بين يديه (ح ٦٩٩)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٦٤٧).\n(^٧) الوهط يقع في قرية بين الطائف وجبل الشفا.\n(^٨) أي: يتهم.","vol":"6","page":426},{"text":"الشقي من شقي في بطن أُمه، وإنه أتى البيت المقدس لا ينهزُهُ (^١) إلا الصلاة فيه خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أُمه\" فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده من يده ثم انطلق فقال عبد الله بن عمر ﵄: إني لا أُحلُّ لأحد أن يقول عليَّ ما لم أقل سمعت رسول الله يقول: \"من شرب الخمر شربة لا تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد كان حقًا على الله تعالى أن يسقيه من ردغة (^٢) الخبال يوم القيامة\" قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله ﷿ خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذٍ اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ فلذلك أقول جفَّ القلم على علم الله ﷿\".\nوسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن سليمان ﵇ سأل الله ثلاثًا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة، سأله حكمًا يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله ﷿ قد أعطانا إياها\" (^٣) وقد روى هذا الفصل الأخير من هذا الحديث النسائي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن سليمان ﵊ لما بني بيت المقدس سأل ربه ﷿ خلالًا ثلاثًا\" وذكره (^٤).\nوقد روي من حديث رافع بن عمير ﵁ بإسناد وسياق غريبين. فقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، حدثنا محمد بن أيوب بن سويد، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي الزاهرية، عن رافع بن عمير قال: سمعت رسول الله يقول: \"قال الله ﷿ لداود ﵊ ابن لي بيتًا في الأرض، فبنى داود بيتًا لنفسه قبل البيت الذي أمر به فأوحى الله إليه يا داود نصبت بيتك قبل بيتي قال: يا ربِّ هكذا قضيت من ملك استأثر ثم أخذ في بناء المسجد، فلما تمَّ السور سقط ثلاثًا فشكا ذلك إلى الله ﷿. فقال: يا داود إنك لا تصلح أن تبني لي بيتًا، قال: ولم يا ربِّ؟ قال: لما جرى على يديك من الدماء، قال: يا ربِّ أو ما كان ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم، فشقَّ ذلك عليه فأوحى الله إليه: لا تحزن فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان.\nفلما مات داود أخذ سليمان في بنائه ولما تمّ قرّب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل، فأوحى الله إليه قد أرى سرورك ببنيان بيتي فسلني أعطك قال: أسألك ثلاث خصال حكمًا يصادف حكمك، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمه - قال رسول الله ﷺ أما الثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة\" (^٥).\n_________\n(^١) أي: لا يخرجه.\n(^٢) أي: عصارة أهل النار.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده وفي آخره: قد أعطانا إياها. (المسند ١١/ ٢٢٠ ح ٦٦٤٤)، وصحح سنده محققوه.\n(^٤) سنن النسائي، الأشربة، باب توبة شارب الخمر ٨/ ٣١٧، وسنن ابن ماجه، الأشربة، باب من شرب الخمر لم تقبل له صلاة (ح ٣٣٧٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٧٢٢).\n(^٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٥/ ٢٤ ح ٤٤٧٧)، وسنده ضعيف جدًا لأن محمد بن أيوب بن =","vol":"6","page":427},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمر بن راشد اليمامي، حدثنا إياس بن سلمة الأكوع، عن أبيه ﵁ قال: ما سمعت رسول الله ﷺ دعا إلا استفتحه بـ \"سبحان الله ربي العلي الأعلى الوهاب\" (^١).\nوقد قال أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت، عن جعفر بن برقان، عن صالح بن مسمار قال: لما مات نبي الله داود ﵇ أوحى الله ﵎ إلى ابنه سليمان ﵊: أن سلني حاجتك قال: أسألك أن تجعل لي قلبًا يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي، فقال الله: أرسلت إلى عبدي وسألته حاجته فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني وأن أجعل قلبه يحبني، لأهبنَّ له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ والتي بعدها قال فأعطاه ما أعطاه، وفي الآخرة لا حساب عليه هكذا أورده أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان ﵊ في تاريخه (^٢).\nوروي عن بعض السلف أنه قال: بلغني عن داود ﵊ أنه قال: إلهي كن لسليمان كما كنت لي، فأوحى الله إليه: أن قل لسليمان أن يكون لي كما كنت لي أكن له كما كنت لك (^٣).\n\n<span id=\"aya-4006\"></span>وقوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ قال الحسن البصري ﵀: لما عقر سليمان ﵊ الخيل غضبًا لله ﷿ عوضه الله تعالى ما هو خير منها وأسرع، الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر (^٤).\nوقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيث أراد من البلاد.\n\n<span id=\"aya-4007\"></span>وقوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ أي: منهم ما هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللآلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها\n\n<span id=\"aya-4008\"></span>﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ أي: موثقون في الأغلال والأكبال ممن قد تمرد وعصى وامتنع من العمل وأبى، أو قد أساء في صنيعه واعتدى.\n\n<span id=\"aya-4009\"></span>\n\n<span id=\"aya-4010\"></span>وقوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾ أي: هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا فأعط من شئت واحرم من شئت لا حساب عليك؛ أي: مهما فعلت فهو جائز لك احكم بما شئت فهو صواب وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما خُير بين أن يكون عبدًا رسولًا - وهو الذي يفعل ما يؤمر به وإنما هو قاسم يقسم بين الناس كما أمره الله تعالى به - وبين أن يكون نبيًا ملكًا يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح، اختار\n_________\n= سويد الرملي متهم بالوضع (مجمع الزوائد ٤/ ٨).\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٤)، وسنده ضعيف لضعف عمر بن راشد اليمامي (التقريب ص ٤١٢).\n(^٢) الخبر من الإسرائيليات.\n(^٣) الخبر كسابقه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن، والخبر من الإسرائيليات كما تقدم من أن العقر مرجوع والصواب إنه مسح بيديه على عراقيبها.","vol":"6","page":428},{"text":"المنزلة الأولى بعدما استشار جبريل ﵊، فقال له: تواضع. فاختار المنزلة الأولى لأنها أرفع قدرًا عند الله وأعلى منزلة في المعاد، وإن كانت المنزلة الثانية وهي النبوة مع الملك عظيمة أيضًا في الدنيا والآخرة، ولهذا لما ذكر تعالى ما أعطى سليمان ﵊ في الدنيا نبه تعالى على أنه ذو حظ عند الله يوم القيامة أيضًا فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ أي: في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-4011\"></span>\n\n<span id=\"aya-4012\"></span>﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾.\nيذكر ﵎ عبده ورسوله أيوب ﵊ وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده حتى لم يبق في جسده مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله تعالى ورسوله، فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة في الدنيا، فسلب جميع ذلك حتى آلَ به الحال إلى أن أُلقي على مزبلة من مزابل البلدة (^١) هذه المدة بكمالها ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته ﵂ فإنها كانت لا تفارقه صباحًا ومساءً إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريبًا، فلما طال المطال، واشتد الحال، وانتهى القدر، وتم الأجل المقدر تضرع إلى ربِّ العالمين وإله المرسلين فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].\nوفي هذه الآية الكريمة قال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ قيل: بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي، فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين وأمره أن يقوم من مقامه وأن يركض الأرض برجله، ففعل فأنبع الله تعالى عينًا وأمره أن يغتسل منها، فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينًا أخرى وأمره أن يشرب منها، فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهرًا وباطنًا، ولهذا قال ﵎: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾.\nقال ابن جرير وابن أبي حاتم جميعًا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"إن نبي الله أيوب ﵊ لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين كانا من أخصِّ إخوانه به كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين. قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب ﵊: لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان\n_________\n(^١) هذا الكلام لا يليق بمقام نبي الله تعالى داود ﷺ، وهو من الإسرائيليات.","vol":"6","page":429},{"text":"فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق.\nقال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله ﵎ إلى أيوب ﵊ أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ فاستبطأته فالتفتت تنظر فأقبل عليها وقد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ فوالله القدير على ذلك ما رأيت رجلًا أشبه به منك إذ كان صحيحًا. قال: فإني أنا هو.\n\n<span id=\"aya-4013\"></span>قال: وكان له أندران (^١): أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله تعالى سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض (^٢)، هذا لفظ ابن جرير ﵀.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"بينما أيوب يغتسل عريانًا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب ﵊ يحثو في ثوبه فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال ﵊: بلى يا ربِّ ولكن لا غنى بي عن بركتك\" (^٣). انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به (^٤)، ولهذا قال ﵎: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾.\nقال الحسن وقتادة: أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم (^٥).\nوقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أي: به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه استكانته ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لذوي العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة.\n\n<span id=\"aya-4014\"></span>وقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ وذلك أن أيوب ﵊ كان قد غضب على زوجته ووجد عليها في أمر فعلته، قيل: باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه فلامها على ذلك وحلف إن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة، وقيل: لغير ذلك من الأسباب فلما شفاه الله وعافاه كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب فأفتاه الله ﷿ أن يأخذ ضغثًا وهو: الشمراخ فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة، وقد برَّت يمينه وخرج من حنثه ووفَّى بنذره، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أثنى الله تعالى عليه ومدحه بأنه ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي: رجاع منيب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، واستدل كثير من الفقهاء بهذه الآية الكريمة على مسائل في الأيمان وغيرها. وقد أخذوها بمقتضاها [ومنعت طائفة أخرى من الفقهاء من ذلك وقالوا: لم يثبت أن الكفارة كانت مشروعة في شرع\n_________\n(^١) الأندر: هو المخزن الكبير للطعام.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وهذا الخبر من الإسرائيليات ولبعضه شاهد صحيح كما سيأتي.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣١٤)، وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، الغسل، باب من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة (ح ٢٧٨).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن.","vol":"6","page":430},{"text":"أيوب ﵇، فلذلك رخص له في ذلك، وقد أغنى الله هذه الأمة بالكفارة] (^١)\n\n<span id=\"aya-4015\"></span>﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾.\nيقول ﵎ مخبرًا عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ يعني بذلك العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة.\nقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﵄ ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ يقول أولي القوة والعبادة ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ يقول الفقه في الدين (^٢).\nوقال مجاهد: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ يعني: القوة في طاعة الله تعالى والأبصار يعني: البصر في الحق (^٣).\nوقال قتادة والسدي: أعطوا قوة في العبادة وبصرًا في الدين (^٤).\n\n<span id=\"aya-4016\"></span>وقوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ قال مجاهد: أي: جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم غيرها (^٥) وكذا قال السدي: ذكرهم للآخرة وعملهم لها (^٦).\nوقال مالك بن دينار: نزع الله تعالى من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها، وكذا قال عطاء الخراساني.\nوقال سعيد بن جبير يعني بالدار: الجنة يقول أخلصناها لهم بذكرهم لها.\nوقال في رواية أخرى: ذكرى الدار عقبى الدار (^٧).\nوقال قتادة: كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة والعمل لها (^٨).\nوقال ابن زيد: جعل لهم خاصة أفضل شيء في الدار الآخرة (^٩).\n\n<span id=\"aya-4017\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ أي: لمن المختارين المجتبين الأخيار فهم أخيار مختارون.\n\n<span id=\"aya-4018\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾ قد تقدم الكلام على\n_________\n(^١) زيادة من (حم).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن مجاهد وهو لم يسمع منه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.","vol":"6","page":431},{"text":"قصصهم وأخبارهم مستقصاة في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما أغنى عن إعادته ههنا.\n\n<span id=\"aya-4019\"></span>وقوله: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أي: هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر، قال السدي: يعني القرآن (^١).\n\n<span id=\"aya-4020\"></span>﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾.\nيخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء أن لهم في الدار الآخرة لحسن مآب وهو المرجع والمنقلب ثم فسره بقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب والألف واللام ههنا بمعنى الإضافة كأنه يقول: مفتحة لهم أبوابها؛ أي: إذا جاءوها فتحت لهم أبوابها.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد [بن ثواب] (^٢) الهباري، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الله بن مسلم يعني: ابن هرمز، عن ابن سابط، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنة قصرًا يقال له: عدن حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب عند كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله - أو لا يسكنه - إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عدل\" (^٣). وقد ورد في ذكر أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من وجوه عديدة.\n\n<span id=\"aya-4021\"></span>وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ قيل: متربعين على سرر تحت الحجال ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أي: مهما طلبوا وجدوا وأحضر كما أرادوا ﴿وَشَرَابٍ﴾ أي: من أي أنواعه شاؤوا أتتهم به الخدام ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ [الواقعة].\n\n<span id=\"aya-4022\"></span>﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن ﴿أَتْرَابٌ﴾ أي: متساويات في السن والعمر هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والسدي (^٤).\n\n<span id=\"aya-4023\"></span>﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾ أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة هي التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار.\n\n<span id=\"aya-4024\"></span>ثم أخبر عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا زوال ولا انقضاء ولا انتهاء فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ كقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وكقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] وكقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي: غير مقطوع وكقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥]، والآيات في هذا كثيرة جدًا.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٣) سنده ضعيف لضعف عبد الله بن مسلم بن هرمز (التقريب ص ٣٢٣).\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"الأمثال\"، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"6","page":432},{"text":"<span id=\"aya-4025\"></span>\n\n<span id=\"aya-4026\"></span>﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾.\nلما ذكر ﵎ مآل السعداء ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وهم الخارجون عن طاعة الله المخالفون لرسل الله ﷺ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أي: لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله جل وعلا: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ أي: يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦)﴾\n\n<span id=\"aya-4027\"></span>\n\n<span id=\"aya-4028\"></span>﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)﴾ أما الحميم فهو الحار الذي قد انتهى حره، وأما الغساق فهو ضده وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم.\nولهذا قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ أي: وأشياء من هذا القبيل: الشيء وضده يعاقبون بها.\nقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لو أن دلوًا من غسَّاق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا\" (^١) ورواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج به ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين (^٢)، كذا قال وقد تقدم في غير حديثه، ورواه ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث به (^٣).\nوقال كعب الأحبار: غسَّاق عين في جهنَّم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية وعقرب وغير ذلك، فيستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه ويجر لحمه كله كما يجر الرجل ثوبه (^٤)، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾: ألوان من العذاب (^٥)، وقال غيره كالزمهرير (^٦) والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهوي إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة والجميع مما يعذبون به، ويهانون بسببه.\n\n<span id=\"aya-4029\"></span>وقوله: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩)﴾ هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] يعني: بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض، فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٨) وسنده ضعيف، لضعف رواية درَّاج عن أبي الهيثم.\n(^٢) سنن الترمذي، صفة جهنم، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار (ح ٢٥٨٤)، وسنده كسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري عن يونس به، وسنده كسابقه.\n(^٤) سنده ضعيف لإرسال كعب.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية عن أبي رجاء عن الحسن (المصنف ١٣/ ١٦٧ رقم ٦٠١٤) وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عن مُرَّة عن ابن مسعود.","vol":"6","page":433},{"text":"أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أي: داخل ﴿مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ أي: لأنهم من أهل جهنم\n\n<span id=\"aya-4030\"></span>﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أي: فيقول لهم الداخلون ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أي: دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أي: فبئس المنزل والمستقر والمصير\n\n<span id=\"aya-4031\"></span>﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾ كما [قال: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾] (^١) قال: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي لكل منكم عذاب بحسبه\n\n<span id=\"aya-4032\"></span>\n\n<span id=\"aya-4033\"></span>﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)﴾ هذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفقدون رجالًا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا: ما لنا لا نراهم معنا في النار؟\nقال مجاهد: هذا قول أبي جهل يقول: ما لي لا أرى بلالًا وعمارًا وصهيبًا (^٢) وفلانًا وفلانًا، وهذا ضرب مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾؟ يُسَلون أنفسهم بالمحال يقولون أو لعلهم معنا في جهنم ولكن لم يقع بصرنا عليهم، فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ إلى قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٤ - ٤٩].\n\n<span id=\"aya-4034\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ أي: إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض ولعن بعضهم لبعض لحق لا مرية فيه ولا شك.\n\n<span id=\"aya-4035\"></span>﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول للكفار بالله المشركين به المكذبين لرسوله إنما أنا منذر لست كما تزعمون ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه\n\n<span id=\"aya-4036\"></span>﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: هو مالك جميع ذلك ومتصرف فيه ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أي: غفار مع عظمته وعزته.\n\n<span id=\"aya-4037\"></span>\n\n<span id=\"aya-4038\"></span>﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ أي: خبر عظيم وشأن بليغ وهو إرسال الله تعالى إياي إليكم ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ أي: غافلون، قال مجاهد وشريح القاضي والسدي في قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ يعني: القرآن (^٣).\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات بنحوه لكنه مرسل.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق =","vol":"6","page":434},{"text":"<span id=\"aya-4039\"></span>\n\n<span id=\"aya-4040\"></span>وقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ أي: لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى؟ يعني: في شأن آدم ﵊ وامتناع إبليس من السجود له ومحاجته ربه في تفضيله عليه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هشام، حدثنا جهضَم اليماميَّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أبي سلَّام، عن أبي سلَّام، عن عبد الرحمن بن عائش، عن مالك بن يخامر، عن معاذ ﵁ قال: احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس فخرج ﷺ سريعًا فثوب بالصلاة فصلى وتجوز في صلاته، فلما سلَّم قال ﷺ: \"كما أنتم\" ثم أقبل إلينا فقال: \"إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي في أحسن صورة فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: لا أدري يا ربِّ - أعادها ثلاثًا - فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلَّى لي كل شيء وعرفت فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات. قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام في الجماعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللَّهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. وقال رسول الله ﷺ: إنها حق [فادرسوها] (^١) وتعلموها\" (^٢). فهو حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غلط وهو في السنن من طرق، وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي به، وقال حسن صحيح (^٣)، وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن فإن هذا قد فسر، وأما الاختصام الذي في القرآن فقد فسر بعد هذا وهو في قوله تعالى:\n\n<span id=\"aya-4041\"></span>\n\n<span id=\"aya-4042\"></span>\n\n<span id=\"aya-4043\"></span>\n\n<span id=\"aya-4044\"></span>\n\n<span id=\"aya-4045\"></span>\n\n<span id=\"aya-4046\"></span>\n\n<span id=\"aya-4047\"></span>\n\n<span id=\"aya-4048\"></span>\n\n<span id=\"aya-4049\"></span>\n\n<span id=\"aya-4050\"></span>\n\n<span id=\"aya-4051\"></span>﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾.\nهذه القصة ذكرها الله ﵎ في سورة البقرة وفي أول سورة الأعراف وفي سورة الحجر\n_________\n= محمد بن سيرين عن شريح القاضي، وأخرجه أيضًا الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^١) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صُحف إلى: \"فارسوها\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٢٢ - ٤٢٣ ح ٢٢١٠٩)، وضعفه محققوه لاضطرابه ومداره على عبد الرحمن بن عائش، ولكن لبعضه شواهد.\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ﴿ص﴾ (ح ٣٢٣٥).","vol":"6","page":435},{"text":"وسبحان والكهف وههنا وهي أن الله ﷾ أعلمَ الملائكة قبل خلق آدم ﵊ بأنه سيخلق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، وتقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته فليسجدوا له إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وامتثالًا لأمر الله ﷿، فامتثل الملائكة كلهم ذلك سوى إبليس ولم يكن منهم جنسًا كان من الجن، فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان إليه فاستنكف عن السجود لآدم وخاصم ربه ﷿ فيه وادَّعى أنه خير من آدم فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله تعالى وكفر بذلك فأبعده الله وأرغم أنفه وطرده من باب رحمته ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلامًا له بأنه قد أبلس من الرحمة وأنزله من السماء مذمومًا مدحورًا إلى الأرض فسأل الله النظرة إلى يوم البعث فانظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه. فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى.\n\n<span id=\"aya-4052\"></span>\n\n<span id=\"aya-4053\"></span>وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ كما قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء].\n\n<span id=\"aya-4054\"></span>\n\n<span id=\"aya-4055\"></span>وقوله ﵎: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع الحق الأول وفسره مجاهد بأن معناه أنا الحق والحق أقول (^١)، وفي رواية عنه: الحق مني وأقول الحق (^٢)، وقرأ آخرون بنصبهما (^٣).\nقال السدي: هو قسم أقسم الله به (^٤).\n(قلت): وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وكقوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾ [الإسراء].\n\n<span id=\"aya-4056\"></span>﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾.\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجرًا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أي: وما أريد على ما أرسلني الله تعالى به ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما أبتغي بذلك وجه الله ﷿ والدار الآخرة.\nقال سفيان الثوري: عن الأعمش ومنصور، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: أتينا عبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بثلاثة أسانيد يقوي بعضها بعضًا عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، ويتقوى بما سبق.\n(^٣) وقراءة فالحق بالرفع وبالنصب: فالحقَّ كلتاهما متواترتان.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"6","page":436},{"text":"مسعود ﵁ فقال: يا أيها الناس من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله قال لنبيكم ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ أخرجاه من حديث الأعمش به (^١).\n\n<span id=\"aya-4057\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ يعني: القرآن ذكر لجميع المكلفين به من الإنس والجن، قاله ابن عباس (^٢).\nوروى ابن أبي حاتم عن أبيه، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل: حدثنا قيس، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ قال: الجن والإنس (^٣).\nوهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧].\n\n<span id=\"aya-4058\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أي: خبره وصدقه ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أي: عن قريب قال قتادة: بعد الموت (^٤).\nوقال عكرمة: يعني يوم القيامة (^٥)، ولا منافاة بين القولين فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة.\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾: قال الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين (^٦).\nولله الحمد والمنَّة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص] (ح ٤٨٠٩)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٩٨).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير مطلع سورة الفاتحة.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير مطلع سورة الفاتحة.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أيوب السختياني عن عكرمة بمعناه وأطول.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن الحسن.","vol":"6","page":437},{"text":"<span data-type='title' id=toc-161>سُورَةُ الزُّمَر</span>\nوهي مكية\nقال النسائي: حدثنا محمد بن النضر بن مساور، حدثنا حماد، عن مروان أبي لبابة، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان ﷺ يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر (^١).\n\n<span id=\"aya-4059\"></span>﷽\n﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾.\nيخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن العظيم من عنده ﵎ فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء]، وقال ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]، وقال ها هنا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ أي: المنيع الجناب ﴿الْحَكِيمِ﴾ أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\n\n<span id=\"aya-4060\"></span>﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ أي: فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له.\n\n<span id=\"aya-4061\"></span>وقال قتادة في قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾: شهادة أن لا إله إلا الله (^٢).\nثم أخبر تعالى عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في مطلع تفسير سورة الإسراء.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"6","page":438},{"text":"عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به.\nقال قتادة والسدي ومالك، عن زيد بن أسلم وابن زيد: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة (^١)، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك.\nوهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردّها والنهي عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأنّ هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء].\nوأخبر أن الملائكة التي في السماوات من الملائكة المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، تعالى الله عن ذلك.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: سيفصل بين الخلائق يوم معادهم ويجزي كل عامل بعمله ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ أي: لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله تعالى وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه.\n\n<span id=\"aya-4062\"></span>ثم بيَّن تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى فقال: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: لكان الأمر على خلاف ما يزعمون وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه بل هو محال وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ [الأنبياء]، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف]، كل هذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم.\nوقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي كل شيء عبد لديه فقير إليه وهو الغني عما سواه الذي قد قهر الأشياء فدانت وذلّت وخضعت [﵎ عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا] (^٢).\n_________\n(^١) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أسباط عنه، وقول مالك عن زيد بسنده صحيح، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٢) زيادة من (مح).","vol":"6","page":439},{"text":"<span id=\"aya-4063\"></span>﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾.\nيخبر تعالى أنه الخالق لما في السماوات والأرض وما بين ذلك من الأشياء وبأنه مالك الملك المتصرف فيه يقلب ليله ونهاره ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ أي: سخرهما يجريان متعاقبين لا يفتران كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا كقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]، هذا معنى ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم (^١).\nوقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى مدة معلومة عند الله تعالى ثم ينقضي يوم القيامة ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أي: مع عزته وعظمته وكبريائه وهو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه.\n\n<span id=\"aya-4064\"></span>وقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة وهو آدم ﵊ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء ﵍ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي: خلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج وهي المذكورة في سورة الأنعام ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وقوله: [﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي] (^٢): يذرأكم في بطون أمهاتكم ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ يكون أحدكم أولًا نطفة ثم يكون علقة ثم يكون مضغة ثم يخلق فيكون لحمًا وعظمًا وعصبًا وعروقًا وينفخ فيه الروح فيصير خلقًا آخر ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].\nوقوله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ يعني: في ظلمة الرحم وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد وظلمة البطن، كذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو مالك والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد (^٣).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: هذا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وخلقكم وخلق\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بما يليه: وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه البُستي والطبري بسند حسن من طريق سماك عن عكرمة، وأخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.","vol":"6","page":440},{"text":"آباءكم هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: فيكون تعبدون معه غيره؟ أين يذهب بعقولكم؟\n\n<span id=\"aya-4065\"></span>﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾.\nيقول ﵎ مخبرًا عن نفسه ﵎ أنه الغني عما سواه من المخلوقات كما قال موسى ﵊: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] وفي صحيح مسلم: \"يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منك ما نقص ذلك من ملكي شيئًا\" (^١).\nوقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أي: لا يحبه ولا يأمر به ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي: يحبه لكم ويزدكم من فضله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تحمل نفس عن نفس شيئًا بل كل مطالب بأمر نفسه ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: فلا تخفى عليه خافية.\n\n<span id=\"aya-4066\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ أي: عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧]، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: في حال العافية يشرك بالله ويجعل له أندادًا ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي: قل لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه تمتع بكفرك قليلًا وهو تهديد شديد ووعيد أكيد كقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان].\n\n<span id=\"aya-4067\"></span>﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾.\nيقول تعالى: أمّنْ هذه صفته كمن أشرك بالله وجعل له أندادًا؟ لا يستوون عند الله كما قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران]، وقال ههنا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ أي: في حال سجوده وفي حال\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسيره سورة الرعد آية ٢٩.","vol":"6","page":441},{"text":"قيامه ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة وليس هو القيام وحده كما ذهب إليه آخرون.\nوقال الثوري، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: القانت المطيع لله ولرسوله ﷺ (^١).\nوقال ابن عباس والحسن والسدي وابن زيد: آناء الليل جوف الليل (^٢).\nوقال الثوري، عن منصور: بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء (^٣).\nوقال الحسن وقتادة: آناء الليل أوله وأوسطه وآخره (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أي: في حال عبادته خائف راجٍ ولا بد في العبادة من هذا وهذا وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب ولهذا قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فإذا كان عند الاحتضار فليكن الرجاء هو الغالب عليه كما قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت، عن أنس ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ على رجل وهو في الموت فقال له: \"كيف تجدك؟ \" فقال: أرجو وأخاف، فقال رسول الله ﷺ: \"لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه [الله] (^٥) الذي يرجو وأمنه الذي يخافه\" (^٦). رواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه من حديث سيار بن حاتم، عن جعفر بن سليمان (^٧) به وقال الترمذي غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت، عن النبي ﷺ مرسلًا (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبة، عن عبيدة النميري، حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى الخراز، حدثنا يحيى البكاء أنه سمع ابن عمر ﵄ يقرأ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قال ابن عمر: ذاك عثمان بن عفان ﵁ (^٩).\nوإنما قال ابن عمر ﵄ ذلك لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان ﵁ بالليل وقراءته حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة كما روى ذلك أبو عبيدة عنه رضي الله تعالى عنه (^١٠)، وقال الشاعر:\n_________\n(^١) سنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي في تفسير سورة آل عمران آية ١١٣.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق عن الثوري به في تفسير سورة آل عمران آية ١١٣، وسنده بلاغًا لا يعرف مفسره.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح)، وسقط لفظ الجلالة من الأصل.\n(^٦) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب رقم ١٣٧٠)، وسنده حسن.\n(^٧) سنن الترمذي، الجنائز، باب ١١ (ح ٩٨٣) وعمل اليوم والليلة (ح ١٠٦٢)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له (ح ٤٢٦١) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٧٨٥).\n(^٨) كذا في (حم) و(مح) وسنن الترمذي، وفي الأصل: عن ثابت عن أنس، ولا يستقيم لأن لفظ عن أنس مقحم.\n(^٩) سنده ضعيف لضعف أبي خلف عبد الله بن عيسى. (التقريب ص ٣١٧).\n(^١٠) في هذه الرواية مبالغة.","vol":"6","page":442},{"text":"ضحوا بأشمط عنوان السجود به … يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا (^١)\nوقال الإمام أحمد: كتب إليّ الربيع بن نافع، حدثنا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن سليمان بن موسى، عن كثير بن مرة، عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة\" (^٢). وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب، عن عبد الله بن يوسف والربيع بن نافع كلاهما عن الهيثم بن حميد به (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أندادًا ليضل عن سبيله ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لُبٌّ وهو العقل.\n\n<span id=\"aya-4068\"></span>﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده بالاستمرار على طاعته وتقواه ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ أي: لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم.\nوقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ قال مجاهد: فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان.\nوقال شريك: عن منصور عن عطاء في قوله ﵎: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ قال: إذا دعيتم إلى معصية فاهربوا ثم قرأ ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (^٤) [النساء: ٩٧].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال الأوزاعي ليس يوزن لهم ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفًا (^٥).\nوقال [ابن جريج] (^٦): بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك (^٧).\nوقال السدي: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يعني: في الجنة (^٨).\n\n<span id=\"aya-4069\"></span>وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ أي: إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له\n\n<span id=\"aya-4070\"></span>﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾.\nقال السدي: يعني من أمته ﷺ.\n_________\n(^١) البيت لحسان بن ثابت ﵁ كما في ديوانه ص ٢٤٨.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٣) وفي سنده سليمان بن موسى صدوق في حديثه بعض لين وخولط قبل موته (التقريب ص ٢٥٥). ويتقوى بما أخرجه الدارمي بسند حسن عن ابن عمر ﵄ موقوفًا. (السنن، فضائل القرآن، باب من قرأ بمائة آية ٢/ ٤٦٤).\n(^٣) السنن الكبرى رقم ١٠٥٥٣.\n(^٤) سنده حسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح عن قتادة بنحوه.\n(^٦) كذا في (حم) و(مح) والدر المنثور، وفي الأصل صحف إلى: \"ابن جرير\".\n(^٧) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن ابن جريج.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"6","page":443},{"text":"<span id=\"aya-4071\"></span>\n\n<span id=\"aya-4072\"></span>\n\n<span id=\"aya-4073\"></span>\n\n<span id=\"aya-4074\"></span>﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾.\nيقول تعالى: قل يا محمد وأنت رسول الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يوم القيامة وهذا شرط معناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأخرى ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ وهذا أيضًا تهديد وتبرّ منهم ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: إنما الخاسرون كل الخسران ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: تفارقوا فلا التقاء لهم أبدًا وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار أو أن الجميع أسكنوا النار ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي: هذا هو الخسران المبين الظاهر الواضح، ثم وصف حالهم في النار فقال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ كما قال: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾ [الأعراف]، وقال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾ [العنكبوت].\nوقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ أي: إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده لينزجروا عن المحارم والمآثم. وقوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ أي: اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.\n\n<span id=\"aya-4075\"></span>\n\n<span id=\"aya-4076\"></span>﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾.\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذرٍّ، وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم (^١).\nوالصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان وأناب إلى عبادة الرحمن فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ثم قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي: يفهمونه ويعملون بما فيه كقوله تعالى لموسى ﵊ حين آتاه التوراة ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥].\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ذوو العقول الصحيحة والفطر المستقيمة.\n\n<span id=\"aya-4077\"></span>﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)﴾.\nيقول تعالى: أفمن كتب [الله] (^٢) أنه شقي تقدر تنقذه مما هو فيه من الضلال والهلاك؟ أي:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، بدون عن أبيه، وفي الحالتين سنده ضعيف.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل غير واضحة.","vol":"6","page":444},{"text":"لا يهديه أحد من بعد الله لأنه من يضلل الله فلا هادي له ومن يهده فلا مضلَّ له.\n\n<span id=\"aya-4078\"></span>ثم أخبر عن عباده السعداء أن لهم غرفًا في الجنة وهي القصور؛ أي: الشاهقة ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ طباق فوق طباق مبنيات محكمات مزخرفات عاليات.\nقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي، حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنة لغرفًا يرى بطونها من ظهورها وظهورها من بطونها\" فقال أعرابي: لمن هي يا رسول الله؟ قال ﷺ: \"لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام\" (^١). ورواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق وقال حسن غريب: وقد تكلم بعض أهل العلم فيه من قبل حفظه (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن معانق أو أبي معانق، عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنة لغرفًا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصلى والناس نيام\" (^٣) تفرد به أحمد من حديث عبد الله بن معانق الأشعري، عن أبي مالك الأشعري ﵁ به.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في أفق السماء\" قال: فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش فقال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: \"كما تراءون الكوكب الذي في الأفق الشرقي أو الغربي\" (^٤). أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي حازم (^٥)، وأخرجاه أيضًا في الصحيحين من حديث مالك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا فزارة، أخبرني فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة أهل الغرف كما تراءون الكوكب الدرى الغارب في الأفق الطالع في تفاضل أهل الدرجات\"، فقالوا: يا رسول الله أولئك النبيون؟ فقال ﷺ: \"بلى والذي نفسي بيده أقوام آمنوا بالله وصدقوا الرسل\" (^٧). ورواه الترمذي\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٤٩ ح ١٣٣٨) وقال محققوه: حسن لغيره.\n(^٢) السنن، البر والصلة، باب ما جاء في قول المعروف (ح ١٩٨٤) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٦١٦).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٥٣٩ ح ٢٢٩٠٥)، وقال محققوه: إسناده حسن إن كان ابن معانق سمعه من أبي مالك. اهـ. ويشهد له سابقه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٤٠) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار (ح ٦٥٥٥) وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها (ح ٢٨٣٠).\n(^٦) المصدران السابقان (ح ٦٥٥٦ وح ٢٨٣١).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ١٧٨ ح ٨٤٧١). وصحح سنده محققوه.","vol":"6","page":445},{"text":"عن سويد، عن ابن المبارك، عن فليح به وقال حسن صحيح (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر وأبو كامل قالا: حدثنا زهير، حدثنا سعد الطائي، حدثنا أبو المدله مولى أم المؤمنين ﵂ أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قلنا يا رسول الله إنا إذا رأيناك رقَّت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة فإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا وشممنا النساء والأولاد قال ﷺ: \"لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم\" قلنا: يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال ﷺ: \"لبنة ذهب ولبنة فضة وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران من يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا تردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماوات ويقول الربُّ ﵎: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين\" (^٢) وروى الترمذي وابن ماجه بعضه من حديث سعد بن أبي مجاهد الطائي وكان ثقة عن أبي المدله وكان ثقة به (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: تسلك الأنهار من خلال ذلك كما يشاؤون وأين أرادوا ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي ذكرنا وعده الله عباده المؤمنين ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4079\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾.\nيخبر تعالى أن أصل الماء من السماء كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] فإذا أنزل الماء من السماء كمن في الأرض ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء وينبعه عيونًا ما بين صغار وكبار بحسب الحاجة إليها، ولهذا قال: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو قتيبة عتبة بن [اليقظان] (^٤)، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء ولكن عروق في الأرض تغيره فذلك قوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ فمن سرَّه أن يعود الملح عذبًا فليصعده (^٥)، وكذا قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي أن كل ماء في الأرض فأصله من السماء (^٦).\n_________\n(^١) السنن، صفة الجنة، باب ما جاء في ترائي أهل الجنة في الغرف (ح ٢٢٥٦).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣/ ٤١٠ ح ٨٠٤٣) وقال محققوه: حديث صحيح بطرقه وشواهده.\n(^٣) سنن الترمذي، الدعوات، باب في العفو والعافية (ح ٣٥٩٨)، وسنن ابن ماجه، الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته (ح ١٧٥٢).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وترجمته، وفي الأصل صحف إلى: \"يعصان\".\n(^٥) سنده ضعيف لضعف عتبة بن يقظان.\n(^٦) أخرجه أبو الشيخ (العظمة رقم ٧٣٨)، والطبري كلاهما من طريق جابر عن الشعبي بنحوه، وجابر هو الجعفي وهو ضعيف.","vol":"6","page":446},{"text":"وقال سعيد بن جبير: أصله من الثلج يعني: أن الثلج يتراكم على الجبال فيسكن في قرارها فتنبع العيون من أسافلها.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي: ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعًا مختلفًا ألوانه؛ أي: أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: بعد نضارته وشبابه يكتهل فتراه مصفرًا قد خالطه اليبس ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ أي: ثم يعود يابسًا يتحطم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: الذي يتذكرون بهذا فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا تكون خضرة نضرة حسناء ثم تعود عجوزًا شوهاء والشاب يعود شيخًا هرمًا كبيرًا ضعيفًا وبعد ذلك كله الموت، فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير، وكثيرًا ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء وينبت به زرعًا وثمارًا ثم يكون بعد ذلك حطامًا كما قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ [الكهف].\n\n<span id=\"aya-4080\"></span>وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، ولهذا قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: فلا تلين عند ذكره ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-4081\"></span>﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾.\nهذا مدح من الله ﷿ لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسوله الكريم. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾.\nقال مجاهد: يعني القرآن كله متشابه مثاني (^١).\nوقال قتادة: الآية تشبه الآية والحرف يشبه الحرف (^٢).\nوقال الضحاك: مثاني ترديد القول ليفهموا عن ربهم ﵎.\nوقال عكرمة والحسن: ثنى الله فيه القضاء زاد الحسن تكون السورة فيها آية وفي السورة الأخرى آية تشبهها (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: مثاني مُرَدَّدٌ رُدِّد موسى في القرآن وصالح وهود والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمكنة كثيرة (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.","vol":"6","page":447},{"text":"وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: مثاني قال: القرآن يشبه بعضه بعضًا ويرد بعضه على بعض (^١).\nوقال بعض العلماء: ويروى عن سفيان بن عيينة معنى قوله تعالى: ﴿مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ أنّ سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد فهذان من المتشابه وتارة تكون بذكر الشيء وضده كذكر المؤمنين ثم الكافرين وكصفة الجنة ثم صفة النار (^٢) وما أشبه هذا فهذا من المثاني كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار]، وكقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ إلى أن قال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾ [المطففين]، ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾ إلى أن قال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥)﴾ [ص]، ونحو هذا من السياقات.\nفهذا كله من المثاني؛ أي: في معنيين اثنين وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضه بعضًا فهو المتشابه وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] ذاك معنى آخر. وقوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه:\nأحدها: أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات.\nالثاني: أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم كما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ [الفرقان]، أي: لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها بل مصغين إليها فاهمين بصيرين بمعانيها فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.\nالثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة ﵃ عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله ﷺ تقشعر جلودهم ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون بما ليس فيهم بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك، ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة.\nقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، قال: تلا قتادة ﵀: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ\n_________\n(^١) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وأخرجه الطبري عن سعيد بن جبير بدون ذكر ابن عباس ﵄.\n(^٢) عزاه الماوردي إلى سفيان بدون سند (النكت والعيون ٥/ ١٢٣)، وأخرجه البستي بمعناه بسند صحيح عن ابن أبي عمر العدني عن سفيان.","vol":"6","page":448},{"text":"تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذلك الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان (^١).\nوقال السدي: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: إلى وعد الله.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هذه صفة من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-4082\"></span>﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ويُفزع فيُقال له ولأمثاله من الظالمين: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ كمن يأتي آمنًا يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ [الملك]، وقال: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾ [القمر]، وقال: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]، واكتفى في هذه الآية بأحد القسمين عن الآخر. كقول الشاعر:\nفما أدري إذا يممت أرضًا … أريدُ الخيرَ أيهما يليني؟\nيعني: الخير أو الشر.\n\n<span id=\"aya-4083\"></span>وقوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥)﴾ يعني: القرون الماضية المكذبة للرسل أهلكهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق،\n\n<span id=\"aya-4084\"></span>وقوله: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بما أنزل بهم من العذاب والنكال وتشفي المؤمنين بهم، فليحذر المخاطبون من ذلك فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل وخاتم الأنبياء ﷺ والذي أعده الله ﷻ لهم في الآخرة من العذاب الشديد أعظم مما أصابهم في الدنيا ولهذا قال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4085\"></span>﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: بينا للناس فيه بضرب الأمثال ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فإن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] أي: تعلمونه من أنفسكم، وقال ﷿: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت].\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"6","page":449},{"text":"<span id=\"aya-4086\"></span>وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي: هو قرآن بلسان عربي مبين لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله تعالى كذلك، وأنزله بذلك ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يحذرون ما فيه من الوعيد ويعملون بما فيه من الوعد.\n\n<span id=\"aya-4087\"></span>ثم قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي: يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا﴾ أي: سالمًا ﴿لِرَجُلٍ﴾ أي: خالصًا لا يملكه أحد غيره ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾؟ أي: لا يستوي هذا وهذا. كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له؟ فأين هذا من هذا؟\nقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هذه الآية ضربت مثلًا للمشرك والمخلص (^١).\nولما كان هذا المثل ظاهرًا بينًا جليًا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: على إقامة الحجة عليهم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلهذا يشركون بالله.\n\n<span id=\"aya-4088\"></span>وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق ﵁ عند موت الرسول ﷺ حتى تحقق الناس موته مع قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران]، ومعنى هذه الآية أنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله تعالى في الدار الآخرة وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله ﷿ فيفصل بينكم ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين.\n\n<span id=\"aya-4089\"></span>ثم إن هذه الآية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة فإنها شاملة لكل المتنازعين في الدنيا فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة.\nوقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن أبي حاطب - يعني: يحيى بن عبد الرحمن -، عن [ابن] (^٢) الزبير [﵄] (^٣) قال: لما نزلت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ قال الزبير ﵁: يا رسول الله أتكرر علينا الخصومة؟ قال ﷺ: \"نعم\" قال ﵁: إن الأمر إذًا لشديد: وكذا رواه الإمام أحمد، عن سفيان وعنده زيادة، ولما نزلت ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر] قال الزبير ﵁: أي: رسول الله؛ أي نعيم نسأل عنه؟ وإنما نعيمنا الأسودان: التمر والماء، قال ﷺ: \"أما إن ذلك سيكون\" (^٤). وقد روى هذه الزيادة الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان به وقال الترمذي: حسن (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) زياد من (حم) و(مح).\n(^٣) زيادة من (مح).\n(^٤) سنده حسن، وسيأتي ما يؤيد ذلك.\n(^٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة التكاثر (ح ٣٣٥٦) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٧٢).","vol":"6","page":450},{"text":"وقال أحمد أيضًا: حدثنا ابن نمير، حدثنا محمد - يعني: ابن عمرو -، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام ﵁ قال: لما نزلت هذه السورة على رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ قال الزبير ﵁: أي رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال ﷺ: \"نعم ليكررن عليكم حتى يؤدي إلى كل ذي حق حقه\" قال الزبير ﵁: والله إن الأمر لشديد (^١). ورواه الترمذي من حديث محمد بن عمرو به وقال: حسن صحيح (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي عشانة، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أول الخصمين يوم القيامة جاران\" (^٣). تفرد به أحمد.\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتا\" (^٤) تفرد به أحمد ﵀.\nوفي المسند عن أبي ذرٍّ ﵁ أنه قال: رأى رسول الله ﷺ شاتين تنتطحان فقال: \"أتدري فيم تنتطحان يا أبا ذرّ؟ \" قلت: لا. قال ﷺ: \"ولكن الله يدري وسيحكم بينهما\" (^٥).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن محمد، حدثنا حيان بن أغلب، حدثنا أبي، حدثنا ثابت، عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يجاء بالإمام الجائر الخائن يوم القيامة فتخاصمه الرعية فيفلجون (^٦) عليه فيقال له: سد ركنًا من أركان جهنم\" (^٧) ثم قال: الأغلب بن تميم ليس بالحافظ.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ يقول: يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر (^٨).\nوقد روى ابن منده في كتاب (الروح)، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: يختصم الناس يوم القيامة حتى تختصم الروح مع الجسد، فتقول الروح للجسد: أنتَ فعلتَ. ويقول الجسد للروح: أنتِ أمرتِ وأنتِ سولتِ، فيبعث الله ملكًا يفصل بينهما فيقول لهما: إنّ مثلكما كمثل رجل مقعد بصير والآخر ضرير دخلا بستانًا، فقال المقعد للضرير: إني أرى ههنا ثمارًا ولكن لا أصل إليها، فقال له الضرير: اركبني، فتناولها فركبه فتناولها فأيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما، فيقول لهما\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٦٧) وسنده حسن.\n(^٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الزمر (ح ٣٢٣٦).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥١) وحسن سنده الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٤٩) وحسنه أيضًا السيوطي في الدر المنثور.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٩) وسنده ضعيف وله شواهد تقويه منها في صحيح مسلم، البر، باب تحريم الظلم (ح ٢٥٨٢).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣٥/ ٣٤٥ ح ٢١٤٣٨) وحسن سنده محققوه بالطرق والشواهد.\n(^٦) أي: يظهروا عليه الحجة.\n(^٧) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ١٦٤٤)، وسنده ضعيف لضعف أغلب بن تميم (لسان الميزان ١/ ٤٦٤).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"6","page":451},{"text":"الملك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما؛ يعني: أن الجسد للروح كالمطية وهي راكبة (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن أحمد بن عوسجة، حدثنا ضرار، حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا منصور بن سلمة، حدثنا القمي يعني: يعقوب بن عبد الله، عن جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄ قال: نزلت هذه الآية وما نعلم في أي شيء نزلت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ قال: قلنا من نخاصم؟ ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة فمن نخاصم؟ حتى وقعت الفتنة فقال ابن عمر: هذا الذي وعدنا ربنا ﷿ نختصم فيه (^٢)، ورواه النسائي، عن محمد بن عامر، عن منصور بن سلمة به (^٣).\nوقال أبو العالية في قوله ﵎: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ قال: يعني أهل القبلة (^٤).\nوقال ابن زيد: يعني أهل الإسلام وأهل الكفر، وقد قدمنا أن الصحيح العموم، والله أعلم (^٥).\n\n<span id=\"aya-4090\"></span>﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا المشركين الذين افتروا على الله وجعلوا معه آلهة أخرى وادعوا أن الملائكة بنات الله وجعلوا لله ولدًا تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا، ومع هذا كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولهذا قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ أي: لا أحد أظلم من هذا لأنه جمع بين طرفي الباطل: كذب على الله وكذب رسول الله، قالوا الباطل وردُّوا الحق ولهذا قال متوعدًا لهم: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ وهم الجاحدون المكذبون.\n\n<span id=\"aya-4091\"></span>ثم قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد: الذي جاء بالصدق هو الرسول ﷺ (^٦).\nوقال السدي: هو جبريل ﵇ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ (^٧).\n_________\n(^١) كتاب \"الروح\" لابن مندة من الكتب التي لم أعثر عليها وقد أفاد منه العلامة: ابن قيم الجوزية في كتابه \"الروح\".\n(^٢) أخرجه الحاكم من طريق القاسم بن عوف الشيباني عن ابن عمر نحوه، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤/ ٥٧٢) ونسبه الهيثمي إلى الطبراني وقال: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ١٠٠).\n(^٣) السنن الكبرى رقم ١١٤٤٧.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر بن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه أيضًا الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب بن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"6","page":452},{"text":"وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قال: من جاء بلا إله إلا الله ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يعني: رسول الله ﷺ (^١).\nوقرأ الربيع بن أنس \"والذين جاءوا بالصدق\" (^٢) يعني: الأنبياء ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يعني: الأتباع.\nوقال ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: أصحاب القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة فيقولون: هذا ما أعطيتمونا فعملنا فيه بما أمرتمونا (^٣). وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين فإن المؤمنين يقولون الحق ويعملون به والرسول ﷺ أولى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير فإنه جاء بالصدق وصدق المرسلين وآمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ هو رسول الله ﷺ: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال المسلمون: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4092\"></span>\n\n<span id=\"aya-4093\"></span>قال ابن عباس: اتقوا الشرك (^٥). ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: في الجنة مهما طلبوا وجدوا ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ [الأحقاف].\n\n<span id=\"aya-4094\"></span>\n\n<span id=\"aya-4095\"></span>﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقرأ بعضهم \"عباده\" (^٦)؛ يعني: أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه.\nوقال ابن أبي حاتم ههنا: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا أبو هانئ، عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي، عن فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"أفلح من هُدِيَ إلى الإسلام وكان عيشه كفافًا وقنع به\" (^٧) [ورواه\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) وهي قراءة شاذة تفسيرية، ونسبها الطبري إلى ابن مسعود.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق وسفيان بن عيينة في تفسير (كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩٨) والبستي كلهم بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد.\n(^٤) تقدم تخريجه قبل أربع حواشي.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٦) وهي قراءة متواترة.\n(^٧) أخرجه الترمذي من طريق أبي هاني الخولاني به وصححه (السنن، الزهد باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه ح ١٣٤٩) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح ١٩١٥.\nوأخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن وهب عن أبي هاني به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٢٢).","vol":"6","page":453},{"text":"الترمذي والنسائي من حديث حيوة بن شريح، عن أبي هانئ الخولاني به وقال الترمذي: صحيح] (^١).\n﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: المشركين يخوفون الرسول ﷺ ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله جهلًا منهم وضلالًا ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧)﴾؟ أي: منيع الجناب لا يضام من استند إلى جنابه ولجأ إلى بابه فإنه العزيز الذي لا أعزَّ منه ولا أشد انتقامًا منه ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله ﷺ.\n\n<span id=\"aya-4096\"></span>وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ يعني: المشركين كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق للأشياء كلها ومع هذا يعبدون معه غيره مما لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا ولهذا قال ﵎: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾؟ أي: لا تستطيع شيئًا من الأمر.\nوذكر ابن أبي حاتم ههنا حديث قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا \"احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، جفت الصحف ورفعت الأقلام واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصوم على ما تكره خيرًا كثيرًا. وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرًا\" (^٢).\n﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي: الله كافيّ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧] كما قال هود ﵊ حين قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا محمد بن حاتم، عن أبي المقدام مولى آل عثمان، عن محمد بن كعب القرظي، حدثنا ابن عباس ﵄ رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: \"من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى، ومن أحبَّ أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-4097\"></span>وقوله: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: على طريقتكم وهذا تهديد ووعيد ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من طريق قيس بن الحجاج به (المسند ٤/ ٤٠٩ - ٤١٠ ح ٢٦٦٩) وقال محققوه: إسناده قوي. اهـ. وكذا أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (السنن صفة القيامة - ح ٢٥١٦).\n(^٣) سنده ضعيف لضعف أبي المقدام، وأخرجه العقيلي ثم قال: وليس لهذا الحديث طريق يثبت (الضعفاء الكبير ٤/ ٣٤١).","vol":"6","page":454},{"text":"أي: على طريقتي ومنهجي ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ستعلمون غب ذلك ووباله\n\n<span id=\"aya-4098\"></span>﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: في الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر لا محيد عنه، وذلك يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-4099\"></span>﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا رسوله محمد ﷺ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يعني: القرآن ﴿لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي: لجميع الخلق من الإنس والجن لتنذرهم به ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: فإنما يعود نفع ذلك إلى نفسه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: إنما يرجع وبال ذلك على نفسه ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: بموكل أن يهتدوا ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢]، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].\n\n<span id=\"aya-4100\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان والوفاة الصغرى عند المنام كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام]، فذكر الوفاتين الصغرى ثم الكبرى وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى ولهذا قال ﵎: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فيه دلالة على أنه تجتمع في الملأ الأعلى كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره.\nوفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا آوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمهما، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين\" (^١).\nوقال بعض السلف: تقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا فتتعارف ما شاء الله تعالى أن تتعارف ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ التي قد ماتت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى (^٢).\nقال السدي: إلى بقية أجلها (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الدعوات، باب التعوذ والقراءة عند المنام (ح ٦٣٢٠)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم (ح ٢٧١٤).\n(^٢) أخرجه الطبري وأبو الشيخ (العظمة رقم ٤٣١) وبقي ابن مخلد (كما في التمهيد ٥/ ٢٤١ لابن عبد البر)، عن سعيد بن جبير، وسنده مرسل.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي مطولًا.","vol":"6","page":455},{"text":"وقال ابن عباس: يمسك أنفس الأموات ويرسل أنفس الأحياء ولا يغلط: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-4101\"></span>﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾.\nيقول تعالى ذامًّا للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله وهم الأصنام والأنداد التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان حداهم على ذلك، وهي لا تملك شيئًا من الأمر بل وليس لها عقل تعقل به ولا سمع تسمع به ولا بصر تبصر به بل هي جمادات أسوأ من الحيوان بكثير.\n\n<span id=\"aya-4102\"></span>ثم قال: قل؛ أي. يا محمد، لهؤلاء الزاعمين أن ما اتخذوه من شفعاء لهم عند الله تعالى أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له فمرجعها كلها إليه ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المتصرف في جميع ذلك ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة فيحكم بينكم بعدله ويجزي كلًا بعمله،\n\n<span id=\"aya-4103\"></span>ثم قال تعالى ذامًّا للمشركين أيضًا: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ أي: إذا قيل لا إله إلا الله وحده ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾.\nقال مجاهد: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾: انقبضت (^٢).\nوقال السدي: نفرت (^٣).\nوقال قتادة: كفرت واستكبرت (^٤).\nوقال مالك: عن زيد بن أسلم استكبرت (^٥)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات] أي: عن المتابعة والانقياد لها فقلوبهم لا تقبل الخير ومن لم يقبل الخير يقبل الشر، لهذا قال: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأنداد.\nقال مجاهد: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: يفرحون ويسرون.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (المعجم الأوسط ١/ ١١٧ ح ١٢٢) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ١٠٠) وكذا أخرجه الضياء المقدسي (المختار ١٠/ ١٢٢).\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) سنده صحيح.","vol":"6","page":456},{"text":"<span id=\"aya-4104\"></span>﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾.\nيقول ﵎ بعد ما ذكر عن المشركين ما ذكر من المذمة لهم في حبهم الشرك ونفرتهم عن التوحيد ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: ادع أنت الله وحده لا شريك له الذي خلق السماوات والأرض وفطرها؛ أي: جعلها على غير مثال سبق ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: السر والعلانية ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: في دنياهم ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم وقيامهم من قبورهم.\nقال مسلم في صحيحه: حدثنا عبد بن حُميد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة ﵂ بأي شيء كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته: \"اللَّهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا سهيل، عن أبي صالح وعبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"من قال اللَّهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا الله أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدًا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدًا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، إلا قال ﷿ لملائكته يوم القيامة: إن عبدي قد عهد إليَّ عهدًا فأوفوه إياه فيدخله الله الجنة\" قال سهيل: فأخبرت القاسم بن عبد الرحمن أن عونًا أخبر بكذا وكذا فقال: ما فينا جارية إلا وهي تقول هذا في خدرها (^٢). انفرد به الإمام أحمد.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حُييّ بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمن حدثه قال: أخرج لنا عبد الله بن عمرو ﵄ قرطاسًا وقال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا نقول: اللَّهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت ربُّ كل شيء وإله كل شيء أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدًا عبدك ورسولك والملائكة يشهدون، أعوذ بك من الشيطان وشركه، وأعوذ بك من أن أقترف على نفسي إثمًا أو أجره إلى مسلم. قال أبو عبد الرحمن ﵁ كان رسول الله ﷺ يعلمه عبد الله بن عمرو ﵄ أن يقول ذلك\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ح ٧٧٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤١٢) وسنده منقطع لأن عون بن عبد الله لم يسمع من ابن مسعود ﵁ (ينظر مجمع الزوائد ١٠/ ١٧٤).","vol":"6","page":457},{"text":"حين يريد أن ينام (^١). تفرد به أحمد أيضًا.\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي راشد الحبراني قال: أتيت عبد الله بن عمرو ﵄ فقلت له حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ فألقى بين يدي صحيفة فقال: هذا ما كتب لي رسول الله، فنظرت فيها فإذا فيها أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت. فقال له رسول الله ﷺ: \"يا أبا بكر قل اللَّهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت ربُّ كل شيء ومليكه أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه أو أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم\" (^٢). ورواه الترمذي، عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش به وقال حسن غريب من هذا الوجه (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا شيبان، عن ليث، عن مجاهد قال: قال أبو بكر الصديق: أمرني رسول الله ﷺ أن أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعي من الليل: اللَّهم فاطر السماوات والأرض إلخ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4105\"></span>\n\n<span id=\"aya-4106\"></span>وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المشركون ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أي: ولو أن جميع ما في الأرض وضعفه معه ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ﴾ أي: الذي أوجبه الله تعالى لهم يوم القيامة ومع هذا لا يقبل منهم الفداء ولو كان ملء الأرض ذهبًا كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أي: وظهر لهم من الله من العذاب والنكال بهم ما لم يكن في بالهم ولا في حسابهم ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي: وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من المحارم والمآثم ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدنيا.\n\n<span id=\"aya-4107\"></span>﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه في حال الضرّاء يتضرع إلى الله ﷿ وينيب إليه ويدعوه وإذا خوله نعمة منه بغى وطغى وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: لما يعلم الله تعالى من استحقاقي له ولولا أني عند الله خصيص لما خولني هذا.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ١٧١ ح ٦٥٩٧) وصححه لغيره محققوه بالشواهد.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ١١/ ٤٣٨ ح ٦٨٥١) وحسن سنده محققوه.\n(^٣) سنن الترمذي، الدعوات، باب ٩٥ (ح ٣٥٢٩)، وأخرجه البخاري من طريق إسماعيل بن عياش به (الأدب المفرد ح ١٢٠٤) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٩١٤).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٤) وسنده ضعيف لأن مجاهدًا لم يسمع من أبي بكر ﵁ وقد توبع كما في الرواية السابقة فيرتقي إلى الحسن لغيره.","vol":"6","page":458},{"text":"قال قتادة: على علم عندي على خير عندي (^١). قال الله ﷿: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي: ليس الأمر كما زعم بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي مع علمنا المتقدم بذلك فهي فتنة؛ أي: اختبار ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فلهذا يقولون ما يقولون ويدعون ما يدعون\n\n<span id=\"aya-4108\"></span>﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: قد قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: فما صحَّ قولهم ولا منعهم جمعهم وما كانوا يكسبون\n\n<span id=\"aya-4109\"></span>\n\n<span id=\"aya-4110\"></span>﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ أي: من المخاطبين ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي: كما أصاب أولئك ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ كما قال ﵎ مخبرًا عن قارون أنه قال له قومه: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ [سبأ]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يوسعه على قوم ويضيقه على آخرين ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لعبرًا وحججًا.\n\n<span id=\"aya-4111\"></span>﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾.\nهذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه.\nقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم قال يعلى إن سعيد بن جبير أخبره، عن ابن عباس ﵄ أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] (^٢) ونزل ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] ح ٤٨١٠).","vol":"6","page":459},{"text":"اللَّهِ﴾ وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن جريج، عن يعلى بن مسلم المكي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به (^١).\nوالمراد من الآية الأولى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية [الفرقان: ٧٠].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل قال: سمعت أبا عبد الرحمن المُزَني يقول: سمعت ثوبان مولى رسول الله ﷺ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآية فقال رجل يا رسول الله فمن أشرك؟ فسكت النبي ﷺ ثم قال: \"ألا ومن أشرك\" ثلاث مرات (^٢). تفرد به الإمام أحمد.\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا [سُريج] (^٣) بن النعمان، حدثنا نوح بن قيس، عن أشعث بن جابر الحداني، عن مكحول، عن عمرو بن عنبسة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ شيخ كبير يدعم على عصا له فقال: يا رسول الله لي غدرات وفجرات فهل يغفر لي؟ فقال ﷺ: \"ألست تشهد أن لا إله إلا الله؟ \" قال: بلى وأشهد أنك رسول الله فقال ﷺ: \"قد غفر لك غدراتك وفجراتك\" (^٤). تفرد به أحمد.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] (^٥) وسمعته يقول ﷺ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولا يبالي (^٦) ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (^٧) ورواه أبو داود والترمذي من حديث ثابت به (^٨).\nفهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة ولا يقنطن عبد من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه وكثرت فإن باب الرحمة والتوبة واسع قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء]، وقال تعالى في حق المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ [النساء]، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله (ح ١٢٢)، وسنن أبي داود، الفتن، باب في تعظيم قتل المؤمن ح ٤٢٧٤، وسنن النسائي، تحريم الدم، باب تعظيم الدم ٧/ ٨٦.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٤٥ ح ٢٢٣٦٢) وضعف سنده محققوه.\n(^٣) كذا في المسند، وفي الأصل: و(حم) و(مح) صحف إلى: \"شريح\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢/ ١٧١ ح ١٩٤٣٢) وصححه محققوه بشواهده.\n(^٥) وهي قراءة متواترة في سورة هود آية ٤٦.\n(^٦) وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٥٤٩ ح ٢٧٥٦٩)، وضعف سنده محققوه وذكروا أن الشطر الأول محتمل للتحسين بشاهده.\n(^٨) سنن أبي داود، الحروف والقراءات (ح ٣٩٨١)، وسنن الترمذي، القراءات، باب ومن سورة هود (ح ٢٩٣١).","vol":"6","page":460},{"text":"يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [المائدة] ثم قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠].\nقال الحسن البصري رحمة الله عليه: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة والآيات في هذا كثيرة جدًا.\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد ﵁، عن رسول الله ﷺ حديث الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا ثم ندم وسأل عابدًا من عباد بني إسرائيل هل له من توبة، فقال: لا فقتله وأكمل به مائة ثم سأل عالمًا من علمائهم هل له من توبة فقال ومن يحل بينك وبين التوبة. ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها فقبضته ملائكة الرحمة، وذكر أنه نأى بصدره عند الموت وأن الله ﵎ أمر البلدة الخيرة أن تقترب وأمر تلك البلدة أن تتباعد (^١)، هذا معنى الحديث وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ إلى آخر الآية. قال: قد دعا الله تعالى إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عزيرًا ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة يقول الله تعالى لهؤلاء: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة] ثم دعا إلى التوبة من هو أعظم قولًا من هؤلاء، من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨].\nقال ابن عباس: من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه (^٢).\nوروى الطبراني من طريق الشعبي عن [شُتير] (^٣) بن شَكل أنه قال: سمعت ابن مسعود يقول إن أعظم آية في كتاب الله ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ وإن أكثر آية في القرآن فرجًا في سورة الزمر ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وإن أشد آية في كتاب الله تفويضًا ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] فقال له مسروق صدقت (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب رقم ٥٤ ح ٣٤٧٠، وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثُر قتله (ح ٢٧٦٦).\n(^٢) عزاه بطوله السيوطي إلى الطبري وابن المنذر. ولم أجده في تفسير الطبري.\n(^٣) كذا في (حم) والطبري، وفي الأصل صُحف إلى: \"سنيد\".\n(^٤) أخرجه الطبراني من طريق منصور عن الشعبي به (المعجم الكبير ح ٨٦٥٩ و٨٦٦٠)، وأخرجه البستي من طريق منصور عن الشعبي عن مسروق وشتير به، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق منصور به.","vol":"6","page":461},{"text":"وقال الأعمش: عن أبي سعيد، عن أبي الكنود قال: مرَّ عبد الله - يعني: ابن مسعود ﵁ على قاص وهو يذكر الناس فقال: يا مذكر لم تقنط الناس من رحمة الله؟ ثم قرأ ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (^١). رواه ابن أبي حاتم.\nذكر أحاديث فيها نفي القنوط.\nقال الإمام أحمد: حدثنا [سريج] (^٢) بن النعمان، حدثنا أبو عبيدة عبد المؤمن بن عبيد الله، حدثني أخشن السدوسي قال: دخلت على أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله تعالى لغفر لكم، والذي نفس محمد ﷺ بيده لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم\" (^٣). تفرد به أحمد.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني الليث، حدثني محمد بن قيس قاص عمر بن عبد العزيز، عن أبي صِرْمة، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت منكم شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ يقول: \"لولا أنكم تذنبون لخلق الله ﷿ قومًا يذنبون فيغفر لهم\" (^٤) هكذا رواه الإمام أحمد وأخرجه مسلم في صحيحه والترمذي جميعًا عن قتيبة، عن الليث بن سعد به (^٥). ورواه مسلم من وجه آخر به عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي صرمة وهو الأنصاري صحابي، عن أبي أيوب ﵄ به (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك الحراني، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النُكري، قال: سمعت أبي يحدث، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كفارة الذنب الندامة\" وقال رسول الله ﷺ: \"لو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيغفر لهم\" (^٧). تفرد به أحمد.\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني عبد الأعلى بن حماد القرشي، حدثنا داود بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عبد الله مسلمة بن عبد الله الرازي، عن أبي عمرو البجلي، عن عبد الملك بن سفيان الثقفي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن محمد بن الحنفية، عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله تعالى يحب العبد المُفتَّن التواب\" (^٨). ولم يخرجوه من هذا الوجه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية ويعلى بن عبيد عن الأعمش به (المصنف ٨/ ١٠٧) وسنده حسن.\n(^٢) كذا في المسند، وفي الأصل و(حم) و(مح) صحف إلى: \"شُريح\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١/ ١٤٦ ح ١٣٤٩٣)، وصححه محققوه بالشواهد.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤١٤) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح مسلم، التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار (ح ٢٧٤٨/ ٩)، وسنن الترمذي، الدعوات، باب فضل التوبة والاستغفار (ح ٣٥٣٩).\n(^٦) المصدر السابق (ح ٢٧٤٨/ ١٠).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٧٩ ح ٢٦٢٣)، وقال محققوه: حسن لغيره.\n(^٨) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٢ ح ٦٠٥) وقال محققوه: إسناده ضعيف جدًا شبه موضوع.","vol":"6","page":462},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت وحميد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: إن إبليس لعنه الله تعالى قال: يا ربِّ إنك أخرجتني من الجنة من أجل آدم وإني لا أستطيعه إلا بسلطانك قال: فأنت مسلط، قال: يا ربِّ زدني، قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله، قال: يا ربِّ زدني، قال: أجعل صدورهم مساكن لكم وتجرون منهم مجرى الدم. قال: يا ربِّ زدني قال: أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا، فقال آدم ﵊: يا ربِّ قد سلطته عليَّ وإني لا أمتنع إلا بك. قال ﵎: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء، قال: يا ربِّ زدني قال: الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أمحوها. قال: يا ربِّ زدني. قال: باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد. قال: يا ربِّ زدني. قال: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (^١).\nوقال محمد بن إسحاق: قال نافع: عن عبد الله بن عمر، عن عمر ﵄ في حديثه قال: وكنا نقول ما الله بقابل ممن افتتن صرفًا ولا عدلًا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم.\nقال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾.\nقال عمر ﵁: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص ﵁ قال: فقال هشام: لما أتتني جعلت [أقرؤها] (^٢) بذي طوى أصعد بها فيه وأصوت ولا أفهمها حتى قلت: اللَّهم أفهمنيها، فألقى الله في قلبي أنها إنما نزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة (^٣)،\n\n<span id=\"aya-4112\"></span>ثم استحث ﵎ عباده إلى المسارعة إلى التوبة فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ. . .﴾ إلخ؛ أي: ارجعوا إلى الله واستسلموا له ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي: بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة\n\n<span id=\"aya-4113\"></span>﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن العظيم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: من حيث لا تعلمون ولا تشعرون\n\n<span id=\"aya-4114\"></span>ثم قال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أي: يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله ﷿، وقوله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ أي: إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق\n\n<span id=\"aya-4115\"></span>\n\n<span id=\"aya-4116\"></span>\n\n<span id=\"aya-4117\"></span>﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ أي: تود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل.\n_________\n(^١) سنده مرسل لأن عبيد بن عمير تابعي.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"بياض\".\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لأن ابن إسحاق لم يسمع من نافع.","vol":"6","page":463},{"text":"قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أخبر الله ﷾ ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ (^١).\nفأخبر الله تعالى أن لو رُدّوا ما قدروا على الهدى وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني فتكون عليه حسرة، قال: وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار، فيقول: لولا أن الله هداني. قال: فيكون له الشكر\" (^٢). ورواه النسائي من حديث أبي بكر بن عياش به (^٣).\nولما تمنى أهل الجرائم العود إلى الدنيا وتحسروا على تصديق آيات الله واتباع رسله وقال الله ﷾: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾ أي: قد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه آياتي في الدار الدنيا وقامت حججي عليك فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها وكنت من الكافرين بها الجاحدين لها.\n\n<span id=\"aya-4118\"></span>﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾.\nيخبر تعالى عن يوم القيامة أنه تسود فيه وجوه وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة قال تعالى ههنا: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: في دعواهم له شريكًا وولدًا ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي: بكذبهم وافترائهم وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾؟ أي: أليست جهنم كافية لهم سجنًا وموئلًا لهم فيها الخزي والهوان بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا من النار في واد يقال له: بولس من نار الأنيار، ويسقون من عصارة أهل النار ومن طينة الخبال\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦/ ٣٨٢ ح ١٠٦٥٢) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) السنن الكبرى، التفسير رقم ١١٤٥٤.\n(^٤) سنده ضعيف جدًا لأن عيسى بن أبي عيسى الحناط: متروك (التقريب ٤٤٠)، ولشطره الأول شاهد، أخرجه الترمذي من طريق عمرو بن شعيب به وقال: حسن صحيح (السنن، صفة القيامة ح ٢٤٩٢)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وأخرجه الإمام أحمد من طريق عمرو بن شعيب به وحسنه محققوه (المسند ١١/ ٢٤٠ ح ٦٦٥٩).","vol":"6","page":464},{"text":"<span id=\"aya-4119\"></span>وقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أي: بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: ولا يحزنهم الفزع الأكبر بل هم آمنون من كل فزع، مزحزحون عن كل شر نائلون كل خير.\n\n<span id=\"aya-4120\"></span>﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾.\nيخبر تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرف فيها وكل تحت تدبيره وقهره وكلاءته، وقوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مجاهد: المقاليد هي المفاتيح بالفارسية (^١)، وكذا قال قتادة وابن زيد وسفيان بن عيينة (^٢).\n\n<span id=\"aya-4121\"></span>وقال السدي: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خزائن السماوات والأرض (^٣)، والمعنى على كلا القولين أن أزمة الأمور بيده ﵎ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: حججه وبراهينه ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nوقد روى ابن أبي حاتم ههنا حديثًا غريبًا جدًا وفي صحته نظر ولكن نحن نذكره كما ذكره فإنه قال: حدثنا يزيد بن سنان البصري بمصر، حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا الأغلب بن تميم، عن مخلد بن هذيل العبدي، عن عبد الرحمن المدني، عن عبد الله بن عمر، عن عثمان بن عفان ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ، عن تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال: \"ما سألني عنها أحد قبلك يا عثمان\" قال ﷺ: \"تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله ولا قوة إلا بالله، الأول والآخر والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. من قالها يا عثمان إذا أصبح عشر مرار أعطي خصالًا ستًا: أما أولاهن فيحرس من إبليس وجنوده، وأما الثانية فيعطى قنطارًا من الأجر، وأما الثالثة فترفع له درجة في الجنة، وأما الرابعة فيتزوج من الحور العين، وأما الخامسة فيحضره اثنا عشر ملكًا، وأما السادسة فيعطى من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وله مع هذا يا عثمان من الأجر، كمن حج وتقبلت حجته واعتمر فتقبلت عمرته، فإن مات من يومه طبع عليه بطابع الشهداء\" (^٤). ورواه أبو يعلى الموصلي من حديث يحيى بن حماد به مثله وهو غريب وفيه نكارة شديدة والله أعلم (^٥).\n\n<span id=\"aya-4122\"></span>\n\n<span id=\"aya-4123\"></span>وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾؟ ذكروا في سبب نزولها ما رواه ابن أبي\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد (في تفسير سورة الشورى آية ١٢).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) سنده ضعيف جدًا لأن الأغلب بن تميم متفق على ضعفه (ميزان الاعتدال ١/ ٢٧٣) وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٤٤)، وقال ابن عرَّاق عن ابن حجر: إنه منكر من جميع طرقه (تنزيه الشريعة ١/ ١٩٢).\n(^٥) عزاه الهيثمي إلى أبي يعلى في المسند الكبير (مجمع الزوائد ١٠/ ١١٥).","vol":"6","page":465},{"text":"حاتم وغيره عن ابن عباس ﵄ أن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم ويعبدوا معه إلهه فنزلت: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ (^١). وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].\n\n<span id=\"aya-4124\"></span>وقوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ أي: أخلص العبادة لله وحده لا شريك له أنت ومن اتبعك وصدقك.\n\n<span id=\"aya-4125\"></span>﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره وهو العظيم الذي لا أعظم منه القادر على كل شيء المالك لكل شيء وكل شيء تحت قهره وقدرته.\nقال مجاهد: نزلت في قريش (^٢).\nوقال السدي: ما عظموه حق عظمته (^٣).\nوقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوا.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم. فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره (^٤).\nوقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف وهو إمراراها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.\nقال البخاري: قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، حدثنا آدم، حدثنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد الله ﷿ يجعل السماوات على أصبع والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحَبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية (^٥). ورواه البخاري أيضًا في غير هذا الموضع من صحيحه، والإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي في التفسير من سننهما كلهم من حديث\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسير سورة الكافرون وابن أبي حاتم كلاهما من طريق أبي خلف عبد الله بن عيسى عن داود عن عكرمة عن ابن عباس، وأبو خلف ضعيف (ينظر: فتح الباري ٨/ ٧٣٣).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٩١.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ح ٤٨١١).","vol":"6","page":466},{"text":"سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن ابن مسعود ﵁ بنحوه (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على أصبع والسماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع؟ قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه قال: وأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. . .﴾ إلى آخر الآية (^٢)، وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن الأعمش به (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن حسن الأشقر، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن أبي الضحى، عن ابن عباس ﵄ قال: مرَّ يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله ﷾ السماء على ذه - وأشار بالسبابة - والأرض على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه - كل ذلك يشير بأصابعه -؟ قال: فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية (^٤). وكذا رواه الترمذي في التفسير عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن الصلت أبي جعفر، عن أبي كدينة يحيى بن المهلب، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح به وقال حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٥).\nثم قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يقبض الله تعالى الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض\" (^٦). تفرد به من هذا الوجه ورواه مسلم من وجه آخر (^٧).\nوقال البخاري في موضع آخر: حدثنا مقدم بن محمد، حدثنا عمي القاسم بن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله ﵎ يقبض يوم القيامة الأرضين على أصبع وتكون السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك\" (^٨).\nتفرد به أيضًا من هذا السياق وأطول فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) المصدر السابق (ح ٧٤١٤)، والمسند ١/ ٤٢٩، وصحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٨٦)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الزمر (ح ٣٢٣٨)، والسنن الكبرى، التفسير (ح ١١٤٥١).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٧٨)، وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] (ح ٧٤٥١)، وصحيح مسلم، صفة القيامة (ح ٢٧٨٦/ ٢١)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٤٥٢).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٢٦ ح ٢٢٦٧)، وقال محققوه: حسن لغيره.\n(^٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الزمر (ح ٣٢٤٠).\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] ح ٤٨١٢).\n(^٧) صحيح مسلم، صفة القيامة (ح ٢٧٨٧).\n(^٨) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ح ٧٤١٢).","vol":"6","page":467},{"text":"قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده يحركها: يُقبل بها ويُدبر \"يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز أنا الكريم\" فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا ليخرنَّ به (^١). وقد رواه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم زاد مسلم ويعقوب بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي حازم، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر ﵄ به نحوه. ولفظ مسلم عن عبيد الله بن مقسم في هذا الحديث أنه نظر إلى عبد الله بن عمر ﵄ كيف يحكي النبي ﷺ قال: يأخذ الله ﵎ سماواته وأرضيه بيده ويقول: أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ (^٢)؟\nوقال البزار: حدثنا سليمان بن سيف، حدثنا أبو علي الحنفي، حدثنا عباد المنقري، حدثني محمد بن المنكدر قال: حدثنا عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية على المنبر ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حتى بلغ ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فقال المنبر هكذا فجاء وذهب ثلاث مرات (^٣). والله أعلم، ورواه الإمام الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبيد بن عمير، عن عبد الله بن عمرو ﵄ وقال صحيح.\nوقال الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبد الرحمن بن معاوية العتبي، حدثنا حيان بن نافع، عن صخر بن جويرية، حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن معمر بن الحسن، عن بكر بن [خُنيس] (^٤)، عن أبي شيبة، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لنفر من أصحابه ﵃: \"إني قارئ عليكم آيات من آخر سورة الزمر فمن بكى منكم وجبت له الجنة\" فقرأها ﷺ من عند: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. . .﴾ إلى آخر السورة، فمنا من بكى، ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا: يا رسول الله لقد جهدنا أن نبكي فلم نبك فقال ﷺ: \"إني سأقرؤها عليكم فمن لم يبك فليتباك\" (^٥). هذا حديث غريب جدًا، وأغرب منه ما رواه في المعجم الكبير أيضًا: حدثنا هاشم بن زيد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله تعالى يقول: ثلاث خلال غيبتهن عن عبادي لو رآهن رجل ما عمل بسوء أبدًا: لو كشفت غطائي فرآني حتى استيقن، ويعلم كيف أفعل بخلقي إذا أتيتهم؟ وقبضت السماوات بيدي ثم قبضت الأرضين، ثم قلت: أنا الملك من ذا الذي له الملك دوني فأُريهم الجنة وما أعددتُ لهم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٧٢) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، صفة القيامة (ح ٢٧٨٨)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٧٦٨٩)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح ١٩٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٤٩).\n(^٣) سنده ضعيف لأن عباد بن ميسرة المنقري لين الحديث (التقريب ص ٢٩١).\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، والمعجم الكبير للطبراني، وفي الأصل صُحف إلى: \"حبيس\".\n(^٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ٢٩٨ ح ٢٤٥٩)، وسنده ضعيف جدًا لأن بكر بن خنيس متروك (مجمع الزوائد ٧/ ١٠٤).","vol":"6","page":468},{"text":"فيها من كل خير، فيستيقنوها وأُريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنوها، ولكن عمدًا غيّبت ذلك عنهم لأعلم كيف يعملون وقد بينته لهم\" (^١). وهذا إسناد متقارب وهي نسخة تروى بها أحاديث جمة والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4126\"></span>﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة فقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ هذه النفخة هي الثانية وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله كما جاء مصرحًا به مفسرًا في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت وينفرد الحي القيوم الذي كان أولًا وهو الباقي آخرًا بالديمومة والبقاء ويقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ثلاث مرات ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] أنا الذي كنت وحدي وقد قهرت كل شيء وحكمت بالفناء على كل شيء، ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل ويأمره أن ينفخ بالصور مرة أخرى وهي النفخة الثالثة نفخة البعث قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أي: أحياء بعدما كانوا عظامًا ورفاتًا صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ [الروم].\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: سمعت رجلًا قال لعبد الله بن عمرو ﵄ إنك تقول الساعة تقوم إلى كذا وكذا قال: لقد هممت أن لا أحدثكم شيئًا إنما قلت سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا، ثم قال عبد الله بن عمرو ﵄: قال رسول الله ﷺ: \"يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا أو أربعين ليلة، فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم ﵊ كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيظهر فيهلكه الله تعالى ثم يلبث الناس بعده سنين سبعًا ليس بين اثنين عداوة ثم يرسل الله تعالى ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته حتى لو أنّ أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه\" قال: سمعتها من رسول الله ﷺ: \"ويبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفًا ولا يُنكرون منكرًا قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، فيعبدونها وهم في\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ٢٩٤) وسنده ضعيف لأن محمد بن إسماعيل بن عياش لم يسمع من أبيه.","vol":"6","page":469},{"text":"ذلك دارة أرزاقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى له وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله أو ينزل الله مطرًا كأنه الطَّل - أو الظل شك نعمان - فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يُقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات] قال: ثم يقال: أخرجوا بعث النار قال: فيُقال: كم؟ فيُقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فيومئذٍ تبعث الولدان شيبًا ويومئذٍ يكشف عن ساق\" (^١). انفرد بإخراجه مسلم في صحيحه (^٢).\nحديث أبي هريرة ﵁.\nوقال البخاري: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يحدث عن النبي ﷺ وقال: \"ما بين النفختين أربعون\" قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال رضي الله تعالى عنه: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه فيه يركب الخلق (^٣).\nوقال أبو يعلى: حدثنا يحيى بن معين، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"سألت جبريل ﵊ عن هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ \" من الذين لم يشأ الله تعالى أن يصعقهم؟ قال: \"هم الشهداء يتقلدون أسيافهم حول عرشه تتلقاهم ملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت نمارها ألين من الحرير مد خطاها مد أبصار الرجال يسيرون في الجنة يقولون عند طول النزهة: انطلقوا بنا إلى ربنا لننظر كيف يقضي بين خلقه؟ يضحك إليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه\" (^٤). رجاله كلهم ثقات إلا شيخ إسماعيل بن عياش فإنه غير معروف والله ﷾ أعلم.\n\n<span id=\"aya-4127\"></span>\n\n<span id=\"aya-4128\"></span>وقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي: أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق ﵎ للخلائق لفصل القضاء.\n﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ قال قتادة: كتاب الأعمال ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾.\nقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يشهدون على الأمم بأنهم بلغوا رسالات الله إليهم ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ أي: الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٦٦) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (ح ٢٩٤٠).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] ح ٤٨١٤).\n(^٤) أخرجه الحاكم من طريق أبي أُسامة عن عمر بن محمد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٥٣) وفيه متابعة إسماعيل بن عياش وشيخه.","vol":"6","page":470},{"text":"[النساء] ولهذا قال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أي: من خير وشر ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4129\"></span>﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾.\nيخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النار وإنما يساقون سوقًا عنيفًا، بزجر وتهديد ووعيد كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾ [الطور] أي: يدفعون إليها دفعًا، وهذا وهم عطاش ظماء كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم]، وهم في تلك الحال صم وبكم وعمي منهم من يمشي على وجهه ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ أي: بمجرد وصولهم إليها فتحت لهم أبوابها سريعًا لتعجل لهم العقوبة ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية الذين هم غلاظ الأخلاق شداد القوى على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أي: من جنسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم.\n﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ أي: يقيمون عليكم الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: ويحذرونكم من شر هذا اليوم، فيقول الكفار لهم ﴿بَلَى﴾ أي: قد جاءونا وأنذرونا وأقاموا علينا الحجج والبراهين ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: ولكن كذبناهم وخالفناهم لما سبق لنا من الشقوة التي كنا نستحقها حيث عدلنا عن الحق إلى الباطل كما قال تعالى مخبرًا عنهم في الآية الأخرى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك] أي: رجعوا على أنفسهم بالملامة والندامة ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ [الملك] أي: بعدًا لهم وخسارًا.\n\n<span id=\"aya-4130\"></span>وقوله ههنا: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: كل من رآهم وعلم حالهم يشهد عليهم بأنهم مستحقون للعذاب، ولهذا لم يسند هذا القول إلى قائل معين بل أطلقه ليدل على أن الكون شاهد عليهم بأنهم يستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير عليهم ولهذا قال جلَّ وعلا: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها لا خروج لكم منها ولا زوال لكم عنها ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: فبئس المصير وبئس المقيل لكم بسبب تكبركم في الدنيا وإبائكم عن اتباع الحق، فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه فبئس الحال وبئس المآل.\n\n<span id=\"aya-4131\"></span>﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾.\nوهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حيث يساقون على النجائب وفدًا إلى الجنة زمرًا؛ أي:","vol":"6","page":471},{"text":"جماعة بعد جماعة: المقربون ثم الأبرار ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء والصديقون مع أشكالهم والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم وكل صنف مع صنف كل زمرة يناسب بعضها بعضًا ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ أي: وصلوا إلى أبواب الجنة بعد مجاوزة الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، وقد ورد في حديث الصور أن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول فيقصدون آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمدًا ﷺ وعليهم أجمعين كما فعلوا في العرصات عند استشفاعهم إلى الله ﷿ أن يأتي لفصل القضاء ليظهر شرف محمد ﷺ على سائر البشر في المواطن كلها، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول شفيع في الجنة\" (^١) وفي لفظ لمسلم: \"وأنا أول من يقرع باب الجنة\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول: محمد، قال: فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك\" (^٣). ورواه مسلم عن عمرو بن محمد الناقد وزهير بن حرب كلاهما، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان وهو ابن المغيرة القيسي، عن ثابت، عن أنس ﵁ به (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله تعالى بكرة وعشيًا\" (^٥). ورواه البخاري عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك (^٦). ورواه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق كلاهما عن معمر بإسناده نحوه (^٧)، وكذا رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ (^٨).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإيمان، باب قول النبي ﷺ: \"أنا أول الناس يشفع في الجنة\" (ح ١٩٦/ ٣٣٠).\n(^٢) المصدر السابق (ح ١٩٦/ ٣٣١).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٣٦) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم - الباب السابق - (ح ١٩٧).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣١٦)، وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح ٣٢٤٥).\n(^٧) صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها (٢٨٣٤).\n(^٨) صحيح البخاري، الباب السابق، (ح ٣٢٤٦).","vol":"6","page":472},{"text":"ليلة البدر والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب درّي في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون أمشاطهم الذهب والفضة، ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء\" (^١). وأخرجاه أيضًا من حديث جرير (^٢).\nوقال الزهري: عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \"يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفًا تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر\" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: \"اللَّهم اجعله منهم\" ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يجعلني منهم. فقال ﷺ: \"سبقك بها عكاشة\" أخرجاه (^٣) وقد روى هذا الحديث - في السبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب - البخاري ومسلم، عن ابن عباس ﵄ وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وابن مسعود ورفاعة بن عرابة الجهني وأُم قيس بنت محصن ﵃، ولهما عن أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: \"ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا أو سبعمائة ألفٍ آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر\" (^٤).\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا أُمامة الباهلي ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا مع كل ألف سبعون ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب وثلاث حثيات من حثيات ربي ﷿\" (^٥). وكذا رواه الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن [سليم] (^٦) بن عامر، عن أبي اليمان عامر بن عبد الله بن لحيّ، عن أبي أُمامة (^٧). ورواه الطبراني عن عتبة بن عبد السلمي: \"ثم مع كل ألف سبعين ألفًا\" (^٨). ويروى مثله عن ثوبان وأبي سعيد الأنماري وله شواهد من وجوه كثيرة.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ لم يذكر الجواب ههنا، وتقديره حتى إذا جاءوها وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب لهم إكرامًا\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١٠/ ٤٧٠ ح ٦٠٨٤)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (ح ٣٣٢٧)، وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها (ح ٢٨٣٥/ ١٧).\n(^٣) صحيح البخاري، اللباس، باب البرود والحبر والشملة (ح ٥٨١١)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (ح ٢١٦/ ٣٦٩).\n(^٤) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح ٣٢٤٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، الباب السابق (ح ٢١٩).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف ١١/ ٤٧١)، وأخرجه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن عياش به (السنن، الزهد، باب صفة أُمة محمد ﷺ ح ٤٢٨٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٥٩).\n(^٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صُحف إلى: \"حكيم\".\n(^٧) المعجم الكبير (٨/ ١٨٧).\n(^٨) المعجم الكبير (١٧/ ١٢٦).","vol":"6","page":473},{"text":"وتعظيمًا وتلقتهم الملائكة الخزنة بالبشارة والسلام والثناء لا كما تلقى الزبانية الكفرة بالتثريب والتأنيب، فتقديره إذا كان هذا سعدوا وطابوا وسروا وفرحوا بقدر كل ما يكون لهم فيه نعيم، وإذا حذف الجواب ههنا ذهب الذهن كل مذهب في الرجاء والأمل، ومن زعم أن الواو في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ واو الثمانية واستدل به على أن أبواب الجنة ثمانية فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع (^١)، وإنما يستفاد كون أبواب الجنة ثمانية من الأحاديث الصحيحة.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله تعالى دُعي من أبواب الجنة وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان\" فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله ما على أحد من ضرورة دُعي من أيها دُعي فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال ﷺ: \"نعم وأرجو أن تكون منهم\" (^٢). رواه البخاري ومسلم من حديث الزهري بنحوه (^٣).\nوفيهما من حديث أبي حازم سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة ثمانية أبواب باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون\" (^٤).\nوفي صحيح مسلم، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء\" (^٥).\nوقال الحسن بن عرفة: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مفتاح الجنة: لا إله إلا الله\" (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-162>ذكر سعة أبواب الجنة - نسأل الله من فضله العظيم أن يجعلنا من أهلها </span>-:\nوفي الصحيحين من حديث أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ في حديث الشفاعة الطويل: \"فيقول الله تعالى: يا محمد أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن وهم شركاء الناس في الأبواب الأُخر، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة ما بين عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر (^٧) - أو هجر ومكة - وفي رواية مكة وبُصرى (^٨) \" (^٩).\n_________\n(^١) واستبعد هذا القول العلامة ابن قيم الجوزية (بدائع الفوائد ٣/ ٥٤).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٦٨)، وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، الصوم، باب الريان للصائمين (ح ١٨٩٧)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب من جمع الصدقة وأعمال البر (ح ١٠٢٧).\n(^٤) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ١٨٩٦)، وصحيح مسلم، الصيام (ح ١١٥٢).\n(^٥) صحيح مسلم، الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء (ح ٢٣٤).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد من طريق إسماعيل بن عياش، وضعفه محققوه للانقطاع بين شهر ومعاذ ﵁ (المسند ٣٦/ ٤١٨ ح ٢٢١٠٢).\n(^٧) هي قرية في البحرين.\n(^٨) هي مدينة في سوريا.\n(^٩) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٧٩ في آخرها.","vol":"6","page":474},{"text":"وفي صحيح مسلم، عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم خطبة فقال فيها: ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة أربعين سنة، وليأتيَّن عليه يوم وهو كظيظ من الزحام (^١).\nوفي المسند عن حكيم بن معاوية، عن أبيه ﵁، عن رسول الله ﷺ مثله (^٢).\nوقال عبد بن حميد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن ما بين مصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة\" (^٣).\nوقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ أي: طابت أعمالكم وأقوالكم وطاب سعيكم وطاب جزاؤكم كما أمر رسول الله ﷺ أن ينادي بين المسلمين في بعض الغزوات \"إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة (^٤) - وفي رواية - مؤمنة\".\nوقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا لا يبغون عنها حولًا\n\n<span id=\"aya-4132\"></span>﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ أي: يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنة ذلك الثواب الوافر والعطاء والنعيم المقيم والملك الكبير يقولون عند ذلك ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ أي: الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام كما دعوا في الدنيا ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران]، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ [فاطر].\nوقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. قال أبو العالية وأبو صالح وقتادة والسدي وابن زيد؛ أي: أرض الجنة (^٥). فهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء]، ولهذا قالوا: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ أي: أين شئنا حللنا فنعم الأجر أجرنا على عملنا.\nوفي الصحيحين من حديث الزهري عن أنس ﵁ في قصة المعراج قال النبي ﷺ: \"أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك\" (^٦).\nوقال عبد بن حميد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ سأل ابن صائد، عن تربة الجنة، فقال:\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الزهد (ح ٢٩٦٧).\n(^٢) (المسند ٥/ ٣) وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب رقم ٩٢٤) وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود ﵁ (صحيح البخاري، الرقاق، باب الحشر ح ٦٥٢٨، وصحيح مسلم، الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة ح ٢٢١/ ٣٧٧).\n(^٥) قول أبي العالية أخرجه هناد بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه (الزهد رقم ١٥٩)، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٦) تقدم تخريجه في بداية تفسير سورة الإسراء.","vol":"6","page":475},{"text":"دَرْمَكَة (^١) بيضاء مسك خالص، فقال رسول الله ﷺ: \"صدق\" (^٢). وكذا رواه مسلم من حديث أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁ به، ورواه مسلم أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أُسامة، عن الجُرَيري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁ قال: إن ابن صائد سأل رسول الله ﷺ عن تربة الجنة فقال: \"در مكة بيضاء مسك خالص\" (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبي غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ قال: سيقوا حتى انتهوا إلى باب من أبواب الجنة، فوجدوا عندها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم تغير أبشارهم بعدها أبدًا ولم تُشعَث أشعارهم أبدًا بعدها، كأنما دهنوا بالدهان ثم عمدوا إلى الأخرى كأنما أمروا بها فشربوا منها فأذهبت ما كان في بطونهم من أذى أو قذى، وتلقتهم الملائكة على أبواب الجنة ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ وتلقى كل غلمان صاحبهم يطوفون به فعل الولدان بالحميم جاء من الغيبة أبشر قد أعدَّ الله لك من الكرامة كذا وكذا، وقد أعدَّ الله لك من الكرامة كذا وكذا.\nقال: وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين فيقول: هذا فلان باسمه في الدنيا. فيقلن: أنت رأيته؟ فيقول: نعم. فيستخفهنَّ الفرح حتى تخرج إلى أسكفة الباب. قال: فيجيء فإذا هو بنمارق مصفوفة وأكواب موضوعة وزرابي مبثوثة، قال: ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه، فإذا هو قد أسس على جندل (^٤) اللؤلؤ بين أحمر وأخضر وأصفر وأبيض ومن كل لون، ثم يرفع طرفه إلى سقفه فلولا أن الله تعالى قدره له لألم أن يذهب ببصره إنه لمثل البرق ثم ينظر إلى أزواجه من الحور العين ثم يتكئ على أريكة من أرائكه ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (^٥) [الأعراف: ٤٣].\nثم قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا سلمة بن جعفر البجلي قال: سمعت أبا معاذ البصري يقول: إن عليًا ﵁ كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ: \"والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون - أو يؤتون - بنوق لها أجنحة وعليها رحال الذهب، شراك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون - أو فيأتون - باب الجنة فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب فيضربون بالحلقة على الصفيحة فيسمع لها\n_________\n(^١) أي: المسك الخالص والدرمك الدقيق الأبيض خالص البياض.\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب رقم ٨٧٦)، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق الجريري به (الصحيح الفتن، باب ذكر ابن صياد ح ٢٩٢٨).\n(^٣) المصدر السابق ٢٩٢٨/ ٩٢ و٩٣.\n(^٤) أي: القبة.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق عن معمر، وابن أبي شيبة (المصنف ٨/ ٧٤)، كلاهما من طريق إسرائيل به، وسنده حسن.","vol":"6","page":476},{"text":"طنين بأعلى، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتبعث قيِّمها، فيفتح لها فإذا رآه خرّ له - قال مسلمة أراه قال ساجدًا - فيقول: ارفع رأسك فإنما أنا قيِّمك وُكِّلتُ بأمرك فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر الياقوت حتى تعتنقه ثم تقول: أنت حبي وأنا حِبّك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن، فيدخل بيتًا من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بناؤه على جندل اللؤلؤ: طرائق أصفر وأخضر وأحمر ليس فيها طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من باطن الحلل يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد \"أنهار من ماء غير آسن\"، قال: صافٍ لا كدر فيه، \"وأنهار من لبن لم يتغير طعمه\"، قال: لم يخرج من ضروع الماشية: \"وأنهار من خمرة لذة للشاربين\" قال: لم تعصرها الرجال بأقدامهم، \"وأنهار من عسل مصفى\"، قال: لم يخرج من بطون النحل، يستجني الثمار فإن شاء قائمًا وإن شاء قاعدًا وإن شاء متكئًا، ثم تلا ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ [الإنسان] فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض - قال: وربما قال: أخضر - قال: فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها؛ أي: الألوان شاء ثم يطير فيذهب فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت في الأرض لأضاءت الشمس معها سوادًا في نور\" (^١). هذا حديث غريب وكأنه مرسل، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4133\"></span>﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾.\nلما ذكر تعالى حكمه في أهل الجنة والنار وأنه نزّل كلًّا في المحل الذي يليق به ويصلح له وهو العادل في ذلك الذي لا يجور، أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول العرش المجيد يسبحون بحمد ربهم ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور، وقد فصل القضية وقضي الأمر وحكم بالعدل ولهذا قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الخلائق ﴿بِالْحَقِّ﴾.\nثم قال: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: نطق الكون أجمعه ناطقه وبهيمه لله رب العالمين بالحمد في حكمه وعدله، ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد.\nقال قتادة: افتتح الخلق بالحمد في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، واختتم بالحمد في قوله ﵎: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف أبي معاذ البصري وهو سليمان بن أرقم. كما في التقريب.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"6","page":477},{"text":"<span data-type='title' id=toc-163>سُورَةُ غَافِرٍ</span>\nوهي مكية\nقد كره بعض السلف منهم محمد بن سيرين أن يقال: الحواميم، وإنما يقال: آل حم (^١).\nقال عبد الله بن مسعود ﵁: آل حم ديباج (^٢) القرآن (^٣).\nوقال ابن عباس ﵄: إن لكل شيء لبابًا ولباب القرآن آل حم أو قال: الحواميم (^٤).\nوقال مسعر بن كدام: كان يُقال لهنَّ: العرائس (^٥)، وروى ذلك كله الإمام العالم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب (فضائل القرآن).\nوقال حميد بن زنجويه: حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁ قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلًا فمرَّ بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات (^٦) فقال: عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب، فقيل له: إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن، وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل آل حم في القرآن. أورده البغوي (^٧).\nوقال ابن لهيعة: عن يزيد بن أبي حبيب، أن الجراح بن أبي الجراح حدثه، عن ابن عباس ﵄ قال: لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم (^٨).\nوقال ابن مسعود ﵁: إذا وقعت في آل حم فقد وقعت في روضات أتأنق فيهن (^٩).\nوقال أبو عبيد: حدثنا الأشجعي، حدثنا مسعر هو ابن كدام، عمن حدثه، أن رجلًا رأى أبا\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد بسند صحيح عن محمد بن سيرين (فضائل القرآن ص ١٨٧).\n(^٢) الديباج نوع من الثياب يصنع من الإبريسم (ينظر النهاية ٢/ ٩٧).\n(^٣) أخرجه مسلم بن خالد الزنجي في تفسيره (ص ٦١)، وأبو عبيد (المصدر السابق)، وابن أبي شيبة (المصنف ٧/ ٢٠٣)، والحاكم (المستدرك ٢/ ٤٣٧) كلهم من طريق مجاهد، عن ابن مسعود، وسكت عنه الحاكم والذهبي، إلا أن مجاهدًا لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد والبغوي بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن ابن عباس (التفسير ٤/ ٩٠).\n(^٥) أخرجه الدارمي من طريق مسعر عن سعد بن إبراهيم (السنن، فضائل القرآن، باب في فضل حم والدخان والحواميم ٢/ ٤٥٨). وسنده صحيح إلى سعد لكنه مقطوع.\n(^٦) أي: لينات التربة.\n(^٧) أخرجه البغوي من طريق حميد بن زنجويه به (التفسير ٤/ ٩٠) وسنده حسن.\n(^٨) سنده ضعيف تقدم في حاشية رقم (٤).\n(^٩) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق معن بن عبد الرحمن عن ابن مسعود (المصنف ٧/ ٢٠٣)، وسنده ضعيف لأن معنًا لم يسمع من ابن مسعود.","vol":"6","page":478},{"text":"الدرداء ﵁ يبني مسجدًا فقال له: ما هذا؟ فقال: أبنيه من أجل آل حم (^١)، وقد يكون هذا المسجد الذي بناه أبو الدرداء ﵁ هو المسجد المنسوب إليه داخل قلعة دمشق، وقد يكون صيانتها وحفظها ببركته وبركة ما وضع له فإن هذا الكلام يدل على النصر على الأعداء كما قال رسول الله ﷺ لأصحابه في بعض الغزوات: \"إن بيَّتم الليلة فقولوا: حم لا ينصرون - وفي رواية: لا تنصرون -\" (^٢).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن الحكم بن ظبيان بن خلف المازني ومحمد بن الليث الهمداني قالا: حدثنا موسى بن مسعود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، عن زُرارة بن مصعب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ آية الكرسي وأول حم المؤمن عصم ذلك اليوم من كلِّ سوء\" ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد. ورواه الترمذي من حديث المليكي وقال: تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه (^٣).\n\n<span id=\"aya-4134\"></span>﷽\n﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾.\nأما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا، وقد قيل: إن ﴿حم (١)﴾ اسم من أسماء الله ﷿ (^٤)، وأنشدوا في ذلك بيتًا:\nيذكرني حم والرمح شاجر … فهلا تلا حم قبل التقدم (^٥)\nوقد ورد في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن المهلب بن أبي صفرة قال: حدثني مَن سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إن بيَّتم الليلة فقولوا: حم لا ينصرون\" (^٦). وهذا إسناد صحيح، واختار أبو عبيد أن يروى فقولوا: حم لا ينصروا؛ أي: إن قلتم ذلك لا ينصروا جعله جزاءً لقوله: فقولوا.\n\n<span id=\"aya-4135\"></span>وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ أي: تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن من الله ذي العزة والعلم فلا يرام جنابه ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٧/ ٢٠٣) وأبو عبيد (فضائل القرآن ص ١٨٧) كلاهما من طريق رجل مبهم عن أبي الدرداء، وسنده ضعيف بسبب الإبهام.\n(^٢) سيأتي تخريجه في تفسير الآية الأولى.\n(^٣) أخرجه الترمذي من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي به (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي ح ٢٨٧٩). وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن (التقريب ص ٣٣٧).\n(^٤) أخرجه البستي والطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٥) استشهد به أبو عبيدة (مجاز القرآن ٢/ ١٩٣)، والطبري ونسبه إلى شُريح بن أوفى العبسي.\n(^٦) سنن أبي داود، الجهاد، باب في الرجل ينادي بالشعار (ح ٢٥٩٧)، وسنن الترمذي، الجهاد، باب ما جاء في الشعار (ح ٢٦٨٢) وصحح سنده الحافظ ابن كثير والألباني (صحيح سنن أبي داود ح ٢٢٦٢)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٠٧).","vol":"6","page":479},{"text":"<span id=\"aya-4136\"></span>وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ أي: يغفر ما سلف من الذنب ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه.\nوقوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا وعتا عن أوامر الله تعالى وبغى وهذه كقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر]، يقرن هذين الوصفين كثيرًا في مواضع متعددة من القرآن ليبقى العبد بين الرجاء والخوف.\nوقوله تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قال ابن عباس: يعني السعة والغنى (^١)، وهكذا قال مجاهد وقتادة (^٢).\nوقال يزيد بن الأصم: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يعني: الخير الكثير.\nوقال عكرمة: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ذي المن (^٣).\nوقال قتادة: ذي النعم (^٤) والفواضل، والمعنى أنه المتفضل على عباده المتطول عليهم بما هم فيه من المنة والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ الآية [إبراهيم: ٣٤].\nوقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا نظير له في جميع صفاته فلا إله غيره فلا إله ولا رب سواه ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب فيجازي كل عامل بعمله ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١].\nوقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إني قتلت فهل لي من توبة؟ فقرأ عمر ﵁: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ وقال: اعمل ولا تيأس (^٥). رواه ابن أبي حاتم: واللفظ له وابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا عمر - يعني ابن أيوب -، حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب ﵁ ففقده عمر فقال: ما فعل فلان بن فلان، فقالوا: يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب. قال: فدعا عمر كاتبه، فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه ويتوب الله عليه، فلما بلغ الرجل كتاب عمر ﵁ جعل يقرؤه ويردده ويقول: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي. ورواه الحافظ أبو\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٦/ ٤٠٠)، والطبري كلاهما من طريق أبي بكر بن عياش به، وسنده ضعيف لأن أبا إسحاق السبيعي لم يسمع من عمر ﵁.","vol":"6","page":480},{"text":"نعيم من حديث جعفر بن برقان وزاد: فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر خبره، قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخًا لكم زلَّ زلَّة فسددوه ووثقوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شيبة، حدثنا حماد بن واقد، حدثنا أبو عمر الصفار، حدثنا ثابت البناني قال: كنت مع مصعب بن الزبير ﵁ في سواد الكوفة، فدخلت حائطًا أصلي ركعتين فافتتحت: ﴿حم (١)﴾ المؤمن حتى بلغت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، فإذا رجل خلفي على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية، فقال: إذا قلتُ: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ فقل: يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي، وإذا قلت: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ فقل: يا قابل التوب اقبل توبتي، وإذا قلت: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ فقل: يا شديد العقاب لا تعاقبني، قال: فالتفت فلم أر أحدًا فخرجت إلى الباب، فقلت: مرَّ بكم رجل عليه مقطعات يمنية، قالوا: ما رأينا أحدًا فكانوا يرون أنه إلياس (^٢)، ثم رواه من طريق أخرى عن ثابت بنحوه، وليس فيه ذكر إلياس.\n\n<span id=\"aya-4137\"></span>\n\n<span id=\"aya-4138\"></span>﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾.\nيقول تعالى ما يدفع ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان: ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الجاحدون لآيات الله وحججه وبراهينه ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ أي: في أموالها ونعيمها وزهرتها كما قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان]، ثم قال تعالى: مسليًا لنبيه محمد ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه بأن له أسوة فيمن سلف من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنه قد كذبهم أممهم وخالفوهم وما آمن بهم منهم إلا قليل فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ وهو أول رسول بعثه الله ينهى عن عبادة الأوثان ﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من كل أمة ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أي: حرصوا على قتله بكل ممكن ومنهم من قتل رسوله ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي: ما حلوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي.\nوقد قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا معتمر بن سليمان، قال سمعت أبي يحدث عن [حنش] (^٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"من أعان باطلًا ليدحض به حقًا فقد برئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في ترجمة يزيد الأصم بسنده ومتنه (حلية الأولياء ٤/ ٩٧ - ٩٨) وذكره ابن كثير من طريق أبي نعيم به ثم قال: إسناد جيد وفيه انقطاع (مسند الفاروق ٢/ ٥١٧).\n(^٢) سنده ضعيف لضعف حماد بن واقد (التقريب ص ١٧٩) وفي متنه غرابة.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) والمعجم الكبير، وفي الأصل صُحف إلى: \"حنيش\".\n(^٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٢١٥ ح ١١٥٣٩)، وأخرجه الحاكم من طريق علي بن =","vol":"6","page":481},{"text":"وقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أي: أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أي: فكيف بلغك عذابي لهم ونكالي بهم؟ قد كان شديدًا موجعًا مؤلمًا. قال قتادة: كان شديدًا واللهِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4139\"></span>وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ أي: كما حقت كلمة العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأخرى، لأن من كذبك فلا وثوق له بتصديق غيرك.\n\n<span id=\"aya-4140\"></span>﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾.\nيخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة ومن حوله من الملائكة الكروبيين بأنهم يسبحون بحمد ربهم؛ أي: يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: خاشعون له أذلاء بين يديه وأنهم ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: من أهل الأرض ممن آمنوا بالغيب، فقيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب كما ثبت في صحيح مسلم \"إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب، قال الملك: آمين ولكَ بمثله\" (^٢).\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد وهو ابن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"صدق أُمية بن أبي الصلت في شيء من شعره\" فقال:\nزحل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد\nفقال رسول الله ﷺ: \"صدق\" فقال:\nوالشمس تطلع كل آخر ليلة … حمراء يصبح لونها [يتوّرد] (^٣)\nتأبى فما تطلع لنا في رسلها … إلا معذبة وإلا تجلد\nفقال رسول الله ﷺ: \"صدق\" (^٤). وهذا إسناد جيد، وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة كانوا ثمانية كما قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:\n_________\n= عبد العزيز به وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن حنش الرحبي ضعيف (المستدرك ٤/ ١٠٠).\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه مسلم من حديث أبي الدرداء ﵁ (الصحيح، الذكر، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب ح ٢٧٣٢).\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: \"يتردد\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٨ - ١٥٩ ح ٢٣١٤) وضعف سنده محققوه بسبب عنعنة ابن إسحاق. اهـ. وكذلك في لفظه غرابة.","vol":"6","page":482},{"text":"١٧]، وهنا سؤال وهو أن يقال: ما الجمع بين المفهوم من هذه الآية ودلالة هذا الحديث؟ وبين الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال: \"ما تسمون هذه؟ \" قالوا: السحاب، قال: \"والمزن\" قالوا: والمزن قال: \"والعنان\" قالوا: والعنان، قال أبو داود: ولم أتقن العنان جيدًا، قال: \"هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟ \" قالوا: لا ندري، قال: \"بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عدَّ سبع سماوات، ثم فوق السماء السابعة بحر ما بين أسفله وأعلاه مثل بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين السماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله ﵎ فوق ذلك\" (^١). ثم رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سماك بن حرب به وقال الترمذي: حسن غريب (^٢)، وهذا يقتضي أن حملة العرش ثمانية كما قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللَّهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة، يقولون: سبحانك اللَّهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك (^٣)، ولهذا يقولون: إذا استغفروا للذين آمنوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي: رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أي: وزحزحهم عن عذاب الجحيم وهو العذاب الموجع الأليم ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أي: أجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة كما قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] أي: ساوينا بين الكل في المنزلة لتقر أعينهم، وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني بل رفعنا ناقص العمل فساويناه بكثير العمل تفضلًا ومنة.\n\n<span id=\"aya-4141\"></span>وقال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم، فيلحقون به في الدرجة ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ\n_________\n(^١) سنن أبي داود، السنة، باب الجهمية (ح ٤٧٢٣)، وسنده ضعيف لضعف الوليد بن أبي ثور (التقريب ص ٥٨٢) وفي متنه غرابة في ذكره للأوعال! وفيه أيضًا عبد الله بن عميرة قال البخاري: لا يعلم له سماع من الأحنف (التاريخ الكبير ٥/ ٤٩٤).\n(^٢) المصدر السابق (ح ٤٧٢٥)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الحاقة (ح ٣٣٢٠)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح ١٩٣)، وفي رواية أبي داود والترمذي متابعة للوليد ولكن يبقى علة عدم سماع عبد الله بن عميرة من الأحنف.\n(^٣) سنده ضعيف لإرسال شهر بن حوشب.","vol":"6","page":483},{"text":"وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾ (^١). قال مُطرِّف بن عبد الله بن الشخير: أنصح عباد الله للمؤمنين الملائكة ثم تلا هذه الآية ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ الآية وأغش عباده للمؤمنين الشياطين (^٢).\nوقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: الذي لا يمانع ولا يغالب وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك\n\n<span id=\"aya-4142\"></span>﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: فعلها أو وبالها ممن وقعت منه ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: لطفت به ونجيته من العقوبة ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n\n<span id=\"aya-4143\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار إنهم ينادون يوم القيامة وهم في غمرات النيران يتلظون، وذلك عندما باشروا من عذاب الله تعالى ما لا قِبلَ لأحد به، فمقتوا عند ذلك أنفسهم وأبغضوها غاية البغض بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة التي كانت سبب دخولهم إلى النار، فأخبرتهم الملائكة عند ذلك إخبارًا عاليًا نادوهم نداء بأن مقت الله تعالى لهم في الدنيا حين كان يعرض عليهم الإيمان فيكفرون أشد من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم اليوم في هذه الحالة.\nقال قتادة في قوله تعالى: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ يقول: لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا فتركوه وأبَوا أن يقبلوه أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة (^٣)، وهكذا قال الحسن البصري ومجاهد والسدي وذرُّ بن عبيد الله الهمداني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير (^٤) الطبري رحمة الله عليهم أجمعين.\n\n<span id=\"aya-4144\"></span>\n\n<span id=\"aya-4145\"></span>وقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال الثوري: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود ﵁ هذه الآية كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ (^٥) [البقرة]. وكذا قال ابن عباس\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق شريك عن سعيد بنحوه وسنده مرسل.\n(^٢) أخرجه البُستي والطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن مُطرِّف مع تقديم وتأخير.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) قول الحسن عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأخرجه البُستي بسند حسن عن الحسن، هو وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق الثوري به وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٣٧).","vol":"6","page":484},{"text":"والضحاك وقتادة وأبو مالك (^١). وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية.\nوقال السدي: أميتُوا في الدنيا ثم أحيُوا في قبورهم فخوطبوا، ثم أُميتوا ثم أُحيوا يوم القيامة (^٢).\nوقال ابن زيد: أُحيوا حين أُخذ عليهم الميثاق من صلب آدم ﵇ ثم خلقهم في الأرحام ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة (^٣).\nوهذان القولان من السدي وابن زيد ضعيفان لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات، والصحيح قول ابن مسعود وابن عباس ومن تابعهما.\nوالمقصود من هذا كله أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله ﷿ في عرصات القيامة كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة]، فلا يُجابون، ثم إذا رأوا النار وعاينوها ووقفوا عليها ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنكال سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة فلا يجابون قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام] فإذا دخلوا النار وذاقوا مسّها وحسيسها ومقامعها وأغلالها كان سؤالهم للرجعة أشد وأعظم ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر]، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون]، وفي هذه الآية الكريمة تلطفوا في السؤال وقدموا بين يدي كلامهم مقدمة وهي قولهم: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أي: قدرتك عظيمة فإنك أحييتنا بعد ما كنا أمواتًا ثم أمتنا ثم أحييتنا فأنت قادر على ما تشاء، وقد اعترفنا بذنوبنا وإننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: فهل أنت مجيبنا إلى أن تعيدنا إلى الدار الدنيا فإنك قادر على ذلك لنعمل غير الذي كنا نعمل، فإن عدنا إلى ما كنا فيه فإنا ظالمون، فأجيبوا أن لا سبيل إلى عودكم ومرجعكم إلى الدار الدنيا، ثم علَّل المنع من ذلك بأن سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه بل تجحده وتنفيه، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أي: أنتم هكذا تكونون وإن رددتم إلى الدار الدنيا كما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].\nوقوله: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ أي: هو الحاكم في خلقه العادل الذي لا يجور، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء لا إله إلا هو.\n\n<span id=\"aya-4146\"></span>وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول الضحاك أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول أبي مالك أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.","vol":"6","page":485},{"text":"رِزْقًا﴾ وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحسِّ من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه وهو ماء واحد فبالقدرة العظيمة فاوتَ بين هذه الأشياء ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أي: يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ أي: من هو بصير منيب إلى الله ﵎.\n\n<span id=\"aya-4147\"></span>وقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ أي: فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا هشام يعني ابن عروة بن الزبير، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، قال: وكان رسول الله ﷺ يهلل بهنَّ دبر كل صلاة (^١)، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن هشام بن عروة وحجاج بن أبي عثمان وموسى بن عقبة ثلاثتهم عن أبي الزبير، عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله ﷺ يقول في دبر كل صلاة: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له\" وذكر تمامه (^٢).\nوقد ثبت في الصحيح عن ابن الزبير ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول عقب الصلوات المكتوبات: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون\" (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا [الربيع، حدثنا الخصيب بن ناصع] (^٤)، حدثنا صالح يعني المري، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"ادعوا الله ﵎ وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-4148\"></span>﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عظمته وكبريائه وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (ح ٥٩٤)، وسنن أبي داود، أبواب الوتر، باب ما يقول الرجل إذا سلَّم (ح ١٥٠٧) وسنن النسائي، الصلاة، باب عدد التهليل والذكر بعد التسليم ٣/ ٧٠.\n(^٣) ينظر تخريج الرواية السابقة في صحيح مسلم.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: الربيع بن الحصيب ثنا ناصح.\n(^٥) سنده ضعيف جدًا لضعف صالح بن بشير المري، وهو يروي أحيانًا الموضوعات كما قال ابن حبان (المجروحين ١/ ٣٧٢)، وابن عدي (الكامل ٤/ ١٣٨٠).","vol":"6","page":486},{"text":"كالسقف لها كما قال تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج]، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان أن هذه مسافة ما بين العرش إلى الأرض السابعة في قول جماعة من السلف والخلف، وهو الأرجح إن شاء الله.\nوقد ذكر غير واحد أن العرش من ياقوتة حمراء (^١) اتساع ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، وقد تقدم في حديث الأوعال (^٢) ما يدل على ارتفاعه عن السماوات السبع بشيء عظيم.\nوقوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل]، وكقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء]، ولهذا قال: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يوم التلاق اسم من أسماء يوم القيامة حذر الله منه عباده (^٣).\nوقال ابن جريج: قال ابن عباس ﵄: يلتقي فيه آدم وآخر ولده (^٤).\nوقال ابن زيد: يلتقي فيه العباد (^٥).\nوقال قتادة والسدي وبلال بن سعد وسفيان بن عيينة: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض والخالق والخلق (^٦).\nوقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم، وقد يقال: إن يوم التلاق يشمل هذا كله، ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عمله من خير وشر كما قاله آخرون (^٧).\n\n<span id=\"aya-4149\"></span>وقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ أي: ظاهرون بادون كلهم لا شيء يكنُّهم ولا يظلهم ولا يسترهم ولهذا قال: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ أي: الجميع في علمه على السواء. وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قد تقدم في حديث ابن عمر ﵄ أنه تعالى يطوي السماوات والأرض بيده ثم يقول أنا الملك أنا الجبار أنا المتكبر، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون (^٨)؟\nوفي حديث الصور أنه تعالى إذا قبض أرواح جميع خلقه فلم يبق سواه وحده لا شريك له حينئذٍ يقول: لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات ثم يجيب نفسه قائلًا: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٣.\n(^٢) تقدم تخريجه وضعفه في تفسير هذه السورة الكريمة آية ٧.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وقول سفيان بن عيينة أخرجه البستي بسند صحيح عن ابن أبي عمر عنه.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.\n(^٨) سنده صحيح وله حكم الرفع لأنه من الغيب.","vol":"6","page":487},{"text":"وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن غالب الدقاق، حدثنا عبيد بن عبيدة، حدثنا معتمر، عن أبيه، حدثنا أبو نضرة، عن ابن عباس ﵄ قال: ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات قال: وينزل الله إلى سماء الدنيا ويقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.\n\n<span id=\"aya-4150\"></span>وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه أنه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها وبالسيئة واحدة قال ﵎: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ ﵁، عن رسول الله ﷺ فيما يحكي عن ربه ﷿ أنه قال: \"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا - إلى أن قال: - يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ﵎، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه\" (^١).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: يحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفسًا واحدة كما قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر].\n\n<span id=\"aya-4151\"></span>﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾.\nيوم الآزفة اسم من أسماء يوم القيامة، وسميت بذلك لاقترابها كما قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾ [النجم]، وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر]، وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]، وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾ [الملك].\nوقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ قال قتادة: وقفت القلوب في الحناجر من الخوف فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها، وكذا قال عكرمة والسدي وغير واحد، ومعنى كاظمين؛ أي: ساكتين لا يتكلم أحد إلا بإذنه ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ].\nوقال ابن جريج: ﴿كَاظِمِينَ﴾ أي: باكين (^٢). وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم ولا شفيع يشفع فيهم بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير. وقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ يخبر تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٤٤.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":488},{"text":"ليحذر الناس علمه فيهم فيستحيوا من الله تعالى حق الحياء ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه فإنه يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر.\n\n<span id=\"aya-4152\"></span>قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾: هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم وفيهم المرأة الحسناء أو تمرُّ به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غضَّ بصره عنها، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض، وقد اطلع الله تعالى من قلبه أنه ودَّ أن لو اطلع على فرجها (^١). رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الضحاك: ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ هو: الغمز وقول الرجل: رأيت ولم يرَ، أو: لم أرَ، وقد رأى.\nوقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يعلم الله تعالى من العين في نظرها هل تريد الخيانة أم لا (^٢)؟ وكذا قال مجاهد وقتادة (^٣).\nوقال ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يعلم إذا أنت قدرت عليها هل تزني بها أم لا؟ (^٤).\nوقال السدي: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي: من الوسوسة.\n\n<span id=\"aya-4153\"></span>وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي: يحكم بالعدل.\nقال الأعمش: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٥). وهذا الذي فسر به ابن عباس ﵄ هذه الآية كقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأوثان والأنداد ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أي: لا يملكون شيئًا ولا يحكمون بشيء ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي: سميع لأقوال خلقه بصير بهم فيهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الحاكم العادل في جميع ذلك.\n\n<span id=\"aya-4154\"></span>\n\n<span id=\"aya-4155\"></span>﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد ﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأُمم المكذبة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما حلَّ بهم من العذاب والنكال مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أثروا في\n_________\n(^١) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق منصور عن ابن عباس (المصنف ٣/ ٤١٠) وسنده ضعيف لأن منصورًا لم يسمع من ابن عباس ويتقوى بما يليه.\n(^٢) أخرجه البستي والطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) الخبر تتمة لقبل سابقه.\n(^٥) الخبر تتمة لسابقه.","vol":"6","page":489},{"text":"الأرض من البنايات والمعالم والديارات ما لا يقدر هؤلاء عليه كما قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩] أي: مع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد أخذهم الله بذنوبهم وهي كفرهم برسلهم ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ أي: وما دفع عنهم عذاب الله أحد ولا رده عنهم راد، ولا وقاهم واق، ثم ذكر علة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات ﴿فَكَفَرُوا﴾ أي: مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى أي: أهلكهم ودمر عليهم وللكافرين أمثالها ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: ذو قوة عظيمة وبطش شديد وهو ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: عقابه أليم شديد وجيع، أعاذنا الله منه.\n\n<span id=\"aya-4156\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾.\nيقول تعالى مسليًا لنبيه محمد ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه ومبشرًا له بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة كما جرى لموسى بن عمران ﵇ فإن الله تعالى أرسله بالآيات البينات. والدلائل الواضحات. ولهذا قال تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ والسلطان هو الحجة والبرهان\n\n<span id=\"aya-4157\"></span>﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ وهو ملك القبط بالديار المصرية ﴿وَهَامَانَ﴾ وهو وزيره في مملكته ﴿وَقَارُونَ﴾ وكان أكثر الناس في زمانه مالًا وتجارة ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ أي: كذبوه وجعلوه ساحرًا مجنونًا مموهًا كذابًا في أن الله أرسله وهذه كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ [الذاريات].\n\n<span id=\"aya-4158\"></span>﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: بالبرهان القاطع الدال على أن الله تعالى أرسله إليهم ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ وهذا أمر ثانٍ من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل. أما الأول فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم أو لمجموع الأمرين، وأما الأمر الثاني فللعلَّة الثانية ولإهانة هذا الشعب ولكي يتشاءموا بموسى ﵇ ولهذا قالوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩].\nقال قتادة: هذا أمر بعد أمر (^١)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ أي: وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا ينصروا عليهم إلا ذاهب وهالك في ضلال\n\n<span id=\"aya-4159\"></span>﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ وهذا عزم من فرعون لعنه الله تعالى إلى قتل\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"6","page":490},{"text":"موسى ﵊؛ أي: قال لقومه: دعوني حتى أقتل لكم هذا ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أي لا أبالي به، وهذا في غاية الجحد والتهجم والعناد، وقوله قبحه الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ يعني: موسى، يخشى فرعون أن يضل موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مُذَكِّرًا؛ يعني: واعظًا يشفق على الناس من موسى ﵇. وقرأ الأكثرون: ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ وقرأ آخرون ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (^١) وقرأ بعضهم ﴿يَظْهَر في الأرض الفسادُ﴾ بالضم (^٢).\n\n<span id=\"aya-4160\"></span>وقال موسى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي: لما بلغه قول فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ قال موسى ﵇: استجرت بالله وعذت به من شره وشر أمثاله ولهذا قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أيها المخاطبون ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أي: عن الحق مجرم ﴿لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا خاف قومًا قال: \"اللَّهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-4161\"></span>﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾.\nالمشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطيًا من آل فرعون قال السدي: كان ابن عم فرعون، ويقال: إنه الذي نجا مع موسى ﵊ (^٤)، واختاره ابن جرير وردَّ قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيليًا، لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه وكفَّ عن قتل موسى ﵇، ولو كان إسرائيليًا لأوشك أن يعاجل بالعقوبة لأنه منهم.\nوقال ابن جريج، عن عباس ﵄ لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون والذي قال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]، رواه ابن أبي حاتم (^٥).\nوقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ فأخذت الرجل غضبة لله ﷿ وأفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر كما ثبت بذلك الحديث، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون وهي قوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ اللَّهم إلا ما رواه البخاري في صحيحه حيث قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، حدثني عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ. قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة\n_________\n(^١) القراءتان متواترتان.\n(^٢) وهي قراءة متواترة أيضًا.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد وحسنه محققوه (المسند ٣٢/ ٤٩٣ ح ١٩٧١٩).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يلق ابن عباس.","vol":"6","page":491},{"text":"إذ أقبل عقبة بن أبي مُعيط، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر ﵁ عنه فأخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^١). انفرد به البخاري من حديث الأوزاعي، قال: وتابعه محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه به (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة، عن هشام؛ يعني: ابن عروة، عن أبيه، عن عمرو بن العاص ﵁ أنه سئل ما أشد ما رأيت قريشًا بلغوا من رسول الله ﷺ؟ قال مرَّ ﷺ بهم ذات يوم فقالوا له: أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال: \"أنا ذاك\"، فقاموا إليه فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيت أبا بكر ﵁ محتضنه من ورائه وهو يصيح بأعلى صوته وإن عينيه لتسيلان وهو يقول: يا قوم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية كلَّها (^٣). وهكذا رواه النسائي من حديث عبدة فجعله من مسند عمرو بن العاص ﵁ (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: كيف تقتلون رجلًا لكونه يقول ربي الله وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق؟ ثم تنزل معهم في المخاطبة فقال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ يعني: إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه ونفسه فلا تؤذوه، فإن يك كاذبًا فإن الله ﷾ سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، وإن يكن صادقًا وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة فمن الجائز عندكم أن يكون صادقًا فينبغي على هذا أن لا تتعرضوا له بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه. وهكذا أخبر الله عن موسى ﵇ أنه طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾ [الدخان]، وهكذا قال رسول الله ﷺ لقريش أن يتركوه يدعو إلى الله تعالى عباد الله ولا يمسوه بسوء ويصلوا ما بينه وبينهم من القرابة في ترك أذيته قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] أي: أن لا تؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة فلا تؤذوني وتتركوا بيني وبين الناس، وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية وكان فتحًا مبينًا، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ أي: لو كان هذا الذي يزعم أن الله تعالى أرسله إليكم كاذبًا كما تزعمون لكان أمره بينًا يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، فكانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب، وهذا نرى أمره سديدًا ومنهجه مستقيمًا، ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله،\n\n<span id=\"aya-4162\"></span>ثم قال المؤمن: محذرًا قومه زوال نعمة الله عنهم وحلول نقمة الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة المؤمن ح ٤٨١٥).\n(^٢) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة (ح ٣٨٥٦).\n(^٣) سنده صحيح.\n(^٤) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٤٦٢).","vol":"6","page":492},{"text":"بهم: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: قد أنعم الله عليكم بهذا الملك والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله تعالى وتصديق رسوله ﷺ، واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ أي: لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر ولا ترد عنا شيئًا من بأس الله إن أرادنا بسوء.\nقال فرعون لقومه رادًّا على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد الذي كان أحق بالملك من فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ أي: ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي، وقد كذب فرعون فإنه كان يتحقق صدق موسى ﵇ فيما جاء به من الرسالة ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، فقوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ كذب فيه وافترى وخان الله ﵎ ورسوله ﷺ ورعيته فغشهم وما نصحهم وكذا قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أي: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد، وقد كذب أيضًا في ذلك وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه قال الله ﵎: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ [طه]، وفي الحديث: \"ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام\" (^١).\n\n<span id=\"aya-4163\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾.\nهذا إخبار من الله ﷿ عن هذا الرجل الصالح مؤمن آل فرعون أنه حذر قومه بأس الله تعالى في الدنيا والآخرة فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أي: الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من الأمم المكذبة كيف حلَّ بهم بأس الله وما ردَّه عنهم راد ولا صدَّه عنهم صاد.\n\n<span id=\"aya-4164\"></span>﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ أي: إنما أهلكهم الله تعالى بذنوبهم وتكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره فأنفذ فيهم قدره\n\n<span id=\"aya-4165\"></span>ثم قال: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ يعني: يوم القيامة وسُمي بذلك، قال بعضهم: لِما جاء في حديث الصور أن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى ذلك ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضًا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث معقل بن يسار ﵁. (صحيح البخاري، الأحكام، باب من استُرعي رعية فلم ينصح ح ٧١٥٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار ح ٢٢٧).\n(^٢) تقدم تخريج حديث الصور في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.","vol":"6","page":493},{"text":"وقال آخرون منهم الضحاك: بل ذلك إذا جيء بجهنم ذهب الناس هِرَابًا منهم فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧]، وقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ (^١) [الرحمن].\nوقد روي عن ابن عباس والحسن والضحاك أنهم قرأوا: \"يوم التنادّ\" بتشديد الدال (^٢) من ندّ البعير إذا شرد وذهب، وقيل: لأن الميزان عنده ملك إذا وزن عمل العبد فرجح نادى بأعلى صوته: ألا قد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خفَّ عمله نادى: ألا قد شقي فلان بن فلان.\nوقال قتادة: يُنادي كل قوم بأعمالهم، يُنادي أهلُ الجنة أهلَ الجنة وأهلُ النار أهلَ النار (^٣)، وقيل: سمي بذلك لمناداة أهل الجنة أهل النار ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]، ومناداة أهل النار أهل الجنة ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠]، ولمناداة أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل النار كما هو مذكور في سورة الأعراف، واختار البغوي وغيره أنه سُمي بذلك لمجموع ذلك، وهو قول حسن جيد، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4166\"></span>وقوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أي: ذاهبين هاربين ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ [القيامة]، ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي: لا مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: من أضله الله فلا هادي له غيره.\n\n<span id=\"aya-4167\"></span>وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: أهل مصر، وقد بعث الله فيهم رسولًا من قبل موسى ﵊ وهو: يوسف ﵊ كان عزيز أهل مصر، وكان رسولًا يدعو إلى الله تعالى أُمته القبط، فما أطاعوه تلك الطاعة إلا لمجرد الوزارة والجاه الدنيوي ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ أي: يئستم فقلتم طامعين: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ وذلك لكفرهم وتكذيبهم ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ أي: كحالكم هذا يكون حال من يضله الله لإسرافه في أفعاله وارتياب قلبه.\n\n<span id=\"aya-4168\"></span>ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي: الذي يدفعون الحق بالباطل ويجادلون بالحجج بغير دليل وحجة معهم من الله تعالى فإن الله ﷿ يمقت على ذلك أشد المقت ولهذا قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: والمؤمنون أيضًا يبغضون من تكون هذه صفته فإن من كانت هذه صفته يطبع الله على قلبه فلا يعرف بعد ذلك معروفًا ولا ينكر\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق أجلح عن الضحاك، وسنده حسن إلى الضحاك لكنه معضل لأن الضحاك تابع تابعي.\n(^٢) وهي قراءة شاذة تفسير وهي منسوبة إلى ابن عباس والضحاك كما في المحتسب ٢/ ٢٤٣، ومختصر الشواذ (ص ١٣٣)، ونسبها الطبري إلى الحسن البصري من غير سند.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"6","page":494},{"text":"منكرًا ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ أي: على اتباع الحق ﴿جَبَّارٍ﴾ وروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة وحكي عن الشعبي أنهما قالا: لا يكون الإنسان جبارًا حتى يقتل نفسين.\nوقال أبو عمران الجوني وقتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق.\n\n<span id=\"aya-4169\"></span>\n\n<span id=\"aya-4170\"></span>﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن فرعون وعتوه وتمرده وافترائه في تكذيبه موسى ﵊ أنه أمر وزيره هامان أن يبني له صرحًا وهو القصر العالي المنيف الشاهق، وكان اتخاذه من الآجر المضروب من الطّين المشوي كما قال تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ [القصص: ٣٨]، ولهذا قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون البناء بالآجر وأن يجعلوه في قبورهم رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ قال سعيد بن جبير وأبو صالح: أبواب السماوات (^١)، وقيل: طرق السماوات (^٢). ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ وهذا من كفره وتمرده أنه كذَّب موسى ﵊ في أن الله ﷿ أرسله إليه قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: بصنيعه هذا الذي أراد أن يوهم به الرعية أنه يعمل شيئًا يتوصل به إلى تكذيب موسى ﵊ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد: يعني إلا في خسار (^٣).\n\n<span id=\"aya-4171\"></span>\n\n<span id=\"aya-4172\"></span>\n\n<span id=\"aya-4173\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾.\nيقول المؤمن لقومه ممن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا ونسي الجبار الأعلى فقال لهم: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ لا كما كذب فرعون في قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩].\nثم زهدهم في الدنيا التي قد آثروا على الأُخرى وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى عليه لصلاة والسلام فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ أي: قليلة زائلة فانية عن قريب\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وأخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"6","page":495},{"text":"تذهب وتضمحل ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: الدار التي لا زوال لها ولا انتقال منها ولا ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم ولهذا قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ أي: واحدة مثلها ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا يتقدر بجزاء بل يثيبه الله ثوابًا كثيرًا لا انقضاء له ولا نفاد.\n\n<span id=\"aya-4174\"></span>﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾.\nيقول لهم المؤمن ما بالي أدعوكم إلى النجاة وهي: عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسوله الله الذي بعثه ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾\n\n<span id=\"aya-4175\"></span>﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: على جهل بلا دليل ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ أي: هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب إليه\n\n<span id=\"aya-4176\"></span>﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ يقول حقًا؟\nقال السدي وابن جرير: معنى قوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾: حقًا (^١).\nوقال الضحاك: ﴿لَا جَرَمَ﴾ لا كذب.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لَا جَرَمَ﴾ يقول: بلى إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾.\nقال مجاهد: الوثن ليس له شيء (^٢).\nوقال قتادة: يعني: الوثن لا ينفع ولا يضر (^٣).\nوقال السدي: لا يجيب داعيه لا في الدنيا ولا في الآخرة (^٤)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف]، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤].\nوقوله: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: في الدار الآخرة فيجازي كلًا بعمله ولهذا قال: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي: خالدين فيها بإسرافهم وهو شركهم بالله.\n\n<span id=\"aya-4177\"></span>﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ أي: سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه ونصحتكم\n_________\n(^١) هذا القول الذي قال به الطبري.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"6","page":496},{"text":"ووضحت لكم وتتذكرونه وتندمون حيث لا ينفع الندم ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: وأتوكل على الله وأستعينه وأقاطعكم وأباعدكم ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: هو بصير بهم تعالى وتقدس، فيهدي من يستحق الهداية ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة والحكمة التامة والقدر النافذ.\n\n<span id=\"aya-4178\"></span>\n\n<span id=\"aya-4179\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أي: في الدنيا والآخرة، وأما في الدنيا فنجاه الله تعالى مع موسى ﵊، وأما في الآخرة فبالجنة ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وهو: الغرق في اليمِّ ثم النقلة منه إلى الجحيم، فإن أرواحهم تعرض على النار صباحًا ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أي: أشده ألمًا وأعظمه نكالًا، وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور وهي قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾.\nولكن هنا سؤال وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم هو: ابن القاسم أبو النضر، حدثنا إسحاق بن سعيد هو: ابن عمرو بن سعيد بن العاص، حدثنا سعيد يعني: أباه، عن عائشة ﵂ أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة ﵂ إليها شيئًا من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاكِ الله عذاب القبر. قالت ﵂: فدخل رسول الله ﷺ عليَّ فقلت: يا رسول الله هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة؟ قال ﷺ: \"لا، من زعم ذلك؟ \" قالت: هذه اليهودية لا أصنع إليها شيئًا من المعروف إلا قالت: وقاكِ الله عذاب القبر. قال ﷺ: \"كذبت يهود وهم على الله أكذب لا عذاب دون يوم القيامة\" ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملًا بثوبه محمرة عيناه وهو ينادي بأعلى صوته: \"القبر كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم بكيتم كثيرًا وضحكتم قليلًا، أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق\" (^١). وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه.\nوروى أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: سألتها امرأة يهودية فأعطتها فقالت لها: وقاكِ الله من عذاب القبر، فأنكرت عائشة ﵂ ذلك، فلما رأت النبي ﷺ قالت: له فقال ﷺ: \"لا\" قالت عائشة ﵂: ثم قال لنا رسول الله بعد ذلك: \"وإنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم\" (^٢). وهذا أيضًا على شرطهما.\nفيقال: فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية وفيها دلالة على عذاب البرزخ؟\nوالجواب: أن الآية دلَّت على عرض الأرواح على النار غدوًا وعشيًا في البرزخ، وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور إذ قد يكون ذلك مختصًا بالروح، فأما حصول ذلك للجسد في البرزخ وتألمه بسببه، فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها. وقد يقال: إن هذه\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٤١/ ٦٦، ٦٧ ح ٢٤٥٢٠)، وصحح سنده محققوه، وسبقهم الحافظ ابن كثير في تصحيحه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣/ ١٤٢ ح ٢٦٠٠٨)، وصحح سنده محققوه، وسبقهم الحافظ ابن كثير.","vol":"6","page":497},{"text":"الآية إنما دلَّت على عذاب الكفار في البرزخ ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب.\nومما يدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها امرأة من اليهود وهي تقول: أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم، فارتاع رسول الله ﷺ وقال: \"إنما يفتن يهود\" قالت عائشة ﵂: فلبثنا ليالي ثم قال رسول الله ﷺ: \"ألا إنكم تفتنون في القبور\" وقالت عائشة ﵂: فكان رسول الله ﷺ بعد يستعيذ من عذاب القبر (^١)، وهكذا رواه مسلم عن هارون بن سعيد وحرملة كلاهما عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري به (^٢).\nوقد يقال إن هذه الآية دلَّت على عذاب الأرواح في البرزخ ولا يلزم من ذلك أن يتصل في الأجساد في قبورها، فلما أُوحي إلى النبي ﷺ في ذلك بخصوصه استعاذ منه، والله ﷾ أعلم.\nوقد روى البخاري من حديث شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة ﵂ أن يهودية دخلت عليها فقالت: نعوذ بالله من عذاب القبر فسألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال ﷺ: \"نعم عذاب القبر حق\" قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر (^٣). فهذا يدل على أنه بادرَ ﷺ إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر وقرَّر عليه، وفي الأخبار المتقدمة أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي فلعلهما قضيتان والله سبحانه أعلم وأحاديث عذاب القبر كثيرة جدًا.\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾: صباحًا ومساء ما بقيت الدنيا يقال لهم يا آل فرعون هذه منازلكم توبيخًا ونقمة وصغارًا لهم (^٤).\nوقال ابن زيد: هم فيها اليوم يغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا ليث، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن هذيل، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاؤوا، وإن أرواح وِلدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود تغدو على جهنم وتروح عليها فذلك عرضها (^٥)، وقد رواه الثوري، عن أبي قيس، عن الهذيل بن شرحبيل من كلامه في أرواح آل فرعون (^٦)، وكذلك قال السدي (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣/ ٢١٠ ح ٢٦١٠٥) وصحح سنده محققوه.\n(^٢) صحيح مسلم، المساجد، باب استحباب التعوذ من فتنة القبر (ح ٥٨٤).\n(^٣) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (ح ١٣٧٢).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق من طريق الثوري عن عبد الرحمن بن ثروان به بدون ذكر ابن مسعود، والشطر الأول له شاهد في صحيح مسلم تقدم في تفسير سورة آل عمران آية ١٦٩، وأما الشطر الثاني الذي يذكر آل فرعون فإنه غريب وتارة يرويه هذيل عن ابن مسعود وتارة من كلامه كما سيأتي في رواية الثوري.\n(^٦) تقدم تخريجه عن عبد الرزاق في الرواية السابقة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه من الأمور الغيبية التي لا تؤخذ إلا من الوحي.","vol":"6","page":498},{"text":"وفي حديث الإسراء من رواية أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ قال فيه: \"ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق الله رجال كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم مصفدون على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار غدوًا وعشيًا ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وآل فرعون كالإبل المسومة يخبطون الحجارة والشجر ولا يعقلون (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا زيد بن أخرم، حدثنا عامر بن مدرك الحارثي، حدثنا عتبة - يعني: ابن يقظان -، عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن شهاب، عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"ما أحسنَ محسنٌ من مسلم أو كافر إلا أثابه الله تعالى\" قال: قلنا: يا رسول الله ما إثابة الله الكافر؟ فقال: \"إن كان قد وصل رحمًا أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة أثابه الله ﵎ المال والولد والصحة وأشباه ذلك\" قلنا فما إثابته في الآخرة؟ قال ﷺ: \"عذابًا دون العذاب\" وقرأ ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (^٢).\nورواه البزار في مسنده عن زيد بن أخرم ثم قال: لا نعلم له إسنادًا غير هذا (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، حدثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي قال: سمعت الأوزاعي وسأله رجل فقال: رحمك الله رأينا طيورًا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب بيضًا فوجًا فوجًا لا يعلم عددها إلا الله ﷿، فإذا كان العشي رجع مثلها سودًا. قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قال: نعم، قال: إن ذلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدوًا وعشيًا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت أرياشها وصارت سودًا فينبت عليها من الليل ريش أبيض ويتناثر الأسود ثم تغدو على النار غدوًا وعشيًا ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبهم في الدنيا فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قال: وكانوا يقولون إنهم ستمائة ألف مقاتل (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله ﷿ إليه يوم القيامة\" (^٥). أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به (^٦).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه وضعفه في مطلع تفسير سورة الإسراء.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف عتبة بن يقظان (ميزان الاعتدال ٣/ ٣٠).\n(^٣) أخرجه البزار كما في مختصر زوائد مسند البزار (١/ ٣٩٢ ح ٦٤٦)، وقال الحافظ ابن حجر: والمتن شاذ بمرة. وذلك بعد أن نقل كلام الهيثمي في عتبة بن يقظان إذ قال: فيه كلام.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه مقطوع وحماد بن محمد الفزاري ضعيف (لسان الميزان ٢/ ٣٥٣)، ومتنه فيه غرابة.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١١٣) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي (ح ١٣٧٩)، وصحيح مسلم، الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه (ح ٢٨٦٦).","vol":"6","page":499},{"text":"<span id=\"aya-4180\"></span>﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾.\nيخبر تعالى عن تحاجَ أهل النار في النار وتخاصمهم وفرعون وقومه من جملتهم، فيقول الضعفاء - وهم الأتباع - للذين استكبروا وهم القادة والسادة والكبراء ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: قسطًا تتحملونه عنا\n\n<span id=\"aya-4181\"></span>﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ أي: لا نتحمل عنكم شيئًا كفى بنا ما عندنا وما حملنا من العذاب والنكال ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ أي: فقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا كما قال تعالى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨].\n\n<span id=\"aya-4182\"></span>\n\n<span id=\"aya-4183\"></span>﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾ لما علموا أن الله لا يستجيب منهم ولا يستمع لدعائهم بل قد قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، سألوا الخزنة وهم كالسجانين لأهل النار أن يدعوا لهم الله تعالى أن يخفف عن الكافرين ولو يومًا واحدًا من العذاب فقالت لهم الخزنة رادّين عليهم ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: أو ما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة الرسل ﴿قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ أي: أنتم لأنفسكم فنحن لا ندعو لكم ولا نسمع منكم ولا نود خلاصكم ونحن منكم براء ثم نخبركم أنه سواء دعوتم أو لم تدعوا لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم ولهذا قالوا: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ أي: إلا في ذهاب ولا يتقبل ولا يستجاب.\n\n<span id=\"aya-4184\"></span>﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾.\nقد أورد أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ سؤالًا فقال: قد علم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرًا كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين:\n(أحدهما): أن يكون الخبر خرج عامًا والمراد به البعض قال: وهذا سائغ في اللغة.\n(الثاني): أن يكون المراد بالنصر والانتصار لهم ممن آذاهم وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبهم أو بعد موتهم كما فعل بقتلة يحيى وزكريا وشعياء سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم","vol":"6","page":500},{"text":"وسفك دماءهم (^١)، وقد ذكر أن النمرود أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح ﵇ من اليهود فسلط الله تعالى عليهم الروم، فأهانوهم وأذلوهم وأظهرهم الله تعالى عليهم ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى بن مريم ﵊ إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود ويقتل الخنزير ويكسر الصليب، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام وهذه نصرة عظيمة وهذه سنة الله تعالى في خلقه في قديم الدهر وحديثه أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا ويقرَّ أعينهم ممن آذاهم، ففي صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"يقول الله ﵎ من عادى لي وليًا فقد بارزني بالحرب\" (^٢).\nوفي الحديث الآخر: \"إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث بالحرب\" ولهذا أهلك الله تعالى قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرسِّ وقوم لوط وأهل مدين وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى الله تعالى من بينهم المؤمنين فلم يهلك منهم أحدًا وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحدًا (^٣).\nقال السدي لم يبعث الله رسولًا قط إلى قوم فيقتلونه أو قومًا من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله ﵎ لهم من ينصرهم فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا قال، فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها (^٤). وهكذا نصر الله نبيه محمدًا ﷺ وأصحابه على من خالفه وناوأه وكذبه وعاداه، فجعل كلمته هي العليا ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية وجعل له فيها أنصارًا وأعوانًا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر فنصره عليهم وخذلهم له وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم فاستاقهم مقرنين في الأصفاد، ثم منَّ عليهم بأخذه الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة، فقرَّت عينه ببلده وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم، فأنفذه الله تعالى به مما كان فيه من الكفر والشرك وفتح له اليمن ودانت له جزيرة العرب بكاملها ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ثم قبضه الله تعالى إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة فأقام الله ﵎ أصحابه خلفاء بعده فبلغوا عنه دين الله ودعوا عباد الله تعالى إلى الله، وفتحوا البلاد والرساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها. ثم لا يزال هذا الدين قائمًا منصورًا ظاهرًا إلى قيام الساعة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل.\nقال مجاهد: الأشهاد الملائكة (^٥).\n\n<span id=\"aya-4185\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بدل من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وقرأ آخرون\n_________\n(^١) ذكره الطبري بمعناه مختصرًا.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٩٨.\n(^٣) في متنه غرابة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي مختصرًا.\n(^٥) أخرجه الثوري بسند صحيح عن الأعمش عن مجاهد، وأخرجه الطبري من طريق الثوري به.","vol":"6","page":501},{"text":"يوم بالرفع (^١) كأنه فسره به ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ﴾ وهم المشركون ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي: لا يقبل منهم عذر ولا فدية ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي: الإبعاد والطرد من الرحمة ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وهي النار قاله السدي، بئس المنزل والمقيل.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ أي: سوء العاقبة.\n\n<span id=\"aya-4186\"></span>\n\n<span id=\"aya-4187\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ وهو ما بعثه الله به من الهدى والنور ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ أي: جعلنا لهم العاقبة وأورثناهم بلاد فرعون وأمواله وحواصله وأرضه بما صبروا على طاعة الله ﵎ واتباع رسوله موسى ﵊ وفي الكتاب الذي أورثوه وهو التوراة ﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤)﴾ وهي العقول الصحيحة السليمة.\n\n<span id=\"aya-4188\"></span>وقوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾ أي يا محمد ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: وعدناك أنا سنعلي كلمتك ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك، والله لا يخلف الميعاد وهذا الذي أخبرناك به حق لا مرية فيه ولا شك وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ هذا تهييج للأمة على الاستغفار ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ﴾ أي: في أواخر النهار وأوائل الليل ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾ وهي أول النهار وأواخر الليل.\n\n<span id=\"aya-4189\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي: يدفعون الحق بالباطل ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أي: ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق واحتقار لمن جاءهم به وليس ما يرومونه من إخماد الحق وإعلاء الباطل بحاصل لهم بل الحق هو المرفوع وقولهم وقصدهم هو الموضوع ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: من حال مثل هؤلاء ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أو من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان هذا تفسير ابن جرير.\nوقال كعب وأبو العالية: نزلت هذه الآية في اليهود ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ قال أبو العالية: وذلك أنهم ادعوا أن الدجال منهم وأنهم يملكون به الأرض فقال الله تعالى لنبيه ﷺ آمرًا له أن يستعيذ من فتنة الدجال ولهذا قال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢) وهذا قول غريب وفيه تعسف بعيد، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم في كتابه، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4190\"></span>﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾.\nيقول تعالى منبهًا على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة، وأن ذلك سهل عليه يسير لديه بأنه خلق السماوات والأرض، وخلقهما أكبر من خلق الناس بدأة وإعادة، فمن قدر على ذلك فهو قادر\n_________\n(^١) وهي قراءة شاذة على التفسير.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وقال بسند صحيح عن أبي العالية. لكنه مرسل. وقول كعب عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.","vol":"6","page":502},{"text":"على ما دونه بطريق الأولى والأخرى كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف] وقال ههنا: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ فلهذا لا يتدبرون هذه الحجة ولا يتأملونها كما كان كثير من العرب يعترفون بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض وينكرون المعاد استبعادًا وكفرًا وعنادًا، وقد اعترفوا بما هو أولى مما أنكروا.\n\n<span id=\"aya-4191\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾ أي: كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئًا والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره، بل بينهما فرق عظيم كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: ما أقل ما يتذكر كثير من الناس\n\n<span id=\"aya-4192\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ أي: لكائنة وواقعة ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بها بل يكذبون بوجودها.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أشهب، حدثنا مالك، عن شيخ قديم من أهل اليمن قدم من ثم قال: سمعت أن الساعة إذا دنت اشتد البلاء على الناس واشتد حرُّ الشمس (^١).\n\n<span id=\"aya-4193\"></span>﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾.\nهذا من فضله ﵎ وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه وتكفل لهم بالإجابة كما كان سفيان الثوري يقول: يا مَن أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله، ويا مَن أبغض عباده إليه من لم يسأله وليس أحد كذلك غيرك يا ربّ. رواه ابن أبي حاتم وفي هذا المعنى يقول الشاعر:\nالله يغضب إن تركت سؤاله … وبُنَيُّ آدم حين يسأل يغضب\nوقال قتادة: قال كعب الأحبار أُعطيت هذه الأمة ثلاثًا لم تعطهن أمة قبلها ولا نبي: كان إذا أرسل الله نبيًا قال له: أنت شاهد على أمتك وجعلتكم شهداء على الناس، وكان يُقال له: ليس عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وكان يُقال له: ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٢) رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الإمام الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا أبو إبراهيم الترجماني، حدثنا صالح [المرّي] (^٣) قال: سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﷿ قال: \"أربع خصال واحدة منهن لي وواحدة لك وواحدة بيني\n_________\n(^١) رجاله ثقات لكن الإمام مالك لم يصرح باسم شيخه، وعلى كل حال هو مقطوع.\n(^٢) سنده مرسل ومعناه صحيح وله شواهد تقويه.\n(^٣) كذا في (مح) ومسند أبي يعلى، وفي الأصل: و(حم) صُحف إلى: \"المزي\".","vol":"6","page":503},{"text":"وبينك وواحدة فيما بينك وبين عبادي، فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئًا، وأما التي لك علي فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن ذرٍّ، عن يُسيع الكندي، عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الدعاء هو العبادة\" ثم قرأ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (^٢). وهكذا رواه أصحاب السنن الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير كلهم من حديث الأعمش به. وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير أيضًا من حديث شعبة، عن المنصور والأعمش كلاهما عن ذرٍّ به، وكذا رواه ابن يونس، عن أسيد بن عاصم بن مهران، حدثنا النعمان بن عبد السلام، حدثنا سفيان الثوري، عن منصور، عن ذرٍّ به، ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحهما وقال الحاكم صحيح الإسناد (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع أبو مليح المدني شيخ من أهل المدينة سمعه عن أبي صالح وقال: مرة سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لم يدع الله ﷿ غضب عليه\". تفرد به أحمد وهذا إسناد لا بأس به.\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا مروان الفزاري، حدثنا صبيح أبو المليح، سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لا يسأله يغضب عليه\" (^٤). قال ابن معين أبو المليح هذا اسمه: صُبيح كذا قيده بالضم عبد الغني بن سعيد، وأما أبو صالح هذا فهو: الخوزي سكن شعب الخوز، قاله البزار في مسنده، وكذا وقع في روايته أبو المليح الفارسي عن أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لم يسأل الله يغضب عليه\" (^٥).\nوقال أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي: حدثنا همام، حدثنا إبراهيم، عن الحسن، حدثنا نائل بن نجيح، حدثني عائذ بن حبيب، عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري وجدنا في ذؤابة سيفه كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن لربكم في بقية أيام دهركم نفحات، فتعرضوا له لعل دعوة أن توافق\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٤٣ ح ٢٧٥٧) وسنده ضعيف لضعف صالح المري (مجمع الزوائد ١/ ٥١).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/ ٣٣٦ ح ١٨٣٨٦)، وصحح سنده محققوه.\n(^٣) سنن أبي داود، الوتر، باب الدعاء (ح ١٤٧٩)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة المؤمن (ح ٣٢٤٧)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٤٦٤)، وسنن ابن ماجه، الدعاء، باب فضل الدعاء (ح ٣٨٢٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٠٨٦)، وأخرجه الحاكم وصححه وواففه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٩١).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦/ ١٤٦ ح ١٠١٧٨) وضعف سنده محققوه لضعف أبي صالح الخوزي.\n(^٥) سنده ضعيف كسابقه.","vol":"6","page":504},{"text":"رحمة فيسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدًا\" (^١). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ أي: عن دعائي وتوحيدي سيدخلون جهنم داخرين؛ أي: صاغرين حقيرين كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: \"يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر (^٢) في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم يقال له: بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار\" (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن محمد بن يزيد بن خنيس قال: سمعت أبي يحدث عن وهيب بن الورد، حدثني رجل قال: كنت أسير ذات يوم في أرض الروم فسمعت هاتفًا من فوق رأس الجبل وهو يقول: يا ربِّ عجبت لمن عرفك كيف يرجو أحدًا غيرك! يا ربِّ، عجبت لمن عرفك كيف يطلب حوائجه إلى أحد غيرك! قال: ثم ذهبت، ثم جاءت الطامة الكبرى. قال: ثم عاد الثانية فقال: يا ربِّ عجبت لمن عرفك كيف يتعرض لشيء من سخطك يرضي غيرك! قال: وهيب وهذه الطامة الكبرى، قال: فناديته: أجني أنت أم إنسي؟ قال: بل إنسي اشغل نفسك بما يعنيك عما لا يعنيك (^٤).\n\n<span id=\"aya-4194\"></span>﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾.\nيقول تعالى ممتنًّا على خلقه بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه يستريحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار وجعل النهار مبصرًا؛ أي: مضيئًا ليتصرفوا فيه بالأسفار وقطع الأقطار والتمكن من الصناعات ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون بشكر نعم الله عليهم،\n\n<span id=\"aya-4195\"></span>ثم قال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: الذي فعل هذه الأشياء هو الله الواحد الأحد خالق الأشياء الذي لا إله غيره ولا ربَّ سواه ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تعبدون من الأصنام التي لا تخلق شيئًا بل هي مخلوقة منحوتة؟\n\n<span id=\"aya-4196\"></span>وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)﴾ أي: كما ضل بعبادة غير الله\n_________\n(^١) أخرجه الرامهرمزي بسنده ومتنه (المحدث الفاصل ص ٤٩٧)، وسنده ضعيف لضعف نائل بن نجيح (التقريب ص ٥٥٩).\n(^٢) أي: النمل الصغير.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٢٦٠ ح ١٦٧٧) وحسن سنده محققوه.\n(^٤) في سنده إبهام شيخ وهيب بن الورد.","vol":"6","page":505},{"text":"كذلك أفك الذين من قبلهم فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حجج الله وآياته.\n\n<span id=\"aya-4197\"></span>وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ أي: جعلها لكم مستقرًّا بساطًا مهادًا تعيشون عليها وتتصرفون فيها وتمشون في مناكبها وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أي: سقفًا للعالم محفوظا ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي: فخلقكم في أحسن الأشكال ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: من المآكل والمشارب في الدنيا فذكر أنه خالق الدار والسكان والأرزاق فهو الخالق الرازق كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة]. وقال تعالى ههنا بعد خلق هذه الأشياء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: فتعالى وتقدس وتنزه رب العالمين كلهم\n\n<span id=\"aya-4198\"></span>ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: هو الحي أزلًا وأبدًا لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا نظير له ولا عديل ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو الحمد لله رب العالمين.\nقال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: لا إله إلا الله أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين عملًا بهذه الآية (^١). ثم روي عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، عن أبيه، عن الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: من قال: لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين وذلك قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢).\nوقال أبو أسامة وغيره، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير قال: إذا قرأت ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فقل: لا إله إلا الله، وقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين ثم قرأ: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣).\n[قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام؛ يعني: ابن عروة بن الزبير، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن بدر المكي قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يُسلِّم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.\nقال: وكان رسول الله ﷺ يهل بهن دبر كل صلاة (^٤). ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من\n_________\n(^١) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن علي بن الحسن بن شقيق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٣٨).\n(^٣) أخرجه الطبري من عدة طرق يقوي بعضها بعضًا عن إسماعيل بن أبي خالد به.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤)، وسنده صحيح.","vol":"6","page":506},{"text":"طرق عن هشام بن عروة وحجاج بن أبي عثمان وموسى بن عقبة ثلاثتهم، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله ﷺ يقول في دبر كل صلاة: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له. . .\" وذكر تمامه] (^١) (^٢).\n\n<span id=\"aya-4199\"></span>﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾.\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن الله ينهى أن يعبد أحد سواه من الأصنام والأنداد والأوثان،\n\n<span id=\"aya-4200\"></span>وقد بيَّن تعالى أنه لا يستحق العبادة أحد سواه في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ أي: هو الذي يقلبكم في هذه الأطوار كلها وحده لا شريك له وعن أمره وتدبيره وتقديره يكون ذلك ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن يوجد ويخرج إلى هذا العالم بل تسقطه أمه سقطًا ومنهم من يتوفى صغيرًا وشابًّا وكهلًا قبل الشيخوخة كقوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥] وقال ههنا: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن جريج تتذكرون البعث\n\n<span id=\"aya-4201\"></span>ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: هو المتفرد بذلك لا يقدر على ذلك أحد سواه ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: لا يخالف ولا يمانع بل ما شاء كان [لا محالة] (^٣).\n\n<span id=\"aya-4202\"></span>\n\n<span id=\"aya-4203\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾.\nيقول تعالى: ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله ويجادلون في الحق بالباطل كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ أي: من الهدى والبيان ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، من الرب ﷻ لهؤلاء كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ [المرسلات].\n\n<span id=\"aya-4204\"></span>\n\n<span id=\"aya-4205\"></span>وقوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ أي: متصلة بالأغلال بأيدي الزبانية يسحبونهم على\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) صحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (ح ٥٩٤)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب ما يقول الرجل إذا سلَّم (ح ١٥٠٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٣٣٣).\n(^٣) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"6","page":507},{"text":"وجوههم تارة إلى الحميم وتارة إلى الجحيم ولهذا قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ كما قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن]، وقال تعالى بعد ذكر أكلهم الزقوم وشربهم الحميم: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ [الصافات]، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ إلى أن قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾ [الواقعة] وقال: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾ [الدخان] أي: يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ والتحقير والتصغير والتهكم والاستهزاء بهم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا منصور بن عمار، حدثنا بشير بن طلحة الخزامي، عن خالد بن دريك، عن يعلى بن منبه رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: ينشئ الله سحابة لأهل النار سوداء مظلمة، ويقال: يا أهل النار؛ أي: شيء تطلبون؟ فيذكرون بها سحاب الدنيا فيقولون: نسأل بارد الشراب فتمطرهم أغلالًا تزيد في أغلالهم وسلاسل تزيد في سلاسلهم وجمرًا يلهب النار عليهم (^١). هذا حديث غريب.\n\n<span id=\"aya-4206\"></span>\n\n<span id=\"aya-4207\"></span>وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ أي قيل لهم أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله هل ينصرونكم اليوم؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي: ذهبوا فلم ينفعونا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي: جحدوا عبادتهم كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام] ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4208\"></span>وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)﴾ أي: تقول لهم الملائكة هذا الذي أنتم فيه جزاء على فرحكم في الدنيا بغير حق ومرحكم وأشركم وبطركم\n\n<span id=\"aya-4209\"></span>﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾ أي: فبئس المنزل والمقيل الذي فيه الهوان والعذاب الشديد لمن استكبر عن آيات الله واتباع دلائله وحججه.\n\n<span id=\"aya-4210\"></span>﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه فإن الله تعالى سينجز لك ما وعدك من النصر والظفر على قومك وجعل العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أي: في الدنيا وكذلك وقع فإن الله تعالى أقر أعينهم من كبرائهم وعظمائهم أبيدوا في يوم بدر ثم فتح الله عليه مكة وسائر جزيرة العرب في حياته ﷺ.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأن خالد بن دريك لم يسمع من يعلى كما قرر أبو حاتم (المراسيل ص ٥٢).","vol":"6","page":508},{"text":"وقوله: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ أي: فنذيقهم العذاب الشديد في الآخرة،\n\n<span id=\"aya-4211\"></span>ثم قال مسليًا له: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ كما قال في سورة النساء سواء؛ أي: منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع قومهم كيف كذبوهم ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ وهم أكثر ممن ذكر بأضعاف أضعاف كما تقدم التنبيه على ذلك في سورة النساء، ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: ولم يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بخارق للعادات إلا أن يأذن الله له في ذلك فيدل على صدقه فيما جاءهم به ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ وهو عذابه ونكاله المحيط بالمكذبين ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ فينجي المؤمنين، ويهلك الكافرين ولهذا قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4212\"></span>\n\n<span id=\"aya-4213\"></span>﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾.\nيقول تعالى ممتنًّا على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢]، فالإبل تركب وتؤكل وتحلب ويحمل عليها الأثقال في الأسفار والرحال إلى البلاد النائية، والأقطار الشاسعة والبقر تؤكل ويشرب لبنها وتحرث عليها الأرض، والغنم تؤكل ويشرب لبنها والجميع تجز أصوافها وأشعارها وأوبارها فيتخذ منها الأثاث والثياب والأمتعة كما فصل وبين في أماكن تقدم ذكرها في سورة الأنعام (^١) وسورة النحل (^٢) وغير ذلك، ولذا قال ههنا: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠)﴾.\n\n<span id=\"aya-4214\"></span>وقوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: حججه وبراهينه في الآفاق وفي أنفسكم ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ أي: لا تقدرون على إنكار شيء من آياته إلا أن تعاندوا وتكابروا (^٣).\n\n<span id=\"aya-4215\"></span>\n\n<span id=\"aya-4216\"></span>﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾.\nيخبر تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر وماذا حلَّ بهم من العذاب الشديد مع شدة قواهم وما آثروه في الأرض وجمعوه من الأموال فما أغنى عنهم ذلك شيئًا ولا ردَّ عنهم ذرة\n_________\n(^١) آية ١٤١ - ١٤٤.\n(^٢) آية ٥ - ٨.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"يعاندوا ويكابروا\".","vol":"6","page":509},{"text":"من بأس الله وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات، لم يلتفتوا إليهم ولا أقبلوا عليهم واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل.\nقال مجاهد: قالوا: نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نعذب (^١).\nوقال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهالتهم (^٢)، فأتاهم من بأس الله تعالى ما لا قبل لهم به ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أي: أحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يكذبون ويستبعدون وقوعه\n\n<span id=\"aya-4217\"></span>\n\n<span id=\"aya-4218\"></span>﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أي: عاينوا وقوع العذاب بهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أي: وحدوا الله وكفروا بالطاغوت ولكن حيث لا تقال العثرات ولا تنفع المعذرة وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، قال الله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس] أي: فلم يقبل الله منه لأنه قد استجاب لنبيه موسى ﵊ دعاءه حين قال: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] وهكذا قال تعالى ههنا: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ أي: هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه لا يقبل ولهذا جاء في الحديث: \"إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر\" (^٣) أي: فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة وعاين الملك فلا توبة حينئذٍ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.\nآخر سورة المؤمن ولله الحمد والمنة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١٧.","vol":"6","page":510},{"text":"<span data-type='title' id=toc-164>سُورَةُ فُصّلَتْ </span>(^١)\n\n<span id=\"aya-4219\"></span>\n\n<span id=\"aya-4220\"></span>﷽\n﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ يعني: القرآن منزل من الرحمن الرحيم كقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء].\n\n<span id=\"aya-4221\"></span>وقوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ أي: بينت معانيه وأحكمت أحكامه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: في حال كونه لفظًا عربيًّا بينًا واضحًا، فمعانيه مفصلة وألفاظه واضحة غير مشكلة كقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] أي: هو معجز من حيث لفظه ومعناه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت].\nوقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما يعرف هذا البيان والوضوح العلماء الراسخون\n\n<span id=\"aya-4222\"></span>\n\n<span id=\"aya-4223\"></span>﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: تارة يبشر المؤمنين وتارة ينذر الكافرين ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: أكثر قريش فهم لا يفهمون منه شيئًا مع بيانه ووضوحه ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ أي: في غلف مغطاة ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ أي: صمم عما جئتنا به ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ فلا يصل إلينا شيء مما تقوله ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ أي: اعمل أنت على طريقتك ونحن على طريقتنا لا نتابعك.\nقال الإمام العالم (^٢) عبد بن حُميد في مسنده: حدثني ابن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الذيَّال بن حرملة الأسدي، عن جابر بن عبد الله ﵁ عنه قال: اجتمعت قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولننظر ماذا يردّ عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ. فقال: أنت خير أم عبد المطلب، فسكت رسول الله ﷺ فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير\n_________\n(^١) كذا في (مح)، وفي الأصل: \"حم السجدة، وهو أيضًا من أسمائها\".\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"العلم\".","vol":"6","page":511},{"text":"منك، فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتَ وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة (^١) قط أشأم على قومك منك، فرقتَ جماعتنا وشتَّتّ أمرنا، وعبت ديننا وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا واحدًا، وإن كان بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرًا، فقال رسول الله ﷺ: \"فرغت\" قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ: \" ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ \" حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ [فصلت] فقال عتبة: حسبك حسبك ما عندك غير هذا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لا\" فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته، قالوا: فهل أجابك؟ قال: لا والذي نصبها بنيَّة (^٢) ما فهمت شيئًا مما قاله غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك [يكلمك] (^٣) الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: لا والله ما فهمت شيئًا مما قال غير ذكر الصاعقة (^٤). وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده مثله سواه (^٥)، وقد ساقه البغوي في تفسيره بسنده عن محمد بن فضيل، عن الأجلح وهو ابن عبد الله الكندي الكوفي وقد ضعف بعض الشيء عن الذيال بن حرملة، عن جابر بن عبد الله ﵁ فذكر الحديث إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه فانطلقوا إليه فقال أبو جهل: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم أن لا يكلم محمدًا أبدًا وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالًا، ولكني أتيته وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر وقرأ السورة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكفَّ وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب (^٦)، وهذا السياق أشبه من سياق البزار وأبي يعلى والله تعالى أعلم.\nوقد أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة على خلاف هذا النمط فقال: حدثني [يزيد] (^٧) بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: حُدثت أن عُتبة بن ربيعة، وكان\n_________\n(^١) أي: ولد الشاة من المعز والضأن.\n(^٢) أي: الكعبة، وكانت تسمى بنيَّة إبراهيم ﷺ.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: \"فكلمك\".\n(^٤) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب من مسند عبد بن حميد ح ١١٢١) وسنده فيه الأجلح الكندي وفيه مقال (ينظر تهذيب التهذيب ١/ ١٨٩)، وأخرجه الحاكم من الأجلح به مختصرًا على آخره وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٥٣).\n(^٥) مسند أبي يعلى ٣/ ٣٤٩ (ح ١٨١٨)، وسنده كسابقه.\n(^٦) معالم التنزيل ٤/ ١١٠، وسنده كسابقه.\n(^٧) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"6","page":512},{"text":"سيدًا قال يومًا وهو جالس في نادي قريش ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكفّ عنا؟\nوذلك حين أسلم حمزة ﵁ ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه، فقام إليه عُتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السلطَة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعِبت به آلهتهم ودينهم وكفَّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضًا. قال: فقال رسول الله ﷺ: \"قل يا أبا الوليد أسمع\" قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع ردَّه عن نفسك طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له، حتى إذا فرغ عُتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه قال: \"أفرغت يا أبا الوليد؟ \" قال نعم. قال: \"فاستمع مني\" قال: أفعل. قال: \" ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)﴾ \" ثم مضى رسول الله ﷺ فيها وهو يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد ثم قال: \"قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك\" فقام عُتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي خلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزُّه عزكم وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم (^١). وهذا السياق أشبه من الذي قبله، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4224\"></span>\n\n<span id=\"aya-4225\"></span>﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾.\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المكذبين المشركين ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا كما تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين إنما الله إله واحد ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ أي: أخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم به على ألسنة الرسل ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾\n_________\n(^١) أخرجه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (١/ ٣٠٥) وسنده ضعيف لإبهام شيخ محمد بن كعب.","vol":"6","page":513},{"text":"أي: لسالف الذنوب ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: دمار لهم وهلاك عليهم ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ يعني: الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله (^١)، وكذا قال عكرمة (^٢) وهذا كقوله ﵎: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس] وكقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى] وقوله: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النازعات].\nوالمراد بالزكاة ههنا طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك، وزكاة المال إنما سميت زكاة لأنها تطهره من الحرام وتكون سببًا لزيادته وبركته وكثرة نفعه وتوفيقًا إلى استعماله في الطاعات.\nوقال السدي: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: يؤدون الزكاة (^٣).\nوقال معاوية بن قرة: ليس هم من أهل الزكاة.\nوقال قتادة: يمنعون زكاة أموالهم (^٤).\nوهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين واختاره ابن جرير، وفيه نظر لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة على ما ذكره غير واحد وهذه الآية مكية اللَّهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصل الصدقة والزكاة وكان مأمورًا به في ابتداء البعثة كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بيّن أمرها بالمدينة ويكون هذا جمعًا بين القولين كما أن أصل الصلاة كان واجبًا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف فرض الله تعالى على رسوله ﷺ الصلوات الخمس وفصّل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئًا فشيئًا والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4226\"></span>ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾ قال مجاهد وغيره: غير مقطوع ولا مجبوب (^٥) كقوله تعالى: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ [الكهف] وكقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨].\nوقال السدي: غير ممنون عليهم (^٦)، وقد ردَّ عليه هذا التفسير بعض الأئمة فإن المنة لله على أهل الجنة قال الله ﵎: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] وقال أهل الجنة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور] وقال رسول الله ﷺ: \"إلا إن يتغمدني الله برحمة منه وفضل\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه حفص بن عمر وهو العدني: ضعيف ويتقوى بسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عن السدي بلفظ: \"لو زكَّوا وهم مشركون لم ينفعهم\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"مسحوب\".\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٧) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، المرضى باب تمني المريض الموت ح ٥٦٧٣) وصحيح مسلم، صفات المنافقين باب لن يدخل أحد الجنة بعمله (ح ٢٨١٦).","vol":"6","page":514},{"text":"<span id=\"aya-4227\"></span>﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾.\nهذا إنكار من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره وهو الخالق لكل شيء القاهر لكل شيء المقتدر على كل شيء فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ أي: نظراء وأمثالًا تعبدونها معه ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: الخالق للأشياء هو رب العالمين كلهم. وهذا المكان فيه تفصيل لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] ففصل ههنا ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء فذكر أنه خلق الأرض أولًا لأنها كالأساس والأصل أن يبدأ بالأساس ثم بعده بالسقف كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٩] فأما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ [النازعات] ففي هذه الآية أن دحي الأرض كان بعد خلق السماء، فالدَّحْيُ هو مفسر بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ وكان هذا بعد خلق السماء فأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنص وبهذا أجاب ابن عباس ﵁ فيما ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية من صحيحه فإنه قال: وقال المنهال، عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس ﵄: إني لأجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ [الصافات] ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فقد كتموا في هذه الآية، وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ إلى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات] فذكر خلق السماء قبل الأرض ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿طَائِعِينَ﴾ فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ في النفخة الأولى، ثم نفخ في الصور ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُون﴾ في النفخة الأخرى ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ وأما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فإن الله تعالى يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك يعرف أن الله تعالى لا يُكتَمُ حديثًا، وعنده ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الحجر: ٢]، وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحى الأرض ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله تعالى دحاها وقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فخلق الأرض وما فيها من","vol":"6","page":515},{"text":"شيء في أربعة أيام وخلق السموات في يومين ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] سمى نفسه بذلك وذلك قوله؛ أي: لم يزل كذلك فإن الله تعالى لم يرد شيئًا إلا أصاب به الذي أراد فلا يختلفن عليك القرآن فإن كلًّا من عند الله ﷿.\nقال البخاري: حدثنيه يوسف بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال (^١) هو: ابن عمرو بالحديث.\nوقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ يعني: يوم الأحد ويوم الاثنين\n\n<span id=\"aya-4228\"></span>﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ أي: جعلها مباركة قابلة للخير والبذر والغراس وقدر فيها أقواتها وهو ما تحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس يعني يوم الثلاثاء والأربعاء فهما مع اليومين السابقين أربعة ولهذا قال: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: لمن أراد السؤال عن ذلك ليعلمه وقال عكرمة ومجاهد في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ جعل في كل أرض ما لا يصلح في غيرها ومنه العصب (^٢) باليمن، والسابوري بسابور (^٣)، والطيالسة (^٤) بالري (^٥).\nوقال ابن عباس وقتادة والسدي في قوله تعالى: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: لمن أراد السؤال عن ذلك (^٦).\nوقال ابن زيد: معناه وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين؛ أي: على وفق مراده من له حاجة إلى رزق أو حاجة، فإن الله تعالى قدر له ما هو محتاج (^٧) إليه، وهذا القول يشبه ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4229\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وهو بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: استجيبا لأمري وانفعلا لفعلي طائعتين أو مكرهتين.\nقال الثوري: عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ قال: قال الله ﵎ للسموات: أطلعي شمسي وقمري والنجوم، وقال للأرض: شققي أنهارك وأخرجي ثمارك ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٨) واختاره ابن جرير ﵀ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ أي: بل نستجيب لك مطيعين بما فينا مما تريد خلقه من الملائكة والجن والإنس جميعًا مطيعين لك، حكاه ابن جرير، عن بعض أهل العربية قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب سورة حم السجدة قبل حديث ٤٨١٦).\n(^٢) هو نوع من الملابس اليمنية يدرج غزله ثم يُحاك (ينظر تاج العروس باب ع ص ب).\n(^٣) هو نوع من الثياب يقال لها: السابرية (ينظر المصدر السابق س ب ر).\n(^٤) هو القماش الذي يوضع فوق العمامة.\n(^٥) أخرجه الطبري والبستي بسند صحيح من طريق حصين السلمي عن عكرمة، وأخرجه الطبري أيضًا بسند ضعيف من طريق خصيف عن مجاهد، ويتقوى بسابقه.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، بنحوه، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وأخرجه الحاكم من طريق طاوس عن ابن عباس وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢٧).","vol":"6","page":516},{"text":"وقيل: تنزيلًا لهن معاملة من يعقل بكلامهما، وقيل: إن المتكلم من الأرض بذلك هو مكان الكعبة ومن السماء ما يسامته منها، والله أعلم.\nوقال الحسن البصري: لو أبيا عليه أمره عليه لعذبهما عذابًا يجدان ألمه رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span id=\"aya-4230\"></span>﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: ففرغ من تسويتهن سبع سموات في يومين؛ أي: آخرين وهما يوم الخميس ويوم الجمعة ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ أي: ورتب مقررًا في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ وهي الكواكب المنيرة المشرقة على أهل الأرض ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: حرسًا من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: العزيز الذي قد عزَّ كل شيء فغلبه، وقهره العليم بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم.\nقال ابن جرير: حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعيد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس قال هناد: قرأت سائر الحديث، أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السماوات والأرض فقال ﷺ: \"خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران فهذه أربعة ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾ لمن سأله قال: وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق من أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال حين يموت من مات وفي الثانية: ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة: آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة\" ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: \"ثم استوى على العرش\". قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح، فغضب النبي ﷺ غضبًا شديدًا فنزل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ (^١) [ق: ٣٨، ٣٩]. هذا الحديث فيه غرابة، فأما حديث ابن جريج، عن إسماعيل بن أُمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: \"خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل\" فقد رواه مسلم والنسائي في كتابيهما من حديث ابن جريج به وهو من غرائب الصحيح وقد علَّله البخاري في التاريخ فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة ﵁ عن كعب الأحبار وهو الأصح (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي سعيد ويقال: أبي سعد البقال، وأخرجه الحاكم من طريق أبي بكر بن عياش به وصححه واستدرك عليه الذهبي بقوله: أبو سعيد البقال قال ابن معين: لا يكتب حديثه. (المستدرك ٢/ ٥٤٣).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٥٤.","vol":"6","page":517},{"text":"<span id=\"aya-4231\"></span>﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾.\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق: إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله تعالى فإني أنذركم حلول نقمة الله بكم كما حلَّت بالأمم الماضين من المكذبين بالمرسلين ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي: ومن شاكلهما ممن فعل كفعلهما\n\n<span id=\"aya-4232\"></span>﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١] أي: في القرى المجاورة لبلادهم بعث الله إليهم الرسل يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له ومبشرين ومنذرين، ورأوا ما أحلَّ الله بأعدائه من النقم، وما ألبس أولياءه من النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا بل كذبوا وجحدوا وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ أي: لو أرسل الله رسلًا لكانوا ملائكة من عنده ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي: أيها البشر ﴿كَافِرُونَ﴾ أي: لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا\n\n<span id=\"aya-4233\"></span>\n\n<span id=\"aya-4234\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: بغوا وعتوا وعصوا ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾؟ أي: منوا بشدة تركيبهم وقواهم واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: أفما يتفكرون فيمن يبارزون بالعداوة فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها وأن بطشه شديد كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ [الذاريات] فبارزوا الجبار بالعداوة وجحدوا بآياته وعصوا رسله فلهذا قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ قال: بعضهم وهي شديدة الهبوب، وقيل: الباردة. وقيل: هي التي لها صوت والحق أنها متصفة بجميع ذلك فإنها كانت ريحًا شديدة قوية لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة [البرد جدًّا كقوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] أي: باردة] (^١) شديدة وكانت ذات صوت مزعج، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق: صرصرًا لقوة صوت جريه.\nوقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ أي: متتابعات ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] وكقوله: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] أي: ابتدأوا العذاب في يوم نحس عليهم واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام، حتى أبادهم عن آخرهم واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة ولهذا قال تعالى: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ أي: أشد خزيًا لهم ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: في الآخرة كما لم ينصروا في الدنيا وما كان لهم من الله من واقٍ يقيهم العذاب ويدرأ عنهم النكال،\n\n<span id=\"aya-4235\"></span>وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ قال ابن عباس وأبو العالية\n_________\n(^١) زيادة من (حم).","vol":"6","page":518},{"text":"وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وابن زيد: بيَّنا لهم (^١).\nوقال الثوري: دعوناهم.\n﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ أي: بصرناهم وبينا لهم ووضحنا لهم الحق على لسان نبيهم صالح ﵊ فخالفوه وكذبوه وعقروا ناقة الله تعالى التي جعلها آية وعلامة على صدق نبيهم ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ أي: بعث الله عليهم صيحة ورجفة وذلًّا وهوانًا وعذابًا ونكالًا ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من التكذيب والجحود\n\n<span id=\"aya-4236\"></span>﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: من بين أظهرهم لم يمسهم سوء ولا نالهم من ذلك ضرر بل نجاهم الله تعالى مع نبيهم صالح ﵊ بإيمانهم وتقواهم لله ﷿.\n\n<span id=\"aya-4237\"></span>﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾ أي: اذكر لهؤلاء المشركين يوم يحشرون إلى النار يوزعون؛ أي: تجمع الزبانية أولهم على آخرهم كما قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم] أي: عطاشا.\n\n<span id=\"aya-4238\"></span>وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ أي: وقفوا عليها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بأعمالهم مما قدموه وأخروه لا يُكْتَم منه حرف\n\n<span id=\"aya-4239\"></span>﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ أي: لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم فعند ذلك أجابتهم الأعضاء ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: فهو لا يخالف ولا يمانع وإليه ترجعون.\nقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا علي بن قادم، حدثنا شريك، عن عبيد المكتب، عن الشعبي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: ضحك رسول الله ﷺ ذات يوم وابتسم فقال ﷺ: \"ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت؟ \" قالوا: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال ﷺ: \"عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول: أي ربي أليس وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: بلى. فيقول: فإني لا أقبل علي شاهدًا إلا من نفسي، فيقول الله ﵎: أوليس كفى بي شهيدًا وبالملائكة الكرام الكاتبين، قال: فيردد هذا الكلام مرارًا، قال: فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بعدًا لكنَّ وسحقًا، عنكنَّ كنت أجادل\" (^٢). ثم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٢) سنده حسن، وسيأتي تخريجه من صحيح مسلم، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن عبد الرحيم به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٦٠١).","vol":"6","page":519},{"text":"رواه هو وابن أبي حاتم من حديث أبي عامر الأسدي، عن الثوري، عن عُبيد المكتب، عن فضيل بن عمرو، عن الشعبي (^١)، ثم قال: لا نعلم رواه عن أنس ﵁ غير الشعبي، وقد أخرجه مسلم والنسائي جميعًا عن أبي بكر بن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن الثوري (^٢) به. ثم قال النسائي: لا أعلم أحدًا رواه عن الثوري غير الأشجعي. وليس كما قال كما رأيت، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عُلية، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى: ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض عليه ربه ﷿ عمله، فيجحد ويقول: أي رب وعزتك لقد كتب عليّ هذا الملك ما لم أعمل. فيقول له الملك: أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك؛ أي ربّ ما عملته قال: فإذا فعل ذلك خُتِمَ على فيه، قال الأشعري ﵁: فإني لأحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى (^٣).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا حسن، عن ابن لهيعة، قال دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عنه، عن النبي ﷺ قال: \"إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم فيقول: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقول: احلفوا، فيحلفون، ثم يصمتهم الله تعالى وتشهد عليهم ألسنتهم ويدخلهم النار\" (^٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي يقول: حدثنا علي بن زيد، عن مسلم بن صُبيح أبي الضحى، عن ابن عباس أنه قال لابن الأزرق (^٥) إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم ثم يؤذن لهم فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه بالله تعالى، فيحلفون له كما يحلفون لكم، فيبعث الله تعالى عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم جلودهم وأبصارهم وأيديهم ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح فتقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فتقر الألسنة بعد الجحود (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير الحضرمي، عن رافع أبي الحسن [قال] (^٧) وصف رجلًا جحد - قال: فيشير الله تعالى إلى لسانه فيربو في فمه حتى يملأه فلا يستطيع أن ينطق بكلمة ثم يقول لآرابه كلها: تكلمي واشهدي عليه، فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده وفرجه ويداه\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الزهد والرقائق (ح ٢٩٦٩).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة يس آية ٦٥.\n(^٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٢٧ ح ١٣٩٢) وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم، ويتقوى بشواهده السابقة واللاحقة.\n(^٥) هو نافع بن الأزرق من زعماء الخوارج.\n(^٦) في سنده علي بن زيد وهو ابن جدعان وهو ضعيف، ويتقوى بالشواهد السابقة واللاحقة.\n(^٧) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"6","page":520},{"text":"ورجلاه صنعنا عملنا فعلنا (^١).\nوقد تقدم أحاديث كثيرة وآثار عند قوله تعالى في سورة يس: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس] بما أغنى عن إعادته ههنا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما رجعت إلى رسول الله ﷺ مهاجرة البحر قال: \"ألا تحدثون بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ \" فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله، بينما نحن جلوس إذ مرَّت علينا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غُدّر إذا وضع الله الكرسي وجمع الأولين والآخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا؟ قال: يقول رسول الله ﷺ: \"صدقت صدقت كيف يقدس الله قومًا لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم\" (^٢). هذا حديث غريب من هذا الوجه ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب (الأهوال) (^٣): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن سليم به.\n\n<span id=\"aya-4240\"></span>\n\n<span id=\"aya-4241\"></span>وقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ أي: تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم ما كنتم تكتمون منا الذي كنتم تفعلونه بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي ولا تبالون منه في زعمكم لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم ولهذا قالوا لكنكم: ﴿ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ أي: هذا الظن الفاسد وهو اعتقادكم أن الله تعالى لا يعلم كثيرًا مما تعملون هو الذي أتلفكم وأرداكم عند ربكم ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله ﵁ قال: كنت مستترًا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وختناه ثقفيان -أو ثقفي وختناه قرشيان- كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه وإذا لم نرفعه لم يسمعه. فقال الآخر: إن سمع منه شيئًا سمعه كله، قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٤). وهكذا رواه الترمذي عن هناد، عن أبي معاوية بإسناده نحوه (^٥)، وأخرجه أحمد ومسلم والترمذي أيضًا من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبد الله بن مسعود بنحوه (^٦)، ورواه البخاري ومسلم أيضًا من حديث السفيانين كلاهما عن\n_________\n(^١) سنده حسن ويشهد له ما سبق.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه من طريق سويد بن سعيد به (السنن ح ٤٠١٠) واستغربه الحافظ ابن كثير.\n(^٣) الأهوال ٢٤٣.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٠٨، ١٠٩ ح ٢٦١٤) وصحح سنده محققوه.\n(^٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة حم (ح ٣٢٤٩).\n(^٦) (المسند ١/ ٤٠٨) وصحيح مسلم، صفات المنافقين (ح بعد ٢٧٧٥).","vol":"6","page":521},{"text":"منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود ﵁ به (^١).\nوقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ قال: \"إنكم تدعون يوم القيامة مفدمًا على أفواهكم بالفدام فأول شيء يبين عن أحدكم فخذه وكفه\" قال معمر: وتلا الحسن: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ ثم قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله تعالى أنا مع عبدي عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني\" ثم افتر الحسن ينظر في هذا فقال: ألا إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم فأما المؤمن فأحسن الظن بربه فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق فأساءا الظن بالله فأساءا العمل ثم قال: قال الله ﵎: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل القاص وهو أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن فإن قومًا قد أرداهم سوء ظنهم بالله فقال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4242\"></span>وقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾ أي: سواء عليهم صبروا أم لم يصبروا هم في النار لا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها، وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارهم فما لهم أعذار ولا تقال لهم عثرات.\nقال ابن جرير: ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أي: يسألوا الرجعة إلى الدنيا فلا جواب لهم قال: وهذا كقوله تعالى إخبارًا عنهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (^٤) [المؤمنون].\n\n<span id=\"aya-4243\"></span>﴿* وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾.\nيذكر تعالى أنه هو الذي أضل المشركين وأن ذلك بمشيئته وكونه وقدرته، وهو الحكيم في أفعاله بما قيض لهم من القرناء من شياطين الإنس والجن ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ. . .﴾ [فصلت: ٢٣] (ح ٤٨١٧)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٧٥).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، والشطر الأول سنده حسن، والشطر الثاني رجاله ثقات لكن سنده مرسل.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣/ ٣٧٣ ح ١٥١٩٧)، وقال محققوه: حديث صحيح دون قوله: \"فإن قومًا قد أرداهم. . .\".\n(^٤) ذكره الطبري بمعناه وأطول.","vol":"6","page":522},{"text":"أي: حسنوا لهم أعمالهم في الماضي وبالنسبة إلى المستقبل فلم يروا أنفسهم إلا محسنين كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف].\nوقوله تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: كلمة العذاب كما حق على أمم قد خلت من قبلهم ممن فعل كفعلهم من الجن والإنس ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ أي: استووا هم وإياهم في الخسار والدمار.\n\n<span id=\"aya-4244\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ أي: تواصوا فيما بينهم أن لا يطيعوا للقرآن ولا ينقادوا لأوامره ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ أي: إذا تلي لا تسمعوا له كما قال مجاهد: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ يعني: بالمكاء والصفير والتخليط في المنطق على رسول الله ﷺ إذا قرأ القرآن قريش تفعله (^١).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ عيبوه (^٢).\nوقال قتادة: اجحدوا به وأنكروه وعادوه (^٣).\n﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار ومن سلك مسلكهم عن سماع القرآن، وقد أمر الله ﷾ عباده المؤمنين بخلاف ذلك فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف].\n\n<span id=\"aya-4245\"></span>ثم قال تعالى منتصرًا للقرآن ومنتقمًا ممن عاداه من أهل الكفران ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: في مقابلة ما اعتمدوه في القرآن وعند سماعه ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بِشَرِّ أعمالهم وسيء أفعالهم\n\n<span id=\"aya-4246\"></span>\n\n<span id=\"aya-4247\"></span>﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾.\nقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مالك بن الحصين الفزاري، عن أبيه، عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ قال: إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه (^٤). وهكذا روى حبة [العُرني] (^٥)، عن علي ﵁ مثل ذلك (^٦).\nوقال السدي، عن علي ﵁: فإبليس يدعو به كل صاحب شرك وابن آدم يدعو به كل صاحب كبيرة (^٧)، فإبليس الداعي إلى كل شر من شرك فما دونه وابن آدم الأول كما ثبت في الحديث: \"ما قتلت نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل\" (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهو مرسل ويتقوى بمرسل صحيح عن قتادة كما يليه.\n(^٢) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وكذا الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٤٠).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وتفسير البستي، وفي الأصل صحف إلى: \"العدني\".\n(^٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق حبة العرني به.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق السدي به، وسنده ضعيف لأن السدي لم يلق عليًّا ﵁.\n(^٨) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٣٠.","vol":"6","page":523},{"text":"وقوله: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ أي: أسفل منا في العذاب ليكونا أشد عذابًا منا ولهذا قالوا: ﴿لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ أي: في الدرك الأسفل من النار كما تقدم في الأعراف في سؤال الأتباع من الله تعالى أن يعذب قادتهم أضعاف عذابهم ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي: أنه تعالى قد أعطى كلًّا منهم ما يستحقه من العذاب والنكال بحسب عمله وإفساده كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل].\n\n<span id=\"aya-4248\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾.\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أي: أخلصوا العمل لله وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم.\nقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الجراح، حدثنا سلم بن قتيبة أبو قتيبة الشعيري، حدثنا سهيل بن أبي حزم، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قرأ علينا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قد قالها ناس ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حتى يموت فقد استقام عليها (^١)، وكذا رواه النسائي في تفسيره والبزار وابن جرير، عن عمرو بن علي الفلاس، عن سلم بن قتيبة به (^٢). وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن الفلاس به (^٣).\nثم قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن سعيد بن نمران قال: قرأت عند أبي بكر الصديق ﵁ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئًا (^٤)، ثم روى من حديث الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر الصديق ﵁ ما تقولون في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: فقالوا: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ من ذنب فقال: لقد حملتموه على غير المحمل قالوا: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فلم يلتفتوا إلى إله غيره (^٥). وكذا قال مجاهد وعكرمة والسدي وغير واحد (^٦).\n_________\n(^١) مسند أبي يعلى (٦/ ٢١٣ ح ٣٤٩٥) وسنده ضعيف لضعف سهيل بن أبي حزم (التقريب ص ٢٥٩).\n(^٢) السنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٤٧٠) وتفسير الطبري، وسنده كسابقه.\n(^٣) سنده ضعيف كسابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن سعيد بن نمران مجهول (لسان الميزان ٣/ ٤٦) ولكنه توبع بالأسود بن هلال كما في الرواية التالية، فيرتقي إلى الحسن لغيره.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق الأسود بن هلال به، وأخرجه الحاكم من الأسود به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٤٠).\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق منصور عن مجاهد وهو مرسل ويتقوى بسابقه، وأخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي وهو مرسل ويتقوى بسابقه، وأخرجه الطبري بسند فيه حفص بن عمر وهو ضعيف عن عكرمة ويتقوى بسابقه.","vol":"6","page":524},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس ﵄؛ أي: آية في كتاب الله ﵎ أرخص؟ قال: قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله (^١).\nوقال الزهري: تلا عمر ﵁ هذه الآية على المنبر ثم قال: استقاموا واللهِ لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على أداء فرائضه (^٣)، وكذا قال قتادة: قال: وكان الحسن يقول اللَّهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة (^٤).\nوقال أبو العالية: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أخلصوا له الدين والعمل.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفي، عن أبيه أن رجلًا قال: يا رسول الله مُرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال ﷺ: \"قل آمنت بالله ثم استقم\" قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه (^٥). ورواه النسائي من حديث شعبة، عن يعلى بن عطاء (^٦) به.\nثم قال أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إبراهيم بن سعد، حدثني ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز العامري، عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول حدثني بأمر أعتصم به. قال ﷺ: \"قل: ربي الله ثم استقم\" قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تخاف علي؟ فأخذ رسول الله بطرف لسان نفسه ثم قال: \"هذا\" (^٧). وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث الزهري به وقال الترمذي: حسن صحيح (^٨). وقد أخرجه مسلم في صحيحه والنسائي من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال ﷺ: \"قل: آمنت بالله ثم استقم\" وذكر تمام الحديث (^٩).\nوقوله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال مجاهد والسدي وزيد بن أسلم وابنه: يعني عند الموت (^١٠) قائلين: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾. قال مجاهد وعكرمة وزيد بن أسلم؛ أي: مما تقدمون عليه\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر، ويتقوى برواية أنس السابقة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس بن يزيد عن الزهري.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق شعبة عن يعلى بن عطاء به بلفظ: \"فأشار بيده إلى لسانه\" (المسند ٢٤/ ١٤٢ ح ١٥٤١٧) وصحح سنده محققوه.\n(^٦) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٤٨٩)، وسنده كسابقه.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد من طريق معمر عن ابن شهاب الزهري به (المسند ٢٤/ ١٤٥ ح ١٥٤١٩) وصحح سنده محققوه.\n(^٨) سنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان (ح ٢٤١٠)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب كفّ اللسان في الفتنة (ح ٣٩٧٢).\n(^٩) صحيح مسلم، الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام (ح ٣٨).\n(^١٠) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"6","page":525},{"text":"من أمر الآخرة ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما خلفتموه من أمر الدنيا من ولد وأهل ومال أو دين فإنا نخلفكم فيه (^١) ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فيبشرونهم بذهاب الشر [وحصول الخير (^٢)]، وهذا كما جاء في حديث البراء ﵁ قال: \"إن الملائكة تقول لروح المؤمن: اخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان وربٍّ غير غضبان\".\nوقيل: إن الملائكة تتنزل عليهم يوم خروجهم من قبورهم حكاه ابن جرير، عن ابن عباس والسدي.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا جعفر بن سليمان قال: سمعت ثابتًا [قرأ] (^٣) السجدة حتى بلغ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ فوقف، فقال: بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعثه الله تعالى من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان لا تخف ولا تحزن ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ قال: فيؤمن بالله تعالى خوفه ويقر عينه فما عظيمة يخشى الناس يوم القيامة إلا هي للمؤمن قرة عين لما هداه الله ﵎ ولما كان يعمل في الدنيا (^٤).\nوقال زيد بن أسلم: يبشرونه عند موته وفي قبره وحين يبعث. رواه ابن أبي حاتم وهذا القول يجمع الأقوال كلها وهو حسن جدًّا وهو الواقع.\n\n<span id=\"aya-4249\"></span>\n\n<span id=\"aya-4250\"></span>وقوله: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار ﴿نَحْنُ كنا أولياءكم في الحياة الدنيا﴾ أي: قرناءكم في الحياة الدنيا نسددكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور وعند النفخة في الصور ونؤمنكم يوم البعث والنشور ونجاوز بكم الصراط المستقيم ونوصلكم إلى جنات النعيم ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ أي: في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس وتقر به العيون ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [أي: مهما طلبتم وجدتم وحضر بين أيديكم كما اخترتم ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ أي: ضيافة وعطاء وإنعامًا من غفور لذنوبكم رحيم بكم رؤوف حيث غفر وستر ورحم ولطف.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديث سوق الجنة عند قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)] (^٥) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ فقال: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين أبي سعيد، حدثنا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة ﵁ فقال أبو هريرة ﵁: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة فقال سعيد: أو فيها سوق؟ قال: نعم أخبرني رسول الله أن أهل الجنة إذا دخلوا فيها ونزلوا بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الله ﷿، ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: بياض.\n(^٤) سنده مرسل لأن ثابتًا رواه بلاغًا.\n(^٥) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"6","page":526},{"text":"ويوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم وما فيهم دنيء على كثبان المسك والكافور ما يرون أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسًا.\nقال أبو هريرة ﵁: قلت: يا رسول الله وهل نرى ربنا؟ قال ﷺ: \"نعم، هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ \" قلنا: لا، قال ﷺ: \"فكذلك لا تمارون في رؤية ربكم تعالى ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة حتى إنه ليقول للرجل منهم: يا فلان بن فلان أتذكر يوم عملت كذا وكذا؟ يذكره غدراته في الدنيا فيقول؛ أي: ربِّ أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى، فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه، قال: فبينما هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبًا لم يجدوا مثل ريحه شيئًا قط، قال: ثم يقول ربنا ﷿: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة وخذوا ما اشتهيتم، قال: فنأتي سوقًا قد حفَّت به الملائكة، فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب، قال: فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيه شيء ولا يشترى، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضًا، قال: فيقبل الرجل ذو المنزلة الرفيعة فيلقى من هو دونه. وما فيهم دنيء فيروعه ما يرى عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك لأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها ثم ننصرف إلى منازلنا فيتلقانا أزواجنا فيقلن: مرحبًا وأهلًا بحبيبنا لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه. فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ﵎ وبِحَقُّنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا به\" (^١). وقد رواه الترمذي في صفة الجنة من جامعه عن محمد بن إسماعيل، عن هشام بن عمار، ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار به نحوه، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه\" قلنا: يا رسول الله، كلنا نكره الموت قال ﷺ: \"ليس ذلك كراهية الموت ولكن المؤمن إذا حُضِرَ جاءه البشير من الله تعالى بما هو صائر إليه فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله تعالى فأحب الله لقاءه، قال: وإن الفاجر -أو الكافر- إذا حُضِر جاءه بما هو صائر إليه من الشر أو ما يلقى من الشر فكره لقاء الله فكره الله لقاءه\" (^٣). وهذا حديث صحيح، وقد ورد في الصحيح من غير هذا الوجه (^٤).\n_________\n(^١) في سنده حبيب بن عبد الحميد بن أبي العشرين صدوق ربما وهم كما في التقريب. وهذا من أوهامه فإن الثقات رووه عن الأوزاعي قال نبئت عن سعيد بن المسيب، والحديث منقطع السند بين الأوزاعي وسعيد بن المسيب. (ينظر: الضعفاء للعقيلي ٣/ ٤١، والعلل للدارقطني ٧/ ٢٦٧).\n(^٢) سنن الترمذي، صفة الجنة، باب ما جاء في سوق الجنة (ح ٢٥٤٩)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة الجنة (ح ٤٣٣٦).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٠٧) وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث عبادة بن الصامت ﵁. (صحيح البخاري، الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ح ٦٥٠٧، وصحيح مسلم، الذكر، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ح ٢٦٨٣).","vol":"6","page":527},{"text":"<span id=\"aya-4251\"></span>﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: دعا عباد الله إليه ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: هو في نفسه مهتد بما يقوله فنفعه لنفسه ولغيره لازم ومتعد، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه وينهون عن المنكر ويأتونه بل يأتمر بالخير ويترك الشر ويدعو الخلق إلى الخالق ﵎، وهذه عامة في كل من دعا إلى الخير وهو في نفسه مهتد، ورسول الله ﷺ أولى الناس بذلك كما قال محمد بن سيرين والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^١).\nوقيل: المراد بها المؤذنون (^٢) الصلحاء كما ثبت في صحيح مسلم: \"المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة\" (^٣) وفي السنن مرفوعًا: \"الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين\" (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن الهروي، حدثنا غسان قاضي هراة، وقال أبو زرعة: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن مطر، عن الحسن، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: \"سهام المؤذنين عند الله تعالى يوم القيامة كسهام المجاهدين وهو بين الأذان والإقامة كالمتشحط في سبيل الله تعالى في دمه\" قال: وقال ابن مسعود ﵁: لو كنت مؤذنًا ما باليت أن لا أحج ولا أعتمر ولا أجاهد قال: وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو كنت مؤذنًا لكمل أمري وما باليت أن لا أنتصب لقيام الليل ولا لصيام النهار سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"اللَّهم اغفر للمؤذنين\" ثلاثًا، قال: فقلت: يا رسول الله تركتنا ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف قال ﷺ: \"كلَّا يا عمر إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعافهم وتلك لحوم حرمها الله على النار لحوم المؤذنين\" قال: وقالت عائشة ولهم هذه الآية ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ قالت: فهو المؤذن إذا قال: حيَّ على الصلاة فقد دعا إلى الله (^٥). وهكذا قال ابن عمر وعكرمة: إنها نزلت في المؤذنين (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن، وقول محمد بن سيرين عزاه السيوطى إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه البستي بسند صحيح عن سفيان.\n(^٣) صحيح مسلم، الصلاة، باب فضل الأذان (ح ٣٨٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين\" (السنن، الصلاة، باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت ح ٥١٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٨٦).\n(^٥) سنده ضعيف لأن مطرًا وهو الوراق صدوق كثير الخطأ كما في التقريب، والحسن البصري لم يسمع من الصحابة المذكورين.\n(^٦) أخرجه البغوي عن عكرمة تعليقًا (معالم التنزيل ٤/ ١١٤).","vol":"6","page":528},{"text":"وقد ذكر البغوي عن أبي أُمامة الباهلي ﵁ أنه قال في قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يعني: صلاة ركعتين بين الأذان والإقامة (^١). ثم أورد البغوي حديث عبد الله بن المغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"بين كل أذانين: صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن شاء\" -وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من حديث عبد الله بن بُريدة (^٢) عنه- وحديث الثوري عن زيد العمي، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال الثوري: لا أراه إلا قد رفعه إلى النبي ﷺ: \"الدعاء لا يُردُّ بين الأذان والإقامة\" (^٣). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي في اليوم والليلة كلهم من حديث الثوري به وقال الترمذي: هذا حديث حسن (^٤)، ورواه النسائي أيضًا من حديث سليمان التيمي عن قتادة، عن أنس به (^٥).\nوالصحيح أن الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم، فأما حال نزول هذه الآية فإنه لم يكن الأذان مشروعًا بالكلية؛ لأنها مكية والأذان إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة حين أريه عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري ﵁ في منامه فقصه على رسول الله ﷺ فأمره أن يلقيه على بلال ﵁ فإنه أندى صوتًا كما هو مقرر في موضعه، فالصحيح إذن أنها عامة كما قال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله أجاب الله في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته وعمل صالحًا في إجابته وقال إنني من المسلمين هذا خليفة الله (^٦).\n\n<span id=\"aya-4252\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ أي: فرق عظيم بين هذه وهذه ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه كما قال عمر ﵁: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه.\nوقوله ﷿: ﴿الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ وهو الصديق إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك والحنو عليك حتى يصير كأنه ولي لك حميم؛ أي: قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك.\n\n<span id=\"aya-4253\"></span>ثم قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك فإنه يشق على النفوس ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي: ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) أخرجه البغوي عن أبي أُمامة تعليقًا (المصدر السابق).\n(^٢) صحيح البخاري، الأذان، باب كم بين الأذان والإقامة. . . (ح ٦٢٤)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب بين كل أذانين صلاة (ح ٨٣٨).\n(^٣) أخرجه البغوي من طريق سفيان الثوري به، (معالم التنزيل ٤/ ١١٤، ١١٥).\n(^٤) أخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، باب ما جاء في الدعاء بين الأذان والإقامة ح ٥٢١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٨٩)، وأخرجه الترمذي (السنن، الصلاة، باب ما جاء أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة ح ٢١٢) والنسائي في السنن الكبرى، عمل اليوم والليلة، باب الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة (ح ٩٨٩٦).\n(^٥) المصدر السابق (ح ٩٨٩٩).\n(^٦) سنده صحيح.","vol":"6","page":529},{"text":"قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم (^١).\n\n<span id=\"aya-4254\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: أن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان الجن فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك، فإذا استعذت بالله والتجأت إليه كفَّه عنك وردَّ كيده، وقد كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يقول: \"أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه\" (^٢)، وقد قدمنا أن هذا المقام لا نظير له في القرآن إلا في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ وفي سورة المؤمنين عند قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾.\n\n<span id=\"aya-4255\"></span>\n\n<span id=\"aya-4256\"></span>﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾.\nيقول تعالى منبهًا خلقه على قدرته وأنه الذي لا نظير له على ما يشاء قادر ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي: أنه خلق الليل بظلامه والنهار بضيائه وهما متعاقبان لا يفترقان، والشمس نورها وإشراقها والقمر وضياءه وتقدير منازله في فلكه واختلاف سيره في سمائه ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار والجُمع والشهور والأعوام، ويتبيَّن حلول الحقوق وأوقات العبادات والمعاملات.\nثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده تحت قهره وتسخيره فقال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي: ولا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره فإنه لا يغفر أن يشرك به ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: عن إفراد العبادة له وأبَوا إلا أن يشركوا معه غيره ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني: الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ كقوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩].\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سفيان -يعني ابن وكيع-، حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ:\"لا تسبوا الليل ولا النهار ولا الشمس ولا القمر ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم وعذابًا لقوم\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير الاستعاذة.\n(^٣) (مسند أبي يعلى ٤/ ١٣٩ ح ٢١٩٤) وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، وابن أبي ليلى هو محمد بن =","vol":"6","page":530},{"text":"<span id=\"aya-4257\"></span>وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي: على قدرته على إعادة الموتى ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ أي: هامدة لا نبات فيها بل هي ميتة ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي: أخرجت من جميع ألوان الزروع والثمار ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-4258\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: الإلحاد وضع الكلام على غير مواضعه (^١).\nوقال قتادة: هو الكفر والعناد (^٢).\nوقوله: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فيه تهديد شديد ووعيد أكيد؛ أي: إنه تعالى عالم بمن يلحد في آياته وأسمائه وصفاته وسيجزيه على ذلك بالعقوبة والنكال ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: أيستوي هذا وهذا؟ لا يستويان. ثم قال [﷿ تهديدًا للكفرة: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ قال مجاهد والضحاك وعطاء الخراساني: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وعيد؛ أي: من خير أو شر إنه عالم بكم وبصير بأعمالكم (^٣) ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾\n\n<span id=\"aya-4259\"></span>ثم قال ﷻ] (^٤): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ قال الضحاك والسدي وقتادة: وهو القرآن (^٥) ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ أي: منيع الجناب لا يرام أن يأتي أحد بمثله\n\n<span id=\"aya-4260\"></span>﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: ليس للبطلان إليه سبيل لأنه منزل من رب العالمين ولهذا قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أي: حكيم في أقواله وأفعاله حميد بمعنى محمود؛ أي: في جميع ما يأمر به وينهى عنه الجميع محمودة عواقبه وغاياته.\n\n<span id=\"aya-4261\"></span>ثم قال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال قتادة والسدي وغيرهما: ما يقال لك من التكذيب إلا كما قد قيل للرسل من قبلك (^٦)، فكما كُذِّبت كذبوا وكما صبروا على أذى قومهم لهم فاصبر أنت على أذى قومك لك. وهذا اختيار ابن جرير ولم يحك هو ولا ابن أبي حاتم غيره.\n_________\n= عبد الرحمن وهو صدوق سيء الحفظ، وقال الهيثمي: إسناده ضعيف. (مجمع الزوائد ٨/ ٧١)، وأخرجه الطبراني بسند فيه سعيد بن بشير وهو ضعيف (المعجم الأوسط ح ٢٧٩٥).\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه البُستي والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"6","page":531},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ أي: لمن تاب إليه ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: لمن استمر على كفره وطغيانه وعناده وشقاقه ومخالفته.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدًا العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تَّكلَ كل أحد\" (^١).\n\n<span id=\"aya-4262\"></span>﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾.\nلما ذكر تعالى القرآن وفصاحته وبلاغته وإحكامه في لفظه ومعناه ومع هذا لم يؤمن به المشركون نبه على أن كفرهم به كفر عناد وتعنت كما قال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ [الشعراء] وكذلك لو أنزل القرآن كله بلغة العجم لقالوا على وجه التعنت والعناد ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي: لقالوا: هلا أنزل مفصلًا بلغة العرب لأنكروا ذلك فقالوا: أعجمي وعربي؛ أي: كيف ينزل كلام أعجمي على مخاطب عربي لا يفهمه؟ هكذا روي هذا المعنى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي وغيرهم (^٢).\nوقيل: المراد بقولهم: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي: هل أنزل بعضها بالأعجمي وبعضها بالعربي؟ هذا قول الحسن البصري وكان يقرؤها كذلك بلا استفهام في قوله: \"أعجمي\" (^٣) وهو رواية عن سعيد بن جبير (^٤)، وهو في التعنت والعناد أبلغ ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ أي: قل يا محمد: هذا القرآن لمن آمن به هدى لقلبه وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي: لا يفهمون ما فيه ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ أي: لا يهتدون إلى ما فيه من البيان كما قال ﷾: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء] ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قال مجاهد: يعني بعيد من قلوبهم (^٥).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان، وإرسال سعيد بن المسيب.\n(^٢) قول ابن عباس عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن إياس عنه. قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٣) وهي قراءة متواترة.\n(^٤) قول الحسن أخرجه البُستي بسند صحيح من طريق داود بن أبي هند عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند جيد من طريق جعفر بن أبي المغيرة عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند منقطع من طريق رجل مبهم عن مجاهد.","vol":"6","page":532},{"text":"قال ابن جرير: معناه كأن من يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد لا يفهمون ما يقول (^١).\nوقلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة] وقال الضحاك: ينادون يوم القيامة بأشنع أسمائهم (^٢).\nوقال السدي: كان عمر بن الخطاب ﵁: جالسًا عند رجل من المسلمين يقضي إذ قال: يا لبيكاه فقال له عمر ﵁: لم تلبي، هل رأيت أحدًا أو دعاك أحد؟ فقال: دعاني داع من وراء البحر، فقال عمر ﵁: أولئك ينادون من مكان بعيد (^٣). رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span id=\"aya-4263\"></span>وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ أي: كُذِّبَ وأُوذِيَ ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الشورى: ١٤] بتأخير الحساب إلى يوم المعاد ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلًا ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: وما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم لما قالوا بل كانوا شاكين فيما قالوه غير محققين لشيء كانوا فيه (^٤)، هكذا وجهه ابن جرير وهو محتمل، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4264\"></span>﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) * إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾.\nيقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود نفع ذلك على نفسه ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ أي: إنما يرجع وبال ذلك عليه ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: لا يعاقب أحدًا إلا بذنبه ولا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه.\n\n<span id=\"aya-4265\"></span>ثم قال: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: لا يعلم ذلك أحد سواه كما قال محمد ﷺ -وهو سيد البشر- لجبريل ﵊ -وهو من سادات الملائكة- حين سأله عن الساعة فقال: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\" (^٥) وكما قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ [النازعات] وقال: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].\nقوله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ أي: الجميع بعلمه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وقد قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩] وقال: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] وقال تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١].\n_________\n(^١) ذكره الطبري بمعناه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أجلح عن الضحاك.\n(^٣) سنده ضعيف لأن السدي لم يلق عمر ﵁.\n(^٤) ذكره الطبري بمعناه.\n(^٥) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة مطولًا (الصحيح، الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان. . . ح ٥٠).","vol":"6","page":533},{"text":"وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ أي: يوم القيامة ينادي الله المشركين على رؤوس الخلائق أين شركائي الذين عبدتموهم معي ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ أي: أعلمناك ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أي: ليس أحد منا يشهد اليوم أن معك شريكًا\n\n<span id=\"aya-4266\"></span>﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: ذهبوا فلم ينفعوهم ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: وظن المشركون يوم القيامة وهذا بمعنى اليقين ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: لا محيد لهم عن عذاب الله كقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ [الكهف].\n\n<span id=\"aya-4267\"></span>﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾.\nيقول تعالى: لا يملّ الإنسان من دعاء ربه بالخير، وهو المال وصحة الجسم وغير ذلك وإنه مسه الشر وهو البلاء أو الفقر ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ أي: يقع في ذهنه أنه لا يتهيأ له بعد هذا خير.\n\n<span id=\"aya-4268\"></span>﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أي: إذا أصابه خير ورزق بعد ما كان في شدة ليقولن هذا لي إني كنت أستحقه عند ربي ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ أي: يكفر بقيام الساعة؛ أي: لأجل أنه خوَّل نعمة يبطر ويفخر ويكفر كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق].\n﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ أي: ولئن كان ثم معاد فليُحسنَنَّ إلي ربي كما أحسن إلي في هذه الدار، يتمنى على الله ﷿ مع إساءته العمل وعدم اليقين قال الله تعالى: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ يتهدد تعالى من كان هذا عمله واعتقاده بالعقاب والنكال\n\n<span id=\"aya-4269\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي: أعرض عن الطاعة واستكبر عن الانقياد لأوامر الله ﷿ كقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٩].\n﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أي: الشدة ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي: يطيل المسألة في الشيء الواحد فالكلام العريض ما طال لفظه وقلّ معناه، والوجيز عكسه وهو ما قلَّ ودلَّ وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].\n\n<span id=\"aya-4270\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي: كيف ترون حالكم عند الذي أنزله على رسوله؟ ولهذا قال: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في كفر وعناد ومشاقة للحق ومسلك بعيد","vol":"6","page":534},{"text":"من الهدى\n\n<span id=\"aya-4271\"></span>ثم قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: سنظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقًّا منزلًا من عند الله على رسول الله ﷺ بدلائل خارجية ﴿فِي الْآفَاقِ﴾ من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان.\nقال مجاهد والحسن والسدي: ودلائل في أنفسهم قالوا: وقعة بدر وفتح مكة (^١) ونحو ذلك من الوقائع التي حلّت بهم نصر الله فيها محمدًا ﷺ وصحبه وخذل فيها الباطل وحزبه، ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع ﵎، وكذلك ما هو مجبول عليه من الأخلاق المتباينة من حسن وقبح، وغير ذلك وما هو متصرف فيه تحت الأقدار التي لا يقدر بحوله وقوته وحيله وحذره أن يجوزها ولا يتعداها كما أنشده ابن أبي الدنيا في كتابه \"التفكر والاعتبار\" عن شيخه أبي جعفر القرشي [رحمة الله عليه] (^٢):\nوإذا نظرت تريد معتبرًا … فانظر إليك ففيك مُعتبر\nأنتَ الذي تُمسي وتُصبح … في الدنيا وكل أموره عِبرُ\nأنت المصرّفُ كان في صغرٍ … ثم استقلَّ بشخصك الكبرُ\nأنت الذي تنعاه خلقته … ينعاه منه الشَّعرُ والبشر\nأنت الذي تعطي وتسلب … لا ينجيه من أن يُسلَبَ الحذرُ\nأنت الذي لا شيء منه له … وأحق منه بما له القدر\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: كفى بالله شهيدًا على أفعال عباده وأقوالهم وهو يشهد أن محمدًا ﷺ صادق فيما أخبر به عنه كما قال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦].\n\n<span id=\"aya-4272\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ أي: في شك من قيام الساعة ولهذا لا يتفكرون فيه ولا يعملون له ولا يحذرون منه بل هو عندهم هدر لا يعبأون به وهو كائن لا محالة وواقع لا ريب فيه.\nقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا خلف بن تميم، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سعيد الأنصاري قال: إن عمر بن عبد العزيز صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني لم أجمعكم لأمر أحدثه فيكم، ولكن فكرت في هذا الأمر الذي أنتم إليه صائرون، فعلمت أن المصدق بهذا الأمر أحمق والمكذب به هالك، ثم نزل.\nومعنى قوله ﵁: إن المصدق به أحمق، أي: لأنه لا يعمل له عمل مثله ولا يحذر منه ولا يخالف من هوله وهو ذلك مصدق به موقن بوقوعه، وهو مع ذلك يتمادى في لعبه وغفلته وشهواته وذنوبه فهو أحمق بهذا الاعتبار، والأحمق في اللغة: ضعيف العقل، وقوله والمكذب به هالك هذا واضح، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند ضعيف عن معمر عن رجل مبهم عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وقول مجاهد نسبه السيوطي إلى ابن المنذر، وقول الحسن نسبه البغوي إليه.\n(^٢) زيادة من (مح).","vol":"6","page":535},{"text":"ثم قال تعالى مقررًا أنه على كل شيء قدير وبكل شيء محيط وإقامة الساعة لديه يسير سهل عليه ﵎: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ أي: المخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته وتحت طي علمه وهو المتصرف فيها كلها بحكمه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\nولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"6","page":536},{"text":"<span data-type='title' id=toc-165>سُورَةُ الشُّورَى وهي مكية</span>\n\n<span id=\"aya-4273\"></span>\n\n<span id=\"aya-4274\"></span>﷽\n﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾.\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة، وقد روى ابن جرير ههنا أثرًا غريبًا عجيبًا منكرًا فقال: أخبرنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن أرطأة بن المنذر قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له وعنده حذيفة بن اليمان: أخبرني عن تفسير قول الله تعالى: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ قال: فأطرق ثم أعرض عنه ثم كرر مقالته، فأعرض عنه فلم يجبه بشيء وكره مقالته، ثم كررها الثالثة فلم يُحِرْ إليه شيئًا (^١) فقال له حذيفة: أنا أُنبئك بها قد عرفت لم كرهها ونزلت في رجل من أهل بيته يقال له: عبد الإله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق تبنى عليه مدينتان يشق النهر بينهما شقًّا، فإذا أذن الله في زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ومدتهم بعث الله على إحداها نارًا ليلًا فتصبح سوداء مظلمة وقد احترقت كأنها لم تكن مكانها وتصبح صاحبتها متعجبة كيف أفلتت؟ فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم ثم يخسف الله بها وهم جميعًا فذلك قوله: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ يعني: عزيمة من الله تعالى وفتنة وقضاء حُمّ: ﴿حم﴾، \"عين\" يعني: عدلًا منه. \"سين\" يعني: سيكون. \"ق\" يعني: واقع بهاتين المدينتين (^٢).\nوأغرب منه ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في الجزء الثاني من مسند ابن عباس عن أبي ذرٍّ عن النبي ﷺ في ذلك ولكن إسناده ضعيف جدًّا ومنقطع فإنه قال: حدثنا أبو طالب عبد الجبار بن عاصم، حدثنا أبو عبد الله الحسن بن يحيى الخشني الدمشقي، عن أبي معاوية قال: صعد عمر بن الخطاب ﵁ المنبر فقال: أيها الناس هل سمع منكم أحد رسول الله ﷺ يفسر ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ فوثب ابن عباس فقال: أنا، قال: ﴿حم﴾ اسم من أسماء الله\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية، وفي صحيح الطبري بلفظ: \"فلم يجبه شيئًا\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه مع الفرق المذكور، وسنده ضعيف لأن أرطأة لم يلق ابن عباس بل لم يلق أحدًا من الصحابة ﵃.","vol":"6","page":537},{"text":"[تعالى، قال: فعين؟ قال: عاين المولون عذاب يوم بدر، قال: فسين؟ قال: سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، قال: فقاف؟ فسكت، فقام أبو ذرٍّ ففسر كما قال ابن عباس ﵄ وقال: قاف قارعة من السماء تغشى الناس] (^١) (^٢).\n\n<span id=\"aya-4275\"></span>وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ أي: كما أنزل إليك هذا القرآن كذلك أنزل الكتب والصحف على الأنبياء قبلك.\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ أي: في انتقامه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله.\nقال الإمام مالك ﵀: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ فيُفصَمُ عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يأتيني الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول\" قالت عائشة: فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفْصِمُ عنه وإن جبينه ﷺ ليتفصَّدُ عرقًا (^٣). أخرجاه في الصحيحين ولفظه للبخاري (^٤).\nوقد رواه الطبراني عن عبد الله بن الإمام أحمد، عن أبيه، عن عامر بن صالح، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ عن الحارث بن هشام أنه سأل رسول الله ﷺ كيف ينزل عليك الوحي؟ فقال ﷺ: \"في مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وقال: وهو أشده عليَّ قال: وأحيانًا يأتيني الملك، فيتمثل لي فيكلمني فأعي ما يقول\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله هل تحسُّ بالوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أسمع صلاصل ثم [أسكت] (^٦) عند ذلك فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض\" (^٧) تفرد به أحمد.\nوقد ذكرنا كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله ﷺ في أول شرح البخاري بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-4276\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع عبيد له وملك له تحت قهره وتصريفه ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] والآيات في هذا كثيرة.\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) سنده ضعيف لأن الحسن بن يحيى الخشني صدوق كثير الخطأ. (التقريب ص ١٦٤)، وأبو معاوية لم يلق عمر ولا أبا ذر ﵄.\n(^٣) أخرجه الإمام مالك (الموطأ، جامع القراءة ح ٢٧٠) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، بدء الوحي، باب ٢ (ح ٢)، وصحيح مسلم الفضائل، باب طيب عرق النبي ﷺ (ح ٢٢٣٣).\n(^٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ٢٥٩ ح ٣٣٤٣)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق عامر بن صالح به، وصحح سنده محققوه (المسند ٤٢/ ١٤٧ ح ٢٥٢٥٣).\n(^٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"أسكن\".\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٦٤٢ ح ٧٠٧١) وضعف سنده محققوه.","vol":"6","page":538},{"text":"<span id=\"aya-4277\"></span>وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ وقال ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي وكعب الأحبار: أي: فرقًا من العظمة (^١).\n﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ كقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إعلام بذلك وتنويه به،\n\n<span id=\"aya-4278\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: المشركين ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: شهيد على أعمالهم يحصيها ويعدها عدًّا، وسيجزيهم بها أوفر الجزاء ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل.\n\n<span id=\"aya-4279\"></span>﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨)﴾.\nيقول تعالى: وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: واضحًا جليًّا بينًا ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ وهي مكة ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: من سائر البلاد شرقًا وغربًا، وسُميت مكة: أم القرى لأنها أشرف من سائر البلاد لأدلة كثيرة مذكورة في مواضعها، ومن أوجز ذلك وأدله ما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: إن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: \"والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت\" هكذا رواية الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث الزهري به وقال الترمذي: حسن صحيح (^٢).\nوقوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ وهو يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك في وقوعه وأنه كائن لا محالة.\nوقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ كقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] أي: يغبن أهل الجنة أهل النار، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ [هود].\nقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، حدثني أبو قَبيل المعافري، عن شُفيّ الأصبحي، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال: \"أتدرون ما هذان الكتابان؟ \" قلنا: لا إلا أن تخبرنا يا رسول الله. قال ﷺ للذي في يمينه: \"هذا\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ويتقوى بالآثار التالية: وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٩٧.","vol":"6","page":539},{"text":"كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا\"، ثم قال ﷺ للذي في يساره: \"هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا\" فقال أصحاب رسول الله ﷺ: فلأي شيء نعمل إن كان هذا الأمر قد فرغ منه؟ قال رسول الله ﷺ: \"سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل\" ثم قال ﷺ بيده فقبضها ثم قال: \"فرغ ربكم ﷿ من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة -ونبذ باليسرى وقال:- فريق في السعير\" (^١). وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعًا عن قتيبة، عن الليث بن سعد وبكر بن مضر كلاهما عن أبي قبيل، عن شفي بن مانع الأصبحي، عن عبد الله بن عمرو ﵄ به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب (^٢). وساقه البغوي في تفسيره من طريق بشر بن بكر، عن سعيد بن عثمان، عن أبي الزاهرية، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ فذكره بنحوه وعنده زيادات منها: \"ثم قال: فريق في الجنة وفريق في السعير عدل من الله ﷿\" (^٣)، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث به ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي قبيل، عن شفي، عن رجل من الصحابة ﵃ فذكره (^٤).\nثم روي عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث وحيوة بن شريح، عن يحيى بن أبي أُسيد أن أبا فراس حدثه أنه سمع عبد الله بن عمرو ﵄ قال: إن الله تعالى يقول: إن الله تعالى لما خلق آدم نفضه نفض المزود وأخرج منه كل ذريته، فخرج أمثال النغف (^٥) فقبضهم قبضتين ثم قال: شقي وسعيد ثم ألقاهما ثم قبضهما فقال: فريق في الجنة وفريق في السعير (^٦)، وهذا الموقوف أشبه بالصواب، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد يعني: ابن سلمة أخبرنا الحريري، عن أبي نضرة قال: إن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يقال له أبو عبد الله دخل عليه أصحابه يعني: يزورونه فوجدوه يبكي، فقالوا له: ما يبكيك؟ ألم يقل لك رسول الله ﷺ: خذ من شاربك ثم أقرَّه حتى تلقاني؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله تعالى قبض بيمينه قبضة وأخرى باليد الأخرى قال: هذه لهذه، وهذه لهذه ولا أبالي\" فلا أدري في أي القبضتين أنا (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ١٢١ - ١٢٣ ح ٦٥٦٣) وضعف سنده محققوه بسبب ما قيل في أبي قَبيل.\n(^٢) سنن الترمذي، القدر، باب ما جاء إن الله كتب كتابًا لأهل الجنة وأهل النار (ح ٢١٤١)، والسنن الكبرى، التفسير (ح ١١٤٧٣)، وفي سنده أيضًا أبو قبيل.\n(^٣) معالم التنزيل ٤/ ١٢٠.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أيضًا أبو قَبيل.\n(^٥) أي: الدود.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. في سنده يحيى بن أبي أُسيد ذكره البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير ٨/ ٢٦١) وكذا ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٩/ ١٢٩).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ١٣٤ ح ١٧٥٩٣) وصحح سنده محققوه.","vol":"6","page":540},{"text":"وأحاديث القدر في الصحاح والسنن والمسانيد كثيرة جدًّا منها حديث علي وابن مسعود وعائشة وجماعة جمة.\n\n<span id=\"aya-4280\"></span>وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: إما على الهداية أو على الضلالة، ولكنه تعالى فاوت بينهم فهدى من يشاء إلى الحق وأضل من يشاء عنه وله الحكمة والحجة البالغة ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي سويد، أنه حدثه عن ابن حُجَيرة أنه بلغه أن موسى ﵊ قال: يا ربِّ خلقك الذين خلقتهم جعلت منهم فريقًا في الجنة وفريقًا في النار لو ما أدخلتهم كلهم الجنة، فقال: يا موسى ارفع درعك، فرفع. قال: قد رفعت. قال: ارفع فرفع، فلم يترك شيئًا. قال: يا ربِّ قد رفعت. قال: ارفع. قال: قد رفعت إلا ما لا خير فيه. قال: كذلك أدخل خلقي كلهم الجنة إلا ما لا خير فيه (^١).\n\n<span id=\"aya-4281\"></span>﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله ومخبرًا أنه هو الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده فإنه هو القادر على إحياء الموتى وهو على كل شيء قدير.\n\n<span id=\"aya-4282\"></span>ثم قال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: مهما اختلفتم فيه من الأمور وهذا عام في جميع الأشياء ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه ﷺ كقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].\n﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: الحاكم في كل شيء ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي: أرجع في جميع الأمور.\n\n<span id=\"aya-4283\"></span>وقوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما وما بينهما ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي: من جنسكم وشكلكم منة عليكم وتفضلًا جعل من جنسكم ذكرًا وأنثى ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ أي: وخلق لكم من الأنعام ثمانية أزواج. وقوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي: يخلقكم فيه؛ أي: في ذلك الخلق على هذه الصفة لا يزال [يدرؤكم] (^٢) فيه ذكورًا وإناثًا خلقًا من بعد خلق وجيلًا بعد جيل ونسلًا بعد نسل من الناس والأنعام.\nوقال البغوي: يذرؤكم فيه؛ أي: في الرحم، وقيل: في البطن، وقيل: في هذا الوجه من الخلقة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن أبا حُجَيرة رواه بلاغًا، والمتن فيه أمارات الإسرائيليات.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.","vol":"6","page":541},{"text":"قال مجاهد: نسلًا من الناس والأنعام، وقيل في بمعنى الباء أي: يذرؤكم به (^١).\n﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس كخالق الأزواج كلها شيء لأنه الفرد الصمد الذي لا نظير له ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\n\n<span id=\"aya-4284\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم تفسيره في سورة الزمر (^٢)، وحاصل ذلك أنه المتصرف الحاكم فيهما ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء وله الحكمة والعدل التام ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-4285\"></span>\n\n<span id=\"aya-4286\"></span>﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾.\nيقول تعالى لهذه الأمة: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ فذكر أول الرسل بعد آدم ﵇ وهو نوح ﵇، وآخرهم محمد ﷺ، ثم ذكر من بين ذلك من أولي العزم وهم إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة كما اشتملت آية الأحزاب عليهم في قوله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧]، والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء].\nوفي الحديث: \"نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد\" (^٣)؛ أي: القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم كقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أي: وصى الله ﷾ جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالائتلاف والجماعة. ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، وقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: شق عليهم وأنكروا ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد.\nثم قال: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي: هو الذي يقدر الهداية لمن يستحقها ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد، ولهذا قال ﵎: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية: ١٧] أي: إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم وقيام الحجة عليهم وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشاقة.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: لولا الكلمة السابقة من الله تعالى بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد لعجل عليهم العقوبة في الدنيا سريعًا.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذب\n_________\n(^١) هذه الأقوال الخمسة سردها البغوي في معالم التنزيل ٤/ ١٢١، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٢) في الآية رقم ٦٣.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٥٩.","vol":"6","page":542},{"text":"للحق ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: ليسوا على يقين من أمرهم وإيمانهم وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم وشك مريب وشقاق بعيد.\n\n<span id=\"aya-4287\"></span>﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾.\nاشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات كل منها منفصلة عن التي قبلها حكم برأسها، قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنها أيضًا عشرة فصول كهذه.\nوقوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ أي: فللذي أَوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك، أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم فادع الناس إليه.\nوقوله: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي: واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله تعالى كما أمركم الله ﷿.\nوقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ يعني: المشركين فيما اختلفوا فيه وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان.\nوقوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ أي: صدقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء لا نفرق بين أحد منهم.\nوقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي: في الحكم كما أمرني الله، وقوله: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أي: هو المعبود لا إله غيره فنحن نقر بذلك اختيارًا وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارًا فله يسجد من في العالمين طوعًا واختيارًا.\nوقوله: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي: نحن برآء منكم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس].\nوقوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ قال مجاهد: أي لا خصومة (^١).\nقال السدي: وذلك قبل نزول آية السيف، وهذا متجه لأن هذه الآية مكية، وآية السيف بعد الهجرة. وقوله: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ أي: يوم القيامة، كقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ [سبأ].\nوقوله: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب يوم الحساب.\n\n<span id=\"aya-4288\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾.\nيقول تعالى متوعدًا الذي يصدون عن سبيل الله من آمن به: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"6","page":543},{"text":"اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أي: يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: باطلة عند الله ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ أي: منه ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: يوم القيامة.\nقال ابن عباس ومجاهد: جادلوا المؤمنين بعد ما استجابوا لله ولرسوله ليصدوهم عن الهدى وطمعوا أن تعود الجاهلية (^١).\nوقال قتادة: هم اليهود والنصارى قالوا: ديننا خير من دينكم ونبينا قبل نبيكم ونحن خير منكم وأولى بالله منكم (^٢)، وقد كذبوا في ذلك.\n\n<span id=\"aya-4289\"></span>ثم قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: الكتب المنزلة من عنده على أنبيائه ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ وهو العدل والإنصاف، قاله مجاهد وقتادة (^٣)، وهذه كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ [الرحمن].\nوقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ فيه ترغيب فيها وترهيب منها وتزهيد في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-4290\"></span>وقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ أي: يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩] وإنما يقولون ذلك تكذيبًا واستبعادًا وكفرًا وعنادًا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ أي: خائفون وجلون من وقوعها ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ أي: كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها عاملون من أجلها.\nوقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد، وفي بعض ألفاظه أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره، فناداه فقال: يا محمد، فقال له رسول الله ﷺ نحوًا من صوته: \"هاؤم\"، فقال له: متى الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟ \" فقال: حبَّ الله ورسوله، فقال ﷺ: \"أنت مع من أحببت\" (^٤)، فقوله في الحديث \"المرء مع من أحب\" هذا متواترًا لا محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة بل أمره بالاستعداد لها.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ﴾ أي: يجادلون في وجودها ويدفعون وقوعها ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في جهل بيّن؛ لأن الذي خلق السماوات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأحرى، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بقول مجاهد الذي أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧.","vol":"6","page":544},{"text":"<span id=\"aya-4291\"></span>\n\n<span id=\"aya-4292\"></span>﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن لطفه بخلقه في رزقه إياهم عن آخرهم لا ينسى أحدًا منهم، سواء في رزقه البر والفاجر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود] ولهذا نظائر كثيرة.\nوقوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يوسع على من يشاء ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ أي: لا يعجزه شيء ثم قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ أي: عمل الآخرة ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ أي: نقويه ونعينه على ما هو بصدده ونكثر نماءه ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ أي: ومن كان إنما سعيه ليحصل له شيء من الدنيا وليس له إلى الآخرة هم البتة بالكلية حرمه الله الآخرة والدنيا إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ لم يحصل لا هذه ولا هذه، وفاز الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة.\nوالدليل على هذا أن هذه الآية ههنا مقيدة بالآية التي في سبحان وهي قوله ﵎: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء].\nوقال الثوري: عن مغيرة، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب\" (^١).\n\n<span id=\"aya-4293\"></span>وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأقوال الفاسدة.\nوقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"رأيت عمرو بن لحي بن قمعة يجر قصبه في النار\" (^٢) لأنه أول من سيب السوائب، وكان هذا الرجل أحد ملوك خزاعة، وهو أول من فعل هذه الأشياء، وهو الذي حمل قريشًا على عبادة الأصنام لعنه الله وقبحه ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة النور آية ٥٥.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ١٠٣.","vol":"6","page":545},{"text":"كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لعوجلوا بالعقوبة لولا ما تقدم من الإنظار إلى يوم المعاد ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: شديد موجع في جهنم وبئس المصير.\n\n<span id=\"aya-4294\"></span>ثم قال تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا﴾ أي: في عرصات القيامة ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي: الذين يخافون منه واقع بهم لا محالة هذا حالهم يوم معادهم وهم في هذا الخوف والوجل ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فأين هذا من هذا؟ أي: أين من هو في العرصات في الذلِّ والهوان والخوف المحقق عليه بظلمه ممن هو في روضات الجنات؟ فيما يشاء من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومناظر ومناكح وملاذ مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\nقال الحسن بن عرفة: حدثنا عمرو بن عبد الرحمن الأبار، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، عن أبي طيبة قال: إن الشَّرْبَ (^١) من أهل الجنة لتظلهم السحابة فتقول ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع من القوم بشيء إلا أمطرتهم حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أترابًا. ورواه ابن جرير، عن الحسن بن عرفة (^٢) به، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي: الفوز العظيم والنعمة التامة السابغة الشاملة العامة.\n\n<span id=\"aya-4295\"></span>﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾.\nيقول تعالى لما ذكر روضات الجنات، لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: هذا حاصل لهم كائن لا محالة ببشارة الله تعالى لهم به. وقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه وإنما أطلب منكم أن تكفُّوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة.\nقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت طاوسًا يحدث عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد. فقال ابن عباس: عَجِلْتَ إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة. فقال: إلا أن لا تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة (^٣)، انفرد به البخاري، ورواه الإمام أحمد بن يحيى القطان، عن شعبة به (^٤)، وهكذا روى عامر الشعبي والضحاك وعلي بن أبي طلحة والعوفي ويوسف بن مهران وغير واحد عن ابن عباس مثله، وبه قال مجاهد\n_________\n(^١) الشَّرْب: الجماعة من القوم يجتمعون على الشراب.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه في تفسير سورة الزخرف آية ٧١/ ج ٢٠) ص ٦٤٦، وسنده مرسل.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] ح ٤٨١٨).\n(^٤) (المسند ١/ ٢٢٩) وسنده صحيح.","vol":"6","page":546},{"text":"وعكرمة وقتادة والسدي وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم (^١).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن القاسم بن زيد الطبراني وجعفر القلانسي قالا: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قال لهم رسول الله ﷺ: \"لا أسألكم عليه أجرًا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم\" (^٢).\nوروى الإمام أحمد، عن حسن بن موسى، حدثنا قَزَعَة يعني ابن سويد، وابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن قَزَعَة بن سويد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: \"لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرًا إلا أن توادوا الله وأن تقربوا إليه بطاعته\" (^٣) وهكذا روى قتادة عن الحسن البصري مثله (^٤)، وهذا كأنه تفسير بقول ثانٍ كأنه يقول: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي: إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى.\nوقول ثالث وهو ما حكاه البخاري وغيره رواية عن سعيد بن جبير ما معناه أنه قال معنى ذلك: أن تودوني في قرابتي أي: تحسنوا إليهم وتبروهم (^٥).\nوقال السدي، عن أبي الديلم قال: لما جيء بعلي بن الحسين ﵁ أسيرًا فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال له علي بن الحسين: أقرأت القرآن: قال: نعم، قال: أقرأت آل حم؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم، قال: ما قرأت ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم (^٦)، وقال أبو إسحاق السبيعي: سألت عمرو بن شعيب عن قوله ﵎: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال: قربى النبي ﷺ (^٧) رواهما ابن جرير.\nثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام، حدثني يزيد بن أبي زياد، عن مِقسم، عن ابن عباس، قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا وكأنهم فخروا،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، ويتقوى طريق العوفي بطريق ابن أبي طلحة، وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وأخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر عن عكرمة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٤٣٥ ح ١٢٢٣٣) وفي سنده شريك وخُصيف وكلاهما سيئ الحفظ. ولشطره الثاني شاهد تقدم من رواية البخاري.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد عن حسن بن موسى به (المسند ٤/ ٢٣٨ ح ٢٤١٥)، وضعف سنده محققوه لضعف قَزَعَة بن سويد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) تقدم قول سعيد بن جبير في رواية البخاري السابقة قبل أربع روايات.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق السدي به، وسنده ضعيف لأن السدي فيه تشيع.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي به.","vol":"6","page":547},{"text":"فقال ابن عباس أو العباس -شك عبد السلام-: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاهم في مجالسهم فقال: \"يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله، قال ﷺ: \"ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله بي؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: \"أفلا تجيبوني؟ \" قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: \"ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك أولم يكذبوك فصدقناك أولم يخذلوك فنصرناك\" قال: فما زال ﷺ يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا في أيدينا لله ولرسوله، قال: فنزلت ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (^١) وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن عبد المؤمن بن علي، عن عبد السلام، عن يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف بإسناده مثله أو قريبًا منه.\nوفي الصحيحين في قسم غنائم حنين قريب من هذا السياق، ولكن ليس فيه ذكر نزول هذه الآية (^٢)، وذكر نزولها في المدينة فيه نظر لأن السورة مكية وليس يظهر بين هذه الآية وهذا السياق مناسبة، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا رجل سماه، حدثنا حسين الأشقر، عن قيس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: \"فاطمة وولدها ﵄\" (^٣). وهذا إسناد ضعيف فيه مبهم لا يعرف عن شيخ شيعي مخترق وهو حسين الأشقر ولا يقبل خبره في هذا المحل، وذكر نزول الآية في المدينة بعيد فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة ﵄ أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي ﵁ إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة، والحق تفسير هذه الآية بما فسرها به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما رواه عنه البخاري ولا ننكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متَّبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وأهل ذريته ﵃ أجمعين.\nوقد ثبت في [الصحيح] (^٤) أن رسول الله ﷺ قال في خطبته بغدير خم: \"إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله إن قريشًا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف زياد بن أبي زياد (التقريب ص ٦٠٠).\n(^٢) صحيح البخاري، المغازي والسير، باب غزوة الطائف (ح ٤٣٣٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم (ح ١٠٦١).\n(^٣) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن حسين الأشقر، وما قيل في الأشقر.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) وهو الصواب لأنه في صحيح مسلم، وفي الأصل: \"الصحيحين\".\n(^٥) أخرجه مسلم من حديث زيد بن أرقم ﵁ بنحوه ومطولًا وليس فيه: وإنهما لم يفترقا حتى يردا على الحوض (الصحيح، فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁ ح ٢٤٠٨).","vol":"6","page":548},{"text":"إذا لقي بعضهم بعضًا لقوهم ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، قال: فغضب النبي ﷺ غضبًا شديدًا وقال: \"والذي نفسي بيده لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله\" (^١).\nثم قال أحمد: حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب بن ربيعة، قال: دخل العباس ﵁ على رسول الله ﷺ فقال: إنا لنخرج فنرى قريشًا تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله ودرَّ عرق بين عينيه ثم قال ﷺ: \"والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي\" (^٢).\nوقال البخاري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد، حدثنا شعبة، عن واقد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر ﵄ عن أبي بكر -هو الصديق- ﵁ قال: ارقبوا محمدًا ﷺ في أهل بيته (^٣).\nوفي الصحيح أن الصديق ﵁ قال لعلي ﵁: واللهِ لقرابةُ رسول الله ﷺ أحبّ إليَّ أن أصل من قرابتي (^٤)، وقال عمر بن الخطاب للعباس ﵄: واللهِ لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب (^٥).\nفحال الشيخين ﵄ هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك، ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين ﵄ وعن سائر الصحابة أجمعين.\nوقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي حيان التيمي، حدثني يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن ميسرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ﵁، فلما جلسنا إليه قال حصين: لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا، رأيتَ رسولَ الله ﷺ وسمعت حديثَه وغزوتَ معه وصليتَ معه، لقد رأيت يا زيد خيرًا كثيرًا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ، فقال: يا ابن أخي لقد كبر سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ، فما حدثتكم فاقبلوه وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال ﵁: قام رسول الله ﷺ يومًا خطيبًا فينا بماء يدعى خمًا بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكَّرَ ووعظ، ثم قال ﷺ: \"أما بعد، أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله تعالى فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به\" فحثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه وقال ﷺ: \"وأهل بيتي أذكركم في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي\" فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه لسن من أهل بيته ولكن أهل بيته من\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٩٤، ٢٩٥ ح ١٧٧٢) وضعف سنده محققوه لضعف زياد بن أبي زياد.\n(^٢) (المسند ٣/ ٢٩٥ ح ١٧٧٣) وسنده كسابقه.\n(^٣) صحيح البخاري، المناقب، باب مناقب قرابة رسول الله ﷺ (ح ٣٧١٣).\n(^٤) المصدر السابق (ح ٣٧١٢).\n(^٥) أخرجه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس (تاريخ دمشق ٨/ ٩١٤) وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن مهاجر (التقريب ص ٩٤) وفي متنه رائحة التشيع.","vol":"6","page":549},{"text":"حرم عليه الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس ﵃ قال: أكل هؤلاء حرم عليه الصدقة؟ قال: نعم (^١)، وهكذا رواه مسلم والنسائي من طرق يزيد بن حيّان به (^٢).\nوقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا علي بن المنذر الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد. والأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والآخر عترة أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما\" تفرد بروايته ثم قال: هذا حديث حسن غريب (^٣).\nوقال الترمذي أيضًا: حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحسن، عن جعفر بن محمد بن الحسن، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: \"يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي\" تفرد به الترمذي أيضًا: وقال: حسن غريب، وفي الباب عن أبي ذرٍّ وأبي سعيد وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد ﵃ (^٤).\nثم قال الترمذي أيضًا: حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أحبوا الله تعالى لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي بحبي\" ثم قال: حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه (^٥).\nوقد أوردنا أحاديث أُخر عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] بما أغنى عن إعادتها ههنا، ولله الحمد والمنة.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مفضل بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن حنش، قال: سمعت أبا ذرٍّ وهو آخذ بحلقة الباب يقول: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح عليه\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٦٦) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁ (ح ٢٤٠٨)، والسنن الكبرى (٨١٧٥).\n(^٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، المناقب، باب مناقب أهل بيت النبي ﷺ ح ٣٧٨٨)، وصححه الألباني بطرقه (صحيح سنن الترمذي ح ٢٩٨٠ والسلسلة الصحيحة ٤/ ٣٥٦).\n(^٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ح ٣٧٨٦)، وصححه الألباني بطرقه (صحيح سنن الترمذي ح ٢٩٧٨)، والسلسلة الصحيحة ٤/ ٣٦١.\n(^٥) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٣٧٨٩). وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٧٩٢).","vol":"6","page":550},{"text":"الصلاة والسلام من دخلها نجا، ومن تخلف عنها هلك\" (^١). هذا بهذا الإسناد ضعيف.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ أي: ومن يعمل حسنة نزد له فيها حسنًا أي أجرًا وثوابًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء].\nوقال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أي: يغفر الكثير من السيئات ويكثر القليل من الحسنات، فيستر ويغفر ويضاعف فيشكر،\n\n<span id=\"aya-4296\"></span>وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: لو افتريت عليه كذبًا كما يزعم هؤلاء الجاهلون ﴿يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: يطبع على قلبك ويسلبك ما كان آتاك من القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة] أي: لانتقمنا منه أشد الانتقام، وما قدر أحد من الناس أن يحجز عنه.\nوقوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ ليس معطوفًا على قوله: ﴿يَخْتِمْ﴾ فيكون مجزومًا بل هو مرفوع على الابتداء. قاله ابن جرير، قال: وحذفت من كتابته الواو في رسم مصحف الإمام، كما حذفت في قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق] وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء]. وقوله: ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ معطوف على ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ أي: يحققه ويثبته ويبينه ويوضحه بكلماته؛ أي: بحججه وبراهينه ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما تكنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر.\n\n<span id=\"aya-4297\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾.\nيقول تعالى ممتنًّا على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه أنه من كرمه وحلمه أن يعفو ويصفح ويستر ويغفر، وكقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء].\nوقد ثبت في صحيح مسلم رحمة الله عليه، حيث قال: حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قالا: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك، وهو عمه ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ: \"لله تعالى أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدي من طريق أبي يعلى به (الكامل ٦/ ٢٤٠٦) وسنده ضعيف كما قرر الحافظ ابن كثير، وهو كما قال فإن سويد بن سعيد فيه مقال (التقريب ص ٢٦٠) وكذلك مفصل قال عنه الذهبي: واهٍ (تلخيص مستدرك الحاكم ٣/ ١٥١).","vol":"6","page":551},{"text":"شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللَّهم أنت عبدي وأنا ربك - أخطأ من شدة الفرح\" (^١). وقد ثبت أيضًا في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود ﵁ نحوه (^٢).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ إن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان يخاف أن يقتله فيه العطش\" (^٣).\nوقال همام بن الحارث: سئل ابن مسعود ﵁ عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: لا بأس به، وقرأ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ الآية، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شريح القاضي، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي، عن همام فذكره (^٤).\nوقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: يقبل التوبة في المستقبل، ويعفو عن السيئات في الماضي ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ أي: هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم ومع هذا يتوب على من تاب إليه.\n\n<span id=\"aya-4298\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال السدي: يعني يستجيب لهم، وكذا قال ابن جرير: معناه يستجيب لهم الدعاء لأنفسهم ولأصحابهم وإخوانهم، وحكاه عن بعض النحاة (^٥)، وأنه جعلها كقوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ثم روى هو وابن أبي حاتم من حديث الأعمش عن شقيق بن سلمة، عن سلمة بن سبرة قال: خطبنا معاذ ﵁ بالشام، فقال: أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنة، والله إني لأرجو أن يدخل الله تعالى من تسبون من فارس والروم الجنة، وذلك بأن أحدكم إذا عمل له - يعني: أحدهم عملًا قال: أحسنت رحمك الله، أحسنت بارك الله فيك، ثم قرأ ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٦).\nوحكى ابن جرير، عن بعض أهل العربية أنه جعل قوله: [﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كقوله:] (^٧) ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٨] أي: هم الذين يستجيبون للحق ويتبعونه (^٨) كقوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] والمعنى الأول أظهر لقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يستجيب دعاءهم ويزيدهم فوق ذلك. ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا بقية، حدثنا إسماعيل بن عبد الله الكندي، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح منها ح ٢٧٤٧).\n(^٢) المصدر السابق (ح ٢٧٤٤).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁. (المصدر السابق ح ٢٦٧٥/ ٢).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق إسحاق بن يوسف عن شريك القاضي به، وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن مهاجر. (التقريب ص ٩٤).\n(^٥) ذكره الطبري بنحوه بصيغة وقيل.\n(^٦) أخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٤٤).\n(^٧) الزيادة من تفسير الطبري.\n(^٨) ذكره الطبري بمعناه عن بعض نحويِّي البصرة.","vol":"6","page":552},{"text":"فَضْلِهِ﴾ قال: \"الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم معروفًا في الدنيا\" (^١).\nوقال قتادة: عن إبراهيم النخعي اللخمي في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: يشفعون في إخوانهم ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: يشفعون في إخوان إخوانهم (^٢).\nوقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ لما ذكر المؤمنين وما لهم الثواب الجزيل ذكر الكافرين وما لهم عنده يوم القيامة من العذاب الشديد الموجع المؤلم يوم معادهم وحسابهم.\n\n<span id=\"aya-4299\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرًا وبطرًا.\nوقال قتادة: كان يُقال خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك، وذكر قتادة حديث: \"إنما أخاف عليكم ما يخرج الله تعالى من زهرة الحياة الدنيا\" وسؤال السائل: أيأتي الخير بالشر؟ الحديث (^٣). وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أي: ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم وهو أعلم بذلك، فيغني من يستحق الغنى ويفقر من يستحق الفقر كما جاء في الحديث المروي: \"إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-4300\"></span>وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ أي: من بعد إياس الناس من نزول المطر ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه كقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾ [الروم].\nوقوله: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي: يعمّ بها الوجود على أهل ذلك القطر وتلك الناحية.\nقال قتادة: ذُكر لنا أن رجلًا قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين قحط المطر وقنط الناس. فقال عمر ﵁: مُطرتم ثم قرأ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾.\n﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله (^٥).\n\n<span id=\"aya-4301\"></span>﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على عظمته وقدرته العظيمة وسلطانه القاهر ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾\n_________\n(^١) سنده ضعيف، فيه إسماعيل بن عبد الله الكندي في رواية بقية عنه مقال قال الحافظ ابن حجر: وعنه بقية بخبر عجيب منكر. (لسان الميزان ١/ ٤١٧).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد ضعيف كما في التقريب.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف لأن الشق الأول لم يصرح باسم شيخه، والشق الثاني رواه مرسلًا.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٣٠.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به ورجاله ثقات لكن قتادة لم يصرح باسم شيخه، فسنده ضعيف.","vol":"6","page":553},{"text":"وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾ أي: ذرأ فيهما في السموات والأرض ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم، وقد فرقهم في أرجاء أقطار السماوات والأرض ﴿وَهُوَ﴾ مع هذا كله ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ أي: يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين وسائر الخلائق في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق.\n\n<span id=\"aya-4302\"></span>\n\n<span id=\"aya-4303\"></span>وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما هي عن سيئات تقدمت لكم ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: من السيئات فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥].\nوفي الحديث الصحيح: \"والذي نفسي بيده ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن إلا كفر الله عنه بها من خطاياه حتى الشوكة يشاكها\" (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب قال: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نزلت ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] وأبو بكر ﵁ يأكل فأمسك وقال: يا رسول الله إني أرى ما عملت من خير وشر، فقال: \"أرأيت ما رأيت مما تكره، فهو من مثاقيل ذر الشر وتدخر مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم القيامة\" وقال: قال أبو إدريس: فإني أرى مصداقها في كتاب الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (^٢). ثم رواه من وجه آخر عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ (^٣). قال: والأول أصح (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا الأزهر بن راشد الكاهلي، عن الخضر بن القواس [البجلي، عن أبي سخيلة] (^٥)، عن علي ﵁ قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله ﷿، وحدثنا به رسول الله ﷺ؟ قال: \"وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير، وسأفسرها لك يا علي: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله تعالى أحلم من أن يثني عليه العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله تعالى أكرم من أن يعود بعد عفوه\" (^٦). وكذا رواه الإمام أحمد عن مروان بن معاوية وعبدة، عن أبي سخيلة قال: قال علي ﵁ فذكر نحوه مرفوعًا (^٧).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١٢٣.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن أبا قلابة كثير الإرسال ولم يسمع من أبي بكر ﵁.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الهيثم بن الربيع عن أيوب عن أبي قلابة به، وسنده ضعيف لأنه معلق ولأن الهيثم ضعيف كما في التقريب.\n(^٤) وفي النسخة المحققة من تفسير الطبري: والصواب عن أبي إدريس.\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وترجمتيهما، وفي الأصل صُحفا إلى: \"الجيلي عن ابن أبي سخية\".\n(^٦) سنده ضعيف لضعف أزهر بن راشد الكاهلي كما في التقريب وتهذيب التهذيب.\n(^٧) (المسند ١/ ٨٥) وسنده كسابقه.","vol":"6","page":554},{"text":"ثم روى ابن أبي حاتم نحوه من وجه آخر موقوفًا فقال: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد بن أبي الوضاح، عن أبي الحسن، عن أبي جحيفة قال: دخلت على علي بن أبي طالب ﵁ فقال: ألا أحدثكم بحديث ينبغي لكل مؤمن أن يعيه؟ قال: فسألناه فتلا هذه الآية ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ قال: ما عاقب الله تعالى به في الدنيا فالله أحلم من أن يثني عليه بالعقوبة يوم القيامة، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعود عفوه يوم القيامة (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا طلحة يعني: ابن يحيى، عن أبي بردة، عن معاوية هو ابن أبي سفيان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفَّر الله تعالى عنه به من سيئاته\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا حسين، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله تعالى بالحزن ليكفرها\" (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن هو البصري قال في قوله ﵎: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ قال: لما نزلت قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود ولا اختلاج عرق ولا عثرة قدم إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر\" (^٤).\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن عمران بن حصين ﵁ قال: دخل عليه بعض أصحابه وقد كان ابتلي في جسده فقال له بعضهم إنا لنبأس لك لما نرى فيك، قال: فلا تبتئس بما ترى فإن ما ترى بذنب وما يعفو الله عنه أكثر ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (^٥).\nوحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا جرير، عن أبي البلاد، قال: قلت للعلاء بن بدر ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وقد ذهب بصري وأنا غلام؟ قال: فبذنوب والديك (^٦). وحدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن عبد العزيز بن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي من طريق أبي إسحاق الهمداني به ثم قال: حسن غريب صحيح، وهذا قول أهل العلم لا نعلم أحدًا كفَّر أحدًا بالزنى أو السرقة أو شرب الخمر. (السنن، الإيمان، باب ما جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن ٢٦٢٦) وحكم عليه الزيلعي بأنه إسناد متصل ثابت (تخريج أحاديث الكشاف ٣/ ٢٤٢)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٤٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٩٨) قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢/ ٣٠١) وصححه الألباني بطرقه (السلسلة الصحيحة ح ٢٢٧٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٢/ ١٣٤ ح ٢٥٢٣٦) وضعفه محققوه بسبب ليث بن أبي سليم.\n(^٤) سنده ضعيف لإرساله.\n(^٥) أخرجه الحاكم من طريق هشيم به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٤٦) ولكن الحسن لم يسمع من عمران كما في كتب المراسيل.\n(^٦) سنده مقطوع، ويحيى بن عبد الحميد الحماني متهم بسرقة الحديث كما في التقريب، والمتن فيه غرابة.","vol":"6","page":555},{"text":"أبي رواد، عن الضحاك قال: ما نعلم أحدًا حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب ثم قرأ الضحاك: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ ثم يقول الضحاك: وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن (^١).\n\n<span id=\"aya-4304\"></span>﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾.\nيقول تعالى ومن آياته الدالة على قدرته الباهرة وسلطانه تسخيره البحر لتجري فيه الفلك بأمره وهي الجواري في البحر كالأعلام؛ أي: كالجبال، قاله مجاهد والحسن والسدي والضحاك: أي: هذه في البحر كالجبال في البر (^٢).\n\n<span id=\"aya-4305\"></span>﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ أي: التي تسير في البحر بالسفن لو شاء لسكنها حتى لا تحرك السفن بل تبقى راكدة لا تجيء ولا تذهب بل واقفة على ظهره؛ أي: على وجه الماء ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: في الشدائد ﴿شَكُورٍ﴾ أي: إنه في تسخيره البحر وإجرائه الهوى بقدر ما يحتاجون إليه لسيرهم لدلالات على نعمه تعالى على خلقه لكل صبار؛ أي: في الشدائد شكور في الرخاء.\n\n<span id=\"aya-4306\"></span>وقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: ولو شاء لأهلك السفن وغرقها بذنوب أهلها الذين هم راكبون فيها ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: من ذنوبهم ولو آخذهم بجميع ذنوبهم لأهلك كل من ركب البحر.\nوقال بعض علماء التفسير معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: لو شاء لأرسل الريح قوية عاتية فأخذت السفن وأحالتها عن سيرها المستقيم، فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال آبقة لا تسير على طريق ولا إلى جهة مقصد، وهذا القول يتضمن هلاكها وهو مناسب للأول، وهو أنه تعالى لو شاء لسكن الريح فوقفت، أو لقواه فشردت وأبقت وهلكت، ولكن من لطفه ورحمته أنه يرسله بحسب الحاجة كما يرسل المطر بقدر الكفاية، ولو أنزله كثيرًا جدًّا لهدم البنيان، أو قليلًا لما أنبت الزرع والثمار حتى إنه يرسل إلى مثل بلاد مصر سيحًا من أرض أخرى غيرها لأنهم لا يحتاجون إلى مطر ولو أنزل عليهم لهدم بنيانهم وأسقط جدرانهم.\n\n<span id=\"aya-4307\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾ أي: لا محيد لهم عن بأسنا ونقمتنا، فإنهم مقهورون بقدرتنا.\n\n<span id=\"aya-4308\"></span>﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾.\nيقول تعالى محقرًا لشأن الحياة الدنيا وزينتها وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني بقوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع به (المصنف ٧/ ١٦٢) وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"السفن كالجبال\"، وكذا أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"6","page":556},{"text":"﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به فإنما هو متاع الحياة الدنيا وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أي: وثواب الله تعالى خير من الدنيا وهو باقٍ سرمدي فلا تقدموا الفاني على الباقي ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: للذين صبروا على ترك الملاذ في الدنيا ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات وترك المحرمات.\n\n<span id=\"aya-4309\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ وقد قدمنا الكلام على الإثم والفواحش في سورة الأعراف.\n﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي: سجيتهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس ليس سجيتهم الانتقام من الناس. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله (^١)، وفي حديث آخر كان يقول لأحدنا عند المعتبة: \"ما له؟ تربت جبينه (^٢) \" (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن زائدة، عن منصور، عن إبراهيم قال: كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا عفوا (^٤).\n\n<span id=\"aya-4310\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي: اتبعوا رسله وأطاعوا أمره واجتنبوا زجره ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ وهي أعظم العبادات لله ﷿: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها كما قال ﵎: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولهذا كان ﷺ يشاورهم في الحروب ونحوها ليطيب بذلك قلوبهم، وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب ﵁ الوفاة حين طُعن جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر وهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ﵃، فاجتمع رأي الصحابة كلهم ﵃ على تقديم عثمان عليهم ﵃.\n﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وذلك بالإحسان إلى خلق الله الأقرب إليهم منهم فالأقرب.\n\n<span id=\"aya-4311\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ أي: فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا كما قال يوسف ﵊ لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه وكما عفا رسول الله ﷺ عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية ونزلوا من جبل التنعيم، فلما قدر عليهم منّ عليهم مع قدرته على الانتقام، وكذلك عفوه ﷺ عن غوث بن الحارث الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه وهو نائم فاستيقظ ﷺ وهو في يده مصلتًا، فانتهره فوضعه من يده، وأخذ\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂ (صحيح البخاري، الأدب، باب قول النبي ﷺ: \"يسروا ولا تعسروا\" ح ٦١٢٦، وصحيح مسلم، الفضائل، باب مباعدته ﷺ للآثام. . . ح ٢٣٢٧).\n(^٢) قال الخطابي: يحتمل أن يكون المعنى: خرّ لوجهه فأصاب التراب جبينه، ويحتمل أن يكون دعاء له بالعبادة كأن يصلي فيترب جبينه، والأول أشبه (فتح الباري ١٠/ ٤٥٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (الصحيح، الأدب، باب لم يكن النبي ﷺ فاحشًا ولا متفاحشًا ح ٦٠٣١).\n(^٤) سنده صحيح، وزائدة هو ابن قدامة الثقفي يروي عنه سفيان بن عيينة. (تهذيب التهذيب ٣/ ٣٠٦).","vol":"6","page":557},{"text":"رسول الله ﷺ السيف في يده ودعا أصحابه ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل وعفا عنه، وكذلك عفا ﷺ عن لبيد بن الأعصم الذي سحره ﵇ ومع هذا لم يعرض له ولا عاتبه مع قدرته عليه، وكذلك عفوه ﷺ عن المرأة اليهودية -وهي زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري الذي قتله محمد بن مسلمة- التي سمَّت الذراع يوم خيبر، فأخبره الذراع بذلك، فدعاها فاعترفت، فقال ﷺ: \"ما حملك على ذلك؟ \" قالت: أردت إن كنت نبيًّا لم يضرك وإن لم تكن نبيًّا استرحنا منك، فأطلقها ﵊ ولكن لما مات منه بشر بن البراء ﵁ قتلها به (^١)، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًّا، ولله الحمد.\n\n<span id=\"aya-4312\"></span>﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾.\nقوله ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وكقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٩]، فشرع العدل وهو القصاص وندب إلى الفضل وهو العفو كقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] ولهذا قال ههنا: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: لا يضيع ذلك عند الله كما صحَّ ذلك في الحديث: \"وما زاد الله تعالى عبدًا بعفو إلا عزًّا\" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ أي: المعتدين وهو المبتدئ بالسيئة.\n\n<span id=\"aya-4313\"></span>ثم قال: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ أي: ليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظلمهم.\nقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عون قال: كنت أسأل عن الانتصار في قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ فحدثني علي بن زيد بن جدعان، عن أم محمد امرأة أبيه قال ابن عون: زعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين عائشة ﵂، قالت: قالت أم المؤمنين ﵂: دخل علينا رسول الله ﷺ وعندنا زينب بنت جحش ﵂، فجعل النبي ﷺ يصنع بيده شيئًا فلم يفطن لها، فقلت بيده حتى فطنته لها فأمسك، وأقبلت زينب ﵂ تقحم لعائشة ﵂ فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة ﵂:\"سُبّيها\" فسبتها فغلبتها، وانطلقت زينب ﵂ فأتت عليًّا ﵁ فقالت: إن عائشة تقع بكم وتفعل بكم، فجاءت فاطمة ﵂، فقال ﷺ لها: \"إنها حبة أبيك وربِّ الكعبة\" فانصرفت، وقالت لعلي ﵁: إني قلت له ﷺ كذا وكذا، فقال لي كذا وكذا، قال: وجاء علي إلى النبي ﷺ وكلمه في ذلك (^٣)، هكذا أورد هذا السياق، وعلي بن زيد بن جدعان، يأتي في رواياته بالمنكرات غالبًا، وهذا فيه\n_________\n(^١) كل ما ذكره الحافظ ابن كثير من الوقائع قد وردت في الصحيحين أو أحدهما.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١٤٩.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، والحديث ضعيف سندًا ومتنًا، وعلي بن زيد بن جدعان: ضعيف.","vol":"6","page":558},{"text":"نكارة، والصحيح خلاف هذا السياق، كما رواه النسائي وابن ماجه من حديث خالد بن سلمة الفأفاء، عن عبد الله البهي، عن عروة، قال: قالت عائشة ﵂: ما علمت حتى دخلت عليّ زينب بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله ﷺ: حسبك إذا قلبت لك ابنة أبي بكر درعها، ثم أقبلت عليَّ فأعرضت عنها، حتى قال النبي ﷺ: \"دونك فانتصري\" فأقبلت عليها حتى رأيت ريقها قد يبس في فمها ما تردُّ عليَّ شيئًا، فرأيت النبي ﷺ يتهلل وجهه (^١)، وهذا لفظ النسائي.\nوقال البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو غسان، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من دعا على من ظلمه فقد انتصر\" (^٢). ورواه الترمذي من حديث أبي الأحوص، عن أبي حمزة واسمه ميمون، ثم قال: لا نعرفه إلا من حديثه، وقد تكلم فيه من قِبَل حِفظه (^٣).\n\n<span id=\"aya-4314\"></span>وقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أي: إنما الحرج والعنت ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: يبدؤون الناس بالظلم، كما جاء في الحديث الصحيح: \"المستبَّان ما قالا، فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم\" (^٤).\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: شديد موجع.\n\n<span id=\"aya-4315\"></span>قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، حدثنا عثمان الشحام، حدثنا محمد بن واسع قال: قدمت مكة فإذا على الخندق منظرة، فأخذت حاجتي فانطلق بي إلى مروان بن المهلب، وهو أمير على البصرة فقال: ما حاجتك يا أبا عبد الله؟ قلت: حاجتي إن استطعت أن تكون كما كان أخو بني عدي، قال: ومن أخو بني عدي؟ قال العلاء بن زياد: استعمل صديقًا له مرة على عمل، فكتب إليه: أما بعد، فإن استطعت أن لا تبيت إلا وظهرك خفيف، وبطنك خميص، وكفك نقية من دماء المسلمين وأموالهم، فإنك إذا فعلت ذلك، لم يكن عليك سبيل ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)﴾ فقال مروان: صدق والله ونصح، ثم قال: ما حاجتك يا أبا عبد الله، قلت: حاجتي أن تلحقني بأهلي، قال: نعم (^٥)، رواه ابن أبي حاتم.\nثم إن الله تعالى، لما ذمَّ الظلم وأهله وشرع القصاص، قال نادبًا إلى العفو والصفح: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ أي: صبر على الأذى، وستر السيئة ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.\nقال سعيد بن جبير: يعني لمن حق الأمور التي أمر الله بها؛ أي: لمن الأمور المشكورة، والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل، وثناء جميل.\n_________\n(^١) السنن الكبرى للنسائي، التفسير، سورة الشورى (ح ١١٤٧٦) وسنن ابن ماجه، النكاح، باب حسن معاشرة النساء (ح ١٩٨١)، وصححه البوصيري (مصباح الزجاجة ٢/ ١١٥)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٨٦٢).\n(^٢) سنده ضعيف لضعف أبي حمزة وهو ميمون الأعور: ضعيف (التقريب ص ٥٥٦).\n(^٣) أخرجه الترمذي (السنن، الدعوات، باب من دعا على من ظلمه فقد انتصر ح ٣٥٤٧) وسنده كسابقه.\n(^٤) صحيح مسلم، النهي عن السباب (شرح النووي ١٢/ ٤٧٢).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف ٨/ ٣٢٣)، وسنده حسن.","vol":"6","page":559},{"text":"قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى الطرسوسي، حدثنا مصمد بن يزيد خادم الفضيل بن عياض قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلًا، فقل: يا أخي اعف عنه فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله ﷿، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى يعني ابن سعيد القطان، عن ابن عجلان، حدثنا سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رجلًا شتم أبا بكر ﵁ والنبي ﷺ جالس، فجعل النبي ﷺ يعجب ويتبسم، فلما أكثر ردَّ عليه بعض قوله، فغضب النبي وقام، فلحقه أبو بكر ﵁ فقال: يا رسول الله إنه كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت! قال: \"إنه كان معك ملك يردُّ عنك، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان\"، ثم قال: \"يا أبا بكر: ثلاث كلهنَّ حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله، إلا أعزه الله تعالى بها ونصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة، إلا زاده الله ﷿ بها قلة\" (^٢). وكذا رواه أبو داود، عن عبد الأعلى بن حماد، عن سفيان بن عيينة قال: ورواه صفوان بن عيسى كلاهما عن محمد بن عجلان، ورواه من طريق الليث، عن سعيد المقبري، عن بشير بن المحرر، عن سعيد بن المسيب مرسلًا (^٣)، وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى، وهو مناسب للصديق ﵁.\n\n<span id=\"aya-4316\"></span>﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة أنه ما يشاء كان ولا رادَّ له، وما لم يشأ لم يكن فلا موجد له، وأنه من هداه فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، كما قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] ثم قال مخبرًا عن الظالمين وهم المشركون بالله: ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: يوم القيامة تمنوا الرجعة إلى الدنيا ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-4317\"></span>وقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: على النار ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: الذي قد اعتراهم بما أسلفوا من عصيان الله تعالى ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾.\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥/ ٣٩٠ ح ٩٦٢٤) وقال محققوه: حسن لغيره.\n(^٣) سنن أبي داود، الأدب، باب في الانتصار (ح ٤٨٩٨)، ويتقوى بسابقه.","vol":"6","page":560},{"text":"قال مجاهد: يعني ذليل (^١)؛ أي: ينظرون إليها مسارقة خوفًا منها والذي يحذرون منه واقع بهم لا محالة، وما هو أعظم مما في نفوسهم، أجارنا الله من ذلك.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يقولون يوم القيامة ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: الخسار الأكبر ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: ذهب بهم إلى النار فعدموا لذتهم في دار الأبد وخسروا أنفسهم، وفرق بينهم وبين أحبابهم وأصحابهم وأهاليهم وقراباتهم فخسروهم ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ أي: دائم سرمدي أبدي لا خروج لهم منها ولا محيد لهم عنها.\n\n<span id=\"aya-4318\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: ينقذونهم مما هم فيه من العذاب والنكال ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: ليس له خلاص.\n\n<span id=\"aya-4319\"></span>﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾.\nلما ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة من الأهوال والأمور العظام الهائلة، حذر منه وأمر بالاستعداد له، فقال: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: إذا أمر بكونه فإنه كلمح البصر يكون، وليس له دافع ولا مانع.\nوقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ أي: ليس لكم حصن تتحصنون فيه ولا مكان يستركم وتتنكرون فيه فتغيبون عن بصره ﵎، بل هو محيط بكم بعلمه وبصره وقدرته، فلا ملجأ منه إلا إليه ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ [القيامة]\n\n<span id=\"aya-4320\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ يعني: المشركين ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: لست عليهم بمسيطر، وقال ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقال تعالى: [ههنا] (^٢): ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي: إنما كلفناك أن تبلغهم رسالة الله إليهم.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ أي: إذا أصابه رخاء ونعمة فرح بذلك ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ يعني: الناس ﴿سَيِّئَةٌ﴾ أي: جدب وبلاء وشدة ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ أي: يجحد ما تقدم من النعم ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة أشر وبطر، وإن أصابته محنة يئس وقنط، كان قال رسول الله ﷺ للنساء: \"يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار\" فقالت امرأة: ولم يَا رسول الله؟ فقال ﷺ: \"لأنكن تُكثرن الشكاية وتكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم تركت يومًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط\" (^٣) وهذا حال أكثر النساء، إلا من هداها الله تعالى وألهمها رشده، وكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالمؤمن كما قال ﷺ: \"إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٨٢.","vol":"6","page":561},{"text":"له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن\" (^١).\n\n<span id=\"aya-4321\"></span>﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾.\nيخبر تعالى أنه خالق السموات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ أي: يرزقه البنات فقط. قال البغوي: ومنهم لوط ﵊ (^٢). ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ أي: يرزقه البنين فقط، قال البغوي: كإبراهيم الخليل ﵊ لم يولد له أنثى (^٣).\n\n<span id=\"aya-4322\"></span>﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ أي: يعطي لمن يشاء من الناس الزوجين الذكر والأنثى؛ أي: هذا وهذا.\nقال البغوي: كمحمد ﷺ (^٤).\n﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ أي: لا يولد له.\nقال البغوي: كيحيى وعيسى ﵈ (^٥).\nفجعل الناس أربعة أقسام: منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورًا وإناثًا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا فيجعله عقيمًا لا نسل له ولا ولد له. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام ﴿قَدِيرٌ﴾ أي: على من يشاء من تفاوت الناس في ذلك، وهذا المقام شبيه بقوله ﵎ عن عيسى ﵊ ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١] أي: دلالة على قدرته تعالى وتقدس حيث خلق الخلق على أربعة أقسام، فآدم ﵊ مخلوق من تراب لا من ذكر وأنثى، وحواء ﵍ مخلوقة من ذكر بلا أنثى، وسائر الخلق سوى عيسى ﵇ من ذكر وأنثى، وعيسى ﵇ من أنثى بلا ذكر، فتمت الدلالة بخلق عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ فهذا المقام في الآباء، والمقام الأول في الأبناء، وكل منهما أربعة أقسام، فسبحان العليم القدير.\n\n<span id=\"aya-4323\"></span>﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾.\nهذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جناب الله ﷿، وهو أنه تعالى تارة يقذف في روع النبي ﷺ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٥٣.\n(^٢) ذكره البغوي بنحوه (معالم التنزيل ٤/ ١٣٢).\n(^٣) ذكره البغوي (المصدر السابق).\n(^٤) ذكره البغوي بنحوه (المصدر السابق).\n(^٥) ذكره البغوي بنحوه (المصدر السابق).","vol":"6","page":562},{"text":"شيئًا لا يتمارى فيه أنه من الله ﷿، كما جاء في صحيح ابن حبان، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لم تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب\" (^١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ كما كلَّم موسى ﵊، فإنه سأل الرؤية بعد التكليم فحجب عنها.\nوفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لجابر بن عبد الله ﵄: \"ما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحًا\" (^٢) كذا جاء في الحديث، وكان قد قتل يوم أحد، ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار الدنيا. وقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ كما ينزل جبريل ﵊ وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ فهو علي عليم خبير حكيم.\n\n<span id=\"aya-4324\"></span>وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ يعني: القرآن ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أي: على التفصيل الذي شرع لك في القرآن ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: القرآن ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ﴾ أي: يا محمد ﴿لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الخلق القويم،\n\n<span id=\"aya-4325\"></span>ثم فسره بقوله تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ أي: وشرعه الذي أمر به الله ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ربهما ومالكهما والمتصرف فيهما والحاكم الذي لا معقب لحكمه ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أي: ترجع الأمور فيفصلها ويحكم فيها [﷾ عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا] (^٣).\nآخر تفسير سورة الشورى. والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٨٧.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٦٩ وليس في الصحيح.\n(^٣) زيادة من (مح).","vol":"6","page":563},{"text":"<span data-type='title' id=toc-166>سُورَةُ الزّخْرُفِ وهي مكية</span>\n\n<span id=\"aya-4326\"></span>\n\n<span id=\"aya-4327\"></span>\n\n<span id=\"aya-4328\"></span>﷽\n﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾.\nيقول تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ أي: البيِّن الواضح الجلي المعاني والألفاظ؛ لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ أي: أنزلناه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: بلغة العرب فصيحًا واضحًا ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمونه وتتدبرونه، كما قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء].\n\n<span id=\"aya-4329\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ بيّن شرفه في الملأ الأعلى ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ، قاله ابن عباس ومجاهد (^١): ﴿لَدَيْنَا﴾ أي: عندنا، قاله قتادة وغيره (^٢) ﴿لَعَلِيٌّ﴾ أي: ذو مكانة وشرف وفضل قاله قتادة (^٣).\n﴿حَكِيمٌ﴾ أي: محكم بريء من اللبس والزيغ. وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله، كما قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الواقعة] وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس] ولهذا استنبط العلماء ﵏ من هاتين الآيتين أن المحدث لا يمس المصحف كما ورد به الحديث (^٤) إن صح؛ لأن الملائكة يعظمون المصاحف\n_________\n(^١) نسبه السيوطي إلى ابن مردويه من طريق طاوس عن ابن عباس، وأخرجه بمعناه الطبري بسند صحيح من طريق عروة بن عامر عن ابن عباس ﵄.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) الأثر تتمة لسابقه.\n(^٤) الحديث هو ما ورد في كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم إلى أهل اليمن وفيه: \"أن لا يمس القرآن إلا طاهر\" أخرجه الدارمي (السنن، الطلاق، باب لا طلاق قبل نكاح ٢/ ١٦١)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٨/ ١٨٠ ح ٦٥٢٥) وسنده حسن وله شواهد تؤكد ثبوته.","vol":"6","page":564},{"text":"المشتملة على القرآن في الملأ الأعلى، فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى؛ لأنه نزل عليهم، وخطابه متوجه إليهم، فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول والتسليم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾.\n\n<span id=\"aya-4330\"></span>وقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾ اختلف المفسرون في معناها:\nفقيل: معناها: أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم ولم تفعلوا ما أمرتم به، قاله ابن عباس وأبو صالح ومجاهد والسدي واختاره ابن جرير (^١).\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾؟: والله لو أن هذا القرآن رفع حين ردته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاه إليهم عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك (^٢)، وقول قتادة لطيف المعنى جدًّا، وحاصله أنه يقول في معناه: إنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم وهو القرآن، وإن كانوا مسرفين معرضين عنه بل أمر به ليهتدي به من قدر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته.\n\n<span id=\"aya-4331\"></span>ثم قال تعالى مسليًا لنبيه ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه وآمرًا له بالصبر عليهم: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦)﴾ أي: في شيع الأولين\n\n<span id=\"aya-4332\"></span>﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧)﴾ أي: يكذبونه ويسخرون به.\n\n<span id=\"aya-4333\"></span>وقوله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أي: فأهلكنا المكذبين بالرسل، وقد كانوا أشد بطشًا من هؤلاء المكذبين لك يا محمد، كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر: ٨٢] والآيات في ذلك كثيرة جدًّا. وقوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال مجاهد: سنتهم (^٣).\nوقال قتادة: عقوبتهم (^٤). وقال غيرهما: عبرتهم؛ أي: جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم، كقوله تعالى في آخر هذه السورة: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزخرف] وكقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] وقال: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بالآثار التالية فقد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه أيضًا الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح، وأخرجه أيضًا الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كما في تغليق التعليق (٤/ ٣٠٩) كلاهما بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"6","page":565},{"text":"<span id=\"aya-4334\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾.\nيقول تعالى: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله، العابدين معه غيره ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أي: ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد،\n\n<span id=\"aya-4335\"></span>ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ أي: فراشًا قرارًا ثابتة تسيرون عليها وتقومون وتنامون وتنصرفون، مع أنها مخلوقة على تيار الماء، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: طرقًا بين الجبال والأودية ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: في سيركم من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم.\n\n<span id=\"aya-4336\"></span>﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم.\nوقوله: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: أرضًا ميتة، فلما جاءهم الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ثم نبه تعالى بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها، فقال: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-4337\"></span>\n\n<span id=\"aya-4338\"></span>ثم قال: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أي: مما تنبت الأرض من سائر الأصناف من نبات وزروع وثمار وأزاهير وغير ذلك، ومن الحيوانات على اختلاف أجناسها وأصنافها ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ أي: السفن ﴿وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ أي: ذللها لكم وسخرها ويسرها لأكلكم لحومها وشربكم ألبانها وركوبكم ظهورها، ولهذا قال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: لتستووا متمكنين مرتفعين ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: على ظهور هذا الجنس ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما سخر لكم ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي: مقاومين، ولولا تسخير الله لنا هذا ما قدرنا عليه.\nقال ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد: مقرنين؛ أي: مطيقين (^١)،\n\n<span id=\"aya-4339\"></span>﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ أي: لصائرون إليه بعد مماتنا وإليه سيرنا الأكبر، وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] وباللباس الدنيوي على الأخروي فى قوله تعالى: ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه آدم والطبري أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري أيضًا بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.","vol":"6","page":566},{"text":"ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة:\nحديث أمير المؤمنين علي بن أي طالب ﵁.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة، قال: رأيت عليًّا ﵁ أتى بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما استوى عليها قال: الحمد لله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ ثم حمد الله تعالى ثلاثًا وكبر ثلاثًا، ثم قال: سبحانك لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي فاغفر لي ثم ضحك، فقلت له: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال ﵁: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثلما فعلت ثم ضحك، فقلت: مم ضحكت يا رسول الله؟ فقال ﷺ: \"يعجب الربُّ ﵎ من عبده إذا قال ربِّ اغفر لي، ويقول علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري\" (^١). وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي الأحوص، زاد النسائي ومنصور عن أبي إسحاق السبيعي، عن علي بن ربيعة الأسدي الوالبي به. وقال الترمذي: حسن صحيح، وقد قال عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة: قلت لأبي إسحاق السبيعي: ممن سمعت هذا الحديث؟ قال: من يونس بن خباب، فلقيت يونس بن خباب فقلت: ممن سمعته؟ فقال: من رجل سمعه من علي بن ربيعة، ورواه بعضهم عن يونس بن خباب، عن شقيق بن عقبة الأسدي، عن علي بن ربيعة الوالبي به (^٢).\nحديث عبد الله بن عباس ﵄.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن علي بن أبي طلحة، عن عبد الله بن عباس، قال: إن رسول الله ﷺ أردفه على دابته، فلما استوى عليها كبر رسول الله ﷺ ثلاثًا، وحمد ثلاثًا، وهلَّل واحدة، ثم استلقى عليه وضحك، ثم أقبل عليه فقال: \"ما من امرئ مسلم يركب فيصنع كما صنعت، إلا أقبل الله ﷿ عليه، فضحك إليه كما ضحكت إليك\" (^٣) تفرد به أحمد.\nحديث عبد الله بن عمر ﵄.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن علي بن عبد الله البارقي، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن النبي ﷺ كان إذا ركب راحلته كبر ثلاثًا ثم قال: \"سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم يقول: اللَّهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللَّهم هون علينا السفر واطو لنا البعيد، اللّهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٤٨ ح ٧٥٣) وقال محققوه: حسن لغيره.\n(^٢) سنن أبي داود -الجهاد- باب ما يقول الرجل إذا ركب (ح ٢٦٠٢)، وسنن الترمذي، الدعوات، باب ما جاء ما يقول إذا ركب دابة (ح ٣٤٤٦) والسنن الكبرى للنسائي، عمل اليوم والليلة (ح ٨٨٠٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٢٦٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٧٦ ح ٣٠٥٧) وضعف سنده محققوه.","vol":"6","page":567},{"text":"أهلنا\". وكان ﷺ إذا رجع إلى أهله قال: \"آيبون تائبون إن شاء الله عابدون لربنا حامدون\" (^١). وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن جريج، والترمذي من حديث حماد بن سلمة، كلاهما عن أبي الزبير به (^٢).\nحديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن عمرو بن الحكم بن ثوبان، عن أبي لاس الخزاعي قال: حملنا رسول الله ﷺ على إبل من إبل الصدقة إلى الحج، فقلنا: يا رسول الله ما نرى أن تحملنا هذه، فقال ﷺ: \"ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما آمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله ﷿\" (^٣). أبو لاس اسمه: محمد بن الأسود بن خلف.\nحديث آخر في معناه.\nقال أحمد: حدثنا عتاب، أخبرنا عبد الله، وعلي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله يعني ابن المبارك، أخبرنا أسامة بن زيد، أخبرني محمد بن حمزة أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"على ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموها فسموا الله ﷿ ثم لا تقصروا عن حاجاتكم\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-4340\"></span>﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين فيما افتروه وكذبوه في جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم وبعضها لله تعالى، كما ذكر الله عنهم في سورة الأنعام في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ [الأنعام] وكذلك جعلوا له في قسمي البنات والبنين أخسهما وأردأهما وهو البنات، كما قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم] وقال ههنا: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾\n\n<span id=\"aya-4341\"></span>\n\n<span id=\"aya-4342\"></span>ثم قال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾؟\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٤٤) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره (ح ١٣٤٢) وسنن أبي داود، الجهاد، باب ما يقول الرجل إذا سافر (ح ٢٥٩٩)، وسنن الترمذي، الدعوات، باب ما يقول إذا ركب (ح ٣٤٤٧)، والسنن الكبرى (ح ١٠٣٨٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٤٥٨ ح ١٧٩٣٨) وحسن سنده محققوه لأن ابن إسحاق صرح بالسماع في الرواية التي تلي هذه المذكورة (ح ١٧٩٣٩).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ٤٢٦ ح ١٦٠٣٩) وحسن سنده محققوه.","vol":"6","page":568},{"text":"وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار. ثم ذكر تمام الإنكار، فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾ أي: إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلوه لله من البنات يأنف من ذلك غاية الأنفة، وتعلوه كآبة من سوء ما بشر به، ويتوارى من القوم من خجله من ذلك، يقول ﵎: فكيف تأنفون من ذلك وتنسبونه إلى الله ﷿؟\n\n<span id=\"aya-4343\"></span>ثم قال ﷾: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ أي: المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي منذ تكون طفلة وإذا خاصمت فلا عبارة لها، بل هي عاجزة عيية أو من يكون هكذا ينسب إلى جناب الله العظيم، فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه ليجبر ما فيها من نقص كما قال بعض شعراء العرب:\nوما الحلي إلا زينة من نقيصة يُتمَّم … من حُسن إذا الحسن قَصَّرا\nوأما إذا كان الجمال موفَّرًا … كحسنك لم يحتج إلى أن يزوَّرا\nوأما نقص معناها فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار لا عبارة لها ولا همة، كما قال بعض العرب وقد بُشر ببنت: ما هي بنعم الولد نصرها بكاء، وبرها سرقة.\n\n<span id=\"aya-4344\"></span>وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ أي: اعتقدوا فيهم ذلك، فأنكر عليهم تعالى قولهم ذلك فقال: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أي: شاهدوه وقد خلقهم الله إناثًا ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ أي: بذلك ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ عن ذلك يوم القيامة وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد\n\n<span id=\"aya-4345\"></span>﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي: لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام التي هي على صور الملائكة التي هي بنات الله، فإنه عالم بذلك وهو يقرنا عليه، فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ:\nأحدها: جعلهم لله تعالى ولدًا، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nالثاني: دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا.\nالثالث: عبادتهم لهم مع ذلك كله بلا دليل ولا برهان ولا إذن من الله ﷿، بل بمجرد الآراء والأهواء والتقليد للأسلاف والكبراء والآباء والخبط في الجاهلية الجهلاء.\nالرابع: واحتجاجهم بتقديرهم على ذلك قدرًا، وقد جهلوا في هذا الإحتجاج جهلًا كبيرًا، فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار فإنه منذ بعث الرسل وأنزل الكتب يأمر بعبادته وحده لا شريك له، وينهي عن عبادة ما سواه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل] وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف] وقال في هذه الآية بعد أن ذكر حجتهم هذه: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بصحة ما قالوه واحتجوا به ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أي: يكذبون ويتقولون.\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: يعني: ما يعلمون","vol":"6","page":569},{"text":"قدرة الله على ذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-4346\"></span>﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في عبادتهم غير الله بلا برهان ولا دليل ولا حجة: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل شركهم ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: فيما هم فيه ليس الأمر كذلك، كقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾ [الروم] أي: لم يكن ذلك.\n\n<span id=\"aya-4347\"></span>\n\n<span id=\"aya-4348\"></span>ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد بأنهم كانوا على أمة، والمراد بها الدين ههنا. وفي قوله ﵎: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] وقولهم: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: وراءهم ﴿مُهْتَدُونَ﴾ دعوى منهم بلا دليل.\nثم بيَّن تعالى أن مقالة هؤلاء قد سبقهم إليها أشباههم ونظراؤهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل، تشابهت قلوبهم فقالوا مثل مقالتهم ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ [الذاريات] وهكذا قال ههنا: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾.\n\n<span id=\"aya-4349\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قَالَ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ أي: لو علموا وتيقنوا صحة ما جئتم به لما انقادوا لذلك لسوء قصدهم ومكابرتهم للحق وأهله.\n\n<span id=\"aya-4350\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: من الأمم المكذبة بأنواع من العذاب كما فصله تعالى في قصصهم ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: كيف بادوا وهلكوا؟ وكيف نجى الله المؤمنين؟\n\n<span id=\"aya-4351\"></span>\n\n<span id=\"aya-4352\"></span>\n\n<span id=\"aya-4353\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء ووالد من بعث بعده من الأنبياء الذي\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"6","page":570},{"text":"تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي: هذه الكلمة وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله؛ أي: جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله تعالى من ذرية إبراهيم ﵊ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إليها.\nقال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يعني: لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها (^١)، وروي نحوه عن ابن عباس (^٢) وقال ابن زيد: كلمة الإسلام (^٣). وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة.\n\n<span id=\"aya-4354\"></span>ثم قال جلَّ وعلا: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ يعني المشركين ﴿وَآبَاءَهُمْ﴾ أي: فتطاول عليهم العمر في ضلالهم ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أي: بيّن الرسالة والنذارة.\n\n<span id=\"aya-4355\"></span>﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)﴾ أي: كابروه وعاندوه ودفعوا بالصدور والراح كفرًا وحسدًا وبغيًا\n\n<span id=\"aya-4356\"></span>﴿وَقَالُوا﴾ أي: كالمعترضين على الذي أنزله تعالى وتقدس ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ أي: هلَّا كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون: مكة والطائف، قاله ابن عباس (^٤)، وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وابن زيد (^٥)، وقد ذكر غير واحد منهم أنهم أرادوا بذلك الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي (^٦).\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم (^٧)، والضحاك والسدي: يعنون الوليد بن المغيرة ومسعود بن عمرو الثقفي (^٨).\nوعن مجاهد: يعنون عمير بن عمرو بن مسعود الثقفي وعنه أيضًا أنهم يعنون عتبة بن ربيعة. وعن ابن عباس: جبارًا من جبابرة قريش، وعنه ﵄ أنهم يعنون: الوليد بن المغيرة وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي.\n_________\n(^١) أخرجه الفريابي بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (ينظر تغليق التعليق ٤/ ٣٠٦)، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما سبق.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بما يليه:\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، لكنه مرسل، بلفظ: \"الرجل\": الوليد بن المغيرة قال: لو كان ما يقول محمد حقًّا أنزل علىَّ هذا القرآن أو على أبي مسعود الثقفي، والقريتان: الطائف ومكة، وأبو مسعود الثقفي من الطائف واسمه: عروة بن مسعود، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بنحوه.\n(^٦) تقدم عن قتادة وعبد الرحمن بن زيد كما في الرواية السابقة.\n(^٧) سنده صحيح لكنه مرسل.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف، فيه بشر بن عمارة وهو ضعيف، عن الضحاك عن ابن عباس، وهو لم يلق ابن عباس.","vol":"6","page":571},{"text":"وعن مجاهد: يعنون عتبة بن ربيعة بمكة وابن عبد ياليل بالطائف (^١). وقال السدي: عَنَوا بذلك: الوليد بن المغيرة وكنانة بن عمرو بن عمير الثقفي (^٢)، والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان\n\n<span id=\"aya-4357\"></span>قال الله ﵎ رادًّا عليهم في هذا الإعتراض: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؟ أي: ليس الأمر مردودًا إليهم. بل إلى الله ﷿، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا. وأشرفهم بيتًا، وأطهرهم أصلًا.\nثم قال تعالى مبيِّنًا أنه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ وقوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ قيل: معناه ليسخر بعضهم بعضًا في الأعمال لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، قاله السدي (^٣) وغيره. وقال قتادة والضحاك ليملك بعضهم بعضًا (^٤) وهو راجع إلى الأول.\nثم قال: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: رحمة الله بخلقه خير لهم مما بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا.\n\n<span id=\"aya-4358\"></span>\n\n<span id=\"aya-4359\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه فيجتمعوا على الكفر لأجل المال هذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغيرهم (^٥) ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ﴾ أي: سلالم ودرجًا من فضة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم (^٦) ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ أي: يصعدون ولبيوتهم أبوابًا؛ أي: أغلاقًا على أبوابهم ﴿وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أي: جميع ذلك يكون فضة\n\n<span id=\"aya-4360\"></span>﴿وَزُخْرُفًا﴾ أي: وذهبًا، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد (^٧).\nثم قال: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إنما ذلك من الدنيا الفانية الزائلة الحقيرة عند الله تعالى؛ أي: يعجل لهم بحسناتهم التي يعملونها في الدنيا مآكل ومشارب ليوافوا الآخرة، وليس لهم عند الله ﵎ حسنة يجزيهم بها كما ورد به الحديث الصحيح (^٨). وورد في حديث آخر: \"لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء\" أسنده البغوي\n_________\n(^١) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك بلفظ: \"العبيد والخدم سخّر الله له\"، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن الحسن، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٦) أخرجه الطبري بالأسانيد المتقدمة عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.\n(^٧) أخرجه الطبري بالأسانيد المتقدمة عنهم أربعتهم.\n(^٨) أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك بنحوه (الصحيح، صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة ح ٢٨٠٨).","vol":"6","page":572},{"text":"من رواية زكريا بن منظور، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁، عن النبي ﷺ فذكره (^١). ورواه الطبراني من طريق زمعة بن صالح، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ: \"لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما أعطى كافرًا منها شيئًا\" (^٢).\nثم قال: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: هي لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد غيرهم، ولهذا لما قال عمر بن الخطاب ﵁ لرسول الله ﷺ حين صعد إليه في تلك المشربة لما آلى ﷺ من نسائه، فرآه على رمال حصير قد أثر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء وقال: يا رسول الله هذا كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه، وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس وقال: \"أو فيَّ شاك أنت يا ابن الخطاب؟ \" ثم قال ﷺ: \"أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا\" (^٣) وفي رواية \"أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة\".\nوفي الصحيحين أيضًا وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة\" (^٤) وإنما خولهم الله تعالى في الدنيا لحقارتهم كما روى الترمذي وابن ماجه من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا\" قال الترمذي: حسن صحيح (^٥).\n\n<span id=\"aya-4361\"></span>\n\n<span id=\"aya-4362\"></span>\n\n<span id=\"aya-4363\"></span>\n\n<span id=\"aya-4364\"></span>﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أي: يتعامى ويتغافل ويعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ والعشا في العين: ضعف بصرها، والمراد ههنا عشا البصيرة ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء]، وكقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وكقوله: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ\n_________\n(^١) أخرجه البغوي من طريق زكريا بن منظور به (معالم التنزيل ٤/ ١١٣٨)، وأخرجه ابن ماجه (السنن، الزهد، باب مثل الدنيا ح ٤١١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣١٨).\n(^٢) المعجم الكبير ٦/ ١٧٨ (ح ٥٩٢١) وفي سنده زمعة بن صالح وهو ضعيف لكنه توبع في الرواية السابقة.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة طه آية ١٣١.\n(^٤) صحيح البخاري، الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض (ح ٥٤٢٦)، وصحيح مسلم، اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة (ح ٢٠٦٧).\n(^٥) تقدم تخريجه قبل روايتين.","vol":"6","page":573},{"text":"وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾ [فصلت]، ولهذا قال ههنا: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ أي: هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله ويهديه إلى صراط الجحيم. فإذا وافى الله يوم القيامة يتبرم بالشيطان الذي وكل به ﴿قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ وقرأ بعضهم \"حتى إذا [جاءانا] (^١) \" (^٢)؛ يعني: القرين والمقارن.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن سعيد الجريري قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة سفع بيده شيطان فلم يفارقه حتى يصيرهما الله تعالى إلى النار، فذلك حين يقول: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (^٣). والمراد بالمشرقين هاهنا هو: ما بين المشرق والمغرب وإنما استعمل هاهنا تغليبًا كما يقال: القمران والعمران والأبوان، قاله ابن جرير وغيره (^٤).\n[ولما كان الاشتراك في المصيبة في الدنيا يحصل به تسلية لمن شاركه في مصيبته، كما قالت الخنساء تبكي أخاها:\nولولا كثرةُ الباكين حولي … على قتلاهم لقتلتُ نفسي\nوما يَبكون مثل أخي ولكن … أسلِّي النفسَ عنه بالتأسي\nقطع الله بذلك بين أهل النار، فلا يحصل لهم بذلك تأسي وتسلية وتخفيف] (^٥).\nفقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ أي: لا يغني عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم في العذاب الأليم.\n\n<span id=\"aya-4365\"></span>وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠)﴾ أي: ليس ذلك إليك إنما عليك البلاغ وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الحكم العدل في ذلك.\n\n<span id=\"aya-4366\"></span>\n\n<span id=\"aya-4367\"></span>ثم قال: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١)﴾ أي: لا بدّ أن ننتقم منهم ونعاقبهم ولو ذهبت أنت ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾ أي: نحن قادرون على هذا وعلى هذا ولم يقبض الله تعالى رسوله ﷺ حتى أقرَّ عينه من أعدائه وحكمه في نواصيهم، وملكه ما تضمنته صياصيهم! هذا معنى قول السدي (^٦) واختاره ابن جرير.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر قال: تلا قتادة: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١)﴾ فقال: ذهب النبي ﷺ وبقيت النقمة، ولن يري الله نبيه ﷺ في أمته شيئًا يكرهه حتى مضى، ولم يكن نبي قط إلا وقد رأى العقوبة في أمته إلا نبيكم ﷺ. قال: وذُكر لنا أن رسول الله ﷺ أري ما يصيب أمته من بعده فما رئي ضاحكًا منبسطًا حتى\n_________\n(^١) كذا في (حم) وفي الأصل و(مح): \"جانا\".\n(^٢) وهي قراءة متواترة.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه وسنده مرسل لأن سعيدًا رواه بلاغًا.\n(^٤) ذكره الطبري بمعناه.\n(^٥) زيادة من (حم).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"6","page":574},{"text":"قبضه الله ﷿ (^١)، وذكر من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة نحوه (^٢)، ثم روى ابن جرير، عن الحسن نحو ذلك أيضًا (^٣).\nوفي الحديث: \"النجوم أمَنَة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أَمَنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-4368\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ أي: خذ القرآن المنزل على قلبك، فإنه هو الحق وما يهدي إليه هو الحق المفضي إلى صراط الله المستقيم الموصل إلى جنات النعيم والخير الدائم المقيم.\n\n<span id=\"aya-4369\"></span>ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قيل: معناه لشرف لك ولقومك، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد (^٥)، واختاره ابن جرير ولم يحكِ سواه، وأورد البغوي ههنا حديث الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا أكبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين\" (^٦). رواه البخاري (^٧)، ومعناه أنه شرف لهم من حيث إنه أنزل بلغتهم، فهم أفهم الناس له فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به وأعملهم بمقتضاه، وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من الخُلَّص من المهاجرين السابقين الأولين ومن شابههم وتابعهم، وقيل معناه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي: لتذكير لك ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم، كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء] وكقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء].\n﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ أي: عن هذا القرآن، وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له؟\n\n<span id=\"aya-4370\"></span>وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ أي: جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] قال مجاهد في قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: \"واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا\" (^٨)،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة به وهو مرسل أيضًا.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق أبي الأشهب عن الحسن وهو مرسل أيضًا، ويتقوى بسابقه.\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (الصحيح، فضائل الصحابة، باب بيان أن بقاء النبي ﷺ أمان لأصحابه ح ٢٥٣١).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"إن القرآن شرف لك\" وأخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة (المصنف ١١/ ٤٥٦) بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) أخرجه البغوي من طريق شعيب عن الزهري به (معالم التنزيل ٤/ ١٤٠) وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه البخاري من طريق شعيب به (الصحيح، المناقب، باب مناقب قريش ح ٣٥٠٠).\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق مجاهد به، وسنده ضعيف لأن مجاهدًا لم يسمع من ابن مسعود، والقراءة شاذة تفسيرية. ويتقوى بالآثار التالية:","vol":"6","page":575},{"text":"وهكذا حكاه قتادة والضحاك والسدي عن ابن مسعود (^١)، وهذا كأنه تفسير لا تلاوة، والله أعلم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: واسألهم ليلة الإسراء، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جمعوا (^٢) له، واختار ابن جرير الأول.\n\n<span id=\"aya-4371\"></span>\n\n<span id=\"aya-4372\"></span>\n\n<span id=\"aya-4373\"></span>\n\n<span id=\"aya-4374\"></span>\n\n<span id=\"aya-4375\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عبده ورسوله موسى ﵇ أنه ابتعثه إلى فرعون وملئه من الأمراء والوزراء والقادة والأتباع والرعايا من القبط وبني إسرائيل يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وأنه بعث معه آيات عظامًا كيده وعصاه، وما أرسل معه من الطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم، ومن نقص الزروع والأنفس والثمرات، ومع هذا كله استكبروا عن اتباعها والانقياد لها، وكذبوها وسخروا منها وضحكوا ممن جاءهم بها ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ ومع هذا ما رجعوا عن غيِّهم وضلالهم، وجهلهم وخبالهم وكلما جاءتهم آية من هذه الآيات يضرَّعون إلى موسى ﵊ ويتلطفون له في العبارة بقولهم: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ أي: العالم، قاله ابن جرير (^٣).\nوكان علماء زمانهم هم السحرة. ولم يكن السحر في زمانهم مذمومًا عندهم فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص منهم لأن الحال حال ضرورة منهم إليه لا تناسب ذلك، وإنما هو تعظيم في زعمهم، ففي كل مرة يعدون موسى ﵇ إن كشف عنهم هذا أن يؤمنوا به ويرسلوا معه بني إسرائيل، وفي كل مرة ينكثون ما عاهدوا عليه، وهذا كقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف].\n\n<span id=\"aya-4376\"></span>﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن فرعون وتمرده وعتوه وكفره وعناده، أنه جمع قومه فنادى فيهم متبجحًا\n_________\n(^١) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك عن ابن مسعود وهو لم يلق ابن مسعود أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه وهو لم يلق ابن مسعود.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن، وسنده معضل.\n(^٣) ذكره الطبري بمعناه.","vol":"6","page":576},{"text":"مفتخرًا بملك مصر وتصرفه فيها: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ قال قتادة: قد كانت لهم جنات وأنهار ماء (^١).\n﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ أي: أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك؛ يعني: موسى وأتباعه فقراء ضعفاء وهذا كقوله تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النازعات].\n\n<span id=\"aya-4377\"></span>\n\n<span id=\"aya-4378\"></span>\n\n<span id=\"aya-4379\"></span>وقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ قال السدي: يقول: بل أنا خير من هذا الذي هو مهين، وهكذا قال بعض نحاة البصرة: إن أم ههنا بمعنى: بل، ويؤيد هذا ما حكاه الفراء عن بعض القراء أنه قرأها \"أما أنا خير من هذا الذي هو مهين\" (^٢).\nقال ابن جرير: ولو صحَّت هذه القراءة لكان معناها صحيحًا واضحًا، ولكنها خلاف قراءة الأمصار فإنهم قرأوا ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ على الاستفهام (^٣).\n(قلت): وعلى كل تقدير فإنما يعني فرعون لعنه الله بذلك أنه خير من موسى ﵊، وقد كذب في قوله هذا كذبًا بينًا واضحًا، فعليه لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. ويعني بقوله: ﴿مَهِينٌ﴾ كما قال سفيان: حقير.\nوقال قتادة والسدي: يعني ضعيف (^٤).\nوقال ابن جرير: يعني لا ملك له ولا سلطان ولا مال (^٥) ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ يعني: لا يكاد يفصح عن كلامه فهو عيي حصر.\nقال السدي: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ أي: لا يكاد يفهم.\nوقال قتادة والسدي وابن جرير: يعني عيي اللسان (^٦).\nوقال سفيان: يعني في لسانه شيء من الجمرة حين وضعها في فمه وهو صغير، وهذا الذي قاله فرعون لعنه الله كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد وهو ينظر إلى موسى ﵊ بعين كافرة شقية، وقد كان موسى ﵇ من الجلالة والعظمة والبهاء في صورة يبهر أبصار ذوي الألباب.\nوقوله: ﴿مَهِينٌ﴾ كذب. بل هو المهين الحقير خلقة وخلقًا ودينًا، وموسى هو الشريف الصادق البار الراشد.\nوقوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ افتراء أيضًا فإنه وإن كان قد أصاب لسانه في حال صغره شيء من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) معاني القرآن ٣/ ٣٥ وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.\n(^٥) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٦) أخرجه الطبري بالسند المتقدم عن قتادة، وأخرجه أيضًا بالسند المتقدم عن السدي بلفظ: \"الكلام\".","vol":"6","page":577},{"text":"جهة تلك الجمرة، فقد سأل الله ﷿ أن يحلَّ عقدة من لسانه ليفقهوا قوله، وقد استجاب الله له [ذلك] (^١) في قوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٢٦] وبتقدير أن يكون قد بقي شيء لم يسأل إزالته، كما قاله الحسن البصري وإنما سأل زوال ما يحصل معه الإبلاغ والإفهام، فالأشياء الخلقية التي ليست من فعل العبد لا يُعاب بها ولا يُذم عليها، وفرعون وإن كان يفهم وله عقل، فهو يدري هذا، وإنما أراد الترويج على رعيته فإنهم كانوا جهلة أغبياء وهكذا قوله: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وهي ما يجعل في الأيدي من الحلي. قاله ابن عباس وقتادة (^٢) وغير واحد ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ أي: يكنفونه خدمة له ويشهدون بتصديقه، نظر إلى الشكل الظاهر ولم يفهم السر المعنوي هو أظهر مما نظر إليه لو كان يفهم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ أي: استخف عقولهم فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾\n\n<span id=\"aya-4380\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿آسَفُونَا﴾ أسخطونا (^٣).\nوقال الضحاك عنه: أغضبونا، وهكذا قال ابن عباس أيضًا ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وغيرهم من المفسرين (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيد الله بن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا ابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم التجيبي، عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا رأيت الله ﵎ يعطي العبد ما يشاء وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج منه له\" ثم تلا ﷺ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ (^٥).\nوحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: كنت عند عبد الله، فذكر عنده موت الفجأة، فقال: تخفيف على المؤمن وحسرة على الكافر، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ (^٦).\nوقال عمر بن عبد العزيز ﵁: وجدت النقمة مع الغفلة، يعني: قوله ﵎: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾.\n\n<span id=\"aya-4381\"></span>وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾.\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ويتقوى برواية قتادة التي أخرجها الطبري بالسند المتقدم عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بسابقه ولاحقه فقد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٤٥.\n(^٦) سنده ضعيف لضعف يحيى بن عبد الحميد الحماني.","vol":"6","page":578},{"text":"قال أبو مجلز: ﴿سَلَفًا﴾ لمثل من عمل بعملهم. وقال هو ومجاهد: ﴿وَمَثَلًا﴾ أي: عبرة لمن بعدهم (^١).\n\n<span id=\"aya-4382\"></span>\n\n<span id=\"aya-4383\"></span>﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن تعنت قريش في كفرهم وتعمدهم العناد والجدل: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ قال غير واحد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي والضحاك: [يضجون] (^٢) (^٣)؛ أي: أعجبوا بذلك.\n[وقال قتادة: يجزعون ويضحكون] (^٤).\nوقال إبراهيم النخعي: يعرضون (^٥)، وكان السبب في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة حيث قال: وجلس رسول الله ﷺ، فيما بلغني، يومًا مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلَّم رسول الله ﷺ، فعرض له النضر بن الحارث فكلَّمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨). . .﴾ الآيات [الأنبياء].\nثم قام رسول الله ﷺ وأقبل عبد الله بن الزبعري التميمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد، وقد زعم محمد أنَّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، سلوا محمدًا أكلَّ ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد: عُزيرًا، والنصارى تعبد: المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري، ورأوا أنه قد احتجَّ وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: \"كلُّ من أحبَّ أن يُعبد من دون الله فهو مع من عبده، فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته\" فأنزل الله ﷿:\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) والطبري، وفي الأصل والطبعات صحف بلفظ: \"يضحكون\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند ضعيف لإبهام شيخه ولكنه يتقوى بما سبق.\n(^٤) زيادة من (حم) و(مح) وأخرجه الطبري بالسند الصحيح المتقدم.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":579},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء] أي: عيسى وعُزير ومن عبد معهما من الأحبار والرهبان، الذين مضوا على طاعة الله ﷿، فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون الله، ونزل فيما يذكر من أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦). . .﴾ الآيات [يوسف]، ونزل فيما يذكر من أمر عيسى ﵊، وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضر من حجته وخصومته ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ أي: يصدون أمرك بذلك من قوله. ثم ذكر عيسى ﵊ فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: ما وضع على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلًا على علم الساعة يقول: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (^١).\nوذكر ابن جرير من رواية العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ قال: يعني قريشًا، لما قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨). . .﴾ [الأنبياء] إلى آخر الآيات. فقالت له قريش: فما ابن مريم؟ قال: \"ذاك عبد الله ورسوله\" فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه ربًّا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ربًّا؟ فقال الله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شيبان، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين، عن أبي يحيى مولى ابن عقيل الأنصاري، قال: قال ابن عباس: لقد علمت آية من القرآن ما سألني عنها رجل قط، ولا أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها أو لم يفطنوا لها فيسألوا عنها؟ ثم طفق يحدثنا، فلما قام تلاومنا أن لا نكون سألناه عنها، فقلت: أنا لها إذا راح غدًا، فلما راح الغد قلت: يا ابن عباس ذكرت أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط، فلا تدري أعلمها الناس أم لم يفطنوا لها؟ فقلت: أخبرني عنها وعن اللاتي قرأت قبلها.\nقال: نعم إن رسول الله ﷺ قال لقريش: \"يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير\" وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، وما تقول في محمد ﷺ؟ فقالوا: يا محمد ألست تزعم أن عيسى ﵊ كان نبيًّا وعبدًا من عباد الله صالحًا، فإن كنت صادقًا كان آلهتهم لكما يقولون. قال: فأنزل الله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ قلت: ما يصدون؟ قال: يضحكون ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال: هو خروج عيسى ابن مريم ﵊ قبل يوم القيامة (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يعقوب الدمشقي، حدثنا آدم، حدثنا شيبان، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي أحمد مولى الأنصار، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية ١/ ٣٥٨، وسنده ضعيف لأن ابن إسحاق رواه بلاغًا.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٨٥ - ٨٦ ح ٢٩١٨) وحسن سنده محققوه.","vol":"6","page":580},{"text":"\"يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير\" فقالوا له: ألست تزعم أن عيسى كان نبيًّا وعبدًا من عباد الله صالحًا فقد كان يعبد من دون الله؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ (^١).\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ قالت قريش: إنما يريد محمد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى ﵇ (^٢). ونحو هذا قال قتادة (^٣): وقوله: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾. قال قتادة: يقولون آلهتنا خير منه وقال قتادة: قرأ ابن مسعود ﵁: (وقالوا أآلهتنا خير أم هذا) (^٤) يعنون محمدًا ﷺ.\nوقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ أي: مراء، وهم يعلمون أنه ليس بوارد على الآية، لأنها لما لا يعقل، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ثم هي خطاب لقريش، وهم إنما كانوا يعبدون الأصنام والأنداد، ولم يكونوا يعبدون المسيح حتى يوردوه، فتعين أن مقالتهم إنما كانت جدلًا منهم ليسوا يعتقدون صحتها وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا ابن نمير، حدثنا حجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما ضلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أورثوا الجدل\"، ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (^٥). وقد رواه الترمذي وابن ماجه وابن جرير من حديث حجاج بن دينار به، ثم قال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديثه (^٦)، كذا قال.\nوقد روي من وجه آخر عن أبي أُمامة ﵁ بزيادة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا حميد بن عياش الرملي، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، أخبرنا ابن مخزوم، عن القاسم أبي عبد الرحمن [الشامي] (^٧)، عن أبي أُمامة ﵁، قال حماد: لا أدري رفعه أم لا؟ قال: ما ضلَّت أُمة بعد نبيها إلا كان أول ضلالها التكذيب بالقدر، وما ضلَّت أُمة بعد نبيها إلا أُعطوا الجدل، ثم قرأ ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) في سنده أبو أحمد مولى الأنصار لم أعرف من هو، ولا يضر لأنه توبع كما في الرواية السابقة حيث تابعه أبو يحيى مولى ابن عقيل الأنصاري، فيكون الإسناد حسنًا لغيره.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند رجاله ثقات من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل ويتقوى بالمرسل الآتي.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند رجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى بالمرسل السابق فكلاهما يقوي أحدهما الآخر.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق قتادة عن أُبي بن كعب وليس عن ابن مسعود وقتادة لم يدركهما فسنده منقطع، والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٥٤٠ ح ٢٢٢٠٤) قال محققوه: حسن بطرقه وشواهده.\n(^٦) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الزخرف (ح ٣٢٥٣) وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب اجتناب الدرع والجدل (ح ٤٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٥٩٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٤٧).\n(^٧) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: \"السامي\".\n(^٨) يشهد لشقه الأخير سابقه، ولا يضر تردد حماد في رفعه.","vol":"6","page":581},{"text":"وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، عن عبادة بن عباد، عن جعفر، عن القاسم، عن أبي أُمامة قال: إن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن، فغضب غضبًا شديدًا حتى كأنما صبَّ على وجهه الخلّ، ثم قال ﷺ: \"لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فإنه ما ضلَّ قوم قط إلا أوتوا الجدل\" ثم تلا ﷺ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-4384\"></span>وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ يعني: عيسى ﵊. ما هو إلا عبد من عباد الله أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة. ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: دلالة وحجة وبرهانًا على قدرتنا على ما نشاء.\n\n<span id=\"aya-4385\"></span>وقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أي: بدلكم ﴿مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾.\nقال السدي: يخلفونكم فيها (^٢).\nوقال ابن عباس وقتادة: يخلف بعضهم بعضًا كما يخلف بعضكم بعضًا (^٣)، وهذا القول يستلزم الأول.\nقال مجاهد: يعمرون الأرض بدلكم.\n\n<span id=\"aya-4386\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ تقدم تفسير ابن إسحاق (^٤) أن المراد من ذلك ما بعث به عيسى ﵊، من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الأسقام، وفي هذا نظر وأبعد منه ما حكاه قتادة عن الحسن البصري وسعيد بن جبير، أن الضمير في وإنه عائد على القرآن (^٥)، بل الصحيح أنه عائد على عيسى ﵊ فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة، [كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: قبل موت عيسى ﵊ ثم ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ] (^٦) يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: أمارة ودليل على وقوع الساعة.\nقال مجاهد: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة (^٧)، وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس وأبي العالية وأبي مالك وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (^٨)، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًّا لأن جعفر وهو ابن الزبير: متروك (التقريب ص ١٤٠).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بلفظ: \"خلفا منكم\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) تقدم في تفسير بداية هذه الآية.\n(^٥) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن.\n(^٦) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس عن أبي هريرة، وأخرجه الثوري بسند حسن من =","vol":"6","page":582},{"text":"وقوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أي: لا تشكُّوا فيها أنها واقعة وكائنة لا محالة ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ أي: فيما أخبركم به ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾\n\n<span id=\"aya-4387\"></span>\n\n<span id=\"aya-4388\"></span>﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: عن اتباع الحق ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ أي: بالنبوة ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ قال ابن جرير: يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية، وهذا الذي قاله حسن جيد، ثم ردَّ قول من زعم أن بعض ههنا بمعنى كل، واستشهد بقول لبيد الشاعر حيث قال:\nنزال أمكنة إذا لم أرضها … أو يعتلق بعض النفوس حمامها (^١)\nوأولوه على أنه أراد جميع النفوس.\nقال ابن جرير: إنما أراد نفسه فقط، وعبر بالبعض عنها (^٢)، وهذا الذي قاله محتمل.\nوقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما جئتكم به\n\n<span id=\"aya-4389\"></span>﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾ أي: أنا وأنتم عبيد له فقراء مشتركون في عبادته وحده لا شريك له ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به هو الصراط المستقيم وهو عبادة الرب ﷿ وحده.\n\n<span id=\"aya-4390\"></span>وقوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: اختلفت الفرق وصاروا شيعًا فيه، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله وهو الحق ومنهم من يدعي أنه ولد الله، ومنهم من يقول إنه الله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا ولهذا قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-4391\"></span>﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾.\nيقول تعالى: هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون للرسل ﴿إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: فإنها كائنة لا محالة وواقعة، وهؤلاء غافلون عنها غير مستعدين فإذا جاءت إنما تجيء وهم لا يشعرون بها، فحينئذٍ يندمون كل الندم حيث لا ينفعهم ولا يدفع عنهم.\n\n<span id=\"aya-4392\"></span>وقوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ أي: كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة، إلا ما كان لله ﷿ فإنه دائم بدوامه، وهذا كما قال إبراهيم ﵊ لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].\n_________\n= طريق أبي رزين عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح عن أبي مالك والحسن، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^١) استشهد به الطبري وهو في ديوان لبيد ﵁ ص ٣١٣.\n(^٢) ذكره بنحوه.","vol":"6","page":583},{"text":"وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ قال: خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فتوفي أحد المؤمنين وبشر بالجنة، فذكر خليله فقال: اللَّهم إن فلانًا خليلي كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، وينبئني أني ملاقيك، اللَّهم فلا تضله بعدي حتى تريه مثلما أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني، فيقال له: اذهب فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيرًا وبكيت قليلًا قال: ثم يموت الآخر فتجتمع أرواحهما فيقال: ليثنِ أحدكما على صاحبه فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نِعم الأخ ونِعم الصاحب ونِعم الخليل. وإذا مات أحد الكافرين وبشر بالنار ذكر خليله فيقول: اللَّهم إن خليلي فلانًا كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك. ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك. اللَّهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني وتسخط عليه كما سخطت عليَّ.\nقال: فيموت الكافر الآخر فيجمع بين أرواحهما فيقال: ليثنِ كل واحد منكما على صاحبه فيقول كل واحد منهما لصاحبه: بئس الأخ وبئس الصاحب وبئس الخليل (^١)! رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: صارت كل خلة عداوة يوم القيامة إلا المتقين (^٢).\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن أحمد، عن هشام بن عبد الله بن كثير، حدثنا أبو جعفر محمد بن الخضر بالرقة عن معافي، حدثنا حكيم بن نافع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو أن رجلين تحابا في الله أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب لجمع الله تعالى بينهما يوم القيامة يقول هذا الذي أحببته فيّ\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-4393\"></span>\n\n<span id=\"aya-4394\"></span>وقوله: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ ثم بشرهم فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾ أي: آمنت قلوبهم وبواطنهم وانقادت لشرع الله جوارحهم وظواهرهم.\nقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه: إذا كان يوم القيامة فإن الناس حين يبعثون لا يبقى أحد منهم إلا فزع فينادي مناد ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ فيرجوها الناس كلهم، قال: فيتبعها ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾ قال: فييأس الناس منها غير المؤمنين (^٤).\n\n<span id=\"aya-4395\"></span>﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ أي: نظراؤكم ﴿تُحْبَرُونَ﴾ أي: تتنعمون وتسعدون وقد تقدم في سورة الروم.\n\n<span id=\"aya-4396\"></span>﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ أي: زبادي آنية الطعام ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ وهي آنية الشراب؛ أي: من\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحارث وهو الأعور الكوفي كما في التقريب.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) ذكره ابن منظور (مختصر تاريخ دمشق ٢٧/ ٧٩) وسنده ضعيف لضعف حكيم بن نافع فهو منكر الحديث. (لسان الميزان ٢/ ٣٤٤).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي آخره بلفظ: \"غير المسلمين\"، وسنده مرسل.","vol":"6","page":584},{"text":"ذهب لا خراطيم لها ولا عرى ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ وقرأ بعضهم: \"تشتهيه الأنفس\". ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ أي: طيب الطعام والريح وحسن المنظر.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، أخبرني إسماعيل بن أبي سعيد قال: إن عكرمة مولى ابن عباس أخبره أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة وأسفلهم درجة لرجل لا يدخل الجنة بعده أحد، يفسح له في بصره مسيرة مائة عام في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ ليس فيها موضع شبر إلا معمور يغدى عليه ويراح بسبعين ألف صحفة من ذهب، ليس فيها صحفة إلا فيها لون ليس في الأخرى مثله، شهوته في آخرها كشهوته في أولها، ولو نزل به جميع أهل الأرض لوسع عليهم مما أعطي لا ينقص ذلك مما أوتي شيئًا\" (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا عمرو بن سواد السرحي، حدثني عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ أن أبا أمامة ﵁ حدث أن رسول الله ﷺ حدثهم وذكر الجنة فقال: \"والذي نفس محمد بيده، ليأخذن أحدكم اللقمة فيجعلها في فيه، ثم يخطر على باله طعام آخر فيتحول الطعام الذي في فيه على الذي اشتهى\" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن هو ابن موسى، حدثنا سكين بن عبد العزيز، حدثنا الأشعث الضرير، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة من له لسبع درجات وهو على السادسة وفوقه السابعة، وإن له ثلثمائة خادم ويغدى عليه ويراح كل يوم بثلثمائة صحفة - ولا أعلمه إلا قال: من ذهب في كل صحفة لون ليس في الأخرى، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، ومن الأشربة ثلاثمائة إناء في كل إناء لون ليس في الآخر، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، وإنه ليقول: يا ربِّ لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم لم ينقص مما عندي شيء، وإن له من الحور العين لاثنين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة منهن لتأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض\" (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿خَالِدُونَ﴾ أي: لا تخرجون منها ولا تبغون عنها حولًا.\n\n<span id=\"aya-4397\"></span>ثم قيل لهم على وجه التفضل والامتنان: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ أي: أعمالكم الصالحة كانت سببًا لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحدًا عمله الجنة، ولكن برحمة الله وفضله، وإنما الدرجات ينال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الفضل بن شاذان المقري، حدثنا يوسف بن يعقوب؛ يعني: الصفار، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٢) سنده ضعيف لأن الحسن لم يلق أبا هريرة ﵁، (المراسيل لابن أبى حاتم ص ٣٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦/ ٥٤٤ - ٥٤٥ ح ١٠٩٣٢) وضعف سنده محققوه.","vol":"6","page":585},{"text":"رسول الله ﷺ: \"كل أهل النار يرى منزله من الجنة، فيكون له حسرة فيقول: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] وكل أهل الجنة يرى منزله من النار فيقول: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] فيكون له شكرًا\" قال: وقال رسول الله ﷺ ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار. والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة. وذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-4398\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ أي: من جميع الأنواع ﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ أي: مهما اخترتم وأردتم. ولما ذكر الطعام والشراب ذكر بعده الفاكهة لتتم النعمة والغبطة.\n\n<span id=\"aya-4399\"></span>\n\n<span id=\"aya-4400\"></span>﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾.\nلما ذكر تعالى حال السعداء ثنى بذكر الأشقياء فقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أي: ساعة واحدة ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير.\n\n<span id=\"aya-4401\"></span>﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾ أي: بأعمالهم السيئة بعد قيام الحجة عليهم. وإرسال الرسل إليهم، فكذبوا وعصوا فجوزوا بذلك جزاء وفاقًا وما ربك بظلام للعبيد.\n\n<span id=\"aya-4402\"></span>\n\n<span id=\"aya-4403\"></span>﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ وهو خازن النار.\nقال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (^٢) أي: يقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه فإنهم كما قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] وقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ [الأعلى] فلما سألوا أن يموتوا أجابهم مالك ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.\nقال ابن عباس: مكث ألف سنة ثم قال: إنكم ماكثون (^٣). رواه ابن أبي حاتم؛ أي: لا خروج لكم منها ولا محيد لكم عنها ثم ذكر سبب شقوتهم، وهو مخالفتهم للحق ومعاندتهم له فقال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بيناه لكم ووضحناه وفسرناه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: ولكن كانت سجاياكم لا تقبله ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد للباطل وتعظمه، وتصد عن الحق وتأباه وتبغض أهله، فعودوا على أنفسكم بالملامة. واندموا حيث لا تنفعكم الندامة،\n\n<span id=\"aya-4404\"></span>\n\n<span id=\"aya-4405\"></span>ثم قال ﵎: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأن الأعمش لم يسمع من أبي صالح (المراسيل لابن أبي حاتم ص ٧٢) وأبو بكر بن عياش في حفظه مقال.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ح ٤٨١٩).\n(^٣) أخرجه الثوري والطبري والحاكم (المستدرك ٢/ ٤٤٨) كلهم من طريق عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.","vol":"6","page":586},{"text":"قال مجاهد: أرادوا كيد شر، فكدناهم (^١)، وهذا الذي قاله مجاهد كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾ [النمل] وذلك لأن المشركين كانوا يتحيلون في رد الحق بالباطل بحيل ومكر يسلكونه، فكادهم الله تعالى وردَّ وبال ذلك عليهم، ولهذا قال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ أي: سرهم وعلانيتهم ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: نحن نعلم ما هم عليه والملائكة أيضًا يكتبون أعمالهم صغيرها وكبيرها.\n\n<span id=\"aya-4406\"></span>\n\n<span id=\"aya-4407\"></span>﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾.\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: لو فرض هذا لعبدته على ذلك؛ لأني عبد من عبيده مطيع لجميع ما يأمرني به ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض هذا لكان هذا، ولكن هذا ممتنع في حقه تعالى والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضًا كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر] وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: الآنفين، ومنهم سفيان الثوري والبخاري (^٢)، حكاه فقال: ويقال: أول العابدين الجاحدين من عَبِد يعْبَد (^٣)، وذكر ابن جرير لهذا القول من الشواهد ما رواه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، حدثني ابن أبي ذئب، عن [ابن قسيط] (^٤)، عن بَعَجة بن زيد الجهني أن امرأة منهم دخلت على زوجها وهو رجل منهم أيضًا، فولدت له في ستة أشهر، فذكر ذلك زوجها لعثمان بن عفان ﵁، فأمر بها أن ترجم، فدخل عليه علي بن أبي طالب ﵁ فقال: إن الله تعالى يقول في كتابه ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] قال: فواللهِ ما عَبِد عثمان ﵁ أن بعث إليها تُرَدُّ، قال يونس: قال ابن وهب: عبد استنكف (^٥).\nوقال الشاعر (^٦):\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) حكاه البخاري بلفظه: (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] بعد حديث رقم ٤٨١٩).\n(^٣) وضَّحه الطبري بقوله: ووجهوا معنى \"العابدين\" إلى المنكرين الآبين، من قول العرب: قد عَبِد فلانٌ من هذا الأمر، إذا أنِف منه وغضب وأباه، فهو يعْبَدُ عَبَدًا.\n(^٤) كذا في تفسير الطبري وهو يزيد بن عبد الله بن قسيط (التقريب ص ٦٠٢) وفي الأصل: \"أبي قسيط\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة (التقريب ص ٤٩٣).\n(^٦) هو المرقّش الأصغر كما في الشعر والشعراء ١/ ٣١٥.","vol":"6","page":587},{"text":"متى ما يشأ ذو الودِّ يصْرِمْ خليله … ويعْبَد عليه لا محالة ظالما (^١)\nوهذا القول فيه نظر؛ لأنه كيف يلتئم مع الشرط فيكون تقديره: إن كان هذا فأنا ممتنع منه؟ هذا فيه نظر فليتأمل اللَّهم إلا أن يقال: أن إنْ ليس شرطًا وإنما هي نافية، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ يقول: لم يكن للرحمن ولد، فأنا أول الشاهدين (^٢).\nوقال قتادة: هي كلمة من كلام العرب ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: إن ذلك لم يكن فلا ينبغي (^٣).\nوقال أبو صخر: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ أي: فأنا أول من عبده بأن لا ولد له، وأول من وحده.\nوكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٤).\nوقال مجاهد: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: أول من عبده ووحده وكذبكم (^٥).\nوقال البخاري: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ الآنفين وهما لغتان رجل عابد وعَبِد (^٦)، والأول أقرب على أنه شرط وجزاء ولكن هو ممتنع.\nوقال السدي: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ يقول: لو كان له ولد كنت أول من عبده بأن له ولدًا ولكن لا ولد له (^٧)، وهو اختيار ابن جرير، وردَّ قول من زعم أن إنْ نافية. ولهذا قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه خالق الأشياء عن أن يكون له ولد فإنه فرد أحد صمد، لا نظير له ولا كفء له فلا ولد له.\n\n<span id=\"aya-4408\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ أي: في جهلهم وضلالهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ وهو يوم القيامة؛ أي: فسوف يعلمون كيف يكون مصيرهم ومآلهم وحالهم في ذلك اليوم.\n\n<span id=\"aya-4409\"></span>قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ أي: هو إله من في السماء وإله من في الأرض يعبده أهلها وكلهم خاضعون له أذلاء بين يديه ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام] أي: هو المدعو الله في السموات والأرض.\n\n<span id=\"aya-4410\"></span>﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: هو خالقها ومالكها، والمتصرف فيها بلا مدافعة ولا ممانعة، فسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن الولد وتبارك؛ أي: استقر له السلامة من العيوب والنقائص؛ لأنه الرب العلي العظيم المالك للأشياء الذي بيده أزمة الأمور نقضًا وإبرامًا.\n﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: لا يجليها لوقتها إلا هو ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: فيجازي كلًّا بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.\n_________\n(^١) الشاهد فيه: ويعْبَد، وقد استشهد به الطبري.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بمعناه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) حكاه البخاري (الصحيح، التفسير، سورة الزخرف بعد حديث رقم ٤٨١٩).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.","vol":"6","page":588},{"text":"<span id=\"aya-4411\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأوثان ﴿الشَّفَاعَةَ﴾ أي: لا يقدرون على الشفاعة لهم ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ هذا استثناء منقطع؛ أي: لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له.\n\n<span id=\"aya-4412\"></span>ثم قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره ﴿مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: هم يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعها وحده لا شريك له في ذلك، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك شيئًا ولا يقدر على شيء، فهم في ذلك في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقل. ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4413\"></span>وقوله: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ أي: وقال محمد ﷺ، قيله؛ أي: شكا إلى ربه شكواه من قومه الذين كذبوه فقال: يا ربِّ إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، كما أخبر تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان] وهذا الذي قلناه هو قول ابن مسعود ﵁ ومجاهد وقتادة (^١)، وعليه فسر ابن جرير.\nقال البخاري: وقرأ عبد الله يعني ابن مسعود ﵁: (وقال الرسول يا رب) (^٢).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ قال [فأبر الله] (^٣) قول محمد ﷺ (^٤). وقال قتادة: هو قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه ﷿ (^٥).\nثم حكى ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ﴾ قراءتين إحداهما النصب، ولها توجيهان:\nأحدهما: أنه معطوف على قوله ﵎: ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠].\nوالثاني: أن يقدر فعل وقال قيله، والثانية الخفض وقيله عطفًا على قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ وتقديره: وعلم قيله (^٦).\n\n<span id=\"aya-4414\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ أي: المشركين ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي: لا تجاوبهم بمثل ما يخاطبونك به من الكلام السيء، ولكن تألفهم واصفح عنهم فعلًا وقولًا: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هذا تهديد من الله تعالى لهم، ولهذا أحلّ بهم بأسه الذي لا يرد وأعلى دينه وكلمته، وشرع بعد ذلك الجهاد والجلاد حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب.\nآخر تفسير سورة الزخرف، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) قول مجاهد تقدم في الرواية السابقة، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.\n(^٢) أخرجه البخاري تعليقًا (الصحيح، التفسير، سورة الزخرف بعد حديث ٤٨١٩) ووصله الحافظ ابن حجر بسنده إلى علقمة عن ابن مسعود ﵁ (تغليق التعليق ٤/ ٣٠٨).\n(^٣) كذا في تفسير آدم بن أبي إياس والطبري عن مجاهد، وفي الأصل صحف إلى: \"ما يراه\".\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) تقدم قبل رواية البخاري.\n(^٦) ذكره الطبري بمعناه.","vol":"6","page":589},{"text":"<span data-type='title' id=toc-167>سُورَةُ الدُّخَانِ وهي مكية</span>\nقال الترمذي: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن عمر بن أبي خثعم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك\" ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمر بن أبي خثعم يضعَّف، قال البخاري: منكر الحديث (^١).\nثم قال: حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحباب، عن هشام أبي المقدام، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غفر له\" ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام أبو المقدام يُضعَّف، والحسن لم يسمع من أبي هريرة ﵁، كذا قال أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد (^٢).\nوفي مسند البزار من رواية أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن زيد بن حارثة أن رسول الله ﷺ قال لابن صياد: \"إني قد خبأت خبأ فما هو؟ \" وخبأ له رسول الله ﷺ سورة الدخان، فقال: هو الدخ. فقال: \"اخسأ ما شاء الله كان\" ثم انصرف (^٣).\n\n<span id=\"aya-4415\"></span>\n\n<span id=\"aya-4416\"></span>\n\n<span id=\"aya-4417\"></span>﷽\n﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن القرآن العظيم أنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر كما قال تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه ونقده (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل حم الدخان ح ٢٨٨٨)، وسنده ضعيف لضعف عمر بن أبي خثعم، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٤٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه ونقده (المصدر السابق ح ٢٨٨٩) وسنده ضعيف كما قرر الترمذي، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٤٧).\n(^٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٣٣٩٩)، وأخرجه الطبراني من طريق زياد بن الحسن بن الفرات عن أبي الطفيل (المعجم الكبير ٥/ ٨٨ ح ٤٦٦٦) وفي سنده زياد بن الحسن بن الفرات وهو صدوق يخطئ (التقريب ص ٢١٩) ولد شاهد في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ سيأتي تخريجه في الآية (١٠) من هذه السورة الكريمة.","vol":"6","page":590},{"text":"﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر]، وكان ذلك في شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقد ذكرنا في الأحاديث الواردة في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة (^١) فقد أبعد النجعة، فإن نصَّ القرآن أنها في رمضان، والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى\" (^٢). فهو حديث مرسل ومثله لا يعارض به النصوص.\nوقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ أي: معلمين الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعًا لتقوم حجة الله على عباده.\n\n<span id=\"aya-4418\"></span>\n\n<span id=\"aya-4419\"></span>\n\n<span id=\"aya-4420\"></span>وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد من السلف (^٣).\nوقوله: ﴿حَكِيمٍ﴾ أي: محكم لا يبدل ولا يغير، ولهذا قال: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: جميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ أي: إلى الناس رسولًا يتلو عليهم آيات الله مبينات فإن الحاجة كانت ماسة إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾\n\n<span id=\"aya-4421\"></span>﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: الذي أنزل القرآن هو رب السماوات والأرض وخالقها ومالكها وما فيها ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي: إن كنتم متحققين\n\n<span id=\"aya-4422\"></span>ثم قال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٨].\n\n<span id=\"aya-4423\"></span>﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾.\nيقول تعالى: بل هؤلاء المشركون في شك يلعبون؛ أي: قد جاءهم الحق اليقين وهم يشكون فيه ويمترون ولا يصدقون به،\n\n<span id=\"aya-4424\"></span>\n\n<span id=\"aya-4425\"></span>ثم قال تعالى متوعدًا لهم ومهددًا: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾.\nقال سليمان بن مهران الأعمش: عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق قال: دخلنا المسجد؛ يعني: مسجد الكوفة عند أبواب كندة، فإذا رجل يقص على أصحابه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند فيه النضر بن إسماعيل البجلي ليس بالقوي.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق آدم بن أبي إياس عن الليث به، وسنده ضعيف لإرساله.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سلمة عن أبي مالك، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"6","page":591},{"text":"بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ تدرون ما ذلك الدخان؟ ذلك دخان يأتي يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام، قال: فأتينا ابن مسعود ﵁، فذكرنا له ذلك وكان مضطجعًا، ففزع فقعد وقال: إن الله ﷿ قال لنبيكم ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص] إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم سأحدثكم عن ذلك، إن قريشًا لما أبطأت عن الإسلام واستعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان، وفي رواية فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد.\nقال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ فأتى رسول الله ﷺ فقيل: يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى ﷺ لهم فسقوا فنزلت ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ قال ابن مسعود ﵁: فيكشف عنهم العذاب يوم القيامة فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل الله ﷿: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ قال: يعني يوم بدر، قال ابن مسعود ﵁: فقد مضى خمسة: الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام (^١)، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين ورواه الإمام أحمد في مسنده، وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيريهما، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق متعددة عن الأعمش به (^٢)، وقد وافق ابن مسعود ﵁ على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى: جماعة من السلف كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي (^٣)، وهو اختيار ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد الرحمن الأعرج في قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قال: كان يوم فتح مكة (^٤)، وهذا القول غريب جدًّا بل منكر.\nوقال آخرون: لم يمض الدخان بعد بل هو من أمارات الساعة كما تقدم من حديث أبي سريحة حذيفة بن أُسيد الغفاري ﵁، قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من عرفة ونحن نتذاكر الساعة فقال ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان والدابة وخروج يأجوج ومأجوج وخروج عيسى ابن مريم والدجال وثلاث خسوف: خسف\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من طريق الأعمش به مختصرًا على الشطر الأخير في سطر (الصحيح، التفسير، سورة الدخان، باب ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ح ٤٨٢٠)، وأخرجه مسلم من طريق أبي الضحى به كاملًا بنحوه (الصحيح، صفات المنافقين، باب الدخان ح ٢٧٩٨).\n(^٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الدخان (ح ٣٢٥٤)، والسنن الكبرى، التفسير (ح ١١٤٨١) وتفسير الطبري.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن أبي العالية، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٤) سنده ضعيف لإرساله وما قيل في ابن لهيعة.","vol":"6","page":592},{"text":"بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس -أو تحشر الناس- تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا\". تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه (^١)، وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لابن صياد: \"إني خبأت لك خبأ\" قال: هو الدخ، قال ﷺ: \"اخسأ فلن تعدو قدرك\" قال: وخبأ له رسول الله ﷺ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ وهذا فيه إشعار بأنه من المنتظر المرتقب، وابن صياد: كاشف على طريقة الكهان بلسان الجان، وهم يقرطمون العبارة، ولهذا قال هو الدخ؛ يعني: الدخان، فعندها عرف رسول الله ﷺ مادته وأنها شيطانية فقال ﷺ: \"اخسأ فلن تعدو قدرك\" (^٢).\nثم قال ابن جرير: وحدثني عصام بن رواد بن الجراح، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن أبي سعيد الثوري، حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول الآيات الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان -قال حذيفة ﵁ يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ - يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره\".\nقال ابن جرير: لو صح هذا الحديث لكان فاصلًا وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني، حدثني أنه سأل روادًا عن هذا الحديث هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا، قال: فقلت: أقرأته عليه؟ قال: لا، قال: فقلت: أقرئ عليه وأنت حاضر فأقر به؟ فقال: لا، فقلت له: فمن أين جئت به؟ فقال: جاءني به قوم فعرضوه عليَّ، وقالوا لي: اسمعه منا، فقرءوه عليَّ، ثم ذهبوا به فحدثوا به عني أو كما قال (^٣)، وقد أجاد ابن جرير في هذا الحديث ههنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابن جرير من سياقه في أماكن من هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدًّا، ولا سيما في أول سورة بني إسرائيل في ذكر المسجد الأقصى، والله أعلم.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن ربكم أنذركم ثلاثًا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة والثالثة الدجال\" (^٤). ورواه الطبراني عن هاشم بن\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الفتن، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (ح ٢٩٠١).\n(^٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب كيف يعرض الإسلام على الصبي؟ (ح ٣٠٥٥) وصحيح مسلم، الفتن، باب ذكر ابن صياد (ح ٢٩٣٠).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ونقده، وعليه فسنده ضعيف.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن محمد بن إسماعيل بن عياش لم يسمع من أبيه. (التقريب ص ٤٦٨) ولمعظمه شواهد تقدمت في الصحيحين.","vol":"6","page":593},{"text":"يزيد، عن محمد بن إسماعيل بن عياش به (^١) وهذا إسناد جيد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خليل، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن فيأخذه الزكمة، وأما الكافر فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه\". ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري ﵁ موقوفًا (^٢)، وروى سعيد بن عوف، عن الحسن مثله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: لم تمض آية الدخان بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام وتنفخ الكافر حتى ينفذ (^٣).\nوروى ابن جرير من حديث الوليد بن جميع، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن [البيلماني] (^٤)، عن ابن عمر ﵄ قال: يخرج الدخان فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ويدخل مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالرأس الحنيذ؛ أي: المشوي على الرضف (^٥) (^٦).\nثم قال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلتُ: لِمَ؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق فما نمت حتى أصبحت (^٧). وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي يزيد، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس فذكره، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما التي أوردوها مما فيه مقنع، ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن.\nقال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ أي: بين واضح يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود ﵁ إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ أي يتغشاهم ويعمهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيم﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ\n_________\n(^١) المعجم الكبير ٣/ ٢٩٢.\n(^٢) سنده ضعيف لأن الحسن لم يسمع من أبي سعيد الخدري.\n(^٣) سنده ضعيف لضعف الحارث وهو الهمداني الأعور وقد كذبه الشعبي كما في التقريب.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صُحف إلى: \"السلماني\".\n(^٥) أي: الحجارة المحماة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن البيلماني.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح وأخرجه الحاكم من طريق ابن جريج به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٥٩).","vol":"6","page":594},{"text":"يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾ [الطور] أو يقول بعضهم لبعض ذلك.\n\n<span id=\"aya-4426\"></span>\n\n<span id=\"aya-4427\"></span>\n\n<span id=\"aya-4428\"></span>وقوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ أي: يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾ [الأنعام] وكذا قوله: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ [إبراهيم]. وهكذا قال ههنا: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾ يقول: كيف لهم بالتذكر وقد أرسلنا إليهم رسولًا بين الرسالة والنذارة، ومع هذا تولوا عنه وما وافقوه بل كذبوه ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ الآية [الفجر: ٢٣] وكقوله ﷿: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾ [سبأ].\n\n<span id=\"aya-4429\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ يحتمل معنيين:\n(أحدهما): أنه يقول تعالى ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا، لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ [المؤمنون] وكقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].\nو(الثاني): أن يكون المراد إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلًا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم، وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم كقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]. ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم بل كان قد انعقد سببه عليهم، ولا يلزم أيضًا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه، قال الله تعالى إخبارًا عن شعيب ﵇ أنه قال لقومه حين قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ٨٨، ٨٩] وشعيب ﵇ لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم.\nوقال قتادة: إنكم عائدون إلى عذاب الله (^١).\n\n<span id=\"aya-4430\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ فسر ذلك ابن مسعود ﵁ بيوم بدر، وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدخان بما تقدم (^٢)، وروي أيضًا عن ابن عباس من رواية العوفي عنه وعن أُبي بن كعب، وهو محتمل، والظاهر أن ذلك يوم القيامة وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضًا.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) تقدم تخريجه في أول تفسير هذه الآيات المفسَّرة.","vol":"6","page":595},{"text":"قال ابن جرير: حدثني ابن علية، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر وأنا أقول هي يوم القيامة (^١)، وهذا إسناد صحيح عنه وبه يقول الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه (^٢).\n\n<span id=\"aya-4431\"></span>﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣)﴾.\nيقول تعالى: ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون وهم قبط مصر ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني: موسى كليمه ﵊\n\n<span id=\"aya-4432\"></span>﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ كقوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧].\nوقوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ أي: مأمون على ما أبلغكموه.\n\n<span id=\"aya-4433\"></span>وقوله: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: لا تستكبروا عن اتباع آياته والانقياد لحججه والإيمان ببراهينه كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\n﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بحجة ظاهرة واضحة وهي ما أرسله الله تعالى به من الآيات البينات والأدلة القاطعات.\n\n<span id=\"aya-4434\"></span>﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠)﴾ قال ابن عباس وأبو صالح: هو الرجم باللسان (^٣) وهو الشتم.\nوقال قتادة: الرجم بالحجارة (^٤) أي: أعوذ بالله الذي خلقني وخلقكم من أن تصلوا إلي بسوء من قول أو فعل.\n\n<span id=\"aya-4435\"></span>\n\n<span id=\"aya-4436\"></span>\n\n<span id=\"aya-4437\"></span>﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾ أي: فلا تتعرضوا لي ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا، فلما طال مقامه ﷺ بين أظهرهم وأقام حجج الله تعالى عليهم. كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرًا وعنادًا، دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن البصري.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"6","page":596},{"text":"وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٨، ٨٩] وهكذا قال ههنا: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾ فعند ذلك أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه ولهذا قال: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ [طه].\n\n<span id=\"aya-4438\"></span>وقوله ههنا: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾ وذلك أن موسى ﵊ لما جاوز هو وبنو إسرائيل البحر، أراد موسى أن يضربه بعصاه حتى يعود كما كان، ليصير حائلًا بينهم وبين فرعون فلا يصل إليهم، فأمره الله تعالى أن يتركه على حاله ساكنًا وبشره بأنهم جند مغرقون فيه وأنه لا يخاف دركًا ولا يخشى.\nوقال ابن عباس: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ كهيئته وامضه (^١).\nوقال مجاهد: رهوًا طريقًا يبسًا كهيئته (^٢). يقول: لا تأمره يرجع اتركه حتى يرجع آخرهم، وكذا قال عكرمة والربيع بن أنس والضحاك وقتادة وابن زيد، وكعب الأحبار وسماك بن حرب وغير واحد (^٣).\n\n<span id=\"aya-4439\"></span>\n\n<span id=\"aya-4440\"></span>ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ﴾ وهي البساتين ﴿وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ﴾ والمراد بها الأنهار والآبار ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ وهي المساكن الأنيقة والأماكن الحسنة.\nوقال مجاهد وسعيد بن جبير: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ المنابر (^٤).\nوقال ابن لهيعة: عن وهب بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو قال: نيل مصر سيد الأنهار سخر الله تعالى له كل نهر بين المشرق والمغرب وذلله له، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله ﵎ له الأرض عيونًا، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله جل وعلا أوحى الله تعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره (^٥). وقال في قول الله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا (^٦) مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧)﴾ قال: كانت الجنان بحافتي هذا النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعًا، ما بين أسوان إلى رشيد، وكان له تسع خُلُج: خليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهى متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، وزروع ما بين الجبلين\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"سمتًا\". اهـ. أي: طريقًا.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) قول عكرمة وسماك أخرجه الطبري بسند حسن من طريق شعبة عن سماك عن عكرمة، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.\n(^٤) أخرجه البستي بسند حسن من طريق إسماعيل بن أُمية عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق سالم الأفطس عن سعيد بن جبير.\n(^٥) في سنده عبد الله بن وهب فيه مقال وفيه تدليس لم يقبل إلا إذا صرح بالسماع وقد عنعنه.\n(^٦) في الأصل و(مح) و(حم): بلفظ: \"فأخرجناهم\". اهـ. وهو خلط مع سورة الشعراء آية ٥٧.","vol":"6","page":597},{"text":"كله من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء، وكانت جميع أرض مصر تروى من ستة عشر ذراعًا لما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها (^١).\n\n<span id=\"aya-4441\"></span>\n\n<span id=\"aya-4442\"></span>﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧)﴾ أي: عيشة كانوا يتفكهون فيها فيأكلون ما شاؤوا ويلبسون ما أحبوا مع الأموال والجاهات والحكم في البلاد، فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة وفارقوا الدنيا وصاروا إلى جهنم وبئس المصير، واستولى على البلاد المصرية وتلك الحواصل الفرعونية والممالك القبطية بنو إسرائيل كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء]. وقال في موضع آخر: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ [الأعراف].\nوقال ههنا: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ وهم بنو إسرائيل كما تقدم.\n\n<span id=\"aya-4443\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها فقدتهم، فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم.\nقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا أحمد بن إسحاق البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني يزيد الرقاشي، حدثني أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه\". وتلا هذه الآية ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ وذكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملًا صالحًا يبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم (^٢). ورواه ابن أبي حاتم من حديث موسى بن عبيدة وهو الربذي (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثني يحيى بن طلحة، حدثني عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ. ألا لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض\" ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ثم قال: \"إنهما لا يبكيان على الكافر\" (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد يعني الزبيري، حدثنا العلاء بن صالح، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله قال: سأل رجل عليًّا ﵁ هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال له: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من قبلك، إنه ليس من\n_________\n(^١) الخبر تتمة لسابقه.\n(^٢) مسند أبي يعلى ٧/ ١٦٠ وسنده ضعيف لضعف موسى والرقاشي.\n(^٣) سنده كسابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله، ومطلعه له شواهد صحيحة.","vol":"6","page":598},{"text":"عبد إلا له مصلى في الأرض ومصعد عمله من السماء. وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا عمل يصعد في السماء ثم قرأ علي ﵁ ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾ (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريم، حدثنا طلق بن [غنام] (^٢)، عن زائدة، عن منصور، عن منهال، عن سعيد بن جبير قال: أتى ابن عباس رجل فقال: يا أبا العباس أرأيت قول الله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾ فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه ففقده بكى عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض (^٣)، وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا (^٤).\nوقال سفيان الثوري: عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان يقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحًا (^٥)، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد، وقال مجاهد أيضًا: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا (^٦)، قال: قلت له: أتبكي الأرض؟ فقال: أتعجب وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟ وقال قتادة: كانوا أهون على الله من أن تبكي عليهم السماء والأرض (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد السلام بن عاصم، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا المستورد بن سابق، عن عبيد المكتب، عن إبراهيم قال: ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على اثنين، قلت لعبيد: أَليس السماء والأرض تبكي على المؤمن؟ قال: ذاك مقامه حيث يصعد عمله. قال: وتدري ما بكاء السماء؟ قلت: لا. قال: تحمر وتصير وردة كالدهان، إن يحيى بن زكريا ﵊ لما قتل احمرت السماء وقطرت دمًا، وإن الحسين بن علي لما قتل احمرت السماء (^٨).\nوحدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو زنيج، حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل الحسين بن علي ﵄ احمرت آفاق السماء أربعة أشهر، قال يزيد:\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف عباد بن عبد الله وهو الأسدي الكوفي (التقريب ص ٢٩٠).\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحف إلى: \"غشام\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق الفضيل بن عياض عن منصور به.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق العوفي به وسنده ضعيف ويتقوى بسابقه.\n(^٥) سنده ضعيف لأن أبا يحيى القتات لين الحديث (التقريب ص ٦٨٤).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات من طريق منصور عن مجاهد لكنه مرسل.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد والطبري.\n(^٨) سنده ضعيف لإرسال إبراهيم.","vol":"6","page":599},{"text":"واحمرارها: بكاؤها (^١)، وهكذا قال السدي الكبير (^٢)، وقال عطاء الخراساني: بكاؤها أن تحمر أطرافها (^٣). وذكروا أيضًا في مقتل الحسين أنه ما قلب حجر يومئذٍ إلا وجد تحته دم عبيط، وأنه كسفت الشمس واحمر الأفق وسقطت حجارة، وفي كل من ذلك نظر، والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم ليعظموا الأمر ولا شك أنه عظيم، ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحسين ﵁ ولم يقع شيء مما ذكروه، فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب وهو أفضل منه بالإجماع، ولم يقع شيء من ذلك، وعثمان بن عفان قتل محصورًا مظلومًا ولم يكن شيء من ذلك. وعمر بن الخطاب ﵁ قتل في المحراب في صلاة الصبح، وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك ولم يكن شيء من ذلك. وهذا رسول الله ﷺ، وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة، يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه. ويوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ خسفت الشمس فقال الناس: خسفت لموت إبراهيم! فصلى بهم رسول الله ﷺ صلاة الكسوف وخطبهم وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته (^٤).\n\n<span id=\"aya-4444\"></span>\n\n<span id=\"aya-4445\"></span>وقوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ يمتن عليهم تعالى بذلك حيث أنقذهم مما كانوا فيه من إهانة فرعون وإذلاله لهم، وتسخيره إياهم في الأعمال المهينة الشاقة.\nوقوله: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا﴾ أي: مستكبرًا جبارًا عنيدًا كقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤] وقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] من المسرفين؛ أي: مسرفًا في أمره سخيف الرأي على نفسه.\n\n<span id=\"aya-4446\"></span>وقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢)﴾ قال مجاهد: ﴿اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ على من هم بين ظهريه (^٥).\nوقال قتادة: اختيروا على أهل زمانهم ذلك، وكان يقال: إن لكل زمان عالمًا (^٦)، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] أي: أهل زمانه ذلك كقوله لمريم ﵍: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] أي: في زمنها فإن خديجة ﵂ إما أفضل منها أو مساوية لها في الفضل، وكذا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة ﵂ على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.\n\n<span id=\"aya-4447\"></span>وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ﴾ أي: الحجج والبراهين وخوارق العادات ﴿مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ أي: اختبار ظاهر جلي لمن اهتدى به.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد (التقريب ص ٦٠١).\n(^٢) أخرجه الطبري روايته لهذا المتن غير مقبولة لأن السدي يتشيع.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء، وسنده ضعيف لإرسال عطاء.\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. (صحيح البخاري، الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس ح ١٠٤٣) وصحيح مسلم، الكسوف، باب ذكر النداء بصلاة الكسوف (ح ٩١٥).\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"6","page":600},{"text":"<span id=\"aya-4448\"></span>\n\n<span id=\"aya-4449\"></span>\n\n<span id=\"aya-4450\"></span>﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد وأنه ما ثم إلا هذه الحياة الدنيا ولا حياة بعد الممات ولا بعث ولا نشور، ويحتجّون بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا، فإن كان البعث حقًّا ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾ وهذه حجة باطلة وشبه فاسدة، فإن المعاد إنما هو يوم القيامة لا في الدار الدنيا بل بعد انقضائها وذهابها وفراغها، يعيد الله العالمين خلقًا جديدًا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودًا، يوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا.\n\n<span id=\"aya-4451\"></span>ثم قال تعالى متهددًا لهم ومتوعدًا ومنذرًا لهم بأسه الذي لا يُردّ كما حلَّ بأشباههم ونظرائهم من المشركين المنكرين للبعث كقوم تُبَّع، وهم سبأ، حيث أهلكهم الله وخرَّب بلادهم وشردهم في البلاد، وفرقهم شذر مذر، كما تقدم ذلك في سورة سبأ، وهي مصدَّرة بإنكار المشركين للمعاد، وكذلك ههنا شبههم بأولئك وقد كانوا عربًا من قحطان، كما أن هؤلاء عرب من عدنان، وقد كانت حِمير وهم: سبأ كلما ملك فيهم رجل سموهُ تُبَّعًا، كما يقال: كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك مصر كافرًا، والنجاشي لمن ملك الحبشة وغير ذلك من أعلام الأجناس.\nولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند، واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه، واتسعت مملكته وبلاده، وكثرت رعاياه وهو الذي مصَّرَ الحيرة (^١)، فاتفق أنه مرَّ بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار، وجعلوا يقرونه بالليل فاستحيا منهم وكفَّ عنهم، واستصحب معه حبرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة، فإنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان، فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة، فنهياه عن ذلك أيضًا وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناء إبراهيم الخليل ﵊، وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، فعظمها وطاف بها وكساها الملاء والوصائل والحبر، ثم كرَّ راجعًا إلى اليمن ودعا أهلها إلى التهود معه، وكان إذ ذاك دين موسى ﵊ فيه من يكون من الهداية قبل بعثة المسيح ﵊، فتهَوَّد معه عامة أهل اليمن.\nوقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه السيرة (^٢)، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا ومما لم نذكر. وذكر أنه ملك دمشق وأنه كان إذا استعرض الخيل صفّت له من دمشق إلى اليمن. ثم ساق من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"حيَّر الحيرة\".\n(^٢) ينظر سيرة ابن هشام ١/ ١٩.","vol":"6","page":601},{"text":"قال: \"ما أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا؟ ولا أدري تُبَّع لعينًا كان أم لا؟ ولا أدري ذو القرنين نبيًّا كان أم ملكًا؟ \" (^١) وقال غيره: \"عزير أكان نبيًّا أم لا؟ \" (^٢) وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن حماد الظهراني عن عبد الرزاق. قال الدارقطني: تفرد به عبد الرزاق، ثم روى ابن عساكر من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعًا: \"عزير لا أدري أنبيًّا أم لا؟ ولا أدري ألُعِنَ تُبَّعًا أم لا؟ \" (^٣) ثم أورد ما جاء في النهي عن سبه ولعنته كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وكأنه والله أعلم كان كافرًا ثم أسلم وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح ﵇، وحجَّ البيت في زمن الجُرهميّين، وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبر ونحر عنده ستة آلاف بدنة وعظمه وأكرمه. ثم عاد إلى اليمن.\nوقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة مطولة مبسوطة عن أُبي بن كعب، وعبد الله بن سلام وعبد الله بن عباس ﵃ وكعب الأحبار وإليه المرجع في ذلك كلِّه، وإلى عبد الله بن سلام أيضًا وهو أثبت وأكبر وأعلم. وكذا روى قصته وهب بن منبه ومحمد بن إسحاق في السيرة كما هو مشهور فيها. وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة تُبَّع هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل، فإن تُبَّعًا هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه على يديه، ثم لما توفي عادوا بعده إلى عبادة النيران والأصنام، فعاقبهم الله تعالى كما ذكره في سورة سبأ، وقد بسطنا قصتهم هنالك ولله الحمد والمنة.\nوقال سعيد بن جبير: كسا تُبَّع الكعبة، وكان سعيد ينهى عن سبِّه (^٤)، وتُبَّع هذا هو تُبَّع الأوسط، واسمه: أسعد أبو كريب بن ملكيكرب اليماني (^٥)، ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمائة سنة وستًّا وعشرين سنة، ولم يكن في حِمير أطول مدة منه، وتوفي قبل مبعث رسول الله ﷺ بنحو من سبعمائة سنة. وذكروا أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مهاجر نبي في آخر الزمان اسمه أحمد، قال في ذلك شعرًا واستودعه عند أهل المدينة، فكانوا يتوارثونه ويروونه خلفًا عن سلف، وكان ممن يحفظه أبو أيوب خالد بن زيد الذي نزل رسول الله ﷺ في داره وهو:\nشهدت على أحمد أنه … رسول من الله باري النسم\nفلو مدَّ عمري إلى عمرْ … لكنت وزيرًا له وابن عمٍّ\nوجاهدت بالسيف أعداءه … وفرجت عن صدره كل غمِّ\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٦) وصدره صححه ابن عبد البر (جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٥٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود من طريق عبد الرزاق به (السنن، السنة، باب في التخيير بين الأنبياء ح ٤٦٧٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٠٨).\n(^٣) يشهد له ما رواه أبو داود في الحديث السابق.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن تميم بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير وفيه تميم بن عبد الرحمن ذكره البخاري وابن أبي حاتم وسكتا عنه (الجرح والتعديل ٢/ ٤٤٢).\n(^٥) ينظر جمهرة أنساب العرب ص ٤٣٨.","vol":"6","page":602},{"text":"وذكر ابن أبي الدنيا أنه حفر قبر بصنعاء في الإسلام فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين، وعند رؤوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: \"هذا قبر حُبي ولميس\"، وروي حبي وتماضر ابنتي تُبَّع، ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله ولا تشركان به شيئًا، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. وقد ذكرنا في سورة سبأ شعرًا في ذلك أيضًا.\nقال قتادة: ذُكر لنا أن كعبًا كان يقول في تُبَّع نُعِتَ نَعتَ الرجل الصالح: ذمَّ الله تعالى قومه ولم يذمه. قال: وكانت عائشة ﵂ تقول: لا تسبوا تُبَّعًا فإنه قد كان رجلًا صالحًا (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن أبي زرعة - يعني: عمرو بن جابر الحضرمي، قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسبوا تُبَّعًا فإنه قد كان أسلم\" (^٢).\nورواه الإمام أحمد في مسنده عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة به (^٣).\nوقال الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بزّة، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"لا تسبُّوا تُبَّعًا فإنه قد أسلم\" (^٤).\nوقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا معمر، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أدري تُبَّع نبيًّا كان أم غير نبي\" (^٥) وتقدم بهذا السند من رواية ابن أبي حاتم كما أورده ابن عساكر: \"لا أدري تُبَّع كان لعينًا أم لا\" فالله أعلم ورواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى المدني، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا (^٦). وقال عبد الرزاق: أخبرنا عمران أبو الهذيل، أخبرني تميم بن عبد الرحمن قال: قال عطاء بن أبي رباح لا تسبُّوا تُبَّعًا فإن رسول الله ﷺ نهى عن سبه (^٧).\n\n<span id=\"aya-4452\"></span>\n\n<span id=\"aya-4453\"></span>﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عدله وتنزيهه نفسه عن اللعب والعبث والباطل كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص] وقال تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق قتادة به، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع عائشة ﵂ وقول عائشة له شاهد يأتي في رواية الإمام أحمد وعبد الرزاق فقد روي من عدة طرق.\n(^٢) سيأتي تخريجه في الروايتين التاليتين.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد عن حسن بن موسى به، وقال محققوه: حسن لغيره (المسند ٣٧/ ٥١٩ ح ٢٢٨٨٠).\n(^٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٢٩٦ ح ٦٠١٣) قال الهيثمي: فيه أحمد بن أبي بزَّة ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. (مجمع الزوائد ٨/ ٧٦)، ولا يضر إذ يشهد له سابقه.\n(^٥) تقدم تخريجه وصحته قبل عدة روايات.\n(^٦) تقدم تخريجه وصحته قبل عدة روايات.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويتقوى بما سبق.","vol":"6","page":603},{"text":"﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون].\n\n<span id=\"aya-4454\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾ وهو يوم القيامة يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق، فيعذب الكافرين ويثيب المؤمنين.\nوقوله: ﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: يجمعهم كلهم أولهم وآخرهم\n\n<span id=\"aya-4455\"></span>﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ أي: لا ينفع قريب قريبًا كقوله ﷾: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون] وكقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١٠، ١١] أي: لا يسأل أخًا له عن حاله وهو يراه عيانًا.\nوقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا ينصر القريب قريبه ولا يأتيه نصره من خارج،\n\n<span id=\"aya-4456\"></span>ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ أي: لا ينفع يومئذٍ إلا رحمة الله ﷿ بخلقه ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي: هو عزيز ذو رحمة واسعة.\n\n<span id=\"aya-4457\"></span>\n\n<span id=\"aya-4458\"></span>﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عما يعذب به الكافرين الجاحدين للقائه: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ الأثيم أي: في قوله وفعله، وهو الكافر، وذكر غير واحد أنه أبو جهل (^١)، ولا شك في دخوله في هذا الآية، ولكن ليست خاصة به.\nقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلًا ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ فقال: طعام اليتيم، فقال أبو الدرداء ﵁: قل: إن شجرة الزقوم طعام الفاجر (^٢)؛ أي: ليس له طعام من غيرها.\nقال مجاهد: ولو وقعت قطرة منها في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معيشتهم (^٣)، وقد تقدم نحوه مرفوعًا.\n\n<span id=\"aya-4459\"></span>\n\n<span id=\"aya-4460\"></span>وقوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ قالوا: كعكر الزيت ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ أي: من حرارتها ورداءتها.\n\n<span id=\"aya-4461\"></span>وقوله: ﴿خُذُوهُ﴾ أي: الكافر، وقد ورد أنه تعالى إذا قال للزبانية خذوه، ابتدرَه سبعون ألفًا منهم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٥١).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس، وأبو يحيى هو القتات لين الحديث كما في التقريب، وله شاهد مرفوع يقوي تقدم ذكره.","vol":"6","page":604},{"text":"وقوله: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: سوقوه سحبًا ودفعًا في ظهره.\nقال مجاهد: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: خذوه فادفعوه (^١).\nوقال الفرزدق:\nليس الكرام بناحليك أياهم … حتى تُردَّ إلى عطيَّة تُعتَلُ (^٢)\n﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ أي: وسطها\n\n<span id=\"aya-4462\"></span>﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾ كقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ [الحج] وقد تقدم أن الملك يضربه بمقمعة من حديد، فتفتح دماغه ثم يصب الحميم على رأسه فينزل في بدنه، فيسلت ما في بطنه من أمعائه حتى تمرق من كعبيه، أعاذنا الله تعالى من ذلك.\n\n<span id=\"aya-4463\"></span>وقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ أي: قولوا له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: أي: لست بعزيز ولا كريم (^٣).\nوقد قال الأموي في مغازيه: حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة قال: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل - لعنه الله - فقال: \"إن الله تعالى أمرني أن أقول لك ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ [القيامة] \" قال: فنزع ثوبه من يده وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء، ولقد علمت أني أمنع أهل البطحاء وأنا العزيز الكريم، قال: فقتله الله يوم بدر وأذله وعَيَّره بكلمته وأنزل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4464\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)﴾ [الطور] ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾.\n\n<span id=\"aya-4465\"></span>﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾.\nلما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر السعداء ولهذا سمي القرآن مثاني، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: لله في الدنيا ﴿فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ أي: في الآخرة وهو الجنة، قد أمنوا فيها من الموت والخروج، ومن كل هم وحزن وجزع وتعب ونصب، ومن الشيطان وكيده وسائر الآفات والمصائب\n\n<span id=\"aya-4466\"></span>﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢)﴾ وهذا في مقابل ما أولئك فيه من شجرة الزقوم وشرب الحميم،\n\n<span id=\"aya-4467\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ﴾ وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) ديوان الفرزدق ٢/ ٧٢٢ واستشهد به الطبري.\n(^٣) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس ﵁.\n(^٤) سنده ضعيف جدًا لأن أبا بكر الهذلي متروك (التقريب ص ٦٢٥).","vol":"6","page":605},{"text":"وهو ما فيه بريق ولمعان وذلك كالريش وما يلبس على أعالي القماش ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: على السرر لا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره.\n\n<span id=\"aya-4468\"></span>وقوله: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)﴾ أي: هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحسان الحور العين اللاتي ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ [الرحمن] ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن].\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نوح بن حبيب، حدثنا نصر بن مزاحم العطار، حدثنا عمر بن سعد، عن رجل، عن أنس ﵁ رفعه نوح قال: لو أن حوراء بزقت في بحر لجيّ لعذب ذلك الماء لعذوبة ريقها (^١).\n\n<span id=\"aya-4469\"></span>وقوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾ أي: مهما طلبوا من أنواع الثمار أحضر لهم وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه بل يحضر إليهم كلما أرادوا.\n\n<span id=\"aya-4470\"></span>\n\n<span id=\"aya-4471\"></span>وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ هذا استثناء يؤكد النفي فإنه استثناء منقطع، ومعناه أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدًا كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم يذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، وبا أهل النار خلود فلا موت\" (^٢). وقد تقدم الحديث في سورة مريم عليها الصلاة والسلام.\nوقال عبد الرزاق: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي مسلم الأغر، عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقال لأهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا\" (^٣). رواه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به (^٤). هكذا يقول أبو إسحاق، وأهل العراق يقولون: أبومسلم الأغر، وأهل المدينة يقولون: أبو عبد الله الأغر.\nوقال أبو بكر بن أبي داود السجستاني: حدثنا أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج هو ابن حجاج، عن [قتادة] (^٥)، عن عبيد الله بن عمرو، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من اتقى الله دخل الجنة ينعم فيها ولا يبأس ويحيا فيها فلا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه\" (^٦).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا سليم بن عبد الله الرقي، حدثنا مصعب بن إبراهيم، حدثنا عمران بن الربيع الكوفي، عن يحيى بن\n_________\n(^١) سنده ضعيف لجهالة الراوي عن أنس ﵁.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة مريم آية ٣٩.\n(^٣) سنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب في دوام نعيم أهل الجنة (ح ٢٨٣٧).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: \"عبادة\".\n(^٦) يشهد له سابقه في صحيح مسلم.","vol":"6","page":606},{"text":"سعيد الأنصاري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁ قال: سئل نبي الله ﷺ: أينام أهل الجنة؟ فقال ﷺ: \"النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون\" (^١). وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره، حدثنا أحمد بن القاسم بن صدقة المصري، حدثنا المقدام بن داود، حدثنا عبد الله بن المغيرة، حدثنا سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون\" (^٢).\nوقال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن يعقوب، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁ قال: قيل يا رسول الله: هل ينام أهل الجنة؟ قال ﷺ: \"لا، النوم أخو الموت\"، ثم قال: لا نعلم أحدًا أسنده عن ابن المنكدر عن جابر ﵁ إلا الثوري ولا عن الثوري إلا الفريابي (^٣)، هكذا قال، وقد تقدم خلاف ذلك، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أي: مع هذا النعيم العظيم المقيم قد وقاهم وسلَّمهم ونجَّاهم وزحزحهم عن العذاب الأليم في دركات الجحيم، فحصل لهم المطلوب ونجاهم من المرهوب، ولهذا قال: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ أي: إنما كان هذا بفضله عليهم وإحسانه إليهم كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدًا لن يدخله عمله الجنة\" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ﷺ: \"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-4472\"></span>وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾ أي: إنما يسرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلًا واضحًا بينًا جليًا بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأعلاها ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتفهمون ويعلمون.\nثم لما كان مع هذا الوضوح والبيان من الناس من كفر وخالف وعاند قال الله تعالى لرسوله ﷺ مسليًا له وواعدًا له بالنصر، ومتوعدًا لمن كذبه بالعطب والهلاك.\n\n<span id=\"aya-4473\"></span>﴿فَارْتَقِبْ﴾ أي: انتظر ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ أي: فسيعلمون لمن تكون النصرة والظفر وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة، فإنها لك يا محمد ولإخوانك من النبيين والمرسلين ومن اتبعكم من المؤمنين كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر].\nآخر تفسير سورة الدخان، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الأوسط ١/ ٥٠٢ ح ٩٢٣) ونسبه الهيثمي إلى الطبراني في الأوسط والبزار وقال ورجال البزار رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٤١٥) وصححه السيوطي في الدر المنثور، والألباني بطرقه (السلسلة الصحيحة ح ١٠٨٧).\n(^٢) في سنده عبد الله بن محمد بن المغيرة ضعفه العقيلي (الضعفاء الكبير ٢/ ٣٠١)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٥/ ١٥٨) وقد تابعه محمد بن يوسف الفريابي كما في الرواية التالية:\n(^٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٣٥١٧) وحكمه كما في الرواية قبل السابقة.\n(^٤) صحيح البخاري، الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل (ح ٦٤٦٧).","vol":"6","page":607},{"text":"<span data-type='title' id=toc-168>سُورَةُ الجَاثِيَةِ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-4474\"></span>\n\n<span id=\"aya-4475\"></span>\n\n<span id=\"aya-4476\"></span>\n\n<span id=\"aya-4477\"></span>\n\n<span id=\"aya-4478\"></span>﷽\n﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾.\nيرشد تعالى خلقه إلى التفكر في آلائه ونعمه، وقدرته العظيمة التي خلق بها السماوات والأرض، وما فيها من المخلوقات المختلفة والأجناس، والأنواع من الملائكة والجن والإنس والدواب والطيور والوحوش والسباع والحشرات، وما في البحر من الأصناف المتنوعة، واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وما أنزل الله ﵎ من السحاب من المطر في وقت الحاجة إليه، وسماه رزقًا لأنه به يحصل الرزق ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء.\nوقوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أي: جنوبًا وشمالًا ودبورًا وصبًا، برية وبحرية، ليلية ونهارية. ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو للقاح، ومنها ما هو غذاء للأرواح ومنها ما هو عقيم لا ينتج، وقال أولًا: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم يوقنون ثم يعقلون وهو ترقِّ من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى، وهذه الآيات شبيهة بآية البقرة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة].\nوقد أورد ابن أبي حاتم ههنا عن وهب بن منبه أثرًا طويلًا غريبًا في خلق الإنسان من الأخلاط الأربعة.\n\n<span id=\"aya-4479\"></span>﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن بما فيه من الحجج والبينات ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾","vol":"6","page":608},{"text":"أي: متضمنة الحق من الحق، فإذا كانوا لا يؤمنون بها ولا ينقادون لها فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟\n\n<span id=\"aya-4480\"></span>\n\n<span id=\"aya-4481\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧)﴾ أي: أفاك في قوله، كذاب حلاف مهين أثيم في فعله وقلبه كافر بآيات الله ولهذا قال: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ أي تُقرأ عليه ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ أي: على كفره وجحوده استكبارًا وعنادًا ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ أي: كأنه ما سمعها ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي فأخبره أن له عند الله تعالى يوم القيامة عذابًا أليمًا موجعًا.\n\n<span id=\"aya-4482\"></span>﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ أي: إذا حفظ شيئًا من القرآن كفر به واتخذه سخريًا وهزوًا ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: في مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به، ولهذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (^١).\n\n<span id=\"aya-4483\"></span>ثم فسَّر العذاب الحاصل له يوم معاده فقال: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: كل من اتصف بذلك سيصيرون إلى جهنم يوم القيامة ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا﴾ أي: لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم الآلهة التي عبدوها من دون الله شيئًا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾\n\n<span id=\"aya-4484\"></span>ثم قال ﵎: ﴿هَذَا هُدًى﴾ يعني: القرآن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وهو المقلق الموجع.\n\n<span id=\"aya-4485\"></span>﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾.\nيذكر تعالى نعمه على عبيده فيما سخر لهم من البحر ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ وهي السفن فيه بأمره تعالى، فإنه هو الذي أمر البحر بحملها.\n﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: في المتاجر والمكاسب ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: على حصول المنافع المجلوبة من الأقاليم النائية القصية،\n\n<span id=\"aya-4486\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: من الكواكب والجبال والبحار والأنهار، وجميع ما تنتفعون به؛ أي: الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه ولهذا قال: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ أي: من عنده وحده لا شريك له في ذلك، كما قال ﵎: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل].\nوروى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ كل شيء هو من الله. وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه، فذلك جميعًا منه ولا ينازعه فيه المنازعون، واستيقن أنه كذلك (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإمارة، باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم (ح ١٨٦٩).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.","vol":"6","page":609},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفريابي، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي أراكة قال: سأل رجل عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ممَّ خلق الخلق؟ قال: من النور والنار والظلمة والثرى. قال: وائت ابن عباس فاسأله، فأتاه فقال له مثل ذلك، فقال: ارجع إليه فسله مما خلق ذلك كله، فرجع إليه فسأله فتلا ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (^١). هذا أثر غريب وفيه نكارة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4487\"></span>\n\n<span id=\"aya-4488\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ أي: ليصفحوا عنهم ويتحملوا الأذى منهم وكان هذا في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب ليكون ذلك كالتأليف لهم، ثم لما أصرُّوا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد. هكذا روي عن ابن عباس وقتادة (^٢).\nوقال مجاهد: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ لا ينالون نعم الله تعالى (^٣).\nوقوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: إذا صفحوا عنهم في الدنيا فإن الله ﷿ مجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾ أي: تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم عليه، فيجزيكم خيرها وشرها.\n\n<span id=\"aya-4489\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾.\nيذكر تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل من إنزال الكتب عليهم وإرسال الرسل إليهم وجعله الملك فيهم، ولهذا قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: من المآكل والمشارب ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: في زمانهم\n\n<span id=\"aya-4490\"></span>\n\n<span id=\"aya-4491\"></span>﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي: حججًا وبراهين وأدلة قاطعات، فقامت عليهم الحجج ثم اختلفوا بعد ذلك من بعد قيام الحجة، وإنما كان ذلك بغيًا منهم على بعضهم بعضًا ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: سيفصل بينهم بحكمه العدل، وهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم وأن تقصد منهجهم، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ أي: اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين، وقال ههنا: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ\n_________\n(^١) أبو أراكه لم أقف على ترجمته، وضعف متنه الحافظ ابن كثير، وأخرجه عبد الرزاق من طريق حميد الأعرج أن رجلًا جاء إلى عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"6","page":610},{"text":"الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾\n\n<span id=\"aya-4492\"></span>﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: وماذا تغني عنهم ولايتهم لبعضهم فإنهم لا يزيدونهم إلا خسارًا ودمارًا وهلاكًا.\n﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وهو تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات،\n\n<span id=\"aya-4493\"></span>ثم قال: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ يعني: القرآن ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4494\"></span>﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾.\nيقول تعالى: لا يستوي المؤمنون والكافرون كما قال: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر] وقال ﵎: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ أي: عملوها وكسبوها ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ أي: نساويهم بهم في الدنيا والآخرة ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ساء ما ظنوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة وفي هذه الدار.\nقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا مؤمل بن إهاب، حدثنا [مكبر] (^١) بن عثمان التنوخي، حدثنا الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مرثد الباجي، عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: إن الله تعالى بنى دينه على أربعة أركان، فمن صبر عليهنَّ ولم يعمل بهنَّ لقي الله من الفاسقين، قيل: وما هن يا أبا ذرّ؟ قال: يسلم حلال الله لله، وحرام الله لله، وأمر الله لله، ونهي الله لله لا يؤتمن عليهن إلا الله.\nقال أبو القاسم ﷺ: \"كما أنه لا يجتنى من الشوك العنب كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار\" (^٢). هذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أنهم وجدوا حجرًا بمكة في أسِّ الكعبة مكتوب عليه: تعملون السيئات وترجون الحسنات أجل كما يجنى من الشوك العنب (^٣).\nوقد روى الطبراني من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن مسروق أن تميمًا الداري قام ليلة حتى أصبح يردِّد هذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) كذا في (مح) ولسان الميزان، وفي الأصل صحف إلى: \"بكير\".\n(^٢) أخرجه ابن حبان من طريق مكبر بن عثمان به (المجروحين ٣/ ٤١) وسنده ضعيف لضعف مكبر بن عثمان التنوخي قال ابن حبان منكر الحديث جدًا (ينظر لسان الميزان ٦/ ٨٥).\n(^٣) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ١٩٦).\n(^٤) المعجم الكبير ٢/ ٥٠ وأخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام من طريق هشيم عن حصين عن أبي الضحى به فضائل القرآن ص ٧٩ رقم ١٨٢، وهذان الطريقان يقوي أحدهما الآخر، إذا سمع مسروق تميمًا الداري.","vol":"6","page":611},{"text":"ولهذا قال [تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-4495\"></span>وقال] (^١): ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4496\"></span>ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: إنما يأتمر بهواه، فما رآه حسنًا فعله وما رآه قبيحًا تركه، وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين، عن مالك فيما روي عنه من التفسير لا يهوي شيئًا إلا عبده.\nوقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ يحتمل قولين:\nأحدهما: وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك، والآخر وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه.\nوالثاني: يستلزم الأول ولا ينعكس.\n﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ أي: فلا يسمع ما ينفعه ولا يعي شيئًا يهتدي به ولا يرى حجة يستضيء بها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ [الأعراف].\n\n<span id=\"aya-4497\"></span>﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾\nيخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي: ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون المعاد، وتقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية (^٢) المنكرون للصانع، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول ولهذا قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: يتوهمون ويتخيلون فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح وأبو داود والنسائي من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول تعالى يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب ليله ونهاره\" (^٣) وفي رواية: \"لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر\" وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جدًا فقال: حدثنا أبو كريب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"كان أهل الجاهلية يقولون إنما\n_________\n(^١) زيادة من (مح).\n(^٢) أي: الذين يقولون بالدور والتسلسل وهو اعتقاد باطل.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، سورة الجاثية (ح ٤٨٢٦) وصحيح مسلم، الألفاظ من الأدب، باب النهي عن سب الدهر (ح ٢٢٤٦)، وسنن أبي داود، الأدب، باب في الرجل يسب الدهر (ح ٥٢٧٤)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ١١٦٨٧).","vol":"6","page":612},{"text":"يهلكنا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا يميتنا ويحيينا، فقال الله تعالى في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ \" ويسبون الدهر فقال الله ﷿: \"يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار\" (^١)، وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن منصور، عن شريح بن النعمان، عن ابن عيينة مثله. ثم روى عن يونس، عن ابن وهب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله تعالى: يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار\" وأخرجه صاحبا الصحيح والنسائي من حديث يونس بن يزيد به (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق: عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ: قال \"يقول الله تعالى: استقرضت عبدي فلم يعطني وسبني عبدي، يقول وادهراه وأنا الدهر\" (^٣).\nقال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله ﷺ: \"لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر\" كانت العرب في جاهليتهم إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر، فينسبون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى فكأنهم إنما سبوا الله ﷿؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله تعالى هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد، والله أعلم، وقد غَلَط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدِّهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذًا من هذا الحديث.\n\n<span id=\"aya-4498\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: إذا استُدِلّ عليهم وبُيّن لهم الحق، وأن الله تعالى قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: أحيوهم إن كان ما تقولونه حقًا.\n\n<span id=\"aya-4499\"></span>قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أي: كما تشاهدون ذلك يخرجكم من العدم إلى الوجود ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] أي: الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: إنما يجمعكم إلى يوم القيامة لا يعيدكم في الدنيا حتى تقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾ [المرسلات]، ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ [هود] وقال ههنا: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك فيه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلهذا ينكرون المعاد ويستبعدون قيام الأجساد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج] أي: يرون وقوعه بعيدًا والمؤمنون يرون ذلك سهلًا قريبًا.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، واستغربه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) تقدم نحوه قبل الرواية السابقة مخرجة من الصحيحين والسنن الكبرى للنسائي.\n(^٣) أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤١٨).","vol":"6","page":613},{"text":"<span id=\"aya-4500\"></span>﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾.\nيخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض والحاكم فيهما في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ أي: يوم القيامة ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ وهم الكافرون بالله الجاحدون بما أنزله على رسله من الآيات البينات والدلائل الواضحات.\nوقال ابن أبي حاتم: قدم سفيان الثوري المدينة فسمع المعافري يتكلم ببعض ما يضحك به الناس، فقال له: يا شيخ أما علمت أن لله تعالى يومًا يخسر فيه المبطلون؟ قال: فما زالت تُعرف في المعافري حتى لحق بالله تعالى، ذكره ابن أبي حاتم (^١).\n\n<span id=\"aya-4501\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ أي: على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال إن هذا إذا جيء بجهنم فإنها تزفر زفرة، لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، حتى إبراهيم الخليل ﵊ ويقول: نفسي نفسي نفسي! لا أسألك اليوم إلا نفسي. وحتى إن عيسى ﵊ ليقول: لا أسألك إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني!\nقال مجاهد وكعب الأحبار والحسن البصري ﴿كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ أي: على الركب (^٢).\nوقال عكرمة: جاثية متميزة (^٣) على ناحيتها وليس على الركب، والأول أولى. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عبد الله بن باباه أن رسول الله ﷺ قال: \"كأني أراكم جاثين بالكوم (^٤) دون جهنم\" (^٥).\nوقال إسماعيل بن أبي رافع المدني، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا في حديث الصور: فيتميز الناس وتجثو الأمم (^٦)، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ وهذا فيه جمع بين القولين ولا منافاة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ يعني: كتاب أعمالها كقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩] ولهذا قال ﷾: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: تجازون بأعمالكم خيرها وشرها كقوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ [القيامة].\n\n<span id=\"aya-4502\"></span>ثم قال: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص\n_________\n(^١) سنده معلق لأن ابن أبي حاتم لم يدرك الثوري.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسنده صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.\n(^٤) الموضع المشرف، وأصل الكوم: من الارتفاع والعلو. (النهاية ٤/ ٢١٠).\n(^٥) سنده مرسل، وأخرجه البستي من طريق سفيان به. وسنده مرسل أيضًا.\n(^٦) تقدم حديث الصورة في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.","vol":"6","page":614},{"text":"كقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف].\nوقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم. قال ابن عباس وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابلون الملائكة في ديوان الأعمال على ما بأيدي الكتبة، مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر، مما كتبه الله في القِدَم على العباد قبل أن يخلقهم فلا يزيد حرفًا ولا ينقص حرفًا ثم قرأ ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-4503\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾.\nيخبر تعالى عن حكمه في خلقه يوم القيامة فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة وهي الخالصة الموافقة للشرع ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ وهي الجنة كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء (^٢). ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ أي: البين الواضح.\n\n<span id=\"aya-4504\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا، أما قرئت عليكم آيات الله تعالى فاستكبرتم عن اتباعها، وأعرضتم عن سماعها، وكنتم قومًا مجرمين في أفعالكم مع ما اشتملت عليه قلوبكم من التكذيب؟\n\n<span id=\"aya-4505\"></span>﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ أي: إذا قال لكم المؤمنون ذلك ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ أي: لا نعرفها ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ أي: إِن نتوهم وقوعها إِلا توهمًا؛ أي: مرجوحًا ولهذا قال: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أي: بمتحققين.\n\n<span id=\"aya-4506\"></span>قال الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ أي: وظهر لهم عقوبة أعمالهم السيئة ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أي: أحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: من العذاب والنكال\n\n<span id=\"aya-4507\"></span>﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾ أي: نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم ﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: فلم تعملوا له لأنكم لم تصدقوا به ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.\nوقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: \"ألم أزوجك؟ ألم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وأخرجه البستي بسند حسن من قول ابن عمر ﵄ بنحوه.\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ مطولًا (الصحيح، التفسير، سورة ق، باب ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] ح ٤٨٥٠).","vol":"6","page":615},{"text":"أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا ربِّ. فيقول أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني\" (^١).\n\n<span id=\"aya-4508\"></span>\n\n<span id=\"aya-4509\"></span>قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أي: إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حجج الله عليكم سخريًا تسخرون وتستهزؤن بها ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: خدعتكم فاطمأننتم إليها فأصبحتم من الخاسرين، ولهذا قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ أي: من النار ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يطلب منهم العتبى بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب كما تدخل طائفة من المؤمنين الجنة بغير عذاب ولا حساب ثم لما ذكر تعالى حكمه في المؤمنين والكافرين، قال: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾ أي: المالك لهما وما فيهما. ولهذا قال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4510\"></span>ثم قال: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مجاهد: يعني السلطان؛ أي: هو العظيم الممجد الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه.\nوقد ورد في الحديث الصحيح: \"يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدًا منهما أسكنته ناري\" ورواه مسلم من حديث الأعمش، عن أبي إِسحاق، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄، عن رسول الله ﷺ بنحوه (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: الذي لا يغالب ولا يمانع ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره تعالى وتقدس لا إله إلا هو.\nآخر تفسير سورة الجاثية، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٥١.\n(^٢) صحيح مسلم، البر والصلة، باب تحريم الكبر (ح ٢٦٢٠).","vol":"6","page":616},{"text":"<span data-type='title' id=toc-169>سُورَةُ الأحْقَافِ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-4511\"></span>\n\n<span id=\"aya-4512\"></span>﷽\n﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾.\nيخبر تعالى أنه أنزل الكتاب على عبده ورسوله محمد صلوات الله عليه دائمًا إِلى يوم الدين، ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال،\n\n<span id=\"aya-4513\"></span>ثم قال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: لا على وجه العبث والباطل ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: وإِلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أي: لاهون عما يراد بهم، وقد أنزل الله تعالى إليهم كتابًا وأرسل إِليهم رسولًا، وهم معرضون عن ذلك كله؛ أي: وسيعلمون غب ذلك.\n\n<span id=\"aya-4514\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ولا شرك لهم في السماوات ولا في الأرض وما يملكون من قطمير، إن الملك والتصرف كله إلا لله ﷿، فكيف تعبدون معه غيره وتشركون به؟ من أرشدكم إلى هذا؟ من دعاكم إليه؟ أهو أمركم به؟ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أي: هاتوا كتابًا من كتب الله المُنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأمركم بعبادة هذه الأصنام ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: دليل بينٍ على هذا المسلك الذي سلكتموه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: لا دليل لكم لا نقليًا ولا عقليًا على ذلك، ولهذا قرأ آخرون: \"أو أثارة أثرة من علم\"؛ أي: أو علم صحيح تؤثرونه عن أحد ممن قبلكم، كما قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أو أحد يأثر علمًا (^١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: أو بينة من الأمر (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.","vol":"6","page":617},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عباس قال سفيان: لا أعلم إلا عن النبي ﷺ، أو أثرة (^١) من علم، قال: الخط (^٢).\nوقال أبو بكر بن عياش: أو بقية من علم (^٣).\nوقال الحسن البصري: أو أثارة شيء يستخرجه فيثيره (^٤).\nوقال ابن عباس ومجاهد وأبو بكر بن عياش أيضًا: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ يعني: الخط (^٥).\nوقال قتادة: أو أثارة من علم خاصة من علم (^٦).\nوكل هذه الأقوال متقاربة. وهي راجعة إلى ما قلناه وهو اختيار ابن جرير ﵀ وأكرمه وأحسن مثواه (^٧).\n\n<span id=\"aya-4515\"></span>وقوله ﵎: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ أي: لا أضلّ ممن يدعو من دون الله أصنامًا، ويطلب ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش؛ لأنها جماد حجارة صمّ.\n\n<span id=\"aya-4516\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم] أي: سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم. وقال الخليل ﵊: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].\n\n<span id=\"aya-4517\"></span>﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين في كفرهم وعنادهم: أنهم إذا تتلى عليهم آيات الله بينات؛ أي: في حال بيانها ووضوحها وجلائها يقولون: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: سحر واضح وقد كذبوا وافتروا وضلوا وكفروا\n\n<span id=\"aya-4518\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعنون محمدًا ﷺ قال الله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي\n_________\n(^١) وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٤٩ ح ١٩٩٢) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري والحاكم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٥٤).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) رجح الطبري قول من قال: البقية من علم.","vol":"6","page":618},{"text":"مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لو كذبت عليه وزعمت أنه أرسلني، وليس كذلك لعاقبني أشد العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض لا أنتم ولا غيركم، أن يجيرني منه، كقوله ﵎: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾ [الجن: ٢٢، ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة] ولهذا قال ههنا: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ هذا تهديد ووعيد أكيد وترهيب شديد.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ترغيب لهم إلى التوبة والإنابة؛ أي: ومع هذا كلِّه إن رجعتم وتبتم تاب عليكم وعفا عنكم وغفر ورحم، وهذه الآية كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾.\n\n<span id=\"aya-4519\"></span>وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: لست بأول رسول طرق العالم بل قد جاءت الرسل من قبلي فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إليكم فإنه قد أرسل الله جل وعلا قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم.\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ما أنا بأول رسول (^١)، ولم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: نزل بعدها ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (^٢) [الفتح: ٢]. وهكذا قال عكرمة والحسن وقتادة: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قالوا: ولما نزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين: هذا قد بيَّن الله تعالى، ما هو فاعل بك يا رسول الله، فما هو فاعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الفتح: ٥] هكذا قال (^٣)، والذي هو ثابت في الصحيح أن المؤمنين قالوا: هنيئًا لك يا رسول الله فما لنا؟ فأنزل الله ﷾ هذه الآية (^٤).\nوقال الضحاك: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ أي: ما أدري بماذا أومر وبماذا أنهى بعد هذا (^٥)؟.\nوقال أبو بكر الهذلي: عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) هذا قول الحسن البصري وعكرمة وقد أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ومن قال بالنسخ أيضًا قتادة فقد أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث أنس ﵁ (صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الحديبية ح ٤١٧٢، وصحيح مسلم، الجهاد، باب صلح الحديبية ح ١٧٨٦).\n(^٥) لم أجد من أخرجه.","vol":"6","page":619},{"text":"قال: أما في الآخرة فمعاذ الله وقد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبلي؟ أم أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة (^١)؟ وهذا القول هو الذي عول عليه ابن جرير وأنه لا يجوز غيره، ولا شك أن هذا هو اللائق به ﷺ، فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى ماذا، أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم؟\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أُم العلاء، وهي امرأة من نسائهم أخبرته وكانت بايعت رسول الله ﷺ قالت: طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون ﵁ فاشتكى عثمان ﵁ عندنا فمرضناه، حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله ﷺ فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله ﷿ فقال رسول الله ﷺ: \"وما يدريك أن الله تعالى أكرمه\"؟ فقلت: لا أدري بأبي أنتَ وأمي، فقال رسول الله ﷺ: \"أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ﷺ ما يفعل بي\".\nقالت: والله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا، وأحزنني ذلك فنمت فرأيت لعثمان ﵁ عينًا تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ: \"ذاك عمله\" (^٢) فقد انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم (^٣)، وفي لفظ له \"ما أدري وأنا رسول الله ﷺ ما يفعل به\" (^٤) وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ بدليل قولها فأحزنني ذلك، وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا الذي نصَّ الشارع على تعيينهم كالعشرة وابن سلام والغُميصاء وبلال وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قُتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة وما أشبه هؤلاء ﵃ وقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي إِنما أتبع ما ينزله الله علي من الوحي ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بين النذارة، وأمري ظاهر لكل ذي لب وعقل.\n\n<span id=\"aya-4520\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ﴾ هذا القرآن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق أبي بكر الهذلي به وأطول، وسنده ضعيف جدًا. لأن الهذلي متروك.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٤٤٩، ٤٥٠ ح ٢٧٤٥٧) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب مقدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة (ح ٣٩٢٩).\n(^٤) صحيح البخاري، التعبير، باب رؤيا النساء (ح ٧٠٠٤).","vol":"6","page":620},{"text":"﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي: ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزل علي لأبلغكموه، وقد كفرتم به وكذبتموه. ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ أي: وقد شهدت بصدقه وصحته الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبلي، بشرت به وأخبرت بمثل ما أخبر هذا القرآن به.\nوقوله: ﴿فَآمَنَ﴾ أي: هذا الذي شهد بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيقته ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أنتم عن اتباعه.\nوقال مسروق: فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه وكفرتم أنتم بنبيكم وكتابكم (^١) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا الشاهد اسم جنس يعمُّ عبد الله بن سلام ﵁ وغيره، فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام ﵁، وهذا كقوله ﵎: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ [القصص] وقال: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ [الإسراء].\nقال مسروق والشعبي: ليس بعبد الله بن سلام، هذه الآية مكية، وإسلام عبد الله بن سلام ﵁ كان بالمدينة (^٢). رواه عنهما ابن جرير وابن أبي حاتم واختاره ابن جرير.\nوقال مالك: عن أبي النضر، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام ﵁، قال: وفيه نزلت ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (^٣). رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث مالك به (^٤)، كذا قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ويوسف بن عبد الله بن سلام وهلال بن يساف والسدي والثوري ومالك بن أنس، وابن زيد أنهم كلهم قالوا: إنه عبد الله بن سلام (^٥).\n\n<span id=\"aya-4521\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ أي: قالوا عن المؤمنين بالقرآن لو كان القرآن خيرًا ما سبقنا هؤلاء إليه، يعنون بلالًا وعمارًا وصهيبًا وخبابًا ﵃، وأشباههم وأضرابهم من المستضعفين والعبيد والإماء، وما ذاك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة وله بهم عناية. وقد غلطوا في ذلك غلطًا فاحشًا وأخطأوا خطأ بينًا كما قال\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الشعبي عن مسروق.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الشعبي عن مسروق، ورجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٣) سنده صحيح على شرط الشيخين.\n(^٤) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب مناقب عبد الله بن سلام ﵁ (ح ٣٨١٢)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن سلام ﵁ (ح ٢٤٨٣)، والسنن الكبرى للنسائي، فضائل الصحابة (ح ٨٢٥٢).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما سبق وبالآثار التالية: فقد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك وأخرجه البُستي بسند صحيح من طريق عبد الله بن عون عن الشعبي وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.","vol":"6","page":621},{"text":"﵎: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣] أي: يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا؟ ولهذا قالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وأما أهل السنة والجماعة، فيقولون: في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة ﵃ هو بدعة لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه؛ لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي: كذب قديم؛ أي: مأثور عن الناس الأقدمين فينتقصون القرآن وأهله، وهذا هو الكِبرْ الذي قال رسول الله ﷺ: \"بطر الحق وغمط الناس\" (^١).\n\n<span id=\"aya-4522\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ وهو التوراة ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ﴾ يعني القرآن ﴿مُصَدِّقٌ﴾ أي: لما قبله من الكتب ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ أي: فصيحًا بينًا واضحًا ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: مشتمل على النذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين\n\n<span id=\"aya-4523\"></span>قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ تقدم تفسيرها في \"حم السجدة\" (^٢) وقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلون ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفهم\n\n<span id=\"aya-4524\"></span>﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾ أي: الأعمال سبب لنيل الرحمة لهم وسبوغها عليهم.\n\n<span id=\"aya-4525\"></span>﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾.\nلما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيد له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه، عطف بالوصية بالوالدين كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقال ههنا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ أي: أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما.\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد ﵁ قال: قالت أُم سعد لسعد: أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين؟ فلا آكل طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى تكفر بالله تعالى، فامتنعت من الطعام والشراب حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا ونزلت هذه الآية ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ الآية (^٣). ورواه مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجه من حديث شعبة بإسناده نحوه وأطول منه (^٤).\n﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ أي: قاست بسببه في حمله مشقة وتعبًا من وحام وغثيان وثقل وكرب، إلى غير ذلك مما تنال الحوامل في التعب والمشقة، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أي: بمشقة أيضًا من الطلق وشدته ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٢.\n(^٢) أي: في سورة فصلت آية ٣٠.\n(^٣) مسند الطيالسي (ح ٢٠٨) وسنده صحيح.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة آية ٤٣.","vol":"6","page":622},{"text":"وقد استدل علي ﵁ بهذه الآية مع التي في لقمان ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [١٤] وقوله ﵎: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (^١) [البقرة: ٢٣٣] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وهو استنباط قوي وصحيح، ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ﵃.\nقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن يزيد بن عبيد الله بن قسيط، عن معمر بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان ﵁، فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها فقالت: وما يبكيك؟ فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط، فيقضي الله ﷾ في ما شاء، فلما أتى بها عثمان ﵁ أمر برجمها فبلغ ذلك عليًا ﵁: فأتاه فقال له ما تصنع، قال: ولدت تمامًا لستة أشهر، وهل يكون ذلك، فقال له علي ﵁: أما تقرأ القرآن: قال: بلى. قال: أما سمعت الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فلم نجده بقي إلا ستة أشهر قال: فقال عثمان ﵁ والله ما فطنت بهذا، عليّ بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها قال: فقال معمر: فوالله ما الغراب بالغراب ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه، فلما رآه أبوه قال: ابني والله لا أشك فيه. قال: وابتلاه الله تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة، فما زالت تأكله حتى مات، رواه ابن أبي حاتم، وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله ﷿: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ (^٢) [الزخرف: ٨١].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع أحد وعشرين شهرًا، وإذا وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرًا، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين لأن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (^٣).\n﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: قوي وشب وارتجل.\n﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي: تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه. ويقال: إنه لا يتغير غالبًا عما يكون عليه ابن الأربعين.\nقال أبو بكر بن عياش: عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قلت لمسروق: متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال: إذا بلغت الأربعين فخذ حذرك (^٤).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو عبد الله القواريري، حدثنا عزرة بن قيس الأزدي، وكان قد بلغ مائة سنة، حدثنا أبو الحسن السلولي عمر بن أوس قال: قال محمد بن عمرو بن عثمان، عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف الله تعالى حسابه، وإذا بلغ الستين سنة رزقه الله تعالى الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه الله تعالى في أهل بيته، وكتب في السماء أسير الله في\n_________\n(^١) جاءت هذه الآية قبل قول ابن إسحاق التالي.\n(^٢) وقد تقدم تخريج الأثر عند تفسير هذه الآية من سورة الزخرف.\n(^٣) سنده حسن.\n(^٤) سنده مرسل.","vol":"6","page":623},{"text":"أرضه\" (^١). وقد روي هذا من غير وجه، وهو في مسند الإمام أحمد (^٢).\nوقد قال الحجاج بن عبد الله الحكمي أحد أمراء بني أُمية بدمشق: تركت المعاصي والذنوب أربعين سنة حياء من الناس، ثم تركتها حياءً من الله ﷿.\nوما أحسن قول الشاعر:\nصبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه … فلما علاه قال للباطل: [ابعد] (^٣)\n﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي: ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ أي: في المستقبل ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أي: نسلي وعقبي ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله ﷿ ويعزم عليها، وقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد \"اللَّهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتممها علينا\" (^٤)\n\n<span id=\"aya-4526\"></span>قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ أي: هؤلاء المتصفون بما ذكرنا، التائبون إلى الله تعالى المنيبون إليه، المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم فيغفر لهم الكثير من الزلل ونتقبل منهم اليسير من العمل.\n﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ أي: هم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله كما وعد الله من تاب إليه وأناب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.\nقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ، عن الروح الأمين ﵊ قال: \"يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فيقتص بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسع الله تعالى له في الجنة\" قال: فدخلت على يزداد فحدث بمثل هذا قال: قلت فإن ذهبت الحسنة؟ قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ (^٥). وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن المعتمر بن سليمان بإسناده مثله وزاد عن الروح الأمين. قال: قال الرب جلَّ\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى في المسند الكبير كما صرح الهيثمي وأعله بعزرة بن قيس الأزدي لأنه ضعيف (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٠٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك ﵁ وقال محققوه: إسناده ضعيف جدًا (المسند ٢١/ ١٢ ح ١٣٢٧٩).\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"أبطل\".\n(^٤) أخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، باب التشهد ح ٩٦٩) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٨٥٥).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وتقدم تخريجه في تفسير سورة السجدة آية ١٧.","vol":"6","page":624},{"text":"جلاله: يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فذكره، وهو حديث غريب وإسناده جيد ولا بأس به (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن معبد، حدثنا عمرو بن عاصم الكلائي، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن يوسف بن سعد، عن محمد بن حاطب قال: ونزل في داري حيث ظهر علي ﵁ على أهل البصرة فقال له يومًا: لقد شهدت أمير المؤمنين عليًا ﵁، وعنده عمار وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر ﵃، فذكروا عثمان ﵁ فنالوا منه، فكان علي ﵁ على السرير ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم، فسألوه فقال علي ﵁: كان عثمان ﵁ من الذين قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ قال: والله عثمان وأصحاب عثمان ﵃، قالها ثلاثًا. قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب: آلله لسمعت هذا عن علي ﵁؟ قال: آلله لسمعت هذا عن علي ﵁ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4527\"></span>﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾.\nلما ذكر تعالى حال الداعين للوالدين البارّين بهما وما لهم عنده من الفوز، والنجاة، عطف بحال الأشقياء العاقّين للوالدين فقال: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه وكان من خيار أهل زمانه.\nوروى العوفي عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في ابن لأبي بكر الصديق (^٣) وفي صحة هذا نظر، والله تعالى أعلم.\nوقال ابن جريج، عن مجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر قاله ابن جريج (^٤).\nوقال آخرون: عبد الرحمن بن أبي بكر (^٥)، وهذا أيضًا قول السدي، وإنما هذا عام في كل من عقَّ والديه وكذب بالحق، فقال لوالديه: ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾ عقَّهما.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، أخبرني [عبد الله المديني] (^٦) قال: إني لفي المسجد حين\n_________\n(^١) سنده كسابقه.\n(^٢) سنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) أخرجه البُستي من طريق ابن جريج عن مجاهد، وسنده ضعيف لانقطاعه فإن ابن جريج لم يسمع من مجاهد.\n(^٥) أخرجه البُستي بسند حسن من قول عكرمة.\n(^٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض مكان كلمة المديني، وما نقله الحافظ ابن حجر من رواية =","vol":"6","page":625},{"text":"خطب مروان فقال: إن الله تعالى قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيًا حسنًا، وأن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: [أهرقلية] (^١)؟ إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه أف لكما؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذين لعن رسول الله ﷺ أباك؟ قال: وسمعتهما عائشة ﵂ فقالت: يا مروان أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟ كذبت ما فيه نزلت ولكن نزلت في فلان ابن فلان، ثم انتحب مروان ثم نزل عن المنبر، حتى أتى باب حجرتها، فجعل يكلمها حتى انصرف (^٢)، وقد رواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا (^٣)، فقال: خذوه (^٤)، فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلا أن الله تعالى أنزل عذري (^٥).\n(طريق أخرى) قال النسائي: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية ﵁ لابنه، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سُنَّة هِرَقل وقيصر! فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ الآية. فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب مروان والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان [فضض من لعنة الله] (^٦) (^٧).\nوقوله: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي: أبعث ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ أي: قد مضى الناس فلم يرجع منهم مخبر ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾ أي: يسألان الله فيه أن يهديه ويقولان لولدهما ﴿وَيْلَكَ آمِنْ\n_________\n= ابن أبي حاتم باسم: عبد الله المدني. (فتح الباري ٨/ ٥٧٧).\n(^١) كذا في (حم) و(مح) وفتح الباري ٨/ ٥٧٧، وفي الأصل صحف إلى: أهو قلته.\n(^٢) سنده ضعيف فإن عبد الله وهو البهي مولى مصعب بن الزبير يقال: اسم أبيه يسار: صدوق يخطئ كما في التقريب، وأصل القصة في الصحيح كما سيأتي ولكن ليس فيها ذكر اللعن.\n(^٣) قال الحافظ ابن حجر: قيل قال له: بيننا وبينكم ثلاث، مات رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ولم يعهدوا … والذي في رواية الإسماعيلي: فقال عبد الرحمن: ما هي إلا هرقلية. (فتح الباري ٨/ ٥٧٧).\n(^٤) القائل هو مروان ويريد بذلك إلقاء القبض على عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄.\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا. . .﴾ [الأحقاف: ١٧] ح ٤٨٢٧).\n(^٦) كذا في (مح) والسنن الكبرى للنسائي، وفي الأصل صحف إلى: \"يقتص من لعنه\"، وفي (حم) صحف إلى: \"بعض من لعنه الله\".\n(^٧) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير سورة الأحقاف، باب قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ﴾ [الأحقاف: ١٧] ح ١١٤٢٧)، وأخرجه الحاكم من طريق علي بن الحسين الدرهمي به وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: فيه انقطاع محمد لم يسمع من عائشة (المستدرك ٤/ ٤٨١).","vol":"6","page":626},{"text":"إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨)﴾ أي: دخلوا في زمرة أشباههم وأضرابهم، من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-4528\"></span>وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ بعد قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ﴾ دليل على ما ذكرناه من أنه جنس يعم كل من كان كذلك.\nوقال الحسن وقتادة: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه المكذب بالبعث (^١).\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة سهل بن داود من طريق هشام بن عمار، حدثنا حماد بن عبد الرحمن، حدثنا خالد بن الزبرقان الحلبي، عن سليم بن حبيب، عن أبي أُمامة الباهلي ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"أربعة لعنهم الله تعالى من فوق عرشه، وأمنت عليهم الملائكة: مضل المساكين\" قال خالد الذي يهوي بيده إلى المسكين فيقول: هلَّم أعطيك، فإذا جاءه قال: ليس معي شيء \"والذي يقول للمكفوف: اتق [الدابة] (^٢): وليس بين يديه شيء، والرجل يسأل عن دار القوم فيدلونه على غيرها، والذي يضرب الوالدين حتى يستغيثا\" (^٣). غريب جدًا.\n\n<span id=\"aya-4529\"></span>وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: لكل عذاب بحسب عمله ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ درجات النار تذهب سفالًا ودرجات الجنة تذهب علوًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-4530\"></span>وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا، وقد تورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن كثير من طيبات المآكل والمشارب. وتنزه عنها ويقول: إني أخاف أن أكون كالذين قال الله لهم وبخهم وقرعهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (^٥).\nوقال أبو مجلز: ليفقدن أقوام حسنات كانت لهم في الدنيا فيقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (^٦).\nوقوله: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ فجوزوا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف، وهو الأعرابي، عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) كذا في (مح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٣) ذكره ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق (١٠/ ٢٢١)، وأخرجه الطبراني من طريق هشام بن عمار به (المعجم الكبير ٨/ ١١٧ ح ٧٤٨٩) قال الهيثمي: حماد بن عبد الرحمن عن خالد بن الزبرقان كلاهما ضعيف (مجمع الزوائد ٤/ ٢٥١) وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر (العلل ٢/ ٤١٣).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق قتادة عن عمر بنحوه، وقتادة لم يسمع من عمر ﵁، وقد أخرجه الطبري والبستي بنحوه من طرق أخرى تقويه.\n(^٦) نسبه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.","vol":"6","page":627},{"text":"من جنس عملهم فكما متعوا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق وتعاطوا الفسق والمعاصي، جازاهم الله بعذاب الهون، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة والحسرات المتتابعة والمنازل في الدركات المفظعة، أجارنا الله ﷾ من ذلك.\n\n<span id=\"aya-4531\"></span>\n\n<span id=\"aya-4532\"></span>﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾.\nيقول تعالى مسليًا لنبيه ﷺ في تكذيب من كذب من قومه ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ وهو هود ﵊، بعثه الله إلى عاد الأولى وكانوا يسكنون الأحقاف، جمع حقف وهو الجبل من الرمل (^١)، قاله ابن زيد.\nوقال عكرمة: الأحقاف: الجبل والغار.\nوقال علي بن أبي طالب ﵁: الأحقاف وادٍ بحضرموت يدعى: برهوت تلقى فيه أرواح الكفار (^٢).\nوقال قتادة: ذكر لنا أن عادًا كانوا حيًا باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشحر (^٣).\nقال ابن ماجه: باب إذا دعا فليبدأ بنفسه. حدثنا الحسين بن علي الخلال، حدثنا أبي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"يرحمنا الله وأخا عاد\" (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني: وقد أرسل الله تعالى إلى من حول بلادهم في القرى مرسلين ومنذرين كقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] وكقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا (^٥) فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [فصلت: ١٣، ١٤] (^٦) أي: قال لهم هود ذلك فأجابه قومه قائلين ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ أي: لتصدنا عن آلهتنا ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الدعاء، باب إذا دعا أحدكم فليبدأ بنفسه ح ٣٨٥٢) وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (ح ٨٤٠).\n(^٥) كذا في (حم) وفي الأصل خطا بلفظ: \"تولوا\".\n(^٦) وقد جاء بعدها قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] وهو خلط بين الآية ١٣ في فصلت وبين الآية ٣ في سورة هود.","vol":"6","page":628},{"text":"استعجلوا عذاب الله وعقوبته استبعادًا منهم وقوعه كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨].\n\n<span id=\"aya-4533\"></span>﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: الله أعلم بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فسيفعل ذلك بكم وأما أنا فمن شأني أني أبلغكم ما أرسلت به ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أي: لا تعقلون ولا تفهمون.\n\n<span id=\"aya-4534\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي: لما رأوا العذاب مستقبلهم، اعتقدوا أنه عارض ممطر، ففرحوا واستبشروا به، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر.\nقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: هو العذاب الذي قلتم: فأْتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين\n\n<span id=\"aya-4535\"></span>﴿تُدَمِّرُ﴾ أي: تخرب ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ من بلادهم مما من شأنه الخراب ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ أي: بإذن الله لها في ذلك كقوله: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات] أي: كالشيء البالي ولهذا قال: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ أي: قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقية.\n﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: هذا حكمنا فيمن كذب رسلنا وخالف أمرنا.\nوقد ورد حديث في قصتهم وهو غريب جدًا من غرائب الحديث وأفراده. قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي قال: حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ، فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت بها المدينة، فإذا المسجد غاصٌّ بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال ﵁، متقلدًا السيف بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص ﵁ وجهًا قال: فجلست فدخل منزله، أو قال رحله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال ﷺ: \"هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ \" قلت: نعم، وكان لنا الدائرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك فها هي بالباب، فأذن لها فدخلت فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزًا فاجعل الدهناء فحميت العجوز واستوفزت وقالت: يا رسول الله فإلى أين يضطر مضطرك؟ قال: قلت إن مثلي ما قال الأول: معزى حملت حتفها (^١)، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال: \"وما وافد عاد؟ \" وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه، قلت: إن عادًا قحطوا فبعثوا وفدًا لهم يقال له قيل، فمرَّ بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة، فقال: اللَّهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير أفاديه، اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر. فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها، خذها رمادًا مددًا، لا تبقى من عاد أحدًا، قال: فلما\n_________\n(^١) هذا مثل معناه: لا تكن كالعنز تبحث عن المدية. (فصل المقال ص ٤٥٦).","vol":"6","page":629},{"text":"بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا قال أبو وائل: وصدق وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد (^١). ورواه الترمذي والنسائي (^٢) وابن ماجه كما تقدم في سورة الأعراف.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا ضاحكًا حتى رأيت منه لهوته إنما كان يبتسم وقالت: كان رسول الله ﷺ إِذا رأى غيمًا أو ريحًا عرف ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، فقال رسول الله ﷺ: \"يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب وقالوا: هذا عارض ممطرنا\" (^٣). وأخرجاه من حديث ابن وهب (^٤).\nطريق أخرى:\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: إِن رسول الله ﷺ كان إذا رأى ناشئًا في أفق من آفاق السماء ترك عمله وإِن كان في صلاته ثم يقول: \"اللهم إِني أعوذ بك من شر ما فيه\" فإِن كشفه الله تعالى حمد الله ﷿، وإِن أُمطر قال: \"اللَّهمَّ صيِّبًا نافعًا\" (^٥).\nطريق أخرى:\nقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر الطاهر، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت ابن جريج يحدثنا، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إِذا عصفت الريح قال: \"اللَّهمَّ إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به\" قالت: وإذا تخبلت (^٦) السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإِذا أمطرت سري عنه، فعرفت ذلك عائشة ﵂، فسألته فقال رسول الله ﷺ: \"لعله يا عائشة كما قال قوم عاد ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ \" (^٧) وقد ذكرنا قصة هلاك قوم عاد في سورة الأعراف وهود (^٨) بما أغنى عن إعادته هنا، ولله تعالى الحمد والمنة.\nوقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا إسماعيل بن زكريا الكوفي، حدثنا أبو مالك بن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ٣٠٦ - ٣٠٨، ح ١٥٩٥٤) وحسن سنده محققوه.\n(^٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الذاريات (ح ٣٢٧٤)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٨٦٠٧). وحكم سندهما كسابقهما.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٦٦) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا. . .﴾ [الأحقاف: ٢٤] (ح ٤٨٢٨)، وصحيح مسلم، صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم (ح ٨٩٩).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٢/ ٣٦٨ ح ٢٥٥٧٠) وصحح سنده محققوه.\n(^٦) أي: تهيأت للمطر.\n(^٧) صحيح مسلم، صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم … (ح ٨٩٩).\n(^٨) ينظر سورة الأعراف آية ٦٥ - ٧٢، وسورة هود آية ٥٠ - ٦٠.","vol":"6","page":630},{"text":"مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما فتح على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم، ثم أرسلت عليهم البدو إلى الحضر، فلما رآها أهل الحضر قالوا: هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتهم، وكان أهل البوادي فيها، فألقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا، قال: عتت على خزانها حتى خرجت من خلال الأبواب (^١).\n\n<span id=\"aya-4536\"></span>﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾.\nيقول تعالى: ولقد مكنا الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبًا منه، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: وأحاط بهم العذاب، والنكال الذي كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه؛ أي: فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم فيصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-4537\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ يعني: أهل مكة، وقد أهلك الله الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد، وكانوا بالأحقاف بحضرموت عند اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط كانوا يمرون بها أيضًا، وقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ أي: بيناها وأوضحناها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾\n\n<span id=\"aya-4538\"></span>﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ أي: فهل نصروهم عند احتياجهم إليهم. ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أي: بل ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ أي: كذبهم ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهة وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها واعتمادهم عليها.\n\n<span id=\"aya-4539\"></span>﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، سمعت عكرمة، عن الزبير، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ قال: بنخلة، ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة ﴿كَادُوا يَكُونُونَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ٤٢ ح ١٢٤١٦) سنده ضعيف لضعف الملائي كما في التقريب ومجمع الزوائد (٧/ ١١٣).","vol":"6","page":631},{"text":"عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] قال سفيان: ألبد بعضهم على بعض كاللبد بعضه على بعض (^١)، تفرد به أحمد، وسيأتي من رواية ابن جرير عن عكرمة، عن ابن عباس أنهم سبعة من جن نصيبين.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة (ح) وقال الإمام الشهير الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه دلائل النبوة: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل القاضي أخبرنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا مالكم، فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء.\nفانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إِلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة عامدًا إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك حين رجعوا إلى قومهم ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن] وأنزل الله على نبيه ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [لجن: ١] وإنما أوحي إليه قول الجن (^٢). رواه البخاري عن مسدد بنحوه (^٣)، وأخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ عن أبي عوانة به (^٤)، ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من حديث أبي عوانة (^٥).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الجن يستمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرًا، فيكون ما سمعوا حقًا وما زادوا باطلًا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبثَّ جنوده فإذا بالنبي ﷺ بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض (^٦)، ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما من حديث إسرائيل به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٧)، وهكذا رواه أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس أيضًا بمثل هذا السياق بطوله (^٨)، وهكذا قال الحسن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٦ ح ١٤٣٥) قال محققوه: حسن لغيره.\n(^٢) المسند ١/ ٢٥٢ ودلائل النبوة ٢/ ٢٢٥ وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، الأذان، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر (ح ٧٧٣).\n(^٤) صحيح مسلم، الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصحيح … (ح ٤٤٩).\n(^٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الجن (ح ٣٣٢٤) والسنن الكبرى، التفسير سورة الجن (ح ١١٥٦٠).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٨٣، ٢٨٤ ح ٢٤٨٢) وصحح سنده محققوه.\n(^٧) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الجن (ح ٣٣٢٤)، والسنن الكبرى، التفسير، سورة الجن (ح ١١٥٦٢).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.","vol":"6","page":632},{"text":"البصري إنه ﷺ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه بخبرهم (^١).\nوذكر محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان عن محمد بن كعب القرظي قصة خروج النبي ﷺ إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله ﷿ وإبائهم عليه، فذكر القصة بطولها وأورد ذلك الدعاء الحسن \"اللَّهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى صديق قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك، ولك العتبي حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك\".\nقال: فلما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل نصيبين (^٢)، وهذا صحيح، ولكن قوله: إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء كما دلَّ عليه حديث ابن عباس ﵄ المذكور، وخروجه ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره.\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن عاصم عن زرٍّ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن النخلة ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ قال: صه، وكانوا تسعة وأحدهم زوبعة، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ إلى ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^٣) فهذا مع الأول من رواية ابن عباس يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالًا: قومًا بعد قوم وفوجًا بعد فوج، كما ستأتي بذلك الأخبار في موضعها والآثار مما سنوردها ههنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\nفأما ما رواه البخاري ومسلم جميعًا عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن، قال: سمعت أبي يقول: سألت مسروقًا من آذن النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك يعني ابن مسعود أنه آذنته بهم شجرة (^٤)، فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتًا مقدمًا على نفي ابن عباس، ويحتمل أن يكون في المرة الأولى، ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة؛ أي: أعلمته باستماعهم، والله أعلم، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات، والله أعلم.\nقال الحافظ البيهقي: وهذا الذي حكاه ابن عباس ﵄ إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن الحسن البصري لكنه مرسل، ويتقوى بالروايات التالية.\n(^٢) أخرجه ابن إسحاق كما في السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٤٤٤) وسنده مرسل.\n(^٣) أخرجه الحاكم من طريق ابن أبي شيبة به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٥٦).\n(^٤) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب ذكر الجن (ح ٣٨٥٩)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح … (ح ٤٥٠/ ١٥٣).","vol":"6","page":633},{"text":"رسول الله ﷺ، وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله ﷿ كما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ (^١).\nذكر الرواية عنه بذلك.\nقال الإمام أحمد: حدثنا إِسماعيل بن إبراهيم، حدثنا داود، عن الشعبي وابن أبي زائدة، أخبرنا داود، عن الشعبي، عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود ﵁: هل صحب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا اغتيل؟ استطير (^٢)؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح - أو قال في السحر - إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله، فذكروا له الذي كانوا فيه فقال: \"إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم\" قال: فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم قال: قال الشعبي: سألوه الزاد، قال عامر: سألوه بمكة وكانوا من جِنِّ الجزيرة فقال: \"كل عظم ذكر اسم الله عليه أن يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم قال: فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن\" (^٣). وهكذا رواه مسلم في صحيحه عن علي بن حجر عن إسماعيل بن علية به نحوه (^٤).\nوقال مسلم أيضًا: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود وهو ابن أبي هند، عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود ﵁ شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود ﵁ فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب فقيل استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذ هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: \"أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن\". قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: \"كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم\" قال رسول الله ﷺ: \"فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم\" (^٥).\nطريق أخرى عن ابن مسعود ﵁.\nقال أبو جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمي، حدثني يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله قال: إن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"بِتُّ الليلةَ أقرأ على الجنِّ واقفًا بالحجون\" (^٦).\nطريق أخرى فيها أنه كان معه ليلة الجن.\n_________\n(^١) دلائل النبوة ٢/ ٢٢٧، وسيأتي تفصيل الروايات والحكم عليها.\n(^٢) أي: خُطف بسرعة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤٣٦) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح بعد حديث ٤٥٠/ ١٥٠.\n(^٥) المصدر السابق (ح ٤٥٠/ ١٥٠).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف لأن عبد الله بن عبد الله وهو ابن عتبة بن مسعود لم يسمع من ابن مسعود ﵁.","vol":"6","page":634},{"text":"قال ابن جرير ﵀: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي، وكان من أهل الشام قال: إن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه وهو بمكة: \"من أحبَّ منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل\" فلم يحضر منهم أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خطّ لي برجله خطًا ثم أمرني أن أجلس فيه ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن فغشيته أسودة (^١) كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب، ذاهبين حتى بقي منهم رهط، ففرغ رسول الله، مع الفجر، فانطلق فتبرّز، ثم أتاني فقال: \"ما فعل الرهط؟ \"، فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظمًا وروثًا زادًا، ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم. ورواه ابن جرير، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي زرعة وهب بن راشد، عن يونس بن يزيد الأيلي به (^٢).\nورواه البيهقي في الدلائل من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن يونس به (^٣)، وقد روى إسحاق بن راهويه عن جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁، فذكر نحو ما تقدم (^٤). ورواه الحافظ أبو نعيم من طريق موسى بن عبيدة، عن سعيد بن الحارث، عن أبي المعلى، عن ابن مسعود ﵁، فذكر نحوه أيضًا (^٥).\n[طريق أخرى:\nقال أبو نعيم: حدثنا أبو مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي قال: حدثنا عفان وعكرمة قالا: حدثنا معتمر قال: قال أبي: حدثني أبو تميمة عن عمرو، ولعله قد يكون قال البكالي يحدثه عمرو، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: استتبعني رسول الله ﷺ فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا، فخط لي خطًا فقال: \"كن بين ظهر هذه لا تخرج منها فإنك إن خرجت هلكت\" فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة] (^٦) (^٧).\nطريق أخرى:\nقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود ﵁: حُدثتُ أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن. قال: أجل، قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث وذكر أن النبي ﷺ\n_________\n(^١) أسودة: جمع قلة لسواد وهو الشخص.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنديه ومتنه، وفيه أبو عثمان بن سنة الخزاعي سئل عنه أبو زرعة فقال: لا أعرف اسمه (الجرح والتعديل ٩/ ٤٠٨)، وأخرجه النسائي من طريق ابن وهب به مختصرًا على آخره (السنن، الطهارة، باب النهي عن الاستطابة بالعظم ١/ ٣٧، وصحح سنده الألباني في صحيح سنن النسائي ح ٣٨).\n(^٣) دلائل النبوة ٢/ ٢٣٠ وسنده كسابقه وأخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن صالح به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٠٣).\n(^٤) في سنده قابوس فيه لين ويتقوى بما سبق.\n(^٥) أخرجه الطبراني من طريق موسى بن عبيدة به (المعجم الكبير ١٠/ ٨٠) وفيه موسى بن عبيدة وهو الربذي وهو ضعيف كما في التقريب، ويتقوى بما سبق.\n(^٦) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مطولًا (المسند ٦/ ٣٣٢ ح ٣٧٨٨) وضعف سنده محققوه.","vol":"6","page":635},{"text":"خط عليه خطًا وقال: \"لا تبرح منها\" فذكر مثل العجاجة (^١) السوداء فغشيت رسول الله ﷺ، فذعر ثلاث مرات حتى كان قريبًا من الصبح أتاني النبي ﷺ فقال: \"أنمت؟ \" فقلت: لا والله، ولقد هممت مرارًا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول: \"اجلسوا\" فقال ﷺ: \"لو خرجت لم آمن أن يتخطفك بعضهم\" ثم قال ﷺ: \"هل رأيت شيئًا؟ \" قلت: نعم رأيت رجالًا سودًا مستشعرين (^٢) ثيابًا بيضًا قال ﷺ: \"أولئك جن نصيبين سألوني المتاع - والمتاع الزاد - فمتعتهم بكل عظم حائل (^٣) أو بعرة أو روثة فقلت: يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم؟ فقال رسول الله ﷺ: إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل. ولا روثًا إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة\" (^٤).\nطريق أخرى:\nقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرحمن السملي وأبو نصر بن قتادة قال: أخبرنا أبو محمد بن يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا روح بن صلاح، حدثنا موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: استتبعني رسول الله ﷺ فقال: \"إن نفرًا من الجن خمسة عشر بني إخوة وبني عم يأتوني الليلة أقرأ عليهم القرآن\" فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فخطَّ لي خطًا وأجلسني فيه وقال لي: \"لا تخرج من هذا\" فبتُّ فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السحر في يده عظم حائل وروثة وحمة فقال: \"إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء\" قال: فلما أصبحت قلت: لأعلمن حيث كان رسول الله ﷺ قال: فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرًا (^٥).\nطريق أخرى:\nقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا عثمان بن عمر، عن المستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انطلقت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن حتى أتى الحجون، فخطَّ لي خطًا ثم تقدم إليهم، فازدحموا عليه فقال سيد لهم يقال له وردان: أنا أرحلهم عنك. فقال: إني لن يجيرني من الله أحد (^٦).\n_________\n(^١) العجاجة: واحدة العجاج، وهو الغبار أو الدخان.\n(^٢) مستشعرين: استشعر الثوب: لبسه شعارًا: والشعار هو ما يلي الجسد من الثياب لأنه يلي شعره.\n(^٣) أي: متغيِّر قد غيَّره البِلَى.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات إلا عبد الله بن عمرو بن غيلان ذكره البخاري في التاريخ الكبير وسكت عنه، وكذا سكت عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.\n(^٥) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (دلائل النبوة ٢/ ٢٣١) وفي سنده روح بن صلاح فيه مقال (لسان الميزان ٢/ ٥٣٩) وموسى بن علي بن رباح: صدوق ربما أخطأ كما في التقريب.\n(^٦) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (دلائل النبوة ٢/ ٢٣٢) وأبو الجوزاء لم يسمعه من ابن مسعود ولهذا قال البخاري: في إسناده نظر (ينظر: الكامل في الضعفاء لابن عدي ١/ ٤٠٢).","vol":"6","page":636},{"text":"طريق أخرى:\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان بن أبي فزارة العبسي، حدثنا أبو زيد مولى عمرو بن حريث، عن ابن مسعود ﵁ قال: لما كانت ليلة الجن قال لي النبي ﷺ: \"أمعك ماء؟ \" قلت: ليس معي ماء ولكن معي إِداوة فيها نبيذ فقال النبي ﷺ: \"تمرة طيبة وماء طهور\" (^١). رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث زيد به (^٢).\nطريق أخرى:\nقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس، عن عبد الله بن مسعود ﵃ قال: إنه كان مع رسول الله ﷺ ليلة الجن فقال رسول الله ﷺ: \"يا عبد الله أمعك ماء؟ \" قال: معي نبيذ في إداوة. قال ﷺ: \"اصبب عليّ\" فتوضأ. فقال النبي ﷺ: \"يا عبد الله شراب وطهور\". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقد أورده الدارقطني من طريق آخر عن ابن مسعود ﵁ (^٣).\nطريق أخرى:\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني أبي، عن ميناء، عن عبد الله ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن، فلما انصرف تنفس فقلت: ما شأنك؟ قال: \"نعيت إليَّ نفسي يا ابن مسعود\" هكذا رأيته في المسند مختصرًا (^٤)، وقد رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة فقال: حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وحدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الرزاق، عن أبيه، عن [ميناء عن ابن مسعود] (^٥) قال: قال رسول الله ﷺ: \"نعيت إليَّ نفسي يا ابن مسعود\" قلت: استخلف. قال: \"من؟ \" قلت: أبا بكر. قال: فسكت ثم مضى ساعة فتنفس فقلت: ما شأنك بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: \"نعيت إليَّ نفسي يا ابن مسعود\" قلت: استخلف. قال: \"من؟ \" قلت: عمر. فسكت ساعة ثم مضى ثم تنفس فقلت؟ ما شأنك؟ قال: \"نعيت إليَّ نفسي\" قلت: فاستخلف قال ﷺ \"من؟ \" قلت: علي بن أبي طالب ﵁. قال ﷺ: \"أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين\" (^٦). وهو حديث غريب جدًا وأحرى به أن لا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وزيادة كلمة في آخره: فتوضأ، وضعف سنده محققوه لجهالة أبي زيد (المسند ٧/ ٣٢٤ ح ٤٢٩٦).\n(^٢) سنن أبي داود، الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ (ح ٨٤)، وسنن الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في الوضوء (ح ٨٨)، وسنده كسابقه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٩٨) وسنده ضعيف لما قيل في ابن لهيعة، وأخرجه الدارقطني وأعله بابن لهيعة (السنن ١/ ٧٦، ٧٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حديث شبه موضوع (المسند ٧/ ٣٢٢ ح ٤٢٩٤) وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ونقله عنه ابن عراق في تنزيه الشريعة (١/ ٣٧٧) وعلته في ميناء وهو كذاب (مجمع الزوائد ٨/ ٣١٨).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: \"ماء بن مسعود\".\n(^٦) أخرجه الطبراني من طريق إسحاق بن إبراهيم به (المعجم الكبير ١٠/ ٨٢ ح ٩٩٧٠) وسنده كسابقه وعلته في ميناء.","vol":"6","page":637},{"text":"يكون محفوظًا، وبتقدير صحته فالظاهر أن هذا بعد وفودهم إليه بالمدينة على ما سنورده إن شاء الله تعالى، فإن في ذلك الوقت كان في آخر الأمر لما فتحت مكة ودخل الناس والجان أيضًا في دين الله أفواجًا نزلت سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر] وهي السورة التي نعيت نفسه الكريمة فيها إليه كما نصَّ على ذلك ابن عباس ﵄، ووافقه عمر بن الخطاب ﵁ عليه، وقد ورد في ذلك حديث سنورده إن شاء الله تعالى عند تفسيرها (^١)، والله أعلم وقد رواه أبو نعيم أيضًا عن [الطبري] (^٢)، عن محمد بن عبد الله الحضرمي، عن علي بن الحسين بن أبي بردة، عن يحيى بن [سعيد] (^٣) الأسلمي، عن حرب بن صبيح، عن سعيد بن سلمة، عن أبي مرة الصنعاني، عن أبي عبد الله الجدلي، عن ابن مسعود ﵁ … فذكره (^٤) وذكر فيه قصة الاستخلاف، وهذا إسناد غريب وسياق عجيب.\nطريق أخرى:\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ خطَّ حوله، فكان أحدهم مثل سواد النخل وقال: \"لا تبرح مكانك فأقرئهم كتاب الله\" فلما رأى المرعى قال: كأنهم هؤلاء وقال النبي ﷺ: \"أمعك ماء؟ \" قلت: لا. قال: \"أمعك نبيذ؟ \" قلت: نعم فتوضأ به (^٥).\nطريق أخرى مرسلة:\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ قال: هم اثنا عشر ألفًا جاؤوا من جزيرة الموصل، فقال النبي ﷺ لابن مسعود ﵁: \"أنظرني حتى آتيك\" وخطَّ عليه خطًا وقال: \"لا تبرح حتى آتيك\" فلما خشيهم ابن مسعود ﵁ كاد أن يذهب، فذكر قول رسول الله ﷺ فلم يبرح، فقال له النبي ﷺ: \"لو ذهبت ما التقينا إلى يوم القيامة\" (^٦).\nطريق أخرى مرسلة أيضًا:\nقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ قال: ذُكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى (^٧) وأن نبي الله ﷺ قال: \"إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني؟ \" فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل: يا رسول الله إن ذاك لذو ندبة، فأتبعه ابن مسعود ﵁ أخو هذيل، قال: فدخل النبي ﷺ شعبًا يقال\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في تفسير سورة النصر.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.\n(^٤) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٠/ ٨١ ح ٩٩٦٩) وسنده ضعيف لضعف يحيى الأسلمي قال البخاري: مضطرب الحديث (التاريخ الصغير ٢/ ٢٥٤) وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ٨/ ٣١٧).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤٥٥) وسنده صعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.\n(^٦) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني كما في التقريب، ولإرسال عكرمة لأنه لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٧) تقع في الشطر الشمالي من الموصل.","vol":"6","page":638},{"text":"له: شعب الحجون وخطَّ عليه، وخطَّ على ابن مسعود ﵁ خطًا ليثبته بذلك، قال: فجعلت أهال (^١) وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها، وسمعت لغطًا (^٢) شديدًا حتى خِفتُ على نبي الله ﷺ، ثم تلا القرآن فلما رجع رسول الله ﷺ قلت يا رسول الله: ما اللغط الذي سمعت؟ قال ﷺ: \"اختصموا في قتيل فقضي بينهم بالحق\" (^٣) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\nفهذه الطرق كلها تدل على أنه ﷺ ذهب إلى الجن قصدًا فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله ﷿ وشرع الله تعالى لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت، وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم، كما قال ابن عباس ﵄. ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود ﵁، وأما ابن مسعود ﵁ فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدًا منه ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي، وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ﷺ ابن مسعود ﵁ ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد، وهي عند مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى، والله أعلم، كما روى ابن أبي حاتم في تفسير ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين (^٤)، وتأوله البيهقي على أنه يقول فبتنا بشر ليلة بات بها قوم على غير ابن مسعود ﵁ ممن لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل على بعد، والله أعلم.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، حدثنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا عمرو بن يحيى، عن جده سعيد بن عمرو قال: كان أبو هريرة ﵁ يتبع رسول الله ﷺ بأداوة لوضوئه وحاجته، فأدركه يومًا فقال: \"من هذا؟ \" قال: أنا أبو هريرة. قال ﷺ: \"ائتني بأحجار أستنج بها ولا تأتني بعظم ولا روثة فأتيته بأحجار في ثوبي فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته\" فقلت: يا رسول الله ما بال العظم والروثة؟ قال ﷺ: \"أتاني وفد جن نصيبين فسألوني الزاد، فدعوت الله تعالى لهم أن لا يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوه طعامًا\" (^٥) أخرجه البخاري في صحيحه عن موسى بن إسماعيل، عن عمرو بن يحيى بإسناده قريبًا منه (^٦)، فهذا يدل على ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك، وسنذكر إن شاء الله تعالى ما يدل على تكرار ذلك.\nوقد روى ابن عباس غير ما روى عنه أولًا من وجه جيد، فقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني، حدثنا النضر بن عربي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قوله\n_________\n(^١) أي: أخاف.\n(^٢) اللغط: الصياح والجلَبة.\n(^٣) وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٤) وسنده مرسل أيضًا.\n(^٥) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (دلائل النبوة ٢/ ٢٣٣) وفي سنده سويد بن سعيد وهو ضعيف كما في التقريب، وقد توبع في رواية البخاري فأخرجه عن أحمد بن محمد المكي عن عمرو بن يحيى به بدون قوله: أتاني وفد جنَّ نصيبين فسألوني الزاد. . . إلخ. (الصحيح، الوضوء، باب الاستنجاء بالحجارة ح ١٥٥).\n(^٦) المصدر السابق.","vol":"6","page":639},{"text":"تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية. قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله رسلًا إلى قومهم (^١). فهذا يدل على أنه روى القصتين.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا رجل سماه، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية، قال: كانوا سبعة نفر ثلاثة من أهل حران وأربعة من أهل نصيبين، وكانت أسماؤهم: حيي وحسي ومنسى وساصر وناصر والازد وأبيان والأحقم (^٢).\nوذكر أبو حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال له: بنو الشيصان وكانوا أكثر الجن عددًا وأشرفهم نسبًا، وهم كانوا عامة جنود إبليس (^٣).\nوقال سفيان الثوري: عن عاصم، عن زرٍّ، عن ابن مسعود ﵁ كانوا تسعة أحدهم: زوبعة، أتوه من أصل نخلة (^٤)، وتقدم عنهم أنهم كانوا خمسة عشر، وفي رواية أنهم كانوا على ستين راحلة، وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان، وقيل: كانوا ثلاثمائة، وتقدم عن عكرمة على أنهم كانوا اثني عشر ألفًا، فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرار وفادتهم عليه ﷺ، ومما يدل على ذلك ما قاله البخاري في صحيحه: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، حدثني عمر هو ابن محمد قال: إن سالمًا حدثه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: ما سمعت عمر ﵁ يقول لشيء قط إني لأظنه هكذا إلا كان كما يظن، بينما عمر بن الخطاب ﵁ جالس إذ مرَّ به رجل جميل فقال: لقد أخطأ ظني أو أن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم، عليَّ بالرجل، فدعي له، فقال له ذلك فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال: كنت كاهنهم في الجاهلية قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك، قال: بينما أنا يومًا في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت:\nألم تر الجن وإِبلاسها … ويأسها من بعد إنكاسها\nولحوقها بالقلاص (^٥) وأحلاسها (^٦)\nقال عمر ﵁: صدق بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح، أمر نجيج رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله قال: فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جَليج أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله، فقمت فما نشبنا أن قيل هذا نبي (^٧). هذا سياق البخاري، وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه، ثم قال: وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر ﵁ بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح، وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر ﵁، وسائر\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) سنده ضعيف لإبهام شيخ سويد.\n(^٣) سنده مرسل.\n(^٤) أخرجه البستي من طريق سفيان الثوري به، وسنده حسن.\n(^٥) جمع قلوص وهي الفتية من النياق (فتح الباري ٧/ ١٨٠).\n(^٦) الأحلاس: ما يوضع على ظهور الإبل تحت الرحل. (المصدر السابق).\n(^٧) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب إسلام عمر بن الخطاب ﵁ (ح ٣٨٦٦).","vol":"6","page":640},{"text":"الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه (^١)، والله أعلم، وهذا الذي قاله البيهقي هو المتجه وهذا الرجل هو سواد بن قارب.\nوقد ذكرت هذا مستقصى في سيرة عمر ﵁ فمن أراده فليأخذه من ثم، ولله الحمد.\nوقال البيهقي: حديث سواد بن قارب، ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر من أصل سماعه، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني قراءة عليه، حدثنا [أبو جعفر] (^٢) أحمد بن موسى الحمار الكوفي، حدثنا زياد بن يزيد بن بادويه، حدثنا أبو بكر القصري، حدثنا محمد بن النواس الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السنة. فلما كانت السنة المقبلة قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فقلت يا أمير المؤمنين وما سواد بن قارب؟ قال: فقال له عمر ﵁: إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئًا عجيبًا، قال: فبينما نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب، قال: فقال له عمر ﵁: يا سواد حدثنا ببدء إسلامك كيف كان؟ قال سواد ﵁: فإني كنت نازلًا بالهند وكان لي رَئي (^٣) من الجن، قال: فبينما أنا ذات ليلة نائم إذ جاءني في منامي ذلك، قال: قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب ثم أنشأ يقول:\nعجبت للجن وأنجاسها … وشدها العيس بأحلاسها\nتهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنوا الجن كأرجاسها\nفانهض إلى الصفوة من هاشم … واسمُ بعينيك إلى راسها\nقال: ثم أنبهني فأفزعني وقال: يا سواد بن قارب، إن الله بعث نبيًا فانهض إليه تهتد وترشد، فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني ثم أنشأ يقول:\nعجبت للجن وتطلابها … وشدها العيس بأقتابها\nتهوي إلى مكة تبغي الهدى … ليس قداماها كأذنابها\nفانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى قابها\nفلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني ثم قال:\nعجبت للجن وتخبارها … وشدها العيس بأكوارها\nتهوي إلى مكة تبغي الهدى … ليس ذوو الشر كأخيارها\nفانهض إلى الصفوة من هاشم … ما مؤمنو الجن ككفارها\nقال: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله ﷺ ما شاء الله، قال: فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي فما حللت تسعة ولا عقدت أخرى حتى\n_________\n(^١) دلائل النبوة ٢/ ٢٤٥.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح) ودلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٢٤٨، وفي الأصل صُحف إلى: أبو حنيفة.\n(^٣) أي: الجني يعرض للإنسان.","vol":"6","page":641},{"text":"أتيت رسول الله ﷺ فإذا هو بالمدينة يعني مكة، والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآنى النبي ﷺ قال: \"مرحبًا بك يا سواد بن قارب قد علمنا ما جاء بك\" قال: قلت: يا رسول الله قد قلتُ شعرًا، فاسمعه مني قال ﷺ: \"قل يا سواد\" فقلت:\nأتاني رئي بعد ليل وهجعة … ولم يك فيما قد بلوت بكاذب\nثلاث ليال قوله كل ليلة: … أتاك رسول من لؤي بن غالب\nفشمرت عن ساقي الإزار [ووسطت] (^١) … الدعلب الوجناء عند السباسب\nفأشهد أن الله لا شيء غيره … وأنك مأمون على كل غائب\nوأنك أدنى المرسلين شفاعة … إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب\nفمرنا بما يأتيك يا خير مرسل … إن كان فيما جاء شيب الذوائب\nوكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة … سواك بمغن عن سواد بن قارب\nقال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال لي: \"أفلحت يا سواد\" فقال عمر: هل يأتيك رئيك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني ونعم العوض كتاب الله من الجن (^٢). ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين (^٣). ومما يدل على وفادتهم إليه ﷺ بعدما هاجر إلى المدينة الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عبدة المصيصي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن أسلم أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيت عبد الله بن مسعود ﵁ فقلت له: حدثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن. قال: أجل، قلت: حدثني كيف كان شأنه! فقال: إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجل يعشيه، وتركت فلم يأخذني أحد منهم، فمرَّ بي رسول الله ﷺ فقال: \"من هذا؟ \" فقلت: أنا ابن مسعود، فقال ﷺ: \"ما أخذك أحد يعشيك؟ \" فقلت: لا، قال ﷺ: \"فانطلق لعلي أجد لك شيئًا\".\nقال: فانطلقنا حتى أتى رسول الله ﷺ حجرة أُم سلمة ﵂، فتركني قائمًا ودخل إلى أهله ثم خرجت الجارية فقالت: يا ابن مسعود، إن رسول الله ﷺ لم يجد لك عشاء فارجع إلى مضجعك، قال: فرجعت إلى المسجد فجمعت حصباء المسجد فتوسدته والتففت بثوبي، فلم ألبث إلا قليلًا حتى جاءت الجارية فقالت: أجب رسول الله. فاتبعتها وأنا أرجو العشاء، حتى إذا بلغت مقامي خرج رسول الله ﷺ وفي يده عسيب من نخل فعرض به على صدري فقال ﷺ: \"انطلق أنت معي حيث انطلقت\" قلت: ما شاء الله فأعادها علي ثلاث مرات. كل ذلك أقول ما شاء الله فانطلق، وانطلقت معه حتى أتينا بقيع الغرقد فخطَّ ﷺ بعصاه خطًا ثم قال: \"اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك\" ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من حيث لا أراه ثارت قبله العجاجة السوداء فَفَرقت (^٤) فقلت: ألحق برسول الله ﷺ فإني أظن أن هوازن مكروا\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: وأرفلت.\n(^٢) دلائل النبوة ٢/ ٢٤٨ ورواية البخاري تغني عما سواها.\n(^٣) دلائل النبوة ٢/ ٢٥٢.\n(^٤) أي: خفتُ.","vol":"6","page":642},{"text":"برسول الله ﷺ ليقتلوه، فأسعى إلى البيوت فأستغيث الناس، فذكرت أن رسول الله ﷺ أوصاني أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه، فسمعت رسول الله ﷺ يقرعهم بعصاه ويقول: \"اجلسوا\" فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح ثم ثاروا وذهبوا، فأتاني رسول الله فقال: \"أنمت بعدي؟ \" فقلت: لا ولقد فزعت الفزعة الأولى حتى رأيت أن آتي البيوت، فأستغيث الناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، وكنت أظنها هوازن مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فقال: \"لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما أمنت عليك أن يختطفك بعضهم، فهل رأيت من شيء منهم؟ \".\nفقلت: رأيت رجالًا سودًا مستشعرين بثياب بيض، فقال رسول الله ﷺ: \"أولئك وفد جن نصيبين أتوني فسألوني الزاد والمتاع فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة\" قلت: فما يغني عنهم ذلك؟ قال ﷺ: \"إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت فلا يستنق أحد منكم بعظم ولا بعرة\" (^١) وهذا إسناد غريب جدًا ولكن فيه رجل مبهم لم يسم.\nوقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد: حدثني [نمير بن زيد القيني، حدثنا أبي، حدثنا قحافة بن ربيعة، حدثني الزبير] (^٢) بن العوام ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: \"أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟ \" فأسكت القوم ثلاثًا، فمرَّ بي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض براز فإذا برجال طوال كأنهم الرماح [مستثغرين بثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة] (^٣) (^٤) ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم، وهذا حديث غريب، والله أعلم.\nومما يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم: حدثنا أبو محمد بن حبان، حدثنا أبو الطيب أحمد بن روح، حدثنا يعقوب الدورقي، حدثنا الوليد بن بكير التيمي، حدثنا حصين بن عمر، أخبرني عُبيد المكتب، عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج حتى إذا كانوا في بعض الطريق إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيض، ينفح منه ريح المسك فقلت لصحابي: امضوا فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية. قال: فما لبثت أن ماتت فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها ثم نحيتها عن الطريق، فدفنتها وأدركت أصحابي في المتعشى. قال: فوالله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمرًا. قلنا: ومن عمرو، قالت: أيكم دفن الحية؟ قال: فقلت: أنا. قالت: أما والله لقد دفنت صوامًا قوامًا، يأمر بما أنزل الله تعالى، ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام. قال الرجل: فحمدنا الله تعالى ثم قضينا حجتنا ثم مررت بعمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة، فأنبأته بأمر الحية فقال: صدقت سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة\" (^٥). وهذا حديث غريب جدًا، والله أعلم.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لإبهام شيخ أبي سلام.\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٣) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٤) سنده ضعيف لضعف نمير بن يزيد القيني كما في ميزان الاعتدال.\n(^٥) دلائل النبوة لأبي نعيم ص ٣٠٦، وسنده ضعيف لأن إبراهيم وهو النخعي لم يسمع من ابن مسعود.","vol":"6","page":643},{"text":"قال أبو نعيم: وقد روى الثوري عن أبي إسحاق، عن الشعبي، عن رجل من ثقيف بنحوه (^١)، وروى عبد الله بن أحمد والطهراني عن صفوان بن المعطل: هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة وأنهم قالوا: إنه آخر التسعة موتًا الذين أتوا رسول الله ﷺ يستمعون القرآن، وروى أبو نعيم من حديث الليث بن سعد، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عمه، عن معاذ بن عبيد الله بن معمر قال: كنت جالسًا عند عثمان بن عفان ﵁، فجاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني كنت بفلاة من الأرض، فذكر أنه رأى ثعبانين اقتتلا ثم قتل أحدهما الآخر، قال: فذهبت إلى المعترك فوجدت حيات كثيرة مقتولة، وإذ ينفح من بعضها ريح المسك، فجعلت أشمها واحدة واحدة حتى وجدت ذلك من حية صفراء رقيقة، فلففتها في عمامتي ودفنتها، فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد: يا عبد الله لقد هديت، هذان حيان من الجن بنو شعيبان وبنو قيس التقوا فكان من القتلى ما رأيت، واستشهد الذي دفنته وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله ﷺ قال: فقال عثمان لذلك الرجل: إن كنت صادقًا فقد رأيت عجبًا، وإن كنت كاذبًا فعليك كذبك (^٢).\nوقوله ﵎: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: طائفة من الجن ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ أي: استمعوا وهذا أدب منهم.\nوقد قال الحافظ البيهقي: حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قرأ رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: ما لي أراكم سكوتًا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردًا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن] إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك ونعمك ربنا نكذب فلك الحمد\" (^٣). ورواه الترمذي في التفسير عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد، عن الوليد بن مسلم به قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن فذكره ثم قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد عن زهير (^٤)، كذا قال، وقد رواه البيهقي من حديث مروان بن محمد الطاهري عن زهير بن محمد به مثله (^٥).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى﴾ أي: فرغ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]، ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي: رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله ﷺ كقوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي\n_________\n(^١) وسنده ضعيف لإبهام شيخ الشعبي.\n(^٢) دلائل النبوة لأبي نعيم ص ٣٠٥. وفي سنده معاذ بن عبيد الله بن معمر ذكره البخاري في التاريخ الكبير وسكت عنه وكذا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.\n(^٣) دلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٢٣٢ وأخرجه الترمذي من طريق زهير بن محمد به (السنن، التفسير، باب ومن سورة الرحمن ح ٣٢٩١) وصححه الألباني بشواهده (السلسلة الصحيحة ٢١٥٠).\n(^٤) تقدم تخريجه في الرواية السابقة.\n(^٥) دلائل النبوة ١/ ٢٣٢.","vol":"6","page":644},{"text":"الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذر وليس فيهم رسل، ولا شك أن الجن لم يبعث الله منهم رسولًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩].\nوقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]. وقال عن إبراهيم الخليل ﵊: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فكل نبي بعثه الله تعالى بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته.\nفأما قوله تعالى في الأنعام: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فالمراد هنا مجموع الجنسين فيصدق على أحدهما وهو الإنس كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن] أي: أحدهما\n\n<span id=\"aya-4540\"></span>ثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم فقال مخبرًا عنهم: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ولم يذكروا عيسى لأن عيسى ﵇ أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا أنزل من بعد موسى، وهكذا قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي ﷺ بقصة نزول جبريل ﵊ أول مرة فقال: بخ بخ! هذا الناموس الذي كان يأتي موسى يا ليتني أكون فيه جذعًا.\n﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي: في الاعتقاد والإخبار ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الأعمال فإن القرآن مشتمل على شيئين خبر وطلب، فخبره صدق وطلبه عدل، كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].\nوقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣] فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، وهكذا قالت الجن: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ في الاعتقادات ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: في العمليات.\n\n<span id=\"aya-4541\"></span>﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا ﷺ إلى الثقلين الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعيدهم وهي سورة الرحمن ولهذا قال: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾.\nوقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قيل: إن من ههنا زائدة وفيه نظر لأن زيادتها في الإثبات قليل، وقيل: إنها على بابها للتبعيض ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: ويقيكم من عذابه الأليم، وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة، ولهذا قالوا: هذا في هذا المقام وهو مقام [تبجُّح] (^١) ومبالغة، فلو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من هذا لأوشك أن يذكروه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حُدثت عن جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لا يدخل مؤمنو الجن الجنة لأنهم من ذرية إبليس، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة (^٢). والحق أن مؤمنيهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة كما هو مذهب جماعة من السلف.\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"سح\". بدون نقط.\n(^٢) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن جرير.","vol":"6","page":645},{"text":"وقد استدل بعضهم لهذا بقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] وفي هذا الاستدلال نظر، وأحسن منه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ [الرحمن] فقد امتنَّ تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجنُّ هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس فقالوا: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد، فلم يكن تعالى ليمتن عليهم جزاء لا يحصل لهم، وأيضًا فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار وهو مقام عدل فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة وهو مقام فضل بطريق الأولى والأحرى. ومما يدل أيضًا على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف] وما أشبه ذلك من الآيات.\nوقد أفردت هذه المسألة في جزء على حدة ولله الحمد والمنة، وهذه الجنة لا يزال فيها فضل ينشئ الله تعالى لها خلقًا أفلا يسكنها من آمن به وعمل صالحًا، وما ذكروه ههنا من الجزاء على الإيمان من تكفير الذنوب والإجارة من العذاب الأليم هو يستلزم دخول الجنة؛ لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة والنار، فمن أُجير من النار دخل الجنة لا محالة، ولم يرد معنا نصٌّ صريح ولا ظاهر عن الشرع أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة، وإن أُجيروا من النار، ولو صحَّ لقلنا به، والله علم. وهذا نوح ﵊ يقول لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة فكذلك هؤلاء.\nوقد حُكي فيهم أقوال غريبة. فعن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنهم لا يدخلون بحبوحة الجنة، وإنما يكونون في ربضها وحولها وفي أرجائها، ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو آدم ولا يرون بني آدم بعكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا. ومن الناس من قال: لا يأكلون في الجنة ولا يشربون وإنما يُلهمون التسبيح والتحميد والتقديس عوضًا عن الطعام والشراب كالملائكة لأنهم من جنسهم، وكل هذه الأقوال فيها نظر ولا دليل عليها.\n\n<span id=\"aya-4542\"></span>ثم قال مخبرًا عنهم: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بل قدرة الله شاملة له ومحيطة به ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ أي: لا يجيرهم منه أحد ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وهذا مقام تهديد وترهيب فدعوا قومهم بالترغيب والترهيب، ولهذا نجع في كثير منهم وجاءوا إلى رسول الله ﷺ وفودًا كما تقدم بيانه.\n\n<span id=\"aya-4543\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾.\nيقول تعالى: أولم ير هؤلاء المنكرون للبعث يوم القيامة المستبعدون لقيام الأجساد يوم المعاد ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي: ولم يكرثه (^١) خلقهم بل قال: لها كوني\n_________\n(^١) كرثه الأمر: اشتر عليه وبلغ منه المشقة.","vol":"6","page":646},{"text":"فكانت بلا ممانعة ولا مخالفة بل طائعة مجيبة وجلة، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر] ولهذا قال تعالى: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾\n\n<span id=\"aya-4544\"></span>ثم قال ﷻ: مهددًا ومتوعدًا لمن كفر به ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أي: يقال لهم أما هذا حق أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ أي: لا يسعهم إلا الاعتراف ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ثم قال تعالى آمرًا رسوله ﷺ بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: على تكذيب قومهم لهم. وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوال وأشهرها أنهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتم الأنبياء محمد ﷺ، قد نصَّ الله تعالى على أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سورتي الأحزاب والشورى، وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرسل فتكون ﴿مِنَ﴾ في قوله: من الرسل لبيان الجنس، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4545\"></span>وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي، حدثنا السري بن حيان، حدثنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد بن سعد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قالت عائشة ﵂: ظل رسول الله ﷺ صائمًا ثم طواه ثم ظل صائمًا ثم طواه ثم ظل صائمًا ثم قال: \"يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر على محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي ولا قوة إلا بالله (^١).\n﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أي: لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم كقوله ﵎: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾ [المزمل] وكقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق].\n﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ كقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات] وكقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [يونس: ٤٥].\nوقوله: ﴿بَلَاغٌ﴾. قال ابن جرير يحتمل معنيين:\nأحدهما: أن يكون تقديره، وذلك لبث بلاغ.\nوالآخر: أن يكون تقديره هذا القرآن بلاغ (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: لا يهلك على الله إلا هالك، وهذا من عدله تعالى أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب.\nآخر تفسير سورة الأحقاف، ولله الحمد والمنَّة.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف مجالد بن سعيد كما في التقريب.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"6","page":647},{"text":"<span data-type='title' id=toc-170>سورة القتال </span>(^١)\n[وهي مدنية] (^٢)\n\n<span id=\"aya-4546\"></span>﷽\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بآيات الله ﴿وَصَدُّوا﴾ غيرهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: أبطلها وأذهبها ولم يجعل لها ثوابًا ولا جزاء كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان]\n\n<span id=\"aya-4547\"></span>ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وسرائرهم وانقادت لشرع الله جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ عطف خاص على عام وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته ﷺ.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ جملة معترضة حسنة ولهذا قال: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ قال ابن عباس: أي: أمرهم (^٣).\nوقال مجاهد: شأنهم (^٤).\nوقال قتادة وابن زيد: حالهم (^٥). والكل متقارب.\nوقد جاء في حديث تشميت العاطس: \"يهديكم الله ويصلح بالكم\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-4548\"></span>ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ أي: إنما أبطلنا أعمال الكفار. وتجاوزنا عن سيئات الأبرار، وأصلحنا شؤونهم لأن الذين كفروا اتبعوا الباطل؛ أي: اختاروا الباطل على الحق ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ أي: يبين لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم.\n_________\n(^١) وتسمى سورة محمد كما في المصاحف المعاصرة.\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٣) أخرجه الطبري والحاكم من طريق أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٥٧).\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وعبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن زيد.\n(^٦) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الأدب، باب إذا عطس كيف يُشمت ح ٦٢٢٤).","vol":"6","page":648},{"text":"<span id=\"aya-4549\"></span>﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾.\nيقول تعالى مرشدًا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ أي: إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصدًا بالسيوف ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أي: أهلكتموهم قتلًا ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانًا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشارطونهم عليه، والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله ﷾ عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذٍ، ليأخذوا منهم الفداء والتقليل من القتل يومئذٍ فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال].\nثم قد ادّعى بعض العلماء أن هذه الآية المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، رواه العوفي عن ابن عباس (^١). وقاله قتادة والضحاك والسدي وابن جريج (^٢).\nوقال الآخرون وهم الأكثرون: ليست بمنسوخة (^٣)، ثم قال بعضهم: إنما الإمام مخير بين المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله.\nوقال آخرون منهم: بل له أن يقتله إن شاء لحديث قتل النبي ﷺ النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط من أسارى بدر. وقال ثمامة بن أثال لرسول الله ﷺ حين قال له: \"ما عندك يا ثمامة؟ \" فقال: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فاسأل تعط منه ما شئت (^٤). وزاد الشافعي رحمة الله عليه فقال: الإمام مخير بين قتله أو المنِّ عليه أو مفاداته أو استرقاقه أيضًا، وهذه المسألة محرَّرة في علم الفروع وقد دلَّلنا على ذلك في كتابنا الأحكام ولله ﷾ الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵊، وكأنه أخذه من قوله ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن السدي، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن المبارك عن ابن جريج.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن جريج عن عطاء (المصنف رقم ٩٣٨٩) وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة في التفسير.\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة (صحيح البخاري، المغازي، باب وفد بني حذيفة ح ٤٣٧٢، وصحيح مسلم، الجهاد، باب ربط الأسير وحبسه ح ١٧٦٤).","vol":"6","page":649},{"text":"آخرهم الدجال\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إبراهيم بن سليمان، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير قال: إن سلمة بن نفيل أخبرهم أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: إني سيَّبت الخيل وألقيت السلاح ووضعت الحرب أوزارها وقلت: لا قتال، فقال له النبي ﷺ: \"الآن جاء القتال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يزيغ الله تعالى قلوب أقوام، فيقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا إن عُقَرَ دار المؤمنين بالشام والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة\" (^٢) وهكذا رواه النسائي من طريقين عن جبير بن نفير، عن سلمة بن نفيل [السكوني (^٣)] (^٤) به.\nوقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان ﵁ قال: لما فتح على رسول الله ﷺ فتح قالوا: يا رسول الله سُيَبت الخيل ووضعت السلاح ووضعت الحرب أوزارها قالوا لا قتال قال: \"كذبوا الآن جاء القتال، ولا يزال الله تعالى يرفع قلوب قوم يقاتلونهم فيرزقهم منهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك وعقر دار المسلمين بالشام\" (^٥). وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رشيد به (^٦)، والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نفيل كما تقدم، وهذا يقوي القول بعدم النسخ كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى أن لا يبقى حرب.\nوقال قتادة: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ حتى لا يبقى شرك (^٧)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]. ثم قال بعضهم: حتى تضع الحرب أوزارها؛ أي: أوزار المحاربين وهم المشركون بأن يتوبوا إلى الله ﷿، وقيل: أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع في طاعة الله ﷿ وقوله: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: هذا ولو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبة ونكال من عنده ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم، ويبلو أخباركم كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي آل عمران وبراءة في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران].\nوقال ﵎ في سورة براءة: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٠.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٤) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٩٣٥).\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: \"السلوني\".\n(^٤) سنن النسائي الخيل ٦/ ٢١٤ وسنده كسابقه.\n(^٥) فيه عنعنة الوليد بن مسلم وهو كثير التدليس والتسوية كما في (التقريب ص ٥٨٤)، وقد صحّ كما تقدم عن سلمة بن نفيل.\n(^٦) أخرجه ابن حبان عن أبي يعلى به (الإحسان ح ٧٣٠٧) وسنده كسابقه.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"6","page":650},{"text":"وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾ [التوبة].\nثم لما كان من شأن القتال أن يقتل كثير من المؤمنين قال: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: لن يذهبها بل يكثرها وينميها ويضاعفها. ومنهم من يجري عليه عمله في طول برزخه، كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن قيس الجذامي - رجل كانت له صحبة - قال: قال رسول الله ﷺ: \"يعطى الشهيد ست خصال: عند أول قطرة من دمه تكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويُزوج من الحور العين، ويأمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويُحلى حلة الإيمان\" (^١). تفرد به أحمد ﵀.\nحديث آخر: قال أحمد أيضًا: حدثنا الحكم بن نافع، حدثني إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معديكرب الكندي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن للشهيد عند الله ست خصال: أن يغفر له في أول دفقة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويُحلى حلة الإيمان، ويُزوج الحور العين، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار مرصع بالدر والياقوت، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه\". وقد أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه (^٢).\nوفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: \"يُغْفر للشهيد كل شيء إلا الدّين\" (^٣) وروي من حديث جماعة من الصحابة ﵃، وقال أبو الدرداء: قال رسول الله ﷺ: \"يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته\" (^٤) ورواه أبو داود (^٥) والأحاديث في فضل الشهيد كثيرة جدًا.\n\n<span id=\"aya-4550\"></span>وقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ أي: إلى الجنة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ [يونس].\nوقوله: ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ أي: أمرهم وحالهم\n\n<span id=\"aya-4551\"></span>﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ أي: عرفهم بها وهداهم إليها.\nقال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها لا يخطئون كأنهم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٣٢٢ ح ١١٧٨٣) وحسن سنده محققوه.\n(^٢) (المسند ٤/ ١٣١)، وسنن الترمذي، فضائل الجهاد، باب ثواب الشهيد (ح ١٦٦٣)، وسنن ابن ماجه، الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل الله (ح ٢٧٩٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٢٥٧).\n(^٣) صحيح مسلم، الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين (ح ١٨٨٦).\n(^٤) المصدر السابق (ح ١٨٨٥).\n(^٥) سنن أبي داود، الجهاد، باب الشهيد يشفع (ح ٢٥٢٢). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٢٠١).","vol":"6","page":651},{"text":"ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحدًا (^١)، وروى مالك عن ابن زيد بن أسلم نحو هذا (^٢).\nوقال محمد بن كعب: يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من الجمعة.\nوقال مقاتل بن حيان: بلغنا أن الملك الذي كان وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له، فيعرفه كل شيء أعطاه الله تعالى في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل إلى منزله وأزواجه وانصرف الملك عنه (^٣).\nذكرهن ابن أبي حاتم ﵀.\nوقد ورد الحديث الصحيح بذلك أيضًا رواه البخاري من حديث قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، يتقاضون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذبوا ونُقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-4552\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ كقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] فإن الجزاء من جنس العمل ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ كما جاء في الحديث: \"من بلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله تعالى قدميه على الصراط يوم القيامة\".\n\n<span id=\"aya-4553\"></span>\n\n<span id=\"aya-4554\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله تعالى ورسوله ﷺ.\nوقد ثبت الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"تعسَ عبد الدينار، تعسَ عبد الدرهم، تعسَ عبد القطيفة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش! \" (^٥)؛ أي: فلا شفاه الله.\nوقوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أحبطها وأبطلها، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: لا يريدونه ولا يحبونه ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (^٦).\n\n<span id=\"aya-4555\"></span>﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ يعني: المشركين بالله المكذبين لرسوله ﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) سنده صحيح.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) صحيح البخاري، المظالم، باب قصاص المظالم (ح ٢٤٤٠).\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٠٠.\n(^٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل ورد تقديم قوله: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] قبل قوله: \"لا يريدونه\".","vol":"6","page":652},{"text":"عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم؛ أي: ونجى المؤمنين من بين أظهرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾.\n\n<span id=\"aya-4556\"></span>ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾ ولهذا لما قال أبو سفيان صخر بن حرب رئيس المشركين يوم أحد، حين سأل عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر فلم يجب وقال: أما هؤلاء فقد هلكوا، وأجابه عمر بن الخطاب فقال: كذبت يا عدو الله بل أبقى الله تعالى لك ما يسوءك، وإن الذين عددت لأحياء، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون مثلة لم آمر بها، ولم أنه عنها، ثم ذهب يرتجز ويقول: اعلُ هبل اعلُ هبل. فقال رسول الله ﷺ: \"ألا تجيبوه؟ \" فقالوا: يا رسول الله وما نقول؟ قال ﷺ قولوا: \"الله أعلى وأجلّ\" ثم قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال ﷺ: \"ألا تجيبوه؟ \" قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: \"الله مولانا ولا مولى لكم\" (^١).\n\n<span id=\"aya-4557\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ أي: في دنياهم يتمتعون بها ويأكلون منها كما تأكل الأنعام خضمًا وقضمًا، وليس لهم هِمَّة إلا في ذلك، ولهذا ثبت في الصحيح \"المؤمن يأكل في معىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء\" (^٢).\nثم قال: ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: يوم جزائهم،\n\n<span id=\"aya-4558\"></span>وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ يعني: مكة ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل مكة في تكذيبهم لرسول الله ﷺ، وهو سيد الرسل وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله ﷿ قد أهلك الأمم الذين كذبوا الرسل قبله بسببهم، وقد كانوا أشد قوة من هؤلاء فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والأخرى؟ فإن رفع عن كثير منهم العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول نبي الرحمة فإن العذاب يوفر على الكافرين به في معادهم ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠].\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ أي: الذين أخرجوك من بين أظهرهم.\nوقال ابن أبي حاتم: ذَكر أبي، عن محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ لما خرج من مكة إلى الغار أتاه قال: فالتفت إلى مكة وقال: \"أنتِ أحبُّ بلادِ الله إلى الله، وأنتِ أحبُّ بلاد الله إليّ، ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك\" فأعدى الأعداء من عدا على الله تعالى في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول (^٣) الجاهلية، فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٠٠.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر ﵄ (صحيح البخاري، الأطعمة، باب المؤمن يأكل في معي واحد ح ٥٣٩٣، وصحيح مسلم، الأشربة، باب المؤمن يأكل في معي واحد (ح ٢٠٦٠).\n(^٣) أي: جمع ذحل وهو الحقد والثأر.\n(^٤) أخرجه الطبري عن محمد بن عبد الأعلى به، وسنده ضعيف جدًا لأن حنشًا وهو الحسين بن قيس الرَّحْبي: =","vol":"6","page":653},{"text":"<span id=\"aya-4559\"></span>﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: على بصيرة ويقين من أمر الله ودينه بما أنزل في كتابه من الهدى والعلم، وبما جبله الله عليه من الفطرة المستقيمة، ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: ليس هذا كهذا، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩] وكقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر].\n\n<span id=\"aya-4560\"></span>ثم قال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ قال عكرمة: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ أي: نعتها ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾.\nقال ابن عباس والحسن وقتادة: يعني: غير متغير (^١).\nوقال قتادة والضحاك وعطاء الخراساني: غير مُنتن (^٢).\nوالعرب تقول: أسن الماء إذ تغير ريحه (^٣).\nوفي حديث مرفوع أورده ابن أبي حاتم: غير آسن؛ يعني: الصافي الذي لا كدر فيه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: قال عبد الله ﵁: أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك (^٤).\n﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أي: بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة.\nوفي حديث مرفوع: \"لم يخرج من ضروع الماشية\".\n﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا بل حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ [الصافات]، ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ [الواقعة]، ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)﴾ [الصافات].\nوفي حديث مرفوع: \"لم يعصرها الرجال بأقدامهم\" (^٥).\n﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أي: وهو في غاية الصفاء وحسن اللون والطعم والريح.\nوفي حديث مرفوع: \"لم يخرج من بطون النحل\" (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن هارون، أخبرنا الجريري، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه،\n_________\n= متروك (التقريب ص ١٦٨)، ومطلع الحديث له شواهد لكن ذكر نزول الآية، ولهذا قال القرطبي: وهو حديث صحيح (الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٢٣٥).\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٤) سنده صحيح.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن سعيد بن جبير.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن سعيد بن جبير.","vol":"6","page":654},{"text":"قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد\" (^١). ورواه الترمذي في صفة الجنة عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي إياس الجريري وقال: حسن صحيح (^٢).\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الإيادي، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"هذه الأنهار تَشخُبُ من جنة عدن في جوبة (^٣) ثم تصدع بعد أنهارًا\" (^٤).\nوفي الصحيح: \"إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن\" (^٥).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مصعب بن حمزة الزبيري وعبد الله بن الصفر السكري قالا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة، حدثني عبد الرحمن بن عياش، عن دلهم بن الأسود قال دلهم، وحدثنيه أيضًا أبو الأسود، عن عاصم بن لُقيط قال: إن لقيط بن عامر خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله فعلام نطلع من الجنة؟ قال ﷺ: \"على أنهار عسل مصفى، وأنهار خمر ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله، وأزواج مطهرة\" قلت: يا رسول الله أولنا فيها زوجات مصلحات؟ قال: \"الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم، غير أن لا توالد\" (^٦).\nوقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا يعقوب بن عبيدة، عن يزيد بن هارون، أخبرني الجريري، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة تجري في أُخدود في الأرض والله إنها لتجري سائحة على وجه الأرض، حافاتها قباب اللؤلؤ وطينها المسك الأذفر (^٧) (^٨). وقد رواه أبو بكر بن مردويه من حديث مهدي بن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣/ ٢٤٦ ح ٢٠٠٥٢) وحسن سنده محققوه.\n(^٢) سنن الترمذي، صفة الجنة، باب ما جاء في صفة أنهار الجنة (ح ٢٥٧١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٠٧٨).\n(^٣) أي: الحفرة.\n(^٤) في سنده الحارث بن عبيد وهو صدوق يخطئ (التقريب ص ١٤٦) ويشهد له لاحقه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق الحارث به (المسند ٣٢/ ٥٠٥ ح ١٩٧٣١) وضعفه محققوه.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٣٣.\n(^٦) أخرجه الطبراني مطولًا (المعجم الكبير ١٩/ ٢١١)، وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند من طريق عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي به مطولًا (المسند ٢٦/ ١٢١ - ١٢٨) وقال محققوه: إسنادهُ ضعيف مسلسل بالمجاهيل عبد الرحمن بن عياش، ودلهم بن الأسود، وأبوه الأسود بن عبد الله بن حاجب مجهولون.\n(^٧) أي: الجيد للغاية.\n(^٨) أخرجه أبو نعيم من طريق يزيد بن هارون به (الحلية ٦/ ٢٠٥)، وسنده ضعيف لأن الجريري وهو سعيد بن =","vol":"6","page":655},{"text":"حكيم، عن يزيد بن هارون به مرفوعًا (^١).\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ كقوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾ [الدخان] كقوله: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾ [الرحمن].\nوقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: مع ذلك كله. وقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ [أي: هؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة كمن هو خالد في النار؟] (^٢) ليس هؤلاء كهؤلاء، وليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ أي: حارًا شديد الحر لا يستطاع ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ أي: قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء - عياذًا بالله تعالى من ذلك.\n\n<span id=\"aya-4561\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله ﷺ ويستمعون كلامه فلا يفهمون منه شيئًا فإذا خرجوا من عنده ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من الصحابة ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ أي: الساعة. لا يعقلون ما قال ولا يكترثون له. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: فلا فهم صحيح ولا قصد صحيح.\n\n<span id=\"aya-4562\"></span>ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ أي: والذين قصدوا الهداية وفقهم الله تعالى لها فهداهم إليها وثبتهم عليها وزادهم منها ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ أي: ألهمهم رشدهم.\n\n<span id=\"aya-4563\"></span>وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: وهم غافلون عنها ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي: أمارات اقترابها كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾ [النجم] وكقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر] وقوله ﷾: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء]، فبعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة؛ لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله تعالى به الدين وأقام به الحجة على العالمين.\nوقد أخبر ﷺ بأمارات الساعة وأشراطها وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله، كما هو مبسوط في موضعه.\nوقال الحسن البصري: بعثة محمد ﷺ من أشراط الساعة (^٣). وهو كما قال ولهذا جاء في أسمائه ﷺ أنه نبي التوبة ونبي الملحمة، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي.\n_________\n= إياس اختلط ورواية يزيد بن هارون بعد الاختلاط (تهذيب التهذيب ٤/ ٥ - ٧).\n(^١) ذكره ابن القيم سند ابن مردوية عن محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى حدثنا مهدي بن حكيم (حادي الأرواح ص ١٧٣) وسنده كسابقه.\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٣) ذكره النحاس في إعراب القرآن ٤/ ١٨٥.","vol":"6","page":656},{"text":"وقال البخاري: حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا أبو حازم، حدثنا سهل بن سعد قال: رأيت رسول الله ﷺ قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تليها: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" (^١).\nثم قال تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ أي: فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣]. ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ [سبأ].\n\n<span id=\"aya-4564\"></span>وقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله ولا يتأتى كونه آمرًا بعلم ذلك، ولهذا عطف عليه بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.\nوفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"اللَّهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللَّهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي\" (^٢).\nوفي الصحيح: أنه كان يقول في آخر الصلاة: \"اللَّهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني أنت إلهي لا إله إلا أنت\" (^٣).\nوفي الصحيح أنه قال: \"يا أَيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم الأحول قال: سمعت عبد الله بن سرجس قال: أتيت رسول الله ﷺ فأكلت من طعامه فقلت: غفر الله لك يا رسول الله فقال ﷺ: \"ولك\" فقلت: أستغفر لك. فقال رسول الله ﷺ: \"نعم ولكم\" وقرأ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ثم نظرت إلى نُغْض (^٥) كتفه الأيمن - أو كتفه الأيسر شعبة الذي شك - فإذا هو كهيئة الجُمع عليه الثآليل (^٦)، ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن عاصم الأحول به (^٧).\nوفي الحديث الآخر الذي رواه أبو يعلى: حدثنا محمد بن عون، حدثنا عثمان بن مطر، حدثنا عبد الغفور، عن أبي نصيرة، عن أبي رجاء، عن أبي بكر الصديق ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما فإن إبليس قال: إنما أهلكت الناس\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (صحيح البخاري، الدعوات، باب قول النبي ﷺ: \"اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت\" ح ٦٣٩٨، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء ح ٢١٧٩).\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁ (الصحيح، صلاة المسافرين وقصرها ح ٧٧١).\n(^٤) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الدعوات، باب استغفار النبي ﷺ في اليوم والليلة ح ٦٣٠٧).\n(^٥) أي: أعلى كتفه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٨٢) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح مسلم، الفضائل، باب إثبات خاتم النبوة (ح ٢٣٤٦).","vol":"6","page":657},{"text":"بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون\" (^١).\nوفي الأثر المروي: \"قال إبليس: وعزتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله ﷿: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني\" (^٢)، والأحاديث في فضل الاستغفار كثيرة جدًا.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ أي: يعلم تصرفكم في نهاركم ومستقركم في ليلكم كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود] وهذا القول ذهب إليه ابن جريج (^٣) وهو اختيار ابن جرير.\nوعن ابن عباس: متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة (^٤).\nوقال السدي: متقلبكم في الدنيا ومثواكم في قبوركم، والأول أولى وأظهر، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4565\"></span>\n\n<span id=\"aya-4566\"></span>﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المؤمنين أنهم تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه الله ﷿ وأمر به نكل عنه كثير من الناس كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء] وقال ههنا: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ أي: مشتملة على حكم القتال ولهذا قال: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: من فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء.\nثم قال مشجعًا لهم: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: وكان الأولى بهم أن يسمعوا ويطيعوا؛ أي: في الحالة الراهنة ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جد الحال، وحضر القتال ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ أي: خلصوا له النية ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-4567\"></span>\n\n<span id=\"aya-4568\"></span>وقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: عن الجهاد ونكلتم عنه ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٢٣ ح ١٣٦) وسنده ضعيف لضعف عثمان بن مطر (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٠٧).\n(^٢) أخرجه الامام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، (المسند ١٧/ ٣٣٧ ح ١١٢٣٧) وحسن سنده محققوه.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"6","page":658},{"text":"أَرْحَامَكُمْ﴾ أي: تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عمومًا، وعن قطع الأرحام خصوصًا، بل وقد أمر الله تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال، وقد وردت الأحاديث الصحاح والحسان بذلك عن رسول الله ﷺ من طرق عديدة ووجوه كثيرة.\nقال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان، حدثني معاوية بن أبي مُزرّد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"خلق الله تعالى الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت [بحقوِ] (^١) الرحمن ﷿ فقال مه، فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال تعالى: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك\" قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ (^٢) ثم رواه البخاري من طريقين آخرين، عن معاوية بن أبي مزرد به قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقرءوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ \" (^٣). ورواه مسلم من حديث معاوية بن أبي مزرّد به (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا [إسماعيل بن علية، حدثنا عيينة] (^٥) بن عبد الرحمن بن جوشن، عن أبيه، عن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من ذنب أحرى أن يعجل الله تعالى عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الاخرة من البغي وقطيعة الرحم\" (^٦). ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث إسماعيل هو ابن علية به، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون أبو محمد [المرئي] (^٨)، حدثنا محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ قال: \"من سرَّه النسأ في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه\" (^٩). تفرد به أحمد وله شاهد في الصحيح.\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي ذوي أرحام، أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون أفأكافئهم؟ قال ﷺ: \"لا، إذن تتركون جميعًا ولكن\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ القتال: ٢٢] ح ٣٨٣٠).\n(^٣) المصدر السابق (ح ٤٨٣١، ٤٨٣٢).\n(^٤) صحيح مسلم، البر والصلة، باب صلة الرحم (ح ٢٥٥٤).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل خلط الناسخ بين الإسمين فجاء بلفظ: \"إسماعيل بن عيينة بن عبد الرحمن\".\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤/ ٣٩ - ٤٠ ح ٢٠٣٩٨) وصحح سنده محققوه.\n(^٧) سنن أبي داود، الأدب، باب في النهي عن البغي (ح ٤٩٠٢)، وسنن الترمذي، صفة القيامة، (ح ٢٥١١)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب البغي (ح ٤٢١١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٩٨).\n(^٨) كذا في المسند وفي النسخ الخطية: \"المراي\".\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٨٦، ٨٧ ح ٢٢٤٠٠)، وحسن سنده محققوه.","vol":"6","page":659},{"text":"جد بالفضل وصلهم، فإنه لن يزال معك ظهير من الله ﷿ ما كنت على ذلك\" (^١). تفرد به أحمد من هذا الوجه وله شاهد من وجه آخر.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يعلى، حدثنا فِطر، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرحم معلقة بالعرش وليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها\" (^٢). رواه البخاري.\nوقال أحمد: حدثنا بهز، حدثنا حماد بن سلمة (^٣)، أخبرنا قتادة، عن أبي ثُمامة الثقفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"توضع الرحم يوم القيامة لها حجنة كحجنة (^٤) المغزل تكلم بلسان طلق ذِلق، فتقطع من قطعها وتصل من وصلها\" (^٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو يبلغ به النبي ﷺ قال: \"الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والرحم شُجْنَةٌ من الرحمن من وصلها وصلته ومن قطعها بتتُّه\" (^٦). وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار به، وهذا هو الذي يروى بتسلسل الأولية وقال الترمذي: حسن صحيح (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، أن أباه حدثه أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف وهو مريض فقال له عبد الرحمن ﵁: وصلت رحمك، إن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله ﷿: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمها من اسمي، فمن يصلها أصله ومن يقطعها أقطعه فأبته - أو قال: - من بتَّها أبتُّه\" (^٨). تفرد به أحمد من هذا الوجه، ورواه أحمد أيضًا من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن الردَّاد - أو أبي الردَّاد - عن عبد الرحمن بن عوف به، ورواه أبو داود والترمذي من رواية أبي سلمة، عن أبيه (^٩)، والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.\nوقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عيسى بن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٣٠٣ ح ٦٧٠٠) وقال محققوه: حسن لغيره. وذكروا بعض شواهده الصحيحة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٦٣) وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري من طريق فطر به (الصحيح، الأدب، باب ليس الواصل بالمكافيء ح ٥٩٩١).\n(^٤) هو المعوج رأسها.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع تقديم وتأخير (المسند ١١/ ٣٨٨ ح ٦٧٧٤) وضعفه محققوه لجهالة أبي ثُمامة الثقفي.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٣٣ ح ٦٤٩٤) وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٧) سنن أبي داود، الأدب، باب في الرحمة (ح ٤٩٤١)، وسنن الترمذي، البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين (ح ١٩٢٤). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٣٢).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٩٨ ح ١٦٥٩) وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٩) (المسند ١/ ١٩٤)، وسنن أبي داود، الزكاة، باب في صلة الرحم (ح ١٦٩٤)، وسنن الترمذي، البر والصلة، باب ما جاء في قطيعة الرحم (ح ١٩٠٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٤٨٦).","vol":"6","page":660},{"text":"يونس، عن الحجاج بن الفرافصة، عن أبي عمر البصري، عن سليمان قال: قال رسول الله ﷺ: \"الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف\" (^١) وبه قال رسول الله ﷺ: \"إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسنة وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه فعند ذلك لعنهم الله وأصمهم وأعمى أبصارهم\" (^٢).\n[والأحاديث في هذا كثيرة، والله أعلم] (^٣).\n\n<span id=\"aya-4569\"></span>﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾.\nيقول تعالى آمرًا بتدبر القرآن وتفهمه وناهيًا عن الإعراض عنه فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ أي: بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه.\nقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: تلا رسول الله ﷺ يومًا ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾؟ فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى يكون الله تعالى يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر ﵁ حتى ولي فاستعان به (^٤).\n\n<span id=\"aya-4570\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ أي: فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي: زين لهم ذلك وحسنه ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ أي: غرهم وخدعهم\n\n<span id=\"aya-4571\"></span>﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ أي: مالؤوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون. ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ أي: ما يسرون وما يخفون، الله مطلع عليه وعالم به كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١].\n\n<span id=\"aya-4572\"></span>\n\n<span id=\"aya-4573\"></span>ثم قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾ أي: كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعاصت الأرواح في أجسادهم واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب، كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٥٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: بالضرب ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] ولهذا قال ههنا: ﴿ذَلِكَ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في سورة الكهف آية ١٤.\n(^٢) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٦/ ٢٦٣ ح ٦١٦٩) قال الهيثمي: فيه جماعة لم أعرفهم (مجمع الزوائد ٧/ ٢٨٧).\n(^٣) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل.","vol":"6","page":661},{"text":"بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾.\n\n<span id=\"aya-4574\"></span>﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩)﴾؟ أي: أيعتقد المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟ بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمهم ذوو البصائر، وقد أنزل الله تعالى في ذلك سورة براءة فبين فيها فضائحهم، وما يعتمدونه من الأفعال الدالَّة على نفاقهم، ولهذا كانت تسمى الفاضحة. والأضغان: جمع ضغن وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره.\n\n<span id=\"aya-4575\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ يقول تعالى ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عيانًا، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين سترًا منه على خلقه، وحملًا للأمور على ظاهر السلامة وردًا للسرائر إلى عالمها ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي: فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه.\nوفي الحديث: \"ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله تعالى جلبابها إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر\" (^١).\nوقد ذكرنا ما يستدل به على نفاق الرجل وتكلمنا على نفاق العمل والاعتقاد في أول شرح البخاري بما أغنى عن إعادته ههنا، وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين.\nقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سلمة، عن عياض بن عياض، عن أبيه، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: \"إن منكم منافقين فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، قم يا فلان قم يا فلان، حتى سمى ستة وثلاثين رجلًا ثم قال: إن فيكم - أو منكم - منافقين فاتقوا الله\" قال فمَّر عمر ﵁ برجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه فقال: ما لك؟ فحدثه بما قال رسول الله ﷺ فقال: بُعدًا لك سائر اليوم (^٢).\n\n<span id=\"aya-4576\"></span>وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي: لنختبرنكم بالأوامر والنواهي ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ وليس في تقدم علم الله تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب، فالمراد حتى نعلم وقوعه ولهذا يقول ابن عباس في مثل هذا: إلا لنعلم أي: لنرى.\n_________\n(^١) أسنده الحافظ في تفسير سورة الفتح آية ٢٩ وسيأتي تخريجه وتضعيفه هناك.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٣٦ ح ٢٢٣٤٨) قال محققوه: إسناده ضعيف لجهالة عياض الراوي عن ابن مسعود، ومتنه منكر.","vol":"6","page":662},{"text":"<span id=\"aya-4577\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾.\nيخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله وخالف الرسول وشاقه، وارتدَّ عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى أنه لن يضر الله شيئًا، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية كما أن الحسنات يذهبن السيئات.\n\n<span id=\"aya-4578\"></span>\n\n<span id=\"aya-4579\"></span>وقد قال الإمام أحمد بن نصر المروزي في \"كتاب الصلاة\": حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع \"لا إله إلا الله\" ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل فنزلت ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فخافوا أن يبطل الذنب العمل (^١)، ثم روي عن طريق عبد الله بن المبارك أخبرني بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش ونرجو لمن لم يصبها (^٢).\nثم أمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: بالردة، ولهذا قال بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)﴾ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية.\n\n<span id=\"aya-4580\"></span>ثم قال لعباده المؤمنين: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا عن الأعداء ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي: المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعُددكم، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ أي: في حال علوكم على عدوكم، فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة، والمعاهدة مصلحة فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ حين صدَّه كفارة قريش عن مكة ودعوه إلى الصلح، ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم ﷺ إلى ذلك.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئًا.\n_________\n(^١) أخرجه المروزي بسنده ومتنه (تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٦٤٥ ح ٦٩٨) وسنده مرسل.\n(^٢) سنده حسن، وتقدم نحوه في تفسير سورة النساء آية ٤٨.","vol":"6","page":663},{"text":"<span id=\"aya-4581\"></span>﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾.\nيقول تعالى تحقيرًا لأمر الدنيا وتهوينًا لشأنها: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: حاصلها ذلك إلا ما كان منها لله ﷿، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ أي: هو غني عنكم لا يطلب منكم شيئًا وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساة لإخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم ويرجع ثوابه إليكم.\n\n<span id=\"aya-4582\"></span>ثم قال: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ أي: يحرجكم تبخلوا ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ قال قتادة: قد علم الله تعالى أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان. وصدق قتادة فإن المال محبوب ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه.\n\n<span id=\"aya-4583\"></span>وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ﴾ أي: لا يجيب إلى ذلك ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: إنما نقص نفسه من الأجر وإنما يعود وبال ذلك عليه ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه دائمًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ أي: بالذات إليه، فوصفه بالغني وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم لا ينفكون عنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أي: عن طاعته واتباع شرعه ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ أي: ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره.\nوقال ابن أبي حاتم وابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ثم قال: \"هذا وقومه ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس\" (^١). تفرد به مسلم بن خالد الزنجي، ورواه عنه غير واحد، وقد تكلم فيه بعض الأئمة رحمة الله عليهم، والله أعلم.\nآخر تفسير سورة القتال.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البستي من طريق مسلم بن خالد به. وفي سنده مسلم بن خالد الزنجي فيه مقال قد روي من طرق أخرى فأخرجه الترمذي من طريق شيخ من أهل المدينة عن العلاء به ثم قال: غريب في إسناد مقال. وأخرجه أيضًا من طريق عبد الله بن جعفر بن نجيح عن العلاء به (السنن، التفسير، باب ومن سورة محمد ﷺ ح ٣٢٦٠ و٣٢٦١) وعبد الله بن جعفر بن نجيح: ضعيف (التقريب ص ٢٩٩)، وصححهما الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٥٩٨ - ٢٥٩٩).\nوأخرجه الحاكم من طريق عبد العزيز بن محمد عن العلاء به لكن بدون قوله \"ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس\". وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٥٨).","vol":"6","page":664},{"text":"<span data-type='title' id=toc-171>سُورَةُ الفَتْحِ</span>\nوهي مدنية\nقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح في مسيره سورة الفتح على راحلته فرجَّع (^١) فيها قال معاوية: لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا لحكيت قراءته (^٢). أخرجاه من حديث شعبة به (^٣).\n\n<span id=\"aya-4584\"></span>\n\n<span id=\"aya-4585\"></span>﷽\n﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾.\nنزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله ﷺ، من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام فيقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلى ذلك على تكره من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب ﵁ كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى، فلما نحر هديه حيث أُحصر ورجع أنزل الله ﷿ هذه السورة من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة وما آل الأمر إليه، كما روى ابن مسعود ﵁ وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية (^٤).\nوقال الأعمش: عن أبي سفيان، عن جابر ﵁ قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية (^٥).\nوقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مائة. والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتانا فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض\n_________\n(^١) أي: ردد صوته بالقراءة وكيفيته: ءا ءا ءا ثلاث مرات هكذا ذكره البخاري في كتاب التوحيد (ح ٧٥٤) وينظر فتح الباري (٨/ ٥٨٤).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٤) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، سورة الفتح ٤٨٣٥، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب ذكر قراءة النبي ﷺ سورة الفتح يوم مكة (ح ٧٩٤).\n(^٤) يشهد له رواية البخاري عن البراء ﵁ التالية.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به ويشهد له ما يليه.","vol":"6","page":665},{"text":"ودعا ثم صبَّه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا (^١) ما شئنا نحن وركائبنا (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نوح، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر قال: فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد عليّ، قال: فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب نزرت (^٣) على رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلم يرد عليك؟ قال: فركبت راحلتي فحركت بعيري فتقدمت مخافة أن يكون نزل فيّ شيء، قال: فإذا أنا بمناد يا عمر، قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل فيّ شيء قال: فقال النبي ﷺ: \"نزل عليَّ البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (^٤) \". ورواه البخاري والترمذي والنسائي من طرق عن مالك ﵀ (^٥)، وقال علي بن المديني: هذا إسناد مدينتي جيد لم نجده إلا عندهم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: نزلت على النبي ﷺ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مرجعه من الحديبية. قال النبي ﷺ: \"لقد أنزلت عليَّ الليلة آية أحب إليّ مما على الأرض\" ثم قرأها عليهم النبي ﷺ فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبي الله لقد بين الله ﷿ ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه ﷺ: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ حتى بلغ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥] (^٦). أخرجاه في الصحيحين من رواية قتادة به (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا مجمع بن يعقوب قال: سمعت أبي يحدث عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن عمه مجمع بن حارثة الأنصاري ﵁، وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إذا الناس ينفرون (^٨) الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ فخرجنا مع الناس نوجف فإذا رسول الله ﷺ على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ قال: فقال: رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أي رسول الله أو فتح هو؟ قال ﷺ: \"إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح\" فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهمًا. وكان الجيش ألفًا وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس أعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهمًا (^٩). ورواه أبو\n_________\n(^١) أي: صرفتنا وقد روينا.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب غزوة الحديبية ح ٤١٥٠).\n(^٣) أي: ألححت.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣١) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، المغازي، غزوة الحديبية (ح ٤١٧٧)، وسنن الترمذي التفسير، باب ومن سورة الفتح (ح ٣٢٦٤)، والسنن الكبرى للنسائي التفسير، (ح ١١٤٩٩).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٩٧) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ٤١٧٢)، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب صلح الحديبية (ح ١٧٨٦).\n(^٨) أي: يزجرون إبلهم ويدفعونها.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ٢١٢، ٢١٣ ح ١٥٤٦٩) وضعف سنده محققوه.","vol":"6","page":666},{"text":"داود في الجهاد، عن محمد بن عيسى، عن مجمع بن يعقوب به (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا أبو [بحر، حدثنا شعبة] (^٢)، حدثنا جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: لما أقبلنا من الحديبية عرسنا فنمنا فلم نستيقظ إلا والشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله ﷺ نائم قال: فقلنا أيقظوه. فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: \"افعلوا ما كنتم تفعلون وكذلك يفعل من نام أو نسي\" قال: وفقدنا ناقة رسول الله ﷺ فطلبناها فوجدناها قد تعلق خطامها بشجرة، فأتيته بها فركبها فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي قال: وكان إذا أتاه الوحي اشتد عليه، فلما سري عنه أخبرنا أنه أنزل عليه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ (^٣). وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي من غير وجه عن جامع بن شداد به (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: كان النبي ﷺ يصلي حتى ترم قدماه فقيل له أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ﷺ: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ \" (^٥). أخرجاه وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث زياد به (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر، عن ابن قسيط، عن ابن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه (^٧)، فقالت له عائشة ﵂: يا رسول الله ﷺ أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ﷺ: \"يا عائشة أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ \" (^٨) أخرجه مسلم في الصحيح من رواية عبد الله بن وهب به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عوف الخراز - وكان ثقة بمكة -، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا مسعر عن قتادة، عن أنس قال: قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه - أو قال ساقاه - فقيل له أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا\" (^٩)؟ غريب من هذا الوجه.\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الجهاد، باب فيمن أسهم له سهمًا (ح ٢٧٣٦).\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض وسطه كلمة: \"ثنا\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه أبو داود من طريق شعبة به. (السنن، الصلاة، باب في من نام عن الصلاة أو نسيها ح ٤٤٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣٠).\n(^٤) (المسند ١/ ٤٦٤) والسنن الكبرى للنسائي (ح ٨٨٥٣).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٥٥) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ. . .﴾ الفتح: ٢] (ح ٤٨٣٧)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة (ح ٢٨١٩).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١١٥) وسنده صحيح.\n(^٨) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٨٢٠).\n(^٩) أخرجه الطبراني من طريق عبد الله الخراز به (المعجم الأوسط ح ٥٧٣٧) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ٢/ ٢٧٤) ويشهد له سابقه.","vol":"6","page":667},{"text":"فقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ أي: بينًا وظاهرًا والمراد به صلح الحديبية، فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر وانتشر العلم النافع والإيمان.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ هذا من خصائصه ﷺ التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ، وهو ﷺ في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو ﷺ أكمل البشر على الإطلاق وسيدهم في الدنيا والآخرة، ولما كان أطوع خلق الله تعالى لله وأشدهم تعظيمًا لأوامره ونواهيه قال حين بركت به الناقة: \"حبسها حابس الفيل\" ثم قال: \"والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم شيئًا يعظمون به حرمات الله إلا أجبتهم إليها\" (^١) فلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح قال الله تعالى له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي: بما يشرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم\n\n<span id=\"aya-4586\"></span>﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ أي: في الدنيا والآخرة ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ بسبب خضوعك لأمر الله يرفعك الله وينصرك على أعدائك كما جاء في الحديث الصحيح \"وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله\" (^٢).\nوعن عمر بن الخطاب أنه قال: ما عاقبت أحدًا عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله ﵎ فيه.\n\n<span id=\"aya-4587\"></span>﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: جعل الطمأنينة، قاله ابن عباس وعنه: الرحمة (^٣).\nوقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين، وهم الصحابة، يوم الحديبية الذين استجابوا لله ولرسوله وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم بذلك واستقرَّت زادهم إيمانًا مع إيمانهم، وقد استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب، ثم ذكر تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين فقال: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ولو أرسل عليهم ملكًا واحدًا لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة والبراهين الدامغة، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من حديث المسور بن مخرمة ومروان مطولًا (الصحيح، الشروط، باب الشروط في الجهاد ح ٢٧٣١، ٢٧٣٢).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٢٩.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"6","page":668},{"text":"<span id=\"aya-4588\"></span>ثم قال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ قد تقدم حديث أنس حين قالوا: هنيئًا لك يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (^١) أي: ماكثين فيها أبدًا ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: خطاياهم وذنوبهم فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر ويستر ويرحم ويشكر ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ كقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].\n\n<span id=\"aya-4589\"></span>\n\n<span id=\"aya-4590\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أي: يتهمون الله تعالى في حكمه ويظنون بالرسول ﷺ وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ أي: أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ثم قال مؤكدًا لقدرته على الانتقام من الأعداء أعداء الإسلام ومن الكفرة والمنافقين ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾.\n\n<span id=\"aya-4591\"></span>\n\n<span id=\"aya-4592\"></span>﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾.\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ أي: على الخلق ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ أي: للمؤمنين ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: للكافرين وقد تقدم تفسيرها في سورة الأحزاب (^٢). ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: تعظموه (^٣) ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي: تسبحون الله ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: أول النهار وآخره.\n\n<span id=\"aya-4593\"></span>ثم قال لرسوله ﷺ تشريفًا له وتعظيمًا وتكريمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ كقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول الله ﷺ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة].\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الفضل بن يحيى الأنباري: حدثنا علي بن بكار، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال سول الله ﷺ: \"من سلَّ سيفه في سبيل الله فقد بايع الله\" (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في مطلع تفسير هذه السورة الكريمة.\n(^٢) في الآية ٤٥.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ومعناه صحيح وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن مردوية وضعفه (ينظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير ٦/ ١٥٤).","vol":"6","page":669},{"text":"وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر: \"والله ليبعثنَّه الله يوم القيامة له عينان ينظر بهما ولسان ينطق به ويشهد على من استلمه بالحق، فمن استلمه فقد بايع الله تعالى\" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (^١). ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود وبال ذلك على الناكث والله غني عنه ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان وكانت تحت شجرة سمر بالحديبية، وكان الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ يومئذٍ قيل: ألفًا وثلاثمائة، وقيل: وأربعمائة، وقيل: وخمسمائة، والأوسط أصح.\nذكر الأحاديث الواردة في ذلك:\nقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة (^٢).\nورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به (^٣)، وأخرجاه أيضًا من حديث الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: كنا يومئذٍ ألفًا وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى رووا كلهم (^٤)، وهذا مختصر من سياق آخر حين ذكر قصة عطشهم يوم الحديبية، وأن رسول الله ﷺ أعطاهم سهمًا من كنانته فوضعوه في بئر الحديبية، فجاشت بالماء حتى كفتهم فقيل لجابر: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: كنا ألفًا وأربعمائة ولو كنا مائة ألف لكفانا، وفي رواية في الصحيحين عن جابر أنهم كانوا خمس عشرة مائة (^٥).\nوروى البخاري من حديث قتادة قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة (^٦)، [قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة قال ﵀: وهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة] (^٧) قال البيهقي: هذه الرواية تدل على أنه كان في القديم يقول خمس عشرة مائة، ثم ذكر الوهم فقال أربع عشرة مائة (^٨)، وروى\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٥/ ٩١ ح ٢٢١٥)، وابن ماجه (السنن، المناسك، باب استلام الحجر ح ٢٩٤٤) من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم به بدون ذكر الآية، وصححه محققو المسند، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٣٨٢)\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] ح ٤٨٤٠).\n(^٣) صحيح مسلم، الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش. (ح ١٨٥٦/ ٧١).\n(^٤) صحيح البخاري، الأشربة، باب شُرب البركة (ح ٥٦٣٩)، وصحيح مسلم، الإمارة، الباب السابق (ح ١٨٥٦/ ٧٤) واللفظ للبخاري ولفظ مسلم ليس فيه معجزة نبع الماء.\n(^٥) نفس المصدرين السابقين (صحيح مسلم ح ١٨٥٦/ ٧٢ وصحيح البخاري ح ٥٦٣٩).\n(^٦) أخرجه البخاري من طريق سعيد، وهو ابن أبي عروبة عن قتادة به (الصحيح، المغازي، غزوة الحديبية ح ٤١٥٣). وقد جمع الحافظ ابن حجر فقال: والجمع بين هذا الاختلاف عن جابر أنهم كانوا زيادة على ألف وأربعمائة، فمن اقتصر عليها ألغى الكسر، ومن قال: ألف وخمسمائة جبره (فتح الباري ٧/ ١٠٢).\n(^٧) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٨) دلائل النبوة ٤/ ٩٧.","vol":"6","page":670},{"text":"العوفي، عن ابن عباس أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين (^١)، والمشهور الذي رواه غير واحد عنه أربع عشرة مائة، وهذا هو الذي رواه البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن العباس الدوري، عن يحيى بن معين، عن شبابة بن سوار، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة (^٢)، وكذلك هو الذي في رواية سلمة بن الأكوع ومعقل بن يسار والبراء بن عازب، وبه يقول غير واحد من أصحاب المغازي والسير.\nوقد أخرج صاحبا الصحيح من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى ﵁ يقول: كان أصحاب الشجرة ألفًا وأربعمائة وكانت أسلم يومئذٍ ثمن المهاجرين (^٣).\nوروى محمد بن إسحاق في السيرة عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل كل بدنة عن عشرة نفر، وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني عنه يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة (^٤) مائة، كذا قال ابن إسحاق وهو معدود من أوهامه، فإن المحفوظ في الصحيحين أنهم كانوا بضع عشرة مائة، [كما سيأتي إن شاء الله تعالى] (^٥).\nذكر سبب هذه البيعة العظيمة:\nقال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: ثم دعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظي عليها، ولكني أدلُّك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائرًا لهذا البيت ومعظمًا لحرمته، فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ. واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل، قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: \"لا نبرح حتى نناجز القوم\".\nودعا رسول الله الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون:\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف العوفي والراوي عنه.\n(^٢) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٤/ ٩٨) ويشهد له ما سبق في الصحيحين من حديث جابر ﵁.\n(^٣) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الحديبية (ح ٤١٥٥) وصحيح مسلم، الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال (ح ١٨٥٧).\n(^٤) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٣/ ٢٦٥).\n(^٥) زيادة من (حم) و(مح).","vol":"6","page":671},{"text":"بايعهم رسول الله ﷺ على الموت، وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعهم على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر (^١)، فبايع الناس ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجدّ بن قيس أخو بني سلمة، فكان جابر يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته، قد صبأ إليها يستتر بها من الناس، ثم أتى رسول الله ﷺ أن الذي كان من أمر عثمان باطل (^٢).\nوذكر ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير قريبًا من هذا السياق، وزاد في سياقه أن قريشًا بعثوا وعندهم عثمان، سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص إلى رسول الله ﷺ، فبينما هم عندهم إذ وقع كلام بين بعض المسلمين وبعض المشركين، وتراموا بالنبل والحجارة وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل من الفريقين من عنده من الرسل، ونادى منادي رسول الله ﷺ: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ: بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوا، فسار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفروا أبدًا. فأرعب ذلك المشركين وأرسلوا من كان عندهم من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح (^٣).\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا علي بن أمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن [عبيد] (^٤) الصفار، حدثنا هشام، حدثنا الحسن بن بشر، حدثا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان ﵁ رسولَ رسولِ الله ﷺ إلى أهل مكة، فبايع الناس فقال رسول الله ﷺ: \"اللَّهمَّ إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله\" فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم (^٥).\nقال ابن هشام: حدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر قال: بايع رسول الله ﷺ لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال عبد الملك بن هشام النحوي: فذكر وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: إن أول من بايع رسول الله بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي (^٦).\nوقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ: \"علَام تبايعني؟ \" فقال أبو سنان: على ما في نفسك، هذا أبو سنان وهب الأسدي ﵁ (^٧).\nوقال البخاري: حدثنا شجاع بن الوليد أنه سمع النضر بن محمد يقول: حدثنا صخر، عن\n_________\n(^١) قول جابر أخرجه مسلم (المصدر السابق ح ١٨٥٦/ ٦٨).\n(^٢) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٢/ ٣١٥).\n(^٣) دلائل النبوة للبيهقي ٤/ ١١٢. وسنده مرسل وله شواهد تقويه.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: \"عبد\".\n(^٥) سنده ضعيف لضعف الحكم بن عبد الملك (التقريب ص ١٧٥).\n(^٦) السيرة النبوية ٢/ ٣١٦، والسند الأول ضعيف لإبهام شيخ ابن هشام، والسند الثاني مرسل.\n(^٧) أخرجه البيهقي من طريق الحميدي به (دلائل النبوة ٤/ ١٣٧) وسنده مرسل.","vol":"6","page":672},{"text":"نافع قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار، أن يأتي به، ليقاتل عليه ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله ﷺ وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر (^١).\nثم قال البخاري، وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عمر بن محمد العمري، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: إن الناس كانوا مع رسول الله ﷺ قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ فقال يعني: عمر: يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ؟ فوجدهم يبايعون فبايع، ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع (^٢). وقد أسنده البيهقي، عن أبي عمرو الأديب، عن أبي بكر الإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن دُحيم، حدثني الوليد بن مسلم … فذكره.\nوقال الليث: عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه، وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة وقال: بايعناه على أن لا نفرَّ ولم نبايعه على الموت (^٣). رواه مسلم عن قتيبة عنه.\nوروى مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زُريع، عن خالد، عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفرَّ (^٤).\nوقال البخاري: حدثنا المكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال يزيد: قلت يا أبا مسلمة على أي شيء كنتم تبايعون يومئذٍ؟ قال: على الموت (^٥).\nوقال البخاري أيضًا: حدثنا أبو عاصم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ثم تنحيت فقال ﷺ: \"يا سلمة ألا تبايع؟ \" قلت: قد بايعت، قال ﷺ: \"أقبل فبايع\". فدنوت فبايعته، قلت: علامَ بايعته يا سلمة؟ قال: على الموت (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب غزوة الحديبية ح ٤١٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري معلقًا بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤١٨٧)، قال الحافظ ابن حجر: وقد وصله الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن دُحيم وهو عبد الرحمن بن إبراهيم عن الوليد بن مسلم بالإسناد المذكور. (فتح الباري ٧/ ٤٥٦).\n(^٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال ح ١٨٥٦/ ٦٧).\n(^٤) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ١٨٥٨).\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الجهاد، باب البيعة في الحرب أن لا يفروا ح ٢٩٦٠).\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده بنحوه (الصحيح، الأحكام، باب من بايع مرتين (ح ٧٢٠٨).","vol":"6","page":673},{"text":"وأخرجه مسلم من وجه آخر عن يزيد بن أبي عبيد (^١)، وكذا روى البخاري عن عباد بن تميم أنهم بايعوه على الموت (^٢).\nوقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عكرمة بن عمار يمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، فقعد رسول الله ﷺ على جباها يعني الركي (^٣)، فإما دعا وإما بصق فيها فجاشت فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا إلى البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط الناس قال ﷺ: \"بايعني يا سلمة\" قال: فقلت يا رسول الله: قد بايعتك في أول الناس قال ﷺ: \"وأيضًا\" قال ورآني رسول الله ﷺ عزلًا فأعطاني حجفة أو درقة (^٤)، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس، قال ﷺ: \"ألا تبايع يا سلمة؟ \" قال: قلت يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم، قال ﷺ: \"وأيضًا\" فبايعته الثالثة، فقال رسول الله ﷺ: \"يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ \" قال: قلت يا رسول الله ﷺ لقيني عامر عزلًا فأعطيتها إياه، فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: \"إنك كالذي قال الأول اللَّهمَّ ابغني حبيبًا هو أحب إلي من نفسي\".\nقال: ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح حتى مشى بعضنا في بعض فاصطلحنا. قال: وكنت خادمًا لطلحة بن عبيد الله ﵁ أسقي فرسه وأحسّه وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرًا إلى الله ورسوله، فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا في بعض أتيت شجرة فكَسَحت شوكها، ثم اضطجعت في أصلها في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم وتحولت إلى شجرة أخرى فعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زُنيم! فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة، وهم رقود، فأخذت سلاحهم وجعلته ضغثًا في يدي ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه! قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له: مكرز من المشركين يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ وقال: \"دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه\" فعفا عنهم رسول الله ﷺ وأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [الفتح: ٢٤] (^٥)، وهكذا رواه مسلم، عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه بسنده نحوه أو قريبًا منه (^٦).\nوثبت في الصحيحين من حديث أبي عوانة، عن طارق، عن سعيد بن المسيب قال: كان أبي\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش … (ح ١٨٦٠).\n(^٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب البيعة في الحرب أن لا يفروا (ح ٢٩٥٩).\n(^٣) أي: البئر.\n(^٤) أي: نوع من التروس.\n(^٥) دلائل النبوة ٤/ ١٣٨ وأغلبه في صحيح مسلم كما يلي.\n(^٦) صحيح مسلم، الجهاد، باب غزوة ذي قرد وغيرها (ح ١٨٠٧).","vol":"6","page":674},{"text":"ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فانطلقنا من قابل حاجِّين فخفي علينا مكانها، فإن كان تبينت لكم فأنتم أعلم (^١).\nوقال أبو بكر الحميدي (^٢): حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، حدثنا جابر ﵁ قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة وجدنا رجلًا منا يقال له: الجدُّ بن قيس مختبئًا تحت إبط بعيره، رواه مسلم من حديث ابن جريج، عن ابن الزبير به (^٣).\nوقال الحميدي أيضًا: حدثنا سفيان، عن عمرو سمع جابرًا قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فقال لنا رسول الله ﷺ: \"أنتم خير أهل الأرض اليوم\" قال جابر ﵁: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة، قال سفيان: إنهم اختلفوا في موضعها (^٤). أخرجاه من حديث سفيان (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة\" (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن هارون الفلاس المخرمي، حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي، حدثنا محمد بن ثابت العبدي، عن خداش بن عياش، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر\" قال: فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضلَّ بعيره فقلنا: تعال فبايع. فقال: أصيب بعيري أحب إليّ من أن أبايع (^٧).\nوقال عبد الله بن أحمد: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا قرة، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحطّ عنه ما حطّ عن بني إسرائيل\" فكان أول من صعد خيل بني الخزرج ثم تبادر الناس بعد، فقال النبي ﷺ: \"كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر\" فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ. فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إليَّ من أن يستغفر لي صاحبكم، فإذا هو رجل ينشد ضالة، رواه مسلم، عن عبيد الله به (^٨).\nوقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا ﵁ يقول: أخبرتني أُم مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة ﵂: \"لا يدخل النار إن شاء الله تعالى من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد\" قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا\n_________\n(^١) صحيح البخاري، المغازي، غزوة الحديبية (ح ٤١٦٣) وصحيح مسلم، الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش … (ح ١٨٥٩).\n(^٢) مسند الحميدي ٢/ ٥٣٧ وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٨٥٦/ ٦٩).\n(^٤) مسند الحميدي ٢/ ٥١٤ وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، الباب السابق، (ح ٤١٥٤)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٨٥٦/ ٦٨).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٢٣/ ٩٣ ح ١٤٧٧٨) وصحح سنده محققوه.\n(^٧) في سنده محمد بن ثابت العبدي: صدوق لين الحديث. (التقريب ص ٤٧١) وأصله في الصحيح كما يلي:\n(^٨) صحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٨٠).","vol":"6","page":675},{"text":"وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فقال النبي ﷺ: قد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم] رواه مسلم (^١)، وفيه أيضًا عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: إن عبدًا لحاطب بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله ﷺ: \"كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدرًا والحديبية\" (^٢). ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح].\n\n<span id=\"aya-4594\"></span>﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا رسوله ﷺ بما يعتذر به المخلفون من الأعراب الذين اختاروا المقام في أهليهم وشغلهم وتركوا المسير مع رسول الله ﷺ فاعتذروا بشغلهم لذلك وسألوا أن يستغفر لهم الرسول ﷺ وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد بل على وجه التقية والمصانعة، ولهذا قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر أحد أن يرد ما أراده الله فيكم تعالى وتقدس، وهو العليم بسرائركم وإن صانعتمونا ونافقتمونا، ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.\n\n<span id=\"aya-4595\"></span>ثم قال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي: لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص بل تخلف نفاق ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي: اعتقدتم أنهم يقتلون وتستأصل شأفتهم، وتستباد خضراؤهم ولا يرجع منهم مخبر ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي: هلكى، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد (^٣)، وقال قتادة: فاسدين (^٤)، وقيل هي لغة عمان (^٥).\n\n<span id=\"aya-4596\"></span>\n\n<span id=\"aya-4597\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من طريق ابن جريج به (الصحيح، فضائل الصحابة، باب من فضائل أصحاب الشجرة ح ٢٤٩٦).\n(^٢) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر ح ٢٤٩٥).\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) ذكره الطبري.","vol":"6","page":676},{"text":"ثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السماوات والأرض ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب وخضع لديه.\n\n<span id=\"aya-4598\"></span>﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في عمرة الحديبية، إذ ذهب النبي ﷺ وأصحابه إلى خيبر يفتحونها أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله تعالى رسوله ﷺ أن لا يأذن لهم في ذلك معاقبة لهم من جنس ذنبهم فإن الله تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم، لا يشاركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعًا ولا قدرًا ولهذا قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾.\nقال مجاهد وقتادة وجويبر: وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية (^١). واختاره ابن جرير.\nوقال ابن زيد: هو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾ (^٢) [التوبة]. وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر؛ لأن هذه الآية التي في براءة نزلت في غزوة تبوك وهي متأخرة عن عمرة الحديبية.\nوقال ابن جريج: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني: بتثبيطهم المسلمين عن الجهاد (^٣).\n﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وعد الله أهل الحديبية [قبل سؤالكم] (^٤) الخروج معهم ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ أي: أن نشرككم في المغانم ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا، ولكن لا فهم لهم.\n\n<span id=\"aya-4599\"></span>\n\n<span id=\"aya-4600\"></span>﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾.\nاختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم الذين هم أولو بأس شديد على أقوال:\n(أحدها): أنهم هوازن، رواه شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير أو عكرمة أو جميعًا،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) نسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض ولفظ: \"لكم\".","vol":"6","page":677},{"text":"ورواه هشيم، عن أبي بشر عنهما (^١). وبه يقول قتادة في رواية عنه (^٢).\n(الثاني): ثقيف، قاله الضحاك.\n(الثالث): بنو حنيفة، قاله جويبر ورواه محمد بن إسحاق، عن الزهري وروي مثله عن سعيد وعكرمة (^٣).\n(الرابع) هم أهل فارس، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٤)، وبه يقول عطاء ومجاهد وعكرمة في إحدى الروايات عنه (^٥).\nوقال كعب الأحبار: هم الروم (^٦)، وعن ابن أبي ليلى وعطاء والحسن وقتادة: وهم فارس والروم (^٧).\nوعن مجاهد: هم أهل الأوثان (^٨).\nوعنه أيضًا: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة، وبه يقول ابن جريج وهو اختيار ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق القواريري، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: لم يأت أولئك بعد (^٩).\nوحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي خالد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: هم البارزون (^١٠).\nقال: وحدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة\" قال سفيان: هم الترك (^١١). قال ابن أبي عمر: وجدت في مكان آخر، حدثنا ابن أبي خالد، عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة ﵁ ففسر قول رسول الله ﷺ: \"تقاتلوا قومًا نعالهم\n_________\n(^١) أخرجه البستي والطبري بسند صحيح من طريق هشيم به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (فضائل الصحابة ١٥١٧)، والطبري كلاهما من طريق ابن إسحاق عن الزهري.\n(^٤) أخرجه البيهقي بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به. (دلائل النبوة ٤/ ١٦٦).\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق الفرج بن محمد الكلاعي عن كعب.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح عن ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٨) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق محمد بن ثور عن معمر عن الزهري.\n(^١٠) أخرجه البُستي بسنده ومتنه، وفي سنده والد إسماعيل وهو مقبول كما في التقريب.\n(^١١) أخرجه الشيخان من طريق سفيان به بلفظ: \"لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا كأن وجوههم المجان المطرقة\". (صحيح البخاري، الجهاد، باب قتال الذين ينتعلون الشعر ح ٢٩٢٩) وصحيح مسلم، الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء (ح ٢٩١٢)، وأما لفظ: \"صغار الأعين ذلف الأُنف\" فأخرجه مسلم (المصدر السابق ٢٩١٢/ ٦٤).","vol":"6","page":678},{"text":"الشعر\" قال: هم البارزون، يعني: الأكراد (^١).\nوقوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ يعني: شرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرًا عليهم، ولكم النصرة عليهم أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار.\nثم قال ﷿: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي: تستجيبوا وتنفروا في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ثم ذكر الأعذار في ترك الجهاد فمنها لازم: كالعمى والعرج المستمر. وعارض: كالمرض الذي يطرأ أيامًا ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ.\nثم قال تعالى مرغبًا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: ينكل عن الجهاد ويقبل على المعاش ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالنار.\n\n<span id=\"aya-4601\"></span>\n\n<span id=\"aya-4602\"></span>﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾.\nيخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض الحديبية.\nقال البخاري: حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن طارق أن عبد الرحمن ﵁ قال: انطلقت حاجًّا فمررت بقوم يصلّون فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم (^٢).\nوقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من الصدق والوفاء والسمع والطاعة ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ وهي الطمأنينة ﴿عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم سائر البلاد والأقاليم عليهم وما حصل لهم من العزِّ والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا موسى يعني: ابن عبيدة، حدثني إياس بن سلمة، عن أبيه قال: بينما نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: أيها الناس، البيعة البيعة نزل روح القدس، قال: فثرنا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه، فذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قال: فبايع رسول الله ﷺ لعثمان بإحدى يديه على الأخرى\n_________\n(^١) أخرجه البُستي بسنده ومتنه، وفي سنده والد إسماعيل مقبول كما في التقريب.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب غزوة الحديبية ح ٤١٦٣).","vol":"6","page":679},{"text":"فقال الناس: هنيئًا لابن عفان يطوف بالبيت ونحن ههنا. فقال رسول الله ﷺ: \"لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف\" (^١).\n\n<span id=\"aya-4603\"></span>﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾.\nقال مجاهد في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ هي جميع المغانم إلى اليوم (^٢).\n﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ يعني: فتح خيبر (^٣)، وروى العوفي، عن ابن عباس ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾: يعني: صلح الحديبية (^٤).\n﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي: لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال، وكذلك كفَّ أيدي الناس عنكم الذين خلفتموهم وراء ظهوركم عن عيالكم وحريمكم.\n﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يعتبرون بذلك، فإن الله تعالى حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم إنه العالم بعواقب الأمور، وإن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر كما قال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله ﷺ.\n\n<span id=\"aya-4604\"></span>وقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)﴾ أي: وغنيمة أخرى وفتحًا آخر معينًا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يسرها الله عليكم وأحاد بها لكم، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون.\nوقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة ما المراد بها فقال العوفي، عن ابن عباس: هي خيبر (^٥)، وهذا على قوله تعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ إنها صلح الحديبية، وقاله الضحاك وابن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٦).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة، وأخرجه الطبراني من طريق موسى به (المعجم الكبير ١/ ٩٠) وضعفه الهيثمي. (مجمع الزوائد ٩/ ٨٤).\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) تخريجه كسابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به بلفظ: \"الصلح\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.\n(^٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق وهب بن جرير عن أبيه عن ابن إسحاق، وأخرجه البستي أيضًا بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.","vol":"6","page":680},{"text":"وقال قتادة: هي مكة (^١). واختاره ابن جرير.\nوقال ابن أبي ليلى والحسن البصري: هي فارس والروم (^٢).\nوقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة (^٣).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن سماك الحنفي، عن ابن عباس ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم (^٤).\n\n<span id=\"aya-4605\"></span>وقوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢)﴾ يقول تعالى مبشرًا لعباده المؤمنين، بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولانهزم جيش الكفر فارًّا مدبرًا لا يجدون وليًا ولا نصيرًا؛ لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-4606\"></span>ثم قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ أي: هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإيمان في موطن إلا نصر الله الإيمان على الكفر فرفع الحق ووضع الباطل، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه المؤمنين نصرهم على أعدائه من المشركين مع قلة عدد المسلمين وعَددهم وكثرة المشركين وعُددهم.\n\n<span id=\"aya-4607\"></span>وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾ هذا امتنان من الله على عباده المؤمنين حين كفَّ أيدي المشركين عنهم فلم يصل إليهم منهم سوء، وكفَّ أيدي المؤمنين عن المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلًا من الفريقين وأوجد بينهم صلحًا فيه خير للمؤمنين وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة، وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع حين جاؤوا بأولئك السبعين الأسارى، فأوقفوهم بين يدي رسول الله ﷺ فنظر إليهم فقال: \"أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه\". قال: وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ (^٥) الآية.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلًا من أهل مكة بالسلاح، من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول الله ﷺ فدعا عليهم فأُخذوا. قال عفان: فعفا عنهم ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (^٦). ورواه مسلم وأبو داود في سننه والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما من طرق عن حماد بن سلمة به (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلاغًا.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن، وأخرجه البستي والطبري بسند حسن من طريق الحكم عن ابن أبي ليلى.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) سنده حسن وأخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة به.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير الآية (١٠) من هذه السورة الكريمة.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٢٢) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح مسلم، الجهاد والسير، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] =","vol":"6","page":681},{"text":"وقال أحمد أيضًا: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن [المغفل] (^١) المزني قال: كنا مع رسول الله ﷺ في أصل الشجرة التي قال تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب ﵁. وسهيل بن عمرو بين يديه فقال رسول الله ﷺ لعلي: \"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم\" فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف فقال: اكتب \"باسمك اللهم\"، وكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة\" فأمسك سهيل بن عمرو بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله اكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله \"فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله ﷺ، فأخذ الله تعالى بأسماعهم فقمنا إليهم فأخذناهم\" فقال رسول الله ﷺ: \"هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحدًا أمانًا؟ \" فقالوا: لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (^٢) الآية. رواه النسائي من حديث حسين بن واقد به (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، حدثنا جعفر، عن ابن أبزى قال: لما خرج النبي ﷺ بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر: يا نبي الله، تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع (^٤)؟ قال: فبعث ﷺ إلى المدينة فلم يدع فيها كراعًا ولا سلاحًا إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل فسار حتى أتى منى، فنزل بمنى [فأتاه عينه] (^٥) أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد: \"يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل\" فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله، فيومئذٍ سمي سيف الله، فقال: يا رسول الله ابعثني أين شئت، فبعثه على خيل فلقي عكرمة (^٦) في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إلى ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] قال فكفَّ الله النبي ﷺ عنهم من بعد أن أظفره عليهم [لبقايا] (^٧) من المسلمين كانوا [بقوا فيها] (^٨) كراهية أن تطأهم الخيل (^٩)، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن أبزى بنحوه (^١٠)، وهذا السياق فيه نظر فإنه\n_________\n= (ح ١٨٠٨)، وسنن أبي داود، الجهاد، باب في المن على الأسير بغير فداء (ح ٢٦٨٨) وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الفتح (ح ٣٢٦٤)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٥١٠).\n(^١) كذا في المسند، وفي (مح)، والأصل: \"المغفل\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧/ ٣٥٤، ٣٥٥ ح ١٦٨٠٠) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٥١١)، وأخرجه الحاكم من طريق الحسين بن واقد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٤٦٠).\n(^٤) أي: الخيل.\n(^٥) زيادة من (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.\n(^٦) أي: ابن أبي جهل.\n(^٧) في الأصل بياض واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٨) في الأصل بياض واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله وأن ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف.\n(^١٠) سنده ضعيف لإرساله، وفي متنه غرابة كما قرر الحافظ ابن كثير.","vol":"6","page":682},{"text":"لا يجوز أن يكون عام الحديبية؛ لأن خالدًا لم يكن أسلم بل قد كان طليعة للمشركين يومئذٍ، كما ثبت في الصحيح، ولا يجوز أن يكون [في عمرة القضاء] (^١) لأنهم قاضوه على أن يأتي في العام القابل فيعتمر، ويقيم بمكة ثلاثة أيام، ولما قدم ﷺ لم يمانعوه ولا حاربوه ولا قاتلوه.\nفإن قيل: فيكون يوم الفتح؟ فالجواب: ولا يجوز أن يكون يوم الفتح لأنه لم يسق عام الفتح هديًا، وإنما جاء محاربًا مقاتلًا في جيش عرمرم، فهذا السياق فيه خلل وقد وقع فيه شيء فليتأمل والله أعلم. وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس قال: إن قريشًا بعثوا أربعين رجلًا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصيبوا من أصحابه أحدًا فأخذوا أخذًا، فأُتي بهم رسول الله ﷺ فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا إلى عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل. قال ابن إسحاق: وفي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ (^٢) الآية. وقال قتادة: ذُكر لنا أن رجلًا يقال له: ابن زُنيم اطلع على الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول الله ﷺ خيلًا فأتوه باثني عشر فارسًا من الكفار فقال لهم: \"هل لكم عليَّ عهد؟ هل لكم عليَّ ذمة؟ \" قالوا: لا، فأرسلهم وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية (^٣).\n\n<span id=\"aya-4608\"></span>﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار من مشركي العرب من قريش، ومن مالأهم على نصرتهم على رسول الله ﷺ ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: هم الكفار دون غيرهم ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: أنتم أحق به وأنتم أهله في نفس الأمر.\n﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي: صدوا الهدي أن يصل وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهدي سبعين بدنة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ أي: بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم، لكنا سلطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، ولهذا قال: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ أي: إثم وغرامة ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام، ثم قال: ﴿لَوْ\n_________\n(^١) في الأصل بياض واستدرك من (حم) و(مح).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لإبهام شيخ ابن إسحاق.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن قتادة لكنه مرسل بلفظ: \"زُنيم\" بدل \"ابن زنيم\".","vol":"6","page":683},{"text":"تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلًا ذريعًا.\nقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، حدثنا عبد الرحمن بن أبي عباد المكي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد مولى بني هاشم، حدثنا حجر بن خلف قال: سمعت عبد الله بن عوف يقول: سمعت جنيد بن سبع يقول: قاتلت رسول الله ﷺ أول النهار كافرًا، وقاتلت معه آخر النهار مسلمًا، وفينا نزلت ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ قال: كنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتين (^١). ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن عباد المكي به، وقال فيه، عن أبي جمعة جنيد بن سبع … فذكره (^٢)، والصواب أبو جعفر حبيب بن سباع، ورواه ابن أبي حاتم من حديث حجر بن خلف به قال: كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة، وفينا نزلت ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة، عن أبي حمزة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يقول لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذابًا أليمًا بقتلهم إياهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-4609\"></span>وقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وذلك حين أبوا أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، وأبوا أن يكتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ وهي قول: \"لا إله إلا الله\" كما قال ابن جرير وعبد الله ابن الإمام أحمد. حدثنا الحسن بن قَزَعة أبو علي البصري، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة، عن ثوير، عن أبيه، عن الطفيل، يعني ابن أُبي بن كعب، عن أبيه ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: \"لا إله إلا الله\" (^٤). وكذا رواه الترمذي عن الحسن بن قزعة، وقال غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وسألت أبا زرعة عنه فلم يعرفه إلا من هذا الوجه (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ٢٩٠ ح ٢٢٠٤)، وأخرجه أبو يعلى من طريق حجر بن خلف به (المسند ٣/ ١٢٩ ح ١٥٦٠) قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين، رجال أحدهما ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ١٠٧) وجود سنده السيوطي في الدر المنثور، أما السند الآخر فهو كما يلي.\n(^٢) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٤/ ٢٩ ح ٣٥٤٣).\n(^٣) سنده حسن وأبو حمزة هو محمد بن ميمون أبو حمزة السكري (ينظر تهذيب التهذيب ٥/ ٣١٣ و٩/ ٤٨٦).\n(^٤) أخرجه الطبري وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند كلاهما عن الحسن بن قَزَعة به (المسند ٣٥/ ١٧٦ ح ٢١٢٥٥) وضعف سنده محققوه لضعف ثوير وهو ابن أبي فاختة، وله شواهد مأثورة عن الصحابة والتابعين ﵃ كما سيأتي.\n(^٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الفتح (ح ٣٢٦٥).","vol":"6","page":684},{"text":"إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله\" وأنزل الله في كتابه وذكر قومًا فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات] وقال الله جل ثناؤه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، فاستكبروا عنها، واستكبر عنها المشركون يوم الحديبية فكاتبهم رسول الله ﷺ على قضية المدة (^١)، وكذا رواه بهذه الزيادات ابن جرير من حديث الزهري (^٢)، والظاهر أنها مدرجة من كلام الزهري والله أعلم.\nوقال مجاهد: كلمة التقوى الإخلاص (^٣).\nوقال عطاء بن أبي رباح: هي \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير\" (^٤).\nوقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له\" (^٥).\nوقال الثوري: عن سلمة بن كهيل، عن عباية بن ربعي، عن علي ﵁: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: \"لا إله إلا الله والله أكبر\" (^٦) وكذا [قال ابن عمر ﵄، و] (^٧) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: يقول شهادة أن لا إله إلا الله وهي رأس كل تقوى (^٨).\nوقال سعيد بن جبير: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: \"لا إله إلا الله والجهاد في سبيله\".\nوقال عطاء الخراساني: هي \"لا إله إلا الله محمد رسول الله\" (^٩).\nوقال عبد الله بن المبارك: عن معمر، عن الزهري: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: \"بسم الله الرحمن الرحيم\".\nوقال قتادة: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: \"لا إله إلا الله\" (^١٠).\n﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ كان المسلمون أحق بها وكانوا أهلها ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الخير ممن يستحق الشر.\nوقد قال النسائي: حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا شبابة بن سوار، عن أبي رزين، عن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الصافات آية ٣٥، والزيادة بعد الحديث مدرجه من قول الزهري كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق يحيى بن سعيد عن الزهري به.\n(^٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من ابن جريج عن عطاء.\n(^٥) في سنده عنعنة ابن إسحاق، ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٦) أخرجه الطبري والحاكم من طريق الثوري به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٦١).\n(^٧) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٩) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وعطاء الخراساني.\n(^١٠) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"6","page":685},{"text":"عبد الله بن العلاء بن زبر، عن بشر بن عبد الله، عن أبي إدريس، عن أُبي بن كعب أنه كان يقرأ ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ولو حميتم كما حَمَوا لفسد المسجد الحرام، فبلغ ذلك عمر فأغلظ له فقال: إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله ﷺ فيعلمني مما علمه الله تعالى، فقال عمر ﵁: بل أنت رجل عندك علم وقرآن، فاقرأ وعلم مما علمك الله تعالى ورسوله (^١).\n﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الخير ممن يستحق الشر.\nوهذا ذكر الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقصة الصلح.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون. أخبرنا محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة، وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريش، قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ (^٢) المطافيل (^٣)، قد لبست جلود النمور يعاهدون الله تعالى أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموه إلى كراع الغميم، فقال رسول الله ﷺ: \"يا ويح قريش! قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلَّوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله تعالى دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله تعالى به حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة\" ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة، قال: فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش، فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك ثنية المرار بركت ناقته فقال الناس: خلأت (^٤)، فقال رسول الله ﷺ: \"ما خلأت وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها\".\nثم قال ﷺ للناس: \"انزلوا\" قالوا: يا رسول الله ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس، فأخرج رسول الله ﷺ سهمًا من كنانته فأعطاه رجلًا من أصحابه. فنزل في قليب (^٥) من تلك القُلُب فغرزه فيه، فجاش (^٦) بالماء حتى ضرب الناس عنه بعطن. فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا بديل بن ورقاء\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (السنن الكبرى، التفسير ح ١١٥٠٥) وأخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن العلاء به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٢٥).\n(^٢) العوذ: الناقة القريبة الولادة.\n(^٣) المطافيل: ذوات الأطفال وهي النوق التي فيها اللبن.\n(^٤) أي: تصعبت وساء خلقها.\n(^٥) أي: بئر.\n(^٦) أي: فارَ بالماء الغزير.","vol":"6","page":686},{"text":"في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد ﷺ، إن محمدًا لم يأْت لقتال إنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحقه، فاتهموهم.\nقال محمد بن إسحاق: قال الزهري: وكانت خزاعة في عيبة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، مشركها ومسلمها لا يخفون على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شيئًا كان بمكة، فقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فوالله لا يدخلها أبدًا علينا عنوة، ولا يتحدث بذلك العرب، ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: \"هذا رجل غادر\" فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، كلمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بنحو مما تكلم مع أصحابه، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني، وهو يومئذٍ سيد الأحابيش (^١)، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: \"هذا من قوم يتألهون (^٢) فابعثوا الهدي\" فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لما رأى فقال: يا معشر قريش لقد رأيت ما لا يحل صدّ الهدي في قلائده، قد أكل أوباره من طول الحبس على محله، قالوا: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك.\nفبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأنا ولد، وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئت حتى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه فقال: يا محمد جمعت أوباش الناس ثم جئت بهم لبيضتك لنقضها، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله تعالى أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا، قال: وأبو بكر ﵁ قاعد خلف رسول الله ﷺ فقال: امصص بظر اللات! أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال ﷺ: \"هذا ابن أبي قحافة\" قال: أما والله لو لا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذا بها، ثم تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة ﵁ واقف على رأس رسول الله ﷺ بالحديد، قال: فقرع (^٣) يده، ثم قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل، والله أن لا تصل إليك قال: ويحك ما أفظك وأغلظك! فتبسم رسول الله قال: من هذا يا محمد؟ قال ﷺ: \"هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة\" قال: أَغُدَرْ، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟ قال: فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، وأخبره بأنه لم يأت يريد حربًا. قال فقام من عند رسول الله ﷺ، وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ وضوءًا إلا ابتدروه، ولا يبصق بصاقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما\n_________\n(^١) الأحابيش: جماعات من قبائل شتى تحالفت مع قريش.\n(^٢) أي: يتعبدون ويراعون حق الله تعالى وحرمته.\n(^٣) أي: ضرب.","vol":"6","page":687},{"text":"رأيت ملكًا قط مثل محمد ﷺ في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء أبدًا فروا رأيكم.\nقال: وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له: الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم الأحابيش حتى أتى رسول الله ﷺ، فدعا عمر ﵁ ليبعثه إلى مكة فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني. وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعزُّ مني بها عثمان بن عفان ﵁. قال: فدعاه رسول الله ﷺ، فبعثه يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، فخرج عثمان ﵁ حتى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله بين يديه أردفه خلفه وأجاره حتى بلّغ رسالة رسول الله ﷺ، فانطلق عثمان ﵁ حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان ﵁: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ. قال: واحتبسته قريش عندها قال: وبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان ﵁ قد قتل.\nقال محمد: فحدثني الزهري أن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو وقالوا: ائت محمدًا فصالحه ولا تلن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدًا، فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله ﷺ قال: \"قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل\". فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ، تكلما وأطالا الكلام وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب ﵁، فأتى أبا بكر ﵁ فقال: يا أبا بكر أوليس برسول الله؟ أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر ﵁: يا عمر الزم غرزه حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله. فقال عمر ﵁: وأنا أشهد، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال ﷺ: \"بلى\" قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال ﷺ: \"أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني\" ثم قال عمر ﵁: ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذٍ، حتى رجوت أن يكون خيرًا.\nقال: ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ فقال: اكتب \"بسم الله الرحمن الرحيم\" فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللَّهمَّ. فقال رسول الله ﷺ: \"اكتب باسمك اللَّهمَّ. هذا ما صالح عليه محمد رسول الله\" فقال له سهيل بن عمرو: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن أكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكفُّ بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليه ردَّه عليه، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله لم يردُّوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا أسلال (^١) ولا أغلال (^٢). وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد ﷺ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل\n_________\n(^١) أي: الغارة الظاهرة.\n(^٢) أي: الخيانة.","vol":"6","page":688},{"text":"فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: ونحن في عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك وأقمت بها ثلاثًا، معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب.\nفبينما رسول الله ﷺ يكتب الكتاب إذ جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله ﷺ، قال: وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا. فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه قال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: \"صدقت\" فقام إليه فأخذ بتلابيبه قال وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟ قال: فزاد الناس شرًا إلى ما بهم. فقال رسول الله ﷺ: \"يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله تعالى جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهدًا وإنا لن نغدر بهم\". قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب ﵁، فجعل يمشي مع أبي جندل، ويقول: اصبر أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال: يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه. قال: فضنَّ الرجل بأبيه، قال ونفذت القضية، فلما فرغا من الكتاب، وكان رسول الله ﷺ يصلي في الحرم وهو [مضطرب] (^١) في الحلِّ، قال: فقام رسول الله ﷺ فقال: \"يا أيها الناس انحروا واحلقوا\" قال: فما قام أحد، قال: ثم عاد ﷺ بمثلها، فما قام رجل، ثم عاد ﷺ بمثلها فما قام رجل، فرجع رسول الله ﷺ فدخل على أم سلمة ﵂ فقال: \"يا أُم سلمة ما شأن الناس؟ \" قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما رأيت، فلا تكلمن منهم إنسانًا واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله ﷺ لا يكلم أحدًا حتى إذا أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق، قال: فقام الناس ينحرون ويحلقون، حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت سورة الفتح (^٢). هكذا ساقه أحمد من هذا الوجه، وهكذا رواه يونس بن بكير وزياد البكائي عن أبي إسحاق بنحوه (^٣)، وفيه إغراب.\nوقد رواه أيضًا عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري به نحوه (^٤)، وخالفه في أشياء، وقد رواه البخاري ﵀ في صحيحه فساقه سياقة حسنة مطولة بزيادات جيدة، فقال في كتاب الشروط من صحيحه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، يصدق كل واحد منهم حديث\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: \"مضرب\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده وطوله (المسند ٣١/ ٢١٢ - ٢٢٠ ح ١٨٩١٠) وحسن سنده محققوه. وسيأتي أغلبه في صحيح البخاري.\n(^٣) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٣١٦.\n(^٤) (المسند ٤/ ٣٢٨).","vol":"6","page":689},{"text":"صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضع مائة من أصحابه، فلما أتى ذا الحليفة قلَّد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينًا له من خزاعة وسار، حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه فقال: إن قريشًا قد جمعوا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادُّوك ومانعوك. فقال ﷺ: \"أشيروا أيها الناس علي، أترون أن نميل على عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟ \" وفي لفظ: \"أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم، فإن يأتونا كان الله قد قطع عنقًا من المشركين، وإلا تركناهم محزونين\"، وفي لفظ: \"فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين محزونين، وإن نجوا يكن عنقًا قطعها الله ﷿. أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه\"؟\nفقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت، لا تريد قتل أحد ولا حربًا، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، وفي لفظ: فقال أبو بكر ﵁: الله ورسوله علم إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي ﷺ: \"فروحوا إذن\" وفي لفظ: \"فامضوا على اسم الله تعالى\" حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ: \"إن خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين\"، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ فألحَّت، فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء. فقال النبي ﷺ: \"ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال ﷺ: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها\". ثم زجرها فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله العطش، فانتزع ﷺ من كنانته سهمًا ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.\nفبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح (^١) رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد (^٢) مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت. فقال النبي ﷺ: \"إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، فأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا (^٣)، وإن هم أبَوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (^٤) أو لينفذن الله أمره\". قال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشًا فقال: إنا قد جئنا من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته\n_________\n(^١) أي: أنهم موضع النصح له والأمانة على سره. (فتح الباري ٥/ ٣٣٧).\n(^٢) أي: الماء الذي لا انقطاع له. (المصدر السابق ٥/ ٣٣٨).\n(^٣) أي: استراحوا.\n(^٤) السالفة هي: صفحة العنق، وكنى بذلك عن القتل لأن القتيل تنفرد مقدمة عنقه (المصدر السابق).","vol":"6","page":690},{"text":"يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قاله رسول الله ﷺ فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا (^١) علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: له نحوًا من قوله لبديل بن ورقاء، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تك الأخرى فإني والله لأرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر ﵁: امصص بظر اللات أنحن نفر وندعه؟ قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما كلمه أخذ بلحيته ﷺ، والمغيرة بن شعبة ﵁ قائم على رأس النبي ﷺ، ومعه السيف وعليه المغفر، وكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال: أخِّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ. فرفع عروة رأسه وقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. قال: أي غُدَر ألستُ أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة بن شعبة ﵁ صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ: \"أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء\".\nثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كفِّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيمًا له ﷺ فرجع عروة إلى أصحابه. فقال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كفِّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.\nفقال رجل منهم من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه ﵃، قال النبي ﷺ: \"هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له\". فبعثت واستقبله الناس يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: \"هذا مكرز وهو رجل فاجر\" فجعل يكلم النبي ﷺ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو.\nوقال معمر: أخبرني أيوب عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ: \"قد\n_________\n(^١) أي: امتنعوا.","vol":"6","page":691},{"text":"سهل لكم من أمركم\" قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات أكتب بيننا وبينك كتابًا. فدعا النبي ﷺ بعلي ﵁ وقال: \"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم\" فقال سهيل بن عمرو: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللَّهمَّ كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ: \"اكتب باسمك اللَّهمَّ، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله\" فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال له النبي ﷺ: \"والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله\" قال الزهري: وذلك لقوله: \"والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها\" فقال له النبي ﷺ: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا فقال المسلمون: سبحان الله كيف يُردُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟\nفبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف (^١) في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن تردَّه إليَّ. فقال ﷺ: \"إنا لم نقض الكتاب بعد\" قال: فوالله إذًا لا أصالحك على شيء أبدًا، فقال النبي ﷺ: \"فأجزه لي\" قال: ما أنا بمجيز ذلك لك قال: \"بلى فافعل\" قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي: معشر المسلمين أُردُّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله ﷿. قال عمر ﵁: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقًا؟ قال ﷺ: \"بلى\" قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال ﷺ: \"بلى\" قلت: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال ﷺ: \"إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري\" قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال ﷺ: \"بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ \". قلت: لا. قال ﷺ: فإنك آتيه ومطوِّف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك تأتيه وتطوف به.\nقال الزهري: قال عمر ﵁: فعملت لذلك أعمالًا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"قوموا فانحروا ثم احلقوا\" قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ﷺ ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل ﷺ على أُم سلمة ﵂، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت له أم سلمة ﵂: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج رسول الله ﷺ، فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد\n_________\n(^١) أي: يمشي مشيًا بطيئًا بسبب القيد (المصدر السابق ٥/ ٣٤٤).","vol":"6","page":692},{"text":"بعضهم يقتل بعضًا غمًا، ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فطلق عمر ﵁ يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أُمية.\nثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت منه ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد وفرّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله ﷺ حين رآه: \"لقد رأى هذا ذعرًا\" فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا رسول الله قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله تعالى منهم. فقال النبي ﷺ: \"ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد\".\nفلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر قال: وتفلَّت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن فأرسل النبي ﷺ إليهم وأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] حتى بلغ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه رسول الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت (^١). هكذا ساقه البخاري ههنا، وقد أخرجه في التفسير وفي عمرة الحديبية وفي الحج وغير ذلك من حديث معمر وسفيان بن عيينة، كلاهما عن الزهري به. ووقع في بعض الأماكن عن الزهري، عن عروة، عن مروان والمسور، عن رجال من أصحاب النبي ﷺ بذلك وهذا أشبه والله أعلم، ولم يسقه أبسط من ههنا، وبينه وبين سياق ابن إسحاق تباين في مواضع، وهناك فوائد ينبغي إضافتها إلى ما هنا، ولذلك سقنا تلك الرواية وهذه والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.\nوقال البخاري في التفسير: حدثنا أحمد بن إسحاق السلمي، حدثنا يعلى، حدثنا عبد العزيز بن سِياهٍ، عن حبيب بن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل أسأله، فقال كنا بصِفين، فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله؟ فقال علي بن أبي طالب ﵁: نعم، فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية يعني الصلح الذي كان بين النبي ﷺ والمشركين، ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر ﵁ فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فقال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنيَّة في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟ فقال ﷺ: \"يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدًا\" فرجع متغيظًا فلم يصبر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده وطوله (الصحيح، الشروط، باب الشروط في الجهاد (ح ٢٧٣١، ٢٧٣٢).","vol":"6","page":693},{"text":"حتى جاء أبا بكر ﵁ فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا، فنزلت سورة الفتح (^١).\nوقد رواه البخاري أيضًا في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق أخر عن أبي وائل سفيان بن سلمة، عن سهل بن حنيف به (^٢)، وفي بعض ألفاظه: يا أيها الناس اتهموا الرأي فلقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أقدر على أن أردَّ على رسول الله ﷺ أمره لرددته (^٣)، وفي رواية: فنزلت سورة الفتح فدعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ فقرأها عليه (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: إن قريشًا صالحوا النبي ﷺ وفيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي ﷺ لعلي ﵁: \"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم\" فقال سهيل: لا ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللَّهمَّ. فقال ﷺ: \"اكتب من محمد رسول الله\" قال: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي ﷺ: \"اكتب من محمد بن عبد الله\" واشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لا نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقال: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال ﷺ: \"نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله\" (^٥). رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة [به (^٦)] (^٧).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عكرمة بن عمار قال: حدثني سماك، عن عبد الله بن عباس قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا فقلت لهم: إن رسول الله ﷺ يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي: \"اكتب يا علي هذا ما صالح عليه محمد رسول الله\" قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله ﷺ: \"امحُ يا علي اللَّهمَّ إنك تعلم أني رسولك، امح يا علي واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله\" والله لرسول الله خير من علي وقد محا نفسه، ولم يكن محوه ذلك يمحوه من النبوة أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم (^٨). ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار اليمامي بنحوه (^٩).\nوروى الإمام أحمد عن يحيى بن آدم، عن [زهير] (^١٠)، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄ قال: نحر رسول الله ﷺ يوم الحديبية\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] ح ٤٨٤٤).\n(^٢) صحيح مسلم، الجهاد والسير، باب صلح الحديبية (ح ١٧٨٥) والسنن الكبرى، التفسير (ح ١١٥٠٤).\n(^٣) أخرجه البخاري بهذا اللفظ (الصحيح، الجزية والموادعة، باب ١٨ ح ٣١٨١).\n(^٤) أخرجه البخاري بهذا اللفظ (المصدر السابق ح ٣١٨٢).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٦٨) وسنده صحيح.\n(^٦) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٧) صحيح مسلم، الجهاد، باب صلح الحديبية (ح ١٧٨٤).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وكنى سماكًا بأبي زُميل (المسند ٥/ ٢٦٣ ح ٣١٨٧) وحسن سنده محققوه.\n(^٩) سنن أبي داود، اللباس، باب لباس الغليظ (ح ٤٠٣٧) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٠٦).\n(^١٠) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"ابن نمير\".","vol":"6","page":694},{"text":"سبعين (^١) بدنة فيها جمل لأبي جهل، فلما صُدَّت عن البيت حَنَّت كما تحِنُّ إلى أولادها (^٢).\n\n<span id=\"aya-4610\"></span>﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾.\nكان رسول الله ﷺ قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام فلما وقع ما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل وقع في نفس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: \"بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ \" قال: لا، قال النبي ﷺ: \"فإنك آتيه ومطوف به\" وبهذا أجاب الصديق ﵁ أيضًا حذو القذة بالقذة ولهذا قال ﵎: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ هذا لتحقيق الخبر وتوكيده وليس هذا من الإستثناء في شيء. ﴿آمِنِينَ﴾ أي: في حال دخولكم.\nوقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ حال مقدرة لأنهم في حال [دخولهم] (^٣) لم يكونوا محلقين ومقصرين، وإنما كان هذا في ثاني الحال. كان منهم من حلق رأسه ومنهم من قصره، وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"رحم الله المحلقين\" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال ﷺ: \"رحم الله المحلقين\" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال ﷺ: \"رحم الله المحلقين\" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال ﷺ: \"والمقصرين\" في الثالثة أو الرابعة (^٤).\nوقوله: ﴿لَا تَخَافُونَ﴾ حال مؤكدة في المعنى فأثبت لهم الأمن حال الدخول ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد. وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي ﷺ لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة. فأقام بها ذا الحجة والمحرم وخرج في صفر إلى خيبر، ففتحها الله عليه بعضها عنوة وبعضها صلحًا، وهي إقليم عظيم كثير النخل والزروع، فاستخدم من فيها من اليهود عليها على الشطر وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم إلا الذين قدموا من الحبشة جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وأبو موسى الأشعري وأصحابه ﵃، ولم يغب منهم أحد، قال ابن زيد: إلا أبا دجانة سماك بن خرشة، كما هو مقرر في موضعه ثم رجع إلى المدينة.\nفلما كان في ذي القعدة من سنة سبع خرج ﷺ إلى مكة معتمرًا هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة وساق معه الهدي، قيل: كان ستين بدنة، فلبى وسار أصحابه يلبون. فلما كان ﷺ\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وفي المسند بلفظ: \"ستين\". والمثبت هو الصحيح.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع الخلاف المتقدم (المسند ٥/ ٦٥ ح ٢٨٧٩) وضعف سنده محققوه لضعف محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صُحف إلى: \"حربهم\".\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٩٦.","vol":"6","page":695},{"text":"قريبًا من مرِّ الظهران بعث محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه. فلما رآه المشركون رعبوا رعبًا شديدًا، وظنوا أن رسول الله ﷺ يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينهم وبينه من وضع القتال عشر سنين، فذهبوا فأخبروا أهل مكة، فلما جاء رسول الله ﷺ فنزل بمر الظهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، بعث السلاح من القسي والنبل والرماح إلى بطن يأجج، وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة في قربها كما شارطهم عليه. فلما كان في أثناء الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص فقال: يا محمد ما عرفناك تنقض العهد، فقال ﷺ: \"وما ذاك؟ \" قال: \"دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح\". فقال ﷺ: \"لم يكن ذلك وقد بعثنا به إلى يأجج\". فقال: بهذا عرفناك بالبر والوفاء، وخرجت رؤوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه ﵃ غيظًا وحنقًا. وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان، فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله وأصحابه، فدخلها ﵊ وبين يديه أصحابه يلبون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى وهو راكب ناقته القصواء التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رواحة الأنصاري آخذ بزمام ناقة رسول الله يقودها وهو يقول:\nباسم الذي لا دين إلا دينه … باسم الذي محمد رسوله\nخلوا بني الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تأويله\nكما ضربناكم على تنزيله (^١) … ضربًا يزيل الهام عن مقيله (^٢)\nويذهل الخليل عن خليله … قد أنزل الرحمن في تنزيله\nفي صحف تتلى على رسوله … بأن خير القتل في سبيله\nيا ربِّ إني مؤمن بقيله.\nفهذا مجموع من روايات متفرقة.\nقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضاء دخلها وعبد الله بن رواحة ﵁ آخذ بخطام ناقته ﷺ وهو يقول:\nخلوا بني الكفار عن سبيله … إني شهيد أنه رسوله\nخلوا فكل الخير في رسوله … يا رب إني مؤمن بقيله\nنحن قتلناكم على تأويله … كما قتلناكم على تنزيله\nضربًا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله (^٣)\nوقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك ﵁، قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة ﵁ بين يديه وفي رواية: وابن رواحة آخذ بغرزه وهو يقول:\nخلوا بني الكفار عن سبيله … قد نزل الرحمن في تنزيله\n_________\n(^١) على تنزيله: أي: كما قتلناكم على إنكار تنزيله.\n(^٢) الهام: أعلى الرأس، ومقيله: موضعه.\n(^٣) ذكره ابن هشام (السيرة ٢/ ٣٧١) وسنده مرسل.","vol":"6","page":696},{"text":"بأن خير القتل في سبيله … يا ربِّ إني مؤمن بقيله\nنحن قتلناكم على تأويله … كما قتلناكم على تنزيله (^١)\nضربًا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله (^٢)\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل - يعني: ابن زكريا -، عن عبد الله - يعني: ابن عثمان - عن أبي الطُّفيل، عن ابن عباس، قال: إن رسول الله ﷺ لما نزل مرّ الظهران في عمرته بلغ أصحاب رسول الله ﷺ أن قريشًا تقول ما يتباعثون من العجف (^٣)، فقال أصحابه لو انتحرنا من ظهرنا (^٤) فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقه أصبحنا غدًا حين ندخل على القوم وبنا جمامة (^٥).\nقال ﷺ: \"لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم، فجمعوا له وبسطوا الأنطاع (^٦) فأكلوا حتى تركوا وحثا كل واحد منهم في جرابه، ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر، فاضطبع ﷺ بردائه ثم قال: لا يرى القوم فيكم غميرة\" (^٧) فاستلم الركن ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما ترضون بالمشي أما إنكم لتنقزون نقز الظباء، ففعل ذلك ثلاثة أشواط فكانت سُنَّة. قال أبو الطفيل: فأخبرني ابن عباس أن رسول الله ﷺ فعل ذلك في حجة الوداع (^٨):\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا يونس، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها سوءًا، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شرًا وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون جلدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، ولم يمنع النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. فقال المشركون: أهؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أجلد من كذا وكذا (^٩). أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد به (^١٠).\n_________\n(^١) قال الحافظ ابن حجر وصحيح الرواية:\nنحن ضربناكم على تأويله … كما ضربناكم على تنزيله\n(فتح الباري ٧/ ٥٠١).\n(^٢) أخرجه البيهقي من طريق عبد الرزاق به (دلائل النبوة ٤/ ٣٢٣) قال الدارقطني في \"الأفراد\" تفرد به معمر عن الزهري، وتفرد به عبد الرزاق عن معمر. (فتح الباري ٧/ ٥٠١).\n(^٣) أي: لا يستطيعون التصرف من الضعف والهزال.\n(^٤) أي: ذبحنا الإبل.\n(^٥) أي: راحة وشبع وري.\n(^٦) أي: الجلود.\n(^٧) أي: غيبًا.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٩٨ ح ٢٧٨٢) وقال: إسناده قوي.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٩٥) وسنده صحيح.\n(^١٠) صحيح البخاري، الحج، باب كيف كان بدء الرمل؟ (ح ١٦٠٢) وصحيح مسلم، الحج، باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة (ح ١٢٦٦).","vol":"6","page":697},{"text":"وفي لفظ: قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة يعني من ذي القعدة، فقال المشركون إنه يقدم عليكم، وفد قد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.\nقال البخاري: وزاد ابن سلمة. يعني: حماد بن سلمة، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ لعامه الذي استأمن قال ارملوا، ليري المشركين قوتهم والمشركون من قبل قعيقعان (^١).\nوحدثنا محمد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إنما سعى النبي ﷺ بالبيت وبالصفا والمروة ليرى المشركون قوته (^٢). ورواه في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق عن سفيان بن عيينة به (^٣).\nوقال أيضًا: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد أنه سمع ابن أبي أوفى يقول: لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين ومنهم، أن يؤذوا رسول الله ﷺ، انفرد به البخاري (^٤) دون مسلم.\nوقال البخاري أيضًا: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا فليح وحدثني محمد بن الحسين بن إبراهيم، حدثنا أبي، حدثنا فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا عليهم إلا سيوفًا ولا يقيم بها إلا ما أحبوا. فاعتمر ﷺ من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثًا أمروه أن يخرج فخرج (^٥) ﷺ، وهو في صحيح مسلم أيضًا.\nوقال البخاري أيضًا: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضانا عليه محمد رسول الله، قالوا: لا نقر بهذا ولو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمد بن عبد الله. قال ﷺ: \"أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله\" ثم قال ﷺ لعلي بن أبي طالب: \"امح رسول الله\" قال: لا والله لا أمحوك أبدًا، فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: \"هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله أن لا يدخل مكة بالسلاح إلا بالسيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها\".\nفلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب عمرة القضاء ح ٤٢٥٦).\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٢٥٧).\n(^٣) صحيح مسلم، الحج، باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة (ح ١٢٦٦) والسنن الكبرى للنسائي (ح ٣٩٧٣).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٢٥٥).\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٢٥٢).","vol":"6","page":698},{"text":"النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة ﵂: دونك ابنة عمك فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر فقال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي: وقال جعفر ﵁: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: \"الخالة بمنزلة الأُم\" وقال لعلي ﵁: \"أنت مني وأنا منك\" وقال لجعفر: \"أشبهت خلقي وخلقي\" وقال ﷺ لزيد: \"أنت أخونا ومولانا\" قال علي: ألا تتزوج ابنة حمزة ﵁؟ قال ﷺ: \"إنها ابنة أخي من الرضاعة\" (^١) تفرد به من هذا الوجه.\nوقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ أي: فعلم الله تعالى من الخيرة والمصلحة في صرفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك ما لم تعلموا أنتم ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ أي: قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي ﷺ فتحًا قريبًا، وهو الصلح الذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين،\n\n<span id=\"aya-4611\"></span>ثم قال تعالى مبشرًا للمؤمنين بنصرة الرسول ﷺ على عدوه، وعلى سائر أهل الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ أي: بالعلم النافع والعمل الصالح، فإن الشريعة تشتمل على شيئين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: على أهل جميع الأديان من سائر الأرض من عرب وعجم ومليّين ومشركين ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: أنه رسوله وهو ناصره.\n\n<span id=\"aya-4612\"></span>﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.\nيخبر تعالى عن محمد ﷺ أنه رسوله حقًا بلا شك ولا ريب فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ وهذا مبتدأ وخبر، وهو مشتمل على كل وصف جميل، ثم ثنى بالثناء على أصحابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا برًا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣].\nوقال النبي ﷺ: \"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر\" (^٢).\nوقال ﷺ: \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا\". وشبك ﷺ بين أصابعه (^٣) كلا الحديثين في الصحيح.\nوقوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة وهي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٢٥١).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٨٤.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ٧١.","vol":"6","page":699},{"text":"خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله ﷿ والاحتساب عند الله جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله وهو سعة الرزق عليهم ورضاه تعالى عنهم، وهو أكبر من الأول كما قال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢].\nوقوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ يعني: السمت الحسن (^١). وقال مجاهد وغير واحد: يعني الخشوع والتواضع (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: الخشوع. قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه. فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون (^٣).\nوقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم (^٤)، وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.\nوقد أسنده ابن ماجه في سننه عن إسماعيل بن محمد الطلحي، عن ثابت بن موسى، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار\" والصحيح أنه موقوف (^٥). وقال بعضهم: إن للحسنة نورًا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس.\nوقال أمير المؤمنين عثمان [﵁] (^٦): ما أسر أحد سريره إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه، والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله تعالى أصلح الله ظاهره للناس، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمود بن محمد المروزي، حدثنا حامد بن آدم المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن سلمة بن كهيل، عن جندب بن سفيان البجلي قال: قال النبي ﷺ: \"ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله تعالى رداءها، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر\" (^٧). العرزمي متروك.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند حسن من طريق حميد الأعرج عن مجاهد.\n(^٣) سنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل ح ١٣٣٣) قال السخاوي: لا أصل له .. واتفق أئمة الحديث: ابن عدي والدارقطني والعقيلي وابن حبان والحاكم على أنه من قول شريك (المقاصد الحسنة ص ٤٢٥، ٤٢٦).\n(^٦) زيادة من (مح).\n(^٧) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢/ ١٧١) وسنده ضعيف جدًا فإن العرزمي متروك، وحامد بن آدم: كذاب (لسان الميزان ٢/ ١٦٣).","vol":"6","page":700},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنًا ما كان\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدثه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة\" (^٢). ورواه أبو داود، عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير به (^٣).\nفالصحابة ﵃ خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم.\nوقال مالك ﵀: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: واللهِ لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله ﷺ، وقد نوه الله بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة، ولهذا قال ﷾ ههنا: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي: فراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي: شده ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أي: شبَّ وطال ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ أي: فكذلك أصحاب رسول الله ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.\nومن هذه الآية انتزع الإمام مالك ﵀، في رواية عنه، بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة قال: لأنهم يغيظونهم ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء على ذلك، والأحاديث في فضل الصحابة والنهي عن التعرض لهم بمساءة كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم ورضاه عنهم: ثم قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ من هذه لبيان الجنس ﴿مَغْفِرَةً﴾ أي: لذنوبهم ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا ورزقًا كريمًا. ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة فهو في حكمهم، ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، ﵃ وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل.\nقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه\" (^٤).\nآخر تفسير سورة الفتح ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ٣٣٠ ح ١١٢٣٠) وضعف سنده محققوه.\n(^٢) أخرجه الامام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٣٢ ح ٢٦٨) وقال محققوه: حسن لغيره.\n(^٣) سنن أبي داود، الأدب، باب في الوقار (ح ٤٧٧٦) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٩٦).\n(^٤) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة ﵃ ح ٢٥٤٠).","vol":"6","page":701},{"text":"<span data-type='title' id=toc-172>سُورَةُ الحُجُراتِ</span>\nوهي مدنية\n\n<span id=\"aya-4613\"></span>﷽\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾.\nهذه آيات أدَّب الله تعالى بها عباده المؤمنين، فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ أي: لا تسارعوا في الأشياء بين يديه؛ أي: قبله، بل كونوا تبعًا له في جميع الأمور حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: \"بمَ تحكم؟ \" قال: بكتاب الله تعالى، قال ﷺ: \"فإن لم تجد؟ \" قال: بسنة رسول الله ﷺ، قال ﷺ: \"فإن لم تجد؟ \" قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: \"الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله - لما يرضي رسول الله -\". وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه (^١).\nفالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: \"لا تقدموا بين يدي الله ورسوله\" لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة (^٢).\nوقال العوفي، عنه: نهى أن يتكلموا بين يدي كلامه (^٣).\nوقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه (^٤).\nوقال الضحاك: لا تقضوا أمرًا دون الله ورسوله من شرائع دينكم (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في المقدمة في الحديث الثاني منها، وجود سنده الحافظ ابن كثير، ولعلهُ اتَّبع شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في تجويده (ينظر الفتاوى ١٣/ ٣٦٤).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك بلفظ: \"يعني بذلك القتال، وما كان من =","vol":"6","page":702},{"text":"وقال سفيان الثوري: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بقول ولا فعل.\nوقال الحسن البصري: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: لا تدعوا قبل الإمام.\nوقال قتادة: ذُكر لنا أن ناسًا كانوا يقولون لو أنزل في كذا وكذا، لو صنع كذا، فكره الله تعالى ذلك (^١). وتقدم فيه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم.\n\n<span id=\"aya-4614\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ هذا أدب ثانٍ أدَّب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ فوق صوته، وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄.\nوقال البخاري: حدثنا يَسرة بن صفوانَ اللخمي، حدثا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: كاد الخيِّران أن يهلكا أبو بكر وعمر ﵄، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس ﵁ أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر ﵄: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ قال ابن الزبير ﵄: فما كان عمر ﵁ يسمع رسولَ الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر ﵁ (^٢). انفرد به دون مسلم.\nثم قال البخاري: حدثنا حسن بن محمد، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، حدثني ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر: أمِّر القعقاع بن معبد، وقال عمر ﵁: بل أمِّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت في ذلك ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ حتى انقضت الآية (^٣). ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحجرات: ٥] الآية. وهكذا رواه ههنا منفردًا به أيضًا.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حصين بن عمر، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ قلت: يا رسول الله والله لا أكلمك إلا كأخي السرار (^٤). حصين بن عمر، هذا وإن كان ضعيفًا لكن قد رويناه من حديث\n_________\n= أمورهم، ولا يصلح أن يقضى إلا بأمره ما كان من شرائع دينهم\". وبهذا اللفظ أخرجه الطبري.\n(^١) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير باب ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] ح ٤٨٤٥).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الحجرات] ح ٤٨٤٧).\n(^٤) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ١٠٦ ح ١٥٠٥) وسنده ضعيف جدًا لأن حصين بن عمر متروك كما في التقريب ومجمع الزوائد (٧/ ١١٢) وله شاهد يقويه كما يليه.","vol":"6","page":703},{"text":"عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة (^١) بنحو ذلك، والله أعلم.\nوقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا أزهر بن سعد، أخبرنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس، عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس ﵁ فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده في بيته منكسًا رأسه فقال له: ما شأنك؟ فقال: [شر] (^٢) كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله فهو من أهل النار (^٣)، فأتى الرجل النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى: فرجع إليه المرة الأخرة ببشارة عظيمة فقال: \"اذهب إليه فقل له إنك لست من أهل النار ولكن من أهل الجنة\" (^٤). تفرد به البخاري من هذا الوجه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ، أنا من أهل النار حبط عملي وجلس في أهله حزينًا ففقده رسول الله ﷺ فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ وأجهر له بالقول حبط عملي أنا من أهل النار، فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال، فقال النبي ﷺ: \"لا، بل هو من أهل الجنة\" قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه فقال: بئسما تعودون أقرانكم فقاتلهم حتى قتل (^٥).\nوقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى آخر الآية، جلس ثابت في بيته قال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ فقال النبي ﷺ لسعد بن معاذ: \"يا أبا عمرو ما شأن ثابت أَشتكى؟ \" فقال سعد: إنه لجاري وما علمت له بشكوى. قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"بل هو من أهل الجنة\" (^٦). ثم رواه مسلم، عن أحمد بن\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٦٢)، وحسنه الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/ ٦٧٣.\n(^٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"بشر\".\n(^٣) ظن ثابت بن قيس ﵁ ذلك لأنه كان خطيبًا لوفد بني تميم (ينظر البداية والنهاية ٥/ ٤٢، وفتح الباري ٨/ ٥٩١) وهذا من ورعه ﵁.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] ح ٤٨٤٦).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٣٧) وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الإيمان، باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله ح ١١٩/ ١٨٧).","vol":"6","page":704},{"text":"سعيد الدارمي، عن حيان بن هلال، عن سليمان بن المغيرة به، قال ولم يذكر سعد بن معاذ، وعن قطن بن بشير، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بنحوه، وقال ليس فيه ذكر سعد بن معاذ، حدثني هدبة بن عبد الأعلى الأسدي، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يذكر عن ثابت، عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية فاقتص الحديث ولم يذكر سعد بن معاذ وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة (^١). فهذه الطرق الثلاث معللة لرواية حماد بن سلمة فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ، والصحيح أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودًا؛ لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس، وهذه الآيات نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا أبو ثابت بن ثابت بن قيس بن شماس، حدثني عمي إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، عن أبيه ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ قال: قعد ثابت بن قيس في الطريق يبكي، قال: فمرَّ به عاصم بن عدي من بني العجلان فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ وأنا صيت رفيع الصوت. قال: فمضى عاصم بن عدي إلى رسول الله ﷺ، قال: وغلبه البكاء فأتى امرأته جميلة ابنة عبد الله بن أُبي بن سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي فشدي على الضبة بمسمار، فضربته بمسمار حتى إذا خرج عطفه وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله تعالى، أو يرضى عني رسول الله ﷺ، قال: وأتى عاصم ﵁ رسول الله ﷺ فأخبره خبره فقال: \"اذهب فادعه لي\" فجاء عاصم ﵁ إلى المكان فلم يجده، فجاء إلى أهله، فوجده في بيت الفرس فقال له: إن رسول الله ﷺ يدعوك، فقال: اكسر الضبة، قال: فخرجا فأتيا النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: \"ما يبكيك يا ثابت؟ \" فقال: أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيَّ ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ فقال النبي ﷺ: \"أما ترضى أن تعيش حميدًا وتقتل شهيدًا وتدخل الجنة؟ \" فقال: رضيت ببشرى الله تعالى ورسوله، ولا أرفع صوتي أبدًا على صوت رسول الله ﷺ.\n\n<span id=\"aya-4615\"></span>قال: وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ (^٢) الآية، وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين كذلك، فقد نهى الله ﷿ عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي ﷺ قد ارتفعت أصواتهما، فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ١١٩/ ١٨٨) وما بعده.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أبو ثابت بن ثابت بن قيس ترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٢/ ١٩٥)، وأخرجه الحاكم من طريق ابن شهاب الزهري عن إسماعيل بن محمد بن ثابت به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٣/ ٢٣٤).\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب ﵄. (الصحيح، الصلاة، باب رفع الصوت في المسجد ح ٤٧٠).","vol":"6","page":705},{"text":"وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره ﷺ كما كان يكره في حياته ﵊؛ لأن محترم حيًا وفي قبره ﷺ دائمًا، ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ كما قال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].\nوقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده، خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري كما جاء في الصحيح: \"إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالًا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض\".\nثم ندب الله تعالى إلى خفض الصوت عنده وحثَّ على ذلك، وأرشد إليه، ورغب فيه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أي: أخلصها لها وجعلها أهلًا ومحلًا ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\nوقد قال الإمام أحمد في كتاب الزهد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: كُتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية، ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها فكتب عمر ﵁: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-4616\"></span>\n\n<span id=\"aya-4617\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾.\nثم إنه ﵎ ذمَّ الذين ينادونه من وراء الحجرات وهي بيوت نسائه، كما يصنع أجلاف الأعراب فقال: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة.\nثم قال داعيًا لهم إلى التوبة والإنابة: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقد ذُكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي (^٢) فيما أورده غير واحد.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس، أنه نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات فقال: يا محمد يا محمد، وفي رواية: يا رسول الله، فلم يجبه فقال: يا رسول الله إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين، فقال ﷺ: \"ذاك الله ﷿\" (^٣).\n_________\n(^١) سنده منقطع لأن مجاهدًا لم يدرك عمر ﵁.\n(^٢) واسمه فراس والأقرع لقب (ينظر: الإصابة ١/ ١٠٣).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٨٨) وسنده ضعيف لأن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع الأقرع. (ينظر: تعجيل المنفعة وفتح الباري ٨/ ٥٨٢).","vol":"6","page":706},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إن حمدي زين وذمي شين، فقال ﷺ: \"ذاك الله ﷿\" (^١). وهكذا ذكره الحسن البصري وقتادة مرسلًا (^٢).\nوقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة قال: كان بشر بن غالب ولبيد بن عطارد أو بشر بن عطارد ولبيد بن غالب، وهما عند الحجاج جالسان، فقال بشر بن غالب للبيد بن عطارد: نزلت في قومك بني تميم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: أما إنه لو علم بآخر الآية أجابه ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: ١٧] قالوا: أسلمنا ولم يقاتلك بنو أسد (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي الباهلي، حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت داود الطفاوي يحدث عن أبي مسلم البجلي، عن زيد بن أرقم قال: اجتمع أناس من العرب فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكُ نبيًا فنحن أسعد الناس به، وإن يكُ ملكًا نعش بجناحه. قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما قالوا: فجاؤوا إلى حجرة النبي ﷺ فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد يا محمد، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)﴾ قال: فأخذ رسول الله ﷺ بأُذني، فمدها فجعل يقول: \"لقد صدق الله تعالى قولك يا زيد، لقد صدق الله قولك يا زيد\" ورواه ابن جرير، عن الحسن بن عرفة، عن المعتمر بن سليمان به (^٤).\n\n<span id=\"aya-4618\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾.\nيأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلا يحكم بقوله، فيكون في نفس الأمر كاذبًا أو مخطئًا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله ﷿ عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقال الحافظ ابن كثير: إسناد جيد متصل. (البداية والنهاية ٥/ ٤٦).\n(^٢) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل. وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر ويقويان الرواية السابقة، ويتقويان بها.\n(^٣) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن مهران عن سفيان به، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرزاي وهو ضعيف والخبر مرسل ويتقوى بما سبق.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده داود بن راشد الطفاوي لين الحديث كما في التقريب. وفيه غرابة في قوله فأخذ رسول الله ﷺ بأذني فمدها …","vol":"6","page":707},{"text":"الحال، وقد قررنا هذه المسألة في كتاب العلم من شرح البخاري ولله تعالى الحمد والمنة.\nوقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عُقبة بن أبي مُعيط، حين بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلِق، وقد روي ذلك من طرق ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية ملك بني المصطلِق، وهو الحارث بن ضرار والد جويرية بنت الحارث أُم المؤمنين ﵂.\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق، حدثنا عيسى بن دينار، حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي ﵁ يقول: قدمت على رسول الله فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به. ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته. وترسل إليَّ يا رسول الله رسولًا إبان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة.\nفلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول لم يأته وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله، فدعا بسروات قومه فقال لهم: إن رسول الله ﷺ كان وقَّت لي وقتًا يرسل إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله ﷺ الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة، فانطلقوا بنا نأتي رسول الله ﷺ، وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق؛ أي: خاف، فرجع حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي، فغضب رسول الله ﷺ وبعث البعث إلى الحارث ﵁ وأتى الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى مَن بُعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولَم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله. قال: لا والذي بعث محمدًا بالحق ما رأيته بتَّةً ولا أتاني.\nفلما دخل الحارث على رسول الله قال: \"منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ \" قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله ﷺ، خشيت أن يكون كانت سخطة الله تعالى ورسوله. قال فنزلت الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إلى قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾ (^١). ورواه ابن أبي حاتم، عن المنذر بن شاذان التمار، عن محمد بن سابق به (^٢). ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق به، غير أنه سماه الحارث بن سرار (^٣)، والصواب: أنه الحارث بن ضرار كما تقدم.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا جعفر بن عون، عن موسى بن عبيدة، عن ثابت مولى أُم سلمة، عن أُم سلمة ﵂ قالت: بعث رسول الله ﷺ رجلًا في صدقات بني المصطلق\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/ ٤٠٣ - ٤٠٥ ح ١٨٤٥٩) وحسنه محققوه بشواهده دون قصة إسلام الحارث بن ضرار.\n(^٢) حكمه كسابقه.\n(^٣) (المعجم الكبير ٣/ ٣١٠ ح ٣٣٩٥).","vol":"6","page":708},{"text":"بعد الوقيعة فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله قالت: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت: فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: إن بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم. فغضب رسول الله ﷺ والمسلمون، قالت: فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلًا مصدقًا فسررنا بذلك وقرت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضبًا من الله تعالى ومن رسوله ﷺ، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال ﵁ فأذن بصلاة العصر قالت: ونزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ (^١).\nوروى ابن جرير أيضًا من طريق العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسول رسول الله ﷺ، وإنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع الوليد إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة، فغضب رسول الله ﷺ من ذلك غضبًا شديدًا، فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا: يا رسول الله، إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن ما ردَّه كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، وإن النبي ﷺ استغشهم وهم بهم، فأنزل الله ﵎ عذرهم في الكتاب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا. . .﴾ إلى آخر الآية (^٢).\nوقال مجاهد وقتادة: أرسل رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليصدقهم، فتلقوه بالصدقة فرجع فقال: إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك، زاد قتادة: وإنهم قد ارتدوا عن الإسلام. فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إليهم، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلًا فبعث عيونه فلما جاؤوا أخبروا خالدًا أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nقال قتادة: فكان رسول الله ﷺ يقول: \"التثبث من الله والعجلة من الشيطان\" (^٣) وكذا ذكر غير واحد من السلف منهم: ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم في هذه الآية أنها أُنزلت في الوليد بن عقبة، والله أعلم (^٤).\n\n<span id=\"aya-4619\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي: اعلموا أن بين أظهركم رسول الله فعظموه\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيده وهو الربذي.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق العوفي به، وسنده ضعيف ويتقوى بالشواهد السابقة واللاحقة.\n(^٣) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول قتادة أخرجه الطبري أيضًا بسند رجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه إلا قوله \"التثبت من الله والعجلة من الشيطان\" فليس له شاهد.\n(^٤) قول ابن أبي ليلى أخرجه البُستي بسند رجاله ثقات لكنه مرسل، وقول الضحاك أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان وهو مرسل.","vol":"6","page":709},{"text":"ووقروه وتأدبوا معه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ثم بيّن أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أي: لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدّى ذلك إلى عنتكم وحرجكم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾ [المؤمنون].\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: حببه إلى نفوسكم وحسنه في قلوبكم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا علي بن مسعدة، حدثنا قتادة، عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: \"الإسلام علانية والإيمان في القلب - قال: ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ثم يقول - التقوى ههنا التقوى ههنا\" (^١).\n﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ أي: وبغض إليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار والعصيان، وهي جميع المعاصي وهذا تدريج لكمال النعمة.\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد آتاهم الله رشدهم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكي، عن أبي رفاعة الزرقي، عن أبيه [وقال غيرُ الفزاري: عبيد بن رفاعة الزرقي] (^٢) قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله ﷺ: \"استووا حتى أثني على ربي ﷿\" فصاروا خلفه صفوفًا فقال ﷺ: \"اللَّهم لك [الحمد] (^٣) كله، اللَّهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضلَّ لمن هديت، ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللَّهمَ ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللَّهمَ إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللَّهمَ إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف. اللَّهمَ إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعتنا، اللَّهمَ حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللَّهمَ توفنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللَّهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللَّهمَ قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق\" (^٤). ورواه النسائي في اليوم والليلة عن زياد بن أيوب، عن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩/ ٣٧٤ ح ١٢٣٨١) وضعف سنده محققوه، وذكروا للشق الأخير شاهدًا من صحيح مسلم برقم ٢٥٦٤.\n(^٢) الزيادة من المسند ولا توجد في النسخ الخطية، وهذه العبارة من الإمام أحمد فيها إشارة إلى إرسال الحديث.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: \"بياض\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧ ح ١٥٤٩٢) وقال محققوه: رجاله ثقات. =","vol":"6","page":710},{"text":"مروان بن معاوية، عن عبد الواحد ابن أيمن، عن عُبيد بن رِفاعة، عن أبيه به (^١).\nوفي الحديث المرفوع: \"من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-4620\"></span>ثم قال: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أي: هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدرته.\n\n<span id=\"aya-4621\"></span>﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾.\nيقول تعالى آمرًا بالإصلاح بين الفئتين الباغين بعضهم على بعض: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فسماهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن، عن أبي بكرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ خطب يومًا، ومعه على المنبر الحسن بن علي ﵄، فجعل ينظر إليه مرة، وإلى الناس أخرى ويقول: \"إن ابني هذا سيد ولعلَّ الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\" (^٣). فكان كما قال ﷺ، أصلح الله به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة، والواقعات المهولة.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: حتى ترجع إلى أمر الله ورسوله، وتسمع للحق وتطيعه، كما ثبت في الصحيح عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: \"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا\" قلت: يا رسول الله، هذا نصرته مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال ﷺ: \"تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي يحدث أن أنسًا ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ، لو أتيت عبد الله بن أُبي، فانطلق إليه النبي ﷺ، وركب حمارًا وانطلق المسلمون\n_________\n= وأخرجه البخاري من طريق زياد بن أيوب به (الأدب المفرد ح ٦٩٩) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٥٣٨)، وأخرجه الحاكم من طريق ابن أبي مسرة عن خلاد بن يحيى عن عبد الواحد بن أيمن به وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: والحديث مع نظافة إسناده أخاف أن لا يكون موضوعًا، رواه عن خلاد: ابن أبي مسره. (المستدرك ١/ ٥٠٦ - ٥٠٧) وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ٦/ ١٢٥).\n(^١) السنن الكبرى، عمل اليوم والليلة، باب الاستنصار عند اللقاء (ح ١٠٤٤٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب (السنن، الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة ح ٢١٦٥)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١١٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٧٥٨).\n(^٣) صحيح البخاري، الصلح، باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي ﵄ … (ح ٢٧٠٤).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٢.","vol":"6","page":711},{"text":"يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق النبي ﷺ إليه قال: \"إليك عني فوالله لقد آذاني ريح حمارك\" فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحًا منك. قال: فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (^١). ورواه البخاري في الصلح عن مسدد، ومسلم في المغازي، عن محمد بن عبد الأعلى كلاهما عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه به نحوه (^٢).\nوذكر سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر بالصلح بينهما (^٣).\nوقال السدي: كان رجل من الأنصار يقال له: عمران، كانت له امرأة تدعى أُم زيد، وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها، فحبسها زوجها وجعلها في عِلِّية له لا يدخل عليها أحد من أهلها. وإن المرأة بعثت إلى أهلها، فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها، وإن الرجل كان قد خرج، فاستعان أهل الرجل، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها، فتدافعوا واجتلدوا بالنعال فنزلت فيهم الآية، فبعث إليهم رسول الله ﷺ وأصلح بينهم وفاؤوا إلى أمر الله تعالى (^٤).\nوقوله: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: اعدلوا بينهما فيما كان أصاب بعضهم لبعض بالقسط وهو العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين أيدي الرحمن ﷿ بما أقسطوا في الدنيا\" (^٥). ورواه النسائي، عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى به (^٦). وهذا إسناده جيد قوي رجاله على شرط الصحيح.\nوحدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: \"المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور على يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا\" (^٧). ورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٥٧) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الصلح، باب ما جاء في الإصلاح بين الناس (ح ٧٦٩١)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب في دعاء النبي ﷺ (ح ١٧٩٩).\n(^٣) سنده مرسل ويتقوى بما سبق.\n(^٤) سنده ضعيف لإرساله.\n(^٥) جوده وقواه الحافظ ابن كثير.\n(^٦) السنن الكبرى، القضاء، باب ذكر الاختلاف على الزهري في هذا الحديث (ح ٥٩١٧).\n(^٧) سنده صحيح.\n(^٨) صحيح مسلم، الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل (ح ١٨٢٧)، وسنن النسائي، آداب القضاة، باب فضل الحاكم العادل في حكمه ٨/ ٣٢١.","vol":"6","page":712},{"text":"<span id=\"aya-4622\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ أي: الجميع إخوة في الدين، كما قال رسول الله ﷺ: \"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه\" (^١).\nوفي الصحيح: \"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\" (^٢).\nوفي الصحيح أيضًا: \"إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك مثله\" (^٣) والأحاديث في هذا كثيرة.\nوفي الصحيح: \"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر\" (^٤).\nوفي الصحيح أيضًا: \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا\" (^٥) وشبك بين أصابعه.\nوقال أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج، حدثنا عبد الله، أخبرنا مصعب بن ثابت، حدثني أبو حازم قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي يحدث عن رسول الله ﷺ قال: \"إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس\" (^٦). تفرد به أحمد ولا بأس بإسناده.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ يعني: الفئتين المقتتلتين ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتقاه.\n\n<span id=\"aya-4623\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾.\nينهى تعالى عن السخرية بالناس وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"الكبر بطر الحق وغمص الناس - ويروى - وغمط الناس\" (^٧) والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرًا عند الله تعالى، وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له، ولهذا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ فنصَّ على نهي الرجال، وعطف نهي النساء.\nوقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا تلمزوا الناس. والهماز اللماز من الرجال مذموم ملعون كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة] والهمز بالفعل واللمز بالقول، كما قال: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم] أي: يحتقر الناس ويهمزهم طاغيًا عليهم ويمشي بينهم بالنميمة\n_________\n(^١) (^٢) تقدم تخريجهما في تفسير سورة الإسراء آية ٥٣.\n(^٣) تقدم تخريجهما في تفسير سورة غافر آية ٧.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٨٤.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ٧١.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٥١٧ ح ٢٢٨٧٧) وقال محققوه: صحيح لغيره. وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨/ ١٨٧).\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٢.","vol":"6","page":713},{"text":"وهي اللمز بالمقال، ولهذا قال ههنا: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كما قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أي: لا يقتل بعضكم بعضًا.\nقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل بن حيان: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يطعن بعضكم على بعض (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ أي: لا تداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها.\nقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: حدثني أبو جبيرة بن الضحاك، قال: فينا نزلت في بني سلمة ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا واحدًا منهم باسم من تلك الأسماء، قالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (^٢). ورواه أبو داود، عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن داود به (^٣).\nوقوله: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ أي: بئس الصفة والاسم الفسوق. وهو التنابز بالألقاب كما كان أهل الجاهلية يتناعتون بعد ما دخلتم في الإسلام وعقلتموه ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أي: من هذا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4624\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾.\nيقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فليتجنب كثير منه احتياطًا وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ولا تظنَّن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملًا.\nوقال أبو عبد الله ابن ماجه: حدثنا أبو القاسم بن أبي ضمرة نصر بن محمد بن سليمان الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي قيس النضري، حدثنا عبد الله بن عمر قال: رأيت النبي ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: \"ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه وأن يظن به إلا خيرًا\" (^٤). تفرد به ابن ماجه من هذا الوجه.\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى، بالآثار التالية: فقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٦٠)، وأخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الحجرات ح ٣٢٦٨)، وقال: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم كلاهما من طريق داود بن أبي هند به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٨١).\n(^٣) السنن، الأدب، باب في الألقاب (ح ٤٩٦٢) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٥١).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الفتن، باب حرمة دم المؤمن وماله ح ٣٩٣٢)، وسنده ضعيف لضعف =","vol":"6","page":714},{"text":"وقال مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا\" (^١). رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم، عن يحيى بن يحيى وأبو داود، عن العتبي، عن مالك به (^٢).\nوقال سفيان بن عيينة: عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام\" رواه مسلم والترمذي وصححه من حديث سفيان بن عيينة به (^٣).\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله القرمطي العدوي، حدثنا بكر بن عبد الوهاب المدني، حدثنا إسماعيل بن قيس الأنصاري، حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي الرجال، عن أبيه، عن جده حارثة بن النعمان قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن\" فقال الرجل: وما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال ﷺ: \"إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فأمض\" (^٤).\nوقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد قال: أُتِيَ ابن مسعود برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال عبد الله: قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به (^٥). سماه ابن أبي حاتم في روايته الوليد بن عقبة بن أبي معيط.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا ليث، عن إبراهيم بن نشيط الخولاني، عن كعب بن علقمة، عن أبي الهيثم، عن دُخين كاتب عقبة قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانًا يشربون الخمر وأنا داعٍ لهم الشرط فيأخذونهم. قال: لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم، قال: ففعل فلم ينتهوا. قال: فجاءه دخين فقال: إني قد نهيتهم فلم ينتهوا وإني داع لهم الشرط فتأخذهم، فقال له عقبة: ويحك لا تفعل؟ فإني سمعت رسول الله يقول: \"من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موؤدة من قبرها\". ورواه أبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد به نحوه (^٦).\nوقال سفيان الثوري، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ\n_________\n= أبي ضمرة نصر بن محمد الحمصي كما في التقريب.\n(^١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، حسن الخلق، باب ما جاء في المهاجرة ح ١٤) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الأدب، باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] (ح ٦٠٦٦).\n(^٣) صحيح مسلم، البر والصلة، باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر (ح ٢٥٥٩)، وسنن الترمذي، البر والصلة، باب ما جاء في الحسد (ح ١٩٣٦).\n(^٤) (المعجم الكبير ٣/ ٢٢٨ ح ٣٢٢٧) وسنده ضعيف لضعف إسماعيل بن قيس الأنصاري (مجمع الزوائد ٨/ ٧٨).\n(^٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب النهي عن التجسس ح ٤٨٩٠) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٩٠).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٣) وفي سنده أبو الهيثم مقبول كما في التقريب وأخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب في الستر عن المسلم ح ٤٨٩٢)، والنسائي (السنن الكبرى، الرجم، باب الترغيب في ستر العورة ح ٧٢٨٣) ورواه ابن عدي بسند ضعيف جدًا (الكامل ٧/ ٢٥١٨) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ١٢٦٥).","vol":"6","page":715},{"text":"يقول: \"إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم\" فقال أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول الله ﷺ نفعه الله تعالى بها، ورواه أبو داود منفردًا به من حديث الثوري به (^١).\nوقال أبو داود أيضًا: حدثنا سعيد بن عمرو الحضرمي، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن جبير بن نفير وكثير بن مرة، وعمرو بن الأسود والمقدام بن معديكرب وأبي أُمامة عن النبي ﷺ قال: \"إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم\" (^٢).\n﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ أي: على بعضكم بعضًا والتجسس غالبًا يطلق في الشر ومنه الجاسوس. وأما التحسس فيكون غالبًا في الخير كما قال تعالى إخبارًا عن يعقوب أنه قال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] وقد يستعمل كل منهما في الشر كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا\" (^٣).\nوقال الأوزاعي: التجسس: البحث عن الشيء. والتحسس: الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون أو يتسمع على أبوابهم، والتدابر: الصرم (^٤). رواه ابن أبي حاتم عنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ فيه نهي عن الغيبة، وقد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال ﷺ: \"ذكرك أخاك بما يكره\" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال ﷺ: \"إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته\" (^٥). ورواه الترمذي، عن قتيبة، عن الدراوردي به وقال: حسن صحيح. ورواه ابن جرير، عن بندار، عن شعبة، عن العلاء (^٦). وهكذا قال ابن عمر ومسروق وقتادة وأبو إسحاق ومعاوية بن قرة.\nوقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن [سفيان] (^٧)، حدثني علي بن [الأقمر] (^٨)، عن أبي حذيفة، عن عائشة قالت: قلت للنبي ﷺ: حسبك من صفية كذا وكذا. قال غير مسدد:\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الأدب، النهي عن التجسس (ح ٤٨٨٨) وصححه العراقي (تخريج إحياء علوم الدين (ح ١٧٣٤) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٨٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الباب السابق ح ٤٨٨٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٨٩).\n(^٣) صحيح البخاري، الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد (ح ٦٠٦٤).\n(^٤) أي: أن يهجر كل واحد صديقه أو أخاه.\n(^٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب في الغيبة ح ٤٨٧٤)، وأخرجه مسلم من طريق العلاء به بنحوه (الصحيح، البر والصلة، باب تحريم الغيبة ح ٢٥٨٩).\n(^٦) أخرجه الطبري والترمذي (السنن، البر، باب ما جاء في الغيبة ح ١٩٣٥) وسنده صحيح كسابقه.\n(^٧) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٨) كذا في (حم) و(مح)، وسنن أبي داود، وفي الأصل صُحف إلى: \"الأحمر\".","vol":"6","page":716},{"text":"تعني قصيرة، فقال ﷺ: \"لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته\" قالت: وحكيت له إنسانًا فقال ﷺ: \"ما أحب أني حكيت إنسانًا وإن لي كذا وكذا\" (^١). ورواه الترمذي من حديث يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع ثلاثتهم عن سفيان الثوري، عن علي بن الأقمر، عن أبي حذيفة سلمة بن صهيب الأرحبي، عن عائشة ﵂ به وقال: حسن صحيح (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثني ابن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، حدثنا حسان بن المخارق أن امرأة دخلت على عائشة، فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبي ﷺ؛ أي: إنها قصيرة فقال النبي ﷺ: \"اغتبتها\" (^٣).\nوالغيبة محرمة بالإجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا من رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة كقوله ﷺ، لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: \"ائذنوا له بئس أخو العشيرة! \" وكقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس، وقد خطبها معاوية وأبو الجهم: \"أما معاوية فصعلوك، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه\" (^٤). وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على الترحيم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها ﵎ بأكل اللحم من الإنسان الميت كما قال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أي: كما تكرهون هذا طبعًا فاكرهوه ذاك شرعًا، فإن عقوبته أشد من هذا، وهذا من التنفير عنها والتحذير منها كما قال ﷺ في العائد في هبته: \"كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه\" (^٥) وقد قال: \"ليس لنا مثل السوء\" وثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من غير وجه أنه ﷺ قال في خطبة الوداع: \"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا\" (^٦).\nوقال أبو داود: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا أسباط بن محمد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل المسلم على المسلم حرام ماله وعرضه ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم\" (^٧). ورواه الترمذي، عن عبيد بن أسباط بن محمد، عن أبيه به وقال: حسن غريب (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب في الغيبة ح ٤٨٧٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٨٠).\n(^٢) سنن الترمذي، صفة القيامة، باب تحريم الغيبة (ح ٢٤٠٥).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده حسان بن المخارق ترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٣/ ٢٣٥)، وهو لم يسمع من عائشة ﵂.\n(^٤) صحيح مسلم، الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها (ح ١٤٨٠).\n(^٥) أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٦) أخرجه الشيخان من حديث أبي بَكرة ﵁ (صحيح البخاري، العلم، باب قول النبي ﷺ: \"رب مبلغ أوعى من سامع\" ح ٦٧)، وصحيح مسلم، القسامة، باب تحريم الدماء والأعراض والأموال (ح ١٦٧٩).\n(^٧) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب في الغيبة ح ٤٨٨٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٨٥).\n(^٨) سنن الترمذي، البر والصلة، باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم (ح ١٩٢٨) وحكمه كسابقه.","vol":"6","page":717},{"text":"وحدثنا عثمان بن أبي شيبة: حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله بن جريج، عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته\" (^١). تفرد به أبو داود.\nوقد روي من حديث البراء بن عازب. فقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا إبراهيم بن دينار، حدثنا مصعب بن سلام، عن حمزة بن حبيب الزيات، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب قال: خطبنا رسول الله ﷺ حتى أسمع العواتق في بيوتها - أو قال: في خدورها - فقال: \"يا معشر من آمن بلسانه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته ومن يتتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته\" (^٢).\nطريق أخرى عن ابن عمر:\nقال أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا يحيى بن أكثم، حدثنا الفضل بن موسى الشيباني، عن الحسين بن واقد، عن أوفى بن دَلهم، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله\" قال: ونظر ابن عمر يومًا إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك (^٣).\nقال أبو داود: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا قتيبة، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن وقاص بن ربيعة، عن المستورد أنه حدثه أن النبي ﷺ قال: \"من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها في جهنم، ومن كسا ثوبًا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله في جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله تعالى يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة\" (^٤). تفرد به أبو داود.\nوحدثنا ابن مصفى، حدثنا بقية وأبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخشمون وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٨٨٠) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٨٣).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٣٧ ح ١٦٧٥) قال الهيثمي: ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٨/ ٩٦) ويشهد له سابقه.\n(^٣) أخرجه الترمذي عن يحيى بن أكثم به ثم قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد. (السنن، البر والصلة، باب ما جاء في تعظيم المؤمن ح ٢٠٣٢) وسنده ضعيف لأن يحيى بن أكثم متهم بسرقة الحديث كما في التقريب، وشطر الأول له شواهد تقدمت يتقوى بها.\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب في الغيبة ح ٤٨٨١). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٨٤).","vol":"6","page":718},{"text":"الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم\" تفرد به أبو داود وهكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الشامي به (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا أحمد بن عبدة، أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، أخبرنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، حدثنا ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: ثم انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير، رجال ونساء موكل بهم رجال يعمدون إلى عرض جنب أحدهم، فيجذون منه الجذة مثل النعل ثم يضعونها في فيّ أحدهم. فيقال له: كل كما أكلت وهو يجد من أكله الموت يا محمد لو يجد الموت وهو يكره عليه، فقلت: يا جبرائيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون واللمازون أصحاب النميمة، فيقال: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه) وهو يكره على أكل لحمه (^٢)؟ هكذا أورد هذا الحديث، وقد سقناه بطوله في أول تفسير سورة سبحان ولله الحمد والمنة.\nوقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا الربيع، عن يزيد، عن أنس أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن يصوموا يومًا ولا يفطرن أحد حتى آذن له، فصام الناس، فلما أمسوا جعل الرجل يجيء إلى رسول الله ﷺ فيقول: \"ظللت منذ اليوم صائمًا فائذن لي فأفطر فأذن له ويجيء الرجل فيقول ذلك، فيأذن له حتى جاء رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين، فائذن لهما فليفطرا، فأعرض عنه ثم أعاد، فقال رسول الله ﷺ: \"ما صامتا، وكيف صام من ظل يأكل من لحوم الناس؟ اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن يستقيئا\" ففعلتا، فقاءت كل واحدة منهما علقة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: \"لو ماتتا وهما فيهما لأكلتهما النار\" (^٣). إسناد ضعيف ومتن غريب. وقد رواه الحافظ البيهقي من حديث يزيد بن هارون، حدثنا سليمان التيمي قال: سمعت رجلًا يحدث في مجلس أبي عثمان النهدي، عن عبيد مولى رسول الله ﷺ أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله ﷺ، وأن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن ههنا امرأتين صامتا وإنهما كادتا تموتان من العطش، أراه قال بالهاجرة، فأعرض عنه أو سكت عنه، فقال: يا نبي الله إنهما والله قد ماتتا أو كادتا تموتان، فقال: ادعهما. فجاءتا قال: فجيء بقدح أو عس، فقال لإحداهما: قيئي. فقاءت من قيح ودم وصديد حتى قاءت نصف القدح، ثم قال للأخرى: قيئي، فقاءت قيحًا ودمًا وصديدًا ولحمًا ودمًا عبيطًا (^٤) وغيره حتى ملأت القدح، ثم قال: \"إن هاتين صامتا عما أحل الله تعالى لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس\" (^٥). وهكذا رواه الإمام أحمد، عن يزيد بن هارون وابن أبي عدي، كلاهما عن سليمان بن [طرخان] (^٦) التيمي به مثله أو نحوه، ثم رواه أيضًا من حديث مسدد، عن يحيى القطان، عن عثمان بن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير مطلع سورة الإسراء.\n(^٢) تقدم تخريجه كسابقه.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (المسند ح ٢١٠٧) وسنده ضعيف لضعف يزيد وهو ابن أبان الرقاشي.\n(^٤) أي: اللحم الطري غير النضيج.\n(^٥) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٦/ ١٨٦) وسنده ضعيف لإبهام شيخ سليمان التيمي.\n(^٦) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: \"طوعان\".","vol":"6","page":719},{"text":"غياث. حدثني رجل أظنه في حلقة أبي عثمان، عن سعد مولى رسول الله ﷺ، أنهم أمروا بصيام، فجاء رجل في نصف النهار فقال: يا رسول الله فلانة وفلانة قد بلغتا الجهد فأعرض عنه مرتين أو ثلاثًا ثم قال: \"ادعهما\" فجاء بعس أو قدح فقال لإحداهما: قيئي. فقاءت لحمًا ودمًا عبيطًا وقيحًا، وقال للأخرى مثل ذلك ثم قال: إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما. أتت إحداهما للأخرى فلم تزالا تأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا (^١). قال البيهقي: كذا قال عن سعد، والأول وهو عبيد أصح.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد، حدثنا أبي أبو عاصم، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، عن ابن عمّ لأبي هريرة أنّ ماعزًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه حتى قالها أربعًا، فلما كان في الخامسة قال: قال: (زنيت) قال: وتدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا. قال: ما تريد إلى قول هذا؟ قال: أريد أن تطهرني. قال: فقال رسول الله ﷺ: أدخلت ذلك منك في ذلك منها كما يغيب الميل في المكحلة والرشا في البئر؟ قال: نعم يا رسول الله قال: فأمر برجمه، فرجم، فسمع النبي ﷺ رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه نفسه حتى رُجم رجم الكلب؟ ثم سار النبي ﷺ حتى مرّ بجيفة حمار فقال: \"أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار\" قالا: غفر الله لك يا رسول الله وهل يؤكل هذا؟ قال ﷺ: \"فما نلتما من أخيكما آنفًا أشد أكلًا منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها\" (^٢) (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثني أبي. حدثنا واصل مولى ابن عيينة، حدثني خالد بن عرفطة، عن طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي ﷺ فارتفعت ريح جيفة منتنة. فقال رسول الله ﷺ: \"أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون [المؤمنين] \" (^٤) (^٥).\nطريق أخرى: قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفضيل بن عياض، عن سليمان، عن أبي سفيان وهو طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فهاجت ريح منتنة، فقال النبي ﷺ: \"إن نفرًا من المنافقين اغتابوا ناسًا من المسلمين فلذلك بعثت هذه الريح\" وربما قال: \"فلذلك هاجت هذه الريح\" (^٦).\n_________\n(^١) (المسند ٥/ ٤٣١) وفي السندين العلة السابقة نفسها.\n(^٢) في (حم) و(مح) زيادة: إسناده صحيح، ولم أثبتها حسب الأصل ومن المستبعد أن يحكم عليه بالصحة ولم يصرح باسم شيخ أبي الزبير.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٤٦ ح ١٥٧٦) وسنده ضعيف لجهالة شيخ أبي الزبير.\n(^٤) كذا في المسند، وفي (حم) و(مح) بلفظ: \"الناس\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣/ ٩٧ ح ١٤٧٨٤) وحسن سنده محققوه، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وحسن سنده الألباني (صحيح الأدب المفرد ح ٥٥٩).\n(^٦) أخرجه عبد بن حميد (المنتخب ح ١٠٢٨)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٥٦٢).","vol":"6","page":720},{"text":"وقال السدي في قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ زُعم أن سلمان الفارسي كان مع رجلين من أصحاب النبي ﷺ في سفر يخدمهما ويخف لهما وينال من طعامهما، وأن سلمان لما سار الناس ذات يوم، وبقي سلمان نائمًا لم يسر معهم، فجعل صاحباه يكلمانه فلم يجداه، فضربا الخباء فقالا: ما يريد سلمان أو هذا العبد شيئًا غير هذا أن يجيء إلى طعام مقدور وخباء مضروب، فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله ﷺ يطلب لهما إدامًا، فانطلق فأتى رسول الله ﷺ ومعه قدح له فقال: يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك. قال ﷺ: \"ما يصنع أصحابك بالأدم؟ قد ائتدموا\" فرجع سلمان يخبرهما بقول رسول الله ﷺ فانطلقا حتى أتيا رسول الله فقالا: والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعامًا منذ نزلنا. قال رسول الله ﷺ: \"إنكما قد ائتدمتما بسلمان بقولكما\" قال: ونزلت ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ أنه كان نائمًا (^١).\nوروى الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المختارة من طريق حبّان بن هلال، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: كانت العرب تخدم بعضها بعضًا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر، رجل يخدمهما فناما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعامًا فقالا: إن هذا لنؤوم فأيقظاه، فقالا له: ائت رسول الله ﷺ فقل له إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام ويستأدمانك فقال ﷺ: \"إنهما قد ائتدما\" فجاءا فقالا: يا رسول الله بأي شيء ائتدمنا؟ فقال ﷺ: \"بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما\" فقالا: استغفر لنا يا رسول الله، فقال ﷺ: \"مُرَاهُ فليستغفر لكما\" (^٢).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا محمد بن مسلم، عن محمد بن إسحاق، عن عمه موسى بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أكل من لحم أخيه في الدنيا قرب الله إليه لحمه في الآخرة، فيقال له: كله ميتًا كما أكلته حيًا، قال: فيأكله ويكلح ويصيح\" (^٣) غريب جدًا.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه فراقبوه في ذلك واخشوا منه ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ أي: تواب على من تاب إليه رحيم لمن رجع إليه واعتمد عليه.\nقال الجمهور من العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته أن يقلع عن ذلك ويعزم على أن لا يعود، وهل يشترط الندم على ما فات؟ فيه نزاع، وأن يتحلل من الذي اغتابه.\n_________\n(^١) سنده ضعيف للانقطاع بين السدي وسلمان الفارسي ﵁.\n(^٢) أخرجه الضياء من طريق عباد بن الوليد الغبري عن حبان بن هلال به بنحوه. (المختارة ٥/ ٧١ ح ١٦٩٧) وصحح سنده محققه. وأرى أن المتن فيه غرابة في آخره في ذكر الاستغفار، وأنه لا يتناسب مع مقام أبي بكر وعمر ﵄.\n(^٣) أخرجه الطبراني من طريق ابن إسحاق به (المعجم الأوسط ٢/ ١٨٢ ح ١٦٥٦) وسنده ضعيف لعنعنه ابن إسحاق، وكذا أعله الهيثمي (مجمع الزوائد ٨/ ٩٢) واستغربه الحافظ ابن كثير","vol":"6","page":721},{"text":"وقال آخرون: لا يشترط أن يتحلله فإنه إذا أعلمه بذلك ربما تأذى أشد مما إذا لم يعلم بما كان منه فطريقه إذًا أن يثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها، وأن يردَّ عنه الغيبة بحسبه وطاقته، لتكون تلك بتلك كما قال الإمام أحمد، حدثنا أحمد بن الحجاج، حدثنا عبد الله، أخبرنا [يحيى بن] (^١) أيوب، عن عبد الله بن سليمان أن إسماعيل بن يحيى المعافري أخبره، أن سهل بن معاذ بن أنس الجهني أخبره، عن أبيه ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"من حمى مؤمنًا من منافق يغتابه، بعث الله تعالى إليه ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنًا بشيء يريد سبه حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال\" (^٢). وكذا رواه أبو داود من حديث عبد الله وهو ابن المبارك به بنحوه (^٣).\nوقال أبو داود أيضًا: حدثنا إسحاق بن الصباح، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا الليث، حدثني يحيى بن سليم أنه سمع إسماعيل بن بشير يقول: سمعت جابر بن عبد الله وأبا طلحة بن سهل الأنصاري يقولان: قال رسول الله ﷺ: \"ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في مواطن يحب فيها نصرته، وما من امرئ ينصر امرءًا مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في مواطن يحب فيها نصرته\" (^٤). تفرد به أبو داود.\n\n<span id=\"aya-4625\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة وجعل منها زوجها، وهما آدم وحواء، وجعلهم شعوبًا وهي أعمُّ من القبائل، وبعد القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر والعمائر والأفخاذ وغير ذلك، وقيل: المراد بالشعوب بطون العجم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل، وقد لخصت هذه في مقدمة مفردة جمعتها من كتاب \"الإنباه\" لأبي عمر ابن عبد البر، ومن كتاب (القصد والأمم في معرفة أنساب العرب والعجم) فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء ﵉ سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية وهي طاعة الله تعالى ومتابعة رسوله ﷺ، ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضًا، منبهًا على تساويهم في البشرية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ أي: ليحصل التعارف بينهم كل يرجع إلى قبيلته.\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح) والمسند.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ٤٠٦ ح ١٥٦٤٩) وضعف سنده محققوه.\n(^٣) أخرجه أبو داود من طريق عبد الله بن المبارك به (السنن، الأدب، باب من ردّ عن مسلم غيبة ح ٤٨٨٣) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٨٦).\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه المصدر السابق (ح ٤٨٨٤) وسنده ضعيف لجهالة إسماعيل بن بشير (التقريب ص ١٠٦).","vol":"6","page":722},{"text":"وقال مجاهد في قوله: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾: كما يقال فلان بن فلان من كذا وكذا؛ أي: قبيلة كذا وكذا (^١).\nوقال سفيان الثوري: كانت حمير ينتسبون إلى مخاليفها، وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها (^٢).\nوقد قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن [يزيد] (^٣) مولى المنبعث، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأصل مثراة في المال منسأة في الأثر\" ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ أي: إنما تتفاضلون عند الله تعالى بالتقوى لا بالأحساب، وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول الله ﷺ.\nقال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا عبدة، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الناس أكرم؟ قال: \"أكرمهم عند الله أتقاهم\" قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: \"فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله ابن خليل الله\" قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: \"فعن معادن العرب تسألوني؟ \" قالوا: نعم. قال: \"فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا\" (^٥). وقد رواه البخاري في غير موضع من طرق عن عبدة بن سليمان، ورواه النسائي في التفسير من حديث عبيد الله وهو ابن عمر العمري به (^٦).\nحديث آخر:\nقال مسلم ﵀: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\". ورواه ابن ماجه، عن أحمد بن سنان، عن كثير بن هشام به (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه البُستي بسند صحيح عن ابن أبي عمر العدني عن سفيان بنحوه.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) وسنن الترمذي، وفي الأصل صحف إلى: \"زيد\".\n(^٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، البر والصلة، باب ما جاء في تعليم النسب ح ١٩٨٠)، وفي سنده عبد الملك بن عيسى الثقفي وهو مقبول كما في التقريب، ولشطره الأخير شواهده صحيحة.\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف] ح ٤٦٨٩).\n(^٦) السنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ [يوسف: ٧] (ح ١١٢٤٩).\n(^٧) أخرجه مسلم، البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله (ح ٢٥٦٤).","vol":"6","page":723},{"text":"حديث آخر:\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن بكر، عن أبي ذرٍّ قال: إن النبي ﷺ قال له: \"انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله\" (^١). تفرد به أحمد (^٢).\nحديث آخر:\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، حدثنا عبيد بن حنين الطائي، سمعت محمد بن حبيب بن خراش العصري يحدث عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى\" (^٣).\nحديث آخر:\nقال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن يحيى الكوفي، حدثنا الحسن بن الحسين، حدثنا قيس يعني ابن الربيع، عن شبيب بن غرقدة، عن المستظل بن حصين، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان (^٤) \". ثم قال: لا نعرفه عن حذيفة إلا من هذا الوجه (^٥).\nحديث آخر:\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا يحيى بن زكريا القطان، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته القصواء يستلم الأركان بمحجن في يده، فما وجد لها مناخًا في المسجد حتى نزل ﷺ على أيدي الرجال، فخرج بها إلى بطن المسيل فأنيخت، ثم إن رسول الله ﷺ خطبهم على راحلته فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: \"يا أيها الناس إن الله تعالى قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بَرٌّ تقي كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي هيِّن على الله تعالى، إن الله ﷿ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه، الزهد، باب القناعة (ح ٤١٤٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٨٥) وسنده ضعيف لأن بكرًا لم يسمع من أبي ذرٍّ (ينظر: مجمع الزوائد ٨/ ٨٧).\nوأبو هلال هو محمد بن سليم الراسبي وهو ضعيف، وله شواهد تقوية منها ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ (المسند ٥/ ٤١١ ح ١٧٣١٣).\n(^٣) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٤/ ٢٥ ح ٣٥٤٧) وسنده ضعيف جدًا لأن عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة: متروك (مجمع الزوائد ٨/ ٨٧).\n(^٤) الجعلان: جمع جعَل وهي دويبة.\n(^٥) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٢٢٤ ح ١٧٤٦) وقال الهيثمي: الحسن هو العرني: ضعيف. قال الحافظ ابن حجر: وشيخه لين.","vol":"6","page":724},{"text":"وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾، ثم قال ﷺ: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم\" (^١). هكذا رواه عبد بن حميد، عن أبي عاصم الضحاك، عن مخلد، عن موسى بن عبيدة به (^٢).\nحديث آخر:\nقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن [عقبة] (^٣) بن عامر قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"أن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طَفُّ الصاع (^٤) لم يملؤوه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى، وكفى بالرجل أن يكون بذيًا بخيلًا فاحشًا\" (^٥). وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة به ولفظه: \"الناس لآدم وحواء طَفُّ الصاع لم يملؤوه، إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة، إن أكرمكم عند الله أتقاكم\" (^٦). وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.\nحديث آخر:\nقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة زوج دُرَّة بنت أبي لهب، عن دُرَّة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال ﷺ: \"خير الناس أقرأهم وأتقاهم لله ﷿، وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم\" (^٧).\nحديث آخر:\nقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: ما أعجب رسول الله ﷺ شيء من الدنيا ولا أعجبه أحد قط إلا ذو تقى (^٨). تفرد به أحمد.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربدي.\n(^٢) سنده كسابقه.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صُحف إلى: \"عيينة\".\n(^٤) أي: قريب بعضكم من بعض والمعنى: كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام، وشبههم في نقصانهم بالمكيل الذي لم يبلغ أن يملأ المكيال، ثم أعلمهم أن التفاضل ليس بالنسب ولكن بالتقوى (النهاية ٣/ ١٢٩).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٨)، ويحيى بن إسحاق هو السليحيني من قدماء أصحاب ابن لهيعة، وقد روى هذا الحديث عبد الله بن وهب وقتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة، وحسنه محققو المسند برقم ١٧٤٤٦. وضعف سنده محققوه.\n(^٦) أخرجه الطبري عن يونس به، وسنده حسن كسابقه.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٤٢١ ح ٢٧٤٣٤) وضعف سنده محققوه.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠/ ٤٦٣ ح ٢٤٤٥٤) وضعف سنده محققوه.","vol":"6","page":725},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي: عليم بكم خبير بأموركم، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء، ويفضل من يشاء على من يشاء، وهو الحكيم العليم الخبير في ذلك كله، وقد استدلَّ بهذه الآية الكريمة وهذه الأحاديث الشريفة من ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط ولا يشترط سوى الدين لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وذهب الآخرون إلى أدلة مذكورة في كتب الفقه، وقد ذكرنا طرفًا من ذلك في (كتاب الأحكام) ولله الحمد والمنة.\nوقد روى الطبراني، عن عبد الرحمن أنه سمع رجلًا من بني هاشم يقول: أنا أولى الناس برسول الله ﷺ فقال غيره: أنا أولى به منك ولك منه [نسبة] (^١) (^٢).\n\n<span id=\"aya-4626\"></span>﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وقد استفيد من هذه الآية الكريمة أن الإيمان أخصُّ من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل ﵊ حين سأل عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخصِّ ثم للأخصِّ منه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أعطى رسول الله ﷺ رجالًا ولم يعط رجلًا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول الله أعطيت فلانًا وفلانًا ولم تعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن، فقال النبي ﷺ: أو مسلم؟ حتى أعادها سعد ﵁ ثلاثًا والنبي ﷺ: يقول: أو مسلم؟ ثم قال النبي ﷺ: \"إني لأُعطي رجالًا وأدع من هو أحب إلي منهم، فلم أعطه شيئًا مخافة أن يكبوا في النار\n_________\n(^١) زيادة من (مح).\n(^٢) أخرجه الطبراني عن شيخه المقدام بن داود (المعجم الكبير ١/ ١٣٤ ح ٢٨٣) وضعف سنده الهيثمي لضعف المقدام. (مجمع الزوائد ٨/ ٨٧).","vol":"6","page":726},{"text":"على وجوههم\" (^١). أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به (^٢).\nفقد فرق النبي ﷺ بين المؤمن والمسلم، فدلَّ على أن الإيمان أخص من الإسلام، وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري ولله الحمد والمنة.\nودلَّ ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلمًا ليس منافقًا لأنه تركه من العطاء، ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدلُّ هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه فأدبوا في ذلك، وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة (^٣) واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري ﵀ ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يظهرون الإيمان وليسوا كذلك.\nوقد روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد أنهم قالوا في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أي: استسلمنا خوف القتل والسبي (^٤).\nقال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة (^٥).\nوقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا بإيمانهم على رسول الله ﷺ (^٦)، والصحيح الأول أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعد فأُدبوا وأُعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا كما ذكر المنافقون في سورة براءة، وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا ينقصكم من أجوركم شيئًا كقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب.\n\n<span id=\"aya-4627\"></span>وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: إنما المؤمنون الكُمَّل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي: لم يشكوا ولا تزلزلوا بل ثبتوا على حال واحدة هي التصديق المحض ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٧٦) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة … (ح ٢٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب تأليف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه (ح ٢٣٦).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بمعناه، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه، وأخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد عن إبراهيم النخعي، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٤) أخرجه الطبري بالسند المتقدم عن سعيد بن جبير، وأخرجه أيضًا سفيان الثوري بسند ضعيف عن رجل عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة وهو مرسل.","vol":"6","page":727},{"text":"وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أي: في قولهم إذا قالوا إنهم مؤمنون، لا كبعض الأعراب الذين ليس لهم من الإيمان إلا الكلمة الظاهرة.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثنا عمرو بن الحارث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: \"المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والذي إذا أشرف على طمع [تركه] (^١) لله ﷿\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-4628\"></span>وقوله: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي: أتخبرونه بما في ضمائركم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾\n\n<span id=\"aya-4629\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ يعني: الأعراب الذين يمنون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول ﷺ يقول الله تعالى رادًّا عليهم: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم ولله المنة عليكم فيه ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: في دعواكم ذلك كما قال النبي ﷺ للأنصار يوم حنين: \"يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟ \" كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمْنّ (^٣).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا يحيى بن سعيد الأُموي، عن محمد بن قيس، عن أبي عون، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله أسلمنا وقاتلتك العرب ولم نقاتلك. فقال رسول الله ﷺ: \"إن فقههم قليل وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم\". ونزلت هذه الآية ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ (^٤). ثم قال: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى أبو عون محمد بن عبيد الله، عن سعيد بن جبير غير هذا الحديث.\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"يذكر\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٨) وسنده ضعيف لضعف رشدين، وضعف رواية أبي السمح عن أبي الهيثم.\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁. (صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الطائف (ح ٤٣٣٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (ح ١٣٩).\n(^٤) أخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد الأموي به (السنن الكبرى، التفسير، سورة الحجرات ح ١١٥١٩) وسنده حسن. وأخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن أبي أوفى (المعجم الأوسط ٩/ ١٠ ح ٨٠١٢) وحسن سنده السيوطي في الدر المنثور، وقال الهيثمي: وفيه الحجاج بن أرطأة وهو ثقة لكنه مدلس، وبقية رجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ٧/ ١١١).","vol":"6","page":728},{"text":"<span id=\"aya-4630\"></span>ثم كرر الإخبار بعلمه بجميع الكائنات وبصره بأعمال المخلوقات فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾.\n\nآخر تفسير سورة الحجرات، ولله الحمد والمنة.","vol":"6","page":729},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>سُورَةُ ق</span>\nوهي مكية\nهذه السورة هي أول الحزب المفصل على الصحيح وقيل من الحجرات. وأما ما يقوله العوام إنه من (عم) فلا أصل له ولم يقله أحد من العلماء المعتبرين فيما نعلم. والدليل على أن هذه السورة هي أول المفصل ما رواه أبو داود في سننه \"باب تحزيب القرآن\" ثم قال: حدثنا مسدد، حدثنا قران بن تمام، حدثنا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، سليمان بن حيّان، وهذا لفظه: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده، قال عبد الله بن سعيد: حدثنيه أوس بن حذيفة ثم اتفقا قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، قال: فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل الرسول ﷺ بني مالك في قبة له، قال مسدد: وكان في الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من ثقيف، قال: كان رسول الله ﷺ كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا، قال أبو سعيد، قائمًا على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا به ﷺ ما لقي من قومه قريش ثم يقول ﷺ: \"لا سواء وكنا مستضعفين مستذلين - قال مسدد بمكة - فلما خرجنا إلى المدينة كانت الحرب سجالًا بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا\" فلما كانت ليلة أبطأ عنا ﷺ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلنا: لقد أبطأت علينا الليلة، قال ﷺ: \"إنه طرأ علي حزبي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أتمه\". قال أوس: سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف يحزبون القرآن؟ فقالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاثة عشرة، وحزب المفصل وحده (^١)، ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر به، ورواه الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عبد الرحمن هو ابن يعلى الطائفي به (^٢).\nإذا علم هذا فإذا عددت ثمانيًا وأربعين سورة فالتي بعدهن سورة ق. بيانه ثلاث: البقرة وآل عمران والنساء. وخمس: المائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة. وسبع: يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل. وتسع: سبحان والكهف ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والنور والفرقان. وإحدى عشرة: الشعراء والنمل والقصص والعنكبوت والروم ولقمان\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الصلاة، باب تحزيب القرآن ح ١٣٩٣) وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٢٩٧).\n(^٢) سنن ابن ماجه، الإقامة، باب في كم يستحب يختم القرآن (ح ١٣٤٥)، وأخرجه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي به وفي آخره: وحزب المفصل: من قاف حتى يختم. (المسند ٢٦/ ٨٩ ح ١٦١٦٦) وضعف سنده محققوه.","vol":"7","page":5},{"text":"و﴿الم﴾ السجدة والأحزاب وسبأ وفاطر ويس. وثلاث عشرة: الصافات وص والزمر وغافر وحم السجدة وحم عسق والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف والقتال والفتح والحجرات. ثم بعد ذلك الحزب المفصل كما قاله الصحابة ﵃. فتعين أن أوله سورة ق. وهو الذي قلنا، ولله الحمد والمنة.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا مالك، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيد؟ قال: بقاف واقتربت (^١)، ورواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديث مالك به (^٢). وفي رواية لمسلم، عن فليح، عن ضمرة، عن عبيد الله، عن أبي واقد قال: سألني عمر ﵁، فذكره (^٣).\nحديث آخر:\nوقال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن أم هشام بنت حارثة قالت: لقد كان تنورنا وتنور النبي ﷺ واحدًا سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق] إلا على رسول الله، وكان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس (^٤). رواه مسلم من حديث ابن إسحاق به (^٥).\nوقال أبو داود: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن حبيب، عن عبد الله بن محمد بن معن، عن ابنة الحارث بن النعمان قالت: ما حفظت ﴿ق﴾ إلا من فِي رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة. قالت: وكان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدًا (^٦). وكذا رواه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة به (^٧).\nوالقصد أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار: كالعيد والجُمَع لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث والنشور والمعاد والقيام والحساب، والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢١٧)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، صلاة العيدين، باب ما يقرأ به في صلاة العيدين (ح ٨٩١)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب ما يقرأ في الأضحى والفطر (ح ١١٥٤)، وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في القراءة في العيدين (ح ٥٣٤)، والسنن الكبرى للنسائي. التفسير، باب سورة القمر (ح ١١٥٥٠)، وسنن ابن ماجه، الإقامة، باب القراءة في صلاة العيدين (ح ١٢٨٢).\n(^٣) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٨٩١/ ١٥).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٣٥) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح مسلم، الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (ح ٨٧٣).\n(^٦) سنن أبي داود، الصلاة، باب الرجل يخطب على قوس (ح ١١٠٠) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٨٧٣/ ٥١)، وسنن النسائي، الجمعة باب القراءة في الخطبة ٣/ ٧.","vol":"7","page":6},{"text":"<span id=\"aya-4631\"></span>﷽\n﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾.\n﴿ق﴾ حرف من حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور كقوله تعالى: ﴿ص﴾ و﴿ن﴾ و﴿الم﴾ و﴿حم﴾ و﴿طس﴾ ونحو ذلك، قاله مجاهد وغيره.\nوقد أسلفنا الكلام عليها في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقد روي عن بعض السلف أنهم قالوا: ﴿ق﴾ جبل محيط بجميع الأرض يقال له جبل قاف (^١)، وكأن هذا، والله أعلم، من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس لما رأى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدق ولا يكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افترى في هذه الأمة مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها أحاديث عن النبي ﷺ وما بالعهد من قدم فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى وقلة الحفاظ النقاد فيهم وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه وتبديل كتب الله وآياته؟ وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: \"وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج\" (^٢) فيما قد يجوزه العقل، فأما فيما تحيله العقول ويحكم فيه بالبطلان ويغلب على الظنون كذبه فليس من هذا القبيل، والله أعلم.\nوقد أكثر كثير من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف من الحكاية عن كتب أهل الكتاب في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم، ولله الحمد والمنة، حتى أن الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، رحمة الله عليه، أورد ههنا أثرًا غريبًا لا يصح سنده عن ابن عباس فقال: حدثنا أبي قال: حُدثت عن محمد بن إسماعيل المخزومي، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: خلق الله من وراء هذه الأرض بحرًا محيطًا بها، ثم خلق من وراء ذلك البحر جبلًا يقال له قاف، سماء الدنيا مرفوعة عليه، ثم خلق الله تعالى من وراء ذلك الجبل أرضًا مثل تلك الأرض سبع مرات، ثم خلق من وراء ذلك بحرًا محيطًا بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلًا يقال له قاف السماء الثانية مرفوعة عليه، حتى عدَّ سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل وسبع سماوات، قال: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ (^٣) [لقمان: ٢٧]. فإسناده هذا الأثر فيه انقطاع، والذي رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ق﴾ هو اسم من أسماء الله ﷿ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره الطبري بنحوه دون نسبته لأحد.\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ح ٣٤٦١).\n(^٣) سنده ضعيف لابهام شيخ أبي حاتم الرازي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"7","page":7},{"text":"والذي ثبت عن مجاهد أنه حرف من حروف الهجاء (^١) كقوله تعالى: ﴿ص﴾، ﴿ن﴾، ﴿حم﴾، ﴿طس﴾، ﴿الم﴾ ونحو ذلك، فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس.\nوقيل: المراد قضي الأمر والله، وأن قوله: ﴿ق﴾ قال: دلَّت على المحذوف من بقية الكلمة كقول الشاعر:\nقلت لها قفي فقالت ق (^٢)\nوفي هذا التفسير نظر لأن الحذف في الكلام يكون إنما يكون إذا دل دليل عليه، ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف؟\nوقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أي: الكريم العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت] واختلفوا في جواب القسم ما هو؟ فحكى ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾، وفي هذا نظر (^٣) بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم، وهو إثبات النبوة وإثبات المعاد وتقريره وتحقيقه، وإن لم يكن القسم يلتقي لفظًا، وهذا كثير في أقسام القرآن كما تقدم في قوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ [ص] وهكذا قال ههنا: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾\n\n<span id=\"aya-4632\"></span>﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾ أي: تعجبوا من إرسال رسول إليهم من البشر، كقوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢] أي: وليس هذا بعجيب فإن الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس.\n\n<span id=\"aya-4633\"></span>ثم قال مخبرًا عنهم في تعجبهم أيضًا من المعاد واستبعادهم لوقوعه: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ أي: يقولون أئذا متنا وبلينا وتقطعت الأوصال منا وصرنا ترابًا، كيف يمكن الرجوع بعد ذلك إلى هذه البنية والتركيب؟ ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: بعيد الوقوع. والمعنى أنهم يعتقدون استحالته وعدم إمكانه.\n\n<span id=\"aya-4634\"></span>قال الله تعالى رادًّا عليهم: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تأكل من أجسادهم في البلى نعلم ذلك ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان وأين ذهبت وإلى أين صارت ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أي: حافظ لذلك فالعلم شامل والكتاب أيضًا فيه كل الأشياء مضبوطة.\nقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تأكل من لحومهم وأبشارهم، وعظامهم وأشعارهم (^٤)، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير ﴿الم﴾ في سورة البقرة.\n(^٢) تقدم عزوه وبيان عجزه كسابقه.\n(^٣) قول الحافظ ابن كثير: وفي هذا نظر. فيه نظر أيضًا، فإن الإمام الطبري ذكر هذا القول عن أهل البصرة ثم أردفه بقول آخر عن أهل الكوفة بأن ﴿ق﴾ فيها المعنى الذي أقسم به. ثم رجح هذا القول، فما نقله الحافظ ابن كثير مبتور. وما رجحه الحافظ ابن كثير يتضمن ما رجحه الإمام الطبري رحمهم الله تعالى.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بالآثار التالية.\n(^٥) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن =","vol":"7","page":8},{"text":"<span id=\"aya-4635\"></span>ثم بين ﵎ سبب كفرهم وعنادهم واستبعادهم ما ليس ببعيد فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ أي: وهذا حال كل من خرج عن الحق مهما قال بعد ذلك فهو باطل، والمريج: المختلف المضطرب الملتبس المنكر خلاله كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ [الذاريات].\n\n<span id=\"aya-4636\"></span>﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾.\nيقول تعالى منبهًا للعباد على قدرته العظيمة التي أظهر بها ما هو أعظم مما تعجبوا مستبعدين لوقوعه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ أي: بالمصابيح.\n﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ قال مجاهد: يعني من شقوق (^١)، وقال غيره: فتوق، وقال غيره: صدوع (^٢)، والمعنى متقارب كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ [الملك] أي: كليل عن أن يرى عيبًا أو نقصًا.\n\n<span id=\"aya-4637\"></span>وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي: وسعناها وفرشناها ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وهي الجبال لئلا تميد بأهلها وتضطرب، فإنها مقرة على تيار الماء المحيط بها من جميع جوانبها ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: من جميع الزروع والثمار والنبات والأنواع ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات] وقوله: بهيج؛ أي: حسن المنظر\n\n<span id=\"aya-4638\"></span>﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ أي: ومشاهدة خلق السماوات والأرض وما جعل الله فيهما من الآيات العظيمة تبصرة ودلالة وذكرى لكل عبد منيب؛ أي: خاضع خائف وجل رجّاع إلى الله ﷿.\n\n<span id=\"aya-4639\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ أي: نافعًا ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أي: حدائق من بساتين ونحوها ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وهو الزرع الذي يراد لحبه وادخاره\n\n<span id=\"aya-4640\"></span>﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أي: طوالًا شاهقات، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وغيرهم: الباسقات الطوال (^٣). ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أي: منضود (^٤)\n\n<span id=\"aya-4641\"></span>﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ أي: للخلق ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾\n_________\n= قتادة، وقول الضحاك أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرج الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الشيء المُتبرئ بعضه من بعض.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري وعبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سماك عن عكرمة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة بلفظ: \"نُضِّد بعضه على بعض\".","vol":"7","page":9},{"text":"وهي الأرض التي كانت هامدة، فلما نزل الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج من أزاهير وغير ذلك، مما يحار الطرف في حسنها، وذلك بعد ما كانت لا نبات بها فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك، كذلك يُحيي الله الموتى وهذا المشاهد من عظيم قدرته بالحسِّ أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف] وقال ﷾: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت].\n\n<span id=\"aya-4642\"></span>\n\n<span id=\"aya-4643\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾.\nيقول تعالى متهددًا لكفار قريش، بما أحلَّه بأشباههم ونظرائهم وأمثالهم من المكذبين قبلهم، من النقمات والعذاب الأليم في الدنيا كقوم نوح وما عذبهم الله تعالى به من الغرق العام لجميع أهل الأرض وأصحاب الرسِّ، وقد تقدمت قصتهم في سورة الفرقان.\n﴿وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣)﴾ وهم أمته الذين بعث إليهم من أهل سدوم ومعاملتها من الغور، وكيف خسف الله تعالى بهم الأرض، وأحال أرضهم بحيرة منتنة خبيثة بكفرهم وطغيانهم ومخالفتهم الحق.\n\n<span id=\"aya-4644\"></span>﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﵊ ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وهو اليماني، وقد ذكرنا من شأنه في سورة الدخان ما أغنى عن إعادته ههنا، ولله الحمد والشكر.\n﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي: كل من هذه الأمم وهؤلاء القرون كذب رسولهم، ومن كذب رسولًا فكأنما كذب جميع الرسل كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء] وإنما جاءهم رسول واحد فهم في نفس الأمر لو جاءهم جميع الرسل كذبوهم ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أي: فحق عليهم ما أوعدهم الله تعالى على التكذيب من العذاب والنكال، فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم فإنهم قد كذبوا رسولهم كما كذبوا أولئك.\n\n<span id=\"aya-4645\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ أي: أفعجزنا ابتداء الخلق حتى هم في شك من الإعادة ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ والمعنى أن ابتداء الخلق لم يعجزنا والإعادة أسهل منه كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس].\nوقد تقدم في الصحيح: \"يقول الله تعالى يؤذيني ابن آدم يقول لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته\" (^١).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الروم آية ٢٧.","vol":"7","page":10},{"text":"<span id=\"aya-4646\"></span>\n\n<span id=\"aya-4647\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾.\nيخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه وعلمه محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل\" (^١).\nوقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يعني: ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه، ومن تأوله على العلم فإنما فرَّ لئلا يلزم حلول أو اتحاد وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد وإنما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ كما قال المحتضر: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ [الواقعة] يعني: ملائكته وكما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر] فالملائكة نزلت بالذكر وهو القرآن بإذن الله ﷿، وكذلك الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه [بتقدير] (^٢) الله لهم على ذلك. فللملك لمة من الإنسان كما أن للشيطان لمة، وكذلك الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (^٣)، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ يعني: الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان.\n﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أي: مترصد\n\n<span id=\"aya-4648\"></span>﴿مَا يَلْفِظُ﴾ أي: ابن آدم ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أي: ما يتكلم بكلمة ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أي: إلا ولها من يرقبها معد لذلك يكتبها لا يترك كلمة ولا حركة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار].\nوقد اختلف العلماء هل يكتب الملك كل شيء من الكلام. وهو قول الحسن وقتادة (^٤)، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس (^٥)، على قولين، وظاهر الآية الأول لعموم قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن أبيه، عن جده علقمة، عن بلال بن الحارث المزني قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عليه بها سخطه إلى\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٨٤.\n(^٢) كذا في (مح)، وفي الأصل وحم: \"باقتدار\".\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٨٧.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظ: \"يحفظان عليه عمله ويكتبان أثره\".","vol":"7","page":11},{"text":"يوم يلقاه\" فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث (^١). ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث محمد بن عمرو به، وقال الترمذي: حسن صحيح وله شاهد في الصحيح (^٢).\nوقال الأحنف بن قيس: صاحب اليمين يكتب الخير وهو أمير على صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطيئة قال له: أمسك، فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها، وإن أبى كتبها (^٣). رواه ابن أبي حاتم، وقال الحسن البصري وتلا هذه الآية ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك معك في قبرك حتى يخرج يوم القيامة فعند ذلك يقول تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء] ثم يقول: عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى أنه ليكتب قوله: أكلت شربت ذهبت جئت رأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقرّ منه ما كان فيه من خير أو شر وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ (^٥) [الرعد].\nوذُكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه فبلغه عن طاوس أنه قال: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين فلم يئن أحمد حتى مات ﵀ (^٦).\n\n<span id=\"aya-4649\"></span>وقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ يقول تعالى: وجاءت أيها الإنسان سكرة الموت بالحق؛ أي: كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك فلا محيد ولا مناص ولا فكاك ولا خلاص.\nوقد اختلف المفسرون في المخاطب بقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو، وقيل الكافر، وقيل غير ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ١٨٠ ح ١٥٨٥٢) وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٢) سنن الترمذي، الزهد، باب قلة الكلام (ح ٢٣٢٠)، وسنن ابن ماجه الفتن، باب كفّ اللسان في الفتنة (ح ٣٩٦٩) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٨٨٨).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن ابن تميمة السلمي عن الأحنف. (الصمت ص ٨٢).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن.\n(^٥) أخرجه الطبري في تفسير سورة الرعد آية ٣٩ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري وليس من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواية الكلبي عن أبي صالح ضعيفة جدًا.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٧/ ٢١٠)، ورواية الإمام أحمد منقطعة لأن روايته بلاغًا.","vol":"7","page":12},{"text":"وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إبراهيم بن زياد سبلان، أخبرنا عباد بن عباد، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص قال: إن عائشة ﵂ قالت: حضرت أبي ﵁ وهو يموت، وأنا جالسة عند رأسه فأخذته غشية، فتمثلت ببيت من الشعر:\nمن لا يزال دمعه مقنعًا … فإنه لا بدّ مرة مدفوق\nقالت: فرفع رأسه فقال: يا بُنية ليس كذلك ولكن كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ (^١).\nوحدثنا خلف بن هشام، حدثنا أبو شهاب الخياط، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي قال: لما أن ثقل أبو بكر ﵁ جاءت عائشة ﵂ فتمثلت بهذا البيت:\nلعمرك ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر (^٢)\nفكشف عن وجهه وقال ﵁: ليس كذلك، ولكن قولي ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ (^٣).\nوقد أوردت لهذا الأثر طرقًا كثيرة في سيرة الصديق ﵁ عند ذكر وفاته، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق، عن وجهه ويقول: \"سبحان الله إن للموت لسكرات\" (^٤).\nوفي قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قولان:\n(أحدهما): أن ما ههنا موصولة؛ أي: الذي كنت منه تحيد بمعنى تبتعد وتتناءى وتفر قد حلَّ بك ونزل بساحتك.\n(والقول الثاني): أن ما نافية بمعنى ذلك ما كنت تقدر على الفرار منه ولا الحيد عنه.\nوقد قال الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا مؤمل بن علي الصائغ المكي، حدثنا حفص، عن ابن عمر الحدي، حدثنا معاذ بن محمد الهذلي، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن سَمرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل الذي يفر من الموت مثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيا وأسهر دخل حجره. وقالت له الأرض: يا ثعلب ديني، فخرج وله حُصاص (^٥) فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه ومات\" ومضمون هذا المثل كما لا انفكاك له ولا محيد عن الأرض، كذلك الإنسان لا محيد له عن الموت (^٦).\n_________\n(^١) في سنده عمرو بن علقمة بن وقاص: مقبول (التقريب ص ٤٣٥). ومتنه يخالف الذي يليه.\n(^٢) استشهد به الطبري وعزاه إلى حاتم الطائي في تفسير سورة يوسف آية ٧٧.\n(^٣) أخرجه البستي بسند حسن من طريق البهي، وهو عبد الله، به وأخرجه البُستي بسند صحيح من طريق واصل، وهو ابن حيان الأحدب، عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن أبي بكر ﵁، وأخرجه الطبري من طريق أبي وائل عن أبي بكر ﵁ وطريق الطبري وابن أبي الدنيا يقوي أحدهما الآخر ويتقويان برواية البستي.\n(^٤) أخرجه البخاري (الصحيح، الرقاق، باب سكرات الموت ح ٦٥١٠).\n(^٥) أي: شدة العدو وحدته، وقيل الضراط (النهاية ١/ ٣٩٦).\n(^٦) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٧/ ٢٦٨ ح ٦٩٢٢) وأعله العقيلي والهيثمي بمعاذ بن محمد الهذلي =","vol":"7","page":13},{"text":"<span id=\"aya-4650\"></span>وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ قد تقدم الكلام على حديث النفخ في الصور والفزع والصعق والبعث، وذلك يوم القيامة. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: \"كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له\" قالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال ﷺ: \"قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل\" فقال القوم: حسبنا الله ونعم الوكيل (^١).\n\n<span id=\"aya-4651\"></span>﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ أي: ملك يسوقه إلى المحشر وملك يشهد عليه بأعماله هذا هو الظاهر من الآية الكريمة، وهو اختيار ابن جرير ثم روي من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن يحيى بن رافع مولى لثقيف قال: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يخطب فقرأ هذه الآية ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ فقال: سائق يسوقها إلى الله تعالى وشاهد يشهد عليها بما عملت (^٢)، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد (^٣).\nوقال مُطرِّف، عن أبي جعفر مولى أشجع، عن أبي هريرة ﵁ قال: السائق الملك والشهيد (^٤) العمل، وكذلك قال الضحاك والسدي (^٥).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: السائق من الملائكة والشهيد الإنسان نفسه، يشهد على نفسه (^٦)، وبه قال الضحاك بن مزاحم أيضًا (^٧).\n\n<span id=\"aya-4652\"></span>وحكى ابن جرير ثلاثة أقوال في المراد بهذا الخطاب في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾.\n(أحدها): أن المراد بذلك الكافر، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٨)، وبه يقول الضحاك بن مزاحم وصالح بن كيسان.\n(والثاني): أن المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة، والدنيا كالمنام، وهذا اختيار ابن جرير، ونقله عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عباس (^٩).\n_________\n= (الضعفاء الكبير ٤/ ٢٠٠، ومجمع الزوائد ٢/ ٣٢٣).\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣ وفي سورة آل عمران آية ١٧٣.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق إسماعيل بن أبي خالد، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق عن إسماعيل بن أبي خالد به، وفي سنده يحيى بن رافع ترجم له البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وسكتا عنه. وأخرجه البستي من طريق رجل مبهم عن عثمان.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق خُصيف عن مجاهد، وخصيف سيء الحفظ، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: الملكان: كاتب وشهيد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) في سنده أبو جعفر سكت عنه البخاري في التاريخ الكبير ونقل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل عن أبيه أنه لا يدري من هو؟ ويشهد له ما يليه.\n(^٥) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٧) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت عن علي به.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الزهري عن الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس.","vol":"7","page":14},{"text":"(والثالث): أن المخاطب بذلك النبي ﷺ وبه يقول زيد بن أسلم (^١) وابنه، والمعنى على قولهما: لقد كنت في غفلة من هذا القرآن قبل أن يوحى إليك، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك فبصرك اليوم حديد، والظاهر من السياق خلاف هذا بل الخطاب مع الإنسان من حيث هو، والمراد بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يعني: من هذا اليوم ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي: قوي لأن كل أحد يوم القيامة يكون مستبصرًا حتى الكفار في الدنيا، يكونون يوم القيامة على الاستقامة، لكن لا ينفعهم ذلك، قال الله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة].\n\n<span id=\"aya-4653\"></span>\n\n<span id=\"aya-4654\"></span>﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الملك الموكل بعمل ابن آدم إنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل ويقول: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أي: معتمد محضر بلا زيادة ولا نقصان.\nوقال مجاهد: هذا كلام الملك السائق (^٢)، يقول ابن آدم الذي وكلتني به قد أحضرته، وقد اختار ابن جرير أنه يعمُّ السائق والشهيد، وله اتجاه وقوة، فعند ذلك يحكم الله تعالى في الخليقة بالعدل فيقول: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)﴾.\nوقد اختلف النحاة في قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ فقال بعضهم هي لغة لبعض العرب يخاطبون المفرد بالتثنية كما روي عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي اضربا عنقه، ومما أُنشد ابن جرير على هذه قول الشاعر:\nفإن تزجراني يا ابن عفان أَنزجر … وإن تتركاني أحم عرضًا ممنعا (^٣)\nوقيل: بل هي نون التأكيد سهلت إلى الألف، وهذا بعيد لأن هذا إنما يكون في الوقف، والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عرصة الحساب، فلما أدّى الشهيد عليه أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم، وبئس المصير ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)﴾ أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق عنيد معاند للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك\n\n<span id=\"aya-4655\"></span>﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي: لا يؤدي ما عليه من الحقوق ولا بر فيه ولا صلة ولا صدقة ﴿مُعْتَدٍ﴾ أي: فيما ينفقه ويصرفه يتجاوز فيه الحد.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب، عن ابن زيد، وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وليس عن أبيه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) قال الطبري: وأنشدني أبو ثروان: فذكره.","vol":"7","page":15},{"text":"وقال قتادة: معتد في منطقه وسيرته وأمره (^١).\n﴿مُرِيبٍ﴾ أي: شاك في أمره مريب لمن نظر في أمره\n\n<span id=\"aya-4656\"></span>﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: أشرك بالله فعبد معه غيره ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ وقد تقدم في الحديث أن عنقًا من النار يبرز للخلائق فينادي بصوت يسمع الخلائق: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين، ثم تنطوي عليهم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية هو: ابن هشام، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"يخرج عنق من النار يتكلم يقول وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهًا آخر، ومن قتل نفسًا بغير نفس فتنطوي عليهم فتقذفهم في غمرات جهنم\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-4657\"></span>﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم: هو الشيطان الذي وكِّل به (^٣). ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أي: يقول عن الإنسان الذي قد أوفى القيامة كافرًا يتبرأ منه شيطانه فيقول: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أي: ما أضللته ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: بل كان هو في نفسه ضالًّا قابلًا للباطل معاندًا للحق، كما أخبر تعالى في الآية الأخرى في قوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم].\n\n<span id=\"aya-4658\"></span>وقوله: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يقول الرب ﷿ للإنسي وقرينه من الجن، وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحق تعالى، فيقول الإنسي؛ يا رب هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، ويقول الشيطان: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: عن منهج الحق، فيقول الرب ﷿ لهما: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أي: عندي ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أي: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين.\n\n<span id=\"aya-4659\"></span>﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قال مجاهد: يعني قد قضيت ما أنا قاض ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: لست أعذب أحدًا إلا بذنبه بعد قيام الحجة عليه.\n\n<span id=\"aya-4660\"></span>﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾.\nيخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة: هل امتلأت؟ وذلك أنه تبارك وعدها أن سيملؤها من\n_________\n(^١) نسبه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر بنحوه.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة إبراهيم آية ١٥.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما يليه، فقد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"7","page":16},{"text":"الجنة والناس أجمعين، فهو ﷾ يأمر بمن يأمر به إليها ويلقى وهي تقول: هل من مزيد؛ أي: هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر في سياق الآية وعليه تدل الأحاديث.\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثني حَرمي بن عمارة، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: \"يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ \" حتى يضع قدمه فتقول: \"قط، قط\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع ربُّ العزة قدمه فيها فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا آخر فيسكنهم الله تعالى في فضول الجنة\" (^٢). ثم رواه مسلم من حديث قتادة بنحوه، ورواه أبان العطار وسليمان التيمي عن قتادة بنحوه (^٣).\nحديث آخر:\nقال البخاري: حدثنا محمد بن موسى القطان، حدثنا أبو سفيان الحميري سعيد بن يحيى بن مهدي، حدثنا عوف، عن محمد، عن أبي هريرة، رفعه وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان: \"يقال لجهنم: هل امتلأت، وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الربُّ ﵎ قدمه عليها فتقول: قط قط\" (^٤). ورواه أبو أيوب وهشام بن حسان، عن محمد بن سيرين به.\nطريق أخرى:\nقال البخاري: وحدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن [همام] (^٥) بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم. قال الله ﷿ للجنة: أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فيها فتقول: قط قط فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ﷿ ينشئ لها خلقًا آخر\" (^٦).\nحديث آخر:\nقال مسلم في صحيحه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"احتجَّت الجنة والنار فقالت النار: فيَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة ق باب ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]؟ ح ٤٨٤٨).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٣٤) وسنده صحيح وأخرجه مسلم من طريق عبد الوهاب به. (صحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون ح ٢٨٤٨/ ٣٨).\n(^٣) المصدر السابق قبل الحديث السابق.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه صحيح البخاري، الباب السابق (ح ٤٨٤٩).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح) وصحيح البخاري، وفي الأصل صحف إلى: \"تمام\".\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٨٥٠).","vol":"7","page":17},{"text":"الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم فقضى بينهما فقال للجنة: إنما أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها\" (^١) انفرد به مسلم دون البخاري من هذا الوجه والله ﷾ أعلم.\nوقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى عن أبي سعيد ﵁ بأبسط من هذا السايق فقال: حدثنا حسن وروح قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عبيد الله بن عتبة، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: \"افتخرت الجنة والنار فقالت النار: يا ربِّ يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف، وقالت الجنة: أي ربِّ يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين فيقول الله ﷿ للنار: أنتِ عذابي أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنتِ رحمتي وسعت كل شيء ولكل واحدة منكما ملؤها، فيلقى في النار أهلها فتقول هل من مزيد؟ قال: ويلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ ويلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يأتيها ﷿ فيضع قدمه عليها فتنزوي وتقول قدني قدني، وأما الجنة فيبقى فيها ما شاء تعالى أن يبقى فينشئ الله ﷾ لها خلقًا ما يشاء\" (^٢).\nحديث آخر:\nوقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثني عقبة بن مكرم، حدثنا يونس، حدثنا عبد الغفار بن القاسم، عن عدي بن ثابت، عن زرٍّ بن حبيش، عن أُبي بن كعب قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"يعرفني الله تعالى نفسه يوم القيامة، فأسجد سجدة يرضى بها عني ثم أمدحه مدحة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تمر أُمتي على الصراط مضروب بين ظهراني جهنم، فيمرون أسرع من الطرف والسهم، وأسرع من أجود الخيل، حتى يخرج الرجل منها يحبو وهي الأعمال، وجهنم تسأل المزيد حتى يضع فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط وأنا على الحوض\" قيل: وما الحوض يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده إن شرابه أبيض من اللبن وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج. وأطيب ريحًا من المسك، وآنيته أكثر من عدد النجوم لا يشرب منه إنسان فيظمأ أبدًا ولا يصرف فيروى أبدًا\" (^٣). وهذا القول هو اختيار ابن جرير.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الحِماني، عن نصر الخراز، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ قال: ما امتلأت. قال تقول: وهل من مكان يزاد فيَّ (^٤)؟ وكذا رواه [الحكم] (^٥) بن أبان، عن عكرمة ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون ح ٢٨٤٧) وما قبله.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ١٦٣، ١٦٤ ح ١١٠٩٩) وحسن سنده محققوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي عاصم من طريق عقبة بن مكرم به، وقال الألباني: إسناده موضوع آفته عبد الغفار بن القاسم .. كان يضع الحديث كما قال علي بن المديني وأبو داود (ظلال الجنة في تخريج أحاديث كتاب السنة ح ٧٩٠).\n(^٤) في سنده أبو يحيى الحماني وهو عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني: صدوق يخطئ (التقريب ص ٣٣٤).\n(^٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: \"الحاكم\".","vol":"7","page":18},{"text":"مَزِيدٍ﴾ وهل في مدخل واحد قد امتلأت (^١)؟\nقال الوليد بن مسلم، عن يزيد بن أبي مريم أنه سمع مجاهدًا يقول: لا يزال يقذف فيها حتى تقول: امتلأت، فتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾؟ (^٢). وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو هذا (^٣). فعند هؤلاء أن قوله تعالى: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ إنما هو بعدما يضع عليها قدمه فتنزوي وتقول حينئذٍ هل بقي فيَّ مزيد يسع شيئًا؟ قال العوفي عن ابن عباس: وذلك حين لا يبقى فيها موضع يسع إبرة (^٤)، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4661\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)﴾ قال قتادة وأبو مالك والسدي ﴿وَأُزْلِفَتِ﴾ أدنيت (^٥) وقربت من المتقين. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ وذلك يوم القيامة، وليس ببعيد لأنه واقع لا محالة وكل ما هو آت قريب\n\n<span id=\"aya-4662\"></span>﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ أي: راجع تائب مقلع ﴿حَفِيظٍ﴾ أي: يحفظ العهد فلا ينقضه ولا ينكثه.\nوقال عبيد بن عمرو: الأواب الحفيظ الذي لا يجلس مجلسًا فيقوم حتى يستغفر الله ﷿ (^٦).\n\n<span id=\"aya-4663\"></span>\n\n<span id=\"aya-4664\"></span>﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: من خاف الله في سره حيث لا يراه أحد إلا الله كقوله ﷺ: \"ورجل ذكر الله تعالى خاليًا، ففاضت عيناه\" (^٧).\n﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أي: ولقي الله يوم القيامة بقلب منيب سليم إليه خاضع لديه ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي: الجنة ﴿بِسَلَامٍ﴾.\nقال قتادة: سلموا من عذاب الله، وسلَّم عليهم ملائكة الله.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ أي: يخلدون في الجنة فلا يموتون أبدًا، ولا يظعنون أبدًا ولا يبغون عنها حولًا،\n\n<span id=\"aya-4665\"></span>وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ أي: مهما اختاروا وجدوا من أي أصناف الملاذ طلبوا أحضر لهم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمر بن عثمان، حدثنا بقية، عن يحيى بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة قال: من المزيد أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ماذا تريدون فأمطره لكم؟ فلا يدعون بشيء إلا أمطرتهم، قال كثير: لئن أشهدني الله تعالى ذلك لأقولن أمطرينا جواري مزينات (^٨).\nوفي الحديث عن ابن مسعود قال: إن رسول الله ﷺ قال له: \"إنك لتشتهي الطير في الجنة\n_________\n(^١) فيه غرابة ومخالفة لما ثبت في الروايات الصحيحة المرفوعة المتقدمة.\n(^٢) سنده حسن، وأخرج آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"وهل من مسلك؟ \".\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٢٥.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٧١.\n(^٨) في سنده عنعنة بقية وهو من كبار المدلسين، وفي متنه غرابة فإن أهل الجنة بين ظهورهم الجواري المزينات لا يحتاجون أن تمطر من الجواري المزينات.","vol":"7","page":19},{"text":"فيخر بين يديك مشويًا\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن عامر الأحول، عن أبي بكر الصديق ﵁، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة\" (^٢) ورواه الترمذي وابن ماجه، عن بندار، عن معاذ بن هشام به (^٣). وقال الترمذي حسن غريب وزاد: [كما] (^٤) اشتهى.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وقد تقدم في صحيح مسلم عن صهيب بن سنان الرومي أنها النظر إلى وجه الله الكريم (^٥). وقد روى البزار وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن أنس بن مالك ﵁ في قوله ﷿: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قال: يظهر لهم الرب ﷿ في كل جمعة (^٦). وقد رواه الإمام أبو عبد الله الشافعي مرفوعًا فقال في مسنده: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبد الله بن عمير أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: أتى جبرائيل ﵊ بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى رسول الله فقال رسول الله ﷺ: \"ما هذه؟ \" فقال: هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى ولكم فيها خير، ولكم فيها ساعة لا يوافقها مؤمن، يدعو الله تعالى فيها بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد.\nقال النبي ﷺ: \"يا جبريل وما يوم المزيد؟ \" قال ﵇: إن ربك ﵎ اتخذ في الفردوس واديًا أفيح فيه كثب المسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله تعالى ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين، وحفت تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب، فيقول الله ﷿: أنا ربكم قد صدقتكم وعدي فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم ولكم علي ما تمنيتم ولدي مزيد. فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة. هكذا أورده الإمام الشافعي ﵀ في كتاب الجمعة من الأُم (^٧)، وله طرق عن أنس بن مالك ﵁، وقد أورد ابن جرير هذا الحديث من رواية عثمان بن عمير، عن أنس ﵁ بأبسط من هذا، وذكر ههنا أثرًا\n_________\n(^١) أخرجه العقيلي (الضعفاء الكبير ١/ ٢٦٨)، وابن عدي (الكامل ٦/ ٦٨٩) وكلاهما ضعفه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ١١٦ ح ١١٠٦٣) وحسن سنده محققوه.\n(^٣) سنن الترمذي، صفة الجنة، باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة (ح ٢٥٦٦)، وسنن ابن ماجه الزهد، باب صفة الجنة (ح ٤٣٣٨) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٥٠٠).\n(^٤) زيادة من (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"بياض\".\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٢٦.\n(^٦) سنده ضعيف لأن عثمان بن عمير ضعيف واختلط وكان يدلس ويغلو في التشيع. (التقريب ص ٣٨٦).\n(^٧) أخرجه الإمام الشافعي بسنده ومتنه (الأُم ١/ ١٨٥). وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي كما في التقريب.","vol":"7","page":20},{"text":"مطولًا عن أنس بن مالك ﵁ موقوفًا وفيه غرائب كثيرة (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن الرجل في الجنة ليتكئ في الجنة سبعين سنة [قبل أن يتحول] (^٢)، ثم تأتيه امرأة تضرب على منكبه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وأن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد السلام فيسألها من أنت؟ فتقول أنا من المزيد وإنه ليكون عليها سبعون حلة أدناها مثل النعمان من طوبى فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليها من التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب\" (^٣). وهكذا رواه عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج به.\n\n<span id=\"aya-4666\"></span>﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾.\nيقول تعالى: وكم أهلكنا قبل هؤلاء المكذبين ﴿مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أي: كانوا أكثر منهم وأشد قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ولهذا قال ههنا: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال ابن عباس: أثروا فيها (^٤).\nوقال مجاهد: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ ضربوا في الأرض (^٥). وقال قتادة: فساروا في البلاد؛ أي: ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكاسب أكثر مما طفتم بها (^٦). ويقال لمن طوَّف في البلاد نقب فيها، قال امرؤ القيس (^٧):\nلقد نقبت في الآفاق حتى … رضيت من الغنيمة بالإياب (^٨)\nوقوله: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: هل من مفرٍّ كان لهم من قضاء الله وقدره؟ وهل نفعهم ما جمعوه؟ وردَّ عنهم عذاب الله إذ جاءهم لما كذبوا الرسل فأنتم أيضًا لا مفرَّ لكم ولا محيد ولا مناص ولا محيص.\n\n<span id=\"aya-4667\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ أي: لعبرة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي: لب يعي به.\nوقال مجاهد: عقل ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: استمع الكلام فوعاه وتعقله وتفهمه بلبه.\nوقال مجاهد: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ يعني: لا يحدث نفسه في هذا بقلب (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح) والمسند.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٧٥) وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) لم أجده بهذا اللفظ ولكن أخرج عبد الرزاق والطبري بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: \"حاص أعداء الله، فوجدوا أمر الله لهم مدركًا\".\n(^٧) ديوان امرئ القيس ص ٩٩.\n(^٨) استشهد به الطبري.\n(^٩) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح بلفظ: \"وهو لا يحدث نفسه\" شاهد القلب.","vol":"7","page":21},{"text":"وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه إذا استمع بأذنيه، وهو شاهد يقول: غير غائب (^١). وهكذا قال الثوري وغير واحد (^٢).\n\n<span id=\"aya-4668\"></span>وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ فيه تقرير للمعاد لأن من قدر على خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن قادر على أن يحيي الموتى بطريق الأولى والأحرى.\nوقال قتادة: قالت اليهود - عليهم لعائن الله -: خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت - وهم يسمُّونه: يوم الراحة - فأنزل الله تعالى تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه (^٣).\n﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي: من إعياء ولا تعب ولا نصب، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف] وكما قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ [النازعات].\n\n<span id=\"aya-4669\"></span>وقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يعني المكذبين اصبر عليهم واهجرهم هجرًا جميلًا ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتين قبل طلوع الشمس في وقت الفجر وقبل الغروب في وقت العصر، وقيام الليل كان واجبًا على النبي ﷺ وعلى أمته حولًا ثم نسخ في حق الأمة وجوبه، ثم بعد ذلك نسخ الله تعالى ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات، ولكن منهنَّ صلاة الصبح والعصر فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: \"أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر [لا تضامون] (^٤) فيه، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا\" ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (^٥). ورواه البخاري ومسلم وبقية الجماعة من حديث إسماعيل به (^٦).\n\n<span id=\"aya-4670\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي فصلِّ له كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء] ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٢) أخرجه البُستي بسند صحيح من طريق ابن أبي عمر العدني عن الثوري.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح لكنه مرسل، من طريق معمر عن قتادة بنحوه لكن بدون الجملتين المحصورتين بعلامات الاعتراض.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صُحفت إلى: \"لا تضارون\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٦٥) وسنده صحيح.\n(^٦) (صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر ح ٥٥٤، وصحيح مسلم، المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر ح ٦٦٣).","vol":"7","page":22},{"text":"قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: هو التسبيح بعد الصلاة (^١). ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: جاء فقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال النبي ﷺ: \"وما ذاك؟ \" قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. قال ﷺ: \"أفلا أعلمكم شيئًا إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين\" قال: فقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال ﷺ: \"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء\" (^٢).\nوالقول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ هما الركعتان بعد المغرب، وروي ذلك عن عمر وعلي وابنه الحسن وابن عباس وأبي هريرة وأبي أُمامة، وبه يقول مجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي والحسن وقتادة وغيرهم (^٣).\nقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر، وقال عبد الرحمن: دبر كل صلاة. ورواه أبو داود والنسائي من حديث سفيان الثوري به، زاد النسائي ومطرف، عن أبي إسحاق به (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا ابن فضيل، عن رشدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس قال: بتُّ ليلة عند رسول الله ﷺ، فصلى ركعتين خفيفتين اللتين قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال يا ابن عباس \"ركعتين قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتين بعد المغرب إدبار السجود\" ورواه الترمذي، عن أبي هشام الرفاعي، عن محمد بن فضيل به. وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٥). وحديث ابن عباس، وأنه بات في بيت\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به، وأخرجه البخاري من طريق ابن أبي نجيح به بلفظ: \"أن يُسبح في أدبار الصلوات كلها\".\n(^٢) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، الأذان، باب الذكر بعد الصلاة ح ٨٤٣)، وصحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته (ح ٥٩٥).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، وأخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: \"رشدين ضعفه أبو زرعة والدارقطني\" (المستدرك ١/ ٣٢٠) وضعف الحافظ ابن حجر رواية الطبري عن ابن عباس (الفتح ٨/ ٥٩٨)، ويشهد له ما يليه فقد أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٢/ ٥٢٣)، والطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه علي بن زيد بن جدعان عن أبي هريرة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٩٤ ح ١٠١٢) وقال محققوه: إسناده قوي. وأخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، الصلاة بعد العصر ح ١٢٧٥)، والنسائي (في السنن الكبرى، الصلاة، باب اختلاف الناقلين لخبر أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة، عن علي ح ٣٤١).\n(^٥) أخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الطور ح ٣٢٧٥) وسندهما ضعيف لضعف رشدين. (التقريب ص ٢٠٩).","vol":"7","page":23},{"text":"خالته ميمونة، وصلى تلك الليلة مع النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة ثابت في الصحيحين وغيرهما (^١). فأما هذه الزيادة فغريبة لا تعرف إلا من هذا الوجه ورشدين بن كريب ضعيف، ولعله من كلام ابن عباس موقوفًا عليه، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4671\"></span>﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ﴾ يا محمد ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال قتادة: قال كعب الأحبار يأمر الله تعالى ملكًا أن ينادي على صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة، إن الله تعالى يأمركنَّ أن تجتمعنَ لفصل القضاء\n\n<span id=\"aya-4672\"></span>﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي كان أكثرهم فيه يمترون ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ أي: من الأجداث\n\n<span id=\"aya-4673\"></span>﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ أي: هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وإليه مصير الخلائق كلهم، فيجازي كلّا بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.\n\n<span id=\"aya-4674\"></span>وقوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ وذلك أن الله تعالى ينزل مطرًا من السماء ينبت به أجساد الخلائق كلها في قبورها، كما ينبت الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور وقد أودعت الأرواح في ثقب في الصور فإذا نفخ إسرافيل فيه خرجت الأرواح تتوهج بين السماء والأرض، فيقول الله ﷿: وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره فترجع كل روح إلى جسدها، فتدبُّ فيه كما يدبُّ السُّم في اللديغ، [وتنشق الأرض عنهم فيقومون إلى موقف الحساب سراعًا مبادرين إلى أمر الله ﷿ ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ] (^٢) يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء] وفي صحيح مسلم، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول من تنشق عنه الأرض\" (^٣).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: تلك إعادة سهلة علينا، يسيرة لدينا كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر] وقال ﷾: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان].\n\n<span id=\"aya-4675\"></span>وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: نحن علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا يهولنَّكَ ذلك كقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر].\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الوضوء، باب التخفيف في الوضوء (ح ١٣٨) وليس فيه ذكر: ثلاث عشرة ركعة، وإنما ورد في صحيح مسلم عن ابن عباس بلفظ: \"كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة\" (صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (ح ٧٦٤).\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٣) صحيح مسلم، الفضائل، باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق (ح ٢٢٧٨).","vol":"7","page":24},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى، وليس ذلك مما كلفت به.\nوقال مجاهد وقتادة والضحاك: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: لا تتجبر عليهم (^١). والقول الأول أولى، ولو أراد ما قالوه لقال: ولا تكن جبارًا عليهم، وإنما قال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ بمعنى وما أنت بمجبرهم على الإيمان إنما أنت مبلغ.\nوقال الفراء: سمعت العرب تقول جبر فلان فلانًا على كذا أجبره (^٢).\nثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: بلغ أنت رسالة ربك فإنما يتذكر من يخاف الله ووعيده ويرجو وعده، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة] ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ كان قتادة يقول: اللَّهُمَّ اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعودك يا بار يا رحيم.\nآخر تفسير سورة ق، والحمد لله وحده وحسبنا الله ونعم الوكيل.\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) معاني القرآن ٣/ ٨١.","vol":"7","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-174>سُورَةُ الذَّارِيَاتِ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-4676\"></span>\n\n<span id=\"aya-4677\"></span>\n\n<span id=\"aya-4678\"></span>\n\n<span id=\"aya-4679\"></span>\n\n<span id=\"aya-4680\"></span>\n\n<span id=\"aya-4681\"></span>﷽\n﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾.\nقال شعبة بن الحجاج، عن سماك، عن خالد بن عرعرة أنه سمع عليًا ﵁، وشعبة أيضًا عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل أنه سمع عليًا ﵁، وثبت أيضًا من غير وجه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى، ولا عن سنة عن رسول الله ﷺ إلا أنبأتكم بذلك، فقام إليه ابن الكواء، فقال: يا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)﴾ قال علي: الريح، قال: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)﴾؟ قال: السحاب، قال: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾؟ قال: السفن، قال: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾؟ قال: الملائكة (^١).\nوقد روي في ذلك حديث مرفوع، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، فأخبرني عن الذاريات ذروًا، فقال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن المقسمات أمرًا، قال ﵁ عنه هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن الجاريات يسرًا، قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. ثم أمر بضربه فضرب مائة وجعل في بيت، فلما برأ دعا به فضربه مائة أخرى وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁: امنع الناس من مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى ﵁، فحلف بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئًا، فكتب في ذلك إلى عمر ﵁، فكتب عمر: ما إخاله إلا [قد] (^٢) صدق فخلِّ بينه وبين مجالسة الناس.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق أبي الطفيل به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٦٦) وصححه الحافظ ابن حجر (تغليق التعليق ٤/ ١٤٩)، وأخرجه الضياء المقدسي من طريق أبي الأسود عن عبد الله بن الكواء به (المختارة ٢/ ١٢٢ ح ٤٩٤).\n(^٢) زيادة من (مح) و(حم) ومسند البزار.","vol":"7","page":26},{"text":"قال أبو بكر البزار: فأبو بكر بن أبي سبرة: لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث (^١). قلت: فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر ﵁، فإن قصة صبيغ بن عسل مشهورة مع عمر، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتًا وعنادًا، والله أعلم.\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القصة في ترجمة صبيغ مطولة (^٢)، وهكذا فسرها ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد (^٣)، ولم يحكِ ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك، وقد قيل إن المراد بالذاريات الريح كما تقدم، وبالحاملات وقرًا السحاب كما تقدم؛ لأنها تحمل الماء كما قال زيد بن عمرو بن نفيل:\nوأسلمت نفسي لمن أسلمت له … المزن تحمل عذبًا زلالًا (^٤)\nفأما الجاريات يُسرًا فالمشهور عن الجمهور ما تقدم أنها السفن، تجري ميسرة في الماء جريًا سهلًا، وقال بعضهم: هي النجوم تجري يسرًا في أفلاكها ليكون ذلك ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى إلى ما هو أعلى منه، فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق كذلك، والمقسمات أمرًا الملائكة فوق ذلك تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية، وهذا قَسم من الله ﷿ على وقوع المعاد، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)﴾ أي: لخبر صدق ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ وهو الحساب ﴿لَوَاقِعٌ﴾ أي: لكائن لا محالة.\n\n<span id=\"aya-4682\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾ قال ابن عباس: ذات الجمال والبهاء والحسن والاستواء (^٥)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو صالح والسدي وقتادة وعطية العوفي والربيع بن أنس وغيرهم (^٦).\nوقال الضحاك والمنهال بن عمرو وغيرهما: مثل تجعد الماء والرمل والزرع، إذا ضربته الريح فينسج بعضه بعضًا طرائق طرائق، فذلك الحبك (^٧).\nقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلية، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن من ورائكم الكذاب المضلّ، وإن\n_________\n(^١) أخرجه البزار بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤٢٣ ح ٢٩٩) وسنده ضعيف جدًا لأن أبا بكر بن أبي سبرة متروك (مجمع الزوائد ٧/ ١٢٢) والقصة لها أصل، ولكن بدون ذكر التفسير النبوي.\n(^٢) تاريخ دمشق ٨/ ل ٢٣٠.\n(^٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند منقطع من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عنه، وهو لم يدرك ابن عباس، وأخرجه أيضًا بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقويان بسابقه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق قتادة عن علي ﵁، وقتادة لم يسمع من علي، ويتقوى بما سبق.\n(^٤) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٢٣١).\n(^٥) أخرجه البُستي والطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمران بن حدير عن عكرمة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، وأخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر عن سعيد بن جبير.\n(^٧) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.","vol":"7","page":27},{"text":"رأسه من ورائه [حُبُكٌ حُبُك] \" (^١)؛ يعني: بالحبك الجعودة (^٢).\nوعن أبي صالح: ذات الحبك: الشدة (^٣).\nوقال خُصيف: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: ذات الصفاقة (^٤).\nوقال الحسن بن أبي الحسن البصري: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: حبكت بالنجوم (^٥).\nوقال قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن عمرو البكالي، عن عبد الله بن عمر: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾ يعني: السماء السابعة (^٦)، وكأنه والله أعلم أراد بذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة، وهي عند كثير من علماء الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق السابع، والله أعلم.\nوكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد وهو الحسن والبهاء كما قال ابن عباس ﵄، فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة شديدة البناء متسعة الأرجاء أنيقة البهاء، مكلَّلة بالنجوم الثوابت والسيارات، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزهرات\n\n<span id=\"aya-4683\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ أي: إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف مضطرب لا يلتئم ولا يجتمع.\nوقال قتادة: إنكم لفي قول مختلف: ما بين مصدق بالقرآن ومكذب به (^٧).\n\n<span id=\"aya-4684\"></span>﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ أي: إنما يروج على من هو ضالّ في نفسه؛ لأنه قول باطل إنما ينقاد له ويضل بسببه، ويؤفك عنه من هو مأفوك ضالّ غُمر لا فهم له كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ [الصافات] قال ابن عباس والسدي: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ يضل عنه من ضل (^٨).\nوقال مجاهد: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ يؤفن عنه من أفن (^٩)، وقال الحسن البصري: يصرف عن هذا القرآن من كذب به (^١٠).\n\n<span id=\"aya-4685\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ قال مجاهد: الكذابون، قال: وهي مثل التي في عبس ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ [عبس] والخراصون الذين يقولون لا نبعث ولا يوقنون (^١١). وقال علي بن أبي\n_________\n(^١) كذا في تفسير الطبري والمسند، وفي الأصل و(حم) و(مح): \"حبكا حبكا\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الإمام أحمد من طريق إسماعيل بن عُلية به بدون قوله: يعني بالحبك: الجعودة. (المسند ٣٨/ ٤٧٢ ح ٢٣٤٨٧) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ عن أبي صالح، وهو في العظمة لأبي الشيخ رقم ٥٤٦، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٤) هذا القول يتضمن المعنى السابق.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن الحسن.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق قتادة به وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٨) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(^٩) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١٠) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن بنحوه.\n(^١١) أخرجه آدم والطبري بالسند الصحيح المتقدم.","vol":"7","page":28},{"text":"طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ أي: لعن المرتابون (^١). وهكذا كان معاذ ﵁ يقول في خطبته. هلك المرتابون. وقال قتادة: الخراصون أهل [الغرة] (^٢) والظنون (^٣).\n\n<span id=\"aya-4686\"></span>وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١)﴾ قال ابن عباس وغير واحد: في الكفر والشك غافلون لاهون (^٤).\n\n<span id=\"aya-4687\"></span>﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)﴾ وإنما يقولون هذا تكذيبًا وعنادًا وشكًا واستبعادًا،\n\n<span id=\"aya-4688\"></span>قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد ﴿يُفْتَنُونَ﴾: يعذبون (^٥). قال مجاهد: كما يفتن الذهب على النار (^٦).\nوقال جماعة آخرون كمجاهد أيضًا وعكرمة وإبراهيم النخعي وزيد بن أسلم وسفيان الثوري: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ يحرقون (^٧).\n\n<span id=\"aya-4689\"></span>﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ قال مجاهد: حريقكم (^٨)، وقال غيره: عذابكم ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا.\n\n<span id=\"aya-4690\"></span>﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المتقين لله ﷿ أنهم يوم معادهم يكونون في جنات وعيون بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال.\n\n<span id=\"aya-4691\"></span>\n\n<span id=\"aya-4692\"></span>وقوله تعالى: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ قال ابن جرير: أي عاملين بما آتاهم الله من الفرائض (^٩). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أي: قبل أن يفرض عليهم الفرائض كانوا محسنين في الأعمال أيضًا، ثم روي عن ابن حميد حدثنا مهران، عن سفيان، عن أبي عمر، عن مسلم البطين، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ قال: من الفرائض ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ قبل الفرائض يعملون (^١٠). وهذا الإسناد ضعيف ولا يصح عن ابن عباس.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح)، وفي الأصل: \"بياض\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"في ضلالتهم يتمادون\".\n(^٥) أخرجه الطبري بالسند الثابت المتقدم عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه آدم والطبري بالسند الصحيح المتقدم عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس بالسند المتقدم، وأخرجه سفيان الثوري والطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق حصين عن عكرمة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) ذكره الطبري بنحوه.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقد ضعفه الحافظ ابن كثير، وهو كما قال لأن ابن حميد وهو محمد بن =","vol":"7","page":29},{"text":"وقد رواه عثمان بن أبي شيبة، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبي عمر البزار، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره، والذي فسر به ابن جرير فيه نظر؛ لأن قوله ﵎ آخذين حال من قوله في جنات وعيون، فالمتقون في حال كونهم في الجنات والعيون آخذين ما آتاهم ربهم؛ أي: من النعيم والسرور والغبطة، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ كقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة] ثم إنه تعالى بيّن إحسانهم في العمل فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾.\nاختلف المفسرون في ذلك على قولين:\n(أحدها): أن ﴿مَا﴾ نافية تقديره كانوا قليلًا من الليل لا يهجعونه، قال ابن عباس: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئًا (^١).\nوقال قتادة، عن مُطِّرف بن عبد الله: قل ليلة لا تأتي عليهم إلا يصلون فيها لله ﷿، إما من أولها وإما من أوسطها (^٢).\nوقال مجاهد: قل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون (^٣) وكذا قال قتادة.\nوقال أنس بن مالك وأبو العالية: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء (^٤).\nوقال أبو جعفر الباقر: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة (^٥).\n(والقول الثاني) أن ﴿مَا﴾ مصدرية تقديره كانوا قليلًا من الليل هجوعهم ونومهم، واختاره ابن جرير.\nوقال الحسن البصري: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر حتى كان الاستغفار بسحر (^٦).\nوقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ كانوا لا ينامون إلا قليلًا ثم يقول: لست من أهل هذه الآية (^٧). وقال الحسن البصري: كان الأحنف بن قيس يقول\n_________\n= حميد الرازي: ضعيف، ومسلم البطين لم يدرك ابن عباس ﵄، وأبو عمر البزار: هو دينار بن عمر الأسدي: صالح الحديث رمي بالرفض (التقريب ص ٢٠٢).\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٢/ ٢٣٩) والطبري والحاكم بسند حسن من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وصححه الحاكم وذكر له شاهدًا مرفوعًا، ووافقه الذهبي على الموقوف عن ابن عباس وضعف الشاهد المرفوع (المستدرك ٢/ ٤٦٧).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة به.\n(^٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه أبو داود بسند صحيح عن أنس (السنن، الصلاة، باب وقت قيام النبي ﷺ من الليل ح ١٣٢٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٦٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١١٧٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٢/ ٢٣٨) والطبري بسند حسن من طريق عاصم عن أبي العالية.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٢/ ٢٣٨)، والطبري بسند حسن من طريق بكر بن أبي السميط عن قتادة عن أبي جعفر محمد بن علي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مقتصرًا على الشق الأول، وأخرجه =","vol":"7","page":30},{"text":"عرضت عملي على عمل أهل الجنة، فإذا قوم قد باينونا بونًا بعيدًا، إذا قوم لا نبلغ أعمالهم كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وعرضت عملي على عمل أهل النار، فإذا قوم لا خير فيهم مكذبون بكتاب الله وبرسل الله، مكذبون بالبعث بعد الموت، فقد وجدت من خيرنا منزلة قومًا خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا (^١).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأُبي: يا أبا أُسامة صفة لا أجدها فينا ذكر الله تعالى قومًا فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ ونحن والله قليلًا من الليل ما نقوم، فقال له أُبي: طوبى لمن رقد إذا نعس واتقى الله إذا استيقظ (^٢).\nوقال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته ﷺ يقول: \"يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حُيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمر قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها\" فقال أبو موسى الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال ﷺ: \"لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائمًا والناس نيام\" (^٤).\nوقال معمر في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾: كان الزهري والحسن يقولان: كانوا كثيرًا من الليل ما يصلون (^٥).\nوقال ابن عباس وإبراهيم النخعي: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ ما ينامون (^٦).\nوقال الضحاك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ (^٧) [وهذا القول فيه بُعد وتعسف.\n\n<span id=\"aya-4693\"></span>وقوله ﷿: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾] (^٨).\nقال مجاهد وغير واحد: يصلون (^٩) وقال آخرون: قاموا الليل وأخروا الاستغفار إلى الأسحار\n_________\n= كاملًا بسند فيه الحكم بن عطية عن قتادة، والحكم: صدوق له أوهام كما في التقريب ص ١٧٥.\n(^١) لم أجد من أخرجه بل لم يذكره فضيلة د. شير علي شاه في تفسير الحسن البصري.\n(^٢) وأخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد به وسنده ضعيف لإبهام شيخ عبد الرحمن، وعبد الرحمن هو ضعيف.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن سلام ﵁ (المسند ٣٩/ ٢٠١ ح ٢٣٧٨٤) وصحح سنده محققوه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ١٨٦ ح ٦٦١٥) وقال محققوه: حديث حسن لغيره.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه سفيان الثوري وابن أبي شيبة (المصنف ٢/ ٢٣٩) بسند صحيح من طريق منصور عن إبراهيم النخعي.\n(^٧) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٨) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٩) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"7","page":31},{"text":"كما قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن.\nوقد ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة ﵃، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول هل من تائب فاتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر\" (^١).\nوقال كثير من المفسرين في قوله تعالى: إخبارًا عن يعقوب أنه قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] قالوا: أخَّرهم إلى وقت السحر (^٢).\n\n<span id=\"aya-4694\"></span>وقوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ لما وصفهم بالصلاة ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة فقال: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ أي: جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم. أما السائل فمعروف وهو الذي يبتدئ بالسؤال، وله حق كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان، عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين بن علي قال: قال رسول الله ﷺ: \"للسائل حق وإن جاء على فرس\" (^٣). ورواه أبو داود من حديث سفيان الثوري به (^٤). ثم أسنده من وجه آخر عن علي بن أبي طالب (^٥)، وروي من حديث الهرماس بن زياد مرفوعًا (^٦).\nوأما المحروم فقال ابن عباس ومجاهد: هو المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم (^٧)؛ يعني: لا سهم له في بيت المال ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها.\nوقالت أم المؤمنين عائشة: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه (^٨).\nوقال الضحاك: هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى الله تعالى له ذلك (^٩).\nوقال أبو قلابة: جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من الصحابة: هذا المحروم (^١٠) وقال ابن عباس أيضًا وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ونافع مولى ابن عمر\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ح ١١٤٥)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء … (ح ٧٥٨).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بلاغًا.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٥٤ ح ١٧٣٠) وضعف سنده محققوه لجهالة يعلى بن أبي يحيى.\n(^٤) السنن، الزكاة، باب حق السائل (ح ١٦٦٥)، وسنده كسابقه.\n(^٥) المصدر السابق (ح ١٦٦٦) وفي سنده رجل مجهول لم يسم.\n(^٦) أخرجه الطبراني بسند ضعيف من طريق عثمان بن فائد عن عكرمة بن عمار عن الهرماس به (المعجم الكبير ٢٢/ ٢٠٣ ح ٥٣٥) وأعله الهيثمي بعثمان بن فائد (مجمع الزوائد ٣/ ١٠٤)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ١٣٧٨).\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٧/ ٦٦٩) والطبري كلاهما من طريق قيس بن كركم عن ابن عباس، وقيس سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٧/ ١٠٣) ويتقوى بالشواهد التالية، وأخرجه عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد مختصرًا.\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٩) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عاصم عن أبي قلابة.","vol":"7","page":32},{"text":"وعطاء بن أبي رباح: ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ المحارف (^١). وقال قتادة والزهري: ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ الذي لا يسأل الناس شيئًا (^٢).\nقال الزهري: وقد قال رسول الله ﷺ: \"ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه\" وهذا الحديث قد أسنده الشيخان في صحيحيهما من وجه آخر (^٣).\nوقال سعيد بن جبير: هو الذي يجيء وقد قسم المغنم فيرضخ له.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز في طريق مكة، [فجاء كلب] (^٤) فانتزع عمر كتف شاة فرمى بها إليه وقال: يقولون إنه المحروم (^٥).\nوقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم (^٦).\nواختار ابن جرير أن المحروم الذي لا مال له بأي سبب كان وقد ذهب ماله، سواء كان لا يقدر على الكسب أو قد هلك ماله أو نحوه بآفة أو نحوها (^٧).\nوقال الثوري: عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد قال: إن رسول الله ﷺ بعث سرية فغنموا، فجاءه قوم لم يشهدوا الغنيمة، فنزلت هذه الآية ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ (^٨) وهذا يقتضي أن هذه مدنية وليس كذلك بل هي مكية شاملة لما بعدها.\n\n<span id=\"aya-4695\"></span>\n\n<span id=\"aya-4696\"></span>وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ أي: فيها من الآيات الدالَّة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات والمهاد والجبال والقفار والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم وما جبلوا عليه من الإرادات والقِوى، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والحركات والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه، ولهذا قال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾.\nقال قتادة: من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة.\n\n<span id=\"aya-4697\"></span>ثم قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ يعني: المطر (^٩) ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ يعني: الجنة، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد (^١٠).\nوقال سفيان الثوري: قرأ واصل الأحدب هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ فقال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مجاهد عن مجاهد، وأخرجه أيضًا بسند صحيح عن عطاء بن أبي رباح، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أيوب عن نافع مولى ابن عمر، وأخرجه بسند صحيح من طريق منصور عن إبراهيم النخعي.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٧.\n(^٤) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٥) سنده ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن عون عن الشعبي.\n(^٧) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات من طريق الثوري به لكنه مرسل.\n(^٩) أخرجه البستي بسند ضعيف من طريق رجل مجهول عن مجاهد.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"7","page":33},{"text":"ألا إني أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل خربة فمكث ثلاثًا لا يصيب شيئًا، فلما أن كان اليوم الثالث إذا هو بدوخلة (^١) من رطب، وكان له أخ أحسن نية منه، دخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرَّق بينهما الموت (^٢).\n\n<span id=\"aya-4698\"></span>وقوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ يقسم تعالى بنفسه الكريمة أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكُّوا فيه كما لا تشكُّوا في نطقكم حين تنطقون، وكان معاذ ﵁ إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه: إن هذا لحق كما أنك ههنا.\nقال مسدد: عن ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن البصري قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: \"قاتل الله أقوامًا أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا\" (^٣). ورواه ابن جرير، عن بُندار، عن ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن فذكره مرسلًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-4699\"></span>﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾.\nهذه القصة قد تقدمت في سورة هود والحجر أيضًا فقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ أي: الذين أرصد لهم الكرامة، وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب الضيافة للنزيل، وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل.\n\n<span id=\"aya-4700\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ الرفع أقوى وأثبت من النصب، فردُّه أفضل من التسليم ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فالخليل اختار الأفضل.\nوقوله تعالى: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ وذلك أن الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قدموا عليه في صورة شُبان حِسان عليهم مهابة عظيمة ولهذا قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-4701\"></span>وقوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي: انسلَّ خفية في سرعة ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ أي: من خيار ماله، وفي الآية الأخرى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] أي: مشوي على الرضف\n\n<span id=\"aya-4702\"></span>﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ أي: أدناه منهم ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ تلطَّف في العبارة وعرض حسن.\nوهذه الآية انتظمت آداب الضيافة فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولًا فقال: نأتيكم بطعام بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل مما وجد من ماله، وهو عجل فتي سمين مشوي، فقربه إليهم لم يضعه وقال اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم ولم يأمرهم أمرًا يشق على سامعه بصيغة الجزم بل قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ على سبيل العرض\n_________\n(^١) سلة تنسج من الخوص كالزنبيل يخزن فيها التمر.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٣) سنده ضعيف لأن الحسن رواه بلاغًا وهو من مراسيله.\n(^٤) أخرجه الطبري عن محمد بن بشار وهو بندار به، وسنده كسابقه.","vol":"7","page":34},{"text":"والتلطف، كما يقول القائل اليوم إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل.\n\n<span id=\"aya-4703\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ هذا محال على ما تقدم في القصة في السورة الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود] أي: استبشرت بهلاكهم لتمردهم وعتوهم على الله تعالى، فعند ذلك بشرتها الملائكة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ [هود] ولهذا قال ههنا: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ فالبشارة له هي بشارة لها. لأن الولد منهما فكل منهما بشر به.\n\n<span id=\"aya-4704\"></span>وقوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ أي: في صرخة عظيمة ورنَّة، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو صالح والضحاك وزيد بن أسلم والثوري والسدي (^١). وهي قولها: ﴿يَاوَيْلَتَى﴾.\n﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ أي: ضربت بيدها على جبينها قاله مجاهد وابن سابط (^٢)، وقال ابن عباس: لطمت (^٣)؛ أي: تعجبًا كما تتعجب النساء من الأمر الغريب ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ أي: كيف ألد وأنا عجوز وقد كنت في حال الصبا عقيمًا لا أحبل؟\n\n<span id=\"aya-4705\"></span>﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾ أي: عليم بما تستحقون من الكرامة حكيم في أقواله وأفعاله.\n\n<span id=\"aya-4706\"></span>﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾.\nقال الله تعالى مخبرًا عن إبراهيم ﵊: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ [هود] وقال ههنا: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)﴾ أي: ما شأنكم؟ وفيم جئتم؟\n\n<span id=\"aya-4707\"></span>\n\n<span id=\"aya-4708\"></span>\n\n<span id=\"aya-4709\"></span>﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾ يعنون قوم لوط ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً﴾ أي: معلمة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: مكتتبة عنده بأسمائهم كل حجر عليه اسم صاحبه، فقال في سورة العنكبوت: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾ [العنكبوت]\n\n<span id=\"aya-4710\"></span>وقال تعالى ههنا: ﴿فَاَخْرَجْنَا مَنْ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة وأخرجه البُستي بسند حسن من طريق إسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن زيد بن أسلم.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والبستي والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند فيه محمد بن حميد الرازي من قول ابن سابط، ومحمد بن حميد ضعيف، ويتقوى السند بسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"7","page":35},{"text":"كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)﴾ وهم لوط وأهل بيته إلا امرأته\n\n<span id=\"aya-4711\"></span>﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ احتج بهذه الآية من ذهب إلى رأي المعتزلة ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام؛ لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين، وهذا الاستدلال ضعيف لأن هؤلاء كانوا قومًا مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم ولا ينعكس فاتفق الاسمان ههنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال،\n\n<span id=\"aya-4712\"></span>وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾ أي: جعلناها عبرة لما أنزلنا بهم من العذاب والنكال وحجارة السجيل، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة خبيثة، ففي ذلك عبرة للمؤمنين ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4713\"></span>﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ أي: بدليل باهر وحجة قاطعة\n\n<span id=\"aya-4714\"></span>﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ أي: فأعرض فرعون عما جاءه به موسى من الحق المبين استكبارًا وعنادًا.\nوقال مجاهد: تعزز بأصحابه (^١).\nوقال قتادة: غلب عدو الله على قومه (^٢).\nوقال ابن زيد: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ أي: بجموعه التي معه ثم قرأ ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (^٣) [هود: ٨٠] والمعنى الأول قوي كقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٩] أي: معرض عن الحق مستكبر ﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ أي: لا يخلو أمرك فيما جئتني به من أن تكون ساحرًا أو مجنونًا\n\n<span id=\"aya-4715\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ أي: ألقيناهم ﴿فِي الْيَمِّ﴾ وهو البحر ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو ملوم كافر جاحد فاجر معاند.\n\n<span id=\"aya-4716\"></span>\n\n<span id=\"aya-4717\"></span>ثم قال: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾ أي: المفسدة التي لا تنتج شيئًا. قاله الضحاك وقتادة وغيرهما (^٤)، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ أي: مما تفسده الريح ﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ أي: كالشيء الهالك البالي.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب، حدثني عبد الله يعني ابن عياش الغساني، حدثني عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"بعضده وأصحابه\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة بلفظ: \"الريح التي لا تنبت\".","vol":"7","page":36},{"text":"عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"الريح مسخرة من الثانية\" - يعني: من الأرض الثانية -، فلما أراد الله تعالى أن يهلك عادًا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحًا تهلك عادًا قال: أي ربِّ أرسل عليهم الريح قدر منخر الثور؟ قال له الجبار ﵎ لا إذًا تكفأ الأرض ومن عليها ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم فهي التي قال الله في كتابه: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ (^١).\nهذا الحديث رفعه منكر والأقرب أن يكون موقوفًا على عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين أصابهما يوم اليرموك، والله أعلم.\nقال سعيد بن المسيب وغيره في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ قالوا: هي الجنوب (^٢).\nوقد ثبت في الصحيح من رواية شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-4718\"></span>\n\n<span id=\"aya-4719\"></span>\n\n<span id=\"aya-4720\"></span>﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)﴾ قال ابن جرير: يعني إلى وقت فناء آجالكم (^٤). والظاهر أن هذه كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت: ١٧] وهكذا قال ههنا: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾ وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾ أي: من هرب ولا نهوض ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ أي: لا يقدرون على أن ينتصروا مما هم فيه.\n\n<span id=\"aya-4721\"></span>وقوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ وكل هذه القصص قد تقدمت مبسوطة في أماكن كثيرة من سور متعددة.\n\n<span id=\"aya-4722\"></span>﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾.\nيقول تعالى منبهًا على خلق العالم العلوي والسفلي ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ أي: جعلناها سقفًا محفوظًا رفيعًا ﴿بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والثوري وغير واحد (^٥). ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي: قد وسعنا أرجاءها فرفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي\n\n<span id=\"aya-4723\"></span>﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ أي:\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن وهب به وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: \"منكر\". (المستدرك ٤/ ٥٩٤). وكذلك قال الحافظ ابن كثير. وثقدم تخريجه في تفسير سورة الروم آية ٤٨.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الحارث بن عبد الرحمن خال ابن أبي ذئب عن سعيد بن المسيب.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأحزاب آية ٩.\n(^٤) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":37},{"text":"جعلناها فراشًا للمخلوقات ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ أي: وجعلناها مهدًا لأهلها\n\n<span id=\"aya-4724\"></span>﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ أي: جميع المخلوقات أزواج سماء وأرض وليل ونهار، وشمس وقمر وبر وبحر وضياء وظلام، وإيمان وكفر وموت وحياة وشقاء وسعادة وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات، ولهذا قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له\n\n<span id=\"aya-4725\"></span>\n\n<span id=\"aya-4726\"></span>﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: ألجأوا إليه واعتمدوا في أموركم عليه ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: لا تشركوا به شيئًا ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-4727\"></span>\n\n<span id=\"aya-4728\"></span>\n\n<span id=\"aya-4729\"></span>\n\n<span id=\"aya-4730\"></span>\n\n<span id=\"aya-4731\"></span>﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾.\nيقول تعالى مسليًا لنبيه ﷺ وكما قال لك هؤلاء المشركون قال المكذبون الأولون لرسلهم: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ قال الله: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ أي: أوصى بعضهم بعضًا بهذه المقالة ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: لكن هم قوم طغاة تشابهت قلوبهم، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم. قال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: فأعرض عنهم يا محمد ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ يعني: فما نلومك على ذلك ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ أي: إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا (^١). وهذا اختيار ابن جرير وقال ابن جريج: إلا ليعرفون (^٢).\nوقال الربيع بن أنس: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا للعبادة.\nوقال السدي: من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] هذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع الشرك.\nوقال الضحاك: المراد بذلك: المؤمنون.\n\n<span id=\"aya-4732\"></span>\n\n<span id=\"aya-4733\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم وأبو سعيد قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: أقرأني رسول الله ﷺ \"إني لأنا الرزاق ذو القوة المتين\" (^٣). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث إسرائيل، وقال\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه البستي بسند صحيح من طريق حجاج عن ابن جريج، ولكن ابن جريج رواه عن مجاهد وهو لم يسمع من مجاهد.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٨٥، ٢٨٦ ح ٣٧٤١ و٣١٣ ح ٣٧٧١) وصحح سنده محققوه. وأخرجه حفص بن عمر الدوري عن يحيى به (قراءات النبي ﷺ ص ١٥٣).","vol":"7","page":38},{"text":"الترمذي: حسن صحيح (^١).\nومعنى الآية أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب. وأخبر أنه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم. فهو خالقهم ورازقهم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا عمران - يعني ابن زائدة بن نشيط، عن أبيه، عن أبي خالد - هو الوالبي - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله تعالى (^٢): يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلًا ولم أسد فقرك\". ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمران بن زائدة، وقال الترمذي: حسن غريب (^٣).\nوقد روى الإمام أحمد، عن وكيع وأبي معاوية، عن الأعمش، عن سلام بن شرحبيل: سمعت حبة وَسَواء ابني خالد يقولان: أتينا رسول الله ﷺ وهو يعمل عملًا أو يبني بناء، قال أبو معاوية: يصلح شيئًا، فأعناه عليه فلما فرغ دعا لنا وقال: \"لا تيأسا من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة ثم يعطيه الله ويرزقه\" (^٤).\nوقد ورد في بعض الكتب الإلهية: يقول الله تعالى: ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب فاطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.\n\n<span id=\"aya-4734\"></span>\n\n<span id=\"aya-4735\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾ أي: نصيبًا من العذاب ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي: فلا يستعجلون ذلك فإنه واقع لا محالة ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾ يعني يوم القيامة.\nآخر تفسير سورة الذاريات، والحمد لله وحده، وصلواته وسلامه على خير خلقه.\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الحروف والقراءات (ح ٣٩٩٣)، وسنن الترمذي، القراءات، باب ومن سورة الذاريات (ح ٢٩٤١) والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٥٢٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٤٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ٣٢١ ح ٨٦٩٦) وقال محققوه: إسناده محتمل للتحسين. وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن عبد الله به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٤٣).\n(^٣) سنن الترمذي، صفة القيامة، باب من كانت الآخرة همه جاءته الدنيا راغمة (ح ٢٤٦٨)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب الهم بالدنيا (ح ٤١٠٧) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣١٥).\n(^٤) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ١٨٧ ح ١٥٨٥٦) وضعف سنده محققوه.","vol":"7","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-175>سُوْرَةُ الطُّورِ</span>\nوهي مكية\nقال مالك: عن الزهري، عن محمد بن جُبير بن مُطْعم، عن أبيه: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه (^١). أخرجاه من طريق مالك (^٢).\nوقال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي فقال: \"طوفي من وراء الناس وأنتِ راكبة\" فطفت ورسول الله يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور (^٣).\n\n<span id=\"aya-4736\"></span>\n\n<span id=\"aya-4737\"></span>\n\n<span id=\"aya-4738\"></span>\n\n<span id=\"aya-4739\"></span>﷽\n﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾.\nيقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له عنهم، فالطور هو: الجبل الذي يكون فيه أشجار مثل الذي كلم الله عليه موسى وأرسل منه عيسى، وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طورًا إنما يقال له جبل ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ قيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل: الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهارًا ولهذا قال: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: \"ثم رُفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفًا لا يعودون إليه آخر ما عليهم\" يعني: يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، كذلك ذاك البيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة، ولهذا وجد إبراهيم الخليل\n_________\n(^١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الصلاة، باب القراءة في المغرب والعشاء ح ٢٣). وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الأذان، باب الجهر في المغرب (ح ٧٦٥) وصحيح مسلم الصلاة، باب القراءة في الصبح (ح ٤٦٣).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة الطور باب ١ ح ٤٨٥٣).","vol":"7","page":40},{"text":"﵊ مسنِدًا ظهره إلى البيت المعمور، لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها ويصلون إليه والذي في السماء الدنيا يقال له بيت العزَّة (^١). والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد، حدثنا روح بن جناح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"في السماء السابعة بيت يقال له المعمور بحيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له: الحيوان يدخله جبريل كل يوم فينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة، يخرُّ عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكًا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور، فيصلوا فيه فيفعلون ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبدًا، ويولى عليهم أحدهم يؤمر أن يقف بهم من السماء موقفًا يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة\" (^٢)، هذا حديث غريب جدًا، تفرد به روح بن جناح هذا وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعد الدمشقي، وقد أنكر عليه هذا الحديث جماعة من الحفاظ، منهم الجوزجاني والعقيلي (^٣) والحاكم أبو عبد الله النيسابوري وغيرهم، قال الحاكم: لا أصل له من حديث أبي هريرة ولا سعيد ولا الزهري.\nوقال ابن جرير: حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، أن رجلًا قال لعلي: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له: الضُّراح (^٤)، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبدًا (^٥). وكذا رواه شعبة وسفيان الثوري عن سماك، وعندهما أن ابن الكواء هو السائل عن ذلك، ثم رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن طلق بن غنام، عن زائدة، عن عاصم، عن علي بن ربيعة قال: سأل ابن الكواء عليًا عن البيت المعمور قال: مسجد في السماء يقال له: الضراح، يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبدًا (^٦). ورواه من حديث أبي الطفيل عن علي بمثله (^٧).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: هو بيت حذاء العرش تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة ثم لا يعودون إليه (^٨). وكذا قال عكرمة ومجاهد وغير واحد\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ١.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف روح بن جناح الذي اتهمه ابن حبان بالوضع. (ينظر التقريب ص ٢١١).\n(^٣) ينظر الضعفاء الكبير ٢/ ٥٩.\n(^٤) الضراح: بيت في السماء حيال الكعبة (النهاية ٣/ ٨١).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده خالد بن عرعرة سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ٣/ ١٦٢) وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٠٥) ويتقوى بالروايات التالية وما فيها من متابعات كمتابعة علي بن ربيعة وأبي الطفيل. وأخرجه الضياء من طريق سماك به (المختارة ح ٤٣٨).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ٨٨٧٥) والضياء المقدسي (رقم ٥٥٧)، والبستي والطبري كلهم من طريق أبي الطفيل به، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بالحديث المرفوع الصحيح المتقدم في أول تفسير هذه الآية الكريمة.","vol":"7","page":41},{"text":"من السلف (^١).\nوقال قتادة والربيع بن أنس والسدي: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يومًا لأصحابه: \"هل تدرون ما البيت المعمور؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خرَّ لخرَّ عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم\" (^٢).\nوزعم الضحاك أنه يعمره طائفة من الملائكة يقال لهم الجن من قبيلة إبليس (^٣)، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4740\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾ قال سفيان الثوري وشعبة وأبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾ يعني: السماء (^٤). قال سفيان ثم تلا ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء]. وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وابن جريج وابن زيد (^٥) واختاره ابن جرير.\nوقال الربيع بن أنس: هو العرش (^٦)؛ يعني: أنه سقف لجميع المخلوقات، وله اتجاه وهو مراد مع غيره كما قاله الجمهور.\n\n<span id=\"aya-4741\"></span>وقوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت العرش (^٧). الذي ينزل الله منه المطر، الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم معادها، وقال الجمهور: هو هذا البحر.\nواختلف في معنى قوله المسجور فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة نارًا كقوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير] أي: أُضرمت فتصير نارًا تتأجج محيطة بأهل الموقف. ورواه سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب (^٨). وروي عن ابن عباس وبه يقول سعيد بن جبير ومجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهم (^٩).\nوقال العلاء بن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يشرب منه ماء ولا يسقى به زرع وكذلك البحار يوم القيامة. كذا رواه عنه ابن أبي حاتم.\nوعن سعيد بن جبير: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ يعني: المرسل (^١٠).\n_________\n(^١) قول عكرمة ومجاهد أخرجهما الطبري وهما مرسلان يتقويان كسابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري ورجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى كسابقه بدون قوله: \"لو خرَّ لخرَّ عليها\".\n(^٣) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٤) أخرجه الطبري والحاكم من طريق الثوري به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٦٨).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) أخرجه أبو الشيخ بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس العظمة رقم ٢٥٣.\n(^٧) أخرجه أبو الشيخ في العظمة كسابقه، وهو تتمة له.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق داود، وهو ابن أبي هند، عن سعيد بن المسيب به، وسنده حسن.\n(^٩) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"المُوقَد\".\n(^١٠) أخرجه البستي من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.","vol":"7","page":42},{"text":"وقال قتادة: المسجور: المملوء (^١)، اختاره ابن جرير ووجهه بأنه ليس موقدًا اليوم فهو مملوء. وقيل: المراد به الفارغ.\nقال الأصمعي: عن أبي عمرو بن العلاء، عن ذي الرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ قال: الفارغ خرجت أمة تستسقي فرجعت فقالت: إن الحوض مسجور يعني: فارغًا (^٢). رواه ابن مردويه في مسانيد الشعراء. وقيل: المراد بالمسجور الممنوع المكفوف عن الأرض لئلا يغمرها فيغرق أهلها قاله علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٣) وبه يقول السدي وغيره، وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد، ﵀، في مسنده فإنه قال: حدثنا يزيد، حدثنا العوام، حدثني شيخ كان مرابطًا بالساحل قال: لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال: حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ قال: \"ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات، يستأذن الله تعالى أن ينفضخ عليهم، فيكفّه الله ﷿\" (^٤).\nوقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثنا الحسن بن سفيان، عن إسحاق بن راهويه، عن يزيد، وهو ابن هارون، عن العوام بن حوشب، حدثني شيخ مرابط قال: خرجت ليلة لحرسي لم يخرج أحد من الحرس غيري، فاتيت الميناء فصعدت فجعل يخيل إلي أن البحر يشرف يحاذي رؤوس الجبال، فعل ذلك مرارًا وأنا مستيقظ، فلقيت أبا صالح فقال: حدثنا عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات يستأذن الله تعالى أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله ﷿\" (^٥) فيه رجل مبهم لم يسم.\n\n<span id=\"aya-4742\"></span>\n\n<span id=\"aya-4743\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ هذا هو المقسم عليه؛ أي: لواقع بالكافرين كما قال في الآية الأخرى: ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ أي: ليس له دافع يدفعه عنهم إذا أراد الله بهم ذلك.\nقال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن داود، عن صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي قال: خرج عمر يعسُّ في المدينة ذات ليلة، فمرَّ بدار رجل من المسلمين فوافقه قائمًا يصلي فوقف يستمع قراءته فقرأ ﴿وَالطُّورِ (١)﴾ حتى إذا بلغ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ قال: قسم وربِّ الكعبة حق، فنزل عن حماره واستند إلى حائط فمكث مليًا ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرًا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه ﵁ (^٦).\nوقال الإمام أبو عبيد في فضائل القرآن: حدثنا محمد بن صالح، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن أن عمر قرأ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ فربا لها ربوة عيد منها عشرين يومًا (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى الشيرازي في \"الألقاب\" بسنده ولفظه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"المجوس\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤٣) وسنده ضعيف لإبهام شيخ العوام.\n(^٥) ذكر الحافظ ابن كثير عن الإسماعيلي به (مسند الفاروق ٢/ ٦٠٧). وسنده كسابقه.\n(^٦) سنده ضعيف لضعف صالح المري.\n(^٧) أخرجه أبو عبيد بسنده ومتنه (فضائل القرآن ص ٦٤) وسنده مرسل لأن الحسن لم يسمع عمر ﵁.","vol":"7","page":43},{"text":"<span id=\"aya-4744\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾ قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكًا (^١).\nوعن ابن عباس: هو تشققها (^٢). وقال مجاهد: تدور دورًا (^٣).\nوقال الضحاك: استدارتها وتحركها لأمر الله (^٤). وموج بعضها في بعض. وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة. قال: وأنشد أبو عبيدة معمر بن المثنى بيت الأعشى فقال:\nكأن مشيتها من بيت جارتها … مور السحابة لا ريث ولا عجل (^٥)\n\n<span id=\"aya-4745\"></span>﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ أي: تذهب فتصير هباء منبثًا وتنسف نسفًا\n\n<span id=\"aya-4746\"></span>﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ أي: ويل لهم ذلك اليوم من عذاب الله ونكاله بهم وعقابه لهم\n\n<span id=\"aya-4747\"></span>﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)﴾ أي: هم في الدنيا يخوضون في الباطل ويتخذون دينهم هزوًا ولعبًا\n\n<span id=\"aya-4748\"></span>﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ أي: يدفعون ويساقون ﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾ وقال مجاهد والشعبي ومحمد بن كعب والضحاك والسدي والثوري: يدفعون فيها دفعًا.\n\n<span id=\"aya-4749\"></span>﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾ أي: تقول لهم الزبانية ذلك تقريعًا وتوبيخًا\n\n<span id=\"aya-4750\"></span>\n\n<span id=\"aya-4751\"></span>﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا﴾ أي: ادخلوها دخول من تغمره من جميع جهاته ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: سواء صبرتم على عذابها ونكالها أم لم تصبروا لا محيد لكم عنها ولا خلاص لكم منها ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ولا يظلم الله أحدًا، بل يجازي كلًا بعمله.\n\n<span id=\"aya-4752\"></span>﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾.\nيُخبر الله تعالى عن حال السعداء فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧)﴾ وذلك بضد ما أولئك فيه من العذاب والنكال\n\n<span id=\"aya-4753\"></span>﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: يتفكهون بما آتاهم الله من النعيم من أصناف الملاذ من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب وغير ذلك ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أي: وقد نجاهم من عذاب النار، وتلك نعمة مستقلة بذاتها على حدتها مع ما أضيف إليها من دخول الجنة التي فيها من السرور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\n\n<span id=\"aya-4754\"></span>وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)﴾ كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة] أي: هذا بذاك تفضلًا منه وإحسانًا.\n\n<span id=\"aya-4755\"></span>وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ قال الثوري: عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس السرر في الحجال (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٥) مجاز القرآن ٢/ ٢٣١ واستشهد به الطبري ثم قال: فالمور على روايته التكفؤ والتهيؤ في المشية.\n(^٦) سنده حسن.","vol":"7","page":44},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو، أنه سمع الهيثم بن مالك الطائي يقول: إن رسول الله ﷺ قال: \"إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه\" (^١). وحدثنا أبي، أخبرنا هدبة بن خالد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: بلغنا أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة عنده من أزواجه وخدمه، وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة فإذا أزواج له لم يكن رآهن قبل ذلك، فيقلن قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيبًا (^٢)، ومعنى ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ أي: وجوه بعضهم إلى بعض كقوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].\n﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي: وجعلنا لهم قرينات صالحات وزوجات حسانًا من الحور العين.\nوقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ أنكحناهم بحور عين (^٣)، وقد تقدم وصفهن في غير موضع بما أغنى عن إعادته.\n\n<span id=\"aya-4756\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾.\nيخبر تعالى عن فضله وكرمه وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه، أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتساوي بينه وبين ذاك، ولهذا قال: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nقال الثوري: عن عمر بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري به (^٤)، وكذا رواه ابن جرير من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة به، ورواه البزار، عن سهل بن بحر، عن الحسن بن حماد الوراق، عن قيس بن الربيع، عن عمرو بن مرة، عن سعيد، عن ابن عباس مرفوعًا، فذكره ثم قال: وقد رواه الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد، عن ابن عباس موقوفًا (^٥).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لإرسال الهيثم بن مالك وهو من صغار التابعين.\n(^٢) سنده ضعيف لأن ثابتا رواه بلاغا.\n(^٣) معناه صحيح.\n(^٤) أخرجه الثوري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق الثوري به.\n(^٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (رقم ٢٢٦٠) وقال الهيثمي: فيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وفيه ضعف (مجمع الزوائد ٧/ ١١٤) والوقف أرجح.","vol":"7","page":45},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن يزيد البيروتي، أخبرني محمد بن شعيب، أخبرني شيبان، أخبرني ليث، عن حبيب بن أبي ثابت الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم، ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئًا (^١).\nوقال الحافظ الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، حدثنا شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أظنه عن النبي ﷺ قال: \"إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال إنهم لم يبلغوا درجتك، فيقول: يا ربِّ قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به\" وقرأ ابن عباس ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ (^٢) الآية.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية يقول: والذين أدرك ذريتهم الإيمان فعملوا بطاعتي ألحقتهم بإيمانهم إلى الجنة، وأولادهم الصغار تلحق بهم (^٣)، وهذا راجع إلى التفسير الأول، فإن ذلك مفسر أصرح من هذا، وهكذا يقول الشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم وقتادة وأبو صالح والربيع بن أنس والضحاك وابن زيد (^٤)، وهو اختيار ابن جرير.\nوقد قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي قال: سألت خديجة النبي ﷺ عن ولدين ماتا لها في الجاهلية فقال رسول الله ﷺ: \"هما في النار\" فلما رأى الكراهية في وجهها قال: \"لو رأيت مكانهما لأبغضتهما\" قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: \"في الجنة\" قال: ثم قال رسول الله ﷺ: \"إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار\" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ الآية (^٥)، هذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء فقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال\n_________\n(^١) في سنده ليث وهو ابن أبي سليم فيه مقال، وقد توبع في الرواية السابقة.\n(^٢) أخرجه الطبراني من طريق محمد بن عبد الرحمن بن غزوان به. (المعجم الكبير ١١/ ٤٤٠ ح ١٢٢٤٨) وسنده ضعيف لضعف محمد بن عبد الرحمن بن غزوان. (مجمع الزوائد ٧/ ١١٧).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بالموقوف السابق عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عن عامر الشعبي، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عن سعيد بن جبير، وأخرجه هناد (الزهد رقم ١٨٠) والطبري بسند صحيح من طريق قيس بن مسلم عن إبراهيم، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، وأخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٥) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد بسنده ومتنه في زوائده على المسند (المسند ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩ ح ١١٣١) وضعف سنده محققو له لجهالة محمد بن عثمان قال الذهبي في الميزان (٣/ ٦٤٢) لا يُدرى من هو … وله خبر منكر.","vol":"7","page":46},{"text":"رسول الله ﷺ: \"إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا ربِّ أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك\" (^١). إسناده صحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه ولكن له شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له\" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ لما أخبر عن مقام الفضل وهو رفع درجة الذرية إلى منزلة الآباء من غير عمل يقتضي ذلك، أخبر عن مقام العدل وهو أنه لا يؤاخذ أحدًا بذنب أحد فقال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي: مرتهنٌ بعمله لا يحمل عليه ذنب غيره من الناس؛ سواء كان أبًا أو ابنًا كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)﴾ [المدثر].\n\n<span id=\"aya-4757\"></span>وقوله: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾ أي: وألحقناهم بفواكه ولحوم من أنواع شتى مما يستطاب ويشتهى.\n\n<span id=\"aya-4758\"></span>وقوله: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ أي: يتعاطون فيها كأسًا؛ أي: من الخمر، قاله الضحاك (^٣). ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ أي: لا يتكلمون فيها بكلام لاغٍ أي: هذيان ولا إثم أي: فحش كما يتكلم به الشربة من أهل الدنيا.\nقال ابن عباس: اللغو الباطل والتأثيم الكذب (^٤).\nوقال مجاهد: لا يستبون ولا يؤثمون (^٥).\nوقال قتادة: كان ذلك في الدنيا مع الشيطان (^٦)، فنزه الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها، كما تقدم فنفى عنها صداع الرأس ووجع البطن وإزالة العقل بالكلية، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام السيء الفارغ عن الفائدة المتضمن هذيانًا وفحشًا، وأخبر بحسن منظرها وطيب طعمها ومخبرها فقال: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ [الصافات] وقال: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ [الواقعة]. وقال ههنا: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾.\n\n<span id=\"aya-4759\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾ إخبار عن خدمهم وحشمهم في الجنة، كأنهم اللؤلؤ الرطب المكنون في حسنهم وبهائهم ونظافتهم وحسن ملابسهم، كما قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ [الواقعة].\n\n<span id=\"aya-4760\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾ أي: أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وهذا كما يتحدث أهل الشراب على شرابهم إذا أخذ فيهم الشراب بما كان\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٠٩). وسنده حسن، وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفرقان آية ٧٤ في آخرها.\n(^٣) لم أجد من أخرجه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":47},{"text":"من أمرهم\n\n<span id=\"aya-4761\"></span>﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ أي: كنا في الدار الدنيا ونحن بين أهلنا خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه\n\n<span id=\"aya-4762\"></span>﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ أي: فتصدق علينا وأجارنا مما نخاف\n\n<span id=\"aya-4763\"></span>﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أي: نتضرع إليه فاستجاب لنا وأعطانا سؤالنا ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾.\nوقد ورد في هذا المقام حديث رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده فقال: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن دينار، حدثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا فيتحدثان، فيتكئ هذا ويتكئ هذا فيتحدثان بما كان في الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه: يا فلان تدري؛ أي: يوم غفر الله لنا؟ يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله ﷿ فغفر لنا\" (^١). ثم قال البزار: لا نعرفه يروى إلا بهذا الإسناد. قلت: وسعيد بن دينار الدمشقي؟ قال أبو حاتم: هو مجهول وشيخه الربيع بن صبيح، وقد تكلم فيه غير واحد من جهة حفظه وهو رجل صالح ثقة في نفسه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة أنها قرأت هذه الآية ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾ فقالت: اللَّهم مُنَّ علينا وقنا عذاب السموم إنك أنت البر الرحيم. قيل للأعمش في الصلاة؟ قال: نعم (^٢).\n\n<span id=\"aya-4764\"></span>﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بأن يبلغ رسالته إلى عباده، وأن يذكرهم بما أنزل الله عليه، ثم نفى عنه ما يرميه به أهل البهتان والفجور فقال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾ أي: لست بحمد الله بكاهن كما تقوله الجهلة من كفار قريش، والكاهن الذي يأتيه الرئي من الجان بالكلمة يتلقاها من خبر السماء ﴿وَلَا مَجْنُونٍ﴾ وهو الذي يتخبطه الشيطان من المسّ.\n\n<span id=\"aya-4765\"></span>ثم قال تعالى منكرًا عليهم في قولهم في الرسول ﷺ ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ أي: قوارع الدهر، والمنون الموت، يقولون ننتظره ونصبر عليه حتى يأتيه الموت فنستريح منه ومن شأنه،\n\n<span id=\"aya-4766\"></span>قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)﴾ أي: انتظروا فإني منتظر معكم، وستعلمون لمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة.\nقال محمد بن إسحاق: عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن قريشًا لما\n_________\n(^١) أخرجه البزار بسنده ومتنه كما في مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٤٨٦ (ح ٢٢٧٠) وقال تفرد به أنس بهذا الإسناد الضعيف. وقد بيَّن الهيثمي وجه الضعف بأن سعيد بن دينار والربيع بن صبيح ضعيفان. (مجمع الزوائد ١٠/ ٤٢٤).\n(^٢) رجاله ثقات وسنده صحيح.","vol":"7","page":48},{"text":"اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ قال قائل منهم: احتبسوه في وثاق وتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة إنما هو كأحدهم، فأنزل الله تعالى ذلك من قولهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-4767\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ أي: عقولهم تأمرهم بهذا الذي يقولونه فيك من الأقاويل الباطلة التي يعلمون في أنفسهم أنها كذب وزور ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: ولكن هم قوم طاغون ضلال معاندون، فهذا هو الذي يحملهم على ما قالوه فيك.\n\n<span id=\"aya-4768\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أي: اختلقه وافتراه من عند نفسه يعنون القرآن، قال الله تعالى: ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: كفرهم هو الذي يحملهم على هذه المقالة\n\n<span id=\"aya-4769\"></span>﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ أي: إن كانوا صادقين في قولهم تقوله وافتراه، فليأتوا بمثل ما جاء به محمد ﷺ من هذا القرآن، فإنهم لو اجتمعوا هم وجميع أهل الأرض من الجن والإنس ما جاءوا بمثله، ولا بعشر سور من مثله، ولا بسورة من مثله.\n\n<span id=\"aya-4770\"></span>﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾.\nهذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية فقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ أي: أوجدوا من غير موجد؟ أم هم أوجدوا أنفسهم؛ أي: لا هذا ولا هذا بل الله هو الذي خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا.\n\n<span id=\"aya-4771\"></span>قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان قال: حدثني عن الزهري، عن محمد بن جُبير بن مُطعم، عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ كاد قلبي أن يطير (^٢). وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طرق عن الزهري به (^٣). وجُبير بن مُطعم كان قد قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداء الأسارى، وكان إذ ذاك مشركًا، فكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ أي: أهم خلقوا السماوات والأرض؟ وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله، وهم يعلمون أنه الخالق وحده لا شريك له، ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك\n\n<span id=\"aya-4772\"></span>﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وفيه عنعنة ابن إسحاق ولكن قد صرح بالسماع في رواية البيهقي (دلائل النبوة ٢/ ٤٦٨) وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة الطور ح ٤٨٥٤).\n(^٣) المصدر السابق (ح ٧٦٥ و٤٨٥٤) وصحيح مسلم، الصلاة، باب القراءة في الصبح (ح ٤٦٣).","vol":"7","page":49},{"text":"أي: أهم يتصرفون في الملك وبيدهم مفاتيح الخزائن ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: المحاسبون للخلائق، ليس الأمر كذلك بل الله ﷿ هو المالك المتصرف الفعال لما يريد.\n\n<span id=\"aya-4773\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أي: مرقاة إلى الملأ الأعلى ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: فليأت الذي يستمع لهم بحجة ظاهرة على صحة ما هم فيه من الفعال والمقال؛ أي: وليس لهم سبيل إلى ذلك فليسوا على شيء وليس لهم دليل.\n\n<span id=\"aya-4774\"></span>ثم قال منكرًا عليهم فيما نسبوه إليه من البنات وجعلهم الملائكة إناثًا، واختيارهم لأنفسهم الذكور على الإناث، بحيث إذا بُشر أحدهم بالأنثى ظلَّ وجهه مسودًا وهو كظيم، هذا وقد جعلوا الملائكة بنات الله وعبدوهم مع الله فقال: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكد\n\n<span id=\"aya-4775\"></span>﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾؟ أي: أجرة إبلاغك إياهم رسالة الله؛ أي: لست تسألهم على ذلك شيئًا ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أي: فهم من أدنى شيء يتبرمون منه ويثقلهم ويشق عليهم\n\n<span id=\"aya-4776\"></span>﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)﴾ أي: ليس الأمر كذلك فإنه لا يعلم أحد من أهل السماوات والأرض الغيب إلا الله\n\n<span id=\"aya-4777\"></span>﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)﴾ يقول تعالى: أم يريد هؤلاء بقولهم هذا في الرسول وفي الدين غرور الناس وكيد الرسول وأصحابه، فكيدهم إنما يرجع وباله على أنفسهم فالذين كفروا هم المكيدون\n\n<span id=\"aya-4778\"></span>﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾ وهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد مع الله، ثم نزه نفسه الكريمة عما يقولون ويفترون ويشركون فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4779\"></span>﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين بالعناد والمكابرة للمحسوس ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ أي: عليهم يعذبون به لما صدقوا، ولما أيقنوا بل يقولون: هذا سحاب مركوم؛ أي: متراكم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ [الحجر]\n\n<span id=\"aya-4780\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي: دعهم يا محمد ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ وذلك يوم القيامة\n\n<span id=\"aya-4781\"></span>﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا ينفعهم كيدهم ولا مكرهم الذي استعملوه في الدنيا، لا يجزي عنهم يوم القيامة شيئًا ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4782\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: قبل ذلك في الدار الدنيا كقوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ [السجدة] ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: نعذبهم في الدنيا ونبتليهم فيها بالمصائب لعلهم يرجعون وينيبون فلا يفهمون ما يراد بهم، بل إذا جلى عنهم مما كانوا فيه، عادوا إلى أسوأ ما كانوا عليه كما جاء في بعض الأحاديث: \"إن المنافق إذا مرض وعوفي مثله في ذلك كمثل البعير، لا يدري فيما عقلوه","vol":"7","page":50},{"text":"ولا فيما أرسلوه\" (^١) وفي الأثر الإلهي: كم أعصيك ولا تعاقبني؟ قال الله تعالى: يا عبدي كم أعافيك وأنت لا تدري؟\n\n<span id=\"aya-4783\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: اصبر على أذاهم ولا تبالهم فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا والله يعصمك من الناس.\nوقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال الضحاك: أي إلى الصلاة. سبحانك اللَّهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك (^٢).\nوقد روي مثله عن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما (^٣)، وروى مسلم في صحيحه عن عمر أنه كان يقول: هذا في ابتداء الصلاة (^٤)، ورواه أحمد وأهل السنن، عن أبي سعيد وغيره، عن النبي ﷺ أنه كان يقول ذلك (^٥).\nوقال أبو الجوزاء: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: من نومك من فراشك (^٦)، واختاره ابن جرير ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا عُمير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أُمية، حدثنا عُبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ قال: \"من تعارّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله\". ثم قال: \"رب اغفر لي\" - أو قال: \"ثم دعا - استجيب له، فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته\" (^٧). وأخرجه البخاري في صحيحه وأهل السنن من حديث الوليد بن مسلم به (^٨).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال: من كل مجلس (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسند ضعيف فيه رجل مجهول (السنن، الجنائز، باب الأمراض المكفرة للذنوب ح ٣٠٨٩).\n(^٢) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك بلفظ: \"الصلاة المفروضة\"، وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك بلفظه: وأخرجه النحاس بسند ضعيف من طريق عمر بن هارون البلخي عن أبي مصلح عن الضحاك (الناسخ والمنسوخ ٣/ ٣٠)، وعمر بن هارون متروك كما في \"التقريب\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه بلفظ: \"إذا قام لصلاة من ليل أو نهار. . .\".\n(^٤) صحيح مسلم، الصلاة، باب حجة من قال: \"لا يجهر بالبسملة\" (ح ٣٩٩/ ٥٢).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٨/ ٥١ ح ١١٤٧٣) وأعله محققوه بجعفر بن سليمان الضبعي، ومن هذا الطريق أخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك ح ٧٧٥)، والترمذي (السنن، الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة ح ٢٤٢)، والنسائي (السنن، الإفتتاح، باب نوع آخر من الذكر ٢/ ١٣٢) وابن ماجه (السنن، الإقامة، باب افتتاح الصلاة ح ٨٠٤). ويشهد لبعضه رواية مسلم السابقة.\n(^٦) ذكره النحاس بدون سند (الناسخ والمنسوخ ٣/ ٣١)، وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣١٣) وسنده صحيح.\n(^٨) صحيح البخاري، التهجد، باب فضل من تعار من الليل فصلى (ح ١١٥٤).\n(^٩) نسبه السيوطي إلى الفريابي وابن المنذر.","vol":"7","page":51},{"text":"وقال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال: إذا أراد الرجل أن يقوم من مجلسه قال: سبحانك اللَّهم وبحمدك (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الدمشقي، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء بن أبي رباح أنه حدثه عن قول الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ يقول حين تقوم من كل مجلس إن كنت أحسنت ازددت خيرًا، وإن كنت غير ذلك كان هذا كفارة له (^٢).\nوقد قال عبد الرزاق في جامعه: أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عثمان الفقير، أن جبريل علم النبي ﷺ إذا قام من مجلسه أن يقول: سبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، قال معمر: وسمعت غيره يقول: هذا القول كفارة المجالس (^٣). وهذا مرسل، وقد وردت مسندة من طرق يقوي بعضها بعضًا بذلك، فمن ذلك حديث ابن جريج، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك\" رواه الترمذي، وهذا لفظه والنسائي في اليوم والليلة من حديث ابن جريج، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٤)، واخرجه الحاكم في مستدركه، وقال إسناده على شرط مسلم، إلا أن البخاري علله (^٥)، قلت: علله الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني وغيرهم، ونسبوا الوهم فيه إلى ابن جريج، على أن أبا داود قد رواه في سننه من طريق غير ابن جريج إلى أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه (^٦)، ورواه أبو داود، واللفظ له والنسائي والحاكم في المستدرك من طريق الحجاج بن دينار، عن هشام، عن أبي العالية، عن أبي برزة الأسلمي، قال: كان رسول الله ﷺ يقول بآخر عمره: إذا أراد أن يقوم من المجلس \"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك\". فقال رجل: يا رسول الله، إنك لتقول قولًا ما كنت تقوله فيما مضى، قال: \"كفارة لما يكون في المجلس\" (^٧). وقد روي مرسلًا\n_________\n(^١) أخرجه النحاس من طريق الثوري به (الناسخ والمنسوخ ٣/ ٣٢) وسنده حسن.\n(^٢) سنده ضعيف جدًا لأن طلحة بن عمرو الحضرمي متروك (التقريب ص ٢٨٣).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (المصنف ١١/ ٢٤ رقم ١٩٧٩٦) وسنده مرسل كما قرر الحافظ ابن كثير، ويتقوى بالرواية التالية:\n(^٤) سنن الترمذي، الدعوات، باب ما يقول إذا قام من مجلسه (ح ٣٤٢٩)، والسنن الكبرى للنسائي، عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا جلس في مجلس كثر فيه لغطه (ح ١٠٢٣٠).\n(^٥) أخرجه الحاكم من طريق ابن جريج به ثم ذكر له شواهد تقويه (المستدرك ١/ ٥٣٦ - ٥٣٧) وهي شواهد صحيحة كما يلي.\n(^٦) سنن أبي داود، الأدب، باب في كفارة المجلس (ح ٤٨٥٧، ٤٨٥٨) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٦٧).\n(^٧) المصدر السابق (ح ٤٨٥٩)، والسنن الكبرى، عمل اليوم والليلة (ح ١٠٢٥٩) والمستدرك ١/ ٥٣٧، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٤٠٦٨).","vol":"7","page":52},{"text":"عن أبي العالية (^١)، فالله أعلم.\nوهكذا رواه النسائي والحاكم من حديث الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ مثله (^٢) سواء، وروي مرسلًا أيضًا فالله أعلم، وكذا رواه أبو داود، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: \"كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر، إلا ختم له بهن كما يختم بالخاتم: سبحانك اللَّهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك\" (^٣). وأخرجه الحاكم من حديث أم المؤمنين عائشة وصححه، ومن رواية جبير بن مطعم (^٤)، ورواه أبو بكر الإسماعيلي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كلهم عن النبي ﷺ، وقد أفردت لذلك جزءًا على حدة بذكر طرقه وألفاظه وعلله، وما يتعلق به ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-4784\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي: اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة في الليل كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ قد تقدم في حديث ابن عباس، أنهما الركعتان اللتان قبيل صلاة الفجر (^٥)، فإنهما مشروعتان عند إدبار النجوم؛ أي: عند جنوحها للغيبوبة.\nوقد روى ابن سيلان، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لا تدعوها وإن طردتكم الخيل\"؛ يعني: ركعتي الفجر، رواه أبو داود (^٦). ومن هذا الحديث حكي عن بعض أصحاب أحمد القول بوجوبهما، وهو ضعيف لحديث: \"خمس صلوات في اليوم والليلة\" قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: \"لا إلا أن تطوع\" (^٧).\nوقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر. وفي لفظ لمسلم: \"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها\" (^٨).\nآخر تفسير سورة الطور [والله أعلم] (^٩).\n_________\n(^١) السنن الكبرى، عمل اليوم والليلة (ح ١٠٤٦١).\n(^٢) المصدر السابق (ح ١٠٢٦٣) والمستدرك ١/ ٥٣٧، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٣) سنن أبي داود، الأدب، باب في كفارة المجلس (ح ٤٨٥٧) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (ح ٤٠٦٦) دون قوله: ثلاث مرات.\n(^٤) (المستدرك ١/ ٥٣٧) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة ق آية ٤٠.\n(^٦) السنن، الصلاة، باب في تخفيفهما (ح ١٢٥٨)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٢٧٢). وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٧) أخرجه الشيخان من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ (صحيح البخاري، الإيمان، باب الزكاة من الإسلام ح ٤٦ وصحيح مسلم، الإيمان، باب الصلوات التي هي أحد أركان ح ٢٣٣).\n(^٨) صحيح البخاري، التهجد، باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سماهما تطوعًا (ح ١١٦٩) وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي الفجر (ح ٧٢٤).\n(^٩) زيادة من (حم).","vol":"7","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-176>سُوْرَةُ النَّجْمِ</span>\nوهي مكية\nقال البخاري: حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد - يعني الزُّبيري - حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة \"والنجم\" قال: فسجد النبي ﷺ وسجد من خلفه، إلا رجلًا رأيته أخذ كفًا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا وهو أُمية بن خلف (^١). وقد رواه البخاري أيضًا في مواضع ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن أبي إسحاق به، وقوله في الممتنع: إنه أُمية بن خلف في هذه الرواية مُشكل، فإنه قد جاء من غير هذه الطريق أنه عُتبة بن ربيعة (^٢).\n\n<span id=\"aya-4785\"></span>﷽\n﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾.\nقال الشعبي وغيره: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق (^٣)، رواه ابن أبي حاتم.\nواختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ فقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالنجم: الثريا إذا سقطت مع الفجر (^٤)، وكذا روي عن ابن عباس وسفيان الثوري واختاره ابن جرير (^٥).\nوزعم السدي: أنها الزهرة.\nوقال الضحاك: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ إذا رمي به الشياطين وهذا القول له اتجاه.\nوروى الأعمش عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ يعني: القرآن إذا نزل (^٦)، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] ح ٤٨٦٣).\n(^٢) ذكر الحافظ ابن حجر أن المعتمد هو أُمية بن خلف (فتح الباري ٨/ ٦١٥).\n(^٣) لم أجد من أخرجه وهو كلام نفيس.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس بلفظ: \"إذا انصب\"، ويتقوى بسابقه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مالك بن سُعير عن الأعمش به.","vol":"7","page":54},{"text":"إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الواقعة].\n\n<span id=\"aya-4786\"></span>\n\n<span id=\"aya-4787\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول ﷺ بأنه راشد تابع للحق ليس بضال، وهو الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي هو العالم بالحق، العادل عنه قصدًا إلى غيره، فنزه الله رسوله وشرعه، عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود. وهي علم الشيء وكتمانه، والعمل بخلافه، بل هو صلاة الله وسلامه عليه وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ أي: ما يقول قولًا عن هوى وغرض\n\n<span id=\"aya-4788\"></span>﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ أي: إنما يقول ما أمر به يبلغه إلى الناس كاملًا موفورًا من غير زيادة ولا نقصان كما رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حَريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن أبي أُمامة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين - أو مثل أحد الحيين - ربيعة ومضر\" فقال رجل: يا رسول الله أو ما ربيعة من مضر؟ قال: \"إنما أقول ما أقول\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن الأخنس، أخبرنا الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب. فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: \"اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق\" (^٢). ورواه أبو داود، عن مسدد وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان (^٣) به.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"ما أخبرتكم أنه من عند الله فهو الذي لا شك فيه\" ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن محمد بن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا أقول إلا حقًّا\" قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال: \"إني لا أقول إلا حقًّا\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٥٤٧ ح ٢٢٢١٥)، قال محققوه: صحيح بطرقه وشواهده دون قوله: \"فقال رجل: يا رسول. . .\" إلخ.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٥٧، ٥٨ ح ٦٥١٠)، وصحح سنده محققوه، وقبلهم الأستاذ أحمد شاكر.\n(^٣) السنن، العلم، باب في كتابة العلم (ح ٣٦٤٦) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٠٩٩).\n(^٤) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار وقال الهيثمي: فيه أحمد بن منصور الرمادي وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر وبقية رجاله رجال الصحيح، وعبد الله بن صالح مختلف فيه مجمع الزوائد ١/ ١٧٩).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ١٨٥ ح ٨٤٨١) وقال محققوه: إسناده قوي.","vol":"7","page":55},{"text":"<span id=\"aya-4789\"></span>﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله محمد ﷺ أنه علمه الذي جاء به إلى الناس ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ وهو جبريل ﵊، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير]\n\n<span id=\"aya-4790\"></span>وقال ههنا ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: ذو قوة، قاله مجاهد والحسن وابن زيد (^١).\nوقال ابن عباس: ذو منظر حسن (^٢).\nوقال قتادة: ذو خلق طويل حسن (^٣). ولا منافاة بين القولين فإنه ﵇ ذو منظر حسن وقوة شديدة.\nوقد ورد في الحديث الصحيح من رواية ابن عمر وأبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"لا تحلّ الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سَويّ\" (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى﴾ يعني: جبريل ﵇ قاله الحسن ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس (^٥).\n\n<span id=\"aya-4791\"></span>\n\n<span id=\"aya-4792\"></span>﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ يعني: جبريل استوى في الأفق الأعلى، قاله عكرمة وغير واحد. قال عكرمة: والأفق الأعلى الذي يأتي منه الصبح.\nوقال مجاهد: هو مطلع الشمس.\nوقال قتادة: هو الذي يأتي منه النهار (^٦)، وكذا قال ابن زيد وغيرهم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا مصرف بن عمرو اليامي أبو القاسم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن طلحة بن مصرف، حدثني أبي، عن الوليد هو: ابن قيس، عن إسحاق بن أبي الكهتلة، أظنه ذكره عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ لم يرَ جبريل في صورته إلا مرتين: أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فسد الأفق. وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد فذلك قوله: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ (^٧). وقد قال ابن جرير ههنا قولًا لم أره لغيره،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري تعليقًا وقال الحافظ ابن حجر: وصله الفريابي. (فتح الباري ٨/ ٦٠٤) ووصله آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ٦٠.\n(^٥) أخرجه آدم والطبري بالسند الصحيح المتقدم عن مجاهد، وأخرجه أبو الشيخ بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس (العظمة رقم ٣٦٨).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) سنده ضعيف لأن مصرف بن عمرو الأيامي: مجهول. (التقريب ص ٥٣٣).","vol":"7","page":56},{"text":"ولا حكاه هو عن أحد وحاصله أنه ذهب إلى أن المعنى فاستوى؛ أي: هذا الشديد القوي ذو المِرّة هو ومحمد ﷺ بالأفق الأعلى؛ أي: استويا جميعًا بالأفق الأعلى وذلك ليلة الإسراء، كذا قال، ولم يوافقه أحد على ذلك، ثم شرع يوجه ما قاله من حيث العربية فقال وهو كقوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٧] فعطف بالآباء على المكنى في كنا من غير إظهار نحن فكذلك قوله فاستوى وهو، قال وذكر الفراء عن بعض العرب أنه أنشده:\nألم تر النبع يصلب عوده … ولا يستوي والخروع المتقصف (^١)\nوهذا الذي قاله من جهة العربية متجه، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك، فإن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء بل قبلها، ورسول الله ﷺ في الأرض، فهبط عليه جبريل ﵇ وتدلى إليه فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى يعني ليلة الإسراء، وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة بعدما جاءه جبريل ﵇ أول مرة، فأوحى الله إليه صدر سورة اقرأ، ثم فتر الوحي فترة ذهب النبي ﷺ فيها مرارًا ليتردى من رؤوس الجبال. فكلما همَّ بذلك ناداه جبريل من الهواء، يا محمد أنت رسول الله حقًّا وأنا جبريل، فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه (^٢)، وكلما طال عليه الأمر عاد لمثلها حتى تبدى له جبريل ورسول الله ﷺ بالأبطح في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح (^٣) قد سد عظم [خلقه] (^٤) الأفق، فاقترب منه وأوحى إليه عن الله ﷿ ما أمره به، فعرف عند ذلك عظمة الملك الذي جاءه بالرسالة وجلالة قدره وعلو مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه.\nفأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حيث قال: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا الحارث بن عبيد، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"بينا أنا قاعد إذ جاء جبريل ﵇ فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة فيها كوكري الطير فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر، فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلِّب طرفي، ولو شئت أن أمس السماء لمسست، فالتفت إلي جبريل كأنه جلس لاطئ فعرفت فضل علمه بالله علي. وفتح لي باب من أبواب السماء ورأيت النور الأعظم، وإذا دون الحجاب رفرفة الدر والياقوت، وأوحي إلي ما شاء الله أن يوحي\" ثم قال البزار: \"لا يرويه إلا الحارث بن عبيد، وكان رجلًا مشهورًا من أهل البصرة\" (^٥).\nقلت: الحارث بن عبيد هذا هو أبو قدامة الأيادي أخرج له مسلم في صحيحه إلا أن ابن معين ضعفه، وقال: ليس هو بشيء، وقال الإمام أحمد: مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم\n_________\n(^١) معاني القرآن ٣/ ٩٥، واستشهد به الطبري.\n(^٢) أخرجه البخاري (الصحيح، التعبير، باب أول ما بدء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة ح ٦٩٨٢).\n(^٣) سيأتي تخريجه بعد الرواية التالية.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: حلقه.\n(^٥) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (مختصر زوائد مسند البزار ١/ ٩٤، ٩٥ ح ٣٤) وقال ابن حجر في الحارث بن عبيد: أخرج له الشيخان وهو مع ذاك له مناكير هذا منها. ولهذا قرر الحافظ تضعيف سند هذا الحديث.","vol":"7","page":57},{"text":"الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن حبان: كثُر وهمه فلا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، فهذا الحديث من غرائب رواياته، فإن فيه نكارة وغرابة ألفاظ وسياقًا عجيبًا ولعله منام، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله أنه قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم (^١). انفرد به أحمد.\nوقال أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن إدريس بن منبه، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس قال: سأل النبي ﷺ جبريل أن يراه في صورته فقال: ادع ربك، فدعا ربه ﷿ فطلع عليه سواد من قبل المشرق فجعل يرتفع وينتشر، فلما رآه النبي ﷺ صعق، فأتاه فنعشه ومسح البزاق عن شدقه (^٢). تفرد به أحمد.\nوقد رواه ابن عساكر في ترجمة عُتبة بن أبي لهب من طريق محمد بن إسحاق، عن عثمان بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن هبار بن الأسود قال: كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام فتجهزت معهما، فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقنَّ إلى محمد ولآذينه في ربه ﷾، فانطلق حتى أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد هو يكفر بالذي دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فقال النبي ﷺ: \"اللَّهم سلط عليه كلبًا من كلابك\" ثم انصرف عنه فرجع إلى أبيه فقال: يا بُني ما قلت له، فذكر له ما قاله، فقال: فما قال لك؟ قال: قال: \"اللَّهم سلط عليه كلبًا من كلابك\" قال: يا بُني والله ما آمن عليك دعاءه، فسرنا حتى نزلنا الشراة وهي مأسدة، ونزلنا إلى صومعة راهب فقال الراهب: يا معشر العرب، ما أنزلكم هذه البلاد فإنها يسرح الأسد فيها كما تسرح الغنم. فقال لنا أبو لهب: إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة، والله ما آمنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة وافرشوا لابني عليها ثم افرشوا حولها، ففعلنا فجاء الأسد فشمَّ وجوهنا فلما لم يجد ما يريد تقبض فوثب وثبة فإذا هو فوق المتاع، فشمَّ وجهه ثم هزمه هزمةً ففسخ رأسه فقال أبو لهب: قد عرفت أنه لا ينفلت عن دعوة محمد (^٣).\n\n<span id=\"aya-4793\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ أي: فاقترب جبريل إلى محمد لما هبط عليه إلى الأرض حتى كان بينه وبين محمد ﷺ قاب قوسين؛ أي: بقدرهما إذا مُدَّا، قاله مجاهد وقتادة (^٤). وقد قيل: إن المراد بذلك بُعد ما بين وتر القوس إلى كِبدها.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٩٤ ح ٣٧٤٨) وضعف سنده محققوه إذ أعلّوه بشريك وهو ابن عبد الله النخعي. اهـ. ولكن الشق الأول له شواهد صحيحة ستأتي.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١١٨ ح ٢٩٦٥) وضعف سنده محققوه، وأعلّوه بإدريس بن منبه. والشدق هو جانب الفم من باطن الخدين.\n(^٣) أخرجه الحاكم من حديث أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه مختصرًا وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٣٩) وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٤/ ٣٩).\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"جبريل\".","vol":"7","page":58},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ قد تقدم أن هذه الصيغة تستعمل في اللغة لإثبات المخبر عنه ونفي ما زاد عليه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] أي: ما هي بألين من الحجارة، بل هي مثلها أو تزيد عليها في الشدة والقسوة وكذا قوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧] وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات] أي: ليسوا أقل منها بل هم مائة ألف حقيقة أو يزيدون عليها. فهذا تحقيق للمخبر به لا شك ولا تردد فإن هذا ممتنع وهكذا ههنا هذه الآية ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ وهذا الذي قلناه من أن هذا المقترب الداني الذي صار بينه وبين محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إنما هو جبريل ﵇، وهو قول أُم المؤمنين عائشة وابن مسعود وأبي ذرٍّ وأبي هريرة، كما سنورد أحاديثهم قريبًا إن شاء الله تعالى.\nوروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين فجعل هذه إحداهما، وجاء في حديث شريك بن أبي نمر، عن أنس في حديث الإسراء: ثم دنا الجبار ربُّ العزة فتدلى (^١)، ولهذا قد تكلم كثير من الناس في متن هذه الرواية وذكروا أشياء فيها من الغرابة، فإن صحَّ فهو محمول على وقت آخر وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية، فإن هذه كانت ورسول الله ﷺ في الأرض لا ليلة الإسراء، ولهذا قال بعده: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ فهذه هي ليلة الإسراء والأولى كانت في الأرض.\nوقد قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، حدثنا زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود في هذه الآية ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت جبريل له ستمائة جناح\" (^٢).\nوقال ابن وهب: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة قالت: كان أول شأن رسول الله ﷺ أنه رأى في منامه جبريل بأجياد، ثم إنه خرج ليقضي حاجته فصرخ به جبريل: يا محمد يا محمد! فنظر رسول الله يمينًا وشمالًا فلم يرَ أحدًا ثلاثًا، ثم رفع بصره فإذا هو ثاني إحدى رجليه مع الأخرى على أفق السماء فقال: يا محمد جبريل يسكنه، فهرب النبي ﷺ حتى دخل في الناس، فنظر فلم يرَ شيئًا، ثم خرج من الناس ثم نظر فرآه فدخل في الناس فلم يرَ شيئًا، ثم خرج فنظر فرآه، فذلك قول الله ﷿ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ يعني: جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ ويقولون: ألقاب نصف أصبع، وقال بعضهم: ذراعين كان بينهما، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث ابن وهب به (^٣). وفي حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر شاهدًا لهذا. [وروى\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ١، وعلة هذا الحديث في وهم شريك بن أبي نمر وقد أحصى الحافظ ابن حجر أوهامه في حديث الإسراء والمعراج (ينظر: فتح الباري ١٣/ ٤٨٥).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وله شاهد في الصحيحين من حديث جابر ﵁ كما سيأتي بعد الروايتين التاليتين.\n(^٣) أخرجه الطبري عن ابن وكيع عن ابن وهب به، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان، وابن لهيعة وكلاهما فيهما مقال.","vol":"7","page":59},{"text":"البخاري، عن طلق بن غنام، عن زائدة، عن الشيباني قال: سألت زرًّا عن قوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾\n\n<span id=\"aya-4794\"></span>﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ قال: حدثنا عبد الله أن محمدًا ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح (^١).\nوقال ابن جرير: حدثني ابن بزيع البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حلتا رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض] (^٢) (^٣). فعلى ما ذكرناه يكون قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ معناه فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى، أو فأوحى الله إلى عبده محمد ما أوحى بواسطة جبريل، وكلا المعنيين صحيح.\nوقد ذُكر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ قال: أوحى الله إليه ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ [الضحى: ٦]، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح].\nوقال غيره: أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك (^٤).\n\n<span id=\"aya-4795\"></span>\n\n<span id=\"aya-4796\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾ قال مسلم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ قال: رآه بفؤاده مرتين (^٥). وكذا رواه سماك عن عكرمة، عن ابن عباس مثله (^٦)، وكذا قال أبو صالح والسدي وغيرهما: إنه رآه بفؤاده مرتين (^٧)، وقد خالفه ابن مسعود وغيره. وفي رواية عنه أنه أطلق الرؤية وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد، ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة ﵃، وقول البغوي في تفسيره وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة فيه نظر (^٨)، والله أعلم.\nوقال الترمذي: حدثنا محمد بن عمرو بن المنهال بن صفوان، حدثنا يحيى بن كثير العنبري، عن سلمة بن جعفر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه، قلت: أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؟ قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين. ثم قال: حسن غريب (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه الصحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. ويشهد له سابقه.\n(^٣) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره (٤/ ٢٤٦).\n(^٥) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الإيمان، باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم] ح ٢٨٥).\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق سماك بن حرب به، وفي رواية سماك عن عكرمة اضطراب، ولكنه توبع كما تقدم في رواية مسلم، وإن صحَّ عن ابن عباس فإنه قول مرجوح كما سيأتي.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق السدي عن أبي صالح، وحكمه كسابقه في أنه قول مرجوح.\n(^٨) ذكره البغوي ونسبه إليهم ثلاثتهم. (التفسير ٤/ ٢٤٧).\n(^٩) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، التفسير، باب ومن سورة النجم ح ٣٢٧٥) وضعف سنده الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٦٤٧).","vol":"7","page":60},{"text":"وقال أيضًا: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي قال: لقي ابن عباس كعبًا بعرفة فسأله عن شيء، فكبَّر حتى جاوبته الجبال، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم، فقال كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين.\nوقال مسروق: دخلت على عائشة فقلت: هل رأى محمد ربه، فقالت: لقد تكلمت بشيء قُفَّ له شعري فقلت: رويدًا، ثم قرأتُ ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ فقالت: أين يذهب بك إنما هو جبريل، من أخبرك أن محمدًا رأى ربه أو كتم شيئًا مما أمر به أو [يعلم الخمس التي] (^١) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤] فقد أعظم على الله الفرية [ولكنه رأى] (^٢) جبريل، لم يره في صورته إلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد وله ستمائة جناح قد سدَّ الأفق (^٣).\nوقال النسائي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد عليهم الصلاة والسلام (^٤).\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ قال: سألت رسول الله ﵌: هل رأيت ربك؟ فقال: \"نور أنَّى أراه\" (^٥)، وفي رواية: \"رأيت نورًا\" (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب قال: قالوا: يا رسول الله رأيت ربك؟ قال: \"رأيته بفؤادي مرتين\" ثم قرأ ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾. ورواه ابن جرير عن ابن حميد، عن مهران، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قلنا يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: \"لم أره بعيني ورأيته بفؤادي مرتين\" ثم تلا: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ (^٧).\nثم قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرني عباد بن منصور قال: سألت عكرمة عن قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ فقال عكرمة: تريد أن أخبرك أنه قد رآه، قلت نعم، قال: قد رآه ثم قد رآه، قال: فسألت عنه الحسن فقال: قد رأى جلاله وعظمته ورداءه (^٨).\nوحدثنا أبي، حدثنا محمد بن مجاهد، حدثنا أبو عامر العقدي، أخبرنا أبو خلدة، عن أبي العالية قال: سئل رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ قال: \"رأيت نهرًا ورأيت وراء النهر حجابًا، ورأيت وراء الحجاب نورًا لم أر غيره\" (^٩). وذلك غريب جدًا، فأما الحديث الذي رواه الإمام\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٢) زيادة من (حم) و(مح).\n(^٣) المصدر السابق (ح ٣٢٧٤). وسنده ضعيف لضعف مجالد، وأما قول مسروق فقد أخرجه مسلم من طريق الشعبي عن مسروق (الصحيح، الإيمان، باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم] ح ١٧٧).\n(^٤) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم] ح ١١٥٣٩)، وأخرجه الحاكم من طريق إسحاق بن إبراهيم به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٦٩).\n(^٥) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٧٨).\n(^٦) المصدر السابق (ح ١٧٨/ ٢٩٢).\n(^٧) سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي.\n(^٨) سنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٩) سنده ضعيف لأنه مرسل.","vol":"7","page":61},{"text":"أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت ربي ﷿\" (^١). فإنه حديث إسناده على شرط الصحيح، لكنه مختصر من حديث المنام كما رواه الإمام أحمد أيضًا: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"أتاني ربي الليلة في أحسن صورة - أحسبه يعني في النوم\" - فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي - أو قال نحري - فعلمت ما في السماوات وما في الأرض. ثم قال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: نعم، يختصمون في الكفارات والدرجات، قال: وما الكفارات؟ قال: قلت المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاع الوضوء في المكاره، من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: قل يا محمد إذا صليت: اللَّهمَّ إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضني إليك غير مفتون قال: \"والدرجات بذل الطعام وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام\" (^٢). وقد تقدم في آخر سورة ص عن معاذ نحوه (^٣).\nوقد رواه ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس وفيه سياق آخر وزيادة غريبة فقال: حدثني أحمد بن عيسى التميمي، حدثني سليمان بن عمر بن سيار، حدثني أبي، عن سعيد بن زربي، عن عمر بن سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: \"رأيت ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا يا ربِّ، فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماوات والأرض فقلت: يا ربِّ في الدرجات والكفارات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فقلت: يا ربِّ إنك اتخذت إبراهيم خليلًا وكلمت موسى تكليمًا وفعلت وفعلت، فقال: ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك؟ ألم أفعل بك ألم أفعل بك؟ قال: فأفضى إليَّ بأشياء لم يؤذن لي أن أحدثكموها قال: فذاك قوله في كتابه: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ فجعل نور بصري في فؤادي فنظرت إليه بفؤادي\" (^٤) إسناده ضعيف.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٥٠، ٣٥١ ح ٢٥٧٩) وقال محققوه: صحيح موقوفًا، وهذا إسناد رجاله رجال الصحيح، وحماد بن سلمة، وهو من رجال مسلم، قال ابن سعد في الطبقات ٧/ ٢٨٢، ثقة كثير الحديث وربما حدث بالحديث المنكر، وقال البيهقي في الخلافيات فيما نقله الحافظ الذهبي في السير ٧/ ٤٥٢، لما طعن في السن ساء حفظه … فالاحتياط أن لا يحتج به فيما يخالف الثقات.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٣٨ ح ٣٤٨٤)، وضعف سنده محققوه لأن أبا قلامة، واسمه عبد الله بن زيد الجرمي، لم يسمع من ابن عباس. وأخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/ ٣٤ من طريق الإمام أحمد بن حنبل بهذا الإسناد.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة ص آية ٦٩.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن سعيد بن زربي منكر الحديث. (التقريب ص ٢٣٥).","vol":"7","page":62},{"text":"وقد ذكر الحافظ ابن عساكر بسنده إلى هبار بن الأسود ﵁ أن عتبة بن أبي لهب لما خرج في تجارة إلى الشام قال لأهل مكة اعلموا أني كافر بالذي دنا فتدلى، فبلغ قوله رسول الله ﷺ فقال: سلط الله عليه كلبًا من كلابه. قال هبار: فكنت معهم فنزلنا بأرض كثيرة الأسد، قال: فلقد رأيت الأسد جاء فجعل يشمُّ رؤوس القوم واحدًا واحدًا حتى تخطى إلى عتبة فاقتطع رأسه من بينهم (^١).\nوذكر ابن إسحاق وغيره في السيرة أن ذلك كان بأرض الزرقاء وقيل: بالسراة، وأنه خالف ليلتئذ، وأنهم جعلوه بينهم وناموا من حوله فجاء الأسد فجعل يزأر ثم تخطاهم إليه فضغم رأسه لعنه الله.\n\n<span id=\"aya-4797\"></span>\n\n<span id=\"aya-4798\"></span>\n\n<span id=\"aya-4799\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ هذه هي المرة الثانية التي رأى رسول الله ﷺ فيها جبريل على صورته التي خلقه الله عليها وكانت ليلة الإسراء. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الإسراء بطرقها وألفاظها في أول سورة سبحان بما أغنى عن إعادته ههنا، وتقدم أن ابن عباس ﵄ كان يثبت الرؤية ليلة الإسراء ويستشهد بهذه الآية، وتابعه جماعة من السلف والخلف، وقد خالفه جماعات من الصحابة ﵃ والتابعين وغيرهم، وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زرٍّ بن حبيش، عن ابن مسعود في هذه الآية ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينتثر منه ريش التهاويل من الدر والياقوت\" (^٢). وهذا إسناد جيد قوي.\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سدَّ الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل من الدر والياقوت ما الله به أعلم (^٣). إسناده حسن أيضًا.\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين، حدثني عاصم بن بهدلة قال: سمعت شقيق بن سلمة يقول: سمعت ابن مسعود يقول قال رسول الله ﷺ: \"رأيت جبريل على سدرة المنتهى وله ستمائة جناح\" سألت عاصمًا عن الأجنحة فأبى أن يخبرني، قال فأخبرني بعض أصحابه أن الجناح ما بين المشرق والمغرب (^٤). وهذا أيضًا إسناد جيد.\nوقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا حسين، حدثنا عاصم بن بهدلة، حدثني شقيق بن سلمة قال: سمعت ابن مسعود يقول قال رسول الله ﷺ: \"أتاني جبريل ﵇ في خضر معلق به الدر\" (^٥). إسناده جيد أيضًا.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤٦٠) وسنده حسن.\n(^٣) حسن سنده الحافظ ابن كثير. ويشهد له سابقه. والشطر الأول في صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم] (ح ٤٨٥٧)، وباب ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم] (ح ٤٨٥٨).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤١٠ ح ٣٨٦٢) وحسنه محققوه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٣٨٦٣) وصحح سنده محققوه.","vol":"7","page":63},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن إسماعيل، حدثنا عامر قال: أتى مسروق عائشة فقال يا أُم المؤمنين هل رأى محمد ﷺ ربه ﷿؟ قالت: سبحان الله لقد قُفَّ شعري لما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب ثم قرأت ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] ومن أخبرك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية. ومن أخبرك أن محمدًا قد كتم فقد كذب، ثم قرأت ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين (^١).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق قال: كنت عند عائشة فقلت: أليس الله يقول: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سألت رسول الله ﷺ عنها فقال: \"إنما ذاك جبريل\" (^٢) لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين، رآه منهبطًا من السماء إلى الأرض سادًّا عظم خلقه ما بين السماء والأرض، أخرجاه في الصحيحين من حديث الشعبي به.\nرواية أبي ذر:\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام: حدثنا قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذرٍّ: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته. قال: وما كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأى ربه ﷿؟ فقال: إني قد سألته فقال: \"قد رأيته نورًا أنَّى أراه\" (^٣). هكذا وقع في رواية الإمام أحمد وقد أخرجه مسلم من طريقين بلفظين فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذرٍّ قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: \"نور أنى أراه\" (^٤).\nوقال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذرٍّ: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته. فقال: عن أي شيء تسأله؟ قال: قلت: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ قال أبو ذرٍّ: قد سألته فقال: \"رأيت نورًا\" (^٥).\nوقد حكى الخلال في علله أن الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث فقال: ما زلت منكرًا له وما أدري ما وجهه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عون الواسطي، أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحكم، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ قال: رآه بقلبه ولم يره بعينه (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٤١) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الجن] (ح ٧٣٨٠)، وصحيح مسلم، الإيمان باب معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم] (ح ١٧٧/ ٢٩٠).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٤٧) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٧٨/ ٢٩١).\n(^٥) المصدر السابق (ح ١٧٨/ ٢٩٢).\n(^٦) متنه مخالف لما ثبت في الصحيح عن أبي ذرٍّ ﵁ كما في سابقه.","vol":"7","page":64},{"text":"وحاول ابن خزيمة أن يدعي انقطاعه بين عبد الله بن شقيق وبين أبي ذرٍّ، وأما ابن الجوزي فتأوله على أن أبا ذرٍّ لعله سأل رسول الله ﷺ قبل الإسراء فأجابه بما أجابه به، ولو سأله بعد الإسراء لأجابه بالإثبات، وهذا ضعيف جدًا، فإن عائشة أم المؤمنين ﵂ قد سألت عن ذلك بعد الإسراء ولم يثبت لها الرؤية، ومن قال إنه خاطبها على قدر عقلها أو حاول تخطئتها فيما ذهبت إليه كابن خزيمة في كتاب التوحيد، فإنه هو المخطئ والله أعلم.\nوقال النسائي: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشام، عن منصور، عن الحكم، عن يزيد بن شريك، عن أبي ذرٍّ قال: رأى رسول الله ﷺ ربه بقلبه ولم يره ببصره (^١). وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ قال رأى جبريل ﵇ (^٢).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته مرتين (^٣)، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس وغيرهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-4800\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ قد تقدم في أحاديث الإسراء أنه غشيتها الملائكة مثل الغربان وغشيها نور الربِّ وغشيتها ألوان ما أدري ما هي (^٥)؟ وقال الإمام أحمد: حدثنا مالك بن مغول، حدثنا الزبير بن عدي، عن طلحة، عن مُرَّة، عن عبد الله هو ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ قال فراش من ذهب، قال: وأعطى رسول الله ﷺ ثلاثًا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئًا من أمته المقحمات (^٦). انفرد به مسلم.\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي هريرة أو غيره - شك أبو جعفر - قال: لما أُسري برسول الله ﷺ انتهى إلى السدرة، فقيل له إن هذه السدرة، فغشيها نور الخلاق وغشيتها الملائكة مثل الغربان حين يقعن على الشجر، وقال فكلمه عند ذلك فقال له سَل (^٧).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ قال كان أغصان السدرة لؤلؤًا\n_________\n(^١) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير ح ١١٥٣٦) وحكمه كسابقه.\n(^٢) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٧٥/ ٢٨٣).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سلمة بن كهيل عن مجاهد وهو مرسل ويشهد له ما تقدم في الأحاديث السابقة وفي بداية تفسير سورة الإسراء.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس.\n(^٥) تقدم في تفسير سورة الإسراء آية ١.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤٢٢) وسنده صحيح وأخرجه الإمام مسلم من طريق مالك بن مغول به (الصحيح، الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى ح ١٧٣).\n(^٧) تقدم تخريجه وتضعيفه في بداية تفسير سورة الإسراء، وفيه شك أبي جعفر وهو سيئ الحفظ.","vol":"7","page":65},{"text":"وياقوتًا وزبرجدًا، فرآها النبي ﷺ ورأى ربه بقلبه (^١).\nوقال ابن زيد: قيل: يا رسول الله؛ أي: شيء رأيت يغشى تلك السدرة؟ قال: \"رأيت يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكًا قائمًا يسبح الله ﷿\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-4801\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ قال ابن عباس: ما ذهب يمينًا ولا شمالًا ﴿وَمَا طَغَى﴾ ما جاوز ما أمر به، وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة فإنه ما فعل إلا ما أمر به ولا سأل فوق ما أعطي، وما أحسن ما قال الناظم:\nرأى جنة المأوى وما فوقها ولو … رأى غيره ما قد رآه لتاها (^٣)\n\n<span id=\"aya-4802\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ كقوله: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [طه: ٢٣] أي: الدالة على قدرتنا وعظمتنا، وبهاتين الآيتين استدل من ذهب من أهل السنة أن الرؤية تلك الليلة لم تقع لأنه قال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ ولو كان رأى ربه لأخبر بذلك ولقال ذلك للناس، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة سبحان.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد بن طلحة، عن الوليد بن قيس، عن إسحاق بن أبي الكهتلة قال محمد أظنه عن ابن مسعود أنه قال: إن محمدًا لم يرَ جبريل في صورته إلا مرتين: أما مرة فإنه سأله أن يريه نفسه في صورته فأراه صورته فسد الأفق، وأما الأخرى فإنه صعد معه حين صعد به، وقوله: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ فلما أحَسّ جبريل ربه ﷿ عاد في صورته وسجد، فقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ قال: خلق جبريل ﵇ (^٤)، وهكذا رواه أحمد وهو غريب.\n\n<span id=\"aya-4803\"></span>\n\n<span id=\"aya-4804\"></span>﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾.\nيقول تعالى مقرعًا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان، واتخاذهم البيوت لها مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن ﵇: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾؟ وكانت اللَّات صخرة بيضاء منقوشة وعليها بيت بالطائف، له أستار وسدنة وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند رجاله ثقات من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري وسنده معضل ويشهد لقوله: \"رأيت يغشاها فراش من ذهب\" أحاديث صحيحة تقدم ذكرها في بداية تفسير سورة الإسراء.\n(^٣) لم أقف على اسم قائله.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤١١ ح ٣٨٦٤) وضعف سنده محققوه لجهالة حال إسحاق بن أبي الكهتلة. ولكن شطره الأول في رواية جبريل مرتين له شواهد صحيحة تقدم ذكرها.","vol":"7","page":66},{"text":"ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش.\nقال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله فقالوا: اللَّات، يعنون: مؤنثة منه، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرأوا ﴿اللَّاتَ﴾ بتشديد التاء، وفسروه بأنه كان رجلًا يلتُّ للحجيج في الجاهلية السويق (^١)، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه (^٢).\nوقال البخاري: \"حدثنا مسلم هو ابن إبراهيم، حدثنا أبو الأشهب، حدثنا أبو الجوزاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قال: كان اللات رجلًا يلتُّ السويق سويق الحجاج، قال ابن جرير: وكذا العزى من العزيز، وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة (^٣)، وهي بين مكة والطائف، وكانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله ﷺ: [قولوا] (^٤) الله مولانا ولا مولى لكم\" (^٥).\nوروى البخاري من حديث الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حلف فقال في حلفه واللّات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعالَ أقامرك (^٦) فليتصدق\" (^٧) فهذا محمول على من سبق لسانه في ذلك كما كانت ألسنتهم قد اعتادته في زمن الجاهلية، كما قال النسائي: أخبرنا أحمد بن بكار، وعبد الحميد بن محمد قالا: حدثنا مخلد، حدثنا يونس، عن أبيه، حدثني مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: حلفت باللات والعزى، فقال لي أصحابي: بئس ما قلت! قلت هجرًا (^٨). فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: \"قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وانفث عن شمالك ثلاثًا، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم لا تعد\" (^٩).\nوأما مناة فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة. وروى البخاري عن عائشة نحوه (^١٠)، وقد كان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ (الصحيح، التفسير، باب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم] ح ٤٨٥٩). والسويق: طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، ولتَّ السويق أي: خلطه بالسمن.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه، والقراءة متواترة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) أخرجه البخاري (الصحيح، المغازي، باب غزوة أحد ح ٤٠٤٣).\n(^٦) قال الخطابي: أي: بالمال الذي كان يريد أن يقامر به، وقيل: بصدقة ما لتكفر عنه القول الذي جرى على لسانه. قال النووي: وهذا هو الصواب (ينظر: فتح الباري ٨/ ٦١٢).\n(^٧) أخرجه البخاري من طريق معمر عن الزهري به. (الصحيح، التفسير، باب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ ح ٤٨٦٠).\n(^٨) أي: القبيح من الكلام.\n(^٩) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن، الأيمان والنذور، باب الحلف باللات والعزى ٧/ ٨). وفي سنده يونس بن أبي إسحاق السبيعي وهو صدوق يهم قليلًا (التقريب ص ٦١٣).\n(^١٠) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم] (ح ٤٨٦١).","vol":"7","page":67},{"text":"بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة. غير هذه الثلاثة التي نصَّ عليها في كتابه العزيز، وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها.\nقال ابن إسحاق في السيرة: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة. لها سدنة وحجاب وتهدى لها كما يهدى للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم ﵇ ومسجده: فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة، وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم، حلفاء بني هاشم (^١). قلت: بعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فهدمها وجعل يقول:\nيا عُزى كفرانك لا سبحانك … إني رأيت الله قد أهانك\nوقال النسائي: أخبرنا علي بن المنذر، أخبرنا ابن فضيل، حدثنا الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال: \"ارجع فإنك لم تصنع شيئًا\" فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة وهم حجبتها أمعنوا في الحيل وهم يقولون: يا عُزى، يا عُزى، فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، فغمسها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال: \"تلك العزى! \" (^٢).\nقال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بني معتب.\nقلت: وقد بعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة، وأبا سفيان صخر بن حرب، فهدماها وجعلا مكانها مسجدًا بالطائف. قال ابن إسحاق: كانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، فبعث رسول الله ﷺ إليها أبا سفيان صخر بن حرب فهدمها، ويقال علي بن أبي طالب قال: وكانت ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة.\nقلت: وكان يقال لها: الكعبة اليمانية، وللكعبة التي بمكة الكعبة الشامية، فبعث إليه رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي فهدمه، قال: وكانت فَلْس لطيء ومن يليها بجبل طيء من سلمى وأجا.\nقال ابن هشام: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ يبعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه، واصطفى منه سيفين: الرسوف والمخذَم، فنفله إياهما رسول الله ﷺ فهما سيفا علي (^٣).\nقال ابن إسحاق: وكان لحميرَ وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له: ريام، وذكر أنه كان به كلب\n_________\n(^١) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٨٣).\n(^٢) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم] ح ١١٥٤٧)، وأخرجه أبو يعلى من طريق محمد بن فضيل به (المسند ٢/ ١٩٦ ح ٩٠٢) وصحح سنده محققه.\n(^٣) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٨٧).","vol":"7","page":68},{"text":"أسود وأن الحبرين اللذين ذهبا مع [تبع] (^١) استخرجاه وقتلاه وهدما البيت.\nقال ابن إسحاق: وكانت \"رُضاء\" بيتًا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام.\nولقد شددت على رضاء شدة … فتركتها قفرًا بقاع أسمحا\nقال ابن هشام: إنه عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة وهو القائل:\nولقد سئمت من الحياة وطولها … وعمرت من عدد السنين مئينا\nمائة حدتها بعدها مائتان لي … وعمرتُ من عدد الشهور سنينا\nهل ما بقي إلا كما قد فاتنا … يوم يمرُّ وليلة تحدونا\nوقال ابن إسحاق: وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد، وله يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة:\nبين الخورنق والسدير وبارق … والبيت ذي الكعبات من سنَداد (^٢)\nولهذا قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾\n\n<span id=\"aya-4805\"></span>\n\n<span id=\"aya-4806\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾ أي: أتجعلون له ولدًا وتجعلون ولده أنثى، وتختارون لأنفسكم الذكور، فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أي: جورًا باطلة، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورًا وسفهًا.\n\n<span id=\"aya-4807\"></span>وقال تعالى منكرًا عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من الكذب والافتراء والكفر من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ أي: من تلقاء أنفسكم ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ أي: ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين. ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أي: ولقد أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاءوهم به ولا انقادوا له.\n\n<span id=\"aya-4808\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)﴾ أي: ليس كل من تمنى خيرًا حصل له ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣] ما كل من زعم أنه مهتد يكون كما قال، ولا كل من ودَّ شيئًا يحصل له.\nقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى، فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته\" (^٣). تفرد به أحمد.\n\n<span id=\"aya-4809\"></span>وقوله: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ أي: إنما الأمر كله لله مالك الدنيا والآخرة والمتصرف في الدنيا والآخرة، فهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٨٧، ٨٨).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ٣١٦ ح ٨٦٨٩) وضعف سنده محققوه لضعف عمر بن أبي سلمة عند التفرد.","vol":"7","page":69},{"text":"<span id=\"aya-4810\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] فماذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟\n\n<span id=\"aya-4811\"></span>\n\n<span id=\"aya-4812\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى، وجعلهم لها أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف] ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: ليس لهم علم صحيح يُصَدّق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي: لا يجدي شيئًا ولا يقوم أبدًا مقام الحق، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث\" (^١).\n\n<span id=\"aya-4813\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجره.\n\n<span id=\"aya-4814\"></span>وقوله: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: وإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا، فذاك هو غاية ما لا خير فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: طلب الدنيا والسعي لها غاية ما وصلوا إليه. وقد روى الإمام أحمد، عن أُم المؤمنين عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له\".\nوفي الدعاء المأثور \"اللَّهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ عملنا\" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ أي: هو الخالق لجميع المخلوقات والعالم بمصالح عباده، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته وهو العادل الذي لا يجوز أبدًا لا في شرعه ولا في قدره.\n\n<span id=\"aya-4815\"></span>\n\n<span id=\"aya-4816\"></span>﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾.\nيخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه الغني عما سواه الحاكم في خلقه بالعدل وخلق الخلق بالحق ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ أي: يجازي كلًا بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، ثم فسَّر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش؛ أي: لا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحجرات آية ١٢.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ١٨.","vol":"7","page":70},{"text":"يتعاطون المحرمات الكبائر وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء] وقال ههنا: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ وهذا استثناء منقطع؛ لأن اللَّمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللَّمم مما قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه\" (^١) أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن الأعمش، عن أبي الضحى أن ابن مسعود قال: زنا العينين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانيًا وإلا فهو اللَّمم (^٣)، وكذا قال مسروق والشعبي (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن نافع - الذي يقال له: ابن لبابة الطائفي - قال: سألت أبا هريرة عن قول الله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة، فإذا مسَّ الختان الختان فقد رجب الغسل، وهو الزنا (^٥).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ إلا ما سلف (^٦). وكذا قال زيد بن أسلم (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: الذي يلم بالذنب ثم يدعه، قال الشاعر:\nإن تغفر اللَّهمَّ تغفر جمًا … وأي عبدٍ لك ما ألمًا؟ (^٨)\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: الرجل يلم بالذنب ثم ينزع عنه. قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون:\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٧٦) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الإستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج (ح ٦٣٤٣) وصحيح مسلم، القدر، باب قدر الله على ابن آدم حظه من الزنى وغيره (ح ٢٦٥٧).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق معمر به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٧٠).\n(^٤) أخرجهما الطبري مختصرًا ويشهد لهما سابقهما.\n(^٥) أخرجه مسدد والطبري من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم عن عبد الرحمن بن نافع به. (ينظر: المطالب العالية، المسندة، ٤/ ١٦٤ ح ٣٧٤٤) وعبد الرحمن بن نافع لم أجد له ترجمة ولمعظمه شواهد صحيحة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وليس عن زيد بن أسلم، بنحوه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، والبيت لأمية بن الصلت كما في ديوانه ص ٥٨.","vol":"7","page":71},{"text":"إن تغفر اللَّهم تغفر جمًا … وأي عبدٍ لك ما ألما (^١)؟\nوقد رواه ابن جرير وغيره مرفوعًا قال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: هو الرجل الذي يلمُّ بالفاحشة ثم يتوب. وقال: قال رسول الله ﷺ:\nإن تغفر اللهم تغفر جمًا … وأي عبد لك ما ألما (^٢)؟\nوهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن عثمان أبي عثمان البصري، عن أبي عاصم النبيل ثم قال: هذا حديث صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق (^٣)، وكذا قال البزار: لا نعلمه يروى متصلًا إلا من هذا الوجه، وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل، وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة تنزيل، وفي صحته مرفوعًا نظر.\nثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيغ، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا يونس، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ أراه رفعه في: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: اللَّمم من الزنا ثم يتوب ولا يعود. واللَّمم من السرقة ثم يتوب ولا يعود، واللَّمم من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود، قال: فذلك الإلمام (^٤).\nوحدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: اللَّمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر ثم لا يعود إليه (^٥).\nوحدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن في قول الله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: هو الرجل يصيب اللَّمة من الزنا، واللَّمة من شرب الخمر فيجتنبها ويتوب منها (^٦).\nوقال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ يلمُّ بها في الحين قلت: الزنا؟ قال: الزنا ثم يتوب (^٧).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس ﵁ قال: اللَّمم، الذي يلمَّ المرة (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف لكنه توبع في الرواية السابقة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق زكريا بن إسحاق المكي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٦٩) وصححه الألباني كما سيأتي، ولكن الحافظ ابن كثير شكك في صحة رفعه.\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة النجم (ح ٣٢٨٠) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦١٨).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده منقطع لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى الحسن.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ورجاله ثقات وسنده صحيح.","vol":"7","page":72},{"text":"وقال السدي: قال أبو صالح سئلت عن اللمم فقلت: هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب، وأخبرت بذلك ابن عباس فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم (^١)، حكاه البغوي.\nوروى ابن جرير من طريق المثنى بن الصباح - وهو ضعيف - عن عمرو بن شعيب أن عبد الله بن عمرو قال: اللمم ما دون الشرك (^٢).\nوقال سفيان الثوري: عن جابر الجعفي، عن عطاء، عن ابن الزبير ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: ما بين الحدّين حدّ الدنيا وعذاب الآخرة (^٣). وكذا رواه شعبة عن الحكم، عن ابن عباس مثله سواء (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ كل شيء بين الحدّين حد الدنيا وحد الآخرة، تكفره الصلوات فهو اللمم، وهو دون كل موجب، فأما حدّ الدنيا فكل حدّ فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حدّ الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار وأخر عقوبته إلى الآخرة (^٥). وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي: رحمته وسعت كل شيء ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر].\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: هو بصير بكم عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي ستصدر عنكم، وتقع منكم حين أنشأ أباكم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذرّ، ثم قسمهم فريقين: فريقًا للجنة وفريقًا للسعير. وكذا قوله: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ قد كتب الملك الذي يوكل به رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد؟\nقال مكحول: كنَّا أجنةً في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط، وكنا فيمن بقي ثم كنا مراضع فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابًا فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شيوخًا لا أبا لك فماذا بعد هذا ننتظر؟ رواه ابن أبي حاتم عنه.\nوقوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء].\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث، عن\n_________\n(^١) أخرجه البغوي عن السدي، وسنده ضعيف لضعف أبي صالح وهو باذام أو باذان مولى أم هاني ﵂.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه المثنى بن الصباح وقد ضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٣) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن مهران عن سفيان به، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد المتقدم قبل ثلاث روايات، وفيه جابر الجعفي أيضًا.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق شعبة به، والحكم هو ابن عُتيبة لم يسمع من ابن عباس، وسنده منقطع.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق العوفي به وسنده ضعيف.\n(^٦) أخرجه الطبري وفي سنده ابن حميد وهو ضعيف كما تقدم، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":73},{"text":"يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي بَرَّة فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم وسميت بَرَّة، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تزكوا أنفسكم إن الله أعلم بأهل البر منكم\" فقالوا: بمَ نسميها؟ قال: \"سموها زينب\" (^١).\nوقد ثبت أيضًا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: مدح رجل رجلًا عند النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"ويلك قطعت عنق صاحبك - مرارًا - إذا كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك\" (^٢). ثم رواه عن غُندر، عن شعبة، عن خالد الحذاء به (^٣)، وكذا رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من طرق عن خالد الحذاء به (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: أخبرنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه قال: فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب ويقول: أمرنا رسول الله ﷺ إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب (^٥). ورواه مسلم وأبو داود من حديث الثوري [عن منصور] (^٦) به (^٧).\n\n<span id=\"aya-4817\"></span>﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾.\nيقول تعالى ذامًّا لمن تولى عن طاعة الله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ [القيامة]\n\n<span id=\"aya-4818\"></span>﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤)﴾ قال ابن عباس: أطاع قليلًا ثم قطعه (^٨)، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وغير واحد (^٩).\nقال عكرمة وسعيد: كمثل القوم إذا كانوا يحفرون بئرًا، فيجدون في أثناء الحفر صخرة تمنعهم من تمام العمل فيقولون أكدينا ويتركون العمل.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الأداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن ح ٢١٤٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٦) وسنده صحيح.\n(^٣) المسند ٥/ ٤١ وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، الشهادات، باب إذا زكى رجل رجلًا كفاه (ح ٢٦٦٢) وصحيح مسلم، الزهد، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط (ح ٣٠٠٠)، وسنن أبي داود، الأدب، باب في كراهية التمادح (ح ٤٨٠٥)، وسنن ابن ماجه، الأدب، باب المدح (ح ٣٧٤٤).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٥) وسنده صحيح.\n(^٦) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٧) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٣٠٠٢)، وسنن أبي داود، الباب السابق (ح ٤٨٠٤).\n(^٨) أخرجه الطبري بسندين يقوي بعضهما بعضًا ويتقويان بالآثار التالية.\n(^٩) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن عكرمة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.","vol":"7","page":74},{"text":"<span id=\"aya-4819\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥)﴾ أي: أعند هذا الذي قد أمسك يده خشية الإنفاق وقطع معروفه، أعنده علم الغيب أنه سينفد ما في يده حتى قد أمسك عن معروفه فهو يرى ذلك عيانًا؟ أي: ليس الأمر كذلك. وإنما أمسك عن الصدقة والمعروف والبر والصلة بخلًا وشحًا وهلعًا، ولهذا جاء في الحديث: \"أنفق بلالًا ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا\" (^١). وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].\n\n<span id=\"aya-4820\"></span>\n\n<span id=\"aya-4821\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ قال سعيد بن جبير والثوري؛ أي: بلّغ جميع ما أمر به (^٢).\nوقال ابن عباس: ﴿وَفَّى﴾ لله بالبلاع.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿وَفَّى﴾ ما أمر به (^٣).\nوقال قتادة: ﴿وَفَّى﴾ طاعة الله وأدى رسالته إلى خلقه (^٤). وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وهو يشمل الذي قبله ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فقام بجميع الأوامر وترك جميع النواهي وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إمامًا يقتدى به في جميع أحواله وأقواله وأفعاله. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أُمامة قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ قال: \"أتدري ما وفى؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"وفَّى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار\" ورواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير (^٥)، وهو ضعيف.\nوقال الترمذي في جامعه: حدثنا أبو جعفر السمناني، حدثنا أبو مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء وأبي ذرٍّ عن رسول الله ﷺ عن الله ﷿ أنه قال: \"ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره\" (^٦).\nقال ابن أبي حاتم ﵀: وحدثنا أبي، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢١٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق أبي حصين عن سعيد بن جبير (المصنف ٧/ ٤٤٧).\n(^٣) تقدم كسابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق إسرائيل عن جعفر بن الزبير به، وجعفر ضعيف كما قرر الحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر في التقريب.\n(^٦) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، الصلاة، باب ما جاء في صلاة الضحى ح ٤٧٥) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٩٥).","vol":"7","page":75},{"text":"حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ألا أخبركم لِمَ سمى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ [الروم] \" حتى ختم الآية (^١).\n\nورواه ابن جرير عن أبي كريب [عن رشدين بن سعد، عن زبان به] (^٢) (^٣)،\n\n<span id=\"aya-4822\"></span>ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ أي: كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها لا يحمله عنها أحد كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]\n\n<span id=\"aya-4823\"></span>﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ أي: كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ﵀ ومن اتبعه، أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنصٍّ ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وبات القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما.\nوأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: ومن ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به\" (^٤) فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكدِّه وعمله، كما جاء في الحديث: \"إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه\" (^٥) والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ الآية [يس: ١٢]. والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضًا من سعيه وعمله.\nوثبت في الصحيح: \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-4824\"></span>\n\n<span id=\"aya-4825\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾ أي: يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ [التوبة] أي: فيخبركم به ويجزيكم عليه أتم الجزاء إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وهكذا قال ههنا: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ أي: الأوفر.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف زبان بن فائد. (التقريب ص ٢١٣).\n(^٢) زيادة من (حم) و(ح)، وفي الأصل بياض.\n(^٣) سنده ضعيف كسابقه.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفرقان آية ٧٤.\n(^٥) أخرجه أبو داود من حديث عائشة ﵂ (السنن، البيوع، باب في الرجل يأكل من مال ولده ح ٣٥٢٨) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٠١٣).\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٢.","vol":"7","page":76},{"text":"<span id=\"aya-4826\"></span>﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ أي: المعاد يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الله إلى الجنة أو النار (^١).\nوذكر البغوي من رواية أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ قال: لا فكرة في الربِّ (^٢).\nقال البغوي: وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعًا: \"تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنه لا تحيط به الفكرة\" (^٣) وكذا أورده وليس بمحفوظ بهذا اللفظ، وإنما الذي في الصحيح \"يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ أحدكم ذلك فليستعذ بالله ولينته\".\nوفي الحديث الآخر الذي في [السنن] (^٤): \"تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذات الله تعالى فإن الله خلق ملكًا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة ثلاثمائة سنة\" (^٥) أو كما قال.\n\n<span id=\"aya-4827\"></span>\n\n<span id=\"aya-4828\"></span>\n\n<span id=\"aya-4829\"></span>\n\n<span id=\"aya-4830\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ أي: خلق في عباده الضحك والبكاء وسببهما وهما مختلفان ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤)﴾ كقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)﴾ كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القيامة].\n\n<span id=\"aya-4831\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾ أي: كما خلق البداءة هو قادر على الإعادة وهي النشأة الأخرى يوم القيامة\n\n<span id=\"aya-4832\"></span>﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨)﴾ أي: ملك عباده المال وجعله لهم قنية مقيمًا عندهم لا يحتاجون إلى بيعه، فهذا تمام النعمة عليم، وعلى هذا يدور كلام كثير من المفسرين، منهم أبو صالح وابن جرير وغيرهما (^٦).\n_________\n(^١) سنده حسن.\n(^٢) أخرجه البغوي من طريق العباس بن زفر عن أبي جعفر الرازي به (التفسير ٤/ ٢٥٥). وسنده ضعيف لأن أبا جعفر سيئ الحفظ، وهذا الحديث لا يدخل في حكم الصحيفة المشهورة عن أبي العالية عن أُبي، ولكن يشهد له الأحاديث التالية.\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) زيادة من (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.\n(^٥) صححه الألباني بلفظ: \"تفكروا في ألاء الله ولا تفكروا في الله ﷿\". (السلسلة الصحيحة ٤/ ٣٩٥ ح ١٧٨٨).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق السدي عن أبي صالح.","vol":"7","page":77},{"text":"وعن مجاهد ﴿أَغْنَى﴾ ﴿وَأَقْنَى﴾ أخدم (^١)، وكذا قال قتادة (^٢).\nوقال ابن عباس ومجاهد أيضًا: ﴿أَغْنَى﴾ أعطى ﴿وَأَقْنَى﴾ رضى (^٣). وقيل: معناه أغنى نفسه وأفقر الخلائق إليه، قاله الحضرمي بن لاحق (^٤)، وقيل: أغنى من شاء من خلقه، وأقنى؛ أي: أفقر من شاء منهم.\nقال ابن زيد: حكاهما ابن جرير وهما بعيدان من حيث اللفظ.\n\n<span id=\"aya-4833\"></span>وقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو هذا النجم الوقّاد الذي يقال له: مِرزَم الجوزاء، كانت طائفة من العرب يعبدونه (^٥).\n\n<span id=\"aya-4834\"></span>﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾ وهم قوم هود ويقال لهم: عاد بن إرم بن سام بن نوح كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ [الفجر] فكانوا من أشد الناس وأقواهم وأعتاهم على الله تعالى وعلى رسوله فأهلكهم الله ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة] أي: متتابعة.\n\n<span id=\"aya-4835\"></span>\n\n<span id=\"aya-4836\"></span>\n\n<span id=\"aya-4837\"></span>\n\n<span id=\"aya-4838\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾ أي: دمرهم فلم يبق منهم أحدًا ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هؤلاء ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ أي: أشد تمردًا من الذين من بعدهم ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾ يعني: مدائن لوط قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ يعني: من الحجارة التي أرسلها عليهم ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾ [الشعراء].\nقال قتادة: كان في مدائن لوط أربعة آلاف ألف إنسان، فانضرم عليهم الوادي شيئًا فشيئًا من نار ونفط وقطران كفم الأتون. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن محمد بن وهب بن عطية، عن الوليد بن مسلم، عن خليد عنه به (^٦)، وهو غريب جدًا.\n\n<span id=\"aya-4839\"></span>﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ أي: ففي أي نعم الله عليك أيها الإنسان تمتري؟ قاله قتادة (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ليث عن مجاهد، وليث هو ابن أبي سُليم فيه مقال ويتقوى بما أخرجه الطبري بأسانيد صحاح عن الحسن البصري وقتادة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ (العظمة ١٧٦)، والطبري بسند حسن من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحضرمي.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظ: \"هو الكوكب الذي يُدعى الشعرى\"، ويتقوى بالآثار التي أخرجها الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"مِرزم الجوزاء\" وبسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) سنده ضعيف لضعف خليد وهو ابن دعلج السدوسي البصري، وقد حدث عن قتادة أحاديث منكرة. (تهذيب التهذيب ٣/ ١٥٨).\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"7","page":78},{"text":"وقال ابن جريج: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ يا محمد والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير (^١).\n\n<span id=\"aya-4840\"></span>﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾.\n﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ يعني محمدًا ﷺ ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ أي: من جنسهم أرسل كما أرسلوا كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩].\n\n<span id=\"aya-4841\"></span>﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾ أي: اقتربت القريبة وهي القيامة\n\n<span id=\"aya-4842\"></span>﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾ أي: لا يدفعها إذًا من دون الله أحد ولا يطلع على علمها سواه،\n\n<span id=\"aya-4843\"></span>ثم قال تعالى منكرًا على المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وتلهيهم ﴿تَعْجَبُونَ﴾ من أن يكون صحيحًا\n\n<span id=\"aya-4844\"></span>﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ منه استهزاء وسخرية ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾ أي: كما يفعل الموقنون به كما أخبر عنهم ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء].\n\n<span id=\"aya-4845\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ قال سفيان الثوري: عن أبيه، عن ابن عباس قال: الغناء هي يمانية أسمد لنا غنِّ لنا (^٢)، وكذا قال عكرمة (^٣)، وفي رواية عن ابن عباس ﴿سَامِدُونَ﴾ معرضون (^٤)، وكذا قال مجاهد وعكرمة، وقال الحسن: غافلون، وهو رواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وفي رواية عن ابن عباس: تستكبرون (^٥)، وبه يقول السدي، ثم قال تعالى آمرًا لعباده بالسجود له والعبادة المتابعة لرسوله ﷺ والتوحيد والإخلاص\n\n<span id=\"aya-4846\"></span>﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ أي: فاخضعوا له وأخلصوا ووحدوه.\nقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سجد النبي ﷺ بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس (^٦). انفرد به دون مسلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن عمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة سورة النجم فسجد وسجد من عنده فرفعت رأسي فأبيت أن أسجد، ولم يكن أسلم يومئذ المطلب فكان بعد ذلك لا يسمع أحدًا يقرؤها إلا سجد معه (^٧). وقد رواه النسائي في الصلاة عن عبد الملك بن عبد الحميد، عن أحمد بن حنبل به (^٨). [ذكر حديث له مناسبة بما تقدم من قوله\n_________\n(^١) اختاره ولم يذكر سواه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الثوري عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن عكرمة.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس بلفظ: \"شامخين\". والضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم] ح ٤٨٦٢).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٤٥/ ٢٢٠ ح ٢٧٢٤٥) وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٨) السنن، سجود القرآن، باب السجود في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] ٢/ ١٦٠، وصحح الحافظ ابن حجر رواية النسائي (فتح الباري ٨/ ٦١٥) وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٩١٨).","vol":"7","page":79},{"text":"تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾ فإن النذير الحذر لما يعاين من الشر الذي يخشى وقوعه فيمن أنذرهم كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وفي الحديث: \"أنا النذير العريان\" (^١)؛ أي: الذي أعجله شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس عليه شيئًا، بل بادر إلى إنذار قومه قبل ذلك فجاءهم عريانًا مسرعًا، وهو مناسب لقوله: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾ أي: اقتربت القريبة يعني يوم القيامة. كما قال في أول السورة التي بعدها: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثني [أبو حازم] لا أعلم إلا عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا ببطن وادٍ، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه\" وقال أبو حازم: قال رسول الله ﷺ: قال أبو نضرة: لا أعلم إلا عن سهل بن سعد قال: \"مثلي ومثل الساعة كهاتين\" وفرق بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام ثم قال: \"مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان\" ثم قال: \"مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة، فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه: أتيتم أتيتم\" ثم يقول رسول الله ﷺ: \"أنا ذلك\" (^٢). وله شواهد من وجوه أخر من صحاح وحسان].\n[آخر تفسير سورة النجم] (^٣)، ولله الحمد والمنة، وبه الثقة والعصمة ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. (صحيح البخاري، الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي ح ٦٤٨٢) وصحيح مسلم، الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمته … (ح ٢٢٨٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٤٦٧ ح ٢٢٨٠٨ و٢٢٨٠٩) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"7","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>سُورَةُ القَمَرِ</span>\nوهي مكية\nقد تقدم في حديث أبي واقد أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بقاف، واقتربت الساعة (^١) في الأضحى والفطر (^٢)، وكان يقرأ بهما في المحافل الكبار، لاشتمالهما على ذكر الوعد والوعيد، وبدء الخلق وإعادته، والتوحيد وإثبات النبوات، وغير ذلك من المقاصد العظيمة.\n\n<span id=\"aya-4847\"></span>\n\n<span id=\"aya-4848\"></span>﷽\n﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾.\nيخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها كما قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء] وقد وردت الأحاديث بذلك.\nقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي قالا: حدثنا خلف بن موسى، حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله ﷺ خطب أصحابه ذات يوم، وقد كادت الشمس أن تغرب، فلم يبقَ منها إلا شِفٌّ (^٣) يسير فقال: \"والذي نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه وما نرى من الشمس إلا يسيرًا\" (^٤). قلت: هذا حديث مداره على خلف بن موسى بن خلف العمي عن أبيه، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ.\nحديث آخر يعضد الذي قبله ويفسره.\nقال الإمام أحمد: حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا شريك، حدثنا سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ والشمس على قعيقعان (^٥) بعد العصر فقال: \"ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من النهار فيما مضى\" (^٦).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في بداية تفسير سورة ق.\n(^٢) أي: عيد الأضحى وعيد الفطر.\n(^٣) الشف هو: بقية النهار.\n(^٤) أعلّه الحافظ ابن كثير بخلف بن موسى، ويتقوى بالشواهد الآتية.\n(^٥) وهو أحد جبال مكة.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢/ ١٧٧ ح ٥٩٦٦) وقال محققوه: صحيح لغيره. اهـ. وحسنه =","vol":"7","page":81},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا محمد بن مطرد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"بُعثت أنا والساعة هكذا\" وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى (^١). وأخرجاه من حديث أبي حازم سلمة بن دينار (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا [محمد بن عبيد] (^٣)، أخبرنا الأعمش، عن أبي خالد، عن وهب السوائي قال: قال رسول الله ﷺ: \"بُعثت أنا والساعة كهذه من هذه إن كادت لتسبقها\" وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد الله قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فسأله: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ يذكر به الساعة؟ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أنتم والساعة كهاتين\" (^٥) تفرد به أحمد ﵀، وشاهد ذلك أيضًا في الصحيح في أسماء رسول الله ﷺ أنه الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا بهز بن أسد، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن خالد بن عمير قال: خطب عتبة بن غزوان، قال بهز، وقال قبل هذه المرة: خطبنا رسول الله ﷺ، قال: فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: \"أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا منها بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا ما يدرك لها قعرًا، والله لتملؤنه أفعجبتم؟ والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عامًا، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام\" (^٧). وذكر تمام الحديث انفرد به مسلم (^٨).\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا يعقوب، حدثني ابن عُليَّة، أخبرنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة، فحضر أبي وحضرت معه فخطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدًا السباق، فقلت لأبي: أيستبق الناس غدًا؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنما هو\n_________\n= الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١١/ ٣٥٠).\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٣٨) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الطلاق، باب اللعان وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ. . .﴾ [النور: ٦] (ح ٥٣٠١) وصحيح مسلم، الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة (ح ٢٩٥٠).\n(^٣) كذا في المسند، وفي الأصل صُحف إلى: \"محمد بن عبد\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١/ ٦٠ ح ١٨٧٧٠) وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١/ ٥٠ ح ١٣٣٣٧) وصحح سنده محققوه.\n(^٦) صحيح البخاري، المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ (ح ٣٥٣٢).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٧٤) وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه مسلم من طريق سليمان بن المغيرة به. (الصحيح، الزهد ح ٢٦٩٧).","vol":"7","page":82},{"text":"السباق بالأعمال، ثم جاءت الجمعة الأخرى، فحضرنا فخطب حذيفة فقال: ألا إن الله ﷿ يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدًا السابق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ، كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: \"خمس قد مضين الروم والدخان واللزام والبطشة والقمر\" (^٢)، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات.\nذكر الأحاديث الواردة في ذلك:\nرواية أنس بن مالك:\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (^٣). ورواه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق (^٤).\nوقال البخاري: حدثني عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما (^٥). وأخرجاه أيضًا من حديث يونس بن محمد المؤدب، عن شيبان، عن قتادة (^٦)، ورواه مسلم أيضًا من حديث أبي داود الطيالسي ويحيى القطان وغيرهما عن شعبة، عن قتادة به (^٧).\nرواية جبير بن مطعم ﵁:\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا (^٨) محمد. فقالوا: إن كان سحرنا (^٩) فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم (^١٠). تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه وأسنده البيهقي في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن لأن ابن عُليَّة وهو إسماعيل سمع عطاء بن السائب قبل الاختلاط.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] (ح ٤٧٦٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٦٥) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، صفات المنافقين، باب انشقاق القمر بعد (ح ٢٨٠٢).\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر ح ٣٨٦٨).\n(^٦) صحيح البخاري، المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية (ح ٣٦٣٧) وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب انشقاق القمر (ح ٢٨٠٢/ ٤٦).\n(^٧) المصدر السابق (ح ٢٨٠٢/ ٤٧).\n(^٨) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"سحره\".\n(^٩) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: \"سحره\".\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧/ ٣١٤، ٣١٥ ح ١٦٧٥٠) وقال محققوه: إسناده ضعيف، =","vol":"7","page":83},{"text":"الدلائل من طريق محمد بن كثير، عن أخيه سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن (^١).\nوهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل وغيره عن حصين به (^٢)، ورواه البيهقي أيضًا من طريق إبراهيم بن طهمان وهشيم، كلاهما عن حصين، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده فذكره (^٣).\nرواية عبد الله بن عباس ﵄:\nقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا بكر، عن جعفر، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي ﷺ (^٤). ورواه البخاري أيضًا ومسلم من حديث بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك به مثله (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود بن أبي عبيد، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه (^٦)، وروى العوفي، عن ابن عباس نحو هذا (^٧).\nوقال الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو البزار، حدثنا محمد بن يحيى القطعي، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: سحر القمر، فنزلت ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ إلى قوله: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ (^٨).\nرواية عبد الله بن عمر:\nقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ، انشق فلقتين، فلقة من دون الجبل\n_________\n= حصين بن عبد الرحمن وهو السلمي لم يسمع هذا الحديث من محمد بن جبير بن مطعم، بينهما جبير بن محمد بن جبير … وهو مجهول.\n(^١) دلائل النبوة (٢/ ٢٦٨) وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٣) أخرجه البيهقي من طريق حصين عن جبير بن محمد بن جبير به، وسنده ضعيف لجهالة جبير بن محمد كما تقدم قبل روايتين.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر] ح ٤٨٦٦).\n(^٥) صحيح البخاري، المناقب، باب انشقاق القمر (ح ٣٨٧٠) وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب انشقاق القمر (ح ٢٨٠٣/ ٤٨).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ثابت.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما سبق.\n(^٨) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١١/ ٢٥٠ ح ١١٦٤٢) ويشهد له قول ابن مسعود التالي عند البيهقي والطبري بعد أربع روايات.","vol":"7","page":84},{"text":"وفلقة من خلف الجبل، فقال النبي ﷺ: \"اللَّهمَّ اشهد\" وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد به، قال مسلم كرواية مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، وقال الترمذي: حسن صحيح (^١).\nرواية عبد الله بن مسعود:\nقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين، حتى نظروا إليه، فقال رسول الله ﷺ: \"اشهدوا\" (^٢). وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث سفيان بن عيينة به (^٣)، وأخرجاه من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود به (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، حدثنا عمي يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن رجل، عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمنى، فانشق القمر فأخذت فرقة خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ: \"اشهدوا اشهدوا\" (^٥).\nقال البخاري: وقال أبو الضحى عن مسروق، عن عبد الله: بمكة (^٦).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة. قال: فقالوا انظروا ما يأتيك به السفار (^٧)، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء السفار فقالوا ذلك (^٨).\nوقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هشيم، حدثنا مغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به. قال: فسئل السفار، قال: وقدموا من كل وجهة فقالوا: رأيناه (^٩)، ورواه ابن جرير من حديث المغيرة به، وزاد فأنزل الله ﷿:\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٢/ ٢٦٧) وهو حديث صحيح فقد أخرجه مسلم من طريق شعبة به (الصحيح، صفات المنافقين، باب انشقاق القمر ح ٢٨٠٠/ ٤٥)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة القمر (ح ٣٢٨٤).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٧٧) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر] (ح ٤٨٦٥) وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٨٠٠/ ٤٣).\n(^٤) المصدر السابق صحيح البخاري (ح ٤٨٦٤) وصحيح مسلم (ح ٢٨٠٠/ ٤٤).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن عبد الله بن مسعود، ويشهد لآخره سابقه. وأخرجه البخاري من طريق أبي معمر عن ابن مسعود (الصحيح، المناقب، باب انشقاق القمر ح ٣٨٦٩).\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) أي: المسافرين.\n(^٨) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند رقم ٢٩٥) وسنده صحيح.\n(^٩) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (دلائل النبوة ٢/ ٢٦٦) وسنده صحيح.","vol":"7","page":85},{"text":"﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (^١).\nثم قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُليَّة، أخبرنا أيوب، عن محمد هو: ابن سيرين قال: نبِئت أن ابن مسعود ﵁ كان يقول: لقد انشق القمر (^٢).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثني محمد بن عمارة، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله قال: لقد رأيت الجبل من فرج القمر حين انشق، ورواه الإمام أحمد عن مؤمل، عن إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيت الجبل من بين فرجتي القمر (^٣).\nوقال ليث، عن مجاهد: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: \"اشهد يا أبا بكر\" فقال المشركون: سحر القمر حتى انشق (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ أي: دليلًا وحجة وبرهانًا ﴿يُعْرِضُوا﴾ أي: لا ينقادوا له بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي: ويقولون هذا الذي شاهدناه من الحجج سحر سحرنا به ومعنى ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ أي: ذاهب، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما (^٥): أي: باطل مضمحل لا دوام له\n\n<span id=\"aya-4849\"></span>﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم.\nوقوله: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ قال قتادة: معناه أن الخير واقع بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر (^٦).\nوقال ابن جريج: مستقر بأهله (^٧).\nوقال مجاهد: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي: يوم القيامة (^٨).\nوقال السدي: مستقر؛ أي: واقع،\n\n<span id=\"aya-4850\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ أي: من الأخبار عن قصص الأمم المكذبين بالرسل وما حل بهم من العقاب والنكال والعذاب مما يتلى عليهم في القرآن ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي: ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب.\n\n<span id=\"aya-4851\"></span>وقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ أي: في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ يعني: أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة وختم على قلبه فمن الذي يهديه\n_________\n(^١) أخرجه الطبري والطيالسي (المسند رقم ٢٩٣) من طريق المغيرة به، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الفاكهي من طريق ابن عُليه به، وسنده منقطع بين ابن سيرين وابن مسعود، ويتقوى بما سبق من الروايات الكثيرة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١/ ٤١٣) وسنده حسن. وصححه محققو المسند (٧/ ٣٩ ح ٣٩٢٤)، ولعل تصحيحهم بالمتابعات، فكان الأولى أن يقال: صحيح لغيره.\n(^٤) في سنده ليث وهو ابن أبي سليم وفيه مقال، ومجاهد لم يسمع من أبي بكر، فسنده ضعيف.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٨) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.","vol":"7","page":86},{"text":"من بعد الله؟ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام] وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].\n\n<span id=\"aya-4852\"></span>﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾.\nيقول تعالى: فتول يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية يعرضون ويقولون هذا سحر مستمر، أعرض عنهم وانتظرهم ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أي: إلى شيء منكر فظيع، وهو موقف الحساب وما فيه من البلاء بل والزلازل والأهوال،\n\n<span id=\"aya-4853\"></span>\n\n<span id=\"aya-4854\"></span>﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ أي: ذليلة أبصارهم ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ وهي القبور ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أي: كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي جراد منتشر في الآفاق، ولهذا قال: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين ﴿إِلَى الدَّاعِ﴾ لا يخالفون ولا يتأخرون ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ أي: يوم شديد الهول عبوس قمطرير ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر].\n\n<span id=\"aya-4855\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿كَذَّبَتْ﴾ قبل قومك يا محمد ﴿قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ أي: صرحوا له بالتكذيب واتهموه بالجنون ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾.\nقال مجاهد: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ أي: استطير جنونًا (^١)، وقيل: وازدجر؛ أي: انتهروه وزجروه وتواعدوه ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] قاله ابن زيد (^٢)، وهذا متوجه حسن.\n\n<span id=\"aya-4856\"></span>﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ أي: إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك (^٣).\n\n<span id=\"aya-4857\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾ قال السدي: وهو الكثير.\n\n<span id=\"aya-4858\"></span>﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ أي: نبعت جميع أرجاء الأرض حتى التنانير التي هي محال النيران نبعت عيونًا ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ أي: من السماء والأرض ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: أمر مقدر.\nقال ابن جريج، عن ابن عباس ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾ كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب، فتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم،\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) معناه صحيح.","vol":"7","page":87},{"text":"فالتقى الماءان على أمر قد قدر (^١)، وروى ابن أبي حاتم أن ابن الكواء سأل عليًا عن المجرة فقال: هي شرج السماء، ومنها فتحت السماء بماء منهمر (^٢).\n\n<span id=\"aya-4859\"></span>﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾.\nقال ابن عباس وسعيد بن جبير والقرظي وقتادة وابن زيد: هي المسامير (^٣)، واختاره ابن جرير، قال: وواحدها دسار.\nويقال: دسير كما يقال: حبيك وحباك، والجمع: حبك (^٤).\nوقال مجاهد: الدسر أضلاع السفينة (^٥).\nوقال عكرمة والحسن: هو صدرها الذي يضرب به الموج (^٦).\nوقال الضحاك: طرفاها وأصلها (^٧).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: هو كلكلها؛ أي: صدرها (^٨).\n\n<span id=\"aya-4860\"></span>وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ أي: جزاء لهم على كفرهم بالله وانتصارًا لنوح ﵇.\n\n<span id=\"aya-4861\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة (^٩)، والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ [يس] وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾ [الحاقة] ولهذا قال ههنا: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: فهل من يتذكر ويتعظ.\nقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله ﷺ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن مُدَّكر أو مُذَّكر؟ قال: أقرأني رسول الله ﷺ: ﴿مُدَّكِرٍ﴾] (^١٠) (^١١)، وهكذا رواه البخاري، حدثنا يحيى،\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يلق ابن عباس.\n(^٢) أخرجه البخاري من طريق أبي الطفيل عن ابن الكواء به (الأدب المفرد ح ٧٦٦) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٥٨٩).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند فيه ابن لهيعة عن القرظي ويتقوى بسابقه ولاحقه، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) ذكره بنحوه ولم يذكر والجمع: \"حبك\".\n(^٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن بلفظ: \"تدسر الماء بصدرها\".\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به بلفظ: \"كلكل السفينة\". اهـ. أي: صدرها، ويشهد له ما سبق.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٩٥) وسنده صحيح.\n(^١١) ما بين معقوفين زيادة من المسند، ولم أجده في النسخ الخطية.","vol":"7","page":88},{"text":"حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله قال: قرأت على النبي ﷺ \"فهل من مذكر\" (^١)، وقال النبي ﷺ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (^٢).\nوروى البخاري أيضًا من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (^٣).\nوقال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق أنه سمع رجلًا سأل الأسود فهل من مذكر أو مدكر، قال: سمعت عبد الله يقرأ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ دالًا (^٤). وقد أخرج مسلم هذا الحديث وأهل السنن إلا ابن ماجه من حديث أبي إسحاق (^٥).\n\n<span id=\"aya-4862\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾ أي: كيف كان عذابي لمن كفر بي وكذب رسلي؟ ولم يتعظ بما جاءت به نذري، وكيف انتصرت لهم وأخذت لهم بالثأر؟\n\n<span id=\"aya-4863\"></span>﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي: سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس، كما قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ [مريم].\nقال مجاهد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ يعني: هونا قراءته (^٦).\nوقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله ﷿ (^٧).\nقلت: ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف\" (^٨) وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟ وقال محمد بن كعب القرظي: فهل من منزجر عن المعاصي (^٩)؟\n_________\n(^١) كذا في (ح) وصحيح البخاري، وفي الأصل صحفت إلى: \"فهل من مدكر\".\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨). . .﴾ [القمر] ح ٤٨٧٤).\n(^٣) المصدر السابق (ح ٤٨٧٣).\n(^٤) المصدر السابق باب ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ. . .﴾ [القمر: ٢٠] (ح ٤٨٧١).\n(^٥) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب ما يتعلق بالقراءات (ح ٨٢٣) وسنن أبي داود، الحروف والقراءات (ح ٣٩٩٤)، وسنن الترمذي، القراءات، باب ومن سورة القمر (ح ٢٩٣٧)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر] (ح ١١٥٥٥).\n(^٦) أخرجه آدم والفريابي (تغليق التعليق ٥/ ٣٧٨)، والطبري كلهم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس ﵄.\n(^٨) أخرجه البخاري (الصحيح، فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف ح ٤٩٩١).\n(^٩) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":89},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن رافع، حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر هو الوراق في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ هل من طالب علم فيعان (^١) عليه؟ وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق (^٢)، ورواه ابن جرير، وروى عن قتادة مثله (^٣).\n\n<span id=\"aya-4864\"></span>\n\n<span id=\"aya-4865\"></span>﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عاد قوم هود، إنهم كذبوا رسولهم أيضًا، كما صنع قوم نوح وأنه تعالى أرسل عليهم ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ وهي الباردة الشديدة البرد ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ أي: عليهم، قاله الضحاك وقتادة والسدي (^٤) ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ عليهم نحسه ودماره لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي.\n\n<span id=\"aya-4866\"></span>\n\n<span id=\"aya-4867\"></span>\n\n<span id=\"aya-4868\"></span>وقوله: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾ وذلك أن الريح كانت تأتي أحدهم فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار، ثم تنكسه على أم رأسه فيسقط على الأرض، فتثلغ رأسه فيبقى جثة بلا رأس، ولهذا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾.\n\n<span id=\"aya-4869\"></span>\n\n<span id=\"aya-4870\"></span>﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾.\nوهذا إخبار عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحًا ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾ يقولون: لقد خبنا وخسرنا إن سلمنا كلنا قيادنا لواحد منا.\n\n<span id=\"aya-4871\"></span>ثم تعجبوا من إلقاء الوحي عليه خاصة من دونهم ثم رموه بالكذب فقالوا: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ أي: متجاوز في حدِّ الكذب،\n\n<span id=\"aya-4872\"></span>قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ وهذا تهديد لهم شديد ووعيد أكيد.\n\n<span id=\"aya-4873\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أي: اختبارًا لهم، أخرج الله لهم ناقة عظيمة عشراء، من صخرة صَمَّاء طبق ما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في تصديق صالح ﵇ فيما جاءهم به، ثم قال تعالى آمرًا لعبده ورسوله صالح: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ أي: انتظر ما يؤول إليه أمرهم، واصبر عليهم فإن العاقبة لك، والنصر في الدنيا والآخرة\n\n<span id=\"aya-4874\"></span>﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يوم لهم ويوم للناقة كقوله: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ [الشعراء].\n_________\n(^١) أخرجه الفريابي في تفسيره عن ضمرة به (ينظر: تغليق التعليق ٥/ ٣٧٩) وسنده حسن.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه. وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"7","page":90},{"text":"<span id=\"aya-4875\"></span>وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ قال مجاهد: إذا غابت حضروا الماء. وإذا جاءت حضروا اللبن (^١)، ثم قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ قال المفسرون: هو عاقر الناقة، واسمه قُدَار بن سالف (^٢)، وكان أشقى قومه. لقوله: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ [الشمس] ﴿فَتَعَاطَى﴾ أي: فجسر ﴿فَعَقَرَ (٢٩)﴾\n\n<span id=\"aya-4876\"></span>﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠)﴾ أي: فعاقبتهم فكيف كان عقابي لهم على كفرهم بي وتكذيبهم رسولي\n\n<span id=\"aya-4877\"></span>\n\n<span id=\"aya-4878\"></span>﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)﴾ أي: فبادوا عن آخرهم لم تبق منهم باقية، وخمدوا وهمدوا كما يهمد وييبس الزرع والنبات، قاله غير واحد من المفسرين، والمحتظر قال السدي هو المرعى بالصحراء حين ييبس ويحترق وتسفيه الريح.\nوقال ابن زيد: كانت العرب يجعلون حظارًا على الإبل والمواشي من يبيس الشوك (^٣)، فهو المراد من قوله: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ﴾.\nوقال سعيد بن جبير: \"هشيم المحتظر\" هو التراب المتناثر من الحائط (^٤)، وهذا قول غريب، والأول أقوى، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4879\"></span>\n\n<span id=\"aya-4880\"></span>\n\n<span id=\"aya-4881\"></span>\n\n<span id=\"aya-4882\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن قوم لوط كيف كذبوا رسولهم وخالفوه، وارتكبوا المكروه من إتيان الذكور، وهي الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، ولهذا أهلكهم الله هلاكًا لم يهلكه أمة من الأمم، فإنه تعالى أمر جبريل ﵇ فحمل مدائنهم حتى وصل بها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم وأرسلها وأتبعت بحجارة من سجيل منضود، ولهذا قال ههنا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ وهي الحجارة ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ أي: خرجوا من آخر الليل فنجوا مما أصاب قومهم، ولم يؤمن بلوط من قومه أحد ولا رجل واحد، حتى ولا امرأته أصابها ما أصاب قومها، وخرج نبي الله لوط وبنات له من بين أظهرهم سالمًا لم يمسه سوء، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ أي: ولقد كان قبل حلول العذاب بهم قد أنذرهم بأس الله وعذابه فما التفتوا إلى ذلك ولا أصغوا إليه بل شكُّوا فيه وتماروا به.\n\n<span id=\"aya-4883\"></span>﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ وذلك ليلة ورد عليه الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل في صور شباب مُرُد حسان محنة من الله بهم، فأضافهم لوط ﵇ (^٥)، وبعثت امرأته العجوز السوء إلى قومها فأعلمتهم بأضياف لوط، فأقبلوا يهرعون إليه من كل مكان، فأغلق لوط دونهم الباب،\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) ذكره الطبري.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٥) ذكر الحافظ ابن كثير قصتهم مفصلة في (قصص الأنبياء ١/ ١٧٥ - ١٧٧).","vol":"7","page":91},{"text":"فجعلوا يحاولون كسر الباب، وذلك عشية ولوط ﵇ يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه ويقول لهم: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [هود: ٧٨] يعني: نساءهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود: ٧٩] أي: ليس لنا فيهن أرب ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] فلما اشتد الحال وأبوا إلا الدخول، خرج عليهم جبريل ﵇ فضرب أعينهم بطرف جناحه، فانطمست أعينهم، يقال إنها غارت من وجوههم، وقيل: إنه لم تبق لهم عيون بالكلية، فرجعوا على أدبارهم يتحسسون بالحيطان، ويتوعدون لوطًا ﵇ إلى الصباح.\n\n<span id=\"aya-4884\"></span>\n\n<span id=\"aya-4885\"></span>\n\n<span id=\"aya-4886\"></span>قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨)﴾ أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك لهم منه ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾.\n\n<span id=\"aya-4887\"></span>\n\n<span id=\"aya-4888\"></span>\n\n<span id=\"aya-4889\"></span>﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن فرعون وقومه: إنهم جاءهم رسول الله موسى وأخوه هارون بالبشارة إن آمنوا، والنذارة إن كفروا، وأيدهما بمعجزات عظيمة وآيات متعددة فكذبوا بها كلها، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر؛ أي: فأبادهم الله ولم يبق منهم مخبر ولا عين ولا أثر، ثم قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ أي: أيها المشركون من كفار قريش ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ يعني: من الذين تقدم ذكرهم ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل وكفرهم بالكتب، أأنتم خير من أولئكم؟ ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ أي: أم معكم من الله براءة أن لا ينالكم عذاب ولا نكال؟\n\n<span id=\"aya-4890\"></span>\n\n<span id=\"aya-4891\"></span>\n\n<span id=\"aya-4892\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)﴾ أي: يعتقدون أنهم يتناصرون بعضهم بعضًا، وأن جميعهم يغني عنهم من أرادهم بسوء. قال الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ أي: سيتفرق شملهم ويغلبون.\nقال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا خالد، عن خالد، وقال أيضًا: حدثنا محمد، حدثنا عفان بن مسلم، عن وهيب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال وهو في قبة له يوم بدر: \"أنشدك عهدك ووعدك، اللَّهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبدًا\" فأخذ أبو بكر ﵁ بيده وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ (^١). وكذا رواه البخاري والنسائي في غير موضع من حديث خالد، وهو ابن مهران الحذاء به (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي جمع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ [القمر] ح ٤٨٧٧).\n(^٢) المصدر السابق باب قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر] (ح ٤٨٧٥)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ (ح ١١٥٥٧).","vol":"7","page":92},{"text":"يغلب، قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: \"سيهزم الجمع ويولون الدبر\" فعرفت تأويلها يومئذٍ (^١).\nوقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم، أخبرني يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين فقالت: نزل على محمد ﷺ بمكة وإني لجارية ألعب (^٢) ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ هكذا رواه ههنا مختصرًا، ورواه في فضائل القرآن مطولًا، ولم يخرجه [مسلم] (^٣).\n\n<span id=\"aya-4893\"></span>\n\n<span id=\"aya-4894\"></span>﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾.\nيخبرنا تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق وسُعُر مما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع من سائر الفرق، ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ أي: كما كانوا في سعر وشك وتردد أورثهم ذلك النار، وكما كانوا ضُلَّالًا يسحبون فيها على وجوههم لا يدرون أين يذهبون؟ ويقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4895\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان] وكقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى] أي: قدر قدرًا وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدرية، الذين [نبغوا] (^٤) في أواخر عصر الصحابة، وقد تكلمنا على هذا المقام مفصلًا وما ورد فيه من الأحاديث في شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري ﵀، ولنذكر ههنا الأحاديث المتعلقة بهذه الآية الكريمة.\nقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان الثوري، عن زياد بن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (^٥). وهكذا رواه\n_________\n(^١) يشهد له ما سبق في صحيح البخاري.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ [القمر] ح ٤٨٧٦).\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل لم يذكر لفظ: \"مسلم\".\n(^٤) كذا في (ح)، وفي الأصل و(حم): \"سعوا\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٤٤) وسنده صحيح.","vol":"7","page":93},{"text":"مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث وكيع عن سفيان الثوري به (^١).\nوقال البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا يونس بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: ما نزلت هذه الآيات ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ إلا في أهل القدر (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن صالح الأنطاكي، حدثني قرة بن حبيب، عن كنانة، حدثني جرير بن حازم، عن [سعيد] (^٣) بن عمرو بن جعدة، عن ابن زرارة، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه تلا هذه الآية ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ قال: \"نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بقدر الله\" (^٤).\nوحدثنا الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن شجاع الجزري، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم، وقد ابتلت أسافل ثيابه فقلت له قد تكلم في القدر، فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ أولئك شرار هذه الأمة، فلا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحدًا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين (^٥).\nوقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر وفيه مرفوع فقال: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، عن بعض إخوته، عن محمد بن عبيد المكي، عن عبد الله بن عباس قال: قيل له إن رجلًا قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلوني عليه وهو أعمى، قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس؟ قال: والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضنَّ أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي لأدقنَّها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج تصطفق إلياتهن (^٦) مشركات، هذا أول شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيرًا، كما أخرجوه من أن يكون قدر شرًا\" (^٧). ثم رواه أحمد، عن أبي المغيرة، عن الأوزاعي، عن العلاء بن الحجاج، عن محمد بن عبيد فذكر مثله (^٨). لم يخرجوه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو صخر،\n_________\n(^١) صحيح مسلم، القدر، باب كل شيء بقدر (ح ٢٦٥٦)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الطور (ح ٣٢٩٠)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب في القدر (ح ٨٣).\n(^٢) أخرجه البزار (المسند ٢/ ١١٠ ح ١٥١٢) وسنده ضعيف لضعف يونس بن الحارث (التقريب ص ٦١٣، مجمع الزوائد ٧/ ١٢٠).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"سعد\".\n(^٤) أخرجه الطبراني من طريق جرير بن حازم به (المعجم الكبير ٥/ ٢٧٦ ح ٥٣١٦) قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفه (مجمع الزوائد ٧/ ١٢٠).\n(^٥) في سنده مروان بن شجاع الجزري صدوق له أوهام (التقريب ص ٥٢٦).\n(^٦) كذا في (ح) و(حم) وفي الأصل غير منقوطة.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٣٠) وسنده ضعيف لإبهام شيخ الأوزاعي.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٣٠) وسنده ضعيف لضعف العلاء بن الحجاج، وقد ضعفه الأزدي كما نقل الحافظ ابن حجر (تعجيل المنفعة ص ٣٢٣).","vol":"7","page":94},{"text":"عن نافع قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه. فكتب إليه عبد الله بن عمر: أنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إليَّ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر\". ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل به (^١).\nوقال أحمد: حدثنا أنس بن عياض: حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم\" (^٢). لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه.\nوقال أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا رشدين عن أبي صخر حميد بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"سيكون في هذه الأمة مسخ ألا وذاك في المكذبين بالقدر والزنديقية (^٣) \" (^٤). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي صخر حميد بن زياد به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن الطباع، أخبرني مالك، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس اليماني قال: سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل شيء بقدر حتى العجز والكيس\" (^٦). ورواه مسلم منفردًا به من حديث مالك (^٧).\nوفي الحديث الصحيح: \"استعن بالله ولا تعجز فإن أصابك أمر فقل: قدر الله وما شاء فعل، ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان\" (^٨).\nوفي حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال له: \"واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك جفت الأقلام وطويت الصحف\" (^٩).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث، عن معاوية، عن أيوب بن زياد،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٩٠) وأخرجه أبو داود عن الإمام أحمد به (السنن، السنة، باب في القدر ح ٤٧١٠) وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٨٦) وسنده ضعيف لأن عمر بن عبد الله مولى غفرة لم يسمع من صحابي كما في جامع التحصيل ص ٢٩٦.\n(^٣) الزنديقية: نسبة إلى الزندقة وهي اسم المذهب الزنديق قيل: وهو المبطن للكفر المظهر للإسلام أو من لا دين له أو الذي يعبد الأصنام قاله السندي في حاشية (المسند ١٠/ ١٠٩).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠/ ١٠٨ ح ٥٨٦٧) وقال محققوه: إسناده ضعيف لضعف رشدين بن سعد، وهذا الحديث مما أنكر على أبي صخر حميد بن زياد.\n(^٥) سنن الترمذي، القدر (ح ٢١٥٤)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب الخسوف (ح ٤٠٦١) وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٢٨٢).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٠٢) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح مسلم، القدر، باب كل شيء بقدر (ح ٢٦٥٥).\n(^٨) صحيح مسلم، القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز (ح ٢٦٦٤).\n(^٩) تقدم تخريجه وتحسينه.","vol":"7","page":95},{"text":"حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة، حدثني أبي قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه قال: يا بني إنك لم تطعم الإيمان ولم تبلغ حق حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة\" يا بني إن متَّ ولستَ على ذلك دخلتَ النار (^١).\nورواه الترمذي عن يحيى بن موسى البلخي، عن أبي داود الطيالسي، عن عبد الواحد بن سليم، عن عطاء بن أبي رباح، عن الوليد بن عبادة، عن أبيه به وقال: حسن صحيح غريب (^٢).\nوقال سفيان الثوري، عن منصور، عن رِبعي بن خراش، عن رجل، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يؤمن أحد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره\" وكذا رواه الترمذي من حديث النضر بن شميل، عن شعبة، عن منصور به، ورواه من حديث أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن منصور، عن رِبعي، عن علي فذكره وقال: هذا عندي أصح (^٣)، وكذا رواه ابن ماجه من حديث شريك، عن منصور، عن رِبعي، عن علي به (^٤).\nوقد ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن وهب وغيره عن أبي هانئ الخولاني، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة\" زاد ابن وهب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^٥) [هود: ٧]، ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب (^٦).\n\n<span id=\"aya-4896\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ وهذا إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه، كما أخبرنا بنفوذ قدره فيهم فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ أي: إنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك الذي نأمر به حاصلًا موجودًا كلمح البصر، لا يتأخر طرفة عين، وما أحسن ما قال بعض الشعراء:\nإذا ما أراد الله أمرًا فإنما … يقول له: كُن قولةً فيكون\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٣٧٨ ح ٢٢٧٠٥) وصحح سنده محققوه.\n(^٢) سنن الترمذي، القدر، (ح ٢١٥٦)، وأخرجه أبو داود (السنن ح ٤٧٠٠) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٣٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي من طريق أبي داود الطيالسي به (السنن، القدر، باب رقم ١٠ ح ٢١٤٥ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح ١٧٤٤).\n(^٤) سنن ابن ماجه، المقدمة، باب في القدر (ح ٨١). وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٦٦).\n(^٥) صحيح مسلم، القدر، باب حِجاج آدم وموسى ﵉ (ح ٢٦٥٣).\n(^٦) سنن الترمذي، القدر، باب ١٨ (ح ٢١٥٧).","vol":"7","page":96},{"text":"<span id=\"aya-4897\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ يعني: أمثالكم وسلفكم من الأمم السابقة المكذبين بالرسل ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك وقدر لهم من العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤].\n\n<span id=\"aya-4898\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)﴾ أي: مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة ﵈\n\n<span id=\"aya-4899\"></span>﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ أي: من أعمالهم ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ أي: مجموع عليهم ومسطر في صحائفهم، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن مسلم بن [بانك] (^١) سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، حدثني عوف بن الحارث وهو ابن أخي عائشة لأمها، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبًا\" (^٢). ورواه النسائي وابن ماجه من طريق سعيد بن مسلم بن بانك المدني (^٣)، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم. وقد رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة سعيد بن مسلم هذا من وجه آخر. ثم قال سعيد: فحدثت بهذا الحديث عامر بن هشام فقال لي: ويحك يا سعيد بن مسلم! لقد حدثني سليمان بن المغيرة أنه عمل ذنبًا فاستصغره فأتاه آتٍ في منامه فقال له: يا سليمان.\nلا تحقرن من الذنوب صغيرًا … إن الصغير غدًا يعود كبيرا\nإن الصغير ولو تقادم عهده … عند الإله مُسطرًا تسطيرا\nفازجر هواك على البطالة … لا تكن صعب القياد وشمرَنْ تشميرا\nإن المحب إذا أحب إلهه … طار الفؤاد وأُلهم التفكير\nفاسأل هدايتك الإله بنية … فكفى بربك هاديًا ونصيرًا (^٤)\n\n<span id=\"aya-4900\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ أي: بعكس ما الأشقياء فيه من الضلال والسعر والسحب في النار على وجوههم، مع التوبيخ والتقريع والتهديد.\n\n<span id=\"aya-4901\"></span>وقوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي: في دار كرامة الله ورضوانه وفضله وامتنانه وجوده وإحسانه ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ أي: عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها. وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو يبلغ به النبي ﷺ قال: \"المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا\" (^٥). انفرد بإخراجه مسلم والنسائي من حديث\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) والتقريب، وفي الأصل صحف إلى: \"ماهك\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٢/ ٩٦ ح ٢٥١٧٧) وحسن سنده محققوه.\n(^٣) سنن ابن ماجه، الزهد، باب ذكر الذنوب (ح ٤٢٤٣) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٢١).\n(^٤) أخرجه ابن عساكر من طريق سعيد بن مسلم به. (تاريخ دمشق ٧/ ل ٣٥٣).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٦٠) وسنده صحيح.","vol":"7","page":97},{"text":"سفيان بن عيينة بإسناده مثله (^١).\nآخر تفسير سورة اقتربت، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه تسليمًا كثيرًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل (ح ١٨٢٧)، والسنن الكبرى للنسائي، القضاء، باب فضل الحاكم العادل (ح ٥٩١٦).","vol":"7","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-178>سُورَةُ الرَّحْمنِ</span>\nوهي مكية\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عاصم، عن زرٍّ أن رجلًا قال [لابن مسعود] (^١) كيف تعرف هذا الحرف من ماء غير آسن أو أسن؟ فقال: كل القرآن قد قرأت. قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال: أهذَّا كهذِّ الشعر لا أبالك؟ قد علمت. قرائن النبي ﷺ التي كان يقرن قرينتين قرينتين من أول المفصل، وكان أول مفصل ابن مسعود ﴿الرَّحْمَنُ (١)﴾ (^٢).\nوقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد الرحمن بن واقد وأبو مسلم السعدي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: \"لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودًا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد\". ثم قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، ثم حكي عن الإمام أحمد أنه كان لا يعرفه، ينكر رواية أهل الشام عن زهير بن محمد هذا (^٣)، ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن عمرو بن مالك، عن الوليد بن مسلم، وعن عبد الله بن أحمد بن شبويه، عن هشام بن عمارة، كلاهما عن الوليد بن مسلم به ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من هذا الوجه. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد بن عباد بن موسى وعمرو بن مالك البصري قالا: حدثنا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أُمية، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ سورة الرحمن أو قرئت عنده فقال: \"ما لي أسمع الجن أحسن جوابًا لربها منكم؟ \" قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: \"ما أتيت على قول الله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ إلا قالت الجن: لا بشيء من نعم ربنا نكذب\" ورواه الحافظ البزار عن عمرو بن مالك به، ثم قال: لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد (^٤).\n_________\n(^١) زيادة من المسند لم أجدها في النسخ الخطية.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤١٢) وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير، باب ومن سورة الرحمن ح ٢٢٩١) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٢٤)، وأخرجه الحاكم من طريق الوليد بن مسلم به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٧٣).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه في تفسير الآية ١٣ من هذه السورة الكريمة وأخرجه البزار كما في كشف الأستار رقم ٢٢٦٩ ويشهد له سابقه.","vol":"7","page":99},{"text":"<span id=\"aya-4902\"></span>\n\n<span id=\"aya-4903\"></span>\n\n<span id=\"aya-4904\"></span>\n\n<span id=\"aya-4905\"></span>﷽\n﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾.\nيخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه أنه أنزل على عباده القرآن، ويسر حفظه وفهمه على من رحمه فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾.\nقال الحسن: يعني النطق.\nوقال الضحاك وقتادة وغيرهما: يعني الخير والشر (^١)، وقول الحسن ههنا أحسن وأقوى لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللِّسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها.\n\n<span id=\"aya-4906\"></span>وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ أي: يجريان متعاقبين بحساب مقنن لا يختلف ولا يضطرب ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام].\nوعن عكرمة أنه قال: لو جعل الله نور جميع أبصار الإنس والجنَّ والدواب والطير في عيني عبد، ثم كشف حجابًا واحدًا من سبعين حجابًا دون الشمس، لما استطاع أن ينظر إليها. ونور الشمس جزء من سبعين جزءًا من نور الكرسي، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءًا من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزءًا من نور الستر. فانظر ماذا أعطى الله عبده من النور في عينيه وقت النظر إلى وجه ربه الكريم عيانًا، رواه ابن أبي حاتم (^٢).\n\n<span id=\"aya-4907\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ قال ابن جرير: اختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿وَالنَّجْمُ﴾ بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق (^٣)، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: النجم ما انبسط على وجه الأرض (^٤)؛ يعني: من النبات، وكذا قال سعيد بن جبير والسدي وسفيان الثوري (^٥)، وقد اختاره ابن جرير رحمه الله تعالى.\nوقال مجاهد: النجم الذي في السماء (^٦). وكذا قال الحسن وقتادة (^٧)، وهذا القول هو الأظهر\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي العوام عن قتادة.\n(^٢) سنده ضعيف لإرساله وغرابته.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق شريك عن السدي.\n(^٦) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن =","vol":"7","page":100},{"text":"والله أعلم لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [الحج: ١٨].\n\n<span id=\"aya-4908\"></span>\n\n<span id=\"aya-4909\"></span>\n\n<span id=\"aya-4910\"></span>وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ يعني: العدل كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وهكذا قال ههنا: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾ أي: خلق السماوات والأرض بالحق والعدل لتكون الأشياء كلها بالحق والعدل. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ أي: لا تبخسوا الوزن بل زنوا بالحق والقسط كما قال تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢].\n\n<span id=\"aya-4911\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾ أي: كما رفع السماء وضع الأرض ومهدها وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات، لتستقر لما على وجهها من الأنام وهم الخلائق المختلفة أنواعهم وأشكالهم وألوانهم وألسنتهم في سائر أقطارها وأرجائها.\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الأنام الخلق (^١).\n\n<span id=\"aya-4912\"></span>﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أي: مختلفة الألوان والطعوم والروائح ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ أفرده بالذكر لشرفه ونفعه رطبًا ويابسًا، والأكمام.\nقال ابن جريج، عن ابن عباس: هي أوعية الطلع (^٢). وهكذا قال غير واحد من المفسرين (^٣)، وهو الذي يطلع فيه القنو ثم ينشق عن العنقود، فيكون بسرًا ثم رطبًا ثم ينضج ويتناهى نفعه واستواؤه.\nوقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن عمرو بن علي الصيرفي، حدثنا أبو قتيبة، حدثنا يونس بن الحارث، عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب: أُخبرك أن رسلي أتتني من قِبلِك فزعمت أن قِبلكم شجرة ليست بخليقة لشيء من الخير، تخرج مثل آذان الحمير ثم تشقق مثل اللؤلؤ، ثم تخضر فتكون مثل الزمرد الأخضر، ثم تحمر فتكون كالياقوت الأحمر، ثم تينع فتنضج فتكون كأطيب فالوذج أُكل، ثم تيبس فتكون عصمة للمقيم وزادًا للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فلا أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة، فكتب إليه عمر بن الخطاب: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم، إن رسلك قد صدقوك هذه الشجرة عندنا، وهي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلهًا من دون الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ (^٤) [آل عمران].\n_________\n= معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٢) سنده ضعيف لابن جريج لم يلق ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٤) سنده ضعيف لعدم ذكر شيخ ابن أبي حاتم، وضعف يونس بن الحارث الطائفي. (التقريب ص ٦١٣).","vol":"7","page":101},{"text":"وقيل: الأكمام: رفاتها وهو اللِّيف الذي على عنق النخلة، وهو قول الحسن وقتادة (^١).\n\n<span id=\"aya-4913\"></span>﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ يعني: التبن (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: العصف ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه، فهو يسمى العصف إذا يبس (^٣)، وكذا قال قتادة والضحاك وأبو مالك: عصفه: تبنه (^٤).\nوقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: والريحان يعني الورق (^٥).\nوقال الحسن: هو ريحانكم هذا (^٦).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: والريحان خضَر الزرع (^٧)، ومعنى هذا - والله أعلم - أن الحب كالقمع والشعير ونحوهما له في حال نباته عصف، وهو ما على السنبلة، وريحان وهو الورق الملتف على ساقها.\nوقيل: العصف الورق أول ما ينبت الزرع بقلًا، والريحان الورق يعني إذا أدجن وانعقد فيه الحب، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته المشهورة:\n[وقولا له من ينبت الحب في الثرى … فيصبح منه البقل يهتز رابيا] (^٨)\nويخرج منه حبه في رؤوسه … ففي ذاك آيات لمن كان واعيا (^٩)؟\n\n<span id=\"aya-4914\"></span>وقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ أي: فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس والجن تكذبان؟ قاله مجاهد وغير واحد (^١٠)، ويدل عليه السياق بعده؛ أي: النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها، فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به: اللَّهمَّ ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد (^١١). وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا ربِّ؛ أي: لا نكذب بشيء منها (^١٢).\nقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون (^١٣): ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي، ويتقوى بسابقه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٨) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٩) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ٢٢٨).\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^١١) تقدم تخريجه وتحسينه في بداية تفسير السورة.\n(^١٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مجاهد عن ابن عباس.\n(^١٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ٥١٧ ح ٢٦٩٥٥) وضعف سنده محققوه.","vol":"7","page":102},{"text":"<span id=\"aya-4915\"></span>\n\n<span id=\"aya-4916\"></span>﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥)﴾.\nيذكر تعالى خلقه الإنسان من صلصال كالفخار، وخلقه الجان من مارج من نار، وهو طرف لهبها، قاله الضحاك عن ابن عباس (^١)، وبه يقول عكرمة ومجاهد والحسن وابن زيد (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: من مارج من نار من لهب النار من أحسنها (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: من مارج من نار من خالص النار (^٤)، وكذلك قال عكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم\" (^٦). ورواه مسلم، عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به (^٧).\n\n<span id=\"aya-4917\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦)﴾؟ تقدم تفسيره.\n\n<span id=\"aya-4918\"></span>\n\n<span id=\"aya-4919\"></span>﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ يعني: مشرقي الصيف والشتاء ومغربي الصيف والشتاء، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منه إلى الناس.\nوقال في الآية الأخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل] وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب، ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨)﴾؟\n\n<span id=\"aya-4920\"></span>\n\n<span id=\"aya-4921\"></span>\n\n<span id=\"aya-4922\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩)﴾ قال ابن عباس: أي: أرسلهما (^٨).\nوقوله: ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ قال ابن زيد: أي: منعهما أن يلتقيا بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما (^٩)، والمراد بقوله البحرين: الملح والحلو، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس، وقد قدمنا الكلام على ذلك في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سماك عن عكرمة، وأخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك، فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٥٣) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح مسلم، الزهد، باب في أحاديث متفرقة (ح ٢٩٩٦).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.","vol":"7","page":103},{"text":"هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ [الفرقان] وقد اختار ابن جرير ههنا أن المراد بالبحرين: بحر السماء وبحر الأرض، وهو مروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطية وابن أبزى (^١)، قال ابن جرير: لأن اللؤلؤ يتولد من ماء السماء وأصداف بحر الأرض (^٢)، وهذا وإن كان هكذا لكن ليس المراد بذلك ما ذهب إليه، فإنه لا يساعده اللفظ فإنه تعالى قد قال: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾ أي: وجعل بينهما برزخًا، وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا، وهذا على هذا، فيفسد كل واحد منهما الآخر ويزيله عن صفته التي هي مقصودة منه، وما بين السماء والأرض لا يسمى برزخًا وحجرًا محجورًا.\n\n<span id=\"aya-4923\"></span>\n\n<span id=\"aya-4924\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ أي: من مجموعهما، فإذا وجد ذلك من أحدهما كفى كما قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] والرسل إنما كانوا في الإنس خاصة دون الجن وقد صحَّ هذا الإطلاق. واللؤلؤ معروف، وأما المرجان فقيل هو صغار اللؤلؤ، قاله مجاهد وقتادة وأبو رزين والضحاك وروي عن علي (^٣).\nوقيل: كباره وجيده (^٤)، حكاه ابن جرير، عن بعض السلف ورواه ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس، وحكاه السدي عمَّن حدثه عن ابن عباس (^٥)، وروي مثله عن علي ومجاهد أيضًا [ومرة] (^٦) الهمداني (^٧).\nوقيل: هو نوع من الجواهر أحمر اللون.\nقال السدي، عن أبي مالك، عن مسروق، عن عبد الله قال: المرجان الخرز الأحمر.\nقال السدي: وهو الكسد بالفارسية، وأما قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] فاللحم من كل من الأجاج والعذب والحلية إنما هي من المالح دون العذب.\nقال ابن عباس: ما سقطت قط قطرة من السماء في البحر فوقعت في صدفة إلا صار منها اللؤلؤ (^٨)، وكذا قال عكرمة، وزاد: فإذا لم تقع في صدفة نبتت بها عنبرة (^٩)، وروي من غير وجه عن ابن عباس نحوه (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري عن مجاهد وابن أبزى وفي سنديهما ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق موسى بن أبي عائشة عن مُرة بلفظ: \"المرجان جيد اللؤلؤ\".\n(^٥) سنده ضعيف لجهالة شيخ السدي.\n(^٦) زيادة من (حم) و(ح)، وفي الأصل: \"بياض\".\n(^٧) تقدم قبل الرواية السابقة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند فيه محمد بن سليمان الكوفي صدوق يخطئ (التقريب ص ٤٨٠).\n(^١٠) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا بنحو رواية ابن عباس المتقدمة.","vol":"7","page":104},{"text":"وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها؛ يعني: من قطر فهو اللؤلؤ (^١). إسناده صحيح.\nولما كان اتخاذ هذه الحلية نعمة على أهل الأرض، امتنَّ بها عليهم فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣)﴾.\n\n<span id=\"aya-4925\"></span>\n\n<span id=\"aya-4926\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ﴾ يعني: السفن التي تجري ﴿فِي الْبَحْرِ﴾.\nقال مجاهد: ما رفع قلعه من السفن فهي منشآت وما لم يرفع قلعه فليس بمنشآت (^٢).\nوقال قتادة: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ يعني: المخلوقات (^٣).\nوقال غيره، المنشِآت - بكسر الشين (^٤) - يعني: البادئات (^٥).\n﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ أي: كالجبال في كبرها وما فيها من المتاجر والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم، مما فيه صلاح الناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥)﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا [العيزار بن سويد، عن عميرة بن سعد] (^٦) قال: كنت مع علي بن أبي طالب ﵁ على شاطئ الفرات إذ أقبلت سفينة مرفوع شراعها فبسط علي يديه ثم قال: يقول الله ﷿: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾ والذي أنشأها تجري في بحوره ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله (^٧).\n\n<span id=\"aya-4927\"></span>\n\n<span id=\"aya-4928\"></span>\n\n<span id=\"aya-4929\"></span>﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾.\nيخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، فإن الربَّ تعالى وتقدس لا يموت بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا.\nقال قتادة: أنبأ بما خلق ثم أنبأ أن ذلك كله فانٍ.\nوفي الدعاء المأثور: يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، لا إله\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عن الطبري في الروايتين السابقتين، وصحح سنده الحافظ ابن كثير هنا.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) وهي قراءة متواترة.\n(^٥) أي: الظاهرات السير اللاتي يُقبلن ويدبرن. كذا ذكره الطبري.\n(^٦) كذا في (ح) وفي الأصل صحف إلى: \"العرار بن سويد عن عمرة بن سويد\" والتصويب من ترجمة عميرة بن سعد.\n(^٧) في سنده عميرة بن سعد وهو الهمداني: مقبول. (التقريب ص ٤٣٢).","vol":"7","page":105},{"text":"إلا أنت برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك.\nوقال الشعبي: إذا قرأت ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ فلا تسكت حتى تقرأ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (^١) وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وقد نَعتَ تعالى وجهه الكريم في هذه الآية بأنه ذو الجلال والإكرام؛ أي: هو أهل أن يُجلَّ فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف، كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] وكقوله إخبارًا عن المتصدقين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩].\nقال ابن عباس: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ذو العظمة والكبرياء (^٢).\nولما أخبر تعالى عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة، وأنهم سيصيرون إلى دار الآخرة فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨)﴾.\n\n<span id=\"aya-4930\"></span>\n\n<span id=\"aya-4931\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ وهذا إخبار عن غناه عما سواه وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات وأنهم يسألونه بلسان حالهم وقالهم وأنه كل يوم هو في شأن.\nقال الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال من شأنه أن يجيب داعيًا أو يعطي سائلًا، أو يفك عانيًا أو يشفي سقيمًا (^٣).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كل يوم هو يجيب داعيًا ويكشف كربًا ويجيب مضطرًا ويغفر ذنبًا (^٤). وقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماوات والأرض يحيي حيًا ويميت ميتًا، ويربي صغيرًا ويفك أسيرًا وهو منتهى حاجات الصالحين وصريخهم ومنتهى شكواهم (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحمصي، حدثنا جرير بن عثمان، عن سويد بن جبلة هو: الفزاري قال: إن ربكم كل يوم هو في شأن فيعتق رقابًا، ويعطي رغابًا، ويقحم عقابًا (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، حدثني إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، حدثني عمرو بن بكر السكسكي، حدثنا الحارث بن عبدة بن رباح الغساني، عن أبيه، عن مُنيب بن عبد الله بن مُنيت الأزدي، عن أبيه قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فقلنا: يا رسول الله وما ذاك الشأن؟ قال: \"أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الطبري في آخر سورة الرحمن بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد به، وأخرجه أيضًا من طريق الأعمش به ويتقوى بسابقه.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^٦) يشهد له ما سبق عن مجاهد وقتادة.","vol":"7","page":106},{"text":"ويرفع قومًا ويضع آخرين\" (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار وسليمان بن أحمد الواسطي قالا: حدثنا الوزير بن صبيع الثقفي أبو روح الدمشقي والسياق لهشام قال: سمعت يونس بن ميسرة بن حليس، يحدث عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: \"قال الله ﷿: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، قال: من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا ويضع آخرين\" (^٢).\nوقد رواه ابن عساكر من طرق متعددة، عن هشام بن عمار به، ثم ساقه من حديث أبي همام الوليد بن شجاع، عن الوزير بن صبيح قال: \"ودَلَّنا عليه الوليد بن مسلم، عن مطرف، عن الشعبي، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ فذكره قال: والصحيح الأول (^٣)؛ يعني: إسناده الأول\".\nقلت: وقد روي موقوفًا كما علقه البخاري بصيغة الجزم فجعله من كلام أبي الدرداء (^٤)، فالله أعلم.\nوقال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن الحارث، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: كل يوم هو في شأن قال: \"يغفر ذنبًا، ويكشف كربًا\" (^٥).\nثم قال ابن جرير: وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة الثُّمالي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس إن الله خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والأرض ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يخلق في كل نظرة، ويحيي ويميت، ويعزُّ ويذلُّ ويفعل ما يشاء (^٦).\n\n<span id=\"aya-4932\"></span>\n\n<span id=\"aya-4933\"></span>﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن عمرو بن بكر السكسكي متروك (التقريب ص ٤١٩) ولعله يتقوى بالرواية التالية.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه من طريق هشام بن عمار به (السنن، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية ح ٢٠٢) وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٧).\n(^٣) ينظر: تاريخ دمشق ١٧/ ل ٧٧١، وأخرجه ابن مردويه في تفسيره من طريق أم الدرداء عن أبي الدرداء، وضعفه الحافظ ابن حجر. (تغليق التعليق ٤/ ٣٣٢) قال الحافظ ابن حجر: وللمرفوع شاهد آخر عن ابن عمر أخرجه البزار (فتح الباري ٨/ ٦٢٣).\n(^٤) ذكره البخاري تعليقًا ووصله البخاري في تأريخه والبيهقي في شعب الإيمان. (تغليق التعليق ٤/ ٣٣٢).\n(^٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٦٨)، وسنده ضعيف لضعف البيلماني، وقد جعله الحافظ ابن حجر شاهدًا للمرفوع كما تقدم، ويتقوى بما سبق.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن أبا حمزة الثمالي هو ثابت بن أبي صفية وهو ضعيف رافضي (التقريب ص ١٣٢).","vol":"7","page":107},{"text":"وعيد من الله تعالى للعباد وليس بالله شغل وهو فارغ (^١)، وكذا قال الضحاك: هذا وعيد (^٢).\nوقال قتادة: قد دنا من الله فراغ لخلقه (^٣).\nوقال ابن جريج: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: سنقضي لكم.\nوقال البخاري: سنحاسبكم لا يشغله شيء عن شيء، وهو معروف في كلام العرب، يقال: لأتفرغنَّ لك وما به شغل، يقول: لآخذنَّك على غرتك (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ الثقلان: الإنس والجن كما جاء في الصحيح: \"ويسمعها كل شيء إلا الثقلين\" (^٥) وفي رواية \"إلا الإنس والجن\".\nوفي حديث [الصور \"الثقلان: الإنس والجن\" (^٦)] (^٧) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾.\n\n<span id=\"aya-4934\"></span>\n\n<span id=\"aya-4935\"></span>\n\n<span id=\"aya-4936\"></span>\n\n<span id=\"aya-4937\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ أي: لا تستطيعون هربًا من أمر الله وقدره بل هو محيط بكم، لا تقدرون على التخلص من حكمه ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام الحشر، الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب فلا يقدر أحد على الذهاب ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ أي: إلا بأمر الله ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ [القيامة]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾ [يونس: ٢٧] ولهذا قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس الشواظ: هو لهب النار (^٨).\nوقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: الشواظ: الدخان.\nوقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع (^٩).\nوقال أبو صالح: الشواظ: هو اللهب الذي فوق النار ودون الدخان.\nوقال الضحاك: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ سيل من نار.\nوقوله تعالى: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ دخان النار (^١٠)، وروي مثله عن أبي صالح وسعيد بن جبير وأبي سنان (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك ويتقوى بسابقه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٤) ذكره البخاري وقال الحافظ ابن حجر: وهو كلام أبي عبيدة أخرجه ابن المنذر من طريقه (فتح الباري ٨/ ٦٢٣).\n(^٥) أخرجه البخاري (الصحيح، الجنائز، باب الميت يسمع قرع النعال ح ١٣٣٨).\n(^٦) تقدم تخريج حديث الصور في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.\n(^٧) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٩) أخرجه الحافظ ابن حجر بسند حسن من طريق منصور عن مجاهد. (تغليق التعليق ٣/ ٥١٠).\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر، وهو ابن المغيرة، عن سعيد بن جبير.","vol":"7","page":108},{"text":"وقال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان: نحاسًا، بضم النون وكسرها، والقراء مجمعة على الضم، ومن النحاس بمعنى الدخان قول نابغة جعدة:\nيضيء كضوء سراج السليط … لم يجعل الله فيه نحاسًا (^١)\nيعني: دخانًا (^٢) هكذا قال:\nوقد روى الطبراني من طريق جويبر، عن الضحاك أن نافع بن الأرزق سأل ابن عباس عن الشواظ فقال: هو اللهب الذي لا دخان معه، فسأله شاهدًا على ذلك من اللغة، فأنشده قول أُمية بن أبي الصلت في حسان:\nألا من مبلغ حسان عني … مغلغلة تدب إلى عكاظ\nأليس أبوك فينا كان قينًا … إلى القينات فَسلًا في الحفاظ\nيمانيًا يظل يشب كيرًا … وينفخ دائبًا لهب الشواظ\nقال: صدقت، فما النحاس؟ قال: هو الدخان الذي لا لهب له، قال: فهل تعرفه العرب؟ قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان يقول:\nيضيء كضوء سراج السليط … لم يجعل الله فيه نحاسًا (^٣)\nوقال مجاهد: النحاس الصُّفر يذاب فيصب على رؤوسهم (^٤)، وكذا قال قتادة (^٥).\nوقال الضحاك: ونحاس سيل من نحاس، والمعنى على كل قول: لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار، والنحاس المذاب عليكم لترجعوا، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾.\n\n<span id=\"aya-4938\"></span>\n\n<span id=\"aya-4939\"></span>﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يوم القيامة كما دلَّت عليه هذه الآيات مع ما شاكلها من الآيات الواردة في معناها كقوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ [الحاقة].\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان] وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)﴾ [الانشقاق] وقوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أي: تذوب كما يذوب الدردي والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء\n_________\n(^١) ديوان النابغة الجعدي ص ٨١.\n(^٢) ذكره الطبري.\n(^٣) أخرجه الطبراني من طريق جويبر به (المعجم الكبير ١٠/ ٣٠٥) وسنده ضعيف لضعف جويبر.\n(^٤) أخرجه هناد بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد (الزهد ٢٧١)، وأخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":109},{"text":"وصفراء، وزرقاء وخضراء، وذلك من شدة الأمر وهول يوم القيامة العظيم.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الصهباء، حدثنا نافع أبو غالب الباهلي، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"يبعث الناس يوم القيامة والسماء تطشُّ عليهم\" (^١).\nقال الجوهري: الطشُّ: المطر الضعيف.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ قال: هو الأديم الأحمر (^٢).\nوقال أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ كالفرس الورد (^٣)، وقال العوفي عن ابن عباس: تغير لونها (^٤).\nوقال أبو صالح: كالبرذون الورد، ثم كانت بعد كالدهان (^٥).\nوحكى البغوي وغيره أن الفرس الورد تكون في الربيع صفراء، وفي الشتاء حمراء، فإذا اشتد البرد تغير لونها (^٦).\nوقال الحسن البصري: تكون ألوانًا.\nوقال السدي: تكون كلون البغلة الوردة (^٧)، وتكون كالمهل كدردي الزيت.\nوقال مجاهد: ﴿كَالدِّهَانِ﴾ كألوان الدهان (^٨).\nوقال عطاء الخراساني: كلون دهن الورد في الصفرة.\nوقال قتادة: هي اليوم خضراء ويومئذٍ لونها إلى الحمرة يوم ذي ألوان (^٩).\nوقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن.\nوقال ابن جريج: تصير السماء كالدهن الذائب، وذلك حين يصيبها حرُّ جهنم (^١٠).\n\n<span id=\"aya-4940\"></span>\n\n<span id=\"aya-4941\"></span>\n\n<span id=\"aya-4942\"></span>\n\n<span id=\"aya-4943\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات] فهذا في حال وثم في حال يسأل الخلائق عن جميع أعمالهم، وقال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر] ولهذا قال قتادة: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ قال: قد كانت مسألة ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١/ ٣٢٠ ح ١٣٨١٤) وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٢) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ويتقوى بما يليه.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق أبي كدينة به وسنده ضعيف ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بما سبق.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^٦) ذكره البغوي دون إسناده إلى أحد (معالم التنزيل ٤/ ٢٧٢).\n(^٧) وهو قريب من قول أبي صالح.\n(^٨) ذكره البغوي (المصدر السابق).\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^١٠) ذكره البغوي (المصدر السابق).\n(^١١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي العوام عن قتادة بنحوه.","vol":"7","page":110},{"text":"قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا (^١)؟ فهذا قول ثانٍ.\nوقال مجاهد في هذه الآية: لا تسأل الملائكة؛ عن المجرمين بل يعرفون بسيماهم (^٢)، وهذا قول ثالث، وكأن هذا بعدما يؤمر بهم إلى النار فذلك الوقت لا يسألون عن ذنوبهم بل يقادون إليها ويلقون فيها كما قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: بعلامات تظهر عليهم.\nوقال الحسن وقتادة: يعرفونهم باسوداد الوجوه وزرقة العيون (^٣).\nقلت: وهذا كما يعرف المؤمنون بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء.\nوقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ أي: يجمع الزبانية ناصيته مع قدميه ويلقونه في النار كذلك.\nوقال الأعمش، عن ابن عباس: يؤخذ بناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور (^٤).\nوقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره (^٥).\nوقال السدي: يجمع بين ناصية الكافر وقدميه فتربط ناصيته بقدمه ويفتل ظهره.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يعني: جده، أخبرني عبد الرحمن، حدثني رجل من كِندة قال: أتيت عائشة فدخلت عليها وبيني وبينها حجاب فقلت: حدثك رسول الله ﷺ أنه يأتي عليه ساعة لا يملك فيها لأحد شفاعة؟ قالت: نعم لقد سألته عن هذا وأنا وهو في شعار واحد قال: \"نعم حين يوضع الصراط لا أملك لأحد فيها شفاعة حتى أعلم أين يسلك بي، ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه حتى أنظر ماذا يفعل بي - أو قال يوحى - وعند الجسر حين يستحد ويستحر\" فقالت: وما يستحد وما يستحر؟ قال: \"يستحد حتى يكون مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مثل الجمرة، فأما المؤمن فيجوزه لا يضره، وأما المنافق فيتعلق حتى إذا بلغ أوسطه خر من قدميه فيهوي بيديه إلى قدميه\"، قالت: فهل رأيت من يسعى حافيًا فتأخذه شوكة حتى تكاد تنفذ قدميه؟ فإنه كذلك يهوي بيده ورأسه إلى قدميه فتضربه الزبانية بخطاف في ناصيته وقدمه، فتقذفه في جهنم فيهوي فيها مقدار خمسين عامًا، قلت: ما ثقل الرجل؟ قالت: \"ثقل عشر خلفات سِمان، فيومئذٍ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام\" (^٦). هذا حديث غريب جدًا، وفيه ألفاظ منكر رفعها، وفي الإسناد من لم يسم ومثله لا يحتج به، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4944\"></span>وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣)﴾ أي: هذه النار التي كنتم تكذبون\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وهو سند ثابت يتكرر.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم والبيهقي، والأعمش لم يسمع من ابن عباس.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق من طريق رجل من كنده عن عائشة مطولًا (المصنف رقم ١١٣١) وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن عائشة ﵂، وضعفه الحافظ ابن كثير.","vol":"7","page":111},{"text":"بوجودها، ها هي حاضرة تشاهدونها عيانًا، يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتصغيرًا وتحقيرًا.\n\n<span id=\"aya-4945\"></span>\n\n<span id=\"aya-4946\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ أي: تارة يعذبون في الجحيم وتارة يسقون من الحميم، وهو الشراب الذي هو كالنحاس المذاب يقطع الأمعاء والأحشاء، وهذه كقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ [غافر].\nوقوله: ﴿آنٍ﴾ أي: حار قد بلغ الغاية في الحرارة لا يستطاع من شدة ذلك، قال ابن عباس في قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ أي: قد انتهى غليه واشتد حره، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن والثوري والسدي (^١).\nوقال قتادة: قد آن طبخه منذ خلق الله السماوات والأرض (^٢).\nوقال محمد بن كعب القرظي: يؤخذ العبد فيحرك بناصيته في ذلك الحميم حتى يذوب اللحم ويبقى العظم والعينان في الرأس وهي كالتي يقول الله تعالى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ والحميم الآن يعني: الحار.\nوعن القرظي رواية أخرى ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حاضر وهو قول ابن زيد أيضًا (^٣)، والحاضر لا ينافي ما روي عن القرظي أولًا أنه الحار كقوله تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾ [الغاشية] أي: حارة شديدة الحر لا تستطاع، وكقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] يعني: استواءه ونضجه فقوله: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حميم حار جدًا.\nولما كان معاقبة العصاة المجرمين وتنعيم المتقين من فضله ورحمته وعدله ولطفه بخلقه، وكان إنذاره لهم عن عذابه وبأسه مما يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصي وغير ذلك قال ممتنًا بذلك على بريته: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾؟\n\n<span id=\"aya-4947\"></span>\n\n<span id=\"aya-4948\"></span>\n\n<span id=\"aya-4949\"></span>\n\n<span id=\"aya-4950\"></span>﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣)﴾.\nقال [ابن شوذب] (^٤) وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ في أبي بكر الصديق (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن مصفي، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ نزلت في الذي قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"انتهى حره\"، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك فيه إبهام شيخ الطبري ويتقوى بما سبق.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل صُحف إلى: ابن شوذبة.\n(^٥) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن ابن شوذب وعطاء وكلاهما ضعيف لأن كل واحد منهما معضل.","vol":"7","page":112},{"text":"أحرقوني بالنار لعلّي [أضلّ الله] (^١) قال: تاب يومًا وليلة، بعد أن تكلم بهذا، فقبل الله منه وأدخله الجنة (^٢)، والصحيح أن هذه الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره (^٣) يقول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ بين يدي الله ﷿ يوم القيامة ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] ولم يطغِ ولا آثر الحياة الدنيا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى فأدّى فرائض الله واجتنب محارمه، فله يوم القيامة عند ربه جنتان، كما قال البخاري ﵀: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: \"جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﷿ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن\" (^٤). وأخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث عبد العزيز به (^٥)، وقال حماد بن سلمة: عن ثابت، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال حماد: لا أعلمه إلا قد رفعه في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾.\nوفي قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن] جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان [المقري] (^٧)، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن عطاء بن يسار، أخبرني أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ قرأ يومًا هذه الآية ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: \"وإن رغم أنف أبي الدرداء\" (^٨). ورواه النسائي من حديث محمد بن أبي حرملة به (^٩)، ورواه النسائي أيضًا عن مؤمل بن هشام، عن إسماعيل، عن الجريري، عن موسى، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبي الدرداء به (^١٠)، وقد روي موقوفًا على أبي الدرداء، وروي عنه أنه قال: إن من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق (^١١). وهذه الآية عامة في\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"أصل إلى الله\".\n(^٢) وسنده ضعيف لإرساله وعنعنة بقية، وهو من المدلسين الذين لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بالسماع.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه، الجنة\".\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن] ح ٤٨٧٨).\n(^٥) صحيح مسلم، الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم (ح ٢٩٦).\n(^٦) أخرجه الطبري والبيهقي (البعث والنشور رقم ٢٤٢).\n(^٧) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل بياض، وفي تفسير الطبري: المصري.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق إسماعيل عن محمد بن أبي حرملة به (المسند ١٤/ ٣١١، ٣١٢ ح ٨٦٨٣) وصح سنده محققوه.\n(^٩) السنن الكبرى، التفسير، باب سورة الرحمن (ح ١١٥٦٠) وسنده كسابقه.\n(^١٠) المصدر السابق (ح ١١٥٦١).\n(^١١) أخرجه ابن المبارك (الزهد رقم ٩٢٤)، والطبري كلاهما من طريق معتمر عن أبيه عن سيار عن أبي الدرداء. ويشهد له سابقه المرفوع.","vol":"7","page":113},{"text":"الإنس والجن، فهي من أدلِّ دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا، ولهذا امتنَّ الله تعالى على الثقلين بهذا الجزاء فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ ثم نعتَ هاتين الجنتين فقال: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ أي: أغصان نضرة حسنة تحمل من كل ثمرة نضيجة فائقة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩)﴾؟ هكذا قال عطاء الخراساني وجماعة أن الأفنان أغصان الشجر يمس بعضها بعضًا (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا مسلم بن قتيبة، حدثنا عبد الله بن النعمان، سمعت عكرمة يقول: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ يقول: ظل الأغصان على الحيطان، ألم تسمع قول الشاعر (^٢):\nما هاج شوقك من هديل حمامة … تدعو على فنن الغصون حماما\nتدعو أبا فرخين صادف … طاويًا ذا مخلبين من الصقور قطاما (^٣)\nوحكى البغوي عن مجاهد وعكرمة والضحاك والكلبي، أنه [الغصن المستقيم طوالا] (^٤) (^٥).\nقال: وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد السلام بن حرب، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ ذواتا ألوان (^٦). قال: وروي عن سعيد بن جبير والحسن والسدي [وخصيف] (^٧) والنضر بن عربي وابن سنان مثل ذلك (^٨)، ومعنى هذا القول أن فيهما فنونًا من الملاذ، واختاره ابن جرير.\nوقال عطاء: كل غصن يجمع فنونًا من الفاكهة (^٩).\nوقال الربيع بن أنس: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ [واسعتا الفنان وكل هذه الأقوال صحيحة ولا منافاة بينها، والله أعلم.\nوقال قتادة: ذواتا أفنان] (^١٠) يعني بسعتها وفضلها ومزيتها على ما سواها (^١١).\nوقال محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله ﷺ وذكر سدرة المنتهى، فقال: \"يسير في ظل الفنن منها الراكب مائة سنة - أو قال: يستظل في ظل الفنن منها مائة راكب - فيها فراش الذهب كأن ثمرها\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل من أهل البصرة عن مجاهد.\n(^٢) هو ثابت بن كعب، وقد استشهد به الطبري والأصبهاني (الأغاني ١٤/ ٢٦٢).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن النعمان به، وعبد الله بن النعمان مقبول. (التقريب ص ٣٢٦).\n(^٤) كذا في (حم) وفي (ح): الغصن المنيف طوالا، وفي الأصل بياض.\n(^٥) ذكرهم البغوي دون إسناد (معالم التنزيل ٤/ ٢٧٤).\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق عبد السلام بن حرب به. وسنده حسن.\n(^٧) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل بياض.\n(^٨) أخرجه الطبري من قول مجاهد وأبي سنان وفي سنديهما ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وأخرجه الطبري عن الضحاك بسند فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٩) ذكره البغوي (معالم التنزيل ٤/ ٢٧٤).\n(^١٠) زيادة من (حم) و(ح).\n(^١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":114},{"text":"[القلال] (^١) \". ورواه الترمذي من حديث يونس بن بكير به (^٢).\n\n<span id=\"aya-4951\"></span>\n\n<span id=\"aya-4952\"></span>﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ (^٣) أي: تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان فتثمر من جميع الألوان ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١)﴾.\nقال الحسن البصري: إحداهما يقال لها: تسنيم، والأخرى: السلسبيل. وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين (^٤)،\n\n<span id=\"aya-4953\"></span>\n\n<span id=\"aya-4954\"></span>ولهذا قال بعد هذا: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾ أي: من جميع أنواع الثمار مما يعلمون وخير مما يعلمون، ومما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣)﴾.\nقال إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل.\nوقال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء؛ يعني: أن بين ذلك بونًا عظيمًا، وفرقًا بيِّنًا في التفاضل (^٥).\n\n<span id=\"aya-4955\"></span>\n\n<span id=\"aya-4956\"></span>﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ يعني: أهل الجنة، والمراد بالاتكاء ههنا الاضطجاع ويقال: الجلوس على صفة التربيع ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غلظ من الديباج، قاله عكرمة والضحاك وقتادة (^٦).\nوقال أبو عمران الجوني: هو الديباج المزين بالذهب، فنبه على شرف الظهارة بشرف البطانة، فهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى.\nقال أبو إسحاق: عن هبيرة بن يريم، عن عبد الله بن مسعود قال: هذه البطائن، فكيف لو رأيتم الظواهر (^٧)؟\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.\n(^٢) أخرجه الترمذي عن أبي كريب عن يونس بن بكير به (السنن، صفة الجنة، باب ما جاء في صفة ثمار أهل الجنة ح ٢٥٤١) وسنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٤٥٨).\n(^٣) ورد قبل هذا سطران مكرران مقحمان تقدما قبل صفحتين وهو قول حماد بن سلمة: لا أعلمه إلا قد رفعه في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن] إلى قوله: وجنتان من ورق لأصحاب اليمين. اهـ. ولا يستقيم ذكره هنا.\n(^٤) ذكر قول الحسن وعطية الإمام البغوي دون سند (معالم التنزيل ٤/ ٢٧٤).\n(^٥) سنده ضعيف لضعف إبراهيم بن الحكم (التقريب ص ٨٨) وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة عن أبي عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عكرمة.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق سفيان عن أبي إسحاق به وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٧٥).","vol":"7","page":115},{"text":"وقال مالك بن دينار: بطائنها من إستبرق وظواهرها من نور (^١).\nوقال سفيان الثوري أو شريك: بطائنها من إستبرق وظواهرها من نور جامد (^٢).\nوقال القاسم بن [مخيمرة] (^٣): بطائنها من إستبرق وظواهرها من الرحمة (^٤).\nوقال ابن شوذب، عن أبي عبد الله الشامي: ذكر الله البطائن ولم يذكر الظواهر، وعلى الظواهر المحابس ولا يعلم ما تحت المحابس إلا الله تعالى، ذكر ذلك كله الإمام ابن أبي حاتم ﵀.\n﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ أي: ثمرهما قريب إليهم متى شاءوا تناولوه على أي صفة كانوا، كما قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ [الحاقة] وقال: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ [الإنسان] أي: لا تمتنع ممن تناولها بل تنحط إليه من أغصانها ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥)﴾؟\n\n<span id=\"aya-4957\"></span>\n\n<span id=\"aya-4958\"></span>ولما ذكر الفرش وعظمتها قال بعد ذلك ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: في الفرش ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: غضيضات عن غير أزواجهن فلا يرين شيئًا في الجنة أحسن من أزواجهن، قاله ابن عباس وقتادة وعطاء الخراساني وابن زيد (^٥).\nوقد ورد أن الواحدة منهن تقول لبعلها: والله ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك. ولا في الجنة شيئًا أحب إلي منك، فالحمد لله الذي جعلك لي وجعلني لك.\n﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ أي: بل هن أبكار عُرُب أتراب لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس والجن، وهذه أيضًا من الأدلة على دخول مؤمني الجن الجنة.\nوقال أرطاة بن المنذر: سُئل ضمرة بن حبيب هل يدخل الجن الجنة؟ قال: نعم وينكحون، للجن جنيات وللإنس إنسيات، وذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧)﴾ (^٦).\n\n<span id=\"aya-4959\"></span>\n\n<span id=\"aya-4960\"></span>ثم قال ينعتهن للخطاب: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾.\nقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم: في صفاء الياقوت وبياض المرجان (^٧)، فجعلوا المرجان ههنا اللؤلؤ.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا عَبيدة بن حميد، عن عطاء بن السائب، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقيها من وراء سبعين حلة من حرير [حتى يرى مخَّها] \" (^٨)، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه\n_________\n(^١) في آخره غرابة وهو مرسل.\n(^٢) كسابقه.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.\n(^٤) كسابقه وهو مرسل أيضًا.\n(^٥) أخرجه محمد بن يوسف الفريابي بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد (ينظر تغليق التعليق ٤/ ٣٣٤)، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق شُريح بن يزيد الحضرمي عن أرطأة بن المنذر به، وسنده ضعيف لإرساله.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن، وبسند صحيح من طريق معمر عن قتادة وبسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٨) كذا في سنن الترمذي والمسند، وفي الأصل بياض، وفي (حم) و(مح): \"ومخها\".","vol":"7","page":116},{"text":"سلكًا ثم استصفيته لرأيته من ورائه (^١)، وهكذا رواه الترمذي من حديث عبيدة بن حميد وأبي الأحوص عن عطاء بن السائب به، ورواه موقوفًا ثم قال: وهو أصح (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يونس، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كل واحدة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الثياب\" (^٣). تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه.\nوقد روى مسلم حديث إسماعيل بن عُليَّة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا، الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أولم يقل أبو القاسم ﷺ: \"إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخّ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب\" (^٤). وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث همام بن منبه وأبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد بن طلحة، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: \"لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده - يعني: سوطه - من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحًا ولطاب ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها\" (^٦). ورواه البخاري من حديث أبي إسحاق، عن حميد، عن أنس بنحوه.\n\n<span id=\"aya-4961\"></span>وقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ أي: لا لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].\nوقال البغوي: حدثنا أبو سعيد الشريحي، حدثنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن شيبة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن بهرام، حدثنا الحجاج بن يوسف المكتب، حدثنا بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ وقال: \"هل تدرون ما قال ربكم؟ \" (^٧) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة\" (^٨).\n_________\n(^١) في سنده عبيدة بن حميد وهو صدوق ربما أخطأ (التقريب ص ٣٧٩) ولعله هو الذي رفعه لأن الترمذي أخرجه من طريق آخر موقوفًا وقال هذا أصح كما يلي.\n(^٢) أخرجه الترمذي من طريق عبيدة بن حميد به مرفوعًا وأخرجه من طريق قتيبة عن جرير عن عطاء بن السائب به موقوفًا وقال: وهذا أصح. (السنن، صفة الجنة، باب صفة نساء أهل الجنة ح ٢٥٣٣ و٢٥٣٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ٢٢٠ ح ٨٥٤٢) وصحح سنده محققوه.\n(^٤) صحيح مسلم، صفة الجنة، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة قمر ليلة البدر (ح ٢٨٣٤/ ١٤).\n(^٥) المصدر السابق (ح ٢٨٣٤/ ١٥) وصحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (ح ٣٣٢٧).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٤١) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح البخاري، الجهاد، باب الحور العين وصفتهن (ح ٢٧٩٦).\n(^٨) أخرجه البغوي بسنده ومتنه (معالم التنزيل ٤/ ٢٧٦) وسنده ضعيف جدًا لأن بشر بن الحسين وهو الأصبهاني صاحب الزبير بن عدي، وكان يكذب على الزبير. (لسان الميزان ٢/ ٢١).","vol":"7","page":117},{"text":"<span id=\"aya-4962\"></span>ولما كان في الذي ذكر نعم عظيمة لا يقاومها عمل بل مجرد تفضل وامتنان قال بعد ذلك كله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾؟ ومما يتعلق بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن] ما رواه الترمذي والبغوي من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي عقيل الثقفي، عن أبي فروة يزيد بن سنان الرهاوي، عن بكير بن فيروز، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة\" ثم قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر (^١).\nوروى البغوي من حديث علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة مولى حويطب بن عبد العزى، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله ﷺ يقصُّ على المنبر وهو يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ فقلت الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: \"وإن رغم أنف أبي الدرداء\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-4963\"></span>\n\n<span id=\"aya-4964\"></span>﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾.\nهاتان الجنتان دون اللتين قبلهما في المرتبة والفضيلة والمنزلة بنصِّ القرآن، قال الله تعالى ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ وقد تقدم في الحديث: جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، فالأوليان للمقربين والأخريان لأصحاب اليمين (^٣).\nوقال أبو موسى: جنتان من ذهب للمقربين وجنتان من فضة لأصحاب اليمين (^٤).\nوقال ابن عباس: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ من دونهما في [الدرج] (^٥).\nوقال ابن زيد: من دونهما في الفضل (^٦). والدليل على شرف الأوليين على الأخريين وجوه:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (السنن، صفة القيامة، باب من خاف أدلج ح ٢٤٥٢) وصححه الألباني بطرقه في السلسلة الصحيحة (ح ٢٣٣٥).\n(^٢) تقدم تخريجه في الآية ٤٦ من هذه السورة الكريمة.\n(^٣) تقدم تخريجه في الآية ٤٦ من هذه السورة الكريمة.\n(^٤) تقدم تخريجه من صحيح البخاري في الآية ٤٦ من هذه السورة الكريمة.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري وفي الأصل صُحف إلى: \"المدرج\". وهذا لفظ الطبري ثم ساقه بسنده إلى ابن عباس بمعناه، وقد أخرجه الطبري والحاكم من طريق عمرو بن أبي قيس عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٦) هذا لفظ الطبري، وقد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بلفظ: \"هما أدنى من هاتين لأصحاب اليمين\".","vol":"7","page":118},{"text":"(أحدها): أنه نعت الأوليين قبل هاتين والتقدم يدل على الاعتناء ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ وهذا ظاهر في شرف التقدم وعلوه على الثاني وقال هناك ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ وهي الأغصان أو الفنون في الملاذ، وقال ههنا ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ أبو سوداوان من شدة الري من الماء.\n\n<span id=\"aya-4965\"></span>\n\n<span id=\"aya-4966\"></span>قال ابن عباس في قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾: قد اسودتا من الخضرة من شدة الري من الماء (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ قال: خضراوان (^٢). وروى عن أبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن أبي أوفى وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد في إحدى الروايات وعطاء وعطية العوفي والحسن البصري، ويحيى بن رافع وسفيان الثوري نحو ذلك (^٣).\nوقال محمد بن كعب: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ ممتلئتان من الخضرة.\nوقال قتادة: خضراوان من الري ناعمتان (^٤)، ولا شك في نضارة الأغصان على الأشجار المشتبكة بعضها في بعض.\n\n<span id=\"aya-4967\"></span>\n\n<span id=\"aya-4968\"></span>\n\n<span id=\"aya-4969\"></span>\n\n<span id=\"aya-4970\"></span>وقال هناك: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ وقال ههنا: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي فياضتان (^٥)، والجري أقوى من النضخ، وقال الضحاك ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ أي: ممتلئتان ولا تنقطعان (^٦). وقال هناك: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾، وقال ههنا: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ ولا شك أن الأولى أعمّ وأكثر في الأفراد والتنويع على فاكهة، وهي نكرة في سياق الإثبات لا تعم، ولهذا فسر قوله: ﴿وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ من باب عطف الخاص على العام كما قرره البخاري وغيره (^٧)، وإنما أفرد النخل والرمان بالذكر لشرفهما على غيرهما.\nقال عبد بن حميد: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا حصين بن عمر، حدثنا مخارق، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب قال: جاء أناس من [اليهود] (^٨) إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أفي الجنة فاكهة؟ قال: \"نعم فيها فاكهة ونخل ورمان\" قالوا: أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟ قال: \"نعم وأضعاف\" قالوا: فيقضون الحوائج؟ قال: \"لا ولكنهم يعرقون ويرشحون فيذهب الله ما في بطونهم من أذى\" (^٩).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن حماد، عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق ابن فضيل به وسنده حسن ويتقوى بسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن عبد الله بن الزبير، وأخرجه الطبري بسند حسن عن عطية العوفي، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن بلفظ: \"ناعمتان\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق سعيد بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه، ويشهد له سابقه.\n(^٧) ينظر فتح الباري ٨/ ٦٢٣.\n(^٨) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل بياض.\n(^٩) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه. (المنتخب رقم ٣٥) وسنده ضعيف جدًا لأن حصين بن عمر وهو الأحمسي: متروك. (التقريب ص ١٧٠).","vol":"7","page":119},{"text":"سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نخل الجنة سعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم، ومنها حللهم وكربها ذهب أحمر وجذوعها زمرد أخضر، وثمرها أحلى من العسل وألين من الزبد، وليس له عجم (^١).\nوحدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد هو: ابن سلمة، عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: \"نظرت إلى الجنة فإذا الرمانة من رمانها كالبعير المقتب\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-4971\"></span>\n\n<span id=\"aya-4972\"></span>ثم قال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ قيل: المراد خيرات كثيرة حسنة في الجنة قاله قتادة (^٣)، وقيل: خيرات جمع خيرة وهي المرأة الصالحة الحسنة الخلق الحسنة الوجه، قاله الجمهور، وروي مرفوعًا عن أم سلمة، وفي الحديث الآخر الذي سنورده في سورة الواقعة إن شاء الله تعالى أن الحور العين يغنين: نحن الخيرات الحسان خلقنا لأزواج كرام (^٤)، ولهذا قرأ بعضهم ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ﴾ بالتشديد (^٥) ﴿حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١)﴾\n\n<span id=\"aya-4973\"></span>\n\n<span id=\"aya-4974\"></span>ثم قال: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ وهناك قال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] ولا شك أن التي قد قصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قصرت وإن كان الجميع مخدرات.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع بن سفيان، عن جابر، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: إن لكل مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب يدخل عليه كل يوم تحفة وكرامة وهدية، لم تكن قبل ذلك لا مرحات ولا طمحات ولا بخرات ولا ذفرات، حورٌ عِين كأنهن بيض مكنون (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾ قال البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلًا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون\" (^٧) ورواه أيضًا من حديث أبي عمران به وقال: ثلاثون ميلًا (^٨)، وأخرجه مسلم من حديث أبي عمران به ولفظه \"إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون (^٩) ميلًا، للمؤمن فيها أهل يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا\" (^١٠).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أبي الربيع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة،\n_________\n(^١) رجاله ثقات وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٧٥، ٤٧٦).\n(^٢) سنده ضعيف جدًا لأن أبا هارون هو عمارة بن جوين وهو متروك كما في التقريب.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: \"خيرات في الأخلاق، حسان في الوجوه\".\n(^٤) سيأتي تخريجه في تفسير سورة الواقعة آية ٣٧.\n(^٥) وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٦) سنده ضعيف لضعف جابر وهو ابن يزيد الجعفي.\n(^٧) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ [الرحمن] ح ٤٨٧٩).\n(^٨) أخرجه البخاري (الصحيح، بدء الخلق، صفة الجنة ح ٣٢٤٣).\n(^٩) الميل ثلاثة آلاف ذراع أو أربعة آلاف ذراع (القاموس المحيط ٤/ ٥٣).\n(^١٠) صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب في صفة خيام الجنة (ح ٢٨٣٨).","vol":"7","page":120},{"text":"أخبرني خليد العصري، عن أبي الدرداء قال: الخيمة لؤلؤة واحدة فيها سبعون بابًا من درّ (^١).\nوحدثنا أبي: حدثنا عيسى بن أبي فاطمة، حدثنا جرير، عن هشام، عن محمد بن المثنى، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ قال: خيام اللؤلؤ، وفي الجنة خيمة واحدة من لؤلؤة واحدة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب (^٢).\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرنا عمرو أن دراجًا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: \"أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء\" ورواه الترمذي من حديث عمرو بن الحارث به (^٣).\n\n<span id=\"aya-4975\"></span>\n\n<span id=\"aya-4976\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤)﴾ قد تقدم مثله سواء إلا أنه زاد في وصف الأوائل بقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩)﴾ [الرحمن].\n\n<span id=\"aya-4977\"></span>\n\n<span id=\"aya-4978\"></span>وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفرف: المحابس (^٤)، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم: هي المحابس (^٥).\nوقال العلاء بن بدر: الرفرف على السرير كهيئة المحابس المتدلي.\nوقال عاصم الجحدري: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ يعني: الوسائد (^٦)، وهو قول الحسن البصري في رواية عنه (^٧).\nوقال أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ قال: الرفرف رياض الجنة (^٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي: العبقري: الزرابي (^٩).\nوقال سعيد بن جبير: هي: عتاق الزرابي (^١٠)؛ يعني: جيادها.\n_________\n(^١) سنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق فضيل بن عياش عن هشام به، ومحمد بن المثنى لم أقف على ترجمة له. وفي تفسير الطبري ورد باسم محمد دون ذكر والده، وقد يكون هو محمد بن سيرين.\n(^٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، صفة الجنة، باب ما جاء ما لأهل الجنة من الكرامة ح ٢٥٦٥) وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به، والمحابس: المقاعد.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن بلفظ: \"البُسط\".\n(^٨) سنده صحيح وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق هشيم عن أبي بشر به (المصنف ٨/ ٤٨). وسنده صحيح.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير.","vol":"7","page":121},{"text":"وقال مجاهد: العبقري: الديباج (^١).\nوسئل الحسن البصري عن قوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ فقال: هي بسط أهل الجنة لا أبا لكم فاطلبوها.\nوعن الحسن رواية أنها: المرافق.\nوقال زيد بن أسلم: العبقري أحمر وأصفر وأخضر.\nوسئل العلاء بن زيد، عن العبقري فقال: البسط أسفل من ذلك.\nوقال أبو حزرة يعقوب بن مجاهد: العبقري من ثياب أهل الجنة لا يعرفه أحد.\nوقال أبو العالية: العبقري: الطنافس المخملة إلى الرقة ما هي.\nوقال [القتبي] (^٢): كل ثوب موشى عند العرب عبقري.\nوقال أبو عبيدة: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي.\nوقال الخليل بن أحمد: كل شيء نفيس من الرجال وغير ذلك يسمى عند العرب: عبقريًا (^٣)، ومنه قول النبي ﷺ في عمر: \"فلم أرَ عبقريًا يفري فريه\" (^٤).\nوعلى كل تقدير فصفة مرافق أهل الجنتين الأوليين أرفع وأعلى من هذه الصفة فإنه قد قال هناك: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ فنعت بطائن فرشهم وسكت عن ظهائرها اكتفاء بما مدح به البطائن بطريق الأولى والأحرى وتمام الخاتمة أنه قال بعد الصفات المتقدمة ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾؟ فوصف أهلها بالإحسان، وهو أعلى المراتب والنهايات كما في حديث جبريل لما سأل عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، فهذه وجوه عديدة في تفضيل الجنتين الأوليين على هاتين الأخريين، ونسأل الله الكريم الوهاب أن يجعلنا من أهل الأوليين.\n\n<span id=\"aya-4979\"></span>ثم قال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ أي: هو أهل أن يُجلَّ فلا يعصى، وأن يكرم فيعبد، ويشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى، وقال ابن عباس: ﴿ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ذي العظمة والكبرياء (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن عمير بن هانئ، عن أبي العذراء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"أجِلَّوا الله يغفر لكم\" (^٦).\nوفي الحديث الآخر: \"إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وذي السلطان، وحامل القرآن غير المغالي فيه ولا الجافي عنه\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق رباح بن أبي معروف عن مجاهد. (المصنف ٨/ ٨٥).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير البغوي ولكنه غير منقوط، وفي الأصل صُحف إلى: \"القمي\".\n(^٣) ذكر البغوي قول القتيبي وأبي عبيدة والخليل. (معالم التنزيل ٤/ ٢٧٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (الصحيح، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ح ٣٦٣٣) ومسلم (الصحيح، فضائل الصحابة، باب فضائل عمر ﵁ ح ٢٦٧٦).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وفي آخره: قال ابن ثوبان يعني أسلموا (المسند ٣٦/ ٦٣ ح ٢١٧٣٤) وضعف سنده محققوه لجهالة أبي العذراء.\n(^٧) أخرجه أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. (السنن، الأدب، باب في تنزيل الناس منازلهم ح ٤٨٤٣) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٥٣).","vol":"7","page":122},{"text":"وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو يوسف الحربي، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا حميد الطويل، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"ألظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام\" (^١). وكذا رواه الترمذي، عن محمود بن غيلان، عن مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به، ثم قال: غلط المؤمل فيه، وهو غريب وليس بمحفوظ، وإنما يروى هذا عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن النبي ﷺ (^٢).\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن حسان المقدسي، عن ربيعة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ألظُّوا بذي الجلال والإكرام\" (^٣). ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك به (^٤).\nوقال الجوهري: ألظ فلان بفلان: إذا لزمه، وقول ابن مسعود: ألظُّوا بياذا الجلال والإكرام؛ أي: الزموا، يقال: الإلظاظ: هو الإلحاح.\n(قلت): وكلاهما قريب من الآخر، والله أعلم، وهو المداومة واللزوم والإلحاح.\nوفي صحيح مسلم والسنن الأربعة من حديث عبد الله بن الحارث، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم لا يقعد يعني بعد الصلاة إلا بقدر ما يقول: \"اللَّهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام\" (^٥).\nآخر تفسير سورة الرحمن، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٤٥ ح ٣٧٣٣) وله شاهد يأتي يتقوى به.\n(^٢) السنن، الدعوات، باب ٩٩ (ح ٣٥٢٣) ويشهد له ما يلي.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٢٩/ ١٣٨ ح ١٧٥٩٦) وصحح سنده محققوه. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٥٣٦).\n(^٤) السنن الكبرى، النعوت، باب ذو الجلال والإكرام (ح ٧٧١٦) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته (ح ٥٩١).","vol":"7","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-179>سُورَةُ الوَاقِعَةِ</span>\nوهي مكية\nقال أبو إسحاق: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شِبتَ، قال: \"شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ]، و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ [التكوير]. رواه الترمذي وقال: حسن غريب (^١). قال الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن مسعود بسنده إلى عمرو بن الربيع بن طارق المصري، حدثنا السري بن يحيى الشيباني، عن أبي شجاع، عن أبي ظبية قال: مرض عبد الله مرضه الذي توفي فيه، فعاده عثمان بن عفان فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه؟ قال: يكون لبناتك من بعدك. قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي يقرأنَّ كل ليلة سورة الواقعة، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا\" ثم قال ابن عساكر: كذا قال، والصواب عن شجاع كما رواه عبد الله بن وهب، عن السري. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني السري بن يحيى أن شجاعًا حدثه عن أبي ظبية، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا\" فكان أبو ظبية لا يدعها، وكذا رواه أبو يعلى عن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن منيب، عن السري بن يحيى، عن شجاع، عن أبي ظبية، عن ابن مسعود به (^٢).\nثم رواه أبو يعلى عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن محمد بن منيب العدني، عن السري بن يحيى، عن أبي ظبية، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا\" (^٣) لم يذكر في مسنده شجاعًا قال: وقد أمرت بناتي أن يقرأنها كل ليلة. وقد رواه ابن عساكر أيضًا من حديث حجاج بن نصير وعثمان بن اليمان، عن السري بن يحيى، عن شجاع، عن أبي فاطمة قال: مرض عبد الله فأتاه عثمان بن عفان يعوده، فذكر الحديث بطوله، قال عثمان بن اليمان: كان أبو فاطمة هذا مولى لعلي بن أبي طالب.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل ويحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات كنحو من\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في مطلع تفسير سورة هود.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق ٣٦/ ٤٤٤)، الحديث ضعفه ابن الجوزي (العلل المتناهية ١/ ١١٢ - ١١٣) وابن عراق (تنزيه الشريعة ١/ ٣٠١) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٢٨٩).\n(^٣) أخرجه أبو بكر بن السني عن أبي يعلى به (عمل اليوم والليلة ح ٦٧٤) وسنده ضعيف كسابقه.","vol":"7","page":124},{"text":"صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف، وكانت صلاته أخفَّ من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور (^١).\n\n<span id=\"aya-4980\"></span>\n\n<span id=\"aya-4981\"></span>﷽\n﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾.\nالواقعة من أسماء يوم القيامة سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾ [الحاقة].\nقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ أي: ليس لوقوعها إذا أراد الله كونها صارف يصرفها ولا دافع يدفعها كما قال: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٧] وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢)﴾ [المعارج] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾ [الأنعام: ٧٣].\nومعنى ﴿كَاذِبَةٌ﴾ كما قال محمد بن كعب: لا بدّ أن تكون.\nوقال قتادة: ليس فيها مثنوية ولا ارتداد ولا رجعة (^٢).\nقال ابن جرير: والكاذبة مصدر كالعاقبة والعافية (^٣).\n\n<span id=\"aya-4982\"></span>وقوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ أي: تخفض أقوامًا إلى أسفل سافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليين إلى النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وضعاء، هكذا قال الحسن وقتادة وغيرهما (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب المعني، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ تخفض أقوامًا وترفع آخرين (^٥).\nوقال عبيد الله العتكي: عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤/ ٥٠٤ ح ٢٠٩٩٥) وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن من أجل سماك بن حرب.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) سنده حسن.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق عبيد الله العتكي به، ويشهد له سابقه ولاحقه.","vol":"7","page":125},{"text":"وقال محمد بن كعب: تخفض رجالًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالًا كانوا في الدنيا مخفوضين.\nوقال السدي: خفضت المتكبرين ورفعت المتواضعين.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ أسمعت القريب والبعيد (^١).\nوقال عكرمة: خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى (^٢)، وكذا قال الضحاك وقتادة (^٣).\n\n<span id=\"aya-4983\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾ أي: حركت تحريكًا فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها، ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد في قوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾ أي: زلزلت زلزالًا (^٤).\nوقال الربيع بن أنس: ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه (^٥)، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ [الزلزلة] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج].\n\n<span id=\"aya-4984\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ أي: فتتت فتًا، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم (^٦).\nوقال ابن زيد: صارت الجبال كما قال الله تعالى (^٧): ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤].\n\n<span id=\"aya-4985\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ قال أبو إسحاق: عن الحارث، عن علي ﵁: هباء منبثًا كرهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء (^٨).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئًا (^٩).\nوقال عكرمة: المنبث الذي قد ذرته الريح وبثته (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما رواه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وأخرجه أيضًا بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) لم أجد من أخرجه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري عن عكرمة بسند ضعيف فيه حفص بن عمر وهو ضعيف، ويتقوى بما سبق.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٨) أخرجه الثوري والطبري من طريق الحارث، وهو الأعور وهو ضعيف عن علي ﵁، ومعناه صحيح.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^١٠) يشهد له ما سبق.","vol":"7","page":126},{"text":"وقال قتادة: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كيبيس الشجر الذي تذروه الرياح (^١). وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة وذهابها وتسييرها ونسفها وصيرورتها كالعهن المنفوش.\n\n<span id=\"aya-4986\"></span>\n\n<span id=\"aya-4987\"></span>\n\n<span id=\"aya-4988\"></span>\n\n<span id=\"aya-4989\"></span>\n\n<span id=\"aya-4990\"></span>\n\n<span id=\"aya-4991\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ أي: ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين خرجوا من شقِّ آدم الأيمن، ويؤتون كتبهم بأيمانهم ويؤخذ بهم ذات اليمين.\nوقال السدي: وهم جمهور أهل الجنة، وآخرون عن يسار العرش وهم الذين خرجوا من شقِّ آدم الأيسر ويؤتون كتبهم بشمالهم ويؤخذ بهم ذات الشمال وهم عامة أهل النار - عياذًا بالله من صنيعهم - وطائفة سابقون بين يديه، وهم أخصُّ وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين هم سادتهم، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقلُّ عددًا من أصحاب اليمين، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]. وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه.\nقال سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ قال: هي التي في سورة الملائكة ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (^٢).\nوقال ابن جريج، عن ابن عباس: هذه الأزواج الثلاثة هم المذكورون في آخر السورة وفي سورة الملائكة (^٣).\nوقال يزيد الرقاشي: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ قال: أصنافًا ثلاثة (^٤).\nوقال مجاهد: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ يعني: فرقًا ثلاثة.\nوقال ميمون بن مهران: أفواجًا ثلاثة.\nوقال عبيد الله العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ اثنان في الجنة وواحد في النار (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير] قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف جابر الجعفي ويتقوى بما يليه.\n(^٣) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يلق ابن عباس ويتقوى بما يليه.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.","vol":"7","page":127},{"text":"الضُرباء (^١)، كل رجل من كل قوم كانو يعملون عمله، وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ قال: هم الضرباء (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، حدثنا البراء الغنوي، حدثنا الحسن، عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ [الواقعة: ٢٧]. ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١)﴾ [الواقعة] فقبض بيده قبضتين فقال: \"هذه للجنة ولا أبالي، وهذه للنار ولا أبالي\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا حسن: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم\" (^٤).\nوقال محمد بن كعب وأبو حرزة ويعقوب بن مجاهد: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ هم الأنبياء ﵈.\nوقال السدي: هم أهل عليين.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ قال: يوشع بن نون، سبق إلى موسى، ومؤمن آل يس سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب سبق إلى محمد رسول الله ﷺ. رواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن هارون الفلاس، عن عبد الله بن إسماعيل المدائني البزار، عن شعيب بن الضحاك المدائني، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح به (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: وذُكر عن محمد بن أبي حماد، حدثنا مهران، عن خارجة، عن قُرَّة، عن ابن سيرين ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ الذين صلوا إلى القبلتين (^٦). ورواه ابن جرير من حديث خارجة به (^٧).\nوقال الحسن وقتادة: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ أي: من كل أمة (^٨).\nوقال الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ\n_________\n(^١) أي: الأمثال والنظراء (لسان العرب ١/ ٥٤٨).\n(^٢) سنده ضعيف لضعف الوليد بن أبي ثور. (التقريب ص ٥٨٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ٣٩٥ ح ٢٢٠٧٧) وضعف سنده محققوه لضعف البراء وعدم سماع الحسن من معاذ ﵁.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠/ ٤٤٠ ح ٢٤٣٧٩) وضعف سنده محققوه وأعلُّوه بابن لهيعة وإنه تفرد به.\n(^٥) في سنده شعيب بن الضحاك المدائني سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٤/ ٣٤٨) وكذا الخطيب البغدادي (تاريخ بغداد ٩/ ٢٤٢).\n(^٦) سنده ضعيف لعدم التصريح باسم شيخ ابن أبي حاتم. ومعناه صحيح كما قرر الحافظ.\n(^٧) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن مهران عن خارجة به، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ومعناه صحيح كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٨) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد عن قتادة، ومعناه صحيح كما قرر الحافظ ابن كثير.","vol":"7","page":128},{"text":"الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ ثم قال: أولهم رواحًا إلى المسجد وأولهم خروجًا في سبيل الله (^١)، وهذه الأقوال كلها صحيحة فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢٢] وقال: فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن زكريا الفزاري الرازي، حدثنا خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: قالت الملائكة: يا ربِّ جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون فاجعل لنا الآخرة، فقال: لا أفعل، فراجعوا ثلاثًا فقال: لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له كن فيكون. ثم قرأ عبد الله ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾ (^٢). وقد روى هذا الأثر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه الرد على الجهمية ولفظه: فقال الله ﷿: لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كُنْ، فكان (^٣).\n\n<span id=\"aya-4992\"></span>\n\n<span id=\"aya-4993\"></span>﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء السابقين المقربين أنهم ثلة؛ أي: جماعة من الأولين وقليل من الآخرين، وقد اختلفوا في المراد بقوله الأولين والآخرين فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية وبالآخرين هذه الأُمة، وهذا رواية عن مجاهد والحسن البصري (^٤)، رواها عنهما ابن أبي حاتم: وهو اختيار ابن جرير واستأنس بقوله ﷺ: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة\" (^٥) ولم يحك غيره ولا عزاه إلى أحد، ومما يستأنس به لهذا القول ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ شقَّ ذلك على\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سنده ضعيف جدًا لأن خارجة بن مصعب متروك. وكذبه ابن معين (التقريب ص ١٨٦).\n(^٣) عزاه ابن كثير إلى عثمان بن سعيد الدارمي مرفوعًا (البداية والنهاية ١/ ٥٥) وأخرجه ابن الجوزي من حديث عبد الله بن عمر. وقال: لا يصح (العلل المتناهية ١/ ٤٨).\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وذلك في تفسير الآية ٣٩ من هذه السورة الكريمة، وكذا أخرجه الطبري عن الحسن وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٢٤.","vol":"7","page":129},{"text":"أصحاب النبي ﷺ فنزل ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة] فقال النبي ﷺ: \"إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني\" (^١). ورواه الإمام أحمد، عن أسود بن عامر، عن شريك، عن محمد بياع الملاء، عن أبيه، عن أبي هريرة … فذكره (^٢).\nوقد روي من حديث جابر نحو هذا، ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق هشام بن عمارة، حدثنا عبد ربه بن صالح، عن عروة بن رويم، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ: لما نزلت ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ [الواقعة] \" ذكر فيها \" ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ \" قال عمر: يا رسول الله ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ وقليل منا؟ [قال: فأمسك] (^٣) آخر السورة سنة ثم نزل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة] فقال رسول الله ﷺ: \"يا عمر تعال فاسمع ما قد أنزل الله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة] ألا وإن من آدم إلي ثلة وأُمتي ثلة، ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل ممن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له\" (^٤) هكذا أورده في ترجمة عروة بن رويم إسنادًا ومتنًا، ولكن في إسناده نظر، وقد وردت طرق كثيرة متعددة بقوله ﷺ: \"إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة\" (^٥) الحديث بتمامه وهو مفرد في صفة الجنة، ولله الحمد والمنة.\nوهذا الذي اختاره ابن جرير ههنا فيه نظر بل هو قول ضعيف؛ لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنصِّ القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللَّهمَّ إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم والله أعلم.\nفالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، وهو أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ أي: من صدر هذه الأمة ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ أي: من هذه الأمة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا عبد الله بن بكر المزني، سمعت الحسن أتى على هذه الآية ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ فقال: أما السابقون فقد مَضَوا ولكن اللَّهم اجعلنا من أصحاب اليمين (^٦).\nثم قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا السري بن يحيى قال: قرأ الحسن ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ قال ثلة ممن مضى من هذه الأمة (^٧). وحدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة المنقري، حدثنا أبو هلال، عن محمد بن سيرين أنه قال في هذه الآية ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ قال: كانوا يقولون أو\n_________\n(^١) سنده ضعيف لجهالة والد محمد بن عبد الرحمن وهو عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة. وشريك هو ابن عبد الله النخعي صدوق سيء الحفظ.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥/ ٣٨ ح ٩٠٨٠) وقال محققوه: حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف.\n(^٣) زيادة من (حم) و(ح)، وفي الأصل بياض.\n(^٤) تاريخ دمشق ١١/ ل ٢٧٩، وسنده ضعيف لانقطاعه بين عروة بن رويم وجابر لأنه لم يسمع منه.\n(^٥) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج (ح ٣٣٤٨).\n(^٦) سنده حسن.\n(^٧) سنده حسن.","vol":"7","page":130},{"text":"يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة (^١)، فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأُمة، ولا شك أن أول كل أُمة خير من آخرها، فيحتمل أن تعمَّ الآية جميع الأُمم كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: \"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\" الحديث بتمامه (^٢).\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زياد أبو عمر، عن الحسن، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل أُمتي مثل المطر لا يُدرى أوله خير أم آخره\" (^٣) فهذا الحديث، بعد الحكم بصحة إسناده، محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم وكذلك الزرع هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على الأول واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض ولا تعلق أساسه فيها ولهذا قال ﵇: \"لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة\" وفي لفظ \"حتى يأتي أمر الله تعالى وهم كذلك\" (^٤) والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم، والمقربون فيها أكثر من غيرها وأعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبيها، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ، أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب وفي لفظ \"مع كل ألف سبعون ألفًا\" وفي آخر: \"مع كل واحد سبعون ألفًا\" (^٥).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هشام بن يزيد الطبراني، حدثنا محمد هو ابن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم يعني ابن زرعة، عن شريح هو ابن عبيد، عن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما والذي نفسي بيده ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يحيطون الأرض، تقول الملائكة لما جاء مع محمد ﷺ أكثر مما جاء مع الأنبياء ﵈\" (^٦).\nوحسن أن يذكر ههنا عند قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة حيث قال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا جعفر بن محمد بن المستفاض الفريابي، حدثني أبو وهب الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله بن مسرح الحراني، حدثنا سليمان بن عطاء القرشي الحراني، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن أبي زمل الجهني ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح يقول وهو ثان رجليه: \"سبحان الله وبحمده أستغفر الله إن الله كان\n_________\n(^١) سنده حسن، وأبو هلال هو محمد بن سليم الراسبي البصري.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفرقان آية ٣٨.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١/ ١٧٤ ح ١٨٨٨١) وقال محققوه: حديث قوي بطرقه وشواهده وحسنه الحافظ ابن حجر بطرفه (فتح الباري ٧/ ٦).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٩.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١١٠.\n(^٦) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٣/ ٢٩٧) وسنده ضعيف لانقطاعه فإن محمد بن إسماعيل بن عياش لم يسمع من أبيه كما في التقريب.","vol":"7","page":131},{"text":"توابًا\" سبعين مرة ثم يقول: \"سبعين بسبعمائة لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة\" ثم يقول ذلك مرتين ثم يستقبل الناس بوجهه.\nوكان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا ثم يقول: \"هل رأى أحد منكم شيئًا؟ \" قال أبو زمل: فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: \"خير تلقاه، وشر توقاه، وخير لنا، وشر على أعدائنا الحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك\" فقلت: رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لاحب (^١) والناس على الجادة منطلقين، فبينما هم كذلك إذ أشفى (^٢) ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله، يرف رفيفًا يقطر ماؤه فيه من أنواع الكلأ، قال: وكأني بالرعلة (^٣) الأولى حين أشفوا على المرج كبَّروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فلم يظلموه (^٤) يمينًا ولا شمالًا، قال فكأني أنظر إليهم منطلقين، ثم جاءت الرعلة الثانية، وهم أكثر منهم أضعافًا فلما أشفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع (^٥)، ومنهم الآخذ الضغث (^٦)، ومضوا على ذلك، قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا: هذا خير المنزل، كأني أنظر إليهم يميلون يمينًا وشمالًا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى آتى أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدم شثل (^٧) أقنى (^٨) إذا هو تكلم يسمو، فيقرع (^٩) الرجال طولًا، وإذا عن يسارك رجل ربعة باد كثير خيلان (^١٠) الوجه، كأنما حمم (^١١) شعره بالماء، إذا هو تكلم أصغيتم إكرامًا له، وإذا أمام ذلك رجل شيخ أشبه الناس بك خلقًا ووجهًا كلكم تأمونه تريدونه، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف (^١٢)، وإذا أنت يا رسول الله كأنك تبعثها.\nقال: فامتقع لون رسول الله ﷺ ساعة ثم سُريَ عنه، وقال رسول الله ﷺ: \"أما ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب، فذاك ما حملتكم عليه من الهدى وأنتم عليه، وأما المرج الذي رأيت فالدنيا وغضارة عيشها، مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشيء ولم تتعلق منا ولم نردها ولم تردنا، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا وهم أكثر منا أضعافًا، فمنهم المرتع ومنهم الآخذ الضغث ونجوا على ذلك، ثم جاء عُظْمُ الناس فمالوا في المرج يمينًا وشمالًا فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأما أنت فمضيت على طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني، وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفًا، وأما الرجل الذي رأيت على يميني الآدم الشثل فذلك موسى ﵇، إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام الله إياه، والذي رأيت عن يساري الباز الربعة الكثير خيلان الوجه كأنما حمم شعره بالماء، فذلك عيسى ابن مريم نكرمه لإكرام الله إياه، وأما الشيخ الذي رأيت أشبه الناس بي خلقًا ووجهًا\n_________\n(^١) أي: الطريق الواسع الذي لا ينقطع.\n(^٢) أي: أشرف عليه.\n(^٣) أي: القطعة من الفرسان.\n(^٤) أي: فلم يعدلوا منه.\n(^٥) أي: الذي يدع ركابه ترتع من العشب.\n(^٦) أي: الذي ينال حزمة من الحشيش، والمراد: نال من الدنيا شيئًا.\n(^٧) أي: غليظ الأصابع.\n(^٨) أي: الرجل ذو ارتفاع في أعلى أنفه.\n(^٩) أي: يعلوهم.\n(^١٠) أي: كثير الشامات في الوجه.\n(^١١) أي: سود.\n(^١٢) أي: ناقة مُسنة.","vol":"7","page":132},{"text":"فذاك أبونا إبراهيم كلنا نؤمه ونقتدي به، وأما الناقة التي رأيت ورأيتني أبعثها فهي الساعة علينا تقوم لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي\" قال: فما سأل رسول الله ﷺ -عن رؤيا بعد هذا إلا أن يجيئ الرجل فيحدثه بها متبرعًا\" (^١).\n\n<span id=\"aya-4994\"></span>وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾ قال ابن عباس: أي مرمولة بالذهب (^٢)؛ يعني: منسوجة به، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم وقتادة والضحاك وغيره (^٣).\nوقال السدي: مرمولة بالذهب واللؤلؤ.\nوقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت (^٤).\nوقال ابن جرير: ومنه يسمى وضين الناقة الذي تحت بطنها (^٥)، وهو فعيل بمعنى مفعول لأنه مضفور، وكذلك السرر في الجنة مضفورة بالذهب واللآلئ.\n\n<span id=\"aya-4995\"></span>\n\n<span id=\"aya-4996\"></span>\n\n<span id=\"aya-4997\"></span>وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾ أي: وجوه بعضهم إلى بعض ليس أحد وراء أحد ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ أي: مخلدون على صفة واحدة لا يتكبرون عنها ولا يشيبون ولا يتغيرون ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ أما الأكواب فهي: الكيزان التي لا خراطيم لها ولا آذان، والأباريق التي جمعت الوصفين والكؤوس الهنابات، والجميع من خمر من عين جارية معين، ليس من أوعية تنقطع وتفرغ بل من عيون سارحة.\n\n<span id=\"aya-4998\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة.\nوروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول (^٦)، فذكر الله تعالى خمر الجنة ونزهها عن هذه الخصال. وقال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطية وقتادة والسدي ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يقول ليس لهم فيها صداع رأس (^٧)، وقالوا في قوله: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ أي: لا تذهب بعقولهم (^٨).\n\n<span id=\"aya-4999\"></span>\n\n<span id=\"aya-5000\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ أي: ويطوفون عليهم بما يتخيرون من الثمار، وهذه الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها، ويدل على ذلك حديث عكراش بن ذؤيب الذي رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي ﵀ في مسنده، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (الدلائل ٧/ ٣٦، ٣٧) وسنده ضعيف جدًا لأن سليمان بن عطاء القرشي يروي عن مسلمة بن عبد الله الجهني عن عمه أبي مشجعة بن ربعي أحاديث موضوعة وقد ذكر ابن حبان هذا الحديث مثالًا لها. (ينظر المجروحين ١/ ٣٢٥).\n(^٢) أخرجه هناد (الزهد رقم ٧٧) والطبري بسند صحيح من طريق مجاهد عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٥) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٦) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق حصين عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":133},{"text":"العباس بن الوليد الترسي، حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي [سوية] (^١)، حدثنا عبيد الله بن عكراش، عن أبيه عكراش بن ذؤيب قال: بعثني بنو مرة في صدقات أموالهم إلى رسول الله ﷺ، فقدمت المدينة فإذا هو جالس بين المهاجرين والأنصار، وقدمت عليه بإبل كأنها عروق الأرطى (^٢) قال: \"من الرجل؟ \" قلت: عكراش بن ذؤيب، قال: \"ارفع في النسب\" فانتسبت له إلى مُرَّة بن عُبيد، وهذه صدقة مُرَّة بن عبيد، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: \"هذه إبل قومي هذه صدقات قومي\" ثم أمر بها أن توسم بميسم إبل الصدقة وتضمّ: إليها، ثم أخذ بيدي فانطلقنا إلى منزل أُم سلمة فقال: \"هل من طعام؟ \" فأتينا بجفنة كالقصعة كثيرة الثريد والوذر (^٣)، فجعل يأكل منها فأقبلت أخبط بيدي في جوانبها فقبض رسول الله ﷺ بيده اليسرى على يدي اليمنى فقال: يا عكراش، كل من موضع واحد فإنه طعام واحد. ثم أتينا بطبق فيه تمر أو رطب شك عبيد الله رطبًا كان أو تمرًا، فجعلت آكل من بين يدي وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق وقال: يا عكراش، كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد. ثم أتينا بماء فغسل رسول الله ﷺ يده ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه ثلاثًا ثم قال: \"يا عكراش هذا الوضوء مما غيرت النار\" (^٤).\nوهكذا رواه الترمذي مطولًا وابن ماجه جميعًا عن محمد بن بشار، عن أبي الهذيل العلاء بن الفضل به، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا بهز بن أسد وعفان، وقال الحافظ أبو يعلى، حدثنا شيبان، قالوا: حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت قال: قال أنس كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا، فربما رأى الرجل الرؤيا فسأل عنه إذا لم يكن يعرفه، فإذا أثنى عليه معروف كان أعجب لرؤياه إليه، فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة فأدخلت الجنة، فسمعت وجبة انتحبت لها الجنة، فنظرت فإذا فلان بن فلان وفلان بن فلان فسمت اثني عشر رجلًا، كان النبي ﷺ قد بعث سرية قبل ذلك فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب (^٦) أوداجهم (^٧)، فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيذخ (^٨)، قال: فغمسوا فيه فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فأتوا بصفحة من ذهب فيها بسر، فأكلوا من بسره ما شاءوا فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم فأتى البشير من تلك السرية، فقال ما كان من رؤيا كذا وكذا فأصيب فلان وفلان حتى عد اثني عشر رجلًا، فدعا رسول الله ﷺ المرأة، فقال قصِّي رؤياك،\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"معاوية\".\n(^٢) شجر عروقه حمر طوال ذاهبة في ثرى الرمال الممطورة في الشتاء، شبه بها الإبل في اكتنازها وحمرة ألوانها.\n(^٣) أي: قطع من اللحم.\n(^٤) أخرجه ابن حبان من طريق العلاء بن الفضل بن عبد الملك به، وأعلَّه بالعلاء. (المجروحين ٢/ ١٨٣).\n(^٥) سنن الترمذي، الأطعمة، باب ما جاء في التسمية في الطعام (ح ١٨٤٩)، وسنن ابن ماجه، الأطعمة، باب الأكل ما يليك (ح ٣٢٧٤). وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي.\n(^٦) أي: تسيل.\n(^٧) أي: عروق الأخادع التي يقطعها الذابح.\n(^٨) أي: الممتلئ.","vol":"7","page":134},{"text":"فقصتها، وجعلت تقول: فجيء بفلان وفلان كما قال (^١). هذا لفظ أبي يعلى، قال الحافظ الضياء: وهذا على شرط مسلم (^٢).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل إذا نزع ثمرة في الجنة عادت مكانها أخرى\" (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن طير الجنة كأمثال البُخت يرعى في شجر الجنة\" فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه لطير ناعمة، فقال: \"آكلها أنعم منها - قالها ثلاثًا - وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها\" (^٤). انفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوروى الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه \"صفة الجنة\" من حديث إسماعيل بن علي الخطمي، عن أحمد بن علي الخيوطي، عن عبد الجبار بن عاصم، عن عبد الله بن زياد، عن زرعة، عن نافع، عن ابن عمر قال: ذكرت عند النبي ﷺ طوبى فقال رسول الله ﷺ: \"يا أبا بكر هل بلغك ما طوبى؟ \" قال: الله ورسوله أعلم. قال: \"طوبى شجرة في الجنة ما يعلم طولها إلا الله يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفًا ورقها الحلل يقع عليها الطير كأمثال البخت\" فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هناك لطيرًا ناعمًا؟ قال: \"أنعم منه من يأكله وأنت منهم إن شاء الله تعالى\" (^٥).\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾: وذُكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله إني أرى طيرها ناعمة كأهلها ناعمون، قال: \"من يأكلها والله يا أبا بكر أنعم منها وإنها لأمثال البخت، وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر\" (^٦).\nوقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني مجاهد بن موسى، حدثنا معن بن عيسى، حدثني ابن أخي ابن شهاب، عن أبيه، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ سئل عن الكوثر فقال: \"نهر أعطانيه ربي ﷿ في الجنة أشد بياضًا من اللَّبن وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها يعني كأعناق\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٤، ٤٥ ح ٣٢٨٩) وصححه محققه، وأخرجه ابن حبان من طريق أبي يعلى به (موارد الظمآن ح ١٨٠٣)؛ وأخرجه الإمام أحمد بسنده المذكور بنحوه. (المسند ١٩/ ٣٧٨ - ٣٨٠ ح ١٢٣٨٥) وصحح سنده محققوه.\n(^٢) المختارة (ح ١٧١٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ١٠٢ ح ١٤٤٩) وسنده حسن، وذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني والبزار، ورجال الطبراني وأحد إسنادي البزار ثقات. (مجمع الزوائد ١٠/ ٤١٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١/ ٣٤ ح ١٣٣١١) وقال محققوه: صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف سيار بن حاتم، وجوّد إسناد هذا الحديث المنذري في \"الترغيب والترهيب ٤/ ٥٢٦\" وصححه العراقي في تخريجه على الإحياء ٤/ ٥٤٠. اهـ.\nوأخرجه الضياء المقدسي من طريق سيار به (المختارة ٥/ ١٣ ح ١٦١٤).\n(^٥) يشهد له سابقه.\n(^٦) سنده منقطع لأن قتادة لم يسمع من أبي بكر ﵁، ويتقوى بالشواهد السابقة الثلاثة.","vol":"7","page":135},{"text":"الجزر\" فقال عمر: إنها لناعمة، قال رسول الله ﷺ: \"آكلُها أنعمُ منها\" (^١) وكذا رواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن القعنبي، عن محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب، عن أبيه، عن أنس، وقال حسن (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنة لطيرًا فيه سبعون ألف ريشة فيقع على صفحة الرجل من أهل الجنة فينتفض، فيخرج من كل ريشة يعني لونًا أبيض من اللبن، وألين من الزبد وأعذب من الشهد، ليس منها لون يشبه صاحبه ثم يطير\" (^٣) هذا حديث غريب جدًا، والوصافي وشيخه ضعيفان.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثنا خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم، عن عطاء، عن كعب قال: إن طائر الجنة أمثال البخت [يأكلن] (^٤) من ثمرات الجنة ويشرب من أنهار الجنة، فيصطففن له، فإذا اشتهى منها شيئًا أتى حتى يقع بين يديه، فيأكل من خارجه وداخله ثم يطير لم ينقص منه شيء، صحيح إلى كعب (^٥).\nوقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويًا\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-5001\"></span>\n\n<span id=\"aya-5002\"></span>\n\n<span id=\"aya-5003\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ قرأ بعضهم بالرفع، وتقديره: ولهم فيها حور عين! وقراءة الجر (^٧) تحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون الإعراب على الإتباع بما قبله كقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ كما قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكما قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١].\nوالاحتمال الثاني أن يكون مما يطوف به الولدان المخلدون عليهم الحور العين، ولكن يكون ذلك في القصور لا بين بعضهم بعضًا، بل في الخيام يطوف عليهم الخدام بالحور العين، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الله بن مسلم ابن أخي ابن شهاب عن ابن شهاب به بلفظ: \"أَكلتُها أنعمُ منها يا عمر\". (المسند ٢١/ ٣٠ ح ١٣٣٠٦) وصحح سنده محققوه.\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (سنن الترمذي، صفة الجنة، باب ما جاء في صفة طير أهل الجنة ح ٢٥٤٢) وقال الألباني: حسن صحيح. (صحيح سنن الترمذي ح ٢٠٦٣).\n(^٣) سنده ضعيف لضعف عطية والوصافي.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض مقدار كلمة ثم لفظ: \"ما خلق\".\n(^٥) صححه الحافظ ابن كثير، وكعب مشهور برواية الإسرائيليات.\n(^٦) في سنده خلف بن خليفة صدوق اختلط في الآخر. (التقريب ص ١٩٤) وحميد الأعرج يقع في حديثه من الإنكار من جهة من يروي عنه. (تهذيب التهذيب ٢/ ٤٧) ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١].\n(^٧) القراءة بالرفع والجر متواترتان.","vol":"7","page":136},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ أي: كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه كما تقدم في سورة الصافات ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ [الصافات] وقد تقدم في سورة الرحمن وصفهن أيضًا، ولهذا قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ أي: هذا الذي أتحفناهم به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل.\n\n<span id=\"aya-5004\"></span>\n\n<span id=\"aya-5005\"></span>ثم قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ أي: لا يسمعون في الجنة كلامًا لاغيًا؛ أي: عبثًا خاليًا من المعنى أو مشتملًا على معنى حقير أو ضعيف كما قال: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾ [الغاشية] أي: كلمة لاغية.\n﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾ أي: ولا كلامًا فيه قبح ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ أي: إلا التسليم منهم بعضهم على بعض كما قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وكلامهم أيضًا سالم من اللَّغو والإثم.\n\n<span id=\"aya-5006\"></span>\n\n<span id=\"aya-5007\"></span>﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾.\nلما ذكر تعالى مآل السابقين وهم المقربون، عطف عليهم بذكر أصحاب اليمين وهم الأبرار، كما قال ميمون بن مهران أصحاب اليمين منزلتهم دون المقربين فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ أي: أي شيء أصحاب اليمين وما حالهم وكيف مآلهم. ثم فسر ذلك فقال تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وابن الأحوص وقسامة بن زهير و[السفر بن نسير] (^١)، والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وأبو حزرة وغيرهم: هو الذي لا شوك فيه (^٢).\nوعن ابن عباس: هو الموقر بالثمر، وهو رواية عن عكرمة ومجاهد (^٣)، وكذا قال قتادة أيضًا: كنا نحدث أنه الموقر الذي لا شوك به (^٤)، والظاهر أن المراد هذا وهذا، فإن سِدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر، وفي الآخرة على العكس من هذا لا شوك فيه وفيه الثمر الكثير الذي قد أثقل أصله، كما قال الحافظ أبو بكر أحمد بن سلمان النجّاد، حدثنا محمد بن محمد هو البغوي، حدثني حمزة بن العباس، حدثنا عبد الله بن عثمان، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يومًا فقال: يا رسول الله ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها،\n_________\n(^١) السفر بن نسير كذا في الطبري وترجمته في التقريب ص ٢٤٣ وفي الأصل: \"السفر بن قيس\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه هناد (الزهد رقم ١٠٩) والطبري بسند صحيح من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عكرمة وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن قسامة بن زهير، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن قتادة.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":137},{"text":"فقال رسول الله: \"وما هي؟ \" قال: السدر فإن له شوكًا مؤذيًا. فقال رسول الله ﷺ: \"أليس الله تعالى يقول: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾؟ خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمرًا تفتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لونًا من طعام، ما فيها من لون يشبه الآخر\" (^١).\nطريق آخر:\nقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثني يحيى بن حمزة، حدثني ثور بن يزيد، حدثني، حبيب بن عبيد، عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالسًا مع رسول الله ﷺ: فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرًا أكثر شوكًا منها؛ يعني: الطلح، فقال رسول الله ﷺ: \"إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود (^٢)، فيها سبعون لونًا من الطعام لا يشبه لون الآخر\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-5008\"></span>وقوله: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ الطلح شجر عظام يكون بأرض الحجاز من شجر العضاه واحدته طلحة، وهو شجر كثير الشوك، وأنشد ابن جرير لبعض الحُداة:\nبشرها دليلها وقالا … غدًا ترين الطلح والجبالا (^٤)\nوقال مجاهد: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أي: متراكم الثمر يذكر بذلك قريشًا لأنهم كانوا يعجبون من وجّ (^٥) وظلاله من طلح وسدر (^٦).\nوقال السدي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ مصفود.\nقال ابن عباس: يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل، قال الجوهري: والطلح لغة في الطلع. قلت: وقد روى ابن أبي حاتم من حديث الحسن بن سعد، عن شيخ من همدان قال: سمعت عليًا يقول هذا الحرف في طلح منضود، قال: طلع منضود، فعلى هذا يكون من صفة السدر، فكأنه وصفه بأنه مخضود، وهو الذي لا شوك له، وأن طلعه منضود وهو كثرة ثمره (^٧)، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو معاوية، عن إدريس، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ قال: الموز (^٨)، قال وروي عن ابن\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق بشر بن بكر عن صفوان بن عمرو به عن أبي أُمامة وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٧٦).\n(^٢) أي: الخصوة الضخمة التي عند التيس المكتنز باللحم.\n(^٣) أخرجه الطبراني من طريق يحيى بن حمزة به (مسند الشاميين رقم ٢٩٢) وكذا أبو نعيم (الحلية ٦/ ١٠٣) قال الهيثمي: ورجال الطبراني رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ١/ ٤١٤).\n(^٤) استشهد به الطبري نقلًا مصرحًا عن معمر بن المثنى (مجاز القرآن ٢/ ٢٥٠).\n(^٥) هو من أودية الطائف المشهورة.\n(^٦) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، والسدر هو شجر النبق.\n(^٧) سنده ضعيف لجهالة الشيخ الهمداني، ويتقوى بشواهده السابقة.\n(^٨) سنده صحيح.","vol":"7","page":138},{"text":"عباس وأبي هريرة والحسن وعكرمة وقسامة بن زهير وقتادة وأبي حزرة مثل ذلك (^١)، وبه قال مجاهد وابن زيد: وزاد فقال: أهل اليمن يسمون الموز: الطلح (^٢)، ولم يحكِ ابن جرير غير هذا القول.\n\n<span id=\"aya-5009\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، يبلغ به النبي ﷺ قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\"، اقرأوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (^٣). ورواه مسلم من حديث الأعرج به (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (^٥) \". وكذا رواه البخاري عن محمد بن سنان، عن فليح به (^٦)، وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة (^٧)، وكذا رواه حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة (^٨). والليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: وعوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة به.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة، سمعت أبا الضحاك يحدث أبا هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين - أو مائة - سنة هي شجرة الخلد\" (^٩).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو بن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها\"، واقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (^١٠). إسناد جيد ولم يخرجوه، وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن عبدة وعبد الرحيم عن محمد بن عمرو به، وقد رواه الترمذي من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وعبد الرزاق من خمسة طرق كلها عن أبي سعيد الرقاشي عن ابن عباس، وأبو سعيد سكت عنه ابن أبي حاتم والبخاري، ويشهد له سابقه ولاحقه، وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن قَسامة بن زهير، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٢) أخرجه الطبري بالسند المتقدم الصحيح عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة] ح ٤٨٨١).\n(^٤) صحيح مسلم، صفة الجنة، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها .. (ح ٢٨٢٦).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٢/ ٤٨٢) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح ٣٢٥٢).\n(^٧) مصنف عبد الرزاق ١١/ ٤١٧ رقم ٢٠٨٧٧.\n(^٨) (المسند ٢/ ٤٦٩).\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥/ ٥٣٧ ح ٩٨٧٠) وقال محققوه: صحيح دون قوله: شجرة الخلد. اهـ. أي: أنه له شواهد يتقوى بها دون قوله: شجرة الخلد.\n(^١٠) جوَّد سنده الحافظ ابن كثير.","vol":"7","page":139},{"text":"حديث عبد الرحيم بن سليمان به (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن زياد مولى بني مخزوم، عن أبي هريرة قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام اقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ فبلغ ذلك كعبًا فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد، لو أن رجلًا ركب حقة أو جذعة ثم دارَ بأعلى تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط [هرمًا] (^٢)، إن الله غرسها بيده ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة (^٣).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن منهال الضرير: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ قال: \" في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\" (^٤). وكذا رواه البخاري، عن روح بن عبد المؤمن، عن يزيد بن زريع (^٥)، وكذ رواه أبو داود الطيالسي، عن عمران بن دوار القطان، عن قتادة به، وكذا رواه معمر وأبو هلال، عن قتادة به (^٦).\nوقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد وسهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها\" (^٧). فهذا حديث ثابت، عن رسول الله ﷺ، بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد، لتعدد طرقه وقوة أسانيده وثقة رجاله.\nوقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو حصين قال: كنا على باب في موضع ومعنا أبو صالح وشقيق يعني: الضبي، فحدث أبو صالح قال: حدثني أبو هريرة قال: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عامًا، قال أبو صالح: أتكذِّبُ أبا هريرة؟ قال: ما أكذب أبا هريرة ولكني أكذِّبك أنت، فشقَّ ذلك على القراء يومئذٍ (^٨). قلت: فقد أبطل من يكذب بهذا الحديث مع ثبوته وصحته ورفعه إلى رسول الله ﷺ.\nوقال الترمذي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا زياد بن الحسن بن الفرات القزاز، عن أبيه،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري والترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الواقعة ح ٣٢٨٨ وقال: حسن صحيح) وصححه الألباني من حديث أنس (صحيح سنن الترمذي ح ٢٦٢٦).\n(^٢) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل بياض.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن أبي خالد به (المصنف ١٣/ ١٠٥) وفي سنده زياد لم يسمع من أبي هريرة وسنده ضعيف وقول كعب فيه غرابة.\n(^٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (٥/ ٣٤٨ ح ٢٩٩١) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح ٣٢٥١).\n(^٦) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الواقعة (ح ٣٢٨٩) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٢٦).\n(^٧) صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار (ح ٦٥٥٣) وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام (ح ٢٨٢٨).\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، واستشهد به الحافظ ابن كثير.","vol":"7","page":140},{"text":"عن جده، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما في الجنة شجرة إلا ساقها من ذهب\" ثم قال: حسن غريب (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أبي الربيع، حدثنا أبو عامر العقدي، عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في كل نواحيها، مائة عام، قال: فيخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها، قال: فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله ريحًا من الجنة، فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا (^٢). هذا أثر غريب إسناده جيد قوي حسن.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن يمان، حدثنا سفيان، حدثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون في قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ قال سبعون ألف سنة (^٣)، وكذا رواه ابن جرير، عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان مثله (^٤)، ثم قال: ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ قال: خمسمائة ألف سنة (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا حصين بن نافع، عن الحسن في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ قال: في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها.\nوقال عوف، عن الحسن: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\" (^٦) رواه ابن جرير (^٧).\nوقال شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: في الجنة شجر لا يحمل يستظل به (^٨)، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الضحاك والسدي وأبو حزرة في قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ لا ينقطع، ليس فيها شمس ولا حرّ مثل قبل طلوع الفجر.\nوقال ابن مسعود: الجنة سجسج (^٩) كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقد تقدمت الآيات كقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧] وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] وقوله: ﴿فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] إلى غير ذلك من الآيات.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، صفة الجنة، باب ما جاء في صفة شجر الجنة ح ٢٥٢٧) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٠٤٩).\n(^٢) سنده ضعيف لضعف زمعة بن صالح (التقريب ص ٢١٧).\n(^٣) سنده مرسل لأن عمرو بن ميمون تابعي.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل لأن عمرو بن ميمون تابعي.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل كسابقه.\n(^٦) سنده مرسل ويتقوى بالأحاديث المرفوعة المتقدمة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه مرسلًا، وحكمه كسابقه.\n(^٨) سنده حسن.\n(^٩) أي: ظلها معتدل لا ولا برد.","vol":"7","page":141},{"text":"<span id=\"aya-5010\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾ قال الثوري: يجري في غير أخدود، وقد تقدم الكلام عند تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية [محمد: ١٥]. بما أغنى عن إعادته ههنا.\n\n<span id=\"aya-5011\"></span>\n\n<span id=\"aya-5012\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ أي: وعندهم من الفواكه الكثيرة المتنوعة في الألوان مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] أي: يشبه الشكل الشكل ولكن الطعم غير الطعم، وفي الصحيحين في ذكر سدرة المنتهى: \"فإذا ورقها كآذان الفيلة ونبقها مثل قلال هجر\" (^١). وفيهما أيضًا من حديث مالك، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ والناس معه فذكر الصلاة، وفيه قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت (^٢)، قال: \"إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا\" (^٣).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا ابن عقيل، عن جابر قال: بينا نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا معه، ثم تناول شيئًا ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة قال أُبي بن كعب: يا رسول الله صنعت اليوم في الصلاة شيئًا ما كنت تصنعه، قال: \"إنه عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفًا من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقص منه\". وروى مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر نحوه (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي يقول: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ، فسأله عن الحوض وذكر الجنة ثم قال الأعرابي: فيها فاكهة؟ قال: \"نعم وفيها شجرة تدعى طوبى\". قال: فذكر شيئًا لا أدري ما هو، قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: \"ليست تشبه شيئًا من شجر أرضك؟ \" فقال النبي ﷺ \"أتيت الشام؟ \" قال: لا. قال: \"تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحدة وينفرش أعلاها\". قال: ما عظم العنقود؟ قال: \"مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يفتر\". قال: ما عظم أصلها؟ قال: \"لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرمًا\" قال: فيها عنب؟ قال: \"نعم\" قال: فما عظم الحبة؟ قال: \"هل ذبح أبوك تيسًا من غنمه قط عظيمًا؟ \" قال: نعم، قال: \"فسلخ إهابه فأعطاه أمك فقال اتخذي لنا منه دلوًا؟ \" قال: نعم. قال الأعرابي: فإن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي؟ قال: \"نعم وعامة عشيرتك\" (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ أي: لا تنقطع شتاء ولا صيفًا بل أكلها دائم مستمر أبدًا، مهما طلبوا وجدوا لا يمتنع عليهم بقدرة الله شيء.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في بداية تفسير سورة الإسراء.\n(^٢) أي: احجمت.\n(^٣) صحيح البخاري، الأذان، باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة (ح ٧٤٨) وصحيح مسلم، الكسوف، باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار (ح ٩٠٧).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الرعد آية ٣٥.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ١٩١، ١٩٢ ح ١٧٦٤٢) وقال محققوه: إسناده قابل للتحسين.","vol":"7","page":142},{"text":"وقال قتادة: لا يمنعهم من تناولها عود ولا شوك ولا بعد، وقد تقدم في الحديث إذا تناول الرجل الثمرة عادت مكانها أخرى (^١).\n\n<span id=\"aya-5013\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ أي: عالية وطيئة ناعمة قال النسائي وأبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب، حدثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ قال: \"ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام\". ثم قال الترمذي: هذا الحديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، قال: وقال بعض أهل العلم: معنى هذا الحديث ارتفاع الفرش في الدرجات وبعد ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، هكذا قال إنه لا يعرف هذا إلا من رواية رشدين بن سعد (^٢)، وهو المصري وهو: ضعيف، هكذا رواه أبو جعفر بن جرير، عن أبي كريب، عن رشدين به (^٣).\nثم رواه هو وابن أبي حاتم كلاهما عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث فذكره، وكذا رواه ابن أبي حاتم أيضًا عن نعيم بن حماد، عن ابن وهب، وأخرجه الضياء في \"صفة الجنة\" من حديث حرملة، عن ابن وهب به مثله، ورواه الإمام أحمد، عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، حدثنا دراج فذكره (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو معاوية [عن جويبر] (^٥)، عن أبي سهل يعني: كثير بن زياد، عن الحسن ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ قال: ارتفاع فراش الرجل من أهل الجنة مسيرة ثمانين سنة (^٦).\n\n<span id=\"aya-5014\"></span>\n\n<span id=\"aya-5015\"></span>\n\n<span id=\"aya-5016\"></span>\n\n<span id=\"aya-5017\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ جرى الضمير على غير مذكور. ولكن لما دلَّ السياق وهو ذكر الفرش على النساء اللاتي يضاجعن فيها اكتفى بذلك عن ذكرهن، وعاد الضمير عليهنَّ كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ [ص] يعني: الشمس على المشهور من قول المفسرين.\nوقال الأخفش في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾: أضمرهن ولم يذكرن قبل ذلك.\nوقال أبو عبيدة: ذكرن في قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ [الواقعة] فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أي: أعدناهن في النشأة الأخرى بعدما كن عجائز رمصًا، صرنَ أبكارًا عربًا؛ أي: بعد الثيوبة عدن أبكارًا ﴿عُرُبًا﴾ متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة والظرافة والملاحة.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير آية ٢٠ من هذه السورة الكريمة.\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير، باب ومن سورة الواقعة ح ٣٢٩٤) وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي.\n(^٣) أخرجه الطبري عن أبي كريب به، وسنده كسابقه.\n(^٤) كل هذه المصادر فيها ضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"جوهر\".\n(^٦) سنده ضعيف لإرساله.","vol":"7","page":143},{"text":"وقال بعضهم ﴿عُرُبًا﴾ أي: غَنِجات (^١)، قال موسى بن عبيدة الربذي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \" ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ قال: نساء عجائز كن في الدنيا عمشًا رمُصًا (^٢) \" (^٣). رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم ثم قال الترمذي: غريب، وموسى ويزيد ضعيفان.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا آدم - يعني: ابن أبي إياس -، حدثنا شيبان، عن جابر، عن يزيد بن مُرَّة، عن سلمة بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾ \"يعني: الثيب والأبكار اللاتي كنَّ في الدنيا\" (^٤).\nوقال عبد بن حميد: حدثنا مصعب بن مقدام، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: أتت عجوز فقالت: يا رسول الله ادُع الله تعالى أن يدخلني الجنة فقال: \"يا أُم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز\" قال: فولَّت تبكي. قال: \"أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾ \" (^٥).\nوهكذا رواه الترمذي في \"الشمائل\" عن عبد بن حميد (^٦).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدثنا عمرو بن هاشم البيروتي، أخبرنا سليمان بن أبي كريمة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أُمه عن أُم سلمة قالت: قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة] قال: \"حور بيض عين ضخام العيون شفر (^٧) الحوراء بمنزلة جناح النسر\" قلت: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ [الواقعة] قال: \"صفاؤهن صفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي\" قلت: أخبرني عن قوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ [الرحمن] قال: \"خيرات الأخلاق حسان الوجوه\" قلت: أخبرني عن قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ [الصافات] قال: \"رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشر وهو الغرقئ\" قلت: يا رسول الله أخبرني عن قوله: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ قال: \"هنَّ اللواتي قبضن في الدار الدنيا عجائز رمصًا شمصًا، خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى عربًا متعشقات محببات أترابًا على ميلاد واحد\" قلت: يا رسول الله نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: \"بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة\" قلت: يا رسول الله وبم ذاك؟ قال: \"بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله ﷿، ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير، بيض الألوان خُضر الثياب صُفر الحلي مجامرهن الدر\n_________\n(^١) غنجات جمع غَنِجة وهي الجارية التي تدلل وتتكسر في حركاتها (ينظر: النهاية ٣/ ٣٨٩).\n(^٢) رُمُص: جمع رمصاء، والرمص هو الغشاء الأبيض الذي يتجمع في العين ويسمى: الدمص. بالدال.\n(^٣) أخرجه الترمذي من طريق موسى بن عبيدة، (السنن، التفسير، باب ومن سورة الواقعة ح ٣٢٩٢). وسنده ضعيف لضعف موسى والرقاشي.\n(^٤) أخرجه الطبراني من طريق جابر به (المعجم الكبير ٧/ ٤٠) وسنده ضعيف لضعف جابر وهو ابن يزيد الجعفي.\n(^٥) سنده مرسل ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٦) أخرجه الترمذي عن عبد بن حميد به (الشمائل المحمدية رقم ٢٣٠). وسنده مرسل، ويتقوى بالشواهد كسابقه.\n(^٧) أي: حرف جفن العين الذي ينبت عليه الشعر.","vol":"7","page":144},{"text":"وأمشاطهن الذهب، يقلن: نحن الخالدات فلا نموت أبدًا ونحن الناعمات فلا نبأس أبدًا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدًا ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدًا، طوبى لمن كنا له وكان لنا\" قلت: يا رسول الله المرأة منا تتزوج زوجين والثلاثة والأربعة ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها، من يكون زوجها؟ قال: \"يا أُم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقًا، فتقول: يا ربِّ إن هذا كان أحسن خلقًا معي فزوجنيه، يا أُم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة\" (^١).\nوفي حديث الصور الطويل المشهور أن رسول الله ﷺ، يشفع للمؤمنين كلهم في دخول الجنة، فيقول الله تعالى: قد شفعتك وأذنت لهم بدخولها، فكان رسول الله ﷺ يقول: \"والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل الرجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا، يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلّل باللؤلؤ عليه سبعون زوجًا من سندس وإستبرق، وإنه ليضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها من وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت كبده لها مرآة، يعني وكبدها له مرآة، فبينما هو عندها لا يملّها ولا تملّه ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره ولا يشتكي قبلها إلا أنه لا مني ولا منية، فبينما هو كذلك إذ نودي إنا قد عرفنا أنك لا تَمَلّ ولا تُمَلّ، إلا أن لك أزواجًا غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة، كلما جاء واحدة قالت: والله ما في الجنة شيء أحسن منك، وما في الجنة شيء أحبّ إلي منك\" (^٢).\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال له: أنطأ في الجنة؟ قال: \"نعم، والذي نفسي بيده دحَمًا دحَمًا (^٣)، فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرًا\" (^٤).\nوقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن جابر الفقيه البغدادي، حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي، حدثنا معلى بن عبد الرحمن الواسطي، حدثنا شريك، عن عاصم الأحول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عُدنَ أبكارًا\" (^٥).\nوقال أبو داود الطيالسي: أخبرنا عمران، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في النساء، قلت: يا رسول الله ويطيق ذلك؟ قال: يعطى\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٣/ ٣٦٧ ح ٨٧٠) وسنده ضعيف لضعف سليمان بن أبي كريمة (مجمع الزوائد ٧/ ١٢٢).\n(^٢) تقدم تخريج حديث الصور في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.\n(^٣) الدحَم: النكاح والوطء بدفع وإزعاج.\n(^٤) أخرجه ابن حبان من طريق عبد الله بن وهب به (موارد الظمآن ح ٢٦٣٣) وسنده ضعيف لضعف درّاج.\n(^٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الصغير ١/ ٩١) وسنده ضعيف جدًا لأن معلى بن عبد الرحمن الواسطي متهم بالوضع. (التقريب ص ٥٤١).","vol":"7","page":145},{"text":"قوة مائة\". ورواه الترمذي من حديث أبي داود وقال: صحيح غريب (^١).\nوروى أبو القاسم الطبراني من حديث حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ قال: \"إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء\" (^٢) قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: هذا الحديث عندي على شرط الصحيح، والله أعلم.\nوقوله: ﴿عُرُبًا﴾ قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يعني متحببات إلى أزواجهن (^٣)، ألم تر إلى الناقة الضبعة هي كذلك.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: العُرُب: العواشق (^٤) لأزواجهن وأزواجهن لهن عاشقون، وكذا قال عبد الله بن سرجس ومجاهد وعكرمة وأبو العالية ويحيى بن أبي كثير وعطية والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (^٥).\nوقال ثور بن يزيد، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس، عن قوله: ﴿عُرُبًا﴾ قال: هي المِلقة لزوجها (^٦).\nوقال شعبة، عن سماك، عن عكرمة: هي الغِنجة (^٧).\nوقال الأجلح بن عبد الله، عن عكرمة: هي الشكلة، وقال صالح بن حيّان، عن عبد الله بن بريدة في قوله: ﴿عُرُبًا﴾ قال: الشكلة بلغة أهل مكة، والغنجة بلغة أهل المدينة (^٨).\nوقال تميم بن حذلم: هي حسن التبعل (^٩).\nوقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن: العُرُب: حسنات الكلام (^١٠).\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي، عن جعفر بن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص ٢٦٩ وسنده حسن، وأخرجه الترمذي من طريق عمران به وقال: صحيح غريب (السنن، صفة الجنة، باب ما جاء في صفة جماع أهل الجنة ح ٢٥٣٦) وقال الألباني: حسن صحيح. صحيح سنن الترمذي (ح ٢٠٥٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الصغير ٢/ ١٢) وصححه الضياء المقدسي كما نقل الحافظ ابن كثير عنه.\n(^٣) هذا التفسير للطبري ذكره بعد رواية لابن عباس ليس فيها هذا اللفظ.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"متحببات إلى أزواجهن\" وكذا أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن سعيد بن جبير.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي أويس عن ثور بن يزيد به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يحيى بن يمان عن شعبة به.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق صالح بن حيان به، وعزاه السيوطي إلى هناد من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهو سند ضعيف جدًا.\n(^٩) أخرجه الطبري من طريق عثمان بن بشار عن تميم بن حذلم، ولم أقف على ترجمة لعثمان.\n(^١٠) أخرجه الطبري من طريق أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه، وأسامة ضعيف (التقريب ص ٩٨).","vol":"7","page":146},{"text":"محمد، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \" ﴿عُرُبًا﴾، قال: كلامهنَّ عربي\" (^١).\nوقوله: ﴿أَتْرَابًا﴾ قال الضحاك، عن ابن عباس: يعني في سن واحدة ثلاث وثلاثين سنة (^٢).\nوقال مجاهد: الأتراب المستويات (^٣)، وفي رواية عنه الأمثال (^٤).\nوقال عطية: الأقران (^٥).\nوقال السدي: ﴿أَتْرَابًا﴾ أي: في الأخلاق المتواخيات بينهن، ليس بينهن تباغض ولا تحاسد؛ يعني: لا كما كن ضرائر متعاديات.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أُسامة، عن عبد الله بن الكهف، عن الحسن ومحمد ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ قالا: المستويات الأسنان يأتلفن جميعًا ويلعبن جميعًا (^٦).\nوقد روى أبو عيسى الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن أبي معاوية، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنة لمجتمعًا للحور العين يرفعن أصواتًا لم تسمع الخلائق بمثلها، قال: يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له\". ثم قال: هذا حديث غريب (^٧).\nوقال الحافظ أبو يعلى: أخبرنا أبو خيثمة، حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا ابن أبي ذئب، عن فلان عبد الله بن رافع، عن بعض ولد أنس بن مالك، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الحور العين ليغنين في الجنة يقلن: نحن خيرات حسان خبئنا لأزواج كرام\" (^٨).\nقلت: إسماعيل بن عمر هذا هو أبو المنذر الواسطي أحد الثقات الأثبات.\nوقد روى هذا الحديث الإمام عبد الرحيم بن إبراهيم الملقب بدُحيم، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عون بن الخطاب بن عبد الله بن رافع، عن ابن لأنس، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الحور العين يغنين في الجنة: نحن الحور الحسان، خلقنا لأزواج كرام\" (^٩).\nوقوله تعالى: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ أي: خلقن لأصحاب اليمين [أو ادخرن لأصحاب اليمين] (^١٠) أو زوجن لأصحاب اليمين، والأظهر أنه متعلق بقوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ فتقديره أنشأناهن لأصحاب اليمين، وهذا توجيه ابن جرير.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لعدم ذكر شيخ ابن أبي حاتم.\n(^٢) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى هناد وعبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) يشهد له ما سبق.\n(^٦) في سنده عبد الله بن الكهف لم أجد له ترجمة، ويشهد له ما سبق.\n(^٧) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وحكمه (السنن، صفة الجنة، باب ما جاء في كلام حور العين ح ٢٥٧) وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق وهو الواسطي (التقريب ص ٣٣٦).\n(^٨) عزاه الحافظ ابن حجر إلى أبي يعلى (المطالب العالية ٤/ ٤٠٢ ح ٤٦٨٤) وسنده ضعيف لجهالة الراوي عن أنس ﵁.\n(^٩) سنده ضعيف كسابقه.\n(^١٠) زيادة من (حم) و(ح).","vol":"7","page":147},{"text":"وروي عن أبي سليمان الداراني رحمه الله تعالى قال: صليت ليلة ثم جلست أدعو وكان البرد شديدًا فجعلت أدعو بيد واحدة، فأخذتني عيني فنمت فرأيت حوراء لم ير مثلها وهي تقول: يا أبا سليمان أتدعو بيد واحدة وأنا أُغذى لك في النعيم منذ خمسمائة سنة.\nقلت: ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ متعلقًا بما قبله وهو قوله: ﴿أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ أي: في أسنانهم، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة اْبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة، وروى الطبراني واللفظ له من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدخل أهل الجنة الجنة جُردًا مُردًا بِيضًا جعادًا مكحَّلين أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم ستون ذراعًا في عرض سبعة أذرع\" (^٢). وروى الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي عن عمران القطان، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: \"يدخل أهل الجنة الجنة جردًا مردًا مكحلين بني ثلاث وثلاثين سنة\" ثم قال: حسن غريب (^٣).\nوقال ابن وهب: أخبرنا عمرو بن الحارث أن درَّاجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاث وثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها أبدًا وكذلك أهل النار\" ورواه الترمذي، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث به (^٤).\nوقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا القاسم بن هاشم، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا رواد بن الجراح العسقلاني، حدثنا الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعًا بذراع الملك! على حسن يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد جُردٌ مُردٌ مكحلون\" (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة مريم آية ٦٢.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٩٥). وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان. وأخرجه الطبراني من طريقه أيضًا (المعجم الأوسط ٥/ ٣١٨ ح ٥٤٢٢).\n(^٣) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة محمد بن فراس عن أبي داود به، وقال الترمذي وبعض أصحاب قتادة رووا هذا عن قتادة مرسلًا ولم يسندوه. (السنن، صفة الجنة، باب ما جاء في سنن أهل الجنة ح ٢٥٤٥). وسنده ضعيف لضعف شهر بن حوشب.\n(^٤) أخرجه الترمذي عن سويد بن نصر به. (السنن، صفة الجنة، باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة ح ٢٥٦٢). وسنده ضعيف لضعف رشدين وضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.\n(^٥) سند ضعيف لعدم سماع هارون من أنس، كما في تهذيب التهذيب، ولبعضه شواهد صحيحة.","vol":"7","page":148},{"text":"وقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمود بن خالد وعباس بن الوليد قالا: حدثنا عمر، عن الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"يبعث أهل الجنة على صورة آدم في ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين جردًا مردًا مكحلين. ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة فيكسون منها لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم\" (^١).\n\n<span id=\"aya-5018\"></span>\n\n<span id=\"aya-5019\"></span>وقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ أي: جماعة من الأولين وجماعة من الآخرين.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن عبد الله بن مسعود، قال: وكان بعضهم يأخذ عن بعض قال: أكرينا ذات ليلة عند رسول الله ﷺ ثم غدونا عليه فقال: \"عُرضت عليَّ الأنبياء وأتباعها بأممها فيمر علي النبي والنبي في العصابة! والنبي في الثلاثة والنبي وليس معه أحد - وتلا قتادة هذه الآية ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] قال: حتى مرَّ علي موسى بن عمران في كبكبة (^٢) من بني إسرائيل! قال: قلت: ربِّ من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران ومن تبعه من بني إسرائيل! قال: قلت: ربِّ من هذا؟ قال: أخوك موسى بن عمران ومن تبعه من بني إسرائيل! قال: قلت ربِّ فأين أمتي؟ قال: انظر عن يمينك في الضراب قال: فإذا وجوه الرجال قال: قال أرضيت؟ قال: قلت: قد رضيت رب. قال: انظر إلى الأفق عن يسارك فإذا وجوه الرجال قال: أرضيت؟ قلت: قد رضيت رب. قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب\". قال: وأنشأ عكاشة بن محصن من بني أسد قال سعيد: وكان بدريًا قال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: فقال: \"اللَّهم اجعله منهم\" [قال أنشأ رجل آخر] (^٣) قال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: \"سبقك بها عكاشة\" قال: فقال رسول الله ﷺ: \"فإن استطعتم فداكم أبي وأمي أن تكونوا من أصحاب السبعين فافعلوا، وإلا فكونوا من أصحاب الضراب، وإلا فكونوا من أصحاب الأفق، فإني قد رأيت أناسًا كثيرًا قد تأشّبوا حوله - ثم قال:- إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة\" فكبَّرنا ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة\" قال: فكبَّرنا قال: \"إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة\" قال فكبَّرنا، قال: ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ قال: فقلنا بيننا: من هؤلاء السبعون ألفًا؟ فقلنا: هم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا. قال: [فبلغه] (^٤) ذلك فقال: \"بل هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون\" (^٥). وكذا رواه ابن جرير من طريقين آخرين عن قتادة به نحوه (^٦)، وهذا الحديث له طرق كثيرة من غير هذا الوجه في الصحاح وغيرها.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لعدم سماع هارون من أنس.\n(^٢) أي: جماعة متضامة من الناس.\n(^٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.\n(^٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.\n(^٥) سنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير كما في التقريب، وكذلك الحسن البصري لم يسمع من عمران بن الحصين (جامع التحصيل ص ١٩٥).\n(^٦) أخرجه الطبري من طريقين كلاهما عن الحسن البصري عن عمران بن الحصين به. وسنده ضعيف كسابقه.","vol":"7","page":149},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا سفيان، عن أبان بن أبي عياش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: \"هما جميعًا من أُمتي\" (^١).\n\n<span id=\"aya-5020\"></span>\n\n<span id=\"aya-5021\"></span>\n\n<span id=\"aya-5022\"></span>\n\n<span id=\"aya-5023\"></span>﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾.\nلما ذكر تعالى حال أصحاب اليمين عطف عليهم بذكر أصحاب الشمال فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١)﴾ أي: أيّ شيء هم فيه أصحاب الشمال؟ ثم فسر ذلك فقال: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وهو الهواء الحار ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وهو الماء الحار ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ قال ابن عباس: ظل الدخان (^٢)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وأبو صالح وقتادة والسدي وغيرهم (^٣)، وهذه كقوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾ [المرسلات] ولهذا قال ههنا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ وهو الدخان الأسود ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ أي: ليس طيب الهبوب ولا حسن المنظر كما قال الحسن وقتادة: ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾ أي: ولا كريم المنظر (^٤).\nقال الضحاك: كل شراب ليس بعذب فليس بكريم (^٥).\nوقال ابن جرير: العرب تتبع هذه اللفظة في النفي فيقولون: هذا الطعام ليس بطيب ولا كريم، هذا اللحم ليس بسمين ولا كريم. وهذه الدار ليست بنظيفة ولا كريمة (^٦). وكذا رواه ابن جرير من طريقين آخرين عن قتادة به نحوه (^٧).\n\n<span id=\"aya-5024\"></span>\n\n<span id=\"aya-5025\"></span>ثم ذكر تعالى استحقاقهم لذلك فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾ أي: كانوا في الدار الدنيا منعمين مقبلين على لذات أنفسهم لا يلوون ما جاءتهم به الرسل ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أي: يقيمون ولا ينوون توبة ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وهو الكفر بالله وجعل الأوثان والأنداد أربابًا من دون الله.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن أبان بن أبي عاش متروك. (التقريب ص ٨٦).\n(^٢) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وأخرجه أيضًا الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"من دخان جهنم\".\n(^٣) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق سماك عن عكرمة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٦) ذكره الطبري بلفظ: \"والعرب تتبع كل منفي عنه صفةُ حمد\"، نفيَ الكرم عنه.\n(^٧) أي: الرواية السابقة بلفظ: \"ظل الدخان\".","vol":"7","page":150},{"text":"قال ابن عباس: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾: الشرك (^١). وكذا قال مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم (^٢).\nوقال الشعبي: هو اليمين الغموس (^٣)\n\n<span id=\"aya-5026\"></span>\n\n<span id=\"aya-5027\"></span>\n\n<span id=\"aya-5028\"></span>\n\n<span id=\"aya-5029\"></span>﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)﴾ يعني: أنهم يقولون ذلك مكذبين به مستبعدين لوقوعه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ أي: أخبرهم يا محمد أن الأولين والآخرين من بني آدم سيجمعون إلى عرصات القيامة لا يغادر منهم أحدًا، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ [هود] ولهذا قال ههنا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ أي: هو موقت بوقت محدود، لا يتقدم ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص.\n\n<span id=\"aya-5030\"></span>\n\n<span id=\"aya-5031\"></span>\n\n<span id=\"aya-5032\"></span>\n\n<span id=\"aya-5033\"></span>\n\n<span id=\"aya-5034\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣)﴾ وذلك أنهم يُقبضون ويُسجرون حتى يأكلوا من شجر الزقوم حتى يملأوا منها بطونهم، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ وهي الإبل العطاش، واحدها أهيم والأنثى هيماء، ويقال: هائم وهائمة.\nقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة: الهيم، الإبل العطاش الظماء (^٤).\nوعن عكرمة أنه قال: الهيم الإبل المراض تمص الماء مصًا ولا تروى (^٥).\nوقال السدي: ﴿الْهِيمِ﴾: داء يأخذ الإبل فلا تروى أبدًا حتى تموت، فكذلك أهل جهنم لا يروون من الحميم أبدًا.\nوعن خالد بن معدان أنه كان يكره أن يشرب شرب الهيم غبة واحدة من غير أن يتنفس ثلاثًا.\n\n<span id=\"aya-5035\"></span>ثم قال تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾ أي: هذا الذي وصفنا هو ضيافتهم عند ربهم يوم حسابهم، كما قال تعالى في حق المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف]، أي: ضيافة وكرامة.\n\n<span id=\"aya-5036\"></span>﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾.\nيقول تعالى مقررًا للمعاد، ورادًّا على المكذبين به من أهل الزيغ، والإلحاد من الذين قالوا:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك. وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"الذنب\" وكذا أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بلفظ: \"الذنب العظيم\".\n(^٣) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد عن الشعبي بلفظ: \"الكبائر\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. وأخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن عكرمة، وأخرجه آدم وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"الإبل الهيم\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمران بن حدير عن عكرمة.","vol":"7","page":151},{"text":"﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]؟ وقولهم ذلك صدر منهم على وجه التكذيب والاستبعاد. فقال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي: نحن ابتدأنا خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، أفليس الذي قدر على البداءة بقادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى؟ ولهذا قال: ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُون﴾ أي: فهلا تصدقون بالبعث!\n\n<span id=\"aya-5037\"></span>\n\n<span id=\"aya-5038\"></span>ثم قال مستدلًا عليهم بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾؟ أي: أنتم تقرونه في الأرحام وتخلقونه فيها أم الله الخالق لذلك؟\n\n<span id=\"aya-5039\"></span>ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي: صرفناه بينكم.\nوقال الضحاك: ساوى فيه بين أهل السماء والأرض (^١). ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: وما نحن بعاجزين\n\n<span id=\"aya-5040\"></span>﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أي: نغير خلقكم يوم القيامة.\n﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من الصفات والأحوال.\n\n<span id=\"aya-5041\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ أي: قد علمتم أن الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة وهي البداءة، قادر على النشأة الأخرى وهي الإعادة بطريق الأولى والأحرى، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقال تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ [مريم] ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القيامة].\n\n<span id=\"aya-5042\"></span>\n\n<span id=\"aya-5043\"></span>﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾؟ وهو شقُّ الأرض وإثارتها والبذر فيها ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أي: تنبتونه في الأرض ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أي: بل نحن الذين نقره قراره وننبته في الأرض.\nقال ابن جرير: وقد حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقولنَّ: زرعت. ولكن قل: حرثت\" قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ (^٢). ورواه البزار، عن محمد بن عبد الرحيم، عن مسلم\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، في سنده مسلم بن أبي مسلم الجرمي نقل الحافظ ابن حجر في ترجمته عن البيهقي هذا الإسناد ثم قال: غير قوي. (لسان الميزان ٦/ ٣٢).","vol":"7","page":152},{"text":"الجرمي به (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن: لا تقولوا زرعنا ولكن قولوا: حرثنا (^٢). وروي عن حجر المدري أنه كان إذا قرأ ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ وأمثالها يقول: بل أنت يا رب (^٣).\n\n<span id=\"aya-5044\"></span>\n\n<span id=\"aya-5045\"></span>\n\n<span id=\"aya-5046\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أي: نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا وأبقيناه لكم رحمة بكم بل ولو نشاء لجعلناه حطامًا؛ أي: لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ثم فسر ذلك بقوله: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾ أي: لو جعلناه حطامًا لظللتم تفكهون في المقالة تنوعون كلامكم فتقولون تارة إنا لمغرمون؛ أي: لملقون.\nوقال مجاهد وعكرمة: إنا لمولع بنا (^٤).\nوقال قتادة: معذبون (^٥) وتارة يقولون: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾.\nوقال مجاهد أيضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾ ملقون للشر (^٦)؛ أي: بل نحن محارفون، قاله قتادة (^٧)؛ أي: لا يثبت لنا مال، ولا ينتج لنا ربح.\nوقال مجاهد: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾؛ أي: محدودون (^٨) يعني: لا حظ لنا.\nوقال ابن عباس ومجاهد: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تعجبون (^٩).\nوقال مجاهد أيضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تفجعون وتحزنون على ما فاتكم من زرعكم (^١٠)، وهذا يرجع إلى الأول، وهو التعجب من السبب الذي من أجله أصيبوا في مالهم، وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال عكرمة: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تلاومون (^١١).\nوقال الحسن وقتادة والسدي: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تندمون (^١٢)، ومعناه: إما على ما أنفقتم أو على ما أسلفتم من الذنوب.\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ١٢٨٩) وسنده كسابقه.\n(^٢) سنده حسن.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ٤٠٥٣)، والحاكم كلاهما من طريق معمر عن شداد بن جابان عن حجر بن قيس المدري، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٧٧).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن مجاهد، وأخرجه أيضًا بسند حسن من طريق يزيد النحوي عن عكرمة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، وأخرجه أيضًا بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^١٠) هذا قول الطبري ثم أخرجه بنحوه بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^١١) أخرجه الطبري بسندين قد يقوي أحدهما الآخر.\n(^١٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.","vol":"7","page":153},{"text":"قال [الكسائي] (^١): تفكه من الأضداد، تقول العرب تفكهت بمعنى تنعمت، وتفكهت بمعنى حزنت (^٢).\n\n<span id=\"aya-5047\"></span>\n\n<span id=\"aya-5048\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يعني: السحاب، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد (^٣).\n\n<span id=\"aya-5049\"></span>﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ يقول: بل نحن المنزلون ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أي: زعافًا مُرًّا لا يصلح لشرب ولا زرع ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عذبًا زلالًا ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ [النحل].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عثمان بن سعيد بن مرة، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن جابر، عن أبي جعفر، عن النبي ﷺ أنه كان إذا شرب الماء قال: \"الحمد لله الذي سقانا عذبًا فراتًا برحمته، ولم يجعله ملحًا أجاجًا بذنوبنا\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-5050\"></span>\n\n<span id=\"aya-5051\"></span>ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾ أي: تقدحون من الزناد وتستخرجونها من أصلها ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ أي: بل نحن الذين جعلناها مودعة في موضعها. وللعرب شجرتان (إحداهما) المرخ، (والأخرى) العفار، إذا أخذ منهما غصنان أخضران فحك أحدهما بالآخر تناثر من بينهما شرر النار.\n\n<span id=\"aya-5052\"></span>وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قال مجاهد وقتادة: أي تذكر النار الكبرى (^٥)، قال قتادة: ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ قال: \"يا قوم ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم\" قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية. قال: \"إنها قد ضربت بالماء ضربتين - أو مرتين - حتى يستنفع بها بنو آدم ويدنوا منها\" (^٦). وهذا الذي أرسله قتادة قد رواه الإمام أحمد في مسنده فقال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد\" (^٧).\nوقال الإمام مالك: عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم\" فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، فقال: \"إنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا\" (^٨). رواه البخاري من حديث مالك ومسلم من حديث أبي الزناد ورواه مسلم من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل بياض.\n(^٢) ذكره البغوي (معالم التنزيل ٤/ ٢٨٨).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بما أخرجه آدم والطبري بسند صحيح.\n(^٤) سنده ضعيف لإرساله.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي آياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) الحديث تتمة للأثر السابق لكنه مرسل ويشهد لشقه الأول الحديث التالي.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٤٤) وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، كتاب جهنم، باب ما جاء في صفة جهنم، ٢/ ٧٥٩ ح ١). وسنده صحيح.","vol":"7","page":154},{"text":"به (^١). وفي لفظ \"والذي نفسي بيده لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلهن مثل حرها\" (^٢).\nوقد قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا معن بن عيسى القزار، عن مالك، عن عمه أبي السهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادًا من ناركم هذه بسبعين ضعفًا\" (^٣).\nقال الضياء المقدسي: وقد رواه ابن مصعب، عن مالك، ولم يرفعه وهو عندي على شرط الصحيح.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والنضر بن عربي: يعني بالمقوين: المسافرين (^٤)، واختاره ابن جرير وقال: ومنه قولهم أقوت الدار إذا رحل أهلها.\nوقال غيره: القي والقواء: القفر الخالي البعيد من العمران.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقوي ههنا الجائع (^٥).\nوقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾، للحاضر والمسافر لكل طعام لا يصلحه إلا النار (^٦)، وكذا روى سفيان، عن جابر الجعفي، عن مجاهد (^٧).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: قوله: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ يعني: المستمتعين من الناس أجمعين (^٨)، وكذا ذكر عن عكرمة، وهذا التفسير أعمُّ من غيره، فإن الحاضر والبادي من غني وفقير الجميع محتاجون إليها للطبخ والاصطلاء والإضاءة وغير ذلك من المنافع، ثم من لطف الله تعالى أن أودعها في الأحجار وخالص الحديد بحيث يتمكن المسافر من حمل ذلك في متاعه وبين ثيابه، فإذا احتاج إلى ذلك في منزله أخرج زنده وأورى وأوقد ناره فأطبخ بها واصطلى بها واشتوى، واستأنس بها وانتفع بها سائر الانتفاعات، لهذا أفرد المسافرين وإن كان ذلك عامًا في حق الناس كلهم! وقد يستدل له بما رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي خداش حبان بن زيد الشرعي الشامي، عن رجل من المهاجرين من قرن أن رسول الله ﷺ قال: \"المسلمون شركاء في ثلاثة: النار والكلأ والماء\" (^٩). وروى ابن ماجه بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال\n_________\n(^١) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة (ح ٣٢٦٥) وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب في شدة حر جهنم بعد (ح ٢٨٤٣).\n(^٢) المصدر السابق (٢٨٤٣).\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الأوسط ١/ ٣٠٠ ح ٤٨٩) ويشهد له ما سبق في رواية مالك والشيخين، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٨٧).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٦) في سنده ليث فيه مقال ويخالف ما صح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وسنده ضعيف لضعف جابر وهو ابن يزيد الجعفي.\n(^٨) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) (المسند ٥/ ٣٦٤) وسنن أبي داود، البيوع، باب في منع الماء (ح ٣٤٧٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٩٦٨).","vol":"7","page":155},{"text":"رسول الله ﷺ: \"ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار\" (^١) وله من حديث ابن عباس مرفوعًا مثل هذا وزيادة: وثمنه حرام، ولكن في إسناده عبد الله بن خراش بن حوشب وهو ضعيف، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5053\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ أي: الذي بقدرته خلق هذه الأشياء المختلفة المتضادة: الماء الزُلال العذب البارد ولو شاء لجعله ملحًا أجاجًا كالبحار المغرقة، وخلق النار المحرقة وجعل ذلك مصلحة للعباد، وجعل هذه منفعة لهم في معاش دنياهم وزاجرًا لهم في المعاد (^٢).\n\n<span id=\"aya-5054\"></span>﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾.\nقال جويبر، عن الضحاك: إن الله تعالى لا يقسم بشيء من خلقه ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه (^٣)، وهذا القول ضعيف، والذي عليه الجمهور أنه قسم من الله يقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته، ثم قال بعض المفسرين: لا ههنا زائدة وتقديره أقسم بمواقع النجوم، ورواه ابن جرير عن سعيد بن جبير (^٤). ويكون جوابه ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾.\nوقال آخرون: ليست لا زائدة لا معنى لها بل يؤتى بها في أول القسم إذا كان مقسمًا به على منفي كقول عائشة ﵂: لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط (^٥)، وهكذا ههنا تقدير الكلام: لا أقسم بمواقع النجوم، ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر أو كهانة بل هو قرآن كريم.\nوقال ابن جرير: وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ فليس الأمر كما تقولون ثم استأنف القسم بعد ذلك فقيل: أُقسم (^٦). واختلفوا في معنى قوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ فقال حكيم بن جبير: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يعني: نجوم القرآن فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقًا في السنين بعد. ثم قرأ ابن عباس هذه الآية (^٧).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: نزل القرآن جملة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه، الرهون باب المسلمون شركاء في ثلاث (ح ٢٤٧٣) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٠٠٥).\n(^٢) المصدر السابق (ح ٢٤٧٢) وصححه الألباني دون قوله: وثمنه حرام صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٠٠٤).\n(^٣) سنده ضعيف جدًا لأن جويبر متروك كما في التقريب.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ولفظه: أُقسم.\n(^٥) أخرجه البخاري (الصحيح، الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام ح ٢٧١٣).\n(^٦) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري كلاهما من طريق حكيم بن جبير به وسنده ضعيف لضعف حكيم (التقريب ص ١٧٦) ويتقوى برواية عكرمة عن ابن عباس المتقدمة في تفسير سورة الإسراء آية ١٠٦.","vol":"7","page":156},{"text":"الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على محمد ﷺ عشرين سنة فهو قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ نجوم القرآن (^١)، وكذا قال عكرمة ومجاهد والسدي وأبو حزرة (^٢).\nوقال مجاهد أيضًا: مواقع النجوم في السماء ويقال: مطالعها ومشارقها (^٣).\nوكذا قال الحسن وقتادة (^٤) وهو اختيار ابن جرير.\nوعن قتادة: مواقعها منازلها (^٥).\nوعن الحسن أيضًا: أن المراد بذلك انتثارها يوم القيامة (^٦).\nوقال الضحاك: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ يعني: بذلك الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا أمطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا.\n\n<span id=\"aya-5055\"></span>\n\n<span id=\"aya-5056\"></span>\n\n<span id=\"aya-5057\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ أي: وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم به عليه ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ أي: إن هذا القرآن الذي نزل على محمد لكتاب عظيم ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ أي: معظم، في كتاب معظم محفوظ موقر.\n\n<span id=\"aya-5058\"></span>وقال ابن جرير: حدثني إسماعيل بن موسى: أخبرنا شريك، عن حكيم هو: ابن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ قال: الكتاب الذي في السماء (^٧).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ يعني: الملائكة (^٨)، وكذا قال أنس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وأبو نهيك والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم (^٩).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن قتادة ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوس النجس، والمنافق الرجس، وقال: وهي في قراءة ابن مسعود: \"ما يمسه إلا المطهرون\" (^١٠).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس، ويشهد لبعضه ما تقدم في تخريج الرواية السابقة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه عن عكرمة.\n(^٣) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف حكيم بن جبير (التقريب ص ١٧٦).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بالآثار التالية. وأخرجه الطبري من قول جابر بن زيد وأبي نهيك وعكرمة، وفي أسانيدهم ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ويتقوى بما سبق.\n(^٩) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بأسانيد من طريق الربيع بن أبي راشد عن سعيد بن جبير، والربيع لم أجد له ترجمة.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده إلى قتادة صحيح، ولكنه منقطع عن ابن مسعود لأن قتادة لم يسمع منه.","vol":"7","page":157},{"text":"وقال أبو العالية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب (^١).\nوقال ابن زيد: زعمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون (^٢) كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء] وهذا القول قول جيد، وهو لا يخرج عن الأقوال التي قبله.\nوقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به (^٣).\nوقال آخرون: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ أي: من الجنابة والحدث قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن ههنا المصحف، كما روى مسلم، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (^٤). واحتجوا في ذلك بما رواه الإمام مالك في موطئه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: أن لا يمس القرآن إلا طاهر (^٥).\nوروى أبو داود في المراسيل من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ قال: \"ولا يمس القرآن إلا طاهر\" (^٦). وهذه وجادة جيدة قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به، وقد أسنده الدارقطني، عن عمرو بن حزم وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص وفي إسناد كل منهما نظر (^٧)، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5059\"></span>وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ أي: هذا القرآن منزل من الله رب العالمين وليس هو كما يقولون إنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو الحق الذي لا مرية فيه وليس وراءه حق نافع.\n\n<span id=\"aya-5060\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: أي مكذبون غير مصدقين (^٨)، وكذا قال الضحاك وأبو حزرة والسدي.\n\n<span id=\"aya-5061\"></span>وقال مجاهد: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أي: تريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم (^٩). ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ قال بعضهم: معنى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ بمعنى شكركم أنكم تكذبون [أي تكذبون بدل\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ٥٤٨) والطبري بسند حسن من طريق عاصم الأحول عن أبي العالية.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) ذكره الفراء (معاني القرآن ٣/ ١٣٠).\n(^٤) أخرجه مسلم (الصحيح، الإمارة، باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم ح ١٨٦٩).\n(^٥) الموطأ، القرآن، باب الأمر بالوضوء لمن مسّ القرآن ١/ ١٧٧ ح ١. وسنده مرسل.\n(^٦) أخرجه أبو داود وقال: روي هذا الحديث مسندًا ولا يصح. (المراسل ح ٩٤).\n(^٧) سنن الدارقطني، الطهارة، باب في نهي المحدث عن مسِّ القرآن ١/ ٢٢ (ح ٥) وألمح الحافظ ابن كثير إلى تضعيفه، وضعفه الألباني (إرواء الغليل ١/ ١٥٨).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعناه صحيح.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"7","page":158},{"text":"الشكر، وقد روي عن علي وابن عباس أنهما قرآها \"وتجعلون شكركم أنكم تكذبون\" (^١)] (^٢) كما سيأتي وقال ابن جرير: وقد ذكر عن الهيثم بن عدي أن من لغة أزدشنوءة ما رزق فلان بمعنى ما شكر فلان (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"وتجعلون رزقكم يقول: شكركم أنكم تكذبون، وتقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا بنجم كذا وكذا\" (^٤). وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مخول بن إبراهيم النهدي، وابن جرير، عن محمد بن المثنى، عن عبيد الله بن موسى، وعن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن أبي بكير، ثلاثتهم عن إسرائيل به مرفوعًا، وكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن حسين بن محمد وهو: المروزي به، وقال: حسن غريب، وقد رواه سفيان الثوري، عن عبد الأعلى ولم يرفعه (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما مطر قوم قط إلا أصبح بعضهم كافرًا يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا. وقرأ ابن عباس (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) (^٦). وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. وقال مالك في الموطأ: عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت في الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: \"هل تدرون ماذا قال ربكم؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب\" (^٧). أخرجاه في الصحيحين وأبو داود والنسائي، كلهم من حديث مالك به (^٨).\nوقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي وعمرو بن سواد، حدثنا عبد الله بن وهب، عن\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسرائيل عن عبد الأعلى التغلبي عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي، وهي قراءة شاذة تفسيرية، وأخرجه الثوري عن عبد الأعلى به (ينظر: سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الواقعة بعد ح ٣٢٩٥). وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وصححه الحافظ ابن كثير كما سيأتي.\n(^٣) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢١٠ ح ٨٤٩) وقال محققوه: حسن لغيره.\n(^٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الواقعة (ح ٣٢٩٥). وأخرجه الضياء المقدسي من طريق حسين بن محمد به (المختارة ٢/ ١٩١ ح ٥٧١) وحسن سنده محققه، والراجح وقفه على علي ﵁.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٧) الموطأ، الاستسقاء، باب الاستمطار بالنجوم ١/ ١٧٠ (ح ٤).\n(^٨) صحيح البخاري، الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم (ح ٨٤٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب كفر من قال: مطرنا بالنوء (ح ١٢٥).","vol":"7","page":159},{"text":"عمرو بن الحارث أن أبا يونس حدثه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الغيث فيقولون بكوكب كذا وكذا\" (^١). انفرد به مسلم من هذا الوجه.\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين، يقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا\"، قال محمد: هو ابن إبراهيم، فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هريرة، وقد أخبرني من شهد عمر بن الخطاب ﵁ وهو يستسقي، فلما استسقى التفت إلى العباس فقال: يا عباس يا عمَّ رسول الله: كم أبقى من نوء الثريا؟ فقال: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعًا، قال: فما مضت سابعة حتى مُطروا (^٢).\nوهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء مؤثر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهي عن اعتقاده، وقد تقدم شيء من هذه الأحاديث عند قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢].\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان، عن إسماعيل بن أُمية فيما أحسبه أو غيره أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا ومُطروا يقول: مُطرنا ببعض عثانين الأسد، فقال: \"كذبت بل هو رزق الله\" (^٣).\nثم قال ابن جرير: حدثني أبو صالح الصراري، حدثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك الأزدي، حدثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن النبي ﷺ قال: \"ما مُطر قوم من ليلة إلا أصبح قوم بها كافرين، ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ يقول قائل: مطرنا بنجم كذا وكذا\" (^٤). وفي حديث عن أبي سعيد مرفوعًا: \"لو قحط الناس سبع سنين ثم أُمطروا لقالوا: مُطرنا بنوء المجدح\" (^٥) (^٦).\nوقال مجاهد: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ قال: قولهم في الأنواء مُطرنا بنوء كذا، وبنوء كذا، يقول: قولوا هو من عند الله وهو رزقه (^٧)، وهكذا قال الضحاك وغير واحد (^٨).\nوقال قتادة: أما الحسن فكان يقول: بئس ما أخذ قوم لأنفسهم لم يرزقوا من كتاب الله إلا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه. (المصدر السابق، الحديث الذي بعده مباشرة).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحميدي من طريق سفيان به (المسند ٢/ ٤٣٢ ح ٩٧٩) وسنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله وتردده.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن جعفر بن الزبير متروك. (التقريب ص ١٤٠)\n(^٥) هو اسم نجم من النجوم.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا. (المسند ١٧/ ٩٥ ح ١١٠٤٢). وحسنه محققوه.\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه، ويتقوى بسابقه.","vol":"7","page":160},{"text":"التكذيب (^١)، فمعنى قول الحسن هذا وتجعلون حظكم من كتاب الله أنكم تكذبون به ولهذا قال قبله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾.\n\n<span id=\"aya-5062\"></span>\n\n<span id=\"aya-5063\"></span>﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾ أي: الروح ﴿الْحُلْقُومَ﴾ أي: الحلق وذلك حين الاحتضار، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ [القيامة] ولهذا قال ههنا: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)﴾ أي: إلى المحتضر وما يكابده من سكرات الموت\n\n<span id=\"aya-5064\"></span>﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أي: بملائكتنا ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أي: ولكن لا ترونهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-5065\"></span>\n\n<span id=\"aya-5066\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا﴾ معناه فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول ومقرها من الجسد إن كنتم غير مدينين.\nقال ابن عباس: يعني محاسبين (^٢)، وروي عن مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك والسدي وأبي حزرة مثله (^٣).\nوقال سعيد بن جبير والحسن البصري: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)﴾ غير مصدقين (^٤) أنكم تدانون وتبعثون وتجزون فردوا هذه النفس.\nوعن مجاهد: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غير موقنين (^٥).\nوقال ميمون بن مهران: غير معذبين مقهورين.\n\n<span id=\"aya-5067\"></span>﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾.\nهذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم، إما أن يكون من المقربين أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين، وإما أن يكون من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى الجاهلين بأمر الله، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أي: المحتضر ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ وهم الذين فعلوا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف، وهو الأعرابي، عن الحسن.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.","vol":"7","page":161},{"text":"الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات.\n\n<span id=\"aya-5068\"></span>﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ أي: فلهم روح ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت كما تقدم في حديث البراء أن ملائكة الرحمة تقول: أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان وربٍّ غير غضبان (^١).\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَرَوْحٌ﴾ يقول: راحة، وريحان يقول: مستراحة (^٢)، وكذا قال مجاهد: إن الروح الاستراحة (^٣).\nوقال أبو حزرة: الراحة من الدنيا.\nوقال سعيد بن جبير والسدي: الروح الفرح (^٤).\nوعن مجاهد: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ جنة ورخاء.\nوقال قتادة: فروح فرحمة (^٥).\nوقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: وريحان: ورزق (^٦)، وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة، فإن من مات مقربًا حصل له جميع ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة، والفرح والسرور والرزق الحسن، ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾.\nوقال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيقبض روحه (^٧) فيه.\nوقال محمد بن كعب: لا يموت أحد من الناس حتى يعلم من أهل الجنة هو أم من أهل النار، وقد قدمنا أحاديث الاحتضار عند قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [٢٧] ولو كتبت ههنا لكان حسنًا، من جملتها حديث تميم الداري، عن النبي ﷺ يقول: \"يقول الله تعالى لملك الموت انطلق إلى [فلان فائتني به فإنه قد جربته بالسراء والضراء] (^٨) فوجدته حيث أحب، ائتني فلأريحه، قال: فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة معهم أكفان وحنوط من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان - أصل الريحانة واحد - وفي رأسها عشرون لونًا لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك\" (^٩). وذكر تمام الحديث بطوله كما تقدم وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا هارون، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة إبراهيم آية ٢٧.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) تقدم تخريجه بالأسانيد المتقدمة في الروايات الأربع السابقة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(^٨) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل بياض.\n(^٩) تقدم تخريجه في تفسير سورة إبراهيم آية ٢٧.","vol":"7","page":162},{"text":"شقيق، عن عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ برفع الراء (^١)، وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث هارون، وهو ابن موسى الأعور به، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديثه (^٢). وهذه القراءة هي قراءة يعقوب وحده وخالفه الباقون فقرءوا ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ بفتح الراء.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل أنه سمع [ذَرَّة] (^٣) بنت معاذ تحدث عن أم هانئ، أنها سألت رسول الله ﷺ: أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضًا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"يكون النسم طيرًا يعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها\" (^٤). هذا الحديث فيه بشارة لكل مؤمن، ومعنى يعلق يأكل، ويشهد له بالصحة أيضًا ما رواه الإمام أحمد، عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، عن الإمام مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبي، عن رسول الله ﷺ قال: \"إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه\" (^٥). وهذا إسناد عظيم ومتن قويم.\nوفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في رياض الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش\" الحديث (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا عطاء بن السائب قال: كان أول يوم عرفت فيه عبد الرحمن بن أبي ليلى رأيت شيخًا أبيض الرأس واللحية على حمار، وهو يتبع جنازة فسمعته يقول: حدثني فلان بن فلان سمع رسول الله ﷺ يقول: \"من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه\" قال: فأكبَّ القوم يبكون، فقال: \"ما يبكيكم؟ \" فقالوا: إنا نكره الموت، قال: \"ليس ذاك ولكنه إذا احتضر ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ \" فإذا بُشر بذلك أحبَّ لقاء الله ﷿، والله ﷿ للقائه أحبّ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾، فإذا بُشر بذلك كرِه لقاء الله والله تعالى للقائه أكره\" (^٧)، هكذا رواه الإمام أحمد، وفي الصحيح عن عائشة ﵂ شاهد لمعناه (^٨).\n\n<span id=\"aya-5069\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠)﴾ أي: وأما إذا كان المحتضر من أصحاب اليمين\n\n<span id=\"aya-5070\"></span>﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ أي: تبشرهم الملائكة بذلك تقول\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠/ ٤١٠ ح ٢٤٣٥٢) وصحح سنده محققوه. والقراءة متواترة.\n(^٢) سنن أبي داود، الحروف والقراءات (ح ٣٩٩١)، وسنن الترمذي، أبواب القراءات (ح ٣١١٩) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي بعد (ح ٢٣٤٠).\n(^٣) كذا بالذال كما في المسند وترجمتها في الإكمال وتعجيل المنفعة، وفي الأصول الخطية بالدال: \"دره\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٣٨٣ ح ٢٧٣٨٧) وقال محققوه: صحيح لغيره. ولو قالوا: حسن لغيره لكان أضبط، ويشهد له ما يليه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ٥٨ ح ١٥٧٧٨) وصحح سنده محققوه، ومن قبلهم الحافظ ابن كثير.\n(^٦) صحيح مسلم، الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة (ح ١٨٨٧).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/ ٢١٦ ح ١٨٢٨٣) وحسن سنده محققوه.\n(^٨) صحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب من أحب الله أحب الله لقاءه (ح ٢٦٨٤).","vol":"7","page":163},{"text":"لأحدهم: سلام لك؛ أي: لا بأس عليك أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين.\nوقال قتادة وابن زيد: سلم من عذاب الله وسلَّمت عليه ملائكة الله (^١)، كما قال عكرمة: تسلِّم عليه الملائكة وتخبره أنه من أصحاب اليمين، وهذا معنى حسن، ويكون ذلك كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت].\nوقال البخاري: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ أي: مسلّم لك أنك ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ وألغيت إن وبقي معناها كما تقول أنت مصدق مسافر عن قليل إذا كان قد قال إني مسافر عن قليل، وقد يكون كالدعاء له كقولك: سُقيًا لك من الرجال إن رفعت السلام، فهو من الدعاء (^٢)، وقد حكاه ابن جرير هكذا عن بعض أهل العربية ومالَ إليه والله أعلم (^٣).\n\n<span id=\"aya-5071\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ أي: وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى\n\n<span id=\"aya-5072\"></span>﴿فَنُزُلٌ﴾ أي: فضيافة ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وهو المذاب الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود\n\n<span id=\"aya-5073\"></span>﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ أي: وتقرير له في النار التي تغمره من جميع جهاته.\n\n<span id=\"aya-5074\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ أي: إن هذا الخبر لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه ولا محيد لأحد عنه ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن أيوب الغافقي، حدثني عمي إياس بن عامر، عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ\n\n<span id=\"aya-5075\"></span>﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ قال: \"اجعلوها في ركوعكم\" ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى] قال رسول الله ﷺ: \"اجعلوها في سجودكم\" (^٤). وكذا رواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك، عن موسى بن أيوب (^٥) به.\nوقال روح بن عبادة: حدثنا حجاج الصواف، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة\". هكذا رواه الترمذي من حديث روح، ورواه هو والنسائي أيضًا من حديث حماد بن سلمة، من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ به، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٢) ذكره البخاري بلفظه (ينظر فتح الباري ٨/ ٦٢٥) وهو منقول عن الفراء في (معاني القرآن ٣/ ١٣١).\n(^٣) أي: نقله عن الفراء أيضًا.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٥). وفي سنده موسى بن أيوب: مقبول (التقريب ص ٥٤٩).\n(^٥) سنن أبي داود، الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه (ح ٨٦٩) وسنن ابن ماجه، الإقامة، باب التسبيح في الركوع والسجود (ح ٨٨٧) وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه.\n(^٦) سنن الترمذي، الدعوات، باب فضل سبحان الله (ح ٣٤٦٠) والسنن الكبرى، عمل اليوم والليلة (ح ١٠٦٦٣) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٧٥٧).","vol":"7","page":164},{"text":"وقال البخاري في آخر كتابه: حدثنا أحمد بن أشكاب، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم\" (^١). ورواه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث محمد بن فضيل بإسناده مثله (^٢).\nآخر تفسير سورة الواقعة، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التوحيد، قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ح ٧٥٦٣).\n(^٢) صحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (ح ٢٦٩٤).","vol":"7","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-180>سُورَةُ الحَدِيْدِ</span>\nوهي مدنية\nقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بَقية بن الوليد، حدثني بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال، عن عِرباض بن سارية أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد وقال: \"إن فيهن آية أفضل من ألف آية\" (^١). وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن بقية به.\nوقال الترمذي: حسن غريب (^٢). ورواه النسائي، عن ابن أبي السرح، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله ﷺ فذكره مرسلًا (^٣)، ولم يذكر عبد الله بن أبي بلال ولا العرباض بن سارية، والآية المشار إليها في الحديث هي والله أعلم قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ كما سيأتي بيانه قريبًا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة [وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل] (^٤).\n\n<span id=\"aya-5076\"></span>﷽\n﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾.\nيخبر تعالى أنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض؛ أع: من الحيوانات والنباتات، كما قال في الآية الأخرى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء]\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: الذي قد خضع له كل شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه وأمره وشرعه\n\n<span id=\"aya-5077\"></span>﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: هو المالك المتصرف في خلقه فيحيي ويميت ويعطي من يشاء ما يشاء ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٢٨) وسنده ضعيف.\n(^٢) سنن أبي داود، الأدب، باب ما يقال عند النوم (ح ٥٠٥٧، وسنن الترمذي، ثواب القرآن، باب رقم ٢١ ح ٢٩٢١)، والسنن الكبرى للنسائي، باب عمل اليوم والليلة (ح ١٠٥٤٩) وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ١٠٧٣)\n(^٣) السنن الكبرى، عمل اليوم والليلة (ح ١٠٥٥١).\n(^٤) زيادة من (ح).","vol":"7","page":166},{"text":"<span id=\"aya-5078\"></span>وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ وهذه الآية هي المشار إليها في حديث عرباض بن سارية أنها أفضل من ألف آية.\nوقال أبو داود: حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة؛ - يعني: ابن عمار - حدثنا أبو زميل قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به. قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية [يونس: ٩٤]، قال: وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئًا فقل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ (^١) وقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الآية وأقوالهم على نحو من بضعة عشر قولًا.\nوقال البخاري: قال يحيى: الظاهر على كل شيء علمًا، والباطن على كل شيءٍ علمًا (^٢).\nوقال شيخنا الحافظ المزي: يحيى هذا هو ابن زياد الفراء، له كتاب سماه \"معاني القرآن\" (^٣)، وقد ورد في ذلك أحاديث، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند النوم \"اللَّهم ربَّ السماوات السبع وربَّ العرش العظيم، ربنا وربَّ كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن ليس دونك شيء، اقضِّ عنا الدين، وأغننا من الفقر\" (^٤).\nورواه مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللَّهم ربَّ السماوات وربَّ الأرض وربَّ العرش العظيم، ربنا وربَّ كل شيء فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللَّهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، واغننا من الفقر، وكان يروي ذلك عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (^٥).\nوقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة أُم المؤمنين نحو هذا فقال: حدثنا عقبة، حدثنا يونس، حدثنا السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة أنها\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب في رد الوسوسة ح ٥١١٠) وحسن سنده الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٢٦٢).\n(^٢) ذكره البخاري بلفظ (الصحيح، التفسير سورة الحديد بعد ح ٤٨٨١). وهو منقول عن الفراء كما يلي:\n(^٣) معاني القرآن ٣/ ١٣٢.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥/ ١٤٠ ح ٩٢٤٧). وصححه محققوه.\n(^٥) أخرجه مسلم بسنده ومتنه وتعليقه. (الصحيح، الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع ح ٢٧١٣).","vol":"7","page":167},{"text":"قالت: كان رسول الله ﷺ يأمر بفراشه فيفرش له مستقبل القبلة، فإذا أوى إليه توسد كفه اليمنى ثم همس ما يدرى ما يقول، فإذا كان في آخر الليل رفع صوته فقال: \"اللَّهم ربَّ السماوات السبع ورب العرش العظيم، إله كل شيء ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى. أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته. اللَّهم أنت الأول الذي ليس قبلك شيء، وأنت الآخر الذي ليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عنَّا الدين وأغننا من الفقر\" (^١). السري بن إسماعيل هذا هو ابن عمِّ الشعبي، وهو: ضعيف جدًا، والله أعلم.\nوقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبد بن حميد وغير واحد المعنى واحد قالوا: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة قال: حدث الحسن، عن أبي هريرة قال: بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ: هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا العنان هذه روايا الأرض تسوقه إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه. ثم قال: هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرفيع سقف محفوظ وموج مكفوف. ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة. ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن فوق ذلك سماء بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة، حتى عدَّ سبع سماوات ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء مثل بعد ما بين السماءين، ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الأرض. ثم قال: هل تدرون ما الذي تحت ذلك. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن تحتها أرضًا أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة، حتى عدَّ سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم حبلًا إلى الأرض السفلى لهبط على الله ثم قرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾.\nثم قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس؛ يعني: ابن عبيد وعلي بن زيد وقالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على العرش كما وصف في كتابه (^٢)، انتهى كلامه.\nوقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن سريج، عن الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فذكره وعنده وبعد ما بين الأرضين مسيرة سبعمائة عام وقال: لو دلَّيتم أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى السابعة لهبط على الله ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٨/ ٢١٠ ح ٤٧٤٤) وسنده ضعيف لكن يشهد له سابقه.\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه وحكمه. (السنن، التفسير، باب ومن سورة الحديد ح ٣٢٩٨). وسنده ضعيف، لانقطاعه بين الحسن وأبي هريرة.","vol":"7","page":168},{"text":"وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ (^١). ورواه ابن أبي حاتم والبزار من حديث أبي جعفر الرازي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة فذكر الحديث (^٢) ولم يذكر ابن أبي حاتم آخره، وهو قوله: لو دلَّيتم بحبل وإنما قال: حتى عدَّ سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام، ثم تلا ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾. وقال البزار: لم يروه عن النبي ﷺ إلا أبو هريرة.\nورواه ابن جرير، عن بشر، عن يزيد، عن سعيد، عن قتادة ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾. وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ هو جالس في أصحابه إذ مرَّ عليهم سحاب فقال: هل تدرون ما هذا (^٣)؟ وذكر الحديث مثل سياق الترمذي سواء، إلا أنه مرسل من هذا الوجه، ولعل هذا هو المحفوظ والله أعلم. وقد روي من حديث أبي ذرٍّ الغفاري ﵁ وأرضاه، رواه البزار في مسنده والبيهقي في كتاب \"الأسماء والصفات\" (^٤)، ولكن في إسناده نظر وفي متنه غرابة ونكارة، والله ﷾ أعلم.\nوقال ابن جرير عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض فقال بعضهم لبعض: من أين جئت؟ قال أحدهم: أرسلني ربي ﷿ من السماء السابعة وتركته ثَمّ. قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته ثَمّ. قال الآخر: أرسلني ربي من المشرق وتركته ثَمّ. قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته ثمّ (^٥). وهذا حديث غريب جدًا، وقد يكون الحديث الأول موقوفًا على قتادة كما روي ههنا من قوله، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5079\"></span>﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾.\nيخبر تعالى عن خلقه السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم أخبر تعالى باستوائه على العرش بعد خلقهن، وقد تقدم الكلام على هذه الآية وأشباهها في سورة الأعراف (^٦) بما أغنى عن إعادته ههنا ..\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٧٠) وسنده ضعيف كسابقه، وقال ابن الجوزي حديث منكر العلل (١/ ٢٧).\n(^٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار ٢/ ٢٨٩ وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله.\n(^٤) الأسماء والصفات للبيهقي ص ٥٠٦ وقال الجوزقاني: حديث منكر (الأباطيل ١/ ٦٨) وضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه مرسل ومثله لا يؤخذ إلا من الوحي لأنه من الغيبيات.\n(^٦) في الآية ٥٤.","vol":"7","page":169},{"text":"﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يعلم عدد ما يدخل فيها من حبِّ وقطر ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من نبات وزرع وثمار كما قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من الأمطار، والثلوج والبرد والأقدار، والأحكام مع الملائكة الكرام. وقد تقدم في سورة البقرة أنه ما ينزل من قطرة من السماء إلا ومعها ملك يقررها في المكان الذي يأمر الله به حيث يشاء الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: من الملائكة والأعمال كما جاء في الصحيح: \"يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل\" (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم برًا أو بحرًا، في ليل أو نهار في البيوت أو القفار، الجميع في علمه على السواء وتحت بصره وسمعه فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾ [هود].\nوقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [الرعد] فلا إله غيره ولا رب سواه؛ وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ لجبريل: لما سأله عن الإحسان: \"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" (^٢).\nوروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث نصر بن خزيمة بن جنادة بن محفوظ بن علقمة: حدثني أبي، عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن عبد الرحمن بن عائذ قال: قال عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: زودني حكمة أعيش بها فقال: \"استح الله كما تستحي رجلًا من صالحي عشيرتك لا يفارقك\" (^٣). هذا حديث غريب.\nوروى أبو نعيم من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري مرفوعًا: \"ثلاث من فعلهنَّ فَقَدّ طَعِم الإيمان إن عَبَدَ الله وحده، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة (^٤) ولا الشّرط اللئيمة (^٥) ولا المريضة، ولكن من أوسط أموالكم وزكى نفسه\" وقال رجل: يا رسول الله ما تزكية المرء نفسه؟ فقال: \"يعلم أن الله معه حيث كان\" (^٦).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الإيمان، باب في قوله ﵇: \"إن الله لا ينام\" (ح ١٧٩).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) عزاه الحافظ ابن كثير إلى الإسماعيلي من حديث ابن خزيمة بن جنادة به، وقال: إسناده غريب. (مسند الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ٢/ ٦٠٩). وخرّجه الألباني من مصادر أخرى وحكم بجودة السند. (السلسلة الصحيحة ٢/ ٣٧٦ ح ٧).\n(^٤) أي: الجرباء.\n(^٥) أي: رذال المال.\n(^٦) أخرجه أبو داود (السنن، الزكاة، باب في زكاة السائمة ح ١٥٨٢) والبيهقي من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري (السنن الكبرى ٤/ ٩٦) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٤٠٠).","vol":"7","page":170},{"text":"وقال نعيم بن حماد ﵀: حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، عن محمد بن مهاجر، عن عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت\" (^١) غريب. وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ينشد هذين البيتين:\nإذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل … خلوتُ ولكن قل علي رقيب\nولا تحسبن الله يغفلُ ساعةً … ولا أن ما تخفي عليه يغيب\n\n<span id=\"aya-5080\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥)﴾ أي: هو المالك للدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ [الليل] وهو المحمود على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠] وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ]، فجميع ما في السماوات والأرض ملك له، وأهلهما عبيد أرقاء أذلاء بين يديه كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم] ولهذا قال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: إليه المرجع يوم القيامة فيحكم في خلقه بما يشاء وهو العادل الذي لا يجور ولا يظلم مثقال ذرة بل إن يكن عمل أحدهم حسنة واحدة يضاعفها إلى عشرة أمثالها ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وكما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء].\n\n<span id=\"aya-5081\"></span>وقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي: هو المتصرف في الخلق يقلب الليل والنهار ويقدرهما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل ويقصر النهار وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين، وتارة يكون الفصل شتاءً ثم ربيعًا ثم قيظًا ثم خريفًا، وكل ذلك بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: يعلم السرائر وإن دقت وخفيت.\n\n<span id=\"aya-5082\"></span>﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾.\nأمر ﵎ بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل، والدوام والثبات على ذلك والاستمرار، وحثَّ على الإنفاق مما جعلكم مستخلفين فيه؛ أي: مما هو معكم على سبيل\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (المعجم الأوسط ٨/ ٣٣٦ ح ٨٧٩٦)، وأبو نعيم (الحلية ٦/ ١٢٤) كلاهما من طريق نعيم بن حماد به، ونعيم بن حماد صدوق يخطي كثيرًا (التقريب ص ٥٦٤).","vol":"7","page":171},{"text":"العارية، فإنه قد كان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، فأرشد الله تعالى إلى استعمال ما استخلفتم فيه من المال في طاعته، فإن تفعلوا وإلا حاسبكم عليه وعاقبكم لترككم الواجبات فيه.\nوقوله تعالى: ﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ فيه إشارة إلى أنه سيكون مخلفًا عنك، فلعلَّ وارثك أن يطيع الله فيه فيكون أسعد بما أنعم الله به عليك منك، أو يعصي الله فيه فتكون قد سعيت في معاونته على الإثم والعدوان.\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث عن مطرف يعني ابن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: \"ألهاكم التكاثر، يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟ \" (^١). ورواه مسلم من حديث شعبة به وزاد: \"وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس\" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ترغيب في الإيمان والإنفاق في الطاعة\n\n<span id=\"aya-5083\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ أي: وأي شيء يمنعكم من الإيمان والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به.\nوقد روينا في الحديث من طرق في أوائل شرح كتاب الإيمان من \"صحيح البخاري\" أن رسول الله ﷺ قال يومًا لأصحابه: \"أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانًا؟ قالوا: الملائكة. قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ قالوا: فالأنبياء. قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن. قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانًا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها\" (^٣). وقد ذكرنا طرفًا من هذه الرواية في أول سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧] ويعني: بذلك بيعة الرسول ﷺ.\nوزعم ابن جرير أن المراد بذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم وهو مذهب مجاهد (^٤)، فالله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5084\"></span>\n\n<span id=\"aya-5085\"></span>وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: حججًا واضحات ودلائل باهرات وبراهين قاطعات ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة إلى نور الهدى واليقين والإيمان.\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهداية الناس وإزاحة العلل وإزالة الشبه.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٤) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق (ح ٢٩٥٨).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٣.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"7","page":172},{"text":"ولما أمرهم أولًا بالإيمان والإنفاق ثم حثَّهم على الإيمان وبيّن أنه قد أزال عنهم موانعه حثَّهم أيضًا على الإنفاق فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ أي: أنفقوا ولا تخشو فقرًا وإقلالًا فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك السماوات والأرض وبيده مقاليدهما وعنده خزائنهما، وهو مالك العرش بما حوى، وهو القائل ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقال: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] فمن توكل على الله أنفق ولم يخشَ من ذي العرش إقلالًا، وعلم أن الله سيخلفه عليه. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ أي: لا يستوي هذا ومن لم يفعل كفعله، وذلك أن قبل فتح مكة كان الحال شديدًا فلم يكن يؤمن حينئذٍ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهورًا عظيمًا ودخل الناس في دين الله أفواجًا. ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ والجمهور على أن المراد بالفتح ههنا فتح مكة.\nوعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح ههنا صلح الحديبية (^١)، وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا زهير، حدثنا حميد الطويل، عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي ﷺ فقال: \"دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أُحد أو مثل الجبال ذهبًا ما بلغتم أعمالهم\" (^٢).\nومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد المواجه بهذا الخطاب كان بين صلح الحديبية وفتح مكة، وكانت هذه المشاجرة بينهما في بني جذيمة الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد بعد الفتح، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فأمر خالد بقتلهم وقتل من أسر منهم، فخالفه عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر وغيرهما، فاختصم خالد وعبد الرحمن بسبب ذلك (^٣). والذي في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا مَا بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه\" (^٤).\nوروى ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث ابن وهب، أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله ﷺ: \"يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم\" فقلنا: من هم يا رسول الله أقريش؟ قال: \"لا ولكن أهل اليمن هم أرقُّ أفئدة وألين قلوبًا\" فقلنا: أهم خير منا يا رسول الله؟ قال: \"لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مُدَّ أحدكم ولا نصيفه ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَّنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عن عامر الشعبي.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١/ ٣١٩ ح ١٣٨١٢) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر ﵄ (الصحيح، الأحكام، باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو ردّ ح ٧١٨٩).\n(^٤) صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: \"لو كنت متخذًا خليلًا\" (ح ٣٦٧٣) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب تحريم الصحابة ﵃ (ح ٢٥٤١).","vol":"7","page":173},{"text":"وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ \" (^١) وهذا الحديث غريب بهذا السياق [والذي في الصحيحين من رواية جماعة عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ذكر الخوارج: \"تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية\" (^٢). الحديث، ولكن روى ابن جرير هذا الحديث من وجه آخر فقال: حدثني ابن البرقي، حدثني ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبي سعيد التمار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: \"يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم\" قلنا: من هم يا رسول الله؟ قريش؟ قال: \"لا ولكن أهل اليمن لأنهم أرقُّ أفئدة وألين قلوبًا\" وأشار بيده إلى اليمن فقال: \"هم أهل اليمن ألا إن الإيمان يمان والحكمة يمانية\" فقلنا: يا رسول الله هم خير منا؟ قال: \"والذي نفسي بيده - لو كان لأحدهم جبل من ذهب ينفقه ما أدّى مد أحدكم ولا نصيفه\" ثم جمع أصابعه ومدَّ خنصره وقال: \"ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ \" (^٣). فهذا السياق] (^٤) ليس فيه ذكر الحديبية، فإن كان ذلك محفوظًا كما تقدم فيحتمل أنه أنزل قبل الفتح إخبارًا عما بعده كما في قوله تعالى في سورة المزمل وهي مكية من أوائل ما نزل ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [٢٠]. فهي بشارة بما يستقبل وهكذا هذه، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ يعني: المنفقين قبل الفتح وبعده، كلهم لهم ثواب على ما عملوا، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء] وهكذا الحديث الذي في الصحيح: \"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير\" (^٥). وإنما نبه بهذا لئلا يهدر جانب الآخر بمدح الأول دون الآخر، فيتوهم متوهم ذمه، فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه مع تفضيل الأول عليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن فعل ذلك بعد ذلك وما ذاك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق، وفي الحديث: \"سبق درهم مائة ألف\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده هشام بن سعد وهو صدوق له أوهام ورمي بالتشيع. (التقريب ص ٥٧٢).\n(^٢) صحيح البخاري، استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم (ح ٦٩٣١) وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (ح ١٠٦٤).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أبو سعيد التمار ترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وسكت عنه.\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٥) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ كاملًا. (الصحيح، القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز ح ٢٦٦٤).\n(^٦) أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة ﵁ وتتمته: قالوا: وكيف؟ قال: كان لرجل درهمان تصدق =","vol":"7","page":174},{"text":"ولا شك عند أهل الإيمان أن الصديق أبا بكر ﵁ له الحظ الأوفر من هذه الآية، فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله ﷿، ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها.\nوقد قال أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي عند تفسير هذه الآية: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن يونس، حدثنا العلاء بن عمرو الشيباني، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا سفيان بن سعيد، عن آدم بن علي، عن ابن عمرو قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خلَّها في صدره بخلال، فنزل جبريل فقال: ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال؟ فقال: \"أنفق ماله علي قبل الفتح\" قال: فإن الله يقول: اقرأ عليه¬ السلام وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله ﷺ: \"يا أبا بكر إن الله يقرأ عليك السلام ويقول لك: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ \" فقال أبو بكر ﵁: أسخط على ربي ﷿؟ إني عن ربي راضٍ (^١). هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5086\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال عمر بن الخطاب: هو الإنفاق في سبيل الله، وقيل: هو النفقة على العيال، والصحيح أنه أعمُّ من ذلك، فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة، وعزيمة صادقة دخل في عموم هذه الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وله أجر كريم أي: جزاء جميل ورزق باهر، وهو الجنة يوم القيامة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: \"نعم يا أبا الدحداح\" قال: أرني يدك يا رسول الله. قال: فناوله يده. قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأُم الدحداح فيه وعيالها. قال: فجاء أبو الدحداح فناداها يا أُم الدحداح. قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي ﷿، وفي رواية أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح. ونقلت منه متاعها وصبيانها وأن رسول الله ﷺ قال: \"كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح\" (^٢). وفي لفظ \"رُبَّ نخلة مدلاة عروقها درّ وياقوت لأبي الدحداح في الجنة\".\n_________\n= بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها. (السنن، الزكاة، باب جهد المقل ٥/ ٥٩) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٢٣٦٧). وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤١٦).\n(^١) أخرجه البغوي بسنده ومتنه (معالم التنزيل ٤/ ٢٩٥) وسنده ضعيف جدًا، وفيه العلاء بن عمر الفزاري وهو متروك، واتهم بهذا الحديث بأنه كذب. (ينظر: لسان الميزان ٤/ ١٨٥) وضعف سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف حميد الأعرج، وأخرجه أبو يعلى من طريق خلف بن خليفة به (المسند ٨/ ٤٠٤ ح ٤٩٨٦) وضعفه محققه. وأعله الحافظ ابن حجر بحميد الأعرج (المطالب العالية المسند ٤/ ٢٩٤ =","vol":"7","page":175},{"text":"<span id=\"aya-5087\"></span>﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المؤمنين المتصدقين أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، بحسب أعمالهم كما قال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتّقد مرة ويطفأ مرة (^١)، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nوقال قتادة: ذُكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: \"من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء فدون ذلك حتى أن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه\" (^٢).\nوقال سفيان الثوري: عن حصين، عن مجاهد، عن جنادة بن أبي أُمية قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسيماكم وحلالكم ونجواكم ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة، قيل: يا فلان هذه نورك، يا فلان لا نور لك، وقرأ ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.\nوقال الضحاك: ليس أحد إلا يعطي نورًا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين (^٣)، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفئ نور المنافقين فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨]، وقال الحسن: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني: على الصراط.\nوقد قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، أخبرنا عمي. عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن مسعود أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يحدث، أنه سمع أبا الدرداء وأبا ذرٍّ يخبران عن النبي ﷺ قال: \"أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم\" فقال له رجل: يا نبي الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك؟ فقال: \"أعرفهم محجلون من أثر الوضوء ولا يكون لأحد من الأمم غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم\n_________\n= ح ٤٠٤٤). ولبعضه شاهد من حديث أنس ﵁ أخرجه ابن حبان (الإحسان ١٦/ ١١٣ ح ٧١٥٩).\n(^١) أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن إدريس عن أبيه، عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن عن ابن مسعود. (المصنف ١٣/ ٢٩٩) وأخرجه الحاكم من طريق ابن أبي شيبة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٧٨).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات إلى قتادة لكنه مرسل.\n(^٣) رجاله ثقات لكن جنادة مختلف في صحبته (ينظر التقريب ص ١٤٢) وذكر السيوطي في الدر المنثور بنحوه ونسبه إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":176},{"text":"بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم\" (^١).\nوقوله: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ قال الضحاك: أي وبأيمانهم كتبهم كما قال: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإسراء: ٧١] (^٢).\nوقوله: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: قال لهم: بشراكم اليوم جنات؛ أي: لكم البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n\n<span id=\"aya-5088\"></span>وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ وهذا إخبار منه تعالى عمَّا يقع يوم القيامة في العرصات من الأهوال المزعجة والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة، وأنه لا ينجو يومئذٍ إلا من آمن بالله ورسوله وعمل بما أمر الله به وترك ما عنه زجر.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: خرجنا على جنازة في باب دمشق ومعنا أبو أُمامة الباهلي، فلما صلى على الجنازة وأخذوا في دفنها. قال أبو أُمامة: أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا - يشير إلى القبر - بيت الوحدة وبيت الظلمة وبيت الدود وبيت الضيق إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم في بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر من الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فيغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورًا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا، وهو المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور] فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ وهي خدعة الله التي يخدع بها المنافقين حيث قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ الآية (^٣).\nيقول سليم بن عامر: فما يزال المنافق مغترًا حتى يقسم النور ويميز الله بين المنافق والمؤمن (^٤).\nثم قال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا ابن حيوة، حدثنا أرطأة بن المنذر، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٧٨).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه بلفظ: \"كتبهم قال الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق: ٧] \".\n(^٣) أخرجه الحاكم من طريق صفوان بن عمرو به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٠٠ - ٤٠١).\n(^٤) هذا القول تتمة لرواية ابن أبي حاتم لم يرد في رواية الحاكم.","vol":"7","page":177},{"text":"يوسف بن الحجاج، عن أبي أُمامة قال: يبعث الله ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم فيتبعهم المنافقون فيقولون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (^١).\nوقال العوفي والضحاك وغيرهما، عن ابن عباس: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نورًا، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلًا من الله إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فاظلم الله على المنافقين فقالوا: حينئذٍ ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور (^٢).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسن بن عرفة بن علوية القطان، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، حدثنا إسحاق بن بشر بن حذيفة، حدثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم سترًا منه على عباده، وأما عند الصراط فإن الله تعالى يعطي كل مؤمن نورًا وكل منافق نورًا، فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ وقال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] فلا يذكر عند ذلك أحد أحدًا\" (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ قال الحسن وقتادة: هو حائط بين الجنة والنار (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الذي قال الله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ (^٥) [الأعراف: ٤٦] وهكذا روي عن مجاهد ﵀ (^٦) وغير واحد وهو الصحيح ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ أي: الجنة وما فيها ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ أي: النار، قاله قتادة وابن زيد وغيرهما (^٧).\nقال ابن جرير: وقد قيل: إن ذلك السور سور بيت المقدس عند وادي جهنم. ثم قال: حدثنا ابن البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد، عن عطية بن قيس، عن أبي العوام مؤذن بيت المقدس قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: إن السور الذي ذكره الله في القرآن ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ وهو السور الشرقي باطنه المسجد وما يليه وظاهره وادي جهنم (^٨). ثم روي عن عبادة بن الصامت وكعب الأحبار وعلي بن الحسين زين\n_________\n(^١) يوسف بن حجاج لم أعرف من هو؟ ويتقوى بسابقه، فإنه طرف من سابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، وطريق الضحاك عن ابن عباس منقطع لأنه لم يلقاه، ولكن يشهد له ما سبق.\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ١٢٢ ح ١١٢٤٢) وسنده ضعيف جدًا لأن إسحاق بن بشر متروك (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٩٥).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٦) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجهما الطبري بالسندين المتقدمين الصحيحين عن قتادة وابن زيد.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس به وصححه =","vol":"7","page":178},{"text":"العابدين نحو ذلك (^١)، وهذا محمول منهم على أنهم أرادوا بهذا تقريب المعنى ومثالًا لذلك، لا أن هذا هو الذي أريد من القرآن هذا الجدار المعين نفسه ونفس المسجد، وما وراءه من الوادي المعروف بوادي جهنم، فإن الجنة في السماوات في أعلى عليين والنار في الدركات أسفل سافلين.\nوقول كعب الأحبار: إن الباب المذكور في القرآن هو باب الرحمة الذي هو أحد أبواب المسجد، فهذا من إسرائيلياته وترهاته، وإنما المراد بذلك السور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دخولهم أغلق الباب وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة.\n\n<span id=\"aya-5089\"></span>﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي: ينادي المنافقون المؤمنين أما كنا معكم في الدار الدنيا نشهد معكم الجمعات ونصلي معكم الجماعات، ونقف معكم بعرفات، ونحضر معكم الغزوات ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ ﴿قَالُوا بَلَى﴾ أي: فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين: بلى قد كنتم معنا ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ قال بعض السلف: أي: فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي (^٢). والشهوات وتربصتم؛ أي: أخرتم التوبة من وقت إلى وقت.\nوقال قتادة: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ بالحق وأهله ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ أي: بالبعث بعد الموت ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ أي: قلتم: سيغفر لنا وقيل: غرتكم الدنيا ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: ما زلتم في هذا حتى جاءكم الموت ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: الشيطان قال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار (^٣). ومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين أنكم كنتم معنا؛ أي: بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك فكنتم تراؤون الناس ولا تذكرون الله إلا قليلًا.\nقال مجاهد: كان المنافقون مع المؤمنين أحياء يناكحونهم ويغشونهم ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتًا ويعطون النور جميعًا يوم القيامة، ويطفأ النور من المنافقين إذا بلغوا السورُ ويماز بينهم حينئذٍ (^٤).\n_________\n= ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٦٠١) وأخشى أن هذا الخبر من الزاملتين اللتين جاء بها عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، وفيها ما فيها من الإسرائيليات، وسيأتي ما يؤكد ذلك.\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق محمد بن ميمون عن بلال بن عبد الله مؤذن بيت المقدس عن عبادة بن الصامت. بنحوه وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: بل منكر، وآخره باطل لأنه ما اجتمع عبادة برسول الله ﷺ هناك، ثم من هو ابن ميمون وشيخه؟ وفي نسخة أبي مسهر عن سعيد عن زياد بن أبي سودة قال: رئي عبادة على سور بيت المقدس يبكي وقال: من ها هنا أخبرنا رسول الله ﷺ رأى جهنم. فهذا المرسل أجود. (المستدرك ٢/ ٤٧٩). وأخرجه الطبري من قول كعب الأحبار وهو معروف برواية الإسرائيليات، وقد أكدّ الحافظ ابن كثير إنه من إسرائيلياته.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بالسند الصحيح السابق.\n(^٤) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"7","page":179},{"text":"وهذا القول من المؤمنين لا ينافي قولهم الذي أخبر الله تعالى به عنهم حيث يقول، وهو أصدق القائلين: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر] فهذا إنما خرج منهم على وجه التقريع لهم والتوبيخ.\n\n<span id=\"aya-5090\"></span>ثمِ قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر] كما قال ههنا: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهبًا ومثله معه ليفتدي به من عذاب الله ما قبل منه. وقوله: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ أي: هي مصيركم وإليها منقلبكم.\nوقوله: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ أي: هي أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم وبئس المصير.\n\n<span id=\"aya-5091\"></span>﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾.\nيقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله؛ أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه. قال عبد الله بن المبارك: حدثنا [صالح المري] (^١)، عن قتادة، عن ابن عباس أنه قال: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية، رواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن حسين المروزي، عن ابن المبارك به (^٢). ثم قال هو ومسلم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال؛ يعني: الليثي، عن عون بن عبد الله، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁ قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية، إلا أربع سنين (^٣)، كذا رواه مسلم في آخر الكتاب، وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب به (^٤). وقد رواه ابن ماجه من حديث موسى بن يعقوب الزمعي، عن أبي حازم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه مثله (^٥)، فجعله من مسند ابن الزبير، لكن رواه البزار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب، عن أبي حازم، عن\n_________\n(^١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: صالح المدني.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف صالح المري، وقتادة لم يسمع من ابن عباس ﵄، ومتنه مخالف لما في الصحيح كما يلي.\n(^٣) أخرجه الإمام مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] ح ٣٠٢٧).\n(^٤) السنن الكبرى، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا. . .﴾ (ح ١٥٦٨).\n(^٥) سنن ابن ماجه، الزهد، باب الحزن والبكاء (ح ٤١٩٢). وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣٨٠).","vol":"7","page":180},{"text":"عامر، عن ابن الزبير، عن ابن مسعود … فذكره (^١).\nوقال سفيان الثوري: عن المسعودي، عن القاسم قال: ملَّ أصحاب رسول الله ﷺ مَلَّة فقالوا: حدثنا يا رسول الله، [فأنزل الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] قال: ثم ملُّوا مَلَّة فقالوا: حدثنا يا رسول الله] (^٢) فنزلت ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] ثم ملّوا مَلَّة فقالوا: حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٣).\nوقال قتادة: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ذُكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله ﷺ قال: \"إن أول ما يرفع من الناس الخشوع\" (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم واشتروا به ثمنًا قليلًا ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم فلا يقبلون موعظة ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد.\n﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: في الأعمال فقلوبهم فاسدة وأعمالهم باطلة كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] أي: فسدت قلوبهم فقست وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه وتركوا الأعمال التي أمروا بها، وارتكبوا ما نهوا عنه، ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا شهاب بن خراش، حدثنا حجاج بن دينار، عن منصور بن المعتمر، عن الربيع بن عميلة الفزاري قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثًا ما سمعت أعجب إليَّ منه إلا شيئًا من كتاب الله أو شيئًا قاله النبي ﷺ قال: \"إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم اخترعوا كتابًا من عند أنفسهم استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم واستلذته، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم فقالوا: تعالوا ندع بني إسرائيل إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه تركناه ومن كره أن يتابعنا قتلناه، ففعلوا ذلك وكان فيهم رجل فقيه، فلما رأى ما يصنعون عمد إلى ما يعرف من كتاب الله فكتبه في شيء لطيف ثم\n_________\n(^١) مسند البزار ٤/ ٢٧٥ ح ١٤٤٣، وأخرجه الحاكم من طريق موسى بن يعقوب به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٧٩).\n(^٢) زيادة من (حم) و(ح).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسير سورة يوسف آية ٣ من طريق محمد بن أبي عمر العدني عن سفيان عن المسعودي به. والمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي: صدوق اختلط قبل موته، وضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط. (التقريب ص ٣٤٤).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل، وأخرجه أبو الشيخ من طريق قتادة عن الحسن عن شداد (طبقات أصبهان ٣/ ١٦٤) وسنده منقطع لأن الحسن لم يسمع من شداد.","vol":"7","page":181},{"text":"أدرجه، فجعله في قرن ثم علَّق ذلك القرن في عنقه، فلما أكثروا القتل قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنكم أفشيتم القتل في بني إسرائيل فادعوا فلانًا فاعرضوا عليه كتابكم، فإنه إن تبعكم فسيتابعكم بقية الناس وإن أبى فاقتلوه، فدعوا فلانًا ذلك الفقيه قالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا، قال: وما فيه؟ اعرضوه عليَّ؟ فعرضوه عليه إلى آخره، ثم قالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا؟ قال: نعم آمنت بما في هذا، وأشار بيده إلى القرن فتركوه فلما مات فتشوه فوجدوه مُتَعلِّقًا ذلك القرن، فوجدوا فيه ما يعرف من كتاب الله فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء ما كنا نسمع هذا أصابه فتنة، فافترقت بنو إسرائيل على اثنين وسبعين ملة، وخير مللهم ملّة أصحاب ذي القرن\" قال ابن مسعود: وإنكم أوشك بكم إن بقيتم أو بقي من بقي منكم أن تروا أمورًا تنكرونها لا تستطيعون لها غيرًا، فبحسب المرء منكم أن يعلم الله من قلبه أنه لها كاره (^١).\nوروى أبو جعفر الطبري، حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم قال: جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود فقال: يا أبا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، فقال عبد الله. هلك من لم يعرف قلبه معروفًا ولم ينكر قلبه منكرًا. إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم اخترعوا كتابًا من بين أيديهم وأرجلهم استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب، فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه، قال فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن ثم جعل القرن بين ثندوتيه (^٢)، فلما قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال: آمنت به ويومئ إلى القرن بين ثندوتيه، وما لي لا أؤمن بهذا الكتاب؟ فمن خير مللهم اليوم مِلَّة صاحب القرن (^٣).\n\n<span id=\"aya-5092\"></span>وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ فيه إشارة إلى أن الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضلُّ لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعَّال، وهو الحكيم العدل في جميع الفِعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال.\n\n<span id=\"aya-5093\"></span>﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾.\nيخبر تعالى عما يثيب به المصدقين والمصدقات بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة\n_________\n(^١) في سنده هشام بن عمار صدوق كبر فصار يتلقن. (التقريب ص ٥٧٣) وشهاب بن خراش: صدوق يخطئ. (التقريب ص ٢٦٩).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل وردت من غير نقط، والثندوتان للرجل كالثديين للمرأة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، وضعف أبي معشر وهو نجيح.","vol":"7","page":182},{"text":"﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أي: دفعوه بنية خالصة ابتغاء مرضاة الله لا يريدون جزاءً ممن أعطوه ولا شكورًا، ولهذا قال: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ أي: يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها، ويزاد على ذلك إلى سبعمائة ضعف، وفوق ذلك ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي: ثواب جزيل حسن ومرجع صالح ومآب كريم.\n\n<span id=\"aya-5094\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ هذا تمام لجملة وصف المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون.\nقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ هذه مفصولة ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (^١).\nوقال أبو الضحى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ثم استأنف الكلام فقال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٢). وهكذا قال مسروق والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم (^٣).\nوقال الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال: هم ثلاثة أصناف (^٤): يعني المصدقين والصديقين والشهداء، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] ففرق بين الصديقين والشهداء فدل على أنهما صنفان ولا شك أن الصديق أعلى مقامًا من الشهيد، كما رواه الإمام مالك بن أنس ﵀ في كتابه الموطأ عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم\" قال: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: \"بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\" (^٥). اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث مالك به (^٦).\nوقال آخرون: بل المراد من قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فأخبر عن المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون وشهداء، حكاه ابن جرير، عن مجاهد (^٧)، ثم قال ابن جرير: حدثني صالح بن حرب أبو معمر، حدثنا إسماعيل بن يحيى، حدثنا ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"مؤمنو أمتي شهداء\" قال: ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٨). هذا حديث غريب.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد المتقدم ذكره قبل الرواية السابقة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي الضحى عن مسروق، وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.\n(^٤) سنده صحيح.\n(^٥) سنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (ح ٣٢٥٦) وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف .. (ح ٢٨٣١).\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"بالإيمان على أنفسهم بالله\".\n(^٨) سنده ضعيف لضعف إسماعيل بن يحيى. (التقريب ص ١١٠).","vol":"7","page":183},{"text":"وقال أبو إسحاق: عن عمرو بن ميمون في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ قال: يجيئون يوم القيامة معًا كالأصبعين.\nوقوله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: في جنات النعيم كما جاء في الصحيحين: \"إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تريدون؟! فقالوا: نحب أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل فيك فنقتل كما قتلنا أول مرة، فقال: إني قد قضيت أنهم إليها لا يرجعون\" (^١).\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي: لهم عند الله أجر جزيل ونور عظيم يسعى بين أيديهم وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في الدار الدنيا من الأعمال كما قال الإمام أحمد، حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخولاني قال: سمعت فضالة بن عبيد يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: \"الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله فقتل فذاك الذي ينظر الناس إليه هكذا\" ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوة رسول الله ﷺ أو قلنسوة عمر، \"والثاني: مؤمن لقي العدو فكأنما يضرب ظهره بشوك الطلح جاءه سهم غرب فقتله فذاك في الدرجة الثانية، والثالث: رجل مؤمن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك في الدرجة الثالثة، والرابع: رجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافًا كثيرًا لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك في الدرجة الرابعة\" (^٢). وهكذا رواه علي بن المديني، عن أبي داود الطيالسي، عن ابن المبارك، عن ابن لهيعة، وقال هذا إسناد مصري صالح (^٣)، ورواه الترمذي من حديث ابن لهيعة وقال: حسن غريب (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ لما ذكر السعداء ومآلهم عطف بذكر الأشقياء وبيَّن حالهم.\n\n<span id=\"aya-5095\"></span>\n\n<span id=\"aya-5096\"></span>﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾.\nيقول تعالى موهنًا أمر الحياة الدنيا ومحقرًا لها: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ أي: إنما حاصل أمرها عند أهلها هذا، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الواقعة آية ٨٩.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٩٣ ح ١٥٠) وضعف سنده محققوه، لجهالة أبي يزيد الخولاني.\n(^٣) أخرجه عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة به (الجهاد رقم ١٢٦).\n(^٤) سنن الترمذي، فضائل الجهاد، باب ما جاء في الشهداء عند الله (ح ١٦٤٤).","vol":"7","page":184},{"text":"وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران] ثم ضرب تعالى مثل الحياة الدنيا في أنها زهرة فانية ونعمة زائلة فقال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ وهو المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨].\nوقوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ أي: يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث، وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ أي: يهيج ذلك الزرع فتراه مصفرًا بعد ما كان خضرًا نضرًا، ثم يكون بعد ذلك كله حطامًا؛ أي: يصير يبسًا متحطمًا، هكذا الحياة الدنيا تكون أولًا شابة ثم تكتهل ثم تكون عجوزًا شوهاء، والإنسان يكون كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه غضًا طريًا لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه ويفقد بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخًا كبيرًا ضعيف القوى، قليل الحركة يعجزه الشيء اليسير كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ [الروم] ولما كان هذا المثل دالًا على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ أي: وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا إما هذا وإما هذا: إما عذاب شديد، وإما مغفرة من الله ورضوان.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ أي: هي متاع فانٍ غارّ لمن ركن إليه، فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى دار الآخرة.\nقال ابن جرير: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا المحاربي، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرؤوا: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ \" (^١). وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزيادة والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير ووكيع كلاهما عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"للجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك\" (^٢). انفرد بإخراجه البخاري في الرقاق من حديث الثوري، عن الأعمش به (^٣).\nففي هذا الحديث دليل على اقتراب الخير والشر من الإنسان، وإذا كان الأمر كذلك فلهذا حثه الله تعالى على المبادرة إلى الخيرات من فعل الطاعات وترك المحرمات التي تكفر عنه الذنوب والزلات وتحصل له الثواب والدرجات فقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه دون الزيادة في قوله: اقرؤوا ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ وهو حديث صحيح تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٨٥.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤٤٢). وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، الرقاق، باب الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله .. (ح ٦٤٨٨).","vol":"7","page":185},{"text":"عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ والمراد جنس السماء والأرض كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران] وقال ههنا: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي: هذا الذي أهلهم الله له هو من فضله ومنَّه عليهم وإحسانه إليهم، كما قدمناه في الصحيح أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور بالدرجات العلى والنعيم المقيم قال: \"وما ذاك؟ \" قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. قال: \"أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين\" قال: فرجعوا فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ: \"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء\" (^١).\n\n<span id=\"aya-5097\"></span>﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾.\nيخبر تعالى عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأ البرية فقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: في الآفاق وفي أنفسكم ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي: من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة.\nوقال بعضهم: من قبل أن نبرأها عائد على النفوس.\nوقيل: عائد على المصيبة، والأحسن عوده على الخليقة والبرية لدلالة الكلام عليها كما قال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، عن منصور بن عبد الرحمن قال: كنت جالسًا مع الحسن فقال رجل سلهُ عن قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ فسألته عنها فقال: سبحان الله ومن يشك في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب الله من قبل أن يبرأ النسمة (^٢).\nوقال قتادة: ما أصاب من مصيبة في الأرض قال: هي السنون يعني الجدب ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ يقول: الأوجاع والأمراض (^٣)، قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نكبة قدم ولا خلجان عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر (^٤).\nوهذه الآية الكريمة العظيمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق - قبحهم الله.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة وابن لهيعة قالا: حدثنا أبو هانئ\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الأذان، باب الذكر بعد الصلاة (ح ٨٤٣) وصحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (ح ٥٩٥).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) الأثر تتمة لسابقه لكن هذه التتمة فيها ضعف لأن قتادة. رواه بلاغًا.","vol":"7","page":186},{"text":"الخولاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة\" (^١). ورواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب وحيوة بن شريح ونافع بن زيد، ثلاثتهم عن أبي هانئ به، وزاد ابن وهب: \"وكان عرشه على الماء\" (^٢). ورواه الترمذي وقال حسن صحيح (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: إن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله ﷿؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن، ولو كان كيف كان يكون.\n\n<span id=\"aya-5098\"></span>وقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ أي: أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها، لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تأسوا على ما فاتكم لأنه لو قدر شيء لكان ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ أي: جاءكم، وتفسير آتاكم؛ أي: أعطاكم وكلاهما متلازم؛ أي: لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم، وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم فلا تتخذوا نعم الله أشرًا وبَطرًا تفخرون بها على الناس، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: مختال في نفسه متكبر فخور؛ أي: على غيره.\nوقال عكرمة: ليس أحد إلا هو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرًا والحزن صبرًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-5099\"></span>ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ أي: يفعلون المنكر ويحضُّون الناس عليه ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: عن أمر الله وطاعته ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ كما قال موسى ﵇: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨].\n\n<span id=\"aya-5100\"></span>﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالمعجزات، والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ وهو النقل الصدق ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ وهو العدل، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما (^٥)، وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧] وقال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ [الرحمن]\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٦٩). وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉ (ح ٢٦٥٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي من طريق حيوة به (السنن، القدر، باب رقم ١٨ ح ٢١٥٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن سماك البكري عن عكرمة عن ابن عباس (المصنف ١٣/ ٣٧٣) وأخرجه الحاكم من طريق ابن أبي شيبة به، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٧٩).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"7","page":187},{"text":"ولهذا قال في هذه الآية: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالحق والعدل وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا به، فإن الذي جاءوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأوامر والنواهي، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوأوا غرف الجنات، والمنازل العاليات، والسرر المصفوفات: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي: وجعلنا الحديد رادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله ﷺ بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين وبيان وإيضاح للتوحيد وبينات ودلالات، فلما قامت الحجة على من خالف، شرع الله الهجرة وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده، وقد روى الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن حسان بن عطية، عن أبي المنيب الجرشي الشامي، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"بُعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم\" (^١). ولهذا قال تعالى: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ يعني: السلاح كالسيوف والحراب والسنان والنصال والدروع ونحوها ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أي: في معايشهم كالسكة والفأس والقدوم والمنشار والإزميل والمجرفة والآلات التي يستعان بها في الحراثة والحياكة والطبخ والخبز، وما لا قوام للناس بدونه وغير ذلك.\nقال علباء بن أحمد: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم: السندان والكلبتان والميقعة يعني: المطرقة، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ أي: من نيته في حمل السلاح نصرة الله ورسوله ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: هو قوي عزيز ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض.\n\n<span id=\"aya-5101\"></span>\n\n<span id=\"aya-5102\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾.\nيخبر تعالى أنه منذ بعث نوحًا ﵇ لم يرسل بعده رسولًا ولا نبيًا إلا من ذريته وكذلك إبراهيم ﵇ خليل الرحمن، لم ينزل من السماء كتابًا ولا أرسل رسولًا ولا أوحى إلى بشر من\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٠٤.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق علباء بن أحمر به، وسنده ضعيف لأن فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.","vol":"7","page":188},{"text":"بعده إلا وهو من سلالته، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم الذي بشر من بعده بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ وهم الحواريون ﴿رَأْفَةً﴾ أي: رقة وهي الخشية ﴿وَرَحْمَةً﴾ بالخلق.\nوقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ أي: ابتدعها أمة النصارى ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: ما شرعناها لهم وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ فيه قولان:\n(أحدهما): أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير وقتادة (^١).\n(والآخر): ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي: فما قاموا بما التزموا حق القيام، وهذا ذمٌّ لهم من وجهين:\n(أحدهما): في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله.\n(والثاني): في عدم قيامهم بما التزموا مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله ﷿.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا إسحاق بن أبي حمزة أبو يعقوب الرازي، حدثنا السري بن عبد ربه، حدثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده ابن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"يا ابن مسعود\" قلت: لبيك يا رسول الله. قال: \"هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم ﵇، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيرات فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت وهم الذين ذكر الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ \" (^٢).\nوقد رواه ابن جرير بلفظ آخر من طريق أخرى فقال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا الصعق بن حزن، حدثنا عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن سويد بن غفلة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"اختلف من كان قبلنا على ثلاث وسبعين فرقة نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم\" وذكر نحو ما تقدم وفيه \" ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ هم الذين آمنوا بي وصدقوني ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهم الذين كذبوني\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٢) في سنده بكير بن معروف وهو: صدوق فيه لين. (التقريب ص ١٢٨) ويتقوى بالروايات التالية على رأي الحافظ ابن كثير كما يلي.","vol":"7","page":189},{"text":"وخالفوني\" (^١). ولا يقدح في هذه المتابعة لحال داود بن المحبر فإنه أحد الوضاعين للحديث، ولكن قد أسنده أبو يعلى عن شيبان بن فروخ، عن الصعق بن حزن به مثل ذلك (^٢)، فقوي الحديث من هذا الوجه.\nوقال ابن جرير وأبو عبد الرحمن النسائي واللفظ له: أخبرنا الحسين بن حريث، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان بن سعيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: كان ملوك بعد عيسى ﵇ بدلت التوراة والإنجيل فكان منهم مؤمنون يقرأون التوراة والإنجيل، فقيل لملوكهم ما نجد شيئًا أشد من شتم يشتموناه هؤلاء إنهم يقرأون: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] هذه الآيات مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم فادعهم فليقرأوا كما نقرأ وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نردّ عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنو لنا دورًا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحرث البقول فلا نردّ عليكم ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾.\nوالآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورًا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بعث الله النبي ﷺ ولم يبق إلا القليل انحطَّ منهم رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره فآمنوا به وصدقوه فقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] أجرين بإيمانهم بعيسى ابن مريم وتصديقهم بالتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد ﷺ وتصديقهم به قال: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] القرآن واتباعهم النبي ﷺ قال: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الذين يتشبهون بكم ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (^٣). هذا السياق فيه غرابة، وسيأتي تفسير هاتين الآيتين على غير هذا، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أُمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف داود بن المحبر، وضعف عقيل الجعدي، ولكن داود بن المحبر توبع كما سيأتي ويبقى ضعف عقيل، فقد أخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن المبارك عن الصعق بن حزن عن عقيل به وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن عقيل الجعدي منكر الحديث. (المستدرك ٢/ ٤٨٠).\n(^٢) وفي سنده أيضًا شيخ الصعق وهو عقيل.\n(^٣) أخرجه النسائي والطبري بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، سورة الحديد، ح ١١٥٠٣). وفي سنديهما عطاء بن السائب وهو صدوق اختلط. (التقريب ص ٣٩١).","vol":"7","page":190},{"text":"مالك بالمدينة زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير، وهو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة المسافر أو قريبًا منها، فلمَّا سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفلته؟ قال: إنها المكتوبة وإنها صلاة رسول الله ﷺ ما أخطأت إلا شيئًا سهوت عنه، إن رسول الله ﷺ كان يقول: \"لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم\" ثم غدوا من الغد فقالوا: نركب فننظر ونعتبر، قال: نعم. فركبوا جميعًا فإذا هم بديار قُفر قد بادَ أهلها وانقرضوا وفنوا خاوية على عروشها، فقالوا: أتعرف هذه الديار؟ قال: ما أعرفني بها وبأهلها هؤلاء أهل الديار أهلكهم البغي والحسد، إن الحسد يطفئ نور الحسنات والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني، والكف تزني، والقدم والجسد واللسان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يعمر، حدثنا عبد الله، أخبرنا سفيان، عن زيد العمِّي، عن أبي إياس، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: \"لكل نبي رهبانية ورهبانية هذه الأُمة الجهاد في سبيل الله ﷿\" (^٢). ورواه الحافظ أبو يعلى، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، عن عبد الله بن المبارك به ولفظه: \"لكل أُمة رهبانية ورهبانية هذه الأُمة الجهاد في سبيل الله\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسين - هو ابن محمد - حدثنا ابن عياش يعني: إسماعيل، عن الحجاج بن مروان الكلاعي وعقيل بن مُدرك السلمي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلًا جاءه فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله ﷺ من قبلك، أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض (^٤). تفرد به أحمد، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5103\"></span>\n\n<span id=\"aya-5104\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾.\nقد تقدم في رواية النسائي، عن ابن عباس أنه حمل هذه الآية على مؤمني أهل الكتاب وأنهم يؤتون أجرهم مرتين كما في الآية التي في القصص (^٥)، وكما في حديث الشعبي، عن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٦٥ ح ٣٦٩٤) وحسنه محققه، وأخرجه أبو داود من طريق عبد الله بن وهب به. (السنن، الأدب، باب في الحسد ح ٤٩٠٤) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٣٤٦٨).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١/ ٣١٧ ح ١٣٨٠٧) وضعف سنده محققوه لضعف زيد العمي.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى من طريق زيد العمي أيضًا (المسند ٧/ ٢١٠ ح ٤٢٠٤)، فسنده ضعيف، وضعفه محققه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (١٨/ ٢٩٨ ح ١١٧٧٤) وضعف سنده محققوه لأن عقيل بن مدرك لم يدرك أبا سعيد.\n(^٥) آية ٥٤.","vol":"7","page":191},{"text":"من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران\" أخرجاه في الصحيحين (^١)، ووافق ابن عباس على هذا التفسير الضحاك وعتبة بن أبي حكيم وغيرهما (^٢) وهو اختيار ابن جرير.\nوقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله تعالى عليه هذه الآية في حق هذه الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ أي: ضعفين ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ وزادهم ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعني: هدى يتبصر به من العمى والجهالة ويغفر لكم، ففضلهم بالنور والمغفرة. رواه ابن جرير عنه (^٣).\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الأنفال] وقال سعيد بن عبد العزيز: سأل عمر بن الخطاب حبرًا من أحبار اليهود كم أفضل ما ضُعّفت لكم حسنة؟ قال كفل ثلاثمائة وخمسين حسنة، قال فحمد الله عمر على أنه أعطانا كفلين، ثم ذكر سعيد قول الله ﷿: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ قال سعيد: والكفلان في الجمعة مثل ذلك (^٤)، رواه ابن جرير. ومما يؤيد هذا القول ما رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالًا فقال: من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ألا فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين عملتم، فغضب النصارى واليهود وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء\" (^٥).\nقال أحمد: وحدثناه مؤمل، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر نحو حديث نافع عنه (^٦) انفرد بإخراجه البخاري فرواه عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن نافع به، وعن قتيبة، عن الليث، عن نافع بمثله (^٧).\nوقال البخاري: حدثني محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن [بُريدٍ] (^٨)، عن أبي بردة، عن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٨٢.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه عن الضحاك.\n(^٣) أخرجه الطبري مطولًا بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن سعيد بن عبد العزيز لم يدرك عمر ﵁، وهو من الطبقة السابعة وقد اختلط (التقريب ص ٢٣٨).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٦) وسنده صحيح.\n(^٦) (المسند ٢/ ١١١).\n(^٧) صحيح البخاري، الإجارة، باب الإجارة إلى نصف النهار (ح ٢٢٦٨).\n(^٨) كذا في (ح) و(حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل صحف إلى: \"يزيد\".","vol":"7","page":192},{"text":"أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: \"مثلُ المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استعمل قومًا يعملون له عملًا يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا في أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتركوا واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلوا العصر قالوا: ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه. فقال: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا. فاستأجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا له بقية يومهم حتى غابت الشمس، فاستكملوا أجرة الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور\" (^١). انفرد به البخاري ولهذا قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي: ليتحققوا أنهم لا يقدرون على ردِّ ما أعطاه الله ولا إعطاء ما منع الله ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\nقال ابن جرير: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي: ليعلم، وقد ذكر عن ابن مسعود أنه قرأها (لكي يعلم) (^٢) وكذا خطاب بن عبد الله، وسعيد بن جبير (^٣). قال ابن جرير: لأن العرب تجعل \"لا\" صلة في كل كلام دخل في أوله أو آخره جحد غير مصرح فالسابق كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] بالله ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ (^٤) [الأنبياء]. آخر تفسير سورة الحديد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الإجارة، باب الإجارة من العصر إلى الليل ح ٢٢٧١).\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه، وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي هارون الغنوي عن خطاب بن عبد الله، وأخرجه أيضًا بسند صحيح من طريق أبي المعلى عن سعيد بن جبير.\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"7","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-181>سُورَةُ المُجَادلَةِ</span>\nوهي مدنية\n\n<span id=\"aya-5105\"></span>﷽\n﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية (^١)، وهكذا رواه البخاري في كتاب التوحيد تعليقًا فقال: وقال الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة فذكره (^٢). وأخرجه النسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير من غير وجه عن الأعمش به (^٣). وفي رواية لابن أبي حاتم، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى على بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ، وهي تقول: يا رسول الله أكل مالي وأفنى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللَّهم إني أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ قالت: وزوجها أوس بن الصامت.\nوقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة هو أوس بن الصامت: وكان أوس امرءًا به لمم، فكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته، وإذا ذهب لم يقل شيئًا فأتت رسول الله ﷺ تستفتيه في ذلك وتشتكي إلى الله، فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. وهكذا روى هشام بن عروة، عن أبيه أن رجلًا كان به لمم فذكر مثله (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة، حدثنا جرير يعني ابن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٦) وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري تعليقًا ووصله الحافظ ابن حجر برواية الإمام أحمد السابقة، وأخرجه الحافظ ابن حجر بسنده من طريق الأعمش به. (تغليق التعليق ٥/ ٣٣٨، ٣٣٩).\n(^٣) سنن النسائي، الطلاق، باب الظهار (ح ٨/ ١٦٨) وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح ١٨٨) وتفسير الطبري من عدة طرق.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق أبان العطار عن هشام بن عروة به، ويشهد له سابقه.","vol":"7","page":194},{"text":"حازم قال: سمعت أبا يزيد يحدث قال: لقيت امرأة عمر يقال لها: خولة بنت ثعلبة، وهو يسير مع الناس فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز، قال: ويحك وتدري من هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضر صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها (^١). هذا منقطع بين أبي يزيد وعمر بن الخطاب وقد روي من غير هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى، حدثنا زكريا، عن عامر قال: المرأة التي جادلت في زوجها خولة بنت الصامت، وأُمها: معاذة (^٢) التي أنزل الله فيها ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] (^٣) صوابه: خولة امرأة أوس بن الصامت.\n\n<span id=\"aya-5106\"></span>\n\n<span id=\"aya-5107\"></span>﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا سعد بن إبراهيم ويعقوب قالا: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني معمر بن عبد الله بن حنظلة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة بنت ثعلبة قالت: فيَّ واللهِ وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه، قالت: فدخل علي يومًا فراجعته بشيء، فغضب فقال: أنت عليَّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل علي فإذا هو يريدني عن نفسي قالت: قلت: كلَّا، والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إلي، وقد قلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني، فامتنعت منه فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابًا، ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله ﷺ فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: \"يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه\".\nقالت: فوالله ما برحت حتى نزل فيَّ قرآن، فتغشى رسول الله ﷺ ما كان يتغشاه ثم سُريَّ عنه فقال لي: \"يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنا\"، ثم قرأ عليَّ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة] إلى قول\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأن أبا يزيد لم يسمع من عمر ﵁.\n(^٢) قال الحافظ ابن حجر: وتسمية أمها غريب. (فتح الباري ١٣/ ٣٧٤).\n(^٣) سنده مرسل.","vol":"7","page":195},{"text":"تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قالت: فقال لي رسول الله ﷺ: \"مريه فليعتق رقبة\" قالت: فقلت يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال: \"فليصم شهرين متتابعين\" قالت: فقلت والله إنه لشيخ كبير ما به من صيام قال: \"فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر\" قالت: فقلت والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله ﷺ: \"فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر\" قالت: فقلت يا رسول الله وأنا سأعينه بعَرَقٍ آخر قال: \"قد أصبتِ وأحسنتِ فاذهبي فتصدقي به عنه ثم استوصي بابن عمك خيرًا\" قالت: ففعلت (^١).\nورواه أبو داود في كتاب الطلاق من سننه من طريقين عن محمد بن إسحاق بن يسار به (^٢)، وعنده خولة بنت ثعلبة ويقال فيها: خولة بنت مالك بن ثعلبة، وقد تُصغَّر فيقال: خويلة، ولا منافاة بين هذه الأقوال فالأمر فيها قريب والله أعلم. هذا هو الصحيح في سبب نزول هذه السورة، فأما حديث سلمة بن صخر فليس فيه أنه كانت سبب النزول ولكن أمر بما أنزل الله في هذه السورة، من العتق أو الصيام أو الإطعام، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: كنت امرأً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقًا من أن أصيب في ليلتي شيئًا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما هي تخدمني من الليل إذ تكشف لي منها شيء فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري وقلت: انطلقوا معي إلى النبي ﷺ فأخبره بأمري، فقالوا: لا والله لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا، أو يقول فينا رسول الله ﷺ مقالة علينا عارها، ولكن اذهب أنت، فاصنع ما بدا لك.\nقال: فخرجت حتى أتيت النبي ﷺ فأخبرته خبري فقال لي: \"أنت بذاك\" فقلت: أنا بذاك فقال: \"أنت بذاك\" فقلت: أنا بذاك قال: \"أنت بذاك\" قلت: نعم، ها أنا ذا فأمض في حكم الله ﷿ فإني صابر له قال: \"أعتق رقبة\" قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، قال: \"فصم شهرين متتابعين\" قلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟ قال: \"فتصدق\" فقلت: والذي بعثكَ بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشَى ما لنا عشاء، قال: \"اذهب إلى صاحب صدقة بني رزيق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقًا من تمر ستين مسكينًا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك\" قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله ﷺ السعة والبركة قد أمر لي بصدقتكم فادفعوها إليَّ فدفعوها إليَّ (^٣)، وهكذا رواه أبو داود وابن ماجه واختصره الترمذي وحسنه، وظاهر السياق أن هذه القصة كانت بعد قصة أوس بن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٣٠٢ ح ٢٧٣١٩) وضعف سنده محققوه لجهالة معمر بن عبد الله بن حنظلة فلم يرو عنه سوى محمد بن إسحاق.\n(^٢) سنن أبي داود، الطلاق، باب في الظهار (ح ٢٢١٤)، وسنده كسابقه، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٣٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/ ٣٤٧ - ٣٤٩ ح ١٦٤٢١) وصححه محققوه بطرقه وشواهده.","vol":"7","page":196},{"text":"الصامت وزوجته خويلة بنت ثعلبة، كما دلَّ عليه سياق تلك وهذه بعد التأمل.\nقال خُصيف: عن مجاهد، عن ابن عباس: أول من ظاهر من امرأته أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وامرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك، فلما ظاهر منها خشيت أن يكون ذلك طلاقًا، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أوسًا ظاهر مني، وإنّا إن افترقنا هلكنا وقد نثرت بطني منه وقدمت صحبته، وهي تشكو ذلك وتبكي ولم يكن جاء في ذلك شيء، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فدعاه رسول الله ﷺ فقال: \"أتقدر على رقبة تعتقها\" (^١) قال: لا والله يا رسول الله ما أقدر عليها. قال: فجمع له رسول الله ﷺ حتى أعتق عنه ثم راجع أهله (^٢). رواه ابن جرير ولهذا ذهب ابن عباس والأكثرون إلى ما قلناه والله أعلم.\n\nفقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أصل الظهار مشتق من الظهر، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا ظاهر أحدهم من امرأته قال لها: أنت عليَّ كظهر أُمي ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسًا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقًا فأرخص الله لهذه الأُمة وجعل فيه كفارة ولم يجعله طلاقًا كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم، هكذا قال غير واحد من السلف.\nقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية أنت علي كظهر أمي حرمت عليه فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس، وكان تحته ابنة عمّ له يقال لها: خويلة بنت ثعلبة، فظاهر منها فأسقط في يديه، وقال ما أراك إلا قد حرمت علي وقالت له مثل ذلك، قال: فانطلقي إلى رسول الله ﷺ فأتت رسول الله ﷺ فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه فقال: \"يا خويلة\" ما أمرنا في أمرك بشيء، فأنزل الله على رسوله فقال: \"يا خويلة أبشري\" قالت: خيرًا، فقرأ عليها ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ قالت: وأي رقبة لنا والله ما يجد رقبة غيري\n\n<span id=\"aya-5108\"></span>قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ قالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ قالت: من أين؟ ما هي إلا أكلة إلي مثلها، قال: فدعا بشطر وشق ثلاثين صاعًا والوسق ستون صاعًا فقال: ليطعم ستين مسكينًا وليراجعك (^٣). وهذا إسناد قوي وسياق غريب، وقد روي عن أبي العالية نحو هذا.\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الطلاق، باب في الظهار (ح ٢٢١٣) وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب في الظهار (ح ٢٠٦٢) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٣٣)، وسنن الترمذي، التفسير باب ومن سورة المجادلة (٣٢٩٥).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق عبد العزيز بن عبد الرحمن الأُموي عن خصيف به، وفي سنده عبد العزيز الأموي وهو متهم (ينظر الجرح والتعديل ٥/ ٣٨٨) لكنه يتقوى بما سبق من الشواهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي حمزة وهو ثابت بن أبي صفية وهو رافضي أيضًا. (التقريب ص ١٣٢). وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ١٥١٣) وقال البزار: وأبو حمزة لين الحديث، وقد خالف في روايته ومتن حديثه الثقات في أمر الظهار.","vol":"7","page":197},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن [الهروي] (^١)، حدثنا علي بن العاصم، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال: كانت خولة بنت دليج تحت رجل من الأنصار، وكان ضرير البصر فقيرًا سيء الخلق، وكان طلاق أهل الجاهلية إذا أراد رجل أن يطلق امرأته قال: أنت عليَّ كظهر أُمي، وكان لها منه عَيّل أو عَيِّلان فنازعته يومًا في شيء فقال: أنت علي كظهر أمي، فاحتملت عليها ثيابها حتى دخلت على النبي ﷺ وهو في بيت عائشة، وعائشة تغسل شقَّ رأسه فقدمت عليه ومعها عَيَّلها، فقالت: يا رسول الله إن زوجي ضرير البصر فقير لا شيء له سيء الخلق، وإني نازعته في شيء، فغضب فقال: أنت عليَّ كظهر أمي ولم يرد به الطلاق، ولي منه عَيّل أو عَيّلان فقال: \"ما أعلمك إلا قد حرمت عليه\".\nفقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي أنا وصبيتي، قالت: ودارت عائشة فغسلت شق رأسه الآخر، فدارت معها فقالت: يا رسول الله زوجي ضرير البصر فقير سيء الخلق وإن لي منه عيل أو عيلان وإني نازعته في شيء فغضب وقال: أنت عليَّ كظهر أمي ولم يرد به الطلاق، قالت: فرفع إلي رأسه وقال: \"ما أعلمك إلا قد حرمت عليه\" فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي أنا وصبيتي قال: ورأت عائشة وجه النبي ﷺ تغير، فقالت لها: وراءك فتنحت، فمكث رسول الله ﷺ في غشيانه ذلك ما شاء الله، فلما انقطع الوحي قال: يا عائشة أين المرأة فدعتها، فقال لها رسول الله ﷺ: \"اذهبي فأتني بزوجك\" فانطلقت تسعى، فجاءت به فإذا هو كما قالت ضرير البصر فقير سيء الخلق.\nفقال النبي ﷺ: \"أستعيذ بالله السميع العليم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ قال النبي ﷺ: \"أتجد رقبة تعتقها من قبل أن تمسها\" قال: لا، قال: \"أفلا تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ \" قال: والذي بعثك بالحق إني إذا لم آكل المرتين والثلاث يكاد يعشو بصري. قال: \"أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ \" قال: لا، إلا أن تعينني. قال: فأعانه رسول الله ﷺ فقال: \"أطعم ستين مسكينًا\" قال: وحول الله الطلاق فجعله ظهارًا (^٢)، ورواه ابن جرير، عن ابن المثنى، عن عبد الأعلى، عن داود سمعت أبا العالية فذكر نحوه بأخصر من هذا السياق (^٣)، وقال سعيد بن جبير: كان الإيلاء والظهار من طلاق الجاهلية، فوقت الله الإيلاء أربعة أشهر وجعل في الظهار الكفارة، رواه ابن أبي حاتم بنحوه، وقد استدل الإمام مالك على أن الكافر لا يدخل في هذه الآية بقوله منكم فالخطاب للمؤمنين، وأجاب الجمهور بأن هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، واستدل الجمهور عليه بقوله: ﴿مِنْ﴾ على أن الأمة لا ظهار منها ولا تدخل في هذا الخطاب.\nوقوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ أي: لا تصير المرأة بقول الرجل أنتِ عليَّ كأمي أو مثل أمي أو كظهر أُمي وما أشبه ذلك، لا تصير أُمه بذلك إنما أُمه التي\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) سنده مرسل ويشهد له ما سبق من الصحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري عن ابن المثنى به، وحكمه كسابقه.","vol":"7","page":198},{"text":"ولدته، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ أي: كلامًا فاحشًا باطلًا ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي: عما كان منكم في حال الجاهلية، وهكذا أيضًا عما خرج من سبق اللسان، ولم يقصد إليه المتكلم، كما رواه أبو داود أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول لامرأته يا أختي، فقال: \"أختك هي؟ \" فهذا إنكار، ولكن لم يحرمها عليه بمجرد ذلك لأنه لم يقصده، ولو قصده لحرمت عليه لأنه لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها من سائر المحارم من أخت وعمة وخالة وما أشبه ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ اختلف السلف والأئمة في المراد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ فقال بعض الناس: العود هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرره، وهذا القول باطل وهو اختيار ابن حزم وقول داود، وحكاه أبو عمر بن عبد البر، عن [بكير] (^١) بن الأشج والفراء وفرقة من أهل الكلام.\nوقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد المظاهرة زمانًا يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق.\nوقال أحمد بن حنبل: هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة.\nوقد حُكي عن مالك أنه العزم على الجماع والإمساك، وعنه أنه الجماع.\nوقال أبو حنيفة: هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى ظاهر الرجل من امرأته فقد حرمها تحريمًا لا يرفعه إلا الكفارة، وإليه ذهب أصحابه والليث بن سعد.\nوقال ابن لهيعة: حدثني عطاء، عن سعيد بن جبير ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يعني يريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرموه على أنفسهم (^٢).\nوقال الحسن البصري: يعني الغشيان في الفرج، وكان لا يرى بأسًا أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يُكفِّر (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ والمس: النكاح (^٤)، وكذا قال عطاء والزهري وقتادة ومقاتل بن حيان.\nوقال الزهري: ليس له أن يقبلها ولا يمسها حتى يُكفِّر.\nوقد روى أهل السنن من حديث عكرمة، عن ابن عباس أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر. فقال: \"ما حملك على ذلك يرحمك الله\" قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. قال: \"فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله ﷿ (^٥) \"، وقال\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"بكر\".\n(^٢) سنده حسن لأن ابن لهيعة يرويه من نسخة عطاء بن دينار لتفسير سعيد بن جبير.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق أشعث عن الحسن، وأخرجه عبد الرزاق من طريق هشام عن الحسن بنحوه، وهذان الطريقان يقوي أحدهما الآخر.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به مطولًا.\n(^٥) سنن أبي داود، الطلاق، باب في الظهار (ح ٢٢٢٣)، وسنن الترمذي، الطلاق، باب في المظاهر =","vol":"7","page":199},{"text":"الترمذي: حسن غريب صحيح، ورواه أبو داود والنسائي من حديث عكرمة مرسلًا، قال النسائي: وهو أولى بالصواب.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: فإعتاق رقبة كاملة من قبل أن يتماسا، فههنا الرقبة مطلقة غير مقيدة بالإيمان وفي كفارة القتل مقيدة بالإيمان، فحمل الشافعي ﵀ ما أطلق ههنا على ما قيد هناك لاتحاد الموجب وهو عتق الرقبة، واعتضد في ذلك بما رواه عن مالك بسنده عن معاوية بن الحكم السلمي في قصة الجارية السوداء، وأن رسول الله ﷺ قال: \"أعتقها فإنها مؤمنة\" وقد رواه أحمد في مسنده في صحيحه (^١).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الله بن نمير، عن إسماعيل بن يسار، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: قال: أتى رسول الله ﷺ رجل فقال إني ظاهرت من امرأتي ثم وقعت عليها قبل أن أكفر، فقال رسول الله ﷺ: \"ألم يقل الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ \" قال: أعجبتني، قال: \"أمسك حتى تكفر\" (^٢). ثم قال البزار: لا يروى عن ابن عباس بأحسن من هذا، وإسماعيل بن مسلم تكلم فيه وروى عنه جماعة كثيرة من أهل العلم، وفيه من الفقه أنه لم يأمره إلا بكفارة واحدة.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: تزجرون به ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: خبير بما يصلحكم عليم بأحوالكم.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ قد تقدمت الأحاديث الآمرة بهذا على الترتيب كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان (^٣).\n﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: شرعنا هذا لهذا. وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: محارمه فلا تنتهكوها.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: الذين لم يؤمنوا ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجون من البلاء كلا ليس الأمر كما زعموا بل لهم عذاب أليم؛ أي: في الدنيا والآخرة.\n_________\n= (ح ١١٩٩) وسنن النسائي، الطلاق، باب الظهار ٦/ ١٦٧، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب المجامع يظاهر قبل أن يكفِّر (ح ٢٠٦٥)، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٩/ ٤٣٣) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٤٣).\n(^١) الموطأ، العتق والولاء، باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة (٢/ ٥٩٥ ح ٨) والمسند ٥/ ٤٤٧، وصحيح مسلم، المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته (ح ٥٣٧).\n(^٢) أخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن مسلم به، وقال الحاكم: لم يحتج الشيخان بإسماعيل. وقال الذهبي: إسماعيل: واهٍ. (المستدرك ٢/ ٢٠٤).\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء وتصدق عليه فليكفِّر ح ١٩٣٦) وصحيح مسلم، الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم (ح ١١١١).","vol":"7","page":200},{"text":"<span id=\"aya-5109\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾.\nيخبر تعالى عمَّن شاقوا الله ورسوله وعاندوا شرعه ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: أهينوا ولُعنوا وأُخزوا كما فعل بمن أشبههم ممن قبلهم ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: واضحات لا يعاندها ولا يخالفها إلا كافر فاجر مكابر ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: في مقابلة ما استكبروا عن اتباع شرع الله والانقياد له والخضوع لديه.\n\n<span id=\"aya-5110\"></span>\n\n<span id=\"aya-5111\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ وذلك يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: فيخبرهم بالذي صنعوا من خير وشر. ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ أي: ضبطه الله وحفظه عليهم وهم قد نسوا ما كانوا عملوا ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: لا يغيب عنه شيء ولا يخفى ولا ينسى شيئًا، ثم قال تعالى مخبرًا عن إحاطة علمه بخلقه واطلاعه عليهم وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا وأين كانوا فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ أي: من سرِّ ثلاثة ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ أي: مطلع عليهم يسمع كلامهم وسرَّهم ونجواهم ورسله أيضًا مع ذلك تكتب ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه له، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ [التوبة] وقال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف] ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه بهم محيط بهم وبصره نافذ فيهم فهو ﷾ مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nوقال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم واختتمها بالعلم.\n\n<span id=\"aya-5112\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾.\nقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ قال اليهود (^١)، وكذا قال مقاتل بن حيان وزاد: كان بين النبي ﷺ وبين اليهود موادعة، وكانوا إذا مرَّ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"7","page":201},{"text":"بهم الرجل من أصحاب النبي ﷺ جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره المؤمن، فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم فترك طريقه عليهم، فنهاهم النبي ﷺ عن النجوى فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (^١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن المنذر الخزامي، حدثني سفيان بن حمزة، عن كثير بن زيد، عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله ﷺ نبيت عنده يطرقه من الليل أمر وتبدو له حاجة فلما كانت ذات ليلة كثر أهل النوب والمحتسبون حتى كنا أندية نتحدث، فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: \"ما هذه النجوى؟ ألم تنهوا عن النجوى؟ \" قلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله، إنا كنا في ذكر المسيح فرقًا منه. فقال: \"ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه؟ \" قلنا: بلى يا رسول الله! قال: \"الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل\" (^٢). هذا إسناد غريب وفيه بعض الضعفاء.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أي: يتحدثون فيما بينهم ﴿بِالْإِثْمِ﴾ وهو ما يختص بهم ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ وهو ما يتعلق بغيرهم، ومنه معصية الرسول ومخالفته يصرون عليها ويتواصون بها وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن مسروق، عن عائشة قالت: دخل على رسول الله ﷺ يهود فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقالت عائشة: وعليكم السام قالت: فقال رسول الله ﷺ: \"يا عائشة إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش\" قلت: ألا تسمعهم يقولون السام عليك؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أو ما سمعت أقول وعليكم\" فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ (^٣). وفي رواية في الصحيح أنها قالت لهم: عليكم السام والذام واللعنة (^٤)، وأن رسول الله ﷺ قال: \"إنه يُستجاب لنا فيهم، ولا يُستجاب لهم فينا\".\nوقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس مع أصحابه إذ أتى عليهم يهودي، فسلم عليهم فرَدُّوا عليه فقال نبي الله ﷺ: \"هل تدرون ما قال؟ \" قالوا: سلَّم يا رسول الله. قال: \"بل قال: سام عليكم\" أي: تسامون دينكم. قال رسول الله ﷺ: \"ردُّوه\" فردُّوه عليه فقال نبي الله \"أقلت: سام عليكم؟ \" قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ: \"إذا سلَّم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك\" (^٥). أي: عليك\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وهو معضل.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من طريق كثير بن زيد به (المسند ١٧/ ٣٥٤، ٣٥٥ ح ١١٢٥٢) وضعف سنده محققوه لضعف كثير بن زيد ورُبيح بن عبد الرحمن.\n(^٣) سنده صحيح وأخرجه مسلم من طريق مسلم أبي الضحى عن مسروق عن عائشة بنحوه (الصحيح، السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ح ٢١٦٥).\n(^٤) أخرجه الشيخان بدون لفظ: والذام. (صحيح البخاري، الدعوات، باب الدعاء على المشركين ح ٦٣٩٥، وصحيح مسلم، السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (ح ٢١٦٤).\n(^٥) سنده صحيح.","vol":"7","page":202},{"text":"ما قلت، وأصل حديث أنس مخرج في الصحيح (^١). وهذا الحديث في الصحيح عن عائشة بنحوه (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي: يفعلون هذا ويقولون ما يحرفون من الكلام وإيهام السلام، وإنما هو شتم في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم لو كان هذا نبيًا لعذبنا الله بما نقول له في الباطن لأن الله يعلم ما نسرُّه، فلو كان هذا نبيًا حقًا لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا (^٣)، فقال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: جهنم كفايتهم في الدار الآخرة ﴿يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله ﷺ: سامٌ عليكم، ثم يقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول؟ فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. إسناد حسن ولم يخرجوه.\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله ﷺ إذا حيوه: سامٌ عليك.\nقال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5113\"></span>ثم قال الله تعالى مؤدبًا عباده المؤمنين أن لا يكونوا مثل الكفرة والمنافقين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أي: كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي قد أحصاها عليكم وسيجزيكم بها.\nقال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان قالا: أخبرنا همام، عن قتادة، عن صفوان بن محرز قال: كنت آخِذًا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ -يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] \" (^٥). أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة (^٦).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، استتابة المرتدين، باب إذا عرَّض الذمي … (ح ٦٩٢٦).\n(^٢) تقدم تخريجه عن عائشة في الروايات قبل السابقة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٧٠)، وحسن سنده الحافظ ابن كثير. وقال الهيثمي إسناده جيد (مجمع الزوائد ٧/ ١٥٧).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٧٤) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا. . .﴾ [هود: ١٨] (ح ٤٦٨٥)، وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (ح ٢٧٦٨).","vol":"7","page":203},{"text":"<span id=\"aya-5114\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ أي: إنما النجوى وهي: المُسارّة حيث يتوهم مؤمن بها سوءًا ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: إنما يصدر هذا من المتناجين عن تسويل الشيطان وتزيينه ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليسوءهم وليس ذلك بضارهم شيئًا إلا بإذن الله، ومن أحسَّ من ذلك شيئًا فليستعذ بالله وليتوكل على الله، فإنه لا يضره شيء بإذن الله.\nوقد وردت السنة بالنهي عن التناجي حيث يكون في ذلك تأذ على مؤمن، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وأبو معاوية قالا: حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه\" (^١). أخرجاه من حديث الأعمش (^٢). وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن أيوب، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه\" (^٣). انفرد بإخراجه مسلم، عن أبي الربيع وأبي كامل، كلاهما عن حماد بن زيد، عن أيوب به (^٤).\n\n<span id=\"aya-5115\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾.\nيقول تعالى مؤدبًا عباده المؤمنين وآمرًا لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ وقُرئ (في المجلس) (^٥).\n﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وذلك أن الجزاء من جنمس العمل كما جاء في الحديث الصحيح: \"من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة\" (^٦) وفي الحديث الآخر: \"ومن يسَّر على مُعسِّر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\" (^٧) ولهذا أشباه كثيرة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلًا ضنُّوا بمجالسهم عند رسول الله ﷺ، فأمرهم الله تعالى أن يفسح بعضهم لبعض (^٨).\nوقال مقاتل بن حيان: أُنزلت هذه الآية يوم الجمعة، وكان رسول الله ﷺ يومئذ في الصُّفة\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤٣١) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الاستئذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارَّة والمناجاة (ح ٦٢٩٠) وصحيح مسلم، السلام، باب تحريم مناجاة الإثنين دون الثالث بغير رضاه (ح ٢١٨٤).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ١١/ ٢٦ رقم ١٩٨٠٦) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢١٨٣).\n(^٥) وهي قراءة متواترة.\n(^٦) أخرجه البخاري ومسلم من حديث عثمان ﵁ (صحيح البخاري، الصلاة، باب من بنى لله مسجدًا ح ٤٥٠، وصحيح مسلم، المساجد، باب فضل بناء المساجد والحث عليها ح ٥٣٣).\n(^٧) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (الصحيح، الذكر، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ح ٢١٩٩).\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وسنده مرسل.","vol":"7","page":204},{"text":"وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوه إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله ﷺ فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فردَّ النبي ﷺ عليهم، ثم سلَّموا على القوم بعد ذلك فردُّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي ﷺ ما يحملهم على القيام فلم يفسح لهم، فشقَّ ذلك على النبي ﷺ فقال: لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: \"قُم يا فلان وأنت يا فلان\" فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هُم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار أهل بدر، فشقَّ ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف النبي ﷺ الكراهة في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه قد عدل على هؤلاء، إن قومًا أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم، فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه، فبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: \"رحم الله رجلًا يفسح لأخيه\" فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعًا فيفسح القوم لإخوانهم، ونزلت هذه الآية يوم الجمعة (^١). رواه ابن أبي حاتم.\nوقد قال الإمام أحمد والشافعي: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسَّحوا وتوسَّعوا\". وأخرجاه في الصحيحين من حديث نافع به (^٢).\nوقال الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ولكن ليقل: افسحوا\" (^٣). على شرط السنن ولم يخرجوه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا فليح، عن أيوب، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن يعقوب بن أبي يعقوب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن افسحوا يفسح الله لكم\" (^٤). ورواه أيضًا عن [سُريج] (^٥) بن يونس ويونس بن محمد المؤدب، عن فليح به ولفظه: \"لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم\" (^٦). تفرد به أحمد.\nوقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال: فمنهم من رخص في ذلك\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لأنه معضل.\n(^٢) صحيح البخاري، الاستئذان، باب ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا. . .﴾ [المجادلة: ١١] (ح ٦٢٧٠) وصحيح مسلم، السلام، باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه (ح ٢١٧٧).\n(^٣) أخرجه الإمام الشافعي (المسند رقم ٦٦٥) وفي سنده سليمان بن موسى صدوق في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته. (التقريب ص ٢٥٥) وخالف ما في الصحيحين بتقييده بيوم الجمعة.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦/ ٤٥٣ ح ١٠٧٧٦) وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن.\n(^٥) سُريج: كذا في المسند وفي النسخ الخطية صحف إلى: \"شريح\".\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد عن سُريج عن فليح به (المسند ١٦/ ١٨٦ ح ١٠٢٦٦) وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن، وأخرجه أيضًا عن يونس عن فليح به (المسند ١٤/ ١٧٢ ح ٨٤٦٢) وقال محققوه: إسناده حسن.","vol":"7","page":205},{"text":"محتجًا بحديث: \"قوموا إلى سيدكم\" (^١)، ومنهم من منع من ذلك محتجًا بحديث: \"من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار\" (^٢)، ومنهم من فصل فقال: يجوز عند القدوم من سفر وللحاكم في محل ولايته، كما دلَّ عليه قصة سعد بن معاذ، فإنه لما استقدمه النبي حاكمًا في بني قريظة فرآه مقبلًا قال للمسلمين: \"قوموا إلى سيدكم\" وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه والله أعلم. فأما اتخاذه ديدنًا فإنه من شعار العجم، وقد جاء في السنن أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ، وكان إذا جاء لا يقومون له لما يعلمون من كراهته لذلك (^٣).\nوفي الحديث المروي في السنن أن رسول الله ﷺ كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس، فكان الصحابة ﵃ يجلسون منه على مراتبهم، فالصديق يجلسه عن يمينه وعمر عن يساره، وبين يديه غالبًا عثمان وعلي لأنهما كانا ممن يكتب الوحي، وكان يأمرهما بذلك كما رواه مسلم من حديث الأعمش، عن عمارة بن عُمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم\" (^٤). وما ذاك إلا ليعقلوا عنه ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا أمر أولئك النفر بالقيام ليجلس الذين وردوا من أهل بدر، إما لتقصير أولئك في حق البدريين أو ليأخذ البدريون من العلم نصيبهم، كما أخذ أولئك قبلهم أو تعليمًا بتقديم الأفاضل إلى الأمام.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: \"استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\" قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا (^٥)، وكذا رواه مسلم وأهل السنن إلا الترمذي من طرق عن الأعمش به (^٦)، وإذا كان هذا أمره لهم في الصلاة أن يليه العقلاء منهم والعلماء فبطريق الأولى أن يكون ذلك في غير الصلاة.\nوروى أبو داود من حديث معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشياطين ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله\" (^٧). ولهذا كان أُبي بن كعب سيد القراء إذا انتهى إلى الصف الأول انتزع منه رجلًا\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. (صحيح البخاري، الجهاد، باب إذا نزل العدو على حكم رجل ح ٣٠٤٣، وصحيح مسلم، الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد ح ١٧٦٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود من حديث معاوية ﵁ (السنن، الأدب، باب في قيام الرجل للرجل ح ٥٢٢٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣٥٧).\n(^٣) أخرجه الترمذي من حديث أنس ﵁ (السنن، الاستئذان، باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل ح ٢٧٥٦) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٢١١).\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ (الصحيح، الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها .. ح ٤٣٢/ ١٢٣).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٤/ ١٢٢) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح مسلم، الصلاة، باب تسوية الصفوف (ح ٤٣٢).\n(^٧) سنن أبي داود، الصلاة، باب تسوية الصفوف (ح ٦٦٦) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٦٢٠).","vol":"7","page":206},{"text":"يكون من أفناد الناس (^١)، ويدخل هو في الصف المتقدم ويحتج بهذا الحديث: \"ليليني منكم أولو الأحلام والنهى\" (^٢) وأما عبد الله بن عمر فكان لا يجلس في المكان الذي يقوم له صاحبه عنه عملًا بمقتضى ما تقدم من روايته الحديث الذي أوردناه، ولنقتصر على هذا المقدار من الأنموذج المتعلق بهذه الآية، وإلا فبسطه يحتاج إلى غير هذا الموضع.\nوفي الحديث الصحيح: بينا رسول الله ﷺ جالس إذ أقبل ثلاثة نفر، فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فدخل فيها، وأما الآخر فجلس وراء الناس، وأدبر الثالث ذاهبًا فقال رسول الله ﷺ: \"ألا أنبئكم بخبر الثلاثة، أما الأول فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا أُسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يحلُّ لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما\" (^٤). ورواه أبو داود والترمذي من حديث أُسامة بن زيد الليثي به، وحسنه الترمذي (^٥).\nوقد روي عن ابن عباس والحسن البصري وغيرهما أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: في مجالس الحرب (^٦). قالوا: ومعنى قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ أي: انهضوا للقتال.\nوقال قتادة: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ أي: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا (^٧).\nوقال مقاتل: إذا دعيتم إلى الصلاة فارتفعوا إليها.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا إذا كانوا عند النبي ﷺ في بيته فأرادوا الانصراف، أحبَّ كل منهم أن يكون هو آخرهم خروجًا من عنده، فربما يشقُّ ذلك عليه، ﵇ وقد تكون له الحاجة فأُمروا أنهم إذا أُمروا بالانصراف أن ينصرفوا (^٨) كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور: ٢٨].\nوقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: لا\n_________\n(^١) إفناد الناس: أي فرقًا من الناس فرادى بلا إمام. (النهاية ٣/ ٤٧٥).\n(^٢) تقدم تخريجه قبل روايتين.\n(^٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي واقد الليثي ﵁. (صحيح البخاري، العلم، باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ح ٦٦، وصحيح مسلم، السلام، باب من أتى مجلسًا فوجد فرجة فجلس فيها ح ٢١٧٦).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٥٧٦، ٥٧٧ ح ٦٩٩٩) وحسن سنده محققوه.\n(^٥) سنن أبي داود، الأدب، باب في تنزيل الناس منازلهم (ح ٤٨٤٥)، وسنن الترمذي، الأدب، باب ما جاء في كراهية الجلوس بين رجلين بغير إذنهما (ح ٥٧٥٣) وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٤٠٥٤).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، وأخرجه أيضًا الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه، وسنده ضعيف لأنه معضل.","vol":"7","page":207},{"text":"تعتقدوا أنه إذا أفسح أحد منكم لأخيه إذا أقبل أو إذا أمر بالخروج فخرج، أن يكون ذلك نقصًا في حقه بل هو رفعة ورتبة عند الله، والله تعالى لا يضيع ذلك له، بل يجزيه بها في الدنيا والآخرة، فإن من تواضع لأمر الله رفع الله قدره ونشر ذكره، ولهذا قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: خبير بمن يستحق ذلك وبمن لا يستحقه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض قاضٍ، فقال عمر ﵁: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: \"إن الله يرفع بهذا الكتاب قومًا ويضع به آخرين\" (^١). وهكذا رواه مسلم من غير وجه عن الزهري به (^٢)، وروي من غير وجه عن عمر بنحوه، وقد ذكرت فضل العلم وأهله وما ورد في ذلك من الأحاديث مستقصاة في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري، ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-5116\"></span>\n\n<span id=\"aya-5117\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله ﷺ؛ أي: يسارّه فيما بينه وبينه، أن يقدم بين يدي ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله لأن يصلح لهذا المقام، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ أي: إلا من عجز عن ذلك لفقره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فما أمر بها إلا من قدر عليها. ثم قال تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ أي: أخفتم من استمرار هذا الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فنسخ وجوب ذلك عنهم، وقد قيل: إنه لم يعمل بهذه الآية قبل نسخها سوى علي بن أبي طالب ﵁.\nقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: نُهوا عن مناجاة النبي ﷺ حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب قدم دينارًا صدقة تصدق به، ثم ناجى النبي ﷺ، فسأله عن عشر خصال ثم أُنزلت الرخصة (^٣)، وقال ليث بن أبي سُليم: عن مجاهد قال علي ﵁: آية في كتاب الله ﷿ لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم، فكنت إذا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١/ ٣٥) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (ح ٨١٧).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به بدون: فسأله عشر خصال، وسنده ضعيف لأن مجاهدًا لم يسمع من علي ﵁ ولكنه يتقوى بالرواية الموصولة التي أخرجها الحاكم من طريق مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ﵁ بنحوه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٨١، ٤٨٢).","vol":"7","page":208},{"text":"ناجيت رسول الله ﷺ تصدقت بدرهم، فنسخت ولم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (^١) الآية.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن علي بن علقمة الأنماري، عن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"ما ترى، دينار؟ \" قال: لا يطيقون. قال: \"نصف دينار\" قال: لا يطيقون. قال: \"ما ترى\"؟ قال: شعيرة. فقال له النبي ﷺ: \"إنك لزهيد\" قال: فنزلت ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ قال علي: فبي خفَّف الله عن هذه الأمة (^٢).\nورواه الترمذي عن سفيان بن وكيع، عن يحيى بن آدم، عن عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن سالم بن أبي الجعد، عن علي بن علقمة الأنماري، عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ إلى آخرها قال لي النبي ﷺ: \"ما ترى، دينار\" قلت: لا يطيقونه وذكره بتمامه مثله، ثم قال: هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، ثم قال: ومعنى قوله: شعيرة، يعني: وزن شعيرة من ذهب (^٣). ورواه أبو يعلى، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن آدم به (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ إلى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة فلما نزلت الزكاة نسخ هذا (^٥).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقّوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه ﵇، فلما قال ذلك جَبُن كثير من المسلمين وكفُّوا عن المسألة، فأنزل الله بعد هذا ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فوسع الله عليهم ولم يضيق (^٦).\nوقال عكرمة والحسن البصري في قوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ نسختها الآية التي بعدها ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ. . .﴾ إلى آخرها (^٧).\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ومقاتل بن حيان: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ليث به، وفيه العلة السابقة وليث فيه مقال، ويتقوى برواية الحاكم السابقة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن علقمة: مقبول (التقريب ص ٤٠٤)، وسنده ضعيف.\n(^٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، التفسير، باب ومن سورة المجادلة ح ٣٣٠٠) وسنده كسابقه، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٦٥٢).\n(^٤) مسند أبي يعلى ١/ ٣٢٢ (ح ٤٠٠) وفي سنده أيضًا علي بن علقمة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له ما تقدم في رواية الحاكم، وما يليه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف ولكنه يتقوى إذ توبع في رواية ابن الجوزي فقد أخرجه بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس. (نواسخ القرآن ص ٤٧٩).","vol":"7","page":209},{"text":"بالمسألة فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل منهم إذا كانت له الحاجة إلى نبي الله ﷺ فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١).\nوقال معمر، عن قتادة ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ إنها منسوخة ما كانت إلا ساعة من نهار (^٢). وهكذا روى عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن مجاهد قال علي: ما عمل بها أحد غيري حتى نُسخت، وأحسبه قال: وما كانت إلا ساعة (^٣).\n\n<span id=\"aya-5118\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾.\nيقول الله تعالى منكرًا على المنافقين في موالاتهم الكفار في الباطن. وهم في نفس الأمر لا معهم ولا مع المؤمنين كما قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾ [النساء] وقال ههنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: اليهود الذين كان المنافقون يمالؤونهم ويوالونهم في الباطن.\nثم قال تعالى: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون ليسوا في الحقيقة منكم أيها المؤمنون، ولا من الذين يوالونهم وهم اليهود، ثم قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني: المنافقين يحلفون على الكذب، وهم عالمون بأنهم كاذبون فيما حلفوا وهي اليمين الغموس، ولا سيما في مثل حالهم اللعين عياذًا بالله منه، فإنهم كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا جاؤوا الرسول حلفوا له بالله إنهم مؤمنون، وهم في ذلك يعلمون أنهم يكذبون فيما حلفوا به؛ لأنهم لا يعتقدون صدق ما قالوه وإن كان في نفس الأمر مطابقًا، ولهذا شهد الله بكذبهم في أيمانهم وشهادتهم لذلك.\n\n<span id=\"aya-5119\"></span>\n\n<span id=\"aya-5120\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)﴾ أي: أرصد الله لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم على أعمالهم السيئة وهي موالاة الكافرين ونصحهم ومعاداة المؤمنين، وغشهم، ولهذا قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر واتقوا بالأيمان الكاذبة، فظنَّ كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم صدقهم فاغترَّ بهم، فحصل بهذا صدٌّ عن سبيل الله لبعض الناس ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: في مقابلة ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الحانثة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ورجاله ثقات لكنه مرسل وذكر الرخصة يتقوى بسابقه، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن مقاتل، وسنده معضل.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"7","page":210},{"text":"<span id=\"aya-5121\"></span>\n\n<span id=\"aya-5122\"></span>ثم قال تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لن يدفع ذلك عنهم بأسًا إذا جاءهم ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ أي: يحشرهم يوم القيامة عن آخرهم فلا يغادر منهم أحدًا ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: يحلفون بالله ﷿ أنهم كانوا على الهدى والاستقامة كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا؛ لأن من عاش على شيء مات عليه وبعث عليه، ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم عند الناس، فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة ولهذا قال: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: حلفهم بذلك لربهم ﷿.\nثم قال تعالى منكرًا عليهم حسبانهم: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فأكَّد الخبر عنهم بالكذب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا زهير، عن سماك بن حرب، حدثني سعيد بن جبير، أن ابن عباس حدثه أن النبي ﷺ كان في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين قد كاد يقلص عنهم الظلّ قال: \"إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعيني شيطان فإذا أتاكم فلا تكلموه\" فجاء رجل أزرق فدعاه رسول الله فكلمه فقال: \"علامَ تشتمني أنتَ وفلان وفلان\" نفر دعاهم بأسمائهم، قال: فانطلق الرجل فدعاهم، فحلفوا له واعتذروا إليه، قال فأنزل الله ﷿: ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (^١).\nوهكذا رواه الإمام أحمد من طريقين عن سماك به، ورواه ابن جرير، عن محمد بن المثنى، عن غُندُر، عن شعبة، عن سماك به نحوه، وأخرجه أيضًا من حديث سفيان الثوري، عن سماك بنحوه (^٢). إسناد جيد ولم يخرجوه، وحال هؤلاء كما أخبر الله تعالى عن المشركين حيث يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-5123\"></span>ثم قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ أي: استحوذ على قلوبهم الشيطان حتى أنساهم أن يذكروا الله ﷿، وكذلك يصنع بمن استحوذ عليه، ولهذا قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زائدة، حدثنا [السائب بن حُبيش] (^٣)، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية\" قال زائدة: قال السائب: يعني الصلاة في الجماعة (^٤).\nثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ يعني: الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ثم قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n_________\n(^١) سنده حسن وأخرجه الإمام أحمد من طريق شعبة عن سماك به (المسند ٤/ ٤٨ ح ٢١٤٧) وحسن سنده محققوه، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٨٢).\n(^٢) أخرجه الطبري من هذه الطرق، وحكمه كسابقه.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) وسنن أبي داود، وفي الأصل صُحف إلى: \"السائب بن حنيس\".\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، الصلاة، باب التشديد في ترك الجماعة ح ٥٤٧) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٥١١).","vol":"7","page":211},{"text":"<span id=\"aya-5124\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار المعاندين المحادِّين لله ورسوله؛ يعني: الذين هم في حدّ والشرع في حدّ؛ أي: مجانبون للحقِّ مشاقون له هم في ناحية والهدى في ناحية ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ أي: في الأشقياء المبعدين المطرودين عن الصواب الأذلِّين في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-5125\"></span>﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي: قد حكم وكتب في كتابه الأول وقدره الذي لا يخالف ولا يمانع ولا يبدل، بأن النصرة له ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة وأن العاقبة للمتقين كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر] وقال ههنا ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ أي: كتب القوي العزيز أنه الغالب لأعدائه، وهذا قدر محكم وأمر مبرم أن العاقبة والنصرة للمؤمنين في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-5126\"></span>ثم قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ أي: لا يوادّون المحادّين ولو كانوا من الأقربين كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ الآية [آل عمران: ٢٨].\nوقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة] لتوبة، وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أُنزلت هذه الآية ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخرها في أبي عُبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر (^١)، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة ﵃: ولو كان أبو عبيدة حيًا لاستخلفته.\nوقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾: نزلت في أبي عُبيدة قتل أباه يوم بدر ﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ في الصديق هم يومئذٍ بقتل ابنه عبد الرحمن ﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ في مصعب بن عُمير، قتل\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن ابن شوذب، وسنده معضل وكذلك رواية سعيد بن عبد العزيز، وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١/ ١٥٤ ح ٣٦٠) والحاكم في (المستدرك ٣/ ٢٦٤) كلاهما من طريق عبد الله بن شوذب. وقال الحافظ ابن حجر: أخرجه الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن شوذب. (الإصابة ٧/ ٩٣) ولكنه منقطع في عدم ذكر شيخ ابن شوذب ومن يليه.","vol":"7","page":212},{"text":"أخاه عُبيد بن عُمير يومئذٍ ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ في عمر قتلَ قريبًا له يومئذٍ أيضًا، وفي حمزة وعلي وعُبيدة بن الحارث قتلوا عُتبة وشَيبة والوليد بن عُتبة يومئذٍ، فالله أعلم.\nقلت: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله المسلمين في أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يفادوا فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين، وهم بنو العم والعشيرة، ولعلَّ الله تعالى أن يهديهم.\nوقال عمر: لا أرى ما رأى، يا رسول الله هل تمكِّنني من فلان قريب لعمر فأقتله، وتمكِّن عليًا من عقيل وتمكِّن فلانًا من فلان ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين القصة بكمالها (^١).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي: من اتَّصف بأنه لا يوادّ من حادَّ الله ورسوله ولو كان أباه أو أخاه، فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان؛ أي: كتب له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته.\nقال السدي: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ جعل في قلوبهم الإيمان.\nوقال ابن عباس: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي: قواهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ كل هذا تقدم تفسيره غير مرة، وفي قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ سِرٌ بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم.\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: هؤلاء حزب الله؛ أي: عباد الله وأهل كرامته. وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تنويه بفلاحهم وسعادتهم ونصرتهم في الدنيا والآخرة في مقابلة ما ذكر عن أولئك بأنهم حزب الشيطان ثم قال: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن حميد الواسطي، حدثنا الفضل بن عنبسة، عن رجل قد سماه فقال: هو عبد الحميد بن سليمان - انقطع من كتابي - عن الذيال بن عباد قال: كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: اعلم أن الجاه جاهان: جاه يجريه الله تعالى على أيدي أوليائه لأوليائه، وأنهم الخامل ذكرهم الخفية شخوصهم، ولقد جاءت صفتهم على لسان رسول الله ﷺ: \"إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يدعوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة\" (^٢). فهؤلاء أولياء الله تعالى الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\nوقال نعيم بن حماد: حدثنا محمد بن ثور، عن يونس، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: \"اللَّهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدًا ولا نعمة، فإني وجدت فيما أوحيته إليَّ ﴿لَا تَجِدُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجها في تفسير سورة الأنفال آية ٦٧.\n(^٢) سنده ضعيف لإرساله، ولبعضه شاهد في صحيح مسلم بلفظ: \"إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي\". (صحيح مسلم، الزهد والرقائق ح ٢٩٦٥).","vol":"7","page":213},{"text":"قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ \" (^١). قال سفيان: يرون أنها نزلت فيمن يخالط السلطان (^٢). رواه أبو أحمد العسكري.\nآخر تفسير سورة المجادلة، ولله الحمد والمنة.\nوصلواته وسلامه على خير خلقه محمد وآله وصحبه وحزبه آمين.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لإرساله أيضًا.\n(^٢) سنده ضعيف لأنه معضل.","vol":"7","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>سُورَةُ الحَشْرِ</span>\nوهي مدنية\n[وكان ابن عباس يقول: سورة بني النضير] (^١).\nقال سعيد بن المنصور: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس سورة الحشر؟ قال: أنزلت في بني النضير (^٢)، ورواه البخاري ومسلم من وجه آخر عن هشيم به (^٣)، ورواه البخاري من حديث أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: سورة بني النضير (^٤).\n\n<span id=\"aya-5127\"></span>﷽\n﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾.\nيخبر تعالى أن جميع ما في السماوات وما في الأرض من شيء يسبح له ويمجده ويقدسه ويصلي له ويوحده كقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: منيع الجناب ﴿الْحَكِيمُ﴾ في قدره وشرعه.\n\n<span id=\"aya-5128\"></span>وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: يهود بني النضير. قاله ابن عباس ومجاهد والزهري وغير واحد (^٥)، كان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة هادنهم وأعطاهم عهدًا وذمة على أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه فأحلَّ الله بهم بأسه الذي لا مردَّ له، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يصدّ، فأجلاهم النبي ﷺ وأخرجهم من\n_________\n(^١) زيادة من (حم).\n(^٢) سنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، المغازي، باب حديث بني النضير (ح ٤٠٢٩). وصحيح مسلم، التفسير (ح ٣٠٣١).\n(^٤) المصدر السابق من صحيح البخاري (ح ٤٨٨٣).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق والطبري أيضًا بسند صحيح من طريق معمر عن الزهري.","vol":"7","page":215},{"text":"حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون وظنوا هم أنها مانعتهم من بأس الله، فما أغنى عنهم من الله شيئًا وجاءهم من الله ما لم يكن ببالهم، [وسيَّرهم] (^١) رسول الله ﷺ وأجلاهم من المدينة، فكان منهم طائفة ذهبوا إلى أذرعات من أعالي الشام، وهي أرض المحشر والمنشر، ومنهم طائفة ذهبوا إلى خيبر، وكان قد أنزلهم منها على أن لهم ما حملت إبلهم، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي لا يمكن أن تحمل معهم، ولهذا قال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله وكذب كتابه كيف يحلّ به من بأسه المخزي له في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم.\nقال أبو داود: حدثنا محمد بن داود وسفيان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن كفار قريش كتبوا إلى [ابن أُبي ومن] (^٢) كان معه يعبد الأوثان من الأوس، والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذٍ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا وإنا نقسم بالله لنقاتلنه أو لنخرجنه أو لنسيرنَّ إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونسبي نساءكم، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أُبي ومن كان معه من عبدة الأوثان أجمعوا لقتال النبي ﷺ، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: \"لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريد أن تكيدوا به أنفسكم يريدون أن يقاتلوا أبناءكم وإخوانكم\" فلما سمعوا ذلك من النبي تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن مع صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء وهو الخلاخل، فلما بلغ كتابهم النبي ﷺ أيقنت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى النبي ﷺ: أخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون [حبرًا حتى نلتقي بمكان النصف، وليسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بكَ آمنا بكَ] (^٣).\nفلما كان الغد غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب فحصرهم فقال لهم: \"إنكم والله لا تؤمنون عندي إلا بعهد تعاهدونني عليه، فأبوا أن يعطوه عهدًا فقاتلهم يومهم ذلك\"، ثم غدا من الغد على بني قريظة بالكتائب وترك بني النضير ودعاهم إلى أن يعاهدوه فعاهدوه، فانصرف عنهم وغدا إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، فجلتْ بنو النضير واحتملوا ما أقلَّت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها، وكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة أعطاه الله إياها وخصَّه بها فقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] يقول بغير قتال، فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين قسمها بينهم وقسم منها لرجلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجة ولم يقسم من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ التي في أيدي بني فاطمة (^٤).\n_________\n(^١) كذا في (ح) وفي الأصل صحف إلى: \"وسرهم\".\n(^٢) كذا في (حم) وسنن أبي داود، وفي الأصل حُرِّف إلى: \"ابن أم رب\".\n(^٣) كذا في (حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، الخراج والإمارة، باب في خبر النضير ح ٣٠٠٤) وصحح سنده =","vol":"7","page":216},{"text":"ولنذكر ملخص غزوة بني النضير على وجه الاختصار وبالله المستعان.\nوكان سبب ذلك فيما ذكره أصحاب المغازي والسير أنه لما قُتل أصحاب بئر معونة من أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا سبعين، وأفلتَ منهم عمرو بن أُمية الضمري، فلما كان في أثناء الطريق راجعًا إلى المدينة قتل رجلين من بني عامر، وكان معهما عهد من رسول الله ﷺ وأمان لم يعلم به عمرو، فلما رجع أخبر رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: \"لقد قتلت رجلين لأديَّنهما\" (^١) وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد، فخرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير ليستعينهم في دية ذينك الرجلين، وكانت منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها شرقيها.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار في كتابه السيرة: ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر الذين قتلهما عمرو بن أُمية الضمري للجوار الذي كان رسول الله ﷺ عقد لهما فيما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا: نعم يا أبا القاسم نُعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم - فمَن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحش بن كعب أحدهم فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي ﵃ فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة.\nفلما استلبث النبي ﷺ أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلًا مقبلًا من المدينة، فسألوه عنه، فقال رأيته داخلًا المدينة، فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم، ثم سار حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض وتعيبه على من يصنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أُبي ابن سلول، ووديعة، ومالك بن أبي قوقل، وسويد، وداعس قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا فقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكفَّ عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن إيجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام وخلوا الأموال لرسول الله ﷺ، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا سهل بن حنيف وأبا دُجانة\n_________\n= الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٥٩٥).\n(^١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ١٩٠.","vol":"7","page":217},{"text":"- سماك بن خرشة - ذكرا فقرًا فأعطاهما رسول الله ﷺ، قال: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمرو بن كعب عمُّ عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها.\nقال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض آل يامين أن رسول الله ﷺ قال ليامين: \"ألم ترَ ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني\" فجعل يامين بن عمرو لرجل جعلًا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله فيما يزعمون.\nقال ابن إسحاق: ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها (^١)، وهكذا روى يونس بن بكير، عن ابن إسحاق بنحو ما تقدم.\nفقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: بني النضير ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: من شكَّ في أن أرض المحشر ههنا؛ يعني: الشام فليقرأ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال لهم رسول الله ﷺ: \"اخرجوا\" قالوا: إلى أين؟ قال: \"إلى أرض المحشر\" (^٢).\nوحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن الحسن قال: لما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير قال: \"هذا أول الحشر وأنا على الأثر\" (^٣). ورواه ابن جرير، عن بُندار، عن ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن به (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ أي: في مدة حصاركم لهم وقصرها وكانت ستة أيام مع شدة حصونهم ومنعتها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أي: جاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ [النحل].\nوقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أي: الخوف والهلع والجزع وكيف لا يحصل لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نصر بالرعب مسيرة شهر صلوات الله وسلامه عليه؟\nوقوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد تقدم تفسير ابن إسحاق لذلك، وهو نقض ما استحسنوه من سقوفهم وأبوابهم وتَحَمُّلها على الإبل، وكذلك قال عروة بن الزبير وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: السيرة النبوية ٢/ ١٩٠، ١٩١. وسنده معضل، وله شواهد تأتي في الروايات التالية.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف أبي سعد وهو البقال، (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٤٦).\n(^٣) رجال ثقات لكنه مرسل.\n(^٤) أخرجه الطبري عن بندار به، وسنده كسابقه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الزهري بنحوه، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد، وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا.","vol":"7","page":218},{"text":"وقال مقاتل بن حيان: كان رسول الله ﷺ يقاتلهم فإذا ظهر على درب أو دار هدم حيطانها ليتسع المكان للقتال، وكان اليهود إذا علَوا مكانًا أو غلبوا على درب أو دار نقبوا من أدبارها ثم حصنوها ودبروها، يقول الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-5129\"></span>وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: لولا أن كتب الله عليهم هذا الجلاء وهو النفي من ديارهم وأموالهم لكان لهم عند الله عذاب آخر من القتل والسبي ونحو ذلك، قاله الزهري، عن عروة والسدي وابن زيد (^٢)؛ لأن الله قد كتب عليهم أنه سيعذبهم في الدار الدنيا مع ما أعد لهم في الدار الآخرة من العذاب في نار جهنم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير قال: ثم كانت وقعة بني النضير، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم بناحية من المدينة فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وأن لهم ما أقلَّت الإبل من الأموال والأمتعة إلا الحلقة وهي السلاح، فأجلاهم رسول الله ﷺ قبل الشام، قال: والجلاء كُتب عليهم في آي من التوراة، وكانوا من سبط لم يصبهم الجلاء قبل ما سلط عليهم رسول الله ﷺ، وأنزل الله فيهم ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (^٣).\nوقال عكرمة: ﴿الْجَلَاءَ﴾ القتل، وفي رواية عنه الفناء.\nوقال قتادة: ﴿الْجَلَاءَ﴾ خروج الناس من البلد إلى البلد (^٤).\nوقال الضحاك: أجلاهم إلى الشام، وأعطى كل ثلاثة بعيرًا وسقاء، فهذا الجلاء.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، حدثنا محمد بن سعيد العوفي، حدثني أبي، عن عمي، حدثنا أبي، عن جدي، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم وأن يخرجهم من أرضهم ومن ديارهم وأوطانهم، وأن يسيَّرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرًا وسقاء، والجلاء إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى (^٥).\nوروي أيضًا من حديث يعقوب بن محمد الزهري، عن إبراهيم بن جعفر، عن محمود بن محمد بن [مسلمة] (^٦)، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن مسلمة أن رسول الله ﷺ بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي عن مقاتل بن حيان. (دلائل النبوة ٣/ ٣٥٨) وسنده معضل.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الزهري.\n(^٣) سنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بالسابق واللاحق.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٣/ ٣٥٩) وسنده ضعيف.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"مسلم\".\n(^٧) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٣/ ٣٦٠) في سنده محمود بن محمد بن مسلمة سكت عنه ابن أبي حاتم. =","vol":"7","page":219},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ أي: حتم لازم لا بدّ لهم منه.\n\n<span id=\"aya-5130\"></span>وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: إنما فعل الله بهم ذلك وسلط عليهم رسوله وعباده المؤمنين؛ لأنهم خالفوا الله ورسوله وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين في البشارة بمحمد ﷺ، وهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم. ثم قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n\n<span id=\"aya-5131\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ اللين نوع من التمر وهو جيد.\nقال أبو عبيدة: وهو ما خالف العجوة والبرني من التمر (^١).\nوقال كثيرون من المفسرين: اللينة ألوان التمر سوى العجوة (^٢).\nقال ابن جرير: هو جميع النخل ونقله عن مجاهد وهو (^٣) البويرة أيضًا، وذلك أن رسول الله ﷺ لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم وإرهابًا وإرعابًا لقلوبهم، فروى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: [فبعث بنو النضير] (^٤) يقولون لرسول الله ﷺ: إنك تنهى عن الفساد فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة؛ أي: ما قطعتم من لينة وما تركتم من الأشجار فالجميع بإذنه ومشيئته وقدره ورضاه، وفيه نكاية بالعدو وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم (^٥).\nوقال مجاهد: نهى بعض المهاجرين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه (^٦)، وقد روي نحو هذا مرفوعًا، فقال النسائي: أخبرنا الحسن بن محمد، عن عفان، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ قال: يستنزلونهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل، فحاك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا فلنسألن رسول الله ﷺ هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ (^٧).\n_________\n= (الجرح والتعديل ٨/ ٢٩٠).\n(^١) ذكره أبو عبيدة. (مجاز القرآن ٢/ ٢٥٦).\n(^٢) أخرجه الطبري وابن أبي شيبة بسند حسن من طريق داود عن عكرمة (المصنف ١٢/ ٣٩٣).\n(^٣) ذكره الطبري وأخرجه هو وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: نخلة، قال: نهى بعض المهاجرين بعضًا عن قطع النخل.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٥) ذكره ابن هشام (السيرة ٢/ ١٩١)، وأخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم (دلائل النبوة ٣/ ٣٥٥)، وأخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن قتادة لكنه مرسل وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر.\n(^٦) تقدم تخريجه قبل الرواية السابقة.\n(^٧) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، باب ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] ح ١١٥٧٤) وسنده صحيح.","vol":"7","page":220},{"text":"وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن جابر، وعن أبي الزبير، عن جابر، قال: رخصَّ لهم في قطع النخل ثم شدَّد عليهم، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا أو علينا وزر فيما تركنا، فأنزل الله ﷿: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وحرَّقَ (^٢)، وأخرجه صاحبا الصحيح من رواية موسى بن عقبة بنحوه (^٣)، ولفظ البخاري من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير وأقرَّ قريظة ومَنَّ عليهم حتى حارب قريظة، فقتل من رجالهم وسبى وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فأمَّنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهود بالمدينة (^٤)، ولهما أيضًا عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ حرَّق نخل بني النضير وقطع، وهي: [البويرة] (^٥)، [فأنزل الله ﷿ فيه ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ (^٦).\nوللبخاري ﵀ من رواية جويرية ابن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير وقطع البويرة] (^٧) ولها يقول حسان بن ثابت ﵁:\nوهان على سراة بني لؤي … تحريق بالبويرة مستطير\nفأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول:\nأدام الله ذلك من صنيع … وحرَّق في نواحيها السعير\nستعلم أينا منها بنزه … وتعلم أي أرضينا نضيرُ (^٨)\nكذا رواه البخاري ولم يذكره ابن إسحاق.\nوقال محمد بن إسحاق: وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف:\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (المسند ٤/ ١٣٥ ح ٢١٨٩) وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع (مجمع الزوائد ٧/ ١٢٥) وفيه مخالفة لرواية الصحيح في قوله: ثم شدد عليهم.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٢/ ٧) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، الجهاد، باب حرق الدور والنخيل (ح ٣٠٢١)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب جواز قطع أشجار الكفار (ح ١٧٤٦/ ٣٠).\n(^٤) صحيح البخاري، المغازي، باب حديث بني النضير (ح ٤٠٢٨).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل صحفت إلى: \"البريدة\".\n(^٦) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] (ح ٤٨٨٤)، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب جواز قطع أشجار الكفار (ح ١٧٤٦/ ٢٩).\n(^٧) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٨) أخرجه البخاري من طريق حبان عن جويرية بن أسماء به. (الصحيح، المغازي، باب حديث بني النضير ح ٤٠٣٢).","vol":"7","page":221},{"text":"لقد خزيت بغدرتها الحبَور (^١) … كذلك الدهر ذو صرف يدور\nوذلك أنهم كفروا برب … عظيم أمره أمر كبير\nوقد أوتوا معًا فهمًا وعلمًا … وجاءهم من الله النذير\nنذير صادق أدّى كتابًا … وآيات مبينة تنير\nفقالوا ما أتيت بأمر صدق … وأنت بمنكر منا جدير\nفقال بلى لقد أديت حقًا … يصدقني به الفهم الخبير\nفمن يتبعه يُهدَ لكل رشد … ومن يكفر به يجز الكفور\nفلما أشربوا غدرًا وكفرًا … وجد بهم عن الحق النفور\nأرى الله النبي برأي صدق … وكان الله يحكم لا يجور\nفأيده وسلطه عليهم … وكان نصيره نعم النصير\nفغودر منهم وكعب صريعًا … فذلّت بعد مصرعه النضير\nعلى الكفين ثم وقد علته … بأيدينا مشهرة ذكور (^٢)\nبأمر محمد إذ دس ليلًا … إلى كعب أخا كعب يسير\nفما كره فأنزله بمكرٍ … ومحمود أخو ثقة جسور\nفتلك بنو النضير بدار سوء … أبارهم بما اجترموا المبير\nغداة أتاهم وفي الزحف … رهوًا رسول الله وهو بهم بصير\nوغسان الحماة موازروه … على الأعداء وهو لهم وزير\nفقال السلم ويحكمُ فصدوا … [وحالف] (^٣) أمرهم كذب وزور\nفذاقوا غبّ أمرهم … وبالًا لكل ثلاثة منهم بعير\nوأجلوا عامدين لقينقاع … وغودر منهمو نخل ودور (^٤)\nقال: وكان مما قيل من الأشعار في بني النضير قول ابن القيم العبسي، ويقال: قالها قيس بن بحر بن طريف، قال ابن هشام الأشجعي:\nأهلي فداء لامرئ غير هالك … أجلى اليهود بالحسى المزنَّم\nيقيلون في جَمر العضاة … وبدلوا أهيضب عودًا بالودي (^٥) المكمم\nفإن يك ظني صادقًا بمحمد … يروا خيله بين الصلا ويَرمَرم (^٦)\nيؤم بها عمرو بن بهثة إنهم … عدوا ما حيّ صديق كمجرم\nعليهنَّ أبطال مساعير في الوغر … يهزّون أطراف الوشيج (^٧) المقوم\nوكل رقيق الشفرتين مهندٍ … تورثن من أزمان عاد وجرهم\nفمن مبلغ عني قريشًا رسالة … فهل بعدهم في المجد من متكرم\n_________\n(^١) أي: علماء اليهود.\n(^٢) أي: سيوف مسلولة من أغمادها.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"وحالة\".\n(^٤) ينظر السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ١٩٩.\n(^٥) أي: صغار النخل.\n(^٦) الصلا ويرمرم: موضعان.\n(^٧) أي: الرماح.","vol":"7","page":222},{"text":"بأن أخاكم فاعلمنّ محمدًا … تليدُ الندى بين الحجون وزمزم\nفدينوا له بالحق تجسم أموركم … وتسموا من الدنيا إلى كل معظم\nنبي تلاقته من الله رحمة … ولا تسألوه أمر غيب مرجم\nفقد كان في بدر لعمري عبرة … لكم يا قريش والقليب الملمم\nغداة أتى في الخزرجية عامدًا … إليكم مطيعًا للعظيم المكرم\nمُعَانًا بروح القدس ينكي عدوه … رسولًا من الرحمن حقًا بمعلم\nرسولًا من الرحمن يتلو كتابه … فلما أنار الحق لم يتلعثم\nأرى أمره يزدادُ في كل موطن … علوًا لأمر حمُّه الله محكم (^١)\nوقد أورد ابن إسحاق ﵀ ههنا أشعارًا كثيرة فيها آداب ومواعظ وحكم وتفاصيل للقصة، تركنا باقيها اختصارًا واكتفاء بما ذكرناه، ولله الحمد والمنة.\nقال ابن إسحاق: كانت وقعة بني النضير بعد [وقعة أحد وبعد بئر معونة.\nوحكى البخاري عن الزهري، عن عروة أنه قال: كانت وقعة بني النضير] (^٢) بعد بدر بستة أشهر (^٣).\n\n<span id=\"aya-5132\"></span>﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾.\nيقول تعالى مبينًا ما الفيء وما صفته وما حكمه، فالفيء: كل مال أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير هذه فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب؛ أي: لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله ﷺ، فأفاءه على رسوله، ولهذا تصرَّف فيه كما يشاء فردَّه على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله ﷿ في هذه الآيات فقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أي: من بني النضير ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ يعني: الإبل ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: هو قدير لا يغالب ولا يمانع، بل هو القاهر لكل شيء.\n\n<span id=\"aya-5133\"></span>ثم قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي: جميع البلدان التي تفتح هكذا فحكمها حكم أموال بني النضير ولهذا قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ. . .﴾ إلى آخرها والتي بعدها فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه.\n_________\n(^١) المصدر السابق ٢/ ١٩٥.\n(^٢) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٣) أخرجه البخاري معلقًا، وقال الحافظ ابن حجر: وصله عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري أتم من هذا. (فتح الباري ٧/ ٣٢٩، ٣٣٠).","vol":"7","page":223},{"text":"قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو ومعمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر ﵁ قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لو يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خالصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته، وقال مرة: قوت سنته وما بقي جعله في الكراع والسلاح في سبيل الله ﷿ (^١)، هكذا أخرجه أحمد ههنا مختصرًا، وقد أخرجه الجماعة في كتبهم إلا ابن ماجه من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الزهري به (^٢)، وقد رويناه مطولًا.\nوقال أبو داود ﵀: حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن يحيى بن فارس المعنى واحد قالا: حدثنا بشر بن عمر الزهراني، حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس قال: أرسل إليَّ عمر بن الخطاب ﵁ حين تعالى النهار فجئته فوجدته جالسًا على سرير مفضيًا إلى رماله (^٣)، فقال حين دخلت عليه: يا مالك إنه قد دفَّ (^٤) أهل أبيات من قومك، وقد أمرت فيهم بشيء فاقسم فيهم، قلت: لو أمرت غيري بذلك. فقال: خذه، فجاءه يرفا (^٥) فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص؟ قال: نعم.\nفأذن لهم فدخلوا، ثم جاءه يرفا فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في العباس وعلي؟ قال: نعم، فأذن لهما فدخلا فقال العباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا يعني: عليًا، فقال بعضهم: أجل يا أمير المؤمنين اقضِ بينهما وأرحهما، قال مالك بن أوس: خُيل إليَّ أنهما قدما أولئك النفر لذلك، فقال عمر ﵁ اتئدا ثم أقبل على أولئك الرهط فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: \"لا نورث، ما تركنا صدقة\"؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على علي والعباس فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال: \"لا نورث، ما تركنا صدقة\"؟ فقالا: نعم. فقال: إن الله خص رسوله بخاصة لم يخص بها أحدًا من الناس فقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ فكان الله تعالى أفاء على رسوله أموال بني النضير، فوالله ما استأثر بها عليكم ولا أحرزها دونكم، فكان رسول الله ﷺ يأخذ منها نفقة سنة أو نفقته ونفقة أهله سنة، ويجعل ما بقي أسوة (^٦) المال.\nثم أقبل على أولئك الرهط فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على علي والعباس فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٥) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب المجن ومن يترَّس بترس صاحبه (ح ٢٩٠٤) وصحيح مسلم، الجهاد، باب حكم الفيء (ح ١٧٥٧)، وسنن أبي داود، الخراج، باب في صفايا رسول الله ﷺ (ح ٢٩٦٥)، وسنن الترمذي، الجهاد، باب ما جاء في الفيء (ح ١٧١٩)، وسنن النسائي، قسم الفيء ٧/ ١٣٢.\n(^٣) أي: موصلًا جسده إلى رماله، ورمال السرير: ما ينسج في وجهه بالسعف.\n(^٤) أي: جاءوا مسرعين.\n(^٥) هو اسم غلام لعمر ﵁.\n(^٦) أي: يجعله لا ينفرد به أحد.","vol":"7","page":224},{"text":"والأرض هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. فلما توفي رسول الله ﷺ قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ، فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر ﵁: قال رسول الله ﷺ: \"لا نورث، ما تركنا صدقة\" والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق فوليها أبو بكر، فلما توفي قلت أنا ولي رسول الله ﷺ وولي أبي بكر فوليتها ما شاء الله أن أليها، فجئت أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فسألتمانيها، فقلت إن شئتما فأنا أدفعها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تلياها بالذي كان رسول الله ﷺ يليها، فأخذتماها مني على ذلك ثم جئتماني لأقضي بينكما بغير ذلك، واللهِ لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فردَّاها إليَّ (^١). أخرجوه من حديث [الزَّهري] (^٢) به (^٣).\nقال الإمام أحمد: حدثنا عارم وعفان قالا: أخبرنا معتمر سمعت أبي يقول: حدثنا أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: إن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات أو كما شاء الله حتى فتحت عليه قريظة والنضير. قال: فجعل يرد بعد ذلك، قال: وإن أهلي أمروني أن آتي النبيَّ ﷺ فأسأله الذي كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أُم أيمن أو كما شاء الله قال: فسألت النبي ﷺ فأعطانيهن، فجاءت أُم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وجعلت تقول: كلا والله الذي لا إله إلا هو لا يعطيكهن وقد أعطانيهن، أو كما قالت، فقال نبي الله: \"لك كذا وكذا\". قال: وتقول: كلَّا والله. قال: ويقول: \"لك كذا وكذا\" قال: وتقول: كلَّا واللهِ، قال: \"ويقول لك كذا وكذا\" قال: حتى أعطاها حسبت أنه قال: عشرة أمثاله أو قال قريبًا من عشرة أمثاله، أو كما قال (^٤). رواه البخاري ومسلم من طرق عن معتمر (^٥) به.\nوهذه المصارف المذكورة في هذه الآية هي المصارف المذكورة في خمس الغنيمة، وقد قدمنا الكلام عليها في سورة الأنفال بما أغنى عن إعادته ههنا، ولله الحمد.\nوقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ أي: جعلنا هذه المصارف لمال الفيء كيلا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منه شيئًا إلى الفقراء.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ أي: مهما أمركم به فافعلوه ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الخراج والإمارة، باب في صفايا رسول الله ﷺ ح ٢٩٦٣) وسنده صحيح.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"الترمذي\".\n(^٣) صحيح البخاري، فرض الخمس، باب فرض الخمس (ح ٣٠٩٤) وصحيح مسلم، الجهاد، باب حكم الفيء (ح ١٧٥٧)، وسنن الترمذي، السير، باب ما جاء في تركة رسول الله ﷺ (ح ١٦١٠) والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب (ما أفاء على الله مع رسوله) (ح ١١٥٧٥).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢١٩) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب (ح ٤١٢٠) وصحيح مسلم، الجهاد، باب ردّ المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر … (ح ١٧٧١).","vol":"7","page":225},{"text":"قال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزار، عن مسروق قال: جاءت امرأة إلى ابن مسعود قالت: بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة، أشيء وجدته في كتاب الله تعالى أو عن رسول الله ﷺ؟ قال: بلى شيء وجدته في كتاب الله وعن رسول الله ﷺ. قالت: والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف فما وجدت فيه الذي تقول. قال: فما وجدت فيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟ قالت: بلى. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة، قالت: فلعله في بعض أهلك، قال: فادخلي فانظري، فدخلت فنظرت ثم خرجت قالت: ما رأيت بأسًا، فقال لها: أما حفظت وصية العبد الصالح ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (^١) [هود: ٨٨].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن منصور، عن علقمة، عن عبد الله هو: ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله ﷿، قال فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها: أُم يعقوب، فجاءت إليه فقالت بلغني أنك قلت كيت وكيت، قال: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وفي كتاب الله تعالى، فقالت: إني لأقرأ ما بين لوحيه فما وجدته، فقال: إن كنت قرأته فقد وجدته أما قرأت ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟ قالت: بلى. قال: فإن رسول الله ﷺ نهى عنه. قالت: إني لأظن أهلك يفعلونه، قال: اذهبي فانظري فذهبت فلم ترَ من حاجتها شيئًا، فجاءت فقالت: ما رأيت شيئًا، قال: لو كان كذا لما تجامعنا (^٢). أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري (^٣).\nوقد ثبت في الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه\" (^٤).\nوقال النسائي: أخبرنا أحمد بن سعيد، حدثنا يزيد، حدثنا منصور بن حيان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر وابن عباس أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: اتقوه في امتثال أوامره وترك زواجره، فإنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره وأباه وارتكب ما عنه زجره ونهاه.\n_________\n(^١) السند فيه اضطراب من قتادة إلى مسروق، ويشهد له ما يليه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤٣٣) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] (ح ٤٨٨٦) وصحيح مسلم، اللباس، تحريم فعل الواصلة والمستوصلة (ح ٢١٢٥).\n(^٤) صحيح البخاري، الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ (ح ٧٢٨٨)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب توقير رسول الله ﷺ ح ١٣٣٧).\n(^٥) أخرجه النسائي بسنده ومتنه. (السنن الكبرى، التفسير، باب ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ح ١١٥٧٨)، وسنده صحيح.","vol":"7","page":226},{"text":"<span id=\"aya-5134\"></span>﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾.\nيقول تعالى مُبيّنًا حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أي: خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله ورضوانه ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أي: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم وهؤلاء هم سادات المهاجرين.\n\n<span id=\"aya-5135\"></span>ثم قال تعالى مادحًا للأنصار ومبيّنًا فضلهم وشرفهم وكرمهم، وعدم حسدهم وإيثارهم مع الحاجة فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم.\nقال عمر: وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم كرامتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم (^١). رواه البخاري ههنا أيضًا.\nوقوله: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: من كرمهم وشرف أنفسهم يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حميد، عن أنس قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلًا في كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: \"لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم\" (^٢). لم أره في الكتب من هذا الوجه.\nوقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال: دعا النبي ﷺ الأنصار أن يقطع لهم البحرين. قالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها قال: \"إما لا فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم بعدي أَثرة\" (^٣). تفرد به البخاري من هذا الوجه.\nوقال البخاري: حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا. فقالوا: أتكفوننا المؤنة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا (^٤). تفرد به دون مسلم. ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده عن عمر ﵁. (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] ح ٤٨٨٨).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠/ ٣٦٠، ٣٦١ ح ١٣٠٧٥) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، مناقب الأنصار، باب قول النبي ﷺ للأنصار: \"اصبروا حتى تلقوني على الحوض\" ح ٣٧٩٤).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الحرث والمزارعة، باب إذا قال: اكفني مؤونة النحل وغيره .. ح ٢٣٢٥).","vol":"7","page":227},{"text":"حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: ولا يجدون في أنفسهم حسدًا للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة.\nقال الحسن البصري: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ يعني: الحسد (^١) ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾.\nقال قتادة: يعني: فيما أُعطى إخوانهم. وكذا قال ابن زيد (^٢).\nومما يستدل به على هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد حيث قال:\nحدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أنس قال: كنا جلوسًا مع رسول الله ﷺ فقال: \"يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة\" فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ: مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله ﷺ: مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام رسول الله ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت (^٣) أبي، فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي [فعلت] (^٤) قال: \"نعم\".\nقال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئًا غير أنه إذا تعار تقلب على فراشه ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أن أحتقر عمله، قلت يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات: \"يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة\" فطلعت أنت الثلاث المرات، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ؟ قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه. قال عبد الله: فهذه التي بلغت بك، وهي التي لا تطاق (^٥)، ورواه النسائي في اليوم والليلة عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر به (^٦)، وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري عن رجل عن أنس (^٧)، فالله أعلم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ يعني: مما أوتوا المهاجرين، قال: وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) أي: نازعت.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٥) سنده صحيح وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٦) السنن الكبرى، عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا انتبه من منامه (ح ١٠٦٩٩).\n(^٧) قال الحافظ ابن حجر: وذكر البيهقي في \"الشعب\": أن شعيبًا رواه عن الزهري، حدثني من لا اتهم، عن أنس .. ورويناه في \"مكارم الأخلاق\" وفي عدة أمكنة عن عبد الرزاق. وقد ظهر أنه معلول. (النكت الظراف ١/ ٣٩٥).","vol":"7","page":228},{"text":"الأنصار فعاتبهم الله في ذلك فقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ قال: وقال رسول الله ﷺ: \"إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم\" فقالوا: أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله ﷺ: \"أو غير ذلك\" قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: \"هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر\" فقالوا: نعم يا رسول الله (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ يعني: حاجة؛ أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم ويبدءون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.\nوقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أفضل الصدقة جهد المقلّ\" (^٢) وهذا المقام أعلى من حال الذين وصف الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨].\nوقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه، ومن هذا المقام تصدق الصديق ﵁ بجميع ماله، فقال له رسول الله ﷺ: \"ما أبقيت لأهلك؟ \" فقال ﵁: أبقيت لهم الله ورسوله (^٣)، وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فردَّه الآخر إلى الثالث فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يشربه أحد منهم ﵃ وأرضاهم.\nوقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدثنا أبو أسامة، حدثنا فضيل بن غزوان، حدثنا أبو حازم الأشجعي، عن أبي هريرة قال: أتى رجل لرسول الله ﷺ فقال يا رسول الله أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال النبي ﷺ: \"ألا رجل يضيف هذه الليلة ﵀\" فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئًا، فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئ السراج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ فقال: \"لقد عجب الله ﷿ أو ضحك - من فلان وفلانة\" فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^٤). وكذا رواه البخاري في موضع آخر ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن فضيل بن غزوان (^٥)، وفي رواية لمسلم تسمية هذا الأنصاري\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده عن عبد الرحمن بن زيد، وسنده ضعيف لأنه معضل، وعبد الرحمن بن زيد: ضعيف.\n(^٢) أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن حبشي الخثعمي (السنن، الصلاة ح ١٤٤٩) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٢٨٦).\n(^٣) أخرجه الترمذي من حديث عمر بن الخطاب ﵁. (السنن، المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق ح ٣٩٣٩) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٩٠٢).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] ح ٤٨٨٩).\n(^٥) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب قول الله ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (ح ٣٧٩٨) وصحيح مسلم، الأشربة، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره (ح ٢٠٥٤/ ١٧٢). وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الحشر (ح ٣٣٠١)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (ح ١١٥٨٢).","vol":"7","page":229},{"text":"بأبي طلحة ﵁ (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح. قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا داود بن قيس الفراء، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: \"إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحَّ فإن الشحَّ أهلك مَن كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلُّوا محارمهم\" (^٢). انفرد بإخراجه مسلم فرواه عن القعنبي، عن داود بن قيس به (^٣).\nوقال الأعمش وشعبة: عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأقمر، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفحش فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشحّ فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا\" ورواه أحمد وأبو داود من طريق شعبة والنسائي من طريق الأعمش، كلاهما عن عمرو بن مرة به (^٤).\nوقال الليث: عن يزيد بن الهاد، عن سهيل بن أبي صالح، عن صفوان بن أبي يزيد، عن القعقاع بن اللجلاج، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الشحَّ والإيمان في قلب عبد أبدًا\" (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا المسعودي، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن إني أخاف أن أكون قد هلكت، فقال له عبد الله: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من يدي شيئًا، فقال عبد الله: ليس ذلك بالشحِّ الذي ذكره الله في القرآن، إنما الشحُّ الذي ذكر الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ولكن ذاك البخل وبئس الشيء البخل (^٦).\nوقال سفيان الثوري: عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن أبي الهيّاج الأسدي قال: كنت أطوف بالبيت فرأيت رجلًا يقول: اللَّهم قني شُحَّ نفسي لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال: إني إذا وقيت شحّ نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل، وإذا الرجل عبد الرحمن بن\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٠٥٤/ ١٧٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣٢٣) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، البر والصلة، باب تحريم الظلم (ح ٢٥٧٨).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد عن ابن أبي عدي عن شعبة به كاملًا. (المسند ١١/ ٢٦ ح ٦٤٨٧) وصحح سنده محققوه، وأخرجه أبو داود السنن، الزكاة، باب في الشح (ح ١٦٩٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٤٨٩) وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، التفسير، باب ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩] (ح ١١٥٨٣).\n(^٥) أخرجه النسائي من طريق الليث به (السنن، الجهاد، باب فضل من عمل في سبيل الله على قدمه ٧/ ١٣) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٢٩١٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٧٢).\n(^٦) سنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق المسعودي به.","vol":"7","page":230},{"text":"عوف ﵁. رواه ابن جرير (^١).\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن إسحاق، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا مجمع بن جارية الأنصاري، عن عمه: يزيد بن جارية، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: \"بَرئ من الشحِّ من أدّى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في [النائبة\"] (^٢) (^٣).\n\n<span id=\"aya-5136\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ هؤلاء هم: القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم: المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان كما قال في آية براءة ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة الداعون لهم في السرّ والعلانية، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ أي: قائلين ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ أي: بغضًا وحسدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وما أحسن ما استنبط الإمام مالك ﵀ من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسبُّ الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب، لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم ثم قرأت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (^٤) الآية.\nوقال إسماعيل بن علية، عن عبد الملك بن عمير، عن مسروق، عن عائشة قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ فسببتموهم، سمعت نبيكم ﷺ يقول: \"لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها\" رواه البغوي (^٥).\nوقال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن الزهري قال: قال عمر ﵁: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] قال\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٢) كذا في (ح) والطبري وفي الأصل بلفظ: \"النابية\".\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن إسماعيل بن عياش الحمصي صدوق في روايته عن أهل بلده، مُخلط في غيرهم. (التقريب ص ١٠٩) ويروي هنا عن غير أهل بلده وهو مجمع بن جارية وهو من المدينة وليس من حمص.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف إسماعيل بن إبراهيم، وأبوه فيه لين. (التقريب ص ٩٤ وص ١٠٥).\n(^٥) أخرجه البغوي من طريق إسماعيل بن عُليَّة به. (معالم التنزيل ٤/ ٣٢١) ولشطره الأول الموقوف شاهد في صحيح مسلم (الصحيح، التفسير ح ٣٠٢٢).","vol":"7","page":231},{"text":"الزهري: قال عمر ﵁: هذه لرسول الله ﷺ خاصة وقرى عربية فدك، وكذا مما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وللفقراء المهاجرين الذي أخرجوا من ديارهم وأموالهم. ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فاستوعبت هذه الآية الناس فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق. قال أيوب:- أو قال: حظّ - إلا بعض من تملكون من أرقائكم (^١). كذا رواه أبو داود وفيه انقطاع.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن أبو ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حتى بلغ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] حتى بلغ ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة وليس أحد إلا له فيها حق ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حِمير نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه (^٢).\n\n<span id=\"aya-5137\"></span>\n\n<span id=\"aya-5138\"></span>\n\n<span id=\"aya-5139\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾.\nيخبر تعالى عن المنافقين كعبد الله بن أُبي وأضرابه حين بعثوا إلى يهود بني النضير يعدونهم النصر من أنفسهم فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: لكاذبون فيما وعدوهم به إما لأنهم قالوا لهم قولًا، ومن نيتهم أن لا يفوا لهم به، وإما لأنهم لا يقع منهم الذي قالوه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أي: لا يقاتلون معهم ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أي: قاتلوا معهم ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ وهذه بشارة مستقلة بنفسها، كقوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يخافون\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الخراج والإمارة، باب في تدوين العطاء ح ٢٩٦٦) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٥٧٠)، وفي سنده الزهري لم يسمع من عمر ﵁ كما قرر الإمام أحمد بن حنبل (ينظر المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٩٠) وهذا التصحيح لعله بالشواهد والطرق.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف عكرمة بن خالد وهو ابن سلمة بن العاص المخزومي. (التقريب ص ٣٩٦).","vol":"7","page":232},{"text":"منكم أكثر من خوفهم من الله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧] ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-5140\"></span>ثم قال تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ يعني: أنهم من جبنهم وهلعهم لا يقدرون على مواجهة جيش الإسلام بالمبارزة والمقاتلة بل إما في حصون أو من وراء جدر محاصرين فيقاتلون للدفع عنهم ضرورة.\nثم قال تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوتهم فيما بينهم شديدة، كما قال تعالى: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] ولهذا قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أي: تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين وهم مختلفون غاية الاختلاف.\nقال إبراهيم النخعي: يعني أهل الكتاب والمنافقين ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-5141\"></span>ثم قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥)﴾.\nقال مجاهد والسدي ومقاتل بن حيان: يعني كمثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر (^١).\nوقال ابن عباس: كمثل الذين من قبلهم يعني يهود بني قينقاع (^٢)، وكذا قال قتادة ومحمد بن إسحاق، وهذا القول أشبه بالصواب فإن يهود بني قينقاع كان رسول الله ﷺ قد أجلاهم قبل هذا.\n\n<span id=\"aya-5142\"></span>وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يعني: مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم بالذين وعدوهم النصر من المنافقين وقول المنافقين لهم لئن قوتلتم لننصرنكم، ثم لما حقت الحقائق وجد بهم الحصار والقتال، تخلوا عنهم وأسلموهم للهلكة، مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ سول للإنسان - والعياذ بالله - الكفر، فإذا دخل فيما سول له تبرأ منه وتنصل وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوقد ذكر بعضهم ههنا قصة لبعض عباد بني إسرائيل هي كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها، فقال ابن جرير: حدثنا خلاد بن أسلم، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت عبد الله بن نهيك قال: سمعت عليًا ﵁ يقول إن راهبًا تعبَّد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه فعمد إلى امرأة فأجنها، ولها إخوة فقال لإخوتها: عليكم بهذا القسِّ فيداويها، قال: فجاؤوا بها إليه فداواها وكانت عنده، فبينما هو يومًا عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك إنك أعييتني أنا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت بك، فاسجد لي سجدة، فسجد له، فلما سجد له قال: إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه عنعنة ابن إسحاق، وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق من طريق أبي إسحاق به، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به وفيه ورد اسم حميد بن عبد الله بدلًا من عبد الله بن نهيك وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٨٤، ٤٨٥).","vol":"7","page":233},{"text":"وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ قال: كانت امرأة ترعى الغنم وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، قال: فنزل الراهب ففجر بها فحملت، فأتاه الشيطان فقال له: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يسمع قولك، فقتلها ثم دفنها قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك؟ قالوا: لا بل قصها علينا. قال فقصَّها فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، قالوا: فوالله ما هذا إلا لشيء قال: فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له، فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل (^١). وكذا روي عن ابن عباس وطاوس ومقاتل بن حيان نحو ذلك، واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا. فالله أعلم.\nوهذه القصة مخالفة لقصة جُريج العابد فإن جُريجًا اتهمته امرأة بَغي بنفسها، وادعت أن حملها منه ورفعت أمرها إلى ولي الأمر فأمر به فأنزل من صومعته وخربت صومعته وهو يقول: ما لكم ما لكم؟ قالوا: يا عدو الله فعلت بهذه المرأة كذا وكذا، فقال جُريج: اصبروا ثم أخذ ابنها وهو صغير جدًا، ثم قال: يا غلام من أبوك؟ قال: أبي الراعي، وكانت قد أمكنته من نفسها فحملت منه، فلما رأى بنو إسرائيل ذلك عظموه كلُّهم تعظيمًا بليغًا، وقالوا: نعيد صومعتك من ذهب، قال: لا بل أعيدوها من طين كما كانت (^٢).\n\n<span id=\"aya-5143\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ أي: فكان عاقبة الأمر بالكفر والفاعل له ومصيرهما إلى نار جهنم خالدين فيها ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ أي: جزاء كل ظالم.\n\n<span id=\"aya-5144\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عون بن أبي جُحَيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة محتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مُضَر بل كلهم من مُضَر، فتغير وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، قال: فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام الصلاة\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه.\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁. (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦] ح ٣٤٣٦) وهذه القصة غير القصة السابقة.","vol":"7","page":234},{"text":"فصلى ثم خطب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ. . .﴾ [النساء: ١] إلى آخر الآية، وقرأ الآية التي في الحشر ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال: \"ولو بشق تمرة\" قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول الله ﷺ يتهلَّل وجهه كأنه مُذْهَبة، فقال رسول الله ﷺ: \"من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سُنَّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\" (^١). انفرد بإخراجه مسلم من حديث شعبة بإسناده مثله (^٢)، فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمر بتقواه وهو يشمل فعل ما به أمر وترك ما عنه زجر.\nوقوله تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تأكيد ثانٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى عليه منكم خافية ولا يغيب من أموركم جليل ولا حقير.\n\n<span id=\"aya-5145\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: لا تنسوا ذكر الله تعالى: فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم، فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله الهالكون يوم القيامة الخاسرون يوم معادهم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون].\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن [نجدة] (^٣) الحوطي، حدثنا المغيرة، حدثنا جرير بن عثمان، عن نعيم بن نمحة قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق ﵁: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم، فمن استطاع أن يقضي الأجل وهو في عمل الله ﷿ فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله ﷿، إن قومًا جعلوا آجالهم لغيرهم فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أين: من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم وخلوا بالشقوة والسعادة، وأين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والآبار، هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستضيئوا بسنائه وبيانه، إن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] لا خير في قول لا يُراد به وجه الله، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم (^٤). هذا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٥٨) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة (ح ١٠١٧).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"محمد\".\n(^٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١/ ٦٠ ح ٣٩) وقد حكم الحافظ ابن كثير بجودة سنده.","vol":"7","page":235},{"text":"إسناد جيد ورجاله كلهم ثقات، وشيخ جرير بن عثمان وهو نعيم بن نمحة لا أعرفه بنفي ولا إثبات، غير أن أبا داود السجستاني قد حكم بأن شيوخ جرير كلهم ثقات، وقد روي لهذه الخطبة شواهد من وجوه أُخَر، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5146\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أي: لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم الله تعالى يوم القيامة، كما قالي تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ [الجاثية] وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾ [غافر] وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص] في آيات أخر دالات على أن الله تعالى يكرم الأبرار ويهين الفجار، ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ أي: الناجون المسلمون من عذاب الله ﷿.\n\n<span id=\"aya-5147\"></span>﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾.\nيقول تعالى معظمًا لأمر القرآن ومبينًا علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب وتتصدع عند سماعه، لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأكيد: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله ﷿، فكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ إلى آخرها يقول: لو أني أنزلتُ هذا القرآن على جبل حملته إياه لتصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله، فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^١) وكذا قال قتادة وابن جرير (^٢).\nوقد ثبت في الحديث المتواتر أن رسول الله ﷺ لما عمل له المنبر، وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد، فلما وضع المنبر أول ما وضع وجاء النبي ﷺ ليخطب فجاوز الجذع إلى نحو المنبر، فعند ذلك حنَّ الجذع وجعل يئنُ كما يئن الصبي الذي يسكت لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده (^٣)، ففي بعض روايات هذا الحديث قال الحسن البصري بعد\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعناه صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بمعناه.\n(^٣) أخرجه البخاري (الصحيح، المناقب، باب علامات النبوة ح ٣٥٨٣، ٣٥٨٥).","vol":"7","page":236},{"text":"إيراده: فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى رسول الله ﷺ من الجذع وهكذا هذه الآية الكريمة إذا كانت الجبال الصمُّ لو سمعت كلام الله وفهمته لخشعت وتصدعت من خشيته، فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ الآية [الرعد: ٣١]. وقد تقدم أن معنى ذلك؛ أي: لكان هذا القرآن، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤].\n\n<span id=\"aya-5148\"></span>ثم قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ أخبر تعالى أنه الذي لا إله إلا هو فلا ربَّ غيره ولا إله للوجود سواه، وكل ما يعبد من دونه فباطل، وأنه عالم الغيب والشهادة؛ أي: يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات عنا، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من جليل وحقير وصغير وكبير حتى الذرّ في الظلمات.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قد تقدم الكلام على ذلك في أول التفسير بما أغنى عن إعادته ههنا، والمراد أنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وقد قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-5149\"></span>ثم قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾ أي: المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة.\nوقوله تعالى: ﴿الْقُدُّوسُ﴾ قال وهب بن منبه: أي الطاهر.\nوقال مجاهد وقتادة: أي: المبارك (^١).\nوقال ابن جريج: تقدسه الملائكة الكرام ﴿السَّلَامُ﴾ أي: من جميع العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.\nوقوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: أي: [أمن خلقه من] (^٢) أن يظلمهم (^٣).\nوقال قتادة: أمن بقوله أنه حق (^٤).\nوقال ابن زيد: صدق عباده المؤمنين في إيمانهم به (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾.\nقال ابن عباس وغير واحد: أي: الشاهد على خلقه بأعمالهم (^٦)، بمعنى هو رقيب عليهم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٣) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"الشهيد\".","vol":"7","page":237},{"text":"كقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]. وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ الآية [الرعد: ٣٣].\nوقوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ﴾ أي: الذي قد عزَّ كل شيء فقهره وغلب الأشياء فلا ينال جنابه لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه، ولهذا قال تعالى: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ أي: الذي لا تليق الجبرية إلا له ولا التكبر إلا لعظمته، كما تقدم في الصحيح: \"العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدًا منهما عذبته\" (^١).\nوقال قتادة: ﴿الْجَبَّارُ﴾ الذي جبر خلقه على ما يشاء (^٢).\nوقال ابن جرير: ﴿الْجَبَّارُ﴾ المصلح أمور خلقه المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم (^٣). وقال قتادة: ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ يعني: عن كل شر (^٤)، ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-5150\"></span>وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الخلق التقدير والبرء هو [الفري] (^٥)، وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود وليس كل من قدر شيئًا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله ﷿. قال الشاعر (^٦) يمدح آخر:\nولأنت تفري ما خلقت … وبعض القوم يخلق ثم لا يفري\nأي: أنت تنفذ ما خلقت؛ أي: قدرت، بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع ما يريد، فالخلق التقدير والفري التنفيذ، ومنه يقال: قدر الجلَّاد ثم فرى؛ أي: قطع على ما قدره بحسب ما يريده.\nوقوله تعالى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ أي: الذي أراد شيئًا قال له كن فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار كقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار] ولهذا قال: ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ أي: الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قد تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف (^٧). ونذكر الحديث المروي في الصحيحين عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: \"إن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر\". وتقدم سياق الترمذي وابن ماجه له عن أبي هريرة أيضًا وزاد بعد قوله: \"وهو وتر يحب الوتر\". واللفظ للترمذي: \"هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (الصحيح، البر والصلة، باب تحريم الكبر ح ٢٦٢٠).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٣) ذكره الطبري.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"الذي\".\n(^٦) هو زهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان، والبيت في ديوانه ص ٩٤.\n(^٧) آية ١٨٠.","vol":"7","page":238},{"text":"الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المعطي، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور\". وسياق ابن ماجه بزيادة ونقصان وتقديم وتأخير، وقد قدمنا ذلك مبسوطًا مطولًا بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته ههنا (^١).\nوقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: فلا يُرام جنابه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في شرعه وقدره.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا خالد يعني: ابن طهمان [أبو العلاء] (^٢) الخفاف، حدثنا نافع بن أبي نافع، عن معقل بن يسار، عن النبي ﷺ قال: \"من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكَّل الله به سبعين ألف مَلَك يصلون عليه حتى يُمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدًا، ومن قالها حين يُمسي كان بتلك المنزلة\" (^٣). ورواه الترمذي عن محمود بن غيلان، عن أبي أحمد الزبيري به. وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٤).\nآخر تفسير سورة الحشر.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٠.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"أبو المعلا\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣/ ٤٢١ ح ٢٠٣٠٦) وضعفه محققوه لضعف خالد بن طهمان.\n(^٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، ثواب القرآن، باب فضل آخر سورة الحشر ح ٢٩٢٣) وسنده ضعيف. كسابقه.","vol":"7","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-183>سُورَةُ المُمْتَحنَةِ</span>\nوهي مدنية\n\n<span id=\"aya-5151\"></span>﷽\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾.\nكان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن حاطبًا هذا كان رجلًا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضًا، وكان له بمكة أولاد ومال ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفًا لعثمان، فلما عزم رسول الله ﷺ على فتح مكة لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي ﷺ المسلمين بالتجهيز لغزوهم وقال: \"اللَّهم عَمِّ عليهم خبرنا\" (^١) فعمِد حاطب هذا فكتب كتابًا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، يعلمهم بما عزم عليه رسول الله ﷺ من غزوهم، ليتخذ بذلك عندهم يدًا، فأطلع الله تعالى على ذلك رسول الله ﷺ استجابة لدعائه، فبعث في أثر المرأة فأخذ الكتاب منها، وهذا بين في هذا الحديث المتفق على صحته.\nقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمه، أخبرني حسن بن محمد بن علي، أخبرني عبد الله بن أبي رافع وقال مرة: إن عبيد الله بن أبي رافع أخبره أنه سمع عليًا ﵁ يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: \"انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ (^٢) فإن بها ظعينة (^٣) معها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قلنا لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها (^٤)، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"يا حاطب ما هذا؟ \"\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ٢٣/ ٤٣٥) بسند ضعيف فيه يحيى بن سليمان بن نضلة وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٦/ ١٦٧) والقصة سردها ابن هشام (السيرة النبوية ٤/ ٨٥٢).\n(^٢) روضة خاخ: موضع على اثني عشر ميلًا من المدينة. والميل ثلاثة آلاف ذراع أو أربعة آلاف ذراع. (المقادير في الفقه الإسلامي ص ٧٠).\n(^٣) أي: امرأة.\n(^٤) أي: من ذوائبها المضفورة.","vol":"7","page":240},{"text":"قال: لا تعجل عليَّ إني كنت امرأً ملصقًا في قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: \"إنه صدقكم\".\nفقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ: \"إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\" (^١). وهكذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه من غير وجه عن سفيان بن عيينة به (^٢)، وزاد البخاري في كتاب المغازي: فأنزل الله السورة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (^٣) وقال في كتاب التفسير: قال عمرو: ونزلت فيه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وقال: لا أدري الآية في الحديث أو قال عمرو (^٤). قال البخاري: قال علي يعني: ابن المديني: قيل لسفيان في هذا نزلت ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ فقال سفيان: هذا في حديث الناس حفظته من عمرو، ما تركت منه حرفًا ولا أدري أحدًا حفظه غيري (^٥).\nوقد أخرجاه في الصحيحين من حديث حصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد والزبير بن العوام وكلنا فارس، وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ فقلنا: الكتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، فأنخناها فالتمسنا فلم نرَ كتابًا، فقلنا: ما كذب رسول الله ﷺ لتخرجن الكتاب أو لنجردنك، فلما رأت الجدَّ أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله ﷺ فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه فقال النبي ﷺ: \"ما حملك على ما صنعت؟ \" قال حاطب: والله ما بي إلا أن أكون مؤمنًا بالله ورسوله ﷺ، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال: \"صدق لا تقولوا له إلا خيرًا\".\nفقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه، فقال: \"أليس من أهل بدر؟ فقال: لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة - أو قد غفرت لكم -\" فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله، أعلم (^٦). هذا لفظ البخاري في المغازي في غزوة بدر.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٧٩) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب الجاسوس (ح ٣٠٠٧) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر ﵃ (ح ٢٤٩٤).\n(^٣) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الفتح (ح ٤٢٧٤).\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] (ح ٤٨٩٠).\n(^٥) المصدر السابق بعد الحديث رقم ٤٨٩٠ مباشرة.\n(^٦) أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن إدريس عن حصين بن عبد الرحمن به (الصحيح، المغازي، باب فضل من شهد بدرًا ح ٣٩٨٣).","vol":"7","page":241},{"text":"وقد روي من وجه آخر، عن علي قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن [الهسنجاني] (^١)، حدثنا عبيد بن يعيش، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان هو: سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرة الجملي، عن أبي البحتري الطائي، عن الحارث، عن علي قال: لما أراد النبي ﷺ أن يأتي مكة أسرَّ إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة منهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، قال: فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن رسول الله ﷺ يريدكم، فأخبر رسول الله ﷺ، قال: فبعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد وليس منا رجل إلا وعنده فرس فقال: \"ائتوا روضة خاخ، فإنكم ستلقون بها امرأة معها كتاب فخذوه منها\".\nفانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر رسول الله ﷺ فقلنا لها: هاتِ الكتاب. فقالت: ما معي كتاب، فوضعنا متاعها وفتشناها فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد: لعله أن لا يكون معها، فقلت: ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا، فقلنا لها: لتخرجنه أو لنعرينك. فقالت: أما تتقون الله! ألستم مسلمين! فقلنا: لتخرجنه أو لنعرينك. قال عمرو بن مرة: فأخرجته من حجزتها. وقال حبيب بن أبي ثابت: أخرجته من قبلها، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة، فقام عمر فقال: يا رسول الله خان الله ورسوله، فائذن لي فلأضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: \"أليس قد شهد بدرًا؟ \" قالوا: بلى، وقال عمر: بلى ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك، فقال رسول الله ﷺ: \"فلعلَّ الله اطَّلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم إني بما تعملون بصير\" ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم فأرسل، رسول الله ﷺ إلى حاطب فقال: \"يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟ \" فقال: يا رسول الله إني كنت امرأً ملصقًا في قريش، وكان لي بها مال وأهل ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله وماله، فكتبت بذلك إليهم والله يا رسول الله إني لمؤمن بالله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: \"صدق حاطب فلا تقولوا لحاطب إلا خيرًا\" قال حبيب بن أبي ثابت: فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (^٢). الآية وهكذا رواه ابن جرير، عن ابن حميد، عن مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان بإسناده مثله (^٣).\nوقد ذكر ذلك أصحاب المغازي والسير فقال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قال: لما أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر في السير إليهم ثم أعطاه امرأة، زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم غيره أنها سارة مولاة لبني عبد المطلب وجعل لها جعلًا على أن تبلغه لقريش، فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فقال: \"أدركا امرأة قد كتب معها حاطب كتابًا إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم\".\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: صحف إلى: \"الهجاني\".\n(^٢) سنده ضعيف لضعف الحارث وهو الأعور الكوفي كما في التقريب، ولبعضه شواهد تقدمت في الصحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري عن ابن حميد به، وسنده كسابقه.","vol":"7","page":242},{"text":"فخرجا حتى أدركاها بالحليفة، حليفة بني أبي أحمد، فاستنزلاها بالحليفة فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئًا، فقال لها علي بن أبي طالب: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله وما كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك. فلما رأت الجدَّ منه قالت: أعرض، فأعرض فحلَّت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليه، فأتى به رسول الله ﷺ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا فقال: \"يا حاطب ما حملك على هذا؟ \" فقال: يا رسول الله أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله ما غيرت ولا بدلت ولكني كنت امرأً ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله ﷺ: \"وما يدريك يا عمر؟ لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\" فأنزل الله ﷿ في حاطب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (^١) إلى آخر القصة، وروى معمر، عن الزهري، عن عروة نحو ذلك (^٢)، وهكذا ذكر مقاتل بن حيان أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة أنه بعث سارة مولاة بني هاشم، وأنه أعطاها عشرة دراهم، وأن رسول الله ﷺ بعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ فأدركاها بالجحفة وذكر تمام القصة كنحو ما تقدم (^٣).\nوعن السدي قريبًا منه، وهكذا قال العوفي، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة (^٤).\nفقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني: المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [المائدة] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ [النساء] وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ولهذا قبل رسول الله ﷺ عذر حاطب، لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد.\nويذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به وذكره ابن هشام. (السيرة النبوية ٤/ ٨٥٨) وسنده مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق معمر به، وهو مرسل أيضًا.\n(^٣) سنده معضل.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما سبق، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه، وسنده مرسل ويتقوى بما سبق.","vol":"7","page":243},{"text":"قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن خراش سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله ﷺ أمثالًا واحدًا وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة وأحد عشر، قال: فضرب لنا منها مثلًا وترك سائرها قال: \"إن قومًا كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداء فأظهر الله أهل الضعف عليهم فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه\" (^١).\nوقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي: لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم بالله رب العالمين كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج] وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠].\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ أي: إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم، فلا توالوا أعدائي وأعداءكم وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حنقًا عليكم وسخطًا لدينكم.\nوقوله تعالى: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أي: تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾\n\n<span id=\"aya-5152\"></span>﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ أي: لو قدروا عليكم لما اتقوا فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعال ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: ويحرصون على أن لا تنالوا خيرًا فهم عداوتهم لكم كامنة وظاهرة فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عداوتهم أيضًا.\n\n<span id=\"aya-5153\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾ أي: قراباتكم لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءًا، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر وضلَّ عمله، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد، ولو كان قريبًا إلى نبي من الأنبياء.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: \"في النار\"، فلما قفى دعاه فقال: \"إن أبي وأباك في النار\" (^٢). ورواه مسلم وأبو داود من حديث حماد بن سلمة به (^٣).\n\n<span id=\"aya-5154\"></span>﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾.\nيقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٤٤٨ ح ٢٣٤٦٣) وضعف سنده محققوه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٦٨) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار (ح ٣٤٧).","vol":"7","page":244},{"text":"منهم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: وأتباعه الذين آمنوا معه ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ أي: تبرأنا منكم ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: بدينكم وطريقكم ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ يعني: وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم، ما دمتم على كفركم فنحن أبدًا نتبرأ منكم ونبغضكم ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ أي: إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ أي: لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسون بها إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبيَّن له أنه عدو لله تبرأ منه، وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم ويقولون: إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه، فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة].\nوقال تعالى في هذه الآية: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ليس لكم في ذلك أسوة؛ أي: في الاستغفار للمشركين، هكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان والضحاك وغير واحد (^١).\nثم قال تعالى مخبرًا عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرءوا منهم، فلجأوا إلى الله وتضرعوا إليه فقالوا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: توكلنا عليك في جميع الأمور وسلمنا أمورنا إليك وفوضناها إليك وإليك المصير؛ أي: المعاد في الدار الآخرة\n\n<span id=\"aya-5155\"></span>﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\nقال مجاهد: معناه: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم (^٢) هذا، وكذا قال الضحاك.\nوقال قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتنونا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه (^٣)، واختاره ابن جرير.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تسلطهم علينا فيفتنونا (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: واستر ذنوبنا عن غيرك واعف عنها فيما بيننا وبينك ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ أي: الذي لا يضام من لاذ بجنابك ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقوالك\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه آدم والطبري كسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة، عن ابن عباس.","vol":"7","page":245},{"text":"وأفعالك وشرعك وقدرك\n\n<span id=\"aya-5156\"></span>ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ وهذا تأكيد لما تقدم ومستثنى منه ما تقدم أيضًا لأن هذه الأسوة المثبتة ههنا هي الأول بعينها.\nوقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ تهييج إلى ذلك لكل مُقر بالله والمعاد، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: عما أمر الله به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨].\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الغني الذي قد كمل في غناه وهو الله، هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار الحميد المستحمد إلى خلقه؛ أي: هو المحمود في جميع أقواله وأفعاله لا إله غيره ولا ربَّ سواه.\n\n<span id=\"aya-5157\"></span>﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾.\nيقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ أي: محبة بعد البغضة، ومودَّة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ أي: على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة والمتباينة والمختلفة، فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقساوة فتصبح مجتمعة متفقة، كما قال تعالى ممتنًا على الأنصار: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣] وكذا قال لهم النبي ﷺ: \"ألم أجدكم ضُلّالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ \" (^١) وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾ [الأنفال] وفي الحديث: \"أَحبب حبيبك هونًا ما، فعسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما فعسى أن يكون حبيبك يومًا ما\" (^٢).\nوقال الشاعر (^٣):\nوقد يجمع الله الشتيتين بعدما … يظنان كلَّ الظنِّ أن لا تلاقيا\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في سورة التوبة آية ٧٤.\n(^٢) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ ثم قال: حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث عن أيوب بإسناد غير هذا، رواه الحسن بن أبي جعفر بإسناده عن علي عن النبي ﷺ، والصحيح عن علي موقوف قوله. (السنن، البر، باب ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض ح ١٩٩٨).\n(^٣) هو قيس بن الملّوح كما في ديوانه ص ٣١٥.","vol":"7","page":246},{"text":"وأسلموا له، وهو الغفور الرحيم بكل من تاب إليه من أي ذنب كان.\nوقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية نزلت في أبي سفيان صخر بن حرب، فإن رسول الله ﷺ تزوج ابنته، فكانت هذه موَدَّة ما بينه وبينه، وفي هذا الذي قاله مقاتل نظر، فإن رسول الله ﷺ تزوج بأُم حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وأبو سفيان إنما أسلم ليلة الفتح بلا خلاف (^١)، وأحسن من هذا ما رواه ابن أبي حاتم حيث قال: قرى على محمد بن عزيز، حدثني سلامة، حدثني عقيل، حدثني ابن شهاب أن رسول الله ﷺ استعمل أبا سفيان صخر بن حرب على بعض اليمن، فلما قُبض رسول الله ﷺ أقبل فلقي ذا الخمار مرتدًا فقاتله، فكان أول من قاتل في الرِدَّة وجاهد عن الدين، قال ابن شهاب: وهو ممن أنزل الله فيه ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ (^٢) الآية.\nوفي صحيح مسلم، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن قال: \"نعم\" قال: تأمرني أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: \"نعم\" قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: \"نعم\" قال: وعندي أحسن العرب وأجمله أُم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها (^٣) الحديث، وقد تقدم الكلام عليه.\n\n<span id=\"aya-5158\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: يعاونوا على إخراجكم؛ أي: لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة منهم ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ أي: تحسنوا إليهم ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي: تعدلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت أُمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أُمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: \"نعم صلي أمك\" (^٤). أخرجاه (^٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا ضِبَاب وقرظ (^٦) وسمن وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها. فسألت عائشة النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إلى آخر الآية. فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها (^٧).\nوهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث مصعب بن ثابت به (^٨)، وفي رواية لأحمد\n_________\n(^١) سنده معضل.\n(^٢) سنده مرسل.\n(^٣) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي سفيان بن حرب (ح ٢٥٠١).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد عن سفيان عن هشام به (المسند ٤٤/ ٤٨٢ ح ٢٦٩١٣) وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الشيخان من طريق أبي أسامة عن هشام به. (صحيح البخاري، الهبة، باب الهدية للمشركين ح ٢٦٢٠) وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين (ح ١٠٠٣/ ٥٠).\n(^٦) هو ورق يدبغ به.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وزيادة في بيان نسب قتيلة. (المسند ٢٦/ ٣٧ ح ١٦١١١) وضعف سنده محققوه لضعف مصعب بن ثابت.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق مصعب، وحكمه كسابقه.","vol":"7","page":247},{"text":"ولابن جرير قتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسعد من بني مالك بن حسل (^١)، وزاد ابن أبي حاتم في المدة التي كانت بين قريش ورسول الله ﷺ.\nوقال أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو قتادة العدوي، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وأسماء أنهما قالتا: قدمت علينا أمنا المدينة وهي مشركة في الهدنة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين قريش فقلنا: يا رسول الله إن أُمنا قدمت علينا المدينة وهي راغبة أفنصلها؟ قال: \"نعم فصلاها؟ \" ثم قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن الزهري، عن عروة، عن عائشة إلا من هذا الوجه (^٢).\nقلت: وهو منكر بهذا السياق لأن أُم عائشة هي: أُم رومان وكانت مسلمة مهاجرة وأُم أسماء غيرها كما هو مصرح باسمها في هذه الأحاديث المتقدمة، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ قد تقدم تفسير ذلك في سورة الحجرات وأورد الحديث الصحيح: \"المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما وَلوا\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-5159\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ أي: إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم ينهاكم الله ﷿ عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم، ثم أكَّد الوعيد على موالاتهم فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة].\n\n<span id=\"aya-5160\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾.\nتقدم في سورة الفتح في ذكر صلح الحديبية الذي وقع بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش فكان فيه: على أن لا يأتيك مِنَّا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وفي رواية: على أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وهذا قول عروة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد والزهري ومقاتل بن حيان والسدي (^٤)، فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة،\n_________\n(^١) المصدر قبل السابق.\n(^٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن حجر ونقل عن الهيثمي قوله: حديث أسماء في الصحيح، وأُم عائشة غير أُم أسماء. (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٢٤١ ح ١٧٨٤).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحجرات آية ٩.\n(^٤) أخرجه الطبري والبيهقي (السنن الكبرى ٩/ ٢٢٨) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير، =","vol":"7","page":248},{"text":"وهذا من أحسن أمثلة ذلك وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإن الله ﷿ أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن علموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن، وقد ذكرنا في ترجمة عبد الله بن أبي أحمد بن جحش من المسند الكبير من طريق أبي بكر بن أبي عاصم، عن محمد بن يحيى الذهلي، عن يعقوب بن محمد، عن عبد العزيز بن عمران، عن مجمع بن يعقوب، عن حنين بن أبي لبانة، عن عبد الله بن أبي أحمد قال: هاجرت أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيط في الهجرة فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله ﷺ، فكلماه فيها أن يردَّها إليهما فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، فمنعهم أن يردُّوهن إلى المشركين وأنزل الله آيات الامتحان (^١).\nقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نصر الأسدي قال: سئل ابن عباس كيف كان امتحان رسول الله ﷺ النساء؟ قال: كان يمتحنهن بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبًا لله ولرسوله، ثم رواه من وجه آخر عن الأغر بن الصباح به (^٢)، وكذا رواه البزار من طريقه وذكر فيه أن الذي كان يحلفهن عن أمر رسول الله ﷺ له عمر بن الخطاب.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ وكان امتحانهن أن يشهدنَّ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله (^٣).\nوقال مجاهد: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ فاسألوهن عما جاء بهن، فإذا كان جاء بهن غضب على أزواجهن أو سخطة أو غيره ولم يؤمن فارجعوهن إلى أزواجهن (^٤).\nوقال عكرمة: يقال لها: ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، وما جاء بك عشق رجل منا ولا فرار من زوجك فذلك قوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (^٥).\nوقال قتادة: كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجكن النشوز وما أخرجكن إلا حب الإسلام وأهله وحرص عليه، فإذا قلن ذلك قبل ذلك منهن (^٦).\n_________\n= وهو مرسل وأخرجه ابن سعد من قول الزهري. (الطبقات الكبرى ٨/ ٢٣١)، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحوه، وهذه الروايات يقوي بعضها بعضًا.\n(^١) ذكره الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد ٧/ ٢٤٣، وأخرجه ابن الأثير من طريق أبي بكر بن أبي عاصم به (أسد الغابة ٣/ ٦٧) وسنده ضعيف لضعف عبد العزيز بن عمران. (التقريب ص ٣٥٨).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنديهما ومتنه، وسنده ضعيف لأن أبا نصر الأسدي: مجهول (التقريب ص ٦٧٨). وهو لم يسمع من ابن عباس، فقد أخرجه البزار من الطريق نفسه، وصرح الحافظ ابن حجر بالانقطاع. (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ١١٢ ح ١٥١٧).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":249},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ فيه دلالة على أن الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقينًا.\nوقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين وقد كان جائزًا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوج ابنة النبي ﷺ زينب ﵂، قد كانت مسلمة وهو على دين قومه، فلما وقع في الأسارى يوم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة فلما رآها رسول الله ﷺ رقَّ لها رقة شديدة وقال للمسلمين: \"إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا\" ففعلوا فأطلقه رسول الله ﷺ على أن يبعث ابنته إليه، فوفَّى له بذلك وصدقه فيما وعده وبعثها إلى رسول الله ﷺ مع زيد بن حارثة ﵁ (^١)، فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر. وكانت سنة اثنتين إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان فردَّها عليه بالنكاح الأول، ولم يحدث لها صداقًا.\nكما قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ردَّ ابنته زينب على أبي العاص، وكانت هجرتها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول ولم يحدث شهادة ولا صداقًا (^٢). ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. ومنهم من يقول بعد سنتين، وهو صحيح؛ لأن إسلامه كان بعد تحريم المسلمات على المشركين بسنتين وقال الترمذي: ليس بإسناده بأس ولا نعرف وجه هذا الحديث ولعله جاء من حفظ داود بن الحصين، وسمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن هارون يذكر عن ابن إسحاق هذا الحديث وحديث ابن الحجاج يعني ابن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ ردّ ابنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد، فقال يزيد: حديث ابن عباس أجود إسنادًا والعمل على حديث عمرو بن شعيب (^٣)، ثم قلت: وقد روى حديث الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وضعفه الإمام أحمد وغير واحد (^٤)، والله أعلم.\nوأجاب الجمهور عن حديث ابن عباس بأن ذلك كان قضية عين، يحتمل أنه لم تنقض عدتها منه لأن الذي عليه الأكثرون أنها متى انقضت العدة ولم يسلم انفسخ نكاحها منه.\nوقال آخرون: بل إذا انقضت العدة هي بالخيار، إن شائت أقامت على النكاح واستمرت، وإن شاءت فسخته وذهبت فتزوجت وحملوا عليه حديث ابن عباس، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٦/ ٢٧٦) وأبو داود من حديث عائشة ﵂ (السنن، الجهاد، باب في فداء الأسير بالمال ح ٢٦٩٢). وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٤١).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٩٥ ح ٢٣٦٦) وحسن سنده محققوه.\n(^٣) سنن أبي داود، الطلاق، باب إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها (ح ٢٢٤٠) وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما (ح ١١٤٣، ١١٤٤) وسنن ابن ماجه، النكاح، باب الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر (ح ٢٠٠٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٣٥).\n(^٤) (المسند ٢/ ٢٠٧)، وسنن الترمذي (ح ١١٤٤)، وسنن ابن ماجه (ح ٢٠١٠).","vol":"7","page":250},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ يعني: أزواج المهاجرات من المشركين ادفعوا إليهم الذي غرموه عليهن من الأصدقة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والزهري وغير واحد.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يعني: إذا أعطيتموهن أصدقتهن فانكحوهن؛ أي: تزوجوهن بشرطه من انقضاء العدة والولي وغير ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ تحريم من الله ﷿ على عباده المؤمنين نكاح المشركات والاستمرار معهن.\nوفي الصحيح عن الزهري، عن عروة، عن المسور ومروان بن الحكم أن رسول الله ﷺ لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية، جاءه نساء من المؤمنات فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلَّق عمر بن الخطاب يومئذٍ امرأتين تزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أُمية (^١).\nوقال ابن ثور: عن معمر، عن الزهري: أُنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو بأسفل الحديبية حين صالحهم، على أنه من أتاه منهم ردَّه إليهم، فلما جاء النساء نزلت هذه الآية وأمره أن يردَّ الصداق إلى أزواجهن، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يردوا الصداق إلى أزواجهن وقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (^٢).\nوهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال: وإنما حكم الله بينهم بذلك لأجل ما كان بينهم وبينهم من العهد (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق، عن الزهري: طلَّق عمر يومئذٍ قريبة بنت أبي أُمية بن المغيرة. فتزوجها معاوية وأُم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية، وهي أُم عبيد الله فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم رجل من قومه وهما على شركهما، وطلَّق طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فتزوجها بعده خالد بن سعيد بن العاص (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ أي: وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللاتي يذهبن إلى الكفار إن ذهبن وليطالبوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أي: في الصلح واستثناء النساء منه والأمر بهذا كله هو حكم الله يحكم به بين خلقه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بما يصلح عباده حكيم في ذلك.\n\n<span id=\"aya-5161\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ قال مجاهد وقتادة: هذا في الكفار الذين ليس لهم عهد إذا فَرَّت إليهم امرأة، ولم يدفعوا إلى زوجها شيئًا، فإذا جاءت منهم امرأة لا يدفع إلى زوجها شيء حتى يدفع إلى زوج الذاهبة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من طريق معمر عن الزهري مطولًا. (الصحيح، الشروط، باب الشروط في الجهاد ح ٢٧٣١، ٢٧٣٢).\n(^٢) أخرجه الطبري عن ابن عبد الأعلى عن ابن ثور به، ورجاله ثقات لكنه مرسل. ويتقوى بما سبق.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات، لكنه معضل ويتقوى بما سبق.\n(^٤) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٣/ ٧٩٠) وسنده مرسل.","vol":"7","page":251},{"text":"إليهم مثل نفقته عليها (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهري قال: أقرَّ المؤمنون بحكم الله فأدوا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، وأبى المشركون أن يقرُّوا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين (^٢)، فقال الله تعالى للمؤمنين به ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾.\nفلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين، ردَّ المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العقب الذي بأيديهم الذي أُمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم، التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمنَّ وهاجرنَّ، ثم ردُّوا إلى المشركين فضلًا إن كان بقي لهم، والعقب ما كان بقي من صداق نساء الكفار حين آمن وهاجرن.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية؛ يعني: إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار أمر له رسول الله ﷺ أنه يعطي مثل ما أنفق من الغنيمة (^٣)، وهكذا قال مجاهد (^٤): ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ أصبتم غنيمة من قريش أو غيرهم ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ يعني: مهر مثلها. وهكذا قال مسروق وإبراهيم وقتادة ومقاتل والضحاك وسفيان بن حسين والزهري أيضًا (^٥). وهذا لا ينافي الأول لأنه إن أمكن الأول فهو الأولى وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار، وهذا أوسع وهو اختيار ابن جرير، ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-5162\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾.\nقال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه قال: أخبرني عروة أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال عروة: قالت عائشة فمن أقرَّ بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله: \"قد بايعتكِ\" كلامًا ولا واللهِ ما مسَّت يده يد امرأة في المبايعة قط، وما يبايعهن إلا بقوله: \"قد بايعتك على ذلك\" (^٦). هذا لفظ البخاري.\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق مسلم بن صبيح عن مسروق. (المصنف ٣/ ٤٣٢) وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] ح ٤٨٩١).","vol":"7","page":252},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رُقيقة قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئًا، الآية وقال: \"فيما استطعتن وأطقتن\" قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال: \"إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة\" (^١). هذا إسناد صحيح. وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة (^٢)، والنسائي أيضًا من حديث الثوري ومالك بن أنس، كلهم عن محمد بن المنكدر عن أميمة به، وقال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر، وقد رواه أحمد أيضًا من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن أُميمة به وزاد: ولم يصافح منا امرأة (^٣)، وكذا رواه ابن جرير من طريق موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر به (^٤).\nورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر الرازي، عن محمد بن المنكدر، حدثتني أُميمة بنت رقيقة وكانت أخت خديجة خالة فاطمة من فِيها إلى فيَّ فذكره (^٥) (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني سليط بن أيوب بن الحكم بن سليم، عن أُمه سلمى بنت قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ وقد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار قالت: جئت رسول الله ﷺ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا ألا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف قال: \"ولا تغششن أزواجكن\" قالت: فبايعناه ثم انصرفنا فقلت لامرأة منهن ارجعي فسلي رسول الله ﷺ ما غشَّ أزواجنا؟ قالت: فسألته فقال: \"تأخذ ماله فتحابي به غيره\" (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، حدثني أبي، عن أُمه عائشة بنت قُدامة يعني: ابن مظعون قالت: أنا مع أُمي رائطة ابنة سفيان الخزاعية والنبي ﷺ يبايع النسوة ويقول: \"أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئًا ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصينني في معروف - قلن: نعم - فيما استطعتن\" فكنَّ يقلن وأقول معهن وأُمي تقول لي: أي بنية: نعم، فكنت أقول كما يقلن (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٥٧) وصحح سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) سنن الترمذي، السير، باب ما جاء في بيعة النساء (ح ١٥٩٧) وسنن النسائي، البيعة، باب بيعة النساء ٧/ ١٤٩ وسنن ابن ماجه، الجهاد، باب بيعة النساء (ح ٢٨٧٤) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٣٠٠) وصحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٣٢٣).\n(^٣) (المسند ٦/ ٣٥٧).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق موسى بن عقبة به.\n(^٥) قوله: من فيها إلى فيَّ، اصطلاح يدل على ضبط السماع ثم ضبط الأداء.\n(^٦) سنده ضعيف لأن أبا جعفر الرازي صدوق سيء الحفظ.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٤٥/ ١٠٣ - ١٠٤ ح ٢٧١٣٣)، وضعف سنده محققوه.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٦/ ٦١٨ ح ٢٧٠٦٢) وقال محققوه: صحيح لغيره. اهـ. والأضبط أن يقال: حسن لغيره. لأن سنده ضعيف كما ذكروه، وبالشواهد والطرق يرقى إلى الحسن لغيره.","vol":"7","page":253},{"text":"وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا ﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة يدها قالت: أسعدتني فلانة فأريد أن أجزيها، فما قال لها رسول الله ﷺ شيئًا، فانطلقت ورجعت فبايعها (^١)، ورواه مسلم (^٢).\nوفي رواية: فما وفَّى منهن امرأة غيرها وغير أُم سليم ابنة ملحان، وللبخاري عن أُم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة أن لا ننوح، فما وفَّت منا امرأة غير خمسة نسوة. أُم سليم وأُم العلاء وابنة أبي سبرة امرأة معاذ وامرأتان أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ وامرأة أخرى، وقد كان رسول الله ﷺ يتعاهد النساء بهذه البيعة يوم العيد، كما قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن جريج أن الحسن بن مسلم أخبره عن طاوس، عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله ﷺ فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: \"أنتنَّ على ذلك؟ \" (^٣) فقالت امرأة واحدة ولم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله، لا يدري الحسن من هي، قال: فتصدقن، قال: وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتح والخواتيم في ثوب بلال (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن سليمان بن سليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاءت أُميمة بنت رقيقة إلى رسول الله تبايعه على الإسلام فقال: \"أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئًا ولا تسرقي ولا ترقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عُبادة بن الصامت قال: كنا عند رسول الله ﷺ في مجلس فقال: تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم - قرأ الآية التي أخذت على النساء: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه (^٦). أخرجاه في الصحيحين (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ [الممتحنة: ١٢] ح ٤٨٩٢).\n(^٢) صحيح مسلم، الجنائز، باب التشديد في النياحة (ح ٩٣٦).\n(^٣) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما ينهى من النوح والبكاء (ح ١٣٠٦).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ ح ٤٨٩٥).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٤٣٧ ح ٦٨٥٠) وحسن سنده محققوه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند/ ٣٥١، ٣٥٢ ح ٢٢٦٧٨) وصحح سنده محققوه.\n(^٧) أخرجه الشيخان من طريق الزهري به (صحيح البخاري، الإيمان باب رقم ١١ ح ١٨) وصحيح مسلم، الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها (ح ١٧٠٩).","vol":"7","page":254},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، عن عبادة بن الصامت قال: كنتُ فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلًا فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، وقال: \"فإن وفيتم فلكم الجنة\" (^١) رواه ابن أبي حاتم.\nوقد روى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب فقال: \"قل لهنَّ إن رسول الله ﷺ يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئًا\" وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة متنكرة في النساء فقالت: إني إن أتكلم يعرفني وإن عرفني قتلني، وإنما تنكرت فَرَقًا (^٢) من رسول الله ﷺ، فسكت النسوة اللاتي مع هند وأبين أن يتكلمن فقالت هند وهي متنكرة: كيف تقبل من النساء شيئًا لم تقبله من الرجال؟\nففطن إليها رسول الله ﷺ وقال لعمر: \"قل لهنَّ ولا يسرقن\" قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهنات ما أدري أيحلهنَّ لي أم لا؟ قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي فهو لك حلال، فضحك رسول الله ﷺ وعرفها فدعاها، فأخذت بيده فعاذت به فقال: \"أنت هندِ؟ \" قالت: عفا الله عما سلف، فصرف عنها رسول الله ﷺ فقال: \"ولا يزنين\" فقالت: يا رسول الله، وهل تزني امرأة حرة؟ قال: \"لا والله ما تزني الحرة، قال: ولا يقتلن أولادهن\" قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر فأنت وهم أبصر، قال: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه ويقطعن الشعور، ويدعون بالويل والثبور (^٣). وهذا أثر غريب وفي بعضه نكارة والله أعلم، فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله يخيفهما بل أظهرا الصفاء والودَّ له، وكذلك كان الأمر من جانبه ﵇ لهما.\nوقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الفتح، بايع رسول الله ﷺ الرجال على الصفا، وعمر بايع النساء تحتها عن رسول الله ﷺ فذكر بقيته كما تقدم وزاد: فلما قال: ولا تقتلن أولادكن. قالت هند: ربيناهم صغارًا فقتلتموهم كبارًا، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. رواه ابن أبي حاتم (^٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثتني غبطة بنت سليمان، حدثتني عمتي، عن جدتها، عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله ﷺ لتبايعه فنظر إلى يدها فقال: \"اذهبي فغيري يدك\" فذهبت فغيرتها بحناء ثم جاءت فقال: \"أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئًا\" فبايعته وفي يدها سواران من ذهب، فقالت: ما تقول في هذين السوارين؟ فقال: \"جمرتان من نار جهنم\" (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن هشام (السيرة ٢/ ٢٩٥) ويتقوى بما سبق.\n(^٢) أي: خوفًا.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به.\n(^٤) سنده ضعيف لإعضاله.\n(^٥) أخرجه أبو يعلى من طريق نصر بن علي به (المسند ٨/ ١٩٤ ح ٤٧٥٤) قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهن. =","vol":"7","page":255},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن عامر هو: الشعبي قال: بايع رسول الله ﷺ النساء وفي يده ثوب قد وضعه على كفه ثم قال: \"ولا تقتلن أولادكن\" فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصينا بأولادهم؟ قال، وكان بعد ذلك إذا جاء النساء يبايعنه جمعهنَّ فعرض عليهنَّ، فإذا أقررنَّ رجعنَّ (^١)، فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ أي: من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعها ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصرًا في نفقتها فلها أن تأكل من ماله بالمعروف ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان من غير علمه عملًا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل عليَّ جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك\" أخرجاه في الصحيحين (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء] وفي حديث سَمُرة: ذكر عقوبة الزناة بالعذاب الأليم في نار الجحيم (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول الله ﷺ فأخذ عليها ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ الآية، قال: فوضعت يدها على رأسها حياء فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقري أيتها المرأة فوالله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: فنعم إذًا، فبايعها بالآية (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا بن فضيل، عن حصين، عن عامر هو: الشعبي قال: بايع رسول الله ﷺ النساء وعلى يده ثوب قد وضعه على كفه ثم قال: \"ولا تقتلن أولادكن\" فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصي بأولادهم؟ قال: وكان بعد ذلك إذا جاءت النساء يبايعنه جمعهنَّ فعرض عليهنَّ، فإذا أقررنَّ رجعنَّ (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ وهذا يشمل قتله بعد وجوده كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق ويعمّ قتله وهو جنين، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء تطرح نفسها لئلا تحبل إما لغرض فاسد أو ما أشبهه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: يعني لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم (^٦). وكذا قال مقاتل. ويؤيد هذا الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا\n_________\n= (مجمع الزوائد ٦/ ٤٠) وأخرجه أبو داود من طريق غبطه به مختصرًا (السنن، كتاب الترجل، ح ٤١٦٥) وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٨٩٤).\n(^١) سنده ضعيف لإرساله.\n(^٢) صحيح البخاري، البيوع، باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم (ح ٢٢١١) وصحيح مسلم، الأقضية، باب قضية هند (ح ١٧١٤).\n(^٣) أخرجه البخاري مطولًا. (الصحيح، التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح ح ٧٠٤٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٥١). وسنده صحيح.\n(^٥) سنده ضعيف لإرساله.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"7","page":256},{"text":"أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب. حدثنا عمرو يعني: ابن الحارث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن يونس، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلت آية الملاعنة: \"أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله الجنة، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين\" (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ يعني فيما أمرتهن به من معروف ونهيتهن عنه من منكر.\nقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي قال: سمعت الزبير، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء (^٢).\nوقال ميمون بن مهران: لم يجعل الله طاعة لنبيه إلا في المعروف والمعروف طاعة.\nوقال ابن زيد: أمر الله بطاعة رسوله وهو خيرة الله من خلقه في المعروف (^٣).\nوقد قال غيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وسالم بن أبي الجعد وأبي صالح وغير واحد: نهاهن يومئذٍ عن النوح (^٤)، وقد تقدم حديث أم عطية في ذلك أيضًا.\nوقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة في هذه الآية ذكر لنا أن النبي ﷺ أخذ عليهن النياحة ولا تحدثن الرجال إلا رجلًا منكن محرمًا، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله إن لنا أضيافًا وإنا نغيب عن نسائنا فقال رسول الله ﷺ: \"ليس أولئك عنيت، ليس أولئك عنيت\" (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء، أخبرنا ابن أبي زائدة، حدثني مبارك، عن الحسن قال: كان فيما أخذ النبي ﷺ ألا تحدثن الرجال إلا أن تكون ذات محرم، فإن الرجل لا يزال يحدث المرأة حتى يمذي بين فخذيه (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون، عن عمرو، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن أُم عطية الأنصارية قالت: كان فيما اشترط علينا رسول الله من المعروف حين بايعناه أن لا ننوح، فقالت امرأة من بني فلان: إن بني فلان أسعدوني فلا حتى أجزيهم، فانطلقت فأسعدتهم ثم جاءت فبايعت، قالت: فما وفى منهن غيرها وغير أُم سليم ابنة ملحان أُم أنس بن مالك (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، الطلاق، باب التغليظ في الانتفاء ح ٢٢٦٣) وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٤٩٧).\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] ح ٤٨٩٣).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن سالم بن أبي الجعد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل، لأن قتادة لم يسمع من عبد الرحمن بن عوف.\n(^٦) سنده حسن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق هشام وحبيب عن ابن سيرين به (المسند ٤٥/ ٢٨٧ ح ٢٧٣٠٨) وصحح سنده محققوه.","vol":"7","page":257},{"text":"وقد روى البخاري هذا الحديث من طريق حفصة بنت سيرين، عن أُم عطية نسيبة الأنصارية ﵂ (^١). وقد روي نحوه من وجه آخر أيضًا قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن فروخ القتاب، حدثني مصعب بن نوح الأنصاري قال: أدركت عجوزًا لنا كانت فيمن بايع رسول الله ﷺ، قالت: فأتيته لأبايعه فأخذ علينا فيما أخذ أن لا تنحن، فقالت عجوز: يا رسول الله إن أناسًا قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني، وإنهم قد أصابتهم مصيبة فأنا أريد أسعدهم قال: \"فانطلقي فكافئيهم\" فانطلقت فكافأتهم ثم إنها أتته فبايعته، وقال: هو المعروف الذي قال الله ﷿: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا القعنبي، حدثنا الحجاج بن صفوان، عن أُسيد بن أبي أسيد البراد، عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ: أن لا نعصيه في معروف أن لا نخمش وجهًا، ولا ننشر شعرًا، ولا نشق جيبًا، ولا ندعوا ويلًا (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن يزيد مولى الصهباء، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، عن رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: النوح (^٤)، ورواه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، عن أبي نعيم، وابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع كلاهما، عن يزيد بن عبد الله الشيباني مولى الصهباء به وقال الترمذي: حسن غريب (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن سنان القزاز، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إسحاق بن عثمان أبو يعقوب، حدثني إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أُم عطية قالت: لما قدم رسول الله ﷺ جمع نساء الأنصار في بيت ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب ﵁، فقام على الباب وسلم علينا فرددن أو فرددنا عليه¬ السلام، ثم قال: أنا رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكن قالت فقلنا: مرحبًا برسول الله وبرسول رسول الله، فقال: تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئًا ولا تسرقن ولا تزنين، قالت: فقلنا نعم، قالت فمدَّ يده من خارج الباب أو البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ثم قال: اللَّهم اشهد، قالت: وأمرنا في العيدين أن نخرج فيه الحُيَّض والعواتق ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنائز قال إسماعيل: فسألت جدتي عن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قالت: النياحة (^٦).\n_________\n(^١) تقدم في تفسير هذه الآية من رواية الشيخين.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة مصعب بن نوح الأنصاري. (الجرح والتعديل ٨/ ٣٠٧).\n(^٣) سنده ضعيف لأن أُسيد بن أبي أُسيد لم يسمع من الصحابية.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف شهر.\n(^٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الممتحنة (ح ٣٣٠٤) وسنن ابن ماجه، الجنائز، باب النهي عن النياحة (ح ١٥٧٩). وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٢٨٣).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية: مقبول (التقريب ص ١٠٨) ومحمد بن سنان القزاز: ضعيف. (التقريب ص ٤٨٢).","vol":"7","page":258},{"text":"وفي الصحيحين من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس منا من ضرب الخدود وشقَّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية\" (^١).\nوفي الصحيحين أيضًا عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة (^٢) (^٣).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا يحيى بن أبي كثير أن زيدًا حدثه أن أبا سلام حدثه أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله ﷺ قال: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب\" (^٤). ورواه مسلم في صحيحه منفردًا به من حديث أبان بن يزيد العطار به (^٥).\nوعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ لعن النائحة والمستمعة، رواه أبو داود (^٦).\n\n<span id=\"aya-5163\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾.\nينهى ﵎ عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة كما نهى عنها في أولها فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: اليهود والنصارى وسائر الكفار ممن غضب الله عليه ولعنه واستحق من الله الطرد والإبعاد، فكيف توالونهم وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء وقد قيسوا من الآخرة؛ أي: من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله ﷿؟\nوقوله تعالى: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: كما يئس الكفار الأحياء من قراباتهم الذين في القبور أن يجتمعوا بهم بعد ذلك لأنهم لا يعتقدون بعثًا ولا نشورًا، فقد انقطع رجاؤهم منهم فيما يعتقدونه.\nقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخر السورة يعني من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم أو يبعثهم الله ﷿ (^٧).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الجنائز، باب ليس منا من ضرب الخدود (ح ١٢٩٧) وصحيح مسلم، الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود (ح ١٦٥).\n(^٢) الصالقة هي: التي ترفع صوتها، والحالقة: التي تحلق شعرها، والشاقة: التي تشق الجيوب.\n(^٣) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما ينهى عن الحلق عند المصيبة (ح ١٢٩٦) وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٦٧).\n(^٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٤٨ ح ١٥٧٧) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح مسلم، الجنائز، باب التشديد في النياحة (ح ٩٣٤).\n(^٦) أخرجه أبو داود من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد (السنن، الجنائز، باب في النوح ح ٣١٢٨)، وسنده ضعيف لضعف عطية.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.","vol":"7","page":259},{"text":"وقال الحسن البصري: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ قال: الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات (^١).\nوقال قتادة: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا (^٢). وكذا قال الضحاك (^٣)، رواهن ابن جرير.\nوالقول الثاني: معناه: كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير، قال الأعمش: عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ قال: كما يئس هذا الكافر إذا مات وعاين ثوابه واطلع عليه (^٤)، وهذا قول مجاهد وعكرمة ومقاتل وابن زيد والكلبي ومنصور (^٥)، وهو اختيار ابن جرير ﵀.\nآخر تفسير سورة الممتحنة، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور بن زاذان عن الحسن.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه، ويتقوى بما سبق.\n(^٤) سنده صحيح.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الحكم عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق سماك عن عكرمة (المصنف ١٣/ ٥٧١) وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.","vol":"7","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-184>سُورَةُ الصَّفِ</span>\nوهي مدنية\nقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، وعن عطاء بن يسار، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام قال: تذاكرنا أيكم يأتي رسول الله ﷺ، فيسأله أي الأعمال أحبّ إلى الله؟ فلم يقم أحد منا، فأرسل رسول الله ﷺ إلينا رجلًا، فجمعنا، فقرأ علينا هذه السورة يعني: سورة الصف كلها (^١). هكذا رواه الإمام أحمد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مَزْيد البيروتي قراءة، قال أخبرني أبي، سمعت الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني عبد الله بن سلام أن أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لو أرسلنا إلى رسول الله نسأله عن أحبِّ الأعمال إلى الله ﷿، فلم يذهب إليه أحد منا وهبنا أن نسأله عن ذلك، قال: فدعا رسول الله ﷺ أولئك النفر رجلًا رجلًا حتى جمعهم، ونزلت فيهم هذه السورة ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ الصف. قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ كلَّها.\nقال أبو سلمة: وقرأها علينا عبد الله بن سلام كلها.\nقال يحيى بن أبي كثير: وقرأها علينا أبو سلمة كلها. قال الأوزاعي: وقرأها علينا يحيى بن أبي كثير كلها، قال أبي وقرأها علينا الأوزاعي كلها، وقد رواه الترمذي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحبّ إلى الله ﷿ لعملناه، فأنزل الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ. قال أبو سلمة: فقرأها علينا ابن سلام، قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة، قال ابن كثير: فقرأها علينا الأوزاعي، قال عبد الله: فقرأها علينا ابن كثير (^٢). ثم قال الترمذي، وقد خولف محمد بن كثير في إسناد هذا الحديث عن الأوزاعي، فروى ابن المبارك عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن سلام أو عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/ ٢٠٥ ح ٢٣٧٨٨) وصحح سنده محققوه.\n(^٢) سنده صحيح وأخرجه الإمام أحمد عن يعمر عن عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي به. (المسند ٣٩/ ٢٠٦ ح ٢٣٧٨٩) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الصف (ح ٣٣٠٦) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٣٦).","vol":"7","page":261},{"text":"قلت: وهكذا رواه الإمام أحمد، عن يَعمَر، عن ابن المبارك به (^١)، قال الترمذي وروى الوليد بن مسلم هذا الحديث عن الأوزاعي نحو رواية محمد بن كثير.\nقلت: وكذا رواه الوليد بن يزيد، عن الأوزاعي كما رواه ابن كثير.\nقلتُ: وقد أخبرني بهذا الحديث الشيخ المسند أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحجار قراءة عليه، وأنا أسمع، أخبرنا أبو المُنَّجَا عبد الله بن عمر بن اللتي، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي قال: أخبرنا أبو الحسن بن عبد الرحمن بن المظفر بن محمد بن داود الداودي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، أخبرنا عيسى بن عمران السمرقندي. أخبرنا الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بجميع مسنده، أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي فذكر بإسناده مثله (^٢)، وتسلسل لنا قراءتها إلى شيخنا أبي العباس الحجار ولم يقرأها لأنه كان أُميًا، وضاق الوقت عن تلقينها إياه ولكن أخبرني الحافظ الكبير أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ﵀، أخبرنا القاضي تقي الدين بن سليمان بن الشيخ أبي عمر، أخبرنا أبو المُنَّجَا بن اللَتِّي، فذكره بإسناده وتسلسل لي من طريقه وقرأها عليَّ بكمالها، ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-5164\"></span>﷽\n﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾.\nقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ غير مرة بما أغنى عن إعادته.\n\n<span id=\"aya-5165\"></span>\n\n<span id=\"aya-5166\"></span>\n\n<span id=\"aya-5167\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ إنكار على من يعد وعدًا أو يقول قولًا لا يفي به، ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقًا، سواء ترتب عليه عزم الموعود أم لا، واحتجوا أيضًا من السنة بما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان\" (^٣).\nوفي الحديث الآخر في الصحيح: \"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها\" فذكر منهن إخلاف الوعد (^٤)، وقد استقصينا الكلام\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الرواية قبل السابقة.\n(^٢) أخرجه الدارمي عن محمد بن كثير عن الأوزاعي به. (السنن، الجهاد، باب الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال ٢/ ٢٠٠)، وأخرجه الحاكم من طريق الأوزاعي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٦٩) قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع لنا سماع هذه السورة مسلسلًا في حديث ذكر في أوله سبب نزولها، وإسناده صحيح. (فتح الباري ٨/ ٦٤١).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٧.\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، (صحيح البخاري، الإيمان، باب علامة =","vol":"7","page":262},{"text":"على هذين الحديثين في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة، ولهذا أكَّد الله تعالى هذا الإنكار عليهم بقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾.\nوقد روى الإمام أحمد وأبو داود، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أتانا رسول الله ﷺ وأنا صبي فذهبت لأخرج لألعب فقالت أُمي: يا عبد الله تعالَ أعطك. فقال لها رسول الله ﷺ: \"وما أردت أن تعطيه؟ \" قالت: تمرًا. فقال: \"أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة\" (^١).\nوذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى إلى أنه إذا تعلق بالوعد غرم على الموعود وجب الوفاء به كما لو قال لغيره تزوج ولك علي كل يوم كذا فتزوج وجب عليه أن يعطيه ما دام كذلك؛ لأنه تعلق به حق آدمي وهو مبني على المضايقة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب مطلقًا، وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم فلما فرض نكل عنه بعضهم كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء].\nوقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ الآية [محمد: ٢٠]. وهكذا هذه الآية معناها كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله ﷿: دلَّنا على أحبِّ الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحبَّ الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقرُّوا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشقَّ عليهم أمره فقال الله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ (^٢) وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال مقاتل بن حيان: قال المؤمنون: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملنا به، فدلَّهم الله على أحبِّ الأعمال إليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ فبيَّن لهم فابتلوا يوم أُحد بذلك، فولوا عن النبي ﷺ مدبرين، فأنزل الله في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وقال: أحبكم إلي من قاتل في سبيلي (^٣).\nومنهم من يقول: أنزلت في شأن القتال، يقول الرجل: قاتلت ولم يقاتل، وطعنت ولم يطعن، وضربن ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر (^٤).\nوقال قتادة والضحاك: نزلت توبيخًا لقوم كانوا يقولون قتلنا وضربنا وطعنا وفعلنا، ولم يكونوا\n_________\n= المنافق ح ٣٤، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان خصال المنافق ح ١٠٦).\n(^١) أخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب في التشديد في الكذب ح ٤٩٩١) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٧٦)، وأخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٤/ ٤٧٠ ح ١٥٧٠٢) وقال محققوه: حسن لغيره.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لإعضاله.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، ورجاله ثقات لكنه مرسل.","vol":"7","page":263},{"text":"فعلوا ذلك (^١).\nوقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المسلمين النصر ولا يفون لهم بذلك (^٢).\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ قال: في الجهاد (^٣).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فما بين ذلك في نفر من الأنصار فيهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا بها حتى نموت فأنزل الله تعالى هذا فيهم، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبوح حبيسًا في سبيل الله حتى أموت، فقُتل شهيدًا (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، عن أبيه قال: بعث أبو موسى إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه منهم ثلاثمائة رجل كلهم قد قرأ القرآن، فقال: أنتم قراء أهل البصرة وخيارهم. وقال: كنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيناها غير أني قد حفظت منها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة (^٥)، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ فهذا إخبار من الله تعالى بمحبته عباده المؤمنين إذا صفوا مواجهين لأعداء الله في حومة الوغى، يقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان.\nقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا هشيم، أخبرنا مجالد، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم إذا صفوا للقتال\" (^٦). ورواه ابن ماجه من حديث مجالد، عن أبي الودَّاك جبر بن نوف به (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا الأسود يعني: ابن شيبان، حدثني يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: قال مطرف: كان يبلغني عن أبي ذرٍّ حديث كنت أشتهي لقاءه فلقيته، فقلت: يا أبا ذرّ كان يبلغني عنك حديث فكنت أشتهي لقاءك، فقال: لله أبوك فقد لقيت فهات، فقلت: كان يبلغني عنك أنك تزعم أن رسول الله ﷺ حدثكم أن الله يبغض ثلاثة ويحب ثلاثة، قال: أجل فلا إخالني أكذب على خليلي ﷺ قلت: فمن هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله ﷿؟ فقال: رجل غزا في سبيل الله خرج محتسبًا مجاهدًا فلقي العدو فقتل وأنتم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه، وأخرجه أيضًا بسند ضعيف عن الضحاك فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه.\n(^٣) سنده صحيح.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل.\n(^٥) سنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨/ ٢٨٤ ح ١١٧٦١) وضعف سنده محققوه لضعف مجالد.\n(^٧) سنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح ٢٠٠) وسنده كسابقه.","vol":"7","page":264},{"text":"تجدونه في كتاب الله المنزل ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ (^١). وذكر الحديث هكذا أورد هذا الحديث من هذا الوجه بهذا السياق، وهذا اللفظ واختصره، وقد أخرجه الترمذي والنسائي من حديث شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذرٍّ بأبسط من هذا السياق وأتم (^٢)، وقد أوردناه في موضع آخر ولله الحمد.\nوعن كعب الأحبار أنه قال: يقول الله تعالى لمحمد ﷺ: \"عبدي المتوكل المختار ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطابة، وملكه الشام، وأمته الحمادون يحمدون الله على كل حال، وفي كل منزلة لهم في دوي كدوي النحل في جو السماء بالسحر، يوضون أطرافهم ويأتزرون على أنصافهم صفهم في القتال مثل صفهم في الصلاة\" ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ \"رعاة الشمس يصلون الصلاة حيث أدركتهم لو على ظهر دابة\" (^٣). رواه ابن أبي حاتم.\nوقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ قال: كان رسول الله ﷺ لا يقاتل العدو إلا أن يصافهم (^٤)، وهذا تعليم من الله للمؤمنين. قال: وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ أي: ملتصق بعضه في بعض من الصف في القتال.\nوقال مقاتل بن حيان: ملتصق بعضه إلى بعض (^٥).\nوقال ابن عباس: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ مثبت لا يزول ملصق بعضه ببعض (^٦).\nوقال قتادة: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه؟ فكذلك الله ﷿ لا يحب أن يختلف أمره وإن الله صفَّ المؤمنين في قتالهم، وصفَّهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به (^٧)، أورد ذلك كله ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن يحيى بن جابر الطائي، عن أبي بحرية قال: كانوا يكرهون القتال على الخيل ويستحبون القتال على الأرض لقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ قال: وكان أبو بحرية يقول: إذا رأيتموني ألتفت في الصف فجئوا (^٨) في لحيي (^٩).\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) سنن الترمذي، صفة الجنة، باب ثلاثة يحبهم الله (ح ٥٧٠)، وقال الترمذي: والصحيح ما روي عن شعبة وغيره عن منصور عن ربعي بن خراش عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر عن النبي ﷺ. وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٤٧١).\n(^٣) سنده ضعيف لإرساله ولأوله شواهد تقويه.\n(^٤) سنده ضعيف لإرساله.\n(^٥) معناه صحيح.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) أي: ادفعوا.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي بكر بن أبي مريم. (التقريب ص ٦٢٣).","vol":"7","page":265},{"text":"<span id=\"aya-5168\"></span>﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇ أنه قال لقومه: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي: لم توصلون الأذى إلي وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة. وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ فيما أصابه من الكفار من قومه وغيرهم، وأمر له بالصبر ولهذا قال: \"رحمة الله على موسى: لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر\" (^١) وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي ﷺ أو يوصلوا إليه أذى كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به أزاغ الله قلوبهم عن الهدى وأسكنها الشك والحيرة والخذلان كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء] ولهذا قال تعالى في هذه الآية ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-5169\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ يعني: التوراة قد بشرت بي وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا مبشر بمن بعدي وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد. فعيسى ﵇ هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد أقام في ملأ بني إسرائيل مبشرًا بمحمد وهو أحمد خاتم الأنبياء والمرسلين الذي لا رسالة بعده ولا نبوة، وما أحسن ما أورد البخاري الحديث الذي قال فيه: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب\". ورواه مسلم من حديث الزهري به نحوه (^٢).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى قال: سمى لنا رسول الله ﷺ نفسه أسماء منها ما حفظنا فقال: \"أنا محمد وأنا أحمد والحاشر والمقفي ونبي الرحمة والتوبة والملحمة\" (^٣). ورواه مسلم من حديث الأعمش، عن عمرو بن مرة به (^٤)، وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأحزاب آية ٦٩.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأحزاب آية ٤٠.\n(^٣) أخرجه أبو داود الطيالسي بسنده ومتنه بدون نبي الرحمة (المسند ص ٦٧ رقم ٤٩٢)، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه مسلم من طريق الأعمش به وفيه \"نبي الرحمة\" بدلًا من \"نبي الملحمة\". (الصحيح، الفضائل، باب في أسمائه ﷺ ح ٢٣٥٥).","vol":"7","page":266},{"text":"وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران] قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًا إلا أخذ عليه العهد لئن بعث محمد وهو حي ليتبعنه وأخذ عليه أن يأخذ على أُمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال: \"دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بُصرى من أرض الشام\" (^١). وهذا إسناد جيد وروي له شواهد من وجوه أخر، فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أُمي التي رأت، وكذلك أُمهات النبيين يرين\" (^٢).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج بن فضالة، حدثنا لقمان بن عامر قال: سمعت أبا أُمامة قال: قلت يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟ قال: \"دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام\" (^٣).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا حسن بن موسى، سمعت خُديجًا أخا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا منهم عبد الله بن مسعود وجعفر وعبد الله بن [عرفطة] (^٤) وعثمان بن مظعون وأبو موسى، فأتوا النجاشي وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ثم قالا له: إن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا قال: فأين هم؟ قالا: هم في أرضك فابعث إليهم فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه فسلم ولم يسجد فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك. قال: إنا لا نسجد إلا لله ﷿ قال: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسوله فأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله ﷿ وأمرنا بالصلاة والزكاة.\nقال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفوك في عيسى ابن مريم، قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟ قال: نقول كما قال الله ﷿: هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يسمها بشر ولم يعترضها ولد، قال: فرفع عودًا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين\n_________\n(^١) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١/ ١٠٧) وجود سنده الحافظ ابن كثير وساق له بعض الشواهد، وأخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٦٠٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٢٧) وفي سنده سعيد بن سويد ونقل الحافظ ابن حجر عن البخاري إنه لم يصح حديثه، أي هذا الحديث، وعن ابن حبان والحاكم أنهما صححاه. (تعجيل المنفعة ص ١٥٢). ويشهد ما يليه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٥٩٥ ح ٢٢٢٦١) وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف. اهـ. ولو قالوا: حسن لغيره لكان أحسن. وحسنه الهيثمي بالشواهد (مجمع الزوائد ٨/ ٢٢٥).\n(^٤) كذا في المسند، وفي الأصل (ح) و(حم): بياض.","vol":"7","page":267},{"text":"والرهبان والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يساوي هذا، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله وأنه الذي نجد في الإنجيل وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه وأوضئه، وأمر بهدية الآخرين فرُدَّت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرًا، وزعم أن النبي ﷺ استغفر له حين بلغه موته (^١).\nقد رويت هذه القصة عن جعفر وأُم سلمة ﵄ وموضع ذلك كتاب السيرة والمقصد أن الأنبياء ﵈ لم تزل تنعته وتحكيه في كتبها على أممها وتأمرهم باتباعه ونصره وموازرته إذا بعث، وكان ما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد الأنبياء بعده حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم، وكذا على لسان عيسى ابن مريم، ولهذا قالوا: أخبرنا عن بدء أمرك يعني في الأرض قال: \"دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ابن مريم ورؤيا أمي التي رأت\"؛ أي: ظهر في أهل مكة أثر ذلك، [والإرهاص] (^٢) فذكره صلوات الله وسلامه عليه.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قال ابن جريج وابن جرير: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أحمد؛ أي: المبشر به في الأعصار المتقادمة المنوه بذكره في القرون السالفة. لما ظهر أمره وجاء بالبينات، قال الكفرة والمخالفون: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-5170\"></span>\n\n<span id=\"aya-5171\"></span>\n\n<span id=\"aya-5172\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب على الله ويجعل له أندادًا وشركاء وهو يدعى إلى التوحيد والإخلاص، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: يحاولون أن يردُّوا الحق بالباطل، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل كذاك ذلك مستحيل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ وقد تقدم الكلام على هاتين الآيتين في سورة براءة بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-5173\"></span>\n\n<span id=\"aya-5174\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾.\nتقدم في حديث عبد الله بن سلام أن الصحابة ﵃ أرادوا أن يسألوا رسول الله ﷺ عن أحبِّ\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٤٠٨، ٤٠٩ ح ٤٤٠٠) وضعف سنده محققوه، وحسن سنده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٧/ ١٧٩) وجود سنده الحافظ ابن كثير (البداية ٣/ ٦٩).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.","vol":"7","page":268},{"text":"الأعمال إلى الله ﷿ ليفعلوه، فأنزل الله تعالى هذه السورة (^١) ومن جملتها هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾ ثم فسر هذه التجارة العظيمة التي لا تبور، التي هي محصلة للمقصود ومزيلة للمحذور فقال تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ أي: من تجارة الدنيا والكدِّ لها والتصدي لها وحدها،\n\n<span id=\"aya-5175\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه غفرت لكم الزلات وأدخلتكم الجنات والمساكن الطيبات والدرجات العاليات، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾\n\n<span id=\"aya-5176\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ أي: وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها وهي ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي: إذا قاتلتم في سبيله ونصرتم دينه تكفل الله بنصركم، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد] وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي: عاجل، فهذه الزيادة هي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة لمن أطاع الله ورسوله ونصر الله ودينه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-5177\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يكونوا أنصار الله في جميع أحوالهم بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم وأموالهم وأن يستجيبوا لله ولرسوله كما استجاب الحواريون لعيسى حين قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: من معيني في الدعوة إلى الله ﷿؟ ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ وهم أتباع عيسى ﵇ ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أي: نحن أنصارك على ما أرسلت به وموازروك على ذلك، ولهذا بعثهم دعاة إلى الناس في بلاد الشام في الإسرائيليين واليونانيين، وهكذا كان رسول الله ﷺ يقول في أيام الحج: \"من رجل يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي\" (^٢) حتى قيَّض الله ﷿ له الأوس والخزرج من أهل المدينة فبايعوه ووازروه، وشارطوه أن يمنعوه من الأسود والأحمر إن هو هاجر إليهم، فلما هاجر إليهم بمن معه من أصحابه، وفَّوا له بما عاهدوا الله عليه، ولهذا سماهم الله ورسوله الأنصار، وصار ذلك علمًا عليهم ﵃ وأرضاهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ أي: لما بلغ عيسى ابن مريم ﵊ رسالة ربه إلى قومه وآزره من وازره من الحواريين، اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به وضلت طائفة، فخرجت عما جاءهم به وجحدوا نبوته ورموه وأمه بالعظائم، وهم اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وغلَت فيه طائفة ممن اتبعه حتى\n_________\n(^١) تقدم في بداية تفسير هذه السورة الكريمة.\n(^٢) أخرجه أبو داود من حديث جابر بن عبد الله ﵁ (السنن، السنة، باب في القرآن ح ٤٧٣٤) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٦٠) وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٦٢٤) وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٧/ ٦٣).","vol":"7","page":269},{"text":"رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة، وافترقوا فرقًا وشيعًا فمن قائل منهم: إنه ابن الله، وقائل: إنه ثالث ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، ومن قائل: إنه الله، وكل هذه الأقوال مفصلة في سورة النساء. وقوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ أي: نصرناهم على من عاداهم من فرق النصارى.\n﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ أي: عليهم، وذلك ببعثة محمد ﷺ، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: حدثني أبو السائب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال يعني ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: لما أراد الله ﷿ أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وهم في بيت اثنا عشر رجلًا من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: ثم قال أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب من أحدثهم سنًا فقال: أنا. فقال له: اجلس. ثم عاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال له: اجلس ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا، فقال: نعم أنت ذاك.\nقال: فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى ﵇ من روزنة في البيت إلى السماء قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا شبيهه فقتلوه وصلبوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمنوا به، فتفرقوا فيه ثلاث فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية.\nوقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه إليه وهؤلاء النسطورية.\nوقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسًا حتى بعث الله محمدًا ﷺ ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ يعني: الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في زمن عيسى، والطائفة التي آمنت في زمن عيسى ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ بإظهار محمد ﷺ دينهم على دين الكفار (^١). ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ هذا لفظه في كتابه عند تفسير هذه الآية الكريمة، وهكذا رواه النسائي عند تفسير هذه الآية من سننه عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن أبي معاوية بمثله سواء (^٢)، فأمة محمد ﷺ لا يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، وحتى يقاتل آخرهم الدجال مع المسيح عيسى ابن مريم ﵇ كما وردت بذلك الأحاديث الصحاح، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.\n[آخر تفسير سورة الصف] (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية به (المصنف ١١/ ٥٤٦) وأخرجه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان عن أبي معاوية به، وصحح سنده الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ٢/ ١٠٨).\n(^٢) السنن الكبرى، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. . .﴾ [الصف: ١٤] (ح ١١٥٩١) وسنده صحيح كسابقه.\n(^٣) زيادة من (حم).","vol":"7","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-185>سُورَةُ الجُمُعَةِ</span>\nوهي [مدنية] (^١)\nعن ابن عباس وأبي هريرة ﵄، أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، رواه مسلم في صحيحه (^٢).\n\n<span id=\"aya-5178\"></span>﷽\n﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾.\nيخبر تعالى أنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض؛ أي: من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ثم قال تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ أي: هو مالك السماوات والأرض المتصرف فيهما بحكمه، وهو ﴿الْقُدُّوسِ﴾؛ أي: المنزه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم تفسيرهما غير مرة.\n\n<span id=\"aya-5179\"></span>وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الأميون هم العرب، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المِنَّة عليهم أبلغ وأكثر، كما قال تعالى في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به، وكذا قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء] وهذا وأمثاله لا ينافي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقوله تعالى إخبارًا عن القرآن ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته، صلوات الله وسلامه عليه، إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم، وقد قدمنا تفسير ذلك في سورة الأنعام بالآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة.\nوهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله إبراهيم، حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم\n_________\n(^١) زيادة من (حم) و(ح).\n(^٢) صحيح مسلم، الجمعة، باب ما يقرأ في يوم الجمعة (ح ٨٧٩، ٨٨٠).","vol":"7","page":271},{"text":"رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فبعثه الله ﷾ وله الحمد والمنة على حين فترة من الرسل وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب؛ أي: نزرًا يسيرًا [ممن تمسك] (^١) بما بعث الله به عيسى ابن مريم ﵇، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ وذلك أن العرب كانوا قديمًا متمسكين بدين إبراهيم الخليل ﵇، فبدلوه وغيَّروه وقلبوه وخالفوه واستبدلوا بالتوحيد شركًا وباليقين شكًا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتاب قد بدَّلوا كتبهم وحرفوها وغيروها وأولوها، فبعث الله محمدًا صلوات الله وسلامه عليه بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة ورضا الله عنهم، والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط الله تعالى، حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع، وجمع له تعالى وله الحمد والمنة جميع المحاسن ممن كان قبله وأعطاه ما لم يعط أحدًا من الأولين ولا يعطيه أحدًا من الآخرين، فصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.\n\n<span id=\"aya-5180\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال، عن ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة ﵁، قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فأنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سُئل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله ﷺ يده على سلمان الفارسي ثم قال: \"لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال - أو رجل - من هؤلاء\" (^٢). ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق، عن ثور بن زيد الديلي، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة به (^٣)، ففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية وعلى عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس؛ لأنه فسر قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ بفارس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم، يدعوهم إلى الله ﷿ وإلى اتباع ما جاء به، ولهذا قال مجاهد وغير واحد في قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال: هم الأعاجم وكل من صدق النبي ﷺ من غير العرب (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو محمد عيسى بن موسى، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة الجمعة ح ٤٨٩٧).\n(^٣) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل فارس (ح ٢٥٤٦) وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الجمعة (ح ٣٣٠٧) وتفسير الطبري.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد بلفظ: \"الأعاجم\"، وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح بلفظ: \"من ردف الإسلام من الناس كلهم\". وليث فيه مقال والرواية الأخرى تقويه.","vol":"7","page":272},{"text":"رسول الله ﷺ: \"إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب\" ثم قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يعني بقية من بقي من أمة محمد ﷺ. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره،\n\n<span id=\"aya-5181\"></span>وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ يعني: ما أعطاه الله محمدًا ﷺ من النبوة العظيمة، وما خصَّ به أُمته من بعثته ﷺ إليهم (^١).\n\n<span id=\"aya-5182\"></span>﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾.\nيقول تعالى ذامًّا لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها ثم لم يعملوا بها: مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا؛ أي: كمثل الحمار إذا حمل كتبًا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملًا حسيًا ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه حفظوه لفظًا ولم يتفهموه ولا عملوا بمقتضاه، بل أوَّلوه وحرفوه وبدلوه فهم أسوأ حالًا من الحمير؛ لأن الحمار لا فهم له وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال تعالى ههنا: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا ابن نمير، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت ليس له جمعة\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-5183\"></span>ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦)﴾ أي: إن كنتم تزعمون أنكم على هدى، وأن محمدًا وأصحابه على ضلالة، فادعوا بالموت على الضال من الفئتين ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: فيما تزعمونه.\n\n<span id=\"aya-5184\"></span>قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما يعملون لهم من الكفر والظلم والفجور ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ وقد قدمنا الكلام في سورة البقرة على هذه المباهلة لليهود، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة]، وقد أسلفنا الكلام هناك، وبينا أن المراد أن يدعوا على الضلال من أنفسهم أو خصومهم كما تقدمت مباهلة النصارى في آل عمران ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني من طريق الوليد بن مسلم به (المعجم الكبير ٦/ ٢٠١) قال الهيثمي: إسناده جيد (مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٨).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٨٤) وسنده ضعيف.","vol":"7","page":273},{"text":"بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران] ومباهلة المشركين في سورة مريم ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥].\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي، أبو زيد، حدثنا فرات عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال أبو جهل لعنه الله: إن رأيت محمدًا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال رسول الله ﷺ: \"لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا\" (^١). رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، قال البخاري وتبعه عمرو بن خالد، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، ورواه النسائي أيضًا عن عبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي به أتم (^٢).\n\n<span id=\"aya-5185\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] وفي معجم الطبراني من حديث معاذ بن محمد الهذلي، عن يونس، عن الحسن، عن سَمُرة مرفوعًا: \"مثل الذي يفرُّ من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني، فخرج له حصاص، فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه فمات\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-5186\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾.\nإنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض، وفيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحاح.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبيدة بن حميد، عن منصور، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قرثع الضبي، حدثنا سلمان قال: قال أبو القاسم ﷺ: \"يا سلمان ما يوم الجمعة؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ: \"يوم الجمعة يوم جمع الله\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٤٨) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥). . .﴾ (ح ٤٩٥٨) وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (ح ٣٣٤٥) السنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب سورة العلق (ح ١١٦٨٥).\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٧/ ٢٦٨ ح ٦٩٢٢) وضعفه العقيلي (الضعفاء الكبير ٤/ ٢٠٠)، وابن الجوزي (العلل المتناهية ٢/ ٤٠٥)، والهيثمي (مجمع الزوائد ٢/ ٣٢٣).","vol":"7","page":274},{"text":"فيه أبواكم - أو أبوكم -\" (^١) وقد روي عن أبي هريرة من كلامه نحو هذا فالله أعلم.\nوقد كان يقال له في اللغة القديمة: يوم العروبة، وثبت أن الأُمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق آدم، واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدئ فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا والنصارى بعد غد\" (^٢). لفظ البخاري وفي لفظ لمسلم \"أضلَّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي بينهم قبل الخلائق\" (^٣).\nوقد أمر الله المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: اقصدوا واعمدوا واهتموا في سيركم إليها، وليس المراد بالسعي ههنا المشي السريع وإنما هو الاهتمام بها كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩] وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ يقرآنها فامضوا إلى ذكر الله (^٤) فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه لما أخرجاه في الصحيحين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا\" (^٥) لفظ البخاري.\nوعن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى قال: \"ما شأنكم؟ \" قالوا: استعجلنا إلى الصلاة قال: \"فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا\" (^٦) أخرجاه.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها تمشون، وعليكم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من طريق مغير عن أبي معشر به بنحوه. (المسند ٣٩/ ١٣٣ ح ٢٣٧٢٩) وصححه محققوه، وأخرجه الحاكم من طريق منصور به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ١/ ٢٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري مختصرًا على مطلعه (الصحيح، التعبير، باب النفخ في المنام ح ٧٠٣٦) وأخرجه مسلم كاملًا (الصحيح، الجمعة، باب هداية هذه الأُمة ليوم الجمعة ح ٨٥٥).\n(^٣) المصدر السابق (ح ٨٥٦).\n(^٤) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن عمر ﵁، وأخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٢/ ١٥٧)، والطبري بسند رجاله ثقات عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود لكنه منقطع فإن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود. والقراءة شاذة تفسيرية. وللمزيد ينظر (فتح الباري ٨/ ٦٤٢).\n(^٥) صحيح البخاري، الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار (ح ٦٣٦) وصحيح مسلم، المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة (ح ٦٠٢).\n(^٦) صحيح البخاري، الأذان، باب قول الرجل فاتتنا الصلاة (ح ٦٣٥) وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٦٠٣).","vol":"7","page":275},{"text":"السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا\" (^١). رواه الترمذي من حديث عبد الرزاق كذلك، وأخرجه من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بمثله (^٢).\nقال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نُهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع (^٣).\nوقال قتادة في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: يعني أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها (^٤)، وكان يتأول قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] أي: المشي معه، وروي عن محمد بن كعب وزيد بن أسلم وغيرهما نحو ذلك (^٥).\nويستحب لمن جاء إلى الجمعة أن يغتسل قبل مجيئه إليها، لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل\" (^٦).\nولهما عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم\" (^٧). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده\" رواه مسلم (^٨).\nوعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة\" رواه أحمد والنسائي وابن حبان (^٩).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من غَسَّل واغتسل يوم الجمعة وبكَّر وابتكر ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغُ، كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها\" (^١٠). وهذا الحديث له طرق وألفاظ، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة وحسنه الترمذي (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ٢/ ٢٨٨ رقم ٣٤٠٤) وسنده صحيح.\n(^٢) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في المشي إلى المسجد. (ح ٣٢٨) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٧٠).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق عباد بن راشد عن الحسن (المصنف ٢/ ٦٤).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بن أسلم.\n(^٦) صحيح البخاري، الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة (ح ٨٧٧) وصحيح مسلم، الجمعة (ح ٨٤٤).\n(^٧) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ٨٧٩)، وصحيح مسلم، الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال (ح ٨٤٦).\n(^٨) صحيح مسلم، الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة (ح ٨٤٩).\n(^٩) (المسند ٣/ ٣٠٤)، وسنن النسائي، الجمعة، باب إيجاب الغسل يوم الجمعة ٣/ ٩٣ والإحسان ٤/ ٢١ ح ١٢١٩ ويشهد له سابقه.\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/ ٩٤ ح ١٦١٧٣) وصحح سنده محققوه.\n(^١١) سنن أبي داود، الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة (ح ١٨) وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في =","vol":"7","page":276},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر\" أخرجاه (^١).\nويستحب له أن يلبس أحسن ثيابه ويتنظف ويتسوك وينتظف ويتطهر. وفي حديث أبي سعيد المتقدم \"غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم والسواك وأن يمس من طيب أهله\".\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمران بن أبي يحيى، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أيوب الأنصاري: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحدًا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى\" (^٢).\nوفي سنن أبي داود وابن ماجه، عن عبد الله بن سلام ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر: \"ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته\" (^٣).\nوعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار فقال: \"ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته\" رواه ابن ماجه (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ المراد بهذا النداء هو النداء الثاني الذي كان يفعل بين يدي رسول الله ﷺ إذا خرج فجلس على المنبر، فإنه كان حينئذٍ يؤذن بين يديه فهذا هو المراد، فأما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، فإنما كان هذا لكثرة الناس كما رواه البخاري ﵀ حيث قال: حدثنا آدم - هو: ابن أبي إياس -، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان بعد زمن وكَثُر الناس، زاد النداء الثاني على الزوراء (^٥). يعني يؤذن به على الدار التي تسمى بالزوراء، وكانت أرفع دار بالمدينة بقرب المسجد.\n_________\n= فضل الغسل يوم الجمعة (ح ٤٩٦) وسنن النسائي، الجمعة، باب فضل غسل يوم الجمعة ٣/ ٩٥، وسنن ابن ماجه، الإقامة، باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة (ح ١٠٨٧) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٨٩١).\n(^١) صحيح البخاري، الجمعة، باب فضل الجمعة (ح ٨٨١) وصحيح مسلم، الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة (ح ٨٥٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٥٤٧ ح ٢٣٥٧١) وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٣) سنن أبي داود، الصلاة، باب اللبس للجمعة (ح ١٠٧٨) وسنن ابن ماجه، الإقامة، باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة (ح ١٠٩٥) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٨٩٨).\n(^٤) المصدر السابق (ح ١٠٩٦) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٨٩٩).\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الجمعة، باب الأذان يوم الجمعة ح ٩١٢).","vol":"7","page":277},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن راشد المكحولي، عن مكحول أن النداء كان في الجمعة مؤذن واحد، حين يخرج الإمام ثم تقام الصلاة وذلك النداء الذي يحرم عنده الشراء والبيع إذا نودي به، فأمر عثمان ﵁ أن ينادي قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس (^١). وإنما يؤمر بحضور الجمعة الرجال الأحرار دون العبيد والنساء والصبيان، ويعذر المسافر والمريض وقيّم المريض وما أشبه ذلك من الأعذار، كما هو مقرر في كتب الفروع.\nوقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أي: اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع إذا نودي للصلاة، ولهذا اتفق العلماء ﵃ على تحريم البيع بعد النداء الثاني، واختلفوا هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا؟ على قولين: وظاهر الآية عدم الصحة كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ترككم البيع وإقبالكم إلى ذكر الله وإلى الصلاة خير لكم؛ أي: في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون.\n\n<span id=\"aya-5187\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ أي: فرغ منها ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، كما كان عراك بن مالك ﵁ إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللَّهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين، رواه ابن أبي حاتم.\nوروي عن بعض السلف أن قال: من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة بارك الله له سبعين مرة لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: في حال بيعكم وشرائكم وأخذكم وإعطائكم اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة، ولهذا جاء في الحديث: \"من دخل سوقًا من الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة ومُحي عنه ألف ألف سيئة\" (^٢).\nوقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا، ومضطجعًا.\n\n<span id=\"aya-5188\"></span>﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾.\nيعاتب ﵎ على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذٍ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ أي: على المنبر تخطب، هكذا ذكره غير واحد من التابعين، منهم أبو العالية والحسن وزيد بن\n_________\n(^١) سنده حسن.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث عمر ﵁. (المسند ١/ ٤١١ ح ٣٢٧) وقال محققوه: إسناده ضعيف جدًا، عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير منكر الحديث. اهـ. ومن هذا الطريق أخرجه الترمذي (السنن، الدعوات، باب ما يقول إذا دخل السوق ح ٣٤٢٤) وابن ماجه (السنن، التجارات، باب الأسواق ودخولها ح ٢٢٣٥)، وأخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي باب مسروق بن المرزبان ليس بحجة. (المستدرك ١/ ٥٣٩).","vol":"7","page":278},{"text":"أسلم وقتادة (^١).\nوزعم مقاتل بن حيان أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله ﷺ قائمًا على المنبر إلا القليل منهم (^٢)، وقد صحَّ بذلك الخبر (^٣) فقال الإمام أحمد: حدثنا ابن إدريس، عن حُصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: قدمت غير مرة المدينة، ورسول الله ﷺ يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلًا فنزلت ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (^٤). أخرجاه في الصحيحين من حديث سالم به (^٥).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا هشيم، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ، حتى لم يبقَ مع رسول الله ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي نارًا\" ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ وقال: كان في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ: أبو بكر وعمر ﵄ (^٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائمًا. وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس (^٧)، ولكن ههنا شيء ينبغي أن يعلم وهو: أن هذه القصة قد قيل إنها كانت لما كان رسول الله ﷺ يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة، كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل، حدثنا محمود بن خالد، عن الوليد، أخبرني أبو معاذ بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى إذا كان يوم والنبي ﷺ يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة؛ يعني: فانفضّوا ولم يبق معه إلا نفر يسير (^٨).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أي: لمن توكل عليه وطلب الرزق في وقته.\nآخر تفسير سورة الجمعة، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن، وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بن أسلم وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا.\n(^٢) أخرجه البيهقي بسند ضعيف معضل عن مقاتل بن حيان. (الجامع لشعب الإيمان رقم ٦٤٩٥)، وهو مخالف لما سيأتي في الصحيحين إذ ليس فيهما ذكر الطبل.\n(^٣) أي: الخبر الذي ورد عن الصحابي جابر ﵁ التابعين وليس عن مقاتل بن حيان وهو من اتباع التابعين.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣١٣) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، البيوع، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ [الجمعة: ١١] (ح ٤٨٩٩) وصحيح مسلم، الجمعة، باب في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ (ح ٨٦٣).\n(^٦) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٦٨ ح ١٩٧٩) وصحح سنده محققه.\n(^٧) صحيح مسلم، الجمعة، باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة (ح ٨٦٣).\n(^٨) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المراسيل ص ١٠٤ رقم ٦٢ وسنده ضعيف لأنه معضل).","vol":"7","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-186>سُورَةُ المنَافِقُونَ</span>\nوهي مدنية\n\n<span id=\"aya-5189\"></span>﷽\n﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المنافقين أنهم إنما يتفوهون بالإسلام إذا جاءوا النبي ﷺ، فأما في باطن الأمر فليسوا كذلك بل على الضد من ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ أي: إذا حضروا عندك واجهوك بذلك، وأظهروا لك ذلك، وليس كما يقولون، ولهذا اعترض بجملة مخبرة أنه رسول الله فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: فيما أخبروا به وإن كان مطابقًا للخارج؛ لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون ولا صدقه، ولهذا كذبهم بالنسبة إلى اعتقادهم.\n\n<span id=\"aya-5190\"></span>وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة والحلفان الآثمة ليصدَّقوا فيما يقولون، فاغترَّ بهم من لا يعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون، فربما اقتدى بهم فيما يفعلون وصدقهم فيما يقولون، وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالًا، فحصل بهذا القدر ضرر كبير على كثير من الناس، ولهذا قال تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ولهذا كان الضحاك بن مزاحم يقرؤها اتخذوا إيمانهم جنة (^١)؛ أي: تصديقهم الظاهر جنة؛ أي: تقية يتقوى به القتل (^٢)، والجمهور يقرؤها ﴿أَيْمَانَهُمْ﴾ جمع يمين،\n\n<span id=\"aya-5191\"></span>[وقوله] (^٣): ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ أي: إنما قدر عليهم النفاق لرجوعهم عن الإيمان إلى الكفران، واستبدالهم الضلالة بالهدى، فطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون؛ أي: فلا يصل إلى قلوبهم هدى ولا يخلص إليها خير، فلا تعي ولا تهتدي.\n_________\n(^١) قراءة \"إيمانهم\" شاذة تفسيرية.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخه، عن الضحاك بنحوه.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.","vol":"7","page":280},{"text":"<span id=\"aya-5192\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أي: وكانوا أشكالًا حسنة وذوي فصاحة وألسنة، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، وهم مع ذلك في غاية الضعف والخور والهلع والجزع والجبن، ولهذا قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي: كلما وقع أمر أو كائنة أو خوف يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم كما قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾ [الأحزاب] فهم جَهَامات وصور بلا معاني، ولهذا قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال؟ وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا عبد الملك بن قدامة الجمحي، عن إسحاق بن بكر بن أبي الفرات، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة وطعامهم نهبة وغنيمتهم غلول ولا يقربون المساجد إلا هُجرًا، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْرًا، مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون، خُشُب بالليل، صُخُب بالنهار\" وقال يزيد بن مرة: سخب بالنهار (^١).\n\n<span id=\"aya-5193\"></span>\n\n<span id=\"aya-5194\"></span>\n\n<span id=\"aya-5195\"></span>\n\n<span id=\"aya-5196\"></span>﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المنافقين عليهم لعائن الله أنهم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ أي: صدوا وأعرضوا عما قيل لهم استكبارًا عن ذلك واحتقارًا لما قيل لهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ثم جازاهم على ذلك فقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)﴾ كما قال في سورة براءة، وقد تقدم الكلام على ذلك وإيراد الأحاديث المروية هنالك (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ قال ابن أبي عمر: وحوّل سفيان وجهه على يمينه ونظر شزرًا ثم قال: هو هذا (^٣). وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أُبي بن سلول كما سنورده قريبًا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان. وقد قال محمد بن إسحاق في السيرة: ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة؛ يعني: مرجعه من أحد، وكان عبد الله بن أُبي بن سلول كما حدثني ابن شهاب الزهري له مقام يقومه كل جمعة، لا ينكر شرفًا له من نفسه ومن قومه، وكان فيهم شريفًا،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣/ ٣٠٢، ٣٠٣ ح ٧٩٢٦) وضعف سنده محققوه لضعف عبد الملك بن قدامة، وجهالة إسحاق بن بكر بن أبي الفرات.\n(^٢) تقدم في تفسير سورة التوبة آية ١١٣، ١١٤.\n(^٣) سنده صحيح.","vol":"7","page":281},{"text":"إذا جلس النبي ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس، هذا رسول الله ﷺ بين أظهركم، أكرمكم الله به وأعزكم به فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أُحد ما صنع؛ يعني: مرجعه بثلث الجيش ورجع الناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس، أي عدو الله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرًا أن قمت أشدد أمره، فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلك ما لك؟ قال: قمت أشدد أمره فوثب علي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنما قلت بجرًا أن قمت أشدد أمره. قالوا: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ، فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي (^١).\nوقال قتادة والسدي: أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبي، وذلك أن غلامًا من قرابته انطلق إلى رسول الله ﷺ، فحدثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله ﷺ فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعزلوه، وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعدو الله: لو أتيت رسول الله ﷺ فجعل يلوي رأسه؛ أي: لست فاعلًا (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل منزلًا لم يرتحل حتى يصلي فيه، فلما كانت غزوة تبوك بلغه أن عبد الله بن أُبي بن سلول قال: ليخرجن الأعز منها الأذل، فارتحل قبل أن ينزل آخر النهار، وقيل لعبد الله بن أُبي: ائت النبي ﷺ حتى يستغفر لك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ (^٣) وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن جبير. وقوله: إن ذلك كان في غزوة تبوك فيه نظر بل ليس بجيد، فإن عبد الله بن أبي بن سلول لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش، وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق.\nوقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى بن حبان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة في قصة بني المصطلق، فبينما رسول الله ﷺ مقيم هناك اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري، وكان أجيرًا لعمر بن الخطاب وسنان بن وبر.\nقال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: ازدحما على الماء فاقتتلا، فقال سنان: يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أُبي، فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا، والله ما مثلنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من عنده من قومه وقال: ما صنعتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأنه مرسل، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٢/ ١٠٥)، ويتقوى بالمراسيل التالية.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند رجاله ثقات عن معمر عن قتادة لكنه مرسل، وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند رجاله ثقات من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل، وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر، ويتقوى أيضًا بالروايات المرسلة والموصولة التالية.\n(^٣) رجاله ثقات لكنه مرسل، ويتقوى بسابقه ولاحقه.","vol":"7","page":282},{"text":"أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم من بلادكم إلى غيرها، فسمعها زيد بن أرقم ﵁ فذهب بها إلى رسول الله ﷺ: وهو غليم عند عمر بن الخطاب ﵁، فأخبره الخبر، فقال عمر ﵁: يا رسول الله مُر عباد بن بشر فليضرب عنقه، قال رسول الله ﷺ: \"فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمدًا يقتل أصحابه، لا، ولكن ناد يا عمر الرحيل\" فلما بلغ عبد الله بن أُبي أن ذلك قد بلّغ رسول الله ﷺ أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال، ما قال عليه زيد بن أرقم، وكان عند قومه بمكان فقالوا: يا رسول الله عسى أن يكون هذا الغلام أوهم ولم يثبت ما قال الرجل.\nوراح رسول الله ﷺ مهجرًا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أُسيد بن الحضير ﵁ فسلم عليه بتحية النبوة ثم قال: والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول الله ﷺ: \"أما بلغك ما قال صاحبك ابن أُبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل\" قال: فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل. ثم قال: ارفق به يا رسول الله، فوالله لقد جاء الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجّه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكًا، فسار رسول الله ﷺ بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مسَّ الأرض فناموا ونزلت سورة المنافقين (^١).\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمر بن دينار، سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار: فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري يا للمهاجرين فقال رسول الله ﷺ: \"ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنها منتنة\".\nوقال عبد الله بن أُبي بن سلول: وقد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال جابر: وكان الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين حين قدم رسول الله ﷺ، ثم كثر المهاجرون بعد ذلك، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: \"دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه\" (^٢). ورواه الإمام أحمد، عن حسين بن محمد المروزي، عن سفيان بن عيينة، ورواه البخاري، عن الحميدي ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان به نحوه (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن محمد بن كعب القرظي، عن زيد بن أرقم قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فقال عبد الله بن أُبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، قال: فحلف\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق عن محمد بن يحيى. (دلائل النبوة ٤/ ٥٢، ٥٣) وذكره ابن هشام في السيرة ٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢. وسنده مرسل لكنه ورد عن عدة رواة ويتقوى بالروايات الموصولة التالية.\n(^٢) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٤/ ٥٣) وسنده صحيح.\n(^٣) مسند الإمام أحمد ٣/ ٣٩٢، وصحيح البخاري، التفسير باب ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (ح ٤٩٠٧) وصحيح مسلم، البر والصلة، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا (ح ٢٥٨٤).","vol":"7","page":283},{"text":"عبد الله بن أُبي أنه لم يكن شيء من ذلك، قال: فلامني قومي وقالوا: ما أردت إلى هذا؟ قال: فانطلقت فنمت كئيبًا حزينًا، قال: فأرسل إلي نبي الله ﷺ فقال: \"إن الله قد أنزل عذرك وصدقك\" قال: فنزلت هذه الآية ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ حتى بلغ ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (^١) ورواه البخاري عند هذه الآية، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، ثم قال: وقال ابن أبي زائدة، عن الأعمش، عن عمرو، عن ابن أبي ليلى، عن زيد، عن النبي ﷺ (^٢)، ورواه الترمذي والنسائي عندها أيضًا من حديث شعبة به (^٣).\nطريق أخرى عن زيد:\nقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا يحيى بن آدم ويحيى بن أبي بكير قالا: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق قال: سمعت زيد بن أرقم، وقال ابن أبي بكير، عن زيد بن أرقم قال: خرجت مع عمي في غزاة فسمعت عبد الله بن أُبي بن سلول يقول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي لرسول الله ﷺ، فأرسل إلي رسول الله ﷺ فحدثته، فأرسل إلى عبد الله بن أُبي بن سلول وأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا، فكذبني رسول الله ﷺ وصدقه فأصابني هم لم يصبني مثله قط، وجلست في البيت فقال عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك! قال حتى أنزل الله ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ قال: فبعث إلي رسول الله ﷺ فقرأها رسول الله ﷺ ثم قال: \"إن الله قد صدقك\" (^٤).\nثم قال أحمد أيضًا: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق أنه سمع زيد بن أرقم يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأصاب الناس شدة فقال عبد الله بن أُبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ حتى ينفضوا من حوله، وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبد الله بن أُبي فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا: كذب زيد يا رسول الله، فوقع في نفسي مما قالوا فأنزل الله تصديقي ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ قال: ودعاهم رسول الله ﷺ ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] قال: كانوا رجالًا أجمل شيء (^٥)، وقد رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث زهير ورواه البخاري أيضًا والترمذي من حديث إسرائيل كلاهما عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي، عن زيد به (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٦٨) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا. . .﴾ [المنافقون: ٣] (ح ٤٩٠٢).\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة المنافقون (ح ٣٣١٤)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، سورة المنافقون (ح ١١٥٩٤).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٧٣) وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٧٣) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ. . .﴾ [المنافقون: ٤] (ح ٤٩٠٣) وصحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٧٢)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (ح ١١٥٩٨).","vol":"7","page":284},{"text":"طريق أخرى عن زيد:\nقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي، قال: حدثنا زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله ﷺ، وكان معنا أناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء وكان الأعراب يسبقوننا إليه فسبق أعرابي أصحابه ليملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصار الأعرابي فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه فانتزع حجرًا فغاض الماء، فرفع الأعرابي خشبته فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أُبي رأس المنافقين فأخبره، وكان من أصحابه فغضب عبد الله بن أُبي ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله؛ يعني: الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله ﷺ عند الطعام، فقال عبد الله لأصحابه: إذا انفضُّوا من عند محمد فائتوا محمدًا بالطعام فليأكل هو ومن معه، ثم قال لأصحابه: لئن رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل.\nقال زيد: وأنا ردف عمي، قال فسمعت عبد الله بن أُبي يقول ما قال: فأخبرت عمي فانطلق فأخبر رسول الله ﷺ فأرسل إليه رسول الله ﷺ فحلف وجحد، قال فصدقه رسول الله ﷺ وكذبني، قال: فجاء إلي عمي فقال: ما أردت إلا أن مقتك رسول الله ﷺ وكذبك والمسلمون، قال: فوقع علي من الغمِّ ما لم يقع على أحد قط، قال: فبينما أنا أسير مع رسول الله ﷺ في سفر، وقد خفقت برأسي من الهمِّ، إذ أتاني رسول الله ﷺ فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني وقال: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ قلت: ما قال شيئًا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال: أبشر ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أن أصبحنا قرأ رسول الله ﷺ سورة المنافقين (^١). انفرد بإخراجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه الحافظ البيهقي، عن الحاكم [عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن سعيد بن مسعود عن] (^٢) عبيد الله بن موسى به، وزاد بعد قوله سورة المنافقين ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] حتى بلغ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ حتى بلغ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.\nوقد روى عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود عروة بن الزبير في المغازي، وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه أيضًا هذه القصة بهذا السياق، ولكن جعلا الذي بلّغ رسول الله ﷺ كلام عبد الله بن أُبي بن سلول إنما هو أوس بن أرقم من بني الحارث بن الخزرج، فلعله مبلغ آخر أو تصحيف من جهة السمع والله أعلم.\nوقد قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عزيز الأيلي، حدثني سلامة، حدثني عقيل،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، التفسير، باب ومن سورة المنافقون ح ٣٣١٣) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٤٠)، وأخرجه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩) وأخرجه البيهقي عن الحاكم به (دلائل النبوة ٤/ ٥٤).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.","vol":"7","page":285},{"text":"أخبرني محمد بن مسلم أن عروة بن الزبير وعمرو بن ثابت الأنصاري (^١) أخبراه أن رسول الله ﷺ غزا غزوة المريسيع، وهي التي هدم رسول الله ﷺ فيها مناة الطاغية التي كانت بين قفا المشلل وبين البحر، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فكسر مناة، فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله ﷺ تلك أحدهما من المهاجرين والآخر من بهز، وهم حلفاء الأنصار، فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزي فقال البهزي: يا معشر الأنصار، فنصره رجال من الأنصار، وقال المهاجري: يا معشر المهاجرين، فنصره رجال من المهاجرين حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شيء من القتال، ثم حجز بينهم فانكفأ كل منافق أو رجل في قلبه مرض إلى عبد الله بن أُبي بن سلول فقال: قد كنت ترجى وتدفع فأصبحت لا تضر ولا تنفع، قد تناصرت علينا الجلابيب وكانوا يدعون كل حديث الهجرة الجلابيب، فقال عبد الله بن أُبي عدو الله: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.\nقال مالك بن الدخشن وكان من المنافقين: ألم أقل لكم لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، فسمع بذلك عمر بن الخطاب فأقبل يمشي حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه، يريد عمر عبد الله بن أُبي، فقال رسول الله ﷺ لعمر: \"أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟ \" قال عمر: نعم والله لئن أمرتني بقتله لأضربن عنقه، فقال رسول الله ﷺ: \"اجلس\" فأقبل أُسيد بن حضير وهو أحد الأنصار ثم أحد بني عبد الأشهل حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: \"أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟ \" قال: نعم والله لئن أمرتني بقتله لأضربن بالسيف تحت قرط أذنيه، فقال رسول الله ﷺ: \"اجلس\" ثم قال رسول الله ﷺ: \"آذنوا بالرحيل\" فهجَّر بالناس فسار يومه وليلته والغد حتى متع النهار، ثم نزل ثم هجر بالناس مثلها حتى صبح بالمدينة في ثلاث سارها من قفا المشلل. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أرسل إلى عمر فدعاه فقال له رسول الله ﷺ: \"أي عمر أكنت قاتله لو أمرتك بقتله؟ \" قال عمر: نعم، فقال رسول الله ﷺ: \"والله لو قتلته يومئذٍ لأرغمت أنوف رجال لو أمرتهم اليوم بقتله امتثلوه، فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبرًا\" وأنزل الله ﷿: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية (^٢). وهذا سياق غريب وفيه أشياء نفيسة لا توجد إلا فيه.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد الله بن عبد الله بن أُبي لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول الله فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أُبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا\n_________\n(^١) كذا في الأصول. قال الحافظ ابن حجر: صوابه عمر بن ثابت الأنصاري (التقريب ص ٤١٩).\n(^٢) سنده ضعيف لإرساله ولبعضه شواهد تقدم ذكرها.","vol":"7","page":286},{"text":"تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أُبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ: \"بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا\" (^١).\nوذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة، واستلَّ سيفه فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أُبي قال له ابنه: وراءك! فقال: ما لك ويلك؟ فقال: والله لا تجوز من ههنا حتى يأذن لك رسول الله ﷺ فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول الله ﷺ وكان إنما يسير ساقة فشكا إليه عبد الله بن أُبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله ﷺ فقال: أما إذا أذن لك رسول الله ﷺ فجز الآن (^٢).\nوقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا أبو هارون المدني قال: قال عبد الله بن أُبي بن سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبدًا حتى تقول: رسول الله ﷺ الأعز وأنا الأذل، قال وجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي فوالذي بعثك بالحق، ما تأملت وجهه قط هيبة له، ولئن شئت أن آتيك برأسه لأتيتك فإني أكره أن أرى قاتل أبي (^٣).\n\n<span id=\"aya-5197\"></span>\n\n<span id=\"aya-5198\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾.\nيقول تعالى آمرًا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره، وناهيًا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك، ومخبرًا لهم بأنه من الْتَهَى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ثم حثهم على الإنفاق في طاعته فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ فكل مفرط يندم عند الاحتضار ويسأل طول المدة ولو شيئًا يسيرًا ليستعتب ويستدرك ما فاته وهيهات، كان ما كان وأتى ما هو آت، وكل بحسب تفريطه، أما الكفار فكما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ [إبراهيم] وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون].\n_________\n(^١) ذكره ابن هشام وسنده مرسل ويتقوى بالمراسيل التالية (السيرة النبوية ٢/ ٢٩٢).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد، وهذه المراسيل تتقوى ببعضها وبما سبق.\n(^٣) أخرجه الحميدي بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٢٠ ح ١٢٤٠) وسنده مرسل، ويشهد له ما تقدم.","vol":"7","page":287},{"text":"<span id=\"aya-5199\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ أي: لا ينظر أحدًا بعد حلول أجله. وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقًا في قوله وسؤاله ممن لورد لعاد إلى شر مما كان عليه ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.\nوقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو جناب الكلبي، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل: يا ابن عباس اتق الله فإنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: سأتلو عليك بذلك قرآنًا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعدًا، قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير (^١).\nثم قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن يحيى بن أبي حية وهو: أبو جناب الكلبي، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بنحوه ثم قال: وقد رواه سفيان بن عيينة وغيره عن أبي جناب، عن الضحاك، عن ابن عباس من قوله وهو أصح، وضعف أبا جناب الكلبي (^٢).\nقلت: ورواية الضحاك، عن ابن عباس فيها انقطاع والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا سليمان بن عطاء، عن مسلمة الجهني، عن عمه يعني: أبا مشجعة بن ربعي، عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ الزيادة في العمر فقال: \"إن الله لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنما الزيادة في العمر أن يرزق الله العبد ذرية صالحة يدعون له فيلحقه دعاؤهم في قبره\" (^٣).\nآخر تفسير سورة المنافقين.\nولله الحمد والمنة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، آمين.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، التفسير، باب ومن سورة المنافقون ح ٣٣١٦) وسنده ضعيف لضعف أبي جناب الكلبي، والضحاك لم يلق ابن عباس ﵄.\n(^٢) الحديث تتمة لسابقه.\n(^٣) سنده ضعيف جدًا فيه سليمان بن عطاء وهو منكر الحديث كما في التقريب، ومتنه مخالف لما في الصحيح أن الزيادة في العمر غير ما ذكر في هذه الرواية.","vol":"7","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-187>سُورَةُ التَغَابُنِ</span>\nوهي مدنية [وقيل: مكية] (^١)\nقال الطبراني: حدثنا محمد بن هارون بن محمد بن بكار الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد الخلال، حدثنا الوليد بن الوليد، حدثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مولود يولد إلا مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من سورة التغابن\" (^٢) أورده ابن عساكر في ترجمة الوليد بن صالح (^٣) وهو غريب جدًا بل منكر.\n﷽\n\n<span id=\"aya-5200\"></span>﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾.\nهذه السورة هي آخر المسبحات، وقد تقدم الكلام على تسبيح المخلوقات لبارئها ومالكها، ولهذا قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ أي: هو المتصرف في جميع الكائنات المحمود على جميع ما يخلق ويقدره.\nوقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: مهما أراد كان بلا ممانع ولا مدافع وما لم يشأ لم يكن.\n\n<span id=\"aya-5201\"></span>وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ أي: هو الخالق لكم على هذه الصفة وأراد منكم ذلك فلا بدّ من وجود مؤمن وكافر، وهو البصير بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلال وهو شهيد على أعمال عباده، وسيجزيهم بها أتمَّ الجزاء، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-5202\"></span>ثم قال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل والحكمة، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي: أحسن أشكالكم كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ\n_________\n(^١) زيادة من (ح).\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الأوسط ح ٣٢٩٠) وسنده ضعيف جدًا لأن الوليد بن الوليد يروي عن ابن ثوبان الغرائب والعجائب. (ينظر المجروحين لابن حبان ٣/ ٨١) وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٣) أخرجه ابن عساكر من طريق الطبراني به (تاريخ دمشق ١٧/ ل ٨٣١) وسنده كسابقه.","vol":"7","page":289},{"text":"(٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار] وكقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الآية [غافر: ٦٤] وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب.\n\n<span id=\"aya-5203\"></span>ثِم أخبر تعالى عن علمه بجميع الكائنات السمائية والأرضية والنفسية فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾.\n\n<span id=\"aya-5204\"></span>\n\n<span id=\"aya-5205\"></span>﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الأمم الماضين وما حلَّ بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل والتكذيب بالحق فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: خبرهم وما كان من أمرهم ﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: وخيم تكذيبهم، ورديء أفعالهم، وهو ما حلَّ بهم في الدنيا من العقوبة، والخزي ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الدار الآخرة مضاف إلى هذا الدنيوي ثم علَّل ذلك فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل والبراهين ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ أي: استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر، وأن يكون هداهم على يدي بشر مثلهم ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا﴾ أي: كذبوا بالحق ونكلوا عن العمل ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ أي: عنهم ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-5206\"></span>﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار والمشركين والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ أي: لتُخبرنَّ بجميع أعمالكم جليلها وحقيرها صغيرها وكبيرها ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: بعثكم ومجازاتكم.\nوهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم بربه ﷿ على وقوع المعاد ووجوده فالأولى في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ والثانية في سورة سبأ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ والآية الثالثة هي هذه ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾.\n\n<span id=\"aya-5207\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ يعني: القرآن ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية.\n\n<span id=\"aya-5208\"></span>\n\n<span id=\"aya-5209\"></span>وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ وهو يوم القيامة سمي بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة].","vol":"7","page":290},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ قال ابن عباس: هو اسم من أسماء يوم القيامة (^١)، وذلك أن أهل الجنة يغبنون أهل النار، وكذا قال قتادة ومجاهد (^٢).\nوقال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة ويذهب بأولئك إلى النار.\nقلت: وقد فسر ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾ وقد تقدم تفسير مثل هذا غير مرة.\n\n<span id=\"aya-5210\"></span>﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا بما أخبر به في سورة الحديد: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] وهكذا قال ههنا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: بأمر الله يعني: عن قدره ومشيئته (^٣).\n﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقينًا صادقًا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه أو خيرًا منه.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يعني: يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه (^٤).\nوقال الأعمش: عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة فقرئ عنده هذه الآية ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فسئل عن ذلك فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم (^٥). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما.\nوقال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يعني: يسترجع يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦].\nوفي الحديث المتفق عليه: \"عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بمعناه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق الأعمش به.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٩٥.","vol":"7","page":291},{"text":"وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح أنه سمع جنادة بن أبي أُمية يقول: سمعت عبادة بن الصامت يقول: إن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: \"إيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيل الله\". قال: أريد أهون من هذا يا رسول الله. قال: \"لا تتهم الله في شيء قضى لك به\" (^١). لم يخرجوه.\n\n<span id=\"aya-5211\"></span>وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمر بطاعة الله ورسوله فيما شرع وفعل ما به أمر وترك ما عنه نهى وزجر، ثم قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: إن نكلتم عن العمل فإنما عليه ما حمل من البلاغ وعليكم ما حملتم من السمع والطاعة.\nقال الزهري: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم (^٢).\n\n<span id=\"aya-5212\"></span>ثم قال تعالى مخبرًا أنه الأحد الصمد الذي لا إله غيره فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾\nفالأول خبر عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب؛ أي: وحدوا الإلهية له وأخلصوها لديه وتوكلوا\nعليه كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل: ٩].\n\n<span id=\"aya-5213\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الأزواج والأولاد أن منهم من هو عدو الزوج والولد بمعنى أنه يلتهي به عن العمل الصالح كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون] ولهذا قال ههنا: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾.\nقال ابن زيد: يعني على دينكم (^٣).\nوقال مجاهد: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ قال: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفريابي، حدثنا إسرائيل، حدثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٣٩٠ ح ٢٢٧١٧) قال محققوه: حديث محتمل للتحسين، وهذا إسناد ضعيف من أجل ابن لهيعة.\n(^٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، وقال الحافظ ابن حجر: هذا وقع في قصة أخرجها الحميدي في \"النوادر\"، ومن طريقه الخطيب، قال الحميدي: حدثنا سفيان قال: قال رجل للزهري: يا أبا بكر قول النبي ﷺ: \"ليس منا من شقَّ الجيوب\" ما معناه؟ فقال الزهري: من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم. (فتح الباري ١٣/ ٥٠٤).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وفي آخره بلفظ: \"إلا أن يقطعه\".","vol":"7","page":292},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ قال: فهؤلاء رجال أسلموا من مكة، فأرادوا أن يأتوا رسول الله ﷺ، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله ﷺ رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١) وكذا رواه الترمذي، عن محمد بن يحيى، عن الفريابي وهو محمد بن يوسف به. وقال حسن صحيح ورواه ابن جرير والطبراني من حديث إسرائيل به (^٢)، وروي من طريق العوفي، عن ابن عباس نحوه (^٣) وهكذا قال عكرمة مولاه سواء.\n\n<span id=\"aya-5214\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ يقول تعالى: إنما الأموال والأولاد فتنة؛ أي: اختبار وابتلاء من الله تعالى لخلقه ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ﴾ أي: يوم القيامة أجر عظيم كما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران] والتي بعدها.\nقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بُريدة، سمعت أبا بُريدة يقول: كان رسول الله ﷺ يخطب فجاء الحسن والحسين ﵄ عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: \"صدق الله ورسوله، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما\" (^٤) ورواه أهل السنن من حديث حسين بن واقد به، وقال الترمذي: حسن غريب إنما نعرفه من حديثه (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا شُريح بن النعمان، حدثنا هشيم، أخبرنا مجالد، عن الشعبي، حدثنا الأشعث بن قيس قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كِندة فقال لي: \"هل لك ولد؟ \" قلت: غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جَمْد، ولوددت أن بمكانه سبع القوم. فقال: \"لا تقولن ذلك، فإن فيهم قرة عين وأجرًا إذا قبضوا\"، ثم قال: \"ولئن قلت ذاك إنهم لمجبنة محزنة (^٦)، إنهم لمجبنة محزنة\" (^٧). تفرد به أحمد.\n_________\n(^١) سنده حسن.\n(^٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة التغابن (ح ٣٣١٤) والمعجم الكبير للطبراني ١١/ ٢٧٥ (ح ١١٧٢٠). وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٤٢).\n(^٣) سنده ضعيف ويتقوى بسابقه فقد تبع العوفي في الرواية السابقة.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٩٩، ١٠٠ ح ٢٢٩٩٥) وقال محققوه: إسناده قوي.\n(^٥) سنن أبي داود، الصلاة، باب الإمام يقطع الخطبة (ح ١١٠٩) وسنن الترمذي، المناقب، باب مناقب الحسن والحسين (ح ٣٧٧٦) وسنن النسائي، الجمعة، باب نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة ٣/ ١٩٢ وسنن ابن ماجه، اللباس، باب لبس الأحمر للرجال (ح ٣٦٠٠). وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٩٠٠).\n(^٦) قال البغوي: أراد أن الرجل إذا كثر ولده بخل بماله إبقاءً عليهم، وجبت عن الحروب استبقاءً لنفسه. (شرح السنة ١٣/ ٢٦).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ١٦١ ح ٢١٨٤٠) وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد =","vol":"7","page":293},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمود بن بكر، حدثنا أبي، عن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"الولد ثمرة القلوب، وإنهم مجبنة محزنة\". ثم قال: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد (^١).\nوقال الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس عدوك الذي إن قتلته كان فوزًا لك وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن الذي لعله عدو لك ولدك الذي خرج من صلبك ثم أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-5215\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أي: جهدكم وطاقتكم كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه\" (^٣). وقد قال بعض المفسرين كما رواه مالك، عن زيد بن أسلم إن هذه الآية ناسخة للتي في آل عمران وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران] (^٤).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء هو ابن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال: لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرَّحت جباههم، فأنزل الله تعالى هذه الآية تخفيفًا على المسلمين: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فنسخت الآية الأولى (^٥).\nوروى عن أبي العالية وزيد بن أسلم وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (^٦).\nوقوله: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ أي: كونوا منقادين لما يأمركم الله به ورسوله، ولا تحيدوا عنه يمنة ولا يسرة، ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا تتخلفوا عما به أمرتم، ولا تركبوا ما عنه زجرتم.\nوقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: وابذلوا مما رزقكم الله على الأقارب والفقراء\n_________\n= ضعيف، مجالد وهو ابن سعيد الهمداني ضعيف. اهـ. ولو قالوا: حسن لغيره لكان أحسن.\n(^١) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (المسند ٢/ ٢٤٧ ح ١٧٩٧) وسنده ضعيف لضعف عطية وهو العوفي. (مجمع الزوائد ٨/ ١٥٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٣/ ٢٩٤ ح ٣٤٤٥) وسنده ضعيف لضعف رواية إسماعيل بن عياش عن أبيه كما في التقريب.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحشر آية ٧.\n(^٤) سنده صحيح لكنه مرسل ويتقوى بما يليه من المراسيل.\n(^٥) سنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل السابقة واللاحقة.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة لكنه مرسل، وبقية الآثار عن أبي العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم والسدي تقدم ذكرها في تفسير سورة آل عمران آية ١٠٢.","vol":"7","page":294},{"text":"والمساكين وذوي الحاجات، وأحسنوا إلى خلق الله كما أحسن الله إليكم، يكن خيرًا لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شرًا لكم في الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تقدم تفسيره في سورة الحشر (^١)، وذكر الأحاديث الواردة في معنى هذه الآية بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-5216\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: مهما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ومهما تصدقتم من شيء فعليه جزاؤه ونزل ذلك منزلة القرض له كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول: \"من يقرض غير ظلوم ولا عديم\" (^٢) ولهذا قال تعالى: ﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ كما تقدم في سورة البقرة ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥].\nويغفر لكم أي: ويكفر عنكم السيئات ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾ أي: يجزي على القليل بالكثير ﴿حَلِيمٌ﴾ أي: يصفح ويغفر ويستر ويتجاوز عن الذنوب والزلات والخطايا والسيئات\n\n<span id=\"aya-5217\"></span>﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ تقدم تفسيره غير مرة.\nآخر تفسير سورة التغابن، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) في الآية رقم ٩.\n(^٢) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁. (الصحيح، صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر آخر الليل ح ٧٥٨/ ١٧١).","vol":"7","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-188>سُورَةُ الطَّلَاقِ</span>\nوهي مدنية\n\n<span id=\"aya-5218\"></span>﷽\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾.\nخوطب النبي ﷺ أولًا تشريفًا وتكريمًا، ثم خاطب الأمة تبعًا فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب بن سعيد الهباري، حدثنا أسباط بن محمد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: طلَّق رسول الله ﷺ حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فقيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة (^١). ورواه ابن جرير، عن ابن بشار، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة فذكره مرسلًا (^٢). وقد ورد من غير وجه أن رسول الله ﷺ طلَّق حفصة ثم راجعها.\nوقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر أخبره أنه طلَّق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله ﷺ فتغيَّظ رسول الله ﷺ منه ثم قال له: \"ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسَّها، فتلك العدة التي أمر بها الله ﷿\" (^٣). هكذا رواه البخاري ههنا وقد رواه في مواضع من كتابه ومسلم ولفظه: \"فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء\" (^٤). ورواه أصحاب الكتب والمسانيد من طريق متعددة وألفاظ كثيرة ومواضع استقصائها كتب الأحكام.\n_________\n(^١) في سنده أسباط بن محمد ثقة لكن فيه ضعف يسير (تهذيب التهذيب ١/ ٢١١) وقد أخرجه من هو أوثق منه مرسلًا كما في رواية الطبري التالية، فقد أخرجه عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة مرسلًا، وهو أرجح.\n(^٢) أخرجه الطبري عن ابن بشار به، ورجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة الطلاق باب رقم ١ ح ٤٩٠٨).\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث ابن عمر ﵄ (الصحيح، الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ح ١٤٧١).","vol":"7","page":296},{"text":"وأمسُّ لفظ يورد ههنا ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عَزَّة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع ذلك، كيف ترى في الرجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته حائضًا على عهد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"ليراجعها\". فردَّها. وقال: إذا طهرت فليطلق أو يمسك. قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (^١).\nوقال الأعمش: عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: الطهر من غير جماع (^٢). وروي عن ابن عمر وعطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين وقتادة وميمون بن مهران ومقاتل بن حيان مثل ذلك وهو رواية عن عكرمة والضحاك (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة (^٤).\nوقال عكرمة: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ العدة: الطهر، والقرء: الحيضة أن يطلقها حبلى مستبينًا حملها ولا يطلقها وقد طاف عليها ولا يدري حبلى هي أم لا.\nومن ههنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق، وقسموه إلى طلاق سنة وطلاق بدعة، فطلاق السنة أن يطلقها طاهرة من غير جماع أو حاملًا قد استبان حملها، والبدعي هو أن يطلقها في حال الحيض أو في طهر قد جامعها فيه ولا يدري أحملت أم لا؟ وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة وهو طلاق الصغيرة والآيسة وغير المدخول بها، وتحرير الكلام في ذلك وما يتعلق به مستقصى في كتب الفروع والله ﷾ أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ أي: احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها، لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ أي: في ذلك.\nوقوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ أي: في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها ولا يجوز لها أيضًا الخروج لأنها معتقلة لحق الزوج أيضًا.\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي: لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج به بلفظ: \"أو ليمسك\". (الصحيح، الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ح ١٤٧١/ ١٤).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق الثوري عن الأعمش به.\n(^٣) قول ابن عمر تقدم مرفوعًا، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود (المصنف ٥/ ٣) وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا بسند حسن من طريق هشام عن ابن سيرين والحسن. (المصدر السابق ٥/ ٢)، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.","vol":"7","page":297},{"text":"مبينة فتخرج من المنزل والفاحشة المبينة تشمل الزنا كما قاله ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والحسن وابن سيرين ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير أبو قلابة وأبو صالح والضحاك وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والسدي وسعيد بن أبي هلال وغيرهم (^١).\nوتشمل ما إذا نشزت المرأة أو بذت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال كما قاله أُبي بن كعب وابن عباس (^٢) وعكرمة وغيرهم. وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: شرائعه ومحارمه ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي: يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها فقد ظلم نفسه؛ أي: بفعل ذلك.\nوقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أي: إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة لعل الزوج يندم على طلاقها ويخلق الله تعالى في قلبه رجعتها فيكون ذلك أيسر وأسهل.\nقال الزهري: عن عبيد الله بن عبد الله، عن فاطمة بنت قيس في قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قالت: هي الرجعة (^٣). وكذا قال الشعبي وعطاء وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان والثوري (^٤).\nومن ههنا ذهب من ذهب من السلف ومن تابعهم كالإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى إلى أنه لا تجب السكنى للمبتوتة؛ أي: المقطوعة وكذا المتوفى عنها زوجها، واعتمدوا أيضًا على حديث فاطمة بنت قيس الفهرية حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات وكان غائبًا عنها باليمن، فأرسل إليها بذلك فأرسل إليها وكيله بشعير يعني نفقة فتسخطته فقال: والله ليس لكي علينا نفقة، فأتت رسول الله ﷺ فقال: \"ليس لك عليه نفقة\" (^٥). ولمسلم ولا \"سكنى\"، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: \"تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدِّي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك\" الحديث (^٦).\nوقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر فقال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويشهد له ما أخرجه الحاكم من قول ابن عمر وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٩١)، وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي وهب عن ابن زيد، وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند ضعيف من طريق صالح بن مسلم عن عامر الشعبي وصالح بن مسلم هو ابن رومان وهو ضعيف (التقريب ص ٥٤٥) ويشهد له ما تقدم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٤/ ١٧٤) والطبري بسند حسن من طريق محمد بن إبراهيم عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الزهري به (مصنف عبد الرزاق رقم ١٢٠٢٤).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق ابن علية عن أيوب عن عكرمة، (المصنف ٥/ ٢٦٢) وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أيوب عن الحسن.\n(^٥) أخرجه مسلم بنحوه (الصحيح، باب المطلقة ثلاثًا ح ١٤٨٠/ ٤١).\n(^٦) المصدر السابق (١٤٨٠/ ٤٢).","vol":"7","page":298},{"text":"حدثنا عامر قال: قدمت المدينة فأتيت فاطمة بنت قيس فحدثتني أن زوجها طلقها على عهد النبي ﷺ، فبعثه رسول الله ﷺ في سرية قالت: فقال لي أخوه: اخرجي من الدار. فقلت: إن لي نفقة وسكنى حتى يحلّ الأجل. قال: لا. قالت: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن فلانًا طلقني وإن أخاه أخرجني ومنعني السكنى والنفقة فقال له: \"ما لك ولابنة آل قيس\". قال: يا رسول الله إن أخي طلقها ثلاثًا جميعًا. قالت: فقال رسول الله ﷺ: \"انظري يا بنت آل قيس إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى اخرجي فانزلي على فلانة\"، ثم قال: \"إنه يتحدث إليها انزلي على ابن أم مكتوم فإنه أعمى لا يراك\" (^١). وذكر تمام الحديث.\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الله البزار التُّستري، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدثنا بكر بن بكار، حدثنا سعيد بن يزيد البجلي، حدثنا عامر الشعبي أنه دخل على فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس القرشي وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي فقالت: إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي وهو منطلق في جيش إلى اليمن بطلاقي، فسألت أولياءه النفقة علي والسكنى فقالوا: ما أرسل إلينا في ذلك شيئًا ولا أوصانا به، فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي بطلاقي فسألت أولياءه السكنى والنفقة علي فقال أولياؤه: لم يرسل إلينا في ذلك بشيء. فقال رسول الله ﷺ: \"إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة فإذا كانت لا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره فلا نفقة لها ولا سكنى\" (^٢). وكذا رواه النسائي عن أحمد بن يحيى الصوفي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سعيد بن يزيد (^٣) وهو الأحمسي البجلي الكوفي قال أبو حاتم الرازي: وهو شيخ يروى عنه.\n\n<span id=\"aya-5219\"></span>\n\n<span id=\"aya-5220\"></span>﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾.\nيقول تعالى: إذا بلغت المعتدات أجلهن أي: شارفن على انقضاء العدة وقاربن ذلك ولكن لم تفرغ العدة الكلية، فحينئذٍ إما أن يعزم الزوج على إمساكها وهو رجعتها إلى عصمة نكاحه والاستمرار بها على ما كانت عليه عنده بمعروف؛ أي: محسنًا إليها في صحبتها، وإما أن يعزم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٦/ ٣٧٣) وسنده ضعيف لضعف مجالد، ويتقوى بالشاهد الصحيح السابق في صحيح مسلم.\n(^٢) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢٤/ ٣٨٢ ح ٩٤٨)، وأخرجه النسائي من طريق الفضل بن دكين عن سعيد بن يزيد به. (السنن، الطلاق، باب الرخصة في ذلك ٦/ ١٤٤ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ح ٣١٨٨).\n(^٣) الجرح والتعديل ٤/ ٧٤.","vol":"7","page":299},{"text":"على مفارقتها بمعروف؛ أي: من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف بل يطلقها على وجه جميل وسبيل حسن.\nوقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: على الرجعة إذا عزمتم عليها كما رواه أبو داود وابن ماجه، عن عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق المرأة ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، وأشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد (^١).\nوقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل كما قال الله ﷿ إلا أن يكون من عذر.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: هذا الذي أمرناكم به من الإشهاد وإقامة الشهادة إنما يأتمر به من يؤمن بالله واليوم الآخر، وأنه شرع هذا ومن يخاف عقاب الله في الدار الآخرة.\nومن ههنا ذهب الشافعي في أحد قوليه إلى وجوب الإشهاد في الرجعة كما يجب عنده في ابتداء النكاح، وقد قال بهذا طائفة من العلماء، ومن قال بهذا يقول: إن الرجعة لا تصح إلا بالقول ليقع الإشهاد عليها.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ أي: ومن يتق الله فيما أمره به وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ أي: من جهة لا تخطر بباله.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا كهمس بن الحسن، حدثنا أبو السليل، عن أبي ذرٍّ قال: جعل رسول الله ﷺ يتلو عليَّ هذه الآية ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ حتى فرغ من الآية ثم قال: \"يا أبا ذرٍّ لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم\". قال: فجعل يتلوها ويرددها عليَّ حتى نعست، ثم قال: \"يا أبا ذرّ كيف تصنع إذا أخرجت من المدينة؟ \" قلت: إلى السعة والدعة أنطلق فأكون حمامة من حمام مكة. قال: \"كيف تصنع إذا خرجت من مكة؟ \". قال: قلت: إلى السعة والدعة إلى الشام والأرض المقدسة قال: \"وكيف تصنع إذا خرجت من الشام؟ \" قلت: إذًا والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي. قال: \"أو خير من ذلك؟ \" قلت: أو خير من ذلك؟ قال: \"تسمع وتطيع وإن كان عبدًا حبشيًا\" (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا علي بن عبيد، حدثنا زكريا، عن عامر، عن [شُتير] (^٣) بن شَكل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الطلاق، باب الرجل يراجع ولا يشهد (ح ٢١٨٦) وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب الرجعة (ح ٢٠٢٥) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩١٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ٤٣٦ ح ٢١٥٥١) وضعف سنده محققوه لأن أبا السليل لم يدرك أبا ذرٍّ.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"شتل\".","vol":"7","page":300},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] وإن أكبر آية في القرآن فرجًا ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (^١).\nوفي المسند: حدثني مهدي بن جعفر، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الحكم بن مصعب، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كلِّ همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب\" (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ يقول: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (^٣).\nوقال الربيع بن خثيم: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ أي: من كل شيء ضاق على الناس (^٤).\nوقال عكرمة: من طلق كما أمره الله يجعل له مخرجًا (^٥). وكذا روي عن ابن عباس والضحاك (^٦).\nوقال ابن مسعود ومسروق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ يعلم أن الله إن شاء أعطى وإن شاء منع ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ أي: من حيث لا يدري (^٧).\nوقال قتادة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ أي: من شبهات الأمور والكرب عند الموت، ويرزقه من حيث لا يحتسب من حيث لا يرجو ولا يأمل.\nوقال السدي: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ يطلق للسنة ويراجع للسنة وزعم أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له عوف بن مالك الأشجعي كان له ابن، وأن المشركين أسروه فكان فيهم، وكان أبوه يأتي رسول الله ﷺ فيشكو إليه مكان ابنه وحاله التي هو بها وحاجته، فكان رسول الله ﷺ يأمره بالصبر ويقول له: إن الله سيجعل لك فرجًا، فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرًا أن انفلت ابنه من أيدي العدو، فمر بغنم من أغنام العدو فاستقاها فجاء بها إلى أبيه وجاء معه [بغنم] (^٨) قد أصابه من المغنم، فنزلت فيه هذه الآية ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (^٩) رواه ابن جرير.\n_________\n(^١) سنده جيد.\n(^٢) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد وجادة عن أبيه عن مهدي بن جعفر الرملي به. (المسند ٤/ ١٠٤ ح ٢٢٣٤) وضعف سنده محققوه لجهالة الحكم بن مصعب.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٤/ ٣٧١) والطبري من طريق الربيع بن المنذر عن أبيه عن الربيع بن خثيم. والربيع بن المنذر سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ويشهد له ما يليه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مسروق عن ابن مسعود مختصرًا. وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي الضحى عن مسروق.\n(^٨) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أسباط عن السدي وسنده مرسل.","vol":"7","page":301},{"text":"وروي أيضًا من طريق سالم بن أبي الجعد مرسلًا نحوه (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر\" (^٢) رواه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان وهو الثوري به (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق: جاء مالك الأشجعي إلى رسول الله ﷺ فقال له: أُسر ابني عوف. فقال له رسول الله ﷺ: \"أرسل إليه أن رسول الله يأمرك أن تكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله\"، وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه فخرج فإذا هو بناقة لهم فركبها وأقبل، فإذا بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه فصاح بهم فاتبع أولها آخرها فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب فقال أبوه: عوف ورب الكعبة! فقالت أمه: واسوأتاه وعوف [كيف يقدم] (^٤) بما هو فيه من القد؟ فاستبقا الباب والخادم فإذا هو عوف قد ملأ الفناء إبلًا، فقصَّ على أبيه أمره وأمر الإبل فقال أبوه: قفا حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله عنها، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله ﷺ: اصنع بها ما أحببت وما كنت صانعًا بمالك ونزل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (^٥) رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفضيل بن عياض، عن هشام بن حسان، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: \"من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله إليها\" (^٦).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا ليث، حدثنا قيس بن الحاج، عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس أنه حدثه أنه ركب خلف رسول الله ﷺ يومًا فقال له رسول الله ﷺ: \"يا غلام إني معلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد، وسنده مرسل. وأخرجه الحاكم من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: بل منكر فيه عباد بن يعقوب رافضي وعبيد بن كثير العامري متروك (المستدرك ٢/ ٤٩٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/ ٦٨ ح ٢٢٣٨٦) وقال محققوه: حسن لغيره دون قوله: \"إن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه\".\n(^٣) سنن ابن ماجه، الفتن، باب العقوبات (ح ٤٠٢٠) وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٢٤٨) وعزاه المزي إلى النسائي في السنن الكبرى، كتاب الرقاق. (تحفة الأشراف ٢/ ١٣٣) وأخرجه الحاكم من طريق الثوري به كما في رواية الإمام أحمد السابقة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ١/ ٤٩٣).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٥) سنده ضعيف لانقطاعه بين ابن إسحاق ومالك الأشجعي.\n(^٦) سنده ضعيف لضعف إبراهيم بن الأشعث. (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٠٦) وأخرجه الطبراني من طريق إبراهيم بن الأشعث به. (المعجم الصغير ١/ ١١٦).","vol":"7","page":302},{"text":"تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف\".\nوقد رواه الترمذي من حديث الليث بن سعد وابن لهيعة به وقال: حسن صحيح (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"من نزل به حاجة فأنزلها بالناس كان قَمِنًا (^٢) أن لا تسهل حاجته، ومن أنزلها بالله تعالى أتاه الله برزق عاجل أو بموت آجل\" (^٣). ثم رواه عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن بشير، عن سيار أبي حمزة ثم قال: وهو الصواب، وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ أي: منفذ قضاياه وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاؤه ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ كقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].\n\n<span id=\"aya-5221\"></span>﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾.\nيقول تعالى مبينًا لعدة الآيسة وهي التي قد انقطع عنها المحيض لكبرها إنها ثلاثة أشهر عوضًا عن الثلاثة قروء في حق من تحيض كما دلَّت على ذلك آية البقرة (^٤) كذا الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض؛ أي: عدتهن كعدة الآيسة ثلاثة أشهر ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.\nوقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: وهو قول طائفة من السلف كمجاهد والزهري وابن زيد؛ أي: إن رأين دمًا وشككتم في كونه حيضًا أو استحاضة وارتبتم فيه (^٥).\nوالقول الثاني: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في حكم عدتهن ولم تعرفوه فهو ثلاثة أشهر وهذا مروي عن سعيد بن جبير وهو اختيار ابن جرير وهو أظهر في المعنى واحتج عليه بما رواه عن أبي كريب وابن السائب قالا: حدثنا ابن إدريس، أخبرنا مُطرِّف، عن عمرو بن سالم قال: قال أُبي بن كعب: يا رسول الله إن عِدَدًا من عِدَد النساء لم تذكر في الكتاب الصغار والكبار وأولات الأحمال قال فأنزل الله ﷿: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الزمر آية ٣٨.\n(^٢) أي: جديرًا. (ينظر: النهاية ٤/ ١١١).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٢٤ ح ٣٦٩٦) قال محققوه: إسناده حسن على خطأ في اسم أحد رواته، سبار هذا هو أبو حمزة .. اهـ. وقد نبه الحافظ ابن كثير على ذلك بعد الحديث مباشرة.\n(^٤) آية رقم ٢٢٨.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الزهري، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.","vol":"7","page":303},{"text":"وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^١) ورواه أبن أبي حاتم بأبسط من هذا السياق فقال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن مُطرِّف، عن عمر بن سالم (^٢)، عن أُبي ابن كعب قال: قلت لرسول الله ﷺ: إن ناسًا من أهل المدينة لما أنزلت هذه الآية التي في البقرة في عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدد لم يذكر في القرآن الصغار والكبار اللائي قد انقطع منهن الحيض وذوات الحمل. قال: فأنزلت التي في النساء القصرى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (^٣).\nوقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ يقول تعالى ومن كانت حاملًا فعدتها بوضعه، ولو كان بعد الطلاق أو الموت بفواق [ناقة] (^٤) في قول جمهور العلماء من السلف والخلف: كما هو نصُّ هذه الآية الكريمة وكما وردت به السنة النبوية، وقد روي عن علي وابن عباس ﵃ أنهما ذهبا في المتوفى عنها زوجها أنها تعتدَّ بأبعد الأجلين من الوضع أو الأشهر عملًا بهذه الآية والتي في سورة البقرة (^٥).\nوقال البخاري: حدثنا [سعد] (^٦) بن حفص، حدثنا شيبان، عن يحيى، قال أخبرني أبو سلمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس وأبو هريرة جالس فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة. فقال ابن عباس: آخر الأجلين. قلت أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي يعني أبا سلمة فأرسل ابن عباس غلامه كريبًا إلى أُم سلمة يسألها فقالت: قتل زوج سُبيعة الأسلمية وهي حبلى فولدت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله ﷺ وكان أبو السنابل فيمن خطبها (^٧). هكذا أورد البخاري هذا الحديث ههنا مختصرًا، وقد رواه هو ومسلم وأصحاب الكتب مطولًا من وجوه أُخر (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن أسامة، أخبرنا هشام، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة أن سُبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حامل فلم يمكث إلا ليالي حتى وضعت، فلما تعلَّت من نفاسها خُطبت، فاستأذنت رسول الله ﷺ في النكاح، فأذن لها أن تنكح فنُكحت (^٩). ورواه البخاري في صحيحه ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق عنها، كما قال مسلم بن الحجاج: حدثني أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سُبيعة بنت الحارث الأسلمية، فيسألها عن حديثها وعمّا قال لها رسول الله ﷺ حين استفتته، فكتب عمر بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده عمرو بن سالم وهو أبو عثمان الأنصاري: مقبول (التقريب ص ٦٥٧) ولم يتابع، وسنده ضعيف.\n(^٢) قيل عمر بن سالم وقيل عمرو بن سالم (التقريب ص ٦٥٧).\n(^٣) سنده ضعيف كسابقه.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٥) آية ٢٢٨.\n(^٦) كذا في صحيح البخاري، وفي الأصل و(ح) صحف بلفظ: \"سعيد\".\n(^٧) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ح ٤٩٠٩).\n(^٨) سيأتي أحد الوجوه بعد الرواية التالية.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١/ ٢٣٥ ح ١٨٩١٨) وصحح سنده محققوه.","vol":"7","page":304},{"text":"عبد الله يخبره أن سُبيعة أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة وكان ممن شهد بدرًا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال لها: ما لي أراك متجملة لعلك ترجين النكاح! إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سُبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي (^١). هذا لفظ مسلم ورواه البخاري مختصرًا ثم قال البخاري بعد روايته الحديث الأول عند هذه الآية: وقال سليمان بن حرب وأبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد هو ابن سيرين قال: كنت في حلقة فيها عبد الرحمن بن أبي ليلى وكان أصحابه يعظمونه فذكر آخر الأجلين فحدثت بحديث سُبيعة بنت الحارث، عن عبد الله بن عتبة قال فضمز (^٢) لي بعض أصحابه، قال محمد: ففطنت له فقلت: إني لجريء أن أكذب على عبد الله وهو في ناحية الكوفة. قال: فاستحيا وقال: لكن عمه لم يقل ذلك، فلقيت أبا عطية مالك بن عامر فسألته فذهب يحدثني بحديث سُبيعة فقلت: هل سمعت عن عبد الله فيها شيئًا؟ فقال: كنا عند عبد الله فقال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة؟ فنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٣) ورواه ابن جرير من طريق سفيان بن عيينة وإسماعيل ابن علية، عن أيوب به مختصرًا ورواه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين … فذكره (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثني ابن شبرمة الكوفي، عن إبراهيم، عن علقمة ببنى قيس أن عبد الله بن مسعود قال: من شاء لاعنته ما نزلت ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها قال: وإذا وضعت المتوفى عنها زوجها فقد حلَّت. يريد بآية المتوفى عنها زوجها ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقد رواه النسائي من حديث سعيد بن أبي مريم (^٥) به.\nثم قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن مَنيع، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن خالد، عن الشعبي قال: ذكر عند ابن مسعود آخر الأجلين، فقال: من شاء قاسمته بالله أن هذه الآية التي في النساء القصرى نزلت بعد الأربعة الأشهر والعشر، ثم قال: أجل الحامل أن تضع ما في بطنها (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها ح ١٤٨٤).\n(^٢) أي: أشار إليه أن أسكت. (فتح الباري ٨/ ٦٥٥).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ح ٤٩١٠).\n(^٤) تفسير الطبري والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (ح ١١٠٤٣).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه النسائي من طريق سعيد بن أبي مريم به (السنن الكبرى ح ٥٧١٦) وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه ولاحقه.","vol":"7","page":305},{"text":"سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: بلغ ابن مسعود أن عليًا ﵁ يقول: آخر الأجلين. فقال: من شاء لاعنته فإن التي في النساء القصرى نزلت بعد البقرة ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي معاوية، عن الأعمش (^١).\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني محمد بن أبي بكر المقدمي، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، حدثني المثنى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن أُبي بن كعب قال: قلت للنبي ﷺ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ المطلقة ثلاثًا أو المتوفى عنها زوجها؟ فقال: \"هي للمطلقة ثلاثًا وللمتوفى عنها\" (^٢). هذا حديث غريب جدًا بل منكر لأن في إسناده المثنى بن الصباح وهو متروك الحديث بمرة ولكن رواه ابن أبي حاتم بسند آخر فقال حدثنا محمد بن داود السماني، حدثنا عمرو بن خالد يعني: الحراني، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أُبي بن كعب أنه لما نزلت هذه الآية قال لرسول الله ﷺ: لا أدري أمشتركة أم مبهمة؟ قال رسول الله ﷺ: \"أية آية\"؟ قال: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ المتوفى عنها والمطلقة؟ قال: \"نعم\" (^٣). وكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن موسى بن داود، عن ابن لهيعة به (^٤). ثم رواه عن أبي كريب أيضًا عن مالك بن إسماعيل، عن ابن عيينة، عن عبد الكريم بن أبي المخارق أنه حدث عن أُبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قال: أجل كل حامل أن تضع ما في بطنها\" (^٥). عبد الكريم هذا ضعيف ولم يدرك أُبيًا.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ أي: يسهل له أمره وييسره عليه ويجعل له فرجًا قريبًا ومخرجًا عاجلًا.\n\n<span id=\"aya-5222\"></span>ثم قال: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ أي: حكمه وشرعه أنزله إليكم بواسطة رسول الله ﷺ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ أي: يذهب عه المحذور ويجزل له الثواب على العمل اليسير.\n\n<span id=\"aya-5223\"></span>﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده إذا طلق أحدهم المرأة أن يسكنها في منزل حتى تنقضي عدتها فقال:\n_________\n(^١) سنن أبي داود، الطلاق، باب في عدة الحامل (ح ٢٣٠٧)، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب الحامل إذا توفي عنها زوجها (ح ٢٠٣٠) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٠٢٢).\n(^٢) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد بسنده ومتنه في زوائده. (المسند ٣٥/ ٣٤ ح ٢١١٠٨) وضعفه محققوه لضعف المثنى بن الصباح.\n(^٣) سنده ضعيف بسبب ما قيل في ابن لهيعة.\n(^٤) أخرجه الطبري عن أبي كريب به، وسنده كسابقه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري من طريق عبد الكريم به (المصنف رقم ١١٧١٧) وسنده منقطع لعدم سماع عبد الكريم من أُبي ﵁.","vol":"7","page":306},{"text":"﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ أي: عندكم من وجدكم قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد يعني: سعتكم (^١). حتى قال قتادة: إن لم تجد إلا جنب بيتك فأسكنها فيه (^٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ قال مقاتل بن حيان: يعني يضاجرها لتفتدي منه بمالها أو تخرج من مسكنه.\nوقال الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ قال: يطلقها فإذا بقي يومان راجعها (^٣).\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قال كثير من العلماء منهم: ابن عباس وطائفة من السلف وجماعات من الخلف هذه في البائن إن كانت حاملًا أنفق عليها حتى تضع حملها (^٤)، قالوا: بدليل أن الرجعية تجب نفقتها سواء كانت حاملًا أو حائلًا.\nوقال آخرون: بل السياق كله في الرجعيات (^٥)، وإنما نصَّ على الإنفاق على الحامل وإن كانت رجعية؛ لأن الحمل تطول مدته غالبًا فاحتيج إلى النصِّ على وجوب الإنفاق إلى الوضع لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة.\nثم اختلف العلماء هل النفقة لها بواسطة الحمل أم للحمل وحده؟ على قولين منصوصين عن الشافعي وغيره ويتفرع عليها مسائل كثيرة مذكورة في علم الفروع.\nوقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أي: إذا وضعن حملهن وهن طوالق فقد بنَّ بانقضاء عدتهن، ولها حينئذٍ أن ترضع الولد ولها أن تمتنع منه، ولكن بعد أن تغذيه باللبأ، وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للمولود غالبًا إلا به، فإن أرضعت استحقت أجر مثلها، ولها أن تعاقد أباه أو وليه على ما يتفقان عليه من أجرة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.\nوقوله: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: ولتكن أموركم فيما بينكم بالمعروف من غير إضرار ولا مضارة كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [٢٣٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ أي: وإن اختلف الرجل والمرأة فطلبت المرأة في أجرة الرضاع كثيرًا ولم يجبها الرجل إلى ذلك أو بذل الرجل قليلًا ولم توافقه عليه فليسترضع له غيرها، فلو رضيت الأم بما استؤجرت به الأجنبية فهي أحق بولدها.\n\n<span id=\"aya-5224\"></span>وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ أي: لينفق على المولود والده ووليه بحسب قدرته ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nروى ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، عن أبي سنان قال سأل عمر بن الخطاب،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بخبر مجاهد الذي أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٣) سنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن إبراهيم النخعي بنحوه.","vol":"7","page":307},{"text":"عن أبي عبيدة فقيل إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن الطعام فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها إذا هو أخذها فما لبث أن لبس اللين من الثياب، وأكل أطيب الطعام فجاءه الرسول فأخبره فقال رحمه الله تعالى تأول هذه الآية ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (^١).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، أخبرني أبي، أخبرني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد بن أبي مالك الأشعري واسمه: الحارث قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة نفر كان لأحدهم عشرة دنانير، فتصدق منها بدينار، وكان لآخر عشر أواق فتصدف منها بأوقية، وكان لآخر مائة أوقية فتصدق منها بعشر أواق\"، فقال رسول الله ﷺ: \"هم في الأجر سواء كل قد تصدق بعشر ماله\"، قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (^٢). هذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوقوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾، وعد منه تعالى ووعده حق لا يخلفه وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح].\nوقد روى الإمام أحمد حديثًا يحسن أن نذكره ههنا فقال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب قال: قال أبو هريرة: بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شيء فجاء الرجل من سفره فدخل على امرأته جائعًا قد أصابته مسغبة شديدة، فقال لامرأته: عندك شيء؟ قالت: نعم أبشر أتانا رزق الله، فاستحثها فقال: ويحك ابتغي إن كان عندك شيء، قالت: نعم هنيهة ترجو رحمة الله حتى إذا طال عليه الطوى قال: ويحك قومي فابتغي إن كان عندك شيء فائتيني به فإني قد بلغت وجهدت فقالت: نعم الآن نفتح التنور فلا تعجل فلما أن سكت عنها ساعة وتحينت أن يقول لها قالت من عند نفسها: لو قمت فنظرت إلى تنوري فقامت فنظرت إلى تنورها ملآن من جنوب الغنم ورحييها تطحنان فقامت إلى الرحى فنفضتها واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم. قال أبو هريرة: فوالذي نفس أبي القاسم بيده هو قول محمد ﷺ: لو أخذت ما في رحييها ولم تنفضها لطحنتها إلى يوم القيامة (^٣).\nوقال في موضع آخر: حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو بكر، عن هشام، عن محمد وهو: ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: دخل رجل على أهله فلما رأى ما بهم من الحاجة خرج إلى البرية، فلما رأته امرأته قامت إلى الرحى فوضعتها وإلى التنور فسجرته، ثم قالت: اللَّهم ارزقنا، فنظرت فإذا الجفنة قد امتلأت، قال: وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئًا، قال: فرجع الزوج فقال: أصبتم بعدي شيئًا قالت امرأته: نعم من ربنا فأَم إلى الرحى فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ: أما إنه\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لعدم سماع أبي سنان من عمر ﵁، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.\n(^٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ٣٣١ ح ٣٤٣٩) وسنده ضعيف لضعف رواية محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه كما في التقريب (وينظر مجمع الزوائد ٣/ ١١٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥/ ٢٧٦ ح ٩٤٦٤). وضعف سنده محققوه لضعف شهر بن حوشب.","vol":"7","page":308},{"text":"لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة (^١).\n\n<span id=\"aya-5225\"></span>﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾.\nيقول تعالى متوعدًا لمن خالف أمره وكذب رسله وسلك غير ما شرعه ومخبرًا عما حلَّ بالأمم السالفة بسبب ذلك فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أي: تمردت وطغت واستكبرت عن اتِّباع أمر الله ومتابعة رسله ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ أي: منكرًا فظيعًا.\n\n<span id=\"aya-5226\"></span>﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي: غب مخالفتها وندموا حيث لا ينفعهم الندم ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾\n\n<span id=\"aya-5227\"></span>﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: في الدار الآخرة مع ما عجل لهم من العذاب في الدنيا.\nثم قال بعد ما قصَّ من خبر هؤلاء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بالله ورسوله ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ يعني: القرآن كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر].\n\n<span id=\"aya-5228\"></span>وقوله: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قال بعضهم رسولًا منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة لأن الرسول هو الذي بلغ الذكر.\nوقال ابن جرير: الصواب أن الرسول ترجمة عن الذكر (^٢)؛ يعني: تفسيرًا له ولهذا قال: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: في حال كونها بينة واضحة جلية ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ كقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾ [إبراهيم: ١] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] [أي: من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وقد سمَّى الله تعالى الوحي الذي أنزله نورًا لما يحصل به من الهدى كما سمّاه روحًا لما يحصل به من حياة القلوب، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى] (^٣) وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ قد تقدم تفسير مثل هذا غير مرة بما أغنى عن إعادته.\n\n<span id=\"aya-5229\"></span>﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن قدرته التامة وسلطانه العظيم ليكون ذلك باعثًا على تعظيم ما شرع من\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٢١). وفي سنده أبو بكر وهو ابن عياش فيه مقال: (ينظر ميزان الاعتدال ٤/ ٥٠٠).\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٣) ما بين معقوفين لا يوجد في النسخ الخطية لدي، وقد أضيفت من طبعة الحلبي التي اعتمدت مخطوطة دار الكتب التي لم أظفر بها.","vol":"7","page":309},{"text":"الدين القويم ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ كقوله تعالى إخبارًا عن نوح أنه قال لقومه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ [نوح] وقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: سبعًا أيضًا كما ثبت في الصحيحين: \"من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين\" (^١) وفي صحيح البخاري \"خسف به إلى سبع أرضين\" (^٢) وقد ذكرت طرقه وألفاظه وعزوه في أول البداية والنهاية عند ذكر خلق الأرض ولله الحمد والمنة.\nومن حمل ذلك على سبعة أقاليم فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وخالف القرآن والحديث بلا مستند، وقد تقدم في سورة الحديد عند قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [٣] ذكر الأرضين السبع وبُعد ما بينهن، وكثافة كل واحدة منهن خمسمائة عام، وهكذا قال ابن مسعود وغيره، وكذا في الحديث الآخر: \"ما السماوات السبع وما فيهن وما بينهن والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة\" (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها (^٤).\nوحدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب بن عبد الله بن سعد القمي والأشعري، عن جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي، عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية فقال ابن عباس: ما يؤمنك إن أخبرتك بها فتكفر (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في هذه الآية ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال عمرو: قال في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق.\nوقال ابن المثنى في حديثه: في كل سماء إبراهيم (^٦).\nوروى البيهقي في كتاب \"الأسماء والصفات\" هذا الأثر عن ابن عباس بأبسط من هذا فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أحمد بن يعقوب، حدثنا عبيد بن غنام النخعي، أخبرنا علي بن حكيم، حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس أنه قال: ﴿اللَّهُ\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂. (صحيح البخاري، المظالم، باب إثم من ظلم شيئًا في الأرض ح ٢٤٥٣) وصحيح مسلم، البيوع، باب تحريم الظلم وغصب الأرض (ح ١٦١٢).\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر ﵄ (الصحيح، الباب السابق ح ٢٤٥٤).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الرعد آية ٢.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده إبراهيم بن مهاجر فيه مقال (التقريب ص ٩٤).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق آدم بن أبي إياس عن شعبة به، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٩٣). وصححه البيهقي كما سيأتي بعد الرواية الآتية.","vol":"7","page":310},{"text":"الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى (^١).\nثم رواه البيهقي من حديث شعبة، عن عمر بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: في كل أرض نحو إبراهيم ﵇ (^٢). ثم قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح. وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا، والله أعلم.\nقال الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتابه \"التفكر والاعتبار\": حدثني إسحاق بن حاتم المدائني، حدثنا يحيى بن سليمان، عن عثمان بن أبي دهرش قال: بلغني أن رسول الله ﷺ انتهى إلى أصحابه وهم سكوت لا يتكلمون فقال: \"ما لكم لا تتكلمون؟ \" فقالوا: نتفكر في خلق الله ﷿ قال: \"فكذلك فافعلوا تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا فيه، فإن بهذا المغرب أرضًا بيضاء نورها بياضها - أو قال: بياضها نورها - مسيرة الشمس أربعين يومًا بها خلق من خلق الله تعالى لم يعصوا الله طرفة عين قط\". قالوا: فأين الشيطان عنهم؟ قال: \"ما يدرون خلق الشيطان أم لم يخلق\"، قالوا: أمن ولد آدم؟ قال: \"لا يدرون خلق آدم أم لم يخلق\" (^٣). وهذا حديث مرسل وهو منكر جدًا وعثمان بن أبي دهرس ذكره ابن أبي حاتم في كتابه فقال: روي عن رجل من آل الحكم بن أبي العاص، وعنه سفيان بن عيينة ويحيى بن سليم الطائفي وابن المبارك سمعت أبي يقول ذلك (^٤).\nآخر [تفسير سورة] (^٥) الطلاق.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه. (الأسماء والصفات رقم ٨٣١) وسنده ضعيف فيه شريك وعطاء بن السائب وكلاهما فيهما مقال.\n(^٢) أخرجه البيهقي (المصدر السابق رقم ٨٥١) وتقدم تخريجه وتصحيح الحاكم والذهبي قبل الرواية السابقة.\n(^٣) ضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا، وقوله: \"تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا فيه\" له شاهد صحيح تقدم.\n(^٤) الجرح والتعديل ٦/ ١٤٩.\n(^٥) زيادة من (ح).","vol":"7","page":311},{"text":"<span data-type='title' id=toc-189>سُورَةُ التَّحْرِيمِ</span>\nوهي مدنية\n\n<span id=\"aya-5230\"></span>\n\n<span id=\"aya-5231\"></span>\n\n<span id=\"aya-5232\"></span>﷽\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾.\nاختلف في سبب نزول صدر هذه السورة فقيل نزلت في شأن مارية، وكان رسول الله ﷺ قد حرمها فنزل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآية.\nقال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد، حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها، فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. . .﴾ إلى آخر الآية (^١).\nوقال ابن جرير: حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه فقالت: أي رسول الله في بيتي وعلى فراشي؟ فجعلها عليه حرامًا، قالت: أي رسول الله كيف يحرم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال زيد بن أسلم: فقوله: أنت عليَّ حرام لغو (^٢)، وهكذا روى عبد الرحمن بن زيد عن أبيه (^٣).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم قال: قال لها: أنت عليَّ حرام، والله لا أطؤكِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي بسندة ومتنه. (السنن الكبرى، التفسير باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ح ١١٦٠٧) وأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس. وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٩٣).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال زيد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال زيد.","vol":"7","page":312},{"text":"وقال سفيان والثوري وابن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال: آلى رسول الله ﷺ وحرَّم، فعوتب في التحريم، وأُمر بالكفارة في اليمين (^١). رواه ابن جرير وكذا روي عن قتادة وغيره عن الشعبي نفسه (^٢) وكذا قال غير واحد من السلف منهم الضحاك والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان، وروى العوفي عن ابن عباس القصة مطولة (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة، وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم مارية أصابها النبي ﷺ في بيت حفصة في نوبتها فوجدت حفصة، فقالت: يا نبي الله لقد جئت إلي شيئًا ما جئت إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري وعلى فراشي، قال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟ قالت: بلى فحرمها، وقال لها: لا تذكري ذلك لأحد فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآيات كلها فبلغنا أن رسول الله ﷺ -كفَّر عن يمينه وأصاب جاريته (^٤).\nوقال الهيثم بن كليب في مسنده: حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: قال النبي ﷺ لحفصة: \"لا تخبري أحدًا، وإن أم إبراهيم عليَّ حرام\". فقالت: أتحرم ما أحلَّ لك؟ قال: فوالله لا أقربها. قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، قال: فأنزل الله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (^٥). وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه من أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الضياء المقدسي في كتابه المستخرج (^٦).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُليَّة، حدثنا هشام الدستوائي، قال: كتب إليَّ يحيى يحدث، عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير أن ابن عباس كان يقول: في الحرام يمين تكفرها. وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (^٧)، يعني: أن رسول الله ﷺ حرَّم جاريته فقال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فكفر يمينه فصيَّر الحرام يمينًا. ورواه البخاري عن معاذ بن فضالة عن هشام هو الدستوائي عن يحيى هو ابن أبي كثير، عن ابن حكيم وهو: يعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: في الحرام يمين تكفر.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال مسروق.\n(^٢) أخرجه الطبري وهو مرسل أيضًا.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق.\n(^٥) في سنده عبد الملك بن محمد الرقاشي صدوق يخطئ تغير حفظه لما سكن بغداد (التقريب ص ٣٦٥).\n(^٦) أخرجه الضياء المقدسي من طريق الهيثم بن كليب به. (المختارة ٥/ ٦٩، ٧٠ ح ١٦٩٤، ١٦٩٥).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق ابن عُليَّة به (الصحيح، الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرّم امرأته ولم ينو الطلاق ح ١٤٧٣).","vol":"7","page":313},{"text":"وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (^١) [الأحزاب: ٢١]. ورواه مسلم من حديث هشام الدستوائي به (^٢).\nوقال النسائي: أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد بن علي، حدثنا مخلد هو: ابن يزيد، حدثنا سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي عليَّ حرامًا. قال: كذبت ليست عليك بحرام ثم تلى هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة (^٣). تفرد به النسائي من هذا الوجه بهذا اللفظ.\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال: حرم رسول الله ﷺ سريته (^٤).\nومن ههنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال: بوجوب الكفارة على من حرَّم جاريته أو زوجته أو طعامًا أو شرابًا أو ملبسًا أو شيئًا من المباحات، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة.\nوذهب الشافعي إلا أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية إذا حرم عينيهما أو أطلق التحريم فيهما في قول، فأما إذا نوى بالتحريم طلاق الزوجة أو عتق الأمة نفذ فيهما.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العدني، أخبرنا الحكم بن أبان، أخبرنا عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ في المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ (^٥). وهذا قول غريب.\nوالصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل كما قال البخاري عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير إني أجد منك ريح مغافير، قال: \"لا ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا\" (^٦) ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ هكذا أورد هذا الحديث ههنا بهذا اللفظ.\nوقال في كتاب الأيمان والنذور: حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج قال: زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول: سمعت عائشة تزعم أن رسول الله ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلًا، فتواطأتُ أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. . .﴾ [التحريم: ١] ح ٤٩١١).\n(^٢) تقدم عزوه قبل الرواية السابقة.\n(^٣) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب تأويل قوله ﷿ ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ٦/ ١٥١) وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٨٦ ح ١١٨٣٠) وسنده ضعيف لضعف مسلم وهو ابن كيسان الضبي روى عن مجاهد، وروى عنه إسرائيل. (تهذيب التهذيب ١٠/ ١٣٥).\n(^٥) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني كما في التقريب.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، باب ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. . .﴾ ح ٤٩١٢).","vol":"7","page":314},{"text":"فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما النبي ﷺ فقالت ذلك، فقال: \"لا بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود له\"، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لعائشة وحفصة: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله: بل شربت عسلًا.\nوقال إبراهيم بن موسى، عن هشام: ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدًا (^١).\nوهكذا رواه في كتاب الطلاق بهذا الإسناد ولفظه قريب منه (^٢). ثم قال: المغافير شبيه بالصمغ يكون في الرمث فيه حلاوة. أغفر الرمث إذا ظهر فيه، واحدها مغفور ويقال: مغافير (^٣)، وهكذا قال الجوهري قال: وقد يكون المغفور أيضًا للعشر والثمام والسَّلم والطلح قال: والرِمث بالكسر مرعى من مراعي الإبل، وهو من الحمض قال: العرافط: شجر من العضاه ينضج المغفور منه.\nوقد روى مسلم هذا الحديث في كتاب الطلاق من صحيحه عن محمد بن حاتم، عن حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة به ولفظه كما أورده البخاري في الأيمان والنذور (^٤)، ثم قال البخاري في كتاب الطلاق: حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مُسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فَغرْتُ، فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عُكة (^٥) عسل فسقت النبي ﷺ منه شربة فقلت: أما والله لنحتالن له فقلت لسودة بنت زمعة إنه سيدنو منك فإذا دنا منك فقولي: أكلت مغافير فإنه سيقول لك: لا. فقولي له ما هذه الريح التي أجد؟ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي: جَرَسَت نحله العُرفُطَ، وسأقول ذلك، وقولي له أنت يا صفية ذلك. قالت: تقول سودة: فوالله ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقًا منك فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: \"لا\" قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: \"سقتني حفصة شربة عسل\". قالت: جَرَست نحله العرفط، فلما دار إليَّ قلت: نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله ألا أسقيك منه؟ قال: \"لا حاجة لي فيه\". قلت: تقول سودة والله لقد حرمناه. قلت لها: اسكتي (^٦). وهذا لفظ البخاري وقد رواه مسلم عن سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر به، وعن أبي كريب وهارون بن عبد الله والحسن بن بشر ثلاثتهم عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة به. وعنده قالت: وكان رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الأيمان والنذور، باب إذا حرم طعامًا ح ٦٦٩١).\n(^٢) صحيح البخاري، الطلاق، باب ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]؟ (ح ٥٢٦٧).\n(^٣) هذا النص لم أجده في صحيح البخاري.\n(^٤) أخرجه مسلم بسنده ومتنه. (الصحيح، الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرّم امرأته ولم ينو الطلاق ح ١٤٧٤).\n(^٥) أي: الإناء.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الطلاق، باب ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾؟ ح ٥٢٦٨).","vol":"7","page":315},{"text":"يشتد عليه أن يوجد منه الريح يعني الريح الخبيثة، ولهذا قلنَّ له: أكلت مغافير لأن ريحها فيه شيء، فلما قال: \"بل شربت عسلًا\" قلن: جَرَست نحُلُّه العرفط (^١). أي: رعت نحله شجر العرفط الذي صمغه المغافير، فلهذا ظهر ريحه في العسل الذي شربته.\nقال الجوهري: جرست النحل العرفط تجرس إذا أكلته، ومنه قيل: للنحل جوارس.\nقال الشاعر:\nتَظلّ على الثمراء منها جَوارسُ\nوقال: الجَرْس والجِرْس: الصوت الخفي، ويقال: سمعت جرس الطير إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله، وفي الحديث فيسمعون جرس طير الجنة. قال الأصمعي كنت في مجلس شعبة قال: فيسمعون جرش طير الجنة بالشين، فقلت: جرس. فنظر إليَّ فقال: خذوها عنه فإنه أعلم بهذا منا (^٢).\nوالغرض أن هذا السياق فيه أن حفصة هي الساقية للعسل وهو من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خالته، عن عائشة وفي طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة أن زينب بنت جحش هي التي سقته العسل، وأن عائشة وحفصة تواطأتا وتظاهرتا عليه فالله أعلم.\nوقد يقال: إنهما واقعتان ولا بُعد في ذلك إلا أن كونها سببًا لنزول هذه الآية فيه نظر والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5233\"></span>\n\n<span id=\"aya-5234\"></span>ومما يدل على أن عائشة وحفصة ﵄ هما المتظاهرتان الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس قال: لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللّتين قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرَّز ثم أتاني فسكبت على يديه، فتوضأ فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ فقال عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس. قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه قال: هي عائشة وحفصة.\nقال: ثم أخذ يسوق الحديث قال: كنا معشر قريش قومًا نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم قال: وكان منزلي في دار بني أُمية بن زيد بالعوالي، قال: فغضبت يومًا على امرأتي فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج رسول الله ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. قال: فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ؟ قالت: نعم. قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله؟ فإذا هي قد هلكت، لا تراجعي رسول الله ﷺ ولا تسأليه شيئًا وسليني من مالي ما بدا لكي ولا يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم؛ أي: أجمل\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٤٧٤/ ٢١).\n(^٢) ينظر: الصحاح للجوهري ٢/ ٩٠٨.","vol":"7","page":316},{"text":"وأحب إلى رسول الله ﷺ منك يريد عائشة. قال: وكان لي جار من الأنصار وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ ينزل يومًا وأنزل يومًا، فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك قال: وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا فنزل صاحبي يومًا ثم أتى عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم فقلت: وما ذاك أجاءت غسان؟ قال: لا بل أعظم من ذلك وأطول طلَّق رسول الله ﷺ نساءه، فقلت: قد خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن هذا كائنًا حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي ثم نزلت، فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلقكنَّ رسول الله ﷺ؟ فقالت: لا أدري هو هذا معتزل في هذه المشربة، فأتيت غلامًا له أسود فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج إليَّ فقال: ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست عنده قليلًا ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت فخرجت فجلست إلى المنبر ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت، فوليت مدبرًا فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل قد أذن لك، فدخلت فسلمت على رسول الله ﷺ فإذا هو متكئ على رمل حصير.\nقال الإمام أحمد: وحدثناه يعقوب في حديث صالح قال: رمال حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نسائك؟ فرفع إليَّ رأسه فقال: \"لا\". فقلت: الله أكبر لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قومًا نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت على امرأتي يومًا فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت؟ فتبسم رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم أو أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فتبسم أخرى فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم. فجلست فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت في البيت شيئًا يرد البصر إلا أهبة ثلاثة فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله فاستوى جالسًا وقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت: استغفر لي يا رسول الله، وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهنَّ حتى عاتبه الله ﷿ (^١).\nوقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري به (^٢).\nوأخرجه الشيخان من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبيد بن حنين، عن ابن عباس قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجًا فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له قال:\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وطوله (المسند ١/ ٣٤٦، ٣٥٠ ح ٢٢٢) وصحح سنده محققوه.\n(^٢) صحيح البخاري، المظالم، باب الغرفة والعُلِّيَّة المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها (ح ٢٤٦٨) وصحيح مسلم، الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن (ح ١٤٧٩/ ٣٤).","vol":"7","page":317},{"text":"فوقفت حتى فرغ ثم سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي ﷺ؟ هذا لفظ البخاري ولمسلم من المرأتان اللتان؟ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ قال: عائشة وحفصة. ثم ساق الحديث (^١) بطوله ومنهم من اختصره.\nوقال مسلم أيضًا: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، عن سماك بن الوليد أبي زميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلَّق رسول الله ﷺ نساءه وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب، فقلت: لأعلمنَّ ذلك اليوم فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة ووعظه إياهما إلى أن قال: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ على أسكفة المشربة فناديت فقلت: يا رباح استأذن لي على رسول الله ﷺ فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكال وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي فنزلت هذه الآية آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ فقلت: أطلقتهن؟ قال: \"لا\". فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء: ٨٣] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر (^٢).\nوكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومقاتل بن حيان والضحاك وغيرهم ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أبو بكر وعمر: زاد الحسن البصري: وعثمان.\nوقال [ليث بن أبي] (^٣) سُليم، عن مجاهد ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: علي بن أبي طالب (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي عمر، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، قال: أخبرني رجل ثقة يرفعه إلى علي قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: هو علي بن أبي طالب (^٥). إسناده ضعيف وهو منكر جدًا.\nوقال البخاري: حدثنا عمرو بن عون، حدثنا هشيم، عن حميد، عن أنس قال: قال عمر اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية (^٦).\nوقد تقدم أنه وافق القرآن في أماكن منها في نزول الحجاب، ومنها في أسارى بدر، ومنها\n_________\n(^١) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ. . .﴾ [التحريم: ١] (ح ٤٩١٣) وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٤٧٩/ ٣٣).\n(^٢) المصدر السابق ح ١٤٧٩/ ٣٠.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٤) في سنده ليث فيه مقال.\n(^٥) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن علي ﵁، وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ. . .﴾ [التحريم: ٥] ح ٤٩١٦).","vol":"7","page":318},{"text":"قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الأنصاري، حدثنا حميد، عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي ﷺ، فاستقريتهن أقول: لتكفنَّ عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن، حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهنّ، فأمسكتُ، فأنزل الله ﷿: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾ (^١).\nوهذه المرأة التي ردَّته عمَّا كان فيه من وعظ النساء هي أُم سلمة كما ثبت ذلك في صحيح البخاري.\nوقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا إسماعيل البجلي، حدثنا أبو عوانة، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ قال: دخلت حفصة على النبي ﷺ في بيتها وهو يطأ مارية فقال لها رسول الله ﷺ: \"لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة إن أباك يلي الأمر من بعد أبي بكر إذا أنا متُّ\"، فذهبت حفصة فأخبرت عائشة، فقالت عائشة لرسول الله ﷺ: من أنبأك هذا؟ قال: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ \" فقالت عائشة: لا أنظر إليك حتى تحرم مارية فحرمها فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (^٢) إسناده فيه نظر، وقد تبين مما أوردناه تفسير هذه الآيات الكريمات ومعنى قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ﴾ ظاهر.\nوقوله: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي: صائمات، قاله أبو هريرة وعائشة وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب القرظي وأبو عبد الرحمن السلمي وأبي مالك وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وغيرهم (^٣).\nوتقدم في حديث مرفوع عند قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ في سورة براءة ولفظه سياحة هذه الأمة الصيام (^٤).\nوقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي: مهاجرات وتلا عبد الرحمن: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] (^٥). أي: المهاجرون. والقول الأول أولى، والله أعلم.\n_________\n(^١) هذا السند فيه اضطراب أرى فيه انقطاعًا بين الأنصاري وحميد، وابن أبي حاتم ليس كعادته أن يذكر الرجل بنسبة مبهمة كذكر الأنصاري دون ذكر اسم.\n(^٢) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٢/ ١١٧ ح ١٢٦٤٠) وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس، وإسماعيل البجلي ضعيف (مجمع الزوائد ٥/ ١٨١).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظه. وتقدم تخريجه عن جمع من السلف المفسرين في تفسير سورة التوبة آية ١١٢.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ١١٢.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بنحوه.","vol":"7","page":319},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ أي: منهن ثيبات ومنهن أبكارًا ليكون ذلك أشهى إلى النفس فإن التنوع يبسط النفس ولهذا قال: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾.\nوقال أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أبو بكر بن صدقة، حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق، حدثنا عبد الله بن أبي أُمية، حدثنا عبد القدوس، عن صالح بن حيان، عن ابن بُريدة عن أبيه ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ قال: وعد الله نبيه ﷺ في هذه الآية أن يزوجه بالثيب آسية امرأة فرعون، وبالبكر مريم بنت عمران (^١).\nوذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة مريم ﵍ من طريق سويد بن سعيد، حدثنا محمد بن صالح بن عمر، عن الضحاك ومجاهد، عن ابن عمر قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فمرت خديجة فقال: إن الله يقرئها السلام ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد عن اللهب لا نصب فيه ولا صخب، من لؤلؤة [جوفاء بين] (^٢) بيت مريم عمران وبيت آسية بنت مزاحم (^٣).\nومن حديث أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ دخل على خديجة وهي في الموت فقال: يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السلام. فقالت: يا رسول الله وهل تزوجت قبلي؟ قال: \"لا\"، ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وكلثم أخت موسى (^٤). ضعيف أيضًا.\nوقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم ابن عرعرة، حدثنا عبد النور بن عبد الله، حدثنا يوسف بن شعيب، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعلمت أن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وآسية امرأة فرعون\"، فقلت: هنيئًا لك يا رسول الله. وهذا أيضًا ضعيف وروي مرسلًا عن ابن أبي داود (^٥).\n\n<span id=\"aya-5235\"></span>﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾.\nقال سفيان الثوري، عن منصور، عن رجل، عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف صالح بن حيان وهو القرشي الكوفي روى عن ابن بريدة. (تهذيب التهذيب ٤/ ٣٨٦).\n(^٢) زيادة من طبعة البابي الحلبي التي اعتمد فيها نسخة دار الكتب. وفي الأصل و(حم) بياض.\n(^٣) أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق، تراجم النساء ص ٣٨٣) وسنده ضعيف لضعف سويد بن سعيد (تهذيب التهذيب ٤/ ٢٢٥ - ٢٧٢).\n(^٤) أخرجه ابن عساكر (المصدر السابق ص ٣٨٤) وسنده ضعيف جدًا لأن أبا بكر الهذلي متروك كما في التقريب. وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٥) سنده ضعيف جدًا لأن عبد النور كذاب (الضعفاء الكبير للعقيلي ٤/ ٤٥٩).","vol":"7","page":320},{"text":"وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ يقول: أدبوهم وعلموهم (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ يقول: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، وأمروا أهلكم بالذكر ينجيكم الله من النار (^٢).\nوقال مجاهد: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ قال: اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله (^٣).\nوقال قتادة: تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها وزجرتهم عنها. وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه (^٤).\nوفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \"مُروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها\" هذا لفظ أبي داود.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن (^٥).\nوروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ مثل ذلك (^٦).\nقال الفقهاء: وهكذا في الصوم ليكون ذلك تمرينًا له على العبادة لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعاصي وترك المنكر، والله الموفق.\nوقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وقودها: أي حطبها الذي يلقى فيه جثت بني آدم ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ قيل: المراد بها: الأصنام التي كانت تعبد لقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء] وقال ابن مسعود ومجاهد وأبو جعفر الباقر والسدي: هي حجارة من كبريت (^٧)، زاد مجاهد: أنتن من الجيفة.\n[وروى ذلك ابن أبي حاتم ﵀ قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن سنان المنقري] (^٨)، حدثنا عبد العزيز يعني: ابن أبي رواد قال: بلغني أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وعنده بعض أصحابه وفيهم شيخ فقال الشيخ: يا رسول الله حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي ﷺ: \"والذي نفسي بيده لصخرة من صخر\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن علي ﵁، وقد أخرجه الحاكم موصولًا من طريق ربعي عن علي وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٩٤).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد عن زيد بن الحباب عن عبد الملك بن الربيع به وحسنه محققوه. (المسند ٢٤/ ٥٦ ح ١٥٣٣٩) وأخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة ح ٤٩٤) والترمذي (السنن، الصلاة، باب متى يؤمر الصبي بالصلاة ح ٤٠٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٦٥).\n(^٦) المصدر السابق (ح ٤٩٥).\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٤.\n(^٨) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"7","page":321},{"text":"جهنم أعظم من جبال الدنيا كلها\". قال: فوقع الشيخ مغشيًا عليه، فوضع النبي ﷺ يده على فؤاده فإذا هو حي فناداه قال: يا شيخ قل: لا إله إلا الله، فقالها فبشره بالجنة قال: فقال أصحابه: يا رسول الله أمن بيننا؟ قال: \"نعم يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (^١) [إبراهيم: ١٤] \" هذا حديث مرسل غريب. وقوله: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ أي: طباعهم غليظة قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، ﴿شِدَادٌ﴾ أي: تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثنا أبي، عن عكرمة أنه قال: إذا وصل أول أهل النار إلى النار وجدوا على الباب أربع مئة ألف من خزنة جهنم سود وجوههم كالحة أنيابهم قد نزع الله من قلوبهم الرحمة، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة لو طير الطير من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، ثم يجدون على الباب التسعة عشر، عرض صدر أحدهم سبعون خريفًا ثم يهوون من باب إلى باب خمس مئة سنة، ثم يجدون على كل باب منها مثل ما وجدوا على الباب الأول حتى ينتهوا إلى آخرها (^٢).\nوقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: مهما أمرهم به تعالى يبادرون إليه لا يتأخرون عنه طرفة عين وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه، وهؤلاء هم الزبانية عياذًا بالله منهم.\n\n<span id=\"aya-5236\"></span>وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾ أي: يقال للكفرة يوم القيامة لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون وإنما تجزون اليوم بأعمالكم.\n\n<span id=\"aya-5237\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أي: توبة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من السيئات وتلم شعث التائب وتجمعه وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يخطب، سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال: يذنب الذنب ثم لا يرجع فيه (^٣).\nوقال الثوري: عن سماك، عن النعمان، عن عمر قال: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه أو لا يريد أن يعود فيه (^٤).\nوقال أبو الأحوص وغيره، عن سماك، عن النعمان سئل عمر عن التوبة النصوح فقال: أن يتوب الرجل من العمل السيئ ثم لا يعود إليه أبدًا (^٥).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأنه معضل.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف إبراهيم بن الحكم بن أبان. (التقريب ص ٨٩).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن ويشهد له ما ثبت عن ابن مسعود ﵁.\n(^٤) أخرجه الطبري والحاكم من طريق الثوري به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٩٥).\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق أبي الأحوص به وسنده حسن.","vol":"7","page":322},{"text":"وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال: يتوب ثم لا يعود (^١).\nوقد روي هذا مرفوعًا فقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"التوبة من الذنب يتوب منه ثم لا يعود فيه\" (^٢). تفرد به أحمد من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف والموقوف أصح، والله أعلم.\nولهذا قال العلماء: التوبة النصوح هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي ردَّه إليه بطريقه.\nقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عبد الكريم أخبرني زياد بن أبي مريم عن [عبد الله بن معقل] (^٣) قال: دخلت مع أبي على عبد الله بن مسعود فقال: أنت سمعت النبي ﷺ يقول: \"الندم توبة؟ \" قال: نعم. وقال مرة: نعم سمعته يقول: \"الندمة توبة\" (^٤). ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم وهو ابن مالك الجزري به (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني الوليد بن بُكير أبو خباب، عن عبد الله بن محمد العدوي، عن أبي سنان البصري، عن أبي قلابة، عن زرِّ بن حبيش، عن أُبي بن كعب قال: قيل: لنا أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة منها: نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح الرجل الرجل وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح المرأة المرأة وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحًا. قال زرٌّ: فقلت: لأُبي بن كعب: فما التوبة النصوح؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: \"هو الندم على الذنب حين يفرط منك فتستغفر الله بندامتك منه عند الحاضر ثم لا تعود إليه أبدًا\" (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عباد بن عمرو، حدثنا أبو عمرو بن العلاء، سمعت الحسن يقول: التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحببته، وتستغفر منه إذا ذكرته (^٧)، فأما إذا حزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجبُّ ما قبلها من الخطيئات كما ثبت في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وسنده صحيح. وأخرجه الحاكم من طريق عباية الأسدي عن ابن مسعود وصححه، قال الذهبي: عباية لا ذكر له في الكتب الستة (المستدرك ٢/ ٤٩٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٢٩٩ ح ٤٢٦٤) وقال محققوه: إسناده ضعيف وقد روي مرفوعًا وموقوفًا، والصحيح وقفه.\n(^٣) كذا في المسند و(ح)، وفي الأصل صحف إلى: \"عبد الله بن مغفل\".\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٧ ح ٣٥٦٨) وحسن سنده محققوه.\n(^٥) سنن ابن ماجه (الزهد، باب ذكر التوبة ح ٤٢٥٢) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٢٩)، وصحح سنده البوصيري (مصباح الزجاجة ٣/ ٣٠٨).\n(^٦) ذكره الحافظ ابن حجر وقال: سنده ضعيف جدًا.\n(^٧) يشهد له ما ثبت من الروايات الصحيحة قبل السابقة.","vol":"7","page":323},{"text":"الصحيح: \"الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها\" (^١).\nوهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات كما تقدم في الحديث وفي الأثر: \"ثم لا يعود فيه أبدًا\" أو يكفي العزم على أن لا يعود في تكفير الماضي بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارًا في تكفير ما تقدم لعموم قوله ﵇: \"التوبة تجب ما قبلها؟ \" وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضًا: \"من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر\" (^٢) فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة فالتوبة بطريق الأولى والله أعلم.\nوقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وعسى من الله موجبة ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي: ولا يخزيهم معه يعني يوم القيامة ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ كما تقدم في سورة الحديد: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم: [هذا يقوله] (^٣) المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طفئ (^٤).\nوقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا محمد بن مقاتل المروزي، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أنه سمع أبا ذرٍّ وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن يميني فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم. فقال رجل يا رسول الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم؟ قال: \"غرٌّ محجلون من آثار الطهور، ولا يكون أحد من الأمم كذلك غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم\" (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن يحيى بن حسان، عن رجل من بني كنانة قال: صليت خلف رسول الله ﷺ عام الفتح فسمعته يقول: \"اللَّهم لا تخزني يوم القيامة\" (^٦).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٣٨.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٣٨.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الحاكم والطبري من طريق مجاهد عن يزيد بن شجرة الرهاوي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٣/ ٤٩٤).\n(^٥) أخرجه المروزي بسنده ومتنه (تعظيم قدر الصلاة رقم ٢٦١) وسنده حسن لأن الراوي عن ابن لهيعة هو أحد العبادلة الذين رووا عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه. وأخرجه الإمام أحمد من طريق ابن لهيعة به دون ذكر أبي ذرٍّ. (المسند ٣٦/ ٦٥ ح ٢١٧٣٧) قال محققوه: حسن لغيره دون قوله: \"وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم. . .\". اهـ.\nوأخرجه الحاكم من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٧٨).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٥٩٦ ح ١٨٠٥٦) وصحح سنده محققوه.","vol":"7","page":324},{"text":"<span id=\"aya-5238\"></span>﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ الكفار والمنافقين هؤلاء بالسلاح والقتال، وهؤلاء بإقامة الحدود عليهم: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: في الدنيا ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-5239\"></span>ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم أن ذلك لا يجدي عنهم شيئًا ولا ينفعهم عند الله إن لم يكن الإيمان حاصلًا في قلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ أي: نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلًا ونهارًا يؤاكلانهما ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أي: في الإيمان لم يوافقاهما على الإيمان ولا صدقاهما في الرسالة، فلم يجد ذلك كله شيئًا، ولا دفع عنهما محذورًا، ولهذا قال: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لكفرهما ﴿وَقِيلَ﴾ أي: للمرأتين: ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ وليس المراد بقوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ في فاحشة بل في الدين فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء كما قدمنا في سورة النور.\nقال سفيان الثوري: عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتَّة سمعت ابن عباس يقول في هذه الآية: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال: ما زنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدلُّ قومها على أضيافه (^١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على عَورتيهما فكانت امرأة نوح تطلع على سرِّ نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدًا أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء (^٢).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت خيانتهما في الدين (^٣)، وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك (^٤) وغيرهم.\nوقد استدل بهذه الآية الكريمة بعض العلماء على ضعف الحديث الذي يأثره كثير من الناس: \"من أكل مع مغفور له غفر له\" وهذا الحديث لا أصل له، وإنما يروى هذا عن بعض الصالحين أنه رأى النبي ﷺ المنام فقال: يا رسول الله أنت قلت: \"من أكل مع مغفور له غفر له؟ \" قال: لا ولكني الآن أقوله (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود آية ٤٦.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك به، والضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسندين عن عكرمة يقوي أحدهما الآخر، وأخرجه أيضًا الطبري بسند جيد من طريق أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير.\n(^٥) ذكره ابن القيم وقال: موضوع (المنار المنيف ص ١٤٠) وأيده الألباني في السلسلة الضعيفة ١/ ٣٢٦ (ح ٣١٥).","vol":"7","page":325},{"text":"<span id=\"aya-5240\"></span>﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾.\nوهذا مثل ضربه الله للمؤمنين أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨].\nقال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأبعده، فوالله ما ضرَّ امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها ليعلموا أن الله تعالى حكم عدل لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه (^١).\nوقال جرير: حدثنا إسماعيل بن حفص الأُبلّيّ، حدثنا محمد بن جعفر، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة (^٢). ثم رواه عن عبيد بن محمد المحاربي، عن أسباط بن محمد، عن سليمان التيمي به (^٣). ثم قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: كانت امرأة فرعون تسأل من غلب فيقال: غلب موسى وهارون فتقول: آمنت بربِّ موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فإنها امرأتي، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة فمضت على قولها وانتزعت روحها وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح (^٤) فقولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ قالت العلماء: اختارت الجار قبل الدار، وقد ورد شيء من ذلك في حديث مرفوع: \"ونجني من فرعون وعمله\" أي: خلصني منه، فإني أبرأ إليك من عمله ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم ﵂.\nوقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان إيمان امرأة فرعون من قبل إيمان امرأة خازن فرعون، وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون فوقع المشط من يدها فقالت: تعس من كفر بالله فقالت لها بنت فرعون: ولك ربٌّ غير أبي؟ قالت: نعم ربي ورب أبيك ورب كل شيء الله. فلطمتها بنت فرعون وضربتها وأخبرت أباها، فأرسل إليها فرعون فقال: تعبدين ربًا غيري؟ قالت: نعم ربي وربك ورب كل شيء الله وإياه أعبد، فعذبها فرعون وأوتد لها أوتادًا فشد يديها ورجليها وأرسل عليها الحيات، فكانت كذلك، فأتى عليها يومًا فقال: ما أنت منتهية؟ فقالت له: ربي وربك ورب كل شيء الله. فقال لها: إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي. فقالت له: اقضِ ما أنت قاضٍ، فذبح ابنها في فيها وإن روح ابنها بشرها\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق يزيد بن هارون عن سليمان التيمي به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٩٦).\n(^٣) أخرجه الطبري عن عبيد به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله.","vol":"7","page":326},{"text":"فقال لها: أبشري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، فصبرت ثم أتى عليها فرعون يومًا آخر فقال لها مثل ذلك، فقالت له مثل ذلك، فذبح ابنها الآخر في فيها فبشرها روحه أيضًا، وقال لها: اصبري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، قال: وسمعت امرأة فرعون كلام روح ابنها الأكبر ثم الأصغر فآمنت امرأة فرعون وقبض الله روح امرأة خازن فرعون، وكشف الغطاء عن ثوابها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت فازدادت إيمانًا ويقينًا وتصديقًا، فأطلع الله فرعون على إيمانها فقال للملأ: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها. فقال لهم: إنها تعبد غيري! فقالوا له: اقتلها فأوتد لها أوتادًا فشد يديها ورجليها فدعت آسية ربها فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ فوافق ذلك أن حضرها فرعون فضحكت حين رأيت بيتها في الجنة، فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض الله روحها في الجنة ﵂.\n\n<span id=\"aya-5241\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي: حفظته وصانته والإحصان هو العفاف والحرية فنفخنا فيه من روحنا أي: بواسطة الملك وهو جبريل، فإن الله بعثه إليها فتمثل لها في صورة بشر سوي وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها، فكان منه الحمل بعيسى ﵇ (^١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ أي: بقدره وشرعه ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خطَّ رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، وقال: \"أتدرون ما هذا؟ \". قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ: \"أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون\" (^٢).\nوقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة بن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: \"كَمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" (^٣).\nوقد ذكرنا طرق هذه الأحاديث وألفاظها والكلام عليها في قصة عيسى ابن مريم ﵉ في كتابنا البداية والنهاية (^٤)، ولله الحمد والمنة وذكرنا ما ورد من الحديث من أنها تكون هي وآسية بنت مزاحم من أزواجه ﵇ في الجنة عند قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (^٥).\nآخر تفسير سورة التحريم، ولله الحمد.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لإرساله.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٠٩ ح ٢٦٦٨) وصحح سنده محققوه، وأخرجه الحاكم من طريق داود بن أبي الفرات به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٩٧).\n(^٣) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] (ح ٣٤١١) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂ (ح ٢٤٣١).\n(^٤) ٢/ ٥٥ - ٥٨.\n(^٥) آية ٥ من هذه السورة الكريمة.","vol":"7","page":327},{"text":"<span data-type='title' id=toc-190>سُوْرَةُ المُلْكِ</span>\nوهي مكية\nقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج بن محمد وابن جعفر؛ قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عياش الجشمي، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غُفر له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ \" (^١). ورواه أهل السنن الأربعة من حديث شعبة به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن (^٢).\nوقد روى الطبراني والحافظ الضياء المقدسي من طريق سلام بن مسكين، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ \" (^٣).\nوقال الترمذي: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النكري، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا إنسان يقرأ سورة الملك ﴿تَبَارَكَ﴾ حتى ختمها، فقال رسول الله ﷺ: \"هي المانعة، هي المنجية تنجيه من عذاب القبر\"، ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي هريرة (^٤).\nثم روى الترمذي أيضًا من طريق ليث بن أبي سُليم، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١، ٢] و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ٢٨ ح ٨٢٧٦) وقال محققوه: حسن لغيره. اهـ. وصححه أحمد شاكر (المسند ح ٨٢٥٩).\n(^٢) سنن أبي داود، الصلاة، باب في عد الآي (ح ١٤٠٠)؛ وسنن الترمذي، ثواب القرآن، باب ما جاء في فضل سورة الملك (ح ٢٨٩٣)؛ والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب سورة الملك (ح ١٦١١٢)؛ وسنن ابن ماجه، الأدب، باب ثواب القرآن (ح ٣٧٨٦)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٠٥٣)؛ وأخرجه الحاكم من طريق قتادة به؛ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٩٧).\n(^٣) أخرجه الطبراني (المعجم الصغير ١/ ١٧٦)؛ والمقدسي من طريق سلام به (المختارة ٥/ ١١٤ ح ١٧٣٨) وحسنه محققه. وقال الهيثمي بعد عزوه للطبراني: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ١٢٧).\n(^٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة الملك ح ٢٨٩٠).\n(^٥) أخرجه الترمذي ثم ضعفه بقوله: وروى زهير قال: قلت لأبي الزبير: سمعت من جابر، فذكر هذا الحديث. فقال أبو الزبير: إنما أخبرنيه صفوان أو ابن صفوان، وكأن زهيرًا أنكر أن يكون هذا الحديث عن أبي الزبير عن جابر. (المصدر السابق ح ٢٨٩٢).","vol":"7","page":328},{"text":"وقال ليث: عن طاوس يفضلان كل سورة في القرآن بسبعين حسنة (^١).\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسين بن عجلان الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لوددت أنها في قلب كل إنسان من أُمتي\" يعني: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (^٢)، هذا حديث غريب وإبراهيم ضعيف، وقد تقدم مثله في سورة يس.\nوقد روى هذا الحديث عَبْدُ بن حميد في مسنده بأبسط من هذا فقال: حدثنا إبراهيم ابن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى. قال: اقرأ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له [أن تُنجِيه] (^٣) من عذاب النار، وينجى بها صاحبها من عذاب القبر. قال رسول الله ﷺ: \"لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي\".\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد أبي عبد الله القرشي النيسابوري المقريء الزاهد الفقيه أحد الثقات الذين روى عنهم البخاري ومسلم لكن في غير الصحيحين، وروى عنه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وعليه تفقه في مذهب أبي عبيد بن حربويه وخلق سواهم، ساق بسنده من حديثه عن فرات بن السائب، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن رجلًا ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا \"تبارك\"، فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه، فقال لها: إنك من كتاب الله، وأنا أكره مساءتك، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضرًا ولا نفعًا، فإن أردتِ هذا به فانطلقي إلى الربِّ ﵎ فاشفعي له، فتنطلق إلى الربِّ فتقول: يا ربِّ إن فلانًا عمد إليّ ما بين كتابك، فتعلمني وتلاني أفتحرقه أنت بالنار وتعذبه وأنا في جوفه، فإن كنت فاعلًا ذاك به فامحني من كتابك، فيقول: ألا أراك غضبت فتقول: وحُقَّ لي أن أغضب. فيقول: اذهبي فقد وهبته لك وشفعتك فيه، قال: فتجيء الملك فيخرج خاسف البال لم يحلّ منه بشيء قال: فتجيء فتضع فاها على فيه، فتقول مرحبًا بهذا الفم فربما تلاني، ومرحبًا بهذا الصدر فربما وعاني، ومرحبًا بهاتين القدمين فربما قامتا بي وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه\". قال: فلما حدث بهذا رسول الله ﷺ لم يبق صغير ولا كبير ولا حرّ ولا عبد إلا تعلمها وسمَّاها رسول الله ﷺ: المنجية (^٤).\nقلت: وهذا حديث منكر جدًا وفرات بن السائب هذا ضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم والدارقطني وغير واحد. وقد ذكره ابن عساكر من وجه آخر عن الزهري من\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، وسنده مرسل. (المصدر السابق بعد ح ٢٨٩٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١١/ ٢٤١ ح ١١٦١٦) وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن الحكم بن أبان كما في التقريب وانظر: (مجمع الزوائد ٧/ ١٣٠).\n(^٣) كذا في (ح)، وفي الأصل بياض.\n(^٤) أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق ٢/ ل ٢٥٦) وسنده ضعيف لضعف فرات بن السائب كما قرر ونقل الحافظ ابن كثير.","vol":"7","page":329},{"text":"قوله مختصرًا وروى البيهقي في كتاب \"إثبات عذاب القبر\" (^١) عن ابن مسعود موقوفًا ومرفوعًا ما يشهد لهذا، وقد كتبناه في كتاب الجنائز من الأحكام الكبرى ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-5242\"></span>﷽\n﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾.\nيمجد تعالى نفسه الكريمة، ويخبر أنه بيده الملك؛ أي: هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء؛ لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-5243\"></span>ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ واستدل بهذه الآية من قال: إن الموت أمر وجودي؛ لأنه مخلوق، ومعنى الآية أنه أوجد الخلائق من العدم ليبلوهم؛ أي: يختبرهم أيهم أحسن عملًا كما قال: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فسمى الحال الأول وهو العدم موتًا، وسمى هذه النشأة حياة، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خُليد، عن قتادة في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله أذلَّ بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء\" (^٢). ورواه معمر، عن قتادة (^٣).\nوقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: خير عملًا؛ كما قال محمد بن عجلان: ولم يقل أكثر عملًا.\nثم قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ أي: هو العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب، بعدما عصاه وخالف أمره وإن كان تعالى عزيزًا هو مع ذلك يغفر ويرحم ويصفح ويتجاوز.\n\n<span id=\"aya-5244\"></span>ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ أي: طبقة بعد طبقة، وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهن على بعض أو متفاصلات بينهن خلاء؟\nفيه قولان: أصحهما الثاني كما دلَّ على ذلك حديث الإسراء وغيره.\nوقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: بل هو مصطحب مستو ليس فيه اختلاف ولا\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود موقوفًا مختصرًا؛ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٩٨)؛ وأخرجه البيهقي من طريق مسروق عن ابن مسعود مختصرًا (إثبات عذاب القبر رقم ٩٩).\n(^٢) سنده ضعيف لإرساله.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق معمر به، وسنده كسابقه.","vol":"7","page":330},{"text":"تنافر ولا مخالفة ولا نقص ولا عيب ولا خلل؛ ولهذا قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: انظر إلى السماء فتأملها هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو خللًا أو فطورًا؟\nقال ابن عباس ومجاهد والضحاك والثوري وغيرهم في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾: أي شقوق (^١).\nوعن السدي: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: من خروق.\nوقال ابن عباس في رواية: ﴿مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: من وهاء (^٢).\nوقال قتادة: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: هل ترى خللًا يا ابن آدم (^٣)؟\n\n<span id=\"aya-5245\"></span>\n\n<span id=\"aya-5246\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ قال قتادة: مرتين.\n﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ قال ابن عباس: ذليلًا (^٤).\nوقال مجاهد وقتادة: صاغرًا (^٥).\n﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس يعني: وهو كليل.\nوقال مجاهد وقتادة والسدي: الحسير: المنقطع من الإعياء (^٦).\nومعنى الآية: أنك لو كررت البصر مهما كررت لانقلب إليك؛ أي: لرجع إليك البصر خاسئًا عن أن يرى عيبًا أو خللًا، وهو حسير أي: كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر، ولا يرى نقصًا.\nولما نفى عنها في خلقها النقص بين كمالها وزينتها فقال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ عاد الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ على جنس المصابيح لا على عينها؛ لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة منها والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ أي: جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا وأعتدنا لهم عذاب السعير في الآخرة كما قال تعالى في أول الصافات: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ [الصافات] قال قتادة: إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها الله زينة للسماء ورجومًا للشياطين وعلامات يهتدى بها، فمن تأول\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى الطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس، ولكن لم أجده في الطبري.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس. بلفظ: الوهيُّ. والوهي هو: الشق.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق سعيد بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري وعبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"مُعْيٍ\".","vol":"7","page":331},{"text":"فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به.\nرواه ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم.\n\n<span id=\"aya-5247\"></span>\n\n<span id=\"aya-5248\"></span>﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾.\nيقول تعالى ﴿و﴾ أعتدنا للذين ﴿كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: بئس المآل والمنقلب. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ قال ابن جرير: يعني الصياح.\n﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ قال الثوري: تغلي بهم كما يغلي الحَبُّ القليل في الماء الكثير.\n\n<span id=\"aya-5249\"></span>\n\n<span id=\"aya-5250\"></span>\n\n<span id=\"aya-5251\"></span>\n\n<span id=\"aya-5252\"></span>وقوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: تكاد ينفصل بعضها من بعض من شدة غيظها عليهم وحنقها بهم ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ يذكر تعالى عدله في خلقه؛ وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة وندموا حيث لا تنفعهم الندامة فقالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزله الله من الحق لما كنا على ما نحن عليه من الكفر بالله والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم؛ قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري الطائي قال: أخبرني من سمعه من رسول الله ﷺ أنه قال: \"لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم\" (^٢).\nوفي حديث آخر: \"لا يدخل أحد النار إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/ ٢٢٢ ح ١٨٢٨٩) وصحح سنده محققوه؛ وأخرجه أبو داود من طريق شعبة به (السنن، الملاحم، باب الأمر والنهي ح ٤٣٤٧)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/ ٨٢٠؛ وحسنه البغوي (مشكاة المصابيح ٣/ ١٤٢٤ ح ٥١٤٦)؛ وحسنه السيوطي (الجامع الصغير ٥/ ٣٠٤ ح ٧٣٩٧).\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ: \"لا يدخل أحد الجنة إلا أُرى مقعده من النار لو أساء\" (الصحيح، الرقاق، باب صفة الجنة والنار ح ٦٥٦٩).","vol":"7","page":332},{"text":"<span id=\"aya-5253\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عمّن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبًا عن الناس فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى بأن له مغفرة وأجر كبير أن تكفَّر عنه ذنوبه ويجازى بالثواب الجزيل كما ثبت في الصحيحين \"سبعة يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، فذكر منهم رجلًا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلًا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\" (^١).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا الحارث بن عُبيد، عن ثابت، عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله إنا نكون عندك على حال فإذا فارقناك كنا على غيره! قال: \"كيف أنتم وربكم؟ \" قالوا: الله ربنا في السر والعلانية. قال: \"ليس ذلكم النفاق\". قال البزار: لم يروه عن ثابت إلا الحارث بن عُبيد فيما نعلمه (^٢).\n\n<span id=\"aya-5254\"></span>ثم قال تعالى منبهًا على أنه مطلع على الضمائر والسرائر: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ أي: بما يخطر في القلوب\n\n<span id=\"aya-5255\"></span>﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ أي: ألا يعلم الخالق وقيل: معناه ألا يعلم الله مخلوقه. والأول أولى لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.\n\n<span id=\"aya-5256\"></span>ثم ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض وتذليله إياها لهم بأن جعلها قارة ساكنة لا تميد ولا تضطرب بما جعل فيها من الجبال، وأنبع فيها من العيون، وسلك من السبل، وهيأ فيها من المنافع ومواضع الزروع والثمار فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئًا إلا أن ييسره الله لكم ولهذا قال تعالى: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ فالسعي في السبب لا ينافي التوكل كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني بكر بن عمرو أنه سمع عبد الله بن هُبيرة يقول أنه سمع أبا تميم الجيِشاني يقول أنه سمع عمر بن الخطاب يقول أنه سمع رسول الله ﷺ يقول \"لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا\" (^٣). رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن هبيرة. وقال الترمذي: حسن صحيح (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٧١.\n(^٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه وقال الحافظ ابن حجر: والحارث له مناكير وإن أخرج له في الصحيح (مختصر زوائد مسند البزار ١/ ٦٦، ٦٧ ح ١٠).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٣٢ ح ٢٠٥) قال محققوه: إسناده قوي.\n(^٤) سنن الترمذي، الزهد، باب في التوكل على الله (ح ٢٣٤٥)؛ وسنن ابن ماجه، الزهد، باب التوكل واليقين (ح ٤١٦٤)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣٥٩).","vol":"7","page":333},{"text":"فأثبت لها رواحًا وغدوًا لطلب الرزق مع توكلها على الله ﷿، وهو المسخِّر المسيّر المسبِّب ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أي: المرجع يوم القيامة.\nقال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها وفجاجها ونواحيها (^١).\nوقال ابن عباس وقتادة أيضًا: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: الجبال (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن حكام الأزدي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن بشير بن كعب أنه قرأ هذه الآية ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ فقال: لأُم ولد له: إن علمت ما مناكبها؟ فأنت عتيقة. فقالت: هي الجبال، فسأل أبا الدرداء فقال: هي الجبال (^٣).\n\n<span id=\"aya-5257\"></span>﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾.\nوهذا أيضًا من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم، بسبب كفر بعضهم به وعبادتهم معه غيره وهو مع هذا يحلم ويصفح ويؤجل ولا يعجل كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر].\nوقال ههنا: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ أي: تذهب وتجيء وتضطرب\n\n<span id=\"aya-5258\"></span>﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ أي: ريحًا فيها حصباء تدمغكم كما قال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾ [الإسراء]. وهكذا توعدهم ههنا بقوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي: كيف يكون إنذاري وعاقبة من تخلف عنه وكذب به.\n\n<span id=\"aya-5259\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأمم السالفة والقرون الخالية ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؛ أي: عظيمًا شديدًا أليمًا.\n\n<span id=\"aya-5260\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ أي: تارة يصففن أجنحتهن في الهواء وتارة تجمع جناحًا وتنشر جناحًا ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ أي: في الجو ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ أي: بما سخر لهن من الهواء من رحمته ولطفه ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ أي: بما يصلح كل شيء من مخلوقاته، وهذه كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ [النحل].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس؛ ويتقوى بما أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري وعبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٣) سنده ضعيف لضعف عمرو بن حكام (لسان الميزان ٤/ ٣٦٠). والتفسير يتقوى بسابقه.","vol":"7","page":334},{"text":"<span id=\"aya-5261\"></span>﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾.\nيقول تعالى للمشركين الذين عبدوا معه غيره يبتغون عندهم نصرًا ورزقًا منكرًا عليهم فيما اعتقدوه ومخبرًا لهم أنه لا يحصل لهم ما أملوه فقال: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: ليس من دونه من ولي ولا واقٍ ولا ناصر لكم غيره ولهذا قال: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-5262\"></span>ثم قال: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من هذا الذي إذا قطع الله عنكم رزقه يرزقكم بعده؟ أي: لا أحد يعطي ويمنع ويخلق ويرزق وينصر إلا الله ﷿ وحده لا شريك له؛ أي: وهم يعلمون ذلك ومع هذا يعبدون غيره ولهذا قال: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ أي: استمروا في طغيانهم وإفكهم وضلالهم ﴿فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ أي: في معاندة واستكبار ونفور على أدبارهم عن الحق لا يسمعون له ولا يتبعونه.\n\n<span id=\"aya-5263\"></span>ثم قال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مكبًا على وجهه؛ أي: يمشي منحنيًا لا مستويًا على وجهه؛ أي: لا يدري أين يسلك؟ ولا كيف يذهب؟ بل تائه حائر ضالّ أهذا أهدى ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ أي: منتصب القامة ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على طريق واضح بيِّن، وهو في نفسه مستقيم وطريقه مستقيمة هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويًا على صراط مستقيم مفض به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ [الصافات].\nقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل، عن نفيع قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: \"أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم\" (^١)؟ وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طريق [يونس بن محمد، عن شيبان، عن قتادة، عن أنس به نحوه] (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠/ ١٣١ ح ١٢٧٠٨) وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف جدًا! ولو قالوا: متنه صحيح، أو له شواهد لكان أحسن.\n(^٢) في الأصول الخطية بياض واستدرك من الصحيحين فقد أخرجه الشيخان من طريق يونس بن محمد به. (صحيح البخاري، التفسير، سورة الفرقان باب ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ. . .﴾ [الفرقان: ٣٤] (ح ٤٧٦٠)؛ وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب يحشر الكافر على وجهه ح ٢٨٠٦).","vol":"7","page":335},{"text":"<span id=\"aya-5264\"></span>وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ أي: ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي: العقول والإدراك ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: قلما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره.\n\n<span id=\"aya-5265\"></span>﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بثكم ونشركم في أقطار الأرض وأرجائها مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم وحلاكم وأشكالكم وصوركم ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: تجمعون بعد هذا التفرق والشتات، يجمعكم كما فرقكم ويعيدكم كما بدأكم.\n\n<span id=\"aya-5266\"></span>ثم قال مخبرًا عن الكفار المنكرين للمعاد المستبعدين وقوعه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ أي: متى يقع هذا الذي تخبرنا بكونه من الاجتماع بعد هذا التفرق؟\n\n<span id=\"aya-5267\"></span>﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: لا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا الله ﷿، لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة فاحذروه ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: وإنما علي البلاغ وقد أديته إليكم.\n\n<span id=\"aya-5268\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لما قامت القيامة وشاهدها الكفار ورأوا أن الأمر كان قريبًا لأن كل ما هو آت آت وإن طال زمنه، فلما وقع ما كذبوا به ساءهم ذلك لما يعلمون ما لهم هناك من الشر أي: فأحاط بهم ذلك وجاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال ولا حساب ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾ [الزمر] ولهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أي: تستعجلون.\n\n<span id=\"aya-5269\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾.\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الجاحدين لنعمه ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: خلِّصوا أنفسكم، فإنه لا منقذ لكم من الله إلا التوبة والإنابة والرجوع إلى دينه، ولا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب والنكال، فسواء عذبنا الله أو رحمنا فلا مناص لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم.\n\n<span id=\"aya-5270\"></span>ثم قال: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: آمنا برب العالمين الرحمن الرحيم، وعليه توكلنا في جميع أمورنا كما قال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ولهذا قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: منا ومنكم ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة؟\n\n<span id=\"aya-5271\"></span>ثم قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ أي: ذاهبًا في الأرض إلى أسفل فلا يُنال بالفؤوس الحِداد ولا السواعد الشداد. والغائر: عكس النابع ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ أي: نابع سائح جار على وجه الأرض؛ أي: لا يقدر على ذلك إلا الله ﷿، فمن فضله وكرمه أن أنبع لكم المياه وأجراها في سائر أقطار الأرض، بحسب ما يحتاج العباد إليه من القلة والكثرة.\nفله الحمد والمنة. آخر تفسير سورة الملك.","vol":"7","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-191>سُوْرَةُ ﴿ن﴾</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-5272\"></span>﷽\n﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾.\nقد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة وأن قوله تعالى: ﴿ن﴾ كقوله: ﴿ص﴾ ﴿ق﴾ ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وتحرير القول في ذلك بما أغنى عن إعادته ههنا.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط وهو حامل للأرضين السبع كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان هو: الثوري، حدثنا سليمان هو: الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم قال: اكتب. قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى قيام الساعة، ثم خلق النون ورفع بخار الماء، ففتقت منه السماء، وبسطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإنها لتفخر على الأرض (^١). وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن سنان، عن أبي معاوية، عن الأعمش به (^٢). وهكذا رواه شعبة ومحمد بن فضيل ووكيع، عن الأعمش به. وزاد شعبة في روايته ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ (^٣) وقد رواه شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان أو مجاهد، عن ابن عباس فذكر نحوه (^٤). ورواه معمر، عن الأعمش أن ابن عباس قال: فذكره ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ (^٥) ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق ربي ﷿ القلم، ثم قال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى أن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه؛ وأخرجه الحاكم من طريق جرير عن الأعمش به؛ وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٩٨). وفيه غرائب وخصوصًا في آخره، ولعله من أخبار أهل الكتاب المسكوت عنها.\n(^٢) سنده ومتنه كسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري من هذه الطرق وبهذه الزيادة عن شعبة.\n(^٤) أخرجه الطبري وسنده ومتنه كسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن ثور عن معمر به، وسنده ضعيف لأن الأعمش لم يسمع من ابن عباس.","vol":"7","page":337},{"text":"تقوم الساعة، ثم خلق النون فوق الماء ثم كبس الأرض عليه (^١).\nوقد روى الطبراني ذلك مرفوعًا فقال: حدثنا أبو حبيب [زيد بن] (^٢) المهدي المروذي، حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صُبيح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول ما خلق الله القلم والحوت. قال للقلم: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة ثم قرأ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ فالنون الحوت، والقلم القلم\" (^٣).\nحديث آخر في ذلك رواه ابن عساكر، عن أبي عبد الله مولى بني أمية، عن أبي صالح، عن أبي هريرة سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق النون وهي: الدواة ثم قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون أو ما هو كائن من عمل أو رزق أو أثر أو أجل، فكتب ذلك إلى يوم القيامة فذلك قوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل، وقال: وعزتي لأكملنَّك [فيمن أحببت، ولأنقصنَّك ممن أبغضت] \" (^٤).\nوقال ابن أبي نجيح: إن إبراهيم بن أبي بكر أخبره عن مجاهد قال: كان يقال: النون الحوت العظيم الذي تحت الأرض السابعة (^٥).\nوقد ذكر البغوي ﵀ وجماعة من المفسرين أن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السماوات والأرض وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف قرن، وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن (^٦). والله أعلم.\nومن العجيب أن بعضهم حمل على هذا المعنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا حميد، عن أنس أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأتاه فسأله عن أشياء قال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه؟ وما بال الولد ينزع إلى أمه؟ قال: أخبرني بهنَّ جبريل آنفًا، قال ابن سلام: فذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ومتنه؛ وأخرجه آدم بن أبي إياس من طريق ورقاء عن عطاء بن السائب به؛ وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد من طريق جرير به (السنة رقم ٨٧١). وسنده حسن، ويتقوى بسابقه.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٣) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١١/ ٤٣٣ ح ١٢٢٢٧) في سنده مؤمل وعطاء وكلاهما فيهما مقال. قال الهيثمي: ومؤمل كثير الخطأ. (مجمع الزوائد ٧/ ١٣١).\n(^٤) في الأصل بياض والزيادة من رواية ابن عساكر (تاريخ دمشق ١٧/ ل ٤٩٢) وهو حديث ضعيف قال ابن القيم: أحاديث العقل كلها كذب. (المنار المنيف ٩٦).\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به، وسنده ضعيف لإرساله، وهو من الإسرائيليات.\n(^٦) ذكره البغوي (معالم التنزيل ٤/ ٣٧٤) والخبر من الإسرائيليات الغريبة.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٨٩) وسنده صحيح.","vol":"7","page":338},{"text":"ورواه البخاري من طرق عن حميد (^١). ورواه مسلم أيضًا وله من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ نحو هذا، وفي صحيح مسلم من حديث أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان أن حبرًا سأل رسول الله ﷺ عن مسائل، فكان منها أن قال: فما تحفتهم؟ - يعني أهل الجنة حين يدخلون الجنة - قال: زيادة كبد الحوت. قال: فما غذاؤهم على أثرها؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلًا (^٢). وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ لوح من نور.\nقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن شبيب المكتب، حدثنا محمد بن زياد الجزري، عن فرات بن أبي الفرات، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة (^٣). وهذا مرسل غريب.\nوقال ابن جريج: أُخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مئة عام (^٤).\nوقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ دواة ﴿وَالْقَلَمِ﴾ القلم.\nقال ابن جرير: حدثنا عبد الأعلى، حدثنا أبو ثور، عن معمر، عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿ن﴾ قالا: هي الدواة (^٥).\nوقد روي في هذا حديث مرفوع غريب جدًا فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا أبو عبد الله مولى بني أُمية، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"خلق الله النون وهي: الدواة\" (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، حدثنا أخي عيسى بن عبد الله، حدثنا ثابت الثمالي، عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون، وهي الدواة، وخلق القلم فقال: اكتب. قال: وما اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول به بر أو فجور أو رزق مقسوم حلال أو حرام، ثم الزم كل شيء من ذلك من شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم؟ وخروجه منها كيف؟ ثم جعل على العباد حفظة وللكتاب خزانًا، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزانة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيء. فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا (^٧) قال: فقال ابن عباس ألستم قومًا عربًا تسمعون الحفظة يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]؟ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟\n_________\n(^١) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (ح ٣٣٢٩).\n(^٢) أخرجه مسلم من طريق أبي سلام عن أبي أسماء الرحبي به مطولًا. (الصحيح، الحيض، باب بيان صفة مني الرجل. ح ٣١٥).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعف الحافظ ابن كثير لإرساله.\n(^٤) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يصرح بسنده.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) استغربه الحافظ ابن كثير جدًا، وذكره بصيغة التمريض لضعفه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ثابت الثمالي. (التقريب ص ١٣٢).","vol":"7","page":339},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق] فهو قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم ولهذا قال: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة يعني: وما يكتبون (^١).\nوقال أبو الضحى، عن ابن عباس ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي: وما يعملون.\nوقال السدي: ﴿يَسْطُرُونَ﴾ يعني: الملائكة وما تكتب من أعمال العباد (^٢).\nوقال آخرون: بل المراد ههنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف عام.\nوأوردوا في ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن يحيى بن سعيد القطان وبونس بن حبيب قالا: حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد الواحد بن سليم السلمي، عن عطاء هو: ابن أبي رباح، حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت قال: دعاني أبي حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: يا ربِّ وما أكتب؟ قال: اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد\" (^٣). وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد من طرق عن الوليد بن عبادة، عن أبيه به (^٤). وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به وقال: حسن صحيح غريب، ورواه أبو داود في كتاب السنة من سننه عن جعفر بن مسافر، عن يحيى بن حسان، عن أبي رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي حفصة واسمه حُنيش بنُ شريح الحبشي الشامي، عن عبادة فذكره (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله الطوسي، حدثنا علي بن الحسين بن شقيق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، حدثنا رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: إن أول شيء خلقه الله القلم، فأمره فكتب كل شيء (^٦). غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالْقَلَمِ﴾ يعني: الذي كتب به الذكر (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس؛ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٩٩)؛ وأخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه الطيالسي عن عبد الواحد بن سليم به (المسند ص ٧٩ رقم ٥٧٧)؛ وأخرجه الإمام أحمد والترمذي من طرق أخرى ترقى إلى تحسين الإسناد كما سيأتي.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق أيوب بن زياد عن عبادة بن الوليد بن عبادة به (المسند ٣٧/ ٣٨٠، ٣٨١ ح ٢٢٧٠٦) وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد حسن.\n(^٥) سنن الترمذي، القدر، باب رقم (١٧) (ح ١٥٥)؛ وسنن أبي داود، السنة، باب في القدر (ح ٤٧٠٠)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٣٣)؛ وصححه الحافظ ابن حجر (ينظر كشف الخفاء ١/ ٢٦٣).\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وشيخ الطبري لم أجد له ترجمة لكن يشهد له سابقه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"7","page":340},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي: يكتبون كما تقدم.\n\n<span id=\"aya-5273\"></span>وقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ أي: ولست ولله الحمد بمجنون كما يقوله الجهلة من قومك المكذبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين فنسبوك فيه إلى الجنون\n\n<span id=\"aya-5274\"></span>﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾ أي: بل إن لك الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق وصبرك على أذاهم.\nومعنى ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع كقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أي: غير مقطوع عنهم.\nوقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب (^١)، وهو يرجع إلى ما قلناه.\n\n<span id=\"aya-5275\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ قال العوفي عن ابن عباس: \"وإنك لعلى دين عظيم\" وهو الإسلام وكذلك قال مجاهد وأبو مالك السدي والربيع بن أنس وكذا قال الضحاك وابن زيد (^٢):\nوقال عطية: لعلى أدب عظيم (^٣).\nوقال معمر، عن قتادة: سُئلت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ قالت: كان خلقه القرآن، يقول سعيد: تقول كما هو: في القرآن (^٤).\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ ذُكر لنا أن سعد بن هشام سأل عائشة عن خُلق رسول الله ﷺ فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن (^٥).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام قال: سألتُ عائشة فقلت: أخبريني يا أُم المؤمنين عن خلق رسول الله ﷺ. فقالت: أتقرأ القرآن؟ فقلت: نعم. فقالت: كان خلقه القرآن (^٦). هذا مختصر من حديث طويل وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث قتادة بطوله وسيأتي في سورة المزمل (^٧) إن شاء الله تعالى، وبه الثقة.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن قال: سُئلت عائشة عن خلق\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"دين عظيم\"، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن ابن عباس بلفظ: \"الدين\".\n(^٣) أخرجه ابن المبارك (الزهد رقم ٦٧٨)؛ والطبري بسند حسن من طريق فضيل بن مرزوق عن عطية.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق والطبري من طريق معمر به، وسنده منقطع لأن قتادة لم يسمع من عائشة؛ وأخرجه الحاكم متصلًا من طريق قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام بن عامر عن عائشة؛ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٩٩).\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق سعيد به، وفيه انقطاع وقد تقدم موصولًا.\n(^٦) تقدم تخريجه في رواية الحاكم قبل الرواية السابقة.\n(^٧) سيأتي في تفسير سورة المزمل آية ١ - ٩.","vol":"7","page":341},{"text":"رسول الله ﷺ. فقالت: كان خلقه القرآن (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا شريك، عن قيس بن وهب، عن رجل من بني سواد قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ. فقالت: أما تقرأ القرآن ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾؟ قال: قلت: حدثيني عن ذاك. قالت: صنعت له طعامًا، وصنعت له حفصة طعامًا، فقلت لجاريتي: اذهبي فإن جاءت هي بالطعام فوضعته قبل فاطرحي الطعام، قالت: فجاءت بالطعام قالت: فألقت الجارية فوقعت القصعة فانكسرت، وكان نطعٌ قالت: فجمعه رسول الله ﷺ وقال: اقتصوا أو اقتصي - شك أسود - ظرفًا مكان ظرفك، قالت: فما قال شيئًا (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا عبيد بن آدم بن أبي أياس، حدثنا أبي، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة أم المؤمنين ﵂ فقلت لها: أخبريني بخلق النبي ﷺ. فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾؟\nوقد روى أبو داود والنسائي من حديث الحسن نحوه (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة ﵂، فسألتها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن (^٤). وهكذا رواه أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي، ورواه النسائي في التفسير عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح به (^٥).\nومعنى هذا أنه ﵊ صار امتثال القرآن أمرًا ونهيًا سجية له وخلقًا تطبعه وترك طبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فَعَله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خلق جميل كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفٍ. قط، ولا قال: لشيء فعلته لمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته (^٦)؟ وكان ﷺ أحسن الناس خلقًا، ولا مسست خزًا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله ﷺ ولا شممت مسكًا ولا عطرًا كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ.\nوقال البخاري: حدثنا [أحمد بن سعيد أبو عبد الله] (^٧) حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣/ ١٥ ح ٢٥٨١٣). وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد فيه انقطاع، الحسن وهو البصري إنما سمعه من سعد بن هشام عن عائشة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤١/ ٣٠٨ ح ٢٤٨٠٠) وضعف سنده محققوه لإبهام الراوي عن عائشة ﵂.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وتقدم تخريج الحاكم وتصحيحه قبل خمس روايات.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٥) (المسند ٤٢/ ٣٥٣ ح ٢٥٥٤٧) وصححه محققوه؛ وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، التفسير، (ح ١١١٣٨).\n(^٦) أخرجه مسلم من حديث أنس ﵁ بنحوه (الصحيح، الفضائل، باب كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا ح ٢٣٠٩).\n(^٧) زيادة من صحيح البخاري.","vol":"7","page":342},{"text":"إبراهيم بن يونس، عن أبيه، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا، وأحسن الناس خلقًا، ليس بالطويل ولا بالقصير (^١).\nوالأحاديث في هذا كثيرة ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب \"الشمائل\" وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادمًا له قط، ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا خُيِّر بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا إذا انتهكت حرمات الله فيكون هو ينتقم لله ﷿ (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق\" (^٣). تفرد به.\n\n<span id=\"aya-5276\"></span>\n\n<span id=\"aya-5277\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ أي: فستعلم يا محمد وسيعلم مخالفوك ومكذبوك من المفتون الضال منك ومنهم وهذه كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ [القمر] وكقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ستعلم ويعلمون يوم القيامة (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ أي: الجنون (^٥). وكذا قال مجاهد وغيره (^٦).\nوقال قتادة وغيره: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ أي: أولى بالشيطان (^٧).\nومعنى المفتون ظاهر؛ أي: الذين قد أفتتن عن الحق وضلَّ عنه، وإنما دخلت الباء في قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ﴾ لتدل على تضمين الفعل في قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥)﴾ وتقديره: فستعلم ويعلمون أو فستخبر ويخبرون بأيكم المفتون، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5278\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ أي: هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي ويعلم الحزب الضال عن الحق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، المناقب، باب صفة النبي ﷺ ح ٣٥٤٩).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣/ ١٠٩ ح ٢٥٩٥٦) وصحح سنده محققوه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ٥١٢ ح ٨٩٥٢) وصححه محققوه وقالوا: وهذا إسناد قوي.\n(^٤) سنده منقطع لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري أيضًا بسند ضعيف من طريق خُصيف عن مجاهد، وفي السندين ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"الشيطان\".","vol":"7","page":343},{"text":"<span id=\"aya-5279\"></span>\n\n<span id=\"aya-5280\"></span>﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾.\nيقول تعالى: كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ قال ابن عباس: لو ترخص لهم فيرخصون (^١).\nوقال مجاهد: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ تركن إلى آلهتهم، وتترك ما أنت عليه من الحق (^٢).\n\n<span id=\"aya-5281\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجتريء بها على أسماء الله تعالى واستعمالها في كل وقت في غير محلها.\nقال ابن عباس: المهين: الكاذب (^٣).\nوقال مجاهد: هو الضعيف القلب (^٤).\nوقال الحسن: ﴿كُلَّ حَلَّافٍ﴾ مكابر مهين ضعيف (^٥).\n\n<span id=\"aya-5282\"></span>وقوله: ﴿هَمَّازٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يعني: الاغتياب (^٦).\n﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ يعني: الذي يمشي بين الناس ويحرش بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين، وهي: الحالقة.\nوقد ثبت في الصحيحين من حديث مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: مرَّ رسول الله ﷺ بقبرين فقال: \"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة\". الحديث. وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم من طرق عن مجاهد به (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، أن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يدخل الجنة قتَّات\" (^٨). رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن إبراهيم به (^٩).\nوحدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظ: \"المهين\": الكذاب.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن بلفظ: \"كل مكثار في الحلف، مهين ضعيف\".\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بمعناه.\n(^٧) صحيح البخاري، الوضوء، باب ما جاء في غسل البول (ح ٢١٨)؛ وصحيح مسلم، الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول (ح ٢٩٢).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٨٢) وسنده صحيح.\n(^٩) صحيح البخاري، الأدب، باب ما يكره من النميمة (ح ٦٠٦٥)؛ وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم النميمة (ح ١٦٨).","vol":"7","page":344},{"text":"سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يدخل الجنة قتَّات\"؛ يعني: نمّامًا (^١).\nوحدثنا يحيى بن سعيد القطان - أبو سعيد الأحوال -، عن الأعمش، حدثني إبراهيم منذ نحو ستين سنة، عن همام بن الحارث قال: مرَّ رجل على حذيفة فقيل: إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول أو قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يدخل الجنة قتَّات\" (^٢).\nوقال أحمد: حدثنا هشام، حدثنا مهدي، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل قال: بلغ حذيفة رجل أنه ينم الحديث فقال: سمعت رسول الله ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة نمَّام\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن خُثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، أن النبي ﷺ قال: \"ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الذين إذا رؤوا ذُكر الله ﷿، ثم قال: ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبُرآء العَنَت\" (^٤).\nورواه ابن ماجه، عن سويد بن سعيد، عن يحيى بن سليم، عن ابن خُثيم به (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي ﷺ: \"خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذُكر الله، وشرار عباد الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبُرآء العَنَت\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-5283\"></span>وقوله: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾ أي: يمنع ما عليه وما لديه من الخير، ﴿مُعْتَدٍ﴾ في تناول ما أحلَّ الله له؛ يتجاوز فيها الحد المشروع ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: يتناول المحرمات.\n\n<span id=\"aya-5284\"></span>وقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ أما العتل فهو: الفظ الغليظ الصحيح الجموع المنوع.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن معبد بن خالد، عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل عتل جواظ متكبر\".\nوقال وكيع: كل جواظ جعظري مستكبر (^٧). أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن معبد بن خالد به (^٨).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن علي، قال: سمعت أبي\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٨٩) وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٨٩) وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٩١) وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٥٧٧ ح ٢٧٦٠١) وقال محققوه: حسن بشواهده.\n(^٥) سنن ابن ماجه، الزهد، باب من لا يؤبه له (ح ٤١١٩)؛ وحسنه البوصيري (مصباح الزجاجة ٣/ ٢٧٣).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٥٢١ ح ١٧٩٩٨) وقال محققوه: حسن بشواهده.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٠٦) وسنده صحيح.\n(^٨) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم] (ح ٤٩١٨)؛ وصحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون (ح ٢٨٥٣).","vol":"7","page":345},{"text":"يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: عند ذكر أهل النار: \"كل جعظري جواظ مستكبر، جماع مناع\" (^١). تفرد به أحمد. قال أهل اللغة: الجعظري: الفظّ الغليظ، والجوّاظ: الجموع المنوع.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غُنم قال: سئل رسول الله ﷺ عن العتل الزنيم. فقال: \"هو الشديد الخلق المصحح، الأكول الشروب، الواجد الطعام والشراب، الظلوم للناس، رحيب الجوف\" (^٢).\nوبهذا الإسناد قال رسول الله ﷺ: \"لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري والعتل الزنيم\" (^٣). وقد أرسله أيضًا غير واحد من التابعين.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ: \"تبكي السماء على عبد أصح الله جسمه، وأرحبَ جوفه، وأعطاه من الدنيا مقضمًا، فكان للناس ظلوما قال: فذلك العتل الزنيم\" (^٤). وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريقين مرسلين. ونصَّ عليه غير واحد من السلف منهم مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم أن العتل هو: المصحَّح الخلق، الشديد القوي في المأكل والمشرب، والمنكِّح وغير ذلك (^٥).\nوأما الزنيم فقال البخاري: حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ قال: رجل من قريش له زنمة مثل زنمة (^٦) الشاة (^٧)؛ ومعنى هذا: أنه كان مشهورًا بالسوء كشهرة الشاة ذات الزنمة من بين أخواتها، وإنما الزنيم في لغة العرب هو الدَّعي في القوم قاله ابن جرير وغير واحد من الأئمة قال: ومنه قول حسان بن ثابت؛ يعني: يذم بعض كفار قريش:\nوأنت زنيم نيط في آل هاشم … كما نِيط خلف الراكب القَدَح الفرد (^٨)\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ١٤٥ ح ٦٥٨٠)؛ وصحح سنده محققوه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٥١٦ ح ١٧٩٩١)؛ وضعف سنده محققوه لضعف شهر بن حوشب.\n(^٣) المصدر السابق، وحكمه كسابقه. ويشهد له ما رواه أبو داود من حديث حارثة بن وهب ﵁ (السنن، الأدب، باب في حسن الخلق، ح ٤٨٠١)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠١٦).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن بلفظ: \"هو الفاحش اللئيم الضريبة\"؛ أي: السجية. وهكذا أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق منصور عن أبي رزين بلفظ: \"الشديد\"؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: شديد الأشَر، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند جيد من طريق أبي الزبير عن عبيد بن عمير بلفظ: \"الأكول الشروب القوي الشديد\".\n(^٦) الزنمة: شيء يقطع من أذن البعير فيترك معلقًا. (لسان العرب ز ن م).\n(^٧) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم] ح ٤٩١٧).\n(^٨) استشهد به الطبري، وهو في ديوان حسان ﵁ ص ١١٨.","vol":"7","page":346},{"text":"وقال آخر:\nزنيم ليس يُعرفُ مَن أبوه … بغيُّ الأم ذو حسب لئيم (^١)\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا أسباط، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ قال: الدعيّ الفاحش اللئيم (^٢). ثم قال ابن عباس:\nزنيم تَداعاه الرجال زيادة … كما زيد في عَرضِ الأديم (^٣) الأكارع (^٤) (^٥)\nوقال العوفي، عن ابن عباس: الزنيم: الدعيّ ويقال: الزنيم: رجل كانت به زنمة يعرف بها، ويقال هو: الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، وزعم أناس من بني زهرة أن الزنيم: الأسود بن عبد يغوث الزهري وليس به (^٦).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه زعم أن الزنيم الملحق النسب (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثني يونس، حدثنا ابن وهب، حدثني سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول في هذه الآية ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ قال سعيد: هو الملصق بالقوم ليس منهم (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عقبة بن خالد، عن عامر بن قدامة قال: سُئل عكرمة، عن الزنيم قال: هو ولد الزنا (^٩).\nوقال الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ قال: يعرف المؤمن من الكافر مثل الشاة الزنماء والزنماء من الشياه التي في عنقها هنتان معلقتان في حلقها.\nوقال الثوري، عن جابر، عن الحسن، عن سعيد بن جبير قال: الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها (^١٠)، والزنيم الملصق. رواه ابن جرير (^١١).\nوروى أيضًا من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في الزنيم: نعت فلم يعرف حتى قيل: زنيم قال: وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها (^١٢).\n_________\n(^١) استشهد به الطبري دون أن ينسبه إلى أحد.\n(^٢) سنده حسن، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق هشام عن عكرمة بلفظ: \"الدعي\".\n(^٣) أي: الجلد.\n(^٤) الأكارع: جمع كراع وهو في الدواب ما دون الكعب (لسان العرب ك ر ع)، والبيت عزاه ابن منظور إلى الخطيم التميمي وهو شاعر جاهلي.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي عبد الرحمن عن ابن عباس. (المصنف ٦/ ١٨٢)، وأبو عبد الرحمن لم أعرف من هو؛ وورد في المصنف عن شيخ يكنى أبا عبد الرحمن.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٨) أخرجه الطبري عن يونس به، وسنده حسن.\n(^٩) سنده حسن.\n(^١٠) أخرجه الحاكم من طريق أبي إسحاق، وهو السبيعي، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس؛ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٩٩).\n(^١١) تقدم عن سعيد بن المسيب.\n(^١٢) أخرجه الطبري من طريق داود بن أبي هند به، وسنده حسن.","vol":"7","page":347},{"text":"وقال آخرون: كان دعيًّا (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن أصحاب التفسير قالوا: هو الذي تكون له زنمة الشاة (^٢).\nوقال الضحاك: كانت له زنمة في أصل أذنه (^٣).\nويقال: هو اللئيم الملصق في النسب (^٤).\nوقال أبو إسحاق: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: هو المريب الذي يعرف بالشر (^٥). وقال مجاهد: الزنيم يُعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة (^٦).\nوقال أبو رزين: الزنيم علامة الكفر (^٧).\nوقال عكرمة: الزنيم الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها (^٨). والأقوال في هذا كثيرة وترجع إلى ما قلناه وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر الذي يعرف به من بين الناس، وغالبًا ما يكون دعيًا ولد زنا فإنه في الغالب يتسلط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره كما جاء في الحديث: \"لا يدخل الجنة ولد زنا\" (^٩). وفي الحديث الآخر: \"ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه\" (^١٠).\n\n<span id=\"aya-5285\"></span>\n\n<span id=\"aya-5286\"></span>وقوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ يقول تعالى هذا مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين كفر بآيات الله ﷿ وأعرض عنها، وزعم أنها كذب مأخوذ من أساطير الأولين كقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر] قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر]\n\n<span id=\"aya-5287\"></span>وقال تعالى ههنا: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾.\nقال ابن جرير: سنبيِّن أمره بيانًا واضحًا حتى يعرفوه ولا يخفى عليهم كما لا تخفى عليهم السمة على الخراطيم (^١١)، وهكذا قال قتادة: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ شين لا يفارقه\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.\n(^٤) تقدم تخريجه عن سعيد بن المسيب.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي إسحاق به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق منصور عن أبي رزين.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق خُصيف عن عكرمة.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابان عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا (المسند ٢/ ٢٠٣)؛ وسنده ضعيف لجهالة جابان قال الذهبي: لا يُدرى من هو (ميزان الاعتدال ١/ ٣٧٧)؛ وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١١١).\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂ (المسند ٤١/ ٢٩٧ ح ٢٤٧٨٤) وقال محققوه: إسناده ضعيف جدًا.\n(^١١) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"7","page":348},{"text":"آخر ما عليه (^١).\nوفي رواية عنه: ﴿سَنَسِمُهُ﴾ سيما على أنفه (^٢)، وكذا قال السدي.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ يقاتل يوم بدر فيخطم بالسيف في القتال.\nوقال آخرون: سنسمه سمة أهل النار؛ يعني: نسوِّد وجهه يوم القيامة وعبر عن الوجه بالخرطوم وحكى ذلك كله أبو جعفر ابن جرير (^٣)، ومال إلى أنه لا مانع من اجتماع الجميع عليه في الدنيا والآخرة (^٤)، وهو متجه.\nوقد قال ابن أبي حاتم في سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ]: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثني خالد بن سعيد، عن عبد الملك بن عبد الله، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن العبد يكتب مؤمنًا أحقابًا ثم أحقابًا ثم يموت والله عليه ساخط، وإن العبد يكتب كافرًا أحقابًا ثم أحقابًا ثم يموت والله عليه راضٍ، ومن مات همَّازًا لمَّازًا ملقبًا للناس كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم من كلا الشفتين\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-5288\"></span>\n\n<span id=\"aya-5289\"></span>\n\n<span id=\"aya-5290\"></span>\n\n<span id=\"aya-5291\"></span>﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.\nهذا مثل ضربه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة وأعطاهم من النعمة الجسيمة، وهو: بعثة محمد ﷺ إليهم، فقابلوه بالتكذيب والردِّ والمحاربة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ أي: اختبرناهم ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ وهي: البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ أي: حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلًا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾ أي: فيما حلفوا به، ولهذا حنثهم الله في أيمانهم فقال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ أي: أصابتها آفة سماوية فأصبحت كالصريم قال ابن عباس أي: كالليل الأسود (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) هذا لفظ الطبري؛ وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح بلفظ: \"سنسم على أنفه\".\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه ونسبه بقوله: وقال بعضهم.\n(^٤) لم أجد هذا عن الطبري.\n(^٥) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط من طريق الليث به، ثم قال: لا يروى عن عبد الله بن عمرو إلا بهذا الإسناد، تفرد به الليث. (ينظر مجمع البحرين ح ٣٢٣٤).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند فيه رجل مجهول.","vol":"7","page":349},{"text":"وقال الثوري والسدي: مثل الزرع إذا حصد؛ أي: هشيمًا يبسًا.\nوقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن أحمد بن الصباح، أنبأنا بشر بن زاذان، عن عمر بن صبيح، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقًا قد كان هُيء له ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ قد حُرموا خير جنتهم بذنبهم\" (^١).\n\n<span id=\"aya-5292\"></span>\n\n<span id=\"aya-5293\"></span>﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)﴾ أي: لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضًا ليذهبوا إلى الجذاذ؛ أي: القطع ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢)﴾ أي: تريدون الصرام.\nقال مجاهد: كان حرثهم (^٢) عنبًا\n\n<span id=\"aya-5294\"></span>﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣)﴾ أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدًا كلامهم ثم فسر الله ﷾ عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به فقال تعالى: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣)﴾\n\n<span id=\"aya-5295\"></span>﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾ أي: يقول بعضهم لبعض: لا تمكنوا اليوم فقيرًا يدخلها عليكم.\n\n<span id=\"aya-5296\"></span>\n\n<span id=\"aya-5297\"></span>\n\n<span id=\"aya-5298\"></span>قال الله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: قوة وشدة.\nوقال مجاهد: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: جد (^٣).\nوقال عكرمة: على غيظ (^٤).\nوقال الشعبي: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ على المساكين (^٥).\nوقال السدي: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: كان اسم قريتهم حرد، فأبعد السدي في قوله هذا. ﴿قَادِرِينَ﴾ أي: عليها فيما يزعمون ويرومون فلما رأوها قالوا: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ أي: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها وهي على الحالة التي قال الله ﷿ قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مُدْلَهمَّة لا ينتفع بشيء منها، فاعتقدوا أنهم قد أخطأوا الطريق ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ أي: قد سلكنا إليها غير الطريق فتهنا عنها. قاله ابن عباس وغيره (^٦)، ثم رجعوا عما كانوا فيه وتيقنوا أنها هي فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)﴾ أي: بل هي هذه ولكن نحن لا حظَّ لنا ولا نصيب\n\n<span id=\"aya-5299\"></span>﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومحمد بن كعب والربيع بن أنس والضحاك وقتادة: أي أعدلهم وخيرهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) سنده ضعيف جدًا لأن ابن أبي حاتم لم يذكر اسم شيخه، وكذلك في سنده عمر بن صبح متروك كذبه إسحاق بن راهويه. (التقريب ص ٤١٤).\n(^٢) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه جهالة الراوي عن مجاهد، ومعناه صحيح؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن البصري.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق سعيد بن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير.","vol":"7","page":350},{"text":"قال مجاهد والسدي وابن جريج: ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ أي: لولا تستثنون (^١).\nقال السدي: وكان استثناؤهم في ذلك الزمان: تسبيحًا.\nوقال ابن جرير: هو قول القائل: إن شاء الله (^٢)، وقيل: معناه ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾ أي: فهلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم\n\n<span id=\"aya-5300\"></span>﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩)﴾ أتوا بالطاعة حيث لا تنفع وندموا واعترفوا حيث لا ينجع ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩)﴾\n\n<span id=\"aya-5301\"></span>﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠)﴾ أي: يلوم بعضهم بعضًا على ما كانوا أصروا عليه من نفع المساكين من حق الجذاذ، فما كان جواب بعضهم لبعض إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب.\n\n<span id=\"aya-5302\"></span>﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١)﴾ أي: اعتدينا وبغينا وطغينا وجاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا\n\n<span id=\"aya-5303\"></span>﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ قيل: رغبوا في بذلها لهم في الدنيا وقيل: احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5304\"></span>ثم قد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد كانوا من أهل اليمن؛ قال سعيد بن جبير: كانوا من قرية يقال لها: \"ضروان\" على ستة أميال من صنعاء، وقيل: كانوا من أهل الحبشة، وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما يستغل منها يرد فيها ما تحتاج إليه ويدخر لعياله قوت سنتهم ويتصدق بالفاضل، فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئًا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا، فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية رأس المال والربح والصدقة فلم يبق لهم شيء، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أي: هكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما أتاه الله وأنعم به عليه ومنع حق المسكين والفقير وذوي الحاجات وبدل نعمة الله كفرًا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم وعذاب الآخرة أشقّ.\nوقد ورد في حديث رواه الحافظ البيهقي من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عن الجذاذ بالليل والحصاد بالليل (^٣).\n\n<span id=\"aya-5305\"></span>﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾.\nلما ذكر تعالى حال أهل الجنة الدنيوية وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله ﷿ وخالفوا أمره بيَّن أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم التي لا تبيد ولا تفرغ ولا ينقضي نعيمها.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٣) أخرجه البيهقي من طريق جعفر بن محمد به (السنن الكبرى ٤/ ١٣٣)، وسنده ضعيف لإرساله.","vol":"7","page":351},{"text":"<span id=\"aya-5306\"></span>\n\n<span id=\"aya-5307\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ أي: أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء؟ كلا وربِّ الأرض والسماء ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ أي: كيف [تظنون] (^١) ذلك؟\n\n<span id=\"aya-5308\"></span>\n\n<span id=\"aya-5309\"></span>ثم قال: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨)﴾ يقول: أفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف متضمن حكمًا مؤكدًا كما تدعونه ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨)﴾\n\n<span id=\"aya-5310\"></span>﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩)﴾ أي: أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ أي: أنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون\n\n<span id=\"aya-5311\"></span>﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ أي: قل لهم من هو المتضمن المتكفل بهذا؟\n\n<span id=\"aya-5312\"></span>﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ أي: من الأصنام والأنداد ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-5313\"></span>﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾.\nلما ذكر تعالى أن للمتقين عند ربهم جنات النعيم بيّن متى ذلك كائن وواقع فقال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ يعني: يوم القيامة وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلاء والامتحان والأمور العظام.\nوقد قال البخاري ههنا: حدثنا آدم، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا\" (^٢). وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وفي غيرهما من طرق، وله ألفاظ وهو حديث طويل مشهور.\nوقد قال عبد الله بن المبارك، عن أُسامة بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: هو يوم القيامة يوم كرب وشدة. رواه ابن جرير (^٣).\nثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، عن ابن مسعود أو ابن عباس - الشك من ابن جرير - ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: عن أمر عظيم كقول الشاعر:\nوقامت الحرب عن ساق (^٤)\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: شدة الأمر (^٥).\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، باب ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] ح ٤٩١٩).\n(^٣) أخرجه عبد الله بن المبارك (الزهد رقم ٣٦١ من زوائد نعيم)؛ والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٩٩، ٥٠٠).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده عن ابن عباس من غير شك وبمتنه، وسنده ضعيف لضعف شيخ الطبري، وإبراهيم لم يسمع من ابن عباس. ويتقوى بسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"7","page":352},{"text":"وقال ابن عباس: هي أشد ساعة تكون في يوم القيامة.\nوقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: شدة الأمر وجده (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ هو: الأمر الشديد الفظيع من الهول يوم القيامة (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ يقول حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه (^٣). وكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس أورد ذلك كله أبو جعفر بن جرير ثم قال: حدثني أبو زيد عمر بن شيبة، حدثنا هارون بن عمر المخزومي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو سعيد روح بن جناح، عن مولى لعمر بن عبد العزيز، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ يعني: عن نور عظيم يخرون له سجدًا (^٤). ورواه أبو يعلى عن القاسم بن يحيى، عن الوليد بن مسلم به وفيه رجل مبهم (^٥). والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5314\"></span>وقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة إذا تجلى الرب ﷿ فيسجد له المؤمنون ولا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد بل يعود ظهر أحدهم طبقًا واحدًا، كلما أراد أحدهم أن يسجد خرَّ لقفاه عكس السجود كما كانوا في الدنيا، بخلاف ما عليه المؤمنون.\n\n<span id=\"aya-5315\"></span>\n\n<span id=\"aya-5316\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن، وهذا تهديد شديد؛ أي: دعني وإياه مني ومنه أنا أعلم به كيف أستدرجه، وأمده في غيه، وانظره ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر ولهذا قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: وهم لا يشعرون بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة وهو في نفس الأمر إهانة كما قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون] وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام] ولهذا قال ههنا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ أي: وأؤخرهم وانظرهم وأمدهم، وذلك من كيدي ومكري بهم ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: عظيم لمن خالف أمري، وكذب رسلي، واجترأ على معصيتي.\nوفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ (^٦) [هود] \".\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به، ويتقوى بسابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما سبق.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن روح بن جناح ضعيف وقد اتهمه ابن حبان. (التقريب ص ٢١١).\n(^٥) مسند أبي يعلى (١٣/ ٢٦٩ ح ٧٢٨٣) وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود آية ١٠٢.","vol":"7","page":353},{"text":"<span id=\"aya-5317\"></span>\n\n<span id=\"aya-5318\"></span>وقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾ تقدم تفسيرهما في سورة الطور (^١)، والمعنى في ذلك أنك يا محمد تدعوهم إلى الله ﷿ بلا أجر تأخذه منهم بل ترجو ثواب ذلك عند الله تعالى وهم يكذبون بما جئتهم به بمجرد الجهل والكفر والعناد.\n\n<span id=\"aya-5319\"></span>\n\n<span id=\"aya-5320\"></span>\n\n<span id=\"aya-5321\"></span>﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾.\nيقول تعالى: فاصبر يا محمد على قومك وتكذيبهم لك، فإن الله سيحكم لك عليهم ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ يعني: ذا النون وهو: يونس بن متى ﵇ حين ذهب مغاضبًا على قومه، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات اليم، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير الذي لا يردّ ما أنفذه من التقدير، فحينئذٍ نادى في الظلمات ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات]. وقال ههنا: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والسدي: وهو مغموم (^٢).\nوقال عطاء الخراساني وأبو مالك: مكروب.\nوقد قدمنا في الحديث أنه لما قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ خرجت الكلمة تحفُّ حول العرش فقالت الملائكة: يا ربِّ هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة. فقال الله ﵎: أما تعرفون هذا؟ قالوا: لا. قال: هذا يونس. قالوا: يا ربِّ عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح ودعوة مجابة. قال: نعم. قالوا: أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء، فتنجيه من البلاء؟ فأمر الله الحوت فألقاه بالعراء (^٣) ولهذا قال تعالى فاجتباه ربه فجعله من الصالحين.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى\" (^٤). ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري (^٥). وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة (^٦).\n_________\n(^١) الآية ٤٠ و٤١.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنبياء آية ٨٧.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٩٠) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري. أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ [الصافات] (ح ٣٤١٢).\n(^٦) المصدر السابق (ح ٣٤١٦)؛ وصحيح مسلم، الفضائل، باب ذكر يونس ﵇ (ح ٢٣٧٦).","vol":"7","page":354},{"text":"<span id=\"aya-5322\"></span>وقوله: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ لينفذونك بأبصارهم (^١)؛ أي: يعينونك بأبصارهم بمعنى: يحسدونك لبغضهم إياك لولا وقاية الله لك وحمايته إياك منهم.\nوفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتاثيرها حق بأمر الله ﷿ كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.\nحديث أنس بن مالك ﵁:\nقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود العتكي، حدثنا شريح، ح وحدثنا العباس العنبري، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك، عن العباس بن ذَريح، عن الشعبي قال العباس: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم لا يرقأ\" لم يذكر: العباس العين. وهذا لفظ سليمان (^٢).\nحديث بُريدة بن الحصيب ﵁:\nقال أبو عبد الله ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر الرازي، عن حُصين، عن الشعبي، عن بُريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا رقية إلا من عين أو حُمَّة\" (^٣) هكذا رواه ابن ماجه.\nوقد أخرجه مسلم في صحيحه عن سعيد بن منصور، عن هشيم، عن حُصين بن عبد الرحمن، عن عامر الشعبي، عن بُريدة موقوفًا. وفيه قصة (^٤)، وقد رواه شعبة، عن حصين، عن الشعبي، عن بُريدة قاله الترمذي (^٥).\nوروى هذا الحديث الإمام البخاري من حديث محمد بن فضيل، وأبو داود من حديث مالك بن مغول، والترمذي من حديث سفيان بن عيينة، ثلاثتهم عن حصين، عن عامر الشعبي، عن عمران بن حصين موقوفًا (^٦).\nحديث أبي ذر - جندب بن جنادة ﵁:\nقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، عن ابن البِرند السامي،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق علي بن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطب، باب ما رخص في الرقي ح ٣٨٨٩)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٨٣٨).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطب، باب ما رخص فيه من الرقي ح ٣٥١٣)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٨٣٢).\n(^٤) أخرجه مسلم عن سعيد بن منصور به مطولًا. (الصحيح، الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ح ٢٢٠).\n(^٥) سنن الترمذي، الطب، باب ما جاء في الرخصة في ذلك (ح ٢٠٥٧).\n(^٦) صحيح البخاري، الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره (ح ٥٧٠٥)؛ وسنن أبي داود، الطب، باب ما جاء في الرقى (ح ٣٨٨٤)؛ وسنن الترمذي، الباب والحديث السابق.","vol":"7","page":355},{"text":"حدثنا ديلم بن غزوان، حدثنا وهب بن أبي دبي، عن أبي حرب، عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن العين لتولع الرجل بإذن الله، فيتصاعد حالقًا (^١)، ثم يتردى منه\". إسناد غريب ولم يخرجوه.\nحديث حابس التميمي:\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حرب، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني حية بن حابس التميمي، أن أباه أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"لا شيء في الهام والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل\" (^٢).\nوقد رواه الترمذي عن عمرو بن علي، عن أبي غسان يحيى بن كثير، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير به ثم قال: غريب. قال وروى شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن حابس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (^٣).\nقلت: كذلك رواه الإمام أحمد، عن حسن بن موسى وحسين بن محمد، عن شيبان، عن حية حدثه، عن أبيه أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا بأس في الهام، والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل\" (^٤).\nحديث ابن عباس ﵁:\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن دويد، حدثني إسماعيل بن ثوبان، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"العين حق العين حق حتى تستنزل الحالق\" (^٥) غريب.\nطريق أخرى: قال مسلم في صحيحه: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين، وإذا اغتسلتم فاغسلوا\" (^٦) انفرد به دون البخاري.\nوقال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري، عن منصور، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول: \"أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة\"،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وزيادة: ثم يتردى منه، (المسند ٣٥/ ٢٢٨ ح ٢١٣٠٢) وضعف سنده محققوه؛ وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة بان رجاله ثقات. (ح ٨٨٩).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤/ ٢٨٠ ح ٢٠٦٨٠) وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، الطب، باب ما جاء أن العين حق والغسل لها ح ٢٠٦١ - ٢٠٦٢) وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٣٥٨).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤/ ٢٨١ ح ٢٠٦٨١) وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤١٨ ح ٢٦٨١) وقال محققوه: حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف.\n(^٦) صحيح مسلم، السلام، باب الطب والمرض والرقي (ح ٢١٨٨).","vol":"7","page":356},{"text":"ويقول: \"هكذا كان إبراهيم يعوِّذ إسحاق وإسماعيل ﵉\" (^١). أخرجه البخاري [وأهل السنن] (^٢) من حديث المنهال به (^٣).\nحديث أبي أُمامة أسعد بن سهل بن حنيف ﵁:\nقال ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي أُمامة أسعد بن سهل بن حنيف قال: مرَّ عامر بن ربيعة بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال: لم أرَ كاليوم ولا جلد مخبأة، فما لبث أن لُبطَ (^٤) به، فأتي به رسول الله ﷺ فقيل له: أدرك [سهلًا صريعًا] (^٥). قال: من تتهمون به؟ قالوا: عامر بن ربيعة. قال علامَ يقتل أحدكم أخاه إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه؟ فليدع له بالبركة ثم دعا بماء فأمر عامرًا أن يتوضأ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره، وأمره أن يصبَّ عليه، قال سفيان: قال معمر عن الزهري: وأمر أن يكفأ الإناء من خلفه (^٦).\nوقد رواه النسائي من حديث سفيان بن عيينة ومالك بن أنس كلاهما عن الزهري به. ومن حديث سفيان بن عيينة به أيضًا عن معمر، عن الزهري، عن أبي أُمامة: ويكفأ الإناء من خلفه. ومن حديث ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي أُمامة أسعد بن سهل بن حنيف، عن أبيه به، ومن حديث مالك أيضًا عن محمد بن أبي أُمامة بن سهل، عن أبيه به (^٧).\nحديث أبي سعيد الخدري:\nقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: \"كان رسول الله ﷺ يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك (^٨). ورواه الترمذي والنسائي من حديث سعيد بن إياس أبي مسعود الجريري به. وقال الترمذي حسن (^٩).\nحديث آخر عنه:\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثني عبد العزيز بن صهيب، حدثني أبو نضرة، عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: \"اشتكيت يا محمد\". قال: \"نعم\". قال: \"بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين يشفيك،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ٤/ ٣٣٧ رقم ٧٩٨٨) وسنده صحيح.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٣) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب رقم ١٠ (ح ٣٢٧١).\n(^٤) أي: صُرع وسقط إلى الأرض. (النهاية ٤/ ٢٢٦).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٦) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطب، باب العين ح ٣٥٠٩) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٨٢٨).\n(^٧) السنن الكبرى للنسائي، الطب، باب وضوء العائن (ح ٧٦١٧، ٧٦١٩).\n(^٨) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطب، باب من استرقى من العين ح ٣٥١١)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٨٣٠).\n(^٩) سنن الترمذي، الطب، باب ما جاء في الرقية بالمعوذتين (ح ٢٠٥٩) وسنن النسائي، الاستعاذة، باب الاستعاذة من عين الجان ٨/ ٢٧١.","vol":"7","page":357},{"text":"بسم الله أرقيك\" (^١). ورواه عن عفان، عن عبد الوارث مثله (^٢). ورواه مسلم وأهل السنن إلا أبا داود من حديث عبد الوارث (^٣) به.\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أو جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ اشتكى، فأتاه جبريل فقال: \"بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من كل حاسد وعين الله يشفيك\" (^٤) ورواه أيضًا عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، عن داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد به (^٥).\nقال أبو زُرعة الرازي: روى عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن عبد العزيز، عن أنس في معناه. وكلاهما صحيح.\nحديث أبي هريرة ﵁:\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن العين حق\" (^٦) أخرجاه من حديث عبد الرزاق (^٧). وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن علية، عن الجريري، عن مضارب بن حزن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"العين حق\" (^٨) تفرد به، ورواه أحمد، عن إسماعيل بن علية، عن سعيد الجريري (^٩) به.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا ثور يعني: ابن يزيد، عن مكحول، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"العين حق، ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم\" (^١٠).\nوقال أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس سئل أبو هريرة هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: الطيرة في ثلاث في المسكن والفرس والمرأة؟ قال: قلت إذا أقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أصدق الطيرة الفأل، والعين حق\" (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٨) وسند صحيح.\n(^٢) المسند ٣/ ٥٦.\n(^٣) صحيح مسلم، السلاب، باب الطب والمرض والرقي (ح ٢١٨٦).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (١٨/ ٢٣٩ ح ١١٧١٠) وصحح سنده محققوه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (١٨/ ١١١ - ١١٢ ح ١١٥٥٧) وصحح سنده محققوه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣١٩) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح البخاري، الطب، باب العين حق (ح ٥٧٤٠)؛ وصحيح مسلم، السلام، باب الطب والمرض والرقى (ح ٢١٨٧).\n(^٨) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه، الطب، باب العين (ح ٣٥٠٧)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٨٢٦).\n(^٩) (المسند ٢/ ٤٨٧).\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥/ ٤١٧ ح ٩٦٦٨) وضعف سنده محققوه للانقطاع بين مكحول وأبي هريرة، وأن قوله: \"العين حق\" فقط صحيح.\n(^١١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣/ ٢٦٥ ح ٧٨٨٣) وضعف سنده محققوه لضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي.","vol":"7","page":358},{"text":"حديث أسماء بنت عميس:\nقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عُبيد بن رفاعة الزرقي قال: قالت أسماء: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين، أفأسترقي لهم؟ قال: \"نعم\". فلو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين (^١). وكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة به (^٢)، ورواه الترمذي أيضًا والنسائي من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عروة بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة، عن أسماء بنت عميس به. وقال الترمذي: حسن صحيح (^٣).\nحديث عائشة ﵂:\nقال ابن ماجه: حدثنا علي بن أبي الحصيب، حدثنا وكيع، عن سفيان ومسعر، عن معبد بن خالد، عن عبد الله بن شداد، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمرها أن تسترقي من العين (^٤). ورواه البخاري، عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن معبد بن خالد به (^٥).\nوأخرجه مسلم من حديث سفيان ومسعر كلاهما عن معبد به (^٦).\nثم قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو هشام المخزومي، حدثنا وهيب، عن أبي واقد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"استعيذوا بالله، فإن العين حق\" (^٧). تفرد به.\nوقال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: \"كان يؤمر العائن فيتوضأ ويغسل منه المعين\" (^٨).\nقلت: كذلك رواه أحمد، عن حسن بن موسى وحسين بن محمد، عن سنان، أن ابن حيَّة حدثه، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا [بأس في] (^٩) الهام، والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل\".\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٤٦٢ ح ٢٧٤٧٠) وحسن سنده محققوه.\n(^٢) سنن الترمذي، الطب، باب ما جاء في الرقية من العين (ح ٢٠٥٩)؛ وسنن ابن ماجه، الطب، باب من استرقى من العين (ح ٣٥١٠)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٨٢٩).\n(^٣) المصدر السابق؛ والسنن الكبرى، الطب، باب رقية العين (ح ٧٥٣٧).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الباب السابق ح ٣٥١٢)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٨٣١).\n(^٥) صحيح البخاري، الطب، باب رقية العين (ح ٥٧٣٨).\n(^٦) صحيح البخاري، السلام، استحباب الرقية من العين (ح ٢١٩٥).\n(^٧) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطب، باب العين ح ٣٥٠٨)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢٨٢٧.\n(^٨) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطب، باب ما جاء في الطب ح ٣٨٨٠)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢٨٦).\n(^٩) كذا في المسند كما تقدم بعد حديث حابس التميمي فقد جاء بالإسناد والمتن نفسه فحكمه وتخريجه سواء، وفي الأصل بياض.","vol":"7","page":359},{"text":"حديث سهل بن حنيف:\nقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو أويس، حدثنا الزهري، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدثه أن رسول الله ﷺ خرج وساروا معه نحو مكة حتى إذا كانوا بشعب الخرَار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف، وكان رجلًا أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي بن كعب وهو يغتسل فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة فلُبِط سهل، فأتي رسول الله ﷺ فقيل له: يا رسول الله هل لك في سهل؟ والله ما يرفع رأسه ولا يفيق. قال: هل تتهمون فيه من أحد؟ قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله ﷺ عامرًا فتغيظ عليه، وقال علَام يقتل أحدكم أخاه هلّا إذا رأيت ما يعجبك بركت؟ ثم قال: اغتسل له فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صبَّ ذلك الماء عليه فصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه ثم يكفأ القدح وراءه، ففعل ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس (^١).\nحديث عامر بن ربيعة:\nقال الإمام أحمد في مسند عامر: حدثنا وكيع، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن عيسى، عن أُمية بن هند بن سهل بن حنيف، عن عبد الله بن عامر قال: انطلق عامر بن ربيعة وسهل بن حنيف يريدان الغسل قال: فانطلقا يلتمسان الخمر قال: فوضع عامر جبة كانت عليه من صوف فنظرتُ إليه فأصبتُه بعيني، فنزل الماء ليغتسل قال: فسمعت له في الماء فرقعة فناديته ثلاثًا، فلم يجبني، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته قال: فجاء يمشي فخاض الماء، فكأني أنظر إلى بياض ساقيه قال: فضرب صدره بيده ثم قال: اللَّهم اصرف عنه حرَّها وبردها ووصبها، قال: فقام فقال رسول الله ﷺ: \"إذا رأى أحدكم من أخيه أو من نفسه أو من ماله ما يعجبه فليبرك، فإن العين حق\" (^٢).\nحديث جابر:\nقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو داود، حدثنا طالب بن حبيب بن عمرو بن سهل الأنصاري - ويقال له: ابن الضجيع ضجيع حمزة ﵁، حدثني عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس\" قال البزار يعني: العين. قال: ولا نعلم يروي هذا الحديث عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد (^٣).\nقلت: بل قد روي من وجه آخر عن جابر قال الحافظ أبو عبد الرحمن محمد بن المنذر الهروي المعروف\"بشَكَّر\" في كتاب \"العجائب\" وهو مشتمل على فوائد جليلة وغريبة: حدثنا الرهاوي، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا علي بن أبي علي الهاشمي، حدثنا محمد بن المنكدر،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ٣٥٦ ح ١٥٩٨٠) وصححه محققوه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده بلفظ: \"فليبركه، فإن العين حق\" (المسند ٢٤/ ٤٦٥، ٤٦٦ ح ١٥٧٠٠)، وقال محققوه: العين حق صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف.\n(^٣) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (مختصر زوائد مسند البزار ١/ ٦٤٣، ٦٤٤ ح ١١٦٤) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خلا طالب بن حبيب بن عمرو، وهو: ثقة (مجمع الزوائد ٥/ ١٠٦).","vol":"7","page":360},{"text":"عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: \"العين حق لتُورِد الرجل القبر والجَمل القِدر، وإن أكثر هلاك أمتي في العين\" (^١). ثم رواه عن شعيب بن أيوب، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"قد تدخل الرجل العين في القبر، وتدخل الجَمل القِدر\" (^٢) وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات ولم يخرجوه.\nحديث عبد الله بن عمرو:\nقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا رشدين بن سعد، عن الحسن بن ثوبان، عن هشام بن أبي رقية، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا حسد، والعين حق\" (^٣). تفرد به أحمد.\nحديث عن علي:\nروى الحافظ ابن عساكر من طريق خيثمة بن سليمان الحافظ، حدثنا عبيد بن محمد الكشوري، حدثنا عبد الله بن عبد الله بن عبد ربه البصري، عن أبي رجاء، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، [عن علي] (^٤) ﵁ أن جبريل أتى النبي ﷺ فوافقه مغتمًا فقال: يا محمد ما هذا الغمّ الذي أراه في وجهك؟ قال الحسن والحسين أصابتهما عين. قال: صدق بالعين، فإن العين حق أفلا عوذتهما بهؤلاء الكلمات قال: وما هن يا جبريل؟ قال: قل اللَّهم ذا السلطان العظيم [والمن] (^٥) القديم ذا الوجه الكريم ولي الكلمات التامات والدعوات المستجابات عاف الحسن والحسين من أنفس الجن وأعين الإنس، فقالها النبي ﷺ فقاما يلعبان بين يديه، فقال النبي ﷺ: \"عوذوا أنفسكم ونسائكم وأولادكم بهذا التعويذ فإنه لم يتعوذ المتعوذون بمثله\" (^٦).\nقال الخطيب البغدادي: تفرد بروايته أبو رجاء محمد بن عبد الله الحيطي من أهل تُستَر، ذكره ابن عساكر في ترجمة طراد بن الحسين من تاريخه.\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: يزدرونه بأعينهم ويؤذونه بألسنتهم ويقولون: ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: لمجيئه بالقرآن.\n\n<span id=\"aya-5323\"></span>قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾.\nآخر تفسير سورة نون، ولله الحمد والمنة، وصلواته وسلامه على خير خلقه محمد وآله وصحبه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدي من طريق علي بن أبي علي به، وأعلَّه بعليٍّ لأنه يروي أحاديث مناكير عن جابر. (الكامل ٥/ ١٨٥).\n(^٢) أخرجه ابن عدي من طريق شعيب بن أيوب، وقال: غريب من حديث الثوري، تفرد به معاوية. (الكامل ٦/ ٤٠٦).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٦٤١ ح ٧٠٧٠) قال محققوه: صحيح دون قوله: \"ولا حسد\" وهذا إسناد ضعيف لضعف رشدين بن سعد.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"بن علي\".\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٦) أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق ٨/ ل ٥٠٣) وسنده ضعيف لضعف الحارث وهو ابن عبد الله الأعور الكوفي الهمداني (التقريب ص ١٤٦).","vol":"7","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-192>سُوْرَةُ الحَاقَّةِ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-5324\"></span>\n\n<span id=\"aya-5325\"></span>\n\n<span id=\"aya-5326\"></span>﷽\n﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾.\n﴿الْحَاقَّةُ﴾ من أسماء يوم القيامة (^١)؛ لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد، ولهذا عظم الله أمرها فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾\n\n<span id=\"aya-5327\"></span>\n\n<span id=\"aya-5328\"></span>ثم ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ وهي الصيحة التي أسكتتهم والزلزلة التي أسكنتهم، هكذا قال قتادة الطاغية: الصيحة (^٢)، وهو اختيار ابن جرير.\nوقال مجاهد: الطاغية: الذنوب (^٣)، وكذا قال الربيع بن أنس وابن زيد إنها الطغيان، وقرأ ابن زيد ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾ (^٤) [الشمس].\nوقال السدي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قال: يعني عاقر الناقة.\n\n<span id=\"aya-5329\"></span>﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أي: باردة. قال قتادة والسدي والربيع بن أنس والثوري: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أي: شديدة الهبوب (^٥).\nقال قتادة: عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم.\nوقال الضحاك: ﴿صَرْصَرٍ﴾ باردة ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد؛ وأخرجه أيضًا الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.","vol":"7","page":362},{"text":"وقال علي وغيره: عتت على الخَزنَة (^١) فخرجت بغير حساب (^٢).\n\n<span id=\"aya-5330\"></span>﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: سلطها عليهم ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم.\nقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة والثوري وغيرهم: ﴿حُسُومًا﴾ متتابعات (^٣).\nوعن عكرمة والربيع بن خثيم: مشائيم عليهم كقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦].\nقال الربيع: وكان أولها الجمعة (^٤). وقال غيره: الأربعاء، ويقال: إنها التي تسميها الناس الأعجاز، وكأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وقيل: لأنها تكون في عجز الشتاء، ويقال: أيام العجوز لأن عجوزًا من قوم عاد دخلت سربًا فقتلها الريح في اليوم الثامن، حكاه البغوي (^٥)، والله أعلم.\nقال ابن عباس: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خربة (^٦)، وقال غيره: بالية؛ أي: جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخر ميتًا على أُمِّ رأسه، فينشدخ رأسه وتبقى جثته هامدة كأنها قائمة النخلة إذا خرَّت بلا أغصان.\nوقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور\" (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس العبدي، حدثنا ابن فضيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما فتح الله على عاد من الريح التي هلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم فجعلتهم بين السماء والأرض، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها قالوا: هذا عارض ممطرنا، فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة\" (^٨).\nوقال الثوري: عن ليث، عن مجاهد: الريح لها جناحان وذَنَب (^٩).\n\n<span id=\"aya-5331\"></span>﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ أي: هل تحسُّ منهم من أحد من بقاياهم أو ممن ينتسب إليهم بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل الله لهم خلفًا.\n\n<span id=\"aya-5332\"></span>\n\n<span id=\"aya-5333\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ (^١٠) بكسر القاف؛ أي: ومن عنده ممن في زمانه من\n_________\n(^١) أي: من الملائكة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام الراوي عن علي ﵁.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق أبي معمر عن ابن مسعود؛ وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٠٠)؛ وأخرجه أبو الشيخ (العظمة رقم ٨١٣) والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق سماك بن حرب عن عكرمة.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) ذكره البغوي بنحوه. (معالم التنزيل ٤/ ٣٨٦).\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأحزاب آية ٩.\n(^٨) أخرجه الطبراني من طريق محمد بن فضيل به (المعجم الكبير ١٢/ ٤٢١) وسنده ضعيف لضعف مسلم الملائي. (ينظر: مجمع الزوائد ٧/ ١١٣).\n(^٩) سنده ضعيف لضعف ليث وهو ابن أبي سُليم، ومتنه فيه غرابة.\n(^١٠) القراءتان متواترتان.","vol":"7","page":363},{"text":"أتباعه من كفار القبط، وقرأ آخرون بفتحها (^١)؛ أي: ومن قبله من الأُمم المشبهين له.\nوقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وهم الأُمم المكذبون بالرسل ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ بالفعلة الخاطئة وهي التكذيب بما أنزل الله.\nقال الربيع: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أي: بالمعصية.\nوقال مجاهد: بالخطايا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا جنس؛ أي: كُلّ كذَّب رسول الله إليهم كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] ومن كذب برسول فقد كذب بالجميع كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء] ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الشعراء]، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾ [الشعراء]، وإنما جاء إلى كل أُمة رسول واحد ولهذا قال ههنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾ أي: عظيمة شديدة أليمة.\nقال مجاهد: ﴿رَابِيَةً﴾: شديدة (^٢).\nوقال السدي: مهلكة.\n\n<span id=\"aya-5334\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أي: زاد على الحد بإذن الله وارتفع على الوجود.\nوقال ابن عباس وغيره: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾: كَثُر (^٣)، وذلك بسبب دعوة نوح ﵇ على قومه حين كذبوه وخالفوه، فعبدوا غير الله فاستجاب الله له، وعمَّ أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في السفينة، فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن غير واحد، عن علي بن أبي طالب قال: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك، فلما كان يوم نوح أذِن للماء دون الخُزَّان (^٤)، فطغى الماء على الخُزَّان، فخرج فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أي: زاد على الحدِّ بإذن الله ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك إلا يوم عاد فإنه أذن لها دون الخُزَّان فخرجت، فذلك قوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ أي: عتت على الخُزَّان (^٥)، ولهذا قال تعالى ممتنًا على الناس: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ وهي السفينة الجارية على وجه الماء\n\n<span id=\"aya-5335\"></span>﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عاد الضمير على الجنس لدلالة المعني عليه؛ أي: وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف]، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ [يس] وقال قتادة: أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأُمة (^٦)، والأول أظهر ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أي: وتفهم هذه النعمة وتذكرها أُذن واعية.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أي: الملائكة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن علي ﵁.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":364},{"text":"قال ابن عباس: حافظة (^١)، سامعة (^٢).\nوقال قتادة: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله (^٣).\nوقال الضحاك: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سمعتها أذن ووعت (^٤)؛ أي: من له سمع صحيح وعقل رجيح، وهذا عام في كل من فهم ووعى (^٥).\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد بن صبيح الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى، حدثنا علي بن حوشب: سمعت مكحولًا يقول: لما نزل على رسول الله ﷺ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"سألت ربي أن يجعلها أذن علي\" (^٦).\nقال مكحول: فكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا قط فنسيته، وهكذا رواه ابن جرير، عن علي بن سهل، عن الوليد بن مسلم، عن علي بن حوشب، عن مكحول به، وهو حديث مرسل.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا جعفر بن محمد بن عامر، حدثنا بشر بن آدم، حدثنا عبد الله بن الزبير أبو محمد يعني: والد أبي أحمد الزبيري، حدثني صالح بن الهيثم: سمعت بُريدة الأسلمي يقول: قال رسول الله ﷺ لعلي: \"إني أُمرت أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي، وحُقَّ لك أن تعي\" قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (^٧). ورواه ابن جرير، عن محمد بن خلف، عن بشر بن آدم به. ثم رواه ابن جرير من طريق آخر عن أبي داود الأعمى، عن بُريدة به، ولا يصح أيضًا.\n\n<span id=\"aya-5336\"></span>\n\n<span id=\"aya-5337\"></span>﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن أهوال يوم القيامة وأول ذلك نفخة الفزع ثم يعقبها نفخة الصعق حين يصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين والبعث والنشور وهي هذه النفخة، وقد أكدها ههنا بأنها واحدة لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع ولا يحتاج إلى تكرار ولا تأكيد (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.\n(^٥) سنده ضعيف لإرساله، ومتنه فيه نكارة.\n(^٦) أخرجه الطبري عن علي بن سهل به، وحكمه كسابقه.\n(^٧) سنده ضعيف لضعف أبي محمد عبد الله بن الزبير والد أبي أحمد الزبيري؛ (الجرح والتعديل ٥/ ٥٦؛ وميزان الاعتدال ٢/ ٤٢٢)، وأكد الحافظ ابن كثير على ذلك بقوله: لا يصح.\n(^٨) أخرجه الطبري عن محمد بن خلف عن بشر بن آدم به، وسنده كسابقه.","vol":"7","page":365},{"text":"وقال الربيع: هي النفخة الأخيرة. والظاهر ما قلناه، ولهذا قال ههنا: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ أي: فمدت مد الأديم العكاظي، وتبدلت الأرض غير الأرض\n\n<span id=\"aya-5338\"></span>﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾ أي: قامت القيامة\n\n<span id=\"aya-5339\"></span>﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ قال سماك: عن شيخ من بني أسد، عن علي قال: تنشق السماء من المجرة (^١)، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جريج: هي كقوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾ (^٢) [النبأ].\nوقال ابن عباس: متخرقة والعرش بحذائها (^٣)\n\n<span id=\"aya-5340\"></span>﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ الملك اسم جنس؛ أي: الملائكة على أرجاء السماء.\nقال ابن عباس: على ما لم يَهِ منها؛ أي: حافاتها (^٤)، وكذا قال سعيد بن جبير والأوزاعي (^٥).\nوقال الضحاك: أطرافها.\nوقال الحسن البصري: أبوابها.\nوقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾: يقول: على ما استدق من السماء ينظرون إلى أهل الأرض (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أي: يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة، ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش العظيم أو العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب.\nوفي حديث عبد الله بن [عميرة] (^٧)، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب في ذكر حملة العرش أنهم ثمانية أوعال (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو السمح البصري، حدثنا أبو قبيل حيي بن هانئ أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: حملة العرش ثمانية ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينه مسيرة مائة عام (^٩).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: كتب إليَّ أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش بعد ما بين شحمة أذنه وعنقه بخفق الطير سبعمائة عام\" (^١٠) وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات، وقد رواه أبو داود في\n_________\n(^١) سنده ضعيف لإبهام الشيخ من بني أسد.\n(^٢) وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٥) ينظر سابقه.\n(^٦) نسبه السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٧) كذا في ترجمته وسنن أبي داود، وفي الأصل: \"عمرة\"؛ وفي (ح) و(حم): \"عمر\" وكلاهما تصحيف.\n(^٨) تقدم تخريجه في تفسير سورة غافر آية ٧.\n(^٩) الخبر ظاهره من الإسرائيليات المسكوت عنها.\n(^١٠) صححه الألباني بدون قوله: \"بخفق الطير\" كما سيأتي في الحديث التالي.","vol":"7","page":366},{"text":"كتاب السنة من سننه، حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: \"أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام\" هذا لفظ أبي داود (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية صفوف من الملائكة (^٢). قال: وروي عن الشعبي وعكرمة والضحاك وابن جريج مثل ذلك، وكذا روى السدي، عن [أبي] (^٣) مالك، عن ابن عباس: ثمانية صفوف (^٤)، وكذا روى العوفي عنه (^٥).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: الكروبيون ثمانية أجزاء كل جزء منهم بعدة الإنس والجن والشياطين والملائكة (^٦).\n\n<span id=\"aya-5341\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ أي: تعرضون على عالم السر والنجوى الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ وقد قال ابن أبي الدنيا: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا علي بن رفاعة، عن الحسن، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: \"يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله\" (^٨). ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع به (^٩). وقد رواه الترمذي، عن أبي كريب، عن علي بن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، السنة، باب في الجهمية ح ٤٧٢٧)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٥٣).\n(^٢) سنده ضعيف لإرساله، ويشهد له ما سيأتي من قول ابن عباس.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق السدي به، وأخرجه من طريق العوفي وعكرمة عن ابن عباس، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا.\n(^٥) تقدم في سابقه.\n(^٦) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.\n(^٧) أخرجه ابن أبي الدنيا (محاسبة النفس رقم ٢) وسنده ضعيف لأن ثابت بن الحجاج لم يسمع من عمر ﵁. وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى انقطاعه في مسند الفاروق ٢/ ٦١٨.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣٢/ ٤٨٦ ح ١٩٧١٥) وضعف سنده محققوه لأن الحسن لم يسمع من أبي موسى.\n(^٩) سنن ابن ماجه، الزهد، باب ذكر البعث (ح ٤٢٧٧)، وسنده كسابقه.","vol":"7","page":367},{"text":"علي، عن الحسن، عن أبي هريرة به (^١).\nوقد روى ابن جرير، عن مجاهد بن موسى، عن يزيد، عن سليمان بن حيان، عن مروان الأصغر، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان معاذير وخصومات، والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله (^٢)، ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مرسلًا مثله.\n\n<span id=\"aya-5342\"></span>﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾.\nيخبر تعالى عن سعادة من يؤتى كتابه يوم القيامة بيمينه وفرحه بذلك، وأنه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أي: خذوا اقرؤوا كتابيه لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة، لأنه ممن بدل الله سيئاته حسنات (^٣).\nقال عبد الرحمن بن زيد: معنى ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أي: هاقرؤوا كتابيه و\"أُم\" زائدة كذا قال (^٤)، والظاهر أنها بمعنى: هاكم.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا بشر بن مطر الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان قال: المؤمن يعطى كتابه بيمينه في ستر من الله فيقرأ سيئاته، فكلما قرأ سيئة تغير لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه. ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات، قال: فعند ذلك يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (^٥).\nوحدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا موسى بن عبيدة، أخبرني عبد الله بن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: إن الله يوقف عبده يوم القيامة فيبدي؛ أي: يظهر سيئاته في ظهر صحيفته، فيقول له: أنت عملت هذا؟ فيقول: نعم أي ربّ، فيقول له: إني لم أفضحك به، وإني قد غفرت لك. فيقول عند ذلك: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾\n\n<span id=\"aya-5343\"></span>﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ حين نجا من فضيحته يوم القيامة (^٦).\nوقد تقدم في الصحيح حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يدني الله العبد يوم القيامة فيقرره بذنوبه كلها حتى إذا رأى أنه قد هلك، قال الله تعالى أني\n_________\n(^١) سنن الترمذي، صفة القيامة، باب ما جاء في العرض (ح ٢٤٢٧)؛ وضعف سنده الألباني في ضعيف سنن الترمذي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. وذكره الدارقطني من حديث أبي موسى مرفوعًا وموقوفًا ثم قال: الموقوف هو الصحيح. (العلل ٧/ ٢٥١) فيكون هذا الموقوف الصحيح شاهدًا لرواية الطبري.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند رجاله ثقات عن معمر عن قتادة لكنه مرسل ويتقوى بسابقه.\n(^٤) لم يقل به عبد الرحمن بن زيد، وقد أخرج الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بلفظ: \"تعالوا\".\n(^٥) سنده ضعيف لإرساله.\n(^٦) سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي، ولإرساله.","vol":"7","page":368},{"text":"سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] \" (^١).\nوقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ أي: قد كنت موقنًا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة كما قال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]\n\n<span id=\"aya-5344\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ أي: مرضية\n\n<span id=\"aya-5345\"></span>﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾ أي: رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم [حبورها] (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عتبة الحسن بن علي بن مسلم السكوني، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أُمامة قال: سأل رجل رسول الله ﷺ: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: \"نعم إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى فيحيونهم ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين تقصر بهم أعمالهم\" (^٣).\nوقد ثبت في الصحيح: \"إن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-5346\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ قال البراء بن عازب: أي: قريبة يتناولها أحدهم وهو نائم على سريره (^٥)، وكذا قال غير واحد.\nقال الطبراني، عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عطاء بن يسار، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية\" (^٦). وكذا رواه الضياء في صفة الجنة من طريق سعدان بن سعيد، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، عن رسول الله ﷺ قال: \"يعطى المؤمن جوازًا على الصراط: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية\" (^٧).\n\n<span id=\"aya-5347\"></span>وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ أي: يقال لهم ذلك تفضلًا عليهم وامتنانًا وإنعامًا وإحسانًا، وإلا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"اعملوا وسددوا وقاربوا، واعلموا أن أحدًا منكم لن يدخله عمله الجنة\" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الصحيحين في تفسير سورة هود آية ١٨.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: \"حورها\".\n(^٣) سنده ضعيف لضعف سعيد بن يوسف (التقريب ص ٢٤٣).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٩٦.\n(^٥) أخرجه عبد بن حميد بسند صحيح من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء؛ وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الثوري عن أبي إسحاق به (ينظر فتح الباري ٦/ ٣٢١).\n(^٦) أخرجه الطبراني من طريق عبد الرزاق به. (المعجم الكبير ٦/ ٢٧٢ ح ٧٤٢٣) وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زياد بن أنعم.\n(^٧) أخرجه ابن الجوزي من طريق سعدان بن سعيد وأعله به لأن سعدان بن سعيد مجهول. (العلل المتناهية ٢/ ٤٤٦).","vol":"7","page":369},{"text":"قال: \"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل\" (^١).\n\n<span id=\"aya-5348\"></span>\n\n<span id=\"aya-5349\"></span>\n\n<span id=\"aya-5350\"></span>﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾.\nوهذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم كتابه في العرصات بشماله، فحينئذٍ يندم غاية الندم ﴿فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ قال الضحاك: يعني موتة لا حياة بعدها (^٢)، وكذا قال محمد بن كعب والربيع والسدي.\nوقال قتادة: تمنى الموت ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه (^٣)\n\n<span id=\"aya-5351\"></span>\n\n<span id=\"aya-5352\"></span>\n\n<span id=\"aya-5353\"></span>\n\n<span id=\"aya-5354\"></span>﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ أي: لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب الله وبأسه، بل خلص الأمر إلي وحدي فلا معين لي ولا مجير، فعندها يقول الله ﷿: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾ أي: يأمر الزبانية أن تأخذه عنفًا من المحشر فتغله؛ أي: تضع الأغلال في عنقه ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها؛ أي: تغمره فيها.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن عمرو بن قيس، عن المنهال بن عمرو قال: إذا قال الله تعالى خذوه ابتدره سبعون ألف ملك، إن الملك منهم ليقول هكذا فيلقي سبعين ألفًا في النار (^٤).\nوروى ابن أبي الدنيا في الأهوال أنه يبتدره أربعمائة ألف ولا يبقى شيء إلا دقه، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: إن الربَّ عليك غضبان، فكل شيء غضبان عليك.\nوقال الفضيل بن عياض: إذا قال الربُّ ﷿: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠)﴾ ابتدره سبعون ألف ملك أيهم يجعل الغل في عنقه ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾ أي: اغمروه فيها (^٥).\n\n<span id=\"aya-5355\"></span>وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ قال كعب الأحبار: كل حلقة منها قدر حديد الدنيا (^٦).\nوقال العوفي، عن ابن عباس وابن جريج: بذراع الملِك (^٧).\nوقال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تدخل في أسته ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يُشوى (^٨).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الدخان آية ٥١ - ٥٦.\n(^٢) أخرجه هناد بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك (الزهد رقم ٢٢٤).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) سنده ضعيف لإعضاله.\n(^٥) سنده ضعيف كسابقه.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وغيرهما، والخبر من الإسرائيليات.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به.\n(^٨) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يدرك ابن عباس ﵄.","vol":"7","page":370},{"text":"وقال العوفي، عن ابن عباس: يسلك في دبره حتى يخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى جمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفًا الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها\" (^٢). وأخرجه الترمذي، عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك به، وقال: هذا حديث حسن (^٣).\n\n<span id=\"aya-5356\"></span>\n\n<span id=\"aya-5357\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ أي: لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم، فإن لله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئًا، وللعباد بعضهم على بعض حق الإحسان والمعاونة على البر والتقوى، ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقبض النبي ﷺ وهو يقول: \"الصلاة وما ملكت أيمانكم\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-5358\"></span>\n\n<span id=\"aya-5359\"></span>\n\n<span id=\"aya-5360\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ أي: ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله تعالى لا حميم وهو القريب، ولا شفيع يطاع، ولا طعام له ههنا إلا من غسلين.\nقال قتادة: هو شر طعام أهل النار (^٥).\nوقال الربيع والضحاك: هو شجرة في جهنم (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد المؤدب، عن خُصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ما أدري ما الغسلين؟ ولكني أظنه الزقوم (^٧).\nوقال شبيب بن بشر: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الغِسلين: الدم والماء يسيل من لحومهم (^٨).\nوقال علي بن أبي طلحة عنه: الغِسلين: صديد أهل النار.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع تقديم: أصلها على قعرها. (المسند ١١/ ٤٤٣، ٤٤٤ ح ٦٨٥٦) وحسن سنده محققوه.\n(^٣) سنن الترمذي، صفة الجنة، باب ذكر السلسلة بالنار (ح ٢٥٩١).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه من حديث أنس بن مالك ﵁ (السنن، الوصايا، باب هل أوصى رسول الله ﷺ ح ٢٦٩٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٥٧)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢١٨٣).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^٦) قول غريب والصحيح أن الزقوم هي شجرة في جهنم.\n(^٧) سنده ضعيف لأن خُصيف سيء الحفظ، وهو يخالف الروايتين التاليتين الثابتتين.\n(^٨) سنده حسن، ويتقوى بما يليه.","vol":"7","page":371},{"text":"<span id=\"aya-5361\"></span>\n\n<span id=\"aya-5362\"></span>\n\n<span id=\"aya-5363\"></span>\n\n<span id=\"aya-5364\"></span>\n\n<span id=\"aya-5365\"></span>\n\n<span id=\"aya-5366\"></span>﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾.\nيقول تعالى مقسمًا لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم (^١): إن القرآن كلامه ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾ يعني: محمدًا ﷺ، أضافه إليه على معنى التبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ وهذا جبريل ﵇، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ يعني: أن محمدًا رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ أي: بمتهم، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥)﴾ [التكوير] وهكذا قال ههنا: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾ فأضافه الله تارة إلى قول الرسول الملكي وتارة إلى الرسول البشري؛ لأن كلًا منهما مبلغ عن الله ما استأمنه عليه من وحيه وكلامه، ولهذا قال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا شريح بن عُبيد قال: قال عمر بن الخطاب: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ قبل أن أُسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال، فقرأ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ قال: فقلت كاهن، قال: فقرأ ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ إلى آخر السورة قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع (^٢).\nفهذا من جملة الأسباب التي جعلها الله تعالى مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب ﵁، كما أوردنا كيفية إسلامه في سيرته المفردة، ولله الحمد.\n\n<span id=\"aya-5367\"></span>\n\n<span id=\"aya-5368\"></span>﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أي: محمد ﷺ لو كان كما يزعمون مفتريًا علينا فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا وليس كذلك لعاجلناه بالعقوبة، ولهذا قال تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٦٢، ٢٦٣ ح ١٠٧) وضعف سنده محققوه؛ لأن شريح بن عبيد لم يُدرك عمر ﵁.","vol":"7","page":372},{"text":"﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ قيل: معناه: لانتقمنا منه باليمين لأنها أشد في البطش، وقيل: لأخذنا منه بيمينه\n\n<span id=\"aya-5369\"></span>﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ قال ابن عباس: وهو نياط القلب (^١). وهو العرق الذي القلب معلق فيه، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحكم وقتادة والضحاك، ومسلم البطين وأبو صخر حميد بن زياد (^٢).\nوقال محمد بن كعب: هو: القلب ومراقه وما يليه.\n\n<span id=\"aya-5370\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ أي: فما يقدر أحد منكم أن يحجز بيننا وبينه إذا أردنا به شيئًا من ذلك. والمعنى في هذا بل هو صادق بار راشد لأن الله ﷿ مقرر له ما يبلغه عنه ومؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات.\n\n<span id=\"aya-5371\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ يعني: القرآن كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]\n\n<span id=\"aya-5372\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ أي: مع هذا البيان والوضوح سيوجد منكم من يكذب بالقرآن.\n\n<span id=\"aya-5373\"></span>\n\n<span id=\"aya-5374\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾.\nقال ابن جرير: وإن التكذيب لحسرة على الكافرين يوم القيامة (^٣). وحكاه عن قتادة بمثله (^٤).\nوروى ابن أبي حاتم من طريق السدي، عن أبي مالك ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ يقول: لندامة (^٥)، ويحتمل عود الضمير على القرآن؛ أي: وإن القرآن والإيمان به لحسرة في نفس الأمر على الكافرين كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشعراء] وقال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولهذا قال ههنا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾ أي: الخبر الصادق الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ولا ريب،\n\n<span id=\"aya-5375\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾ أي: الذي أنزل هذا القرآن العظيم.\nآخر تفسير سورة الحاقة، ولله الحمد.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بأسانيد حسان وأسانيد يقوى بعضها بعضًا، وأخرجه الحاكم عن ابن عباس بلفظ: \"حبل القلب\"، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٠١).\n(^٢) أخرجه الطبري بسندين عن سعيد بن جبير يقوي أحدهما الآخر؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد وقول عكرمة عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"ذاكم يوم القيامة\".\n(^٥) سنده حسن، ومعناه صحيح.","vol":"7","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-193>سُوْرَةُ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-5376\"></span>﷽\n﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾.\n﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ فيه تضمين دلَّ عليه حرف الباء كأنه مقدر: استعجل سائل بعذاب واقع كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧] أي: وعذابه واقع لا محالة.\nقال النسائي: حدثنا بشر بن خالد، حدثنا أبو أسامة، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ قال: النضر بن الحارث بن كِلدة (^١). وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ قال: \"ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله\" وهو واقع بهم (^٢)، قال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ دعا داع بعذاب واقع يقع في الآخرة، قال: وهو قولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٣) [الأنفال: ٣٢] وقال ابن زيد وغيره: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ أي: وادٍ في جهنم يسيل يوم القيامة بالعذاب (^٤). وهذا القول ضعيف بعيد عن المراد، والصحيح الأول لدلالة السياق عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: مرصد معد للكافرين.\nوقال ابن عباس: ﴿وَاقِعٍ﴾: جاءٍ.\n\n<span id=\"aya-5377\"></span>\n\n<span id=\"aya-5378\"></span>﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ أي: لا دافع له إذا أراد الله كونه ولهذا قال تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾.\nقال الثوري، عن الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، سورة المعارج ح ١١٦٢٠)؛ وأخرجه الحاكم من طريق سفيان الثوري به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٠٢).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعناه صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن وهب عن ابن زيد قال بعض أهل العلم: هو وادٍ في جهنم يقال له: سائل.","vol":"7","page":374},{"text":"﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ قال: ذو الدرجات (^١)، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ يعني: العلو والفواضل (^٢).\nوقال مجاهد: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ معارج السماء (^٣).\nوقال قتادة: ذي الفواضل والنعم (^٤).\n\n<span id=\"aya-5379\"></span>وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة: ﴿تَعْرُجُ﴾ تصعد.\nوأما الروح فقال أبو صالح: هم خلق من خلق الله يشبهون الناس وليسوا ناسًا.\nقلت: ويحتمل أن يكون المراد به: جبريل، ويكون من باب عطف الخاص على العام، ويحتمل أن يكون اسم جنس لأرواح بني آدم، فإنها إذا قبضت يصعد بها إلى السماء كما دل عليه حديث البراء (^٥)، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المنهال، عن زاذان، عن البراء مرفوعًا الحديث بطوله في قبض الروح الطيبة قال فيه: \"فلا يزال يصعد بها من سماء إلى سماء حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله\" (^٦) والله أعلم بصحته، فقد تكلم في بعض رواته ولكنه مشهور، وله شاهد في حديث أبي هريرة فيما تقدم من رواية الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من طريق ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار عنه، وهذا إسناد رجاله على شرط الجماعة، وقد بسطنا لفظه عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم].\nوقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فيه أربعة أقوال:\nأحدها: أن المراد بذلك مسافة ما بين العرش العظيم إلى أسفل السافلين، وهو قرار الأرض السابعة، وذلك مسيرة خمسين ألف سنة، هذا ارتفاع العرش عن المركز الذي في وسط الأرض السابعة، وكذلك اتساع العرش من قطر إلى قطر مسيرة خمسين ألف سنة، وإنه من ياقوتة حمراء (^٧) كما ذكره ابن أبي شيبة في كتاب \"صفة العرش\".\nوقد قال ابن أبي حاتم عند هذه الآية: حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا حكام، عن عمر بن معروف، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السموات خمسين ألف سنة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لجهالة شيخ الأعمش.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة إبراهيم آية ٢٧.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة إبراهيم آية ٢٧.\n(^٧) تفدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٣.","vol":"7","page":375},{"text":"﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] يعني: بذلك حين ينزل الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء والأرض مقدار مسيرة خمسمائة عام (^١).\nوقد رواه ابن جرير، عن ابن حميد، عن حكام بن سالم، عن عمر بن معروف، عن ليث، عن مجاهد قوله، لم يذكر ابن عباس (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا نوح المؤدب، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس قال: غلظ كل أرض خمسمائة عام، وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، فذلك سبعة آلاف عام، وغلظ كل سماء خمسمائة عام وبين السماء إلى السماء خمسمائة عام، فذلك أربعة ألف عام، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام، فذلك قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (^٣).\nالقول الثاني: أن المراد بذلك مدة بقاء الدنيا منذ خلق الله هذا العالم إلى قيام الساعة، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، أخبرنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: الدنيا عمرها خمسون ألف سنة، وذلك عمرها يوم سماها الله ﷿: يومًا ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ﴾ قال: اليوم الدنيا (^٤).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وعن الحكم بن أبان، عن عكرمة: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: الدنيا من أولها إلى آخرها مقدار خمسين ألف سنة لا يدري أحد كم مضى؟ ولا كم بقي؟ إلا الله ﷿ (^٥).\nالقول الثالث: أنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة وهو قول غريب جدًا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا بهلول بن المورق، حدثنا موسى بن عبيدة، أخبرني محمد بن كعب: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو يوم الفصل بين الدنيا والآخرة (^٦).\nالقول الرابع: أن المراد بذلك يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: يوم القيامة (^٧). وإسناده صحيح، ورواه الثوري عن\n_________\n(^١) في سنده ليث وهو ابن أبي سُليم فيه مقال، وقد وصله هنا إلى ابن عباس، وفي رواية الطبري التالية بدون ذكر ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. وسنده كسابقه.\n(^٣) سنده ضعيف لضعف عبد الوهاب بن مجاهد وهو ابن جبير.\n(^٤) سنده ضعيف لانقطاعه فإن ابن جريج لم يسمع من مجاهد.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبسند حسن من طريق معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة.\n(^٦) سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي.\n(^٧) صحح سنده الحافظ ابن كثير.","vol":"7","page":376},{"text":"سماك بن حرب، عكرمة ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يوم القيامة (^١)، وكذا قال الضحاك وابن زيد (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ قال: [هو] (^٣) يوم القيامة جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة (^٤). وقد وردت أحاديث في معنى ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: قيل لرسول الله ﷺ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطول هذا اليوم! فقال رسول الله: \"والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا\" (^٥). ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج به (^٦)، إلا أن دراجًا وشيخه أبا الهيثم ضعيفان، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي عمر الغُداني قال: كنت عند أبي هريرة فمرَّ رجل من بني عامر بن صعصعة فقيل له: هذا أكثر عامري مالًا، فقال أبو هريرة، ردُّوه إليَّ فردُّوه فقال: نُبئت أنك ذو مال كثير. فقال العامري: إي والله إن لي لمائة حمرًا، ومائة أدمًا حتى عدَّ من ألوان الإبل وأفنان الرقيق ورباط الخيل، فقال أبو هريرة: إياك وأخفاف الإبل وأظلاف النعم، يردد ذلك عليه حتى جعل لون العامري يتغير فقال: ما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من كانت له إبل لا يعطي حقها في نجدتها (^٧) ورسلها\" (^٨) قلنا: يا رسول الله ما نجدتها ورسلها؟ قال: \"في عسرها ويسرها فإنها تأتي يوم القيامة كأغَذَّ (^٩) ما كانت وأكثره وأسمنه وآشره، ثم يبطح لها بقاع قرقر (^١٠) فتطؤه بأخفافها، فإذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله، وإذا كانت له بقر لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذّ ما كانت وأكثره وأسمنه وآشره، ثم يبطح لها بقاع قرقر فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، ليس فيها عقصاء ولا عضباء، إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله، وإذا كانت له غنم لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها فإنها تأتي يوم القيامة كأغذّ ما كانت وأسمنه وآشره حتى يبطح لها بقاع قرقر فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، ليس فيها عقصاء (^١١) ولا\n_________\n(^١) سنده صحيح لكنه مرسل ويتقوى بسابقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٧٥)؛ وسنده ضعيف كما قرر الحافظ ابن كثير وغيره.\n(^٦) أخرجه الطبري عن يونس به، وسنده كسابقه.\n(^٧) أي: الشدة.\n(^٨) أي: التأني.\n(^٩) كأغَذَّ: من الأغذاذ: أي: أسرع وأنشط.\n(^١٠) أي: المكان المستوي.\n(^١١) أي: الملتوية القرن.","vol":"7","page":377},{"text":"عضباء (^١) إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله\" فقال العامري: وما حق الإبل يا أبا هريرة؟ قال: أن تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرة (^٢) وتفقر الظهر (^٣)، وتسقي الإبل وتطرق الفحل (^٤). وقد رواه أبو داود من حديث شعبة، والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة به (^٥).\nطريق أخرى لهذا الحديث: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعل صفائح يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار\". وذكر بقية الحديث في الغنم والإبل كما تقدم، وفيه: \"الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر\" إلى آخره (^٦)، ورواه مسلم في صحيحه بتمامه منفردًا به دون البخاري من حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة (^٧). وموضع استقصاء طرقه وألفاظه في كتاب الزكاة من كتاب الأحكام، والغرض من إيراده ههنا قوله: \"حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة\".\nوقد روى ابن جرير، عن يعقوب، عن ابن علية وعبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس، عن قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ قال: فاتهمه، فقال: إنما سألتك لتحدثني، قال: هما يومان ذكرهما الله، والله أعلم بهما، وأكره أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم (^٨).\n\n<span id=\"aya-5380\"></span>\n\n<span id=\"aya-5381\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ أي: اصبر يا محمد على تكذيب قومك لك واستعجالهم العذاب استبعادًا لوقوعه كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] ولهذا قال ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦)﴾ أي: وقوع العذاب. وقيام الساعة يراه الكفرة بعيد الوقوع بمعنى مستحيل الوقوع\n\n<span id=\"aya-5382\"></span>﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ أي: المؤمنون يعتقدون كونه قريبًا، وإن كان له أمد لا يعلمه إلا الله ﷿، لكن كل ما هو آت فهو قريب وواقع لا محالة.\n_________\n(^١) أي: المكسورة القرن.\n(^٢) أي: الكثيرة اللّبن.\n(^٣) أي: تعيره للحمل والركوب.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦/ ٢٣٠، ٢٣١ ح ١٠٣٥)، وقال محققوه: صحيح، وهذا إسناد ضعيف لجهالة أبي عمر الغداني. اهـ. ولو قالوا: حسن لغيره لكان أحسن.\n(^٥) سنن أبي داود، الزكاة، باب في حقوق المال (ح ١٤٦٢)؛ وسنن النسائي، الزكاة، باب التغليظ في حبس الزكاة ٥/ ١٢؛ وحسنه الألباني بما بعده. صحيح سنن أبي داود (ح ١٤٦٢).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وأطول (المسند ١٣/ ٧ - ٩ ح ٧٥٦٣) وصحح سنده محققوه.\n(^٧) صحيح مسلم، الزكاة، باب إثم مانع الزكاة (ح ٩٨٧).\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"7","page":378},{"text":"<span id=\"aya-5383\"></span>﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾.\nيقول تعالى العذاب واقع بالكافرين: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وغير واحد: أي: كدردي الزيت (^١)\n\n<span id=\"aya-5384\"></span>﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾ أي: كالصوف المنفوش، قاله مجاهد وقتادة والسدي (^٢)، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة].\n\n<span id=\"aya-5385\"></span>\n\n<span id=\"aya-5386\"></span>\n\n<span id=\"aya-5387\"></span>\n\n<span id=\"aya-5388\"></span>\n\n<span id=\"aya-5389\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: لا يسأل القريب قريبه عن حاله وهو يراه في أسوأ الأحوال فتشغله نفسه عن غيره.\nقال العوفي، عن ابن عباس: يعرف بعضهم بعضًا ويتعارفون بينهم ثم يفر بعضهم من بعض بعد ذلك يقول الله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ (^٣) [عبس].\nوهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣] وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] وكقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون] وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس].\nوقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا﴾ أي: لا يقبل منه فداء ولو جاء بأهل الأرض وبأعزِّ ما يجده من المال ولو بملء الأرض ذهبًا، أو من ولده الذي كان في الدنيا حشاشة كبده يودّ يوم القيامة إذا رأى الأهوال أن يفتدي من عذاب الله به ولا يقبل منه.\nقال مجاهد والسدي: ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ قبيلته وعشيرته (^٤).\nوقال عكرمة: فخذه الذي هو منهم.\nوقال أشهب، عن مالك: فصيلته: أُمه.\n\n<span id=\"aya-5390\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَظَى﴾ النار وشدة حرها\n\n<span id=\"aya-5391\"></span>﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ قال ابن عباس ومجاهد: جلدة الرأس (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الكهف آية ٢٩، وسورة الدخان آية ٤٥؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: كعكر الزيت.\n(^٢) أخرجه الطبري بالسند المتقدم عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعناه صحيح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"قبيلته\"؛ وأخرجه أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"عشيرته\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: لجلود الرأس.","vol":"7","page":379},{"text":"وقال العوفي، عن ابن عباس ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ الجلود والهام (^١).\nوقال مجاهد: ما دون العظم من اللحم (^٢).\nوقال سعيد بن جبير: للعصب والعقب.\nوقال أبو صالح: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ يعني: أطراف اليدين والرجلين، وقال أيضًا ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ لحم الساقين (^٣).\nوقال الحسن البصري وثابت البناني: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ أي: مكارم وجهه.\nوقال الحسن أيضًا: تحرق كل شيء فيه ويبقى فؤاده يصيح (^٤).\nوقال قتادة ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ أي: نزاعة لهامته ومكارم وجهه وخلقه وأطرافه (^٥).\nوقال الضحاك: تبري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئًا (^٦).\nوقال ابن زيد: \"الشوى\": الأراب العظام (^٧)، فقوله: \"نزاعة\" قال: تقطع عظامهم ثم تبَّدل جلودهم وخلقهم.\n\n<span id=\"aya-5392\"></span>\n\n<span id=\"aya-5393\"></span>وقوله تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ أي: تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم الله لها، وقدَّر لهم أنهم في الدار الدنيا يعملون عملها، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذَلِق ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر كما يلتقط الطير الحبّ، وذلك أنهم كما قال الله ﷿: كانوا ممن ﴿أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ أي: كذب بقلبه وترك العمل بجوارحه ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ أي: جمع المال بعضه على بعض فأوعاه؛ أي: أوكاه ومنع حق الله منه من الواجب عليه في النفقات ومن إخراج الزكاة، وقد ورد في الحديث: \"لا توعي فيوعي الله عليك\" (^٨).\nوكان عبد الله بن عكيم لا يربط له كيسًا ويقول: سمعت الله يقول: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾.\nوقال الحسن البصري: يا ابن آدم سمعت وعيد الله ثم أوعيت الدنيا (^٩).\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ قال: كان جموعًا [قمومًا] (^١٠) [للخبيث] (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له ما يليه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق قرة عن الحسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٨) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٢٩.\n(^٩) أخرجه ابن سعد (الطبقات الكبرى ٦/ ١١٤)؛ والطبري كلاهما من طريق أبي قطن عن المسعودي عن الحكم عن عبد الله بن عكيم.\n(^١٠) كذا في (ح) و(حم) وفي الأصل بياض.\n(^١١) كذا في تفسير الطبري فقد أخرجه بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. وفي الأصول الخطية صُحف إلى: \"الحديث\".","vol":"7","page":380},{"text":"<span id=\"aya-5394\"></span>﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾\n\n<span id=\"aya-5395\"></span>ثم فسره بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠)﴾ أي: إذا مسّه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير\n\n<span id=\"aya-5396\"></span>﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ أي: إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله تعالى فيها.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن علي بن رباح، سمعت أبي يحدث عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"شر ما في رجل: شح هالع وجبن خالع\" (^١). ورواه أبو داود، عن عبد الله بن الجراح، عن أبي عبد الرحمن المقري به (^٢). وليس لعبد العزيز عنده [سواه] (^٣).\n\n<span id=\"aya-5397\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ أي: الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم، إلا من عصمه الله ووفقه وهداه إلى الخير ويسر له أسبابه وهم المصلون.\n\n<span id=\"aya-5398\"></span>﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ قيل: معناه يحافظون على أوقاتها وواجباتها، قال ابن مسعود ومسروق وإبراهيم النخعي (^٤).\nوقيل: المراد بالدوام ههنا السكون والخشوع كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون] قاله عقبة بن عامر (^٥): ومنه الماء الدائم وهو الساكن الراكد، وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الصلاة فإن الذي لا يطمئن في ركوعه وسجوده ليس بدائم على صلاته؛ لأنه لم يسكن فيها ولم يدم بل ينقرها نقر الغراب فلا يفلح في صلاته.\nوقيل: المراد بذلك الذين إذا عملوا عملًا داوموا عليه وأثبتوه كما جاء في الصحيح عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ\" (^٦) وفي لفظ:\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ١٥ ح ٨٢٦٣) وصحح سنده محققوه.\n(^٢) سنن أبي داود، الجهاد باب في الجرأة والجبن (ح ٢٥١١)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢١٩٢).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن عن ابن مسعود (المصنف ١/ ٣٥٠)؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن إبراهيم النخعي.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي الخير، وهو مرثد، عن عقبة بن نافع الجهني.\n(^٦) صحيح البخاري، اللباس، باب الجلوس على الحصير ونحوه (ح ٥٨٦١).","vol":"7","page":381},{"text":"\"مادام عليه صاحبه\" (^١) قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا عمل عملًا داوم عليه (^٢)، وفي لفظ أثبته (^٣).\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾: ذُكر لنا أن دانيال ﵇ نعتَ أُمة محمد ﷺ فقال: يصلون صلاة لو صلّاها قوم نوح ما غرقوا، أو قوم عاد ما أرسلت عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة، فعليكم بالصلاة فإنها خلق للمؤمنين حسن (^٤).\n\n<span id=\"aya-5399\"></span>\n\n<span id=\"aya-5400\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ أي: في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الذاريات.\n\n<span id=\"aya-5401\"></span>\n\n<span id=\"aya-5402\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦)﴾ أي: يوقنون بالمعاد والحساب والجزاء فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب. ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧)﴾ أي: خائفون وجِلون\n\n<span id=\"aya-5403\"></span>﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾ أي: لا يأمنه أحد ممن عقل عن الله أمره إلا بأمان من الله ﵎.\n\n<span id=\"aya-5404\"></span>\n\n<span id=\"aya-5405\"></span>\n\n<span id=\"aya-5406\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩)﴾ أي: يكفُّوها عن الحرام ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي: من الإماء ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾ وقد تقدم تفسير هذا في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون] بما أغنى عن إعادته ههنا.\n\n<span id=\"aya-5407\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)﴾ أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، وهذه صفات المؤمنين وضدها صفات المنافقين كما ورد في الحديث الصحيح: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان\" (^٥) وفي رواية: \"إذا حدَّث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-5408\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ أي: محافظون عليها لا يزيدون فيها ولا ينقصون منها ولا يكتمونها ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\n\n<span id=\"aya-5409\"></span>\n\n<span id=\"aya-5410\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ أي: على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، فافتتح الكلام بذكر الصلاة واختتمه بذكرها، فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها كما تقدم في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ سواء ولهذا قال هناك: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون] وقال ههنا: ﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾ أي: مكرمون بأنواع الملاذ والمسار.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الإيمان، باب أحب الدين إلى الله أدومه (ح ٤٣).\n(^٢) صحيح البخاري، الصوم، باب صوم شعبان (ح ١٩٧٠).\n(^٣) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل (ح ٧٤٦/ ١٤١).\n(^٤) صحيح الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الصف آية ٢.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة المؤمنون آية ٨.","vol":"7","page":382},{"text":"<span id=\"aya-5411\"></span>﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على الكفار الذين كانوا في زمن النبي ﷺ وهم مشاهدون له ولما أرسله الله به من الهدى وما أيده الله به من المعجزات الباهرات، ثم هم مع هذا كله فارُّون منه متفرقون عنه، شاردون يمينًا وشمالًا فِرقًا فِرقًا، وشِيعًا شِيعًا، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ الآية [المدثر] وهذه مثلها فإنه قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾ أي: فما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد مهطعين؟ أي: مسرعين نافرين منك، كما قال الحسن البصري: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: منطلقين (^١).\n\n<span id=\"aya-5412\"></span>﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ واحدها عزة؛ أي: متفرقين، وهو حال من مهطعين؛ أي: في حال تفرقهم واختلافهم كما قال الإمام أحمد في أهل الأهواء: فهم مخالفون للكتاب مختلفون في الكتاب متفقون على مخالفة الكتاب.\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾، قال: قبلك ينظرون ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ قال: العزين: العِصب من الناس عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عامر، حدثنا قُرَّة، عن الحسن في قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ أي: متفرقين يأخذون يمينًا وشمالًا يقولون: ما قال هذا الرجل (^٣)؟\nوقال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ أي: فِرقًا حول النبي ﷺ لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه ﷺ (^٤).\nوقال الثوري وشعبة وعبثر بن القاسم وعيسى بن يونس ومحمد بن فضيل ووكيع ويحيى القطان وأبو معاوية، كلهم عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ خرج عليهم وهم حِلَق فقال: \"ما لي أراكم عزين؟ \" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي، وابن جرير من حديث الأعمش به (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه وهم حِلَق فقال: \"ما لي أراكم عزين؟ \" (^٦). وهذا إسناده جيد ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.\n_________\n(^١) اْخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي عامر عن قرة عن الحسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٣) أخرجه الطبري عن ابن بشار به، وسنده جيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) المسند ٥/ ٩٣؛ وصحيح مسلم، الصلاة.\n(^٦) في سنده مؤمل وفي روايته عن سفيان مقال ولكنه توبع في الرواية السابقة من طرق أخرى، فيتقوى ولهذا حكم عليه الحافظ ابن كثير بأن إسناده جيد.","vol":"7","page":383},{"text":"<span id=\"aya-5413\"></span>\n\n<span id=\"aya-5414\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا﴾ أي: أيطمع هؤلاء والحالة هذه من فرارهم عن رسول الله ﷺ ونفارهم عن الحق أن يدخلوا جنات النعيم؟ كلَّا بل مأواهم جهنم.\nثم قال تعالى مقررًا لوقوع المعاد والعذاب بهم الذي أنكروا كونه واستبعدوا وجوده مستدلًا عليهم بالبداءة التي الإعادة أهون منها، وهم معترفون بها، فقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من المني الضعيف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾ [المرسلات] وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ [الطارق].\n\n<span id=\"aya-5415\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ أي: الذي خلق السموات والأرض وجعل مشرقًا ومغربًا وسخر الكواكب تبدو من مشارقها وتغيب في مغاربها. وتقدير الكلام: ليس الأمر كما تزعمون أن لا معاد ولا حساب ولا بعث ولا نشور، بل كل ذلك واقع وكائن لا محالة، ولهذا أتى بلا في ابتداء القسم ليدل على أن المقسم عليه نفي، وهو مضمون الكلام وهو الردُّ على زعمهم الفاسد في نفي يوم القيامة. وقد شاهدوا من عظيم قدرة الله تعالى ما هو أبلغ من إقامة القيامة، وهو خلق السموات والأرض وتسخير ما فيهما من المخلوقات من الحيوانات والجمادات وسائر صنوف الموجودات، ولهذا قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف] وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس] وقال ههنا: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠)﴾\n\n<span id=\"aya-5416\"></span>﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ أي: يوم القيامة نعيدهم بأبدان خير من هذه فإن قدرته صالحة لذلك ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: بعاجزين كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ [القيامة] وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾ [الواقعة] واختار ابن جرير ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ أي: أُمة تطيعنا ولا تعصينا وجعلها كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] والمعنى الأول أظهر لدلالة الآيات الأخرى عليه، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5417\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي: يا محمد ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ أي: دعهم في تكذيبهم وكفرهم وعنادهم ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: فسيعلمون غب ذلك ويذوقون وباله\n\n<span id=\"aya-5418\"></span>﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ أي: يقومون من القبور إذا دعاهم الربُّ ﵎ لموقف الحساب ينهضون سراعًا كأنهم إلى نصب يوفضون.\nقال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إلى علم يسعون (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بالآثار التالية: فقد أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"7","page":384},{"text":"وقال أبو العالية ويحيى بن أبي كثير: إلى غاية يسعون إليها (^١).\nوقد قرأ الجمهور \"إلى نَصْب\" بفتح النون وإسكان الصاد وهو مصدر بمعنى المنصوب.\nوقرأ الحسن البصري \"نُصُب\" بضم النون والصاد (^٢) وهو الصنم؛ أي: كأنهم في إسراعهم إلى الموقف كما كانوا في الدنيا يهرولون إلى النصب إذا عاينوه، يوفضون يبتدرون أيهم يستلمه أول، وهذا مروي عن مجاهد ويحيى بن أبي كثير ومسلم البطين وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وأبي صالح وعاصم بن بهدلة وابن زيد وغيرهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-5419\"></span>وقوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ أي: خاضعة ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: في مقابلة ما استكبروا في الدنيا عن الطاعة ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.\nآخر تفسير سورة سأل سائل [ولله الحمد والمنة] (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف، وهو الأعرابي، عن أبي العالية؛ وأخرجه الطبري أيضًا بسند حسن من طريق أبي عمرو عن يحيى بن أبي كثير.\n(^٢) القراءتان متواترتان.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن ابن زيد، وهو عبد الرحمن، وأخرجه أيضًا بسند جيد من طريق قرّة عن الحسن، وهو البصري.\n(^٤) زيادة من (ح).","vol":"7","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-194>سُورَة نُوحٍ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-5420\"></span>\n\n<span id=\"aya-5421\"></span>﷽\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن نوح ﵇ أنه أرسله إلى قومه آمرًا له أن ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم. ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢)﴾ أي: بين النذارة ظاهر الأمر واضحه،\n\n<span id=\"aya-5422\"></span>﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: اتركوا محارمه واجتنبوا مآثمه ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به وأنهاكم عنه\n\n<span id=\"aya-5423\"></span>﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: إذا فعلتم ما آمركم به وصدقتم ما أرسلت به إليكم غفر الله لكم ذنوبكم، ومن -ههنا- قيل إنها زائدة، ولكن القول بزيادتها في الإثبات قليل، ومنه قول بعض العرب: قد كان من مطر، وقيل: إنها بمعنى عن تقديره يصفح لكم عن ذنوبكم، واختاره ابن جرير.\nوقيل: إنها للتبعيض؛ أي: يغفر لكم الذنوب العظيمة التي وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تجتنبوا ما نهاكم عنه أوقعه بكم.\nوقد يستدل بهذه الآية من يقول: إن الطاعة والبر وصلة الرحم يزاد بها في العمر حقيقة كما ورد به الحديث: \"صلة الرحم تزيد في العمر\" (^١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة فإنه إذا أمر تعالى بكون ذلك لا يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قد قهر كل شيء، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني من حديث أبي أُمامة وأطول (المعجم الكبير ٨/ ٣١٢ ح ٨٠١٤)؛ وحسنه المنذري (الترغيب والترهيب ١/ ٦٧٩)؛ وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٣/ ١١٨) وله شاهد فىِ الصحيحين بلفظ: \"من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أجله فليصل رحمه\" تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٢٦.","vol":"7","page":386},{"text":"<span id=\"aya-5424\"></span>\n\n<span id=\"aya-5425\"></span>\n\n<span id=\"aya-5426\"></span>﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾.\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح ﵇ أنه اشتكى إلى ربه ﷿ ما لقي من قومه، وما صبر عليهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما بيّن لقومه ووضّح لهم ودعاهم إلى الرشد والسبيل الأقوم، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ أي: لم أترك دعاءهم في ليل ولا نهار امتثالًا لأمرك وابتغاء لطاعتك ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ أي: كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق فرُّوا منه وحادوا عنه ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ أي: سدُّوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه كما أخبر تعالى عن كفار قريش: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت].\n﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ قال ابن جُريج عن ابن عباس: تنكروا له لئلا يعرفهم (^١).\nوقال سعيد بن جبير والسدي: غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا ما يقول (^٢). ﴿وَأَصَرُّوا﴾ أي: استمروا على ما هم فيه من الشرك والكفر العظيم الفظيع (^٣).\n﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ أي: واستنكفوا عن اتباع الحق والانقياد له\n\n<span id=\"aya-5427\"></span>﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨)﴾ أي: جهرة بين الناس\n\n<span id=\"aya-5428\"></span>﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ أي: كلامًا ظاهرًا بصوت عالٍ ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ أي: فيما بيني وبينهم، فنوَّع عليهم الدعوة لتكون أنجع فيهم.\n\n<span id=\"aya-5429\"></span>\n\n<span id=\"aya-5430\"></span>﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ أي: ارجعوا إليه وارجعوا عما أنتم فيه وتوبوا إليه من قريب فإنه من تاب إليه تاب عليه، ولو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر والشرك، ولهذا قال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ أي: متواصلة الأمطار، ولهذا تستحب قراءة هذه السورة في صلاة الاستسقاء لأجل هذه الآية، وهكذا روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه صعد المنبر ليستسقي فلم يزد على الاستغفار وقراءة الآيات في الاستغفار ومنها هذه الآية ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ ثم قال: لقد طلبت الغيث [بمجادح] (^٤) السماء التي يستنزل بها المطر (^٥).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه الطبري بالسند المتقدم عن ابن زيد.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: \"بمجارح\"، ومعناها النجوم.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق من طريق عامر الشعبي عن عمر (المصنف ٣/ ٨٧ رقم ٤٩٠٢) وسنده منقطع؛ لأن الشعبي لم يسمع من عمر.","vol":"7","page":387},{"text":"وقال ابن عباس وغيره: يتبع بعضه بعضًا (^١).\n\n<span id=\"aya-5431\"></span>\n\n<span id=\"aya-5432\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ أي: إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه كثر الرزق عليكم أسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض وأنبت لكم الزرع، وأَدَّر لكم الضرع وأمدكم بأموال وبنين؛ أي: أعطاكم الأموال والأولاد وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار وخللها بالأنهار الجارية بينها، هذا مقام الدعوة بالترغيب، ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب فقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾؟ أي: عظمة، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك (^٢).\nوقال ابن عباس: لا تعظمون الله حق عظمته (^٣)؛ أي: لا تخافون من بأسه ونقمته\n\n<span id=\"aya-5433\"></span>﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ قيل: معناه: من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة ويحيى بن رافع والسدي وابن زيد (^٤).\n\n<span id=\"aya-5434\"></span>\n\n<span id=\"aya-5435\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾؟ أي: واحدة فوق واحدة وهل هذا يتلقى من جهة السمع فقط؟ أو هو من الأمور المدركة بالحسِّ مما علم من التسيير والكسوفات؟ فإن الكواكب السبعة السيارة يكسف بعضها بعضًا فأدناها القمر في السماء الدنيا، وهو يكسف ما فوقه، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمرِّيخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزُحَل في السابعة، وأما بقية الكواكب وهي الثوابت ففي فلك ثامن يسمونه فلك الثوابت، والمتشرعون منهم يقولون هو: الكرسي، والفلك التاسع وهو الأطلس، والأثير عندهم الذي حركته على خلاف حركة سائر الأفلاك، وذلك أن حركته مبدأ الحركات وهي من المغرب إلى المشرق، وسائر الأفلاك عكسه من المشرق إلى المغرب ومعها يدور سائر الكواكب تبعًا، ولكن للسيارة حركة معاكسة لحركة أفلاكها فإنها تسير من المغرب إلى المشرق، وكل يقطع فلكه بحسبه، فالقمر يقطع فلكه في كل شهر مرة، والشمس في كل سنة مرة، وزُحل في كل ثلاثين سنة مرة، وذلك بحسب اتساع أفلاكها وإن كانت حركة الجميع في السرعة متناسبة.\nهذا ملخص ما يقولونه في هذا المقام على اختلاف بينهم في مواضع كثيرة لسنا بصدد بيانها وإنما المقصود أن الله ﷾: ﴿خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ أي: فاوت بينهما في الاستنارة فجعل كلّا منهما أنموذجًا على حدة ليعرف الليل والنهار بمطلع الشمس ومغيبها، وقدر للقمر منازل وبروجًا وفاوت نوره فتارة يزداد حتى يتناهى، ثم يشرع في النقص حتى يستتر ليدل على مضي الشهور والأعوام، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ [يونس].\n_________\n(^١) معناه صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه، ويتقوى بسابقه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٨/ ١٩٨)؛ والطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.","vol":"7","page":388},{"text":"<span id=\"aya-5436\"></span>\n\n<span id=\"aya-5437\"></span>\n\n<span id=\"aya-5438\"></span>﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ هذا اسم مصدر والإتيان به ههنا أحسن ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ أي: إذا متم ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ أي: يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾ أي: بسطها ومهَّدها وقررها وثبتها بالجبال الراسيات الشُّمّ الشامخات\n\n<span id=\"aya-5439\"></span>﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ أي: خلقها لكم لتستقروا عليها وتسلكوا فيها أين شئتم من نواحيها وأراجائها وأقطارها، وكل هذا مما ينبههم به نوح ﵇ على قدرة الله وعظمته في خلق السموات والأرض ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية، فهو الخالق الرزاق جعل السماء بناء والأرض مهادًا وأوسع على خلقه من رزقه، فهو الذي يجب أن يُعبدُ وُيوحد ولا يُشرك به أحد؛ لأنه لا نظير له ولا عديل ولا ندَّ ولا كفء، ولا صاحبة ولا ولد ولا وزير ولا مشير بل هو العلي الكبير.\n\n<span id=\"aya-5440\"></span>﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن نوح ﵇ إنه أنهى إليه، وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء، أنه مع البيان المتقدم ذكره والدعوة المتنوِّعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى أنهم عصوه وخالفوه وكذبوه، واتبعوا أبناء الدنيا ممن غفل عن أمر الله ومتع بمال وأولاد وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام ولهذا قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ قرئ ﴿وَوَلَدُهُ﴾ بالضم وبالفتح (^١) وكلاهما متقارب.\n\n<span id=\"aya-5441\"></span>\n\n<span id=\"aya-5442\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ قال مجاهد: كبارًا؛ أي: عظيمًا (^٢).\nوقال ابن زيد: ﴿كُبَّارًا﴾؛ أي: كبيرًا (^٣)، والعرب تقول: أمر عجيب وعُجاب وعجّاب، ورجل حسان وحسّان، وجُمال وجُمّال بالتخفيف والتشديد (^٤) بمعنى واحد، والمعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ أي: بأتباعهم في تسويلهم لهم أنهم على الحق والهدى كما يقولون لهم يوم القيامة ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبا: ٣٣]. ولهذا قال ههنا: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.\nقال البخاري: حدثنا إبراهيم، حدثنا هشام، عن ابن جريج، وقال عطاء: عن ابن عباس: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد: أما وَدّ فكانت لكلب بدومة الجندل،\n_________\n(^١) أي: بضم وفتح الواو الثانية، والقراءتان متواترتان.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) ذكره الطبري بلفظه.","vol":"7","page":389},{"text":"وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجُرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نَسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسخ العلم عبدت (^١)، وكذا روي عن عكرمة والضحاك وقتادة وابن إسحاق نحو هذا (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس: ﴿وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قال: كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال: أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوَّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوَّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسقَون المطر فعبدوهم (^٤).\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شيث ﵇ من طريق إسحاق بن بشر قال: أخبرني جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: ولد لآدم ﵇ أربعون ولدًا، عشرون غلامًا وعشرون جارية، فكان ممن عاش منهم هابيل وقابيل وصالح وعبد الرحمن الذي سماه: عبد الحارث (^٥)، ووَدّ، وكان وَدّ يقال له: شيث ويقال له: هبة اللّه، وكان إخوته قد سوَّدوه، وولد له سواع ويغوث ويعوق ونسر (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عمرو الدوري، حدثني أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن أبي حزرة، عن عروة بن الزبير قال: اشتكى آدم ﵇ وعنده بنوه ود ويغوث وسواع ونسر قال: وكان وَدّ أكبرهم وأبرَّهم به (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا يعقوب، عن أبي المطهر قال: ذُكروا عند أبي جعفر وهو قائم يصلي يزيد بن المهلب، قال: فلما انفتل من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وبلفظ: وننسخ وهي رواية لجمهور رواة البخاري أما ما أثبته الحافظ ابن كثير فهو رواية أبي ذر الهروي والكشميهني (فتح الباري ٨/ ٦٦٩ مع صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣] ح ٤٩٢٠).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد مختصرًا؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه ويتقوى برواية البخاري السابقة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله ويتقوى برواية البخاري السابقة.\n(^٥) لم يسم آدم هذا الاسم، وهذه الروايات وغيرها كلها ضعيفة، وهي من الإسرائيليات المخالفة للقرآن والسنة؛ لأن هذه التسمية فيها شرك، وآدم ﵊ موحِّد ونبي مكلم.\n(^٦) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس ﵄.\n(^٧) سنده ضعيف لإرساله.","vol":"7","page":390},{"text":"صلاته قال: ذكرتم يزيد بن المهلب أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله، قال: ثم ذكروا رجلًا مسلمًا وكان محببًا في قومه فلما مات اعتكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبَّه في صورة إنسان، ثم قال: إني أرى جزعكم على هذا الرجل، فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه؟ قالوا: نعم، فصوَّر لهم مثله، قال: ووضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل رجل منكم تمثالًا مثله فيكون له في بيته فتذكرونه؟ قالوا: نعم، قال: فمثَّل لكل أهل بيت تمثالًا مثله، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به، قال: وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذه إلهًا يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عبد من دون الله: الصنم الذي سموه وَدًّا (^١).\n\n<span id=\"aya-5443\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يعني: الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها خلقًا كثيرًا، فإنه استمرت عبادتها في القرون إلى زماننا هذا في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم، وقد قال الخليل ﵇ في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم كما دعا موسى على فرعون وملئه في قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] وقد استجاب الله لكل من النبيين في قومه، وأغرق أمته بتكذيبهم لما جاءهم به.\n\n<span id=\"aya-5444\"></span>﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾.\nيقول تعالى: \"مما خطاياهم\" وقرئ ﴿خَطِيئَاتِهِمْ﴾ (^٢) ﴿أُغْرِقُوا﴾ أي: من كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ أي: نُقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ أي: لم يكن لهم مُعين ولا مُغيث ولا مُجير ينقذهم من عذاب الله كقوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣].\n\n<span id=\"aya-5445\"></span>﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ أي: لا تترك على وجه الأرض منهم أحدًا ولا ديارًا وهذه من صيغ تأكيد النفي.\nقال الضحاك: ﴿دَيَّارًا﴾ واحدًا (^٣).\nوقال السدي: الديّار: الذي يسكن الدار، فاستجاب اللّه له فأهلك جميع من على وجه الأرض من الكافرين حتى ولد نوح لصلبه الذي اعتزل عن أبيه، وقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ\n_________\n(^١) سنده ضعيف لإعضاله، ويشهد لبعضه ما تقدم في رواية البخاري السابقة.\n(^٢) القراءتان متواترتان.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":391},{"text":"قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣].\nوقال ابن أبي حاتم: قُرئ على يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني شبيب بن سعيد، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو رحم الله من قوم نوح أحدًا لرحم امرأة لما رأت الماء حملت ولدها ثم صعدت الجبل، فلما بلغها الماء صعدت به منكبها، فلما بلغ الماء منكبها وضعت ولدها على رأسها، فلما بلغ الماء رأسها رفعت ولدها بيدها، فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم هذه المرأة\". هذا حديث غريب ورجاله ثقات (^١)، ونجى الله أصحاب السفينة الذين آمنوا مع نوح ﵇ وهم الذين أمره الله بحملهم معه.\n\n<span id=\"aya-5446\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ أي: إنك إن أبقيت منهم أحدًا أضلوا عبادك؛ أي: الذين تخلقهم بعدهم ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ أي: فاجرًا في الأعمال كافر القلب وذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عامًا،\n\n<span id=\"aya-5447\"></span>ثم قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قال الضحاك: يعني مسجدي (^٢)، ولا مانع من حمل الآية على ظاهرها وهو أنه دعا لكل من دخل منزله وهو مؤمن، وقد قال الإِمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أنبأنا سالم بن غيلان، أن الوليد بن قيس التجيبيّ، أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري أو عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"لا تصحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي\" (^٣). ورواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح به، ثم قال الترمذي: إنما نعرفه من هذا الوجه (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات وذلك يعم الأحياء منهم والأموات، ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء اقتداء بنوح ﵇ وبما جاء في الآثار والأدعية المشهورة المشروعة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ قال السدي: إلا هلاكًا.\nوقال مجاهد: إلا خسارًا (^٥)؛ أي: في الدنيا والآخرة.\nآخر تفسير سورة نوح ﵇، [وللّه الحمد والمنة] (^٦).\n_________\n(^١) لكن رواية ابن وهب عن شبيب بن سعيد فيها مقال (التقريب ص ٢٦٣)؛ فقد حدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير (تهذيب التهذيب ٤/ ٣٠٧)؛ وأخرجه الحاكم من طريق موسى بن يعقوب الزمعي عن فائد مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة أخبره أن عائشة. فذكره وصححه، وتعقبه الذهبي بأن إسناده مظلم وموسى ليس بذاك. (المستدرك ٢/ ٣٤٢).\n(^٢) أخرجه الطبري بسندين عن الضحاك، يقوي أحدهما الآخر.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (١٧/ ٤٣٧ ح ١١٣٣٧) وحسن سنده محققوه.\n(^٤) سنن أبي داود، الأدب، باب من يؤمر أن يجالس (ح ٤٨٣٢)؛ وسنن الترمذي، الزهد، ما جاء في صحبة المؤمن (ح ٢٣٩٧)؛ وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٤٥).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) زيادة من (حم).","vol":"7","page":392},{"text":"<span data-type='title' id=toc-195>سورة الجن</span>\n\n<span id=\"aya-5448\"></span>\n\n<span id=\"aya-5449\"></span>﷽\n﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يخبر قومه: أن الجن استمعوا القرآن، فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له، فقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ أي: إلى السداد والنجاح ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وقد قدم الأحاديث الواردة في ذلك بما أغنى عن إعادته ههنا.\n\n<span id=\"aya-5450\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي: فعله وأمره وقدرته (^١).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: جد الله: آلاؤه وقدرته ونعمته على خلقه (^٢). وروي عن مجاهد وعكرمة: جلال ربنا (^٣).\nوقال قتادة: تعالى جلاله وعظمته وأمره (^٤).\nوقال السدي: تعالى أمر ربنا. وعن أبي الدرداء ومجاهد أيضًا وابن جريج: تعالى ذكره (^٥).\nوقال سعيد بن جبير: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي: تعالى ربنا، فأما ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: الجد أب، ولو علمت الجن أن في الإنس جَّدًا ما قالوا: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. فهذا إسناد جيد، ولكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام، ولعله قد سقط (^٦) شيء، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ويتقوى بسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه عن عكرمة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري وعبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أرى أنه لم يسقط شيء من التفسير، وأن هذا التفسير من ابن عباس ﵄ عَني بذلك: الجد الذي هو =","vol":"7","page":393},{"text":"<span id=\"aya-5451\"></span>\n\n<span id=\"aya-5452\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ أي: تعالى عن اتخاذ الصاحبة والأولاد؛ أي: قالت الجن: تنزه الربُّ ﷻ حين أسلموا وآمنوا بالقرآن عن اتخاذ الصاحبة والولد ثم قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤)﴾.\nقال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: ﴿سَفِيهُنَا﴾ يعنون: إبليس (^١).\n﴿شَطَطًا﴾ قال السدي عن أبي مالك: ﴿شَطَطًا﴾ أي: جورًا.\nوقال ابن زيد: أي ظلمًا كبيرًا (^٢).\nويحتمل أن يكون المراد بقولهم سفيهنا اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة أو ولدًا، ولهذا قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ أي: قبل إسلامه ﴿عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ أي: باطلًا وزورًا، ولهذا قالوا: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)﴾ أي: ما حسبنا أن الإنس والجنَّ يتمالؤون على الكذب على الله تعالى في نسبة الصاحبة والولد إليه، فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك.\n\n<span id=\"aya-5453\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ أي: كنا نرى أن لنا فضلًا على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا إذا نزلوا واديًا أو مكانًا موحشًا من البراري وغيرها، كما كانت عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوؤهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقًا؛ أي: خوفًا وإرهابًا وذعرًا حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذًا بهم، كما قال قتادة: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: إثمًا وازدادت الجن عليهم جراءة (^٣).\nوقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجنِّ أن أضر أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال قتادة: فإذا عاذ بهم من دون الله رهقتهم الجنّ الأذى عند ذلك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، حدثنا الزبير بن الخريت عن عكرمة قال: كان الجنُّ يفرقون من الإنس كما يفرق الإنس منهم أو أشد، فكان الإنس إذا نزلوا واديًا هرب الجنُّ، فيقول سيد القوم: نعوذ بسيد أهل هذا الوادي، فقال الجنُّ: نراهم يفَرقُون (^٤) منا كما نفرق منهم، فدنوا من الإنس فأصابوهم بالخبل والجنون، فذلك قول الله ﷿: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾\n_________\n= أبو الأب وهو من جهلة الجن كما ذكر الطبري عن بعض المفسرين. ولكن هذا التفسير الوارد عن ابن عباس خلاف ما ثبت عنه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: فعله وأمره وقدرته، وهو المناسب للسياق، وبه قال بعض التابعين كما تقدم، وهو الذي رجحه الإمام الطبري.\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري أيضًا بسند ضعيف فيه إبهام الراوي عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أي: يخافون.","vol":"7","page":394},{"text":"أي: إثمًا (^١). وقال أبو العالية والربيع وزيد بن أسلم: ﴿رَهَقًا﴾ أي: خوفًا (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: إثمًا، وكذا قال قتادة (^٣).\nوقال مجاهد: زاد الكفار طغيانًا (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي، حدثنا القاسم بن مالك -يعني: المزني- عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبيه، عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله ﷺ بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملًا من الغنم فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه يقول: يا سرحان (^٥) أرسله. فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة. وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ (^٦). ثم قال: وروي عن عبيد بن عمير ومجاهد وأبي العالية والحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي نحوه (^٧). وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل، وهو ولد الشاة، كان جنيًا حتى يرهب الإنسي ويخاف منه، ثم ردَّه عليه لما استجار به ليضله ويهينه ويخرجه عن دينه، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5454\"></span>وقوله تعالى ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾ أي: لن يبعث الله بعد هذه المدة رسولًا، قاله الكلبي وابن جرير (^٨).\n\n<span id=\"aya-5455\"></span>\n\n<span id=\"aya-5456\"></span>﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾.\nيخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدًا ﷺ وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء مُلئت حرسًا شديدًا، وحُفَّت من سائر أرجائها، وطُردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك؛ لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة فيلتبس الأمر ويختلط ولا يُدرى مَن الصادق، وهذا من لطف الله تعالى بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه\n_________\n(^١) سنده مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له ما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أي: الذئب.\n(^٦) أخرجه أبو الشيخ (العظمة ٥/ ١٦٦٤ رقم ١١٠٥) والطبراني (المعجم الكبير ١٩/ ١٩١ ح ٤٣٠)، والعقيلي (الضعفاء الكبير ١/ ١٠١) كلهم من طريق القاسم بن مالك المدني به، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق كما فى التقريب، ولضعف أبيه (المجروحين لابن حبان ١/ ١٣٣ وميزان الاعتدال ١/ ١٨٩).\n(^٧) القائل هو ابن أبي حاتم فإن من منهجه أن يذكر الموافقين من التابعين بحذف السند.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن الكلبي.","vol":"7","page":395},{"text":"العزيز، ولهذا قال الجنُّ: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ أي: من يروم أن يسترق السمع يجد له شهابًا مرصدًا له لا يتخطاه ولا يتعداه بل يمحقه اليوم ويهلكه.\n\n<span id=\"aya-5457\"></span>﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ أي: ما ندري هذا الأمر الذي قد حدث في السماء، لا ندري أشرُّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا؟ وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشرَّ إلى غير فاعل والخير أضافوه إلى الله ﷿.\nوقد ورد في الصحيح: \"والشرُّ ليس إليك\" (^١) وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير بل في الأحيان بعد الأحيان، كما في حديث [ابن عباس] (^٢): بينما نحن جلوس مع رسول الله ﷺ إذ رُمي بنجم فاستنار فقال: \"ما كنتم تقولون في هذا؟ \" فقلنا: كنا نقول يولد عظيم، يموت عظيم فقال: \"ليس كذلك، ولكن الله إذا قضى الأمر في السماء\" (^٣) وذكر تمام الحديث وقد أوردناه في سورة سبأ بتمامه، وهذا هو السبب الذي حملهم على تطلب السبب في ذلك فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فوجدوا رسول الله ﷺ يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا أن هذا هو الذي حُفظت من أجله السماء، فآمن من آمن منهم وتمَّرد في طغيانه من بقي كما تقدم حديث ابن عباس في ذلك عند قوله في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ الآية [٢٩].\nولا شك أنه لما حدث هذا الأمر، وهو كثرة الشهب في السماء والرمي بها، هال ذلك الإنس والجن وانزعجوا له وارتاعوا لذلك، وظنوا أن ذلك لخراب العالم، كما قال السدي: لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين لله ظاهر، فكانت الشياطين قبل محمد ﷺ قد اتخذت المقاعد في السماء الدنيا، يستمعون ما يحدث في السماء من أمر، فلما بعث الله محمدًا ﷺ نبيًا رسولًا رجموا ليلة من الليالي ففزع لذلك أهل الطائف فقالوا: هلك أهل السماء لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشُهب، فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويسيبون مواشيهم، فقال لهم عبد ياليل بن عمير: ويحكم يا معشر أهل الطائف أمسكوا عن أموالكم وانظروا إلى معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء، إنما هذا من أجل ابن أبي كبشة يعني: محمدًا ﷺ، وإن نظرتم فلم تروها فقد هلك أهل السماء، فنظروا فرأوها فكفُّوا عن أقوالهم وفزعت الشياطين في تلك الليلة، فأتوا إبليس فحدثوه بالذي كان من أمرهم فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمُّها، فأتوه فشمَّ فقال: صاحبكم بمكة، فبعث سبعة نفر من جن نصيبين (^٤) فقدموا مكة فوجدوا نبي الله ﷺ قائمًا يصلي في المسجد الحرام يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصًا على القرآن حتى كادت كلاكلهم تصيبه، ثم أسلموا فأنزل الله تعالى أمرهم على رسوله ﷺ (^٥).\n_________\n(^١) اْخرجه مسلم من حديث أمير المؤمنين علي ﵁ مطولًا. (الصحيح، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ح ٧٧١).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"العباس\".\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة سبأ آية ٢٣.\n(^٤) تقع جنوب تركيا وشمال مدينة الموصل في العراق.\n(^٥) رواية السدي ضعيفه لأنها مرسلة.","vol":"7","page":396},{"text":"وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصى في أول البعث من \"كتاب السيرة\" المطول، والله أعلم، ولله الحمد والمنة.\n\n<span id=\"aya-5458\"></span>﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الجن أنهم قالوا مخبرين عن أنفسهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: غير ذلك ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ أي: طرائق متعددة مختلفة وآراء متفرقة، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ أي: منا المؤمن ومنا الكافر (^١).\nوقال أحمد بن سليمان النجاد في أماليه: حدثنا أسلم بن سهل بحشل، حدثنا علي بن الحسن بن سليمان وهو: أبو الشعثاء الحضرمي شيخ مسلم، حدثنا أبو معاوية قال: سمعت الأعمش يقول: تروَّح إلينا جني فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ فقال الأرز، قال: فأتيناهم به، فجعلت أرى اللُّقم ترفع ولا أرى أحدًا، فقلت فيكم من هذه الأهواء التي فينا؟ قال: نعم. فقلت: فما الرافضة فيكم؟ قال: شرُّنا (^٢).\nعرضت هذا الإسناد على شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي فقال: هذا إسناد صحيح إلى الأعمش.\nوذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة العباس بن أحمد الدمشقي قال: سمعت بعض الجنِّ وأنا في منزل لي بالليل ينشد:\nقلوبٌ بَراها الحبَّ حتى تعلقت … مذاهبها في كل غرب وشارق\nتهيم بحب الله والله ربها … معلقة بالله دون الخلائق (^٣)\n\n<span id=\"aya-5459\"></span>\n\n<span id=\"aya-5460\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾ أي: نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا وأنا لا نعجزه في الأرض، ولو أمعنا في الهرب فإنه علينا قادر لا يعجزه أحد منا ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ يفتخرون بذلك وهو مفخر لهم وشرف رفيع وصفة حسنة.\nوقولهم: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: فلا يخاف أن ينقص من حسناته أو يحمل عليه غير سيئاته (^٤) كما قال تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ومعناه صحيح وله شواهد تقويه كالآثار التالية: فقد أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٢) سنده صحيح كما قرر الإمام المزي.\n(^٣) تاريخ دمشق (٨/ ل ٨٨٧).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":397},{"text":"<span id=\"aya-5461\"></span>﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ أي: منا المسلم ومنا القاسط، وهو الجائر عن الحق الناكب عنه، بخلاف المقسط فإنه العادل ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أي: طلبوا لأنفسهم النجاة\n\n<span id=\"aya-5462\"></span>﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ أي: وقودًا تسعر بهم.\n\n<span id=\"aya-5463\"></span>\n\n<span id=\"aya-5464\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين:\nأحدهما: وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ أي: كثيرًا، والمراد بذلك سعة الرزق، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم، كما قال مالك، عن زيد بن أسلم: لنفتنهم لنبتليهم من يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية (^١).\nذكر من قال بهذا القول:\nقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ يعني: بالاستقامة الطاعة (^٢).\nوقال مجاهد: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ قال: الإسلام (^٣). وكذا قال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعطاء والسدي ومحمد بن كعب القرظي (^٤).\nوقال قتادة: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ يقول: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا (^٥).\nوقال مجاهد: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ أي: طريقة الحق (^٦)، وكذا قال الضحاك واستشهد على ذلك بالآيتين اللتين ذكرناهما (^٧)، وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنبتليهم به (^٨).\nوقال مقاتل: نزلت في كفار قريش حين مُنعوا المطر سبع سنين (^٩).\nوالقول الثاني: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ الضلال ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ أي: لأوسعنا عليهم الرزق استدراجًا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام] وكقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ\n_________\n(^١) سنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ومعناه صحيح، ويشهد له ما يليه.\n(^٣) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن مجاهد.\n(^٤) اْخرجه الطبري بسند ضعيف فيه رجل مبهم عن سعيد بن جبير.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبيد الله بن أبي زياد عن مجاهد، وعبيد الله ليس بالقوي (التقريب ص ٣٧١) وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ومعناه صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه عن الضحاك بلفظ: \"هذا مثل ضربه الله\" كقوله: ثم ذكر الآيتين السابقتين اللتين استشهد بهما الحافظ ابن كثير.\n(^٨) هو تتمة للأثر السابق.\n(^٩) سنده ضعيف لأنه معضل.","vol":"7","page":398},{"text":"وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون] وهذا قول أبي مِجلز لاحق بن حميد، فإنه قال في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ أي: طريقة الضلالة (^١)، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وحكاه البغوي، عن الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان وله اتجاه (^٢)، ويتأيد بقوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ أي: عذابًا مشقًا شديدًا موجعًا مؤلمًا، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن زيد. ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ أي: مشقة لا راحة معها (^٣).\nوعن ابن عباس: جبل في جهنم (^٤)، وعن سعيد بن جبير: [بئر] (^٥) فيها.\n\n<span id=\"aya-5465\"></span>﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده أن يوحدوه في محال عبادته ولا يُدعى معه أحد ولا يشرك به، كما قال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه ﷺ أن يوحدوه وحده (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين، حدثنا إسماعيل بن بنت السدي، أخبرنا رجل سماه عن السدي، عن أبي مالك أو أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا بيت المقدس (^٧).\nوقال الأعمش: قالت الجنُّ: يا رسول الله ائذن لنا فنشهد معك الصلوات في مسجدك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ يقول: صلوا لا تخالطوا الناس (^٨).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن [محمود] (^٩)، عن سعيد بن جبير ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ قال: قالت الجن لنبي الله ﷺ كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناؤون؟ أي: بعيدون عنك، وكيف نشهد\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمران بن حرير عن أبي مِجلز.\n(^٢) ذكره البغوي (معالم التنزيل ٤/ ٤٠٤).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفى عن ابن عباس، ويتقوى بما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه هناد (الزهد رقم ٢٨٠) والطبري والحاكم بسند حسن من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٠٤).\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٧) سنده ضعيف لإبهام شيخ إسماعيل.\n(^٨) سنده ضعيف لأنه معضل.\n(^٩) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"محمول\".","vol":"7","page":399},{"text":"الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ (^١).\nوقال سفيان: عن خُصيف، عن عكرمة: نزلت في المساجد كلها (^٢).\nوقال سعيد بن جبير: نزلت في أعضاء السجود (^٣)؛ أي: هي لله فلا تسجدوا بها لغيره.\nوذكروا عند هذا القول الحديث الصحيح من رواية عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -أشار بيده إلى أنفه- واليدين والركبتين وأطراف القدمين\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-5466\"></span>\n\n<span id=\"aya-5467\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ قال العوفي عن ابن عباس يقول: لما سمعوا النبي ﷺ يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه يتلو القرآن ودنوا منه، فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (^٥) [الجن: ١] يستمعون القرآن. هذا قول، وهو مروي عن الزبير بن العوام ﵁.\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن معمر، حدثنا أبو مسلم، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الجن لقومهم: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، قال: عجبوا من طواعية أصحابه له قال: فقالوا لقومهم: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (^٦). وهذا قول ثانٍ، وهو مروي عن سعيد بن جبير أيضًا (^٧).\nوقال الحسن: لما قام رسول الله ﷺ يقول: لا إله إلا الله، ويدعو الناس إلى ربهم كادت العرب تلبد عليه جميعًا (^٨).\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ قال: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه (^٩). وهذا قول ثالث وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقول ابن زيد (^١٠)، وهو اختيار ابن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وسنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن مهران عن سفيان به، وفي سنده خُصيف سيء الحفظ، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ومعناه صحيح.\n(^٣) فيه غرابة، والاستشهاد بالحديث الذي يليه لا يتناسب معه.\n(^٤) أخرجه الشيخان من طريق عبد الله بن طاوس به (صحيح البخاري، الأذان، باب السجود على الأنف ح ٨١٢، وصحيح مسلم، الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب ح ٤٩٠).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الجن ح ٣٣٢٣) والضياء المقدسي (المختارة ١٠/ ٧٤) كلاهما من طريق أبي عوانة به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٤٧).\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق زياد عن سعيد بن جبير وسنده مرسل ويتقوى بسابقه.\n(^٨) سنده مرسل ويشهد له ما سبق.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويتقوى بما سبق.\n(^١٠) تقدمت رواية ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.","vol":"7","page":400},{"text":"جرير، وهو الأظهر لقوله بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)﴾ أي: قال لهم الرسول لما آذوه وخالفوه وكذبوه وتظاهروا عليه ليبطلوا ما جاء به من الحق واجتمعوا على عداوته.\n﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ أي: إنما أعبد ربي وحده لا شريك له وأستجير به وأتوكل عليه ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾\n\n<span id=\"aya-5468\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١)﴾ أي: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي وعبد من عباد الله ليس إلي من الأمر شيء في هدايتكم ولا غوايتكم، بل المرجع في ذلك كله إلى الله ﷿،\n\n<span id=\"aya-5469\"></span>ثم أخبر عنِ نفسه أيضًا أنه لا يجيره من الله أحد؛ أي: لو عصيته فإنه لا يقدر أحد على إنقاذي من عذابه ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ قال: مجاهد وقتادة والسدي: لا ملجأ (^١).\nوقال قتادة أيضًا: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾ أي: لا نصير ولا ملجأ (^٢). وفي رواية: لا ولي ولا موئل.\n\n<span id=\"aya-5470\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾ قال بعضهم: هو مستثنى من قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) إِلَّا بَلَاغًا﴾ ويحتمل أن يكون استثناء من قوله: ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ أي: لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها علي، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: أنا أبلغكم رسالة الله فمن يعصِ بعد ذلك فله جزاءً على ذلك نار جهنم، خالدين فيها أبدًا؛ أي: لا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها.\n\n<span id=\"aya-5471\"></span>وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾ أي: حتى إذا رأى هؤلاء المشركون من الجن والإنس ما يوعدون يوم القيامة، فسيعلمون يومئذٍ من أضعف ناصرًا وأقل عددًا، هم أم المؤمنون الموحدون لله تعالى؟ أي: بل المشركون لا ناصر لهم بالكلية وهم أقل عددًا من جنود الله ﷿.\n\n<span id=\"aya-5472\"></span>﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول للناس إنه لا علم له بوقت الساعة ولا يدري أقريب وقتها أم بعيد؟ ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾ أي: مدة طويلة، وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله كثير من الجهلة من أنه ﵊ لا يؤلف تحت الأرض (^٣)، كذب لا أصل له، ولم نره في شيء من الكتب، وقد كان ﷺ يسأل عن وقت الساعة فلا يجيب عنها، ولما تبدَّى له جبريل في صورة أعرابي كان فيما سأله أن قال: يا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) لا أصل له: انظر المقاصد الحسنة ص ٤٤٣ والأسرار المرفوعة ص ٣٥٣ وأجوبة الحافظ لتلاميذه ص ٧٣.","vol":"7","page":401},{"text":"محمد فأخبرني عن الساعة؟ قال: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\" (^١)، ولما ناداه ذلك الأعرابي بصوت جهوري فقال: يا محمد متى الساعة؟ قال: \"ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟ \" قال: أما إني لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام ولكني أحب الله ورسوله قال: \"فأنت مع من أحببت\" قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مضاء، حدثنا محمد بن حمير، حدثني أبو بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: \"يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت\" (^٣).\nوقد قال أبو داود في آخر كتاب الملاحم: حدثنا موسى بن سهل، حدثنا حجاج بن إبراهيم، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ: \"لن يُعجز الله هذه الأُمة من نصف يوم\" (^٤). انفرد به أبو داود ثم قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثني صفوان، عن شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إني لأرجو أن لا تعجز أُمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم\" قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة عام (^٥). انفرد به أبو داود.\n\n<span id=\"aya-5473\"></span>وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ هذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وهكذا قال ههنا إنه يعلم الغيب والشهادة وأنه لا يطلع أحد من خلقه على شيء من علمه إلا مما أطلعه تعالى عليه، ولهذا قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾\n\n<span id=\"aya-5474\"></span>\n\n<span id=\"aya-5475\"></span>﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وهذا يعمُّ الرسول الملكي والبشري. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ أي: يخصه بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر الله ويساوقونه على ما معه من وحي الله، ولهذا قال: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾.\nوقد اختلف المفسرون في الضمير الذي في قوله: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ إلى من يعود؟\nفقيل: إنه عائد على النبي ﷺ، وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث أنس ﵁ (صحيح البخاري، الآداب، باب علامة الحب في الله ح ٦١٧١، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب المرء مع من أحب ح ٢٦٣٩).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم من طريق أبي بكر بن أبي مريم به (حلية الأولياء ٦/ ٩١) وسنده ضعيف لضعف أبي بكر بن أبي مريم. (التقريب ص ٦٢٣).\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الملاحم، باب قيام الساعة ح ٤٣٤٩) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٥٥).\n(^٥) المصدر السابق (ح ٤٣٥٠) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٥٦).","vol":"7","page":402},{"text":"﴿لِيَعْلَمَ﴾ محمد ﷺ ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (^١) ورواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به. وهكذا رواه الضحاك والسدي ويزيد بن أبي حبيب.\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلّغت عن الله وأن الملائكة حفظتها ودفعت عنها (^٢)، وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة (^٣) واختاره ابن جرير.\nوقيل غير ذلك كما رواه العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ قال: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي ﷺ من الشيطان حتى يتبين الذي أرسل به إليهم، وذلك حين يقول ليعلم أهل الشرك أن قد أبلغوا رسالات ربهم (^٤). وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ قال: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم (^٥)، وفي هذا نظر.\nوقال البغوي: قرأ يعقوب \"ليُعلم\" بالضم؛ أي: ليعلم الناس أن الرسل قد أبلغوا (^٦).\nويحتمل أن يكون الضمير عائدًا إلى الله ﷿، وهو قول حكاه ابن الجوزي في زاد المسير (^٧)، ويكون المعنى في ذلك أنه يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته ويحفظ ما ينزله إليهم من الوحي ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ويكون ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وكقوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ [العنكبوت] إلى أمثال ذلك من العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعًا لا محالة، ولهذا قال بعد هذا: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾. آخر تفسير سورة الجن، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وزيادة: وما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة. وسنده ضعيف لإرساله.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٦) ذكره البغوي (معالم التنزيل ٤/ ٤٠٦).\n(^٧) ذكر ابن الجوزي (زاد المسير ٨/ ٣٨٦) وذكره أيضًا البغوي كما في المصدر السابق.","vol":"7","page":403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-196>سورة المزمل</span>\nوهي مكية\nقال الحافظ أبو بكر بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا محمد بن موسى القطان الواسطي، حدثنا معلى بن عبد الرحمن، حدثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل اسمًا يصدّ الناس عنه، فقالوا: كاهن. قالوا: ليس بكاهن. قالوا: مجنون. قالوا: ليس بمجنون. قالوا: ساحر. قالوا: ليس بساحر، فتفرق المشركون على ذلك فبلغ ذلك النبي ﷺ فتزمل في ثيابه وتدثر فيها. فأتاه جبريل ﵇ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر] ثم قال البزار: معلى بن عبد الرحمن قد حدّث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه لكنه تفرد بأحاديث لا يتابع عليها (^١).\n\n<span id=\"aya-5476\"></span>\n\n<span id=\"aya-5477\"></span>﷽\n﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾.\nيأمر تعالى رسوله ﷺ أن يترك التزمل وهو التغطي في الليل وينهض إلى القيام لربه ﷿ كما قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة] وكذلك كان ﷺ ممتثلًا ما أمره الله تعالى به من قيام الليل، وقد كان واجبًا عليه وحده كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٦)﴾ [الإسراء] وههنا بيّن له مقدار ما يقوم فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ قال ابن عباس والضحاك والسدي: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ يعني: يا أيها النائم.\nوقال قتادة: المزمل في ثيابه (^٢).\nوقال إبراهيم النخعي: نزلت وهو متزمل بقطيفة (^٣).\nوقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ قال: يا محمد زملت القرآن (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ١١٣ ح ١٥٢١) وسنده ضعيف جدًا لأن معلى بن عبد الرحمن متهم بالوضع (التقريب ص ٥٤١) وينظر المصدر السابق فقد قال الحافظ ابن حجر كذبوه. وينظر: (مجمع الزوائد ٧/ ١٣٠).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) سنده حسن.","vol":"7","page":404},{"text":"<span id=\"aya-5478\"></span>\n\n<span id=\"aya-5479\"></span>وقوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ﴾ بدل من الليل ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أي: أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل لا حرج عليك في ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ أي: اقرأه على تمهل فإنه يكون عونًا على فهم القرآن وتدبره. كذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة ﵂: كان يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها.\nوفي صحيح البخاري، عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: كانت مدًّا ثم قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمدُّ بسم الله، ويمدُّ الرحمن، ويمدُّ الرحيم (^١).\nوقال ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أُم سلمة ﵂ أنها سُئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: كانت يُقطِّع قراءته آية آية ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اْلْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ ﴿الفاتحة]. رواه أحمد وأبو داود والترمذي (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زرِّ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق ورتِّل كما كنت ترتِّل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها\" (^٣). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سفيان الثوري به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٤).\nوقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل وتحسين الصوت بالقراءة كما جاء في الحديث: \"زينوا القرآن بأصواتكم\" (^٥) و\"ليس مِنَّا من لم يتغن بالقرآن\" (^٦) و\"لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود\" يعني: أبا موسى، فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك كنت تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرًا (^٧).\nوعن ابن مسعود أنه قال: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذُّوه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم آخر السورة. رواه البغوي (^٨).\nوقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرة: سمعت أبا وائل قال: جاء\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير البسملة.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير البسملة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٤٠٤ ح ٦٧٩٩) وقال محققوه: صحيح لغيره.\n(^٤) سنن أبي داود، الصلاة، باب استحباب الترتيل في الصلاة (ح ١٤٦٤)؛ وسنن الترمذي، ثواب القرآن، باب الذي ليس في بيته قرآن كالبيت الخرب (ح ٢٩١٥)؛ والسنن الكبرى، فضائل القرآن، باب الترتيل (ح ٨٠٥٦)؛ وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ١٣٠٠).\n(^٥) أخرجه البخاري تعليقًا ووصله في كتاب \"خلق أفعال العباد ص ٣٤\" من حديث البزار ﵁؛ وكذا وصله أبو داود (السنن، الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة ح ١٤٦٨)؛ وكذا وصله الحاكم من طرق كثيرة عن البراء؛ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥٧٢)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٣٠٣)؛ وأخرجه الدارقطني في الأفراد بسند حسن من حديث ابن عباس. (ينظر فتح الباري ١٣/ ٥١٩).\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحجر آية ٨٧.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة سبأ آية ١٠.\n(^٨) أخرجه البغوي من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود. (معالم التنزيل ٤/ ٤٠٧) ويشهد له حديث البخاري التالي.","vol":"7","page":405},{"text":"رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصَّل الليلة في ركعة. فقال هذًّا كهذِّ (^١) الشعر لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين في ركعة (^٢).\n\n<span id=\"aya-5480\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ قال الحسن وقتادة: أي العمل به (^٣).\nوقيل: ثقيل وقت نزوله من عظمته (^٤)، كما قال زيد بن ثابت ﵁: أنزل على رسول الله ﷺ وفخذه على فخذي، فكادت ترضُّ فخذي (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو قال: سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله هل تحسُّ بالوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إليَّ إلا ظننت أن نفسي تقبض\" (^٦). تفرد به أحمد.\nوفي أول صحيح البخاري، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: \"أحيانًا يأتي في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول\" قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي ﷺ في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا (^٧)، هذا لفظه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فتضرب بجرانها (^٨) (^٩).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها، فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه (^١٠). وهذا مرسل، الجِران هو باطن العنق، واختار ابن جرير أنه ثقيل من الوجهين معًا، كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، كما ثقل في الدنيا ثقل يوم القيامة في الموازين (^١١).\n_________\n(^١) الهذّ: سرعة القراءة.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وزيادة (الصحيح، الأذان، باب الجمع بين السورتين في الركعة ح ٧٧٥) ولقد ذكر الحافظ ابن حجر عدة روايات تفصح عن السور النظائر (فثح الباري ٢/ ٢٥٩).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^٤) ورد بذلك عدة أحاديث ثابتة (ينظر: المسند ٤١/ ٣٦٢ ح ٢٤٨٦٨) مع الحاشية.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٩٥.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه. (المسند ١١/ ٦٤٢ ح ٧٠٧١).\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الشورى آية (٥).\n(^٨) بكسر الجيم أي: باطن العنق.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤١/ ٣٦٢ ح ٢٤٨٦٨) وحسن سنده محققوه؛ وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٠٥).\n(^١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويشهد له سابقه.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.","vol":"7","page":406},{"text":"<span id=\"aya-5481\"></span>\n\n<span id=\"aya-5482\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ قال أبو إسحاق: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: نشأ، قام بالحبشية (^١).\nوقال عمر وابن عباس وابن الزبير: الليل كله ناشئة (^٢)، وكذا قال مجاهد (^٣) وغير واحد، يقال نشأ إذا قام من الليل وفي رواية عن مجاهد: بعد العشاء، وكذا قال أبو مِجلز وقتادة وسالم وأبو حازم ومحمد بن المنكدر (^٤).\nوالغرض أن ناشئة الليل هي ساعاته وأوقاته وكل ساعة منه تسمى ناشئة وهي الآنات، والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة، ولهذا قال تعالى: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات المعاش.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش، أن أنس بن مالك قرأ هذه الآية ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَصْوَبُ قِيلًا﴾ فقال له رجل: إنما نقرؤها ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، فقال له: إن أصوب وأقوم وأهيأ وأشباه هذا واحد (^٥).\nولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾ قال ابن عباس وعكرمة وعطاء بن أبي مسلم: الفراغ والنوم (^٦).\nوقال أبو العالية ومجاهد وأبو مالك والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس وسفيان الثوري: فراغًا طويلًا (^٧).\nوقال قتادة: فراغًا وبغية ومتقلبًا (^٨).\nوقال السدي: ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ تطوعًا كثيرًا.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾ قال: لحوائجك فأفرغ لدينك الليل، قال: وهذا حين كانت صلاة الليل فريضة ثم إن الله ﵎ منّ على عباده فخففها ووضعها وقرأ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ إلى آخر الآية، ثم قرأ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بعدة أسانيد صحيحة من طريق أبي إسحاق به، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود (المصنف ٧/ ١٥٩).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري والبيهقي (السنن الكبرى ٣/ ٢٠) بسند حسن من طريق سليمان التيمي عن أبي مِجلز، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن الحسن البصري.\n(^٥) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٨٨ ح ٤٠٢٢)؛ وسنده ضعيف لأن الأعمش لم يسمع من أنس؛ (جامع التحصل ص ٢٢٨) وضعفه محقق مسند أبي يعلى، والقراءة بلفظ \"وأصوب\" شاذة تفسيرية.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":407},{"text":"أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾ حتى بلغ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء] (^١) وهذا الذي قاله كما قاله.\nوالدليل عليه ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا يحيى، حدثنا سعيد وهو: ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعيد بن هشام أنه طلَّق امرأته ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارًا له بها، ويجعله في الكراع والسلاح ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقي رهطًا من قومه فحدثوه أن رهطًا من قومه ستة أرادوا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فقال: \"أليس لكم فيّ أسوة حسنة؟ \" فنهاهم عن ذلك فأشهدهم على رجعتها، ثم رجع إلينا فأخبرنا أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، قال: ائت عائشة فسلها ثم ارجع إليّ فأخبرني بردِّها عليك. قال: فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها فقال: ما أنا بقاربها إني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا فأبت فيها إلا مضيًا، فأقسمتُ عليه، فجاء معي فدخلنا عليها فقالت: حكيم؟ وعرفته. قال: نعم. قالت: من هذا الذي معك؟ قال: سعيد بن هشام. قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر: قالت: فترحمت عليه وقالت: نعم المرء كان عامرًا. قلت: يا أُم المؤمنين أنبئيني عن خلُق رسول الله ﷺ؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلُق رسول الله ﷺ كان القرآن، فهممت أن أقوم ثم بدا لي قيام رسول الله ﷺ، قلت: يا أُم المؤمنين أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ. قالت: ألست تقرأ هذه السورة ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرًا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا من بعد فريضة.\nفهممت أن أقوم ثم بدا لي وتر رسول الله ﷺ فقلت: يا أُم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ثم يتوضأ ثم يصلي ثمان ركعات ولا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه تعالى ويدعو ثم ينهض وما يسلم، ثم يقول ليصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله وحده ثم يدعوه ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسنَّ رسول الله ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع ثم صلى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم فتلك تسع يا بني، وكان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا شغله عن قيام الليل نوم أو وجع أو مرض صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة حتى أصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان. فأتيت ابن عباس فحدثته بحديثها، فقال: صدقت أما لو كنت أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني مشافهة (^٢)، هكذا رواه الإمام أحمد بتمامه، وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث قتادة بنحوه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠/ ٣١٤ - ٣١٦ ح ٢٤٢٦٩) وقال محققوه: إسناده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل (ح ٧٤٦).","vol":"7","page":408},{"text":"طريق أخرى عن عائشة ﵂ في هذا المعنى:\nقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، وحدثنا ابن حميد، حدثنا مهران قالا جميعًا، واللفظ لابن وكيع، عن موسى بن عبيدة، حدثني محمد بن طحلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ قالت: كنت أجعل لرسول الله ﷺ حصيرًا يصلي عليه من الليل فتسامع الناس به فاجتمعوا فخرج كالمغضب، وكان بهم رحيمًا، فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل فقال: \"أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملّ من الثواب حتى تملوا من العمل وخير الأعمال ما ديم عليه\" ونزل القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردَّهم إلى الفريضة وترك قيام الليل (^١).\nورواه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، والحديث في الصحيح بدون زيادة نزول هذه السورة، وهذا السياق قد يوهم أن نزول هذا السورة بالمدينة وليس كذلك، وإنما هي مكية وقوله في هذا السياق إن بين نزول أولها وآخرها ثمانية أشهر. غريب، فقد تقدم في رواية أحمد أنه كان بينهما سنة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن سماك الحنفي، سمعت ابن عباس يقول: أول ما نزل أول المزمل كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في شهر رمضان، وكان بين أولها وآخرها قريب من سنة (^٢)، وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن أبي أسامة به (^٣).\nوقال الثوري ومحمد بن بشر العبدي، كلاهما عن مسعر، عن سماك، عن ابن عباس: كان بينهما سنة (^٤)، وروى ابن جرير، عن أبي كريب، عن وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن قيس بن وهب، عن أبي عبد الرحمن قال: لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ قاموا حولًا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] قال: فاستراح الناس (^٦). وكذا قال الحسن البصري والسدي.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعيد بن هشام قال: فقلت -يعني\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة، كما قرر الحافظ ابن كثير في رواية ابن أبي حاتم التالية، ويتقوى برواية الشيخين فقد أخرجاه مختصرًا دون ذكر الآية. (صحيح البخاري، الأذان، باب صلاة الليل ح ٧٣٠)؛ وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضيلة العمل الدائم .. ح ٧٨٢).\n(^٢) سنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري عن أبي كريب به، وسنده صحيح.\n(^٤) سنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويشهد له ما سبق.","vol":"7","page":409},{"text":"لعائشة- أخبرينا عن قيام رسول الله ﷺ. قالت: ألست تقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإنها كانت قيام رسول الله ﷺ وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم وحبس آخرها في السماء ستة عشر شهرًا ثم نزل (^١).\nوقال معمر، عن قتادة: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قاموا حولًا أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها بعد في آخر السورة (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد -هو: ابن جبير- قال: لما أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ قال: مكث النبي ﷺ على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه فأنزل الله تعالى عليه بعد عشر سنين ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠] فخفف الله تعالى عنهم بعد عشر سنين (^٣)، ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عمرو بن رافع، عن يعقوب القمي به (^٤).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣)﴾ فشق ذلك على المؤمنين ثم خفف الله تعالى عنهم ورحمهم فأنزل بعد هذا ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] فوسع الله تعالى وله الحمد ولم يضيِّق (^٥).\n\n<span id=\"aya-5483\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ أي: أكثر من ذكره وانقطع إليه وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك وما تحتاج إليه من أمور دنياك كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾ [الشرح] أي: إذا فرغت من أشغالك فانصب في طاعته وعبادته لتكون فارغ البال، قاله ابن زيد بمعناه أو قريب منه.\nقال ابن عباس ومجاهد وأبو صالح وعطية والضحاك والسدي: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أي: أخلص له العبادة (^٦).\nوقال الحسن: اجتهد وأبتل إليه نفسك (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من طريق قتادة به بلفظ: \"حولًا. بدلًا من ستة عشر شهرًا\" (الصحيح، صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ح ٧٤٦).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل ويشهد لقوله: حولًا رواية مسلم السابقة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله وضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، وقد توبع كما سيأتي في رواية ابن أبي حاتم لكن تبقى علة الإرسال.\n(^٤) سنده ضعيف لإرساله.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر ويتقوى بما يليه، فقد أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه عبد بن حميد (كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٤٩) وابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ٥٦٩) بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أشعث عن الحسن، وأشعث هو ابن سوار الكندي وهو ضعيف (التقريب ص ١١٣ وتهذيب التهذيب ١/ ٣٥٢، ٣٥٣).","vol":"7","page":410},{"text":"وقال ابن جرير: يقال للعابد: متبتل، ومنه الحديث المروي: نهى عن التبتل (^١) يعني: الانقطاع إلى العبادة وترك التزوج.\n\n<span id=\"aya-5484\"></span>وقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ أي: هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل فاتخذه وكيلًا كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وكقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة] وآيات كثيرة في هذا المعنى فيها الأمر بإفراد العبادة والطاعة لله وتخصيصه بالتوكل عليه.\n\n<span id=\"aya-5485\"></span>﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بالصبر على ما يقوله مَن كذَّبهِ من سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجرًا جميلًا، وهو الذي لا عتاب معه، ثم قال له متهددًا لكفار قومه ومتوعدًا، وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء\n\n<span id=\"aya-5486\"></span>\n\n<span id=\"aya-5487\"></span>﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أي: دعني والمكذبين المترفين أصحاب الأموال فإنهم على الطاعة أقدر من غيرهم وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ أي: رويدًا كما قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان]، ولهذا قال ههنا: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ وهي القيود. قاله ابن عباس وعكرمة وطاوس ومحمد بن كعب وعبد الله بن بريدة وأبو عمران الجوني وأبو مجلز والضحاك وحماد بن أبي سليمان وقتادة والسدي وابن المبارك والثوري وغير واحد (^٢).\n﴿وَجَحِيمًا﴾ وهي السعير المضطرمة\n\n<span id=\"aya-5488\"></span>\n\n<span id=\"aya-5489\"></span>﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ينشب في الحلق فلا يدخل ولا يخرج (^٣).\n﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ أي: تزلزل ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ أي: تصير ككثبان الرمل بعد ما كانت حجارة صماء ثم إنها تنسف نسفًا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب حتى تصير\n_________\n(^١) ذكره الطبري بنحوه والحديث أخرجه البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ (الصحيح، النكاح، باب ما يكره من التبتل ح ٥٠٧٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٨/ ٢٨٨)؛ والطبري بسند جيد من طريق أبي عمرو الملائي عن عكرمة؛ وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند حسن من طريق مبارك، وهو ابن فضالة، عن الحسن البصري؛ وأخرجه أبو نعيم بسند حسن من طريق منصور عن مجاهد (حلية الأولياء ٣/ ٢٩٨)؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الثوري عن حماد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري والحاكم بسند حسن من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس؛ وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: شبيب ضعفوه. (المستدرك ٢/ ٥٠٤).","vol":"7","page":411},{"text":"الأرض قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا؛ أي: واديًا ولا أمتًا، أي: رابية، ومعناه: لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع.\n\n<span id=\"aya-5490\"></span>\n\n<span id=\"aya-5491\"></span>ثم قال تعالى مخاطبًا لكفار قريش والمراد سائر الناس: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ أي: بأعمالكم ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والثوري: ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ أي: شديدًا (^١)؛ أي: فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول فيصيبكم ما أصاب فرعون، حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النازعات] وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم رسولكم؛ لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران، ويروى عن ابن عباس ومجاهد.\n\n<span id=\"aya-5492\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ يحتمل أن يكون يومًا معمولًا لتتقون كما حكاه ابن جرير عن قراءة ابن مسعود \"فكيف تخافون أيها الناس يومًا يجعل الولدان شيبًا\" إن كفرتم بالله ولم تصدقوا به (^٢)؟ ويحتمل أن يكون معمولًا لكفرتم فعلى الأول كيف يحصل لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم إن كفرتم؟ وعلى الثاني كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة وجحدتموه؟ وكلاهما معنى حسن، ولكن الأول أولى، والله أعلم.\nومعنى قوله: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ أي: من شدة أهواله وزلازله وبلابله، وذلك حين يقول الله تعالى لآدم: ابعث بعث النار. فيقول: من كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة.\nقال الطبراني: حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا سعيد بن [أبي مريم] (^٣)، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قرأ ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ قال: \"ذلك يوم القيامة وذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: من كم يا رب؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وينجو واحد\". فاشتد ذلك على المسلمين وعرف ذلك رسول الله ﷺ ثم قال: حين أبصر ذلك في وجوههم \"إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل [حتى يُرى] (^٤) لصلبه ألف رجل ففيهم وفي أشباههم جُنة لكم\" (^٥). هذا حديث غريب وقد تقدم في أول سورة الحج ذكر هذه [الأحاديث] (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) ذكره الطبري تعليقًا وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٣) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل صُحف إلى: \"هزيم\".\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٥) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١١/ ٣٦٦ ح ١٢٠٣٤)، وسنده ضعيف لضعف عثمان بن عطاء الخراساني، (ينظر مجمع الزوائد ٧/ ١٣٠)، والتقريب ص ٣٨٥ وعطاء الخراساني اختلط.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.","vol":"7","page":412},{"text":"<span id=\"aya-5493\"></span>وقوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قال الحسن وقتادة: أي بسببه من شدته وهوله (^١).\nومنهم من يعيد الضمير على الله تعالى: [ويروى عن ابن عباس ومجاهد] (^٢) (^٣) وليس بقوي؛ لأنه لم يجر له ذكر ههنا.\nوقوله تعالى: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ أي: كان وعد هذا اليوم مفعولًا؛ أي: واقعًا لا محالة وكائنًا لا محيد عنه.\n\n<span id=\"aya-5494\"></span>﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾.\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ أي: السورة ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أي: يتذكر بها أولو الألباب، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: ممن شاء الله تعالى هدايته كما قيده في السورة الأخرى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان].\n\n<span id=\"aya-5495\"></span>ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ أي: تارة هكذا وتارة هكذا، وذلك كله من غير قصد منكم ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما أمركم به من قيام الليل؛ لأنه يشق عليكم؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: تارة يعتدلان وتارة يأخذ هذا من هذا وهذا من هذا.\n﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أي: الفرض الذي أوجبه عليكم ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ أي: من غير تحديد بوقت؛ أي: ولكن قوموا من الليل ما تيسر، وعبَّر عن الصلاة بالقراءة كما قال في سورة سبحان ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أي: بقراءتك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠].\nوقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ بهذه الآية وهي قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ على أنه لا يجب تعين قراءة الفاتحة في الصلاة بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن ولو بآية، أجزأه واعتضدوا بحديث المسيء صلاته الذي في الصحيحين: \"ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن\" (^٤) وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت وهو في الصحيحين أيضًا أن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن بلفظ: \"موقرة مثقلة\"؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"مثقلة يوم القيامة\".\n(^٢) زيادة من (حم).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظ: \"تشقق السماء حين ينزل الرحمن جلَّ وعزَّ\"؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"مثقلة به\".\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁. (صحيح البخاري، باب أمر النبي ﷺ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة ح ٧٩٣؛ وصحيح مسلم، الأذان، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ح ٣٩٧).","vol":"7","page":413},{"text":"رسول الله ﷺ قال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" (^١)، وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام\" (^٢) وفي صحيح ابن خزيمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بأم القرآن\" (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل من مرضى لا يستطيعون ذلك، ومسافرين في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر، وآخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل الله، وهذه الآية بل السورة كلها مكية ولم يكن القتال شرع بعد، فهي من أكبر دلائل النبوة لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: قوموا بما تيسر عليكم منه.\nقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء محمد، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد ما تقول في رجل قد استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه ولا يقوم به إنما يصلي المكتوبة؟ قال: يتوسد القرآن لعن الله ذاك، قال الله تعالى للعبد الصالح: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: ٦٨] ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ ﴿الأنعام: ٩١] قلت: يا أبا سعيد، قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ قال: نعم ولو خمس آيات (^٤).\nوهذا ظاهر من مذهب الحسن البصري أنه كان يرى حقًا واجبًا على حملة القرآن أن يقوموا ولو بشيء منه في الليل، ولهذا جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل نام حتى أصبح، فقال: \"ذاك رجل بال الشيطان في أذنه\" (^٥) فقيل معناه نام عن المكتوبة، وقيل: عن قيام الليل، وفي السنن \"أوتروا يا أهل القرآن\" (^٦)، وفي الحديث الآخر: \"من لم يوتر فليس منا\" (^٧) وأغرب من هذا ما حكي عن أبي بكر بن عبد العزيز من الحنابلة من إيجابه قيام شهر رمضان، فالله أعلم.\nوقال الطبراني: حدثنا أحمد بن سعيد فرقد [الجدي]، حدثنا أبو أحمد محمد بن يوسف الزبيدي، حدثنا عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الله بن طاوس من ولد طاوس، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في فضل سورة الفاتحة.\n(^٢) تقدم تخريجه في فضل سورة الفاتحة.\n(^٣) تقدم تخريجه في فضل سورة الفاتحة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده بلفظ: \"ولو خمسين آية\". وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود ﵁.\n(صحيح البخاري، التهجد، باب إذا نام ولم يصلِّ بال الشيطان في أُذنه ح ١١٤٤)؛ وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح ح ٧٧٤).\n(^٦) أخرجه أبو داود من حديث علي ﵁، السنن، الصلاة، باب استحباب الوتر (ح ١٤١٦)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٢٥٦).\n(^٧) أخرجه أبو داود من حديث بُريدة ﵁ (السنن، الصلاة، باب فيمن لم يوتر ح ١٤١٩)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود؛ وأخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي بأن أبا المنيب العتكي عنده مناكير. (المستدرك ١/ ٣٠٥).","vol":"7","page":414},{"text":"طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال: \"مائة آية\" (^١). وهذا حديث غريب جدًا لم أره إلا في معجم الطبراني رحمه الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا يدل لمن قال إن فرض الزكاة نزل بمكة لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة والله أعلم.\nوقد قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: إن هذه الآية نَسخَت الذي كان الله قد أوجبه على المسلمين أولًا من قيام الليل (^٢)، واختلفوا في المدة التي بينهما على أقوال كما تقدم، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لذلك الرجل: \"خمس صلوات في اليوم والليلة\" قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: \"لا إلا أن تطوع\" (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني: من الصدقات، فإن الله يجازي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ أي: جميع ما تقدموه بين أيديكم فهو لكم حاصل وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: \"أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ \" قالوا: يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه قال: \"اعلموا ما تقولون\" قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله؟ قال: \"إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر\" (^٤). ورواه البخاري من حديث حفص بن غياث والنسائي من طريق أبي معاوية كلاهما عن الأعمش به (^٥).\nثم قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: أكثروا من ذكره واستغفاره في أموركم كلها فإنه غفور رحيم لمن استغفره.\nآخر تفسير سورة المزمل، ولله الحمد والمنة، وصلواته وسلامه على خير خلقه محمد وآله وصحبه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١١/ ٢٩ ح ١٠٩٤٠) وقال الهيثمي فيه عبد الرحمن بن طاوس، ولم أعرفه (مجمع الزوائد ٧/ ١٣٣).\n(^٢) أخرجه ابن الجوزي بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه أيضًا بسند حسن من طريق مبارك، وهو ابن فضالة، عن الحسن، وهو مرسل ويتقوى بسابقه (نواسخ القرآن ص ٤٩٦ - ٤٩٨).\n(^٣) صحيح البخاري، الإيمان، باب الزكاة من الإسلام (ح ٤٦)؛ وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (ح ١١).\n(^٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٩/ ٩٧ ح ٥١٦٣) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، الرقاق، باب ما قدم من ماله فهو له (ح ٦٤٤٢)؛ وسنن النسائي، الوصايا، باب الكراهية في تأخير الوصية ٦/ ٢٣٧.","vol":"7","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-197>سورة المدثر</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-5496\"></span>\n\n<span id=\"aya-5497\"></span>\n\n<span id=\"aya-5498\"></span>\n\n<span id=\"aya-5499\"></span>\n\n<span id=\"aya-5500\"></span>﷽\n﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾.\nثبت في صحيح البخاري من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر أنه كان يقول: أول شيء نزل من القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾. وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولًا قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق] كما سيأتي ذلك هنالك إن شاء الله تعالى.\nقال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ قلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ما قلت لي فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: \"جاوزت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا عليّ ماء باردًا، قال: فدثرونى وصبُّوا عليَّ ماء باردًا، قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ \" (^١). هكذا ساقه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم (^٢) من طريق عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: \"فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني زملوني فزملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ إلى ﴿فَاهْجُرْ﴾ قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان. ثم حمي الوحي وتتابع\" هذا لفظ البخاري (^٣)، وهذا السياق هو المحفوظ وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة المدثر، باب رقم ١ (ح ٤٩٢٢».\n(^٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (ح ٢٥٦).\n(^٣) أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن الليث عن عقيل به. (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر] ح ٤٩٢٦).","vol":"7","page":416},{"text":"لقوله: \"فإذا الملك الذي جاءني بحراء\" وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق]، ثم إنه حصل بعد هذا فترة ثم نزل الملك بعد هذا.\nووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة، كما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر بن عبد اللّه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"ثم فتر الوحي عني فترة فبينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثيت منه فرقًا حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت لهم زملوني زملوني فزملوني، فأنزل اللّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ ثم حمي الوحي وتتابع\" أخرجاه من حديث الزهري به (^٢).\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا الحسن بن بشر البجلي، حدثنا المعافى بن عمران، عن إبراهيم بن يزيد: سمعت ابن أبي مُليكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعامًا، فلما أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر، وقال بعضهم: بل سحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي ﷺ فحزن وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ أي: شمِّر عن ساق العزم وأنذر الناس، وبهذا حصل الإرسال كما حصل بالأول النبوة.\n﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ أي: عظم.\nوقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال الأجلح الكندي، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه أتاه رجل فسأله عن هذه الآية ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة. ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي:\nفإني بحمد اللّه لا ثوب فاجر … لبست ولا من غَدرة أتقنَّع (^٤)\nوقال [ابن جريج] (^٥): عن عطاء، عن ابن عباس في الآية ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال: في كلام العرب نقي الثياب وفي رواية بهذا الإسناد فطهر من الذنوب (^٦)، وكذا قال إبراهيم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣٢٥)، وسنده صحيح.\n(^٢) انظر المصدرين السابقين من الصحيحين.\n(^٣) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١١/ ١٢٥ ح ١١٢٥٠)، وسنده ضعيف جدًا لأن إبراهيم بن يزيد الخوزي متروك. (مجمع الزوائد ٧/ ١٣٤).\n(^٤) أخرجه الطبري بعدة أسانيد من طريق الأجلح به، وسنده حسن، وله شواهد تقويه كما يلي.\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ابن جرير.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق عن ابن جريج به، وسنده حسن.","vol":"7","page":417},{"text":"والشعبي وعطاء (^١).\nوقال الثوري، عن رجل، عن عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال: من الإثم (^٢)، وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال مجاهد: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال: نفسك ليس ثيابك، وفي رواية عنه ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ أي: عملك فأصلح (^٣)، وكذا قال أبو رزين (^٤)، وقال في رواية أخرى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ أي: لست بكاهن ولا ساحر فأعرض عما قالوا (^٥).\nوقال قتادة: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ أي: طهرها من المعاصي، وكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يفِ بعهد الله: إنه لدنس الثياب، وإذا وفَّى وأصلح إنه لمطهَّرُ الثياب (^٦).\nوقال عكرمة والضحاك: لا تلبسها على معصية (^٧). وقال الشاعر (^٨):\nإذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه … فكل رداء يرتديه جميل\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ يعني: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية (^٩).\nوقال محمد بن سيرين: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ أي: اغسلها بالماء (^١٠).\nوقال ابن زيد: وكان المشركون لا يتطهرون فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه (^١١)، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه كما قال امرؤ القيس:\nأفاطم مهلًا بعض هذا التدلل … وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي\nإن تك قد ساءتك مني خليقة … فسلي ثيابي من ثيابك تنسل (^١٢)\nوقال سعيد بن جبير: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ وقلبك ونيتك فطهره (^١٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا من طريق مغيرة عن إبراهيم.\n(^٢) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن عطاء، ويتقوى بما سبق وأخرجه الحاكم من طريق سفيان عن ابن جريج عن عطاء به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٠٦).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند فيه شيخ الطبري وهو: يحيى بن طلحة اليربوعي: لين الحديث. (التقريب ص ٥٩٢) ولكنه قد توبع بواسطة سعيد بن منصور وعبد بن حميد إذا عزاه السيوطي إليهما، وهما من طبقة شيوخ الطبري.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق منصور عن أبي رزين. (المصنف ٨/ ٢١٧).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن عبد البر. (التمهيد ٢٢/ ٢٣٦) بسند حسن من طريق الأجلح الكندي عن عكرمة، وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.\n(^٨) هو: دكين بن رجاء، واستشهد به ابن قتيبة. (الشعر والشعراء ٢/ ٦١٢).\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. ويشهد له ما سبق.\n(^١٠) أخرجه الطبري من طريق ابن عون عن محمد بن سيرين، وبعض رجاله لم أقف على ترجمة لهم.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^١٢) ديوان امرئ القيس ص ٣٧.\n(^١٣) ذكره البغوي تعليقًا. (معالم التنزيل ٤/ ٤١٣).","vol":"7","page":418},{"text":"وقال محمد بن كعب القرظي والحسن البصري: وخلقك فحسن (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: والرجز وهو الأصنام فاهجر (^٢)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وقتادة والزهري وابن زيد: إنها الأوثان (^٣).\nوقال إبراهيم والضحاك: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ أي: اترك المعصية (^٤)، وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:١٤٢].\n\n<span id=\"aya-5501\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ قال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها (^٥)، وكذا قال عكرمة ومجاهد وعطاء وطاوس وأبو الأحوص وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم (^٦).\nوروي عن ابن مسعود أنه قرأ: \"ولا تمنن أن تستكثر\" (^٧).\nوقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره (^٨)، وكذا قال الربيع بن أنس (^٩)، واختاره ابن جرير.\nوقال خصيف، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ قال: لا تَضعُف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تَضعُف (^١٠).\nوقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس تستكثرهم بها تأخذ عليه عوضًا من الدنيا (^١١). فهذه أربعة أقوال، والأظهر القول الأول، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5502\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك ﷿. قاله مجاهد (^١٢).\n_________\n(^١) ذكره البغوي تعليقًا. (معالم التنزيل ٤/ ٤١٣).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري عن إبراهيم بسند فيه ابن حميد شيخ الطبري، وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف وقد تابعه عبد بن حميد وسعيد بن منصور كما عزاه السيوطي إليهما، وهما من طبقة شيوخ الطبري، وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما يليه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن عكرمة، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق منصور عن إبراهيم. (المصنف ٥/ ٣١٩). وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سلمة -وهو ابن نبيط- عن الضحاك، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) ذكره الطبري تعليقًا، وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق سفيان بن حسين عن الحسن البصري. (المصنف ٥/ ٣١٩).\n(^٩) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق خصيف عن مجاهد، وخُصيف: سيئ الحفظ.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^١٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"7","page":419},{"text":"وقال إبراهيم النخعي: اصبر عطيتك لله ﷿ (^١).\n\n<span id=\"aya-5503\"></span>\n\n<span id=\"aya-5504\"></span>\n\n<span id=\"aya-5505\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وزيد بن أسلم والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد: ﴿النَّاقُور﴾ الصور (^٢).\nقال مجاهد: وهو كهيئة القرن (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط بن محمد، عن مطرف، عن عطية العوفي، عن ابن عباس ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ فقال: قال رسول الله ﷺ: \"كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ؟ \" فقال: قال أصحاب رسول الله ﷺ: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: \"قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا\". وهكذا رواه الإمام أحمد عن أسباط به، ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن ابن فضيل وأسباط كلاهما عن مطرف به، ورواه من طريق أخرى عن العوفي عن ابن عباس به (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)﴾ أي: شديد ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ أي: غير سهل عليهم كما قال تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨]، وقد روينا عن زُرارة بن أوفى قاضي البصرة أنه صلى بهم الصبح، فقرأ هذه السورة فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ شِهقَ شَهقة ثم خرَّ ميتًا ﵀ (^٥).\n\n<span id=\"aya-5506\"></span>\n\n<span id=\"aya-5507\"></span>\n\n<span id=\"aya-5508\"></span>﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾.\nيقول تعالى متوعدًا لهذا الخبيث الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا فكفر بأنعم الله وبدلها كفرًا وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر، وقد عدَّد الله عليه نعمه حيث قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ أي: خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد ثم رزقه الله تعالى: ﴿مَالًا مَمْدُودًا﴾ أي: واسعًا كثيرًا قيل: ألف دينار (^٦)، وقيل: مائة ألف دينار،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مغيرة عن إبراهيم.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن عكرمة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد، وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس.\n(^٣) أخرجه الطبري بالسند الصحيح المتقدم عن مجاهد.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٧٣.\n(^٥) أخرجه أبو نعيم (الحلية ٢/ ٢٥٨) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٠٦).\n(^٦) أخرجه الطبري بسندين مرسلين عن مجاهد وسعيد بن جبير، وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر.","vol":"7","page":420},{"text":"وقيل: أرضًا يستغلها (^١)، وقيل غير ذلك وجعل له ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾.\nقال مجاهد: لا يغيبون؛ أي: حضورًا عنده لا يسافرون بالتجارات بل مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم، وهم قعود عند أبيهم يتمتع بهم ويتملى بهم، وكانوا فيما ذكره السدي وأبو مالك وعاصم بن عمر بن قتادة: ثلاثة عشر.\nوقال ابن عباس ومجاهد: كانوا عشرة (^٢). وهذا أبلغ في النعمة وهو إقامتهم عنده\n\n<span id=\"aya-5509\"></span>﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)﴾ أي: مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك.\n\n<span id=\"aya-5510\"></span>\n\n<span id=\"aya-5511\"></span>\n\n<span id=\"aya-5512\"></span>﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)﴾ أي: معاندًا وهو الكفر على نعمه بعد العلم قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، عن درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: \"ويل: وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا، قبل أن يبلغ قعره، والصعود: جبل من نار يتصعد فيه الكافر سبعين خريفًا، ثم يهوي به كذلك فيه أبدًا\" (^٣). وقد رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن الحسن بن موسى الأشيب به، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج، كذا قال، وقد رواه ابن جرير عن يونس، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن درَّاج (^٤). وفيه غرابة ونكارة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرحمن المعروف بعلَّان المقري قال: حدثنا منجاب، أخبرنا شريك، عن عمار الدهني، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ قال: \"هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله ذابت وإذا رفعها عادت\" (^٥). ورواه البزار وابن جرير من حديث شريك به (^٦).\nوقال قتادة، عن ابن عباس: ﴿صَعُودًا﴾ صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه (^٧).\nوقال السدي: صعودًا صخرة ملساء في جهنم يكلف أن يصعدها.\nوقال مجاهد: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ أي: مشقة من العذاب (^٨).\nوقال قتادة: عذابًا لا راحة فيه (^٩)، واختاره ابن جرير.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق شعبة عن النعمان بن سالم بلفظ: \"الأرض\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن أبيه عن مجاهد، وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن مهاجر وهو ضعيف. (التقريب ص ١٠٥).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣/ ٧٥)، وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.\n(^٤) سنن الترمذي، صفة جهنم، باب ما جاء في صفة قعر جهنم (ح ٢٥٧٩) وتفسير الطبري، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٥) سنده ضعيف لاختلاط شريك وضعف عطية العوفي.\n(^٦) أخرجه الطبري، وأعله الهيثمي بعطية. (مجمع الزوائد ٧/ ١٣٤).\n(^٧) سنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من ابن عباس، وعزاه البغوي إلى الكلبي بنحوه. (معالم التنزيل ٤/ ٤١٥).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":421},{"text":"<span id=\"aya-5513\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾ أي: إنما أرهقناه صعودًا؛ أي: قربناه من العذاب الشاق لبعده عن الإيمان لأنه فكر وقدر؛ أي: تروَّى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن ففكر ماذا يختلق من المقال ﴿وَقَدَّرَ﴾ أي: تروَّى\n\n<span id=\"aya-5514\"></span>\n\n<span id=\"aya-5515\"></span>﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دعاء عليه\n\n<span id=\"aya-5516\"></span>﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾ أي: أعاد النظرة والتروي\n\n<span id=\"aya-5517\"></span>﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض بين عينيه وقطب ﴿وَبَسَرَ﴾ أي: كلح وكره، ومنه قول توبة بن الحُميِّر:\nوقد رابني منها صدودٌ رأيته … وإعراضها عن حاجتي وبُسُورُها (^١)\n\n<span id=\"aya-5518\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣)﴾ أي: صرف عن الحق ورجع القهقهرى مستكبرًا عن الانقياد للقرآن\n\n<span id=\"aya-5519\"></span>\n\n<span id=\"aya-5520\"></span>\n\n<span id=\"aya-5521\"></span>\n\n<span id=\"aya-5522\"></span>\n\n<span id=\"aya-5523\"></span>﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾ أي: هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن قبله ويحكيه عنهم، ولهذا قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ أي: ليس بكلام الله، وهذا المذكور في هذا السياق هو الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش لعنه الله، وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبًا لما يقول ابن أبي كبشة، فواللهِ ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ (^٢) الوليد لتصبو قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم ترَ إلى قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالًا وولدًا؟ فقال أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تحدث به عشيرتي؟ فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر فأنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ إلى قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾ (^٣).\nوقال قتادة: زعموا أنه قال: واللهِ لقد نظرت فيما قال الرجل فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة، وإنه عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وما أشك أنه سحر فأنزل الله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)﴾ الآية (^٤).\n﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢)﴾ قبض ما بين عينيه وكلح.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رَقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام فأتاه فقال: أي عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا. قال:\n_________\n(^١) استشهد به معمر بن المثنى. (مجاز القرآن ٢/ ٢٧٥) والطبري.\n(^٢) أي: خرج من الملة، وكانوا على الشرك.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، وله شواهد ومتابعات تقويه كما يليه، فقد أخرجه الحاكم من طريق عكرمة عن ابن عباس، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، وأخرج الطبري بسند رجاله ثقات عن مجاهد أنه الوليد بن المغيرة يوم دار الندوة وهو مرسل ويتقوى بالمراسيل التالية.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن قتادة ولكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل الأخرى ويقويها.","vol":"7","page":422},{"text":"لِمَ؟ قال: يعطونكه فإنك أتيت محمدًا تتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني أكثرهم مالًا، قال: فقل فيه قولًا يعلم قومك أنك منكر لما قال: وأنك كاره له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يعلى. قال: واللهِ لا يرضى قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أتفكر فيه، فلما فكر قال: إنْ هذا إلا سحر يؤثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ حتى بلغ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (^١).\nوقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد نحوًا من هذا، وقد زعم السدي أنهم لما اجتمعوا في دار الندوة ليجمعوا رأيهم على قول يقولونه فيه قبل أن يقدم عليهم وفود العرب للحج ليصدوهم عنه، فقال قائلون: شاعر وقال آخرون: ساحر، وقال آخرون: كاهن، وقال آخرون: مجنون كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ [الإسراء] كل هذا والوليد يفكر فيما يقوله فيه، ففكر وقدر ونظر وعبس وبسر، فقال: إنْ هذا إلا سحر يؤثر إنْ هذا إلا قول البشر (^٢)، قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ أي: سأغمره فيها من جميع جهاته.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧)﴾ وهذا تهويل لأمرها وتفخيم، ثم فسر ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾ أي: تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم ثم تبدل غير ذلك، وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون، قاله [مزيدة] (^٣) وأبو سنان وغيرهم.\n\n<span id=\"aya-5524\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾ قال مجاهد: أي للجلد (^٤).\nوقال أبو رزين: تلفح الجلد لفحة فتدعه أسود من الليل (^٥).\nوقال زيد بن أسلم: تلوح أجسادهم عليها (^٦).\nوقال قتادة: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾ أي: حرَّاقة للجلد (^٧).\nوقال ابن عباس: تحرق بشرة الإنسان (^٨).\n\n<span id=\"aya-5525\"></span>وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ أي: من مقدمي الزبانية عظيم خَلْقُهم، غليظ خُلُقهم.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني حارث، عن عامر، عن البراء في قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ قال: إن رهطًا من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل يتقوى بما سبق.\n(^٢) سنده ضعيف ويتقوى بما سبق.\n(^٣) كذا في تفسير الطبري، وفي الأصل صحف إلى ابن بريدة، فقد أخرجه الطبري من طريق ابن أبي ليلى عن مزيدة بنحوه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل عن أبي رزين.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بن أسلم بنحوه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بما سبق.","vol":"7","page":423},{"text":"اليهود سألوا رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ عن خزنة جهنم فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء الرجل فأخبر النبي ﷺ فأنزل الله تعالى عليه ساعتئذ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ فأخبر أصحابه وقال: \"ادعهم أما إني سائلهم عن تربة الجنة إن أتوني، أما إنها درمكة بيضاء\" فجاؤوه فسألوه عن خزنة جهنم فأهوى بأصابع كفيه مرتين وأمسك الإبهام في الثانية ثم قال: \"أخبروني عن تربة الجنة\" فقالوا: أخبرهم يا ابن سلام، فقال: كأنها خبزة بيضاء: فقال رسول الله ﷺ: \"أما إن الخبز إنما يكون من الدرمك (^١) \" (^٢).\nهكذا وقع عند ابن أبي حاتم عن البراء والمشهور، عن جابر بن عبد الله كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن عبدة، أخبرنا سفيان ويحيى بن حكيم، حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم. فقال: \"بأي شيء؟ \" قال: سألتهم يهود هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار؟ قالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا ﷺ قال رسول الله ﷺ: \"أفغلب قوم يسألون عما لا يعلمون فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا ﷺ؟ عليَّ بأعداء الله لكنهم قد سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة\" فأرسل إليهم فدعاهم قالوا: يا أبا القاسم كم عدة خزنة أهل النار؟ قال: \"هكذا\" وطبَّق كفيه ثم طبَّق كفيه مرتين وعقد واحدة، وقال لأصحابه: \"إن سئلتم عن تربة الجنة فهي الدرمك\" فلما سألوه فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار قال لهم رسول الله ﷺ: \"ما تربة الجنة؟ \" فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: خبزة يا أبا القاسم. فقال: \"الخبز من الدرمك\" (^٣). وهكذا رواه الترمذي عند هذه الآية عن ابن أبي عمر، عن سفيان به (^٤)، وقال هو والبزار: لا يعرف إلا من حديث مجالد، وقد رواه الإمام أحمد عن علي بن المديني عن سفيان بنقصه: الدرمك فقط (^٥).\n\n<span id=\"aya-5526\"></span>﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾ أي: خزانها ﴿إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ زبانية غلاظًا شدادًا، وذلك ردٌّ\n_________\n(^١) أي: الطحين الأبيض.\n(^٢) سنده ضعيف لضعف حريث وهو ابن أبي مطر الفزاري كما في تهذيب الكمال (٥/ ٥٦٢). وأخرجه البيهقي من طريق حريث به وقال البيهقي: حريث بن أبي مطر ليس بالقوي، (البعث والنشور، باب ما جاء في خزنة جهنم رقم ٥٠٩).\n(^٣) سنده ضعيف لضعف مجالد.\n(^٤) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة المدثر (ح ٣٣٢٤)، وسنده كسابقه؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي.\n(^٥) المسند (٣/ ٣٦١) وسنده ضعيف كسابقه.","vol":"7","page":424},{"text":"على مشركي قريش حين ذكروا عدد الخزنة فقال أبو جهل: يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ أي: شديدي الخلق لا يقاومون ولا يغالبون، وقد قيل: إن أبا الأشدين واسمه: كلدة بن أسيد (^١) بن خلف قال: يا معشر قريش اكفوني منهم اثنين، وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر إعجابًا منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة لينزعوه من تحت قدميه فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه.\nقال السهيلي: وهو الذي دعا رسول الله ﷺ إلى مصارعته، وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه النبي ﷺ مرارًا فلم يؤمن، قال: وقد نسب ابن إسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب (^٢).\n(قلت): ولا منافاة بين ما ذكراه والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختبارًا منا للناس ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أي: يعلمون أن هذا الرسول حق فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ أي: إلى إيمانهم؛ أي: بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد ﷺ ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: من المنافقين ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ أي: يقولون ما الحكمة في ذكر هذا ههنا؟ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من مثل هذا وأشباهه يتأكد الإيمان في قلوب أقوام ويتزلزل عند آخرين، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة.\nوقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى؛ لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط، كما قد قاله طائفة من أهل الضلالة والجهالة ومن الفلاسفة اليونانيين ومن شايعهم من الملَّتين الذين سمعوا هذه الآية فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة والنفوس التسعة التي اخترعوا دعواها وعجزوا عن إقامة الدلالة على مقتضاها، فأفهموا صدر هذه الآية وقد كفروا بآخرها وهو قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾.\nوقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: \"فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن مورق، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطَّت (^٤) السماء، وحُقَّ لها أن تئط ما فيها موضع أصبع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن مجاهد بنحوه ولكنه مرسل.\n(^٢) الروض الأنف ١/ ٢٠٠.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء.\n(^٤) أي: إن كثرة ما فيها من الملائكة أثقلتها حتى أطّت.","vol":"7","page":425},{"text":"لضحكتم قليلًا ولبكيتم كَثِيرًا وَلا تلذذتم بالنساء على الفُرُشات ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى اللَّه تعالى\" فقال أبو ذرّ: والله لوددت أني شجرة تعضد (^١). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث إسرائيل، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ويروى عن أبي ذرٍّ موقوفًا (^٢).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حَدَّثَنَا حسين بن عرفة المصري، حَدَّثَنَا عروة بن مروان الرقي، حَدَّثَنَا عبيد اللَّه بن عمرو، عن عبد الكريم بن مالك، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كفّ إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعًا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لم نشرك بك شيئًا\" (^٣).\nوقال محمد بن نصر المروزي في \"كتاب الصلاة\": حَدَّثَنَا عمرو بن زرارة، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام قال: بينما رسول اللَّه ﷺ مع أصحابه إذ قال لهم: \"هل تسمعون ما أسمع؟ \" قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله ﷺ: \"أسمع أطيط السماء ولا تلام أن تئط. وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك راكع أو ساجد\" (^٤).\nوقال أيضًا: حَدَّثَنَا محمد بن عبد اللَّه بن [قهزاذ] (^٥)، حَدَّثَنَا أبو معاذ الفضل بن خالد النحوي، حَدَّثَنَا عبيد بن سليمان الباهلي، سمعت الضحاك بن مزاحم يحدث، عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة أنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: \"ما في السماء الدنيا موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو قائم وذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ \" (^٦). وهذا مرفوع غريب جدًا، ثم رواه عن محمود بن آدم، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود أنه قال: إن من السموات سماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائم ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات] (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣٥/ ٤٠٦ ح ٢١٥١٦) قال المحققون: حسن لغيره، وهذا إسناد منقطع، مورق -وهو العجلي- لم يسمع من أبي ذر، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥١٠).\n(^٢) سنن الترمذي، الزهد، باب في قول النَّبِيّ ﷺ: \"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا … \" (ح ٢٣١٢)؛ وسنن ابن ماجه، الزهد، باب الحزن والبكاء (ح ٤١٩٠) وحسنه الألباني دون قوله: واللّه لوددت … فإنه مدرج؛ (صحيح سنن ابن ماجه ح ٣٣٧٨).\n(^٣) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢/ ١٨٤ ح ١٧٥١)، وسنده ضعيف لأن عروة بن مروان ليس بالقوي في الحديث. (لسان الميزان ٤/ ١٦٤).\n(^٤) أخرجه المروزي بسنده ومتنه. (تعظيم قدر الصلاة ١/ ٢٥٨ ح ٢٥٠) وصحح سنده الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٠٦٠).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: مهران.\n(^٦) أخرجه المروزي بسنده ومتنه. (المصدر السابق ح ٢٥٣). وحسنه الألباني بشواهده. (السلسلة الصحيحة ح ١٠٥٩).\n(^٧) أخرجه المروزي بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٢٥٤) وصحح سنده الألباني كما في المصدر السابق.","vol":"7","page":426},{"text":"ثم قال: حَدَّثَنَا أحمد بن سيار، حَدَّثَنَا أبو جعفر بن محمد بن خالد الدمشقي المعروف بابن أمه، حَدَّثَنَا المغيرة بن عمر بن عطية من بني عمرو بن عوف، حدثني سليمان بن أيوب، عن سالم بن عوف، حدثني عطاء بن زيد بن مسعود من بني الحبلى، حدثني سليمان بن عمرو بن الربيع من بني سالم، حدثني عبد الرحمن بن العلاء من بني ساعدة، عن أبيه العلاء بن سعد وقد شهد الفتح وما بعده، أن النَّبِيّ ﷺ قال: يومًا لجلسائه: \"هل تسمعون ما أسمع؟ \" قالوا: وما تسمع يا رسول اللَّه؟ قال: \"أطّت السماء وحُقَّ لها أن تئط، إنه ليس فيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد وقالت الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات] \" (^١). وهذا إسناد غريب جدًا.\nثم قال: حَدَّثَنَا إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفروي، حَدَّثَنَا عبد الملك بن قدامة، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمر أن عمر جاء والصلاة قائمة ونفر ثلاثة جلوس أحدهم: أبو جحش الليثي، فقال: قوموا فصلوا مع رسول اللَّه ﷺ، فقام اثنان وأبى أبو جحش أن يقوم وقال: لا أقوم حتَّى يأتي رجل أقوى مني ذراعين وأشد مني بطشًا، فيصرعني ثم يدسّ وجهي في التراب، قال عمر: فصرعته ودسست وجهه في التراب، فأتى عثمان بن عفان فحجزني عنه، فخرج عمر مغضبًا حتَّى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال: \"ما رأيك يا أبا حفص؟ \" فذكر له ما كان منه، فقال رسول الله ﷺ: \"إن [رضي عمر رحمةً، واللّه على ذلك] (^٢) لوددت أنك جئتني برأس الخبيث\" فقام عمر فوجه نحوه، فلما أبعد ناداه فقال: \"اجلس حتَّى أخبرك بغناء الربِّ ﵎ عن صلاة أبي جحش وإن للّه تعالى في السماء الدنيا ملائكة خشوعًا لا يرفعون رؤوسهم حتَّى تقوم الساعة، فإذا قامت رفعوا رؤوسهم ثم قالوا: ربنا ما عبدناك حق عبادتك وإن للّه في السماء الثانية ملائكة سجودًا لا يرفعون رؤوسهم حتَّى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة رفعوا رؤوسهم وقالوا: سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك\".\nفقال له عمر: وما يقولون يا رسول اللَّه؟ فقال: \"أما أهل السماء الدنيا فيقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأما أهل السماء الثانية فيقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأما أهل السماء الثالثة فيقولون: سبحان الحي الذي لا يموت، فقلها يا عمر في صلاتك\"، فقال عمر: يا رسول الله فكيف بالذي كنت علمتني وأمرتني أن أقوله في صلاتي؟ فقال: \"قل هذا مرة وهذا مرة\" وكان الذي أمره به أن يقوله: \"أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك جلَّ وجهك\" (^٣). هذا حديث غريب جدًا بل منكر نكارة شديدة، وإسحاق الفروي روى عنه البخاري، وذكره ابن حبان في الثقات وضعفه أبو داود والنسائي والعقيلي والدارقطني، وقال أبو\n_________\n(^١) أخرجه المروزي بسنده ومتنه. (المصدر السابق ح ٢٥٥)، ويشهد له ما سبق.\n(^٢) زيادة من (ح) و(حم) وكتاب تعظيم قدر الصلاة.\n(^٣) أخرجه المروزي عن محمد بن يحيى عن إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفروي به. (تعظيم قدر الصلاة ١/ ٢٦٣ ح ٢٥٦) وسنده ضعيف جدًا، وقد أشار محققه أن عبد اللَّه بن قدامة روى عن عبد اللَّه بن دينار موضوعات. (ميزان الاعتدال ٢/ ٤٧٢). وضعفه أيضًا الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا.","vol":"7","page":427},{"text":"حاتم الرازي: كان صدوقًا إلا أنه ذهب بصره فربما [لقن] (^١) وكتبه صحيحة، وقال -مرة-: هو مضطرب وشيخه عبد الملك بن قدامة أبو قتادة الجمحي تكلم فيه أيضًا، والعجب من الإمام محمد بن نصر كيف رواه ولم يتكلم عليه، ولا عرف بحاله، ولا تعرض لضعف بعض رجاله، غير أنه رواه من وجه آخر عن سعيد بن جبير مرسلًا بنحوه، ومن طريق أخرى عن الحسن البصري مرسلًا قريبًا منه (^٢).\nثم قال محمد بن نصر: حَدَّثَنَا محمد بن عبد اللَّه بن [قهزاذ] (^٣)، أخبرنا النضر، أخبرنا عباد بن منصور قال: سمعت عدي بن أرطأة وهو يخطبنا على منبر المدائن قال: سمعت رجلًا من أصحاب النَّبِيّ ﷺ عن رسول اللَّه ﷺ قال: \"إن للّه تعالى ملائكة ترعد فرائصهم من خيفته ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه إلا وقعت على ملك يصلي، وإن منهم ملائكة سجودًا منذ خلق اللَّه السموات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وإن منهم ملائكة ركوعًا لم يرفعوا رؤوسهم منذ خلق اللَّه السموات والأرض ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا رفعوا رؤوسهم نظروا إلى وجه الله ﷿ قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك\" (^٤). وهذا إسناد لا بأس به.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قال مجاهد وغير واحد: \"وما هي\" أي: النار (^٥) التي وصفت ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾\n\n<span id=\"aya-5527\"></span>\n\n<span id=\"aya-5528\"></span>\n\n<span id=\"aya-5529\"></span>\n\n<span id=\"aya-5530\"></span>ثم قال تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾ أي: ولى ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾ أي: أشرق ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾ أي: العظائم يعني: النار، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وغير واحد من السلف (^٦)\n\n<span id=\"aya-5531\"></span>\n\n<span id=\"aya-5532\"></span>﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ أي: لمن شاء أن يقبل النذارة ويهتدي للحق أو يتأخر عنها ويولّي ويردَّها.\n\n<span id=\"aya-5533\"></span>\n\n<span id=\"aya-5534\"></span>\n\n<span id=\"aya-5535\"></span>\n\n<span id=\"aya-5536\"></span>\n\n<span id=\"aya-5537\"></span>\n\n<span id=\"aya-5538\"></span>\n\n<span id=\"aya-5539\"></span>\n\n<span id=\"aya-5540\"></span>\n\n<span id=\"aya-5541\"></span>\n\n<span id=\"aya-5542\"></span>﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا أن ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ أي: معتقلة بعملها يوم القيامة قاله ابن\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٢) تعظيم قدر الصلاة (١/ ٢٦٤ - ٢٦٦، رقم ٢٥٧ - ٢٥٨) وفي كليهما ضعف.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: مهران.\n(^٤) أخرجه المروزي بسنده ومتنه. (المصدر السابق رقم ٢٦٠) وحكم الحافظ ابن كثير أن سنده لا بأس به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس بلفظ: \"جهنم\". ويتقوى بالآثار التالية، فقد أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: \"النار\"؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح بلفظ: \"جهنم\"؛ وأخرجه الطبري وابن أبي شيبة بسند حسن من طريق إسماعيل بن سُميع عن أبي رزين. (المصنف ٨/ ٢١٨)؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك فيه إبهام شيخ الطبري.","vol":"7","page":428},{"text":"عباس وغيره ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ فإنهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)﴾ أي: يسألون المجرمين وهم في الغرفات وأولئك في الدركات قائلين لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ أي: ما عبدنا اللَّه ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾ أي: نتكلم فيما لا نعلم.\nوقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه (^١). ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ يعني: الموت كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر] وقال رسول الله ﷺ: \"أما هو -يعني عثمان بن مظعون- فقد جاءه اليقين من ربه\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-5543\"></span>قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ أي: ما كان متصفًا بمثل هذه الصفات فإنه لا ينفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه؛ لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحل قابلًا، فأما من وافى اللَّه كافرًا يوم القيامة فإنه له النار لا محالة خالدًا فيها،\n\n<span id=\"aya-5544\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾ أي: فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك مما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين\n\n<span id=\"aya-5545\"></span>\n\n<span id=\"aya-5546\"></span>﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ أي: كأنهم في نفارهم عن الحق وإعراضهم عنه حمر من حمر الوحش إذا فرَّت ممن يريد صيدها من أسد، قاله أبو هريرة وابن عباس في رواية عنه وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن (^٣): أو رامٍ، وهو رواية عن ابن عباس (^٤)، وهو قول الجمهور.\nوقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: الأسد بالعربية، ويقال له بالحبشية: قسورة، وبالفارسية: شير، وبالنبطية: أوبا (^٥).\n\n<span id=\"aya-5547\"></span>وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ أي: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتاب كما أنزل اللَّه على النَّبِيّ ﷺ، قاله مجاهد وغيره (^٦)، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحجر آية ٩٩.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق ابن سيلان -وهو جابر- عن أبي هريرة؛ وأخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٤) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن عروبة عن قتادة؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الحاكم عن أبي موسى وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٠٨).\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق سلم بن قتيبة عن حماد بن سلمة به، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":429},{"text":"<span id=\"aya-5548\"></span>فقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣)﴾ أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها وتكذيبهم بوقوعها.\n\n<span id=\"aya-5549\"></span>ثم قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤)﴾ أي: حقًّا إن القرآن تذكرة\n\n<span id=\"aya-5550\"></span>\n\n<span id=\"aya-5551\"></span>﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ كقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي: هو أهل أن يخاف منه وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب. قاله قتادة (^١).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا زيد بن الحباب، أخبرني سهيل أخو حزم، حَدَّثَنَا ثابت البناني، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قرأ رسول اللّه ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وقال: \"قال ربكم: أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهًا كان أهلًا أن أغفر له\" (^٢). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، والنسائي من حديث المعافى بن عمران، كلاهما عن سهيل بن عبد اللَّه القطعي به.\nوقال الترمذي: حسن غريب وسهيل ليس بالقوي (^٣)، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن هدبة بن خالد، عن سهيل به، وهكذا رواه أبو يعلى والبزار والبغوي وغيرهم من حديث سهيل القطعي به (^٤).\n[آخر تفسير سورة المدثر، وللّه الحمد والمنة] (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١٩/ ٤٣٠ ح ١٢٤٤٢) وضعف سنده محققوه لضعف سهيل أخي حزم.\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة المدثر (ح ٣٣٢٥)؛ وسنن ابن ماجه الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (ح ٤٢٩٩)؛ والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٦٣٠). وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٤) مسند أبي يعلى ٦/ ٦٦ (ح ٣٢١٧)؛ ومعالم التنزيل للبغوي (٤/ ٤٢٠) وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٥) زيادة من (ح)، وفي (حم): آخر تفسير سورة المدثر.","vol":"7","page":430},{"text":"<span data-type='title' id=toc-198>سُوْرَةُ القِيَامَةِ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-5552\"></span>\n\n<span id=\"aya-5553\"></span>﷽\n﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾.\nقد تقدم غير مرة أن المقُسَم عليه إذا كان منتفيًا جاز الإتيان بلا قبل القسم لتأكيد النفي. والمُقسَم عليه ههنا هو إثبات المعاد والردُّ على ما يزعمه الجهلة من العباد ومن عدم بعث الأجساد، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ قال الحسن: أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة (^١).\nوقال قتادة: بل أقسم بهما جميعًا، هكذا حكاه ابن أبي حاتم (^٢).\nوقد حكى ابن جرير، عن الحسن والأعرج أنهما قرءا: \"لأقُسم بيوم القيامة\" (^٣) وهذا يوجُّه قول الحسن؛ لأنَّهُ أثبت القسم بيوم القيامة ونفى القسم بالنفس اللوامة، والصحيح أنه أقسم بهما جميعًا كما قاله قتادة ﵀، وهو المروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير (^٤)، واختاره ابن جرير.\nفأما يوم القيامة فمعروف وأما النفس اللّوامة فقال قرة بن خالد، عن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن واللّه ما نراه إلا يلوم نفسه. ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي، وإن الفاجر يمضي قُدُمًا ما يعاتب نفسه (^٥)، وقال جويبر: بلغنا عن الحسن أنه قال في قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ قال: ليس أحد من أهل السموات والأرضين إلا يلوم نفسه يوم القيامة (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن صالح بن مسلم، عن إسرائيل، عن سماك\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري تعليقًا، والقراءة متواترة.\n(^٤) أخرجه الحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٠٨).\n(^٥) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس.\n(^٦) سنده ضعيف لضعف جويبر وروايته بلاغًا.","vol":"7","page":431},{"text":"أنه سأل عكرمة عن قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ قال: يلوم على الخير والشر لو فعلت كذا وكذا (^١)، ورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن وكيع، عن إسرائيل به (^٢)، وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حَدَّثَنَا مؤمل، حَدَّثَنَا سفيان، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ قال: تلوم على الخير والشر (^٣)، ثم رواه من وجه آخر عن سعيد أنه سأل ابن عباس عن ذلك فقال: هي النفس اللؤوم (^٤).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه (^٥).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾: المذمومة (^٦).\nوقال قتادة: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾ الفاجرة (^٧).\nوقال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة بالمعنى والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر وتندم على ما فات (^٨).\n\n<span id=\"aya-5554\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾ أي: يوم القيامة أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟\n\n<span id=\"aya-5555\"></span>﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ وقال سعيد بن جبير والعوفي، عن ابن عباس: أن نجعله خُفًّا أو حافرًا (^٩)، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وابن جرير (^١٠)، ووجهه ابن جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا، والظاهر من الآية أن قوله تعالى: ﴿قَادِرِينَ﴾ حالٌ من قوله تعالى: ﴿نَجْمَعَ﴾ أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بل سنجمعها قادرين على أن نسوي بنانه؛ أي: قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا بعثناه أزيد مما كان فنجعل بنانه وهي أطراف أصابعه مستوية، وهذا معنى قول ابن قتيبة والزجاج (^١١).\n\n<span id=\"aya-5556\"></span>\n\n<span id=\"aya-5557\"></span>وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾ قال سعيد عن ابن عباس: يعني يمضي قدمًا (^١٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ يعني: الأمل، يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب\n_________\n(^١) سنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري عن أبي كريب به، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري والحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٠٩).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٩) أخرجه الحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهو تتمة لرواية الحاكم السابقة.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق النضر، وهو ابن عربي، عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^١١) نسبه البغوي إلى ابن قتيبة والزجاج. (معالم التنزيل ٤/ ٤٢١).\n(^١٢) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن جبير به؛ وأخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق أبي إسحاق الهمداني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بلفظ: يقول: سوف أتوب، سوف أعمل.","vol":"7","page":432},{"text":"قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة (^١).\nوقال مجاهد: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ليمضي أمامه راكبًا رأسه (^٢).\nوقال الحسن: لا يُلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية اللَّه قدمًا قدمًا إلا من عصمه اللَّه تعالى (^٣)، وروي عن عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وغير واحد من السلف: هو الذي يعجل الذنوب ويسوف التوبة.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب (^٤)، وكذا قال ابن زيد (^٥) وهذا هو الأظهر من المراد، ولهذا قال بعده ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾؟ أي: يقول متى يكون يوم القيامة وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه وتكذيب لوجوده كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾ [سبأ].\n\n<span id=\"aya-5558\"></span>وقال تعالى ههنا: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)﴾ قرأ أبو عمرو بن العلاء \"برِق\" بكسر الراء؛ أي: حارَ، وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي: بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا لا يستقر لهم بصر على شيء من شدة الرعب.\nوقرأ آخرون \"برَق\" بالفتح (^٦) وهو قريب في المعنى من الأول، والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور.\n\n<span id=\"aya-5559\"></span>\n\n<span id=\"aya-5560\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ أي: ذهب ضوؤه ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ قال مجاهد: كُوِّرا (^٧).\nوقرأ ابن زيد عند تفسير هذه الآية ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ [التكوير].\nوروي عن ابن مسعود أنه قرأ \"وجمع بين الشمس والقمر\" (^٨).\n\n<span id=\"aya-5561\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾ أي: إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة حينئذٍ يريد أن يفرَّ، ويقول أين المفر؟ أي: هل من ملجأ أو موئل؟\n\n<span id=\"aya-5562\"></span>\n\n<span id=\"aya-5563\"></span>قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ قال ابن مسعود، وابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: أي: لا نجاة (^٩)، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه إذ فيه متابعات.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) وهي قراءة متواترة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) ذكره الطبري تعليقًا، وهي قراءة شاذة تفسيرية.\n(^٩) أخرجه البخاري تعليقًا عن ابن عباس بلفظ: \"لا حصن\". وقد ذكر الحافظ ابن حجر ما أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"لا حرز\"، وذكر أيضًا ما أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس بلفظ: \"لا حصن ولا ملجأ\". (تغليق التعليق ٤/ ٣٥٤، =","vol":"7","page":433},{"text":"نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] أي: ليس لكم مكان تتنكرون فيه، وكذا قال ههنا: ﴿لَا وَزَرَ﴾ أي: ليس لكم مكان تعتصمون فيه، ولهذا قال: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ أي: المرجع والمصير.\n\n<span id=\"aya-5564\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ أي: يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وهكذا قال ههنا: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ أي: هو شهيد على نفسه عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر، وكما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء].\n\n<span id=\"aya-5565\"></span>وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ يقول: سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه (^١).\nوقال قتادة: شاهد على نفسه (^٢). وفي رواية قال: إذا شئت واللّه رأيته بصيرًا بعيوب الناس وذنوبهم غافلًا عن ذنوبه. وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبًا: يا ابن آدم تبصر القذاة في عين أخيك وتترك الجِذْل في عينك لا تبصره! (^٣).\n\n<span id=\"aya-5566\"></span>وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ ولو جادل عنها فهو بصير عليها (^٤).\nوقال قتادة: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه (^٥).\nوقال السدي: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ حجته (^٦). وكذا قال ابن زيد والحسن البصري وغيرهم واختاره ابن جرير (^٧).\nوقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ يقول: لو ألقى ثيابه (^٨).\nوقال الضحاك: ولو ألقى ستوره وأهل اليمن (^٩)، يسمون الستر: العذار. والصحيح قول مجاهد وأصحابه كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام] وكقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة].\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ هي الاعتذار ألم تسمع أنه قال: ﴿لَا يَنْفَعُ\n_________\n= ٣٥٥). وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال عن ابن مسعود بلفظ: \"لا حصن\"، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وعطية وأبي قلابة.\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن الضحاك.\n(^٧) الذي اختاره الطبري هو قول قتادة: \"لو اعتذر\".\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق خالد بن قيس عن قتادة به بلفظ: \"لو تجرَّد\". وفي سنده خالد بن قيس: صدوق يغرب (التقريب ص ١٩٠).\n(^٩) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن الضحاك.","vol":"7","page":434},{"text":"الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] وقال: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧] ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (^١) [الأنعام: ٢٣].\n\n<span id=\"aya-5567\"></span>\n\n<span id=\"aya-5568\"></span>\n\n<span id=\"aya-5569\"></span>\n\n<span id=\"aya-5570\"></span>﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾.\nهذا تعليم من الله ﷿ لرسوله ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله ﷿ إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له وتكفل اللَّه له أن يجمعه في صدره وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه عليه، وأن يُبينه له ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه. ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ أي: بالقرآن كما قال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: أن تقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله تعالى: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي: فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا.\nقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عن أبي عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعالج من التنزيل شدة فكان يحرك شفتيه قال: فقال لي ابن عباس: أنا أحرك شفتي كما كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه، وقال لي سعيد: وأنا أحرك شفتي كما رأيت ابن عباس يحرك شفتيه، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ أي: فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ فكان بعد ذلك إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه (^٢).\nوقد رواه البخاري ومسلم من غير وجه عن موسى بن أبي عائشة به. ولفظ البخاري: فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله ﷿ (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو يحيى التيمي، حَدَّثَنَا موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه عرف في تحريكه شفتيه يتلقى أوله ويحرك به شفتيه، خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ (^٤). وهكذا قال\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له ما تقدم عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٤٣) وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة] (ح ٤٩٢٩)؛ وصحيح مسلم، الصلاة، باب الاستماع للقراءة (ح ٤٤٨).\n(^٤) أصله في الصحيحين كما في سابقه.","vol":"7","page":435},{"text":"الشعبي والحسن البصري وقتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد: إن هذه الآية نزلت في ذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-5571\"></span>\n\n<span id=\"aya-5572\"></span>وقد روى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ قال: كان لا يفتر من القراءة مخافة أن ينساه فقال اللَّه تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أن نجمعه لك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ نقرئك فلا تنسى (^٢)، [وقال ابن عَبَّاسٍ وعطية العوفي: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ تبيين حلاله وحرامه وكذا قال قتادة] (^٣) (^٤) وقوله ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١)﴾ أي: إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة ومخالفة ما أنزله الله ﷿ على رسوله ﷺ من الوحي الحق والقرآن العظيم، أنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة.\n\n<span id=\"aya-5573\"></span>\n\n<span id=\"aya-5574\"></span>ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ من النضارة؛ أي: حسنة بهية مشرقة مسرورة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ أي: تراه عيانًا كما رواه البخاري رحمه اللَّه تعالى في صحيحه: \"إنكم سترون ربكم عيانًا\" (^٥). وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله ﷿ في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث لا يمكن دفعها ولا منعها، لحديث أبي سعيد وأبي هريرة وهما في الصحيحين أن ناسًا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: \"هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ \" قالوا: لا، قال: \"فإنكم ترون ربكم كذلك\" (^٦).\nوفي الصحيحين عن جرير قال: نظر رسول اللَّه ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: \"إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر! فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا\" (^٧).\nوفي الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: \"جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله ﷿ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن\" (^٨).\nوفي أفراد مسلم، عن صهيب، عن النَّبِيّ ﷺ قال: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول اللَّه تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم وهي الزيادة\". ثم تلا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن الشعبي لكنه مرسل؛ وأخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن مجاهد لكنه مرسل؛ وأخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن الحسن لكنه مرسل؛ وأخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن قتادة لكنه مرسل؛ وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضا، وتتقوى برواية الصحيحين السابقة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، وتتقوى بما سبق.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ومعناه صحيح ويتقوى برواية الطبري التي أخرجها بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة طه آية ١٣٠.\n(^٦) أخرجه البخاري (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة] (ح ٧٤٣٧)؛ وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ١٨٢).\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة طه آية ١٣٠.\n(^٨) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ٧٢.","vol":"7","page":436},{"text":"هذا الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (^١).\nوفي أفراد مسلم، عن جابر في حديثه: \"إن اللَّه يتجلى للمؤمنين يضحك\" يعني: في عرصات القيامة ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم ﷿ في العرصات وفي روضات الجنات (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا [عبد الملك بن أبجر] (^٣)، حَدَّثَنَا [ثوير] (^٤) بن أبي فاخته، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه اللَّه كل يوم مرتين\" (^٥) ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن شبابة، عن إسرائيل، عن ثوير قال: سمعت ابن عمر فذكره، قال: ورواه عبد الملك بن أبجر، عن ثوير، عن مجاهد، عن ابن عمر، وكذلك رواه الثوري، عن ثوير، عن مجاهد، عن ابن عمر ولم يرفعه (^٦)، ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن، ولكن ذكرنا ذلك مفرقًا في مواضع من هذا التفسير، وباللّه التوفيق.\nوهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأُمة كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام، ومن تأول ذلك بأن المراد بإلى مفرد الآلاء وهي: النعم كما قال الثوري، عن منصور، عن مجاهد ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ قال: تنتظر الثواب من ربها (^٧)، رواه ابن جرير من غير وجه عن مجاهد، وكذا قال أبو صالح أيضًا فقد أبعد هذا القائل النجعة وأبطل فيما ذهب إليه (^٨)، وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين]؟.\nقال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: ما حجب الكفار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه ﷿ ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما دلَّ عليه سياق الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾.\nقال ابن جرير: حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل البخاري، حَدَّثَنَا آدم، حَدَّثَنَا المبارك، عن الحسن ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ قال: حسنة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ قال: تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنضَر وهي تنظر إلى الخالق (^٩).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة طه آية ١٣٠.\n(^٢) أخرجه مسلم (الصحيح، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ح ١٩١).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"عبد الملك بن الحر\".\n(^٤) كذا في مسند أحمد وترجمته ثوير، وفي الأصل صحف إلى: \"يزيد\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده ضعيف. ثوير بن أبي فاختة ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن عدي وغيرهم (المسند ٨/ ٢٤٠ ح ٤٦٢٣).\n(^٦) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة القيامة (ح ٣٣٣٠).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد، وقد جانب مجاهد الصواب في هذه المسألة وخالف جمهور المفسرين.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح، (المصنف ٨/ ٢٧٥)، وهذا القول كسابقه.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه آدم بن أبي إياس عن المبارك بن فضالة به.","vol":"7","page":437},{"text":"<span id=\"aya-5575\"></span>\n\n<span id=\"aya-5576\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾ هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة، قال قتادة: كالحة (^١).\nوقال السدي: تغير ألوانها.\nوقال ابن زيد: ﴿بَاسِرَةٌ﴾ أي: عابسة (^٢).\n﴿تَظُنُّ﴾ أي: تستيقن ﴿أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ قال مجاهد: داهية (^٣).\nوقال قتادة: شر (^٤).\nوقال السدي: تستيقن أنها هالكة.\nوقال ابن زيد: تظن أن ستدخل النار. وهذا المقام (^٥)، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وكقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ [عبس] وكقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤)﴾ إلى قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾ [الغاشية] في أشباه ذلك من الآيات والسياقات.\n\n<span id=\"aya-5577\"></span>\n\n<span id=\"aya-5578\"></span>\n\n<span id=\"aya-5579\"></span>\n\n<span id=\"aya-5580\"></span>﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾.\nيخبر تعالى عن حالة الاحتضار وما عنده من الأهوال ثبتنا الله هنالك بالقول الثابت فقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ إن جعلنا \"كلا\" رادعة فمعناها: لست يا ابن آدم هناك تكذب بما أخبرت به بل صار ذلك عندك عيانًا، وإن جعلناها بمعنى حقًّا فظاهر؛ أي: حقًّا إذا بلغت التراقي؛ أي: انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك، والتراقي جمع ترقوة وهي: العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ [الواقعة] وهكذا قال ههنا: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ ويذكر ههنا حديث بشر بن حجاج الذي تقدم في سورة يس [٧٧]. والتراقي جمع ترقوة وهي قريبة من الحلقوم ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾؟.\nقال عكرمة، عن ابن عباس: أي من راقٍ يرقي (^٦)، وكذا قال أبو قلابة: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سماك عن عكرمة، وليس فيه ذكر ابن عباس ﵄.","vol":"7","page":438},{"text":"أي: مِن طبيب شاف (^١)، وكذا قال قتادة والضحاك وابن زيد (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا نصر بن علي، حَدَّثَنَا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، حَدَّثَنَا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾ قيل: من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؛ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة (^٣).\nوبهذا الإسناد عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ قال: التفت عليه الدنيا والآخرة (^٤)، وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ يقول آخر يوم من أيام الدنيا أول يوم من أيام الآخرة فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رَحِم الله (^٥).\nوقال عكرمة: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ الأمر العظيم بالأمر العظيم (^٦).\nوقال مجاهد: بلاء ببلاء (^٧).\nوقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾: هما ساقاك إذا التفتا (^٨)، وفي رواية عنه ماتت رجلاه فلم تحملاه وقد كان عليهما جوالًا، وكذا قال السدي، عن أبي مالك، وفي رواية عن الحسن: هو لفهما في الكفن (^٩).\nوقال الضحاك: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه (^١٠).\n\n<span id=\"aya-5581\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ أي: المرجع والمآب وذلك أن الروح ترفع إلى السموات، فيقول الله ﷿: ردُّوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، كما ورد في حديث البراء الطويل. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام].\n\n<span id=\"aya-5582\"></span>\n\n<span id=\"aya-5583\"></span>وقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبًا للحق بقلبه متوليًا عن العمل بقالبه، فلا خير فيه باطنًا ولا ظاهرًا، ولهذا قال تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق شبيب عن أبي قلابة. (المصنف ٥/ ٤٢٢)؛ وأخرجه الطبري من طريق شبيب به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي بسطام عن الضحاك؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن عمرو بن مالك به، وسنده حسن.\n(^٤) الأثر تتمة لسابقه كما في تفسير الطبري.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي عيسى بلفظ: \"الأمر بالأمر\".\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى، وهو القتات وهو ضعيف عن مجاهد. وقد أخرجه الطبري بسند صحيح عن مجاهد بلفظ ابن عباس المتقدم.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق بشير بن المهاجر عن الحسن.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق بشير بن المهاجر عن الحسن.\n(^١٠) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن الضحاك.","vol":"7","page":439},{"text":"﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾\n\n<span id=\"aya-5584\"></span>﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾ أي: جذلًا أشرًا بطرًا كسلان لا هِمَّة له ولا عمل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)﴾ [المطففين] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ أي: يرجع ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ [الانشقاق].\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾ أي: يختال (^١).\nوقال قتادة وزيد بن أسلم: يتبختر (^٢).\n\n<span id=\"aya-5585\"></span>\n\n<span id=\"aya-5586\"></span>قال الله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ وهذا تهديد ووعيد أكيد من اللَّه تعالى للكافر به المتبختر في مشيه؛ أي: يحق لك أن تمشي هكذا، وقد كفرت بخالقك وبارئك كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد، كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان] وكقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾ [المرسلات]، وكقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] وكقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] إلى غير ذلك.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان الواسطي، حَدَّثَنَا عبد الرحمن؛ يعني: ابن مهدي، عن إسرائيل، عن موسى بن أبي عائشة قال: سألت سعيد بن جبير قلت: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ قال: قاله النَّبِيّ ﷺ لأبي جهل، ثم نزل به القرآن (^٣).\nوقال أبو عبد الرحمن النسائي: حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبو النعمان، حَدَّثَنَا أبو عوانة (ح) وحدثنا أبو داود، حَدَّثَنَا محمد بن سليمان، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾؟ قال: قاله رسول الله ﷺ لأبي جهل ثم أنزله الله ﷿ (^٤).\nقال ابن أبي حاتم: وحدثنا أبي، حَدَّثَنَا هشام بن خالد، حَدَّثَنَا شعيب، عن إسحاق، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ وعيد على أثر وعيد كما تسمعون، وزعموا أن عدو الله أبا جهل أخذ نبي اللَّه ﷺ بمجامع ثيابه ثم قال: \" ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ \" فقال عدو اللَّه أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئًا وإني لأعزّ من مشى بين جبليها (^٥).\n\n<span id=\"aya-5587\"></span>\n\n<span id=\"aya-5588\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ قال السدي: يعني: لا يبعث (^٦).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس ويتقوى بالآثار التالية.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) سنده ضعيف لأنَّهُ مرسل لكنه يتقوى بالموصول عن ابن عباس كما يلي.\n(^٤) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، ح ١١٦٣٨) وأخرجه الحاكم من طريق أبي عوانة به. وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥١٠).\n(^٥) سنده ضعيف لإرسال قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن السدي بلفظ: \"الذي لا يُفترض عليه عمل، ولا يعمل\". وعبد الرحمن ضعيف.","vol":"7","page":440},{"text":"وقال مجاهد والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: لا يؤمر ولا ينهى (^١).\nوالظاهر أن الآية تعم الحالين؛ أي: ليس يترك في هذه الدنيا مهملًا لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث بل هو مأمور منهي في الدنيا محشور إلى اللَّه في الدار الآخرة، والمقصود هنا إثبات المعاد والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد، ولهذا قال تعالى مستدلًا على الإعادة بالبداءة فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ أي: أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين. يمنى: يراق من الأصلاب في الأرحام\n\n<span id=\"aya-5589\"></span>\n\n<span id=\"aya-5590\"></span>﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨)﴾ أي: فصار علقة ثم مضغة ثم شكل ونفخ فيه الروح فصار خلقًا سويًا سليم الأعضاء ذكرًا أو أنثى بإذن الله وتقديره. ولهذا قال تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾.\n\n<span id=\"aya-5591\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ أي: أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه وتناول القدرة للإعادة إما بطريق الأولى بالنسبة إلى البداءة وإما مساوية على القولين في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] والأول أشهر كما تقدم في سورة الروم (^٢) بيانه وتقريره، واللّه أعلم.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا الحسن بن محمد [بن] (^٣) الصباح، حَدَّثَنَا شبابة، عن شعبة، عن موسى بن أبي عائشة، عن آخر أنه كان فوق سطح يقرأ ويرفع صوته بالقرآن، فإذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ قال: سبحانك اللَّهم فبلى، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول ذلك (^٤).\nوقال أبو داود ﵀: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ قال: سبحانك فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول اللَّه ﷺ (^٥). تفرد به أبو داود ولم يسم هذا الصحابي ولا يضر ذلك.\nوقال أبو داود أيضًا: حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن محمد الزهري، حَدَّثَنَا سفيان، حدثني إسماعيل بن أُمية، سمعت أعرابيًا يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ منكم بالتين والزيتون فانتهى إلى آخرها ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين] فليقل بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ فانتهى إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ فليقل بلى، ومن قرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ [المرسلات: ١] فبلغ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] فليقل: آمنا باللّه\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) آية ٢٧.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٤) سنده حسن، ويتقوى بما يليه.\n(^٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الصلاة، باب الدعاء في الصلاة ح ٨٨٤)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٧٨٦).\n(^٦) المصدر السابق، باب مقدار الركوع والسجود (ح ٨٨٧)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ١٨٨).","vol":"7","page":441},{"text":"ورواه أحمد، عن سفيان بن عيينة ورواه الترمذي، عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة به، وقد رواه شعبة، عن إسماعيل بن أُمية قال: قلت له من حدثك؟ قال: رجل صدق عن أبي هريرة (^١).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا بشر، حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأها قال: \"سبحانك وبلى\" (^٢).\nثم قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان الواسطي، حَدَّثَنَا أبو أحمد الزبيري، حَدَّثَنَا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه مرَّ بهذه الآية: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾؟ قال: سبحانك فبلى (^٣).\nآخر تفسير سورة القيامة، ولله الحمد والمنّة.\n_________\n(^١) المسند (١٢/ ٣٥٢ ح ٧٣٩٠) وضعفه محققوه لجهالة الراوي عن أبي هريرة؛ وأخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة والتين ح ٣٣٤٧)؛ وأخرجه الحاكم من طريق يزيد بن عياض عن إسماعيل بن أُمية عن أبي اليسع عن أبي هريرة وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥١٠)، ولكن يزيد بن عياض كذبه مالك وغيره. (التقريب ص ٦٠٤).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسند رجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٣) رجاله ثقات وسنده صحيح.","vol":"7","page":442},{"text":"<span data-type='title' id=toc-199>سُوْرَةُ الْإِنْسَانِ</span>\nوهي مكية\nقد تقدم في صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (^١).\nوقال عبد اللَّه بن وهب: أخبرنا ابن زيد أن رسول الله ﷺ قرأ هذه السورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود فلما، بلغ صفة الجنان زفر فخرجت نفسه فقال رسول الله ﷺ: \"أخرج نفس صاحبكم أو قال: أخيكم الشوق إلى الجنة\" (^٢). مرسل غريب.\n\n<span id=\"aya-5592\"></span>\n\n<span id=\"aya-5593\"></span>﷽\n﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئًا يذكر لحقارته وضعفه فقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ ثم بين ذلك فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ أي: أخلاط. والمشج والمشيج: الشيء المختلط بعضه في بعض.\nقال ابن عَبَّاسٍ: في قوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعدُ من طور إلى طور وحال إلى حال ولون إلى لون (^٣)، وهكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن والربيع بن أنس الأمشاج هو: اختلاط ماء الرجل بماء المرأة (^٤).\nوقوله: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ أي: نختبره كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].\n﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي: جعلنا له سمعًا وبصرًا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية.\n_________\n(^١) تقدم في تفسير سورة السجدة.\n(^٢) سنده ضعيف لأنَّهُ مرسل، وسيأتي وصله والمزيد من التخريج في تفسير آية ٢٠ من هذه السورة الكريمة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"مختلفة الألوان\".\n(^٤) وأخرجه آدم بن أبي إياس بسند حسن من طريق سعيد بن مسروق عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري وآدم بسند حسن من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس.","vol":"7","page":443},{"text":"<span id=\"aya-5594\"></span>وقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ أي: بيناه له ووضحناه وبصرناه به كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وكقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد] أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر، وهذا قول عكرمة وعطية وابن زيد ومجاهد في المشهور عنه والجمهور (^١).\nوروي عن مجاهد وأبي صالح والضحاك والسدي أنهم قالوا في قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ يعني: خروجه من الرحم. وهذا قول غريب والصحيح المشهور الأول.\nوقوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ منصوب على الحال من الهاء في قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ تقديره فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها\" (^٢).\nوقد تقدم في سورة الروم عند قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [٣٠] من رواية جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة حتَّى يعرب عنه لسانه إما شاكرًا وإِمَّا كفورًا\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو عامر، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن جعفر، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال \"ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان راية بيد ملك وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب الله اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتَّى يرجع إلى بيته وإن خرج لما يسخط الله اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان حتَّى يرجع إلى بيته\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن ابن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله أن النَّبِيّ ﷺ قال لكعب بن عجرة: \"أعاذك الله من إمارة السفهاء. قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون علي حوضي ومن لم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي، يا كعب بن عجرة الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان، أو قال: برهان، يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها\" (^٥). ورواه عن عفان، عن وهيب، عن عبد اللَّه بن خثيم به (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"الشقاوة والسعادة\". ونسبه السيوطي إلى ابن المنذر عن عطية العوفي.\n(^٢) أخرجه مسلم بلفظه وأطول (الصحيح، الطهارة، باب فضل الوضوء ح ٢٢٣).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الروم آية ٣٠.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند ١٤/ ٤٢ ح ٨٢٨٦).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده قوي. (المسند ٢٢/ ٣٣٢ ح ١٤٤٤١).\n(^٦) (المسند ح ١٥٢٨٤) وحكمه كسابقه.","vol":"7","page":444},{"text":"<span id=\"aya-5595\"></span>\n\n<span id=\"aya-5596\"></span>\n\n<span id=\"aya-5597\"></span>﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾.\nيخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه من السلاسل والأغلال والسعير؛ وهو: اللهيب والحريق في نار جهنم كما قال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ [غافر]. ولما ذكر ما أعدَّه لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥)﴾ وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة.\nقال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل. ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ أي: هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد اللَّه صرفًا بلا مزج ويروون بها، ولهذا ضمن يشرب معنى يروى حتَّى عدَّاه بالباء ونصب عينًا على التَّمييز.\nقال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور.\nوقال بعضهم: هو من عين كافور.\nوقال بعضهم: يجوز أن يكون منصوبًا بـ (يشرب) حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير (^١).\nوقوله تعالى: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ أي: يتصرفون فيها حيث شاؤوا وأين شاؤوا من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم والتفجير هو الإنباع كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ [الإسراء] وقال: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] قال مجاهد: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ يقودونها حيث شاءوا (^٢)، وكذا قال عكرمة وقتادة (^٣).\nوقال الثوري: يصرفونها حيث شاءوا (^٤).\n\n<span id=\"aya-5598\"></span>وقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر.\nقال الإمام مالك: عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن مالك، عن عائشة ﵂ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: \"من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه\" (^٥). رواه البخاري من حديث مالك (^٦). ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شره مستطير؛ أي: منتشر عام على الناس إلا من رحم اللَّه.\n_________\n(^١) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق مهران عن سفيان.\n(^٥) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، النذور والأيمان، باب ما لا يجوز من النذور في معصية اللَّه ح ٨).\n(^٦) صحيح البخاري، الأيمان والنذر، باب النذر في الطاعة (ح ٦٦٩٦).","vol":"7","page":445},{"text":"قال ابن عَبَّاسٍ: فاشيًا.\nوقال قتادة: استطار واللّه شر ذلك اليوم حتَّى ملأ السماوات والأرض (^١).\nقال ابن جرير: ومنه قولهم: استطار الصدع في الزجاجة واستطال، ومنه قول الأعشى:\nفبانت وقد أسأرت في الفؤاد … صدعًا على نأيها مستطيرا (^٢)\nيعني: ممتدًا فاشيًا.\n\n<span id=\"aya-5599\"></span>\n\n<span id=\"aya-5600\"></span>وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قيل: على حب اللَّه تعالى وجعلوا الضمير عائدًا إلى الله ﷿ لدلالة السياق عليه، والأظهر أن الضمير عائد على الطعام؛ أي: ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له. قاله مجاهد ومقاتل (^٣) واختاره ابن جرير، كقوله تعالى ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وكقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].\nوروى البيهقي من طريق الأعمش، عن نافع قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنبًا أول ما جاء العنب، فأرسلت صفية؛ يعني: امرأته فاشترت عنقودًا بدرهم فاتبع الرسول سائل، فلما دخل به قال: السائل السائل فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه إياه، فأرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودًا، فاتبع الرسول السائل فلما دخل قال: السائل السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه إياه، فأرسلت صفية إلى السائل فقالت: واللّه إن عدت لا تصيب منه خيرًا أبدًا، ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به (^٤).\nوفي الصحيح: أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر (^٥)؛ أي: في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾.\nأما المسكين واليتيم، فقد تقدم بيانهما وصفتهما وأما الأسير فقال سعيد بن جبير والحسن والضحاك: الأسير من أهل القبلة (^٦).\nوقال ابن عَبَّاسٍ: كان أسراؤهم يومئذٍ مشركين (^٧)، ويشهد لهذا أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء.\nوقال عكرمة: هم العبيد (^٨). واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك وهكذا قال سعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) ذكره الطبري بلفظه وأطول.\n(^٣) أخرجه هناد وبسند صحيح من طريق ليث عن مجاهد (الزهد رقم ٦٣٣) وليث هو ابن أبي سليم فيه مقال ولكنه توبع فقد أخرجه الطبري من طريق منصور عن مجاهد، فيكون سنده حسنًا لغيره.\n(^٤) أخرجه البيهقي من طريق الأعمش به (السنن الكبرى ٤/ ١٨٥) وسنده صحيح.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٧.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير. (المصنف ٣/ ٦٨) ولكن ما ورد عن الحسن أنه من أهل الشرك فقد أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق عثمان البتي عن الحسن. (المصنف ٣/ ٦٨) ونحوه في تفسير الطبري.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسند ضعيف جدًا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.\n(^٨) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.","vol":"7","page":446},{"text":"وقد وصى رسول الله ﷺ بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حديث حتَّى أنه كان آخر ما أوصى أن جعل يقول الصلاة وما ملكت أيمانكم (^١).\nقال مجاهد: هو المحبوس (^٢)؛ أي: يطعمون الطعام لهؤلاء وهم يشتهونه ويحبونه قائلين بلسان الحال ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ أي: رجاء ثواب اللَّه ورضاه ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ أي: لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها ولا أن تشكرونا عند الناس.\nقال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم ولكن علم اللَّه به من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب (^٣).\n\n<span id=\"aya-5601\"></span>﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾ أي: إنما نفعل هذا لعل اللَّه أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه في اليوم العبوس القمطرير.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿عَبُوسًا﴾ ضيقًا ﴿قَمْطَريرًا﴾ طويلًا (^٤).\nوقال عكرمة وغيره عنه في قوله: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قال: يعبس الكافر يومئذٍ حتَّى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران (^٥).\nوقال مجاهد: ﴿عَبُوسًا﴾ العابس الشفتين ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ قال: يقبض الوجه بالبسور (^٦).\nوقال سعيد بن جبير وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ تقليص الجبين وما بين العينين من الهول (^٧).\nوقال ابن زيد العبوس: الشر، والقمطرير: الشديد (^٨)، وأوضح العبارات وأجلاها وأحلاها وأعلاها وأولاها قول ابن عباس ﵄.\nقال ابن جرير: والقمطرير هو: الشديد يقال: هو يوم قمطرير، ويوم قماطر، ويوم عصيب وعصبصب وقد اقمطر اليوم يقمطر اقمطرارًا، وذلك أشد الأيام وأطولها في البلاء والشدة ومنه قول بعضهم:\nبني عمنا هل تذكرون بلاءنا … عليكم إذا ما كان يوم قُماطر (^٩)\n\n<span id=\"aya-5602\"></span>قال اللَّه تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ وهذا من باب التجانس البليغ\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من حديث علي ﵁، وحسن سنده محققوه. (المسند ٢/ ٢٤ ح ٥٨٥).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سالم، وهو الأفطس، عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سالم، وهو الأفطس، عن سعيد بن جبير.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق مصعب بن سلام التميمي عن سعد عن عكرمة عن ابن عباس، ومصعب له أوهام وهو يروي أبي سعد البقال وكان كثير الغلط (تهذيب التهذيب ١٠/ ١٦١) وأخشى أنه وهم باسم شيخه فإن كان أبا سعد البقال فالسند ضعيف.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٩) ذكره الطبري بلفظه.","vol":"7","page":447},{"text":"﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ أي: آمنهم مما خافوا منه ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾ أي: في وجوههم ﴿وَسُرُورًا﴾ أي: في قلوبهم. قاله الحسن البصري وقتادة وأبو العالية والربيع بن أنس (^١). وهذه كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ [عبس]، وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه قال كعب بن مالك في حديثه الطويل: وكان رسول اللَّه ﷺ إذا سر استنار وجهه حتَّى كأنه فلقة قمر (^٢).\nوقالت عائشة: \"دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ مسرورًا تبرق أسارير وجهه\" الحديث (^٣).\n\n<span id=\"aya-5603\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بسبب صبرهم أعطاهم ونولهم وبوأهم ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ أي: منزلًا رحبًا وعيشًا رغدًا ولباسًا حسنًا. وروى الحافظ بن عساكر في ترجمة هشام بن سليمان الداراني قال: قرئ علي أبي سليمان الداراني سورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ فلما بلغ القارئ إلى قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ قال: بما صبروا على ترك الشهوات في الدنيا، ثم أنشد يقول:\nكم قتيل لشهوة وأسير … أف من مشتهي خلاف الجميل\nشهوات الإنسان تورثه الذل … وتلقيه في البلاء الطويل (^٤)\n\n<span id=\"aya-5604\"></span>﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾.\nيخبر تعالى عن أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم وما أسبغ عليهم من الفضل العميم فقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الصافات، وذكر الخلاف في الاتكاء هل هو الاضطجاع أو التمرفق أو التربع أو التمكن في الجلوس؟ وأن الأرائك هي السرر تحت الحجال.\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ أي: ليس عندهم حر مزعج ولا برد مؤلم بل هي مزاج واحد دائم سرمدي ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨].\n\n<span id=\"aya-5605\"></span>﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ أي: قريبة إليهم أغصانها ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ أي: متى تعاطاه دنا القطف إليه وتدلى من أعلى غصنه كأنه سامع طائع كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وقال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ [الحاقة].\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس بسند حسن من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ١١٨.\n(^٣) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، المناقب، باب صفة النَّبِيّ ﷺ ح ٣٥٥٦)؛ وصحيح مسلم، الرضاع، باب العمل بإلحاف القائف الولد (ح ١٤٥٩).\n(^٤) ينظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ٢٧/ ٨٦.","vol":"7","page":448},{"text":"قال مجاهد: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ إن قام ارتفعت معه بقدر، وإن قعد تذللت له حتَّى ينالها، وإن اضطجع تذللت له حتَّى ينالها فذلك قوله تعالى: ﴿تَذْلِيلًا﴾ (^١).\nوقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد (^٢).\nوقال مجاهد: أرض الجنة من ورق وترابها المسك وأصول شجرها من ذهب وفضة وأفنانها من اللؤلؤ الرطب والزبرجد والياقوت والورق والثمر بين ذلك، فمن أكل منها قائمًا لم تؤذه، ومن أكل منها قاعدًا لم تؤذه، ومن أكل منها مضطجعًا لم تؤذه (^٣).\n\n<span id=\"aya-5606\"></span>\n\n<span id=\"aya-5607\"></span>وقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾ أي: يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام وهي من فضة وأكواب الشراب، وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم.\nوقوله: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فالأول: منصوب بخبر \"كان\" أي: كانت قوارير.\nوالثاني: منصوب إما على البدلية أو تمييز لأنَّهُ بيَّنه بقوله: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾.\nقال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد والحسن البصري وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج (^٤). والقوارير لا تكون إلا من زجاج، فهذه الأكواب هي من فضة وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا.\nقال ابن المبارك: عن إسماعيل، عن رجل، عن ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة (^٥). رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله تعالى: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ أي: على قدر ريهم لا تزيد عنه ولا تنقص بل هي مُعدَّة لذلك، مقدرة بحسب ريِّ صاحبها هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح وقتادة وابن أبزى وعبد اللَّه بن عمير والشعبي وابن زيد (^٦)، وقاله ابن جرير وغير واحد، وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ قدرت للكفّ (^٧)، وهكذا قال الربيع بن أنس.\nوقال الضحاك: على قدر كف الخادم. وهذا لا ينافي القول الأول فإنها مقدرة في القدر والري.\n\n<span id=\"aya-5608\"></span>\n\n<span id=\"aya-5609\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧)﴾ أي: ويسقون يعني الأبرار أيضًا في هذه الأكواب ﴿كَأْسًا﴾ أي: خمرًا ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور وهو: بارد، وتارة\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (المصنف ٨/ ٦٧) وله شواهد في الصحيح وغيره.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^٥) سنده ضعيف لأبهام الراوي عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد. (المصنف ٨/ ٢٨٧)، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.","vol":"7","page":449},{"text":"بالزنجبيل وهو: حار ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة، وأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صرفًا كما قاله قتادة وغير واحد (^١)، وقد تقدم قوله جلَّ وعلا: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ وقال هاهنا ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ أي: الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلًا.\nقال عكرمة: اسم عين في الجنة (^٢).\nوقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة سيلها وحدة جريها (^٣).\nوقال قتادة: عينًا فيها تسمى سلسبيلًا عين سلسة مستقيد ماؤها (^٤).\nوحكى ابن جرير، عن بعضهم أنها سميت بذلك لسلاستها في الحلق (^٥)، واختار هو أنها تعم ذلك كله، وهو كما قال.\n\n<span id=\"aya-5610\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ أي: يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان الجنة ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي: على حالة واحدة مخلدون عليها لا يتغيرون عنها لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، ومن فسرهم بأنهم مخرصون في آذانهم الأقرطة فإنما عبر عن المعنى بذلك لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير. وقوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم حسبتهم لؤلؤًا منثورًا، ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن.\nقال قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد اللَّه بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم كل خادم على عمل ما عليه صاحبه (^٦).\n\n<span id=\"aya-5611\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ﴾ أي: وإذا رأيت يا محمد ﴿ثَمَّ﴾ أي: هناك يعني في الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها وما فيها من الحبرة والسرور ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ أي: مملكة لله هناك عظيمة وسلطانًا باهرًا، وثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولًا إليها: إن لك مثلَ الدنيا وعشرة أمثالها (^٧)، وقد قدمنا في الحديث المروي من طريق ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه\" (^٨) فإذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة فما ظنك بما هو أعلى منزلة وأحظى عنده تعالى.\nوقد روى الطبراني ههنا حديثًا غريبًا جدًا فقال: حَدَّثَنَا علي بن عبد العزيز، حَدَّثَنَا محمد بن عمار\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: \"تُمزج بالزنجبيل\". وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"يشربها المقربون صِرفًا، وتمزج لسائر أهل الجنة\".\n(^٢) معناه صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) ذكره الطبري ونسبه إلى بعض نحويي الكوفة، ومنهم الفراء فقد ذكره في معاني القرآن ٣/ ٢١٧.\n(^٦) أخرجه هناد من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به. (الزهد رقم ١٧٤) وسنده صحيح.\n(^٧) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ (الصحيح، الإيمان، باب آخر أهل النار خروجًا ح ١٨٦).\n(^٨) تقدم تخريجه في تفسير سورة القيامة آية ٢٣.","vol":"7","page":450},{"text":"الموصلي، حَدَّثَنَا عقبة بن سالم، عن أيوب بن عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول اللّه ﷺ: \"سل واستفهم\" فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة، أفرأيت إن آمنتُ بما آمنتَ به وعملتُ بما عملتَ به إني لكائن معك في الجنة؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام ثم قال رسول الله ﷺ: \"من قال: لا إله إلا اللَّه كان له بها عهد عند اللَّه، ومن قال: سبحان اللَّه وبحمده كتب له مِائَة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة، فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول اللَّه؟ \" فقال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة أو نعم اللَّه، فتكاد تستنفد ذلك كله إلا أن يتغمده اللَّه برحمته، ونزلت هذه السورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ قال: نعم فاستبكى حتَّى فاضت نفسه\". قال ابن عمر: ولقد رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حفرته بيده (^١).\n\n<span id=\"aya-5612\"></span>وقوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير ومنه سندس وهو: رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم والإستبرق منه ما فيه بريق ولمعان وهو مما يلي الظاهر كما هو المعهود في اللباس.\n﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهذه صفة الأبرار وأما المقربون فكما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣].\nولما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي قال بعده: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي: طهر بواطنهم من الحسد والحقد والغلّ والأذى وسائر الأخلاق الرديئة، كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وجدوا هناك عينين فكأنما أُلهموا ذلك فشربوا من إحداهما فأذهب اللَّه ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم، فأخبر ﷾ بحالهم الظاهر وجمالهم الباطن.\n\n<span id=\"aya-5613\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ أي: يقال لهم ذلك تكريمًا لهم وإحسانًا إليهم كما قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة] وكقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].\nوقوله: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ أي: جزاكم اللَّه تعالى على القليل بالكثير.\n\n<span id=\"aya-5614\"></span>\n\n<span id=\"aya-5615\"></span>﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾.\nيقول تعالى ممتنًا على رسوله ﷺ بما أنزله عليه من القرآن العظيم تنزيلًا: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٢/ ٤٣٦ ح ١٣٥٩٥) وسنده ضعيف لضعف أيوب بن عتبة. (مجمع الزوائد ١٠/ ٤٣٣ والتقريب ص ١١٨).","vol":"7","page":451},{"text":"أي: كما أكرمتك بما أنزلت عليك فاصبر على قضائه وقدره واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك بل بلغ ما أنزل إليك من ربك وتوكل على اللَّه، فإن اللَّه يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر قلبه\n\n<span id=\"aya-5616\"></span>﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥)﴾ أي: أول النهار وآخره\n\n<span id=\"aya-5617\"></span>﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء] وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل].\n\n<span id=\"aya-5618\"></span>ثم قال تعالى منكرًا على الكفار ومن أشبههم في حبِّ الدنيا والإقبال عليها والانصباب إليها وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ يعني: يوم القيامة\n\n<span id=\"aya-5619\"></span>ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد وغير واحد يعني: خلقهم (^١). ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي: وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة وبدلناهم فأعدناهم خلقًا جديدًا، وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة.\nوقال ابن زيد وابن جرير: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي: وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم (^٢). كقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء] وكقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم].\n\n<span id=\"aya-5620\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يعني هذه السورة تذكرة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ومسلكًا؛ أي: من شاء اهتدى بالقرآن كقوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [النساء: ٣٩].\n\n<span id=\"aya-5621\"></span>ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: لا يقدر أحد أن يهدي نفسه ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعًا ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ويقيض له أسبابها ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾\n\n<span id=\"aya-5622\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ أي: يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن يهده فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له.\nآخر تفسير سورة الإنسان، [واللّه أعلم] (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ويتقوى بما يليه: فقد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه، وأخرجه بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه.\n(^٣) زيادة من (حم).","vol":"7","page":452},{"text":"<span data-type='title' id=toc-200>سورة المُرسَلَاتِ</span>\nوهي مكية\nقال البخاري: حَدَّثَنَا عمر بن حفص بن غياث، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا الأعمش، حدثني إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله هو ابن مسعود ﵁ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غار بمنى إذ نزل عليه ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فإنه ليتولها وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حيَّة فقال النَّبِيّ ﷺ: \"اقتلوها\" فابتدرناها فذهبت فقال النَّبِيّ ﷺ: \"وقيتْ شرَّكم كما وُقيتم شرَّها\" (^١). وأخرجه مسلم أيضًا من طريق الأعمش (^٢).\nوقال الإمام أحمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس، عن أُمه أنها سمعت النَّبِيّ ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفًا (^٣). وفي رواية مالك، عن الزهري، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس أن أُم الفضل سمعته يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ فقالت: يا بني أذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب (^٤). أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك به (^٥).\n\n<span id=\"aya-5623\"></span>\n\n<span id=\"aya-5624\"></span>\n\n<span id=\"aya-5625\"></span>﷽\n﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، ثنا زكريا بن سهل المروزي، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، أنا الحسين بن واقد، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ قال: الملائكة (^٦). وروي عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد في إحدى الروايات والسدي والربيع بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب ح ١٨٣٠).\n(^٢) صحيح مسلم، السلام، باب قتل الحيات (ح ٢٢٣٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٣٨) وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الصلاة، باب القراءة في المغرب والعشاء ح ٢٤). وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، الأذان، باب القراءة في المغرب (ح ٧٦٣)؛ وصحيح مسلم، الصلاة، باب القراءة في الصبح (ح ٤٦٢).\n(^٦) أخرجه الحاكم من طريق علي بن الحسن بن شفيق به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥١١).","vol":"7","page":453},{"text":"أنس مثل ذلك (^١)، وروي عن أبي صالح أنه قال: هي الرسل (^٢)، وفي رواية عنه: إنها الملائكة، وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات: إنها الملائكة.\nوقال الثوري: عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين قال: سألت ابن مسعود عن ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ قال: الريح (^٣)، وكذا قال في ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ إنها الريح، وكذا قال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد وقتادة وأبو صالح في رواية عنه (^٤).\nوتوقف ابن جرير في ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ هل هي الملائكة إذا أرسلت بالعرف أو كعرف الفرس يتبع بعضهم بعضًا أو هي الرياح إذا هبت شيئًا فشيئًا؟ وقطع بأن العاصفات عصفًا: الرياح كما قاله ابن مسعود ومن تابعه، وممن قال ذلك في ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢)﴾ أيضًا علي بن أبي طالب والسدي (^٥)، وتوقف في ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ هل هي الملائكة أو الريح كما تقدم.\nوعن أبي صالح أن ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ هي: المطر (^٦)، والأظهر أن ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ هي الرياح كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] وهكذا العاصفات هي الرياح يقال: عصفت الرياح إذا هبَّت بتصويت، وكذا الناشرات هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الرب ﷿.\n\n<span id=\"aya-5626\"></span>\n\n<span id=\"aya-5627\"></span>\n\n<span id=\"aya-5628\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ يعني: الملائكة. قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري (^٧)، ولا خلاف ههنا فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق والباطل، والهدي والغي، والحلال والحرام، وتلقي إلى الرسل وحيًا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار لهم عقاب اللَّه إن خالفوا أمره.\n\n<span id=\"aya-5629\"></span>وقوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام؛ أي: ما وعدتم به من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبعث الأجساد وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر إن هذا كله لواقع؛ أي: لكائن لا محالة.\n\n<span id=\"aya-5630\"></span>ثم قال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾ أي: ذهب ضوءها كقوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ [التكوير] وكقوله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ [الانفطار].\n\n<span id=\"aya-5631\"></span>﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)﴾ أي: انفطرت وانشقت وتدلَّت أرجاؤها ووهت أطرافها\n\n<span id=\"aya-5632\"></span>﴿وَإِذَا الْجِبَالُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مسلم، وهو ابن صُبيح، عن مسروق.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسماعيل، وهو السدي الكبير، عن أبي صالح.\n(^٣) سنده صحيح وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري من طريق المسعودي عن سلمة بن كهيل به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بما يليه: فقد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسماعيل، وهو السدي الكبير، عن أبي صالح.\n(^٥) أخرجه الطبري والحاكم من طريق خالد بن عرعرة عن علي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥١١)، وقول السدي تقدم ضمن الرواية السابقة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق إسماعيل عن أبي صالح.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسماعيل، وهو السدي الكبير، عن أبي صالح.","vol":"7","page":454},{"text":"نُسِفَتْ (١٠)﴾ أي: ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر كقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾ الآية [طه] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف].\n\n<span id=\"aya-5633\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾ قال العوفي عن ابن عباس: جمعت (^١).\nوقال ابن زيد: وهذه كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] (^٢).\nوقال مجاهد: ﴿أُقِّتَتْ﴾ أجلت (^٣).\nوقال الثوري: عن منصور، عن إبراهيم: ﴿أُقِّتَتْ﴾ أوعدت (^٤)، وكأنه يجعلها كقوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾ [الزمر].\n\n<span id=\"aya-5634\"></span>\n\n<span id=\"aya-5635\"></span>\n\n<span id=\"aya-5636\"></span>\n\n<span id=\"aya-5637\"></span>ثم قال تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ يقول تعالى لأي يوم أجلت الرسل وأرجئ أمرها؟ حتَّى تقوم الساعة. كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم] وهو يوم الفصل كما قال تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾.\nثم قال تعالى معظمًا لشأنه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ أي: ويل لهم من عذاب الله غدًا، وقد قدمنا في الحديث أن ويل وادٍ في جهنم، ولا يصح.\n\n<span id=\"aya-5638\"></span>\n\n<span id=\"aya-5639\"></span>\n\n<span id=\"aya-5640\"></span>\n\n<span id=\"aya-5641\"></span>﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾؟ يعني: من المكذبين للرسل المخالفين لما جاءوهم به ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)﴾ أي: ممن أشبههم ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾ قاله ابن جرير (^٥).\n\n<span id=\"aya-5642\"></span>ثم قال تعالى ممتنًا على خلقه ومحتجًا على الإعادة بالبداءة: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾ أي: ضعيف حقير بالنسبة إلى قدرة الباري ﷿ كما تقدم في سورة يس في حديث بشر بن جحاش بن آدم: أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه (^٦)؟\n\n<span id=\"aya-5643\"></span>﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)﴾ يعني:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) سنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق سفيان به.\n(^٥) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة يس آية ٧٧.","vol":"7","page":455},{"text":"جمعناه في الرحم، وهو قرار الماء من الرجل والمرأة، والرحم مُعدّ لذلك حافظ لما أودع فيه من الماء.\n\n<span id=\"aya-5644\"></span>\n\n<span id=\"aya-5645\"></span>\n\n<span id=\"aya-5646\"></span>وقوله: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾ يعني: إلى مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)﴾.\n\n<span id=\"aya-5647\"></span>\n\n<span id=\"aya-5648\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ قال ابن عَبَّاسٍ: ﴿كِفَاتًا﴾ كنًّا (^١).\nوقال مجاهد: يكفت الميت فلا يرى منه شيء (^٢).\nوقال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم (^٣)، وكذا قال مجاهد وقتادة (^٤).\n\n<span id=\"aya-5649\"></span>﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ يعني: الجبال أرسى بها الأرض لئلا تميد وتضطرب ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ أي: عذبًا زلالًا من السحاب أو مما أنبعه من عيون الأرض.\n\n<span id=\"aya-5650\"></span>﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾ أي: ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها. ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره.\n\n<span id=\"aya-5651\"></span>\n\n<span id=\"aya-5652\"></span>﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار المكذبين بالمعاد والجزاء والجنة والنار، أنهم يقال لهم يوم القيامة: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠)﴾ يعني: لهب النار إذا ارتفع وصعد معه دخان، فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب\n\n<span id=\"aya-5653\"></span>﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾ أي: ظل الدخان المقابل للهب لا ظليل هو في نفسه ولا يغني من اللهب، يعني: ولا يقيهم حر اللهب.\n\n<span id=\"aya-5654\"></span>\n\n<span id=\"aya-5655\"></span>\n\n<span id=\"aya-5656\"></span>وقوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾ أي: يتطاير الشرر من لهبها كالقصر، قال ابن مسعود: كالحصون (^٥).\nوقال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد وقتادة ومالك، عن زيد بن أسلم وغيرهم يعني: أصول الشجر (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق بيان عن الشعبي.\n(^٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبراني بسند ضعيف عن ابن مسعود في سنده خديج بن معاوية وهو ضعيف (ينظر: مجمع الزوائد ٧/ ١٣٢).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن عابس عن ابن عباس بنحوه؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"7","page":456},{"text":"﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ أي: كالإبل السود. قاله مجاهد والحسن وقتادة والضحاك واختاره ابن جرير (^١).\nوعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ يعني: حبال السفن (^٢)، وعنه أعني ابن عباس ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ قطع نحاس (^٣).\nوقال البخاري: حَدَّثَنَا عمرو بن علي، حَدَّثَنَا يحيى، أخبرنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، قال سمعت ابن عباس: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾ قال: كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك، فنرفعه للبناء فنسميه القصر ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ حبال السفن تجمع حتَّى تكون كأوساط الرجال (^٤). ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾.\n\n<span id=\"aya-5657\"></span>\n\n<span id=\"aya-5658\"></span>\n\n<span id=\"aya-5659\"></span>ثم قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ أي: لا يتكلمون ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ أي: لا يقدرون على الكلام ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا بل قد قامت عليهم الحجة ووقع القول عليهم بما ظلموا، فهم لا ينطقون وعرصات القيامة حالات، والربُّ تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة وعن هذه الحال تارة ليدل على شدة الأهوال والزلازل يومئذٍ، ولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)﴾.\n\n<span id=\"aya-5660\"></span>\n\n<span id=\"aya-5661\"></span>\n\n<span id=\"aya-5662\"></span>وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ وهذه مخاطبة من الخالق تعالى لعباده يقول لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ يعني: أنه جمعهم بقدرته في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر.\nوقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد؛ أي: إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي وتنجوا من حكمي فافعلوا فإنكم لا تقدرون على ذلك كما قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن] وقد قال تعالى ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ [هود: ٥٧].\nوفي الحديث: \"يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني\" (^٥).\nوقد قال ابن أبي حاتم: ثنا علي بن المنذر الطريقي الأودي، ثنا محمد بن فضيل، ثنا حصين بن عبد الرحمن، عن حسان بن أبي المخارق، عن أبي عبد اللَّه الجدلي قال: أتيت بيت المقدس فإذا عبادة بن الصامت وعبد اللَّه بن عمرو وكعب الأحبار يتحدثون في بيت المقدس، فقال عبادة: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ينفذهم ويسمعهم الداعي ويقول اللَّه: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ اليوم لا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند عن الحسن؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري من طريق خصيف عن مجاهد، وخصيف سيء الحفظ.\n(^٢) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب \"كأنه جمالات صفر\" ح ٤٩٣٣).\n(^٥) أخرجه مسلم من حديث أبي ذرٍّ ﵁ مطولًا (الصحيح، البر والصلة، باب تحريم الظلم ح ٢٥٧٧).","vol":"7","page":457},{"text":"ينجو مني جبار عنيد ولا شيطان مريد. فقال عبد اللَّه بن عمرو: فإنا نحدث يومئذٍ أنها تخرج عنق من النار فتنطلق حتَّى إذا كانت بين ظهراني الناس نادت: أيها الناس إني بعثت إلى ثلاثة أنا أعرَفُ بهم من الأب بولده، ومن الأخ بأخيه، لا يغيبهم عني وزر، ولا تخفيهم عني خافية الذي جعل مع الله إلهًا آخر، وكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد، فتنطوي عليهم فتقذف بهم في النار قبل الحساب بأربعين سنة (^١).\n\n<span id=\"aya-5663\"></span>﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عباده المتقين الذين عبدوه بأداء الواجبات وترك المحرمات: إنهم يوم القيامة يكونون في جنان وعيون؛ أي: بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من ظل اليحموم، وهو الدخان الأسود المنتن.\n\n<span id=\"aya-5664\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: ومن سائر أنواع الثمار مهما طلبوا وجدوا\n\n<span id=\"aya-5665\"></span>\n\n<span id=\"aya-5666\"></span>\n\n<span id=\"aya-5667\"></span>﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم ثم قال تعالى مخبرًا خبرًا مستأنفًا: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤)﴾ أي: هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)﴾\n\n<span id=\"aya-5668\"></span>\n\n<span id=\"aya-5669\"></span>وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾ خطاب للمكذبين بيوم الدين وأمرهم أمر تهديد ووعيد فقال تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ أي: مدة قليلة قريبة قصيرة ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ أي: ثم تساقون إلى نار جهنم التي تقدم ذكرها ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)﴾ كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس].\n\n<span id=\"aya-5670\"></span>\n\n<span id=\"aya-5671\"></span>\n\n<span id=\"aya-5672\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ أي: إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه ولهذا قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي كلام يؤمنون به كقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦].\nقال ابن أبي حاتم: ثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أُمية سمعت رجلًا أعرابيًا بدويًا يقول سمعت أبا هريرة يرويه إذا قرأ والمرسلات عرفًا فقرأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾ فليقل آمنت بالله وبما أنزل. وقد تقدم هذا الحديث في سورة القيامة (^٢).\nآخر سورة المرسلات، [ولله الحمد والمنَّة] (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة عن محمد بن فضيل به. (المصنف ٨/ ١٠٠) وفي سنده حسان بن أبي المخارق سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ٣/ ٣٣) وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٣/ ٢٣٥) وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٢٣). ويتقوى بالشواهد فقد وردت له شواهد في الصحاح والسنن.\n(^٢) تقدم تخريجه في سورة القيامة آية ٤٠.\n(^٣) زيادة من (ح).","vol":"7","page":458},{"text":"<span data-type='title' id=toc-201>سُوْرَةُ النَّبَإِ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-5673\"></span>\n\n<span id=\"aya-5674\"></span>\n\n<span id=\"aya-5675\"></span>﷽\n﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكارًا لوقوعها: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ أي: عن أي شيء يتساءلون؟ عن أمر القيامة وهو: النبأ العظيم، يعني: الخبر الهائل المفظع الباهر. قال قتادة وابن زيد: ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ البعث بعد الموت (^١).\nوقال مجاهد: هو القرآن (^٢). والأظهر الأول لقوله: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ يعني: الناس فيه على قولين: مؤمن به وكافر.\n\n<span id=\"aya-5676\"></span>\n\n<span id=\"aya-5677\"></span>\n\n<span id=\"aya-5678\"></span>\n\n<span id=\"aya-5679\"></span>ثم قال تعالى متوعدًا لمنكري القيامة: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكد، ثم شرع ﵎ يبين قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة والأمور العجيبة الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾ أي: ممهدة للخلائق ذلولا لهم قارة ساكنة ثابتة ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ أي: جعلها لها أوتادًا أرساها بها، وثبَّتها وقرَّرها حتَّى سكنت ولم تضطرب بمَن عليها.\n\n<span id=\"aya-5680\"></span>ثم قال: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾ يعني: ذكرًا وأنثى يستمتع كل منهما بالآخر ويحصل التناسل بذلك كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].\n\n<span id=\"aya-5681\"></span>\n\n<span id=\"aya-5682\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾ أي: قطعًا للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في المعايش في عرض النهار، وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة الفرقان (^٣). ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ أي: يغشي الناس ظلامه وسواده كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ [الشمس]\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) آية ٤٧.","vol":"7","page":459},{"text":"وقال الشاعر (^١):\nفلما لَبِسنَ الليل أو حين نَصَّبت … له من خذا (^٢) آذانها وهو جانحُ (^٣)\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾: أي سكنًا.\n\n<span id=\"aya-5683\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ أي: جعلناه مشرقًا نيِّرًا مضيئا ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك.\n\n<span id=\"aya-5684\"></span>\n\n<span id=\"aya-5685\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ يعني: السماوات السبع في اتساعها. وارتفاعها وإحكامها وإتقانها وتزيينها بالكواكب الثوابت والسيارات ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)﴾ يعني: الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم.\n\n<span id=\"aya-5686\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤)﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾ الريح (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: ثنا أبو سعيد، ثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ قال: الرياح (^٥). وكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة ومقاتل والكلبي وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن أنها الرياح (^٦). ومعنى هذا القول أنها تستدر المطر من السحاب.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ أي: من السحاب (^٧). وكذا قال عكرمة أيضًا وأبو العالية والضحاك والحسن والربيع بن أنس والثوري واختاره ابن جرير (^٨).\nوقال الفراء: هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولم تمطر بعد كما يقال: امرأة معصر إذا دنا حيضها ولم تحض (^٩).\nوعن الحسن وقتادة: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ يعني: السماوات (^١٠).\nوهذا قول غريب والأظهر أن المراد بالمعصرات السحاب كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ\n_________\n(^١) هو ذو الرُّمَّة صرّح به الطبري في تفسير سورة البقرة آية ١٧.\n(^٢) خذيت الأذن: استرخت من أصلها وانكسرت مقبلة على الوجه. (لسان العرب: خ ذ ي).\n(^٣) استشهد به الطبري.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، وله متابعات كما يليه في رواية ابن أبي حاتم، ويتقوى أيضًا بالشواهد فقد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٥) سنده حسن.\n(^٦) تقدم تخريجه عن بعضهم كما في الحاشية قبل السابقة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس.\n(^٩) لم أجده في كتابه \"معاني القرآن\".\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن؛ وأخرجه أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"7","page":460},{"text":"الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم: ٤٨]. أي: من بينه.\nوقوله: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس: ﴿ثَجَّاجًا﴾ منصبًّا (^١).\nوقال الثوري: متتابعًا (^٢).\nوقال ابن زيد: كثيرًا (^٣).\nقال ابن جرير: ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة الثجّ، وإنما الثجُّ الصبُّ المتتابع ومنه قول النَّبِيّ ﷺ: \"أفضل الحج العجّ والثجّ\" (^٤) يعني: صبَّ دماء البدن (^٥)، هكذا قال.\nقلت: وفي حديث المستحاضة حين قال لها رسول الله ﷺ: \"أنعت لك الكرسف\" يعني: أن تحتشي بالقطن فقالت: يا رسول الله هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجًا (^٦). وهذا فيه دلالة على استعمال الثج في الصبِّ المتتابع الكثير والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5687\"></span>\n\n<span id=\"aya-5688\"></span>وقوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾ أي: لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المبارك ﴿حَبًّا﴾ يدخر للأناسي والأنعام ﴿وَنَبَاتًا﴾ أي: خضرًا يؤكل رطبًا ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ أي: بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة وألوان مختلفة وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعًا ولهذا قال: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾.\nقال ابنِ عباس وغيره: ﴿أَلْفَافًا﴾ مجتمعة (^٧). وهذه كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ الآية [الرعد: ٤].\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر عن الربيع.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق مهران عن سفيان.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه الترمذي من حديث أبي بكر ﵁. (السنن، الحج، باب فضل التلبية والنحر ح ٨٢٧)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٦٦١)؛ وأخرجه ابن خزيمة. (الصحيح ٤/ ١٧٥ ح ٢٦٣١)؛ وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ١/ ٤٥٠).\n(^٥) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد من حديث حمنة بنت جحش وضعف سنده محققوه. المسند ٤٥/ ٤٦٨ ح ٢٧٤٧٤)؛ وأخرجه أبو داود. السنن، الطهارة، باب من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة (ح ٢٨٧) والترمذي (السنن، الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة ح ١٢٨)؛ وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١١٠)؛ وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ١/ ١٧٢). وقد ذكر له الحاكم له شواهد، ولهذا حسنه الشيخ الألباني وهو كما قال. ولهذا استشهد به الحافظ ابن كثير واستدل به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"7","page":461},{"text":"<span id=\"aya-5689\"></span>﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن يوم الفصل وهو يوم القيامة أنه مؤقت بأجل معدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ [هود].\n\n<span id=\"aya-5690\"></span>﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ قال مجاهد: زمرًا زمرًا (^١).\nقال ابن جرير: يعني تأتي كل أمة مع رسولها (^٢). كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].\nوقال البخاري: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ حَدَّثَنَا محمد، حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"ما بين النفختين أربعون\" قالوا: أربعون يومًا؟ قال: \"أبيت\" (^٣). قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: \"أبيتُ\". قالوا: أربعون سنة؟ قال: \"أبيت\"، قال: ثم ينزل اللَّه من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة (^٤).\n\n<span id=\"aya-5691\"></span>﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾ أي: طرقًا ومسالك لنزول الملائكة\n\n<span id=\"aya-5692\"></span>﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾، كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وكقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة] وقال ههنا: ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ أي: يخيل إلى الناظر أنها شيء وليست بشيء، وبعد هذا تذهب بالكلية فلا عين ولا أثر كما قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه]، وقال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧].\n\n<span id=\"aya-5693\"></span>\n\n<span id=\"aya-5694\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١)﴾ أي: مرصدة معدة ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ وهم: المردة العصاة المخالفون للرسل ﴿مَآبًا﴾ أي: مرجعًا ومنقلبًا ومصيرًا ونزلًا.\nوقال الحسن وقتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١)﴾: يعني: أنه لا يدخل أحد الجنة حتَّى يجتاز بالنار، فإن كان معه جواز نجا وإلا احتبس (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) ذكره الطبري بلفظ: \"فتجيئون زمرًا زمرًا، وجماعة جماعة\".\n(^٣) أي: أن أقول ما لم أسمع. (فتح الباري ٨/ ٦٩٠).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، باب ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ [النبأ] ح ٤٩٣٥).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن مقتصرًا على الشطر الأول؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد اللَّه بن بكر بن عبد اللَّه المزني عن الحسن بنحوه بشطريه؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحو الشطر الأول.","vol":"7","page":462},{"text":"وقال سفيان الثوري: عليها ثلاث قناطر (^١).\n\n<span id=\"aya-5695\"></span>\n\n<span id=\"aya-5696\"></span>\n\n<span id=\"aya-5697\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ أي: ماكثين فيها أحقابًا، وهي جمع حقب، وهو: المدة من الزمان، وقد اختلفوا في مقداره.\nفقال ابن جرير، عن ابن حميد، عن مهران، عن سفيان الثوري، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي بن أبي طالب لهلال الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب اللَّه المنزل؟ قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة اثنا عَشَرَ شهرًا، كل شهر ثلاثون يومًا، كل يوم ألف سنة (^٢). وهكذا روي عن أبي هريرة وعبد اللَّه بن عمرو وابن عباس وسعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك (^٣).\nوعن الحسن والسدي أيضًا: سبعون سنة كذلك (^٤).\nوعن عبد الله بن عمرو: الحقب أربعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون. رواهما ابن أبي حاتم.\nوقال بُشير بن كعب: ذُكر لي أن الحقب الواحد ثلاثمائة سنة، كل سنة اثنا عشر شهرًا، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم منها كألف سنة (^٥). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\nثم قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن عمرو بن علي بن أبي بكر [الأسفيدي] (^٦)، حَدَّثَنَا مروان بن معاوية الفزاري، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن النَّبِيّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ قال: فالحقب شهر، الشهر ثلاثون يومًا، والسنة اثنا عشر شهرًا، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ثلاثون ألف ألف سنة (^٧). وهذا حديث منكر جدًا والقاسم هو والراوي عنه وهو جعفر بن الزبير كلاهما متروك.\nوقال البزار: حَدَّثَنَا محمد بن مرداس، حَدَّثَنَا سليمان بن مسلم أبو العلاء قال: سألت سليمان التيمي هل يخرج من النار أحد؟ فقال: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: \"واللّه لا يخرج من النار أحد حتَّى يمكث فيها أحقابًا، قال: والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما مما تعدون\" (^٨) ثم قال: سليمان بن مسلم بصري مشهور.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق مهران عن سفيان.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق وهناد. (الزهد رقم ٢٢٠) كلاهما من طريق عمار الدهني به، وفي سنده سالم بن أبي الجعد لم يسمع من علي ﵁. (جامع التحصيل ص ٢١٧).\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس بسند حسن من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁؛ وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس؛ وأخرجه أيضًا بسند ضعيف عن سعيد بن جبير، في سنده جابر بن نوح وهو ضعيف كما في التقريب.\n(^٤) أخرجه الطبري عن الحسن بلاغًا بلفظ: \"سبعون ألف سنة\".\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق إسحاق بن سويد عن بُشير به، وسنده ضعيف لضعف إسحاق بن سويد. (ينظر: التقريب ص ٩٩ - ١٠١).\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: الأسعدي.\n(^٧) سنده ضعيف لم يذكر فيه اسم شيخه، وجعفر بن الزبير ضعيف.\n(^٨) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٤٩) وسنده ضعيف جدًا لأن سليمان بن مسلم ضعيف جدًا. (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٩٥).","vol":"7","page":463},{"text":"وقال السدي: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ سبعمائة حقب، كل حقب سبعون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم كألف سنة مما تعدون.\nوقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ (^١).\nوقال خالد بن معدان: هذه الآية وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] في أهل التوحيد (^٢). رواهما ابن جرير ثم قال: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ متعلقًا بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾ (^٣) ثم يحدث الله لهم بعد ذلك عذابًا من شكل آخر ونوع آخر، ثم قال: والصحيح أنها لا انقضاء لها كما قال قتادة والربيع بن أنس.\nوقد قال قبل ذلك: حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي، حَدَّثَنَا عمرو بن أبي سلمة، عن زهير، عن سالم، سمعت الحسن يسأل عن قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ قال: أما الأحقاب فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكروا أن الحقب: سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون (^٤).\nوقال سعيد، عن قتادة قال الله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ وهو ما لا انقطاع له، وكلما مضى حقب جاء حقب بعده، وذُكرَ لنا أن الحقب: ثمانون سنة (^٥).\nوقال الربيع بن أنس: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ لا يعلم عدة هذه الأحقاب إلا الله ﷿، وذُكر لنا أن الحقب الواحد: ثمانون سنة والسنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم كألف سنة مما تعدون (^٦). رواهما أيضًا ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾ أي: لا يجدون في جهنم بردًا لقلوبهم ولا شرابًا طيبًا يتغذون به ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾.\nقال أبو العالية: استثنى من البرد الحميم ومن الشراب الغساق (^٧)، وكذا قال الربيع بن أنس، فأما الحميم: فهو الحار الذي قد انتهى حره وحموه، والغساق: هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده، ولا يواجه من نتنه.\nوقد قدمنا الكلام على الغساق في سورة ص (^٨) بما أغنى عن إعادته أجارنا اللَّه من ذلك بمنِّه وكرمه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق أبي معاذ الخراساني به، وسنده ضعيف لأنَّهُ معضل.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق عامر بن جشيب عن خالد.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه ولم يذكر ما بعد الآية مما نسبه الحافظ ابن كثير إليه ولعله لديه نسخة غير التي بين أيدينا.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ولم يصرح الحسن البصري باسم شيخه.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق سعيد به، ولم يصرح قتادة باسم شيخه.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع، ولم يصرح الربيع باسم شيخه.\n(^٧) أخرجه هناد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية. (الزهد رقم ٢٩٢) وسنده جيد.\n(^٨) في الآية رقم ٥٧.","vol":"7","page":464},{"text":"قال ابن جرير: وقيل: المراد بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ يعني: النوم كما قال الكندي:\nبردت مراشفها عليَّ فصدَّني … عنها وعن قُبُلاتها البرد\nيعني بالبرد: النعاس (^١) والنوم، هكذا ذكره ولم يعزه إلى أحد، وقد رواه ابن أبي حاتم من طريق السدي، عن مُرة الطيب (^٢)، ونقله عن مجاهد أيضًا، وحكاه البغوي عن أبي عبيدة والكسائي أيضًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-5698\"></span>وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ أي: هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا قاله مجاهد وقتادة وغير واحد (^٤).\n\n<span id=\"aya-5699\"></span>\n\n<span id=\"aya-5700\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾ أي: لم يكونوا يعتقدون أن ثم دارًا يجازون فيها ويحاسبون ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)﴾ أي: وكانوا يكذبون بحجج اللَّه ودلائله على خلقه التي أنزلها على رسله ﷺ، فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة.\nوقوله: ﴿كِذَّابًا﴾ أي: تكذيبًا، وهو مصدر من غير الفعل قالوا: وقد سمع أعرابي يستفتي الفراء على المروة: الحلق أحب إليك أو القصار؟ وأنشد بعضهم:\nلقد طال ما ثبطتني عن صحابتي … وعن حوج [قضاؤها] (^٥) من شفائيا (^٦)\n\n<span id=\"aya-5701\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ أي: وقد علمنا أعمال العباد كلهم وكتبناها عليهم، وسنجزيهم على ذلك إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.\n\n<span id=\"aya-5702\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ أي: يقال لأهل النار: ذوقوا ما أنتم فيه فلن نزيدكم إلا عذابًا من جنسه ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص].\nقال قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو قال: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ قال: فهم في مزيد من العذاب أبدًا (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمد بن محمد بن مصعب الصوري، حَدَّثَنَا خالد بن عبد الرحمن، حَدَّثَنَا جسر بن فرقد، عن الحسن قال: سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب اللَّه على أهل النار. قال: سمعت رسول اللّه ﷺ قرأ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ قال: هلك القوم بمعاصيهم الله ﷿ (^٨). جسر بن فرقد ضعيف الحديث بالكلية.\n_________\n(^١) ذكر الطبري بنحوه، والكندي هو امرؤ القيس وقد ورد هذا البيت في ديوانه ص ٢١٣١.\n(^٢) طريق السدي عن مُرة الطيب حسن.\n(^٣) ذكره البغوي عنهما. (معالم التنزيل ٤/ ٤٣٨).\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٥) كذا في تفسير الطبري ومعاني القرآن للفراء ولسان العرب (ق ض ي)، وفي الأصول الخطية بلفظ: \"قصارها\".\n(^٦) ذكره الفراء (معاني القرآن ٣/ ٢٢٩) والطبري بنحوه.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق قتادة به، ولم أقف على ترجمة لأبي أيوب الأزدي، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) سنده ضعيف لضعف جسر بن فرقد. (لسان الميزان ٢/ ١٠٤).","vol":"7","page":465},{"text":"<span id=\"aya-5703\"></span>\n\n<span id=\"aya-5704\"></span>\n\n<span id=\"aya-5705\"></span>﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن السعداء، وما أعدَّ لهم تعالى من الكرامة والنعيم المقيم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١)﴾ قال ابن عَبَّاسٍ والضحاك: متنزهًا (^١).\nوقال مجاهد وقتادة: فازوا فنجوا من النار (^٢).\nوالأظهر ههنا قول ابن عباس؛ لأنَّهُ قال بعده: ﴿حَدَائِقَ﴾ والحدائق البساتين من النخيل وغيرها ﴿وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾ أي: وحورًا كواعب.\nقال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد وغير واحد: ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ أي: نواهد (^٣). يعنون: أن ثديهن نواهد لم يتدلين لأنهن أبكار عرب أتراب أي: في سن واحد كما تقدم بيانه في سورة الواقعة.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي، عن أبي سفيان عبد الرحمن بن [عبد الله] (^٤) بن تيم، حَدَّثَنَا عطية بن سليمان أبو الغيث، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن أبي القاسم الدمشقي، عن أبي أُمامة أنه سمعه يحدث عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: \"إن قمص أهل الجنة لتبدوا من رضوان اللَّه، وإن السحابة لتمرّ بهم فتناديهم: يا أهل الجنة ماذا تريدون أن أمطركم؟ حتَّى إنها لتمطرهم الكواعب الأتراب\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-5706\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾ قال ابن عَبَّاسٍ: مملوءة متتابعة (^٦).\nوقال عكرمة: صافية (^٧).\nوقال مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد: ﴿دِهَاقًا﴾ الملأى المترعة (^٨).\nوقال مجاهد وسعيد بن جبير: هي المتتابعة (^٩).\n\n<span id=\"aya-5707\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥)﴾ كقوله: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] أي: ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة، ولا إثم كذب بل هي دار السلام، وكل ما فيها سالم من النقص\n\n<span id=\"aya-5708\"></span>وقوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾ أي: هذا الذي ذكرناه جازاهم اللَّه به\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) كذا في نسخة دار الكتب حسب طبعة البابي الحلبي، وكذا في النسخة الأزهرية حسب طبعة الشعب، وفي الأصل و(ح) و(حم) بياض. وورد في تاريخ أصبهان ١/ ١٩٥ لأبي نعيم باسم: عبد رب.\n(^٥) سنده ضعيف لجهالة عطية بن سليمان أبي الغيث. (التقريب ص ٣٩٣).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق عمر بن عطاء عن عكرمة، وعمر: ضعيف. (التقريب ص ٤١٦).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٩) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن سعيد بن جبير.","vol":"7","page":466},{"text":"وأعطاهموه بفضله ومنه وإحسانه ورحمته عطاء حسابًا أي: كافيًا وافيًا سالمًا كثيرًا. تقول العرب: أعطاني فأحسبني أي: كفاني، ومنه: حسبي اللَّه؛ أي: اللَّه كافيّ.\n\n<span id=\"aya-5709\"></span>﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾.\nيخبر تعالى عن عظمته وجلاله، وأنه ربُّ السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، وأنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء.\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ أي: لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥].\n\n<span id=\"aya-5710\"></span>وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾.\nاختلف المفسرون في المراد بالروح ههنا ما هو؟ على أقوال:\nأحدها: ما رواه العوفي عن ابن عباس: أنهم أرواح بني آدم.\nالثاني: هم: بنو آدم (^١). قاله الحسن وقتادة (^٢).\nوقال قتادة: هذا مما كان ابن عباس يكتمه (^٣).\nالثالث: أنهم خلق من خلق اللَّه على صور بني آدم وليسوا بملائكة ولا بشر، وهم يأكلون ويشربون قاله ابن عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمش (^٤).\nالرابع: هو: جبريل، قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك (^٥). ويستشهد لهذا القول بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء].\nوقال مقاتل بن حيان: الروح هو أشرف الملائكة وأقرب إلى الربِّ ﷿ وصاحب الوحي (^٦).\nالخامس: أنه القرآن قاله ابن زيد (^٧).\nكقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الآية [الشورى: ٥٢].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، ولكن قتادة لم يسمع من ابن عباس.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسماعيل عن أبي صالح.\n(^٥) عزاه البغوي إلى الشعبي والضحاك.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وإلى أبي الشيخ، وقد أخرجه أبو الشيخ في (العظمة رقم ٤١٨)، وسنده معضل.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.","vol":"7","page":467},{"text":"والسادس: أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقًا (^١).\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن خلف العسقلاني، حَدَّثَنَا رواد بن الجراح، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: الروح في السماء الرابعة، هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق اللَّه تعالى من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفًا وحده (^٢). وهذا قول غريب جدًا.\nوقد قال الطبراني: حَدَّثَنَا محمد بن عبد اللَّه بن عرس المصري، حَدَّثَنَا وهب [اللّه بن روق بن هبيرة، حَدَّثَنَا بشر بن بكر] (^٣)، حَدَّثَنَا الأوزاعي، حدثني عطاء، عن عبد اللَّه بن عباس سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن لله ملكًا لو قيل له: التقم السماوات السبع والأرضين بلقمة واحدة، لفعل، تسبيحه: سبحانك حيث كنت\" (^٤). وهذا حديث غريب جدًا وفي رفعه نظر، وقد يكون موقوفًا على ابن عباس، ويكون مما تلقاه من الإسرائيليات، واللّه أعلم.\nوتوقف ابن جرير فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها. والأشبه عندي واللّه أعلم: أنهم بنو آدم.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ كقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]، وكما ثبت في الصحيح: \"لا يتكلم يومئذ إلا الرسل\" (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي: حقًّا، ومن الحق \"لا إله إلا اللَّه\" كما قاله أبو صالح وعكرمة (^٦).\n\n<span id=\"aya-5711\"></span>وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي: الكائن لا محالة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أي: مرجعًا وطريقًا يهتدي إليه ومنهجًا يمرُّ به عليه.\n\n<span id=\"aya-5712\"></span>وقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يعني: يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريبًا لأن كل ما هو قريبٌ آت.\n﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أي: يعرض عليه جميع أعماله خيرها وشرها قديمها وحديثها كقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] وكقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده رواد بن الجراح: صدوق اختلط بآخره فترك. (التقريب ص ٢١١).\n(^٣) كذا في نسخة دار الكتب حسب طبعة البابي الحلبي، وفي الأصل بياض. وفي المعجم الكبير للطبراني بلفظ: \"وهب الله بن رزق أبو هريرة\" (١١/ ١٩٥ ح ١١٤٧٦).\n(^٤) أخرجه الطبراني بسنده مع الاختلاف المتقدم وبمتنه. (المصدر السابق) قال الهيثمي: وتفرد به وهب بن رزق. (مجمع الزوائد ١/ ٨٠) وقد استغربه الحافظ ابن كثير.\n(^٥) تقدم تخريجه في سورة هود آية ١٠٥.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسماعيل -وهو السدي الكبير- عن أبي صالح؛ وأخرجه الطبري والبيهقي (الأسماء والصفات ٢٠٥) كلاهما بسند ضعيف من طريق حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة؛ ويتقوى بسابقه وبما أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظه.","vol":"7","page":468},{"text":"﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ أي: يود الكافر يومئذٍ أنه كان في الدار الدنيا ترابًا، ولم يكن خلق ولا خرج إلى الوجود، وذلك حين عاين عذاب اللَّه ونظر إلى أعماله الفاسدة قد سطرت عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة.\nوقيل: إنما يَود ذلك حين يحكم اللَّه بين الحيوانات التي كانت في الدنيا فيفصل بينها بحكمه العدل الذي لا يجور حتَّى إنه ليقتصَّ للشاة الجماء من القرناء، فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها: كوني ترابًا فتصير ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ أي: كنت حيوانًا فأرجع إلى التراب، وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور (^١)، وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما.\nآخر تفسير سورة عمّ، وللّه الحمد والمنَّة.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.","vol":"7","page":469},{"text":"<span data-type='title' id=toc-202>سُوْرَةُ النَّازِعَاتِ</span>\nوهي مكية\n\n<span id=\"aya-5713\"></span>\n\n<span id=\"aya-5714\"></span>﷽\n﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾.\nقال ابن مسعود وابن عباس ومسروق وسعيد بن جبير وأبو صالح وأبو الضحى والسدي: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١)﴾ الملائكة (^١). يعنون: حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط، وهو قوله: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ قاله ابن عباس (^٢).\nوعن ابن عباس ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ هي: أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال مجاهد: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١)﴾ الموت (^٣).\nوقال الحسن وقتادة: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ هي النجوم (^٤).\nوقال عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾، ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾: هي: القسي في القتال (^٥). والصحيح الأول وعليه الأكثرون.\n\n<span id=\"aya-5715\"></span>وأما قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣)﴾ فقال ابن مسعود: هي الملائكة (^٦)، وروي عن علي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مسروق عن ابن مسعود؛ وأخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير؛ واْما قول مسروق وأبي صالح وأبي الضحى والسدي فهم ضمن أسانيد ابن مسعود وابن عباس المتقدمة.\n(^٢) أخرجه الحاكم من طريق مجاهد عن ابن عباس بلفظ: \"الموت\"، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥١٣).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٥) عزاه البغوي إلى عطاء. (معالم التنزيل ٤/ ٤٤١).\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"7","page":470},{"text":"ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح مثل ذلك (^١).\nوعن مجاهد: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣)﴾ الموت (^٢).\nوقال قتادة: هي النجوم (^٣).\nوقال عطاء بن أبي رباح: هي السفن (^٤).\n\n<span id=\"aya-5716\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤)﴾ روي عن علي ومسروق ومجاهد وأبي صالح والحسن البصري يعني: الملائكة (^٥).\nقال الحسن: سبقت إلى الإيمان والتصديق به.\nوعن مجاهد: الموت (^٦).\nوقال قتادة: هي النجوم.\nوقال عطاء: هي الخيل في سبيل اللَّه (^٧).\n\n<span id=\"aya-5717\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ قال علي ومجاهد وعطاء وأبو صالح والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي: هي الملائكة (^٨)، زاد الحسن: تدبر الأمر من السماء إلى الأرض؛ يعني: بأمر ربها ﷿، ولم يختلفوا في هذا.\nولم يقطع ابن جرير بالمراد في شيء من ذلك إلا أنه حكى في ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ أنها الملائكة، ولا أثبتَ ولا نفىَ (^٩).\n\n<span id=\"aya-5718\"></span>\n\n<span id=\"aya-5719\"></span>وقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ قال ابن عَبَّاسٍ: هما النفختان الأولى والثانية (^١٠)، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغير واحد (^١١).\nوعن مجاهد: أما الأولى وهي قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾ فكقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤] والثانية وهي الرادفة فهي كقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة] (^١٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وهو يخالف ما صح عن مجاهد كما يلي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات وسنده صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق واصل بن السائب عن عطاء. وواصل ضعيف. (التقريب ص ٥٧٩).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد .. عن مجاهد. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن أبي صالح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف تقدم قبل روايتين عن عطاء.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن علي.\n(^٩) قد استدل الطبري بقول قتادة المتقدم، قائلًا وكذلك قال أهل التأويل. وكانه أثبت ذلك ولم ينفه.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^١٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وفيه زيادة إذ استشهد بقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق].","vol":"7","page":471},{"text":"وقد قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا سفيان، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن أبي الطفيل بن أُبي بن كعب، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه\" فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: إذًا يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك\" (^١). وقد روى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري بإسناده مثله، ولفظ الترمذي وابن أبي حاتم: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: \"يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-5720\"></span>\n\n<span id=\"aya-5721\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ قال ابن عَبَّاسٍ: يعني: خائفة (^٣)، وكذا قال مجاهد وقتادة (^٤).\n﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾ أي: أبصار أصحابها وإنما أضيف إليها للملابسة أي ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال.\n\n<span id=\"aya-5722\"></span>\n\n<span id=\"aya-5723\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠)﴾ يعني: مشركي قريش.\nومن قال بقولهم في إنكار المعاد يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى الحافرة وهي القبور، قاله مجاهد (^٥)، وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها ولهذا قالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١)﴾ وقرئ \"ناخرة\" (^٦).\nوقال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد وقتادة: أي بالية (^٧). قال ابن عَبَّاسٍ: وهو العظم إذا بلي ودخلت الريح فيه.\n\n<span id=\"aya-5724\"></span>﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾ وعن ابن عباس ومحمد بن كعب وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والسدي وقتادة: ﴿الْحَافِرَةِ﴾ الحياة بعد الموت (^٨).\nوقال ابن زيد: ﴿الْحَافِرَةِ﴾ النار (^٩). وما أكثر أسماءها هي النار والجحيم وسقر وجهنم والهاوية والحافرة ولظى والحطمة.\nوأما قولهم: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ فقال محمد بن كعب: قالت قريش: لئن أحيانا اللَّه بعد أن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٣٦) وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥١٣)؛ وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٦٣٨ ح ٩٥٤).\n(^٢) سنن الترمذي، صفة القيامة، باب رقم ٢٣ (ح ٢٤٥٧) وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"انبعث خلقًا جديدًا؟! \".\n(^٦) وهي قراءة متواترة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بإسنادين ضعيفين عن السدي ومحمد القرظي ويتقويان بما سبق.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.","vol":"7","page":472},{"text":"نموت لنخسرنَّ (^١).\n\n<span id=\"aya-5725\"></span>\n\n<span id=\"aya-5726\"></span>قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ أي: فإنما هو أمر من اللَّه لا مثنوية فيه ولا تأكيد، فإذا الناس قيام ينظرون، وهو أن يأمر اللَّه تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث فإذا الأولون والآخرون قيام بين يدي الربِّ ﷿ ينظرون كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧].\nقال مجاهد: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ صيحة واحدة (^٢).\nوقال إبراهيم التيمي: أشد ما يكون الربُّ غضبًا على خلقه يوم يبعثهم.\nوقال الحسن البصري: زجرة من الغضب.\nوقال أبو مالك والربيع بن أنس: زجرة واحدة هي: النفخة الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ قال ابن عَبَّاسٍ: الساهرة: الأرض كلها (^٣)، وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وأبو صالح.\nوقال عكرمة والحسن والضحاك وابن زيد: الساهرة وجه الأرض (^٤).\nوقال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها.\nقال: والساهرة: المكان المستوي (^٥).\nوقال الثوري: الساهرة أرض الشام (^٦).\nوقال عثمان بن أبي العاتكة: الساهرة: أرض بيت المقدس (^٧).\nوقال وهب بن منبه: الساهرة: جبل إلى جانب بيت المقدس (^٨).\nوقال قتادة أيضًا: الساهرة: جهنم (^٩).\nوهذه أقوال كلها غريبة والصحيح أنها الأرض وجهها الأعلى.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا خزر بن المبارك الشيخ الصالح، حَدَّثَنَا بشر بن [السريّ] (^١٠)، حَدَّثَنَا مصعب بن ثابت، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي ﴿فَإِذَا\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأنَّهُ مرسل.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^٥) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق مهران عن سفيان.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة بنحوه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي سنان عن وهب بن منبه.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^١٠) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"السدي\".","vol":"7","page":473},{"text":"هُم بِاَلسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ قال: أرض بيضاء عفراء خالية كالخبزة النقي (^١).\nوقال الربيع بن أنس: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ يقول الله ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ السَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم] ويقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه]. وقال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] وبرزت الأرض التي عليها الجبال، وهي لا تعد من هذه الأرض، وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة، ولم يهرق عليها دم.\n\n<span id=\"aya-5727\"></span>﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾.\nيخبر تعالى رسوله محمدًا ﷺ عن عبده ورسوله موسى ﵇ أنه ابتعثه إلى فرعون، وأيده اللَّه بالمعجزات، ومع هذا استمر على كفره وطغيانه حتَّى أخذه اللَّه أخذ عزيز مقتدر، وكذلك عاقبة من خالفك وكذب بما جئت به، ولهذا قال في آخر القصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ فقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥)﴾ أي: هل سمعت بخبره؟\n\n<span id=\"aya-5728\"></span>\n\n<span id=\"aya-5729\"></span>﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: كلمه نداء ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي: المطهر ﴿طُوًى﴾ هو: اسم الوادي على الصحيح كما تقدم في سورة طه فقال له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧)﴾ أي: تجبر وتمرد وعتا\n\n<span id=\"aya-5730\"></span>﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ أي: قل له: هل لك أن تجيب إلى طريقة ومسلك تزكى به وتسلم وتطيع؟\n\n<span id=\"aya-5731\"></span>﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: أدلك إلى عبادة ربك ﴿فَتَخْشَى﴾ أي: فيصير قلبك خاضعًا له مطيعًا خاشعًا بعد ما كان قاسيًا خبيثًا بعيدًا من الخير.\n\n<span id=\"aya-5732\"></span>﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾ يعني: فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية ودليلًا واضحًا على صدق ما جاءه به من عند اللَّه.\n\n<span id=\"aya-5733\"></span>﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١)﴾ أي: فكذب بالحق وخالف ما أمره به من الطاعة، وحاصله أنه كفر قلبه فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره، وعلمه بأن ما جاء به حق لا يلزم منه أنه مؤمن به لأن المعرفة علم القلب والإيمان عمله وهو الانقياد للحق والخضوع.\n\n<span id=\"aya-5734\"></span>وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢)﴾ أي: في مقابلة الحق بالباطل وهو جمعه السحرة ليقابلوا ما جاء به موسى ﵇ من المعجزات الباهرات\n\n<span id=\"aya-5735\"></span>﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣)﴾ أي: في قومه\n\n<span id=\"aya-5736\"></span>﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾.\nقال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد: وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] بأربعين سنة (^٢).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف مصعب بن ثابت (التقريب ص ٥٣٣) وله شواهد صحيحة يتقوى بها.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، بدون ذكر بأربعين سنة ويتقوى بما أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الكريم الجزري عن مجاهد.","vol":"7","page":474},{"text":"<span id=\"aya-5737\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ أي: انتقم الله منه انتقامًا جعله به عبرة ونكالًا لأمثاله من المتمردين في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ [القصص] وهذا هو الصحيح في معنى الآية أن المراد بقوله: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ أي: الدنيا والآخرة.\nوقيل: المراد بذلك: كلمتاه: الأولى والثانية. وقيل: كفره وعصيانه.\nوالصحيح الذي لا شك فيه: الأول.\n\n<span id=\"aya-5738\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ أي: لمن يتعظ وينزجر.\n\n<span id=\"aya-5739\"></span>﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾.\nيقول تعالى محتجًا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ أيها الناس ﴿أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾؟ يعني: بل السماء أشد خلقًا منكم كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ [يس].\n\n<span id=\"aya-5740\"></span>وقوله: ﴿بَنَاهَا﴾ فسره بقوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ أي: جعلها عالية البناء بعيدة الفناء مستوية الأرجاء مكلَّلة بالكواكب في الليلة الظلماء.\n\n<span id=\"aya-5741\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)﴾ أي: جعل ليلها مظلمًا أسود حالكًا، ونهارها مضيئًا مشرقًا نيرًا واضحًا.\nوقال ابن عباس: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أظلمه (^١)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وجماعة كثيرون (^٢).\n﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ أي: أنار نهارها.\n\n<span id=\"aya-5742\"></span>\n\n<span id=\"aya-5743\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ فسره بقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ وقد تقدم في سورة حم السجدة (^٣) أن الأرض خلقت قبل خلق السماء، ولكن إنما دُحيت بعد خلق السماء بمعنى: أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل، وهذا معنى قول ابن عباس وغير واحد واختاره ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله يعني: ابن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿دَحَاهَا﴾ ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسندين ضعيفين عن الضحاك وعن عكرمة، ويتقويان بما سبق.\n(^٣) عند تفسير الآية ٤.","vol":"7","page":475},{"text":"والسبل والآكام (^١)، فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ وقد تقدم تقرير ذلك هنالك (^٢).\n\n<span id=\"aya-5744\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ أي: قررها وأثبتها وأكدها في أماكنها، وهو الحكيم العليم الرؤوف بخلقه الرحيم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: \"لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال\" فقالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم: الحديد. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك أشد من النار؟ قال: نعم الماء. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم الريح. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها عن شماله (^٣).\nوقال أبو جعفر ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي قال: لما خلق الله الأرض [قمصت] (^٤) وقالت: تخلق عليَّ آدم وذريته، يلقون علي نتنهم ويعملون علي بالخطايا، فأرساها الله بالجبال فمنها ما ترون ومنها ما لا ترون، وكان أول قرار الأرض كلحم الجزور إذا نحر يختلج لحمه (^٥). غريب.\n\n<span id=\"aya-5745\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ أي: دحا الأرض فأنبع عيونها، وأظهر مكنونها، وأجرى أنهارها، وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها، وثبَّت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها، كل ذلك متاعًا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذا الدار إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل.\n\n<span id=\"aya-5746\"></span>﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ وهو: يوم القيامة، قاله ابن عباس (^٦). سميت بذلك لأنها تطمُّ على كل أمر هائل مفظع كما قال تعالى: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦].\n_________\n(^١) سنده حسن.\n(^٢) تقدم في تفسير سورة السجدة آية ٤.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه. (المسند ١٩/ ٢٧٦ ح ١٢٢٥٢).\n(^٤) كذا في (حم) وتفسير الطبرى، وفي (ح): نقصت، وفي الأصل بياض.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي. وقد استغربه الحافظ ابن كثير.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"من أسماء يوم القيامة\".","vol":"7","page":476},{"text":"<span id=\"aya-5747\"></span>﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾ أي: حينئذٍ يتذكر ابن آدم جميع عمله خيره وشره كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣].\n\n<span id=\"aya-5748\"></span>﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)﴾ أي: أظهرت للناظرين فرآها الناس عيانًا\n\n<span id=\"aya-5749\"></span>﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧)﴾ أي: تمرد وعتا\n\n<span id=\"aya-5750\"></span>﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨)﴾ أي: قدمها على أمر دينه وأخراه\n\n<span id=\"aya-5751\"></span>﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾ أي: فإن مصيره إلى الجحيم وإن مطعمه من الزقوم ومشربه من الحميم.\n\n<span id=\"aya-5752\"></span>﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠)﴾ أي: خاف القيام بين يدي الله ﷿، وخاف حكم الله فيه، ونهى نفسه عن هواها وردها إلى طاعة مولاها\n\n<span id=\"aya-5753\"></span>﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ أي: منقلبه ومصيره ورجعه إلى الجنة الفيحاء.\n\n<span id=\"aya-5754\"></span>\n\n<span id=\"aya-5755\"></span>\n\n<span id=\"aya-5756\"></span>ثم قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ أي: ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق بل مردها ومرجعها إلى الله ﷿، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقال هاهنا: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ ولهذا لما سأل جبريل رسول الله ﷺ عن وقت الساعة قال: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\" (^١).\n\n<span id=\"aya-5757\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ أي: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه، فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده أتبعك فأفلح وأنجح، والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك.\n\n<span id=\"aya-5758\"></span>وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (٤٦) أي: إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مدة الحياة الدنيا حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضحى من يوم.\nقال جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ أما عشية فما بين الظهر إلى غروب الشمس ﴿أَوْ ضُحَاهَا﴾ ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار (^٢).\nوقال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة (^٣).\nآخر تفسير سورة النازعات، [ولله الحمد والمنة] (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄، مطولًا. (الصحيح، الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ح ٨).\n(^٢) سنده ضعيف لضعف جويبر، وكذلك الضحاك لم يلق ابن عباس ﵄.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) زيادة من (ح).","vol":"7","page":477},{"text":"<span data-type='title' id=toc-203>سُورَةُ عَبَسَ</span>\nوهي مكية\n﷽\n\n<span id=\"aya-5759\"></span>\n\n<span id=\"aya-5760\"></span>\n\n<span id=\"aya-5761\"></span>\n\n<span id=\"aya-5762\"></span>\n\n<span id=\"aya-5763\"></span>\n\n<span id=\"aya-5764\"></span>\n\n<span id=\"aya-5765\"></span>\n\n<span id=\"aya-5766\"></span>\n\n<span id=\"aya-5767\"></span>\n\n<span id=\"aya-5768\"></span>﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾.\nذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يومًا يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أُم مكتوم وكان ممن أسلم قديمًا، فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شيء ويلحُّ عليه، وودَّ النبي ﷺ أن لو كفَّ ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعًا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾ أي: يحصل له زكاة وطهارة في نفسه ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾ أي: يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ أي: أما الغني فأنت تتعرض له لعله يهتدي ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ أي: ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩)﴾ أي: يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾ أي: تتشاغل، ومن ههنا أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن لا يخص بالإنذار أحدًا بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار، ثم الله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة.\nقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا محمد بن مهدي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس ﵁ في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ جاء ابن أُم مكتوم إلى النبي ﷺ وهو يكلم أُبي بن خلف فأعرض عنه، فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ فكان النبي ﷺ بعد ذلك يكرمه.\nقال قتادة: وأخبرني أنس بن مالك قال: رأيته يوم القادسية وعليه درع، ومعه راية سوداء يعني: ابن أُم مكتوم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٣١ ح ٣١٢٣)، وسنده صحيح؛ وأخرجه عبد الرزاق عن معمر به.","vol":"7","page":478},{"text":"وقال أبو يعلى وابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي، عن هشام بن عروة [مما عرضه عليه عن عروة] (^١) عن عائشة قالت: أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ في ابن أُم مكتوم الأعمى أتى إلى رسول الله ﷺ فجعل يقول: أرشدني قالت: وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين. قالت: فجعل النبي ﷺ يعرض عنه ويقبل على الآخر، ويقول: أترى بما أقول بأسًا؟ فيقول: لا، ففي هذا أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾.\nوقد روى الترمذي هذا الحديث عن سعيد بن يحيى الأموي بإسناده مثله، ثم قال: وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ في ابن أُم مكتوم، ولم يذكر فيه عن عائشة (^٢). قلت: كذلك هو في الموطأ (^٣).\nثم روى ابن جرير وابن أبي حاتم أيضًا من طريق العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ قال: بينا رسول الله ﷺ يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وكان يتصدى لهم كثيرًا ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال: له عبد الله بن أُم مكتوم يمشي وهو يناجيهم فجعل عبد الله يستقريء النبي ﷺ آية من القرآن، وقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وعبس في وجهه وتولى وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله ﷺ نجواه وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله بعض بصره وخفق برأسه، ثم أنزل الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾ فلما نزل فيه ما نزل أكرمه رسول الله ﷺ وكلمه، وقال له رسول الله ﷺ: \"ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ \" وإذا ذهب من عنده قال: هل لك حاجة في شيء؟ وذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ (^٤). فيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب قال: قال سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أُم مكتوم\" وهو: الأعمى الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ وكان يؤذن مع بلال قال سالم: وكان رجلًا ضرير البصر، فلم يك يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر: أذِّن (^٥). وهكذا ذكر عروة بن الزبير ومجاهد وأبو مالك وقتادة والضحاك وابن\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل سقط وورد بلفظ: \"عليه\".\n(^٢) أخرجه الطبري والترمذي بالإسناد نفسه ومتنه. (السنن، التفسير، باب ومن سورة عبس ح ٣٣٢٨)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي؛ وأخرجه ابن حبان. (الأحسان ٢/ ٢٩٣ ح ٥٣٥)، والحاكم كلاهما من طريق سعيد بن يحيى وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥١٤)؛ وصححه الأرناؤوط محقق الإحسان.\n(^٣) الموطأ، القرآن، باب ما جاء في القرآن ١/ ٢٠٣ رقم ٨، لكن سنده إلى عروة وهو مرسل ويتقوى بسابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق العوفي به، وسنده ضعيف.\n(^٥) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂ ولكن دون ذكر أنه هو الذي أنزل الله تعالى فيه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) …﴾ =","vol":"7","page":479},{"text":"زيد وغير واحد من السلف والخلف أنها نزلت في ابن أُم مكتوم (^١) والمشهور أن اسمه: عبد الله ويقال: عمرو، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5769\"></span>وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ أي: هذه السورة أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم بين شريفهم ووضيعهم.\nوقال قتادة والسدي: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ يعني: القرآن\n\n<span id=\"aya-5770\"></span>﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢)﴾ أي: فمن شاء ذكر الله تعالى في جميع أموره، ويحتمل عود الضمير إلى الوحي لدلالة الكلام عليه.\n\n<span id=\"aya-5771\"></span>\n\n<span id=\"aya-5772\"></span>وقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)﴾ أي: هذه السورة أو العظة وكلاهما متلازم بل جميع القرآن في صحف مكرمة؛ أي: معظمة موقرة ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أي: عالية القدر ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ أي: من الدنس والزيادة والنقص.\n\n<span id=\"aya-5773\"></span>وقوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد: هي الملائكة (^٢).\nوقال وهب بن منبه: هم أصحاب محمد ﷺ (^٣).\nوقال قتادة: هم القراء (^٤).\nوقال ابن جريج، عن ابن عباس: السفَرة بالنبطية: القراء (^٥).\nوقال ابن جرير: والصحيح أن السفرة الملائكة، والسفرة يعني: بين الله تعالى وبين خلقه، ومنه يقال: السفير الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير كما قال الشاعر:\nوما أدع السفارة بين قومي … وما أمشي بغش إن مشيت (^٦)\nوقال البخاري: سفرة الملائكة سفرت أصلحت بينهم وجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله تعالى وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم (^٧).\n\n<span id=\"aya-5774\"></span>وقوله تعالى: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ أي: خلقهم كريم حسن شريف وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة، ومن هاهنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.\n_________\n= [عبس] وهذه الزيادة يشهد لها ما تقدم. (صحيح البخاري، الأذان، باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره ح ٦١٧؛ وصحيح مسلم، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر ح ١٠٩٢).\n(^١) قول عروة تقدم قبل الرواية السابقة، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك، أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه عنه، وقول ابن زيد، أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد، وكل هذه الأقوال مراسيل يقوي بعضها بعضًا وتتقوى جميعها بما سبق.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ومعناه صحيح، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. وأخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(^٦) ذكره الطبري بنحوه واستشهد بالشعر.\n(^٧) ذكره البخاري (الصحيح، التفسير، سورة عبس قبل ح ٤٩٣٧).","vol":"7","page":480},{"text":"قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا هشام، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران\" (^١). أخرجه الجماعة من طريق قتادة به (^٢).\n\n<span id=\"aya-5775\"></span>﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾.\nيقول تعالى ذامًّا لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ قال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ لعن الإنسان (^٣)، وكذا قال أبو مالك، وهذا لجنس الإنسان المكذب لكثرة تكذيبه بلا مستند بل بمجرد الاستبعاد وعدم العلم.\nقال [ابن جريج] (^٤): ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ أي: ما أشد كفره (^٥).\nوقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد أي شيء جعله كافرًا؛ أي: ما حمله على التكذيب بالمعاد (^٦)، وقد حكاه البغوي عن مقاتل والكلبي (^٧). وقال قتادة ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ ما ألعنه (^٨).\n\n<span id=\"aya-5776\"></span>\n\n<span id=\"aya-5777\"></span>\n\n<span id=\"aya-5778\"></span>ثم بيَّن تعالى له كيف خلقه من الشيء الحقير؟ وأنه قادر على إعادته كما بدأه فقال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾ أي: قدر أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠)﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: ثم يسَّر عليه خروجه من بطن أُمه (^٩)، وكذا قال عكرمة والضحاك وأبو صالح وقتادة والسدي (^١٠)، واختاره ابن جرير (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٨)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، سورة عبس (ح ٤٩٣٧)؛ وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتعتع فيه (ح ٧٩٨).\n(^٣) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ابن جريج.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن ابن جريج.\n(^٦) لم أجده في تفسير الطبري ولعله في النسخة التي اعتمدها الحافظ ابن كثير.\n(^٧) نسبه البغوي إليهما. (معالم التنزيل ٤/ ٤٤٨).\n(^٨) لم أجد من أخرجه.\n(^٩) أخرجه الطبرى بسند ضعيف من طريق العوفي به. ويتقوى بما يليه.\n(^١٠) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسندين ضعيفين عن أبي صالح والسدي، ويتقويان بما سبق.\n(^١١) رجحه الطبري حسب ظاهر الآية.","vol":"7","page":481},{"text":"وقال مجاهد: هذه كقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان] (^١) أي: بيناه له وأوضحناه وسهلنا عليه عمله، وكذا قال الحسن وابن زيد (^٢)، وهذا هو الأرجح، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5779\"></span>وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ أي: أنه بعد خلقه له أماته فأقبره؛ أي: جعله ذا قبر والعرب تقول: قبرت الرجل إذا ولى ذلك منه، وأقبره الله، وعضبت قرن الثور، وأعضبه الله، وبترت ذنب البعير، وأبتره الله، وطردت عني فلانًا، وأطرده الله؛ أي: جعله طريدًا قال الأعشى:\nلو أسندت ميتًا إلى صدرها … عاش ولم ينقل إلى قابر (^٣)\n\n<span id=\"aya-5780\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ أي: بعثه بعد موته؛ ومنه يقال: البعث والنشور ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم]، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن درَّاجًا أبا السمح أخبره، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: \"يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه\" قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: \"مثل حبة خردل منه ينشأون\" (^٤). وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بدون هذه الزيادة، ولفظه: \"كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-5781\"></span>وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ قال ابن جرير: يقول: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدَّى حق الله عليه في نفسه وماله ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ يقول: لم يؤد ما فرض عليه ﷿ من الفرائض لربه ﷿ (^٦).\nثم روى هو وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ قال: لا يقضي أحدًا أبدًا كل ما افترض عليه (^٧)، وحكاه البغوي عن الحسن البصري بنحو من هذا (^٨)، ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا سوى هذا، والذي يقع لي في معنى ذلك، والله أعلم أن المعنى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ أي: بعثه ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ أي: لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب الله أن سيوجد منهم ويخرج إلى الدنيا، وقد أمر به تعالى كونًا وقدرًا، فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم.\nوقد روى ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: قال عزير ﵇: قال الملك الذي جائني: فإن\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه.\n(^٣) ديوان الأعشى ص ١٣٩ واستشهد به الطبري، وذكر ما قيل عن العرب.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف روايه دراج عن أبي الهيثم ويتقوى بالشواهد الصحيحة التالية دون آخره.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة النبأ آية ١٨.\n(^٦) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٨) ذكره البغوي بنحوه عن الحسن. (معالم التنزيل ٤/ ٤٤٨).","vol":"7","page":482},{"text":"القبور هي بطن الأرِض وإن الأرض هي أم الخلق، فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق، وتمت هذه القبور التي مدَّ الله لها انقطعت الدنيا، ومات من عليها ولفظت الأرض ما في جوفها وأخرجت القبور ما فيها. وهذا شبيه بما قلناه من معنى الآية، والله ﷾ أعلم بالصواب.\n\n<span id=\"aya-5782\"></span>\n\n<span id=\"aya-5783\"></span>\n\n<span id=\"aya-5784\"></span>\n\n<span id=\"aya-5785\"></span>\n\n<span id=\"aya-5786\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ فيه امتنان، وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعدما كانت عظامًا بالية وترابًا متمزقًا ﴿صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥)﴾ أي: أنزلناه من السماء على الأرض ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)﴾ أي: أسكناه فيها فيدخل في تخومها وتخلل في أجزاء الحب المودع فيها، فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨)﴾ فالحب كل ما يذكر من الحبوب، والعنب معروف، والقضب هو: الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة، ويقال لها: القت أيضًا، قال ذلك ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي (^١)، وقال الحسن البصري: القضب: العلف (^٢).\n\n<span id=\"aya-5787\"></span>﴿وَزَيْتُونًا﴾ وهو معروف وهو أدم، وعصيره أدم ويستصبح به ويدهن به ﴿وَنَخْلًا﴾ يؤكل بلحًا بسرًا ورطبًا وتمرًا ونيئًا ومطبوخًا ويعتصر منه رُب وخلّ\n\n<span id=\"aya-5788\"></span>﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠)﴾ أي: بساتين، قال الحسن وقتادة: ﴿غُلْبًا﴾ نخل غلاظ كرام (^٣).\nوقال ابن عباس ومجاهد: الحدائق: كل ما التف واجتمع.\nوقال ابن عباس أيضًا: ﴿غُلْبًا﴾ (^٤) الشجر الذي يستظل (^٥) به.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠)﴾ أي: طوال (^٦).\nوقال عكرمة: ﴿غُلْبًا﴾ أي: غلاظ الأوساط (^٧)، وفي رواية: غلاظ الرقاب، ألم تر إلى الرجل إذا كان غليظ الرقبة قيل: والله إنه لأغلب؟ رواه ابن أبي حاتم (^٨).\nوأنشد ابن جرير للفرزدق:\nعوى فأثأر أغلب [ضيغميَّا] (^٩) … فويل ابن المراغة ما استثار (^١٠)\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"الغصغصة\"؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة مثله.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس -وهو ابن عبيد البصري- عن الحسن البصري.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة بلفظ: \"النخل الكرام\". وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس؛ وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة.\n(^٨) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة.\n(^٩) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: ضيغما.\n(^١٠) اسثشهد به الطبري، والبيت في ديوان الفرزدق ص ٤٤٣.","vol":"7","page":483},{"text":"<span id=\"aya-5789\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ أما الفاكهة: فكل ما يتفكه به من الثمار، قال ابن عباس: الفاكهة: كل ما أُكل رطبًا، والأب: ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس (^١)، وفي رواية عنه: هو الحشيش للبهائم (^٢).\nوقال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك: الأب: الكلأ (^٣).\nوعن مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد: الأب للبهائم كالفاكهة لبني آدم.\nوعن عطاء: كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أب.\nوقال الضحاك: كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو الأب.\nوقال ابن إدريس: عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس: الأب نبت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس (^٤).\nورواه ابن جرير من ثلاث طرق عن ابن إدريس، ثم قال: حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا: حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال: عدَّ (^٥) ابن عباس وقال: الأب: ما أنبتت الأرض للأنعام. وهذا لفظ حديث أبي كريب وقال أبو السائب في حديثه: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: الأب: الكلأ والمرعى (^٦)، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد وغير واحد (^٧).\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ فقال: أي سماء تظلني؟ وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ (^٨) وهذا منقطع بين إبراهيم التيمي والصديق ﵁.\nفأما ما رواه ابن جرير حيث قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا حميد، عن\n_________\n(^١) تفسير الأب أخرجه ابن خزيمة والطبري بسند حسن من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس (الصحيح ٣/ ٣٣٢ ح ٢١٧٢) وصححه محققه، وأخرجه الحاكم من طريق عاصم به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ١/ ٤٣٧) وصحح سنده الحافظ ابن حجر، (فتح الباري ١٣/ ٢٧١).\n(^٢) عزاه الحافظ ابن حجر إلى ابن أبي حاتم. (تغليق التعليق ٣/ ٤٩٠) وكذا السيوطي.\n(^٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن.\n(^٤) تقدم تخريجه قبل ثلاث روايات.\n(^٥) أي: عدَّ سبعًا جعل رزقه في سبعة .. ثم ذكر الأب هكذا ورد في رواية الطبري بسند حسن من الطرق الثلاثة التي أوردها الطبري.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك عن الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) تقدم تخريجه في مقدمة التفسير.","vol":"7","page":484},{"text":"أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة فما الأب؟ فقال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف (^١). فهو إسناد صحيح وقد رواه غير واحد عن أنس به، وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض لقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾\n\n<span id=\"aya-5790\"></span>وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ أي: عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-5791\"></span>﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾.\nقال ابن عباس: ﴿الصَّاخَّةُ﴾ اسم من أسماء يوم القيامة، عظَّمه الله وحذَّره عباده (^٢).\nقال ابن جرير: لعله اسم للنفخة في الصور (^٣).\nوقال البغوي: ﴿الصَّاخَّةُ﴾ يعني: صيحة يوم القيامة سميت بذلك لأنها تصخُّ الأسماع؛ أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها\n\n<span id=\"aya-5792\"></span>\n\n<span id=\"aya-5793\"></span>\n\n<span id=\"aya-5794\"></span>﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ أي: يراهم ويفر منهم ويبتعد منهم،؛ لأن الهول عظيم والخطب جليل (^٤).\nقال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت، وتثني بخير ما استطاعت فيقول لها: فإني أطلب إليكِ اليوم حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئًا أتخوف مثل الذي تخاف قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق به فيقول: يا بني أي والد كنت لك، فيثني بخير فيقول له: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى، فيقول ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ (^٥). وفي الحديث الصحيح في أمر الشفاعة أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق يقول: نفسي نفسي لا أسألك اليوم إلا نفسي، حتى إن عيسى ابن مريم يقول: لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني (^٦). ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾.\nقال قتادة: الأحب فالأحب والأقرب فالأقرب من هول ذلك اليوم.\n\n<span id=\"aya-5795\"></span>وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ أي: هو في شغل شاغل عن غيره.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا ثابت\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في مقدمة التفسير، وهو صحيح بطرقه. (ينظر: مرويات ابن أبي شيبة في التفسير ص ٥٩١).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه وأوضح.\n(^٤) معالم التنزيل (٤/ ٤٤٩).\n(^٥) سنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء: آية ٧٩.","vol":"7","page":485},{"text":"أبو زيد العباداني، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: \"تحشرون حفاة عراة مشاة غرلًا\" قال: فقالت زوجته: يا رسول الله ننظر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: \"لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه\"، أو قال: \"ما أشغله عن النظر\" (^١).\nوقد رواه النسائي منفردًا به عن أبي داود، عن عارم، عن ثابت بن يزيد وهو: أبو زيد الأحول البصري أحد الثقات، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٢) به، وقد رواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"تحشرون حفاة عراة غرلًا\" فقالت امرأة: أيبصر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: \"يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه\". ثم قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس ﵄ (^٣).\nوقال النسائي: أخبرني عمرو بن عثمان، حدثنا بَقية، حدثنا الزبيدي، أخبرني الزهري، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: \"يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا\" (^٤) فقالت عائشة: يا رسول الله فكيف بالعورات؟ فقال: \"لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه\" (^٥). انفرد به النسائي من هذا الوجه.\nثم قال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا أزهر بن حاتم، حدثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس بن مالك قال: سألت عائشة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله بأبي أنت وأُمي إني سائلتك عن حديث فتخبرني أنت به، قال: \"إن كان عندي منه علم\". قالت: يا نبي الله كيف يحشر الرجال؟ قال: \"حفاة عراة\". ثم انتظرت ساعة فقالت: يا رسول الله كيف يحشر النساء؟ قال: \"كذلك حفاة عراة\". قالت: واسوأتاه من يوم القيامة. قال: \"وعن أي ذلك تسألين؟ إنه قد نزل عليَّ آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون\". قالت: أية آية هي يا نبي الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ (^٦).\nوقال البغوي في تفسيره: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي، عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"يبعث الناس حفاة عراة غرلًا، قد ألجمهم\n_________\n(^١) حديث صحيح كما يلي.\n(^٢) السنن الكبرى، التفسير، سورة عبس (ح ١١٥٨٣).\n(^٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة عبس (ح ٣٣٣٢)؛ وقال الألباني: حسن صحيح. (صحيح سنن الترمذي ح ٢٦٥٢).\n(^٤) أي: غير مختومين.\n(^٥) السنن الكبرى، التفسير، سورة عبس (ح ١١٥٨٤). ويشهد له سابقه، وأخرجه الحاكم من طريق بقية به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٥٦٤).\n(^٦) سنده ضعيف لضعف عائذ بن شريح. (الجرح والتعديل ٧/ ١٦) ويشهد له ما سبق.","vol":"7","page":486},{"text":"العرق وبلغ شحوم الآذان\" فقلت: يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: \"قد شغل الناس لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه\" (^١). هذا حديث غريب من هذا الوجه جدًا، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عمار الحسين بن حريث المروزي، عن الفضل بن موسى به (^٢).\n[ولكن] (^٣) قال أبو حاتم الرازي: عائذ بن شريح ضعيف، وفي حديثه ضعف (^٤).\n\n<span id=\"aya-5796\"></span>\n\n<span id=\"aya-5797\"></span>وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ أي: يكون الناس هنالك فريقين وجوه مسفرة؛ أي: مستنيرة ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ أي: مسرورة فرحة من السرور في قلوبهم قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء هم أهل الجنة.\n\n<span id=\"aya-5798\"></span>\n\n<span id=\"aya-5799\"></span>﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)﴾ أي: يعلوها وتغشاها قترة؛ أي: سواد.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي محمد مولى جعفر بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \"يلجم الكافر العرق ثم تقع الغبرة على وجوههم\"، قال: فهو قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ (^٥).\nوقال ابن عباس: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)﴾ أي: يغشاها سواد الوجوه (^٦).\n\n<span id=\"aya-5800\"></span>وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ أي: الكفرة قلوبهم الفجرة في أعمالهم كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧].\nآخر تفسير سورة عبس، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه البغوي بسنده ومتنه. (معالم التنزيل ٤/ ٤٤٩ - ٤٥٠) وحكم عليه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الطبري عن أبي عمار الحسين المروزي به، وحكمه كسابقه.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ومكر.\n(^٤) الجرح والتعديل ٧/ ١٦.\n(^٥) في سنده سهل بن عثمان العسكري له غرائب كثيرة. (تهذيب التهذيب ٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"تغشاها ذلة\".","vol":"7","page":487},{"text":"<span data-type='title' id=toc-204>سُورَةُ التَّكويرِ</span>\nوهي مكية\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله بن بحير القاص، أن عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني أخبره أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من سرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ [الانفطار] و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق]. (^١). وهكذا رواه الترمذي عن العباس بن عبد العظيم العنبري، عن عبد الرزاق به (^٢).\n\n<span id=\"aya-5801\"></span>﷽\n﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ يعني: أظلمت (^٣).\nوقال العوفي، عنه: ذهبت (^٤).\nوقال مجاهد: اضمحلت وذهبت (^٥)، وكذا قال الضحاك (^٦).\nقال قتادة: ذهب ضوؤها (^٧).\nوقال سعيد بن جبير: ﴿كُوِّرَتْ﴾: غورت (^٨).\nوقال الربيع بن خثيم: ﴿كُوِّرَتْ﴾ يعني: رمي بها (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه. (المسند ٨/ ٤٢٤ ح ٤٨٠٦). وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤/ ٥٧٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي عن العباس بن عبد العظيم به. (السنن، التفسير، باب ومن سورة عبس ح ٣٣٣٣)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٥٣).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه ولاحقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى -وهو القتات- عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف لإبهام شيخه.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير.\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق وهناد. (الزهد رقم ٣٦٦) بسند صحيح من طريق أبي يعلى عن الربيع بن خثيم.","vol":"7","page":488},{"text":"وقال أبو صالح: ﴿كُوِّرَتْ﴾: ألقيت (^١)، وعنه أيضًا: نُكست (^٢).\nوقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض.\nقال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله تعالى: ﴿كُوِّرَتْ﴾ جمع بعضها إلى بعض ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن شيخ من بجيلة، عن ابن عباس: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ قال: يُكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث الله ريحًا دبورًا فتضرمها نارًا (^٤). وكذا قال عامر الشعبي.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن ابن يزيد بن أبي مريم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: في قول الله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ قال: \"كُورت في جهنم\" (^٥).\nوقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن محمد بن حبان، حدثنا درست بن زياد، حدثنا يزيد الرقاشي، حدثنا أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"الشمس والقمر نوران عقيران في النار\" (^٦). هذا حديث ضعيف؛ لأن يزيد الرقاشي ضعيف، والذي رواه البخاري في الصحيح بدون هذه الزيادة.\nثم قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناج، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"الشمس والقمر يكوران يوم القيامة\" (^٧) انفرد به البخاري، وهذا لفظه وإنما أخرجه في كتاب بدء الخلق وكان جديرًا أن يذكره ههنا أو يكرره كما هي عادته في أمثاله، وقد رواه البزار فجوَّد إيراده فقال: حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد الله الداناج قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال: حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الشمس والقمر نوران في النار عقيران يوم القيامة\"، فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: -أحسبه قال- وما ذنبهما (^٨). ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلا من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه بدل بن المحبر.\n(^٢) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.\n(^٣) أخرجه الطبري بنحوه.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف مجالد وإبهام شيخه.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم والديلمي عن أبي مريم، وأظنه مرسلًا، وكتاب الديلمي وهو الفردوس مشحون بالأحاديث الضعيفة.\n(^٦) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه، وضعفه محققه لضعف الرقاشي وضعف درست بن زياد. (المسند ٧/ ١٤٨ ح ٤١١٦).\n(^٧) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر ح ٣٢٠٠).\n(^٨) سنده ضعيف لانقطاعه فإِن الحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة. (جامع التحصيل ص ١٩٦ - ١٩٧).","vol":"7","page":489},{"text":"هذا الوجه، ولم يروِ عبد الله الداناج، عن أبي سلمة سوى هذا الحديث.\n\n<span id=\"aya-5802\"></span>\n\n<span id=\"aya-5803\"></span>\n\n<span id=\"aya-5804\"></span>\n\n<span id=\"aya-5805\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ أي: انتثرت كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ [الانفطار] وأصل الانكدار الانصباب.\nقال الربيع بن أنس: عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة، بينا الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش فماجوا بعضهم في بعض.\n﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ قال: اختلطت ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ قال: أهملها أهلها\n\n<span id=\"aya-5806\"></span>﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ قال: قالت الجن نحن نأتيكم بالخبر، قال: فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تتأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى وإلى السماء السابعة العليا، قال: فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم (^١). رواه ابن جرير وهذا لفظه وابن أبي حاتم ببعضه، وهكذا قال مجاهد والربيع بن خثيم والحسن البصري وأبو صالح وحماد بن أبي سليمان والضحاك في قوله جلا وعلا: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ أي: تناثرت (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ أي: تغيرت (^٣).\nوقال يزيد بن أبي مريم، عن النبي ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ قال: \"انكدرت في جهنم وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم إلا ما كان من عيسى وأُمه، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها\" (^٤). رواه ابن أبي حاتم بالإسناد المتقدم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ أي: زالت عن أماكنها ونسفت فتركت الأرض قاعًا صفصفا.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ قال عكرمة ومجاهد: عشار الإبل (^٥).\nقال مجاهد: ﴿عُطِّلَتْ﴾: تُركت وسُيبت (^٦). وقال أُبي بن كعب والضحاك: أهملها أهلها (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي الدنيا (الأهوال ص ٨٥) كلاهما بسند جيد من طريق الحسين بن واقد عن الربيع بن أنس به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي يعلى -وهو منذر بن يعلى- عن الربيع بن خثيم؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى -وهو القتات- عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) تقدم الكلام عن سنده قبل ست روايات.\n(^٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى -وهو القتات- عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الطبري وابن أبي الدنيا (الأهوال ص ٨٥) بسند جيد من طريق أبي العالية عن أُبي بن كعب.","vol":"7","page":490},{"text":"وقال الربيع بن خثيم: لم تحلب ولم تصر تخلى منها أربابها (^١).\nوقال الضحاك: تُركت لا راعي لها (^٢). والمعنى في هذا كله متقارب، والمقصود أن العشار من الإبل وهي خيارها والحوامل منها التي قد وصلت في حملها إلى الشهر العاشر -واحدتها عشراء ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع- قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها بعدما كانوا أرغب شيء فيها بما دهمهم من الأمر العظيم المفظع الهائل، وهو أمر يوم القيامة وانعقاد أسبابها ووقوع مقدماتها، وقيل: بل يكون ذلك يوم القيامة يراها أصحابها كذلك لا سبيل لهم إليها، وقد قيل في العشار: إنها السحاب تعطل عن المسير بين السماء والأرض لخراب الدنيا وقيل: إنها الأرض التي تعشر، وقيل: إنها الديار التي كانت تسكن تعطلت لذهاب أهلها. حكى هذه الأقوال كلها الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه التذكرة، ورجح أنها الإبل، وعزاه إلى أكثر الناس (^٣).\n(قلت): لا يعرف عن السلف والأئمة سواه، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ أي: جمعت كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام] قال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب (^٤). رواه ابن أبي حاتم، وكذا قال الربيع بن خثيم والسدي وغير واحد (^٥)، وكذا قال قتادة في تفسير هذه الآية: إن هذه الخلائق موافية فيقضي الله فيها ما يشاء (^٦).\nوقال عكرمة: حشرها: موتها.\nوقال ابن جرير: حدثني علي بن مسلم الطوسي، حدثنا عباد بن العوام، حدثنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ قال: حشر البهائم موتها، وحشر كل شيء الموت غير الجن والإنس فإنهما يوقفان يوم القيامة (^٧).\nحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن خثيم: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ قال: أتى عليها أمر الله، قال سفيان: قال أبي: فذكرته لعكرمة فقال: قال ابن عباس: حشرها: موتها (^٨).\nوقد تقدم عن أُبي بن كعب أنه قال: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ اختلطت.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق منذر الثوري عن الربيع بن خثيم. (المصنف ٨/ ٣٠٤).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.\n(^٣) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص ٣١٢.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي يعلى عن الربيع بن خُثيم. بلفظ: \"أتى عليها أمر الله\".\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق عباد بن العوام به، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥١٥).\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"7","page":491},{"text":"قال ابن جرير: والأولى قول من قال: ﴿حُشِرَتْ﴾ جُمعت. قال الله تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩] أي: مجموعة (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود، عن سعيد بن المسيب قال: قال علي ﵁ لرجل من اليهود أين جهنم؟ قال: البحر، فقال: ما أراه إلا صادقًا والبحر المسجور ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ (^٢).\nوقال ابن عباس وغير واحد: يرسل الله عليها الرياح الدبور، فتسعرها وتصير نارًا تأجج (^٣)، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ [الطور].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو طاهر، حدثني عبد الجبار بن سليمان أبو سليمان النفاط -شيخ صالح يشبه مالك بن أنس- عن معاوية بن سعيد قال: إن هذا البحر بركة؛ يعني: بحر الروم، وسط الأرض والأنهار كلها تصب فيه والبحر الكبير يصب فيه، وأسفله آبار مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة أسجر (^٤). وهذا أثر غريب عجيب.\nوفي سنن أبي داود: \"لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غازٍ فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا\" الحديث (^٥). وقد تقدم الكلام عليه في سورة فاطر.\nوقال مجاهد والحسن بن مسلم: ﴿سُجِّرَتْ﴾ أوقدت (^٦).\nوقال الحسن: يبست (^٧).\nوقال الضحاك وقتادة: غاض ماؤها فذهب فلم يبق فيها قطرة (^٨).\nوقال الضحاك أيضًا: ﴿سُجِّرَتْ﴾: فجرت (^٩).\nوقال السدي: فتحت وصيرت.\nوقال الربيع بن خثيم: ﴿سُجِّرَتْ﴾: فاضت (^١٠).\n\n<span id=\"aya-5807\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ أي: جمع كل شكل إلى نظيره كقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾\n_________\n(^١) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه مجالد ضعيف وشيخه مبهم.\n(^٤) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن معاوية بن سعيد.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة إبراهيم آية ٤٨ في آخرها.\n(^٦) معناه صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظه.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي يعلى -وهو منذر الثوري- عن الربيع بن خُثيم.","vol":"7","page":492},{"text":"- قال:- الضرباء؛ كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله؛ وذلك بأن الله ﷿ يقول: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ [الواقعة] قال: هم الضرباء\" (^١). ثم رواه ابن أبي حاتم من طرق أُخر عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقرأ ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ فقال: تزوجها: أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم (^٢)، وفي رواية هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة أو النار (^٣)، وفي رواية عن النعمان قال: سئل عمر عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ قال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار (^٤) فذلك تزويج الأنفس. وفي رواية عن النعمان أن عمر قال للناس: ما تقولون في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾؟ فسكتوا. قال: ولكن أعلمه هو الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة، والرجل يزوج نظيره من أهل النار ثم قرأ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ (^٥) [الصافات: ٢٢].\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ قال: ذلك حين يكون الناس أزواجًا ثلاثة (^٦).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ قال: والأمثال من الناس جمع بينهم (^٧)، وكذا قال الربيع بن خثيم والحسن وقتادة (^٨) واختاره ابن جرير، وهو الصحيح.\nقول آخر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾:\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن سوار، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يسيل وادٍ من أصل العرش من ماء فيما بين الصيحتين، ومقدار ما بينهما أربعون عامًا، فينبت منه كل خلق بلي من الإنسان أو طير أو دابة، ولو مرَّ عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على وجه الأرض قد نبتوا، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ (^٩)، وكذا قال أبو العالية وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري أيضًا في قوله\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الواقعة: آية ٧ - ١٠.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سماك بن حرب عن النعمان به، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق سماك بن حرب عن النعمان به، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق سماك بن حرب به. (المصنف ٨/ ١٥٤) وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥١٦).\n(^٥) يشهد له ما سبق.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له قول عمر قبل ثلاث روايات.\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي يعلى -وهو منذر الثوري- عن الربيع، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف -وهو الأعرابي- عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٩) سنده ضعيف لضعف أشعث بن سوار كما في التقريب.","vol":"7","page":493},{"text":"تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ أي: زوجت بالأبدان (^١).\nوقيل: زوج المؤمنون بالحور العين وزوج الكافرون بالشياطين. حكاه القرطبي في التذكرة (^٢).\n\n<span id=\"aya-5808\"></span>\n\n<span id=\"aya-5809\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ هكذا قراءة الجمهور ﴿سُئِلَتْ﴾. والموءودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل الموءودة على أي ذنب قتلت ليكون ذلك تهديدًا لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذًا؟.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ أي: سألت. وكذا قال أبو الضحى: سألت؛ أي: طالبت بدمها (^٣). وعن السدي وقتادة مثله.\nوقد وردت أحاديث تتعلق بالموءودة:\nفقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود وهو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة، عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: حضرت رسول الله ﷺ في ناس وهو يقول: \"لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم ولا يضر أولادهم ذلك شيئًا\" ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ: \"ذلك الوأد الخفي وهو الموءودة سئلت\" (^٤). ورواه مسلم من حديث أبي عبد الرحمن المقري وهو: عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب (^٥).\nورواه أيضًا ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن إسحاق السيلحيني، عن يحيى بن أيوب، ورواه مسلم أيضًا وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك بن أنس ثلاثتهم عن أبي الأسود به (^٦).\nوقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا ابن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل، هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: \"لا\" قلنا: فإنها كانت وأدت أختًا لنا في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: \"الوائدة والموءودة في النار، إلا أن يدرك الوائدة الإسلام فيعفو الله عنها\" (^٨). ورواه النسائي من حديث\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق داود عن عامر الشعبي.\n(^٢) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص ٢١٣.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الأعمش عن مسلم، وهو أبو الضحى.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٦/ ٤٣٤)، وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح مسلم، النكاح، باب جواز الغيلة (ح ١٤٤٢).\n(^٦) سنن ابن ماجه، النكاح، باب الغيل (ح ٢٠١١).\n(^٧) المصدر قبل السابق وسنن أبي داود، الطب، باب في الغيل (ح ٣٨٨٢)؛ وسنن الترمذي، الطب، باب ما جاء في الغيلة (ح ٢٠٧٨)؛ والسنن الكبرى، النكاح، باب الغيلة (ح ٥٤٨٥).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٢٥/ ٢٦٨ ح ١٥٩٢٣) وقال محققوه: رجاله ثقات .. لكن في متنه نكارة.","vol":"7","page":494},{"text":"داود بن أبي هند به (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"الوائدة والموءودة في النار\" (^٢).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا إسحاق الأزرق، أخبرنا عوف، حدثتني حسناء ابنة معاوية الصريمية، عن عمها قال: قلت يا رسول الله من في الجنة؟ قال: \"النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والموءودة في الجنة\" (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا قُرة قال: سمعت الحسن يقول: قيل: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: \"الموءودة في الجنة\" (^٤). هذا حديث مرسل من مراسيل الحسن، ومنهم من قبله. وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة فمن زعم أنهم في النار فقد كذب يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ (^٥) قال ابن عباس: هي المدفونة.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني وأدت بناتٍ لي في الجاهلية قال: \"أعتق عن كل واحدة منهن رقبة\" قال: يا رسول الله إني صاحب إبل، قال: \"فانحر عن كل واحدة منهن بدنة\". قال الحافظ أبو بكر البزار: خولف فيه عبد الرزاق (^٦)، ولم يكتبه إلا عن الحسين بن مهدي عنه.\nوقد رواه ابن أبي حاتم فقال: أخبرنا أبو عبد الله الظهراني -فيما كتب إليَّ- قال: حدثنا عبد الرزاق فذكره بإسناده مثله، إلا أنه قال: وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية، وقال في آخره: \"فأهدِ إن شئت عن كل واحدة بدنة\" (^٧).\nثم قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين قال: قدم قيس بن عاصم على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني وأدت\n_________\n(^١) أخرجه النسائي من طريق معتمر بن سليمان عن داود به. السنن الكبرى، التفسير، باب سورة التكوير (ح ١١٥٨٥).\n(^٢) سنده حسن ولكن متنه كمتن رواية المسند السابقة.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء: آية ١٥.\n(^٤) سنده ضعيف لأنه مرسل ويشهد له ما تقدم في قصة الإسراء والمعراج وما رآه في السماء السابعة من الأطفال المسلمين وأطفال غير المسلمين وأن مصيرهم في الجنة.\n(^٥) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني، ويشهد له الحديث المشار إليه في قصة الإسراء والمعراج.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه البزار عن الحسين بن مهدي عن عبد الرزاق به. (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ١١٥ ح ١٥٢٥) قال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح غير حسين بن مهدي الأيلي وهو ثقة. (مجمع الزوائد ٧/ ١٣٤) ولكن سماك بن حرب لم يسمع من النعمان.\n(^٧) سنده منقطع كسابقه.","vol":"7","page":495},{"text":"اثنتي عشرة ابنة لي في الجاهلية أو ثلاث عشرة قال: \"أعتق عددهن نسمًا\" قال: فأعتق عددهن نسمًا، فلما كان في العام المقبل جاء بمائة ناقة فقال: يا رسول الله هذه صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين. قال علي بن أبي طالب: فكنا نريحها ونسميها القيسية (^١).\n\n<span id=\"aya-5810\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ قال الضحاك: أعطي كل إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله.\nوقال قتادة: صحيفتك يا ابن آدم تملي فيها ثم تطوى ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر الرجل ماذا يملي في صحيفته (^٢).\n\n<span id=\"aya-5811\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)﴾ قال مجاهد: اجتذبت (^٣). وقال السدي: كشفت.\nوقال الضحاك: تنكشط فتذهب.\n\n<span id=\"aya-5812\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾ قال السدي: أُحميت.\nوقال قتادة: أوقدت قال: وإنما يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم (^٤).\n\n<span id=\"aya-5813\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾ قال الضحاك وأبو مالك وقتادة والربيع بن خثيم: أي قربت إلى أهلها (^٥).\n\n<span id=\"aya-5814\"></span>وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ هذا هو الجواب؛ أي: إذا وقعت هذه الأمور حينئذ تعلم كل نفس ما عملت وأحضر ذلك لها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة، حدثنا ابن المبارك، حدثنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: لما نزلت: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ قال عمر: لما بلغ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ قال: لهذا أجرى الحديث (^٦).\n\n<span id=\"aya-5815\"></span>\n\n<span id=\"aya-5816\"></span>﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾.\nروى مسلم في صحيحه والنسائي في تفسيره عند هذه الآية من حديث مسعر بن كدام، عن\n_________\n(^١) في سنده قيس بن الربيع وهو صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به. (التقريب ص ٤٥٧). وفيه مقال غير هذا. (ينظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٣٩٣ - ٣٩٥).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) لم أجد من أخرجه ومعناه صحيح.\n(^٦) سنده مرسل لأن أسلم العدوى لم يدرك نزول الآية، ولكن إذا سمع خبر النزول من عمر يكون السند صحيحًا.","vol":"7","page":496},{"text":"الوليد بن سريع، عن عمرو بن حريث قال: صليت خلف النبي ﷺ الصبح فسمعته يقرأ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ (^١). ورواه النسائي، عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن الحجاج بن عاصم، عن أبي الأسود، عن عمرو بن حريث به نحوه (^٢).\nقال ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن رجل من مراد، عن علي ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ قال: هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثثا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت خالد بن عرعرة، سمعت عليًا وسئل عن: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ فقال: هي النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل (^٤).\nوحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد، عن علي قال: هي النجوم (^٥). وهذا إسناد جيد صحيح إلى خالد بن عرعرة وهو: السهمي الكوفي. قال أبو حاتم الرازي: روى عن علي وروى عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا فالله أعلم، وروى يونس، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: أنها النجوم (^٦)، رواه ابن أبي حاتم. وكذا روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم أنها النجوم (^٧).\nوقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا هوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن بكر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ قال: هي النجوم الدراري التي تجري تستقبل المشرق (^٨). وقال بعض الأئمة، إنما قيل للنجوم: الخنس؛ أي: في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها وفي حال غيبوبتها يقال لها: كنس، من قول العرب: أوى الظبي إلى كناسه، إذا تغيب فيه.\nوقال الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)﴾ قال: بقر الوحش (^٩)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من طريق خلف بن خليفة الأشجعي عن الوليد بن سريع به. (الصحيح، الصلاة، باب متابعة الإمام والعمل بعده (ح ٤٧٥).\n(^٢) السنن الكبرى، التفسير، سورة التكوير (ح ١١٥٨٧).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الثوري به. وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن علي ويتقوى بما يليه إذا صُرِّح باسمه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وقد أخرجه سعيد بن منصور، وحسن سنده الحافظ ابن حجر. (فتح الباري ٨/ ٦٩٤) وانظر ما يليه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به. وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥١٦) وكذا صححه الحافظ ابن كثير.\n(^٦) في سنده الحارث وهو الأعور الهمداني وهو ضعيف وقد تابعه خالد بن عرعرة في الرواية السابقة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الأعمش عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن البصري، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٩) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، بدون ذكر عبد الله وهو ابن مسعود، وسنده صحيح، وسيأتي موصولًا إلى ابن مسعود.","vol":"7","page":497},{"text":"وكذا قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عبد الله ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ ما هي يا عمرو؟ قلت: البقر. قال: وأنا أرى ذلك (^١)، وكذا روى يونس، عن أبي إسحاق، عن أبيه.\nوقال أبو داود الطيالسي، عن عمرو، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ قال: البقر تكنس إلى الظل (^٢)، وكذا قال سعيد بن جبير.\nوقال العوفي، عن ابن عباس هي الظباء (^٣)، وكذا قال سعيد أيضًا ومجاهد والضحاك (^٤).\nوقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: هي الظباء والبقر (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم ومجاهد أنهما تذاكرا هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ فقال إبراهيم لمجاهد: قل فيها بما سمعت، قال: فقال مجاهد كنا نسمع فيها شيئًا وناس يقولون إنها النجوم، قال: فقال إبراهيم: قل فيها بما سمعت، قال: فقال مجاهد كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حجرتها، فقال إبراهيم إنهم يكذبون على عليّ (^٦)، هذا كما رووا عن علي أنه ضمن الأسفل الأعلى والأعلى الأسفل، وتوقف ابن جرير في المراد بقوله: ﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ هل هو النجوم أو الظباء وبقر الوحش؟ قال: ويحتمل أن يكون الجميع مرادًا (^٧).\n\n<span id=\"aya-5817\"></span>\n\n<span id=\"aya-5818\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: إقباله بظلامه، وقال: مجاهد أظلم (^٨).\nوقال سعيد بن جبير: إذا نشأ (^٩).\nوقال الحسن البصري: إذا غشي الناس (^١٠)، وكذا قال عطية العوفي (^١١).\nوقال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر (^١٢)، وكذا قال\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق أبي إسحاق عن أبي ميسرة به، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥١٦).\n(^٢) يشهد لقوله: البقر، الخبر السابق.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق حجاج بن المنذر عن جابر بن زيد مقتصرًا على ذكر البقر دون الظباء.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٧) ذكره الطبري بنحوه مطولًا.\n(^٨) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر ابن أبي المغيرة عن سعيد.\n(^١٠) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الفضيل عن عطية.\n(^١٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن عطية به ويتقوى بسابقه.","vol":"7","page":498},{"text":"مجاهد وقتادة والضحاك وكذا قال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ أي: إذا ذهب فتولى (^١).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري سمع أبا عبد الرحمن السلمي قال: خرج علينا علي ﵁ حين ثوب المُثوِّب بصلاة الصبح فقال: أين السائلون عن الوتر؟ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ هذا حين أدبر (^٢). حسن.\nوقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر، قال: لقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ أي: أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضًا (^٣):\nحتى إذا الصبح له تنفسا … وانجاب عنها ليلها وعسعسا\nأي: أدبر، وعندي أن المراد بقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أقبل وإن كان يصح استعماله في الإدبار أيضًا لكن الإقبال ههنا أنسب، كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل وبالفجر وضيائه إذا أشرق كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل] وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] وغير ذلك من الآيات.\nوقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة ﴿عَسْعَسَ﴾ تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم.\nوقال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن عسعس دنا من أوله وأظلم، وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتًا.\nعسعس حتى لو يشا أدنا … كان له من ضوئه مقبس\nيريد لو يشاء إذ دنا أدغم الذال في الدال، قال الفراء: وكانوا يزعمون أن هذا البيت مصنوع (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ قال الضحاك: إذا طلع.\nوقال قتادة: إذ أضاء وأقبل.\nوقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وهو المروي عن علي ﵁ (^٥).\nوقال ابن جرير: يعني ضوء النهار إذا أقبل وتبين (^٦).\n\n<span id=\"aya-5819\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾ يعني: إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم؛ أي: ملك شريف حسن الخلق بهي المنظر وهو: جبريل ﵊، قاله ابن عباس والشعبي وميمون بن مهران والحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك وغيرهم (^٧).\n\n<span id=\"aya-5820\"></span>﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ كقوله\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بالأسانيد الصحيحة المتقدمة عن مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بلفظ: \"أدبر\".\n(^٢) أخرجه الطبري والحاكم من طريق أبي حصين عن أبي عبد الرحمن به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥١٦).\n(^٣) هو علقمة بن قُرط كما صرح معمر بن المثنى. (مجاز القرآن ٢/ ٢٨٨) والطبري.\n(^٤) ذكره الفراء واستشهد به. (معاني القرآن ٣/ ٢٤٢) والطبري.\n(^٥) تقدم تخريجه عنهم وبيان ألفاظهم.\n(^٦) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.","vol":"7","page":499},{"text":"تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم] أي: شديد الخلق شديد البطش والفعل ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي: له مكانة عند الله ﷿ ومنزلة رفيعة.\nقال أبو صالح في قوله تعالى: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ قال: جبريل يدخل في سبعين حجابًا من نور بغير إذن (^١) ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: له وجاهة وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى.\n\n<span id=\"aya-5821\"></span>\n\n<span id=\"aya-5822\"></span>قال قتادة: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: في السموات (^٢)؛ يعني: ليس هو من أفناد الملائكة بل هو من السادة والأشراف معتنى به انتخب لهذه الرسالة العظيمة.\nوقوله تعالى: ﴿أَمِينٍ﴾ صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جدًا أن الربَّ ﷿ يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل، كما زكى عبده ورسوله البشري محمدًا ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ قال الشعبي وميمون بن مهران وأبو صالح ومن تقدم ذكرهم: المراد بقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ يعني: محمدًا ﷺ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5823\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ يعني: ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله ﷿ على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء وهي المذكورة في قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم] كما تقدم تفسير ذلك وتقريره، والدليل عليه أن المراد بذلك جبريل ﵇، والظاهر والله أعلم أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤيا وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم] فتلك إنما ذكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد سورة الإسراء.\n\n<span id=\"aya-5824\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ أي: وما محمد على ما أنزله الله إليه بظنين؛ أي: بمتهم ومنهم من قرأ ذلك بالضاد؛ أي: ببخيل بل يبذله لكل أحد (^٤).\nقال سفيان بن عيينة: ظنين وضنين سواء؛ أي: ما هو بكاذب وما هو بفاجر، والظنين المتهم، والضنين البخيل (^٥).\nوقال قتادة: كان القرآن غيبًا فأنزله الله على محمد فما ضن به على الناس بل نشره وبلغه (^٦) وبذله لكل من أراده، وكذا قال عكرمة وابن زيد وغير واحد (^٧) واختار ابن جرير قراءة الضاد.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند فيه عمر بن شبيب المسلي وهو ضعيف. (التقريب ص ٤١٤).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: مطاع عند الله ﴿ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١].\n(^٣) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق معقل بن عبيد الله الجزري عن ميمون بن مهران.\n(^٤) القراءتان متواترتان.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق مهران عن سفيان.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.","vol":"7","page":500},{"text":"(قلت): وكلاهما متواتر ومعناه صحيح كما تقدم.\n\n<span id=\"aya-5825\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥)﴾ أي: وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم؛ أي: لا يقدر على حمله ولا ينبغي له كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء]،\n\n<span id=\"aya-5826\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾؟ أي: فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه وبيان كونه حقًا من عند الله ﷿؟ كما قال الصديق ﵁ لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين وأمرهم فتلوا عليه شيئًا من قرآن مسيلمة الكذاب الذي هو في غاية الهذيان والركاكة فقال: ويحكم أين تذهب عقولكم؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إل؛ أي: من إله (^١).\nوقال قتادة: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾ أي: عن كتاب الله وعن طاعته (^٢).\n\n<span id=\"aya-5827\"></span>وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧)﴾ أي: هذا القرآن ذكر لجميع الناس يتذكرون به ويتعظون\n\n<span id=\"aya-5828\"></span>\n\n<span id=\"aya-5829\"></span>﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ أي: من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن فإِنه منجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ أي: ليست المشيئة موكولة إليكم فمن شاء اهتدى ومن شاء ضلَّ، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله تعالى رب العالمين.\nقال سفيان الثوري، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (^٣).\nآخر تفسير سورة التكوير، ولله الحمد والمنّة.\n_________\n(^١) تقدم عزوه في تفسير سورة يونس آية ١٧.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف؛ لأنه مرسل.","vol":"7","page":501},{"text":"<span data-type='title' id=toc-205>سُورَةُ الانفِطَارِ</span>\nوهي مكية\nقال النسائي: أخبرنا محمد بن قدامة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن محارب بن دثار، عن جابر قال: قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطول فقال النبي ﷺ: \"أفتان أنت يا معاذ؟ أين كنت عن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و﴿وَالضُّحَى (١)﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ (^١)؟ وأصل الحديث مخرج في الصحيحين ولكن ذُكر ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ في إفراد النسائي (^٢).\nوقد تقدم من رواية عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"من سره أن ينظر إلى يوم القيامة رأي عين فليقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ \" (^٣).\n\n<span id=\"aya-5830\"></span>\n\n<span id=\"aya-5831\"></span>\n\n<span id=\"aya-5832\"></span>﷽\n﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾.\nيقول تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ أي: انشقت كما قال تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ أي: تساقطت ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: فجر الله بعضها في بعض (^٤).\nوقال الحسن: فجر الله بعضها في بعض فذهب ماؤها (^٥).\nوقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها (^٦). وقال الكلبي: ملئت.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، سورة الانفطار ح ١١٥٨٨) وهو في الصحيحين كما يلي.\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث جابر ﵁ بلفظ: اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ ونحوهما، (صحيح البخاري، الأدب، باب من لم يرَ إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا ح ٦١٠٦؛ وصحيح مسلم، الصلاة، باب القراءة في العشاء ح ٤٦٥) وقول الحافظ ابن كثير: ولكن ذُكر ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ في أفراد النسائي، يشهد له قوله: ونحوهما.\n(^٣) تقدم تخريجه في مطلع تفسير سورة التكوير.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.","vol":"7","page":502},{"text":"<span id=\"aya-5833\"></span>﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ قال ابن عباس: بحثت (^١).\nوقال السدي: تبعثر تحرك فيخرج من فيها (^٢)\n\n<span id=\"aya-5834\"></span>﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ أي: إذا كان هذا حصل هذا.\n\n<span id=\"aya-5835\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾؟ هذا تهديد لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب؛ حيث قال: \"الكريم\" حتى يقول قائلهم: غرَّه كرمه، بل المعنى في هذه الآية: ما غرَّك يا ابن آدم بربك الكريم؛ أي: العظيم حتى أقدمت على معصيته وقابلته بما لا يليق. كما جاء في الحديث: \"يقول الله تعالى يوم القيامة: يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ \".\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، أن عمر سمع رجلًا يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾؟ فقال عمر: الجهل (^٣).\nوقال أيضًا: حدثنا عمر بن شيبة، حدثنا أبو خلف، حدثنا يحيى البكاء، سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ قال ابن عمر: غَرَّه -والله- جهله (^٤)، قال: وروي عن ابن عباس والربيع بن خثيم والحسن مثل ذلك (^٥).\nوقال قتادة: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ شيء ما غرَّ ابن آدم غير هذا العدو الشيطان (^٦).\nوقال الفضيل بن عياض: لو قال لي: ما غرَّك بي؟ لقلت: ستورك المرخاة (^٧).\nوقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم (^٨).\nقال البغوي: وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال: ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ دون سائر أسمائه وصفاته كأنه لقنه الإجابة (^٩)، وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل؛ لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور، وقد حكى البغوي عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الأسود بن شريق ضرب النبي ﷺ ولم يعاقب في الحالة [الراهنة] (^١٠) فأنزل الله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (^١١)؟\n\n<span id=\"aya-5836\"></span>وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾ أي: ما غرك بالرب الكريم ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾ أي: جعلك سويًا مستقيمًا معتدل القامة منتصبها في أحسن الهيئات والأشكال.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن السدي بلفظ: \"انشقت\".\n(^٣) سنده ضعيف للانقطاع بين سفيان وعمر ﵁.\n(^٤) سنده ضعيف لضعف يحيى البكاء (التقريب ص ٥٩٧).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن الربيع بن خثيم. (المصنف ٨/ ٢١٠).\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) ذكره البغوي عن الفضيل بن عياض بدون سند. (معالم التنزيل ٤/ ٤٥٥).\n(^٨) ذكره البغوي عن أبي بكر الوراق بدون سند (معالم التنزيل ٤/ ٤٥٦).\n(^٩) المصدر السابق.\n(^١٠) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^١١) ذكره البغوي (المصدر السابق) وسنده ضعيف لأنه معضل.","vol":"7","page":503},{"text":"قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا جرير، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بشر بن جحاش القرشي أن رسول الله ﷺ بصق يومًا في كفه فوضع عليها أصبعه ثم قال: \"قال الله ﷿: يا ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة؟ \" وكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبى شيبة، عن يزيد بن هارون، عن جرير بن عثمان به (^١). قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وتابعه يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن عبد الرحمن بن ميسرة (^٢).\n\n<span id=\"aya-5837\"></span>وقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ قال مجاهد: في أي شبه أب أو أُم أو خال أو عم (^٣).\nوقال ابن جرير: [حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا مطهر بن الهيثم، حدثنا موسى بن علي بن رباح] (^٤)، حدثني أبي، عن جدي، أن النبي ﷺ قال له: \"ما ولد لك؟ \" قال: يا رسول الله ما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية. قال: \"فمن يشبه؟ \" قال: يا رسول الله من عسى أن يشبه إما أباه وإما أمه. فقال النبي ﷺ عندها: \"مه لا تقولن هكذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله تعالى كل نسب بينها وبين آدم؟ أما قرأت هذه الآية في كتاب الله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ \" قال: شكلك (^٥).\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني من حديث مطهر بن الهيثم به (^٦)، وهذا الحديث لو صحَّ لكان فيصلًا في هذه الآية ولكن إسناده ليس بالثابت؛ لأن مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن موسى بن علي وغيره ما لا يشبه حديث الأثبات.\nولكن في الصحيحين عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، قال: \"هل لك من إبل؟ \" قال: نعم، قال: \"فما ألوانها\" قال: حُمُر، قال: \"فهل فيها من أورق\" قال: نعم، قال: \"فأنى أتاها ذلك\" قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: \"وهذا عسى أن يكون نزعه عرق\" (^٧).\nوقد قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾: إن شاء في صورة قرد وإن شاء في صورة خنزير (^٨)، وكذا قال أبو صالح: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ إن شاء في صورة كلب وإن شاء في صورة حمار وإن شاء في صورة خنزير (^٩).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة النحل آية ٤.\n(^٢) تحفة الأشراف ٢/ ٩٧.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم) وتفسير الطبري.\n(^٥) وسنده ضعيف جدًا لأن مطهر بن الهيثم: متروك كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٦) (المعجم الكبير ٥/ ٧٤ ح ٤٦٢٤) وسنده كسابقه.\n(^٧) صحيح البخاري، الطلاق، باب إذا عرّض بنفي الولد (ح ٥٣٠٥)؛ وصحيح مسلم، اللعان (ح ١٥٠٠).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن عكرمة.\n(^٩) أخرجه الرامهرمزي بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح. (الأمثال ص ٩٤).","vol":"7","page":504},{"text":"وقال قتادة: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ قال: قادر والله ربنا على ذلك، ومعنى هذا القول عند هؤلاء أن الله ﷿ قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام حسن المنظر والهيئة.\n\n<span id=\"aya-5838\"></span>وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾ أي: إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب.\n\n<span id=\"aya-5839\"></span>\n\n<span id=\"aya-5840\"></span>\n\n<span id=\"aya-5841\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ يعني: وإن عليكم لملائكة حفظة كرامًا فلا تقابلوهم بالقبائح فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان ومسعر، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد، عن ابن عباس: قال: قال رسول الله ﷺ: \"أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين الجنابة والغائط، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو ببعيره أو ليستره أخوه\" (^١).\nوقد رواه الحافظ أبو بكر البزار فوصله بلفظ آخر فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن حفص بن سليمان، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره\" ثم قال حفص بن سليمان: لين الحديث وقد روي عنه واحتمل حديثه (^٢).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا مبشّر بن إسماعيل الحلبي، حدثنا تمام بن نجيح، عن الحسن يعني: البصري، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من حافظين يرفعان إلى الله ﷿ ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارًا إلا قال الله تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة\" ثم قال: تفرد به تمام بن نجيح وهو صالح الحديث (^٣).\n(قلت): وثقه ابن معين وضعفه البخاري وأبو زرعة وابن أبي حاتم والنسائي وابن عدي ورماه ابن حبان بالوضع وقال الإمام أحمد: لا أعرف حقيقة أمره.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقلوسي، حدثنا بيان بن حمران، حدثنا سلام، عن منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لله ملائكة يعرفون بني آدم -وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم- فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان، وإذا\n_________\n(^١) رجاله ثقات وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (مختصر زوائد مسند البزار ١/ ١٨١ ح ٢٠٥).\n(^٣) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ٢/ ٤٦٢ ح ٢٢١٧).","vol":"7","page":505},{"text":"نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا: هلك الليلة فلان\"، ثم قال البزار: سلام هذا أحسبه سلام المدائني، وهو: لين الحديث (^١).\n\n<span id=\"aya-5842\"></span>\n\n<span id=\"aya-5843\"></span>\n\n<span id=\"aya-5844\"></span>﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾.\nيخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا الله ﷿ ولم يقابلوه بالمعاصي، وقد روى ابن عساكر في ترجمة موسى بن محمد، عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عن عبيد الله، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"إنما سمَّاهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء\" (^٢).\nثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم ولهذا قال: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥)﴾ أي: يوم الحساب والجزاء والقيامة\n\n<span id=\"aya-5845\"></span>﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾ أي: لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة ولا يخفف عنهم من عذابها ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة ولو يومًا واحدًا.\n\n<span id=\"aya-5846\"></span>\n\n<span id=\"aya-5847\"></span>\n\n<span id=\"aya-5848\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧)﴾ تعظيم لشأن يوم القيامة ثم أكده بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾ ثم فسره بقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا يقدر أحد على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، ونذكر ههنا حديث: \"يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار لا أملك لكم من الله شيئًا\" وقد تقدم في آخر تفسير سورة الشعراء (^٣). ولهذا قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] وكقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] وكقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة].\n[قال] (^٤) قتادة: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ والأمر والله اليوم لله، ولكنه لا ينازعه فيه يومئذٍ أحد (^٥).\nآخر تفسير سورة الانفطار، ولله الحمد.\n_________\n(^١) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه، وأضاف الحافظ ابن حجر قوله في سلام: بل متروك. فالسند ضعيف جدًا. (المصدر السابق ٢/ ٤٥١ ح ٢١٩٥).\n(^٢) تاربخ دمشق ١٧/ ل ٤٠٠ وسنده فيه موسى بن محمد وهو مقبول. (التقريب ص ٥٥٣) وهشام بن عمار: صدوق كبر فصار يتلقن. (التقريب ص ٥٧٣).\n(^٣) تقدم تخريجه في الآية ٢١٤.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":506},{"text":"<span data-type='title' id=toc-206>سُورَةُ المُطَفِّفِينَ</span>\nوهي مدنية\n\n<span id=\"aya-5849\"></span>\n\n<span id=\"aya-5850\"></span>﷽\n﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾.\nقال النسائي وابن ماجه: أخبرنا محمد بن عقيل، زاد ابن ماجه وعبد الرحمن بن بشر قالا: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، حدثني أبي، عن يزيد وهو: ابن أبي سعيد النحوي مولى قريش، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ فحسنَّوا الكيل بعد ذلك (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن النضر بن حماد، حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن هلال بن طلق قال: بينما أنا أسير مع ابن عمر فقلت: من أحسن الناس هيئة وأوفاهم كيلًا أهل مكة أو أهل المدينة قال: حُقَّ لهم، أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا ابن فضيل، عن ضرار، عن عبد الله المكتب، عن رجل، عن عبد الله قال: قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن إن أهل المدينة ليوفون الكيل، قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ حتى بلغ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (^٣).\nوالمراد بالتطفيف ههنا: البخس في المكيال والميزان إما بالإزدياد إن اقتضى من الناس وإما بالنقصان إن قضاهم، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل بقوله\n_________\n(^١) السنن الكبرى للنسائي، التفسير، سورة المطففين (ح ١١٥٩٠)؛ وسنن ابن ماجه، التجارات، باب التوقي في الكيل والوزن (ح ٢٢٢٣)؛ وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٠٨)؛ وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٧/ ٢٠٨ ح ٤٨٩٨)؛ والحاكم كلاهما من طريق علي بن الحسين بن واقد به؛ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٣) وصحح سنده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٦٩٥) والسيوطي (لباب النقول ص ٢٢٨).\n(^٢) في سنده عبد الله بن الحارث وهو الكندي مقبول (التقريب ص ٢٩٩)، ومحمد بن عبيد وهو الكندي الكوفي مقبول أيضًا (التقريب ص ٤٩٥).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق عبيد المكتب عن عبد الله، وسنده منقطع لأن عبيد المكتب لم يسمع من عبد الله وهو ابن مسعود.","vol":"7","page":507},{"text":"تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ أي: من الناس ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ أي: يأخذون حقهم بالوافي والزائد\n\n<span id=\"aya-5851\"></span>﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ أي: ينقصون، والأحسن أن يجعل كالوا ووزنوا متعديًا ويكون هم في محل نصب، ومنهم من يجعلها ضميرًا مؤكدًا للمستتر في قوله: كالوا ووزنوا ويحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وكلاهما متقارب.\nوقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ [الرحمن] وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال.\n\n<span id=\"aya-5852\"></span>\n\n<span id=\"aya-5853\"></span>ثم قال تعالى متوعدًا لهم: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)﴾؟ أي: ما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر في يوم عظيم الهول كثير الفزع جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارًا حامية؟\n\n<span id=\"aya-5854\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ أي: يقومون حفاة عراة غرلًا في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم ويغشاهم من أمر الله تعالى ما تعجز القوى والحواس عنه.\nقال الإمام مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: \"يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه\" (^١). رواه البخاري من حديث مالك وعبد الله بن عون كلاهما عن نافع به، ورواه مسلم من الطريقين أيضًا، وكذلك رواه أيوب بن يحيى وصالح بن كيسان وعبد الله وعبيد الله ابنا عمر ومحمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر به (^٢).\nولفظ الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يوم يقوم الناس لرب العالمين لعظمة الرحمن ﷿ يوم القيامة، حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم\" (^٣).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني سليم بن عامر، حدثني المقداد؛ يعني: ابن الأسود الكندي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين -قال:- فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يُلجِمُه إلجامًا\" (^٤). رواه مسلم عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة والترمذي عن سويد، عن ابن\n_________\n(^١) سنده صحيح من أعلى الأسانيد العالية لأنه ثنائي.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين] (ح ٤٩٣٨)؛ وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب في صفة يوم القيامة (ح ٢٨٦٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣١) وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٣٩/ ٢٣٥ ح ٢٣٨١٣).","vol":"7","page":508},{"text":"المبارك، كلاهما عن ابن جابر به (^١).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، أن أبا عبد الرحمن حدثه، عن أبي أُمامة أن رسول الله ﷺ قال: \"تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل ويزاد في حرها كذا كذا، تغلي منها الهوام كما تغلي القدور، يعرقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق\" (^٢). انفرد به أحمد.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو عشانة حيي بن يؤمن أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ وسط فيه -وأشار بيده فألجمها فاه، رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده هكذا- ومنهم من يغطيه عرقه\" وضرب بيده إشارة (^٣)، انفرد به أحمد، وفي حديث: \"أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون\"، وقيل: يقومون ثلاثمائة سنة، وقيل: يقومون أربعين ألف سنة، ويقضي بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: \"في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة\" (^٤).\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عون الزيادي، أخبرنا عبد السلام بن عجلان، سمعت أبا يزيد المدني، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لبشير الغفاري: \"كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه ثلاثمائة سنة لرب العالمين من أيام الدنيا لا يأتيهم فيه خبر من السماء ولا يؤمر فيهم بأمر؟ \" قال بشير: المستعان الله، قال: \"فإذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة وسوء الحساب\" ورواه ابن جرير من طريق عبد السلام به (^٥).\nوفي سنن أبي داود: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة (^٦).\nوعن ابن مسعود يقومون أربعين سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يكلمهم أحد قد ألجم العرق برهم وفاجرهم (^٧).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، صفة الجنة ونعيمها، باب صفة يوم القيامة (ح ٢٨٦٤).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند ٣٦/ ٥٢٣ ح ٢٢١٨٦).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، (المسند ٤/ ١٥٧) وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال ويتقوى بالشواهد السابقة فيكون سنده حسنًا لغيره.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة المعارج: آية ٤.\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق عبد السلام بن عجلان به، وسنده ضعيف لضعف عبد السلام. (لسان الميزان ٤/ ١٦).\n(^٦) أخرجه أبو داود من حديث عائشة ﵂. (السنن، الصلاة، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء ح ٧٦٦)؛ وقال الألباني: حسن صحيح. (صحيح سنن أبي داود ح ٦٩٣).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه شريك.","vol":"7","page":509},{"text":"وعن ابن عمر: يقومون مائة سنة رواهما ابن جرير (^١).\nوفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن أزهر بن سعيد الحواري، عن عاصم بن حميد، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يفتتح قيام الليل: يكبر عشرًا ويحمد عشرًا، ويسبح عشرًا ويستغفر عشرًا ويقول: \"اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني\" ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة (^٢).\n\n<span id=\"aya-5855\"></span>\n\n<span id=\"aya-5856\"></span>﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾.\nيقول تعالى: حقًا ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ أي: أن مصيرهم ومأواهم لفي سجين فعيل من السجن وهو الضيق، كما يقال: فسيق وشريب وخمير وسكير ونحو ذلك، ولهذا عظم أمره فقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾؟ أي: هو أمر عظيم وسجن مقيم وعذاب أليم، ثم قد قال قائلون: هي تحت الأرض السابعة، وقد تقدم في حديث البراء بن عازب في حديثه الطويل: يقول الله ﷿ في روح الكافر: اكتبوا كتابه في سجين. وسجين هي تحت الأرض السابعة (^٣)، وقيل: صخرة تحت الأرض السابعة خضراء، وقيل: بئر في جهنم.\nوقد روى ابن جرير في ذلك حديثًا غريبًا منكرًا لا يصح فقال: حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الواسطي، عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"الفلق جبٌّ في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح\" (^٤). والصحيح أن سجينًا مأخوذ من السجن وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة، ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين] وقال ههنا: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ وهو يجمع الضيق والسفول كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ [الفرقان].\n\n<span id=\"aya-5857\"></span>وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ ليس تفسيرًا لقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ وإنما هو تفسير\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه أبو بكر وهو ابن عياش.\n(^٢) سنن أبي داود، الحديث السابق نفسه، وسنن النسائي، قيام الليل، باب ذكر ما يستفتح به القيام ٣/ ٢٠٨؛ وسنن ابن ماجه، الإقامة باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل (ح ١٣٥٦)؛ وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ١١١٥).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة إبراهيم آية ٢٧.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن كثير.","vol":"7","page":510},{"text":"لما كتب لهم من المصير إلى سجين؛ أي: مرقوم مكتوب مفروغ منه لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد. قاله محمد بن كعب القرظي.\n\n<span id=\"aya-5858\"></span>ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾ أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين، وقد تقدم الكلام على قوله: ﴿وَيْلٌ﴾ بما أغنى عن إعادته، وأن المراد من ذلك الهلاك والدمار كما يقال: ويل لفلان، وكما جاء في المسند والسنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \"ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك الناس، ويل له، ويل له\" (^١).\n\n<span id=\"aya-5859\"></span>ثم قال تعالى مفسرًا للمكذبين الفجار الكفرة: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾ أي: لا يصدقون بوقوعه ولا يعتقدون كونه ويستبعدون أمره،\n\n<span id=\"aya-5860\"></span>قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾ أي: معتد في أفعاله؛ من تعاطي الحرام والمجاوزة في تناول المباح والأثيم في أقواله إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر.\n\n<span id=\"aya-5861\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ أي: إذا سمع كلام الله تعالى من الرسول يكذب به ويظن به ظن السوء فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ [النحل] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان].\n\n<span id=\"aya-5862\"></span>قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا أنَّ هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله ﷺ، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا، ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾.\nوالرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار، والغين للمقربين.\nوقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن العبد إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت، فذلك قول الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ \". وقال الترمذي: حسن صحيح، ولفظ النسائي \"إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، فإِن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ (^٢) \".\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٥/ ٥)؛ وأبو داود، السنن، الأدب، باب التشديد في الكذب (ح ٤٩٩٠)؛ والترمذي (السنن، الزهد، باب فيمن تكلم بكلمة ليضحك بها الناس ح ٢٣١٦؛ والنسائي السنن الكبرى التفسير ح ١١١٢٦)؛ وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٧٥).\n(^٢) أخرجه الطبري والترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة المطففين ح ٣٣٣٤)، والنسائي (السنن الكبرى، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ح ١١٦٥٨)؛ وابن ماجه (السنن، الزهد، باب ذكر الذنوب ح ٤٢٤٤)؛ وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٤١٧؛ وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ١/ ٥).","vol":"7","page":511},{"text":"وقال أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإِن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، وذاك الران الذي ذكر الله في القرآن ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ \" (^١).\nوقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت (^٢)، وكذا قال مجاهد بن جبير وقتادة وابن زيد وغيرهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-5863\"></span>وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ أي: لهم يوم القيامة منزل ونزل سجين ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم.\nقال الإمام أبو عبد الله الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه ﷿ يومئذٍ (^٤)، وهذا الذي قاله الإمام الشافعي ﵀ في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة]، وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم ﷿ في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنات الفاخرة.\nوقد قال ابن جرير: [حدثني محمد بن عمار الرازي] (^٥)، حدثنا أبو معمر المقري، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ قال: يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية. أو كلامًا هذا معناه.\n\n<span id=\"aya-5864\"></span>وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ أي: ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران\n\n<span id=\"aya-5865\"></span>﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ أي: يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ والتصغير والتحقير (^٦).\n\n<span id=\"aya-5866\"></span>\n\n<span id=\"aya-5867\"></span>﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾.\nيقول تعالى: حقًا ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ وهم بخلاف الفجار ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: مصيرهم إلى عليين وهو بخلاف سجين.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده قوي. (المسند ١٣/ ٣٣٤ ح ٧٩٥٢).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^٣) أخرجه آدم والطبري بعدة أسانيد صحيحة عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه البيهقي عن الشافعي. (مناقب الشافعي ١/ ٤١٩).\n(^٥) زيادة من تفسير الطبري.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه آدم بن أبي إياس عن أبي معمر المقري به. وسنده مرسل، وفي عمرو بن عبيد مقال. (التقريب ص ٤٢٤).","vol":"7","page":512},{"text":"قال الأعمش: عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا حاضر عن ﴿سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٧] قال: هي الأرض السابعة وفيها أرواح الكفار، وسأله عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: هي السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين (^١). وهكذا قال غير واحد: إنها السماء السابعة (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾ يعني: الجنة (^٣).\nوفي رواية العوفي عنه: أعمالهم في السماء عند الله (^٤). وكذا قال الضحاك:\nوقال قتادة: عليون: ساق العرش اليمنى (^٥).\nوقال غيره: عليون: عند سدرة المنتهى (^٦)، والظاهر: أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع، ولهذا قال تعالى معظمًا أمره ومفخمًا شأنه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩)﴾\n\n<span id=\"aya-5868\"></span>\n\n<span id=\"aya-5869\"></span>ثم قال تعالى مؤكدًا لما كتب لهم: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾ وهم الملائكة. قاله قتادة (^٧).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: يشهده من كل سماء مقربوها (^٨).\n\n<span id=\"aya-5870\"></span>\n\n<span id=\"aya-5871\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)﴾ أي: يوم القيامة هم في نعيم مقيم وجنات فيها فضل عميم ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ وهي السرر تحت الحجال ينظرون قيل: معناه ينظرون في ملكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد.\nوقيل: معناه ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)﴾ إلى الله ﷿، وهذا مقابل لما وصف به أولئك الفجار ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله ﷿ وهم على سررهم وفرشهم، كما تقدم في حديث ابن عمر: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاهم لمن ينظر إلى الله في اليوم مرتين\" (^٩).\n\n<span id=\"aya-5872\"></span>وقوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ أي: تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم؛ أي: صفة الترافة والحشمة والسرور والدعة والرياسة مما هم فيه من النعيم العظيم.\n\n<span id=\"aya-5873\"></span>وقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)﴾ أي: يسقون من خمر من الجنة، والرحيق من أسماء الخمر، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وابن زيد (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الأجلح عن الضحاك، وسبب ضعفه أنه معضل. ومثل هذا لا يؤخذ إلا عن الوحي.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به بلفظ: \"كل أهل سماء\".\n(^٩) تقدم تخريجه في تفسير سورة القيامة: آية ٢٢.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي شيبة والطبري بسند صحيح من طريق مسروق عن ابن مسعود (المصنف ٨/ ٨٧)؛ وأخرجه =","vol":"7","page":513},{"text":"قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن سعد أبي المجاهد الطائي، عن عطية بن سعد العوفي، عن أبي سعيد الخدري -أراه قد رفعه إلى النبي ﷺ- قال: \"أيما مؤمن سقى مؤمنًا شربة ماء على ظمأ سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمنًا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مؤمن كسا مؤمنًا ثوبًا على عري كساه الله من خضر الجنة\" (^١).\n\n<span id=\"aya-5874\"></span>وقال ابن مسعود في قوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: أي خلطه مسك (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: طيب الله لهم الخمر فكان آخر شيء جعل فيها مسك ختم بمسك (^٣)، وكذا قال قتادة والضحاك.\nوقال إبراهيم والحسن: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: عاقبته مسك (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن وضاح، حدثنا أبو حمزة، عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي الدرداء ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قال: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم، ولو أن رجلًا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها (^٥).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قال: [طينه] (^٦) مسك (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أي: وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون وليتباهى ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون، كقوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ [الصافات].\n\n<span id=\"aya-5875\"></span>\n\n<span id=\"aya-5876\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ أي: ومزاج هذا الرحيق الموصوف من تسنيم؛ أي: من شراب يقال له تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه. قاله أبو صالح والضحاك، ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ أي: يشربها المقربون صرفًا وتمزج لأصحاب اليمين مزجًا.\n_________\n= الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٣) وسنده ضعيف لضعف عطية العوفي.\n(^٢) أخرجه الطبري والحاكم من طريق علقمة بن قيس عن ابن مسعود وصححه الحاكم؛ ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥١٧).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي حمزة عن إبراهيم والحسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه آدم بن أبي إياس من طريق شيبان بن عبد الرحمن عن جابر به، وجابر هو الجعفي من تلاميذ شيبان بن عبد الرحمن (ينظر: تهذيب الكمال ١٢/ ٥٩٣) وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي (التقريب ص ١٣٧).\n(^٦) كذا في (ح) وتفسير الطبري وفي الأصل صحف إلى: \"طيبه\".\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"7","page":514},{"text":"[قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق وقتادة وغيرهم] (^١) (^٢).\n\n<span id=\"aya-5877\"></span>\n\n<span id=\"aya-5878\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾.\nيخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين؛ أي: يستهزئون بهم ويحتقرونهم، وإذا مرُّوا بالمؤمنين يتغامزون عليهم؛ أي: محتقرين لهم\n\n<span id=\"aya-5879\"></span>﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)﴾ أي: وإذا انقلب؛ أي: رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم انقلبون إليها فاكهين؛ أي: مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحتقرونهم ويحسدونهم\n\n<span id=\"aya-5880\"></span>﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ أي: لكونهم على غير دينهم.\n\n<span id=\"aya-5881\"></span>\n\n<span id=\"aya-5882\"></span>قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾ أي: وما بعث هؤلاء المجرمون حافظين على هؤلاء المؤمنين ما يصدر منهم من أعمالهم وأقوالهم ولا كلفوا بهم؟ فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم، كما قال تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾ [المؤمنون] ولهذا قال ههنا: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني: يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أي: في مقابلة ما ضحك بهم أولئك\n\n<span id=\"aya-5883\"></span>﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾ أي: إلى الله ﷿ في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون ليسوا بضالين بل هم من أولياء الله المقربين ينظرون إلى ربهم في دار كرامته.\n\n<span id=\"aya-5884\"></span>وقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾؟ أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقيص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله.\nآخر تفسير سورة المطففين، ولله الحمد والمنّة.\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل وردت قبل ذكر قوله: \"ولهذا قال\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة والطبري بسند صحيح من طريق مسروق عن ابن مسعود (المصنف ٨/ ٨٧). وأخرجه عبد الرزاق بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقول مسروق تقدم ضمن رواية ابن مسعود كما في سابقه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.","vol":"7","page":515},{"text":"<span data-type='title' id=toc-207>سُورَةُ الانشِقَاقِ</span>\nقال مالك، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة قرأ بهم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها (^١)، رواه مسلم والنسائي من طريق مالك به (^٢).\nوقال البخاري: حدثنا أبو النعمان، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن بكر، عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ فسجد، فقلت له. فقال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه (^٣)، ورواه أيضًا عن مسدد، عن معتمر به. ثم رواه عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن التيمي، عن بكر، عن أبي رافع فذكره (^٤). وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن سليمان بن طرخان التيمي به، وقد رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان بن عيينة، زاد النسائي وسفيان الثوري كلاهما عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة، قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ (^٥) [العلق].\n\n<span id=\"aya-5885\"></span>\n\n<span id=\"aya-5886\"></span>\n\n<span id=\"aya-5887\"></span>﷽\n﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾.\nيقول تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ وذلك يوم القيامة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: استمعت لربها\n_________\n(^١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه بلفظ قرأ لهم (الموطأ، القرآن، باب ما جاء في سجود القرآن ١/ ٢٠٥ ح ١٢) وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه مسلم من طريق مالك به. (الصحيح، المساجد ومواضع الصلاة، باب سجود التلاوة ح ٥٧٨) وكذا النسائي. (السنن الكبرى، التفسير، سورة الانشقاق ح ١١٥٩٦).\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، الأذان، باب الجهر في العشاء ح ٧٦٦).\n(^٤) أخرجه البخاري عن مسدد به (الصحيح، الأذان، باب القراءة في العشاء بالسجدة ح ٧٦٨).\n(^٥) صحيح مسلم، المساجد، باب سجود التلاوة (ح ٥٧٧/ ١١٠ و٥٧٧/ ١٠٨)؛ وسنن أبي داود، الصلاة، باب السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق] (ح ١٤٠٧)؛ والسنن الكبرى للنسائي، الافتتاح، باب السجود في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (ح ١٠٣٩).","vol":"7","page":516},{"text":"وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق، وذلك يوم القيامة ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: وحُق لها أن تطيع أمره؛ لأنه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء وذلَّ له كل شيء، ثم قال: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾ أي: بسطت وفرشت ووسعت.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، أن النبي ﷺ قال: \"إذا كان يوم القيامة مدَّ الله الأرض مدَّ الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه، فأكون أول من يدعى وجبريل عن يمين الرحمن، واللهِ ما رآه قبلها، فأقول: يا ربِّ إن هذا أخبرني، أنك أرسلته إليَّ. فيقول الله ﷿: صدق ثم أشفع، فأقول: يا ربِّ عبادك عبدوك في أطراف الأرض، قال: وهو المقام المحمود\" (^١).\n\n<span id=\"aya-5888\"></span>\n\n<span id=\"aya-5889\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾ أي: ألقت ما في بطنها من الأموات وتخلَّت منهم. قاله مجاهد وسعيد وقتادة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ (^٢) كما تقدم.\n\n<span id=\"aya-5890\"></span>وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أي: إنك ساع إلى ربك سعيًا وعامل عملًا ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر. ويشهد لذلك ما رواه أبو داود الطيالسي عن الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال جبريل يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه\" (^٣).\nومن الناس من يعيد الضمير على قوله: ﴿رَبِّكَ﴾؛ أي: فملاق ربك، ومعناه: فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك، وعلى هذا فكلا القولين متلازم.\nقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ يقول: تعمل عملًا تلقى الله به خيرًا كان أو شرًا (^٤).\nوقال قتادة: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ إن كدحك يا ابن آدم لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل ولا قوة إلا بالله (^٥).\n\n<span id=\"aya-5891\"></span>\n\n<span id=\"aya-5892\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ أي: سهلًا بلا تعسير؛ أي: لا يحقق عليه جميع دقائق أعماله، فإن من حوسب كذلك هلك لا محالة.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من نوقش الحساب عذب\" قالت: فقلت: أفليس قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾؟ قال: \"ليس ذاك بالحساب ولكن ذلك العرض من نوقش\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه مرسل، ويشهد لقوله: وهو المقام المحمود ما ورد في تفسير سورة الإسراء: آية ٧٩ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص ٢٤٢ ح ١٧٥٥) وسنده ضعيف لضعف الحسن بن أبي جعفر وهو الجفري (التقريب ص ١٥٩).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":517},{"text":"الحساب يوم القيامة عُذِّب\" (^١). وهكذا رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير من حديث أيوب السختياني به (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذبًا\" فقلت: أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾؟ قال: \"ذاك العرض إنه من نوقش الحساب عُذِّب\" وقال بيده على إصبعه [كأنه] (^٣) ينكت (^٤)، وقد رواه أيضًا عن عمرو بن علي، عن ابن أبي عدي، عن أبي يونس القشيري، عن ابن أبي مُليكة، عن القاسم، عن عائشة فذكر الحديث (^٥)، أخرجاه من طريق أبي يونس القشيري واسمه: حاتم بن أبي صغيرة (^٦) به.\nقال ابن جرير: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا مسلم، عن الحريش بن الخريت أخي الزبير، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، قالت: من نوقش الحساب -أو من حوسب- عُذِّب. قال: ثم قالت: إنما الحساب اليسير عرض على الله تعالى وهو يراهم (^٧).\nوقال أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: \"اللَّهم حاسبني حسابًا يسيرًا\" فلما انصرف قلت: يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: \"أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه؛ إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذٍ هلك\" (^٨). صحيح على شرط مسلم.\n\n<span id=\"aya-5893\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ أي: ويرجع إلى أهله في الجنة. قاله قتادة والضحاك (^٩)، ﴿مَسْرُورًا﴾ أي: فرحًا مغتبطًا بما أعطاه الله ﷿.\nوقد روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه قال: \"إنكم تعملون أعمالًا لا تعرف، ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله فمسرور أو مكظوم\" (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٧) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق] (ح ٤٩٣٩)؛ وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب إثبات الحساب (ح ٢٤٢٨)؛ والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، سورة الانشقاق (ح ١١٥٩٥).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحفت إلى: \"فإنه\".\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه بلفظ: \"ينكته\" وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان بن وكيع فيه مقال ولكنه توبع فيتقوى بسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري عن عمرو بن علي به، وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، التفسير، (ح ٤٩٣٩)؛ وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب إثبات الحساب (ح ٢٨٧٦/ ٨٠).\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه؛ أخرجه الحاكم من طريق الحريش بن الخريت وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: \"الحريش\"؛ قال البخاري: في حديثه نظر (المستدرك ٤/ ٥٨٠) ويتقوى بما سبق.\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٨) وسنده حسن.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"إلى أهلٍ أعدَّ الله لهم الجنة\".\n(^١٠) أخرجه الطبراني بسند ضعيف (المعجم الكبير ٢/ ٩٤ ح ١٤١٦) وفي سنده يحيى بن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٣٤).","vol":"7","page":518},{"text":"<span id=\"aya-5894\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ أي: بشماله من وراء ظهره تثنى يده إلى ورائه ويعطى كتابه بها كذلك\n\n<span id=\"aya-5895\"></span>﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١)﴾ أي: خسارًا وهلاكًا\n\n<span id=\"aya-5896\"></span>\n\n<span id=\"aya-5897\"></span>﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)﴾ أي: فرحًا لا يفكر في العواقب ولا يخاف مما أمامه، فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل.\n\n<span id=\"aya-5898\"></span>\n\n<span id=\"aya-5899\"></span>﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ أي: كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله ولا يعيده بعد موته. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما (^١)، والحور هو: الرجوع. قال الله: ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ يعني: بلى سيعيده الله كما بدأه ويجازيه على أعماله خيرها وشرها، فإنه كان به بصيرًا؛ أي: عليمًا خبيرًا.\n\n<span id=\"aya-5900\"></span>\n\n<span id=\"aya-5901\"></span>﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾.\nروي عن علي وابن عباس وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وشداد بن أوس وابن عمر ومحمد بن علي بن الحسين ومكحول وبكر بن عبد الله المزني وبكير بن الأشج ومالك وابن أبي ذئب وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون أنهم قالوا: الشفق: الحمرة (^٢).\nوقال عبد الرزاق: عن معمر، عن ابن خُثيم، عن ابن لبيبة، عن أبي هريرة قال: الشفق: البياض (^٣)، فالشفق: هو حمرة الأفق إما قبل طلوع الشمس؛ كما قاله مجاهد، وإما بعد غروبها؛ كما هو معروف عند أهل اللغة.\nقال الخليل بن أحمد: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب قيل: غاب الشفق.\nوقال الجوهري: الشفق: بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب من العتمة، وكذا قال عكرمة: الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء.\nوفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"وقت المغرب ما لم يغب الشفق\" (^٤)، ففي هذا كلِّه دليل على أن الشفق هو كما قاله الجوهري والخليل.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١/ ٣٣٣)؛ والطبري بسند صحيح من طريق العوام بن حوشب عن مجاهد؛ وعزاه السيوطي إلى سمويه في \"فوائده\" عن عمر بن الخطاب ﵁؛ وأخرجه عبد الرزاق عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر (المصنف ١/ ٥٥٩ رقم ٢١٢٢)؛ وفي سنده عبد الله بن نافع وهو ضعيف. (التقريب ص ٣٢٦)؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند حسن عن محمد بن راشد عن مكحول عن ثور بن يزيد. (المصنف ١/ ٥٥٩ رقم ٢١٢١).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه. وسنده ضعيف لضعف ابن لبيبة (التقريب ص ٤٩٣) وأيضًا فهو لم يسمع من أبي هريرة.\n(^٤) صحيح مسلم، المساجد، باب أوقات الصلوات الخمس (ح ٦١٢).","vol":"7","page":519},{"text":"ولكن صحَّ عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦)﴾ هو النهار كله (^١)، وفي رواية عنه أيضًا أنه قال: الشفق الشمس (^٢). رواهما ابن أبي حاتم، وإنما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ أي: جمع كأنه أقسم بالضياء والظلام.\nوقال ابن جرير: أقسم الله بالنهار مدبرًا وبالليل مقبلًا (^٣).\nوقال ابن جرير: وقال آخرون: الشفق اسم للحمرة والبياض. وقالوا: هو من الأضداد (^٤).\nقال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ وما جمع (^٥).\nقال قتادة: وما جمع من نجم ودابة (^٦)، واستشهد ابن عباس بقول الشاعر:\nمستوسقات لو يجدن سائقًا (^٧)\nوقال عكرمة: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ يقول ما ساق من ظلمة إذا كان الليل ذهب كل شيء إلى مأواه (^٨).\n\n<span id=\"aya-5902\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾ قال ابن عباس: إذا اجتمع واستوى (^٩)، وكذا قال عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ومسروق وأبو صالح والضحاك وابن زيد (^١٠).\n﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾ إذا استوى. وقال الحسن: إذا اجتمع إذا امتلأ (^١١)، وقال قتادة: إذا استدار (^١٢). ومعنى كلامهم أنه إذا تكامل نوره وأبدر جعله مقابلًا لليل وما وسق.\n\n<span id=\"aya-5903\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال البخاري: أخبرنا سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد قال: قال ابن عباس: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ حالًا بعد حال، قال: هذا نبيكم ﷺ (^١٣)، هكذا رواه البخاري بهذا اللفظ. وهو محتمل أن يكون ابن\n_________\n(^١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١/ ٣٣٣)؛ والطبري بسند حسن من طريق العوام بن حوشب عن مجاهد بلفظ: \"إن الشفق من الشمس\".\n(^٣) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٤) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مجاهد عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) هذا الشطر تتمة لرواية ابن عباس السابقة وقد استشهد به أبو عبيدة معمر بن المثنى (مجاز القرآن ٢/ ٢٩٢).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق علي بن الحسن، وهو ابن شقيق المروزي، عن حسين، وهو ابن واقد المروزي، عن عكرمة.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سماك عن عكرمة؛ وأخرجه أيضًا آدم والطبري بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد، وأخرجه أيضًا الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^١٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^١٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق] ح ٤٩٤٠).","vol":"7","page":520},{"text":"عباس أسند هذا التفسير عن النبي ﷺ كأنه قال: سمعت هذا من نبيكم ﷺ، فيكون قوله نبيكم مرفوعًا على الفاعلية من قال، وهو الأظهر، والله أعلم كما قال أنس: لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه سمعته من نبيكم ﷺ (^١).\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، أن ابن عباس كان يقول: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال يعني: نبيكم ﷺ: \"حالًا بعد حال\" (^٢)، وهذا لفظه.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا بعد حال (^٣). وكذا قال عكرمة ومُرة الطيب ومجاهد والحسن والضحاك ومسروق وأبو صالح (^٤).\nويحتمل أن يكون المراد ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ حالًا بعد حال، قال هذا. يعني المراد بهذا نبيكم ﷺ فيكون مرفوعًا على أن هذا ونبيكم يكونان مبتدأ وخبرًا والله أعلم، ولعلَّ هذا قد يكون هو المتبادر إلى كثير من الرواة كما قال أبو داود الطيالسي وغندر: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال: محمد ﷺ (^٥). ويؤيد هذا المعنى قراءة عمر وابن مسعود وابن عباس وعامة أهل مكة والكوفة لترَكبَن بفتح التاء والباء (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن الشعبي: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء (^٧). وهكذا روي عن ابن مسعود ومسروق وأبي العالية ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ سماء بعد سماء (^٨).\n(قلت): يعنون ليلة الإسراء.\nوقال أبو إسحاق والسدي، عن رجل، عن ابن عباس: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ منزلًا على منزل (^٩)، وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس مثله وزاد: ويقال: أمرًا بعد أمر وحالًا بعد حال (^١٠).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الفتن، باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه (ح ٧٠٦٨).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح؛ وأخرجه الحاكم من طريق هشيم به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥١٩).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سماك عن عكرمة، وأخرجه عبد الرزاق بسند حسن من طريق موسى بن أبي عائشة عن مُرة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^٥) سنده صحيح.\n(^٦) وهي قراءة متواترة.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق وكيع عن إسماعيل به، وسنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الطبري والحاكم من طريقين يقوي أحدها الآخر (المستدرك ٢/ ٥١٨)؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن وأبي العالية.\n(^٩) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري عن أبي إسحاق عن رجل حدثه عن ابن عباس.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.","vol":"7","page":521},{"text":"وقال السدي نفسه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ أعمال مَنْ قبلكم منزلًا بعد منزل.\n(قلت): كأنه أراد معنى الحديث الصحيح: \"لتركبن سنن مَنْ كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه\" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى قال: \"فمن؟ \" (^١). وهذا محتمل.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا ابن جابر أنه سمع مكحولًا يقول في قول الله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال: في كل عشرين سنة تحدثون أمرًا لم تكونوا عليه (^٢).\nوقال الأعمش: حدثنا إبراهيم قال: قال عبد الله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾، قال: السماء تتشقق ثم تحمر ثم تكون لونًا بعد لون (^٣).\nوقال الثوري، عن [قيس] (^٤) بن وهب، عن مُرَّة، عن ابن مسعود: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال: السماء مَرَّة كالدهان ومَرَّة تنشق (^٥).\nوروى البزار من طريق جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ يا محمد يعني حالًا بعد حال، ثم قال: ورواه جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس (^٦).\nوقال سعيد بن جبير ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال: قوم كانوا في الدنيا خسيس أمرهم فارتفعوا في الآخرة، وآخرون كانوا أشرافًا في الدنيا فاتضعوا فى الآخرة (^٧).\nوقال عكرمة: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا بعد حال فطيمًا بعد ما كان رضيعًا، وشيخًا بعد ما كان شابًا.\nوقال الحسن البصري: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ يقول: حالًا بعد حال، رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقرًا بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقمًا بعد صحة (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن عبد الله بن زاهر، حدثني أبي، عن عمرو بن شمر، عن جابر هو: الجعفي، عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن ابن آدم لفي غفلة مما خلق له إن الله تعالى إذا أراد خلقه قال للملك: اكتب رزقه، اكتب أجله،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة (ح ٣٤).\n(^٢) سنده مرسل ضعيف ومثل هذا المتن لا يؤخذ إلا من الوحي لأنه غيب.\n(^٣) سنده منقطع لأن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود ويتقوى بما يليه.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم) وترجمته، وفي الأصل صحف إلى: \"قوس\".\n(^٥) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن مهران عن سفيان به، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف لكنه توبع؛ فقد أخرجه آدم بن أبي إياس من طريق السدي عن مُرة عن ابن مسعود، وسنده حسن.\n(^٦) أخرجه البزار من طريق شريك عن جابر به. قال ابن حجر: وجابر ضعيف (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ١١٦ ح ١٥٢٧).\n(^٧) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٨) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد عن قتادة بنحوه.","vol":"7","page":522},{"text":"اكتب أثره، اكتب شقيًا أو سعيدًا. ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله إليه ملكًا آخر فيحفظه حتى يدرك، ثم يرتفع ذلك الملك ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا حضره الموت ارتفع ذانك الملكان وجاءه ملك الموت فقبض روحه، فإذا دخل قبره ردَّ الروح في جسده. ثم ارتفع ملك الموت وجاء ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحطَّ عليه ملك الحسنات وملك السيئات، فانتشطا كتابًا معقودًا في عنقه، ثم حضرا معه واحدًا سائقًا وآخر شهيدًا (^١).\nثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢] \" قال رسول الله ﷺ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال: \"حالًا بعد حال\" ثم قال النبي ﷺ: \"إن قدامكم لأمرًا عظيمًا لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم\" (^٢) هذا حديث منكر، وإسناده فيه ضعفاء ولكن معناه صحيح، والله ﷾ أعلم.\nثم قال ابن جرير بعد ما حكى أقوال الناس في هذه الآية من القراء والمفسرين: والصواب من التأويل قول من قال: لتركبن أنت يا محمد حالًا بعد حال وأمرًا بعد أمر من الشدائد، والمراد بذلك وإن كان الخطاب موجهًا إلى رسول الله ﷺ جميع الناس وأنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأحواله أهوالًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-5904\"></span>\n\n<span id=\"aya-5905\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ أي: فماذا يمنعهم من الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر؟ وما لهم إذا قرئت عليهم آيات الله وكلامه وهو هذا القرآن لا يسجدون إعظامًا وإكرامًا واحترامًا؟\n\n<span id=\"aya-5906\"></span>وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢)﴾ أي: من سجيتهم التكذيب والعناد والمخالفة للحق\n\n<span id=\"aya-5907\"></span>﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾ قال مجاهد وقتادة: يكتمون في صدورهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-5908\"></span>﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ أي: فأخبرهم يا محمد بأن الله ﷿ قد أعدَّ لهم عذابًا أليمًا.\n\n<span id=\"aya-5909\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذا استثناء منقطع يعني: لكن الذين آمنوا؛ أي: بقلوبهم وعملوا الصالحات؛ أي: بجوارحهم ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قال ابن عباس: غير منقوص (^٥).\nوقال مجاهد والضحاك: غير محسوب (^٦)، وحاصل قولهما أنه غير مقطوع كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨].\nوقال السدي: قال بعضهم: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص.\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف جابر الجعفي كما تقدم في الرواية السابق عن الحافظ ابن حجر.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم بسند فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف كما تقدم. (حلية الأولياء ٣/ ١٩٠).\n(^٣) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وهو لم يسمع من مجاهد.","vol":"7","page":523},{"text":"وقال بعضهم: غير ممنون عليهم، وهذا القول الأخير عن بعضهم قد أنكره غير واحد، فإن الله ﷿ له المنة على أهل الجنة في كل حال وآن ولحظة، وإنما دخلوها بفضله ورحمته لا بأعمالهم فله عليهم المنة دائمًا سرمدًا والحمد لله وحده أبدًا، ولهذا يلهمون تسبيحه وتحميده كما يلهمون النفس، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [يونس: ١٠].\nآخر تفسير سورة الانشقاق، ولله الحمد.","vol":"7","page":524},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>سُورَةُ البُرُوجِ</span>\nوهي مكية\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا زريق بن أبي سلمى، حدثنا أبو المُهزَّم، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العشاء الآخرة بـ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ (^١).\nوقال أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا حماد بن عباد السدوسي، سمعت أبا المهزم يحدث، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أمر أن يقرأ بالسموات في العشاء (^٢)، تفرد به أحمد.\n\n<span id=\"aya-5910\"></span>﷽\n﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾.\nيقسم تعالى بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام كما تقدم بيان ذلك في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان] قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة والسدي: البروج: النجوم (^٣).\nوعن مجاهد أيضًا: البروج التي فيها الحرس.\nوقال يحيى بن رافع: البروج قصور في السماء.\nوقال المنهال بن عمرو: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ الخلق الحسن، واختار [ابن جرير] (^٤) أنها منازل الشمس والقمر وهي اثنا عشر برجًا، تسير الشمس في كل واحد منها شهرًا، ويسير القمر في كل واحد منها يومين وثلثًا، فذلك ثمانية وعشرون منزلة ويستمر ليلتين (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده، وضعف سنده محققوه لضعف أبي المُهزَّم. (المسند ١٤/ ٧٧ - ٧٨ ح ٨٣٣٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه كسابقه. (المسند ١٤/ ٧٨ ح ٨٣٣٣).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظ: \"قصور في السماء\"؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ. \"النجوم\"؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"ابن خيثمة\".\n(^٥) ذكره الطبري بنحوه.","vol":"7","page":525},{"text":"<span id=\"aya-5911\"></span>\n\n<span id=\"aya-5912\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ اختلف المفسرون في ذلك وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، حدثنا عبيد الله يعني -ابن موسى- حدثنا موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد بن صفوان بن أوس الأنصاري، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢)﴾ يوم القيامة، ﴿وَشَاهِدٍ﴾ يوم الجمعة؛ وما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، ولا يستعيذ فيها من شر إلا أعاذه، ﴿وَمَشْهُودٍ﴾ يوم عرفة\" (^١) وهكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة من طرق عن موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف الحديث، وقد روي موقوفًا على أبي هريرة، وهو أشبه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمار -مولى بني هاشم-، عن أبي هريرة، أما علي فرفعه إلى النبي ﷺ، وأما يونس فلم يَعدُ أبا هريرة أنه قال في هذه الآية ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ قال: يعني الشاهد يوم الجمعة، ويوم مشهود يوم القيامة (^٢).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن يونس، سمعت عمارًا مولى بني هاشم يحدث عن أبي هريرة أنه قال في هذه الآية ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود، يوم القيامة (^٣).\nوقد روي عن أبي هريرة أنه قال: اليوم الموعود: يوم القيامة، وكذلك قال الحسن وقتادة وابن زيد (^٤). ولم أرهم يختلفون في ذلك، ولله الحمد.\nثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثنا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"اليوم الموعود يوم القيامة، وإن الشاهد يوم الجمعة، وإن المشهود يوم عرفة ويوم الجمعة ذخره الله لنا\" (^٥).\nثم قال ابن جرير: حدثنا سهل بن موسى الرازي، حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن سيد الأيام يوم الجمعة، وهو الشاهد،\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي كما قرر الحافظ ابن كثير، ولكنه توبع كما سيأتي في رواية الإمام أحمد، فيكون سنده حسنًا لغيره.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: المرفوع منه ضعيف لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان، والموقوف لا بأس به. رجاله رجال الصحيح. (المسند ١٣/ ٣٥١ ح ٧٩٧٢)؛ وأخرجه الحاكم بالسند نفسه وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥١٩).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ١٣/ ٣٥٢ ح ٧٩٧٣).\n(^٤) قول أبي هريرة تقدم صحيحًا في الرواية السابقة، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف رواية محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه. (التقريب ص ٤٦٨).","vol":"7","page":526},{"text":"والمشهود يوم عرفة\" (^١). وهذا مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب.\nثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف المكي، عن ابن عباس قال: الشاهد: هو محمد ﷺ، والمشهود: يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (^٢) [هود: ١٠٣].\nوحدثنا ابن حميد: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن شِباك قال: سأل رجل الحسن بن علي، عن ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ قال: سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عمر وابن الزبير فقالا: يوم الذبح ويوم الجمعة، فقال: لا، ولكن الشاهد: محمد ﷺ، ثم قرأ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء] والمشهود: يوم القيامة ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (^٣) [هود: ١٠٣]. وهكذا قال الحسن البصري.\nوقال سفيان الثوري، عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب: ومشهود يوم القيامة (^٤).\nوقال مجاهد وعكرمة والضحاك: الشاهد: ابن آدم، والمشهود: يوم القيامة (^٥).\nوعن عكرمة أيضًا: الشاهد: محمد ﷺ، والمشهود: يوم الجمعة (^٦).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الشاهد الله والمشهود يوم القيامة (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ قال الشاهد الإنسان، والمشهود يوم الجمعة (^٨)، هكذا رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة (^٩)، وبه عن سفيان الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: يوم الذبح ويوم عرفة يعني: الشاهد والمشهود (^١٠).\nقال ابن جرير: وقال آخرون: المشهود: يوم الجمعة، ورووا في ذلك ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن: حدثني عمي عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه؛ وأخرجه آدم بن أبي إياس عن ورقاء عن المغيرة به، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق سفيان به؛ وأخرجه عبد الرزاق من طريق عبد الرحمن بن حرملة به، وسنده جيد.\n(^٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق خالد الحذاء عن عكرمة.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد وهو ضعيف.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٨) سنده ضعيف لضعف أبي يحيى القتات.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد وهو ضعيف.\n(^١٠) سنده كسابقه في ابن حميد وهو محمد بن حميد وهو ضعيف.","vol":"7","page":527},{"text":"هلال، عن زيد بن أيمن، عن عُبادة بن نسي، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة\" (^١). وعن سعيد بن جبير الشاهد الله، وتلا: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] والمشهود: نحن، حكاه البغوي، وقال الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة.\n\n<span id=\"aya-5913\"></span>\n\n<span id=\"aya-5914\"></span>\n\n<span id=\"aya-5915\"></span>\n\n<span id=\"aya-5916\"></span>وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾ أي: لُعنَ أصحاب الأخدود، وجمعه أخاديد وهي: الحفر في الأرض، وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله ﷿، فقهروهم وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فأبوا عليهم فحفروا لهم في الأرض أخدودًا، وأججوا فيه نارًا وأعدوا لها وقودًا يسعرونها به، ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم فقذفوهم فيها ولهذا قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾ أي: مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-5917\"></span>قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ أي: وما كان لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجنابه المنيع؛ الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وإن كان قد قدر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به فهو العزيز الحميد، وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس (^٢).\n\n<span id=\"aya-5918\"></span>ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من تمام الصفة أنه المالك لجميع السموات والأرض وما فيهما وما بينهما ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: لا يغيب عنه شيء في جميع السموات والأرض ولا تخفى عليه خافية.\nوقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة من هم؟ فعن علي أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم، فامتنع عليهم علماؤهم فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم واستمر فيهم تحليل المحارم إلى اليوم. وعنه أنهم كانوا قومًا باليمن اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين فخدوا لهم الأخاديد وأحرقوهم فيها، وعنه أنهم كانوا من أهل الحبشة واحدهم حبشي.\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥)﴾ قال: ناس من بني إسرائيل خَدُّوا أخدودًا في الأرض ثم أوقدوا فيه نارًا ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالًا ونساء فعرضوا عليها، وزعموا أنه: دانيال وأصحابه (^٣). وهكذا قال الضحاك بن مزاحم (^٤)، وقيل غير ذلك.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه؛ وأخرجه ابن ماجه من طريق عبد الله بن وهب به (السنن، الجنائز، باب ذكر وفاته ﷺ ح ١٦٣٧) وسنده ضعيف لأن عبادة لم يسمع من أبي الدرداء، وزيد بن أيمن مقبول. (التقريب ص ٢٢٢)؛ وذكره الألباني فى ضعيف سنن ابن ماجه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد وهو الرازي: ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.","vol":"7","page":528},{"text":"أبي ليلى، عن صهيب، أن رسول الله ﷺ قال: \"كان فيمن كان قبلكم ملك وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبر سني وحضر أجلي، فادفع إلي غلامًا لأعلمه السحر فدفع إليه غلامًا فكان يعلمه السحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل: حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر. قال: فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة عظيمة فظيعة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا. فقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر؟ قال: فأخذ حجرًا فقال: اللَّهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها ومضى الناس، فأخبر الراهب بذلك فقال: أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليَّ، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان للملك جليس فعمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال: اشفني ولك ما ههنا أجمع، فقال: ما أنا أشفي أحدًا إنما يشفي الله ﷿، فإن آمنت به دعوت الله فشفاك فآمن، فدعا الله فشفاه.\nثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال له الملك: يا فلان من ردَّ عليك بصرك؟ فقال ربي: فقال: أنا. قال: لا، ربي وربك الله، قال: ولك رب غيري؟ قال: نعم ربي وربك الله، فلم يزل يعذبه حتى دلَّ على الغلام، فبعث إليه فقال: أي بني بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء! قال: ما أشفي أحدًا إنما يشفي الله ﷿، قال أنا؟ قال: لا. قال: أولك ربٌّ غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه أيضًا بالعذاب فلم يزل به حتى دلَّ على الراهب، فأتى بالراهب فقال: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض. وقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه (^١) من فوقه، فذهبوا به فلما علوا به الجبل قال: اللَّهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال كفانيهم الله تعالى، فبعث به مع نفر في قرقور (^٢) فقال: إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه في البحر فلججوا به البحر فقال الغلام: اللَّهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون.\nوجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لا تستطيع قتلي، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهمًا من كنانتي، ثم قل: باسم الله ربِّ الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه وقال: باسم الله ربِّ الغلام، فوقع السهم في صدغه، فوضع الغلام\n_________\n(^١) أي: دحرجوه.\n(^٢) القارب الصغير يسير في النهر والبحر.","vol":"7","page":529},{"text":"يده على موضع السهم ومات، فقال الناس: آمنا بربِّ الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد والله نزل بك؛ قد آمن الناس كلهم، فأمر بأفواه السكك، فخدت فيها الأخاديد وأُضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها، قال فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي: اصبري يا أُماه فإنك على الحق\" (^١).\nوهكذا رواه مسلم في آخر الصحيح عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به نحوه (^٢)، ورواه النسائي، عن أحمد بن سلمان، عن عفان، عن حماد بن سلمة. ومن طريق حماد بن زيد كلاهما، عن ثابت به واختصروا أوله (^٣)، وقد جوده الإمام أبو عيسى الترمذي فرواه في تفسير هذه السورة عن محمود بن غيلان وعبد بن حميد -المعنى واحد- قالا: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت البُناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهيب قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر همس. والهمس في بعض قولهم: تحريك شفتيه كأنه يتكلم فقيل له: إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست، قال: \"إن نبيًا من الأنبياء كان أعجب بأمته فقال: من يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن أنتقم منهم، وبين أن أسلط عليهم عدوهم، فاختاروا النقمة، فسلط الله عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ألفًا\" قال: وكان إذا حدث بهذا الحديث، حدث بهذا الحديث الآخر قال: كان ملك من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يتكهن له، فقال الكاهن: انظروا لي غلامًا فهمًا أو قال: فطنًا لقنًا فأعلمه علمي هذا، فذكر القصة بتمامها، وقال في آخره: يقول الله ﷿: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥)﴾ حتى بلغ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.\nقال: فأما الغلام فإنه دفن، فيذكر أنه أخرج في زمان عمر بن الخطاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل، ثم قال الترمذي: حسن غريب (^٤)، وهذا السياق ليس فيه صراحة، أن سياق هذه القصة من كلام النبي ﷺ.\nقال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي، فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى؛ والله أعلم.\nوقد أورد محمد بن إسحاق بن يسار هذه القصة في السيرة بسياق آخر فيها مخالفة لما تقدم فقال: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، وحدثني أيضًا بعض أهل نجران عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها قريبًا من نجران -ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد- ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزلها فيمون ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه، قالوا: نزلها رجل فابتنى\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٦) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الزهد والرقائق، باب قصة أصحاب الأخدود (ح ٣٠٠٥).\n(^٣) السنن الكبرى، التفسير، باب قتل أصحاب الأخدود (ح ١١٦٦١).\n(^٤) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة البروج (ح ٣٣٤٠).","vol":"7","page":530},{"text":"خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر، وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر.\nفبعث التامر ابنه عبد الله بن التامر مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم، وكان يعلمه فكتمه إياه وقال له: يا ابن أخي إنك لن تحمله أخشى ضعفك عنه، والتامر أبو عبد الله لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضنَّ به عنه، وتخوف ضعفه فيه عمد إلى أقداح فجمعها ثم لم يبق لله اسمًا يعلمه إلا كتبه في قدح لكل اسم قدح، حتى إذا حصاها أوقد نارًا ثم جعل يقذفها فيها قدحًا، حتى إذا مرّ بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء، فأخذه، ثم أتى به صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الذي قد كتبه، فقال: وما هو؟ قال: هو كذا وكذا، قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع، فقال: أي ابن أخي قد أصبته فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل.\nفجعل عبد الله بن التامر إذا دخل نجران لم يلق أحدًا به ضر إلا قال له: يا عبد الله أتوحد الله وتدخل في ديني، وأدعو الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحد الله ويسلم، فيدعو الله له، فيشفى حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه، فاتبعه على أمره ودعا له، فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت عليَّ أهل قريتي وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلن بك، قال: لا تقدر على ذلك، قال: فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ما به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه نجران؛ بحور لا يلقى فيها شيء إلا هلك فيلقى به فيها، فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه قال له عبد الله بن التامر: إنك والله لا تقدر على قتلي حتى تؤمن بما آمنت به وتوحد الله، فإنك إن فعلت سلطت علي فقتلتني، قال: فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبد الله بن التامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، وهلك الملك مكانه واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن التامر، وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم ﵇ من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران.\nقال ابن إسحاق: فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن عبد الله بن التامر فالله أعلم أي ذلك كان، قال: فسار إليهم ذو نواس بجنده فدعاهم إلى اليهودية وخيَّرهم بين ذلك أو القتل فاختاروا القتل، فخدَّ الأخدود فحرق بالنار وقتل بالسيف، ومثَّل بهم حتى قتل منهم قريبًا من عشرين ألفًا، ففي ذي نواس وجنده أنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ (^١).\n_________\n(^١) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٣٤، وسنده مرسل.","vol":"7","page":531},{"text":"هكذا ذكر محمد بن إسحاق في السيرة أن الذي قتل أصحاب الأخدود هو: ذو نواس واسمه زرعة، ويسمى في زمان مملكته بيوسف، وهو: ابن بيان أسعد أبي كريب، وهو تُبَّع الذي غزا المدينة وكسى الكعبة واستصحب معه حبرين من يهود المدينة، فكان تهوَّد من تهوَّد من أهل اليمن على يديهما كما ذكره ابن إسحاق مبسوطًا، فقتل ذو نواس في غداة واحدة في الأخدود عشرين ألفًا ولم ينج منهم سوى رجل واحد يقال له: دوس ذو ثعلبان، ذهب فارسًا وطردوا وراءه فلم يقدروا عليه فذهب إلى قيصر ملك الشام فكتب إلى النجاشي ملك الحبشة، فأرسل معه جيشًا من نصارى الحبشة يقدمهم أرياط وأبرهة فاستنقذوا اليمن من أيدي اليهود، وذهب ذو نواس هاربًا فلجج في البحر فغرق، واستمر ملك الحبشة في أيدي النصارى سبعين سنة، ثم استنقذه سيف بن ذي يزن الحميري من أيدي النصارى لما استجاش بكسرى ملك الفرس، فأرسل معه من في السجون فكانوا قريبًا من سبعمائة، ففتح بهم اليمن ورجع الملك إلى حمير، وسنذكر طرفًا من ذلك إن شاء الله في تفسير سورة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ [الفيل].\nوقال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلًا من أهل نجران كان في زمان عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته، فوجد عبد الله بن التامر تحت دفن فيها قاعدًا واضعًا يده على ضربة في رأسه ممسكًا عليها بيده، فإذا أخذت يده عنها تفجرت دمًا، وإذا أرسلت يده ردت عليها فأمسكت دمها، وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله، فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره، فكتب عمر إليهم أن أقروه على حاله، وردُّوا عليه الدفن الذي كان عليه ففعلوا (^١).\nوقد قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ﵀: حدثنا أبو بلال الأشعري، حدثنا إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، حدثني بعض أهل العلم أن أبا موسى لما افتتح أصبهان وجد حائطًا من حيطان المدينة قد سقط، فبناه فسقط ثم بناه فسقط، فقيل له: إن تحته رجلًا صالحًا، فحفر الأساس فوجد فيه رجلًا قائمًا معه سيف فيه مكتوب: أنا الحارث بن مضاض نقمت على أصحاب الأخدود، فاستخرجه أبو موسى وبنى الحائط فثبت.\n(قلت): هو الحارث بن مضاض بن عمرو بن مضاض بن عمرو الجُرهمي، أحد ملوك جُرهم الذين ولوا أمر الكعبة بعد ولد ثابت بن إسماعيل بن إبراهيم، وولد الحارث هذا هو عمرو بن الحارث بن مضاض هو آخر ملوك جرهم بمكة لما أخرجتهم خزاعة وأجلوهم إلى اليمن، وهو القائل في شعره الذي قال ابن هشام (^٢) إنه أول شعر قالته العرب:\nكأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر\nبلى نحن كنا أهلها فأبادنا … صروف الليالي والجدود العواثر\nوهذا يقتضي أن هذه القصة كانت قديمًا بعد زمان إسماعيل ﵇ بقرب من خمسمائة سنة أو نحوها، وما ذكره ابن إسحاق يقتضي أن قصتهم كانت في زمن الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما من الله السلام وهو أشبه، والله أعلم.\n_________\n(^١) المصدر السابق ١/ ٣٦، وسنده منقطع.\n(^٢) المصدر السابق ١/ ١١٥.","vol":"7","page":532},{"text":"وقد يحتمل أن ذلك قد وقع في العالم كثيرًا كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير قال: كانت الأخدود في اليمن زمان تبع وفي القسطنطينية زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد، فاتخذوا أتونًا وألقي فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد، وفي العراق في أرض بابل بختنصر الذي صنع الصنم وأمر الناس أن يسجدوا له، فامتنع دانيال وصاحباه عزريا وميشائيل، فأوقد لهم أتونًا وألقى فيه الحطب والنار ثم ألقاهما فيه، فجعلها الله تعالى عليهما بردًا وسلامًا وأنقذهما منها وألقى فيها الذين بغوا عليه، وهم تسعة رهط فأكلتهم النار (^١).\nوقال أسباط، عن السدي في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾ قال: كانت الأخدود ثلاثة: خَدٌّ بالعراق، وخَدٌّ بالشام، وخَدٌّ باليمن (^٢). رواه ابن أبي حاتم.\nوعن مقاتل قال: كانت الأخدود ثلاثة: واحد بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس حرقوا بالنار، أما التي بالشام فهو: انطنانوس الرومي، وأما التي بفارس فهو: بختنصر، وأما التي بأرض العرب فهو: يوسف ذو نواس، فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله تعالى فيهما قرآنًا وأنزل في التي كانت بنجران (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع -هو ابن أنس- في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾ قال: سمعنا أنهم كانوا قومًا في زمان الفترة، فلما رأوا ما وقع في الناس من الفتنة والشر وصاروا أحزابًا كل حزب بما لديهم فرحون، اعتزلوا إلى قرية سكنوها وأقاموا على عبادة الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فكان هذا أمرهم حتى سمع بهم جبار من الجبارين وحدث حديثهم فأرسل إليهم فأمرهم أن يعبدوا الأوثان التي اتخذوا، وأنهم أبوا عليه كلهم وقالوا: لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له، فقال لهم: إن لم تعبدوا هذه الآلهة التي عبدت فإني قاتلكم، فأبوا عليه فخدَّ أخدودًا من نار، وقال لهم الجبار ووقفهم عليها: اختاروا هذه أو الذي نحن فيه، فقالوا: هذه أحب إلينا، وفيهم نساء وذرية ففزعت الذرية، فقالوا لهم -أي آباؤهم-: لا نار من بعد اليوم فوقعوا فيها، فقبضت أرواحهم من قبل أن يمسهم حرها وخرجت النار من مكانها فأحاطت بالجبارين فأحرقهم الله بها ففي ذلك أنزل الله ﷿: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ (^٤). ورواه ابن جرير: حُدثت عن عمار، عن عبد الله بن أبي جعفر به نحوه (^٥).\n\n<span id=\"aya-5919\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: حرقوا. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن أبزى (^٦). ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي: لم يقلعوا عما فعلوا ويندموا على ما أسلفوا\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٢) سنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٣) سنده ضعيف لأنه معضل.\n(^٤) سنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند بنحوه، وسنده ضعيف لأنه مرسل وكذلك لإبهام شيخ الطبري.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بالأثرين التاليين: فقد أخرجه آدم بن =","vol":"7","page":533},{"text":"﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ وذلك أن الجزاء من جنس العمل.\nقال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة.\n\n<span id=\"aya-5920\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾.\nيخبر تعالى عن عباده المؤمنين أن ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بخلاف ما أعد لأعدائه من الحريق والجحيم، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾\n\n<span id=\"aya-5921\"></span>\n\n<span id=\"aya-5922\"></span>ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾ أي: إن بطشه وانتقامه من أعدائه الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره لشديد عظيم قوي؛ فإنه تعالى ذو القوة المتين الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر أو هو أقرب، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣)﴾ أي: من قوته وقدرته التامة يبديء الخلق ويعيده كما بدأه بلا ممانع ولا مدافع\n\n<span id=\"aya-5923\"></span>﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)﴾ أي: يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه ولو كان الذنب من أي شيء كان، و﴿الْوَدُودُ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو الحبيب (^١).\n\n<span id=\"aya-5924\"></span>﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ أي: صاحب العرش العظيم العالي على جميع الخلائق، و﴿الْمَجِيدُ﴾ فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للربِّ ﷿، والجر على أنه صفة للعرش (^٢). وكلاهما معنى صحيح.\n\n<span id=\"aya-5925\"></span>﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ أي: مهما أراد فعله؛ لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقهره وحكمته وعدله؛ كما روينا عن أبي بكر الصديق أنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم. قالوا: فما قال لك؟ قال: قال لي: إني فعال لما أريد.\n\n<span id=\"aya-5926\"></span>\n\n<span id=\"aya-5927\"></span>وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨)﴾ أي: هل بلغك ما أحلَّ الله بهم من البأس وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟ وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾ أي: إذا أخذ الظالم أخذه أخدًا أليمًا شديدًا أخذ عزيز مقتدر.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: مرَّ النبي ﷺ على امرأة تقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧)﴾ فقام يستمع فقال: \"نعم قد جاءني\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-5928\"></span>\n\n<span id=\"aya-5929\"></span>وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾ أي: هم في شك وريب وكفر وعناد ﴿وَاللَّهُ مِنْ\n_________\n= أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\nوأما قول الضحاك وابن أبزَى فقد أخرجهما الطبري بسندين ضعيفين الأول فيه إبهام شيخ الطبري، والثاني فيه ضعف شيخ الطبري.\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) القراءتان متواترتان.\n(^٣) سنده ضعيف لأنه مرسل.","vol":"7","page":534},{"text":"وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾ أي: هو قادر عليهم قاهر لا يفوتونه ولا يعجزونه\n\n<span id=\"aya-5930\"></span>\n\n<span id=\"aya-5931\"></span>﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١)﴾ أي: عظيم كريم ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ أي: هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل.\nقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا قرة بن سليمان، حدثنا حرب بن سريج، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ في جبهة إسرافيل (^١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح أن أبا الأعبس -هو عبد الرحمن بن سلمان- قال: ما من شيء قضى الله القرآن فما قبله وما بعده: إلا وهو في اللوح المحفوظ، واللوح المحفوظ بين عيني إسرافيل لا يؤذن له بالنظر فيه (^٢).\nوقال الحسن البصري: إن هذا القرآن المجيد عند الله في لوح محفوظ ينزل منه ما يشاء على من يشاء من خلقه (^٣).\nوقد روى البغوي من طريق إسحاق بن بشر: أخبرني مقاتل وابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة، قال: واللوح لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه من الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك (^٤).\nوقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش.\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي [شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث] (^٥)، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا زياد بن عبد الله، عن ليث، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله تعالى خلق لوحًا محفوظًا من دُرَّة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، لله فيه في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة، يخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويعزُّ ويذلُّ، ويفعل ما يشاء\" (^٦).\nآخر تفسير سورة البروج، ولله الحمد والمنّة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف قرة بن سليمان (لسان الميزان ٤/ ٤٧٢) وحرب بن سُريج صدوق يخطيء. (التقريب ص ١٥٥).\n(^٢) سنده ضعيف لأنه معضل.\n(^٣) معناه صحيح.\n(^٤) أخرجه البغوي من طريق إسماعيل بن عيسى عن إسحاق بن بشر به (معالم التنزيل ٤/ ٤٧٢).\nوسنده ضعيف جدًا لأن إسحاق بن بشر متروك. (ينظر: لسان الميزان ١/ ٣٥٤، ٣٥٥).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٦) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ٧٢ ح ١٢٥١١) وسنده ضعيف جدًا فيه محمد بن عثمان بن أبي شيبة متهم بالوضع. (لسان الميزان ٥/ ٢٨٠، ٢٨١).","vol":"7","page":535},{"text":"<span data-type='title' id=toc-209>سُورَةُ الطَارِقِ</span>\nوهي مكية\nقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن محمد قال عبد الله: وسمعته أنا منه، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني، عن أبيه أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس أو عصى حين أتاهم يبتغي عندهم النصر فسمعته يقول: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ حتى ختمها قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقًا لاتبعناه (^١).\nوقال النسائي: حدثنا عمرو بن منصور، حدثنا أبو نعيم، عن مسعر، عن محارب بن دثار، عن جابر قال: صلى معاذ المغرب فقرأ: البقرة والنساء فقال النبي ﷺ: \"أفتان أنت يا معاذ! ما كان يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق، والشمس وضحاها، ونحو هذا؟ \" (^٢).\n\n<span id=\"aya-5932\"></span>﷽\n﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾.\nيقسم ﵎ بالسماء وما جعل فيها من الكواكب النيرة ولهذا قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾\n\n<span id=\"aya-5933\"></span>\n\n<span id=\"aya-5934\"></span>ثم قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢)﴾ ثم فسره بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣)﴾.\nقال قتادة وغيره: إنما سمي النجم طارقًا؛ لأنه إنما يرى بالليل ويختفي بالنهار (^٣)، ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح نهى أن يطرق الرجل أهله طروقًا؛ أي: يأتيهم فجأة بالليل (^٤)، وفي\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد بسنده ومتنه في زوائده. (المسند ٣١/ ٢٨٨ - ٢٨٩ ح ١٨٩٥٨) وضعف سنده محققوه لجهالة عبد الرحمن بن خالد العدواني.\n(^٢) تقدم نحوه في بداية تفسير سورة الانفطار لكن بدون ذكر سورة الطارق، ويشهد له ما تقدم في تفسير سورة الانفطار من رواية الصحيحين بلفظ: \"اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ \" ونحوهما. فقوله: ونحوهما يدخل فيه سورة الطارق.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث جابر ﵁. (صحيح البخاري، النكاح، باب لا يطرق أهله ليلًا إذا أطال الغيبة ح ٥٢٤٣؛ وصحيح مسلم، الإمارة، باب كراهية الطروق ح ٧١٥).","vol":"7","page":536},{"text":"الحديث الآخر المشتمل على الدعاء: \"إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن\" (^١).\nوقوله تعالى: ﴿الثَّاقِبُ﴾ قال ابن عباس: المضيء (^٢).\nوقال السدي: يثقب الشياطين إذا أرسل عليها.\nوقال عكرمة: هو مضيء ومُحرِق للشيطان.\n\n<span id=\"aya-5935\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ أي: كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].\n\n<span id=\"aya-5936\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾؟ تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه وإرشاد له إلى الاعتراف بالمعاد؛ لأن من قدر على البداءة فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].\n\n<span id=\"aya-5937\"></span>\n\n<span id=\"aya-5938\"></span>وقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ يعني المني يخرج دفقًا من الرجل والمرأة، فيتولد منهما الولد، بإذن الله ﷿، ولهذا قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ يعني: صلب الرجل وترائب المرأة وهو صدرها.\nوقال شبيب بن بشر: عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ صلب الرجل وترائب المرأة أصفر رقيق لا يكون الولد إلا منهما (^٣)، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أُسامة، عن مسعر، سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ قال: هذه الترائب، ووضع يده على صدره (^٤).\nوقال الضحاك وعطية، عن ابن عباس: تريبة المرأة: موضع القلادة (^٥)، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير (^٦).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الترائب بين ثدييها (^٧).\nوعن مجاهد: الترائب: ما بين المنكبين إلى الصدر (^٨)، وعنه أيضًا: الترائب: أسفل من التراقي (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن خنبش ﵁ مطولًا. (المسند ٢٤/ ٢٠٢ ح ١٥٤٦١) وضعف سنده محققوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) سنده حسن.\n(^٤) سنده ضعيف لأن الحكم هو ابن أبان لم يسمع من ابن عباس، ويتقوى بما يليه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما يليه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن عكرمة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ثوير عن مجاهد، وثوير ضعيف كما في التقريب ص ١٣٥.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"7","page":537},{"text":"وقال سفيان الثوري: فوق الثديين (^١).\nوعن سعيد بن جبير: الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل (^٢).\nوعن الضحاك: الترائب بين الثديين والرجلين والعينين.\nوقال الليث بن سعد: عن معمر بن أبي حبيبة المدني أنه بلغه في قول الله ﷿: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ قال: هو عصارة القلب من هناك يكون الولد (^٣).\nوعن قتادة: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ من بين صلبه ونحره (^٤).\n\n<span id=\"aya-5939\"></span>\n\n<span id=\"aya-5940\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾ فيه قولان:\n(أحدهما): على رجع هذا الماء الدافق، إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك. قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما (^٥).\n(والقول الثاني): إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق؛ أي: إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر؛ لأن من قدر على البداءة قدر على الإعادة، وقد ذكر الله ﷿ هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع، وهذا القول قال به الضحاك (^٦) واختاره ابن جرير ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ أي: يوم القيامة تبلى فيه السرائر؛ أي: تظهر وتبدو ويبقى السر علانية والمكنون مشهورًا، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"يرفع لكل غادر لواء عند استه، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان\" (^٧).\n\n<span id=\"aya-5941\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُ﴾ أي: الإنسان يوم القيامة ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾: أي في نفسه ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾ أي: من خارج منه؛ أي: لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله ولا يستطيع له أحد ذلك.\n\n<span id=\"aya-5942\"></span>﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾.\nقال ابن عباس: الرجع المطر، وعنه: هو السحاب فيه المطر (^٨)، وعنه ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١)﴾ تمطر ثم تمطر (^٩).\nوقال قتادة: ترجع رزق العباد كل عام ولولا ذلك لهلكوا، وهلكت مواشيهم (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن الثوري.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير.\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الليث به، وسنده ضعيف؛ لأن روايته بلاغ لم يصرح باسم المفسر.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن عكرمة، وأخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف لإبهام شيخه.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الكهف آية ٤٩.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند جيد -بشواهده- من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٩) أخرجه الطبري سند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظ: \"رجع القطر، والرزق كل عام\".\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":538},{"text":"وقال ابن زيد: ترجع نجومها وشمسها وقمرها يأتين من ههنا (^١).\n\n<span id=\"aya-5943\"></span>﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات (^٢)، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغير واحد (^٣).\n\n<span id=\"aya-5944\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣)﴾ قال ابن عباس: حق (^٤)، وكذا قال قتادة (^٥).\nوقال آخر: حكم عدل\n\n<span id=\"aya-5945\"></span>\n\n<span id=\"aya-5946\"></span>\n\n<span id=\"aya-5947\"></span>﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾ أي: بل هو جِدّ حق، ثم أخبر الكافرين بأنهم يكذبون به ويصدون عن سبيله فقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥)﴾ أي: يمكرون بالناس في دعوتهم إلى خلاف القرآن.\n\n<span id=\"aya-5948\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: انظرهم ولا تستعجل لهم ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ أي: قليلًا؛ أي: وسترى ماذا أحلَّ بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان].\nآخر تفسير سورة الطارق، ولله الحمد.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما يليه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن وعكرمة؛ وأخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":539},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>سُورَة الأَعْلى</span>\nوهي مكية\nوالدليل على ذلك ما رواه البخاري: حدثنا عبدان، أخبرني أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عُمير وابن أُم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي ﷺ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء، فما جاء حتى قرأت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ في سُوَر مثلها (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^٢). تفرد به أحمد. وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: \"هلَّا صليت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ \" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية]، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعًا (^٤).\nهكذا وقع في مسند الإمام أحمد إسناد هذا الحديث، وقد رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي عوانة وجرير وشعبة، ثلاثتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير به، قال الترمذي: وكذا رواه الثوري ومسعر عن إبراهيم، قال: ورواه سفيان بن عيينة، عن إبراهيم، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان، ولا يعرف لحبيب رواية عن أبيه، وقد رواه ابن ماجه، عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان به، كما رواه الجماعة فالله أعلم، ولفظ مسلم وأهل السنن: كان يقرأ في العيدين\n_________\n(^١) أخرجه بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، باب سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ ح ٤٩٤١).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١/ ٩٦)، وسنده ضعيف لضعف ثوير. (التقريب ص ١٣٥).\n(^٣) تقدم تخريجه في مطلع تفسير سورة الانفطار.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣٠/ ٣٣٢ - ٣٣٣ ح ١٨٣٨٣) قال محققوه: حديث صحيح على خطأ في إسناده كما ذكر عبد الله بن أحمد عقب الحديث .. ونقل ابن أبي حاتم في \"العلل\" عن أبيه قوله: وهم في هذا الحديث ابن عيينة. اهـ. وسيأتي تخريجه برواية حبيب عن النعمان مباشرة دون: عن أبيه عن النعمان.","vol":"7","page":540},{"text":"ويوم الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما (^١).\nوقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أُبي بن كعب وعبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن أبزى وعائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، زادت عائشة والمعوذتين (^٢). وهكذا روي الحديث من طريق جابر وأبي أُمامة صدي بن عجلان وعبد الله بن مسعود وعمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب ﵃، ولولا خشية الإطالة لأوردنا ما تيسر لنا من أسانيد ذلك ومتونه، ولكن في الإرشاد بهذا الاختصار كفاية، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5949\"></span>﷽\n﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى -يعني: ابن أيوب الغافقي-، حدثنا عمي إياس بن عامر، سمعت عقبة بن عامر الجهني: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤ و٩٦] قال لنا رسول الله ﷺ: \"اجعلوها في ركوعكم\" فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ قال: \"اجعلوها في سجودكم\". ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن المبارك عن موسى بن أيوب به (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة (ح ٨٧٨)؛ وسنن أبي داود، الصلاة، باب ما يقرأ في الجمعة (ح ١١٢٢)؛ وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في القراءة في العيدين (ح ٥٣٣)؛ وسنن النسائي، الجمعة، باب ذكر الاختلاف على النعمان بن بشير في القراءة في صلاة الجمعة ٣/ ١١٢؛ وسنن ابن ماجه، الإقامة، باب ما جاء في القراءة في صلاة العيدين (ح ١٢٨١).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث أُبي بن كعب ﵁، وصححه محققوه. (المسند ٣٥/ ٧٨ ح ٢١١٤١)؛ وأخرجه أيضًا من حديث عبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن أبزى وعائشة ﵃. (المسند ١/ ٢٩٩ و٣/ ٣٠٦ و٦/ ٢٢٧).\n(^٣) المسند ٤/ ١٥٥؛ وسنن أبي داود، الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده (ح ٨٦٩)؛ وسنن ابن ماجه، الإقامة، باب التسبيح في الركوع والسجود (ح ٨٨٧)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه، لكن أخرجه ابن خزيمة، (الصحيح ١/ ٣٠٣ رقم ٦٠٠)؛ وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٣/ ١٨٥ رقم ١٨٩٥)؛ والحاكم (المستدرك ١/ ٢٢٥) كلهم من طريق موسى بن أيوب به. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: إياس ليس بالمعروف. وأخرجه الحاكم أيضًا وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٤٧٧). وأما إياس بن عامر فقال العجلي لا بأس به (تاريخ الثقات ص ٧٥) وذكره ابن حبان في الثقات (١/ ٤٤١) وقال الحافظ ابن حجر: صدوق. كما في التقريب، وعليه فسنده حسن.","vol":"7","page":541},{"text":"سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ قال: \"سبحان ربي الأعلى\" (^١). وهكذا رواه أبو داود عن زهير بن حرب، عن وكيع به. قال وخولف فيه وكيع، رواه أبو وكيع وشعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد، عن ابن عباس موقوفًا (^٢).\nوقال الثوري: عن السدي، عن عبد خير قال: سمعت عليًا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمداني، أن ابن عباس كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ يقول: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة] فأتى على آخرها: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القيامة] يقول: سبحانك وبلى (^٤).\nوقال قتادة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ ذُكرَ لنا أن نبي الله ﷺ كان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى (^٥).\n\n<span id=\"aya-5950\"></span>وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)﴾ أي: خلق الخليقة وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات.\n\n<span id=\"aya-5951\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة وهدى الأنعام لمراتعها (^٦)، وهذه الآية كقوله تعالى إخبارًا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي: قدَّر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء\" (^٧).\n\n<span id=\"aya-5952\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ أي: من جميع صنوف النباتات والزروع\n\n<span id=\"aya-5953\"></span>﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥)﴾ قال ابن عباس: هشيمًا متغيرًا (^٨)، وعن مجاهد وقتادة وابن زيد نحوه (^٩).\nقال ابن جرير: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح موقوفًا. (المسند ٣/ ٤٩٥ ح ٢٠٦٦)؛ وأخرجه الحاكم من طريق وكيع به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ١/ ٢٦٣).\n(^٢) سنن أبي داود، الصلاة، باب الدعاء في الصلاة (ح ٨٨٣)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٧٨٥).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف وله شواهد تقوي وهي ما سبق في هذه السورة وما ورد في آخر تفسير سورة القيامة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن قتادة لكنه مرسل، ويتقوى بما سبق.\n(^٦) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٧٩.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٩) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بنحوه؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه.","vol":"7","page":542},{"text":"التقديم، وأن معنى الكلام والذي أخرج المرعى، أحوى: أخضر إلى السواد فجعله غثاء بعد ذلك (^١)، ثم قال ابن جرير: وهذا وإن كان محتملًا إلا أنه غير صواب لمخالفته أقوال أهل التأويل (^٢).\n\n<span id=\"aya-5954\"></span>\n\n<span id=\"aya-5955\"></span>وقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أي: يا محمد ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ وهذا إخبار من الله تعالى ووعد منه له. بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال قتادة: كان رسول الله ﷺ لا ينسى شيئًا إلا ما شاء الله (^٣).\nوقيل: المراد بقوله: ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ طلب، وجعل معنى الاستثناء على هذا ما يقع من النسخ؛ أي: لا تنسى ما نقرئك إلا ما شاء الله رفعه فلا عليك أن تتركه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ أي: يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم لا يخفى عليه من ذلك.\n\n<span id=\"aya-5956\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨)﴾ أي: نسهل عليك أفعال الخير وأقواله ونشرع لك شرعًا سهلًا سمحًا مستقيمًا عدلًا لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر.\n\n<span id=\"aya-5957\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ أي: ذكِّر حيث تنفع التذكرة، ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كانت فتنة لبعضهم (^٤)، وقال: حدث الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذّب الله ورسوله (^٥).\n\n<span id=\"aya-5958\"></span>وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠)﴾ أي: سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قلبه يخشى الله ويعلم أنه ملاقيه\n\n<span id=\"aya-5959\"></span>\n\n<span id=\"aya-5960\"></span>\n\n<span id=\"aya-5961\"></span>﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ أي: لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه بل هي مضرة عليه؛ لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال.\nقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي عن سليمان -يعني: التيمي-، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون وأما أناس يريد الله بهم الرحمة فيميتهم في النار فيدخل عليهم الشفعاء فيأخذ الرجل أنصاره فينبتهم -أو قال-: ينبتون -في نهر الحيا - أو قال: الحياة - أو قال: الحيوان - أو قال: نهر الجنة- فينبتون نبات الحبة في حميل السيل\" قال: وقال النبي ﷺ: \"أما ترون الشجرة تكون خضراء ثم تكون صفراء ثم تكون خضراء؟ \" قال: فقال بعضهم: كأن النبي ﷺ كان بالبادية (^٦).\n_________\n(^١) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري وعبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة بنحوه.\n(^٤) أخرجه مسلم من قول ابن مسعود. (الصحيح، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، الحديث الثامن ١/ ١١).\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده عن علي ﵁. (الصحيح، العلم، باب من خصَّ بالعلم قومًا دون قوم .. ح ١٢٧).\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة طه آية ٧٤.","vol":"7","page":543},{"text":"وقال أحمد أيضًا: حدثنا إسماعيل، حدثنا [سعيد بن يزيد] (^١)، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أناس -أو كما قال-: تصيبهم النار بذنوبهم -أو قال: بخطاياهم- فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحمًا أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فنبتوا على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل\" قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية، ورواه مسلم من حديث بشر بن المفضل وشعبة كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به مثله (^٢)، ورواه أحمد أيضًا عن يزيد، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: \"إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وإن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة حتى يصيروا فحمًا، ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة فيرش عليهم من أنهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل\" (^٣).\nوقد قال الله تعالى إخبارًا عن أهل النار: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ [الزخرف] وقال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.\n\n<span id=\"aya-5962\"></span>\n\n<span id=\"aya-5963\"></span>﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾.\nيقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ أي: طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة وتابع ما أنزل الله على الرسول صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ أي: أقام الصلاة في أوقاتها ابتغاء رضوان الله وطاعة لأمر الله وامتثالًا لشرع الله.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن أحمد العرزمي، حدثنا عمي محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ قال: \"من شهد أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله\" ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ قال: \"هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها\" ثم قال: لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه (^٤)، وكذا قال ابن عباس: إن المراد بذلك الصلوات الخمس (^٥)، واختاره ابن جرير.\n_________\n(^١) كذا في المسند، وفي الأصل صحف إلى: سعيد ثنا يزيد، وفي (ح): باسم سعيد بن أبي يزيد.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة طه آية ٧٤. بعد الحديث السابق.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣/ ١١)، وسنده صحيح؛ وأخرجه مسلم من طريق بشر بن المفضل عن أبي نضرة به. (الصحيح، الإيمان، باب إثبات الشفاعة ح ١٨٥).\n(^٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٨٤) وسنده ضعيف جدًا لأن عباد بن أحمد العرزمي متروك. (مجمع الزوائد ٧/ ١٤٠).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄.","vol":"7","page":544},{"text":"وقال ابن جرير: حدثني عمرو بن عبد الحميد [الآملي] (^١)، حدثنا مروان بن معاوية، عن أبي خلدة قال: دخلت على أبي العالية فقال لي: إذا غدوت غدًا إلى العيد فمر بي، قال: فمررت به فقال: هل طعمت شيئًا؟ قلت: نعم. قال: أفضت على نفسك من الماء؟ قلت: نعم. قال: فأخبرني ما فعلت زكاتك! قلت: قد وجهتها قال: إنما أردتك لهذا ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء (^٢).\n(قلت): وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر ويتلو هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾.\nوقال أبو الأحوص: إذا أتى أحدكم سائل وهو يريد الصلاة فليقدم بين يدي صلاته زكاته؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ (^٣).\nوقال قتادة في هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ زكى ماله وأرضى خالقه (^٤).\n\n<span id=\"aya-5964\"></span>\n\n<span id=\"aya-5965\"></span>ثم قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾ أي: تقدمونها على أمر الآخرة وتبدونها على ما فيه نفعكم وصلاحكم في معاشكم ومعادكم ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ أي: ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى، فإن الدنيا دنية فانية والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى ويهتم بما يزول عنه قريبًا ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد؟\nقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ذويد، عن أبي إسحاق، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له\" (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة، عن عطاء، عن عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ فلما بلغ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾ ترك القراءة وأقبل على أصحابه وقال: آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم فقال: آثرنا الدنيا؛ لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل (^٦). وهذا منه على وجه التواضع والهضم أو هو إخبار عن الجنس من حيث هو، والله أعلم.\n_________\n(^١) كذا في تفسير الطبري، وفي النسخ الخطية بلفظ: \"الأيلي\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وعمرو بن عبد الحميد الآملي لم أجد له ترجمة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق أبي إسحاق -وهو السبيعي- عن أبي الأحوص. (المصنف ٣/ ٧).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ١٨.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وعطاء بن السائب اختلط. (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٣٦) وعرفجة الثقفي مقبول. (التقريب ص ٣٨٩) وقد توبع ابن حميد في رواية الطبراني. (المعجم الكبير ح ٩١٤٧) وفي رواية البيهقي (شعب الإيمان ح ١٠٦٤٥) إلا أن روايتهما من طريق عطاء بن السائب به.","vol":"7","page":545},{"text":"وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله، عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: \"من أحبَّ دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحبَّ آخرته أضرَّ بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى\" (^١). تفرد به أحمد، وقد رواه أيضًا عن أبي سلمة الخزاعي، عن الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو به مثله سواء (^٢).\n\n<span id=\"aya-5966\"></span>\n\n<span id=\"aya-5967\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا نصر بن علي، حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ قال النبي ﷺ: \"كان كل هذا -أو كان هذا- في صحف إبراهيم وموسى\" ثم قال: لا نعلم أسند الثقات عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس غير هذا، وحديثًا آخر أورده قبل هذا (^٣).\nوقال النسائي: أخبرنا زكريا بن يحيى، أخبرنا نصر بن علي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى] قال: كلها في صحف إبراهيم وموسى، ولما نزلت: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم] قال: وفّى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ [النجم] (^٤).\nيعني: أن هذه الآية كقوله تعالى في سورة النجم: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم] الآيات إلى آخرهن، وهكذا قال عكرمة فيما رواه ابن جرير عن ابن حميد عن مهران، عن سفيان الثوري، عن أبيه، عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ يقول: الآيات التي في سبح اسم ربك الأعلى (^٥).\nوقال أبو العالية: قصة هذه السورة في الصحف الأولى (^٦)، واختار ابن جرير أن المراد بقوله:\n_________\n(^١) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ٣٢/ ٤٧٠ ح ١٩٦٩٧) قال محققوه: حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه. المطلب بن عبد الله -وهو ابن حنطب- لا يعرف له سماع من الصحابة.\n(^٢) وسنده ضعيف أيضًا للعلة السابقة.\n(^٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٨٥) وفي سنده عطاء بن السائب وقد اختلط، وسماع سليمان والد معتمر يتوقف فيه كما قرر الحافظ ابن حجر إذ صرح بأسماء الذين سمعوا من عطاء قبل الاختلاط ثم قال: ومن عداهم يتوقف فيه. (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٠٧).\n(^٤) أخرجه النسائي بسنده ومتنه. (السنن الكبرى، التفسير، باب سورة الأعلى ح ١١٦٦٨) وسنده كسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وقد تابعه عبد بن حميد حيث عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وهو من طبقة شيوخ الطبري، فيكون الإسناد حسنًا لغيره.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند فيه أيضًا ابن حميد كما تقدم، وقد توبع أيضًا فقد عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور وابن أبي حاتم لم يرو عن ابن حميد بل يروي نسخة أبي العالية من طريق أبيه عن =","vol":"7","page":546},{"text":"﴿إِنَّ هَذَا﴾ إشارة إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: مضمون هذا الكلام ﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ وهذا الذي اختاره حسن قوي، وقد روي عن قتادة وابن زيد نحوه (^١)، والله أعلم.\nآخر تفسير سورة \"سبح\"، ولله الحمد والمنة، وصلواته وسلامه على خير خلقه: محمد وآله.\n_________\n= آدم بن أبي إياس العسقلاني عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية كما صرح في مقدمة تفسيره.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.","vol":"7","page":547},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>سُورَةُ الغَاشِيَةِ</span>\nوهي مكية\nقد تقدم عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و(الغاشية) في صلاة العيد ويوم الجمعة (^١).\nوقال الإمام مالك، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: بِمَ كان رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟ قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ (^٢). ورواه أبو داود عن القعنبي والنسائي عن قتيبة كلاهما عن مالك به، ورواه مسلم وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، عن ضمرة بن سعيد به (^٣).\n﷽\n\n<span id=\"aya-5968\"></span>﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾.\n﴿الْغَاشِيَةِ﴾: من أسماء يوم القيامة. قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد (^٤)؛ لأنها تغشى الناس وتعمهم.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: مرَّ النبي ﷺ على امرأة تقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ فقام يستمع ويقول: \"نعم قد جاءني\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-5969\"></span>وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢)﴾ أي: ذليلة. قاله قتادة (^٦).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في مطلع تفسير سورة الأعلى.\n(^٢) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه. (الموطأ، الجمعة، باب القراءة في صلاة الجمعة ١/ ١١١ ح ١٩)، وسنده صحيح.\n(^٣) سنن أبي داود، الصلاة، باب ما يقرأ به في الجمعة (ح ١١٢٣)؛ وسنن النسائي، صلاة الجمعة، باب ذكر الاختلاف على النعمان بن بشير في القراءة ٣/ ١١٢؛ وصحيح مسلم، الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة (٨٧٨).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٥) سنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":548},{"text":"وقال ابن عباس: تخشع ولا ينفعها عملها (^١).\n\n<span id=\"aya-5970\"></span>وقوله تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ أي: قد عملت عملًا كثيرًا ونصبت فيه وصليت يوم القيامة نارًا حامية.\n\n<span id=\"aya-5971\"></span>قال الحافظ أبو بكر البرقاني: حدثنا إبراهيم بن محمد المزكّي، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بدير راهب، قال: فناداه يا راهب، فأشرف قال: فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله ﷿ في كتابه: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤)﴾ فذاك الذي أبكاني (^٢).\nوقال البخاري: قال ابن عباس: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ النصارى (^٣).\nوعن عكرمة والسدي: عاملة في الدنيا بالمعاصي، وناصبة في النار بالعذاب والإهلاك (^٤).\nقال ابن عباس والحسن وقتادة: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤)﴾ أي: حارة شديدة الحر\n\n<span id=\"aya-5972\"></span>﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾ أي: قد انتهى حرها وغليانها. قاله ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي (^٥).\n\n<span id=\"aya-5973\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: شجر من النار (^٦)، وقال سعيد بن جبير: هو الزقوم (^٧)، وعنه أنها الحجارة (^٨).\nوقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو الجوزاء وقتادة: هو الشبرق (^٩).\nقال قتادة: قريش تسميه في الربيع الشبرق وفي الصيف الضريع.\nقال عكرمة: وهو شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض (^١٠).\n_________\n(^١) لم أجد من أخرجه.\n(^٢) أخرجه الحاكم من طريق سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان به، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: الجوني لم يدرك عمر، لكنها حكاية في موضعها. (المستدرك ٢/ ٥٢١ - ٥٢٢).\n(^٣) أخرجه البخاري معلقًا، وقال الحافظ ابن حجر: وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، ومن طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس، وزاد: اليهود. (فتح الباري ٨/ ٧٠٠) ولعله يريد اليهود والنصارى الذين أشركوا بالله تعالى.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم عن عكرمة.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس؛ وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ويتقوى بالآثار التالية: فقد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء، وسيأتي قول قتادة.\n(^١٠) أخرجه الطبري من طريق نجدة رجل من بني عبد القيس عن عكرمة.","vol":"7","page":549},{"text":"وقال البخاري: قال مجاهد: الضريع: نبت يقال له: الشبرق يسميه أهل الحجاز الضريع إذا يبس وهو سُم (^١).\nوقال معمر، عن قتادة: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ هو الشبرق إذا يبس سمي الضريع (^٢).\nوقال سعيد، عن قتادة: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ من شر الطعام وأبشعه وأخبثه (^٣).\n\n<span id=\"aya-5974\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾ يعني: لا يحصل به مقصود ولا يندفع به محذور.\n\n<span id=\"aya-5975\"></span>﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾.\nلما ذكر حال الأشقياء ثنى بذكر السعداء فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة ﴿نَاعِمَةٌ﴾ أي: يعرف النعيم فيها وإنما حصل لها ذلك بسعيها.\n\n<span id=\"aya-5976\"></span>وقال سفيان: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩)﴾ قد رضيت عملها (^٤).\n\n<span id=\"aya-5977\"></span>وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾ أي: رفيعة بهية في الغرفات آمنون\n\n<span id=\"aya-5978\"></span>﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾ أي: لا تسمع في الجنة التي هم فيها كلمة لغو كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢] وقال تعالى: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] وقال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة].\n\n<span id=\"aya-5979\"></span>﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾ أي: سارحة. وهذه نكرة في سياق الإثبات، وليس المراد بها عينًا واحدة وإنما هذا جنس يعني: فيها عيون جاريات. وقال ابن أبي حاتم (^٥): قُريء على الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنهار الجنة تفجر من تحت تلال -أو من تحت جبال- المسك\".\n\n<span id=\"aya-5980\"></span>﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾ أي: عالية ناعمة كثيرة الفرش مرتفعة السمك عليها الحور العين، قالوا: فإذا أراد ولي الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له.\n\n<span id=\"aya-5981\"></span>﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)﴾ يعني: أواني الشرب معدة مرصدة لمن أرادها من أربابها.\n\n<span id=\"aya-5982\"></span>﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥)﴾ قال ابن عباس: النمارق الوسائد (^٦)، وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك والسدي والثوري وغيرهم (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري تعليقًا عن مجاهد. (الصحيح، التفسير، سورة الغاشية).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد به.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن سفيان.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه في تفسير سورة آل عمران آية ١٥، وسنده حسن.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"المرافق\".\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.","vol":"7","page":550},{"text":"<span id=\"aya-5983\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾ قال ابن عباس الزرابي البسط (^١)، وكذا قال الضحاك وغير واحد، ومعنى مبثوثة ههنا وههنا لمن أراد الجلوس عليها، ونذكر ههنا هذا الحديث الذي رواه أبو بكر بن أبي داود، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبي، عن محمد بن مهاجر، عن الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى، حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول: قال رسول الله ﷺ: \"ألا هل من مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها -وهي ورب الكعبة- نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية؟ \" قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال: \"قولوا إن شاء الله\" قال القوم: إن شاء الله (^٢)، ورواه ابن ماجه عن العباس بن عثمان الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر به (^٣).\n\n<span id=\"aya-5984\"></span>﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ فإنها خلق عجيب وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف وتؤكل وينتفع بوبرها ويشرب لبنها، ونبهوا بذلك؛ لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل.\nوكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت؟ (^٤)\n\n<span id=\"aya-5985\"></span>﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾ أي: كيف رفعها الله ﷿ عن الأرض هذا الرفع العظيم! كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق].\n\n<span id=\"aya-5986\"></span>﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)﴾ أي: جعلت منصوبة فإنها ثابتة راسية؛ لئلا تميد الأرض بأهلها، وجعل فيها ما جعل من المنافع والمعادن\n\n<span id=\"aya-5987\"></span>﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ أي: كيف بسطت ومدت ومهدت! فنبه البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه والأرض التي تحته على قدرة خالق ذلك وصانعه وأنه الربُّ العظيم الخالق المالك المتصرف، وأنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه، وهكذا أقسم ضمام في سؤاله على رسول الله ﷺ كما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة، عن قتادة بلفظ: \"المبسوطة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي داود بسنده ومتنه. (البعث ح ٧١) وفي سنده الضحاك المعافري وهو مقبول. (التقريب ص ٢٨٠)؛ وأخرجه ابن ماجه من طريق الضحاك المعافري به. (السنن، الزهد، باب صفة الجنة ح ٤٣٣٢)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه.\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن شريح.","vol":"7","page":551},{"text":"عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد إنه أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: \"صدق\" قال: فمن خلق السماء؟ قال: \"الله\". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: \"الله\". قال: فمن نصب هذا الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: \"الله\". قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: \"نعم\". قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: \"صدق\". قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\". قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة أموالنا؟ قال: \"صدق\". قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\" قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا. قال: \"صدق\" قال: ثم ولى فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئًا ولا أنقص منهن شيئًا؟ فقال النبي ﷺ: \"إن صدق ليدخلن الجنة\" (^١).\nوقد رواه مسلم عن عمرو النقاد، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به (^٢)، وعلقه البخاري (^٣)، ورواه الترمذي والنسائي من حديث [سليمان بن المغيرة به (^٤)، ورواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث] (^٥) الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس به بطوله وقال في آخره: وأنبأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر (^٦).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما كان يحدث عن امرأة في الجاهلية على رأس جبل معها ابن صغير لها ترعى غنمًا، فقال لها ابنها: يا أمه من خلقك؟ قالت: الله. قال: فمن خلق أبي؟ قالت: الله. قال: فمن خلقني؟ قالت: الله، قال: فمن خلق السماء؟ قالت: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قالت الله. قال: فمن خلق الجبل؟ قالت: الله. قال: فمن خلق هذه الغنم؟ قالت: الله، قال: فإني لأسمع لله شأنًا وألقى نفسه من الجبل فتقطع. قال ابن عمر: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يحدثنا هذا. قال ابن دينار: كان ابن عمر كثيرًا ما يحدثنا بهذا (^٧). في إسناده ضعف، وعبد الله بن جعفر هذا هو المديني ضعفه ولده الإمام علي ابن المديني وغيره.\n\n<span id=\"aya-5988\"></span>\n\n<span id=\"aya-5989\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ أي: فذكر يا محمد\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣/ ١٤٣) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام (ح ١٢).\n(^٣) صحيح البخاري، العليم، باب ما جاء في العلم .. قبل حديث رقم ٦٣.\n(^٤) سنن الترمذي، الزكاة، باب ما جاء إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك (ح ٦١٩)؛ والسنن الكبرى للنسائي، العلم، باب العرض على العالم (ح ٥٨٦٣).\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٦) المسند ٣/ ١٦٨؛ وصحيح البخاري، العلم، باب ما جاء في العلم (ح ٦٣)؛ وسنن أبي داود، الصلاة، باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد (ح ٤٨٦)؛ وسنن النسائي، الصيام، باب وجوب الصيام ٤/ ١٢٢؛ وسنن ابن ماجه، الإقامة، باب ما جاء في فرض الصلوات الخمس (ح ١٤٠٢).\n(^٧) أخرجه ابن عدي عن أبي يعلى به. (الكامل في الضعفاء ٤/ ١٧٨). وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن جعفر كما قرر الحافظ ابن كثير.","vol":"7","page":552},{"text":"الناس بما أرسلت به إليهم ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] ولهذا قال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: \"لست عليهم بجبار\" أي: لست تخلق الإيمان في قلوبهم (^١).\nوقال ابن زيد: لست بالذي تكرههم على الإيمان (^٢).\nقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها: عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ﷿\" ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ (^٣). وهكذا رواه مسلم في كتاب الإيمان والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما من حديث سفيان بن سعيد الثوري به بهذه الزيادة (^٤)، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من رواية أبي هريرة بدون ذكر هذه الآية (^٥).\n\n<span id=\"aya-5990\"></span>\n\n<span id=\"aya-5991\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣)﴾ أي: تولى عن العمل بأركانه وكفر بالحق بجنانه ولسانه، وهذه كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ [القيامة] ولهذا قال: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ليث، عن سعيد بن أبي هلال، عن علي بن خالد، أن أبا أُمامة الباهلي مرَّ على خالد بن يزيد بن معاوية، فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ألا كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله\" (^٦)، تفرد بإخراجه الإمام أحمد، وعلي بن خالد هذا ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه ولم يزد على ما ههنا: روى عن أبي أُمامة وعنه سعيد بن أبي هلال.\n\n<span id=\"aya-5992\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾ أي: مرجعهم ومنقلبهم\n\n<span id=\"aya-5993\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ أي: نحن نحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.\n[آخر تفسير سورة الغاشية، ولله الحمد والمنة] (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه آدم الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣/ ٣٠٠)، وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ (ح ٢١)؛ وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الغاشية (ح ٣٣٤١)؛ والسنن الكبرى، التفسير، باب سورة الغاشية (ح ١١٦٧٠).\n(^٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام (ح ٢٩٤٦)؛ وصحيح مسلم، الحديث السابق.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه. (المسند ٣٦/ ٥٦٠ ح ٢٢٢٢٦)؛ وعزاه الحافظ ابن حجر إلى الطبراني وقال: سنده جيد. (فتح الباري ١٣/ ٢٥٤)؛ وصححه الألباني بشواهد. (السلسلة الصحيحة ح ٢٠٤٣).\n(^٧) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بلفظ: \"آخرها\".","vol":"7","page":553},{"text":"<span data-type='title' id=toc-212>سُورَةُ الفَجْرِ</span>\n[وهي] مكية\nقال النسائي: أنبأنا عبد الوهاب بن الحكم، أخبرني يحيى بن سعيد، عن سليمان، عن محارب بن دثار وأبي صالح، عن جابر قال: صلى معاذ صلاة، فجاء رجل فصلى معه، فطول فصلى في ناحية المسجد ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذًا فقال: منافق، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فسأل الفتى فقال: يا رسول الله: جئت أصلي معه فطول عليَّ، فانصرفت وصليت في ناحية المسجد، فعلفت ناقتي، فقال رسول الله ﷺ: \"أفتان يا معاذ؟ أين أنت من ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ \" (^١)؟.\n\n<span id=\"aya-5994\"></span>\n\n<span id=\"aya-5995\"></span>﷽\n﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾.\nأما الفجر فمعروف وهو الصبح، قاله علي وابن [عباس] (^٢) وعكرمة ومجاهد والسدي (^٣).\nوعن مسروق ومحمد بن كعب: المراد به فجر يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر.\nوقيل: المراد بذلك الصلاة التي تفعل عنده كما قاله عكرمة.\nوقيل: المراد به جميع النهار، وهو رواية عن ابن عباس (^٤).\nوالليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف (^٥).\n_________\n(^١) تقدم نحوه في مطلع تفسير سورة الانفطار، ولكن بدون قول معاذ: منافق، وكذلك بدون ذكر: والفجر، وأما ذكره لسورة الفجر فيشهد له ما تقدم في تفسير سورة الانفطار من رواية الصحيحين بلفظ: اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ ونحوهما. فقوله: ونحوهما يدخل فيه سورة. والفجر.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عاصم الأحول، عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي، عن ابن عباس، ويتقوى بسابقه.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري والحاكم من طريق أبي نصر، وهو الأسود بن هلال، عن ابن عباس؛ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٢٢).\n(^٥) أخرجه آدم والطبري والحاكم من الطريق السابق، وهو تتمة للرواية السابقة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح =","vol":"7","page":554},{"text":"وقد ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس مرفوعًا: \"ما من أيام العمل الصالح أحبّ إلى الله فيهن من هذه الأيام\"؛ يعني: عشر ذي الحجة قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: \"ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلًا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء\" (^١).\nوقيل: المراد بذلك العشر الأول من المحرم، حكاه أبو جعفر بن جرير ولم يعزه إلى أحد (^٢).\nوقد روى أبو كدينة، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ قال: هو العشر الأول من رمضان (^٣)، والصحيح القول الأول.\nقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: \"إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر\" (^٤). ورواه النسائي عن محمد بن رافع وعبدة بن عبد الله، وكل منهما عن زيد بن الحباب به (^٥). ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زيد بن الحباب به، وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم، وعندي أن المتن في رفعه نكارة، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-5996\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ قد تقدم في هذا الحديث أن الوتر يوم عرفة لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر لكونه العاشر، وقاله ابن عباس وعكرمة والضحاك أيضًا (^٦).\n(قول ثان) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثني عقبة بن خالد، عن واصل بن السائب، قال: سألت عطاء عن قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ قلت: صلاتنا وترنا هذا؟ قال: لا، ولكن الشفع يوم عرفة، والوتر ليلة الأضحى (^٧).\n(قول ثالث) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثني أبي، عن النعمان؛ يعني: ابن عبد السلام، عن أبي سعيد بن عوف، حدثني بمكة قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب الناس، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الشفع والوتر، فقال: الشفع قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والوتر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (^٨) [البقرة: ٢٠٣].\n_________\n= من طريق أبي إسحاق السبيعي عن مسروق؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عاصم الأحول عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^١) صحيح البخاري، العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق (ح ٩٦٩).\n(^٢) كذا ذكره الطبري، وعزاه البغوي إلى يمن بن رباب (معالم التنزيل ٤/ ٤٨١).\n(^٣) سنده ضعيف لأن قابوس بن أبي ظبيان لين الحديث. (التقريب ص ٤٤٩).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، قال محققوه: هذا إسناد لا بأس برجاله، وأبو الزبير لم يصرح بسماعه من جابر. (المسند ٢٢/ ٣٨٩ ح ١٤٥١١)؛ وأخرجه الحاكم من طريق زيد بن الحباب به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤/ ٢٢٠)؛ وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير عياش بن عقبة وهو ثقة (مجمع الزوائد ٧/ ١٣٧).\n(^٥) السنن الكبرى، التفسير، سورة الفجر ح ١١٦٧١.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق زرارة بن أوفى، عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عاصم الأحول، عن عكرمة.\n(^٧) سنده ضعيف لضعف واصل بن السائب. (التقريب ص ٥٧٩).\n(^٨) أبو سعيد بن عوف لم أعثر على ترجمته.","vol":"7","page":555},{"text":"وقال ابن جريج: أخبرني محمد بن المرتفع أنه سمع ابن الزبير يقول: الشفع أوسط أيام التشريق والوتر آخر أيام التشريق (^١).\nوفي الصحيحين من رواية أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر\" (^٢).\n(قول رابع) قال الحسن البصري وزيد بن أسلم: الخلق كلهم شفع ووتر أقسم تعالى بخلقه، وهو رواية عن مجاهد (^٣)، والمشهور عنه الأول.\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ قال: الله وتر واحد، وأنتم شفع، ويقال الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب (^٤).\n(قول خامس) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ قال: الشفع الزوج، والوتر: الله ﷿ (^٥).\nوقال أبو عبد الله، عن مجاهد: الله الوتر وخلقه الشفع الذكر والأنثى.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ كل شيء خلقه الله شفع. السماء والأرض والبر والبحر والجن والإنس والشمس والقمر (^٦). ونحو هذا، ونحا مجاهد في هذا ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات] أي: لتعلموا أن خالق الأزواج واحد.\n(قول سادس) قال قتادة، عن الحسن: والشفع والوتر: هو العدد منه شفع ومنه وتر (^٧).\n(قول سابع في الآية الكريمة) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن جريج ثم قال ابن جرير: وروي عن النبي ﷺ خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن أبي الزبير؛ حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله قال: \"الشفع اليومان والوتر اليوم الثالث\" (^٨). هكذا ورد هذا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب عن عمر بن قيس عن محمد بن المرتفع به وسنده ضعيف لضعف عمر بن قيس وهو المكي المعروف بسندل يروي عنه ابن وهب. (تهذيب التهذيب ٧/ ٤٩٠، ٤٩١). وقد تابعه ابن جريج.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٠.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٥) في سنده أبو يحيى وهو القتات وهو ضعيف وقد تابعه ابن أبي نجيح في الرواية التالية.\n(^٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به، وزيادة قوله: \"والله الوتر وحده\".\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى مخالفة المتن لما سبق، وفي سنده أبو الزبير لم يصرح بالسماع من جابر.","vol":"7","page":556},{"text":"الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالف لما تقدم من اللفظ في رواية أحمد والنسائي وابن أبي حاتم وما رواه هو أيضًا، والله أعلم. قال أبو العالية والربيع بن أنس وغيرهما: هي الصلاة منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب فإنها ثلاث وهي وتر النهار، وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من الليل (^١).\nوقد قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن عمران بن حصين ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ قال: هي الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر (^٢). وهذا منقطع وموقوف ولفظه خاص بالمكتوبة وقد روي متصلًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ ولفظه عام.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو داود هو الطيالسي، حدثنا همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام أن شيخًا حدثه من أهل البصرة، عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ سئل عن الشفع والوتر فقال: \"هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر\" (^٣). هكذا وقع في المسند، وكذا رواه ابن جرير، عن بندار، عن عفان، وعن أبي كريب، عن عبيد الله بن موسى وكلاهما عن همام، وهو ابن يحيى، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن شيخ، عن عمران بن حصين، وكذا رواه أبو عيسى الترمذي، عن عمرو بن علي، عن ابن مهدي وأبي داود، كلاهما عن همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن رجل من أهل البصرة، عن عمران بن حصين به، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث قتادة، وقد رواه خالد بن قيس أيضًا عن قتادة، وقد روي عن عمران بن عصام، عن عمران نفسه (^٤). والله أعلم.\nقلت: ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام الضبعي شيخ من أهل البصرة، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ، فذكره، هكذا رأيته في تفسيره فجعل الشيخ البصري هو: عمران بن عصام. وهكذا رواه ابن جرير: أخبرنا نصر بن علي، حدثني أبي، حدثني خالد بن قيس، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ في الشفع والوتر قال: \"هي الصلاة منها شفع ومنها وتر\" (^٥). فأسقط ذكر الشيخ المبهم، وتفرد به عمران بن عصام الضبعي أبو عمارة البصري إمام مسجد بني ضبيعة. وهو والد أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، روى عنه قتادة وابنه أبو جمرة والمثنى بن سعيد وأبو التياح يزيد بن حميد، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وذكره خليفة بن خياط في التابعين من أهل البصرة، وكان شريفًا نبيلًا حظيًا عند الحجاج بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور، بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس.\n(^٢) سنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من عمران بن الحصين ﵁.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٣٧) وسنده ضعيف لإبهام الراوي البصري عن عمران بن الحصين.\n(^٤) أخرجه الطبري والترمذي بالسند المذكور. (السنن، التفسير، باب ومن سورة الفجر ح ٣٣٤٢)، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى تفرد عمران بن عصام الضبعي به.","vol":"7","page":557},{"text":"يوسف، ثم قتله يوم الزاوية سنة ثلاث وثمانين لخروجه مع ابن الأشعث، وليس له عند الترمذي سوى هذا الحديث الواحد، وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه والله أعلم، ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر.\n\n<span id=\"aya-5997\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: أي إذا ذهب (^١).\nوقال عبد الله بن الزبير: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ حتى يذهب بعضه بعضًا (^٢).\nوقال مجاهد وأبو العالية وقتادة ومالك، عن زيد بن أسلم، وابن زيد: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ إذا سار (^٣)، وهذا يمكن حمله على ما قال ابن عباس؛ أي: ذهب، ويحتمل أن يكون المراد إذا سار؛ أي: أقبل، وقد يقال إن هذا أنسب لأنه في مقابلة قوله: ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾ فإن الفجر هو إقبال النهار وإدبار الليل، فإذا حمل قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ على إقباله كان قسمًا بإقبال الليل وإدبار النهار وبالعكس كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ [التكوير] وكذا قال الضحاك: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ أي: يجري.\nوقال عكرمة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ يعني: ليلة جمع؛ ليلة المزدلفة (^٤). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر، عن كثير بن عبد الله بن عمرو قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ قال: اسر يا سار ولا تبيتنَّ إلا بجمع (^٥).\n\n<span id=\"aya-5998\"></span>\n\n<span id=\"aya-5999\"></span>\n\n<span id=\"aya-6000\"></span>\n\n<span id=\"aya-6001\"></span>\n\n<span id=\"aya-6002\"></span>وقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ أي: لذي عقل ولب ودين وحجا، وإنما سمي العقل حجرًا لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه حجر البيت؛ لأنه يمنع الطائف من اللصوق بجداره الشامي، ومنه حجر اليمامة، وحَجَر الحاكم على فلان إذا منعه التصرف ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢] كل هذا من قبيل واحد، ومعنى متقارب، وهذا القسم هو بأوقات العبادة وبنفس العبادة من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القرب التي يتقرب بها إليه عباده المتقون المطيعون له، الخائفون منه المتواضعون لديه الخاضعون لوجهه الكريم، ولما ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم قال بعده: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)﴾؟ وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين خارجين عن طاعته مكذبين لرسله جاحدين لكتبه، فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم وجعلهم أحاديث وعبرًا فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾؟ وهؤلاء عاد الأولى وهم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عمر بن قيس عن محمد بن المرتفع عن عبد الله بن الزبير، وسنده ضعيف لضعف عمر بن قيس المعروف بسندل. (تهذيب التهذيب ٧/ ٤٩٠، ٤٩١).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد؛ وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه جابر وهو: الجعفي، وهو ضعيف، وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف.\n(^٥) سنده ضعيف لضعف كثير بن عبد الله بن عمرو. (التقريب ص ٤٦٠).","vol":"7","page":558},{"text":"ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح. قاله ابن إسحاق (^١)، وهم الذين بعث الله فيهم رسوله هودًا ﵇ فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم وأهلكهم ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة] وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع ليعتبر بمصرعهم المؤمنون، فقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ عطف بيان، زيادة تعريف بهم.\nوقوله تعالى: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشًا، ولهذا ذكرهم هود بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (^٢)﴾ [الأعراف: ٦٩] وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وقال ههنا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم.\nقال مجاهد: إرم، أُمة قديمة؛ يعني: عادًا الأولى.\nقال قتادة بن دعامة والسدي: إن إرم بيت مملكة عاد (^٣)، وهذا قول حسن جيد وقوي.\nوقال مجاهد وقتادة والكلبي في قوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ كانوا أهل عُمُد لا يقيمون (^٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: إنما قيل لهم ذات العماد لطولهم (^٥)، واختار الأول ابن جرير، وردَّ الثاني، فأصاب.\nوقوله تعالى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ أعاد ابن زيد الضمير على العماد لارتفاعها وقال: بنوا عمدًا بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد (^٦)، وأما قتادة وابن جرير فأعاد الضمير على القبيلة؛ أي: لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد؛ يعني: في زمانهم، وهذا القول هو الصواب، وقول ابن زيد ومن ذهب مذهبه ضعيف، لأنه لو كان المراد ذلك لقال التي لم يعمل مثلها في البلاد وإنما قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عمَّن حدثه، عن المقدام، عن النبي ﷺ أنه ذكر ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ فقال: \"كان الرجل منهم يأتي على الصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم\" (^٧).\n_________\n(^١) ينظر سيرة ابن هشام ١/ ٧؛ وأخرجه الطبري عن ابن إسحاق.\n(^٢) كذا في سورة الأعراف آية ٦٩، وفي الأصول: \"ولا تعثوا في الأرض مفسدين\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"أهل عمود\"؛ وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٧) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن المقدام.","vol":"7","page":559},{"text":"ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو الطاهر، حدثنا أنس بن عياض، عن ثور بن زيد الديلي قال: قرأت كتابًا وقد سمى حيث قرأه: أنا شداد بن عاد، وأنا الذي رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي نظر واحد، وأنا الذي كنزت كنزًا على سبعة أذرع لا يخرجه إلا أمة محمد ﷺ (^١).\n(قلت): فعلى كل قول سواء كانت العماد أبنية بنوها أو أعمدة بيوتهم للبدو أو سلاحًا يقاتلون به أو طول واحد منهم، فهم قبيلة وأُمة من الأُمم، وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع المقرونون بثمود كما ههنا، والله أعلم.\nومن زعم أن المراد بقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ مدينة إما دمشق كما روي عن سعيد بن المسيب وعكرمة (^٢)، أو إسكندرية كما روي عن القرظي (^٣) أو غيرهما ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ إن جعل ذلك بدلًا أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذٍ، ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد وما أحلَّ الله بهم من بأسه الذي لا يُردّ، لا أن المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم.\nوإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية من ذكر مدينة يقال لها: إرم ذات العماد، مبنية بلبن الذهب والفضة قصورها ودورها وبساتينها، وأن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك، وأنهارها سارحة وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها وسورها وأبوابها تصفر ليس بها داع ولا مجيب، وأنها تتنقل فتارة تكون بأرض الشام وتارة باليمن وتارة بالعراق وتارة بغير ذلك من البلاد، فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين من وضع بعض زنادقتهم ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك.\nوذكر الثعلبي وغيره أن رجلًا من الأعراب وهو عبد الله بن قلابة في زمان معاوية ذهب في طلب أباعر له شردت، فبينما هو يتيه في ابتغائها إذ اطلع على مدينة عظيمة لها سور وأبواب، فدخلها فوجد فيها قريبًا مما ذكرناه من صفات المدينة الذهبية التي تقدم ذكرها، وأنه رجع فأخبر الناس فذهبوا معه إلى المكان الذي قال فلم يروا شيئًا.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم قصة إرم ذات العماد ههنا مطولة جدًا فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صحّ إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق ذلك أو أنه أصابه نوع من الهوس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج وليس كذلك، وهذا مما يقطع بعدم صحته، وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة والطامعين والمُتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض، فيها قناطير الذهب والفضة وألوان الجواهر واليواقيت واللآلئ والإكسير الكبير، لكن عليها موانع تمنع من الوصول إليها والأخذ منها، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء فيأكلونها بالباطل\n_________\n(^١) هذا الكتاب لا يعتمد لأنه ينص على أمر غيبي لا يؤخذ إلا من الوحي، وعليه فالسند معضل.\n(^٢) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة؛ وأخرجه ابن عساكر عن سعيد المسيب (تاريخ دمشق ١/ ٢١٧)؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي ذئب عن المقبري، وهو سعيد المقبري.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي صخر عن محمد بن كعب القرظي.","vol":"7","page":560},{"text":"في صرفها في بخاخير وعقاقير ونحو ذلك من الهذيانات ويطنزون بهم، والذي يجزم به أن في الأرض دفائن جاهلية وإسلامية وكنوزًا كثيرة من ظفر بشيء منها أمكنه تحويله، فأما على الصفة التي زعموها فكذب وافتراء وبهت، ولم يصح في ذلك شيء مما يقولون إلا عن نقلهم أو نقل من أخذ عنهم، والله ﷾ الهادي للصواب.\nوقول ابن جرير يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها فلذلك لم تصرف، فيه نظر لأن المراد من السياق إنما هو الإخبار عن القبيلة، ولهذا قال بعده: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾ يعني: يقطعون الصخر بالوادي.\nقال ابن عباس: ينحتونها ويخرقونها (^١)، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد (^٢)، ومنه يقال مجتابي النمار إذا خرقوها، واجتاب الثوب إذا فتحه، ومنه الجيب أيضًا وقال الله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ [الشعراء]، وأنشد ابن جرير وابن أبي حاتم ههنا قول الشاعر:\nألا كل شيء ما خلا الله بائد … كما باد حي من شنيف ومارد\nهم ضربوا في كل صماء صعدة … بأيدٍ شدادٍ أيدات السواعد (^٣)\nوقال ابن إسحاق: كانوا عربًا وكان منزلهم بوادي القرى.\nوقد ذكرنا قصة عاد مستقصاة في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته (^٤).\n\n<span id=\"aya-6003\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠)﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: الأوتاد الجنود الذين يشدون له أمره، ويقال: كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها (^٥)، وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد (^٦)، وهكذا قال سعيد بن جبير والحسن والسدي.\nقال السدي: كان يربط الرجل في كل قائمة من قوائمه في وتد ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فيشدخه (^٧).\nوقال قتادة: بلغنا أنه كان له مظال وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد وحبال (^٨).\nوقال ثابت البناني، عن أبي رافع: قيل لفرعون ذي الأوتاد لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى (^٩) عظيمة حتى ماتت (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"فخرقوها\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى، وهو القتات، عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٣) استشهد به الطبري.\n(^٤) في الآيات رقم ٦٥ - ٧٢.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن السدي.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٩) أي: صخرة ضخمة.\n(^١٠) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن ثابت به.","vol":"7","page":561},{"text":"<span id=\"aya-6004\"></span>\n\n<span id=\"aya-6005\"></span>وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢)﴾ أي: تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس\n\n<span id=\"aya-6006\"></span>﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣)﴾ أي: أنزل عليهم رجزًا من السماء وأحلَّ بهم عقوبة، لا يردّها عن القوم المجرمين.\n\n<span id=\"aya-6007\"></span>وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ قال ابن عباس: يسمع ويرى (^١)؛ يعني: يرصد خلقه فيما يعملون ويجازي كلًا بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله ويقابل كلا بما يستحقه، وهو المنزه عن الظلم والجور.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثًا غريبًا جدًا وفي إسناده نظر وفي صحته، فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أسير، يا معاذ إن المؤمن لا يسكن روعه ولا يأمن اضطرابه حتى يخلف جسر جهنم خلف ظهره، يا معاذ إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من شهواته وعن أن يهلك فيها هو -بإذن الله ﷿-، فالقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والصلاة كهفه، والصوم جنته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربه ﷿ من وراء ذلك كله بالمرصاد\" (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان وأبو حمزة، عن معاذ مرسل. ولو كان عن أبي حمزة لكان حسنًا؛ أي: لو كان من كلامه لكان حسنًا.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أيفع، عن ابن عبد الكلاعي أنه سمعه وهو يعظ الناس يقول: إن لجهنم سبع قناطر قال: والصراط عليهنَّ، قال: فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى فيقول: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات] قال: فيحاسبون على الصلاة ويسألون عنها، قال: فيهلك فيها من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حوسبوا على الأمانة كيف أدوها وكيف خانوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سئلوا عن الرحم كيف وصلوها وكيف قطعوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، قال: والرحم يومئذٍ متدلية إلى الهوى في جهنم تقول: اللَّهم من وصلني فصله، ومن قطعني فاقطعه، قال: وهي التي يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ (^٣). هكذا أورد هذا الأثر ولم يذكر تمامه.\n\n<span id=\"aya-6008\"></span>﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾.\nيقول تعالى منكرًا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله تعالى عليه في الرزق ليختبره في\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٢) سنده ضعيف لجهالة أبي حمزة وجهالة يونس الحذاء.\n(^٣) سنده ضعيف لضعف أيفع. (التقريب ص ١١٧).","vol":"7","page":562},{"text":"ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له وليس كذلك بل هو ابتلاء وامتحان كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون] وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله إهانة له، كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ أي: ليس الأمر كما زعم لا في هذا ولا في هذا، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين: إذا كان غنيًا بأن يشكر الله على ذلك وإذا كان فقيرًا بأن يصبر.\n\n<span id=\"aya-6009\"></span>\n\n<span id=\"aya-6010\"></span>وقوله تعالى: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ فيه أمر بالإكرام له؛ كما جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي أيوب، عن يحيى بن أبي سليمان، عن يزيد بن أبي عتاب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه\"، ثم قال بأصبعه: \"أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا\" (^١).\n\nوقال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا عبد العزيز؛ يعني: ابن أبي [حازم] (^٢)، حدثني أبي، عن سهل؛ يعني: ابن سعيد أن رسول الله ﷺ قال: \"أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة\" وقرن بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام (^٣)،\n\n<span id=\"aya-6011\"></span>﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨)﴾ يعني: لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين ويحث بعضهم على بعض في ذلك\n\n<span id=\"aya-6012\"></span>﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ يعني: الميراث ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ أي: من أي جهة حصل لهم ذلك من حلال أو حرام\n\n<span id=\"aya-6013\"></span>﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ أي: كثيرًا، زاد بعضهم: فاحشًا.\n\n<span id=\"aya-6014\"></span>\n\n<span id=\"aya-6015\"></span>﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾.\nيخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال تعالى: ﴿كَلَّا﴾ أي: حقًا ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ أي: وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ يعني: لفصل القضاء بين خلقه وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله عليه وسلامه عليه، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدًا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: \"أنا لها أنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك بسنده ومتنه (الزهد رقم ٦٥٤)؛ وأخرجه ابن ماجه من طريق ابن المبارك به (السنن، الأدب، باب حق اليتيم ح ٣٦٧٩)؛ وضعفه البوصيري لضعف يحيى بن سليمان (مصباح الزجاجة ٣/ ١٦٥).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"حاتم\".\n(^٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، الأدب، باب من ضمّ اليتيم ح ٥١٥٠)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٢٨٩).","vol":"7","page":563},{"text":"لها\" فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى في ذلك.\nوهي أول الشفاعات وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة سبحان (^١)، فيجيء الربُّ ﵎ لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا.\n\n<span id=\"aya-6016\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد الكاهلي، عن شقيق، عن عبد الله هو: ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها\" (^٢). وهكذا رواه الترمذي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عمر بن حفص به. ورواه أيضًا عن عبد بن حميد، عن أبي عامر، عن سفيان الثوري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق بن سلمة -وهو أبو وائل- عن عبد الله بن مسعود قوله ولم يرفعه، وكذا رواه ابن جرير، عن الحسن بن عرفة، عن مروان بن معاوية الفزاري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق، عن عبد الله قوله (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ أي: عمله وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ أي: وكيف تنفعه الذكرى\n\n<span id=\"aya-6017\"></span>﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ يعني: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي إن كان عاصيًا ويود لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعًا؛ كما قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله -يعني: ابن المبارك-، حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عميرة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ، قال: لو أن عبدًا خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرمًا في طاعة الله لحقره يوم القيامة، ولودّ أنه رُدَّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب (^٤). وقد رواه أيضًا عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبيد، عن رسول الله ﷺ (^٥).\n\n<span id=\"aya-6018\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥)﴾ أي: ليس أحد أشد عذابًا من تعذيب الله من عصاه\n\n<span id=\"aya-6019\"></span>\n\n<span id=\"aya-6020\"></span>﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ أي: وليس أحد أشد قبضًا ووثقًا من الزبانية لمن كفر بربهم ﷿، وهذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾\n\n<span id=\"aya-6021\"></span>﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ أي: إلى جواره وثوابه وما أعدَّ لعباده في جنته ﴿رَاضِيَةً﴾ أي: في نفسها ﴿مَرْضِيَّةً﴾ أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها\n\n<span id=\"aya-6022\"></span>﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ أي: في جملتهم\n\n<span id=\"aya-6023\"></span>﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ وهذا يقال لها عند الاحتضار وفي يوم القيامة أيضًا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، فكذلك ههنا.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٧٩.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الكهف آية ١٠٠.\n(^٣) أخرجه الطبري والترمذي بالأسانيد المذكورة. (سنن الترمذي، صفة جهنم، باب ما جاء في صفة النار ح ٢٥٧٣).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده صحيح. (المسند ٢٩/ ١٩٧ ح ١٧٦٥٠).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق بقية قال: حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان به، وضعف سنده محققوه لأن بقية خالف الرواية الموقوفة السابقة. (المسند ٢٩/ ١٩٦ ح ١٧٦٤٩).","vol":"7","page":564},{"text":"ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في عثمان بن عفان (^١).\nوعن بُريدة بن الحصيب: نزلت في حمزة بن عبد المطلب ﵁ (^٢).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ (^٣) يعني: صاحبك وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ وروي عنه أنه كان يقرؤها ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ (^٤) وكذا قال عكرمة (^٥) والكلبي، واختاره ابن جرير وهو غريب، والظاهر الأول لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]، ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٣] أي: إلى حكمه والوقوف بين يديه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ قال: نزلت وأبو بكر جالس فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا، فقال: \"أما إنه سيقال لك هذا\" (^٦).\nثم قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن سعيد بن جبير قال: قرئت عند النبي ﷺ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ فقال أبو بكر ﵁: إن هذا لحسن، فقال له النبي ﷺ: \"أما إن الملك سيقول لك هذا عند الموت\". وكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن ابن يمان به (^٧)، وهذا مرسل حسن.\nثم قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا مروان بن شجاع الجزري، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف فجاء طير لم يُرَ على خلقته، فدخل نعشه ثم لم يُرَ خارجًا منه، فلما دفن تُليت هذه الآية على شفير القبر لا يُدرى من تلاها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ (^٨).\nورواه الطبراني عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن مروان بن شجاع، عن سالم بن عجلان الأفطس به فذكره (^٩).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس ﵄، ونسبه السيوطي إلى ابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بُريدة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف جدًا فيه أبان بن أبي عياش وهو متروك. (التقريب ص ٨٧) وقراءة: \"فادخلي عبدي\" شاذة تفسيرية.\n(^٥) أي: كتفسير العوفي عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه عن عكرمة.\n(^٦) سنده حسن.\n(^٧) أخرجه الطبري عن أبي كريب به، وهو مرسل ويتقوى بسابقه.\n(^٨) في سنده مروان بن شجاع الجزري: صدوق له أوهام. (التقريب ص ٥٢٦).\n(^٩) أخرجه الطبراني عن عبد الله بن أحمد به (المعجم الكبير ١٠/ ٢٩٠ ح ١٠٥٨١) وفي سنده أيضًا مروان بن شجاع.","vol":"7","page":565},{"text":"وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر الهروي -المعروف بشكر- في كتاب \"العجائب\" بسنده عن ثُباث بن رزين أبي هاشم قال: أُسرت في بلاد الروم، فجمعنا الملك وعرض علينا دينه على أن من امتنع ضُربت عنقه، فارتدَّ ثلاثة، وجاء الرابع فامتنع فضُربت عنقه وألقي رأسه في نهر هناك فرسب في الماء ثم طفا على وجه الماء ونظر إلى أولئك الثلاثة فقال: يا فلان ويا فلان ويا فلان يناديهم بأسمائهم قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ ثم غاص في الماء، قال: فكادت النصارى أن يسلموا ووقع سرير الملك ورجع أولئك الثلاثة إلى الإسلام، قال وجاء الفداء من عند الخليفة أبي جعفر المنصور فخلصنا.\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة رواحة بنت أبي عمرو الأوزاعي، عن أبيها، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي، حدثني أبو أُمامة، أن رسول الله ﷺ قال لرجل: \"قل اللَّهم إني أسألك نفسًا بك مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك\" (^١). ثم روى عن أبي سليمان بن زَبْر أنه قال: حديث رواحة هذا واحد أمَه (^٢).\nآخر تفسير سورة الفجر، ولله الحمد [والمنّة] (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر من طريق عبد الرحمن بن عبد الغفار البيروتي عن رواحة به (تاريخ دمشق، قسم تراجم النساء ص ١٠٠) وعبد الرحمن ورواحة لم أجد لهم ترجمة وبقية رجاله ثقات؛ وأخرجه الطبراني من طريق عبد الرحمن بن عبد الغفار عن رواحة به (المعجم الكبير ٨/ ١١٨ ح ٧٤٩٠)؛ قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفه. (مجمع الزوائد ١٠/ ١٨٠).\n(^٢) أخرجه ابن عساكر من طريق آخر عن عبد الرحمن بن عبد الغفار به ثم أتبعة بتعليق من طريق موسى السمسار قال: قال أبو سليمان بن زبر: حديث رواحة هذا واحد أمَه. (تاريخ دمشق، قسم تراجم النساء ص ١٠١).\n(^٣) زيادة من (ح).","vol":"7","page":566},{"text":"<span data-type='title' id=toc-213>سُورَةُ البَلَدِ</span>\nمكية\n\n<span id=\"aya-6024\"></span>﷽\n﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾.\nهذا قسم من الله ﵎ بمكة أُم القرى في حال كون الساكن فيها حالًا لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها.\nقال خُصيف، عن مجاهد: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ ﴿لَا﴾ ردٌ عليهم، ﴿أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (^١).\nوقال شبيب بن بشر: عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ يعني: مكة\n\n<span id=\"aya-6025\"></span>﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾ قال: أنت يا محمد يحل لك أن تُقاتل به (^٢)، وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي صالح وعطية والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد (^٣).\nوقال مجاهد: ما أصبت فيه فهو حلال لك (^٤).\nوقال قتادة: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾ قال: أنت به من غير حرج ولا إثم (^٥).\nوقال الحسن البصري: أحلَّها الله له ساعة من نهار، وهذا المعنى الذي قالوه ورد به الحديث المتفق على صحته: \"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب\" (^٦).\nوفي لفظ آخر: \"فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم\" (^٧).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(^٢) سنده حسن، ويشهد له ما يليه من آثار.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد بنحوه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٦.\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٦.","vol":"7","page":567},{"text":"<span id=\"aya-6026\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣)﴾ قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، عن شريك، عن خُصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣)﴾ الوالد الذي يلد وما ولد العاقر الذي لا يولد له (^١). ورواه ابن أبي حاتم من حديث شريك وهو ابن عبد الله القاضي به (^٢).\nوقال عكرمة: الوالد العاقر، وما ولد الذي يلد (^٣). رواه ابن أبي حاتم.\nوقال مجاهد وأبو صالح وقتادة والضحاك وسفيان الثوري وسعيد بن جبير والسدي والحسن البصري وخُصيف وشرحبيل بن سعد وغيرهم: يعني بالوالد: آدم، وما ولد: ولده (^٤).\nوهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي؛ لأنه تعالى لما أقسم بأُم القرى وهي: أُم المساكن أقسم بعده بالساكن وهو آدم أبو البشر وولده.\nوقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وذريته، رواه ابن جرير (^٥) وابن أبي حاتم، واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده وهو محتمل أيضًا.\n\n<span id=\"aya-6027\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ روي عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي وخيثمة والضحاك وغيرهم يعني: منتصبًا، زاد ابن عباس في رواية عنه: منتصبًا في بطن أمه (^٦)، والكبد الاستواء والاستقامة، ومعنى هذا القول لقد خلقناه سويًا مستقيمًا كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار] وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين].\nوقال ابن جريج، [عن] (^٧) عطاء، عن ابن عباس: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ قال: في شدة خلق ألم ترَ إليه؟ وذكر مولده ونبات أسنانه (^٨).\nوقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ نطفة ثم علقة ثم مضغة يتكبد في الخلق، قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ وأرضعته كرهًا ومعيشته كره فهو يكابد ذلك.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ في شدة وطلب معيشة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه؛ وأخرجه آدم بن أبي إياس عن شريك به، وفي سنده شريك وخصيف وكلاهما سيء الحفظ.\n(^٢) سنده كسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق النضر بن عربي عن عكرمة.\n(^٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي بلفظ: \"في انتصاب، ويقال: في شدة\"؛ وأخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة بلفظ: في نصب، واللفظ الذي ذكره الحافظ ابن كثير عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن إبراهيم.\n(^٧) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: (و) والتصويب كما في التخريج.\n(^٨) أخرجه الطبري والحاكم من طريق ابن جريج به؛ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٢٣).","vol":"7","page":568},{"text":"وقال عكرمة: في شدة وطوْل (^١).\nوقال قتادة: في مشقة (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، سمعت محمد بن علي أبا جعفر الباقر سأل رجلًا من الأنصار عن قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ قال: في قيامه واعتداله فلم ينكر عليه أبو جعفر (^٣). وروي من طريق أبي مودود سمعت الحسن قرأ هذه الآية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ قال: يكابد أمرًا من أمر الدنيا وأمرًا من أمر الآخرة، وفي رواية: يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة (^٤).\nوقال ابن زيد: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ قال: آدم خلق في السماء فسمي ذلك الكبد (^٥)، واختار ابن جرير أن المراد بذلك: مكابدة الأمور ومشاقها.\n\n<span id=\"aya-6028\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ [قال الحسن البصري: يعني: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ يأخذ ماله] (^٦). وقال قتادة: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ قال: ابن آدم يظن أن لن يسأل عن هذا المال من أين اكتسبه، وأين أنفقه.\nوقال السدي: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ قال الله ﷿ (^٧).\n\n<span id=\"aya-6029\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦)﴾ أي: يقول ابن آدم: أنفقت مالًا لبدًا؛ أي: كثيرًا. قاله مجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم (^٨).\n\n<span id=\"aya-6030\"></span>﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾ قال مجاهد: أي: أيحسب أن لم يره الله ﷿؟ وكذا قال غيره من السلف (^٩).\n\n<span id=\"aya-6031\"></span>\n\n<span id=\"aya-6032\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾ أي: يبصر بهما ﴿وَلِسَانًا﴾ أي: ينطق به فيعبر عما في ضميره ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام وجمالًا لوجهه وفمه.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي الربيع الدمشقي عن مكحول قال: قال النبي ﷺ: \"يقول الله تعالى يا ابن آدم قد أنعمت عليك نعمًا عظامًا لا تحصي عددها ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما وجعلت لهما غطاء، فانظر\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق النضر بن عربي عن عكرمة بلفظ: \"في شدة\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بمعناه.\n(^٣) سنده ضعيف لضعف أحمد بن عصام. (لسان الميزان ١/ ٢٢٠).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق علي بن علي بن رفاعة عن الحسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) زيادة من نسخة دار الكتب حسب طبعة البابي الحلبي.\n(^٧) كذا في الأصول، وفيما عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن السدي أوضح إذ هو بلفظ: \"الكافر: يحسب أن لن يقدر الله عليه ولم يره\".\n(^٨) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه.","vol":"7","page":569},{"text":"بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما، وجعلت لك لسانًا وجعلت له غلافًا فانطق بما أمرتك وأحللت لك، فإن عرض عليك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك. وجعلت لك فرجًا وجعلت لك سترًا، فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عرض عليك ما حرمت عليك فأرخِ عليك سترك، ابن آدم إنك لا تحمل سخطي، ولا تطيق انتقامي\" (^١).\n\n<span id=\"aya-6033\"></span>﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ الطريقين. قال سفيان الثوري: عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله هو: ابن مسعود ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ قال: الخير والشر (^٢)، وكذا روي عن علي وابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبي وائل وأبي صالح ومحمد بن كعب والضحاك وعطاء الخراساني في آخرين (^٣).\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"هما نجدان فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير\" (^٤). تفرد به سنان بن سعد، ويقال: سعد بن سنان، وقد وثقه ابن معين، وقال الإمام أحمد والنسائي والجوزجاني: منكر الحديث، وقال أحمد: تركتُ حديثه لاضطرابه، وروى خمسة عشر حديثًا منكرة كلها ما أعرف منها حديثًا واحدًا يشبه حديثه حديث الحسن -يعنى البصري- لا يشبه حديث أنس.\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن يقول: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ قال: ذُكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: \"يا أيها الناس إنهما النجدان نجد الخير ونجد الشر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير\" وكذا رواه حبيب بن الشهيد ومعمر ويونس بن عبيد وأبو وهب، عن الحسن مرسلًا، وهكذا أرسله قتادة (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عيسى بن عقال، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ قال: الثديين (^٦) وروي عن الربيع بن خُثيم وقتادة وأبي حازم مثل ذلك (^٧)، ورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن وكيع، عن عيسى بن عقال به ثم قال: والصواب القول الأول، ونظير هذه الآية قوله تعالى؛ ﴿إِنَّا\n_________\n(^١) سنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٢) أخرجه الطبري والحاكم من طريق سفيان الثوري به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٢٣).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه ابن عدي من طريق عبد الله بن وهب به (الكامل في الضعفاء ٣/ ٣٥٦) وسنده ضعيف لتفرد سنان بن سعد به، وفيه مقال أيضًا كما نقل الحافظ ابن كثير عن كبار النقاد.\n(^٥) أخرجه الطبري بالأسانيد الثلاثة، وهي كلها مرسلة.\n(^٦) سنده ضعيف لضعف أحمد بن عصام كما في التقريب، وعيسى بن عقال سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم، وقد خالف ما ثبت عن ابن عباس أنه الهدى والضلالة؛ كما أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منذر الثوري عن الربيع بن خثيم بلفظ: \"ليسا بالثديين\".","vol":"7","page":570},{"text":"خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ (^١) [الإنسان].\n\n<span id=\"aya-6034\"></span>﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾.\nقال ابن جرير: حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن [عطية] (^٢)، عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾ أي: دخل ﴿الْعَقَبَةَ﴾ قال: جبل في جهنم (^٣).\nوقال كعب الأحبار: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ هو سبعون درجة في جهنم (^٤).\nوقال الحسن البصري: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ قال: عقبة في جهنم (^٥).\nوقال قتادة: إنها عقبة قحمة شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى (^٦).\n\n<span id=\"aya-6035\"></span>\n\n<span id=\"aya-6036\"></span>\n\n<span id=\"aya-6037\"></span>وقال قتادة: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢)﴾ ثم أخبر تعالى عن اقتحامها فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ﴾.\nوقال ابن زيد: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ أي: أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير ثم بيَّنها فقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ﴾ (^٧). قُرئ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ بالإضافة، وقريء على أنه فعل وفيه ضمير الفاعل والرقبة مفعوله، وكلتا القراءتين معناهما متقارب (^٨).\nقال الإمام أحمد: حدثنا [مكي] (^٩) بن إبراهيم، حدثنا عبد الله -يعني: ابن سعيد بن أبي هند-، عن إسماعيل بن أبي حكيم، مولى آل الزبير، عن سعيد بن مرجانة أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب؛ -أي: عضوٍ- منها إربًا منه من النار حتى إنه ليعتق باليد اليد وبالرجل الرجل وبالفرج الفرج\".\nفقال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم. فقال علي بن الحسين لغلام له أفره غلمانه: ادع مطرفًا، فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حرٌّ لوجه الله (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري عن أبي كريب به، وفي سنده عيسى بن عقال مسكوت عنه، وهو مخالف ما ثبت عن ابن عباس.\n(^٢) كذا في (حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل و(ح): أبي عطية والتصويب من ترجمة عطية وهو العوفي، ومن التخريج.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه؛ وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن إدريس به (المصنف ١١/ ٣٠٧). وسنده ضعيف لضعف عطية العوفي.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق حنش عن كعب، وسنده ضعيف لأنه مثل المرسل.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٨) القراءتان متواترتان.\n(^٩) كذا في المسند، وفي الأصل صحف إلى: \"علي\".\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ١٥/ ٢٦٠، ٢٦١ ح ٩٤٤١).","vol":"7","page":571},{"text":"وقد رواه البخاري، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن سعيد بن مرجانة به، وعند مسلم أن هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم (^١). وقال قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي نجيح قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أيّما مسلم أعتق رجلًا مسلمًا فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظمًا من عظامه محررًا من النار، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها عظمًا من عظامها من النار\" رواه ابن جرير (^٢) هكذا، وأبو نجيح هذا هو عمر بن عبسة السلمي ﵁.\nقال الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثني بجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن عمرو بن عبسة أنه حدثهم أن النبي ﷺ قال: \"من بنى مسجدًا ليذكر الله فيه بنى الله له بيتًا في الجنة. ومن أعتق نفسًا مسلمة كانت فديته من جهنم، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة\" (^٣).\nطريق أخرى: قال أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا جرير، عن سليم بن عامر، أن شرحبيل بن السمط قال لعمرو بن عبسة: حدثنا حديثًا ليس فيه تزيد ولا نسيان. قال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار عضوًا بعضو، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة، ومن رمى بسهم فبلغ فأصاب أو أخطأ كان كمعتق رقبة من بني إسماعيل\" (^٤). وروى أبو داود والنسائي بعضه (^٥).\nطريق أخرى: قال أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان، عن أبي أُمامة، عن عمرو بن عبسة، قال السلمي: قلت له: حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه انتقاص ولا وهم، قال: سمعته يقول: \"من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ به العدو أصاب أو أخطأ كان له عتق رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار، ومن أنفق زوجين في سبيل الله فإن للجنة ثمانية أبواب يدخله الله من أي باب شاء منها\" (^٦). وهذه أسانيد جيدة قوية، ولله الحمد.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، العتق، باب العتق وفضله (ح ٢٥١٧)؛ وصحيح مسلم، العتق، باب فضل العتق (ح ١٥٠٩).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وسنده صحيح، ويشهد له سابقه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه قال محققوه: حديث صحيح دون قوله: \"من بنى لله مسجدًا … \" فصحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف فيه بقية، وهو ابن الوليد، يدلس تدليس التسوية وقد عنعن، وباقي رجال الإسناد ثقات. (المسند ٣٢/ ١٨٧ ح ١٩٤٤٠) لكن بقية صرح بالسماع، فالإسناد حسن، ويكون بالشواهد صحيحًا لغيره.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١١٣) وسنده صحيح، ويشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٥) أخرجه أبو داود من طريق سليم بن عامر به مختصرًا. السنن، العتق، باب أي الرقاب أفضل (ح ٣٩٦٦)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٣٥٦)؛ وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، العتق، باب فضل العتق (ح ٤٨٧٤).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، قال محققوه: حديث صحيح دون قوله: \"من وُلد له … \" و\"ومن انفق =","vol":"7","page":572},{"text":"حديث آخر: قال أبو داود: حدثنا عيسى بن محمد الرملي، حدثنا ضمرة، عن ابن أبي عبلة، عن الغَريف بن عياش الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حدِّثنا حديثًا ليس فيه زيادة ولا نقصان، فغضب وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص، قلنا: إنما أردنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب يعني النار بالقتل فقال: \"أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار\" (^١)، وكذا رواه النسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة، عن العريف بن عياش الديلمي، عن واثلة به (^٢).\nحديث آخر: قال أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا هشام، عن قتادة، عن قيس الجذامي، عن عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله ﷺ قال: \"من أعتق رقبة مسلمة فهو فداؤه من النار\" (^٣)، وحدثنا عبد الوهاب الخفاف، عن سعيد، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن قيسًا الجذامي حدث عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: \"من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار\" (^٤). تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم وأبو أحمد قالا: حدثنا عيسى بن عبد الرحمن البجلي من بني بجيلة من بني سليم، عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله علمني عملًا يدخلني الجنة، فقال: \"لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة\" فقال: يا رسول الله أو ليستا بواحدة، قال: \"لا إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفكَّ الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحةُ الوكوف (^٥)، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير\" (^٦).\nوقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾ قال ابن عباس: ذي مجاعة (^٧)، وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وغير واحد (^٨)، والسغب هو الجوع.\n_________\n= زوجين\" فصحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف الفرج وهو ابن فضالة. (المسند ٣٢/ ١٨٢ ح ١٩٤٣٧). والأحسن أن نقول: أن الإسناد يكون حسنًا لغيره بالشواهد. ولهذا جوده الحافظ ابن كثير.\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، العتق، باب في ثواب العتق ح ٣٩٦٤) في سنده الغريف بن عياش وهو مقبول (التقريب ص ٤٤٢).\n(^٢) السنن الكبرى، العتق، باب ذكر اسم هذا الولي (ح ٤٨٩١) وسنده كسابقه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٠) وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من قيس، ويشهد له ما سبق فيكون حسنًا لغيره.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٤٧) وسنده ضعيف لإبهام شيخ قتادة، ويتقوى بالشواهد السابقة، ولهذا جوَّد الحافظ ابن كثير هذه الأسانيد بمجموعها.\n(^٥) أي: الغزيرة اللبن.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٣٠/ ٦٠٠ ح ١٨٦٤٧).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مجاهد عن ابن عباس.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن برقان عن عكرمة؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح =","vol":"7","page":573},{"text":"وقال إبراهيم النخعي: في يوم الطعام فيه عزيز.\nوقال قتادة: في يوم [يُشتهى] (^١) فيه الطعام.\n\n<span id=\"aya-6038\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَتِيمًا﴾ أي: أطعم في مثل هذا اليوم يتيمًا ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ أي: ذا قرابة منه. قاله ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك والسدي (^٢)، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا هشام، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة\" (^٣) وقد رواه الترمذي والنسائي (^٤). وهذا إسناد صحيح.\n\n<span id=\"aya-6039\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ أي: فقيرًا مدقعًا لاصقًا بالتراب، وهو الدقعاء أيضًا.\nقال ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ هو المطروح في الطريق الذي لا بيت له ولا شيء يقيه من التراب (^٥). وفي رواية: هو الذي لصق بالدقعاء من الفقر والحاجة ليس له شيء. وفي رواية عنه: هو البعيد التربة (^٦).\nقال ابن أبي حاتم: يعني: الغريب عن وطنه.\nوقال عكرمة: هو الفقير المديون المحتاج.\nوقال سعيد بن جبير: هو الذي لا أحد له (^٧).\nوقال ابن عباس وسعيد وقتادة ومقاتل بن حيان: هو ذو العيال (^٨). وكل هذه قريبة المعنى.\n\n<span id=\"aya-6040\"></span>وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمن بقلبه محتسب ثواب ذلك عند الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء]. وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية [النحل: ٩٧] وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي: كان من\n_________\n= من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه عن الضحاك، ويتقوى بما سبق.\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه، حفصة لم تسمع من سلمان، (المسند ٢٩/ ٤١٦ ح ١٧٨٨٤) وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^٤) سنن الترمذي، الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة (ح ٦٥٨)؛ وسنن النسائي، الزكاة، باب الصدقة على الأقارب ٥/ ٩٢؛ وصححه الألباني من حديث الرباب عن عمها سلمان بن عامر (صحيح سنن الترمذي ما بعد حديث ٥٣١).\n(^٥) أخرجه الطبري من طرق صحيحة عن مجاهد عن ابن عباس؛ وأخرجه الحاكم من طريق مجاهد عن ابن عباس بنحوه وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٢٤).\n(^٦) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وهو تتمة لسابقه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير.","vol":"7","page":574},{"text":"المؤمنين العاملين صالحًا، المتواصين بالصبر على أذى الناس وعلى الرحمة بهم كما جاء في الحديث الشريف: \"الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء\" (^١). وفي الحديث الآخر: \"لا يرحم الله من لا يرحم الناس\" (^٢).\nوقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن ابن عامر، عن عبد الله بن عمرو يرويه [عن النبي ﷺ] (^٣) قال: \"من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس مِنَّا\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-6041\"></span>وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ أي: المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين.\n\n<span id=\"aya-6042\"></span>ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩)﴾ أي: أصحاب الشمال\n\n<span id=\"aya-6043\"></span>﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾ أي: مطبقة عليهم فلا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها!\nقال أبو هريرة وابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي وعطية العوفي والحسن وقتادة والسدي: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مطبقة (^٥).\nقال ابن عباس: مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب بلغة [قريش] (^٦) أي: أغلقه (^٧). وسيأتي في ذلك حديث في سورة ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة].\nوقال الضحاك: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ حِيَط لا باب له.\nوقال قتادة: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة فلا ضوء فيها ولا فُرَج ولا خروج منها آخر الأبد (^٨).\nوقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار وكل شيطان وكل من كان يخاف الناس في الدنيا شره، فأوثقوا بالحديد ثم أمر بهم إلى جهنم ثم أوصدوها عليهم؛ أي: أطبقوها، قال: فلا واللهِ لا تستقر أقدامهم على قرار أبدًا، ولا واللهِ لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبدًا، ولا واللهِ لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبدًا، ولا واللهِ لا يذوقون فيها بارد شراب أبدًا (^٩)، رواه ابن أبي حاتم.\nآخر تفسير سورة البلد، ولله الحمد والمنّة.\n_________\n(^١) تقدم في تفسير سورة محمد آية ٢٢.\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث جرير بن عبد الله ﵁ (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ. . .﴾ [الإسراء: ١١٠] ح ٧٣٧٦).\n(^٣) زيادة من سنن أبي داود.\n(^٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه وزيادة من طريق شيخه ابن السرح. (السنن، الأدب، باب في الرحمة ح ٤٩٤٣)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٣٤)؛ وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٧٨).\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(^٨) تقدم تخريجه قبل الرواية السابقة.\n(^٩) سنده ضعيف حكمه كالمرسل.","vol":"7","page":575},{"text":"<span data-type='title' id=toc-214>سُورَةُ الشَّمْسِ وهي مكية</span>\nتقدم حديث جابر الذي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: \"هلَّا صليت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾؟ \" (^١).\n\n<span id=\"aya-6044\"></span>﷽\n﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾.\nقال مجاهد: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ أي: وضوئها (^٢).\nوقال قتادة: ﴿وَضُحَاهَا﴾ النهار كله (^٣).\nقال ابن جرير: والصواب أن يقال: أقسم الله بالشمس ونهارها؛ لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار (^٤).\n\n<span id=\"aya-6045\"></span>﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ قال مجاهد: تبعها (^٥).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ قال: يتلو النهار (^٦).\nوقال قتادة: إذا تلاها ليلة الهلال إذا سقطت الشمس رؤي الهلال (^٧).\nوقال ابن زيد: هو يتلوها في النصف الأول من الشهر ثم هي تتلوه وهو يتقدمها في النصف الأخير من الشهر (^٨).\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم: إذا تلاها ليلة القدر (^٩).\n\n<span id=\"aya-6046\"></span>\n\n<span id=\"aya-6047\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ قال مجاهد: أضاء (^١٠).\n_________\n(^١) ينظر مطلع سورة الانفطار، ومطلع سورة الفجر.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٩) سنده صحيح.\n(^١٠) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"7","page":576},{"text":"وقال قتادة: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ إذا غشيها النهار (^١).\nوقال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى: والنهار إذا جلّا الظلمة، لدلالة الكلام عليها (^٢).\n(قلت): ولو أن هذا القائل تأول ذلك بمعنى ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ أي: البسيطة لكان أولى ولصحَّ تأويله في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ فكان أجود وأقوى، والله أعلم. ولهذا قال مجاهد: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ إنه كقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل] وأما ابن جرير فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس لجريان ذكرها، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ يعني: إذا يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق.\nوقال بقية بن الوليد، عن صفوان: حدثني يزيد بن ذي حمامة قال: إذا جاء الليل قال الرب ﷻ غشي عبادي خلقي العظيم فالليل يهابه، والذي خلقه أحق أن يهاب. رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span id=\"aya-6048\"></span>\n\n<span id=\"aya-6049\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ يحتمل أن تكون ما هاهنا مصدرية بمعنى والسماء وبنائها، وهو قول قتادة (^٣)، ويحتمل أن تكون بمعنى (مَنْ) يعني والسماء وبانيها، وهو قول مجاهد (^٤)، وكلاهما متلازم والبناء هو الرفع كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾ [الذاريات] وهكذا قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦)﴾ قال مجاهد: طحاها: دحاها (^٥).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ أي: خلق فيها (^٦).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: طحاها قسمها (^٧).\nوقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي والثوري وأبو صالح وابن زيد: ﴿طَحَاهَا﴾ بسطها (^٨)، وهذا أشهر الأقوال وعليه الأكثر من المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة.\nقال الجوهري: طحوته مثل دحوته؛ أي: بسطته.\n\n<span id=\"aya-6050\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة كما قال\nتعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ﴾ [الروم: ٣٠]\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة، عن قتادة.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه، ويقصد ببعض أهل العربية: الفراء فقد ذكره في معاني القرآن (٣/ ٢٦٦).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"وبناؤها خلقها\".\n(^٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. بلفظ: \"الله بنى السماء\".\n(^٥) أخرجه آدم والطبري بالسند المتقدم عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد، وأما قول مجاهد فقد تقدم قبل روايتين بلفظ: \"دحاها\".","vol":"7","page":577},{"text":"وقال رسول الله ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ \" أخرجاه من رواية أبي هريرة (^١)، وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي عن رسول الله ﷺ قال: \"يقول الله ﷿: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-6051\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ أي: فأرشدها إلى فجورها؛ أي: بيّن ذلك لها وهداها إلى ما قدر لها.\nقال ابن عباس: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ بيَّن لها: الخير والشر (^٣)، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك والثوري (^٤).\nوقال سعيد بن جبير: ألهمها الخير والشر (^٥).\nوقال ابن زيد: جعل فيها فجورها وتقواها (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى وأبو عاصم النبيل قالا: حدثنا عزرة بن ثابت، حدثني يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ وأكدت عليهم الحجة؟ قلت: بل شيء قضي عليهم، قال: فهل يكون ذلك ظلمًا؟ قال: ففزعت منه فزعًا شديدًا قال: قلت له: ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال: سددك الله إنما سألتك لأخبر عقلك، إن رجلًا من مزينة أو جهينة أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ وأكدت به عليهم الحجة؟ قال: \"بل شيء قد قضي عليهم\" قال: [ففيم نعمل]؟ (^٧) قال: \"من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه لها وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ \" (^٨). رواه أحمد ومسلم من حديث [عزرة] (^٩) ابن ثابت به (^١٠).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١١٩.\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١١٩.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك فيه إبهام شيخ الطبري.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير بلفظ: \"الزمها\".\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٧) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل بياض ثم كلمة: يعمل.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٩) كذا في (ح) و(حم)؛ وصحيح مسلم، وفي الأصل صحف إلى: عروة.\n(^١٠) المسند ٤/ ٤٣٨؛ وصحيح مسلم، القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أُمه .. (ح. ٢٦٥٠).","vol":"7","page":578},{"text":"<span id=\"aya-6052\"></span>\n\n<span id=\"aya-6053\"></span>وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ يحتمل أن يكون المعنى قد أفلح من زكى نفسه؛ أي: بطاعة الله كما قال قتادة وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل (^١)، ويروى نحوه عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير (^٢). وكقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى].\n﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ أي: دسسها؛ أي: أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله ﷿، وقد يحتمل أن يكون المعنى قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دسى الله نفسه؛ كما قال العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زرعة قالا: حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا أبو مالك يعني: عمرو بن هشام، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قول الله ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ قال النبي ﷺ: \"أفلحت نفس زكاها الله ﷿\" ورواه ابن أبي حاتم من حديث مالك به (^٤)، وجويبر هذا هو ابن سعيد: متروك الحديث، والضحاك لم يلق ابن عباس.\nوقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا مرَّ بهذه الآية: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ وقف ثم قال: \"اللَّهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها\" (^٥).\nحديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يعقوب بن حميد المدني، حدثنا عبد الله بن الأموي، حدثنا معن بن محمد الغفاري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: \" ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ \" قال: \"اللَّهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها\" (^٦). لم يخرجوه من هذا الوجه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن نافع، عن ابن عمر، عن صالح بن سعيد، عن عائشة أنها فقدت النبي ﷺ من مضجعه فلمسته بيدها فوقعت عليه وهو ساجد وهو يقول: \"ربِّ أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها\" (^٧). تفرد به.\n_________\n(^١) خرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق خُصيف عن مجاهد وسعيد بن جبير عن عكرمة، وخُصيف سيئ الحفظ.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظه؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظ: \"تكذيبها\".\n(^٤) كلا الطريقين ضعيف كما فصَّل الحافظ ابن كثير.\n(^٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه. (المعجم الكبير ١١/ ١٠٦ ح ١١٩١) وحسن سنده الهيثمي (مجمع الزوائد ٧/ ١٤١) وهذا الحكم يستقيم بالشواهد التالية، فإن فيه ابن لهيعة ولكن روي من طرق أخرى كما سيأتي.\n(^٦) أخرجه ابن أبي عاصم من طريق يعقوب بن حميد المزني به. (السنة ح ٣١٨) وفي سنده عبد الله بن عبد الله الأموي: لين الحديث. (التقريب ص ٣١٠)، ويتقوى بالرواية السابقة.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: رجاله ثقات. (المسند ٤٢/ ٤٩٢ ح ٢٥٧٥٧). ويشهد له رواية الإمام أحمد ومسلم التالية.","vol":"7","page":579},{"text":"حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن زيد بن أرقم، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: \"اللَّهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب القبر. اللَّهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللَّهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع. وعلم لا ينفع ودعوة لا يستجاب لها\" قال زيد: كان رسول الله ﷺ يُعلمناهنَّ ونحن نُعلمكموهنَّ (^١)، رواه مسلم من حديث أبي معاوية، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث وأبي عثمان النهدي، عن زيد بن أرقم به (^٢).\n\n<span id=\"aya-6054\"></span>﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾.\nيخبر تعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي.\nوقال محمد بن كعب: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾ أي: بأجمعها (^٣)، والأول أولى. قاله مجاهد وقتادة وغيرهما (^٤)، فأعقبهم ذلك تكذيبًا في قلوبهم بما جاءهم به رسولهم ﵊ من الهدى واليقين\n\n<span id=\"aya-6055\"></span>﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ أي: أشقى القبيلة هو قدار بن سالف عاقر الناقة، وهو أحيمر ثمود، وهو الذي قال الله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠)﴾ [القمر].\nوكان هذا الرجل عزيزًا فيهم شريفًا في قومه نسيبًا رئيسًا مطاعًا، كما قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله ﷺ فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: \"إذا انبعث أشقاها انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة\" (^٥). ورواه البخاري في التفسير ومسلم في صفة النار والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، وكذا ابن جرير وابن أبي حاتم عن هشام بن عروة به (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن محمد بن خثيم، عن محمد بن كعب القرظي، عن محمد بن خثيم [أبي يزيد] (^٧)، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: \"ألا أحدثك\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٣٢/ ٦١ ح ١٩٣٠٨).\n(^٢) صحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (ح ٢٧٢٢).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق محمد بن رفاعة القرظي عن محمد بن كعب.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"بالطغيان\"؛ وأخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"معصيتها\".\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٤/ ١٧) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح البخاري، التفسير، سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ (ح ٢٩٤٢)، وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب النار يدخلها الجبارون .. (ح ٢٨٥٥)؛ وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ (ح ٣٣٤٠)؛ والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، سورة الشمس (ح ١١٦٧٥).\n(^٧) كذا في (ح) و(حم) وترجمته، وفي الأصل صحف إلى: بن يزيد.","vol":"7","page":580},{"text":"بأشقى الناس؟ \" قال: بلى. قال: \"رجلان أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذا -يعني: قرنه- حتى تبتل منه هذه\" يعني: لحيته (^١).\n\n<span id=\"aya-6056\"></span>\n\n<span id=\"aya-6057\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ يعني: صالحًا ﵇ ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ أي: احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ أي: لا تعتدوا عليها في سقياها فإن لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم، قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ أي: كذبوه فيما جاءهم به فأعقبهم ذلك أن عقروا الناقة التي أخرجها الله من الصخرة آية لهم وحجة عليهم ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أي: غضب عليهم فدمر عليهم ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء.\nقال قتادة: بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها (^٢).\n\n<span id=\"aya-6058\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ﴾ وقرئ: \"فلا يخاف\" (^٣) ﴿عُقْبَاهَا﴾ قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تَبِعهُ (^٤)، وكذا قال مجاهد والحسن وبكر بن عبد الله المزني وغيرهم (^٥).\nوقال الضحاك والسدي: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ أي: لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع (^٦)، والقول الأول أولى لدلالة السياق عليه، والله أعلم.\nآخر تفسير سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ [الشمس].\n_________\n(^١) في سنده محمد بن خثيم أبو يزيد وهو مقبول. (التقريب ص ٤٧٦).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن قتادة مقطّعًا لكن روايته بلاغًا.\n(^٣) القراءتان متواترتان.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء، عن الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق رزين بن سليمان عن بكر بن عبد الله المزني، ويشهد له ما سبق.\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق جابر بن نوح عن أبي روق عن الضحاك، وجابر بن نوح ضعيف. (التقريب ص ١٣٦) ومعناه صحيح؛ وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم -كما في الدر المنثور- بسند حسن من طريق سفيان عن السدي.","vol":"7","page":581},{"text":"<span data-type='title' id=toc-215>سُورَةُ اللَيْلِ</span>\nتقدم قوله ﵊ لمعاذ: \"فهلّا صلَّيت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-6059\"></span>\n\n<span id=\"aya-6060\"></span>\n\n<span id=\"aya-6061\"></span>\n\n<span id=\"aya-6062\"></span>﷽\n﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قدم الشام، فدخل مسجد دمشق فصلى فيه ركعتين وقال: اللَّهم ارزقني جليسًا صالحًا قال: فجلس له أبو الدرداء فقال له أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: كيف سمعت ابن أُم عبد يقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾؟ قال علقمة: (والذكر والأنثى) (^٢) فقال أبو الدرداء: لقد سمعتها من رسول الله ﷺ فما زال هؤلاء حتى شككوني ثم قال: ألم يكن فيكم صاحب الوساد وصاحب السرّ الذي لا يعلمه أحد غيره، والذي أجير من الشيطان على لسان محمد ﷺ؟ (^٣).\nوقد رواه البخاري هاهنا ومسلم من طريق الأعمش عن إبراهيم قال: قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء فطلبهم فوجدهم فقال: أيكم يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ قالوا: كلنا، قال: أيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة فقال: كيف سمعته يقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾؟ قال: (والذكر والأنثى) قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدون أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ واللهِ لا أتابعهم (^٤). هذا لفظ البخاري. وهكذا قرأ ذلك ابن مسعود وأبو الدرداء ورفعه أبو الدرداء، وأما الجمهور فقرأوا ذلك كما هو المثبت في المصحف الإمام العثماني في سائر الآفاق ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ فأقسم تعالى بـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا\n_________\n(^١) ينظر مطلع سورة الانشقاق ومطلع سورة الأعلى.\n(^٢) هذه القراءة شاذة قال الحافظ ابن حجر: ولعل هذا مما نسخت تلاوته ولم يبلغ النسخ أبا الدرداء ومن ذكر معه. (فتح الباري ٨/ ٧٠٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٦/ ٤٤٩) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [الليل] (ح ٤٩٤٤)؛ وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب ما يتعلق بالقرآن (ح ٨٢٤).","vol":"7","page":582},{"text":"يَغْشَى (١)﴾ أي: إذا غشى الخليقة بظلامه ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ أي: بضيائه وإشراقه.\n﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾ [النبأ] وكقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان المقسم عليه أيضًا متضادًا، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضًا ومتخالفة فمن فاعل خيرًا ومن فاعل شرًا.\n\n<span id=\"aya-6063\"></span>قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ أي: أعطى ما أمر بإخراجه، واتقى الله في أموره ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ أي: بالمجازاة على ذلك قاله قتادة (^١).\nوقال خُصيف: بالثواب.\n\n<span id=\"aya-6064\"></span>وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو صالح وزيد بن أسلم: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ أي: بالخَلَف (^٢).\nوقال أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ أي: بلا إله إلا الله (^٣).\nوفي رواية عن عكرمة: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ أي: بما أنعم الله عليه.\nوفي رواية عن زيد بن أسلم: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ قال: الصلاة والزكاة والصوم، وقال مرة: وصدقة الفطر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أُبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الحسنى قال: \"الحسنى: الجنة\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-6065\"></span>\n\n<span id=\"aya-6066\"></span>\n\n<span id=\"aya-6067\"></span>\n\n<span id=\"aya-6068\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ قال ابن عباس: يعني للخير.\nوقال زيد بن أسلم: يعني للجنة، وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ أي: بما عنده ﴿وَاسْتَغْنَى﴾.\nقال عكرمة، عن ابن عباس: أي بخل بماله واستغنى عن ربه ﷿ (^٥).\nرواه ابن أبي حاتم ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)﴾ أي: بالجزاء في الدار الآخرة ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ أي: لطريق الشر كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام] والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله ﷿ يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر والأحاديث الدالَّة على هذا المعنى كثيرة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن مجاهد فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف؛ وأخرجه الطبري بسند حسن صحيح من طريق نضر بن عربي عن عكرمة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي حصين عن أبي عبد الرحمن؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٢٦.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عكرمة به.","vol":"7","page":583},{"text":"رواية أبي بكر الصديق ﵁: قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن [عياش] (^١)، حدثني العطاف بن خالد، حدثني رجل من أهل البصرة، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: \"بل على أمر قد فرغ منه\" قال: ففيم العمل يا رسول الله؟ قال: \"كل ميسر لما خلق له\" (^٢).\nرواية علي ﵁: قال البخاري: حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بقيع الغرقد في جنازة فقال: \"ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار\" فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: \"اعملوا فكل ميسر لما خلق له\" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ (^٣). وكذا رواه من طريق شعبة (^٤)، ووكيع (^٥) عن الأعمش بنحوه. ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور، عن سعيد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى رسول الله ﷺ، فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس، فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: \"ما منكم من أحد -أو ما من نفس منفوسة- إلا كتب مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة\" فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: \"أما أهل السعادة فيُيسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فيُيسرون إلى عمل أهل الشقاء\"، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (^٦). وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق عن سعيد بن عبيدة به.\nرواية عبد الله بن عمر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه أفي أمر قد فرغ أو مبتدأ أو مبتدع؟ قال: \"فيما قد فرغ منه، فاعمل يا ابن الخطاب، فإن كلًّا ميسر، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء\" (^٧). ورواه الترمذي في القدر عن بُندار، عن ابن مهدي به، وقال: حسن صحيح (^٨).\n_________\n(^١) كذا في (ح)؛ ومسند الإمام أحمد، وفي الأصل صُحف إلى: \"عباس\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١/ ٢٠٠ ح ١٩) وقال محققوه: حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لجهالة الراوي عن طلحة بن عبد الله. اهـ. ويشهد له الحديث التالي.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل] (ح ٤٩٤٥).\n(^٤) المصدر السابق (ح ٤٩٤٦).\n(^٥) المصدر السابق (ح ٤٩٤٧).\n(^٦) المصدر السابق (ح ٤٩٤٨).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٨/ ١٤٠ ح ٥١٤٠). قال محققوه: حسن لغيره، وهو إسناد ضعيف لضعف عاصم بن عبيد الله.\n(^٨) سنن الترمذي، القدر، باب ما جاء في الشقاء والسعادة (ح ٢١٣٦).","vol":"7","page":584},{"text":"حديث آخر من رواية جابر: قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله أنعمل لأمر قد فرغ منه أو لأمر نستأنفه؟ فقال: \"لأمر قد فرغ منه\" فقال سراقة: ففيم العمل إذًا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"كل عامل ميسر لعمله\" (^١). ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب به (^٢).\nحديث آخر: قال ابن جرير: حدثني يونس، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق بن حبيب، عن بشير بن كعب العدوي قال: سأل غلامان شابان النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله أنعمل فيما جفت الأقلام وجرت به المقادير أو في شيء يستأنف؟ فقال: \"بل فيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير\" قالا: ففيم العمل إذًا؟ قال: \"اعملوا فكل عامل مُيسر لعمله الذي خلق له\" قالا: نجد ونعمل (^٣).\nرواية أبي الدرداء: قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم بن خارجة، حدثنا أبو الربيع سليمان بن عتبة السلمي، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء قال: قالوا يا رسول الله أرأيت ما نعمل أمر قد فرغ منه أم شيء نستأنفه؟ قال: \"بل أمر قد فرغ منه\" فقالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: \"كل امرء مهيأ لما خلق له\" (^٤). تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nحديث آخر: قال ابن جرير: حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، حدثني خُليد العصري، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا\" وأنزل الله في ذلك القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (^٥). ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن ابن أبي كبشة بإسناده مثله.\nحديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثني الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلًا كان له نخيل، ومنها نخلة فرعها في دار رجل صالح فقير ذي عيال، فإذا جاء الرجل فدخل داره فيأخذ التمرة من نخلته فتسقط التمرة، فيأخذها صبيان الرجل الفقير، فينزل من نخلته فينزع التمرة من أيديهم، وإن أدخل أحدهم التمرة في فمه أدخل أصبعه في حلق الغلام ونزع التمرة من حلقه، فشكا ذلك الرجل إلى النبي ﷺ وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة فقال له النبي ﷺ: \"اذهب\" ولقي النبي ﷺ صاحب النخلة فقال له: \"أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة\" فقال\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه .. (ح ٢٦٤٨).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن ويشهد له ما سبق.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره. (المسند ٤٥/ ٤٨٠ ح ٢٧٤٨٧).\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده عباد بن راشد صدوق له أوهام. (التقريب ص ٢٩٠) وأظنه هو الذي زاد ذكر نزول الآية؛ لأن الحديث بدون ذكر نزول الآية صحيح قد تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٢٩.","vol":"7","page":585},{"text":"له: لقد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها وإن لي لنخلًا كثيرًا ما فيها نخلة أعجب إلي ثمرة من ثمرها، فذهب النبي ﷺ فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ ومن صاحب النخلة فقال الرجل: يا رسول الله إن أنا أخذت النخلة فصارت لي النخلة فأعطيتك إياها، أتعطيني ما أعطيته بها نخلة في الجنة؟ قال: \"نعم\".\nثم إن الرجل لقي صاحب النخلة ولكلاهما نخل، فقال له: أخبرك أن محمدًا أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلت له: قد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها، فسكت عنه الرجل فقال له: أراك إذا بعتها، قال: لا إلا أن أعطى بها شيئًا ولا أظنني أعطاه، قال: وما مُناك؟ قال: أربعون نخلة، فقال الرجل: لقد جئت بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين نخلة؟ ثم سكتا وأنشآ في كلام آخر، ثم قال: أنا أعطيتك أربعين نخلة، فقال: أَشهِد لي إن كنت صادقًا، فأمر بأناس فدعاهم فقال: اشهدوا إني قد أعطيته من نخلي أربعين نخلة بنخلته التي فرعها في دار فلان بن فلان، ثم قال: ما تقول؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت، ثم قال بعد: ليس بيني وبينك بيع لم نفترق، فقال له: قد أقالك الله ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة، فقال صاحب النخلة: قد رضيت على أن تعطيني الأربعين على ما أريد، قال: تعطينيها على ساق، ثم مكث ساعة ثم قال: هي لك على ساق، وأوقف له شهودًا وعد له أربعين نخلة على ساق، فتفرقا، فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي فهي لك، فذهب رسول الله ﷺ إلى الرجل صاحب الدار فقال له: \"النخلة لك ولعيالك\" قال عكرمة: قال ابن عباس فأنزل الله ﷿: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ إلى آخر السورة (^١). هكذا رواه ابن أبي حاتم وهو حديث غريب جدًّا.\nقال ابن جرير: وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁: حدثنا هارون بن إدريس الأصم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁، عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر ﵁ يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناسًا ضعفاء فلو أنك تعتق رجالًا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد -أظنه قال- ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6069\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾ قال مجاهد: أي إذا مات (^٣).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني كما في التقريب.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وهو مقبول. (التقريب ص ٤٩٠) ومحمد بن إسحاق لم يصرح بالسماع ولكن الحاكم أخرجه من طريق محمد بن إسحاق وقد صرح بالسماع وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٢٥)؛ وأخرجه ابن عساكر من طريق ابن إسحاق به. (تاريخ دمشق ٣٠/ ٦٩).\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"7","page":586},{"text":"وقال أبو صالح ومالك عن زيد بن أسلم: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ في النار (^١).\n\n<span id=\"aya-6070\"></span>﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾.\nقال قتادة: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾ أي: نبين الحلال والحرام (^٢)، وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله (^٣)، وجعله كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] حكاه ابن جرير.\n\n<span id=\"aya-6071\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ أي: الجميع ملكنا وأنا المتصرف فيهما.\n\n<span id=\"aya-6072\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ قال مجاهد: أي توهج (^٤).\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: \"أنذرتكم النار [أنذرتكم النار] (^٥) \" حتى لو أن رجلًا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقة عند رجليه (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثني شعبة، حدثني أبو إسحاق، سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه\" (^٧). رواه البخاري (^٨).\nوقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أُسامة، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا وإنه لأهونهم عذابًا\" (^٩).\n\n<span id=\"aya-6073\"></span>\n\n<span id=\"aya-6074\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥)﴾ أي: لا يدخلها دخولًا يحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى ثم فسره فقال: ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ أي: بقلبه ﴿وَتَوَلَّى﴾ أي: عن العمل بجوارحه وأركانه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري وعبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) ذكره الفراء (معاني القرآن ٣/ ٢٧١) والطبري.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) زيادة من المسند.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣٠/ ٣٤٨ ح ١٨٣٩٨) وحسن سنده محققوه.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣٠/ ٣٦٢ ح ١٨٤١٣) وصحح سنده محققوه.\n(^٨) صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار (ح ٦٥٦١).\n(^٩) أخرجه مسلم بسنده ومتنه. (الصحيح، الإيمان، باب أهون أهل النار عذابًا ح ٢١٣/ ٣٦٤).","vol":"7","page":587},{"text":"قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد ربه بن سعيد، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يدخل النار إلا شقي\" قيل: ومن الشقي؟ قال: \"الذي لا يعمل بطاعة ولا يترك لله معصية\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يونس وسريج قالا: حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل أُمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى\" قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: \"من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى\" (^٢). رواه البخاري، عن محمد بن سنان، عن فليح به (^٣).\n\n<span id=\"aya-6075\"></span>\n\n<span id=\"aya-6076\"></span>\n\n<span id=\"aya-6077\"></span>\n\n<span id=\"aya-6078\"></span>\n\n<span id=\"aya-6079\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ أي: وسيزحزح عن النار التقي النقي ثم فسره بقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ أي: يصرف ماله في طاعة ربه ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩)﴾ أي: ليس بذله ماله في مكافأة من أسدى إليه معروفًا، فهو يعطي في مقابلة ذلك وإنما دفعه ذلك ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ أي: طمعًا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات قال الله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات.\nوقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها فإن لفظها العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩)﴾ ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقًا تقيًّا كريمًا جوادًا بذالًا لأمواله في طاعة مولاه ونصرة رسول الله ﷺ، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود وهو سيد ثقيف يوم صلح الحديبية: وأما واللهِ لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإن كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل فكيف بمن عداهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾.\nوفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة يا عبد الله هذا خير\" فقال أبو بكر: يا رسول الله ما على من يدعى منها ضرورة فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: \"نعم وأرجو أن تكون منهم\" (^٤).\nآخر تفسير سورة الليل، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١٤/ ٢٥٢ ح ٨٥٩٤) وضعف سنده محققوه، وأعلوه بابن لهيعة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه. (المسند ١٤/ ٣٤٢ ح ٨٧٢٨).\n(^٣) صحيح البخاري، الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ (ح ٧٢٨٠).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الزمر آية ٧٣.","vol":"7","page":588},{"text":"<span data-type='title' id=toc-216>سُورَةُ الضُّحَى وهي مكية</span>\nرُوِّينا من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقريء قال: قرأت على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد، فلما بلغت ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ قالا لي: كبِّر حتى تختم مع خاتمة كل سورة، فإنا قرأنا على ابن كثير، فأمرنا بذلك، وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك. وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أُبي بن كعب فأمره بذلك، وأخبره أُبي أنه قرأ على رسول الله ﷺ فأمره بذلك (^١).\nفهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إمامًا في القراءات، فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أحدث عنه، وكذلك أبو جعفر العقيلي قال: هو منكر الحديث، لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في \"شرح الشاطبية\" عن الشافعي أنه سمع رجلًا يكبر هذا التكبير في الصلاة فقال: أحسنت وأصبت السنة، وهذا يقتضي صحة هذا الحديث.\nثم اختلف القراء في موضع هذا التكبير وكيفيته فقال بعضهم: يكبر من آخر ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ وقال آخرون: من آخر ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول: الله أكبر. ويقتصر، ومنهم من يقول: الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر. وذكر القراء في مناسبة التكبير من أول سورة الضحى أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ وفتر تلك المدة ثم جاء الملك فأوحى إليه: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ السورة بتمامها كبر فرحًا وسرورًا، ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف، فالله أعلم (^٢).\n\n<span id=\"aya-6080\"></span>\n\n<span id=\"aya-6081\"></span>\n\n<span id=\"aya-6082\"></span>﷽\n﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندبًا\n_________\n(^١) أخرجه البغوي من طريق المفسر أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد الموصلي المعروف بالنقاش، عن أبي ربيعة محمد بن إسحاق الريعي، عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقريء به. (معالم التنزيل ٤/ ٥٠٠، ٥٠١).\n(^٢) هذا الحديث ضعيف عند النقاد المحدثين، ومعتبر عند كثير من القراء، ويعملون به.","vol":"7","page":589},{"text":"يقول: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ (^١). رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق عن الأسود بن قيس، عن جُندب، هو ابن عبد الله البجلي، ثم العلقي به (^٢)، وفي رواية سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس سمع جُندبًا قال: أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ فقال المشركون: ودَّع محمدًا ربه؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي، قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثني سفيان، حدثني الأسود بن قيس أنه سمع جُندبًا يقول: رُمي رسول الله ﷺ بحجر في أصبعه فقال:\n\"هل أنت إلا أصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت؟ \"\nقال: فمكث ليلتين أو ثلاثًا لا يقوم، فقالت له امرأة ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ والسياق لأبي سعيد (^٣).\nقيل: إن هذه المرأة هي أم جميل امرأة أبي لهب، وذكر أن أصبعه ﵇ دُميت، وقوله هذا الكلام الذي اتفق أنه موزون ثابت في الصحيحين ولكن الغريب هاهنا جعله سببًا لتركه القيام ونزول هذه السورة.\nفأما ما رواه ابن جرير: حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شداد، أن خديجة قالت للنبي ﷺ: ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ (^٤).\nوقال أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أبطأ جبريل على النبي ﷺ فجزع جزعًا شديدًا فقالت خديجة: إني أرى ربك قد قلاك مما نرى من جزعك، قال: فنزلت ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣). . .﴾ إلى آخرها (^٥). فإنه حديث مرسل من [هذين الوجهين] (^٦) ولعلّ ذكر خديجة ليس محفوظًا أو قالته على وجه التأسف والحزن، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣١٢) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، التهجد، باب ترك القيام للمريض (ح ١١٢٤)، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين (ح ١٧٩٧)؛ وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الضحى (ح ٣٣٤٢)؛ والسنن الكبرى، التفسير، سورة الضحى (ح ١١٦٨١).\n(^٣) سنده صحيح ورجاله ثقات.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وما أظن عبد الله بن شداد سمع من خديجة ﵂، وما أظن خديجة ﵂ تقول ذلك بل كانت تشجعه وتؤازره.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه مرسل؛ وأخرجه الحاكم من طريق هشام بن عروة به؛ وصححه الحاكم وقال الذهبي: صحيح مرسل (المستدرك ٢/ ٦١٠)؛ وأخرجه البيهقي من الطريق نفسه وقال: في هذا الإسناد انقطاع (دلائل النبوة ٧/ ٦٠).\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.","vol":"7","page":590},{"text":"وقد ذكر بعض السلف منهم ابن إسحاق أن هذه السورة هي التي أوحاها جبريل إلى رسول الله ﷺ حين تبدَّى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطًا عليه وهو بالأبطح ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم] قال: قال له هذه السورة ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس: لما نزل على رسول الله ﷺ القرآن أبطأ عنه جبريل أيامًا فتغير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه فأنزل الله ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ (^١).\nوهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ أي: سكن فأظلم وادلهم. قاله مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد وغيرهم (^٢)، وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق هذا وهذا كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام].\nوقوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أي: ما تركك ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما أبغضك.\n\n<span id=\"aya-6083\"></span>﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ أي: وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان رسول الله ﷺ أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها اطراحًا كما هو معلوم بالضرورة من سيرته، ولما خُيِّر ﵇ في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة وبين الصيرورة إلى الله ﷿، اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله هو: ابن مسعود قال: اضطجع رسول الله ﷺ على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه وقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها\" (^٣). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث المسعودي به وقال الترمذي: حسن صحيح (^٤).\n\n<span id=\"aya-6084\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ أي: في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعده له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، وطينه مِسك أذفر كما سيأتي (^٥).\nوقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: عُرِض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أُمته من\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له ما سبق.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"إذا استوى\"؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٤٢ ح ٣٧٠٩) وصحح سنده محققوه.\n(^٤) سنن الترمذي، الزهد، باب ما أنا في الدنيا إلا راكب (ح ٢٣٧٧)؛ وسنن ابن ماجه، الزهد، باب مثل الدنيا (ح ٤١٠٩)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣١٧).\n(^٥) سيأتي في تفسير سورة الكوثر.","vol":"7","page":591},{"text":"بعده كنزًا كنزًا فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم (^١)، رواه ابن جرير من طرقه، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ومثل هذا ما يقال إلا عن توقيف.\nوقال السدي، عن ابن عباس من رضاء محمد ﷺ أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٢).\nوقال الحسن: يعني بذلك الشفاعة (^٣)، وهكذا قال أبو جعفر الباقر.\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا معاوية بن هشام، عن علي بن صالح، عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنَّا أهل بيتٍ اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ \" (^٤).\n\n<span id=\"aya-6085\"></span>ثم قال تعالى يعدد نعمه على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أُمه، وقيل: بعد أن ولد ﵇ ثم توفيت أُمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمُّه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره، ويكفّ عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم الأكمل، فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه ﵃ أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به.\n\n<span id=\"aya-6086\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية [الشورى: ٥٢].\nومنهم من قال: إن المراد بهذا أن النبي ﷺ ضلَّ في شِعاب مكة وهو صغير ثم رجع.\nوقيل: إنه ضلَّ وهو مع عمِّه في طريق الشام، وكان راكبًا ناقة في الليل، فجاء إبليس فعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق حكاهما البغوي (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق عمرو بن هاشم عن الأوزاعي به؛ وصحح سنده الحافظ ابن كثير؛ وأخرجه الطبراني من طريق الأوزاعي به، (المعجم الكبير ١٠/ ٣٣٧ ح ١٠٦٥٠)؛ وحسن سنده الهيثمي (مجمع الزوائد ٧/ ١٣٨).\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق الحكم بن ظهير به، وسنده ضعيف جدًّا لأن السدي لم يسمع من ابن عباس، والحكم بن ظهير متروك ورمي بالرفض (التقريب ص ١٧٥) وكذلك السدي فيه تشيع.\n(^٣) عزاه البغوي إلى الحسن (معالم التنزيل ٤/ ٤٩٨).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة مطولًا دون ذكر الآية. (المصنف ١٥/ ٢٣٦) وسنده ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد وتشيعه (التقريب ص ٦٠١).\n(^٥) معالم التنزيل ٤/ ٤٩٩.","vol":"7","page":592},{"text":"<span id=\"aya-6087\"></span>وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ أي: كنت فقيرًا ذا عيال فأغناك الله عمن سواه فجمع له بين مقامي الفقير الصابر والغني الشاكر صلوات الله وسلامه عليه.\nوقال قتادة في قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ قبل أن يبعثه الله ﷿. رواه ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم.\nوفي الصحيحين من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: [\"ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس\" (^٢).\nوفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ:] (^٣) \"قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-6088\"></span>ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ أي: كما كنت يتيمًا فآواك الله فلا تقهر اليتيم؛ أي: لا تذله وتنهره وتهنه ولكن أحسن إليه وتلطف به.\nقال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم (^٥).\n\n<span id=\"aya-6089\"></span>﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ أي: وكما كنت ضالًّا فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد.\nقال ابن إسحاق: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ أي: فلا تكن جبارًا ولا متكبرًا ولا فحَّاشًا ولا فظًّا على الضعفاء من عباد الله.\nوقال قتادة: يعني: ردّ المسكين برحمة ولين\n\n<span id=\"aya-6090\"></span>﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ أي: وكما كنت عائلًا فقيرًا فأغناك الله فحدث بنعمة الله عليك كما جاء في الدعاء المأثور النبوي: \"واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتمها علينا\".\nوقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا سعيد بن [إياس الجريري] (^٦)، عن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها (^٧).\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا الجراح بن مليح، عن أبي عبد الرحمن، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ على المنبر: \"من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الشيخان من طريق أبي صالح عن أبي هريرة ﵁. (صحيح البخاري، الرقاق، باب غنى النفس ح ٦٤٤٦)؛ وصحيح مسلم، الزكاة، باب ليس الغنى عن كثرة العرض (ح ١٠٥١).\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) صحيح مسلم، الزكاة، باب في الكفاف والقناعة (ح ١٠٥٤).\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: \"لا تظلم\".\n(^٦) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحف إلى: \"المربري\". ولم يذكر: إياس.\n(^٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.","vol":"7","page":593},{"text":"وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب\" (^١). وإسناده ضعيف.\nوفي الصحيحين عن أنس أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله، قال: \"لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم\" (^٢).\nوقال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لا يشكر الله من لا يشكر الناس\" (^٣). ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد، عن ابن المبارك، عن الربيع بن مسلم. وقال: صحيح (^٤).\nوقال أبو داود: حدثنا عبد الله بن الجراح، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: \"من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره\" (^٥). تفرد به أبو داود. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا بشر، حدثنا عمارة بن غزية، حدثني رجل من قومي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره\" قال أبو داود: ورواه يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن شرحبيل، عن جابر، كرهوه فلم يسموه (^٦)، تفرد به أبو داود.\nوقال مجاهد: يعني: النبوة (^٧) التي أعطاك ربك، وفي رواية عنه: القرآن.\nوقال ليث، عن رجل، عن الحسن بن علي ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ قال: ما عملت من خير فحدث إخوانك (^٨).\nوقال محمد بن إسحاق، ما جاءك من الله من نعمة وكرامة من النبوة فحدث بها واذكرها وادع إليها، قال: فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم به عليه من النبوة سرًّا إلى من يطمئن إليه من أهله، وافترضت عليه الصلاة فصلى.\nآخر تفسير سورة الضحى.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند بسنده ومتنه. (المسند ٤/ ٢٨٤) وضعف سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٠/ ٣٦٠، ٣٦١ ح ١٣٠٧٥) وصحح سنده محققوه؛ وأخرجه البخاري في الأدب المفرد؛ وصحح سنده الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ١٥٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، الأدب، باب في شكر المعروف ح ٤٨١١)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٢٦).\n(^٤) سنن الترمذي، البر والصلة، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك (ح ١٩٥٤).\n(^٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، الأدب، باب في شكر المعروف ح ٤٨١٤)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٢٩).\n(^٦) المصدر السابق (ح ٤٨١٣) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٢٨).\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر عن مجاهد.\n(^٨) سنده ضعيف لإبهام شيخ ليث.","vol":"7","page":594},{"text":"<span data-type='title' id=toc-217>سُورَةُ الشَّرْحِ وهي مكية</span>\n\n<span id=\"aya-6091\"></span>﷽\n﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ يعني: أما شرحنا لك صدرك؛ أي: نورناه وجعلناه فسيحًا رحيبًا واسعًا كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحًا واسعًا سمحًا سهلًا لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ شرح صدره ليلة الإسراء كما تقدم من رواية مالك بن صعصعة (^١)، وقد أورده الترمذي هاهنا، وهذا وإن كان واقعًا ليلة الإسراء كما رواه مالك بن صعصعة (^٢)، ولكن لا منافاة فإن من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإسراء وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضًا، فالله أعلم.\nقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن محمد بن أبي بن كعب، حدثني أبو محمد بن معاذ، عن معاذ، عن محمد، عن أُبي بن كعب، أن أبا هريرة كان جريئًا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره فقال: يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسًا وقال: \"لقد سألت يا أبا هريرة، إني لفي الصحراء ابن عشر سنين وأشهر وإذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل أهو هو؟ قال: نعم فاستقبلاني بوجوه لم أرها قط وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط فأقبلا إليَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسًّا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه فأضجعاني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغلّ والحسد، فأخرج شيئًا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة ثم هزَّ إبهام رجلي اليمنى فقال: أغد واسلم، فرجعت بها أعدو رقة على الصغير ورحمة للكبير\" (^٣).\n_________\n(^١) تقدم في مطلع تفسير سورة الإسراء.\n(^٢) أي: أورده في سننه، التفسير، باب ومن سورة ألم نشرح (ح ٣٣٤٦).\n(^٣) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ١٨٠ - ١٨٢ ح ٢١٢٦١) وضعف سنده محققوه.","vol":"7","page":595},{"text":"<span id=\"aya-6092\"></span>[وقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ بمعنى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]\n\n<span id=\"aya-6093\"></span>﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ الإنقاض الصوت، وقال غير واحد من السلف في قوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾: أي أثقلك حمله] (^١).\n\n<span id=\"aya-6094\"></span>وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله (^٢).\nوقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي\" (^٤). وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن يونس، عن عبد الأعلى به. ورواه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة، عن دراج (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو عمر الحوضي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"سألت ربي مسألة وددت أني لم أسأله، قلت: قد كان قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح ومنهم من يحيي الموتى، قال: يا محمد ألم أجدك يتيمًا فآويتك؟ قلت: بلى يا ربِّ، قال: ألم أجدك ضالًّا فهديتك؟ قلت: بلى يا ربِّ، قال: ألم أجدك عائلًا فأغنيتك؟ قلت: بلى يا ربِّ، قال ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا ربِّ\" (^٦).\nوقال أبو نعيم في دلائل النبوة: حدثنا أبو أحمد الغطريفي، حدثنا موسى بن سهل الجويني، حدثنا أحمد بن القاسم بن بهزان الهيتي: حدثنا نصر بن حماد، عن عثمان بن عطاء، عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما فرغت مما أمرني الله به من أمر السموات والأرض قلت: يا ربِّ إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرمته جعلت إبراهيم خليلًا وموسى كليمًا، وسخرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى فما جعلت لي؟ قال: أوليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله؟ أني لا أذكر إلا ذكرت معي وجعلت صدور أُمتك [أناجيل] (^٧) يقرؤون القرآن ظاهرًا ولم أعطها أُمة، وأعطيتك كنزًا من كنوز عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم\" (^٨).\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) أخرجه الإمام الشافعي عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد (الرسالة ص ١٦)، وأخرجه عبد الرزاق والطبري من طريق ابن عيينة به، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.\n(^٥) سنده كسابقه.\n(^٦) أخرجه الحاكم من طريق حماد بن زيد به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٢٦) وفي سنده عطاء بن السائب وقد اختلط وقد أشار الهيثمي إلى ذلك. (مجمع الزوائد ٨/ ٢٥٧).\n(^٧) في الأصل بياض، واستدرك من نسخة دار الكتب حسب طبعة البابي الحلبي.\n(^٨) سنده ضعيف لضعف عثمان بن عطاء وهو الخراساني.","vol":"7","page":596},{"text":"وحكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بذلك الأذان يعني ذكره فيه وأورد من شعر حسان بن ثابت:\nأغرُّ عليه للنبوة خاتم … من الله نور يلوح ويشهد\nوضمّ الإله اسم النبي إلى اسمه … إذا قال في الخمس المؤذن أشهد\nوشقَّ له من اسمه ليجله … فذو العرش محمود وهذا محمد (^١)\nوقال آخرون: رفع الله ذكره في الأولين والآخرين ونوه به حين أخذ الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أُممهم بالإيمان به، ثم شهد ذكره في أُمته فلا يذكر الله إلا ذكر معه، وما أحسن ما قال الصرصري ﵀:\nلا يصح الأذان في الفرض إلا … باسمه العذب في الفم المرضي\nوقال أيضًا:\n[ألم تر أنا لا يصح أذاننا … ولا فرضنا إن لم نكرره فيهما] (^٢)\n\n<span id=\"aya-6095\"></span>\n\n<span id=\"aya-6096\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر ثم أكّد هذا الخبر.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا حميد بن حماد بن أبي خوار أبو الجهم، حدثنا عائذ بن شريح قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ جالسًا وحياله حجر، فقال: \"لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه\" فأنزل الله ﷿: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ (^٣). ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن معمر، عن حميد بن حماد ولفظه: \"لو جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يخرجه\" ثم قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾ ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح (^٤).\nقلت: وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة، عن معاوية بن قرة، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود موقوفًا (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا أبو قطن، حدثنا المبارك بن\n_________\n(^١) ذكر البغوي هذه الأبيات الشعرية، وذكر القول الذي قبله عن مجاهد دون ذكر ابن عباس. (معالم التنزيل ٤/ ٥٠٢) وهذه الأبيات فى ديوان حسان ﵁ ص ٤٧.\n(^٢) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٣) سنده ضعيف لضعف عائذ بن شريح. (لسان الميزان ٣/ ٢٢٦)؛ وأخرجه الحاكم من طريق حميد بن حماد به؛ وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: تفرد به حميد بن حماد عن عائذ، وحميد منكر الحديث كعائذ. (المستدرك ٢/ ٢٥٥).\n(^٤) أخرجه البزار بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن حجر. (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ١١٩ ح ١٥٣٤).\n(^٥) أخرجه الطبري من طريق شعبة به، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن مسعود؛ وأخرجه عبد الرزاق من طريق إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، وإبراهيم لم يسمع من ابن مسعود. ومعناه صحيح، ويشهد له ما يليه.","vol":"7","page":597},{"text":"فضالة، عن الحسن قال: كانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: خرج النبي ﷺ يومًا مسرورًا فرحًا وهو يضحك وهو يقول: \"لن يغلب عسر يسرين، لن يغلب عسر يسرين، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ (^٢). وكذا رواه من حديث عوف الأعرابي ويونس بن عبيد، عن الحسن مرسلًا.\nوقال سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ بشر أصحابه بهذه الآية فقال: \"لن يغلب عسر يسرين\" (^٣). ومعنى هذا أن العسر معرّف في الحالتين فهو مفرد واليسر منكر، فتعدد ولهذا قال: \"لن يغلب عسر يسرين\" يعني قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد.\nوقال الحسن بن سفيان: حدثنا يزيد بن صالح، حدثنا خارجة، عن عباد بن كثير، عن أبي الزناد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"نزلت المعونة من السماء على قدر المؤونة، ونزل الصبر على قدر المصيبة\" (^٤).\nومما يروى عن الشافعي أنه قال:\nصبرًا جميلًا ما أقرب الفرجا … من راقب الله في الأمور نجا\nمن صدق الله لم ينله أذى … ومن رجاه يكون حيث رجا (^٥)\nوقال ابن دُريد: أنشدني أبو حاتم السجستاني:\nإذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاق لما به الصدر الرحيب\nوأوطأت المكاره واطمأنت … وأرست في أماكنها الخطوب\nولم تر لانكشاف الضر وجهًا … ولا أغنى بحيلته الأريب\nأتاك على قنوط منك غوث … يمن به اللطيف المستجيب\nوكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريب\nوقال آخر:\nولربَّ نازلة يضيق بها الفتى … ذرعًا وعند الله منها المخرج\nكملت فلما استحكمت حلقاتها … فُرجت وكان يظنها لا تفرج\n\n<span id=\"aya-6097\"></span>\n\n<span id=\"aya-6098\"></span>وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة وقم إليها نشيطًا فارغ البال وأخلص لربك النية\n_________\n(^١) سنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^٤) أخرجه ابن عدي من طريق عباد بن كثير به (الكامل ٤/ ١١٥) وسنده ضعيف لضعف عباد بن كثير قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة ليس بالقوي. (العلل ٢/ ١٣٣)؛ وضعفه الحافظ ابن حجر. (التقريب ص ٢٩٠).\n(^٥) ذكر البيهقي هذين البيتين. (مناقب الشافعي ٢/ ٣٦٢).","vol":"7","page":598},{"text":"والرغبة، ومن هذا القبيل قوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته: \"لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان\" (^١)، وقوله ﷺ: \"إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدأوا بالعشاء\" (^٢).\nقال مجاهد في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فانصب لربك (^٣)، وفي رواية عنه: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك، وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل (^٤)، وعن ابن عياض نحوه، وفي رواية عن ابن مسعود: ﴿فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: فإذا فرغت فانصب، يعني: في الدعاء (^٥).\nوقال زيد بن أسلم والضحاك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ أي: من الجهاد ﴿فَانْصَبْ﴾ أي: في العبادة (^٦). ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾.\nوقال الثوري: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله ﷿ (^٧).\nآخر تفسير سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾، ولله الحمد والمنّة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂. (الصحيح، المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال ح ٥٦٠).\n(^٢) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂. (صحيح البخاري، الأطعمة، باب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه ح ٥٤٦٥) والمصدر السابق (ح ٥٥٧).\n(^٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق وكيع عن سفيان، ويرويه سفيان عن منصور عن مجاهد. وسنده صحيح.","vol":"7","page":599},{"text":"<span data-type='title' id=toc-218>سُورَةُ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ وهي مكية</span>\nقال مالك وشعبة: عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب: كان النبي ﷺ يقرأ في سفره في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه (^١)، أخرجه الجماعة في كتبهم.\n\n<span id=\"aya-6099\"></span>﷽\n﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾.\nاختلف المفسرون هاهنا على أقوال كثيرة:\nفقيل: المراد بالتين مسجد دمشق (^٢)، وقيل: هي نفسها، وقيل: الجبل الذي عندها (^٣).\nوقال القرظي: هو مسجد أصحاب الكهف (^٤).\nوروى العوفي، عن ابن عباس: أنه مسجد نوح الذي على الجودي (^٥).\nوقال مجاهد: هو تينكم هذا (^٦).\n﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ قال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو مسجد بيت المقدس (^٧).\nوقال مجاهد وعكرمة: هو هذا الزيتون الذي تعصرون (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه مالك من طريق عدي به بلفظه: \"صليت مع رسول الله ﷺ العشاء فقرأ فيها بالتين والزيتون\". (الموطأ، الصلاة، باب القراءة في المغرب والعشاء ح ٢٧)؛ وأخرجه الشيخان من طريق شعبة به. (صحيح البخاري، الأذان، باب الجهر في العشاء ح ٧٦٧)؛ وصحيح مسلم، الصلاة، باب القراءة في العشاء (ح ٤٦٤).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد، وهذا قول غريب.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وهو غريب أيضًا.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب وهو غريب أيضًا.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، وهو غريب أيضًا.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق خُصيف عن مجاهد، ويتقوى بما أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح أنه التين الذي يؤكل.\n(^٧) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عن قتادة وابن زيد كما تقدم، وهو غريب.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي رجاء عن عكرمة.","vol":"7","page":600},{"text":"<span id=\"aya-6100\"></span>﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾ قال كعب الأحبار وغير واحد: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇ (^١).\n\n<span id=\"aya-6101\"></span>﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ يعني: مكة. قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وإبراهيم النخعي وابن زيد وكعب الأحبار (^٢). ولا خلاف في ذلك، وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبيًّا مرسلًا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار:\nفالأول: محلة التين والزيتون وهي: بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم ﵇.\nوالثاني: طور سينين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران.\nوالثالث: مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنًا، وهو الذي أرسل فيه محمدًا ﷺ، قالوا: وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء -يعني الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران- وأشرق من ساعير -يعني: جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى- واستعلن من جبال فاران يعني: جبال مكة التي أرسل الله منها محمدًا ﷺ فذكرهم مخبرًا عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه ثم بالأشرف منهما.\n\n<span id=\"aya-6102\"></span>وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل منتصب القامة سوي الأعضاء حسنها\n\n<span id=\"aya-6103\"></span>\n\n<span id=\"aya-6104\"></span>﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ أي: إلى النار. قاله مجاهد وأبو العالية والحسن وابن زيد وغيرهم (^٣)، ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيرهم إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل لهذا قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وقال بعضهم: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ أي: إلى أرذل العمر، وروي هذا عن ابن عباس وعكرمة (^٤)، حتى قال عكرمة: من جمع القرآن لم يُرد إلى أرذل العمر، واختار ذلك ابن جرير، ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك لأن الهرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق يزيد أبي عبد الله عن كعب: بلفظ: \"جبل موسى لله. ويزيد هو الفارسي البصري\". (ينظر: تهذيب التهذيب ٨/ ١٦٦).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ومعناه صحيح ويشهد له ما يليه من الآثار، فقد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي رجاء عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف -وهو الأعرابي- عن الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق حماد عن إبراهيم النخعي؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد؛ وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق يزيد أبي عبد الله -وهو الفارسي- عن كعب الأحبار.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حماد عن إبراهيم النخعي؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.","vol":"7","page":601},{"text":"وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع كما تقدم (^١).\n\n<span id=\"aya-6105\"></span>ثم قال: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ أي: يا ابن آدم ﴿بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أي: بالجزاء في المعاد، ولقد علمت البداءة وعرفت أن من قدر على البداءة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا؟\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور قال: قلت لمجاهد: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾ عنى به النبي ﷺ قال: معاذ الله، عنى به الإنسان (^٢). وهكذا قال عكرمة وغيره.\n\n<span id=\"aya-6106\"></span>وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ أي: أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا يظلم أحدًا؟ ومن عدله أن يقيم القيامة فينتصف للمظلوم في الدنيا ممن ظلمه. وقد قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"فإذا قرأ أحدكم والتين والزيتون فأتى على آخرها ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين\" (^٣) ..\nآخر تفسير سورة التين والزيتون، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: \"غير منقوص\".\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن مهدي به، وسنده صحيح.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير آخر سورة القيامة.","vol":"7","page":602},{"text":"<span data-type='title' id=toc-219>سُورَةُ ﴿اقْرَأْ﴾ -وهي أول شيء نزل من القرآن</span>-\n\n<span id=\"aya-6107\"></span>\n\n<span id=\"aya-6108\"></span>\n\n<span id=\"aya-6109\"></span>\n\n<span id=\"aya-6110\"></span>\n\n<span id=\"aya-6111\"></span>﷽\n﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: أول ما بديء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبَّب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فاجأه الوحي وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال اقرأ: قال رسول الله ﷺ: \"فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ \" قال: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: \"زمّلوني زملوني\" فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: \"يا خديجة ما لي؟ \" وأخبرها الخبر وقال: \"قد خشيت على نفسي\".\nفقالت له: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكَلّ وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي -وهو ابن عمِّ خديجة أخي أبيها-، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت خديجة: أي ابن عمِّ أسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ بما رأى فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعًا ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ: \"أو مخرجي هم؟ \" فقال ورقة: نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا.\nثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا، حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقى نفسه منه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن بذلك جأشه وتقرّ نفسه فيرجع، فإذا طالت","vol":"7","page":603},{"text":"عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك (^١).\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري (^٢)، وقد تكلمنا على هذا الحديث من جهة سنده ومتنه ومعانيه في أول شرحنا للبخاري مستقصى، فمن أراده فهو هناك محرر ولله الحمد والمنة.\nفأول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهنَّ أول رحمة رحم الله بها العباد وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم وهو القدر الذي امتاز به أبو البشرية آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان ذهني ولفظي ورسمي، والرسمي يستلزمهما من غير عكس، فلهذا قال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾.\nوفي الأثر: قيدوا العلم بالكتابة (^٣).\nوفيه أيضًا: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يكن يعلم (^٤).\n\n<span id=\"aya-6112\"></span>\n\n<span id=\"aya-6113\"></span>\n\n<span id=\"aya-6114\"></span>﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾.\nيخبر تعالى عن الإنسان أنه ذو فرح وأشر وبطر وطغيان إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله، ثم تهدده وتوعده ووعظه فقال: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ أي: إلى الله المصير والمرجع وسيحاسبك على مالك من أين جمعته؟ وفيم صرفته؟.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا زيد بن إسماعيل الصائغ، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو عُميس، عن عون قال: قال عبد الله: منهومان لا يشبعان صاحب العلم وصاحب الدنيا ولا يستويان، فأما صاحب العلم فيزداد رضى الرحمن وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان. قال: ثم قرأ عبد الله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)﴾ وقال للآخر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] (^٥).\nوقد روي هذا مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ: \"منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٦/ ٢٣٢)، وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، بدء الوحي، باب ٣ (ح ٣)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ\n(ح ١٦٠).\n(^٣) أخرجه الحاكم من قول عمر بن الخطاب ﵁ وصححه ووافقه الذهبي وزاد: وصحَّ مثله عن أنس. (المستدرك ١/ ١٠٦) وقول أنس أخرجه الخطيب البغدادي (تقييد العلم ص ٧٠)؛ وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٢٠٢٦).\n(^٤) أخرجه أبو نعيم (حلية الأولياء ١٠/ ١٥) وقال الألباني: موضوع. (السلسلة الضعيفة ح ٤٢٢).\n(^٥) سنده ضعيف لأن عونًا لم يسمع من ابن مسعود. (جامع التحصيل ص ٣٠٥).\n(^٦) أخرجه الحاكم من حديث أنس ﵁ وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ١/ ٩٢).","vol":"7","page":604},{"text":"<span id=\"aya-6115\"></span>\n\n<span id=\"aya-6116\"></span>\n\n<span id=\"aya-6117\"></span>\n\n<span id=\"aya-6118\"></span>\n\n<span id=\"aya-6119\"></span>\n\n<span id=\"aya-6120\"></span>ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ نزلت في أبي جهل لعنه الله، توعد النبي ﷺ على الصلاة عند البيت فوعظه تعالى بالتي هي أحسن أولًا فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١)﴾ (^١) أي: فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢)﴾ وأنت تزجره وتتوعده على صلاته، ولهذا قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾؟ أي: أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء؟\n\n<span id=\"aya-6121\"></span>\n\n<span id=\"aya-6122\"></span>\n\n<span id=\"aya-6123\"></span>\n\n<span id=\"aya-6124\"></span>ثم قال تعالى متوعدًا ومتهددًا: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أي: لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ أي: لنسمنها (^٢) سوادًا يوم القيامة ثم قال: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ يعني: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها خاطئة في أفعالها ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧)﴾ أي: قومه وعشيرته؛ أي: ليدعهم يستنصر بهم ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ وهم ملائكة العذاب حتى يعلم من يغلب أحزبنا أو حزبه؟\nقال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي ﷺ فقال: \"لئن فعل لأخذته الملائكة\" ثم قال: تابعه عمرو بن خالد عن عبيد الله يعني: ابن عمرو عن عبد الكريم (^٣). وكذا رواه الترمذي والنسائي في تفسيرهما من طريق عبد الرزاق به (^٤). وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو به. وروى أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وهذا لفظه من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي عند المقام فمر به أبو جهل بن هشام، فقال: يا محمد ألم أنهكَ عن هذا؟ وتوعده فأغلظ له رسول الله ﷺ وانتهره، فقال: يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديًا فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ وقال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. وقال الترمذي: حسن صحيح (^٥).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو يزيد، حدثنا فرات عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لئن رأيت رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه قال: فقال: \"لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالًا ولا أهلًا\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٢) أي: لنختمن على نواصي رؤوسهم سوادًا.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه. (الصحيح، التفسير، باب ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾ [العلق] (ح ٤٩٥٨).\n(^٤) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] (ح ٣٣٤٥)؛ والسنن الكبرى، التفسير، سورة العلق (ح ١١٦٨٥)، وسنده صحيح.\n(^٥) المسند ١/ ٣٢٩؛ وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ﴿اقْرَأْ. . .﴾ (ح ٣٣٤٦)؛ والسنن الكبرى، التفسير، سورة العلق (ح ١١٦٨٤)؛ وتفسير الطبري، وسنده حسن؛ وصححه أحمد شاكر. (المسند ح ٣٠٤٥)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٦٨).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصححه محققوه. (المسند ٤/ ٩٨، ٩٩ ح ٢٢٢٥).","vol":"7","page":605},{"text":"وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن الوليد بن العيزار، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه، فأنزل الله ﷿: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ حتى بلغ هذه الآية ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ فجاء النبي ﷺ فصلى، فقيل: ما يمنعك؟ قال: قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب، قال ابن عباس: والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه، حدثنا نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال أبو الجهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: فقال: واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب، فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقًا من نار، وهولًا وأجنحة قال: فقال رسول الله: \"لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا\" قال: وأنزل الله لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)﴾ إلى آخر السورة (^٢). وقد رواه أحمد بن حنبل ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم من حديث معتمر بن سليمان به (^٣).\n\n<span id=\"aya-6125\"></span>وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ يعني: يا محمد لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها، وصلِّ حيث شئت، ولا تباله فإن الله حافظك وناصرك وهو يعصمك من الناس ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ كما ثبت في الصحيح عند مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سُمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" (^٤) وتقدم أيضًا أن رسول الله ﷺ كان يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق]، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ (^٥).\n[آخر تفسيرها] (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. وقول ابن عباس الأخير يشهد له سابقه ولاحقه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) المسند ٢/ ٣٧٠؛ وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق] (ح ٢٧٩٧)؛ والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، سورة العلق (ح ١١٦٨٣).\n(^٤) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود ح ٤٨٢).\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الانشقاق.\n(^٦) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"7","page":606},{"text":"<span data-type='title' id=toc-220>سُورَةُ القَدْرِ [وهي] (^١) مكية</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6126\"></span>﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾.\nيخبر الله تعالى أنه أنزل القرآن ليلة القدر، وهي الليلة المباركة التي قال الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وهي ليلة القدر، وهي من شهر رمضان، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nقال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزّة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6127\"></span>\n\n<span id=\"aya-6128\"></span>ثم قال تعالى مُعَظِّمًا لشأن ليلة القدر، التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾.\nقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا القاسم بن الفضل الحُدّاني، عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال: سَوّدتَ وجوهَ المؤمنين -أو: يا مسود وجوه المؤمنين- فقال: لا تؤنبني، رحمك الله؛ فإن النبي ﷺ أُريَ بني أُمية على منبره، فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر] يا محمد؟ يعني: نهرًا في الجنة، ونزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ يملكها بعدك بنو أُمية يا محمد. قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر، لا تزيد يومًا ولا تنقص يومًا.\nثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل، وهو ثقة وثقه يحيى القطان وابن مهدي. قال: وشيخه يوسف بن سعد -ويقال: يوسف بن مازن- رجل مجهول، ولا نعرف هذا الحديث، على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه (^٣).\nوقد روى هذا الحديث الحاكم في مستدركه من طريق القاسم بن الفضل، عن يوسف بن\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء ١٠٦.\n(^٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير، باب ومن سورة القدر ح ٣٣٥٠)؛ وضعفه الترمذي والمزي والحافظ كما سيأتي؛ وضعفه الألباني سندًا ومتنًا وقال: ضعيف الإسناد مضطرب ومتنه منكر (ضعيف سنن الترمذي ح ٣٦٣).","vol":"7","page":607},{"text":"مازن، به (^١). وقول الترمذي: إن يوسف هذا مجهول - فيه نظر؛ فإنه قد روى عنه جماعة، منهم: حماد بن سلمة، وخالد الحذاء، ويونس بن عبيد. وقال فيه يحيى بن معين: هو مشهور، وفي رواية عن ابن معين قال: هو ثقة. ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل، عن عيسى بن مازن، كذا قال، وهذا يقتضي اضطرابًا في هذا الحديث، والله أعلم. ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جدًّا، قال شيخنا الإمام الحافظ الحجة أبو الحجاج المزّي: هو حديث منكر.\nقلت: وقول القاسم بن الفضل الحُدّاني: إنه حسب مُدّة بني أُمية فوجدها ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص، ليس بصحيح؛ فإنّ معاويةَ بن أبي سفيان ﵁، استقلَّ بالملك حين سَلَّم إليه الحسن بن علي الإمرة سنَة أربعين، واجتمعت البيعة لمعاوية، وسُمي ذلك عام الجماعة، ثم استمروا فيها متتابعين بالشام وغيرها، لم تخرج عنهم إلا مدة دولة عبد الله بن الزبير في الحرمين والأهواز وبعض البلاد قريبًا من تسع سنين، لكن لم تَزُل يدهم عن الإمرة بالكلية، بل عن بعض البلاد، إلى أن استلبهم بنو العباس الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فيكون مجموع مدتهم اثنتين وتسعين سنة، وذلك أزيد من ألف شهر، فإن الألف شهر عبارة عن ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر، وكأن القاسم بن الفضل أسقط من مدتهم أيام ابن الزبير، وعلى هذا فتقارب ما قاله للصحة في الحساب، والله أعلم.\nومما يدلّ على ضعف هذا الحديث أنَّه سِيقَ لذم دولة بني أُمية، ولو أُريد ذلك لم يكن بهذا السياق؛ فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذَم أيامهم، فإنّ ليلة القدر شريفة جدًّا، والسورة الكريمة إنما جاءت لمدح ليلة القدر، فكيف تُمدح بتفضيلها على أيام بني أُمية التي هي مذمومة، بمقتضى هذا الحديث، وهل هذا إلا كما قال القائل:\nألَم تَرَ أنّ السيف ينقُصُ قَدْرُه … إذا قِيل إنّ السيف أمضَى مِن العَصَا؟\nوقال آخر:\nإذا أنتَ فَضَّلتَ امرأ ذا بَرَاعَة … عَلى نَاقص كَانَ المديحُ منَ النَّقص\nثم من الذي يفهم من الآية أن الألف الشهر المذكورة في الآية هي أيام بني أُمية، والسورة مكية، فكيف يحال على ألفِ شهرٍ هي دولة بني أُمية، ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها؟! والمنبر إنما صنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة، فهذا كله مما يدل على ضعف هذا الحديث ونكارته، والله أعلم (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا مسلم؛ يعني: ابن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أن النبي ﷺ ذكر رجلًا من بني إسرائيل لَبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، قال: فَعَجب المسلمون من ذلك، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق القاسم بن الفضل به وصححه ووافقه الذهبي ثم قال: وما أدري آفته من أين؟ (المستدرك ٣/ ١٧٠، ١٧١).\n(^٢) وقد أكد الحافظ ابن كثير على تضعيف الحديث بتفصيل أيضًا في البداية والنهاية (٦/ ٣٤٣، ٣٤٤).","vol":"7","page":608},{"text":"الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حَكَّام بن سَلْم، عن المثنى بن الصباح، عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس، أخبرنا ابن وهب، حدثني مسلمة بن عُلَيّ، عن علي بن عروة قال: ذكر رسول الله ﷺ يومًا أربعة من بني إسرائيل، عبدوا الله ثمانين عامًا، لم يَعْصوه طرفة عين: فذكر أيوب، وزكريا، وحزْقيل بن العجوز، ويوشع بن نون - قال: فعجب أصحاب رسول الله ﷺ من ذلك، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، عَجِبَتْ أُمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة، لم يَعْصُوه طرفة عين؛ فقد أنزل الله خيرًا من ذلك. فقرأ عليه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ هذا أفضل مما عجبت أنت وأُمتك. قال: فَسُرَّ بذلك رسول الله ﷺ والناس معه (^٣).\nوقال سفيان الثوري: بَلَغني عن مجاهد: ليلةُ القدر خير من ألف شهر. قال: عَمَلها، صيامها وقيامها خير من ألف شهر. رواه ابن جرير (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شهر -ليس في تلك الشهور ليلة القدر- (^٥). وهكذا قال قتادة بن دعامة، والشافعي، وغير واحد.\nوقال عمرو بن قيس الملائي: عمل فيها خير من عمل ألف شهر (^٦).\nوهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر -وليس فيها ليلة القدر- هو اختيارُ ابن جرير. وهو الصواب لا ما عداه، وهو كقوله ﷺ: \"رِباطُ ليلة في سبيل الله خَيْر من ألف ليلة فيما سواه من المنازل\". رواه أحمد (^٧). وكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة، ونية صالحة: \"أنه يُكتَبُ له عمل سنة، أجر صيامها وقيامها\" (^٨) إلى غير ذلك من المعاني المشابهة لذلك.\n_________\n(^١) أخرجه الواحدي مرسلًا أيضًا (أسباب النزول ص ٤٩٥) وسنده ضعيف بسبب إرساله.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٣) سنده ضعيف جدًّا وهو معضل لأن علي بن عروة متروك من (التقريب ص ٤٠٣).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لإبهام شيخ الثوري، ومعناه صحيح.\n(^٥) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ومعناه صحيح.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد من حديث عثمان ﵁، وحسن سنده محققوه بالمتابعات (المسند ١/ ٤٩٥ ح ٤٤٢).\n(^٨) أخرجه أبو داود من حديث أوس بن أوس الثقفي ﵁. (السنن، الطهارة، باب الغسل يوم الجمعة ح ٣٤٥)؟ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٣٣)؛ وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢٨١).","vol":"7","page":609},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن أبي قلابَة، عن أبي هُريرة قال: لما حضر رمضان قال رسول الله ﷺ: \"قد جاءكم شهر رمضان، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خَيرَها فقد حُرِم\" (^١).\nورواه النسائي، من حديث أيوب، به (^٢).\nولما كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر، ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذنبه\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-6129\"></span>\n\n<span id=\"aya-6130\"></span>وقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ أي: يكثر تَنَزُّلُ الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن ويحيطون بحلَق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيمًا له.\nوأما الروح فقيل: المراد به هاهنا جبريل ﵇، فيكون من باب عطف الخاص على العام. وقيل: هم ضرب من الملائكة. كما تقدم في سورة \"النبأ\". والله أعلم.\nوقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال مجاهد: سلام هي من كل أمر (^٤).\nوقال سعيد بن منصور: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش، عن مجاهد في قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ قال: هي سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا أو يعمل فيها أذى (^٥).\nوقال قتادة وغيره: تقضى فيها الأمور، وتقدر الآجال والأرزاق، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ (^٦) [الدخان].\nوقوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ قال سعيد بن منصور: حدثنا هُشَيْم، عن أبي إسحاق، عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ قال: تسليم والملائكة ليلة القدر على أهل المساجد، حتى يطلع الفجر (^٧).\nوروى ابن جرير، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: \"من كل امرئ. سلام هي حتى مطلع الفجر\" (^٨).\nوروى البيهقي في كتابه \"فضائل الأوقات\" عن عليٍّ أثرًا غريبًا في نزول الملائكة، ومرورهم على المصلين ليلة القدر، وحصول البركة للمصلين (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ١٢/ ٥٩ ح ٧١٤٨).\n(^٢) سنن النسائي، الصيام، باب ذكر الاختلاف على معمر فيه ٤/ ١٢٩.\n(^٣) صحيح البخاري، الصوم، باب من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا (ح ١٩٠١)؛ وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، الترغيب في قيام رمضان (ح ٧٦٠).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق جابر عن مجاهد، وسنده ضعيف لضعف جابر وهو الجعفي.\n(^٥) سنده صحيح.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٧) سنده صحيح.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ضعيف جدًّا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^٩) أخرجه البيهقي بسند ضعيف جدًّا فيه سيف بن عمر. (فضائل الأوقات ص ٢٥٣ رقم ١١٠).","vol":"7","page":610},{"text":"وروى ابن أبي حاتم، عن كعب الأحبار أثرًا غريبًا عجيبًا مطولًا جدًّا، في تنزل الملائكة من سدرة المنتهى صحبة جبريل ﵇، إلى الأرض، ودعائهم للمؤمنين والمؤمنات (^١).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا عمران -يعني: القطان- عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هُريرة: أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: \"إنها ليلة سابعة -أو: تاسعة- وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى\" (^٢).\nوقال الأعمش، عن المِنهَال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ﴾ قال: لا يحدث فيها أمر (^٣).\nوقال قتادة وابن زيد في قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ يعني: هي خير كلها، ليس فيها شر إلى مطلع الفجر (^٤). ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد: حدثنا حَيْوَة بن شُرَيح، حدثنا بَقِيَّة، حدثني بَحير بن سعد، عن خالد بن مَعْدَان، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: \"ليلة القدر في العشر البواقي، من قامهن ابتغاء حِسبتهنَّ، فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهي ليلة وتر: تسع أو سبع، أو خامسة، أو ثالثة، أو آخر ليلة\". وقال رسول الله ﷺ: \"إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بَلُجَة، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة سجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب يُرمَى به فيها حتى تصبح. وأن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس فيها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذٍ\" (^٥).\nوهذا إسناد حسن، وفي المتن غرابة، وفي بعض ألفاظه نكارة.\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا زَمْعَة، عن سلمة بن وَهْرام، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: \"ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء\" (^٦).\nوروى ابن أبي عاصم النبيل بإسناده عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: \"إني رأيت ليلة القدر فأنسيتها، وهي في العشر الأواخر من لياليها؛ ليلة طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة،\n_________\n(^١) ساقه الحافظ ابن كثير في ختام السورة نفسها.\n(^٢) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص ٢٣٢ رقم ٢٥٤٥) وفي سنده عمران وهو ابن داود صدوق يهم (التقريب ص ٤٢٩).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الحميد الحماني عن الأعمش به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: الشطر الأول من الحديث حسن وأما الشطر الثاني فمحتمل للتحسين لشواهده. (المسند ٣٧/ ٤٢٥ ح ٢٢٧٦٥). لكن في بعض ألفاظه نكارة كما قرر الحافظ ابن كثير.\n(^٦) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص ٣٤٩ ح ٢٦٨٠)، وسنده ضعيف لضعف زمعة وهو ابن صالح الجندي. (التقريب ص ٢١٧). وأخرجه ابن خزيمة من طريق زمعة به؛ وصححه الألباني لشواهده (الصحيح ح ٢١٩٢).","vol":"7","page":611},{"text":"كأن فيها قمرًا، لا يخرج شيطانها حتى [يضيء فجرها] (^١) \" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-221>[فصل]</span>\nاختلف العلماء: هل كانت ليلة القدر في الأُمم السالفة، أو هي من خصائص هذه الأُمة؟ على قولين:\nقال أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري: حدثنا مالك؛ أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ أُري أعمار الناس قبله -أو: ما شاء الله من ذلك- فكأنه تقاصر أعمار أُمته ألا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيرًا من ألف شهر (^٣). وقد أُسند من وجه آخر. وهذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأُمة بليلة القدر، وقد نقله صاحب \"العُدّة\" أحد أئمة الشافعية عن جمهور العلماء، فالله أعلم.\nوحكى الخطابي عليه الإجماع [ونقله الرافعي جازمًا به عن المذهب] (^٤)، والذي دلَّ عليه الحديث أنها كانت في الأُمم الماضين كما هي في أُمتنا.\nقال أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عكرمة بن عمار: حدثني أبو زُمَيل سِمَاك الحَنَفي: حدثني مالك بن مَرْثَد بن عبد الله، حدثني [مَرْثَدَ] (^٥) قال: سألت أبا ذرٍّ قلت: كيف سألت رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنت أسأل الناس عنها، قلت: يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر، أفي رمضان هي أو في غيره؟ قال: \"بل هي في رمضان\". قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قبضوا رفعت؟ أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: \"بل هي إلى يوم القيامة\". قلت: في أي رمضان هي؟ قال: \"التمسوها في العشر الأول، والعشر الأواخر\". ثم حَدّثَ رسولُ الله ﷺ وحَدّث، ثم اهتبلت غفلته قلت: في أي العشرين هي؟ قال: \"ابتغوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها\". ثم حدّث رسول الله ﷺ، ثم اهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله، أقسمت عليك بحقي عليك لَمَا أخبرتني في أي العشر هي؟ فغضب عليَّ غضبًا لم يغضب مثله منذ صحبته، وقال: \"التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها\" (^٦).\nورواه النسائي عن الفلاس، عن يحيى بن سعيد القطان، به (^٧).\nففيه دلالة على ما ذكرناه، وفيه أنها تكون باقية إلى يوم القيامة في كل سنة [بعد النبي ﷺ] (^٨)، لا كما زعمه بعض طوائف الشيعة من رفعها بالكلية، على ما فهموه من الحديث الذي سنورده\n_________\n(^١) هكذا في (ح)، وفي الأصل صحفت إلى: \"قضى بحرها\".\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة من طريق أبي الزبير عن جابر؛ وصححه الألباني بشواهده (الصحيح ح ٢١٩٠).\n(^٣) أخرجه الإمام مالك بلاغًا (الموطأ، الاعتكاف، باب ما جاء في ليلة القدر ح ١٥) وسنده ضعيف.\n(^٤) زيادة من (ح).\n(^٥) كذا في المسند، وفي الأصل صحف إلى: \"يزيد\".\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه. (المسند ٣٦/ ٣٩٣، ٣٩٤ ح ٢١٤٩٩).\n(^٧) السنن الكبرى، الاعتكاف، باب ليلة القدر (ح ٣٤٢٧) وسنده كسابقه.\n(^٨) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"7","page":612},{"text":"بعدُ من قوله ﵇: \"فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم\"؛ لأن المراد رفعُ عِلْم وقتها عينًا. وفيه دلالة على أنها ليلة القدر يختص وقوعها بشهر رمضان من بين سائر الشهور، لا كما رُوي عن ابن مسعود ومن تابعه من علماء أهل الكوفة، من أنها توجد في جميع السنة، وترجى في جميع الشهور على السواء.\nوقد ترجم أبو داود في سننه على هذا فقال: \"باب بيان أن ليلة القدر في كل رمضان\": حدثنا حُمَيد بن زَنْجُويه النسائي، أخبرنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، حدثني موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر قال: سُئِل رسول الله ﷺ وأنا أسمع عن ليلة القدر، فقال: \"هي في كل رمضان\" (^١).\nوهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن أبا داود قال: رواه شعبة وسفيان، عن أبي إسحاق فأوقفاه.\nوقد حكي عن أبي حنيفة ﵀، رواية أنها ترجى في جميع شهر رمضان. وهو وجه حكاه الغزالي، واستغربه الرافعي جدًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-222>[فصل]</span>\nثم قد قيل: إنها في أول ليلة من شهر رمضان، يحكى هذا عن أبي رَزِين. وقيل: إنها تقع ليلة سبع عشرة. وروى فيه أبو داود حديثًا مرفوعًا عن ابن مسعود. وروي موقوفًا عليه (^٢)، وعلى زيد بن أرقم (^٣)، وعثمان بن أبي العاص، وهو قول عن محمد بن إدريس الشافعي، ويحكى عن الحسن البصري. ووجهوه بأنها ليلة بدر، وكانت ليلة جمعة هي السابعة عشرة من شهر رمضان، وفي صبيحتها كانت وقعة بدر، وهو اليوم الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].\nوقيل: ليلة تسع عشرة، يُحكى عن علي وابن مسعود أيضًا ﵄.\nوقيل: ليلة إحدى وعشرين؛ لحديث أبي سعيد الخدري قال: اعتكف رسولُ الله ﷺ العشر الأوَل من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. فاعتكف العشر الأوسط واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: [إن] (^٤) الذي تطلب أمامك. ثم قام النبي ﷺ خطيبًا صبيحة عشرين من رمضان، فقال: \"من كان اعتكف معي فليرجع، فإني رأيت ليلة القدر، وإني أُنسيتها، وإنها في العشر الأواخر في وِتْر، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء\". وكان سقف المسجد جريدًا من النخل، وما نَرى في السماء شيئًا، فجاءت قَزَعَة فَمُطرنا، فصلى بنا النبي ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه ونحو تعليقه (السنن، الصلاة، باب من قال هي في كل رمضان ح ١٣٨٧) وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٢٩٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، باب من روى أنها ليلة سبع عشرة ح ١٣٨٤)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٢٩٥).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٣/ ٧٦)؛ والطبراني (المعجم الكبير ٥/ ١٩٨ ح ٥٠٧٩) من طريق حوط عن زيد بن أرقم، وحوط: قال البخاري حديثه منكر. (ينظر مجمع الزوائد ٣/ ١٨١).\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"7","page":613},{"text":"حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله ﷺ تصديق رؤياه (^١). وفي لفظ: \"في صبح إحدى وعشرين\" أخرجاه في الصحيحين.\nقال الشافعي: وهذا الحديث أصح الروايات.\nوقيل: ليلة ثلاث وعشرين؛ لحديث عبد الله بن أنيس في \"صحيح مسلم\" (^٢) وهو قريب السياق من رواية أبي سعيد، فالله أعلم.\nوقيل: ليلة أربع وعشرين، قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة، عن الجُرَيري، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"ليلة القدر ليلة أربع وعشرين\" (^٣). إسناد رجاله ثقات.\nوقال أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حَبِيب، عن أبي الخير، عن الصنابحي، عن بلال قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليلة القدر ليلة أربع وعشرين\" (^٤).\nابن لهيعة ضعيف. وقد خالفه ما رواه البخاري عن أصبغ، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي عبد الله الصنابحي قال: قال أخبرني بلال -مؤذنُ رسول الله ﷺ- أنها أول السبع من العشر الأواخر (^٥)، فهذا الموقوف أصح، والله أعلم. وهكذا رُوي عن ابن مسعود، وابن عباس، وجابر، والحسن، وقتادة، وعبد الله بن وهب: أنها ليلة أربع وعشرين. وقد تقدم في سورة \"البقرة\" حديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا: \"إن القرآن أنزل ليلة أربع وعشرين\" (^٦).\nوقيل: تكون ليلة خمس وعشرين: لما رواه البخاري، عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: \"التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى\" (^٧). فَسَّره كثيرون بليالي الأوتار، وهو أظهر وأشهر. وحمله آخرون على الإشفاع كما رواه مسلم، عن أبي سعيد (^٨)، أنه حمله على ذلك. والله أعلم.\nوقيل: إنها تكون ليلة سبع وعشرين؛ لما رواه مسلم في صحيحه عن أُبي بن كعب، عن\n_________\n(^١) صحيح البخاري، الأذان، باب السجود على الأنف والسجود على الطين (ح ٨١٣)؛ وصحيح مسلم، الصيام، باب فضل ليلة القدر (ح ١١٦٧).\n(^٢) المصدر السابق (ح ١١٦٨).\n(^٣) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص ٢٨٨ ح ٢١٦٧) وكما قال الحافظ ابن كثير: رجاله ثقات، ولكن حماد بن سلمة تردد فيه فقد أخرج الطيالسي عن حماد بن سلمة عن حميد عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعًا بلفظ: \"التمسوها لسبع بقين أو خمس بقين أو ثلاث بقين\". (المسند ص ٢٨٨ ح ٢١٦٦). ومن الجدير بالذكر أن حماد بن سلمة ساء حفظه لما كبر. (ينظر تهذيب التهذيب ٤/ ٦، ٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه. (المسند ٣٩/ ٣٢٣ ح ٢٣٨٩٠).\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وأطول (الصحيح، المغازي، باب ٨٨ ح ٤٤٧٠).\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٨٥.\n(^٧) صحيح البخاري، فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر. (ح ٢٠٢١).\n(^٨) صحيح مسلم، الصيام، باب فضل ليلة القدر (ح ١١٦٧).","vol":"7","page":614},{"text":"رسول الله ﷺ: \"إنها ليلة سبع وعشرين\" (^١).\nقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان: سمعت عبدة وعاصمًا، عن زِرّ: سألت أُبيَّ بن كعب قلت: أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول: من يُقِمُ الحَولَ يُصبْ ليلة القدر. قال: يرحمه الله، لقد علم أنها في شهر رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين. ثم حلف. قلت: وكيف تعلمون ذلك؟ قال: بالعلامة -أو: بالآية- التي أخبرنا بها، تطلع ذلك اليوم لا شعاع لها، أعني الشمس (^٢).\nوقد رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة وشعبة والأوزاعي، عن عبدة، عن زِرّ، عن أُبي، فذكره، وفيه: فقال: والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان -يحلف بما يستثني- والله إني لأعلم؛ أي: ليلة القدر هي التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها (^٣).\nوفي الباب عن معاوية، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم، عن رسول الله ﷺ: أنها ليلة سبع وعشرين. وهو قول طائفة من السلف، وهو الجَادّة من مذهب أحمد بن حنبل ﵀، وهو رواية عن أبي حنيفة أيضًا. وقد حُكِيَ عن بعض السلف أنه حاول استخراج كونها ليلة سبع وعشرين من القرآن، من قوله: ﴿هِيَ﴾ لأنها الكلمة السابعة والعشرون من السورة (^٤)، والله أعلم.\nوقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة وعاصم: أنهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عباس: دعا عمر بن الخطاب أصحاب محمد ﷺ: فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر. قال ابن عباس: فقلت لعمر: إني لأعلم -أو: إني لأظن- أي ليلة القدر هي؟ فقال عمر: أي ليلة هي؟ فقلت: سابعة تمضي -أو: سابعة تبقى- من العشر الأواخر. فقال عمر: ومن أين علمت ذلك؟ قال ابن عباس: فقلت: خلق الله سبع سموات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، وإن الشهر يدور على سبع، وخلق الإنسان من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطواف بالبيت سبع، ورمي الجمار سبع. . . لأشياء ذكرها. فقال عمر: لقد فطنت لأمر ما فطنا له. وكان قتادة يَزيد، عن ابن عباس في قوله: ويأكل من سبع، قال: هو قول الله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨)﴾ (^٥) [عبس].\nوهذا إسناد جيد قوي، ومتن غريب جدًّا، والله أعلم.\nوقيل: إنها تكون في ليلة تسع وعشرين. قال أحمد بن حنبل: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عُمرَ بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت: أنه سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، فقال رسول الله ﷺ: \"في رمضان،\n_________\n(^١) المصدر السابق (ح ١١٦٩/ ٢٢٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٣٥/ ١٢١، ١٢٢ ح ٢١١٩٣).\n(^٣) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان (ح ٧٦٢).\n(^٤) ذكره ابن جزي في التسهيل في تفسير سورة القدر.\n(^٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٠/ ٣٢٢ ح ١٠٦١٨) وسنده ضعيف لأن رواية إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق فيها مناكير وتصحيفات. (ينظر لسان الميزان ١/ ٣٤٩، ٣٥٠).","vol":"7","page":615},{"text":"فالتمسوها في العشر الأواخر، فإنها في وتْر إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو في آخر ليلة\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود -وهو: أبو داود الطيالسي- حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: \"إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى\" (^٢).\nتفرد به أحمد، وإسناده لا بأس به.\nوقيل: إنها تكون في آخر ليلة، لما تقدم من هذا الحديث آنفًا، ولما رواه الترمذي والنسائي، من حديث عُيَينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"في تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث، أو آخر ليلة\" (^٣)؛ يعني: التمسوا ليلة القدر.\nوقال الترمذي: حسن صحيح. وفي المسند من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في ليلة القدر: \"إنها آخر ليلة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-223>[فصل]</span>\nقال [الإمام] (^٤) الشافعي في هذه الروايات: صدرت من النبي ﷺ جوابًا للسائل إذا قيل له: ألتمس ليلة القدر في الليلة الفلانية؟ يقول: \"نعم\". وإنما ليلة القدر ليلة مُعَيَّنة: لا تنتقل. نقله الترمذي عنه بمعناه. وروي عن أبي قِلابَة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر.\nوهذا الذي حكاه عن أبي قلابة نصَّ عليه مالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمزني، وأبو بكر بن خُزَيمة، وغيرهم. وهو محكي عن الشافعي -نقله القاضي عنه، وهو الأشبه- والله أعلم.\nوقد يستأنس لهذا القول بما ثبت في الصحيحين، عن عبد الله بن عُمر: أن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله ﷺ: \"أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان مُتحريها فَلْيَتَحرها في السبع الأواخر\" (^٥).\nوفيها أيضًا عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: \"تَحَرَّوْا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان\" (^٦). ولفظه للبخاري.\nويحتج للشافعي أنها لا تنتقل، وأنها معينة من الشهر، بما رواه البخاري في صحيحه، عن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣٧/ ٣٨٦، ٣٨٧ ح ٢٢٧١٣) وقال محققوه: حديث حسن دون قوله: \"أو في آخر ليلة\" ودون قوله: \"وما تأخر\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦/ ٤٢٨ ح ١٠٧٣٤) قال محققوه: إسناده محتمل للتحسين.\n(^٣) سنن الترمذي، الصوم، باب ما جاء في ليلة القدر (ح ٧٩٤). وقال الترمذي: حسن صحيح؛ وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٦٣٦)؛ وانظر: السنن الكبرى للنسائي، الاعتكاف، باب التماس ليلة القدر لثلاث بقين من الشهر (ح ٣٤٠٣).\n(^٤) زيادة من (حم).\n(^٥) صحيح البخاري، التهجد، باب فضل من تعار من الليل فصلى (ح ١١٥٨)؛ صحيح مسلم، الصيام، باب فضل ليلة القدر (ح ١١٦٥).\n(^٦) صحيح البخاري، فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر .. (ح ٢٠١٧).","vol":"7","page":616},{"text":"عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله ﷺ ليخبرنا بليلة القدر، فَتَلاحى رجلان من المسلمين، فقال: \"خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فَرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة\" (^١).\nوجه الدلالة منه: أنها لو لم تكن معينة مستمرة التعيين، لما حصل لهم العلم بعينها في كل سنة، إذ لو كانت تنتقل لما علموا تَعيُّنها إلا ذلك العام فقط، اللَّهم إلا أن يقال: إنه إنما خرج ليعلمهم بها تلك السنة فقط.\nوقوله: \"فتلاحى فلان وفلان فرفعت\": فيه استئناس لما يقال: إن المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع، وكما جاء في الحديث: \"إن العبد ليُحْرَم الرزقَ بالذَّنْبِ يُصِيبه\" (^٢).\nوقوله: \"فرفعت\" أي: رفع علم تَعينها لكم، لا أنها رفعت بالكلية من الوجود، كما يقوله جهلة الشيعة؛ لأنه قد قال بعد هذا: \"فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة\".\nوقوله: \"وعسى أن يكون خيرًا لكم\" يعني: عدم تعينها لكم، فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طُلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة، بخلاف ما إذا علموا عينها فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط. وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأواخر أكثر. ولهذا كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله ﷿. ثم اعتكف أزواجهُ من بعده. أخرجاه من حديث عائشة (^٣).\nولهما عن ابن عمر: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان (^٤).\nوقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر، أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر. أخرجاه (^٥).\nولمسلم عنها: كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره (^٦).\nوهذا معنى قولها: \"وشد المئزر\". وقيل: المراد بذلك: اعتزال النساء. ويحتمل أن يكون كناية عن الأمرين، لما رواه الإمام أحمد:\nحدثنا [سُرَيج] (^٧)، حدثنا أبو مَعْشَر، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان\n_________\n(^١) صحيح البخاري، فضل ليلة القدر، باب رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس (ح ٢٠٢٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث ثوبان ﵁، قال محققوه: حسن لغيره دون قوله: \"أن الرجل ليحرم الرزق بالذنب\"، وهذا إسناد ضعيف.\n(^٣) صحيح البخاري، الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر (ح ٢٠٢٦)؛ وصحيح مسلم، الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر (ح ١١٧٢).\n(^٤) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ٢٠٢٥) والمصدر السابق (ح ١١٧١).\n(^٥) صحيح البخاري، فضل ليلة القدر، باب العمل في العشر الأواخر من رمضان (ح ٢٠٢٤)؛ وصحيح مسلم، الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر (ح ١١٧٤).\n(^٦) المصدر السابق (ح ١١٧٥).\n(^٧) كذا في المسند (وحم)، وفي الأصل و(ح) صحف إلى: \"شريح\".","vol":"7","page":617},{"text":"رسول الله ﷺ إذا بقي عشر من رمضان شَدَّ مئزره، واعتزل نساءه انفرد به أحمد (^١).\nوقد حكي عن مالك ﵀، أن جميع ليالي العشر في تطلب ليلة القدر على السواء، لا يترجح منها ليلة على أخرى: رأيته في شرح الرافعي ﵀.\nوالمستحب الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير منه، ثم في أوتاره أكثر. والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: \"اللَّهم، إنك عَفُوٌّ تحب العفو، فاعف عني\"؛ لما رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد -هو ابن هارون- حدثنا الجريري -وهو سعيد بن إياس- عن عبد الله بن بُريدة، أن عائشة قالت: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر فما أدعو؟ قال: \"قولي: اللَّهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني\" (^٢).\nوقد رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طريق كَهْمَس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمْتُ أي ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: \"قولي: اللَّهم، إنك عَفُو تحب العفو، فاعف عني\" (^٣).\nوهذا لفظ الترمذي، ثم قال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين (^٤). ورواه النسائي أيضًا من طريق سفيان الثوري، عن علقمة بن مَرثَد، عن سليمان بن بُرَيدة، عن عائشة قالت: يا رسول الله، أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: \"قولي: اللَّهم، إنك عَفُو تحب العفو، فاعف عني\" (^٥).\nذكر أثر غريب ونبأ عجيب، يتعلق بليلة القدر، رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم، عند تفسير هذه السورة الكريمة فقال:\nحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد القَطواني، حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا موسى بن سعيد -يعني: الراسبي- عن هلال أبي جبلة، عن أبي عبد السلام، عن أبيه، عن كعب أنه قال: إن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة، مما يلي الجنة، فهي على حَدّ هواء الدنيا وهواء الآخرة، [عُلوها] (^٦) في الجنة، وعروقها وأغصانها من تحت الكرسي، فيها ملائكة لا يعلم عدّتهم إلا الله ﷿، يعبدون الله ﷿، على أغصانها في كل موضع شعرة منها ملك. ومقام جبريل ﵇، في وسطها، فينادي الله جبريل أن ينزل في كل ليلة قَدْر مع الملائكة الذين يسكنون\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حديث صحيح دون قوله: \"واعتزل أهله\" فحسن لغيره. (المسند ٤٠/ ٤٣٩ ح ٢٤٣٧٧).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٤٢/ ٣١٦ ح ٢٥٤٩٥).\n(^٣) سنن الترمذي، الدعوات، باب أي الدعاء أفضل (ح ٢٥٠٨)؛ والسنن الكبرى للنسائي، النعوت، باب العفو (ح ٧٧١٢)؛ وسنن ابن ماجه، الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية (ح ٣٨٥٠)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣١٠٥).\n(^٤) ووافقه الذهبي. (المستدرك ١/ ٥٣٠).\n(^٥) السنن الكبرى، عمل اليوم والليلة (ح ١٠٧١٣) وسنده كسابقه.\n(^٦) زيادة من (حم).","vol":"7","page":618},{"text":"سدرة المنتهى، وليس فيهم ملك إلا قد أعطي الرأفة والرحمة للمؤمنين، [فينزلون] (^١) على جبريل في ليلة القدر، حين تغرب الشمس، فلا تبقى بقعة في ليلة القدر إلا وعليها ملك، إما ساجد وإما قائم، يدعو للمؤمنين والمؤمنات، إلا أن تكون كنيسة أو بيعة، أو بيت نار أو وثن، أو بعض أماكنكم التي تطرحون فيها الخَبث، أو بيت فيه سكران، أو بيت فيه مُسكر، أو بيت فيه وثن منصوب، أو بيت فيه جرس مُعَلّق، أو مبولة، أو مكان فيه كساحة البيت، فلا يزالون ليلتهم تلك يدعون للمؤمنين والمؤمنات، وجبريل لا يدع أحدًا من المؤمنين إلا صافحه، وعلامة ذلك مَن اقشعر جلدهُ ورقّ قلبه ودَمعَت عيناه، فإن ذلك من مصافحة جبريل.\nوذكر كعب أنه من قال في ليلة القدر: \"لا إله إلا الله\"، ثلاث مرات، غَفَر الله له بواحدة، ونجا من النار بواحدة، وأدخله الجنة بواحدة. فقلنا لكعب الأحبار: يا أبا إسحاق، صادقًا؟ فقال كعب: وهل يقول: \"لا إله إلا الله\" في ليلة القدر إلا كل صادق؟ والذي نفسي بيده، إن ليلة القدر لتثقل على الكافر والمنافق، حتى كأنها على ظهره جبل، فلا تزال الملائكة هكذا حتى يطلع الفجر. فأول من يصعد جبريل حتى يكون في وجه الأفق الأعلى من الشمس، فيبسط جناحيه -وله جناحان أخضران، لا ينشرهما إلا في تلك الساعة- فتصير الشمس لا شعاع لها، ثم يدعو مَلَكًا فيصعد، فيجتمع نور الملائكة ونور جناحي جبريل، فلا تزال الشمس يومها ذلك متحيرة، فيقيم جبريل ومن معه بين الأرض وبين السماء الدنيا يومهم ذلك، في دعاء ورحمة واستغفار للمؤمنين والمؤمنات، ولمن صام رمضان احتسابًا، ودعا لمن حَدث نفسه إن عاش إلى قابل صام رمضان لله. فإذا أمسوا دخلوا السماء الدنيا، فيجلسون حلقًا حلقا، فتجتمع إليهم ملائكة سماء الدنيا، فيسألونهم عن رجل رجل، وعن امرأة امرأة، فيحدثونهم حتى يقولوا: ماذا فعل فلان؟ وكيف وجدتموه العامَ؟ فيقولون: وجدنا فلانًا عام أول في هذه الليلة متعبدًا ووجدناه العام مبتدعًا، ووجدنا فلانًا مبتدعًا ووجدناه العام عابدًا قال: فيكفون عن الاستغفار لذلك، ويقبلون على الاستغفار لهذا، ويقولون: وجدنا فلانًا وفلانًا يذكران الله، ووجدنا فلانًا راكعًا، وفلانًا ساجدًا، ووجدناه تاليًا لكتاب الله. قال: فهم كذلك يومهم وليلتهم، حتى يصعدون إلى السماء الثانية، ففي كل سماء يوم وليلة، حتى ينتهوا مكانهم من سدرة المنتهى، فتقول لهم سدرة المنتهى: يا سكاني، حدثوني عن الناس وسموهم لي. فإن لي عليكم حقًّا، وإني أحبُّ من أحبَّ الله.\nفذكر كعب أنهم يَعدون لها، ويحكون لها الرجل والمرأة بأسمائهم وأسماء آبائهم. ثم تقبل الجنة على السدرة فتقول: أخبريني بما أخبرك سكانك من الملائكة. فتخبرها، قال: فتقول الجنة: رحمة الله على فلان، ورحمة الله على فلانة، اللَّهم عجّلهم إليَّ، فيبلغ جبريل مكانه قبلهم، فيلهمه الله فيقول: وجدت فلانًا ساجدًا فاغفر له. فيغفر له، فيسمعُ جبريلُ جميعَ حملة العرش فيقولون: رحمة الله على فلان، ورحمة الله على فلانة، ومغفرته لفلان، ويقول: يا ربِّ، وجدت عبدك فلانًا الذي وجدته عام أول على السُنّة والعبادة، ووجدته العام قد أحدث حدثًا\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"فيقولون\".","vol":"7","page":619},{"text":"وتولى عما أمر به. فيقول الله: يا جبريل، إن تاب فأعتبني قبل أن يموت بثلاث ساعات غفرت له. فيقول جبريل: لك الحمد إلهي، أنت أرحم من جميع خلقك، وأنت أرحم بعبادك من عبادك بأنفسهم، قال: فيرتجّ العرش وما حوله، والحُجُب والسموات ومن فيهنَّ، تقول: الحمد لله الرحيم، الحمد لله الرحيم.\nقال: وذكر كعب أنه من صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر بعد رمضان ألَّا يعصي الله، دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب (^١).\nآخر تفسير سورة \"ليلة القدر\"، [ولله الحمد والمنّة] (^٢).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لإرساله ومتنه غريب لما فيه من الإسرائيليات التي اشتهر بها كعب الأحبار.\n(^٢) زيادة من (ح).","vol":"7","page":620},{"text":"<span data-type='title' id=toc-224>سُورَةُ ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ وهي مدنية</span>\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد -وهو ابن سلمة- أخبرنا علي -هو ابن زيد- عن عمار بن أبي عمار قال: سمعت أبا حَبَّة البدري -وهو: مالك بن عمرو بن ثابت الأنصاري- قال: لما نزلت: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرها، قال جبريل: يا رسول الله، إن ربك يأمرك أن تقرئها أُبَيًّا. فقال النبي ﷺ لأُبي: \"إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة\" قال أُبي: وقد ذكرت ثم يا رسول الله؟ قال: \"نعم\". قال: فبكى أُبي (^١).\nحديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لأُبي بن كعب: \"إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ \" قال: وسماني لك؟ قال: \"نعم\". فبكى (^٢).\nورواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث شعبة، به (^٣).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد حدثنا مُؤَمَّل، حدثنا سفيان، حدثنا أسلم المنقري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزَى، عن أبيه، عن أُبي بن كعب قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"إني أمرت أن أقرأ عليك سورة كذا وكذا\". قلت: يا رسول الله، وقد ذُكرتُ هناك؟ قال: \"نعم\". فقلت له: يا أبا المنذر، فَفَرحت بذلك. قال: وما يمنعني والله يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس]. قال مؤمل: قلت لسفيان: القراءة في الحديث: قال: نعم (^٤). تفرد به من هذا الوجه.\nطريق أخرى: قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن زرِّ بن حبيش، عن أُبي بن كعب قال: إن رسول الله ﷺ قال لي: \"إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن\". قال: فقرأ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، قال: فقرأ فيها: ولو أن ابن آدم سأل واديًا من مال، فأعطيه، لسأل ثانيًا، ولو سأل ثانيًا فأعطيه لسأل ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. وإن ذلك الدين عند الله الحنيفية، غير\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه، وقال محققوه: صحيح لغيره. (المسند ٢٥/ ٣٨١ ح ١٦٠٠٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣/ ١٣٠)، وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب مناقب أُبي بن كعب ﵁ (ح ٣٨٠٩)؛ وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل (ح ٧٩٩).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، قال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد. (المسند ٣٥/ ٧١ ح ٢١١٣٦).","vol":"7","page":621},{"text":"المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيرًا فلن يكفره (^١).\nورواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي، عن شعبة، به. وقال: حسن صحيح (^٢).\nطريق أخرى: قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد الحلبي، حدثنا محمد بن عيسى الطباع، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن أُبي بن كعب، عن أبيه، عن جده، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا المنذر، إني أمرت أن أعرض عليك القرآن\". قال: بالله آمنت، وعلى يدك أسلمت، ومنك تعلمت. قال: فردَّ النبي ﷺ القول: فقال: يا رسول الله، أذكرت هناك؟ قال: \"نعم، باسمك ونسبك في الملأ الأعلى\". قال: فاقرأ إذًا يا رسول الله (^٣).\nهذا غريب من هذا الوجه، والثابت ما تقدم. وإنما قرأ عليه النبي ﷺ هذه السورة تثبيتًا له، وزيادة لإيمانه، فإنه -كما رواه أحمد والنسائي، من طريق أنس، عنه (^٤)، ورواه أحمد وأبو داود، من حديث سليمان بن صُرَد عنه (^٥)، ورواه أحمد عن عفان، عن حماد، عن حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عنه (^٦)، ورواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه (^٧)، كان قد أنكر على إنسان، وهو: عبد الله بن مسعود، قراءة شيء من القرآن على خلاف ما أقرأه رسول الله ﷺ فرفعه إلى النبي ﷺ فاستقرأهما، وقال، لكل منهما: \"أصبت\". قال أُبي: فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية. فضرب رسول الله ﷺ في صدره، قال أُبي: فَفضْتُ عَرَقًا، وكأنما أنظر إلى الله فرقًا. وأخبره رسول الله ﷺ أن جبريل أتاه فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف. فقلت: \"أسأل الله معافاته ومغفرته\". فقال: على حرفين. فلم يزل حتى قال: إن الله يأمرك أن تقرئ أُمتك القرآن على سبعة أحرف. كما قدمنا ذكر هذا الحديث بطرقه وألفاظه فى أول التفسير. فلما نزلت هذه السورة الكريمة وفيها: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾، قرأها عليه رسول الله ﷺ قراءة إبلاع وتثبيت وإنذار، لا قراءة تعلم واستذكار، والله أعلم.\nوهذا كما أن عمر بن الخطاب لما سأل رسول الله ﷺ يوم الحديبية عن تلك الأسئلة، وكان فيما قال: أو لم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ [قال: \"بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٥/ ١٣١)، وسنده حسن.\n(^٢) سنن الترمذي، المناقب، باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأُبي .. (ح ٣٧٩٣)، وسنده كسابقه.\n(^٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه. (المعجم الكبير ١/ ٢٠٠ ح ٥٣٩)، وسنده ضعيف لجهالة محمد بن معاذ بن أُبي. (التقريب ص ٥٠٧).\n(^٤) المسند ٥/ ١١٤؛ وسنن النسائي، الافتتاح، باب جامع ما جاء في القرآن ٢/ ١٥٤.\n(^٥) المسند ٥/ ١٢٤؛ وسنن أبي داود، الصلاة، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف (ح ١٤٧٧)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٣١٠).\n(^٦) المسند ٥/ ١١٤.\n(^٧) المسند ٥/ ١٢٧؛ وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف (ح ٨٢٠)، وسنن أبي داود، الباب السابق (ح ١٤٧٨)؛ وسنن النسائي، الافتتاح باب جامع ما جاء في القرآن ٢/ ١٥٣.","vol":"7","page":622},{"text":"عامك هذا؟ \". قال: لا، قال: \"فإنك آتيه، ومُطوَّف به\"] (^١). فلما رجعوا من الحديبية، وأنزل الله على النبي ﷺ سورة \"الفتح\"، دعا عمر بن الخطاب وقرأها عليه، وفيها قوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]، كما تقدم (^٢).\nوروى الحافظ أبو نُعَيم في كتابه \"أسماء الصحابة\" من طريق محمد بن إسماعيل الجعفري المدني: حدثنا عبد الله بن سلمة بن أسلم، عن ابن شهاب، عن إسماعيل بن أبي حكيم المدني، حدثني فُضَيل، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله ليسمع قراءة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فيقول: أبشر عبدي، فوعزتي لأمكننه لك في الجنة حتى ترضى\" (^٣).\nحديث غريب جدًّا. وقد رواه الحافظ أبو موسى المديني وابن الأثير، من طريق الزهري، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن نَظير المزني -أو: المدني- عن النبي ﷺ: \"إن الله ليسمع قراءة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ويقول: أبشر عبدي، فوعزتي لا أنساك على حال من أحوال الدنيا والآخرة، ولأُمكننَّ لك في الجنة حتى ترضى\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-6131\"></span>\n\n<span id=\"aya-6132\"></span>﷽\n﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾.\nأما أهل الكتاب فهم: اليهود والنصارى، والمشركون: عَبَدةُ الأوثان والنيران، من العرب ومن العجم.\nوقال مجاهد: لم يكونوا ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يعني: منتهين حتى يتبين لهم الحق (^٥). وكذا قال قتادة (^٦).\n﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: هذا القرآن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾. ثم فسر البينة بقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾ يعني: محمدًا ﷺ، وما يتلوه من القرآن العظيم، الذي هو مكتتب في الملأ الأعلى، في صحف مطهرة كقوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس].\n\n<span id=\"aya-6133\"></span>وقوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ قال ابن جرير: أي في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة: عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ؛ لأنها من عند الله ﷿ (^٧).\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفتح آية ٢٧.\n(^٣) سنده ضعيف لأن إسماعيل بن أبي حكيم لم يسمع أحدًا من الصحابة فهو من الطبقة السادسة. (التقريب ص ١٠٧)، وقال الحافظ ابن حجر: عبد الله بن سلمة واهي الحديث. (الإصابة ٣/ ٥٢٨).\n(^٤) أسد الغابة ٥/ ٣٢٥، وسنده كسابقه.\n(^٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٧) ذكره الطبري بلفظه وأطول.","vol":"7","page":623},{"text":"قال قتادة: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء (^١).\nوقال ابن زيد: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ مستقيمة معتدلة (^٢).\n\n<span id=\"aya-6134\"></span>وقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ كقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران] يعني بذلك: أهل الكتب المنزلة على الأُمم قبلنا، بعدما أقام الله عليهم الحجج والبينات تفرقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم، واختلفوا اختلافًا كثيرًا، كما جاء في الحديث المروي من طرق: \"إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأُمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة\". قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-6135\"></span>وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]؛ ولهذا قال: حنفاء؛ أي: مُتَحنفين عن الشرك إلى التوحيد. كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة \"الأنعام\" (^٤) بما أغنى عن إعادته هاهنا.\n﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وهي أشرف عبادات البدن، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج. ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: الملة القائمة العادلة، أو الأمة المستقيمة المعتدلة.\nوقد استدل كثير من الأئمة، كالزهري والشافعي، بهذه الآية الكريمة على الأعمال داخلة في الإيمان؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾.\n\n<span id=\"aya-6136\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾.\nيخبر تعالى عن مآل الفجار، من كفرة أهل الكتاب، والمشركين المخالفين لكتب الله المنزلة وأنبياء الله المرسلة: أنهم يوم القيامة ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين، لا يحولون عنها ولا يزولون ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي: شر الخليقة التي برأها الله وذرأها.\n\n<span id=\"aya-6137\"></span>ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار -الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بأبدانهم- بأنهم خير البرية.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٩٣.\n(^٤) في الآية ١٦١.","vol":"7","page":624},{"text":"وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء، على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾.\n\n<span id=\"aya-6138\"></span>ثم قال: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ.\n﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم المقيم، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فيما منحهم من الفضل العميم.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: هذا الجزاء حاصل لمن خشي الله واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه، قد علم أنه إن لم يره فإنه يراه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أبو معشر، عن أبي وهب -مولى أبي هريرة- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أخبركم بخير البرية؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله. قال: \"رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما كانت هَيْعَة (^١) استوى عليه. ألا أخبركم بخير البرية؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله. قال: \"رجل في ثُلَّة من غنمه، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. ألا أخبركم بشر البرية؟ \". قالوا: بلى. قال: \"الذي يَسأل بالله، ولا يُعطي به\" (^٢).\nآخر تفسير سورة ﴿لَمْ يَكُنِ﴾.\n_________\n(^١) الهيعة: الصوت الذي تفزع منه وتخافه من عدو.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصححه محققوه بالشواهد. (المسند ١٥/ ٧٢ ح ٩١٤٢).","vol":"7","page":625},{"text":"<span data-type='title' id=toc-225>سُورَةُ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وهي مكية</span>\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا سعيد، حدثنا عياش بن عباس، عن عيسى بن هلال الصَّدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرئني يا رسول الله. قال له: \"اقرأ ثلاثًا من ذات آلر\". فقال له الرجل: كبر سني واشتد قلبي، وغَلُظ لساني. قال: \"فاقرأ من ذات حم\"، فقال مثل مقالته الأولى. فقال: \"اقرأ ثلاثًا من المسبحات\"، فقال مثل مقالته. فقال الرجل: ولكن أقرئني -يا رسول الله- سورة جامعة. فأقرأه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ حتى إذا فرغ منها قال الرجلُ: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليها أبدًا. ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ: \"أفلح الرويجل! أفلح الرويجل! \" ثم قال: \"عَلَيّ به\". فجاءه فقال له: \"أمرْتُ بيوم الأضحى جعله الله عيدًا لهذه الأمة\". فقال له الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا مَنيحَة أنثى فأضحي بها؟ قال: \"لا، ولكنك تأخذ من شعرك، وتقلم أظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فذاك تمام أضحيتك عند الله ﷿ \" (^١).\nوأخرجه أبو داود والنسائي، من حديث أبي عبد الرحمن المقريء، به (^٢).\nوقال الترمذي: حدثنا محمد بن موسى [الحَرشي] (^٣) البصري: حدثنا الحسن بن سلْم بن صالح العجلي، حدثنا ثابت البُناني، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، عدلَت له بنصف القرآن\". ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن سَلْم (^٤).\nوقد رواه البزار عن محمد بن موسى الحرشي، عن الحسن بن سلم، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص]، تَعدلُ ثلث القرآن، و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تَعدلُ ربع القرآن\". هذا لفظه (^٥).\nوقال الترمذي أيضًا: حدثنا علي بن حُجْر، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا يمان بن المغيرة\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه تقريبًا. (المسند ١١/ ١٣٩ ح ٦٥٧٥) وحسّن سنده محققوه؛ وأخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٣٢).\n(^٢) سنن أبي داود، الصلاة، باب تحزيب القرآن (ح ١٣٩٩)؛ والسنن الكبرى للنسائي، عمل اليوم والليلة، باب الفضل في قراءة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، (ح ١٠٥٥٣)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٣٠٠).\n(^٣) كذا في (حم)؛ وسنن الترمذي، وفي الأصل صحف إلى: الجويني.\n(^٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه. (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١] ح ٢٨٩٣)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٥٤٨).\n(^٥) سنده ضعيف كسابقه.","vol":"7","page":626},{"text":"العنزي، حدثنا عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \" ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تَعْدلُ نصف القرآن، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] تعدل ثلث القرآن، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون] تعدل ربع القرآن\". ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة (^١).\nوقال أيضًا: حدثنا عقبة بن مُكَرَّم العَمْي البصري، حدثني ابن أبي فُدَيْك، أخبرني سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: \"هل تزوجت يا فلان؟ \" قال: لا، والله يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج. قال: \"أليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾؟ \". قال: بلى. قال: \"ثلث القرآن\". قال: \"أليس معك ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر] \". قال: بلى. قال: \"ربع القرآن\". قال: \"أليس معك ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾؟ \". قال: بلى. قال: \"ربع القرآن\". قال: \"أليس معك ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾؟ \". قال: بلى. قال: \"ربع القرآن تزوج\". ثم قال: هذا حديث حسن (^٢) تفرد بهن ثلاثتهن الترمذي، لم يروهن غيره من أصحاب الكتب.\n\n<span id=\"aya-6139\"></span>\n\n<span id=\"aya-6140\"></span>﷽\n﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.\nقال ابن عباس: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ أي: تحركت من أسفلها (^٣). ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ يعني: ألقت ما فيها من الموتى. قاله غير واحد من السلف. وهذه كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج]، وكقوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾ [الانشقاق].\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن فُضَيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"تَقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قَتَلْتُ، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قَطَعتُ رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطِعت يدي، ثم يَدَعُونه فلا يأخذون منه شيئًا\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-6141\"></span>وقوله: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣)﴾ أي: استنكر أمرها بعدما كانت قارة ساكنة ثابتة، وهو مستقر على ظهرها؛ أي: تقلبت الحال، فصارت متحركة مضطربة، قد جاءها من أمر الله ما قد أعد لها\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه. (السنن، الباب السابق ح ٢٨٩٤)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٥٥٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه. (المصدر السابق ح ٢٨٩٥)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٥٥١).\n(^٣) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه مسلم بسنده ومتنه. (الصحيح، الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها ح ١٠١٣).","vol":"7","page":627},{"text":"من الزلزال الذي لا محيد لها عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها وتبدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا لله الواحد القهار.\n\n<span id=\"aya-6142\"></span>وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ أي: تحدث بما عمل العاملون على ظهرها.\nقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن المبارك، وقال الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي، واللفظ له: حدثنا سُوَيد بن نصر، أخبرنا عبد الله -هو ابن المبارك- عن سعيد بن أبي أيوب، عن يحيى بن أبي سليمان، عن سعيد المقْبُرِي، عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ قال: \"أتدرون ما أخبارها؟ \". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عَمِل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها\" (^١).\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nوفي معجم الطبراني من حديث ابن لَهِيعة: حدثني الحارث بن يزيد -سمع ربيعة الجُرَشي-: أن رسول الله ﷺ قال: \"تحفظوا من الأرض، فإنها أُمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرًا أو شرًّا، إلا وهي مُخبرة\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-6143\"></span>وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ قال البخاري: أوحى لها وأوحى إليها، ووحى لها ووحى إليها: واحد (^٣). وكذا قال ابن عباس: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ أي: أوحى إليها (^٤).\nوالظاهر أن هذا مُضَمَّنُ [بمعنى] (^٥) أذن لها.\nوقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ قال: قال لها ربها: قولي، فقالت (^٦).\nوقال مجاهد: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ أي: أمرها (^٧).\nوقال القُرَظي: أمرها أن تنشق عنهم.\n\n<span id=\"aya-6144\"></span>\n\n<span id=\"aya-6145\"></span>\n\n<span id=\"aya-6146\"></span>وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ أي: يرجعون عن موقف الحساب، ﴿أَشْتَاتًا﴾ أي: أنواعًا وأصنافًا، ما بين شقي وسعيد، مأمور به إلى الجنة، ومأمور به إلى النار.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه، وضعف سنده محققوه. (المسند ١٤/ ٤٥٥ ح ٨٨٦٧)؛ وأخرجه الترمذي، (السنن، التفسير، باب ومن سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ [الزلزلة] ح ٣٣٥٢)؛ والنسائي (السنن الكبرى، التفسير، سورة الزلزلة ح ١١٦٩٣)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٦٦٤)؛ وأخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: يحيى هذا منكر الحديث. قاله البخاري. (المستدرك ٢/ ٥٣٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني من طريق ابن لهيعة به. (المعجم الكبير ٥/ ٦٥ ح ٤٥٩٦)؛ وأعله الهيثمي بابن لهيعة. (مجمع الزوائد ١/ ٢٤١).\n(^٣) ذكره البخاري (الصحيح، التفسير، باب سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ قبل حديث رقم ٤٩٦٢.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٦) أخرجه الطبري من طريق شبيب به بلفظ: \"أوحى إليها\". وسنده حسن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","vol":"7","page":628},{"text":"قال ابن جريج: يتصدعون أشتاتًا فلا يجتمعون آخر ما عليهم.\nوقال السُّدِّي: ﴿أَشْتَاتًا﴾ فرقًا.\nوقوله تعالى: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: ليعملوا ويجازوا بما عملوه في الدنيا، من خير وشر. ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.\nقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك، عن يزيد بن أسلم، عن أبي صالح السَّمان، عن أبي هُرَيرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله فأطال طَيلها في مرج أو روضة، فما أصابت في طبلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنَّت شَرَفًا أو شرفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يَسقيَ به كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تَغَنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر. ورجل ربطها فخرًا ورئاء ونواء، فهي على ذلك وزر\". فسُئل رسول الله ﷺ عن الحُمُر، فقال: \"ما أنزل الله فيها شيئًا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ \" (^١).\nورواه مسلم، من حديث زيد بن أسلم، به (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا جرير بن حازم، حدثنا الحسن، عن صعصعة بن معاوية -عمِّ الفرزدق-: أنه أتى النبي ﷺ فقرأ عليه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، قال: حسبي! لا أبالي ألَّا أسمع غيرها (^٣).\nوهكذا رواه النسائي في التفسير، عن إبراهيم بن يونس بن محمد المؤدب، عن أبيه، عن جرير بن حازم، عن الحسن البصري قال: حدثنا صعصعةُ عمُّ الفرزدق، فذكره (^٤).\nوفي صحيح البخاري، عن عَدي مرفوعًا: \"اتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرة، [ولو بكلمة طيبة] \" (^٥) (^٦). وفي الصحيح: \"لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط\" (^٧).\nوفي الصحيح أيضًا: \"يا نساء المؤمنات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فِرْسَنَ شاة\" (^٨) يعني: ظلفها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، سورة الزلزلة ح ٤٩٦٢).\n(^٢) صحيح مسلم، الزكاة، باب إثم مانع الزكاة (ح ٩٨٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣٤/ ٢٠٠ ح ٢٠٥٩٣)، وصحح سنده محققوه.\n(^٤) السنن الكبرى، التفسير، باب سورة الزلزلة (ح ١١٦٩٤).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل بياض.\n(^٦) صحيح البخاري، الرقاب، باب من نوقش الحساب عذب (ح ٦٥٤٠).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي جُريِّ الهجيمي، وصحح سنده محققوه. (المسند ٣٤/ ٢٣٦ ح ٢٠٦٣٣).\n(^٨) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة. (صحيح البخاري، الهبة، ح ٢٥٦٦)؛ وصحيح مسلم، الزكاة، باب الحث على الصدقة (ح ١٠٣٠).","vol":"7","page":629},{"text":"وفي الحديث الآخر: \"ردوا السائل ولو بظلْفٍ مُحَرق\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: \"يا عائشة، استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان\". تفرد به أحمد (^٢).\nورُويَ عن عائشة أنها تصدقت بعنبة، وقالت: كم فيها من مثقال ذرة (^٣).\nوقال أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن مسلم، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير: حدثني عوف بن الحارث بن الطفيل: أن عائشة أخبرته: أن النبي ﷺ كان يقول: \"يا عائشة، إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبًا\".\nورواه النسائي وابن ماجه، من حديث سعيد بن مسلم بن بَانَك، به (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثني أبو الخطاب الحساني، حدثنا الهيثم بن الربيع، حدثنا سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: كان أبو بكر يأكل مع النبي ﷺ فنزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (^٥)، فرفع أبو بكر يده وقال: يا رسول الله، إني أُجزى بما عملتُ من مثقال ذرة من شر؟ فقال: \"يا أبا بكر، ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذرِّ الشر ويدخر الله لك مثاقيل ذَرِّ الخير حتى تُوفاه يوم القيامة\" (^٦).\nورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه عن أبي الخطاب، به (^٧).\nثم قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب قال: في كتاب أبي قِلابة، عن أبي إدريس: أن أبا بكر كان يأكل مع النبي ﷺ، فذكره (^٨).\nورواه أيضًا عن يعقوب، عن ابن عُلَيَّة، عن أيوب، عن أبي قلابة: أن أبا بكر، وذكره (^٩).\nطريق أخرى: قال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني حُيَي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: لما نزلت: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ وأبو بكر الصديق ﵁، قاعد، فبكى حين أنزلت، فقال له رسول الله ﷺ: \"ما يبكيك يا أبا بكر؟ \". قال: يبكيني هذه السورة. فقال له رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من حديث حواء، وحسن سنده محققوه. (المسند ٤٥/ ٤٤٠ ح ٢٧٤٥٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه. (المسند ٤١/ ٤٩ ح ٢٤٥٠١).\n(^٣) أخرجه الإمام مالك بسند ضعيف بلاغًا. (الموطأ، الصدقة، باب الترغيب ص ٩٩٧ ح ٦).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه. (المسند ٤٢/ ٩٦ ح ٢٥١٧٧).\n(^٥) سنن ابن ماجه، الزهد، باب ذكر الذنوب (ح ٤٢٤٣)؛ وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (ح ٣٤٢١). وقال البوصيري: إسناد صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الهيثم بن الربيع. (التقريب ص ٥٧٧)، وقد توبع كما في رواية الطبري التالية.\n(^٧) سنده كسابقه.\n(^٨) أخرجه الطبري عن ابن بشار به، ويتقوى بما يليه.\n(^٩) أخرجه الطبري عن يعقوب به، وسنده صحيح.","vol":"7","page":630},{"text":"\"لولا أنكم تخطئون وتذنبون، فيغفر الله لكم، لخلق الله أُمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم\" (^١).\nحديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرحمن بن المغيرة -المعروف بعلَّان المصري- قالا: حدثنا عمرو بن خالد الحرَّاني، حدثنا ابن لَهِيعة، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ قلت: يا رسول الله، إني لراء عملي؟ قال: \"نعم\". قلت: تلك الكبار الكبار؟ قال: \"نعم\". قلت: الصغار الصغار؟ قال: \"نعم\". قلت: واثُكلَ أُمي. قال: \"أبشر يا أبا سعيد؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها -يعني إلى سبعمائة ضعف- ويضاعف الله لمن يشاء، والسيئة بمثلها أو يغفر الله، ولن ينجو أحد منكم بعمله\". قلت: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: \"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة\". قال أبو زُرْعَة: لم يرو هذا غير ابن لَهِيعة (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، وذلك لما نزلت هذه الآية: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان]، كان المسلمون يرون أنهم لا يُؤجَرون على الشيء القليل الذي أعطوه، فيجيء المسكين إلى أبوابهم فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة والجَوْزة ونحو ذلك، فيردونه ويقولون: ما هذا بشيء. إنما نُؤجَر على ما نعطي ونحن نحبه. وكان آخرون يَرَون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير: الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، يقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر. فرغبهم في القليل من الخير أن يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر، فإنه يوشك أن يكثر، فنزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني: وزن أصغر النمل ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ يعني: في كتابه، وَيسُرُّه ذلك. قال: يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة. وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمنين أيضًا، بكل واحدة عشر، ويمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات، فمن زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة، دخل الجنة (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمران، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه\". وإن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلًا، كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صَنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأجَّجوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها (^٤).\n[آخر تفسير سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾] (^٥)، [ولله الحمد والمنة] (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات إلَّا حيي بن عبد الله فصدوق يهم. (التقريب ص ١٨٥).\n(^٢) سنده ضعيف لتفرد ابن لهيعة به.\n(^٣) سنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٦/ ٣٦٨ ح ٣٨١٨) قال المحققون: حديث حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لجهالة حال عبد ربه -وهو ابن أبي يزيد- ويقال: ابن زيد.\n(^٥) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٦) زيادة من (حم).","vol":"7","page":631},{"text":"<span data-type='title' id=toc-226>سُورَةُ العَادِيَاتِ وهي مكية</span>\n\n<span id=\"aya-6147\"></span>﷽\n﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾.\nيقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فَعَدت وضَبَحت، وهو: الصوت الذي يُسمع من الفرس حين تَعدو.\n\n<span id=\"aya-6148\"></span>﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾ يعني: اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار.\n\n<span id=\"aya-6149\"></span>﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾ يعني: الإغارة وقت الصباح، كما كان رسول الله ﷺ يغير صباحًا ويتسمّع أذانًا، فإن سمع وإلا أغار.\n\n<span id=\"aya-6150\"></span>[وقوله] (^١): ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾ يعني: غبارًا في [مكان] (^٢) معترك الخيول.\n\n<span id=\"aya-6151\"></span>﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ أي: توسطن ذلك المكان كُلَّهن جُمعَ.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا عبدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ قال: الإبل (^٣).\nوقال علي: هي الإبل. وقال ابن عباس: هي الخيل. فبلغ عليًّا قولُ ابن عباس، فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بعثت (^٤).\nقال ابن أبي حاتم وابن جرير: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حدثه، قال: بينا أنا في الحِجْر جالسًا، جاءني رجل فسألني عن: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني فذهب إلى علي ﵁، وهو عند سقاية زمزم فسأله عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عباس فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله. قال: اذهب فادعه لي. فلما وقف على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك، والله لئن كان أولَ غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا\n_________\n(^١) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٢) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وسنده منقطع لأن إبراهيم وهو النخعي لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٤) سيأتي مسندًا بنحو الرواية التالية.","vol":"7","page":632},{"text":"فَرَسَان: فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحًا؟ إنما العاديات ضبحًا من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى مِنى، قال ابن عباس: فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي ﵁ (^١).\nوبهذا الإسناد عن ابن عباس قال: قال علي: إنما ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران.\nوقال العَوفي، عن ابن عباس: هي الخيل (^٢).\nوقد قال بقول علي: إنها الإبل جماعة. منهم: إبراهيم، وعبيد بن عمير (^٣) وبقول ابن عباس آخرون، منهم: مجاهد وعكرمة، وعطاء وقتادة، والضحاك (^٤). واختاره ابن جرير.\nقال ابن عباس، وعطاء: ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب (^٥).\nوقال ابن جُرَيج، عن عطاء: سمعت ابن عباس يصف الضبح: أح أح (^٦).\nوقال أكثر هؤلاء في قوله: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾ يعني: بحوافرها. وقيل: أسعَرْنَ الحرب بين رُكبانهن. قاله قتادة (^٧).\nوعن ابن عباس ومجاهد: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾ يعني: مكر الرجال (^٨).\nوقيل: هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل.\nوقيل: المراد بذلك: نيران القبائل.\nوقال من فسرها بالخيل: هو إيقاد النار بالمزدلفة.\nوقال ابن جرير: والصواب الأول؛ أنها الخيل حين تقدح بحوافرها.\nوقوله: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني إغارة الخيل صبحًا في سبيل الله (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري عن يونس به، وسنده ضعيف لأن أبا معاوية البجلي وهو عمار بن معاوية صدوق يتشيع. (التقريب ص ٤٠٨) وهذه الرواية تؤيد بدعته؛ وأخرجه الحاكم من طريق ابن وهب به؛ وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: لا والله، ولا ذكر لأبي معاوية في الكتب الستة ولا احتج البخاري بأبي صخر، والخبر منكر. (المستدرك ٢/ ١٠٥).\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعناه صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن إبراهيم فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف؛ وأخرجه الطبري عن عبيد بن عمير بسند ضعيف منقطع.\n(^٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق سماك عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري وعبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عطاء عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن ابن جريج به.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من =","vol":"7","page":633},{"text":"وقال من فسرها بالإبل: هو الدفع صبحًا من المزدلفة إلى مِنَى.\nوقالوا كلهم في قوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾ هو: المكان الذي إذا حلَّت فيه أثارت به الغبار، إما في حج أو غزو.\nوقوله: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ قال العَوفي، عن ابن عباس، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: يعني جَمع الكفار من العدو (^١).\nويحتمل أن يكون: فوسطن بذلك المكان جَميعُهُن، ويكون ﴿جَمْعًا﴾ منصوبًا على الحال المؤكدة.\nوقد روى أبو بكر البزار هاهنا حديثًا غريبًا جدًّا فقال: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جُمَيع، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ خيلًا فأشهرت شهرًا لا يأتيه منها خبر، فنزلت ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ ضبحت بأرجلها، ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾ قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارًا ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾ صَبَّحت القوم بغارة، ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾ أثارت بحوافرها التراب، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ قال: صبحت القوم جميعًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-6152\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ هذا هو المقسم عليه، بمعنى: أنه لنعم ربه لجحود كفور.\nقال ابن عباس، ومجاهد وإبراهيم النَّخعِي، وأبو الجوزاء، وأبو العالية، وأبو الضحى، وسعيد بن جبير، ومحمد بن قيس، والضحاك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن زيد: الكنود: الكفور (^٣).\nقال الحسن: هو الذي يعد المصائب، وينسى نعم ربه (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ قال: \"الكفور الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده\" (^٥).\n_________\n= طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن عكرمة؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بالآثار التالية، فقد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه. وأعله الحافظ ابن حجر بحفص بن جميع. (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ١٢٠ ح ١٥٣٦)، وكذا أعله الهيثمي. (مجمع الزوائد ٧/ ١٤٢).\n(^٣) أخرجه الطبري بسندين عن ابن عباس يقوي أحدهما الآخر؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق شعيب بن الحبحاب عن الحسن.\n(^٥) سنده ضعيف جدًّا لأن جعفر بن الزبير متروك كما قرر الحافظ ابن كثير.","vol":"7","page":634},{"text":"ورواه ابن أبي حاتم، من طريق جعفر بن الزبير -وهو متروك- فهذا إسناد ضعيف. وقد رواه ابن جرير أيضًا من حديث حريز بن عثمان، عن حمزة بن هانئ، عن أبي أُمامة موقوفًا.\n\n<span id=\"aya-6153\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ قال قتادة وسفيان الثوري: وإن الله على ذلك لشهيد (^١).\nويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان. قاله محمد بن كعب القرظي، فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنودًا لشهيد؛ أي: بلسان حاله؛ أي: ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧].\n\n<span id=\"aya-6154\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ أي: وإنه لحب الخير -وهو: المال- لشديد. وفيه مذهبان:\nأحدهما: أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال.\nوالثاني: وإنه لحريص بخيل؛ من محبة المال. وكلاهما صحيح.\n\n<span id=\"aya-6155\"></span>\n\n<span id=\"aya-6156\"></span>\n\n<span id=\"aya-6157\"></span>ثم قال تعالى مُزَهِّدًا في الدنيا، ومُرَغّبًا في الآخرة، ومنبهًا على ما هو كائن بعد هذه الحال، وما يستقبله الإنسان من الأهوال: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩)﴾ أي: أخرج ما فيها من الأموات ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ قال ابن عباس وغيره؛ يعني: أبرز (^٢) وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ أي: لعالم بجميع ما كانوا يصنعون ويعملون، مجازيهم عليه أوفر الجزاء، ولا يظلم مثقال ذرة.\nآخر [تفسير] (^٣) سورة ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾، ولله الحمد والمنّة، [وحسبنا الله] (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) زيادة من (ح).\n(^٤) زيادة من (ح).","vol":"7","page":635},{"text":"<span data-type='title' id=toc-227>سُورَةُ القَارِعَةِ وهي مكية</span>\n\n<span id=\"aya-6158\"></span>\n\n<span id=\"aya-6159\"></span>﷽\n﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾.\n﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾ من أسماء يوم القيامة، كالحاقة، والطامة، والصاخة، والغاشية، وغير ذلك.\n\n<span id=\"aya-6160\"></span>ثم قال معظِّمًا أمرها ومهوِّلًا لشأنها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾\n\n<span id=\"aya-6161\"></span>ثم فسر ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ أي: في انتشارهم وتفرقهم، وذهابهم ومجيئهم، من حيرتهم مما هم فيه، كأنهم فراش مبثوث، كما قال في الآية الأخرى: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧].\n\n<span id=\"aya-6162\"></span>وقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ يعني: قد صارت كأنها الصوف المنفوش، الذي قد شَرَع في الذهاب والتمزق.\nقال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراسانى، والضحاك، والسدي: \"الْعِهْنِ\": الصوف (^١).\n\n<span id=\"aya-6163\"></span>ثم أخبر تعالى عما يؤول إليه عمل العاملين، وما يصيرون إليه من الكرامة أو الإهانة، بحسب أعمالهم، فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾ أي: رجحت حسناته على سيئاته،\n\n<span id=\"aya-6164\"></span>﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾ يعني: في الجنة.\n\n<span id=\"aya-6165\"></span>﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨)﴾ أي: رجحت سيئاته على حسناته.\n\n<span id=\"aya-6166\"></span>\n\n<span id=\"aya-6167\"></span>وقوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ قيل معناه: فهو ساقط هاوٍ بأم رأسه في نار جهنم. وَعَبَّر عنه بأمه -يعني: دماغُه- رُوي نحو هذا عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي صالح، وقتادة.\nقال قتادة: يهوي في النار على رأسه (^٢). وكذا قال أبو صالح: يهوون في النار على رؤوسهم (^٣).\nوقيل: معناه: ﴿فَأُمُّهُ﴾ التي يرجع إليها، ويصير في المعاد إليها ﴿هَاوِيَةٌ﴾ وهي اسم من أسماء النار.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق إسماعيل، وهو ابن أبي خالد، عن أبي صالح.","vol":"7","page":636},{"text":"قال ابن جرير: وإنما قيل: الهاوية: أُمه؛ لأنه لا مأوى له غيرها (^١).\nوقال ابن زيد: الهاوية: النار، هي أُمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها، وقرأ: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ (^٢) [آل عمران: ١٥١].\nقال ابن أبي حاتم: ورُوي عن قتادة أنه قال: هي النار، وهي مأواهم (^٣). ولهذا قال تعالى مفسرًا للهاوية: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى: حدثنا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين، فيقولون: رَوِّحُوا أخاكم، فإنه كان في غَمّ الدنيا. قال: ويسألونه: ما فعل فلان؟ فيقول: مات، أو ما جاءكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية (^٤).\nوقد رواه ابن مَرْدَويّه من طريق أنس بن مالك مرفوعًا، بأبسط من هذا. وقد أوردناه في كتاب \"صفة النار\"، أجارنا الله منها بمنه وكرمه (^٥).\n\n<span id=\"aya-6168\"></span>وقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ أي: حارة شديدة الحر، قوية اللهيب والسعير.\nقال أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: \"نار بني آدم التي تُوقدون جزء من سبعين جزء من نار جهنم\". قالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية. فقال: \"إنها فُضّلَت عليها بتسعة وستين جُزءًا\" (^٦).\nورواه البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك. ورواه مسلم عن قُتيبة، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزِّناد، به. وفي بعض ألفاظه: \"إنها فُضلت عليها بتسعة وستين جزءًا، كلهنَّ مثل حرّها\" (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد -وهو ابن سلمة- عن محمد بن زياد سمع أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: \"نار بني آدم التي توقدون، جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم\". فقال رجل: إن كانت لكافية. فقال: \"لقد فُضلت عليها بتسعة وستين جزءًا حَرًا فحرا\" (^٨).\nتفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط مسلم.\n_________\n(^١) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه كالمرسل.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.\n(^٦) أخرجه مالك بسنده ومتنه. (الموطأ، كتاب جهنم، باب ما جاء في صفة جهنم ص ٩٩٤ ح ١) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب صفة النار (ح ٣٢٦٥)؛ وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب في شده حر نار جهنم (ح ٢٨٤٣).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ١٦/ ٧٨ ح ١٠٠٣٢).","vol":"7","page":637},{"text":"وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ -وعمرو، عن يحيى بن جَعْدة-: \"إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد\" (^١).\nوهذا على شرط الصحيحين، ولم يخرجوه من هذا الوجه، وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق [أبي الزناد] (^٢) (^٣).\nورواه البزار من حديث عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري: \"ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا\" (^٤).\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز -هو ابن محمد الدراوردي- عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن النبى ﷺ قال: \"هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم\" (^٥).\nتفرد به أيضًا من هذا الوجه، وهو على شرط مسلم أيضًا.\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزاميّ، حدثنا مَعْن بن عيسى القزاز، عن مالك، عن عَمّه أبي سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادًا من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفًا\" (^٦).\nوقد رواه أبو مصعب، عن مالك، ولم يرفعه. وروى الترمذي وابن ماجه، عن عباس الدَّوريّ، عن يحيى بن أبي بُكَيْر: حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة. قال: قال رسول الله ﷺ: \"أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة\" (^٧).\nوقد روي هذا من حديث أنس (^٨) وعمر بن الخطاب.\nوجاء في الحديث -عند الإمام أحمد- من طريق أبي عثمان النَّهدي، عن أنس -وأبي نضرة العَبْديّ، عن أبي سعيد وعَجْلان مولى [المُشْمَعّل] (^٩)، عن أبي هريرة- عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان يغلي منهما دماغه\" (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٤٤) وسنده صحيح.\n(^٢) كذا في (ح)، وفي الأصل بياض.\n(^٣) صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب في شدة حر نار جهنم (ح ٢٨٤٣).\n(^٤) يشهد لهما ما تقدم.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده قوي. (المسند ١٤/ ٤٩٢ ح ٨٩٢١).\n(^٦) أخرجه الطبراني (المعجم الأوسط ١/ ١٥٥ ح ٤٨٥) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٨٧).\n(^٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ٨١.\n(^٨) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ٨١.\n(^٩) كذا في (ح) و(حم) ومسند أحمد، وفي الأصل صحف إلى: \"المعل\".\n(^١٠) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ٨١.","vol":"7","page":638},{"text":"وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا ربِّ، أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنَفَسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف. فأشدّ ما تجدون في الشتاء من بردها، وأشدّ ما تجدون في الصيف من حرِّها\" (^١).\nوفي الصحيحين: \"إذا اشتدَّ الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحرِّ من فَيح جَهَنم\" (^٢).\nآخر تفسير سورة ﴿الْقَارِعَةُ﴾.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة (ح ٣٢٦٠)؛ وصحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الإبراد بالظهر (ح ٦١٧).\n(^٢) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب الإبراد بالظهر في شدة الحر (ح ٥٣٣)؛ وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٦١٥).","vol":"7","page":639},{"text":"<span data-type='title' id=toc-228>سُورَةُ التَّكَاثُرِ وهي مكية</span>\n\n<span id=\"aya-6169\"></span>\n\n<span id=\"aya-6170\"></span>﷽\n﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾.\nيقول تعالى: شغلكم حبُّ الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا زكريا بن يحيى الوقَار المصري، حدثني خالد بن عبد الدايم، عن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ عن الطاعة ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ حتى يأتيكم الموت\" (^١).\nوقال الحسن البصري: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ في الأموال والأولاد (^٢).\nوفي صحيح البخاري، في \"الرقاق\" منه: وقال لنا أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، عن أُبي بن كعب قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ (^٣) يعني: \"لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة: سمعت قتادة يحدث عن مُطرِّف -يعني ابن عبد الله بن الشِّخِّير- عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: \" ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾، يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ \" (^٥).\nورواه مسلم والترمذي والنسائي، من طريق شعبة، به (^٦).\n_________\n(^١) سنده ضعيف لضعف ابن زيد بن أسلم، وهو عبد الرحمن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل، وهو ابن مسلم المكي، عن الحسن، وسنده ضعيف لضعف إسماعيل (التقريب ص ١١٠)، ومعناه صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الرقاق، باب ما يُتقى من فتنة المال ح ٦٤٤٠).\n(^٤) المصدر السابق (ح ٦٤٣٩).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٤) وسنده صحيح.\n(^٦) صحيح مسلم، الزهد (ح ٢٩٥٨)؛ وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر] (ح ٣٣٥٤)؛ والسنن الكبرى، التفسير، باب سورة التكاثر (ح ١١٦٩٦).","vol":"7","page":640},{"text":"وقال مسلم في صحيحه: حدثنا سُوَيد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول العبد: مالي مالي؟ وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فاقتنى، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس\". تفرد به مسلم (^١).\nوقال البخاري: حدثنا الحُمَيدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ: \"يتبع الميت ثلاثةٌ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله\" (^٢).\nوكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سفيان بن عيينة، به (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ قال: \"يهرم ابن آدم وتبقى منه اثنتان: الحرص والأمل\" (^٤). أخرجاه في الصحيحين (^٥).\nوذكر الحافظ ابن عساكر، في ترجمة الأحنف بن قيس -واسمه الضحاك- أنه رأى في يد رجل درهما فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي. فقال: إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر. ثم أنشد الأحنف متمثلًا قول الشاعر:\nأنتَ للمال إذا أمسكتَه … فإذا أنفقتَه فالمالُ لَكْ (^٦)\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة قال: صالح بن حيان، حدثني عن ابن بُريدة في قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار، في بني حارثة وبني الحارث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثلُ فلان بن فلان، وفلان؟ وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور. فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان؟ يشيرون إلى القبر - ومثل فلان؟ وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل (^٧).\nوقال قتادة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعَدُّ من بني فلان، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه. (الصحيح، الزهد ح ٢٩٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، الرقاق، باب سكرات الموت ح ٦٥١٤).\n(^٣) صحيح مسلم، الزهد (ح ٢٩٦٠)، وسنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء مثل ابن آدم وعمله (ح ٢٣٧٩)؛ والسنن الكبرى للنسائي، الجنائز، باب النهي عن سب الأموات (ح ٢٠٦٤).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣/ ١١٥) وسنده صحيح.\n(^٥) صحيح البخاري، الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر (ح ٦٤٢١)؛ وصحيح مسلم، الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا (ح ١٠٤٧).\n(^٦) تاريخ دمشق ٨/ ل ٤٤٣.\n(^٧) سنده ضعيف لأنه مرسل، ويتقوى بالمرسل التالي.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل.","vol":"7","page":641},{"text":"والصحيح أن المراد بقوله: ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أي: صرتم إليها ودفنتم فيها، كما جاء في\nالصحيح: أن رسول الله ﷺ دخل على رجل من الأعراب يعوده، فقال: \"لا بأس، طهور إن شاء الله\". فقال: قلت: طَهُور؟! بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور! قال: \"فَنَعَم إذًا\" (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، أخبرنا حكام بن سلم الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن الحجاج، عن المِنْهال، عن زر بن حُبَيش، عن علي قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ (^٢).\nورواه الترمذي عن أبي كُرَيب، عن حَكَّام بن سلم به، وقال: غريب (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن داود العُرضي، حدثنا أبو المليح الرقي، عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسًا عند عمر بن عبد العزيز، فقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ فلبث هُنَيهة فقال: يا ميمون، ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله (^٤).\nقال أبو محمد (^٥): يعني أن يرجع إلى منزله، إلى جنة أو نار.\nوهكذا ذُكرَ أن بعضَ الأعراب سمع رجلًا يتلو هذه الآية: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ فقال: بُعثَ اليوم ورَبّ الكعبة؛ أي: إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى غيره.\n\n<span id=\"aya-6171\"></span>\n\n<span id=\"aya-6172\"></span>وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ قال الحسن البصري: هذا وعيد بعد وعيد.\nوقال الضحاك: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ يعني: الكفار، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ يعني: أيها المؤمنون (^٦).\n\n<span id=\"aya-6173\"></span>وقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ أي: لو علمتم حق العلم، لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة، حتى صرتم إلى المقابر.\n\n<span id=\"aya-6174\"></span>\n\n<span id=\"aya-6175\"></span>ثم قال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ هذا تفسير الوعيد المتقدم، وهو قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ تَوعَّدَهم بهذا الحال، وهي رؤية النار، التي إذا زفرت زفرة خَرّ كل ملك مقرب، ونبي مرسل على ركبتيه، من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال، على ما جاء به الأثر المروي في ذلك.\n\n<span id=\"aya-6176\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ أي: ثم لتسئلن يومئذٍ عن شكر ما أنعم الله به\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس ﵄. (الصحيح، المناقب، باب علامات النبوة ح ٣٦١٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي من طريق حكام بن سلم به. (السنن، التفسير، باب ومن سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر] ح ٣٣٥٥)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٦٦٥)؛ وأخرجه الطبري أيضًا بسند ضعيف.\n(^٣) تقدم تخريجه في الرواية السابقة.\n(^٤) رجاله ثقات إلا سلمة بن داود العُرضي لم أجد له ترجمة.\n(^٥) هو ابن أبي حاتم الرازي صاحب التفسير.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.","vol":"7","page":642},{"text":"عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك. ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا زكريا بن يحيى الخزاز المقري، حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خالد الخزاز، حدثنا يونس بن عبيد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة، فوجد أبا بكر في المسجد فقال: \"ما أخرجك هذه الساعة؟ \" قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله. قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: \"ما أخرجك يا ابن الخطاب؟ \" قال: أخرجني الذي أخرجكما. قال: فقعد عمر، وأقبل رسول الله ﷺ يحدثهما، ثم قال: \"هل. بكما من قوة، تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعامًا وشرابًا وظلا؟ \" قلنا: نعم. قال: \"مُروا بنا إلى منزل ابن التَّيهان أبي الهيثم الأنصاري\". قال: فتقدم رسول الله ﷺ بين أيدينا، فسلم واستأذن -ثلاث مرات- وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام، تريد أن يزيدها رسول الله ﷺ من السلام، فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم، فقالت: يا رسول الله، قد -والله- سمعت تسليمك، ولكن أردت أن تزيدنا من سلامك. فقال لها رسول الله ﷺ: \"خيرًا\". ثم قال: \"أين أبو الهيثم؟ لا أراه\". قالت: يا رسول الله، هو قريب ذهب يَستعذبُ الماء، ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله، فبسطت - بساطًا تحت شجرة، فجاء أبو الهيثم ففرح بهم وقرت عيناه بهم، فصعد على نخلة فصرم لهم أعذاقًا، فقال له رسول الله ﷺ: \"حَسْبُكَ يا أبا الهيثم\". قال: يا رسول الله، تأكلون من بُسره، ومن رطبه، ومن تَذْنُوبه، ثم أتاهم بماء فشربوا عليه، فقال رسول الله ﷺ: \"هذا من النعيم الذي تسألون عنه\" (^١). هذا غريب من هذا الوجه.\nوقال ابن جرير: حدثني الحُسَين بن علي الصدائي، حدثنا الوليد بن القاسم، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: بينما أبو بكر وعمر جالسان، إذ جاءهما النبي ﷺ فقال: \"ما أجلسكما هاهنا؟ \" قالا: والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع. قال: \"والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره\". فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار، فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي ﷺ: \"أين فلان؟ \" فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء. فجاء صاحبهم يحمل قربته فقال: مرحبًا، ما زار العباد شيء أفضل من شيء زارني اليوم. فعلق قرْبَتَه بكرب نخلة، وانطلق فجاءهم بعذْق، فقال النبي ﷺ: \"ألا كنت اجتنيت \"؟ فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم. ثم أخذ الشفرة، فقال النبي ﷺ: \"إياك والحلوب؟ \" فذبح لهم يومئذ، فأكلوا. فقال النبي ﷺ: \"لتسئلن عن هذا يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم\" (^٢).\nورواه مسلم من حديث يزيد بن كيسان، به (^٣). ورواه أبو يعلى وابن ماجه، من حديث\n_________\n(^١) في سنده يونس بن عبيد وهو مقبول. (التقريب ص ٦١٣) وعبد الله بن عيسى بن خالد الخزاز وهو ضعيف. (التقريب ص ٣١٧). فسنده ضعيف، ولبعضه شواهد كما يليه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك (ح ٢٠٣٨).","vol":"7","page":643},{"text":"[المحاربي] (^١)، عن يحيى بن عُبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بكر الصديق، به (^٢). وقد رواه أهل السنن الأربعة، من حديث عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بنحو من هذا السياق وهذه القصة.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سُرَيج، حدثنا حشرج، عن أبي نُصرة، عن أبي عسيب -يعني مولى رسول الله- قال: خرج رسول الله ﷺ ليلًا فمرَّ بي، فدعاني فخرجت إليه، ثم مرّ بأبي بكرٍ فدعاه فخرج إليه، ثم مرَّ بعمرَ فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطًا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: \"أطعمنا\". فجاء بِعذْق فوضعه، فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب، وقال: \"لتسئلن عن هذا يوم القيامة\". قال: فأخذ عُمَرُ العذْقَ فضَرب به الأرض، حتى تناثر البُسرُ قبل رسول الله ﷺ ثم قال: يا رسول الله، إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: \"نعم، إلا من ثلاثة: خرقة لفَّ بها الرجل عورته، أو كسرة سَدَّ بها جوعته، أو جحر تَدخَّل فيه من الحرِّ والقرِّ\" (^٣). تفرد به أحمد.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا عمار، سمعت جابر بن عبد الله يقول: أكل رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر رطبًا، وشربوا ماء، فقال رسول الله ﷺ: \"هذا من النعيم الذي تسألون عنه\" (^٤).\nورواه النسائي، من حديث حماد بن سلمة [عن عمار بن أبي عمار، عن جابر] (^٥)، به (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو، عن صفوان بن سليم، عن محمود بن الربيع قال: لما نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالوا: يا رسول الله، عن أي نعيم نُسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نُسأل؟ قال: \"أما إن ذلك سيكون\" (^٧).\nوقال أحمد: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا معاذ بن عبد الله بن حُبَيب، عن أبيه، عن عمه قال: كنا في مجلس فطلع علينا النبي ﷺ وعلى رأسه أثر\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"المكاري\".\n(^٢) (مسند أبي يعلى ١/ ٧٩ ح ٧٨)؛ وسنن ابن ماجه، الذبائح، باب النهي عن ذبح ذوات الدر (ح ٣١٨١)؛ وضعفه البوصيري والألباني في ضعيف سنن ابن ماجه، ويشهد له سابقه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣٤/ ٣٦٧ ح ٢٠٧٦٨) وقال محققوه: حَشرج، وهو ابن نباتة الأشجعي، مختلف فيه. اهـ. وحسنه الحافظ ابن حجر حيث قال في ترجمة أبي عسيب: أخرج له ابن منده حديثًا من رواية حشرج بن نباته عن أبي نضرة، وإسناده حسن (الإصابة ١٠/ ٢٥٤).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٢٣/ ٩٨ ح ١٤٧٨٦).\n(^٥) زيادة من (حم).\n(^٦) سنن النسائي، الوصايا، باب قضاء الدين قبل الميراث ٦/ ٢٤٦؛ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٤٠٠).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حديث حسن على اختلاف في إسناده على محمد بن عمرو. (المسند ٣٩/ ٤٧ ح ٢٣٦٤٠)؛ وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو به (المصنف ٨/ ١٣١) وسنده حسن.","vol":"7","page":644},{"text":"ماء، فقلنا: يا رسول الله، نراك طيب النفس. قال: \"أجل\". قال: ثم خاض الناس في ذكر الغنى، فقال رسول الله ﷺ: \"لا بأس بالغنى لمن اتقى الله، والصحة لمن اتقى الله خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم\" (^١).\nورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد، عن عبد الله بن سليمان، به (^٢).\nوقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا شبابة، عن عبد الله بن العلاء، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزم الأشعري قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ: \"إن أول ما يسأل عنه -يعني: يوم القيامة- العبد من النعيم أن يقال له: ألم نُصِحّ لك جسمك، ونُرْوِكَ من الماء البارد\"؟ تفرد به الترمذي (^٣). ورواه ابن حبان في صحيحه، من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء بن زَبْر، به (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا مُسَدَّد، حدثنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: لما نزلت: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قالوا: يا رسول الله، لأي نعيم نسأل عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: \"إن ذلك سيكون\" (^٥). وكذا رواه الترمذي وابن ماجه، من حديث سفيان -هو ابن عيينة- به. ورواه أحمد عنه (^٦)، وقال الترمذي: حسن.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطِّهْراني، حدثنا حفص بن عمر العَدَني، عن الحكم ابن أبان، عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾، قالت الصحابة: يا رسول الله، وأي نعيم نحن فيه، وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى الله إلى نبيه ﷺ: قل لهم: أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا محمد بن [سليمان] (^٨) بن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلى -أظنه عن عامر- عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ قال: \"الأمن والصحة\" (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند ٣٨/ ٢٢٩ ح ٢٣٦٥٨).\n(^٢) سنن ابن ماجه، التجارات، باب الحث على المكاسب (ح ٢١٤١) وصحح البوصيري سنده. (مصباح الزجاجة ٢/ ١٥٨)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٧٤١).\n(^٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه. (السنن، التفسير، باب ومن سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر] ح ٣٣٥٨)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٧٤).\n(^٤) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١٦/ ٣٦٤ (ح ٧٣٢٠).\n(^٥) سنده حسن.\n(^٦) (المسند ١/ ١٧٤)؛ وسنن الترمذي، الباب السابق ٣٣٥٦؛ وسنن ابن ماجه الزهد، باب معيشة أصحاب النبي ﷺ (ح ٤١٥٨)؛ وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٧٢).\n(^٧) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني، وإرسال عكرمة.\n(^٨) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"السلمان\".\n(^٩) في سنده محمد بن سليمان الأصبهاني: صدوق يخطئ (التقريب ص ٤٨١)، وفيه تردد في قول الراوي: أظنه =","vol":"7","page":645},{"text":"وقال زيد بن أسلم، عن رسول الله ﷺ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ يعني: شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الحلق، ولذة النوم. رواه ابن أبي حاتم بإسناده المتقدم عنه في أول السورة (^١).\nوقال سعيد بن جبير: حتى عن شربة عسل (^٢).\nوقال مجاهد، عن كل لذة من لذات الدنيا (^٣).\nوقال الحسن البصري: نعيم الغداء والعشاء.\nوقال أبو قلابة: من النعيم أكل العسل والسمن بالخبز النقي. وقول مجاهد هذا أشمل هذه الأقوال.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العباد فيما استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^٤) [الإسراء: ٣٦].\nوثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ\" (^٥).\nومعنى هذا: أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه، فهو مغبون.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا القاسم بن محمد بن يحيى المروزي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا أبو حمزة، عن ليث، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما فوق الإزار، وظل الحائط، وخُبْز، يحاسب به العبد يوم القيامة، أو يسأل عنه\" (^٦)، ثم قال: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا بَهْزُ وعفان قالا: حدثنا حماد -قال عفان في حديثه: قال إسحاق بن عبد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"يقول الله ﷿: -قال عفان: يوم\n_________\n= عن عامر، ويشهد له ما أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.\n(^١) سنده ضعيف لأنه مرسل، والراوي عنه ابنه عبد الرحمن وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق بكير بن عتيق عن سعيد بن جبير.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وكذا أبو نعيم (حلية الأولياء ٣/ ٢٨١).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٥) صحيح البخاري، الرقاق، باب ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة (ح ٦٤١٢)؛ وسنن الترمذي، الزهد، باب الصحة والفراغ (ح ٢٣٠٤)؛ وسنن ابن ماجه، الزهد، باب الحكمة (ح ٤١٧٠).\n(^٦) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٥٠٥ ح ٢٣٠١) قال الهيثمي: فيه ليث بن أبي سُليم، وقد وثق على ضعف فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح غير القاسم بن محمد بن يحيى المروزي وهو ثقة. (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٦٧).","vol":"7","page":646},{"text":"القيامة-: يابن آدم، حملتك على الخيل والإبل، وزوجتك النساء، وجعلتك تَرْبَع (^١) وترأس (^٢)، فأين شكر ذلك؟ \" (^٣). تفرد به من هذا الوجه.\nآخر تفسير سورة \"التكاثر\"، ولله الحمد [والمنّة] (^٤).\n_________\n(^١) أي: تركتك مستريحًا لا تحتاج إلى مشقة وتعب (شرح صحيح مسلم للنووي ١٨/ ١٠٣).\n(^٢) أي: جعلتك رئيس القوم وكبيرهم (المصدر السابق).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ١٦/ ٢٤٥ ح ١٠٣٧٩).\n(^٤) زيادة من (حم).","vol":"7","page":647},{"text":"<span data-type='title' id=toc-229>سُورَةُ العَصْرِ [وهي] (^١) مكية</span>\nذكروا أن عمرو بن العاص وفدَ على مسيلمة الكذاب [لعنه الله] (^٢)، [وذلك بعدما بعث رسول الله ﷺ] (^٣) وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ قال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾. ففكر مسيلمة هُنَيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها. فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وَبْر يا وَبْر، إنما أنت أذنان وصَدْر، وسائرك حفز نَقْز. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب (^٤).\nوقد رأيت أبا بكر الخرائطي أسند في كتابه المعروف بـ\"مساوئ الأخلاق\"، في الجزء الثاني منه، شيئًا من هذا أو قريبًا منه (^٥).\nوالوبْر: دويبة تشبه الهرّ، أعظم شيء فيه أذناه، وصدره وباقيه دميم. فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن، فلم يرج ذلك على عابد الأوثان في ذلك الزمان.\nوذكر الطبراني من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن حصن أبي مدينة، قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا، لم يتفرقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر \"سورة العصر\" إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر (^٦).\nوقال الشافعي ﵀: لو تدبر الناس هذه السورة، لوسعتهم.\n\n<span id=\"aya-6177\"></span>\n\n<span id=\"aya-6178\"></span>﷽\n﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾.\nالعصر: الزمان الذي يقع فيه حَركاتُ بني آدم، من خير وشر.\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم: هو العَشي (^٧)، والمشهور الأول.\n_________\n(^١) زيادة من (حم).\n(^٢) زيادة من (حم).\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ١٧.\n(^٥) مساوئ الأخلاق رقم ١٧٥، وذكر ابن شاهين قصة مسيلمة. (ينظر: الإصابة ٣/ ٢٢٥).\n(^٦) المعجم الأوسط ٥/ ٢١٥ (ح ٥١٢٤)، وسنده مرسل.\n(^٧) سنده صحيح.","vol":"7","page":648},{"text":"فأقسم تعالى بذلك على أن الإنسان لفي خسر؛ أي: في خسارة وهلاك،\n\n<span id=\"aya-6179\"></span>﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ وهو أداء الطاعات، وترك المحرمات، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ على المصائب والأقدار، وأذى مَن يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر.\nآخر تفسير سورة \"العصر\"، ولله الحمد والمنة.","vol":"7","page":649},{"text":"<span data-type='title' id=toc-230>سُورَةُ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ وهي مكية</span>\n\n<span id=\"aya-6180\"></span>﷽\n﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾.\nالهماز: بالقول، واللماز: بالفعل. يعني: يزدري بالناس وينتقص بهم. وقد تقدم بيان ذلك في قوله: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم].\nقال ابن عباس: ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ طعان معياب (^١).\nوقال الربيع بن أنس: الهُمَزة، يهمزه في وجه، واللمزة من خلفه (^٢).\nوقال قتادة: يهمزه ويلمزه بلسانه وعينه، ويأكل لحوم الناس، ويطعنُ عليهم (^٣).\nوقال مجاهد: الهمزة: باليد والعين، واللمزةُ: باللسان (^٤). وهكذا قال ابن زيد (^٥).\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم: هُمَزة لحوم الناس (^٦).\nثم قال بعضهم: المراد بذلك الأخنس بن شَرِيق (^٧). وقيل غيره (^٨). وقال مجاهد: هي عامة (^٩).\n\n<span id=\"aya-6181\"></span>وقوله: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢)﴾ أي: جمعه بعضه على بعض، وأحصى عدده كقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ [المعارج]. قاله السدي، وابن جرير (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بلفظ: \"طعان مغتاب\".\n(^٢) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: \"الهُمزة باليد واللُّمزة باللسان\".\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) سنده صحيح.\n(^٧) ذكره الطبري من غير سند، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن السدي.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند مرسل من طريق ابن أبي نجيح عن رجل نزلت في جميل بن عامر الجُمحي.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١٠) ذكره الطبري بنحوه، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن السدي.","vol":"7","page":650},{"text":"وقال محمد بن كعب في قوله: ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾: ألهاه ماله بالنهار، هذا إلى هذا، فإذا كان الليل، نام كأنه جيفة.\n\n<span id=\"aya-6182\"></span>وقوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ أي: يظن أن جمعه المال يخلده في هذه الدار؟\n\n<span id=\"aya-6183\"></span>\n\n<span id=\"aya-6184\"></span>\n\n<span id=\"aya-6185\"></span>\n\n<span id=\"aya-6186\"></span>﴿كَلَّا﴾ أي: ليس الأمر كما زعم ولا كما حسب. ثم قال تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ أي: ليلقين هذا الذي جمع مالًا فعدده (^١) في الحطمة وهي اسم من أسماء النار صفة؛ لأنها تحطم من فيها. ولهذا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾.\nقال ثابت البناني: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء، ثم يقول: لقد بلغ منهم العذاب، ثم يبكي.\nوقال محمد بن كعب: تأكل كل شيء من جسده، حتى إذا بلغت فؤاده حَذْوَ حلقه ترجع على جسده.\n\n<span id=\"aya-6187\"></span>وقوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾ أي: مطبقة كما تقدم تفسيره في سورة البلد (^٢).\nوقال ابن مَرْدُويه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا علي بن سراج، حدثنا عثمان بن [خَرزَاذ] (^٣)، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾ قال: \"مطبقة\" (^٤).\nوقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن أسيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح قوله ولم يرفعه (^٥).\n\n<span id=\"aya-6188\"></span>﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ قال عطية العوفي (^٦): عمد من حديد.\nوقال السُّدِّي (^٧): من نار.\nوقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ يعني: الأبواب هي الممدودة (^٨).\nوقال قتادة: في قراءة عبد الله بن مسعود: \"إنها عليهم مؤصدة بعمد ممدة\" (^٩).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: أدخلهم في عَمَد فمدت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب (^١٠).\nوقال قتادة: كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار (^١١). واختاره ابن جرير.\nوقال أبو صالح: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ يعني: القيود الطوال (^١٢).\nآخر تفسير سورة ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٢) آية ٢٠.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: جردار.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البلد آية ٢٠.\n(^٥) سنده جيد.\n(^٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن عطية.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن السدي.\n(^٨) سنده حسن، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(^٩) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وسنده منقطع لأن قتادة لم يسمع من ابن مسعود، والقراءة شاذة تفسيرية.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^١١) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل.\n(^١٢) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"7","page":651},{"text":"<span data-type='title' id=toc-231>سُورَةُ الْفِيلِ وهي مكية</span>\n\n<span id=\"aya-6189\"></span>\n\n<span id=\"aya-6190\"></span>\n\n<span id=\"aya-6191\"></span>\n\n<span id=\"aya-6192\"></span>﷽\n﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾.\nهذه من النعم التي امتنَّ الله بها على قريش، فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضلَّ عملهم، وَرَدهم بشر خيبة. وكانوا قومًا نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالًا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان. ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال، ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم -يا معشر قريش- على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأُمي محمد، صلوات الله وسلامه عليه، خاتم الأنبياء.\nوهذه قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب، قد تقدم (^١) في قصة أصحاب الأخدود: أن ذا نُوَاس -وكان آخر ملوك حمير، وكان مشركًا- هو الذي قتل أصحاب الأخدود، وكانوا نصارى، وكانوا قريبًا من عشرين ألفًا، فلم يفلت منهم إلا دَوس ذو ثعلبان، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام -وكان نصرانيًّا- فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة؛ لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين: أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم، في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار، واستلبوا الملك من حمير، وهلك ذو نواس غريقًا في البحر. واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران: أرياط وأبرهة، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا، فقال أحدهما للآخر: إنه لا حاجة بنا إلى اصطدام الجيشين بيننا، ولكن أبرز إلي وأبرز إليك، فأينا قتل الآخر، استقل بعده بالملك. فأجابه إلى ذلك فتبارزا، وخَلْفَ كل واحد منهما قناة، فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف، فشرم أنفه وفمه وشق وجهه، وحمل عَتَوْدَة مولى أبرهة على أرياط فقتله، ورجع أبرهة جريحًا، فداوى جرحه فَبَرأ، واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن. فكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه، ويتوعده ويحلف ليطأن بلاده\n_________\n(^١) تقدم ذكر القصة مختصرًا في تفسير سورة البروج ١ - ١٠. وقصة أصحاب الفيل سردها ابن هشام. (السيرة النبوية ١/ ٤١ - ٥٧).","vol":"7","page":652},{"text":"ويجزن ناصيته. فأرسل إليه أبرهة يترقق له ويصانعه، وبعث مع رسوله بهدايا وتحف، وبجراب فيها من تراب اليمن، وجزَّ ناصيته فأرسلها معه، ويقول في كتابه: ليطأ الملك على هذا الجراب، فيبرّ قسمه، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك. فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه، ورضي عنه، وأقره على عمله. وأرسل أبرهة يقول للنجاشي: إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يُبْنَ قبلها مثلها. فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء، رفيعة البناء، عالية الفناء، مزخرفة الأرجاء؛ سمتها العرب: القُلَّيس؛ لارتفاعها؛ لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها. وعزم أبرهة الأشرمُ على أن يصرف حَجّ العرب إليها كما يُحَج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته، فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك، وغضبت قريش لذلك غضبًا شديدًا، حتى قصدها بعضهم، وتوصل إلى أن دخلها ليلًا. فأحدث فيها وكرّ راجعًا. فلما رأى السدنة ذلك الحدث، رفعوا أمرهم إلى ملكهم أبرهة، وقالوا له: إنما صنع هذا بعض قريش غضبًا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به، فأقسم أبرهة ليسيرنَّ إلى بيت مكة، وليخربنَّه حَجرًا حَجرًا.\nوذكر مقاتل بن سليمان أن فتية من قريش دخلوها فأججوا فيها نارًا، وكان يومًا فيه هواء شديد فأحرقته، وسقطت إلى الأرض.\nفتأهَّب أبرهة لذلك، وصار في جيش كثيف عَرَمرم؛ لئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه فيلًا عظيمًا كبير الجثة لم ير مثله، يقال له: محمود، وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك. ويقال: كان معه أيضًا ثمانية أفيال. وقيل: اثنا عشر فيلًا. وقيل غيره، والله أعلم. يعني ليهدم به الكعبة، بأن يجعل السلاسل في الأركان، وتوضع في عُنُق الفيل، ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة. فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدًّا، ورأوا أن حقًّا عليهم المحاجبة دون البيت، وَرَد من أراده بكيد. فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: \"ذو نَفْر\" فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله، وما يريده من هدمه وخرابه. فأجابوه وقاتلوا أبرهة، فهزمهم لما يريده الله ﷿، من كرامة البيت وتعظيمه، وأسر \"ذو نُفْر\" فاستصحبه معه. ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم، فعَرَض له نُفَيل بن حَبيب الخَثْعمي في قومه: شهران وناهس، فقاتلوه، فهزمهم أبرهة، وأسر نُفَيل بن حبيب، فأراد قتله ثم عفا عنه، واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز. فلما اقترب من أرض الطائف، خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم، الذي عندهم، الذي يسمونه اللَّات.\nفأكرمهم وبعثوا معه \"أبا رغَال\" دليلًا. فلما انتهى أبرهة إلى المُغَمّس -وهو قريب من مكة- نزل به وأغار جيشه على سَرْح أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه. وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب. وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة، وكان يقال له: \"الأسود بن مَفْصود\" فهجاه بعض العرب -فيما ذكره ابن إسحاق (^١) - وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجيء لقتالكم إلا أن تَصدُّوه عن البيت. فجاء حناطة فَدُل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب:\n_________\n(^١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٥١ - ٥٢.","vol":"7","page":653},{"text":"والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبينه، فوالله ما عندنا دَفْع عنه. فقال له حناطة: فاذهب معي إليه. فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجله، وكان عبد المطلب رجلًا جميلًا حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه: قل له: حاجَتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يردَّ عليَّ الملك مائتي بعير أصابها لي. فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زَهِدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه؟! فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني! قال: أنت وذاك.\nويقال: إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، وردَّ أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة، والتحصن في رؤوس الجبال، تخوفًا عليهم من مَعرة الجيش. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:\nلاهُمَّ إنَّ المرء يمـ … ـنَعُ رَحْلَه فامْنع حِلالَك\nلا يغلبنَّ صَلِيبُهم … ومحَالُهم غدوًا مِحَالك (^١)\nقال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حَلْقة الباب، ثم خرجوا إلى رؤوس الجبال (^٢).\nوذكر مقاتل بن سليمان أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مُقَلَّدة، لعلَّ بعض الجيش ينال منها شيئًا بغير حق، فينتقم الله منه.\nفلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله -وكان اسمه محمودًا- وعبأ جيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه ثم أخذ بأذنه وقال: \"أبرك محمود، أو ارجع راشدًا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام\". ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل. وخرج نفيل بن حبيب يَشتد حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى. فضربوا في رأسه بالطبرزين وأدخلوا محاجن لهم في مَرَاقه فبزغوه بها ليقوم، فأبى: فوجهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف والبَلَسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعَدسَ، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق هذا. ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز، ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول:\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس بنحوه؛ وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. (المستدرك ٢/ ٥٣٥).\n(^٢) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٥٢، وذكره الطبري أيضًا.","vol":"7","page":654},{"text":"أينَ المَفَرُّ؟ والإلهُ الطَّالب … والأشرمُ المغلوبُ غير الغالب (^١)\nقال ابن إسحاق: وقال نُفَيل في ذلك أيضًا:\nألا حُييت عَنا يا رُدَينا … نَعمْناكُم مَعَ الإصبَاح عَينَا\nرُدَينةُ، لَو رأيت -وَلا تَرَيْه … لَدَى جَنْب المحصّب- ما رَأينَا\nإذًا لَعَذَرتني وَحَمَدَت أمْري … وَلَم تأسى عَلَى مَا فات بَيْنَا\nحَمدتُ الله إذا أبصَرتُ طيرًا … وَخفْتُ حجارة تُلقَى عَلَينا\nفَكُلّ القوم يَسألُ عَن نُفَيل .... كَأنَّ عليّ للحُبْشَان دَينَا!\nوذكر الواقدي بأسانيده أنهم لما تعبؤوا لدخول الحرم وهيؤوا الفيل، جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب [فيها] (^٢)، فإذا وجهوه إلى الحرم رَبَض وصاح. وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه، ليقهر الفيل على دخول الحرم. وطال الفصل في ذلك. هذا وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة، منهم المطعم بن عدي، وعمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، ومسعود [بن عمرو] (^٣) الثقفي، على حراء ينظرون إلى ما الحبشة يصنعون، وماذا يلقون من أمر الفيل، وهو العجب العجاب. فبينما هم كذلك، إذ بعث الله عليهم طيرًا أبابيل؛ أي: قطَعًا قِطَعًا صفرًا دون الحمام، وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاث أحجار، وجاءت فحلقت عليهم، وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا.\nوقال محمد بن كعب: جاؤوا بفيلين فأما محمود فَرَبض، وأما الآخر فَشَجُع فحُصِب.\nوقال وهب بن مُنَبِّه: كان معهم فيلة، فأما محمود -وهو فيل الملك- فربض، ليقتدي به بقية الفيلة، وكان فيها فيل تَشَجّع فحُصِب، فهربت بقية الفيلة.\nوقال عطاء بن يَسَار، وغيره: ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة، بل منهم من هلك سريعًا، ومنهم من جعل يتساقط عضوًا عضوًا وهم هاربون، وكان أبرهة ممن يتساقط عضوًا عضوًا، حتى مات ببلاد خثعم.\nقال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، وأُصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنْمُلة أنْمُلة، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون.\nوذكر مقاتل بن سليمان: أن قريشًا أصابوا مالًا جزيلًا من أسلابهم، وما كان معهم، وإن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة.\nوقال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عُتْبَة: أنه حُدث أن أول ما رؤيت الحَصبة والجُدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤي به مَرائر الشجر الحَرْمل، والحنظل والعُشر، ذلك العام.\nوهكذا روي عن عكرمة، من طريق جيد.\n_________\n(^١) المصدر السابق ١/ ٥٣ وتفسير الطبري.\n(^٢) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"7","page":655},{"text":"قال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمدًا ﷺ كان فيما يَعُد به على قريش من نعمه عليهم وفضله، ما رَدّ عنهم من أمر الحبشة، لبقاء أمرهم ومدتهم، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾. ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش] أي: لئلا يغير شيئًا من حالهم التي كانوا عليها، لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه.\nقال ابن هشام: الأبابيل: الجماعات، ولم تتكلم العرب بواحدة. قال: وأما السجيل، فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب: الشديد الصلب. قال: وذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية، جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنما هو سَنْج وجل يعني بالسنج: الحجر، والجِلَ: الطين. يقول: الحجارة من هذين الجنسين: الحجر والطين. قال: والعصفُ: ورقُ الزرع الذي لم يُقضب، واحدته عصفة. انتهى ما ذكره (^١).\nوقد قال حماد بن سلمة: عن عاصم، عن زرٍّ، عن عبد الله -وأبو سلمة بن عبد الرحمن-: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ قال: الفِرَق (^٢).\nوقال ابن عباس، والضحاك: أبابيل يتبع بعضها بعضًا (^٣).\nوقال الحسن البصري، وقتادة: الأبابيل: الكثيرة (^٤).\nوقال مجاهد: ﴿أَبَابِيلَ﴾: شتى متتابعة مجتمعة (^٥).\nوقال ابن زيد: الأبابيل: المختلفة، تأتي من هاهنا، ومن هاهنا، أتتهم من كل مكان (^٦).\nوقال الكسائي: سمعت بعض النحويين يقول: واحد الأبابيل: إبيل (^٧).\nوقال ابن جرير: [حدثنا ابن المثنى] (^٨)، حدثني عبد الأعلى، حدثني داود، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل؛ أنه قال في قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣)﴾ هي: الأقاطيع، كالإبل المؤبَّلة (^٩).\n_________\n(^١) السيرة النبوية ١/ ٥٤ - ٥٥.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق يحيى بن سعيد عن حماد بن سلمة به، وسنده حسن؛ وأخرجه البيهقي من طريق حماد بن سلمة به. (دلائل النبوة ١/ ١٢٣).\n(^٣) أخرجه الطبري والبيهقي من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وسنده ثابت؛ وأخرجه الطبري من طريق عن الضحاك بسند فيه إبهام شيخ الطبري، ويتقوى بسابقه.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الفضل عن الحسن، ومعناه صحيح ويتقوى بسابقه ولاحقه. والفضل هو ابن دلهم البصري يروي عن الحسن ويروي عنه وكيع وهو لين. (التقريب ص ٤٤٦، والتهذيب ٨/ ٢٧٦ - ٢٧٧)؛ وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٧) ذكره الطبري عن الكسائي بنحوه وأطول.\n(^٨) زيادة من تفسير الطبري.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.","vol":"7","page":656},{"text":"وحدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عباس: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣)﴾ قال: لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب (^١).\nوحدثنا يعقوب، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا حصين، عن عكرمة في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ قال: كانت طيرًا خضرًا خرجت من البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع (^٢).\nوحدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ قال: هي طير سود بحرية، في مناقيرها وأظافيرها الحجارة (^٣).\nوهذه أسانيد صحيحة.\nوقال سعيد بن جبير: كانت طيرًا خضرًا لها مناقير صفر، تختلف عليهم (^٤).\nوعن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء: كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها: عَنقاء مُغْرب. رواه عنهم ابن أبي حاتم (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير، قال: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل، بعث عليهم طيرًا أنشئت من البحر، أمثال الخطاطيف، كل طير منها تحمل ثلاثة أحجار مُجَزعة: حجرين في رجليه وحجرًا في منقاره. قال: فجاءت حتى صفت على رؤوسهم، ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إلا وخرج من الجانب الآخر. وبعث الله ريحًا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعًا (^٦).\nوقال السُّدِّي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ قال: طين في حجارة: \"سَنْكَ ووِكل\" (^٧) وقد قدمنا بيان ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا.\n\n<span id=\"aya-6193\"></span>وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ قال سعيد بن جبير: يعني التبن الذي تسميه العامة: هبور (^٨). وفي رواية عن سعيد: ورق الحنطة (^٩). وعنه أيضًا: العصف: التبن. والمأكول: القصيل يجز للدواب. وكذلك قال الحسن البصري.\nوعن ابن عباس: العصف: القشرة التي على الحبة (^١٠)، كالغلاف على الحنطة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس ﵄.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو شبيه بالمرسل.\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو شبيه بالمرسل.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق عطاء بن السائب، وهو شبيه بالمرسل.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٦) سنده شبيه بالمرسل.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي به.\n(^٨) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي نعيم في دلائل النبوة عن ابن عباس بلفظ: \"الهيور، عصافة الزرع\".\n(^٩) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد والفريابي وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظ: \"الذي يكون فوق البُرِّ، هو لحاء البُرِّ\".","vol":"7","page":657},{"text":"وقال ابن زيد: العصف: ورق الزرع، وورق البقل، إذا أكلته البهائم فراثته، فصار دَرينا (^١).\nوالمعنى: أن الله ﷾، أهلكهم ودمرهم، وردهم بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيرًا، وأهلك عامتهم، ولم يرجع منهم بخبر إلا وهو جريح، كما جرى لملكهم أبرهة، فإنه انصاع صَدْرُه عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء، وأخبرهم بما جرى لهم، ثم مات. فملك بعده ابنه يكسُوم، ثم من بعده أخوه مسروق بن أبرهة (^٢). ثم خرج سيف بن ذي يَزَن الحميري إلى كسرى فاستعانه على الحبشة، فأنفذ معه من جيوشه فقاتلوا معه، فردَّ الله إليهم ملكهم، وما كان في آبائهم من الملك، وجاءته وفود العرب للتهنئة.\nوقد قال محمد بن إسحاق: حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مُقعَدَين، يستطعمان (^٣). ورواه الواقدي، عن عائشة مثله. ورواه أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: كانا مقعدين يستطعمان الناس، عند إساف ونائلة، حيث يذبح المشركون ذبائحهم.\nقلت: كان اسم قائد الفيل: أنيسًا.\nوقد ذكر الحافظ أبو نعيم في كتاب \"دلائل النبوة\" من طريق ابن وهب، عن ابن لَهِيعة، عن عقيل بن خالد، عن عثمان بن المغيرة قصة أصحاب الفيل، ولم يذكر أن أبرهة قدم من اليمن، وإنما بعث على الجيش رجلًا يقال له: شمر بن مفصود، وكان الجيش عشرين ألفًا، وذكر أن الطير طرقتهم ليلًا، فأصبحوا صرعى (^٤).\nوهذا السياق غريب جدًّا، وإن كان أبو نُعيْم قد قواه ورَجحه على غيره. والصحيح أن أبرهة الأشرم الحبشي قدم مكة كما دلَّ على ذلك السياقات والأشعار. وهكذا روى ابن لَهِيعة، عن الأسود، عن عُرْوَة: أن أبرهة بعث الأسود بن مفصود على كتيبة معهم الفيل، ولم يذكر قدوم أبرهة نفسه، والصحيح قدومه، ولعل ابن مفصود كان على مقدمة الجيش، والله أعلم.\nثم ذكر ابن إسحاق شيئًا من أشعار العرب، فيما كان من قصة أصحاب الفيل، فمن ذلك شعر عبد الله بن الزبعري:\nتَنَكَّلُوا عن بطن مَكَّةَ إنها … كانتْ قديمًا لا يُرَام حَريمها\nلم تُخلَق الشِّعرَى ليالي حُرّمتْ … إذ لا عزيزَ من الأنام يَرُومها\nسائل أميرَ الجيش عنها ما رَأى؟ … فلسوفَ يُنبي الجاهلين عليمها\nستونَ ألفًا لم يَؤُوبوا أرضَهم … بل لم يعش بعد الإياب سقيمها\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٢) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦١.\n(^٣) أخرجه ابن إسحاق بسنده ومتنه وفي آخره: يستطعمان الناس. (المصدر السابق ١/ ٥٧) وسنده صحيح، وعبد الله بن أبي بكر هو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري يروي عن عمرة ويروي عن ابن إسحاق. (تهذيب التهذيب ٥/ ١٦٤، ١٦٥).\n(^٤) أخرجه أبو نعيم (دلائل النبوة ص ١٠١) وعقيل بن خالد لم أقف على ترجمة له، واستغرب متنه الحافظ ابن كثير.","vol":"7","page":658},{"text":"كانتْ بها عادٌ وجُرْهُم قبلهم … واللهُ من فوق العباد يُقيمها (^١)\nوقال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري المدني:\nومن صُنْعه يوم فيل الحُبُو … ش، إذ كل ما بَعَثُوه رَزْم\nمحاجنهم تحت أقرانه … وقد شَرَموا أنفه فانخرم\nوقد جعلوا سوطه مغولًا … إذا يَمَّمُوه قَفَاه كُليم\nفولى وأدبر أدراجه … وقد باء بالظلم من كان ثَمَّ\nفأرسل من فوقهم حاصبًا … يَلُفهُم مثْلَ لَفّ القزُم\nتحث على الصَّبر أحبارُهم … وَقَد تأجُوا كَثؤاج الغَنَم (^٢)\nوقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، ويُروى لأُمية بن الصلت بن أبي ربيعة:\nإن آيات رَبِّنا بَاقياتٌ … مَا يُمَاري فيهنَّ إلا الكفورُ\nخُلِقَ الليلُ النَّهارُ فَكُلّ … مستبينٌ حسابُه مَقْدُورُ\nثم يجلو النَّهارَ ربٌّ رحيمٌ … بمهاة شُعَاعها منشورُ\nحُبِسَ الفيلُ بالمُغمَّس حَتَّى … صار يَحْبُو، كأنه معقورُ\nلازمًا حَلقُه الجرانَ كما قُطِّر … من ظَهْر كَبْكب مَحدُورُ\nحَوله من مُلُوك كِندَة أَبطالُ … مَلاويثُ في الحُرُوب صُقُورُ\nخَلَّفُوه ثم ابذَعرّوا جَميعًا، … كُلّهم عَظْمُ ساقه مَكْسُورُ\nكُلّ دين يَومَ القِيَامَة عندَ الـ … ـلّه إلا دِينُ الحَنِيفَة بورُ (^٣)\nوقد قدمنا في تفسير \"سورة الفتح\" أن رسول الله ﷺ لما أطلَّ يوم الحديبية على الثنيَّة التي تهبط به على قريش، بركت ناقته، فزجروها فألحَّت، فقالوا: خلأت القصواء؛ أي: حَرَنت. فقال رسول الله ﷺ: \"ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل\". ثم قال: \"والذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم خطة يُعَظمون فيها حُرُمات الله، إلا أجبتهم إليها\". ثم زجرها فقامت. والحديث من أفراد البخاري (^٤).\nوفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: \"إن الله حبس عن مكة الفيل، وسَلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حُرمَتُها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب\" (^٥).\nآخر تفسير سورة \"الفيل\"، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٥٧.\n(^٢) المصدر السابق ١/ ٥٨.\n(^٣) المصدر السابق ١/ ٦٠.\n(^٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفتح آية ٢٦.\n(^٥) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁. (صحيح البخاري، العلم، باب كتابة العلم ح ١١٢؛ وصحيح مسلم، الحج، باب تحريم مكة ح ١٣٥٥).","vol":"7","page":659},{"text":"<span data-type='title' id=toc-232>سُورَةُ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ وهي مكية</span>\nذُكِر حديث غريب في فضلها: قال البيهقي في كتاب \"الخلافيات\": حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي بمرو، حدثنا أحمد بن عُبَيد الله [النرسي] (^١)، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ثابت بن شرحبيل، حدثني عثمان بن عبد الله بن أبي [عتيق] (^٢)، عن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة، عن أبيه، عن جدته أُم هانئ بنت أبي طالب؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"فضل الله قريشًا بسبع خلال: أني منهم، وأن النبوة فيهم، والحجابة، والسقاية فيهم، وأن الله نصرهم على الفيل، وأنهم عبدوا الله ﷿، عشر سنين لا يعبده غيرهم، وأن الله أنزل فيهم سورة من القرآن\" ثم تلاها رسول الله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-6194\"></span>\n\n<span id=\"aya-6195\"></span>﷽\n﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾.\nهذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ وإن كانت متعلقة بما قبلها. كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين (^٤).\nوقيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم؛ لعظمتهم عند الناس، لكونهم سكان حرم الله، فمن عَرَفهم احترمهم، بل من صوفي إليهم وسار معهم أمن بهم. هذا حالهم فِي أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم. وأما في حال إقامتهم في البلد، فكما قال الله: ﴿أَوَلَمْ\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: المديني.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: عبيد.\n(^٣) أخرجه الحاكم عن بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي به؛ وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: يعقوب ضعيف، وإبراهيم صاحب مناكير. (المستدرك ٢/ ٥٣٦).\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بمعناه.","vol":"7","page":660},{"text":"يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. ولهذا قال: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ﴾ بدل من الأول ومفسر له. ولهذا قال: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾.\nوقال ابن جرير: الصواب أن \"اللام\" لام التعجب، كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش [ونعمتي عليهم] (^١) في ذلك. قال: وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان (^٢).\n\n<span id=\"aya-6196\"></span>ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ أي: فليوحدوه بالعبادة، كما جعل لهم حرمًا آمنًا وبيتًا محرمًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ [النمل].\n\n<span id=\"aya-6197\"></span>وقوله: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ أي: هو ربُّ البيت، وهو الذي أطعمهم من جوع،\n﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ أي: تفضل عليهم بالأمن والرخص، فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له،\nولا يعبدوا من دونه صنمًا ولا ندًّا ولا وثنًا. ولهذا من استجاب لهذا الأمر جَمَعَ الله له بين أمن\nالدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾ [النحل].\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن عمرو العَدَني، حدثنا قَبِيصة، حدثنا سفيان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ويل أُمكم، قريش، لإيلاف قريش\" (^٣).\nثم قال: حدثنا أبي، حدثنا المؤَمَّل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى -يعني ابن يونس- عن عُبَيد الله بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أُسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾ ويحكم يا معشر قريش، اعبدوا ربَّ هذا البيت \"الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف\".\nهكذا رأيته عن أُسامة بن زيد، وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن، أُم سلمة الأنصارية ﵂ (^٤). فلعله وقع غلط في النسخة أو في أصل الرواية، والله أعلم.\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه مطولًا.\n(^٣) سنده ضعيف لما قيل في شهر بن حوشب وليث، وهو ابن أبي سليم.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق عيسى بن يونس به عن أسماء بنت يزيد بن السكن، وضعفه محققوه لضعف شهر بن حوشب. (المسند ٤٥/ ٥٨١ ح ٢٧٦٠٧) وهذا يؤكد ما ذهب إليه الحافظ ابن كثير أن الصواب عن أسماء بنت يزيد بن السكن.","vol":"7","page":661},{"text":"<span data-type='title' id=toc-233>تفسير السورة التي يذكر فيها الماعون (^١) [وهي] (^٢) مكية</span>\n\n<span id=\"aya-6198\"></span>﷽\n﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يا محمد ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾؟ وهو: المعاد والجزاء والثواب،\n\n<span id=\"aya-6199\"></span>﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾ أي: هو الذي يقهر اليتيم ويظلمه حقه، ولا يطعمه ولا يحسن إليه،\n\n<span id=\"aya-6200\"></span>﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨)﴾ [الفجر] يعني: الفقير الذي لا شيء له يقوم بأوده وكفايته.\n\n<span id=\"aya-6201\"></span>\n\n<span id=\"aya-6202\"></span>\n\n<span id=\"aya-6203\"></span>ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ قال ابن عباس، وغيره: يعني المنافقين، الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر (^٣).\nولهذا قال: ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾ أي: الذين هم من أهل الصلاة وقد التزموا بها، ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية، كما قاله ابن عباس، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعًا، فيخرجها عن وقتها بالكلية، كما قاله مسروق، وأبو الضحى (^٤).\nوقال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ولم يقل: في صلاتهم ساهون (^٥).\nوإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائمًا أو غالبًا. وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به. وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل هذا كله، ولكل من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية. ومن اتصف بجميع ذلك، فقد تمَّ نصيبه منها، وكمل\n_________\n(^١) هكذا جاء عنوان السورة وهي طريقة ابن أبي حاتم في تفسيره.\n(^٢) زيادة من (حم).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي الضحى عن مسروق.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمر بن سليمان عن عطاء بن دينار بدون قوله: ولم يقل في صلاتهم ساهون. ولعله سقط هذا النص.","vol":"7","page":662},{"text":"له النفاق العملي. كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يَرْقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْنَي الشيطان قام فَنَقَرَ أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا\" (^١). فهذا أَخَّرَ صلاة العصر التي هي الوسطى -كما ثبت به النصُّ- إلى آخر وقتها، وهو وقت كراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب، لم يطمئن ولا خَشَع فيها أيضًا؛ ولهذا قال: \"لا يذكر الله فيها إلا قليلًا\". ولعله إنما حمله [على] (^٢) القيام إليها مراءاة الناس لا ابتغاء وجه الله، فهو إذًا لم يصل بالكلية. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء]. وقال هاهنا: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾.\nوقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبد ربه البغدادي، حدثني أبي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"إن في جهنم لواديًا، تستعيذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة مرة، أعدَّ ذلك الوادي للمرائين من أمة محمد: لحامل كتاب الله، وللمصَدِّق في غير ذات الله، وللحاج إلى بيت الله، وللخارج في سبيل الله\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة قال: كنا جلوسًا عند أبي عبيدة فذكروا الرياء، فقال رجل يكنى بأبي يزيد: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من سَمَّع الناس بعمله، سَمَّع الله به سامعَ خلقه، وحَقَّره وصَغَّره\" (^٤).\nورواه أيضًا عن غُنْدَر ويحيى القطان، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، فذكره (^٥).\nومما يتعلق بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾ أن من عمل عملًا لله فاطَّلع عليه الناس، فأعجبه ذلك، أن هذا لا يعد رياء، والدليل على ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا مخلد بن يزيد، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: كنت أصلي، فدخل عليَّ رجل، فأعجبني ذلك، فذكرته لرسول الله ﷺ، فقال: \"كُتب لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية\" (^٦).\nقال أبو علي هارون بن معروف: بلغني أن ابن المبارك قال: نعم الحديثُ للمرائين.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أنس ﵁. (الصحيح، المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالعصر ح ٦٦٢).\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"إلى\".\n(^٣) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٢/ ١٧٥ ح ١٢٨٠٣) وفي سنده عبد الوهاب بن عطاء وهو الخفاف: صدوق ربما أخطأ. (التقريب ص ٣٦٨) وذكر الهيثمي أنه لم يعرف شيخ الطبراني وأباه. (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٢٥) وقال المنذري: رفع حديث ابن عباس غريب ولعله موقوف. (الترغيب والترهيب ١/ ٦٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح المحققون سنده. (المسند ١١/ ٥٦٦ ح ٦٩٨٦).\n(^٥) المسند ١١/ ٤٣٠ ح ٦٨٣٩ وصحح المحققون سنده.\n(^٦) سنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير كما في التقريب وقد روي من طرق أخرى كما سيأتي.","vol":"7","page":663},{"text":"وهذا حديث غريب من هذا الوجه، [وسعيد بن بشير] (^١) متوسط، وروايته عن الأعمش عزيزة. وقد رواه غيره عنه.\nقال أبو يعلى أيضًا: حدثنا محمد بن المثنى بن موسى، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو سنان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل يسره، فإذا اطلع عليه أعجبه. قال: قال رسول الله ﷺ: \"له أجران: أجر السر وأجر العلانية\" (^٢).\nوقد رواه الترمذي عن محمد بن المثنى، وابن ماجه عن بُنْدَار، كلاهما عن أبي داود الطيالسي، عن أبي سنان الشيباني -واسمه: ضرار بن مرة (^٣) -. ثم قال الترمذي: غريب، وقد رواه الأعمش وغيره. عن حبيب، عن أبي صالح مرسلًا (^٤).\nوقد قال أبو جعفر بن جرير: حدثني أبو كُرَيْب، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان النحوي، عن جابر الجعفي، حدثني رجل، عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ قال: \"الله أكبر، هذا خير لكم من أن لو أعطي كل رجل منكم مثل جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يَرْجُ خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه\" (^٥).\nفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، وشيخه مُبهم لم يُسَم، والله أعلم.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثني زكريا بن أبان المصري، حدثنا عمرو بن طارق، حدثنا عِكْرِمة بن إبراهيم، حدثني عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول الله ﷺ عن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ قال: \"هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها\" (^٦).\nوتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية، أو صلاتها بعد وقتها شرعًا، أو تأخيرها عن أول الوقت [سهوًا عنها حتى ضاع] (^٧) الوقت.\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"سعيد بن جبير\".\n(^٢) أخرجه الطيالسي عن أبي سنان سعيد بن سنان به. (المسند ص ٣١٨ ح ٢٤٣٠) وفي سنده سعيد بن سنان صدوق له أوهام. (التقريب ص ٢٣٧) وحبيب بن أبي ثابت كثير التدليس والإرسال. (التقريب ص ١٥٠) وقد روي مرفوعًا ومرسلًا عن أبي صالح كما يلي، وهذا من صنيع حبيب أو أبي سنان.\n(^٣) بل اسمه سعيد بن سنان كما صرح الطيالسي في الرواية السابقة.\n(^٤) سنن الترمذي، الزهد، باب عمل السر (ح ٢٣٨٤) وتتمة كلام الترمذي: وأصحاب الأعمش لم يذكروا فيه عن أبي هريرة؛ وسنن ابن ماجه الزهد، باب الثناء الحسن (ح ٤٢٢٦)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للعلتين اللتين ذكرهما الحافظ ابن كثير.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف قال أبو زرعة: هذا خطأ والصحيح موقوف. (ينظر: العلل لابن أبي حاتم ١/ ١٨٧ - ١٨٨). وفي سنده عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف. (ينظر: لسان الميزان ٤/ ١٨١).\n(^٧) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"7","page":664},{"text":"وكذا رواه الحافظ أبو يعلى بن شيبان بن فَرُّوخ، عن عكرمة بن إبراهيم، به. ثم رواه عن أبي الربيع، [عن جابر] (^١)، عن عاصم، عن مصعب، عن أبيه موقوفًا. وهذا أصح إسنادًا، وقد ضعف البيهقي رفعه، وصحح وقفه، وكذلك الحاكم (^٢).\n\n<span id=\"aya-6204\"></span>وقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ أي: لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ويستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم. فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القُرُبات أولى وأولى. وقد قال ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: قال علي: الماعون: الزكاة (^٣). وكذا رواه السدي، عن أبي صالح، عن علي (^٤). وكذا روي من غير وجه عن ابن عمر. وبه يقول محمد ابن الحنفية، وسعيد بن جبير، وعِكْرِمة، ومجاهد، وعطاء، وعطية العوفي، والزهري، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن زيد (^٥).\nوقال الحسن البصري: إن صلى راءى، وإن فاتته لم يأس عليها، ويمنع زكاة ماله (^٦). وفي لفظ: \"صدقة ماله\".\nوقال زيد بن أسلم: هم المنافقون، ظهرت الصلاة فصلوها، وضَمَنت الزكاة فمنعوها (^٧).\nوقال الأعمش وشعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار: أن أبا العبيدين سأل عبد الله بن مسعود عن الماعون، فقال: هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس، والقدر، والدلو (^٨).\n[وقال المسعودي، عن سلمة بن كُهَيْل، عن أبي العُبَيدين: أنه سأل ابنُ مسعود عن الماعون، فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم، من الفأس والقدر] (^٩)، والدلو، وأشباه ذلك (^١٠).\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي العُبَيدين وسعد بن عياض، عن عبد الله قال: كنا أصحاب رسول الله ﷺ نتحدث أن الماعون الدلوُ، والفأس، والقدر، لا يستغنى عنهن (^١١).\nوحدثنا خلاد بن أسلم، أخبرنا النضر بن شُمَيْل، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت سعدَ بن عياض يحدث عن أصحاب النبي ﷺ مثله (^١٢).\n_________\n(^١) زيادة من (ح)، وفي مسند أبي يعلى باسم: حماد.\n(^٢) مسند أبي يعلى ٢/ ٦٣ ح ٧٠٤؛ والسنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٢١٤.\n(^٣) أخرجه الطبري والحاكم من طريق ابن أبي نجيح به، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: منقطع. (المستدرك ٢/ ٥٣٦) وهو كما قال لأن مجاهدًا لم يسمع من علي ويتقوى بالآثار التي تليه.\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق السدي به، وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق معمر عن الزهري. (المصنف ٣/ ٩٤). وأخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن ابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة والحسن وابن الحنفية وابن زيد والضحاك.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك -وهو ابن فضالة- عن الحسن.\n(^٧) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم.\n(^٨) أخرجه الطبري عن الأعمش وشعبة به، وسنده حسن.\n(^٩) زيادة من (ح).\n(^١٠) أخرجه الطبري من طريق المسعودي به، وسنده حسن.\n(^١١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.\n(^١٢) يشهد له سابقه ولاحقه.","vol":"7","page":665},{"text":"وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن الحارث بن سُوَيْد، عن عبد الله: أنه سئل عن الماعون، فقال: ما يتعاوره الناس بينهم: الفأس والدلو، وشبهه (^١).\nوقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي الفلاس، حدثنا أبو داود -هو الطيالسي- حدثنا أبو عَوانَة، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: كنا مع نبينا ﷺ ونحن نقول: الماعون: منع الدلو وأشباه ذلك (^٢).\nوقد رواه أبو داود والنسائي، عن قتيبة، عن أبي عوانة بإسناده، نحوه (^٣). ولفظ النسائي عن عبد الله قال: كل معروف صدقة، كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عاريَّة الدلو والقدر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله قال: الماعون: العَواري: القدر، والميزان، والدلو (^٤).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ يعني: متاع البيت (^٥). وكذا قال مجاهد وإبراهيم النَّخعي، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، وغير واحد: إنها العاريَّة للأمتعة.\nوقال ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن ابن عباس: [﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ قال: لم يجيء أهلها بعد (^٦).\nوقال العوفي، عن ابن عباس] (^٧): ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ قال: اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: يمنعون الزكاة. ومنهم من قال: يمنعون الطاعة. ومنهم من قال: يمنعون العارية. رواه ابن جرير (^٨). ثم روي عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن عُلَية، عن ليث بن أبي سُليم، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: الماعون: منع الناس الفأس، والقدر، والدلو (^٩).\nوقال عكرمة: رأس الماعون زكاةُ المال، وأدناه المنخل، والدلو، والإبرة. رواه ابن أبي حاتم (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الأعمش عن إبراهيم التيمي به. (المصنف ٣/ ٩٢) وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.\n(^٣) سنن أبي داود، الزكاة، باب في حقوق المال (ح ١٦٥٧)؛ والسنن الكبرى للنسائي، الماعون (ح ١١٧٠١)؛ وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٤٥٩).\n(^٤) سنده حسن.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن علية عن ابن أبي نجيح به.\n(^٦) أخرجه الطبري وابن أبي شيبة من طريق ابن علية عن ليث به. (المصنف ٣/ ٢٠٣). وليث هو ابن أبي سُليم فيه مقال وسنده ضعيف وخصوصًا أنه خالف الطريق الصحيح الذي قبله.\n(^٧) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعناه صحيح كما تقدم.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن علية به. (المصنف ٣/ ٢٠٣)، وسنده ضعيف لضعف الحارث وهو الأعور الهمداني وكذلك فيه ليث بن أبي سُليم.\n(^١٠) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن عكرمة.","vol":"7","page":666},{"text":"وهذا الذي قاله عكرمة حسن؛ فإنه يشمل الأقوال كلها، وترجع كلها إلى شيء واحد. وهو ترك المعاونة بمال أو منفعة. ولهذا قال محمد بن كعب: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ قال: المعروف (^١). ولهذا جاء في الحديث: \"كل معروف صدقة\" (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وَكِيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ قال: بلسان قريش: المال (^٣).\nوَرَوى هاهنا حديثًا غريبًا عجيبًا في إسناده ومتنه، فقال: حدثنا أبي، وأبو زُرْعَة قالا: حدثنا قيس بن حفص الدارمي، حدثنا دلهم بن دَهثم العجلي، حدثنا عائذ بن ربيعة النّميري، حدثني قرة بن دُعموص النّميري: أنهم وفدوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ما تعهد إلينا؟ قال: \"لا تمنعوا الماعون\". قالوا: يا رسول الله، وما الماعون؟ قال: \"في الحَجَر، وفي الحديدة، وفي الماء\". قالوا: فأي حديدة؟ قال: \"قدوركم النحاس، وحديد الفأس الذي تمتهنون به\". قالوا: وما الحَجَر؟ قال: \"قدوركم الحجارة\" (^٤).\nغريب جدًّا، ورفعه منكر، وفي إسناده من لا يعرف، والله أعلم.\nوقد ذكر ابنُ الأثير في الصحابة ترجمة \"علي النميري\"، فقال: روى ابن قانع بسنده إلى عائذ بن ربيعة بن قيس النميري، عن علي بن فلان النميري: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"المسلم أخو المسلم. إذا لقيه حَيَّاه بالسلام، ويرد عليه ما هو خير منه، لا يمنع الماعون\". قلت: يا رسول الله، ما الماعون؟ قال: \"الحَجَر، والحديد، وأشباه ذلك\" (^٥).\nآخر تفسير سورة \"الماعون\"، ولله الحمد.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق محمد بن رفاعة عن محمد بن كعب.\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث جابر ﵁. (الصحيح، الأدب، باب كل معروف صدقة ح ٦٠٢١).\n(^٣) سنده صحيح.\n(^٤) ضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا.\n(^٥) ذكره ابن الأثير (أسد الغابة ٤/ ١٢٧)، والحافظ ابن حجر (الإصابة ٢/ ٥١١)، والحافظ ابن كثير (جامع المسانيد ٦/ ٢٩٢ رقم ٧٧٤٧)، وعائذ بن ربيعة بن قيس النميري لم أجد له ترجمة.","vol":"7","page":667},{"text":"<span data-type='title' id=toc-234>سُورَةُ الكَوْثَرِ مدنية، وقيل: مكية</span>\n\n<span id=\"aya-6205\"></span>﷽\n﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، عن المختار بن فُلْفُل، عن أنس بن مالك قال: أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة، فرفع رأسه مبتسمًا، إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنه أنزلت عليَّ آنفًا سورة\". فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ حتى ختمها، قال: \"هل تدرون ما الكوثر؟ \"، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"هو نهر أعطانيه ربي ﷿، في الجنة، عليه خير كثير، تَرِدُ عليه أُمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يُخْتَلَج العبد منهم فأقول: يا ربِّ، إنه من أُمتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك\" (^١).\nهكذا رواه الإمام أحمد بهذا الإسناد الثلاثي، وهذا السياق.\nوقد ورد في صفة الحوض يوم القيامة أنه يَشْخَب فيه ميزابان من السماء عن نهر الكوثر، وأن عليه آنية عددَ نجوم السماء. وقد روى هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي، من طريق محمد بن فضيل، وعلي بن مُسْهِر، كلاهما عن المختار بن فُلْفُل، عن أنس. ولفظ مسلم قال: \"بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا في المسجد، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسمًا، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: \"أنزلت عليّ آنفًا سورة\"، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾. ثم قال: \"أتدرون ما الكوثر؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنه نهر وَعَدنيه ربي ﷿، عليه خير كثير، هو حوض تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فَيختلجُ العبد منهم، فأقول: ربِّ إنه من أُمتي. فيقول: إنك لا تدري ما أحدث بعدك\" (^٢).\nوقد استدل به كثير من القراء على أن هذه السورة مدنية، وكثير من الفقهاء على أن البسملة من السورة، وأنها منزلة معها.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣/ ١٠٢)، وسنده صحيح، وقد أخرجه مسلم من طريق المختار بن فلفل به. (الصحيح، الصلاة، باب حجة من قال: إن البسملة آية من كل سورة سوى براءة ح ٤٠٠).\n(^٢) المصدر السابق وسنن أبي داود، الصلاة، باب من لم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (ح ٧٨٤)؛ وسنن النسائي، الافتتاح، باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (٢/ ١٣٣)؛ وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٧٠٦).","vol":"7","page":668},{"text":"فأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ فقد تقدم في هذا الحديث أنه نهر في الجنة. وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى، عن أنس فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت، عن أنس أنه قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُعطيتُ الكوثر، فإذا هو نهر يجري، ولم يُشق شقًّا، وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ، فضربت بيدي في تربته، فإذا مسْكه ذَفَرة، وإذا حصاه اللؤلؤ\" (^١).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"دخلت الجنة فإذا أنا بنهر، حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا مسك أذفر. قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله ﷿\" (^٢).\nورواه البخاري في صحيحه، ومسلم، من حديث شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: لما عُرجَ بالنبي ﷺ إلى السماء قال: \"أتيتُ على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر\" وهذا لفظ البخاري ﵀ (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا الربيع، أخبرنا ابن وهب، عن سليمان بن هلال، عن شريك بن أبي نمر، قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا قال: لما أسري برسول الله ﷺ، مضى به جبريل في السماء الدنيا، فإذا هو بنهر عليه [قصر] (^٤) من لؤلؤ وزبرجد، فذهب يَشمّ تُرَابه، فإذا هو مسك. قال: \"يا جبريل، ما هذا النهر؟ قال: هو الكوثر الذي خَبَأ لك ربك\" (^٥).\nوقد تقدم [في] (^٦) حديث الإسراء في سورة \"سبحان\"، من طريق شريك عن أنس [عن النبي ﷺ] (^٧). وهو مخرج في الصحيحين (^٨).\nوقال سعيد، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: \"بينما أنا أسير في الجنة إذ عَرَض لي نهر، حافتاه قباب اللؤلؤ مُجَوف، فقال الملك الذي معه: أتدري ما هذا؟ هذا الكوثر الذي أعطاك الله. وضرب بيده إلى أرضه، فأخرج من طينه المسك\" (^٩). وكذا رواه سليمان بن طِرْخان، ومعمر وهَمّام وغيرهم، عن قتادة، به.\nوقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن أبي سُرَيج، حدثنا أبو أيوب العباسي، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثني محمد بن عبد الله، ابن أخي ابن شهاب، عن أبيه، عن أنس قال: سُئل رسول الله ﷺ عن الكوثر، فقال: \"هو نهر أعطانيه الله في الجنة، ترابه مسك أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، ترده طير أعناقها مثل أعناق الجُزُر\" (^١٠). فقال أبو بكر: يا رسول الله، إنها\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣/ ٢٤٧)، وسند صحيح.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣/ ١٠٣)، وسند صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، التفسير، باب سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر] (ح ٤٩٦٤).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: قبة.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده شريك سيئ الحفظ ولكنه توبع في الروايات السابقة واللاحقة.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم).\n(^٧) كذا في (ح) و(حم).\n(^٨) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء.\n(^٩) أخرجه الطبري عن بشر عن سعيد به، وسنده صحيح.\n(^١٠) أي: الإبل.","vol":"7","page":669},{"text":"لناعمة؟ قال: \"أكلها أنعم منها\" (^١).\nوقال أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا الليث، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الوهاب، عن عبد الله بن مسلم بن شهاب، عن أنس، أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما الكوثر؟ قال: \"نهر في الجنة أعطانيه ربي، لهو أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر\". قال عمر: يا رسول الله، إنها لناعمة؟ قال: \"أكلها أنعم منها يا عمر\" (^٢).\nرواه ابن جرير، من حديث الزهري، عن أخيه عبد الله، عن أنس: أنه سأل رسول الله ﷺ عن الكوثر، فذكر مثله سواء (^٣).\nوقال البخاري: حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عائشة قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ قالت: نهر أعطيه نبيكم ﷺ، شاطئاه عليه دُرّ مجوف، آنيته كعدد النجوم.\nثم قال البخاري: رواه زكريا وأبو الأحوص ومطرف، عن أبي إسحاق (^٤).\nورواه أحمد والنسائي، من طريق مُطرّف، به (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عائشة قالت: الكوثر نهر في الجنة، شاطئاه در مُجَوف، وقال إسرائيل: نهر في الجنة عليه من الآنية عدد نجوم السماء (^٦).\nوحدثنا ابن حُمَيد، حدثنا يعقوب القُمي، عن حفص بن حميد، عن شَمِر بن عطية، عن شقيق أو مسروق قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، حدثيني عن الكوثر. قالت: نهر في بطنان الجنة. قلت: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه المسك، وحصاؤه اللؤلؤ والياقوت (^٧).\nوحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن أبي جعفر الرازي، عن ابن أبي نجيح، عن عائشة قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر، فَلْيَجعل أصبعيه في أذنيه (^٨).\nوهذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة، وفي بعض الروايات: \"عن رجل، عنها\". ومعنى هذا أنه يسمع نظير ذلك، لا أنه يسمعه نفسه، والله أعلم.\nقال السهيلي: ورواه الدارقطني مرفوعًا، من طريق مالك بن مِغْوَل، عن الشعبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق إبراهيم بن سعد به، وحسنه محققوه وصححوه بالشواهد. (المسند ٢١/ ١٣٢ ح ١٣٤٧٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٢١/ ٣٠ ح ١٣٣٠٦).\n(^٣) أخرجه الطبري من طريق الزهري به، وسنده صحيح كسابقه.\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، باب سورة الكوثر ح ٤٩٦٥).\n(^٥) المسند ٦/ ٣٨١؛ والسنن الكبرى، التفسير، باب سورة الكوثر (ح ١١٧٠٥).\n(^٦) يشهد له ما سبق.\n(^٧) في سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ويعقوب القمي فيه مقال ويتقوى بما سبق.\n(^٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن ابن أبي نجيح لم يسمع من عائشة ﵂.","vol":"7","page":670},{"text":"مسروق، عن عائشة، عن النبي ﷺ (^١).\nثم قال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناسًا يَزْعُمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه (^٢).\nورواه أيضًا من حديث هُشَيم، عن أبي بشر وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الكوثر: الخير الكثير (^٣).\n[وقال الثوري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الكوثر الخير الكثير] (^٤) (^٥).\nوهذا التفسير يعمُّ النهر وغيره؛ لأن الكوثر من الكثرة، وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر كما قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحارب بن دِثَار، والحسن بن أبي الحسن البصري (^٦). حتى قال مجاهد: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة (^٧).\nوقال عكرمة: هو النبوة والقرآن، ثواب الآخرة (^٨).\nوقد صحَّ عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضًا، فقال ابن جرير:\nحدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عمر بن عبيد، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل (^٩).\nوروى العوفي، عن ابن عباس، نحو ذلك (^١٠).\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هُشَيم، أخبرنا عطاء بن السائب، عن محارب بن\n_________\n(^١) ذكره السهيلي. (الروض الأنف ١/ ٢٤١) والحديث فيه غرابة.\n(^٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (صحيح البخاري، التفسير، باب سورة الكوثر ح ٤٩٦٦).\n(^٣) أخرجه البخاري عن عمرو بن محمد عن هشيم به. (الصحيح، الرقاق، باب في الحوض ٦٥٧٨).\n(^٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده حسن ويرتقي بسابقه إلى صحيح لغيره.\n(^٥) زيادة من (حم).\n(^٦) قول ابن عباس تقدم وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمارة بن أبي حفصة عنه، وأما قول سعيد بن جبير فقد أخرجه الطبرى بسند صحيح من طريق أبي بشر عنه، وأما قول مجاهد فقد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف وهذه الرواية تخالف الرواية الصحيحة السابقة عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه هناد (الزهد رقم ١٤٢)، وابن أبي شيبة. (المصنف ١١/ ٥٠٨)، والطبري كلهم بسند صحيح من طريق بدر بن عثمان عن عكرمة.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ولكنه يتقوى بالمتابعات في الرواية السابقة التي صححها الحافظ ابن كثير.","vol":"7","page":671},{"text":"دِثار، عن ابن عمر أنه قال: الكوثر نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل (^١).\nوكذا رواه الترمذي عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء بن السائب، به مثله (^٢)، موقوفًا. وقد روي مرفوعًا فقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن حفص، حدثنا ورقاء قال: وقال عطاء [بن السائب] (^٣) عن محارب بن دِثار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل\" (^٤).\nوهكذا رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طريق محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، به مرفوعًا. وقال الترمذي: حسن صحيح (^٥).\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُليَّة، أخبرنا عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار: ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟ قلت: حَدثنا عن ابن عباس أنه قال: هو الخير الكثير. فقال: صدق، والله إنه للخير الكثير. ولكن حدثنا ابن عمر قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ قال رسول الله ﷺ: \"الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، يجري على الدر والياقوت\" (^٦).\nوقال ابن جرير: حدثني ابن [البرقي] (^٧)، حدثنا [ابن أبي مريم] (^٨)، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، أخبرني حَرَام بن عثمان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أُسامة بن زيد: أن رسول الله ﷺ أتى حمزة بن عبد المطلب يومًا فلم يجده، فسأل امرأته عنه -وكانت من بني النجار- فقالت: خرج يا نبي الله آنفًا عامدًا نحوك، فأظنه أخطأك في بعض أزقة بني النجار، أَوَلا تدخلُ يا رسول الله؟ فدخل، فقدمت إليه حَيْسًا، فأكل منه، فقالت: يا رسول الله، هنيئًا لك ومريئًا، لقد جئتَ وأنا أريد أن آتيك فأهْنيك وأَمْريك؛ أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهرًا في الجنة يدعى الكوثر. فقال: \"أجل، وعرضه -يعنى أرضه- ياقوت ومرجان، وزبرجد ولؤلؤ\" (^٩).\nحَرَام بن عثمان ضعيف. ولكن هذا سياق حسن، وقد صحَّ أصل هذا، بل قد تواتر من طريق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، ويشهد له ما سبق.\n(^٢) أخرجه الترمذي من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب به. وقال: حسن صحيح. (السنن، التفسير، باب ومن سورة الكوثر ح ٣٣٦١؛ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٧٧).\n(^٣) زيادة من (ح).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقواه محققوه بالمتابعات. (المسند ٩/ ٢٥٧ ح ٥٣٥٥).\n(^٥) ينظر المصدر قبل السابق وسنن ابن ماجه، الزهد، صفة الجنة (٤٣٣٤) وتفسير الطبري.\n(^٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن ويشهد له ما قبله من الروايات المرفوعة والموقوفة.\n(^٧) كذا (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل بياض.\n(^٨) كذا (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحف إلى: ابن إبراهيم.\n(^٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف حرام بن عثمان ولمعظمه شواهد تقدمت.","vol":"7","page":672},{"text":"وهكذا رُوي عن أنس، وأبي العالية، ومجاهد (^١)، وغير واحدٍ من السلف: أن الكوثر: نهر في الجنة. وقال عطاء: هو حوض في الجنة (^٢).\n\n<span id=\"aya-6206\"></span>وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ أي: كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهرُ الذي تقدم صفته، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونَحْرَك، فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له. كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام]، قال ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: يعني بذلك نحر البُدْن ونحوها. وكذا قال قتادة، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، والربيع، وعطاء الخراساني، والحكم، وإسماعيل بن أبي خالد، وغير واحد من السلف (^٣). وهذا بخلاف ما كان المشركون عليه من السجود لغير الله، والذبح على غير اسمه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١].\nوقيل: المراد بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر. يُروَى هذا عن علي، ولا يصح. وعن الشعبي مثله (^٤).\nوعن أبي جعفر الباقر: ﴿وَانْحَرْ﴾ يعني: ارفع اليدين عند افتتاح الصلاة (^٥).\nوقيل: ﴿وَانْحَرْ﴾ أي: استقبل بنحرك القبلة. ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير.\nوقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا منكرًا جدًّا فقال: حدثنا وهب بن إبراهيم [الفامي] (^٦) -سنة خمس وخمسين ومائتين- حدثنا إسرائيل بن حاتم المروزي، حدثنا مقاتل بن حيان، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة على النبي ﷺ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ قال رسول الله: \"يا جبريل، ما هذه النَّحيرة التي أمرني بها ربي؟ \" فقال: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة، ارفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين\n_________\n(^١) قول أنس تقدم، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس. وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الوهاب عن مجاهد، وعبد الوهاب هو ابن مجاهد وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق فطر -وهو ابن خليفة- عن عطاء. (المصنف ٧/ ٤٤٣).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق فطر عن عطاء؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف، وهو الأعرابي، عن الحسن؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه الطبري بأسانيد من طريق عقبة بن ظبيان عن علي، ومن طريق عقبة بن ظهير، وهما واحد وقد سكت عنه البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف عن أبي القموص.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جابر عن أبي جعفر الباقر، وجعفر هو الجعفي وهو ضعيف.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: العاصي.","vol":"7","page":673},{"text":"في السماوات السبع، وإن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة.\nوهكذا رواه الحاكم في المستدرك، من حديث إسرائيل بن حاتم، به (^١).\nوعن عطاء الخراساني: ﴿وَانْحَرْ﴾ أي: ارفع صلبك بعد الركوع واعتدل، وأبرز نحرك، يعني به: الاعتدال. رواه ابن أبي حاتم (^٢).\n[كل هذه الأقوال غريبة جدًّا] (^٣). والصحيح القول الأول، أن المراد بالنحر ذبح المناسك؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ يصلي العيد، ثم ينحر نسكه ويقول: \"من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك. ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له\". فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، إني نَسكتُ شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه اللحم. قال: \"شاتك شاة لحم\". قال: فإن عندي عناقًا هي أحب إليَّ من شاتين، أفتجزيء عني؟ قال: \"تجزئك، ولا تجزئ أحدًا بعدك\" (^٤).\nقال أبو جعفر بن جرير: والصواب قول من قال: معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصًا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نَحرُك اجعله له دون الأوثان؛ شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة والخير، الذي لا كُفْءَ له، وخصَّك به (^٥).\nوهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى: محمد بن كعب القرظي، وعطاء.\n\n<span id=\"aya-6207\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ أي: إن مبغضك -يا محمد- ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين، هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكْرُه.\nقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نزلت في العاص بن وائل (^٦).\nوقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ يقول: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره. فأنزل الله هذه السورة (^٧).\nوقال شَمِر بن عطية: نزلت في عقبة بن أبي مُعَيط (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم من طريق إسرائيل بن حاتم به وتعقبه الذهبي بقوله: إسرائيل صاحب عجائب لا يعتمد عليه، وأصبغ شيعي متروك عند النسائي. (المستدرك ٢/ ٥٣٧، ٥٣٨).\n(^٢) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن عطاء بنحوه.\n(^٣) زيادة من (حم).\n(^٤) أخرجه الشيخان من حديث البراء ﵁. (صحيح البخاري، العيدين، باب الأكل يوم النحر ح ٩٥٥؛ وصحيح مسلم، الأضاحي، باب وقتها ح ١٩٦١).\n(^٥) ذكره الطبري بلفظه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بالمراسيل التالية؛ فقد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق هلال بن خباب عن سعيد بن جبير.\n(^٧) سنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق ولأنه مرسل ويتقوى بالمراسيل السابقة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.","vol":"7","page":674},{"text":"وقال ابن عباس -أيضًا-، وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من كفار قريش (^١).\nوقال البزار: حدثنا زياد بن يحيى الحَسَّاني، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت سيدهم ألا ترى إلى هذا المُصَنْبر المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة وأهل السقاية؟ فقال: أنتم خير منه. قال: فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ (^٢).\nهكذا رواه [البزار] (^٣)، وهو إسناد صحيح.\nوقال عطاء: نزلت في أبي لهب (^٤)، وذلك حين مات ابن رسول الله ﷺ فذهب أبو لهب إلى المشركين وقال: بُتِرَ محمد الليلة. فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.\nوعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل وعنه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ يعني: عدوك (^٥). وهذا يَعُمُّ جميع من اتصف بذلك ممن ذكر وغيرهم.\nوقال عكرمة: ﴿الْأَبْتَرُ﴾: الفرد. وقال السُّدِّي: كانوا إذا مات ذكورُ الرجل قالوا: بُتر. فلما مات أبناء رسول الله ﷺ قالوا: بُتر محمد. فأنزل الله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.\nوهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه ينقطع ذكره، وحاشا [وكلا] (^٦)، بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرًّا على دوام الآباد، إلى يوم الحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم التناد.\nآخر تفسير سورة ﴿الْكَوْثَرَ﴾، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق داود عن عكرمة عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه. (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ١٢١ ح ١٥٣٨)، وصحح سنده الحافظ ابن كثير وضعفه الحافظ ابن حجر.\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: الترمذي.\n(^٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن عطاء.\n(^٥) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٦) كذا في (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ولما.","vol":"7","page":675},{"text":"<span data-type='title' id=toc-235>سُورَةُ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وهي مكية</span>\nثبت في صحيح مسلم، عن جابر: أن رسول الله ﷺ قرأ بهذه السورة، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] في ركعتي الطواف (^١).\nوفي صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في ركعتي الفجر (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب، بضعًا وعشرين مرة -أو: بضع عشرة مرة- ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (^٣).\nوقال أحمد -أيضًا-: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: رمقتُ النبيَّ ﷺ أربعًا وعشرين -أو خمسًا وعشرين- مرة، يقرأ في الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (^٤).\nوقال أحمد: حدثنا أبو أحمد -هو محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري-، حدثنا سفيان -هو الثوري- عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: رَمقتُ النبي ﷺ شهرًا، وكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (^٥).\nوكذا رواه الترمذي وابن ماجه، من حديث أبي أحمد الزبيري. أخرجه النسائي من وجه آخر، عن أبي إسحاق، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن (^٦).\nوقد تقدم في الحديث أنها تعدل ربع القرآن و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]، تعدل ربع القرآن (^٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن فروةَ بن\n_________\n(^١) صحيح مسلم، الحج، باب حجة النبي ﷺ (ح ١٢١٨).\n(^٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنة الفجر (ح ٧٢٦).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٨/ ٣٨١ ح ٤٧٦٣).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٠/ ٣٢ ح ٥٧٤٢).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٩٤) وسنده صحيح.\n(^٦) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في تخفيف ركعتي الفجر (ح ٤١٧)؛ وسنن النسائي، الإفتتاح، باب القراءة في الركعتين بعد المغرب ٢/ ١٧٠؛ وسنن ابن ماجه، الإقامة، باب ما جاء فيما يُقرأ في الركعتين قبل الفجر (ح ١١٤٩)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٩٤٣).\n(^٧) تقدم في بداية تفسير سورة الزلزلة.","vol":"7","page":676},{"text":"نَوفل -هو ابن معاوية- عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال له: \"هل لك في ربيبة لنا تكفلها؟ \" قال: أراها زينب. قال: ثم جاء فسأله النبي ﷺ عنها، قال: \"ما فعلت الجارية؟ \" قال: تركتها عند أُمها. قال: فمجيء ما جاءك بك؟ قال: جئت لتعلمني شيئًا أقوله عند منامي. قال: \"اقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ ثم نُم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك\". تفرد به أحمد (^١).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عَمرو القطراني، حدثنا محمد بن الطفيل، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن جبلة بن حارثة -وهو أخو زيد بن حارثة- أن النبي ﷺ قال: \"إذا أويت إلى فراشك فاقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ حتى تمر بآخرها، فإنها براءة من الشرك\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن فروة بن نوفل، عن الحارث بن جبلة قال: قلت: يا رسول الله، علمني شيئًا أقوله عند منامي. قال: \"إذا أخذت مضجعَك من الليل فاقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ فإنها براءة من الشرك\" (^٣).\nوروى الطبراني من طريق شريك، عن جابر، عن معقل الزبيدي، عن [عباد أبي الأخضر عن خباب] (^٤)، أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه قرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ حتى يختمها (^٥).\n\n<span id=\"aya-6208\"></span>\n\n<span id=\"aya-6209\"></span>﷽\n﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾.\nهذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه، فقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ شمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهون بهذا الخطاب هم كفارُ قريش.\nوقيل: إنهم من جهلهم دَعَوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة، وأمر رسوله ﷺ فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ يعني: من الأصنام والأنداد\n\n<span id=\"aya-6210\"></span>﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ وهو الله وحده لا شريك له. فـ \"ما\" ههنا بمعنى: \"من\".\n\n<span id=\"aya-6211\"></span>\n\n<span id=\"aya-6212\"></span>\n\n<span id=\"aya-6213\"></span>ثم قال: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ أي: ولا أعبد عبادتكم؛ أي: لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه؛ ولهذا قال:\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به، وقال محققوه: حديث حسن على اضطراب في إسناده. (المسند ٣٩/ ٢٢٤ ح ٢٣٨٠٧).\n(^٢) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٤/ ٣٧٠٨١) ويشهد له سابقه.\n(^٣) ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٢/ ٢٢٠) ويشهد له قبل سابقه.\n(^٤) كذا في المعجم الكبير للطبراني، وفي الأصل: \"عبد البر أخضر أو أحمر\".\n(^٥) أخرجه الطبراني من طريق جابر الجعفي به (المعجم الكبير ٤/ ٩٣ ح ٣٧٠٨). وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي (مجمع الزوائد ١٠/ ١٢١).","vol":"7","page":677},{"text":"﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ أي: لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم، كما قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بدّ له من معبود يعبده، وعبادة يسلكها إليه، فالرسول وأتباعه يعبدون الله بما شرعه؛ ولهذا كان كلمة الإسلام \"لا إله إلا الله محمد رسول الله\"؛ أي: لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول ﷺ، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله؛ ولهذا قال لهم الرسول ﷺ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس]، وقال: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥].\nوقال البخاري: يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الكفر ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الإسلام. ولم يقل: \"ديني\" لأن الآيات بالنون، فحذف الياء، كما قال: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] و﴿يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وقال غيره (^١): لا أعبد ما تعبدون الآن، ولا أجيبكم فيما بقي من عمرى، ولا أنتم عابدون ما أعبد، وهم الذين قال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤].\nانتهى ما ذكره (^٢).\nونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد، كقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح] وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ [التكاثر] وحكاه بعضهم -كابن الجوزي، وغيره- عن ابن قتيبة، فالله أعلم. فهذه ثلاثة أقوال: أولها: ما ذكرناه أولًا. الثاني: ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ في الماضي ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ في المستقبل. الثالث: أن ذلك تأكيد محض.\nوثم قول رابع، نصره أبو العباس ابن تَيمية في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ نفي الفعل لأنها جملة فعلية ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾ نفي قبوله لذلك بالكلية؛ لأن النفي بالجملة الإسمية آكد فكأنه نفي الفعل، وكونه قابلًا لذلك ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضًا. وهو قول حسن أيضًا، والله أعلم.\nوقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ على أن الكفر كله ملة واحدة تورثه اليهود من النصارى، وبالعكس؛ إذا كان بينهم نسب أو سبب يتوارث به؛ لأن الأديان -ما عدا الإسلام- كلها كالشيء الواحد في البطلان. وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يتوارث أهل ملتين شتى\" (^٣).\nآخر تفسير سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، ولله الحمد والمنّة.\n_________\n(^١) السابق ذكره البخاري من كلام الفراء واللاحق من كلام أبي عبيدة (ينظر فتح الباري ٨/ ٧٣٣).\n(^٢) ذكره البخاري. (الصحيح، التفسير، باب ١٠٩ سورة الكافرون).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٧٣.","vol":"7","page":678},{"text":"<span data-type='title' id=toc-236>سُورَةُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وهي مدنية</span>\nقد تقدم أنها تعدل ربع القرآن، ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة] تعدل ربع القرآن (^١).\nوقال النسائي: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا جعفر، عن أبي العُمَيس (ح) وأخبرنا أحمد بن سليمان، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العُمَيس، عن عبد المجيد بن سهل، عن عُبَيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: يا ابن عتبة، أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت: نعم ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ قال: صدقت (^٢).\nوروى الحافظ أبو بكر البزار والبيهقي، من حديث موسى بن عبيدة الرّبذي، عن صدقة بن يَسَار، عن ابن عمر قال: أنزلت هذه السورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ على رسول الله ﷺ أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فَرحلَت، ثم قام فخطب الناس، فذكر خطبته المشهورة (^٣).\nوقال الحافظ البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا الأسفاطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا [عباد بن] (^٤) العوام، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ دعا رسول الله ﷺ فاطمة وقال: \"إنه قد نُعِيت إليّ نفسي\"، فبكت ثم ضحكت، وقالت: أخبرني أنه نُعيت إليه نفسُه فبكيت، ثم قال: \"اصبري فإنك أول أهلي لحاقًا بي\" فضحكت (^٥).\nوقد رواه النسائي -كما سيأتي- بدون ذكر فاطمة.\n\n<span id=\"aya-6214\"></span>\n\n<span id=\"aya-6215\"></span>\n\n<span id=\"aya-6216\"></span>﷽\n﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾.\nقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في مطلع تفسير سورة الزلزلة.\n(^٢) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، باب سورة النصر ح ١١٧١٣) وسنده صحيح وأخرجه مسلم من طريق جعفر بن عون به (الصحيح، التفسير ح ٣٠٢٤).\n(^٣) أخرجه البيهقي (السنن الكبرى ٥/ ١٥٢) وعزاه الهيثمي إلى البزار وأعله بموسى بن عبيدة لأنه ضعيف. (مجمع الزوائد ٣/ ٢٦٩).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل حُرف إلى: \"عساكر\".\n(^٥) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه. (دلائل النبوة ٧/ ١٦٧) وفي سنده هلال بن خباب صدوق تغيّر بأخرة. (التقريب ص ٥٧٥) تارة يذكر فاطمة ﵂ وتارة لم يذكرها كما سيأتي في رواية الطبراني.","vol":"7","page":679},{"text":"جُبَير، عن ابن عباس قال: كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدر، وكان بعضهم وجَد في نفسه فقال: لم يَدْخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنه دعاني فيهم يومئذٍ إلا ليُريهم فقال: ما تقولون في قول الله ﷿: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ فقال بعضهم: أمرنا أن نَحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفُتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجلُ رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ فذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. تفرد به البخاري (^١).\nوروى ابن جرير، عن محمد بن حُمَيد، عن مِهْران، عن الثوري، عن عاصم، عن أبي رَزِين، عن ابن عباس، فذكر مثل هذه القصة، أو نحوها (^٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فُضَيل، حدثنا عطاء، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: لما نَزَلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ قال رسول الله ﷺ: \"نُعِيَت إليّ نفسي \". . . بأنه مقبوض في تلك السنة. تفرد به أحمد (^٣).\nوروى العوفي، عن ابن عباس، مثله. وهكذا قال مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وغير واحد: إنها أجل رسول الله ﷺ نُعِي إليه (^٤).\nوقال ابن جرير: حدثني إسماعيل بن موسى، حدثنا الحسين بن عيسى الحنفي، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن أبي حازم، عن ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ في المدينة إذ قال: \"الله أكبر، الله أكبر! جاء نصر الله والفتح، جاء أهل اليمن\". قيل: يا رسول الله، وما أهل اليمن؟ قال: \"قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية\" (^٥).\nثم رواه عن ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور، عن معمر، عن عكرمة، مرسلًا (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، باب قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر] ح ٤٩٧٠).\n(^٢) أخرجه الطبري عن محمد بن حميد به، وفي سنده محمد بن حميد وهو ضعيف، وقد توبع في رواية البخاري السابقة.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢١٧) وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له ما سبق؛ وأخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن أبي العالية فيه محمد بن حميد، ويتقوى بما سبق؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك فيه إبهام شيخ الطبري، ويتقوى بما سبق.\n(^٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث باطل ليس له أصل، الزهري عن أبي حازم لا يجيء (العلل ٢/ ١٥٨).\n(^٦) سنده ضعيف لأنه مرسل.","vol":"7","page":680},{"text":"وقال الطبراني: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو كامل الجَحْدَرِيّ، حدثنا أبو عَوَانة، عن هلال بن خَبَّاب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ حتى ختم السورة، قال: نُعِيت لرسول الله ﷺ نفسه حين نزلت، قال: فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادًا في أمر الآخرة. وقال رسول الله ﷺ بعد ذلك: \"جاء الفتحُ ونصر الله، وجاء أهل اليَمن\". فقال رجل: يا رسول الله، وما أهل اليمن؟ قال: \"قوم رقيقة قلوبهم، لينة قلوبهم، الإيمان يَمان، والفقه يمان\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رَزِين، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ علم النبي ﷺ أنه قد نُعِيت إليه نفسه، فقيل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ السورة كلها (^٢).\nحدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رَزِين: أن عمر سأل ابن عباس عن هذه الآية ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ قال: لما نزلت نُعيت إلى رسول الله ﷺ نفسه (^٣).\nوقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن أحمد بن عُمَر الوكيعي، حدثنا أبي، حدثنا جَعفر بن عون، عن أبي العُمَيس، عن أبي بكر بن أبي الجهم، عن عُبَيد الله بن عَبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ (^٤).\nوقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي البَختُري الطائي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لما نزلت هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ قرأها رسول الله ﷺ حتى ختمها، فقال: \"الناس حيز، وأنا وأصحابي حيز\". وقال: \"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية\". فقال له مَرْوان: كذبت -وعنده رافع بن خَديج، وزيد بن ثابت، قاعدان معه على السرير- فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة. فرفع مروان عليه الدرة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا: صدق (^٥).\nتفرد به أحمد، وهذا الذي أنكره مروان على أبي سعيد ليس بمنكر، فقد ثبت من رواية ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: \"لا هجرة، ولكن جهاد ونية، ولكن إذا استنفرتم فانفروا\". أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٣٢٨ ح ١١٩٠٣) وفي سنده هلال بن خباب تغير في آخرة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١/ ٣٤٤) وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٥٦) وسنده حسن.\n(^٤) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٠/ ٣٦٩ ح ١٠٧٣٦) وسنده صحيح وتقدم تخريجه في بداية تفسير هذه السورة الكريمة.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. وقال محققوه: صحيح لغيره، دون قوله: \"الناس حيز، وأنا وأصحابي حيز\" وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه. (المسند ١٧/ ٢٥٨ ح ١١١٦٧).\n(^٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢١٦.","vol":"7","page":681},{"text":"فالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر، ﵃ أجمعين، مِنْ أنه قد أمرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون أن نحمد الله ونشكره ونسبحه، يعني نصلي ونستغفره - معنى مليح صحيح، وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي ﷺ يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي صلاة الضحى. وأجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها، فكيف صلاها ذلك اليوم وقد كان مسافرًا لم يَنْو الإقامة بمكة؟ ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبًا من تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة ويُفطر هو وجميع الجيش، وكانوا نحوًا من عشرة آلاف. قال هؤلاء: وإنما كانت صلاة الفتح، قالوا: فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات. وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن، ثم قال بعضهم: يصليها كلها بتسليمة واحدة. والصحيح أنه يسلم من كل ركعتين، كما ورد في سنن أبي داود: أن رسول الله ﷺ كان يسلم يوم الفتح من كل ركعتين (^١). وأما ما فسر به ابن عباس وعمر ﵄، من أن هذه السورة نُعِي فيها إلى رسول الله ﷺ نفسه الكريمة، واعلم أنك إذا فتحت مكة -وهي قريتك التي أخرجتك- ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فقد فرغ شغلنا بك في الدنيا، فتهيأ للقدوم علينا والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى، ولهذا قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾.\nقال النسائي: أخبرنا عمرو بن منصور، حدثنا محمد بن محبوب، حدثنا أبو عوانة، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلى آخر السورة، قال: نُعيت لرسول الله ﷺ نفسُه حين أنزلت، فأخذ في أشدّ ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة، وقال رسول الله ﷺ بعد ذلك: \"جاء الفتح، وجاء نصر الله، وجاء أهل اليمن\". فقال رجل: يا رسول الله، وما أهل اليمن؟ قال: \"قوم رقيقة قلوبهم، لَيِّنة قلوبهم، الإيمان يَمانٍ، والحكمة يمانية، والفقه يمان\" (^٢).\nوقال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جَرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: \"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي\" يتأول القرآن (^٣).\nوأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي، من حديث منصور، به (^٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق قال: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يكثر في آخر أمره من قول: \"سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه\". وقال: \"إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أُمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره، إنه كان توابًا، فقد رأيتها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁. (السنن، الصلاة، باب صلاة الضحى ح ١٢٩٠)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٢٨١).\n(^٢) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، سورة النصر ح ١١٦٤٨) وفي سنده هلال بن خباب تغير بآخرة.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] ح ٤٩٦٨).\n(^٤) صحيح مسلم، الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود (ح ٤٨٤/ ٢١٧).","vol":"7","page":682},{"text":"النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ (^١).\nورواه مسلم من طريق داود -وهو ابن أبي هند- به (^٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص، حدثنا عاصم، عن الشعبي، عن أُم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب ولا يجيء، إلا قال: \"سبحان الله وبحمده\". فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر من سبحان الله وبحمده، لا تذهب ولا تجيء، ولا تقوم ولا تقعد إلا قلت: سبحان الله وبحمده؟ قال: \"إني أمرت بها\"، فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١). . .﴾ إلى آخر السورة (^٣). غريب، وقد كتبنا حديث كفارة المجلس من جميع طرقه وألفاظه في جزء مُفرد، فيكتب ههنا.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبَيدة، عن عبد الله قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ كان يكثر إذا قرأها -ورَكَعَ- أن يقول: \"سبحانك اللَّهم ربنا وبحمدك، اللَّهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم\" ثلاثًا (^٤).\nتفرد به أحمد. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عمرو بن مُرّة، عن شعبة، عن أبي إسحاق، به (^٥).\nوالمراد بالفتح ههنا فتح مكة قولًا واحدًا، فإن أحياء العرب كانت تَتَلَوّم بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي. فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجًا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانًا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام، ولله الحمد والمنة.\nوقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ، وكانت الأحياء تَتَلَوّمُ بإسلامها فتح مكة، يقولون: دعوه وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي. . . الحديث (^٦).\nوقد حَرّرنا غزوة الفتح في كتابنا: السيرة، فمن أراد فليراجعه هناك، ولله الحمد والمنة.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني جار لجابر بن عبد الله قال: قدمت من سفر فجاءني جابر بن عبد الله، فسلم عليّ، فجعلت أحدّثهُ عن افتراق الناس وما أحدثوا، فجعل جابر يبكي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا، وسيخرجون منه أفواجًا\" (^٧).\n[آخر تفسير سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾، ولله الحمد والمنّة] (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٦/ ٣٥) وسنده صحيح.\n(^٢) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٤٨٤/ ٢٢٠).\n(^٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده منقطع فإن الشعبي لم يسمع من أُم سلمة ﵁، وقد استغربه الحافظ ابن كثير.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٦/ ٢٠٧ ح ٣٦٨٣) قال محققوه: حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه، أبو عبيدة، وهو ابن عبد الله بن مسعود، لم يسمع من أبيه.\n(^٥) سنده كسابقه.\n(^٦) صحيح البخاري، المغازي، باب رقم ٥٣ (ح ٤٣٠٢).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣/ ٣٤٣) وسنده ضعيف لإبهام جار جابر بن عبد الله ﵁.\n(^٨) زيادة من (حم).","vol":"7","page":683},{"text":"<span data-type='title' id=toc-237>سُورَةُ ﴿تَبَّتْ﴾ وهي مكية</span>\n\n<span id=\"aya-6217\"></span>﷽\n﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾.\nقال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل فنادى: \"يا صباحاه\". فاجتمعت إليه قريش، فقال: \"أرأيتم إنْ حَدثتكم أن العدوّ مُصبحكم أو مُمْسيكم، أكنتم تصدقوني؟ \". قالوا: نعم. قال: \"فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد\". فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبًّا لك. فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ إلى آخرها (^١).\nوفي رواية: فقام ينفض يديه، وهو يقول: تبًّا لك سائر اليوم. ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾.\nالأول: دعاء عليه، والثاني: خبر عنه. فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله ﷺ واسمه: عبد العُزّى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عُتبة. وإنما سمي \"أبا لهب\" لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله ﷺ والبغضة له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه.\nقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: أخبرني رجل -يقال له: ربيعة بن عباد، من بني الديل، وكان جاهليًّا فأسلم- قال: رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: \"يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا\". والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحولُ ذو غديرتين (^٢)، يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمُّه أبو لهب (^٣).\nثم رواه عن [سُرَيج] (^٤)، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، فذكره - قال أبو الزناد: قلت لربيعة:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد] ح ٤٩٧٢).\n(^٢) أي: ذو ذؤابتين.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه. (المسند ٢٥/ ٤٠٤، ٤٠٥ ح ١٦٠٢٣).\n(^٤) كذا في المسند وفي الأصل و(ح): بلفظ: \"شريح\".","vol":"7","page":684},{"text":"كنت يومئذٍ صغيرًا؟ قال: لا، والله إني يومئذٍ لأعقل أني أزفر (^١) القربة (^٢). تفرد به أحمد.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني حُسَين بن عبد الله بن عُبيد الله بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عباد الديلي يقول: إني لمع أبي رجل شاب، أنظر إلى رسول الله ﷺ يتبع القبائل -ووراءه رجل أحول وضيء، ذو جُمَّة- يَقِفُ رسول الله ﷺ على القبيلة فيقول: \"يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفِّذَ عن الله ما بعثني به\". وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان، هذا يريد منكم أن تسلُخوا اللات والعزى، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أُقَيْش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه. فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب (^٣).\nرواه أحمد أيضًا، والطبراني بهذا اللفظ (^٤).\nفقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ أي: خسرت وخابت، وضلَّ عمله وسعيه، ﴿وَتَبَّ﴾ أي: وقد تَبَّ تحققُ خسارته وهلاكه.\n\n<span id=\"aya-6218\"></span>وقوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ قال ابن عباس وغيره: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ يعني: ولده (^٥). وَرُوي عن عائشة، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، مثله (^٦).\nوذُكر عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ لما دعا قومه إلى الإيمان، قال أبو لهب: إذا كان ما يقول ابن أخي حقًّا، فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي. فأنزل الله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ (^٧).\n\n<span id=\"aya-6219\"></span>وقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ أي: ذات شرر ولهيب وإحراق شديد،\n\n<span id=\"aya-6220\"></span>\n\n<span id=\"aya-6221\"></span>﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ وكانت زوجته من سادات نساء قريش، وهي: أُم جميل، واسمها أروى بنتُ حرب بن أُمية، وهي أخت أبي سفيان. وكانت عونًا لزوجها على كفره وجحوده وعناده؛ فلهذا تكون يوم القيامة عَونًا عليه في عذابه في نار جهنم. ولهذا قال: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ يعني: تحمل الحطب فتلقي على زوجها، ليزداد على ما هو فيه، وهي مُهَيَّأة لذلك مستعدة له.\n﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ قال مجاهد، وعروة: من مَسد النار (^٨).\n_________\n(^١) أي: أحملها.\n(^٢) (المسند ٣١/ ٣٤٢، ٣٤٣ ح ١٩٠٠٥) حسن سنده محققوه.\n(^٣) أخرجه ابن إسحاق (ينظر السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٨٧) وسنده ضعيف لضعف حسين بن عبد الله بن عبيد الله (التقريب ص ١٦٧) ويشهد له سابقه.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق به (المسند ٢٥/ ٤٠٧ ح ١٦٠٢٥)؛ والطبراني. (المعجم الكبير ٥/ ٦٣).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند حسن من طريق أبي الطفيل عن ابن عباس.\n(^٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن جريج عن عطاء عن مجاهد وعائشة.\n(^٧) أخرجه البغوي عن ابن مسعود تعليقًا بدون سند (معالم التنزيل ٤/ ٥٤٣).\n(^٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يزيد عن عروة ويزيد وهو ابن رومان أو ابن عبد الله بن خصيفة =","vol":"7","page":685},{"text":"وعن مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والثوري، والسدي: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ كانت تمشي بالنميمة (^١).\n[وقال العوفي، عن ابن عباس، وعطية الجدلي، والضحاك، وابن زيد: كانت تضع الشوك في طريق رسول الله ﷺ (^٢)، واختاره ابن جرير] (^٣).\nقال ابن جرير: وقيل: كانت تُعيِّر النبي ﷺ بالفقر، وكانت تحتطب، فعيرت بذلك (^٤).\nكذا حكاه، ولم يعزه إلى أحد. والصحيح الأول، والله أعلم.\nقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة، فقالت: لأنفقنها في عداوة محمد؛ يعني: فأعقبها الله بها حبلًا في جيدها من مسد النار.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وكيع، عن سليم مولى الشعبي، عن الشعبي قال: المسد: الليف (^٥).\nوقال عروة بن الزبير: المسد: سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا (^٦).\nوعن الثوري: هي قلادة من نار، طولها سبعون ذراعًا (^٧).\nوقال الجوهري: المَسَدُ: الليف. والمَسدَ أيضًا: حبل من ليف أو خوص، وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها، ومسدت الحبل أمسدُهُ مَسْدًا: إذا أجْدتُ فَتله (^٨).\nوقال مجاهد: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ أي: طوق من حديد، ألا ترى أن العرب يسمون البَكْرة مَسَدًا؟\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زُرْعة قالا: حدثنا عبد الله بن الزبير الحُمَيدي، حدثنا سُفيان، حدثنا الوليد بن كثير، عن ابن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ أقبلت العوراء أُم جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول:\nمُذَممًا أَبينَا\nودينَه قَلَينا\nوَأمْرَه عَصَينا\nورسول الله ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك. فقال رسول الله ﷺ: \"إنها لن تراني\". وقرأ قرآنا اعتصم به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء] فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﷺ فقالت: يا أبا بكر، إني\n_________\n= (تهذيب التهذيب ٧/ ١٨٢) وكلاهما ثقة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^١) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٥) لم أجده في تفسير الطبري، ونسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن الشعبي.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند حسن تقدم قبل أربع روايات.\n(^٧) أخرجه الطبري من طريق مهران عن سفيان.\n(^٨) الصحاح ١/ ٥٣٥.","vol":"7","page":686},{"text":"أُخبرتُ أن صاحبك هجاني؟ قال: لا، وربِّ هذا البيت ما هجاك. فولَّت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها. قال: وقال الوليد في حديثه أو غيره: فعثَرَت أُم جميل في مِرْطها وهي تطوف بالبيت، فقالت: تَعس مُذَمَّم. فقالت أُم حكيم بنت عبد المطلب: إني لحصانُ فما أكلَّم، وثَقَافُ فما أعلَّم، وكلنا من بني العم، وقريش بعد أعلم (^١).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد وأحمد بن إسحاق قالا: حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله ﷺ جالس، ومعه أبو بكر. فقال له أبو بكر: لو تَنَحَّيت لا تُؤذيك بشيء. فقال رسول الله ﷺ: \"إنه سَيُحال بيني وبينها\". فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك. فقال أبو بكر: لا، وربّ هذه البنية ما نَطَق بالشعر ولا يتفوه به. فقالت: إنك لمصدق، فلما ولَّت قال أبو بكر ﵁: ما رأتك؟! قال: \"لا، ما زال ملك يسترني حتى ولَّت\".\nثم قال البزار: لا نعلمه يُروَى بأحسنَ من هذا الإسناد، عن أبي بكر ﵁ (^٢).\nوقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ أي: في عنقها حبل من نار [جهنم] (^٣) تُرفَع به إلى شفيرها، ثم يرمى بها إلى أسفلها، ثم كذلك دائمًا.\nقال أبو الخطاب بن دَحْية في كتابه التنوير -وقد رَوَى ذلك-: وعُبر بالمسد عن حبل الدلو، كما قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب \"النبات\": كلّ مَسَد: رشاء، وأنشد في ذلك:\nوَبَكْرَةً ومِحْوَرًا صِرَارًا … وَمَسَدًا مِنْ أبق مُغَارًا\nقال: والأبقُ: القنَّبُ.\nوقال الآخر:\nيا مَسَدَ الخُوص تَعَوّذْ مني … إنْ تَكُ لَدْنًا لَيّنًا فإنِّي\nما شْئتَ مِنْ أشْمَطَ مُقْسَئِنّ\nقال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة؛ فإنه منذ نزل قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما لا ظاهرًا ولا باطنًا، لا مُسرًّا ولا مُعلنًا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة.\n[آخر تفسير ﴿تَبَّتْ﴾، ولله الحمد والمنّة] (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٤٥.\n(^٢) تقدم تخريجه في ثفسير سورة الإسراء آية ٤٥.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) زيادة من (ح) و(حم).","vol":"7","page":687},{"text":"<span data-type='title' id=toc-238>سُورَةُ الإِخْلَاصِ وهي مكية</span>\nذكر سبب نزولها وفضلها\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعد محمد بن [مُيَسّر] (^١) الصاغاني، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب: أن المشركين قالوا للنبي ﷺ: يا محمد، انسب لنا ربك، فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (^٢).\nوكذا رواه الترمذي، وابن جرير، عن أحمد بن منيع -زاد ابن جرير: ومحمود بن خِدَاش- عن أبي سعد محمد بن [مُيَسّر] (^٣) به -زاد ابن جرير والترمذي- قال: ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لم يلد ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله ﷻ لا يموت ولا يورث ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ ولم يكن له شبه ولا عِدل، وليس كمثله شيء.\nورواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي سعد محمد بن مُيَسّر، به. ثم رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، فذكره مرسلًا ولم يذكر \"أخبرنا\". ثم قال الترمذي: هذا أصح من حديث أبي سعد (^٤).\nحديث آخر في معناه: قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا سُرَيج بن يونس، حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر: أن أعرابيًّا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: انسب لنا ربك. فأنزل الله ﷿ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١). . .﴾ إلى آخرها (^٥). إسناده مقارب.\nوقد رواه ابن جرير عن محمد بن عوف، عن سُرَيج فذكره (^٦). وقد أرسله غير واحد من السلف.\n_________\n(^١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"مبشر\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه. (المسند ٣٥/ ١٤٣ ح ٢١٢١٩) وسنده حسن فقد أخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الإخلاص ح ٣٣٦٤) وابن خزيمة (التوحيد ١/ ٩٥ ح ١١)؛ والحاكم (المستدرك ٢/ ٥٤٠) كلهم بسنده ومتنه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١٣/ ٣٥٦)؛ وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٨٠).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"مبشر\".\n(^٤) تقدم تخريجه في سابقه.\n(^٥) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٨ ح ٢٠٤٤) وسنده ضعيف لضعف مجالد. ويشهد له سابقه.\n(^٦) أخرجه الطبري عن محمد بن عوف به، وحكمه كسابقه.","vol":"7","page":688},{"text":"وروى عُبيد بن إسحاق العطار، عن قيس بن الربيع، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ: أنسب لنا ربك، فنزلت هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (^١).\nقال الطبراني: رواه الفريابي وغيره، عن قيس، عن أبي عاصم، عن أبي وائل، مرسلًا (^٢). ثم رَوَى الطبراني من حديث عبد الرحمن بن عثمان الطائفي، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لكل شيء نسبة، ونسبة الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ \" (^٣).\nحديث آخر في فضلها: قال البخاري: حدثنا محمد -هو الذُّهليّ- حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو، عن ابن أبي هلال: أن أبا الرجال مُحمد بن عبد الرحمن حَدثه، عن أُمه عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن -وكانت في حِجْر عائشة زوج النبي ﷺ- عن عائشة: أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سَريَّة، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: \"سلوه: لأيّ شيء يصنع ذلك؟ \". فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ: \"أخبروه أن الله تعالى يحبه\" (^٤).\nهكذا رواه في كتاب \"التوحيد\". ومنهم من يسقط ذكر \"محمد الذّهلي\". ويجعله من روايته عن أحمد بن صالح. وقد رواه مسلم والنسائي أيضًا من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، به (^٥).\nحديث آخر: قال البخاري في كتاب الصلاة: \"وقال عُبَيد الله، عن ثابت، عن أنس قال: كان رجل من الأنصار يَؤمّهم في مسجد قُبَاء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حتى يَفرُغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة. فكلَّمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تُجزئُك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتَقرأ بأخرى. فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يَرَونَ أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يَؤمهم غيره\". فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: \"يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ \". قال: إني أحبها. قال: \"حُبك إياها أدخلك الجنة\" (^٦).\n_________\n(^١) يشهد له ما سبق.\n(^٢) سنده ضعيف لأنه مرسل، ويتقوى برواية أُبي بن كعب.\n(^٣) سنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن عثمان (التقريب ص ٣٤٦).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أُمته إلى توحيد الله تعالى ح ٧٣٧٥).\n(^٥) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] (ح ٨١٣)؛ وسنن النسائي، الإفتتاح، باب الفضل في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ٢/ ١٧٠.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الأذان، باب الجمع بين السورتين في الركعة ح ٧٧٤). وقد وصله الترمذي والإمام أحمد كما يلي.","vol":"7","page":689},{"text":"هكذا رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به. وقد رواه أبو عيسى الترمذي في جامعه، عن البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عُبَيد الله بن عمر، فذكر بإسناده مثله سواء، ثم قال الترمذي: غريب من حديث عبيد الله، عن ثابت. قال: وروى مُبَارك بن فَضالة، عن ثابت، عن أنس، أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أحب هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ قال: \"إن حُبَّك إياها أدخلك الجنة\" (^١).\nوهذا الذي علقه الترمذي قد رواه الإمام أحمد في مسنده متصلًا، فقال: حدثنا أبو النضر، حدثنا مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أحب هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"حبك إياها أدخلك الجنة\" (^٢).\nحديث في كونها تعدل ثلث القرآن: قال البخاري: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة، عن أبيه، عن أبي سعيد. أن رجلًا سمع رَجُلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالّها، فقال النبي ﷺ: \"والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن\". زاد إسماعيل بن جعفر، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: أخبرني أخي قتادة بن النعمان، عن النبي ﷺ (^٣).\nوقد رواه البخاري -أيضًا- عن عبد الله بن يوسف (^٤)، والقَعْنَبِيّ. ورواه أبو داود، عن القعنبي، والنسائي، عن قتيبة، كلهم عن مالك، به. وحديث قتادة بن النعمان أسنده النسائي من طريقين، عن إسماعيل بن جعفر، عن مالك، به (^٥).\nحديث آخر: قال البخاري: حدثنا عُمَر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا إبراهيم والضحاك المَشْرِقيّ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ \". فشقَّ ذلك عليهم وقالوا: أينا يُطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: \"الله الواحد الصمد ثلث القرآن\" (^٦).\nتفرد بإخراجه البخاري من حديث إبراهيم بن يزيد النَّخعي والضحاك بن شُرَحبيل الهمداني المشرقي، كلاهما عن أبي سعيد، قال الفَرَبرِيّ: سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم وراقَ أبي عبد الله قال: قال أبو عبد الله البخاري: عن إبراهيم مرسل، وعن الضحاك مسند (^٧).\n_________\n(^١) سنن الترمذي، فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة الإخلاص بعد حديث (٢٩٠١).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٤١) وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله تعالى ح ٧٣٧٤).\n(^٤) صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] (ح ٥٠١٤).\n(^٥) المصدر السابق (ح ٥٠١٣) وسنن أبي داود، الصلاة، باب في سورة الصمد (ح ١٤٦١) والسنن الكبرى للنسائي. فضائل القرآن، باب سورة الإخلاص (ح ٨٠٢٩).\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٥٠١٥).\n(^٧) المصدر السابق بعد حديث ٥٠١٥ مباشرة.","vol":"7","page":690},{"text":"حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لَهِيعَة، عن الحارث بن يزيد، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: \"والذي نفسي بيده، لَتَعدلُ نصف القرآن، أو ثلثه\" (^١).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حُييّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو: أن أبا أيوب الأنصاري كان في مجلس وهو يقول: ألا يستطيع أحدكم أن يقوم بثلث القرآن كل ليلة؟ فقالوا: وهل يستطيع ذلك أحد؟ قال: فإن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ثلث القرآن. قال: فجاء النبي ﷺ وهو يسمع أبا أيوب، فقال: \"صدق أبو أيوب\" (^٢).\nحديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسَان، أخبرني أبو حَازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"احشُدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن\". فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله ﷺ فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ثم دخل فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله ﷺ: \"فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن\". إني لأرى هذا خبرًا جاء من السماء، ثم خرج نبي الله ﷺ فقال: \"إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن\" (^٣).\nوهكذا رواه مسلم في صحيحه، عن محمد بن بشار، به (^٤). وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، واسم أبي حازم سلمان.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن زائدة بن قُدَامة، عن منصور، عن هلال بن يَساف، عن الربيع بن خُثَيم، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ قال: \"أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ في ليلة، فقد قرأ ليلتئذٍ ثلث القرآن\" (^٥).\nهذا حديث تُسَاعيّ الإسناد للإمام أحمد. ورواه الترمذي والنسائي، كلاهما عن محمد بن بشار بندار -زاد الترمذي وقتيبة- كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي، به (^٦). فصار لهما عُشَاريا.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ١٨٦ ح ١١١١٥) وضعفه محققوه لضعف ابن لهيعة.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ١٨٤ ح ٦٦١٣) وسنده كسابقه.\n(^٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة الإخلاص ح ٢٩٠٠) وسنده صحيح.\n(^٤) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] (ح ٨٢١).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤١٨) وسنده ضعيف لإبهام المرأة الأنصارية، ويشهد له ما سبق فيكون حسنًا لغيره.\n(^٦) سنن الترمذي، الباب السابق (ح ٢٨٩٦)؛ وسنن النسائي، الإفتتاح، باب الفضل في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (ح ١/ ١٧٢).","vol":"7","page":691},{"text":"وفي رواية الترمذي: \"عن امرأة أبي أيوب، عن أبي أيوب\"، به. ثم قال: وفي الباب عن أبي الدرداء، وأبي سعيد، وقتادة بن النعمان، وأبي هريرة، وأنس، وابن عمر، وأبي مسعود. وهذا حديث حسن، ولا نعلم أحدًا رَوَى هذا الحديث أحسن من رواية \"زائدة\". وتابعه على روايته إسرائيل، والفضيل بن عياض. وقد رَوَى شُعبةُ وغيرُ واحد من الثقات هذا الحديث عن منصور، واضطربوا فيه (^١).\nحديث آخر: قال أحمد: حدثنا هُشَيْم، عن حُصَين، عن هلال بن يَسَاف، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُبيّ بن كعب -أو: رجل من الأنصار- قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فكأنما قرأ بثلث القرآن\" (^٢).\nورواه النسائي في \"اليوم والليلة\"، من حديث هُشَيم، عن حُصَين، عن ابن أبي ليلى، به (^٣) ولم يقع في روايته: هلال بن يساف.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا وَكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن عمرو بن ميمون، عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدلُ ثلث القرآن\" (^٤).\nوهكذا رواه ابن ماجه، عن علي بن محمد الطَّنافسي، عن وَكِيع، به. ورواه النسائي في \"اليوم والليلة\" من طرق أخر، عن عمرو بن ميمون، مرفوعًا وموقوفًا.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا بَهْز، حدثنا [بُكَير] (^٥) بن أبي السَّميط، حدثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مَعْدَان بن أبي طلحة، عن أبي الدّرداء، أن رسول الله ﷺ قال: \"أيعجزُ أحدُكم أن يَقرأ كلّ يوم ثلث القرآن؟ \". قالوا: نعم يا رسول الله، نحن أضعفُ من ذلك وأعجز. قال: \"فإن الله جَزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ثلث القرآن\" (^٦).\nورواه مسلم والنسائي، من حديث قتادة، به (^٧).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أُمية بن خالد، حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم -ابن أخي ابن شهاب- عن عمه الزهري، عن حُمَيد بن عبد الرحمن -هو ابن عوف- عن أُمه -وهي: أُم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط- قالت: قال رسول الله ﷺ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تَعدلُ ثُلُثَ القرآن\" (^٨).\n_________\n(^١) سنن الترمذي، ما بعد حديث (٢٨٩٦).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره. (المسند ٣٥/ ١٩٧ ح ٢١٢٧٥).\n(^٣) السنن الكبرى (ح ١٠٥٢١).\n(^٤) (المسند ٤/ ١٢٢)؛ وسنن ابن ماجه، الأدب، باب ثواب القرآن (ح ٣٧٨٩)؛ والسنن الكبرى (ح ١٠٥٢٤) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٠٥٦).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"بكر\".\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤٤٧) وسنده صحيح.\n(^٧) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] (ح ٨١١)، والسنن الكبرى للنسائي، كتاب عمل اليوم والليلة (ح ١٠٥٣٧).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، (المسند ٤٥/ ٢٤٤ ح ٢٧٢٢٧٤) وصحح سنده محققوه.","vol":"7","page":692},{"text":"وكذا رواه النسائي في \"اليوم والليلة\"، عن عمرو بن علي، عن أُمية بن خالد، به (^١). ثم رواه من طريق مالك، عن الزهري، عن حُمَيد بن عبد الرحمن، قوله. ورواه النسائي أيضًا في \"اليوم والليلة\" من حديث محمد بن إسحاق، عن الحارث بن الفُضَيل الأنصاري، عن الزهري، عن حُمَيد بن عبد الرحمن: أن نَفَرًا من أصحاب محمد ﷺ حَدثوه عن النبي ﷺ أنه قال: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تَعدلُ ثُلُثَ القرآن لمن صلى بها\" (^٢).\nحديث آخر في كون قراءتها توجب الجنة: قال الإمام مالك بن أنس، عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن عُبيد بن حُنَين قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت مع النبي ﷺ، فسمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"وَجَبَتْ\". قلت: وما وَجَبت؟ قال: \"الجنة\".\nورواه الترمذي والنسائي، من حديث مالك. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث مالك (^٣).\nوتقدم حديث: \"حُبّك إياها أدخلك الجنة\".\nحديث في تكرار قراءتها: قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا [قَطن بن نُسير] (^٤) الغبري، حدثنا عبيس بن ميمون القرشي، حدثنا يزيد الرقاشى، عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أما يستطيع أحدكم أن يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ثلاث مرات في ليلة، فإنها تعدلُ ثلث القرآن؟ \" (^٥).\nهذا إسناد ضعيف، وأجود منه حديث آخر، قال عبد الله ابن الإمام أحمد:\nحدثنا محمد بن أبي بكر المُقَدمي، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن أُسيد بن أبي أُسيد، عن معاذ بن عبد الله بن خُبيب، عن أبيه قال: أصابنا طَشٌّ وظلمة، فانتظرنا رسول الله ﷺ يصلي لنا، فخرج فأخذ بيدي، فقال: \"قل\". فسكت. قال: \"قل\". قلت: ما أقول؟ قال: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثًا، تكفك كل يوم مرتين\" (^٦).\nورواه أبو داود والترمذي والنسائي، من حديث ابن أبي ذئب، به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقد رواه النسائي من طريق أخرى، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، فذكره [ولفظه: \"تكفيك كل شيء\"] (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) السنن الكبرى (ح ١٠٥٣١).\n(^٢) السنن الكبرى (ح ١٠٥٣٢).\n(^٣) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، القرآن، باب ما جاء في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] ٢/ ٢٠٨ ح ١٨)؛ وأخرجه الترمذي من طريقه (السنن، فضائل القرآن باب سورة الإخلاص ح ٢٨٩٧)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٢٠)؛ وكذا أخرجه النسائي، السنن، الإفتتاح (٢/ ١٧١).\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"مطر بن بشير\".\n(^٥) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٧/ ١٥٠ ح ٤١١٨) وسنده ضعيف جدًّا لأن عبيس بن ميمون متروك. (مجمع الزوائد ٧/ ١٤٧).\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند ٣٧/ ٣٣٥ ح ٢٢٦٦٤).\n(^٧) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٨) سنن أبي داود، الأدب، باب ما يقول إذا أصبح (ح ٥٠٨٢)؛ وسنن الترمذي، الدعوات، باب الدعاء يقال عند النوم (ح ٣٥٧٥)؛ وسنن النسائي، كتاب الاستعاذة، في بدايته، (٨/ ٢٥٠)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٢٤١).","vol":"7","page":693},{"text":"حديث آخر في ذلك: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، حدثني الخليل بن مرة، عن الأزهر بن عبد الله، عن تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال: لا إله إلا الله واحدًا أحدًا صمدًا، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحدًا، عشر مرات، كُتِب له أربعون ألف ألف حسنة\" (^١).\nتفرد به أحمد، والخليل بن مُرّة: ضعفه البخاري وغيره بمُرّة.\nحديث آخر: قال أحمد أيضًا: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثنا [زَبَّان] (^٢) بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حتى يختمها، عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة\". فقال عمر: إذن نستكثر يا رسول الله. فقال ﷺ: \"الله أكثر وأطيب\". تفرد به أحمد (^٣).\nورواه أبو محمد الدارمي في مسنده فقال: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثنا أبو [عقيل] (^٤) وغيره عن معبد -قال الدارمي: وكان من الأبدال- أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبي الله ﷺ: \"من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بني الله له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاثة قصور في الجنة\". فقال عمر بن الخطاب: إذن لتكثر قصورنا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"الله أوسع من ذلك\" (^٥). وهذا مرسل جيد.\nحديث آخر: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا [نصر] (^٦) بن علي، حدثني نوح بن قيس، أخبرني محمد العطار، أخبرتني أُم كثير الأنصارية، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ خمسين مرة غُفرت له ذنوب خمسين سنة\" (^٧). إسناده ضعيف.\nحديث آخر: قال أبو يعلى: حدثنا أبو الربيع، حدثنا حاتم بن ميمون، حدثنا ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ في يوم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ مائتي مرة، كتب الله له ألفًا وخمسمائة حسنة إلا أن يكون عليه دين\" (^٨). إسناده ضعيف، حاتم بن ميمون: ضعفه البخاري وغيره. ورواه الترمذي، عن محمد بن مرزوق البصري، عن حاتم بن ميمون، به. ولفظه: \"من قرأ كل يوم، مائتي مرة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ محي عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دَين\".\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٣) وسنده ضعيف لضعف الخليل.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"زياد\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٣٧) وسنده ضعيف لضعف ابن لهيعة وزبان كما في التقريب.\n(^٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"عبيد\".\n(^٥) أخرجه الدارمي بسنده ومتنه (السنن، فضائل القرآن، باب في فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] ٢/ ٤٥٩) وسنده ضعيف لأنه مرسل.\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"مصر\".\n(^٧) ضعف سنده الحافظ ابن كثير.\n(^٨) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٠٣) وضعف سنده الحافظ ابن كثير.","vol":"7","page":694},{"text":"قال الترمذي: وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ قال: \"من أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب ﷿: يا عبدي، ادخُل على يمينك الجنة\". ثم قال: غريب من حديث ثابت، وقد رُوي من غير هذا الوجه، عنه (^١).\nوقال أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا حَبّان بن أغلب، حدثنا أبي، حدثنا ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ مائتي مرة، حطَّ الله عنه ذنوب مائتي سنة\". ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا الحسن بن أبي جعفر، والأغلب بن [تميم] (^٢)، وهما متقاربان في سوء الحفظ (^٣).\nحديث آخر في الدعاء بما تضمنته من الأسماء: قال النسائي عند تفسيرها: حدثنا عبد الرحمن بن خالد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني مالك بن مِغْول، حدثنا عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه: أنه دخل مع رسول الله ﷺ المسجد فإذا رجل يصلي، يدعو يقول: اللهم، إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. قال: \"والذي نفسي بيده، لقد سأله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب\".\nوقد أخرجه بَقِيَّة أصحاب السنن من طُرُق، عن مالك بن مِغْول، عن عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه، به. وقال الترمذي: حسن غريب (^٤).\nحديث آخر في قراءتها عشر مرات بعد المكتوبة: قال الحافظ أبو يعلى [الموصلي] (^٥): حدثنا عبد الأعلى، حدثنا بشر بن منصور، عن عمر بن [نبهان] (^٦)، عن أبي شداد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث من جاء بِهِنّ مع الإيمان دَخَل من أيِّ أبواب الجنة شاء، وزُوِّج من الحور العين حيث شاء: من عفا عن قاتله، وأدَّى دينا خفيًّا، وقرأ في دُبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ \". قال: فقال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله؟ قال: \"أو إحداهن\" (^٧).\nحديث في قراءتها عند دخول المنزل: قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن\n_________\n(^١) سنن الترمذي، فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة الإخلاص (ح ٢٨٩٨) وسنده ضعيف كسابقه لضعف حاتم بن ميمون.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: \"مهم\".\n(^٣) أخرجه ابن الضريس من طريق الحسن بن أبي جعفر عن ثابت به (فضائل القرآن ح ٢٦٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، باب الدعاء ح ١٤٩٣)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٣٢٤، ١٣٢٥)؛ وسنن الترمذي، فضائل القرآن (ح ٣٨٧٥)؛ وسنن ابن ماجه، الأدب، باب اسم الله الأعظم (ح ٣٨٥٧).\n(^٥) زيادة من (ح).\n(^٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"سان\".\n(^٧) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣٣٢ ح ١٧٩٤) وسنده ضعيف جدًّا لأن عمر بن نبهان متروك (مجمع الزوائد ١٠/ ١٠٢).","vol":"7","page":695},{"text":"عبد الله بن بكر السراج العسكري، حدثنا محمد بن الفرج، حدثنا محمد بن الزبرقان، عن مروان بن سالم، عن أبي زُرْعَة بن عمرو بن جرير، عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حين يدخل منزله، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل والجيران\" (^١). إسناده ضعيف.\nحديث في الإكثار من قراءتها في سائر الأحوال: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، حدثنا يزيد بن هارون، عن العلاء بن محمد الثقفي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم نرها طلعت فيما مضى بمثله، فأتى جبريل النبي ﷺ فقال: \"يا جبريل، ما لي أرى الشمس طلعت اليوم بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت بمثله فيما مضى؟ \". قال: إن ذلك معاوية بن معاوية الليثي، مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: \"وفيم ذلك؟ \" قال: كان يكثر قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ في الليل وفي النهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: \"نعم\". فصلى عليه (^٢).\nوكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في [كتاب] (^٣) \"دلائل النبوة\" من طريق يزيد بن هارون، عن العلاء أبي محمد (^٤) -وهو متهم بالوضع- فالله أعلم.\nطريق أخرى: قال أبو يعلى: حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي أبو عبد الله، حدثنا عثمان بن الهيثم -مؤذن مسجد الجامع بالبصرة عندي- عن محمود أبي عبد الله، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس قال: نزل جبريل على النبي ﷺ فقال: مات معاوية بن معاوية الليثي، فتحب أن تصلي عليه؟ قال: \"نعم\". فضرب بجناحه الأرض، فلم تبقَ شجرة ولا أكمَة إلا تضعضعت، فرفع سريره فنظر إليه، فكبَّر عليه وخلفه صفان من الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك، فقال النبي ﷺ: \"يا جبريل، بمَ نال هذه المنزلة من الله تعالى؟ \". قال بحبه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وقراءته إياها ذاهبًا وجائيًا وقاعدًا، وعلى كل حال (^٥).\nورواه البيهقي، من رواية عثمان بن الهيثم المؤذن، عن محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس، فذكره (^٦). وهذا هو الصواب، ومحبوب بن هلال قال أبو حاتم الرازي: \"ليس بالمشهور\" (^٧). وقد روي هذا من طرق أخر، تركناها اختصارًا، وكلها ضعيفة.\nحديث آخر في فضلها مع المعوذتين: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله ﷺ، فابتدأته فأخذتُ بيده، فقلت: يا رسول الله، بمَ نجاة المؤمن؟ قال: \"يا عقبة،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ٣٤٠ ح ٢٤١٩) وسنده ضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٢٥٦ ح ٤٢٦٧) وسنده ضعيف جدًّا لأن العلاء متهم بالوضع.\n(^٣) زيادة من (ح).\n(^٤) دلائل النبوة ٥/ ٢٤٥.\n(^٥) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٢٥٨ ح ٤٢٦٨) وضعف سنده محققه: حسين سليم أسد، وضعف طرقه كلها الحافظ ابن كثير.\n(^٦) دلائل النبوة ٥/ ٢٤٦.\n(^٧) الجرح والتعديل ٨/ ٣٨٩.","vol":"7","page":696},{"text":"احْرُسْ لسانك وليسَعَك بيتُك، وابْكِ على خطيئتك\". قال: ثم لقيني رسول الله ﷺ، فابتدأني فأخذ بيدي، فقال: \"يا عقبة بن عامر، ألا أعلمك خير ثلاث سُوَر أنزلت في التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن العظيم؟ \". قال: قلت: بلى، جعلني الله فداك. قال: فأقرأني: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس]، ثم قال: \"يا عقبة، لا تَنْسَهُن ولا تُبتْ ليلة حتى تقرأهن\". قال: فما نسيتهن منذ قال: \"لا تنسهن\"، وما بت ليلة قط حتى أقرأهن. قال عقبة، ثم لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال. فقال: \"يا عقبة، صِلْ من قطعك، وأعْطِ من حَرَمَك، وأعرض عمَّن ظلمك\" (^١).\nروى الترمذي بعضه في \"الزهد\"، من حديث عُبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد وقال: هذا حديث حسن (^٢). وقد رواه أحمد من طريق آخر: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ابن عياش، عن أسيد بن عبد الرحمن الخَثْعَمي، عن فرْوَة بن مجاهد اللخمي، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ، فذكر مثله سواء (^٣). تفرد به أحمد.\nحديث آخر في الاستشفاء بهن: قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا المفضل، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كُل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات (^٤).\nوهكذا رواه أهل السنن، من حديث عُقَيل، به.\n\n<span id=\"aya-6222\"></span>بسم الله لرحمن الرحيم\n﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.\nقد تقدم ذكر سبب نزولها. وقال عكرمة: لما قالت اليهود: نحن نعبد عُزيرَ ابن الله، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله. وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان، أنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (^٥).\nيعني: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٤٨) وسنده ضعيف لضعف علي بن يزيد والقاسم.\n(^٢) السنن، الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان (ح ٢٤٠٦) وسنده كسابقه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد عن حسين بن محمد به، وحسن سنده محققوه بالمتابعات (المسند ٢٨/ ٦٥٤ ح ١٧٤٥٢).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، فضائل القرآن، باب فضل المعوذات ح ٥٠١٧).\n(^٥) سنده ضعيف لأنه مرسل، ويخالف ما ثبت عن أُبي بن كعب.","vol":"7","page":697},{"text":"يُطلَق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله ﷿؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله.\n\n<span id=\"aya-6223\"></span>وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ قال عكرمة، عن ابن عباس: يعني الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم ومسائلهم (^١).\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته (^٢).\nوهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغى إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار.\nوقال الأعمش، عن شقيق، عن أبي وائل: ﴿الصَّمَدُ﴾ السيد الذي قد انتهى سؤدده (^٣)، ورواه عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، مثله (^٤).\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿الصَّمَدُ﴾ السيد (^٥).\nوقال الحسن، وقتادة: هو الباقي بعد خلقه (^٦). وقال الحسن أيضًا: ﴿الصَّمَدُ﴾ الحي القيوم الذي لا زوال له.\nوقال عكرمة: ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم (^٧).\nوقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد (^٨). كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ وهو تفسير جيد. وقد تقدم الحديث من رواية ابن جرير، عن أُبي بن كعب في ذلك، وهو صريح فيه.\nوقال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبد الله بن بُريدة، وعكرمة أيضًا، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، والضحاك، والسدي: ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لا جوف له (^٩).\nقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿الصَّمَدُ﴾ المصمت الذي لا جوف له (^١٠).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق الأعمش به.\n(^٤) أخرجه الحافظ ابن حجر بسنده من طريق عاصم به. (تغليق التعليق ٤/ ٣٨٠) وسنده حسن.\n(^٥) سنده صحيح.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة: وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء محمد بن سيف عن عكرمة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(^٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بالآثار التالية: أخرجه الطبري وابن أبي عاصم (السنة ٦٧٥) بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق سلمة بن نبيط عن الضحاك؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن عكرمة.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح عن الثوري به.","vol":"7","page":698},{"text":"وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب (^١).\nوقال عبد الله بن بُرَيدة أيضًا: ﴿الصَّمَدُ﴾ نور يتلألأ.\nروى ذلك كلَّه وحكاه: ابن أبي حاتم، والبيهقي والطبراني، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده، وقال: حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن عمر بن رومي، عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، حدثني صالح بن حيان، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال -لا أعلم إلا قد رفعه- قال: ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لا جوف له (^٢). وهذا غريب جدًّا، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بُريدة.\nوقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة له، بعد إيراده كثيرًا من هذه الأقوال في تفسير \"الصمد\": وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا ﷿، وهو الذي يُصمَد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقي نحو ذلك أيضًا.\n\n<span id=\"aya-6224\"></span>\n\n<span id=\"aya-6225\"></span>وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة.\nقال مجاهد: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ يعني: لا صاحبة له (^٣).\nوهذا كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] أي: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه من نظير يساميه، أو قريب يدانيه؟ تعالى وتقدس وتنزه. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾ [الصافات] وفي الصحيح -صحيح البخاري-: \"لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويعافيهم\" (^٤).\nوقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ قال: \"قال الله ﷿: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يُعيدَني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته،\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي.\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق طلحة بن مصرف عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. (الصحيح، الأدب، باب الصبر على الأذى ح ٦٠٩٩).","vol":"7","page":699},{"text":"وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا. وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد\" (^١).\nورواه أيضًا من حديث عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، مرفوعًا بمثله. تفرد بهما من هذين الوجهين (^٢).\nآخر تفسير سورة \"الإخلاص\"، ولله الحمد والمنّة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] ح ٤٩٧٤).\n(^٢) المصدر السابق، باب قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص] (ح ٤٩٧٥).","vol":"7","page":700},{"text":"<span data-type='title' id=toc-239>تفسير سورتي المعوَّذتين وهما مدنيتان</span>\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عاصم بن بَهْدَلة، عن زرِّ بنُ حُبَيش قال: قلت لأُبي بن كعب: إن ابن مسعود [كان] (^١) لا يكتب المعوَّذتين في مصحفه؟ فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ أخبرني أن جبريل ﵇، قال له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ فقلتها، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ فقلتها. فنحن نقول ما قال النبي ﷺ (^٢).\nورواه أبو بكر الحُميدي في مسنده، عن سفيان بن عيينة، حدثنا عبدة بن أبي لُبَابة وعاصم بن بهدلة، أنهما سمعا زرَّ بن حبيش قال: سألتُ أُبي بن كعب عن المعوذتين، فقلت: يا أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يَحُكَّهما من المصحف. فقال: إني سألت رسول الله ﷺ، فقال: \"قيل لي: قل، فقلت\". فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ (^٣).\nوقال أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زرٍّ قال: سألتُ ابنَ مسعود عن المعوذتين فقال: سألتُ النبي ﷺ عنهما فقال: \"قيل لي، فقلت لكم، فقولوا\". قال أُبي: فقال لنا النبي ﷺ فنحن نقول (^٤).\nوقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا عَبدةُ بن أبي لُبَابة، عن زرِّ بن حُبَيش -وحدثنا عاصم عن زرٍّ- قال: سألت أُبي بن كعب فقلت: أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. فقال: إني سألت النبي ﷺ فقال: \"قيل لي، فقلت\". فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ (^٥).\nورواه البخاري -أيضًا- والنسائي، عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عبدة وعاصم بن أبي النجود، عن زرِّ بن حبيش، عن أُبى بن كعب، به (^٦).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الأزرق بن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا الصَّلْت بن بَهرَام، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كان عبد الله [يَحُكُّ] (^٧) المعوَّذتين من المصحف، ويقول:\n_________\n(^١) زيادة من المسند.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه، وصححوه بالمتابعات. (المسند ٣٥/ ١١٦ ح ٢١١٨٥).\n(^٣) أخرجه الحميدي بسنده ومتنه. (المسند ١/ ١٨٥ ح ٣٧٤)، وسنده صحيح.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٥/ ١٢٩)، وسنده حسن.\n(^٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق] ح ٤٩٧٧).\n(^٦) المصدر السابق (ح ٤٩٧٦).\n(^٧) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"يحل\".","vol":"7","page":701},{"text":"إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوذ بهما، ولم يكن عبد الله يقرأ بهما (^١).\nورواه عبد الله بن أحمد من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان عبد الله يحكُّ المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله. قال الأعمش: وحدثنا عاصم، عن زرِّ بن حبيش، عن أُبي بن كعب قال: سألنا عنهما رسول الله ﷺ، قال: \"قيل لي، فقلت\" (^٢).\nوهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء: أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النبي ﷺ، ولم يتواتر عنده (^٣)، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة ﵃، كتبوهما في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنة.\nوقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن بيان، عن قيس بن أبي حَازم، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم يُر مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ \" (^٤).\nورواه أحمد، ومسلم أيضًا، والترمذي، والنسائي، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة، به. وقال الترمذي: حسن صحيح (^٥).\nطريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عُقبة بن عامر قال: بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نَقب من تلك النقاب، إذ قال لي: \"يا عقبة، ألا تَركب؟ \". قال: [فَأجْلَلْتُ رسول الله ﷺ أن أركب مركبه. ثم قال: \"يا عُقيب، ألا تركب؟ \". قال] (^٦): فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنيهة، ثم ركب، ثم قال: \"يا عُقيب، ألا أُعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ \". قلت: بلى يا رسول الله. فأقرأني: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾. ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله ﷺ فقرأ بهما، ثم مرَّ بي فقال: \"كيف رأيت يا عقيب؟ اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت\" (^٧).\nورواه [النسائي] (^٨) من حديث الوليد بن مسلم وعبد الله بن المبارك كلاهما عن ابن\n_________\n(^١) يشهد له ما يليه.\n(^٢) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائده على المسند من طريق الأعمش به، وصحح سنده محققوه. (المسند ٣٥/ ١١٧، ح ٢١١٨٨).\n(^٣) وبهذا أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الإشكال. (فتح الباري ٨/ ٧٤٣).\n(^٤) أخرجه مسلم بسنده ومتنه. (الصحيح، صلاة المسافرين، باب فضل قراءة المعوذتين ح ٨١٤).\n(^٥) (المسند ٤/ ١٥٢ والمصدر السابق، وسنن الترمذي، فضائل القرآن، باب ما جاء في المعوذتين ح ٢٩٠٢)؛ وسنن النسائي ٢/ ١٥٨.\n(^٦) زيادة من المسند.\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٤/ ١٤٤) وسنده حسن؛ وقد حسنه الألباني كما سيأتي.\n(^٨) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل حُرِّف إلى: الترمذي.","vol":"7","page":702},{"text":"جابر به (^١).\nورواه أبو داود والنسائي -أيضًا-، من حديث ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عقبة، به (^٢).\nطريق أخرى: قال أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني يزيد بن عبد العزيز الرعيني وأبو مرحوم، عن يزيد بن محمد القرشي، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دُبر كل صلاة.\nورواه أبو داود والترمذي والنسائي، من طرق، عن علي بن رباح. وقال الترمذي: غريب (^٣).\nطريق أخرى: قال أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لَهِيعة، عن مشَرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"اقرأ بالمعوذتين، فإنك لن تقرأ بمثلهما\". تفرد به أحمد (^٤).\nطريق أخرى: قال أحمد: حدثنا حيوة بن شُرَيْح، حدثنا بَقِيَّة، حدثنا بَحِير بن سعد، عن خالد بن مَعْدان، عن جُبَير بن نُفَير، عن عقبة بن عامر أنه قال: إن رسول الله ﷺ أهديت له بغلة شهباء، فركبها فأخذ عقبة يقودها له، فقال رسول الله ﷺ لعقبة: \"اقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ \". فأعادها له حتى قرأها، فعرف أني لم أفرح بها جدًّا. فقال: \"لعلك تهاونت بها؟ فما قمت تصلي بشيء مثلها\".\nورواه النسائي عن عمرو بن عثمان، عن بَقيَّة، به. ورواه النسائي -أيضًا- من حديث الثوري، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عقبة بن عامر: أنه سأل رسول الله ﷺ عن المعوذتين، فذكر نحوه (^٥).\nطريق أخرى: قال النسائي: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، سمعت النعمان، عن زياد أبي الأسد، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ \" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي من طريق الوليد بن مسلم به. (السنن، الاستعاذة باب (١) ٨/ ٢٥٣ حسنه الألباني في صحيح سنن النسائي ح ٥٠٢٥).\n(^٢) سنن أبي داود، الصلاة، باب في المعوذتين (ح ١٤٦٢)؛ وسنن النسائي، الاستعاذة ٨/ ٢٥٣؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٤٦٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٤/ ١٥٥)؛ وأخرجه أبو داود. (السنن، الصلاة، باب في الاستغفار ح ١٥٢٣)؛ والترمذي (السنن، فضائل القرآن، باب المعوذتين ح ٢٩٠٣)؛ والنسائي (السنن، السهو ٣/ ٦٨)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٣٤٨).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٤/ ١٤٦) وفي سنده ابن لهيعة؛ ويشهد له ما أخرجه النسائي عن جابر. (السنن، الاستعاذة ٨/ ٢٥٣)؛ وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح ٥٠٢٩).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٤/ ١٤٩)؛ وأخرجه النسائي، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٥٠٢١).\n(^٦) أخرجه النسائي بسنده ومتنه. (السنن، الاستعاذة، باب (١) ٨/ ٢٥٢)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٥٠١٩).","vol":"7","page":703},{"text":"طريق أخرى: قال النسائي: أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن عقبة بن عامر قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: \"يا عقبة، قل\". فقلت: ماذا أقول؟ فسكت عني، ثم قال: \"قل\". قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ [فسكت عني، فقلت: اللَّهم اردده عليَّ فقال: \"يا عقبة قل\". قلت: ماذا أقول يا رسول الله] (^١) فقال: \" ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ \"، فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال: \"قل\". قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: \" ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ \"، فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: \"ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما\" (^٢).\nطريق أخرى: قال النسائي: أخبرنا محمد بن [بشار] (^٣)، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا معاوية، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عُقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في صلاة الصبح (^٤).\nطريق أخرى: قال النسائي: أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عمران أسلم، عن عُقبة بن عامر قال: اتبعت رسول الله ﷺ وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه فقلت: أقرئني سورة هود أو سورة يوسف. فقال: \"لن تقرأ شيئًا أنفع عند الله من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ \" (^٥).\nحديث آخر: قال النسائي: أخبرنا محمود بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا أبو عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي عبد الله، عن ابن عابس الجهني: أن النبي ﷺ قال له: \"يا ابن عابس، ألا أدلك -أو: ألا أخبرك- بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؟ \". قال: بلى، يا رسول الله. قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، هاتان السورتان\" (^٦).\nفهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه، تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث.\nوقد تقدم في رواية صُدَيّ بن عجلان، وفَرْوَةَ بن مُجَاهد، عنه: \"ألا أعلمك ثلاثَ سُورَ لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلهن؟ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ \" (^٧).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا الجريري، عن أبي العلاء قال: قال رجل: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، والناس يعتقبون، وفي الظهر قلة، فحانت نَزْلَة رسول الله ﷺ ونزلتي، فلحقني فضرب منكبي، فقال: \" ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ \"، فقرأها\n_________\n(^١) زيادة من سنن النسائي.\n(^٢) أخرجه النسائي بسنده ومتنه. (المصدر السابق)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٥٠٢٦).\n(^٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: يسار.\n(^٤) أخرجه النسائي بسنده ومتنه. (المصدر السابق) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٥٠٢٣).\n(^٥) أخرجه النسائي بسنده ومتنه. (المصدر السابق) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٥٠٢٧).\n(^٦) أخرجه النسائي بسنده ومتنه. (المصدر السابق) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٥٠٢٠).\n(^٧) تقدم في فضائل سورة الإخلاص.","vol":"7","page":704},{"text":"رسول الله ﷺ وقرأتها معه، ثم قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، فقرأها رسول الله ﷺ وقرأتها معه، فقال: \"إذا صلَّيتَ فاقرأ بهما\" (^١).\nالظاهر أن هذا الرجل هو عُقبة بن عامر، والله أعلم.\nورواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية، به (^٢).\nحديث آخر: قال النسائي: أخبرنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، عن عبد الله بن سعيد، حدثني يزيد بن [رومان] (^٣)، عن عُقبة بن عامر، عن عبد الله الأسلمي -هو ابن أنيس-: أن رسول الله ﷺ وضع يده على صدره ثم قال: \"قل\". فلم أدرِ ما أقول، ثم قال لي: \"قل\". قلت ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص]. ثم قال لي: \"قل\". قلت: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾، حتى فرغت منها، ثم قال لي: \"قل\". قلت: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ حتى فرغت منها. فقال رسول الله ﷺ: \"هكذا فَتَعَوّذْ، ما تعوذَ المتعوذون بمثلهن قط\" (^٤).\nحديث آخر: قال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي أبو حفص، حدثنا بَدَل، حدثنا شداد بن سعيد أبو طلحة، عن سعيد الجُرَيري، حدثنا أبو نَضْرة، عن جابر بن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"اقرأ يا جابر\". قلت: وما أقرأ بأبي أنت وأُمي؟ قال: \"اقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾. فقرأتهما، فقال: \"اقرأ بهما، ولن تقرأ بمثلهما\" (^٥).\nوتقدم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهن، وينفث في كفيه، ويمسح بهما رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده.\nوقال الإمام مالك: عن ابن شهاب، عن عُرْوَة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح بيده عليه، رجاء بركتها (^٦).\nورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم؛ عن يحيى بن يحيى، وأبو داود، عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة -ومن حديث ابن القاسم، وعيسى بن يونس- وابن ماجه من حديث معن وبشر بن عُمَر، ثمانيتهم عن مالك، به (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٣٣/ ٤٠٦ ح ٢٠٢٨٤).\n(^٢) السنن الكبرى، الاستعاذة (ح ٧٨٥٩) وسنده صحيح كسابقه.\n(^٣) زيادة من (ح) و(حم).\n(^٤) أخرجه النسائي بسنده ومتنه. (المصدر السابق ح ٧٨٤٥) وتقدمت شواهده الصحيحة.\n(^٥) أخرجه النسائي بسنده ومتنه. (المصدر السابق ح ٧٨٥٤). وقال الألباني: حسن صحيح. (صحيح سنن النسائي ح ٥٠٢٩).\n(^٦) أخرجه مالك بسنده ومتنه. (الموطأ، العين، باب التعوذ والرقية في المرض ٢/ ٩٤٢ ح ١٠).\n(^٧) صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب فضل المعوذات (ح ٥٠١٦)؛ وصحيح مسلم، السلام، باب رقية المريض بالمعوذات والنفث (ح ٥١٩٢/ ٥١)؛ وسنن أبو داود، الطب، باب كيف الرقي (ح ٣٩٠٢)؛ والسنن الكبرى، عمل اليوم والليلة (ح ٧٥٤٩)؛ وسنن ابن ماجه، الطب، باب النفث في الرقية (ح ٣٥٢٩).","vol":"7","page":705},{"text":"وتقدم في آخر سورة: ﴿ن﴾ [القلم] من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان وعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما. رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن.\n\n<span id=\"aya-6226\"></span>﷽\n﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا حسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: الفلق: الصبح (^١).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿الْفَلَقِ﴾ الصبح. ورُوي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن محمد بن عقيل، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وابن زيد، ومالك عن زيد بن أسلم، مثل هذا (^٢).\nقال القرظي، وابن زيد، وابن جرير: وهي كقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿الْفَلَقِ﴾ الخلق (^٤). وكذا قال الضحاك: أمر الله نبيه أن يتعوذ من الخلق كله.\nوقال كعب الأحبار: ﴿الْفَلَقِ﴾ بيت في جهنم، إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره (^٥)، ورواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سهيل بن عثمان، عن رجل سماه، عن السدي، عن زيد بن علي، عن آبائه أنهم قالوا: ﴿الْفَلَقِ﴾ جب في قعر جهنم، عليه غطاء، فإذا كشف عنه خرجت منه نار تصيح منه جهنم، من شدة حر ما يخرج منه (^٦).\nوكذا رُوي عن عمرو بن [عَبَسَةَ] (^٧)، والسدي (^٨)، وغيرهم. وقد ورد في ذلك حديثٌ مرفوع منكر، فقال ابن جرير:\nحدثني إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري من طريق أبي أحمد الزبيري به. وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له سابقه ولاحقه.\nوأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق سالم الأفطس عن سعيد بن جبير؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي صخر عن القرظي.\n(^٣) تقدم تخريجهما بالسندين السابقين.\n(^٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.\n(^٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي عبيد عن كعب.\n(^٦) سنده ضعيف لإبهام شيخ سهيل بن عثمان.\n(^٧) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: عنبسة.\n(^٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن السدي.","vol":"7","page":706},{"text":"نصر بن خزيمة الخراساني، عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ قال: \" ﴿الْفَلَقِ﴾ جُبّ في جهنم مغطى\" (^١) إسناده غريب ولا يصح رفعه.\nوقال أبو عبد الرحمن الحبلي: ﴿الْفَلَقِ﴾ من أسماء جهنم (^٢).\nقال ابن جرير: والصواب القول الأول، أنه فلق الصبح (^٣). وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري ﵀، في صحيحه (^٤).\n\n<span id=\"aya-6227\"></span>وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ أي: من شر جميع المخلوقات.\nوقال ثابت البناني، والحسن البصري: جهنم وإبليس وذريته مما خلق.\n\n<span id=\"aya-6228\"></span>﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ قال مجاهد: غاسقُ الليلُ إذا وقبَ غُروبُ الشمس. حكاه البخاري عنه (^٥). ورواه ابن أبي نَجِيح، عنه. وكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، وخُصَيف، والحسن، وقتادة: إنه الليل إذا أقبل بظلامه (^٦).\nوقال الزهري: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ الشمس إذا غربت.\nوعن عطية وقتادة: إذا وقب الليل: إذا ذهب (^٧).\nوقال أبو المهزَّم، عن أبي هريرة: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ كوكب (^٨).\nوقال ابن زيد: كانت العرب تقول: الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها (^٩).\nقال ابن جرير: ولهؤلاء من الأثر ما حدثني: نصر بن علي، حدثني بكار بن عبد الله -ابن أخي همام- حدثنا محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيرة، عن النبي: \" ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ قال: النجم الغاسق\" (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) أخرجه الطبري من طريق خثيم بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلى، وإن كان خيثم هو ابن عراك فسنده حسن، وأما خثيم بن عبد الله لم أجد ترجمة له.\n(^٣) رجحه الطبري.\n(^٤) أخرجه البخاري تعليقًا عن مجاهد (الصحيح، التفسير، سورة الفلق قبل حديث ٤٩٧٦) ووصله الفريابي بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (تغليق التعليق ٤/ ٣٨١).\n(^٥) الأثر تتمة لسابقه.\n(^٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق أبي المهزَّم عن أبي هريرة، وسنده ضعيف جدًّا لأن أبا المهزم متروك. (التقريب ص ٦٧٦).\n(^٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن كثير.","vol":"7","page":707},{"text":"قلت: وهذا الحديث لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ.\nقال ابن جرير: وقال آخرون: هو القمر.\nقلت: وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو داود الحَفري، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث، عن أبي سلمة قال: قالت عائشة ﵂: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فأراني القمر حين يطلع، وقال: \"تَعوَّذِي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب\" (^١).\nورواه الترمذي والنسائي، في كتابي التفسير من سننيهما، من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ولفظه: \"تعوذي بالله من شر هذا، فإن هذا الغاسق إذا وقب\". ولفظ النسائي: \"تعوَّذي بالله من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب\" (^٢).\nقال أصحاب القول الأول وهو أنه الليل إذا ولج: هذا لا ينافي قولنا؛ لأن القمر آيةُ الليل، ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وكذلك النجوم لا تضيء، إلا في الليل، فهو يرجع إلى ما قلناه، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-6229\"></span>\n\n<span id=\"aya-6230\"></span>وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة والضحاك: يعني: السواحر، قال مجاهد: إذا رقين ونفثن في العقد (^٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: ما من شيء أقرب من الشرك من رقية الحية والمجانين (^٤).\nوفي الحديث الآخر: أن جبريل جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: اشتكيت يا محمد؟ فقال: \"نعم\". فقال: باسم الله أرْقِيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر كل حاسد وعين، الله يشفيك (^٥).\nولعل هذا كان من شكواه ﵇، حين سحر، ثم عافاه الله تعالى وشفاه، وردَّ كيد السحرةَ الحسَّاد من اليهود في رؤوسهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وفضحهم، ولكن مع هذا لم يعاتبه رسول الله ﷺ يومًا من الدهر، بل كفى الله وشفى وعافى.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن يزيد بن حَيَّان، عن زيد بن أرقم قال: سَحَر النبيَّ ﷺ رجلٌ من اليهود، فاشتكى لذلك أيامًا، قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك، عقد لك عُقَدًا في بئر كذا وكذا، فَأرْسِل إليها من يجيء بها. فبعث رسول الله ﷺ[عليًّا رضي الله تعالى عنه] (^٦) فاستخرجها، فجاء بها فحللها، قال: فقام\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٤٠/ ٣٧٨ ح ٢٤٣٢٣)، وحسن سنده محققوه.\n(^٢) سنن الترمذي، التفسير، باب، ومن سورة المعوذتين (ح ٣٣٦٦).\n(^٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف -وهو الأعرابي- عن الحسن، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر به. وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. (السنن، الطب، باب ما عوَّذ به النبي ﷺ، وما عُوِّذ به ح ٣٥٢٣)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٨٤٠).\n(^٦) زيادة من المسند.","vol":"7","page":708},{"text":"رسول الله ﷺ كأنما نَشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه حتى مات (^١).\nورواه النسائي عن هَنَّاد، عن أبي معاوية محمد بن حَازم الضرير (^٢).\nوقال البخاري في \"كتاب الطب\" من صحيحه: حدثنا عبد الله بن محمد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أول من حدثنا به ابنُ جُرَيْج، يقول: حدثني آل عُرْوَة، عن عروة، فسألت هشامًا عنه، فحدثَنا عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ سُحر، حتى كان يُرَى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن -قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر، إذا كان كذا- فقال: \"يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طَبَّه؟ قال: لَبيد بن أعصم -رجل من بني زُرَيق حَليف ليهُودَ، كان منافقًا- قال: وفيم؟ قال: في مُشط ومُشاقة. قال: وأين؟ قال: في جُفَ طَلْعَة ذكر تحت رعوفة (^٣) في بئر ذَرْوَان\". قالت: فأتى البئر حتى استخرجه فقال: \"هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نُقَاعة الحنَّاء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين\". قال: فاستخرج. فقلت: أفلا؟ أي: تَنَشَّرْتَ؟ فقال: \"أمَّا اللهُ فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا\" (^٤).\nوأسنده من حديث عيسى بن يونس، وأبي ضَمْرة أنس بن عياض، [وأبي أُسامة] (^٥)، ويحيى القطان وفيه: \"قالت: حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله\". وعنده: \"فأمر بالبئر فدفنت\". وذكر أنه رواه عن هشام أيضًا ابن أبي الزَّناد والليث بن سعد (^٦).\nوقد رواه مسلم، من حديث أبي أُسامة حماد بن أُسامة وعبد الله بن نمير (^٧). ورواه أحمد، عن عفان، عن وُهَيب، عن هشام، به (^٨).\nورواه الإمام أحمد -أيضًا- عن إبراهيم بن خالد، عن رباح، عن مَعْمَر، عن هشَام، عن أبيه، عن عائشة قالت: لبث رسول الله ﷺ ستة أشهر يُرى أنه يأتي ولا يأتي، فأتاه ملكان، فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما باله؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصَم، وذكر تمام الحديث (^٩).\nوقال الأستاذ المفسر الثعلبي في تفسيره: قال ابن عباس وعائشة ﵄: كان غلام من اليهود\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصححه محققوه. (المسند ٣٢/ ١٤ ح ١٩٢٦٧).\n(^٢) أخرجه النسائي عن هناد به. (السنن، تحريم الدم، باب سحرة أهل الكتاب ٧/ ١١٢)؛ وصححه الألباني. (صحيح سنن النسائي ح ٣٨٠٢).\n(^٣) هي صخرة تترك في أسفل البئر إذا حُفرت تكون ناتئة هناك، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المُنقي عليها، وقيل هي حجر يكون على رأس البئر يقوم المستقي عليه. (النهاية ٢/ ٢٣٥).\n(^٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، الطب، باب هل يستخرج السحر ح ٥٧٦٥).\n(^٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: وأبي أُمامة.\n(^٦) المصدر السابق (ح ٥٧٦٦ و٥٨٦٣ و٦٣٩١).\n(^٧) صحيح مسلم. (السلام، باب السحر ح ٢١٨٩/ ٤٣، ٤٤).\n(^٨) أخرجه الإمام أحمد عن عفان به. (المسند ٦/ ٩٦)، وسنده صحيح.\n(^٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٤٠/ ٤٠٥ ح ٢٤٣٤٧).","vol":"7","page":709},{"text":"يخدم رسول الله ﷺ فدبَّت إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ مُشَاطة رأس النبي ﷺ وعدة أسنان من مُشطه، فأعطاها اليهود، فسحروه فيها. وكان الذي تولى ذلك رجل منهم -يقال له: لبيد ابن أعصم- ثم دسَّها في بئر لبني زُرَيق، يقال لها: ذَرْوان، فمرض رسول الله ﷺ وانتثر شعر رأسه، ولبث سته أشهر يُرَى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وجعل يَذُوب ولا يدري ما عراه. فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان فَقَعَد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طُبَّ. قال: وما طُبّ؟ قال: سحر. قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي. قال: وبم طَبَّه؟ قال: بمشط ومشاطة. قال: وأين هو؟ قال: في جُف طلعة تحت راعوفة في بئر ذَرْوَان -والجف: قشر الطلع، والراعوفة: حجر في أسفل البئر ناتئ يقوم عليه الماتح- فانتبه رسول الله ﷺ مذعورًا، وقال: \"يا عائشة، أما شعرت أن الله أخبرني بدائي؟ \". ثم بعث رسول الله ﷺ عليًّا والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء البئر كأنه نُقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الجفَّ، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه، وإذا فيه وتر معقود، فيه اثنتا عشرة عقدة مغروزة بالإبر. فأنزل الله تعالى السورتين، فجعل كلما قرأ آية انحلَّت عقدة، ووجد رسول الله ﷺ خفة حين انحلَّت العقدة الأخيرة، فقام كأنما نَشطَ من عقال، وجعل جبريل ﵇ يقول: باسم الله أرْقِيك، من كل شر يؤذيك، من حاسد وعين الله يشفيك. فقالوا: يا رسول الله، أفلا نأخذ الخبيث نقتله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن يثير على الناس شرًّا\" (^١).\nهكذا أورده بلا إسناد، وفيه [غرابة] (^٢)، وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد مما تقدم، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-6231\"></span>\n\n<span id=\"aya-6232\"></span>\n\n<span id=\"aya-6233\"></span>\n\n<span id=\"aya-6234\"></span>﷽\n﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾.\nهذه ثلاث صفات من صفات الربِّ ﷿؛ الربوبية، والملك، والإلهية: فهو ربُّ كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له، مملوكة عبيد له، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات، من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يُزَين له الفواحش، ولا يألوه جهدًا في الخبال. والمعصوم من عَصَم الله، وقد ثبت في الصحيح أنه: \"ما منكم من أحد إلا قد وُكِل به قرينه\". قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: \"نعم، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير\" (^٣).\n_________\n(^١) ضعفه الحافظ ابن كثير.\n(^٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: \"عوانة\".\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ (الصحيح، صفات المنافقين، باب تحريش الشيطان ح ٢٨١٤).","vol":"7","page":710},{"text":"وثبت في الصحيح، عن أنس في قصة زيارة صفية النبي ﷺ وهو معتكف، وخروجه معها ليلًا ليردها إلى منزلها، فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا، فقال رسول الله: \"على رسلكما، إنها صفية بنت حُيي\". فقالا: سبحان الله، يا رسول الله. فقال: \"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا، أو قال: شرًّا\" (^١).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن بحر، حدثنا عدي بن أبي عمَارة، حدثنا زياد النّميري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر خَنَس، وإن نسي الْتقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس\" (^٢). غريب.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم، سمعت أبا تميمة يُحَدث عن رَديف رسول الله ﷺ قال: عَثَر بالنبي ﷺ حمارهُ، فقلت: تَعِس الشيطان. فقال النبي ﷺ: \"لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعس الشيطان، تعاظَم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب\" (^٣).\nتفرد به أحمد، إسناده جيد قوي، وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغُلِب، وإن لم يذكر الله تعاظم وغلب.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أحدكم إذا كان في المسجد، جاءه الشيطان فأبسَّ (^٤) به كما يُبَس الرجل بدابته، فإذا سكن له زنقه - أو: ألجمه\". قال أبو هُرَيرة: وأنتم ترون ذلك، أما المزنوق فتراه مائلًا -كذا- لا يذكر الله، وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله ﷿ (^٥). تفرد به أحمد.\nوقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خَنَس (^٦). وكذا قال مجاهد، وقتادة (^٧).\nوقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه: ذُكرَ لي أن الشيطان، أو: الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن وعند الفرح، فإذا ذكر الله خنس (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الشيخان من حديث صفية بنت حُييِّ ﵂. (صحيح البخاري، الأدب، باب التكبير والتسبيح عند التعجب ح ٦٢١٩)؛ وصحيح مسلم، السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رؤي خاليًا بامرأة .. أن يقول هذه فلانة (ح ٢١٧٥).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه. (المسند ٧/ ٢٧٨ ح ٤٣٠١) وسنده ضعيف لضعف عدي وزياد. (فتح الباري ٨/ ٧٤٢ ومجمع الزوائد ٧/ ١٥٢).\n(^٣) تقدم تفسيره في بداية سورة الفاتحة.\n(^٤) التلطف بالدابة بأن يقول لها: بس بس تسكينًا لها. قاله السندي في حاشية المسند.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده قوي. (المسند ١٤/ ١٠٥، ١٠٦ ح ٨٣٧٠).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس والطبري والحاكم (المستدرك ٢/ ٥٤١) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.\n(^٨) أخرجه الطبري من طريق ابن ثور عن أبيه به وسواء كان عن والد ابن ثور أو والد معتمر بن سليمان فالسند ضعيف لجهالة المفسر.","vol":"7","page":711},{"text":"وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ قال: هو الشيطان يأمر، فإذا أطيع خنس (^١).\n\n<span id=\"aya-6235\"></span>وقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ هل يختص هذا ببني آدم -كما هو الظاهر- أو يعمُّ بني آدم والجن؟ فيه قولان، ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليبًا.\nوقال ابن جرير: وقد استعمل فيهم (رجَالٌ منَ الجنّ) فلا بدع في إطلاق الناس عليهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-6236\"></span>وقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ هل هو تفصيل لقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ ثم بينهم فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ وهذا يقوي القول الثاني. وقيل قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ تفسير للذي يُوسوس في صدور الناس، من شياطين الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] وكما قال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا المسعودي، حدثنا أبو عُمَر الدمشقي، حدثنا عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذَرٍّ قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فجلست، فقال: \"يا أبا ذرّ، هل صليت؟ \". قلت: لا. قال: \"قم فصل\". قال: فقمت فصليت، ثم جلست فقال: \"يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن\".\nقال: قلت: يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: \"نعم\". قال: قلت: يا رسول الله، الصلاة؟ قال: \"خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر\". قلت: يا رسول الله فما الصوم؟ قال: \"فرض يجزئ، وعند الله مزيد\". قلت: يا رسول الله، فالصدقة؟ قال: \"أضعاف مضاعفة\". قلت: يا رسول الله، أيها أفضل؟ قال: \"جُهد من مُقل، أو سر إلى فقير\". قلت: يا رسول الله؛ أي: الأنبياء كان أول؟ قال: \"آدم\". قلت: يا رسول الله، ونبي كان؟ قال: \"نعم، نبي مُكَلَّم\". قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: \"ثلثمائة وبضعة عشر، جَمًّا غَفيرًا\". وقال مرة: \"خمسة عشر\". قلت: يا رسول الله، أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: \"آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (^٣) \".\nورواه النسائي، من حديث أبي عمر الدمشقي، به (^٤). وقد أخرج هذا الحديث مطولًا جدًّا أبو حاتم بن حبان في صحيحه، بطريق آخر، ولفظ آخر مطول جدًّا (^٥)، فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن منصور، عن ذرِّ بن عبد الله الهَمْداني، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أحدث\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.\n(^٢) ذكره الطبري بنحوه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده ضعيف جدًّا لجهالة عبيد بن الخشخاش ولضعف أبي عمر الدمشقي. (المسند ٣٥/ ٤٣١، ٤٣٢ ح ٢١٥٤٦).\n(^٤) أخرجه النسائي مقتصرًا على بدايته في ذكر الاستعاذة (السنن، كتاب الاستعاذة ٨/ ٣١٦) وسنده ضعيف كسابقه.\n(^٥) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٢/ ٧٦ ح ٣٦١٠ وسنده ضعيف جدًّا لأن فيه إبراهيم بن هشام الغساني الدمشقي وهو كذاب (ميزان الاعتدال ١/ ٧٣٩).","vol":"7","page":712},{"text":"نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به. قال: فقال النبي ﷺ: \"الله أكبر الله أكبر، الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة\" (١).\nورواه أبو داود والنسائي، من حديث منصور؛ زاد النسائي: والأعمش كلاهما عن ذر، به (٢).\n* * *\nآخر التفسير، ولله الحمد والمنّة [والحمد لله رب العالمين] (٣)، وصلواته وسلامه على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم. [حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير] (٤).\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٤/ ١٠ ح ٢٠٩٧).\n(٢) سنن أبي داود، الأدب، باب في رد الوسوسة (ح ٥١١٢)؛ والسنن الكبرى للنسائي، عمل اليوم والليلة (ح ١٠٥٠٣) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٢٦٤).\n(٣) زيادة من (حم).\n(٤) زيادة من (حم).\nوقد جاء ختام التفسير بخط كاتبه وهو ما نصه:\nقال كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى: محمد الشاذلي ابن الشيخ جاد الكريم الشافعي (عفى الله عنه وغفر له): نجز هذا الكتاب المبارك وهو: تفسير الحافظ عماد الدين بن كثير في يوم الثلاثاء المبارك عشري شهر جمادى الأول من شهور سنة أربع وثمانين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.\nوقد أمرني بكتابته لنفسه استئجار الشيخ الإمام العالم العلامة: أبو السعادات بن نور الله قاضي الفضاة (١) بمصر المحروسة عفى [الله] (٢) عنه.\nوقد كتبت نحو نصفه في حال توليته، ثم تولى قضاء مكة المشرفة، فذهب مع الحاج المصري (٣)، وتوفي إلى رحمة الله تعالى بمكة المشرفة عشري شهر الحرام سنة ثلاث وثمانين وألف.\nوقد أكملت هذا الكتاب بحمد الله وعونه بعد وفاته، وأوصلته إلى وصيه يدفعه إلى أولاده بمكة المشرفة أوصله الله إليهم سالمًا بمنه وكرمه آمين.\nاللَّهم إني أسألك يا مقيل العثرات، وكاشف الكربات والبليات، وجامع الشتات، وسامع الأصوات الخفيات بحرمة نبيك محمد ﷺ أن تكشف كربتي، وتكرم عندك منزلتي، إنك أرحم الراحمين.\nاللَّهم كما أدخلتني في هذه الدنيا على سلامة فأخرجني منها على سلامة، وأدخلني دار السلام بسلامة من غير سابقة عذاب ولا حساب، ولا ندامة يا مجيب المضطر إذا دعاه ويكشف كربه وبلاه، ويرحم تضرعه وشكواه.\nاللهم صلِّ وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته والتابعين وتابع التابعين، وعبادك الصالحين وعلينا معهم. آمين والحمد لله رب العالمين. تمّ. اهـ.\n_________\n(١) الصواب: رئيس القضاة.\n(٢) زيادة يقتضيها السياق.\n(٣) أي: مع جماعة الحجيج المصريين.","vol":"7","page":713}]}